المقالات

شاب عمره 34 سنة، فاز :

– ضد ترامب وجبروته

– ضد الحزب الجمهوري وقوته

– ضد تيار  الغدر  المرتبط باللوبيات في حزبه.

– ضد الأقطاب المالية الكبرى وتشعباتها.

– ضد وسائل الإعلام التقليدية الكبرى وتأثيرها

– ضد الكيان ولوبياته. 

شاب عمره 34 عاما يفوز في نيويورك العاصمة الاقتصادية للولايات الأمريكية المتحدة وأكبر مركز مالي في العالم.

شاب عمره 34 سنة ينشئ تيارا شعبيا عابرا للأحزاب والمعتقدات يجند فيه قرابة مائة ألف شاب متطوع في حملته الانتخابية.

لم يكن لهذا الشاب أن ينجح لو لا وجود هوامش ديمقراطية كافية لذلك، لو لا رجحان كفة من يريد التغيير في بلاده.

إنها رسالة لكم أيها الشباب في بلداننا: تستطيعون فعل ذلك بشرطين أساسيين، بغيرهما لا معنى لأي شرط آخر:

– أن تحاربوا الاستبداد بلا هوادة، وأن تعملوا ضد التحكم في إرادة الناس، والتزوير والغش والفساد وشراء الذمم وأن تضحوا من أجل ذلك. إنها معركة شاقة وخطرة ولكن لديكم القوة والوقت لذلك، ولو انكسر منكم ألف وألفان على هذا الطريق، سينجح الواحد منكم بعد الألف والألفين ويكون ثمرة من  ثماركم.

– أن تكسروا شبكات الانتهازية والزبونية، وطوابير المصالح الشخصية والطموحات الصغيرة وأصحاب الأيادي المرتعشة. وهؤلاء أمرهم أسهل، بيوتهم كلها من ورق، وإنما يُكسرون بالحجة البالغة، والصدق الذي لا تلون معه، هم يميلون حيث تميل الريح، يكفي أن ترتفع أصواتكم، وتثبتوا على طريقهم ليختفي أكثرهم.

انظروا إلى هذا الفيديو المرفق كيف يتجه بالنقد مباشرة إلى المنافس الأقوى: إلى ترامب الذي يحكم العالم!

لا تصدقوا بأنه يواجه ترامب لأنه يشعر بالأمان، هو يعلم بأنه معرض للاغتيال، وأنه سيواجه قوة جبارة لتشويه ولإفشاله ولإتاحته.

لم ينجح لأنه مسلم ولكن لأنه شجاع واجه الأقوياء، لأنه مع المظلومين، في بلاده وفي فلسطين، لأن له أفكار، لأنه يغامر، لأنه لا يتردد، لأنه صاحب كفاءة، لأنه صادق، لأنه جذاب، لأنه يجمع، لأنه شاب. 

إنه التيار القادم، أسأل الله أن نكون من صانعيه، وأن نكون الجسر الذي تعبرون عليه أيها الشباب، الأمل كله فيكم.

 

د. عبد الرزاق مقري

ربما السؤال الأنسب هو لماذا تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو  في قضية الصحراء الغربية لمنع التقدم الذي حصلت عليه المغرب في مجلس الأمن؟

قضية الصحراء الغربية ليست ذات وزن في المصالح الصينية والروسية، وليست قضية مبدئية من حيث أنه لدى الصين وروسيا قضايا يمكن اعتبارها شبيهة بقضية الصحراء الغربية، فيوجد لدى الصين قضية الإيغور مثلا وربما قضية تايوان، وعند روسيا قضية جزيرة القرم والدونباس وسابقا الشيشان وداغستنان  وغيرها.

فهل يمكن استعمال حق الفيتو فقط لمواجهة الولايات الأمريكية المتحدة؟ ليس هذا واردا في الظروف الحالية، فروسيا في اتصال مع الإدارة الأمريكية وهي تحقق نجاحات مع ترامب، وقد اعترف لها على الأقل بأحقيتها في جزيرة القرم ومناطق مهمة شرق أوكرانيا، والصين ليس في استراتيجيتها التصعيد مع الولايات الأمريكية وفي مصلحتها، تجاريا وتكنولوجيا، تخفيض التصعيد.

وهل الصين وروسيا حقا حليفان استراتيجيان للجزائر، ولو على حساب المغرب، فتسندان ررؤيتها في ملف الصحراء الغربية في مجلس الأمن؟ ليس الأمر على هذا النحو.

لا أحد يجهل البرودة في العلاقة بين روسيا والجزائر التي ظهرت في عدم دعم روسيا عضوية الجزائر لمنظمة البريكس، وكيف تنظر روسيا للجزائر من الناحية الاستراتيجية الدولية، والتي عبر  عنها لافروف بتصريح فهم بأنه مسيء للجزائر عقب الاجتماع إذ قال بأن “المعايير التي أخذت بعين الاعتبار لدى مناقشة توسع مجموعة البريكس هي وزن وهيبة الدولة ومواقفها في الساحة الدولة ومساهمتها في التحول نحو عالم متعدد الأقطاب”. وقد بيّنت في مقال عن ذلك حينها بأن روسيا تعتبر أن الجزائر لم تحسم أمرها في مسألة التحالفات الدولية وأنها أقرب إلى الولايات الأمريكية المتحدة. وزاد في توتر العلاقات بين البلدين التحولات الكبرى التي وقعت في مالي ودول الساحل والتي جعلت الجزائر  أقرب إلى المعسكر الغربي في هذا الملف، وقد شهدنا جميعا الرد المهين للافروف على الصحفية الجزائرية التي سألته عن تورط الفيلق الإفريقي الروسي في جرائم ضد المدنيين.

وبالرجوع إلى هذه الحادثة يمكن أن نتساءل هل كان هذا الحدث بريئا أسابيع قليلة قبل انعقاد مجلس الأمن عن قضية الصحراء الغربية.

ومن أغرب ما حدث في هذا الملف أنه في الوقت التي باتت علاقات الجزائر سيئة جدا مع جيرانها في بعض دول الساحل وخاصة مالي – وهي الآن منطقة نفوذ مع روسيا  – هو التقارب الكبير الذي حصل بين حكومات هذه الدول والمغرب، ولا شك أن هذا الوضع الجديد ليس في صالح الجزائر في علاقتها مع روسيا.

وكون السلاح  الجزائري سلاحا روسيا لا يكفي ليكون التحالف الاستراتيجي نهائيا بين الدولتين، فالقاعدة أن الدولة المسلحة بغير سلاحها والتابعة في تسليحها لدولة أخرى قد تكون تابعة وليس بالضرورة حليفا. ولا تكون روسيا منزعجة كثيرا على المدى القريب من ضياع هامشها في سوق السلاح بالجزائر، فهي تعلم بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تمنح أسلحتها المتطورة للجزائر في المدى المنظور، كما أن تغيير  الدولة تبعيتها في السلاح من دولة إلى دولة أخرى يتطلب على الأقل عشر سنوات، ويتسبب عادة في حالة إضعاف للقدرات العسكرية للدولة المعنية، إذ يتطلب  ذلك تغيير ثقافة عسكرية عميقة ومهارات ومعارف راسخة يصعب تغييرها، وهو قرار  معقد لا يعدّ اتخاذه بالأمر السهل،  إلا إذا كان الانتقال إلى سلاح وطني تصنعه الدولة بنفسها في بلادها.

أما بالنسبة للصين فإن المسألة أبسط من هذا بكثير، فرهاناتها الأساسية حاليا رهانات جيواقتصادية وليس جيوسياسية أو جيوستراتيجية، والجزائر  أقل جذبا في الجانب الاقتصادي من المغرب، حيث أن المغرب يتفوق علينا في حجم الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية والصناعات المتقدمة والاستثمارات الكبيرة مع الصين في حين تتجه علاقاتنا الاقتصادية بالصين  أكثر نحو البنية التحتية التقليدية والتوريد وفي مجال الطاقة رغم الفرص الكبيرة  للاستدراك. وقد تفاجأتُ فعلا بحديث لمسؤول صيني في حفل أقامته السفارة الصينية بالجزائر   عام 2023 حاولت أن أحدثه عن فرص الاستثمار في بلادنا فأخذ يكلمنا بصراحة عن البيئة الطاردة للأعمال في الجزائر.

فبالنظر  لهذه المعطيات ( التي لا تناقش في الرأي العام في بلادنا) ما الذي يجعل الصين وروسيا تستعملان  حق الفيتو  لإرضاء الجزائر وتتسبب في ازعاج المغرب الذي يعتبر هو كذلك بلدا صديقا لهما؟

 

د. عبد الرزاق مقري

اعتمد مجلس الأمن الدولي  الجمعة، قرارا ينص على أن منح  الصحراء الغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للقضية القائمة منذ خمسين  عاما ويدعو الأطراف المعنية إلى الدخول في مفاوضات على هذا الأساس

‎صوتت لصالح القرار 11 دولة من الدول الـ15 الأعضاء بمجلس الأمن، في حين امتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تشارك الجزائر في التصويت.

‎ويدعو القرار جميع الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات بناءً على خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لأول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007.

‎كما جدد مجلس الأمن مهمة حفظ السلام في الصحراء الغربية لمدة عام واحد.

رحب المغرب بالقرار  ترحيبا كبيرا على لسان ملكه، في حين لم تشارك الجزائر في التصويت وأبدى ممثلها السيد عمار بن جامع نقدا شديد اللهجة للقرار قائلا: ”   فالإطار الضيق للمفاوضات المقترح، والذي يفضّل خيارًا على حساب خيارات أخرى، يُقيد المرونة والإبداع اللازمين للتوصل إلى اتفاق حر ومتوافق عليه، وفقًا لعقيدة الأمم المتحدة في مجال تصفية الاستعمار. علاوة على ذلك، فإن النص يُحدث اختلالًا في التوازن بين الطرفين، إذ يركّز على الطموح الإقليمي لأحدهما (المغرب)، ويغفل تطلعات الآخر، أي الشعب الصحراوي، الذي يطالب بالحرية. والدليل على ذلك، أن النص يتجاهل مقترحات جبهة البوليساريو، التي تم تقديمها مؤخرًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، ونُشرت رسميًا تحت الرمز S/2025/664. إنها طرف في النزاع، ويجب الاستماع إلى رأيها وأخذه بعين الاعتبار. كما يثير النص تساؤلات خطيرة ومشروعة حول الأسس القانونية للإطار التفاوضي المقترح لحل النزاع. تخيلوا لو تم اعتماد هذا الإطار في مناطق نزاع أخرى في أوروبا أو الأمريكيتين أو آسيا أو إفريقيا، حينها سيتعرض أحد الأركان الأساسية للنظام الدولي إلى تصدع خطير.  “

إن الأسئلة التي تطرح اليوم بهذا الخصوص كثيرة منها:

– لماذا امتنعت الجزائر عن المشاركة في التصويت؟ هل هو تسليم بالأمر الواقع؟ أم أنه خضوع لضغوطات ما؟

– لماذا لم يحمّل ممثل الجزائر المسؤولية للولايات الأمريكية المتحدة “حاملة القلم” المسؤولة عن هذا التحول الدراماتيكي؟

– هل ستستمر الولايات الأمريكية المتحدة في الضغط على دول المنطقة وعلى البوليزاريو  أثناء المفاوضات والاستفتاء لصالح الحكم الذاتي ؟

– هل لتصريحات المسؤولين الأمريكيين بخصوص إصلاح العلاقات بين المغرب والجزائر علاقة بهذا التحول؟

– لماذا لم تسمح السلطات الجزائرية بمناقشة مجتمعية حرة لقضية الصحراء الغربية حتى لا نفاجأ بهذا التحول؟

– كيف نقيم التضحيات الكبيرة التي قدمتها الجزائر بسبب هذا الملف؟ وما تقييم الخسائر؟ من المسؤول؟ ومن يحاسب على هذا؟

– ما الذي ستستفيده الجزائر من هذا القرار؟

– ما هو مصير مشروع المغرب العربي؟

– هل سيزيد هذا التحول من حضور النفوذ الخارجي الفرنسي الأمريكي في المنطقة أم ينقصه؟

– هل سيعمق هذا التحول التمدد ال”ص” والتطبيع في المنطقة أم يضعفه؟

– كيف ستكون العلاقات المغربية الجزائرية بعد هذا التحول؟ هل ستتطور وفق إرادة البلدين الشقيقين أم ضمن الاستراتيجيات والمصالح الأمريكية؟ 

– ما هو موقف وما هي نفسية المزايدين الانتهازيين، من أحزاب ومنظمات وشخصيات،   الذين كانوا يصعدّون بشأن ملف الصحراء الغربية؟ أين هو دور الذباب الإلكتروني؟ هل سيشنون حملات على هذا القرار وضد الولايات الأمريكية المتحدة؟ أم أنهم يمتنعون عن ذلك توافقا مع موقف الامتناع عن المشاركة في التصويت الرسمي؟

– لماذا ضاعت فرصة الوصول إلى الحل عبر الحوار  بين دول المنطقة عبر السنوات الطويلة الماضية بما يضمن الحقوق ومصالح الجميع دون تدخل أجنبي ؟

 

د. عبد الرزاق مقري

إن المجتمع المدني النافع للبلاد هو “المجتمع المدني المفيد وليس المجتمع المدني المستفيد” على نحو ما كان يقوله الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.  والمجتمع المدني المفيد هو الذي يضحي أفراده من أجل الصالح العام، أما المجتمع المدني المستفيد هو الذي يتعلم أفراده فنون الانتهازية وخدمة الأغراض السياسية للحكام والقوى السياسية من أجل المصالح الخاصة والطموحات الشخصية.

إن التضييق على بروز المجتمع المدني المفيد ومنع الجمعيات الوطنية المفيدة من تجنيد الأفراد وصقل قدراتهم ومواهبهم لخدمة الصالح العام في مختلف المجالات وتوسيع مجالات تأثيرها إلا إذا كانت موالية للحكام قبل ولائها للبلد وخاضعة للأشخاص وليس للقانون هو تجميد لقدرات بلد بكامله إذ لا أمل في  تطور الأوطان والنهوض الحضاري دون مشاركة حرة فعلية للمجتمع المدني

إن إعاقة النشاط وتنظيم المؤتمرات الوطنية والدولية للمنظمات ليس إعاقة لها فقط بل هو  تعويق للجزائر وتشويه لصورتها أمام علماء ومفكري الأمة ونشطاء الحرية والقضايا العادلة في الأمة وفي العالم. وما هذا المنع والتضييق  إلا مظهر آخر من مظاهر تراجع هوامش الحريات في البلاد بشكل غير مسبوق.

ولا يمثل هذا التراجع صورة سلبية للسلطات المانعة فقط، بل هو كذلك نتيجة حتمية لتخلي الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام عن الكفاح من أجل الحريات ووضع نفسها وأنشطها تحت سقوف متدنية في الفعل السياسي أقل بكثير مما يتيحه الدستور والقوانين.

إن استمرار الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام والشخصيات في التفريط في الحقوق والحريات والتدافع السلمي والرقابة على الشأن العام لأسباب أنانية وطموحات شخصية وأوهام المحافظة على المكتسبات، وتحويل الوسائل إلى غايات، سيضيق الهوامش أكثر فأكثر وسيضيع المكتسبات كلها وسيهدّ الغايات ونصبح يوما ما أمام أشباح أحزاب ومنظمات وقيادات، والبلد في وضع لا يليق بمكانته وتاريخه ومصالحه.

وصدق الله تعالى إذ يقول: (( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض))

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ)) رواه الترمذي وقال حديث حسن.

د. عبد الرزاق مقري.

 

لو حسبت الإخوة العشرة الأقرب إليّ ممن عرفتهم في ساحة الدعوة والعمل السياسي لكان جمال من أوائلهم. إنه من الرجال القليلين الذين بقوا كمعدن الذهب لم يتغير ولم يتبدل، بل كلما مر الزمن زادت قيمته.

إنه الأخ العزيز جمال محمد لقرع رحمه الله رحمة واسعة.

لقد توفاه الله في سن التاسعة والستين بعد مرض عضال ألم به، عاش مع زوجة فاضلة من الدعاة المربيات في البلدة، أخذ الله قبل سنوات ولدا من أولاده الثلاثة، كان آية في الطيبة والجمال، فكان المصاب جللا، وبقي بعده ابنه الأكبر الدكتور أسامة طبيبا متخصصا في ألمانيا، وابنة كريمة متزوجة في المسيلة، أسأل الله تعالى أن يرحمه رحمة واسعة وأن يرزق زوجته وولديه وأحفاده المتعلقين به كثيرا الصبر والسلوان.

عُرف أخي جمال رحمه الله بذكائه الشديد ونبوغه بين أقرانه منذ طفولته، فحصل على شهادة الباكلوريا في بداية السبعينات قبل الأوان، وتفوق في دراسته في المعهد الوطني للأشغال العمومية.

وأثناء خدمته الوطنية كلف بمهام كبيرة لكفاءته ونزاهته، فأسند إليه الإشراف على مدرج الطيران العسكري في تمنراست وعهد إليه الإشراف على الطريق العابر للصحراء في الجزء التابع لولاية تمنراست. وبعد خروجه من الخدمة الوطنية تقلد منصب المدير الولائي للتعمير فنال شهرة كبيرة في الإدارة المحلية.

وفي حياته النضالية اشتغل أثناء دراسته الجامعية في لجان التطوع الطلابية في زمن الحزب الواحد، وبعد أن تعرف على الحركة الإسلامية في منتصف الثمانينيات في ولاية المسيلة ارتقى إلى مستوى الريادة بكفاءته وذكائه ورجاحة عقله وسمو أخلاقه وتجرده ونضاله، فكان رئيس أول جمعية ولائية تأسست فورا بعد صدور قانون الجمعيات عام 1988 وهي “الجمعية الولائية للتربية والتكافل الاجتماعي” التي كانت الواجهة الرسمية الأولى للتنظيم الدعوي بالمسيلة قبل تأسيس “جمعية الإصلاح والإرشاد الوطنية” والتي اشتغل فيها رجال أفاضل من جيل المؤسسين أمثال الشيخ محمد مخلوفي، الأستاذ يوسف موسود رحمه الله، الشيخ عبد الله نور، الشيخ الحاج بوساق (ابن عم الشيخ أحمد بوساق)، اشتهرت هذه الجمعية ونالت التقدير والاحترام عند عموم الناس وأعيان البلدة والسلطات المحلية، ومن أفضل ما اشتهرت به خدماتها الاجتماعية ومساهماتها الثقافية، وخصوصا “جلسات إصلاح ذات البين” التي بات القضاء المحلي يستعين بها لما نالته الجمعية من مصداقية وما حققته من نتائج مشهودة كثيرة مستعصية. وبعد أن تأسست جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية تراجع أداء الجمعية الولائية وتم تحويل مقراتها إلى جمعية الإرشاد عبر إجراءات قانونية كان الأستاذ جمال ممن أشرف علي القيام بها.

انخرط أخونا جمال محمد الأقرع انخراطا كاملا في النضال الحزبي بعد تأسيس الحزب فكان أول رئيس مكتب ولائي عام 1991 للواجهة الحزبية قبل الإدماج ولم يفكر أبدا بأنه يغامر بطموحاته الشخصية وبالمكانة العالية التي كان يتمتع بها عند السلطات المحلية المدنية والعسكرية، ولم يكن له من طموح في ذلك رحمه الله إلا الوفاء لرسالته الدعوية وخدمة بلده، فلم يقبل في أي محطة من المحطات الانتخابية أن ينافس على الترشح للبرلمان أو المجالس المحلية رغم بروز اسمه في طليعة المرشحين في مجالس التداول والقرار بالحركة ولائيا وإلحاح القادة والمناضلين عليه وإصرار الأعيان العارفين بقيمته عند كل استحقاق انتخابي.

ومن دلائل صدق زهده أنه كان هو السند التقني الخلفي لكل منتخبي الحركة، فكان رحمه الله هو ركيزة لجنة المرافقة التقنية، مع أخيه ورفيقه وصديقه إسماعيل ميمون، التي كانت تسندني أثناء أداء مهمتي النيابية بين 1997-2007 وهي سر نجاحي في متابعة قضايا التنمية المحلية وما نلته من مكانة عند رؤساء الحكومات والوزراء والولاة والمدراء التنفيذيين### الذين تجاوبوا معي كثيرا لنضج الملفات التي كان الأخوان جمال وإسماعيل يساهمان في إعدادها لي مساهمة أساسية. ثم واصل نفس المهمة مع نواب آخرين من بعدي ومع المنتخبين المحليين الذين تداولوا على المجالس المحلية، ولم تكن ثمة قضية في هذا الشأن يحضرها جمال رحمه الله وتبقى مستعصية.

لم تكن المعارف والمهارات التقنية هي وحدها ميزة جمال رحمه الله، بل كانت خصيصته الأساسية مهاراته القيادية، التي كانت تؤهله ليكون قائداً وطنيا لا يشق له غبار، ولكن بسبب زهده المعتاد في الظهور كان دائما يضع نفسه في المراتب الثانية وراء إخوانه، فتقلد مسؤولية نائب رئيس المكتب البلدي لبلدية المسيلة وراء أخيه إسماعيل ميمون ثم وراء أخيه عبد الرشيد ميرة، ثم نائب رئيس المكتب الولائي وراء أخيه صالح نور، وكان في كل ذلك لا يُقضى أمر مهم دون أن يكون حاضرا فيه، فكان يسمى “الحكيم” و”المخ” وغير ذلك من ألقاب التقدير الصادقة. وكنت كلما حاولت أن أؤهله لمناصب ادارية وحكومية مركزية، أو مهام قيادية تنظيمية وطنية يرفض رفضا قاطعا فلا يترك لي أي مجال للإلحاح.

كان بإمكان جمال محمد لقرع رحمه أن يكون مقاولا من أكبر المقاولين في البلد عبر شركته “أثير” في الدراسات والإنجاز التي جمع فيها من أكفأ وأنزه المهندسين والتقنيين في المسيلة، ورغم نجاحاته في مشاريع كبرى ولائية وجهوية ووطنية بقي مقاولا مكتفيا بالكفاف بسبب تفشي الرشوة والفساد والمنافسة غير العادلة التي سيطرت عليها الرداءة التي تسببت في كوارث كان هو وشركاؤه وأعوانه من الشهود التقنيين عليها.

أدرك أخي العزيز جمال محمد لقرع رحمه مبكرا فساد العملية السياسية في الجزائر فابتعد في السنوات الأخيرة عن الاهتمام بالشأن الحزبي والتنظيمي، وكان من الشخصيات الملهمة التي قادتني إلى نفس النتيجة لاحقا، التي مفادها عدم الرهان على التغيير المنشود الذي ينهض بالبلد من داخل النظام السياسي، والتركيز على العمل الشعبي والاستثمار في المجتمع، إذ كان حريصا عليّ أن لا أضيع وقتي وقدراتي كثيرا في مسار المشاركة السياسية في ظل الموازين السياسية القائمة، وأن أركز على العمل الاستراتيجي، وكان من الداعمين لي في هذا المجال، ورغم كبر سنه تطوع من تلقاء نفسه أن يرعى أكاديمية جيل الترجيح الشبابية بالمسيلة بنفسه، التي كان ابنه دكتور أسامة – شبهه في الأخلاق الذكاء والتفوق الدراسي – أحد خريجيها.

رغم صرامة أخي جمال وصراحته في التعبير عن رأيه كان من ألطف الناس، وأرفق الناس، وأرحم الناس، لا يأتيك منه سوء أبدا، ولا يعكر صفوك في كل الأحوال مطلقا، لا يقول إلا خيرا. لقد كان رحمه الله نبعا للخير، لا يصدر عنه إلا ما ينفع، اتصف بأخلاق جليلة على رأسها الصدق والرجولة والشهامة والوفاء والمروءة، استطاع أن يجذب إليه حب وتقدير واحترام إخوانه، حتى بات محل إجماع بيننا رحمه الله رحمة واسعا.

لم يكن جمال رحمه الله هو وحده القريب إليّ، بل كانت المودة بيننا عائلية، فزوجته المربية الداعية القدوة صديقة زوجتي، وابنه الدكتور الطبيب أسامة من أقرب الأصدقاء إلى أبنائي، كبروا جميعا معا في بيتَينا، ولذلك المصيبة مصيبة العائلة كلها، فالله أسأله أن يرحم أخي جمال رحمة واسعة وأن يصبّرنا جميعا على فقده وأن نكون معا جميعا على سرر متقابلين في الفردوس الأعلى.

اللهم آمين

د. عبد الرزاق مقري.

 

 

حينما أنظر إلى ما مضى من عمري بعد الخامسة والستين أجد أن حياتي بحمد الله لم تكن سدى وأن ما أنجزته في مختلف الأمر يتمناه كل إنسان سوي، يمكن البناء عليه لتثمينه أكثر ولو في وقت وجيز، ولكن أقترفت من الأخطاء وأضعت من الفرص ما لا يمكن استدراك كثير منه، وما يمكن أن تساعد التجربة في تصحيح بعضه واللحاق به بإذن الله تعالى وقوته.

1 – أين نجحت؟

أما ما نجحت فيه بحمد الله وتوفيقه ومنّه وكرمه، فمنه:

– على المستوى الشخصي:

التزمت دينيا منذ فترة الطفولة، وحفظت كتاب الله كاملا، وتحصلت على تعليم جيد، في الطب والعلوم الشرعية وعلوم الإدارة والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ونلت ما احتجته من اللغات، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ولم أكتف بالوظيف فعملت في التجارة منذ العشرينيات من عمري فأغناني الله عن غيري، ونجحت إلى الحد الآن في التوازن بين الاحتياجات الروحية والصحية والعقلية والاجتماعية، وتدربت على مهارات عديدة حتى أتقنتها كالكتابة والخطابة والقيادة وتسيير الشأن العام.

– على المستوى العائلي:

اخترت زوجتي على أساس الدين لا غير، فكانت نعمة في الدنيا والدين، نعم الزوجة ونعم مربية الأولاد، صالحة، داعية، عالمة، حافظة لكتاب الله، رزقني الله تعالى منها ثمانية أولاد، تربوا كلهم على القرآن والصلاح والعلم، تفوقوا كلهم في الدراسة وتخرجوا جميعهم من الجامعات الجزائرية، ولم يتخلف أحد منهم عن الانخراط في العمل في سبيل الله من أجل بلدهم وأمتهم والقضية الفلسطينية، اتجهوا للعمل من أجل قوت أولادهم بعرق جبينهم دون أن ينالوا أي امتياز من الدولة أو أي جهة أخرى ذات شأن، في وظيف أو سكن أو أي شيء آخر. لم أفرط في توفير ما يلزمهم من كرامة العيش، من بيت واسع أو فرص عائلية تضامنية وبيئة صالحة لهم ولأولادهم، في دينهم ودنياهم، وصنت أرحامي وحفظت ود أقاربي وجيراني. ولله الحمد والمنة

– على مستوى الشأن العام في بلدي:

انخرطت في الدعوة الإسلامية مبكرا منذ الطور المتوسط في منتصف السبعينيات على يد الشيخين الفاضلين محمد مخلوفي وأحمد بوساق، فلم أخيب بحمد الله ظنهما، وبقيت وفيا لهما وحسنة جارية لحسابهما بإذن الله، إذ ثبت على ما أخذت عنهما من القيم ورسالة الدعوة إلى الله، فكنت من مؤسسي الصحوة في المسيلة وعدد من الولايات انطلاقا من جامعة سطيف التي كانت بحق قلعة من قلاع الدعوة في الثمانينيات، تجسّدت فيها معاني التأهيل القيادي ووحدة العمل الإسلامي.

ثم تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ففُتحت لي على يديه أبواب الجهاد السياسي والأداء الاستراتيجي في البلد وعلى المستوى العالمي، فتميزت عن غيري بالمساهمة الفاعلة معه في تأصيل العمل الجمعوي، وتأسيس العمل النيابي، وفتح خط عميق ثابت للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد والتزوير الانتخابي، وساهمت بعد وفاة الشيخ محفوظ في حفظ الحركة من أن يُذهب التنازعُ ريحها، واشتغلت أثناء النزاع في تعليم الناس مهارات التخطيط والتدريب والرؤى المستقبلية.

وأثناء قيادة الحركة طورت مفهوم المقاومة السياسية وساهمت من موقع الريادة في ترسيخ النضال المشترك بين التيارات من أجل الانتقال الديمقراطي، وخضت تجربة كادت تثمر من أجل التوافق الوطني لو لا صراعات الأجنحة حول الرئيس المريض، وأنانية القوى السياسية.

ورسمت مسارا صلبا في الحركة لإدارة الوظائف المجتمعية عبر ما سميته الخط الاستراتيجي ونظرية التخصص الوظيفي مما بقيت آثاره قائمة. وأعطيت فرصة للوحدة فأنجزنا منها جزء مهما، وحققنا نتيجة انتخابية مشرفة كادت تنقلنا إلى مستوى الشراكة السياسية بدل أوهام المشاركة لو لا عتو النظام السياسي الذي أكّد مرة أخرى بأنه لا يمكن التعاون معه دون تغير موازين القوة.

وتركت بعدي حركة موحدة مؤهلة لاستكمال المهمة لو أراد من أهلتهم لقيادتها ذلك، صنعت فيها، وممن ليس فيها أجيالا من القادة، وتركت حولها مؤسسات كبيرة مؤثرة في اختصاصات عديدة.

ثم تركت العمل الحزبي وتحولت كلية لأعمّق ما كنت ابتدأته في النضال الفكري والسياسي عبرالمقالات والكتب والإنتاج السمعي البصري وعبر مختلف منصات الوسائط الاجتماعية، وفي التأهيل القيادي الشبابي، والكفاح ضد الفساد والاستبداد ومن أجل نهضة البلد ومساهمته في نهضة الأمة وتحرير فلسطين.

– على مستوى قضايا الأمة خارج البلد:

بدأ اهتمامي بشؤون الأمة في الجامعة وأنا إمام خطيب أدعو لنهضة المسلمين واستعادة مجدهم، وبدروسي في المدرسة الشرعية بمسجد جامعة سطيف ومساجد أسامة والأنصار وغيرهما بمدينة المسيلة عبر دروس الفقه الجنائي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، في الثمانينيات. ثم عبر عضويتي في مجاميع دولية أثناء رئاستي للكتلة البرلمانية وللأمانة الوطنية لحقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.

وتدرجت في العمل للقضية الفلسطينية من الدروس والمحاضرات والمقالات إلى تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع عام 2000 على إثر المصافحة المشؤومة ومحاولة دعوة ماسياس وزيارة الوفد الصحفي لدولة الكيان، ثم بعضوية مؤسسة القدس الدولية وقيادة الأمانة العامة لفرعها بالجزائر وما نتج عن ذلك من إنجازات لا تزال شاهدة، منها الوقفية الشامخة وفرع شباب من أجل القدس المستمرة بعنوان جديد، ثم أسطول الحرية عام 2010، وتدشين حملات كسر الحصار والإغاثة منذ شريان الحياة 5 وما نتج عن ذلك من مسارات نُقل عبرها المئات من الجزائريين إلى غزة، وشُيدت مشاريع عدة فيها، وتأهل على دربها العاملون لفلسطين وبني مسار دائم فاعل للعمل للقضية، إلى رئاسة هيئة المستشارين في الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين إلى أسطول الصمود عام 2025 وما فتح من آفاق مستقبلية بحول الله.

وأثناء ذلك كله اشتغلت في العمل الفكري فأسست مركز البصيرة للدراسات وما أنتجه من مجلات علمية معتمدة عديدة ترقىّ بالكتابة فيها مئات الأساتذة ولا تزال مستمرة إلى الآن، وألفت 18 كتابا في الفكر السياسي والشأن الدعوي والقضايا الدولية، وسافرت لمختلف أنحاء العالم محاضرا ومحاورا ومناظرا في المؤتمرات والندوات، ثم صرت عضوا في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، والأمين العام لمنتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حيث وفقنا لتنظيم سبعة مؤتمرات دولية مشهودة وفعاليات فكرية عديدة، وشرعت مع غيري في تطوير نظريات جديدة لتجاوز حالة الاحتباس التي تعرفها الأمة ومن ذلك مقاربات “تحدي العبور” ومشاريع “تيار الأمة” ومعاني متجددة لمفهوم ” مركزية القضية الفلسطينية” ومشاريع “التحالفات العالمية ضد الصهيونية والهيمنة الاستعمارية”.

2 – أين فشلت؟

..يتبع

 

 

د. عبد الرزاق مقري

 

في هذا اليوم من أيام الله بلغت الخامسة والستين، وحين يبلغ المرء هذا السن يدرك حتما بأن الأجل قد اقتربت نهايته مهما طال العمر، وسيكون ذلك سريعا!

ولإدراك سرعة ما تبقى من العمر ولو طال الأجل بأن يصل المرء إلى عقد الثمانين مثلا، فيكون من المعمرين، فليتأمل في عدد السنوات المتبقية التي لا تتجاوز عادة معدل العشرة أو العشرين سنة. وحين ننظر إلى العشرين سنة التي خلت – أي عام 2005 أو 2015 – ندرك كم كانت سريعة تلك السنوات، وكم أن الذكريات بخصوصها كأنها البارحة، وعلى نفس الشاكلة ستكون السنوات العشرة أو العشرين المقبلة سريعة كلمح البصر لمن أطال الله عمره ممن في سني قد بلغ الخامسة والستين.

لا شك أن الأجل ليس للإنسان فيه خيار، بالزيادة أو النقصان، وفق قوله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤ نوح﴾)) ولكن إدراك سرعة مرور العشرين سنة الماضية تجعل الإنسان يشعر بالرهبة حقا، والسعيد السديد هو ذلك الإنسان الذي فهم هذا المعنى وشمّر على سواعد الجد يسابق الزمن القليل الذي بقي له من عمره ولو طال أجله.

غير أن الذي يواسي المؤمن، ويفسح له مساحات الفرص الواسعة ولو كان الوقت ضيقا، هو أن قيمة العمر ليست بعدد السنوات ولكن ببركة الزمن المتاح وما يتم فيه من إنجاز وأثر، وما يقبله الله من ذلك.

ومن دلائل الخير التي تسكّن خوف العبد من ضيق ما بقي من عمره مدى ما وفّقه الله إليه من عمل صالح في ما فات، ورجاؤه أن يكون ما بقي من حياته على نهج ما مضى، وأن يتجاوز في ما هو آت ما أسف على اقترافه أو تركه سابقا، راجيا من الله رحمته في الشأن كله.

 

د. عبد الرزاق مقري.

 

 

ابني صلاح الدين مناضل صادق، ومثقف شجاع، وصاحب حجة وقلم، كان متفوقا طيلة فترة دراسته إلى أن تخرج من المعهد العالي للهندسة المعمارية بالحراش، تدرج في المسؤوليات النضالية منذ صغره، من خريجي مدارس جمعية الإرشاد وكتاتيب القرآن الكريم في المسيلة، ومن قادة العمل الطلابي في الحي الجامعي بباب الزوار كعضو في مكتب المؤسسة الطلابية، ومن مؤسسي أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، وهو الآن الأمين البلدي لأمانة التنظيم في حركة مجتمع السلم بادرارية. سكنت فلسطين قلبه كما هو حال كل العائلة، كان من رفقائي في حملة من حملات كسر الحصار البرية لإغاثة أهلنا في غزة، من أكثر المناضلين فاعلية في بلديته في تجميع المساهمات لصالح فلسطين، ومن الرافضين لقتل القضية في وجدان الناس ب”سكوت القبور” أمام الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة، ورفض المسيرات والوقفات أمام السفارة الأمريكية، قبض عليه عدة مرات بسبب محاولاته الخروج، لم يسكت قلمه الفصيح في جبهات النضال الفكري والسياسي لصالح القضية الفلسطينية أبدا.

حينما قررنا المشاركة في أسطول الصمود عزم أن يكون عضوا فيه، لم أكن أريد أن يشارك من الأسرة اثنان، والحاجة إليه كبيرة في عدة مجالات، ولكنه أصر، وقال لي: ” لا أستطيع أن أفعل شيئا يُهدئ من غضبي تجاه الظلم الواقع على أهلنا في غزة، من الأعداء ومن القريبين، سوى المشاركة في الأسطول، وإن لم أذهب لا أتحكم في نفسي في ما يمكن أن أقوم به”. لم تساعدني أمه في إقناعه، إذ فصلت في الموضوع بخصوصي وخصوصه، بأنه “لا يُنهى أحدٌ عن القيام بالواجب، ولا يحدث إلا ما يريده الله، ولا يقتل سوى الأجل”.

وكانت زوجته رغم خوفها عليه تشجعه على الذهاب، تارة تدمع عينيها ولكن في كل الأحوال تصر على تشجيعه. ولكن حينما التقيت به في تونس ضمن الوفد الجزائري الكبير بقيادة الأستاذ مروان بن قطاية دعوته أن يقيم معي في نفس الحجرة فاستنأست به، وفرحت بانخراطه الكامل مع الفريق المشرف مع المايسترو المؤدب القدير زكريا شريفي .

ولكن حينما تغير شعوري وصرت أحرص أن يكون معي في هذه المهة سمعت قبيل ركوبي السفينة الجزائرية التي عُيّنت لركوبها نحو غزة، بأنه حُرم من الركوب في السفينة الجزائرية الأخرى التي كان من المفروض أن يكون فيها مع مروان وزكريا فحزنت وتأسفت كثيرا. ورغم الأسف حدث في سياق حرمان صلاح الدين من الذهاب ما يفرح له قلب المؤمن، وهو التنافس الشديد بين أعضاء الوفد السبعين الذي جاؤوا من الجزائر لركوب سفن أسطول الصمود حين تأكد بأن عدد البواخر المتاح وسعة المراكب المسموح لها بالإبحار لا يسمح بمشاركة الجميع في المهمة.لم يتنازل أغلب الأفراد فكان لا بد من إجراء القرعة، وحينما فصلت القرعة عمّ الحزن المقصيين ودمعت أعينهم، فارتفعت مقاماتهم جميعا في نفوس الجميع وتذاكرنا معا بشأنهم قوله تعالى في سورة التوبة: ((وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ – 92))، فكان ذلك شهادة لهم على مكانتهم وإن لم يتحقق لهم مرادهم، بل ثمة من ذكّر بقوله سبحانه في نفس السورة: (( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) فهم بنص القرآن الكريم وكأنهم معنا، يأخذون نفس الأجر لمن صدُقت نيته بإذن الله تعالى.

غير أن سبب إقصاء صلاح الدين ابني لم تكن القرعة العادلة، ولم يكن من المشاركين الذي قُبلوا بالصفة (الشخصيات الاعتبارية، الأطباء، الصحفيون)، ولكن الاجتهاد القيادي للقائد الفذ زكريا شريفي هو الذي فصل في أمره بكل مسؤولية وحب، إذ رأى بأنه على الشباب المسؤول في التنظيم أن يُعطي القدوة بالتنازل لغيرهم للمحافظة على الأجواء الطيبة، علاوة على أن صلاح الدين غاب أثناء القيام بالقرعة لمهمة كُلف بها، وحينما عاد ووجد بأن القرعة قد تمّت احتج على إقصائه، ولكن حين رأى الإرباك في وجوه من أنصفتهم القرعة تجنب إحداث إرباك مضاعف واضطر إلى الانسحاب وهو في غاية الحزن.لا أُخفي على الإطلاق بأنني تعاطفت كثيرا مع ابني صلاح الدين، وكرهت كثيرا أن أفتقده فلا أراه بجانبي في هذه المهمة التاريخية النبيلة، ولكن عساه يأخذ أجر الذين ذكرهم الله تعالى في الآيتين السابقتين، وأجر الصبر على عدم استفادته من القرعة، وأجر الإيثار في عدم إحزان إخوانه والله نسأله القبول من الجميع.

 د. عبد الرزاق مقري

وصيتي الدائمة لأفراد عائلتي وفي محاضراتي أن لا تتركوا اليأس والأسى يشل إرادتكم لما ترونه من صور الإبادة الجماعية والقتل بالقصف والجوع والعطش والأمراض وصور التشريد والإهانة والتحطيم النفسي لأهلنا في غزة، ولا تسمحوا للغضب أن يفقدكم توازنكم  أمام المشاركة  الغربية الأمريكية الكاملة في الجريمة، وما يقابلها من خذلان النخب والحكومات  في العالم العربي الإسلامي  لهؤلاء الأبطال الذين يقاومون الاحتلال ببسالة لم يعرف لها التاريخ مثالا، ولهذا الشعب الذي  يقدم التضحيات التي لا تطيقها الجبال  من أجل التمسك بأرضه وبلده.

وإنما حوّلوا الحزن والغضب إلى عمل دائم وثابت ومؤثر ومستمر لنصرة فلسطين وأهلها بما يحقق التحرير حينا، أو بعد الحين.

لقد قدم أهل غزة كل شيء، ولم يبق شيءٌ يُطلب منهم أكثر مما يقدموه، إنهم يقاتلون ويصمدون من أجل بلدهم ومن أجل الأمة العربية والإسلامية، بلدا بلدا،  ومن أجل البشرية كلها، فإن أعجزوا الصهاينة فذلك طريق التحرير، وتلك هي نهضة الأمة، وذلكم هو تحرير العالم من الأقليات الاستعمارية التي تسيطر عليه، وإن كانت الأخرى – لا قدر الله – فسلام على القدس وفلسطين إلى حين، وستعيش بلداننا، كلها دون استثناء، ذليلة تحت هيمنة “إسرائيل الكبرى”، إلى قرن مقبل سيكون “قرن المهانة”، وستشتد قبضة القوى الشيطانية المسيطرة على أرزاق الناس وعقولهم وحكامهم في العالم نحو حتف البشرية كلها.

أنا متفائل جدا بأن الطوفان حالة سننية ستنتهي في الأخير لصالح تحرير فلسطين والأمة والبشرية. إن الله قادر على تحقيق النصر دون أسباب، وهو خالق الأسباب، وإنما يبتلينا الله لنسير على خطى من اصطفاهم الله في غزة لهذه المهمة العظيمة وفق قوله تعالى في سورة محمد: ((ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) )).

إن أصناف النصرة كثيرة، ينتقل الصادقون بين أصنافها صنفا صنفا بقدر فرصهم واستطاعتهم، وإن حملات كسر الحصار لمن أعظم الأصناف، فلا هي  تهوّر ولا استعراض ولا تبذير  للمال، كما يتشدّق  به المخذّلون، إنما هو جهاد في سبيل الله فيه من الفوائد عظيمها وأكثرها نفعا للقضية.

علاوة على أنه الطريق الذي يسلكه الغاضب الحزين ليلتحق بأهل غزة، نصرة وإغاثة، سواء وصل أم لم يصل، عذرا بين يدي ربه، سواء رجع إلى أهله أم لم يرجع.

وهو كذلك النبأ العظيم الذي يفرح به المظلومون إذ يدركون أن ثمة من إخوانهم في الدين وفي الإنسانية من يكترث لحالهم ويركب المخاطر لإغاثتهم.

وهو فضيحة صارخة تعرّي الصهاينة وحلفاءهم الظالمين بين الناس أجمعين، وحجة كاشفة على المنافقين والمتخاذلين، وهو دليل على بقية باقية من الحياة في المسلمين،  ومن ضمائر  الناس في العالمين، من ركب الأسطول فسار بنفسه لمقابلة العدو لعله يصل إلى الأحبة، أو الذي فكّر ونظّم وجهّز وشرح، وروّج للخير وفرح بالمنجَز ودافع عمّن ركبوا وسهر على بعث الأساطيل حملة بعد حملة، أو دعا وشجّع من بعيد، أو على الأقل لم يثبّط ولم يلمز النشطاء ولم يتّهمهم.

إننا ونحن نستعد لركوب السفن إلى غزة، قائلين “لبيك غزة”، متوكلين على الله، نتوقع المحاسن كلها، إما أن نصل غزة ونسلِّم اليسير من مواد الإغاثة، أو يقطع طريقَنا الصهاينة فيصيبنا شيء من العدوان ثم نرحل لبلداننا أكثر عزما على العودة كما كان حالنا مع إخواني في سفينة مرمرة عام 2010 وما لحقها من محاولات أخرى مع نشطاء آخرين عديدين كان آخرها سفينة حنظلة، أو يُلقى علينا القبض ويطبق الصهاينة تهديدهم الذي أطلقوه هذه المرة بإبقائنا في السجون فننال شرف الأسر من أجل أقدس قضية، ولو كنا لذلك كارهين، سائلين الله أن يرزقنا الصبر والثبات والرضا والتحمل حتى يقضي الله ما يشاء فينا، ونساهم إلى ذلكم الحين في تعظيم متاعب الظالمين ورفع معنويات المظلومين وتحريك شبكات عالمية من النشطاء والمتعاطفين، أو أن يُعجّل الله لنا بالشهادة التي هي أسمى أمانينا كمثل السائرين على درب الدعوة إلى الله والعودة الحضارية للأمة، وتحرير فلسطين والأمة والبشرية أجمعين، ولعل دماءنا تكون وقودا لتحريك الشعوب نحو  عالم أفضل أكثر رحمة وعدلا، يكون فيه المسلمون أعزاء ظاهرين.

إن الصهاينة خاسرون في كل هذه الحالات، ولئن كانت سفن صغيرة محدودة العدد قد ألهبت مشاعر الناس وفضحت الوجه القبيح للكيان فإن الغزوة المباركة التي يخط طريقها في البحر  سفن هذا الأسطول الكبير  من شأنها  أن تقرّب سقوط الطغيان .. هكذا ينبغي أن يكون الأمر، وهذا الذي يجب على المسلمين والنشطاء والأحرار في العالم الذي يسندون الحملة ولم يركبوا السفن أن يعملوا  من أجله معنا وبعدنا.

د. عبد الرزاق مقري

التعسق في استعمال صلح الحديبية:

يستعمل  القادة بعض القادة كثيرا أحداث صلح الحديبية في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

لقد اضطرّ رسول الله صلى عليه وسلم أن يقدم في صلح الحديبية تنازلات كبيرة للحفاظ على الدعوة واستمرار المسيرة، ومن ذلك القبول بحرية من يرتد عن الإسلام  والتحاقه بالكفار في  مكة فلا يردوه، وتسليم من يسلم ويهاجر  صوب المدينة إلى قريش.

أسلم أبو بصير ( عتبة بن أسيد) في مكة ولكن حين هاجر إلى المدينة أرسلت قريش رجلين لطلبه  فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم معهما وفق الاتفاق، وأثناء الطريق قتل أبو بصير  أحدهما وعاد إلى المدينة يتوسل رسول الله ألا يرده إلى الكفار يفتنوه عن دينه، فقال له:  (يا أبا بصير، انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا)،  و حين سمع أبو بصير المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول عنه: “ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد”. ففهم الرسالة بأن لا مُقام له في المدينة وأنه عليه أن يبحث له عن دور خارجها يكون لصالح المسلمين.

انطلق هذا البطل خارج المدينة فورا، وتمركز  على ساحل البحر الأحمر في منطقة تسمى سيف البحر، وبات كل من سمع إيحاء رسول الله لا يأتي إليه حين يُسلم بل يلتحق بأبي بصير، حتى صار جمعهم جيشا قوامه ثلاثمائة رجل يغيرون  على قوافل قريش يقتلون من فيها ويأخذون أحمالها. وممن التحق به  الصحابي الجليل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ومعه سبعون فارسا ممن أسلم بعد الحديبية، وسهيل  بن عمرو أبوه هو مفاوض قريش في الصلح، أخذ ابنه  بنفسه من بين يدي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي جندل حين استغاثه: (( اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا))،

لقد كانت هذه المبادرة الاستراتيجية، من أبي بصير وأبي جندل، التي لا تتحمل جماعة المسلمين في المدينة عبأها هي المخرج والفرج، ليس لأصحابها فقط بل للجماعة كلها ولمستقبل الإسلام.

فبعد أن تضررت قريش من فاعلية هؤلاء الشباب الأبطال الذين صنعوا مصيرهم بأيديهم، دون أخذ الإذن من الجماعة ومن الرسول القائد، جاءت تتوسل إلى رسول الله أن يُسقط ذلك البند الظالم وأن يُبقي عنده من يأتي إليه مسلما، فأرجع المصطفى عليه الصلاة والسلام أبطال جيش أبي بصير  وأبي جندل إلى الجماعة في المدينة معززين مكرمين،  ولم يصبح الناس، بما فعله هؤلاء،  يخافون من بطش قريش فكثر الوافدون على الإسلام جهارا وما هي إلا  سنتان حتى نقضت قريش الصلح فأدى ذلك إلى فتح مكة ونهاية حكم الشرك فيها.

إن العبرة الأساسية التي نستشفها من هذا الحدث في السيرة النبوية في الرد على من يريد كتم أنفاس الأتباع، خصوصا الشباب، ليكون الناس جميعا على عقليتهم ونمطهم القيادي، بدعوى المحافظة على المكتسبات، لا يملكون الفهم الصحيح للأداء الاستراتيجي، بأن يكون على يمينهم من يمكن أن يرفعوا سقف النضال والمقاومة،  دون أن يُتهموا بالمزايدة على القادة، حتى وإن لم يستشيروا في الأمر، خصوصا في زمن الإكراهات وما دامت أعمالهم تتجه إلى نصرة الإسلام وقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

إن القائد الاستراتيجي هو الذي يكون على يمينه، من الرجال والمؤسسات،  من يجب أن يرفع السقف أكثر مما تطيقه القيادة في ظرف من الظروف، كما قد  يكون على يساره من يخفّض السقف أدنى مما يصح أن تنزل إليه القيادة، ويخوض القائد الاستراتيجي معركة الكر والفر بين هاذين السقفين بما يخدم استراتيجية الجماعة والرؤى المتوسطة والبعيدة، لا استراتيجيات الأفراد وطموحاتهم. وبذلك فقط يتم المحافظة على المكتسبات. أما الجمود على نمط واحد من الأداء والمكوث في مساحة ضيقة من الفعل هو  ذلك ما يضّيع المكتسبات، هذا الذي تعلمناه من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد شرحنا هذه الأفكار في بعض كتبنا ومقالاتنا ودرّبنا عليها أجيالا قيادية وحققت نتائج محمودة بإذن الله وتوفيقه.

٢- إن مما يرد شبهة التخلي عن الواجب والتضييق على من يقوم بالواجب خوفا من ضياع المكتسبات، أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يرتبط بالتنازل على القيام بالواجب الكامل تجاهها، وإنما يرتبط كليا بالمآل الأخير لطوفان الأقصى، فلو –  لا قدر الله- تم كسر  المقاومة والسيطرة على غزة نهائيا سيعمّم التطبيع على كل البلاد العربية والإسلامية، ومخرجات المبادرة السعودية الفرنسية في الأمم المتحدة تدل عل ذلك، وإذا وقع هذا سينتقل الدور إلى الفكرة التي أسست المقاومة في كل أنحاء العالم، وسيكون الثمن الذي تدفعه الحركة الإسلامية عندئذ فادحا يجعلها تندم على التنازلات التي قدمتها وعلى تجنب الاشتباك السلمي دفاعا عن المقاومة وأهلنا في غزة.

إن المحافظة الحقيقية على المكتسبات تتحقق حينما يعرف الحكام بأن لا سقف يحكمنا بخصوص القضية الفلسطينية، وأن التخلي عنها من قبل الأنظمة سيحوّلها الى مشكلة داخلية في كل بلد.

علاوة على أن سياسة الخوف من ضياع المكتسبات أدت إلى نتائج عكسية في العديد من تجارب الإسلاميين بشكل عام. فالحركات الإسلامية التي سايرت الأنظمة المحلية والإقليمية والقوى الدولية للحفاظ على المكتسبات تراجعت وضعفت وتم السيطرة عليها وعلى مؤسساتها من قبل الاستبداد ولم تصبح آمنة على مستقبلها وتقهقر تأثيرها، وبعضها تعرضت لانشطارات وانسحابات وفتور  واسع لدى مناضليها، حدث ذلك في المغرب والجزائر وتونس واليمن والأردن، بأشكال مختلفة وبعضها مشترك، وزاد في نفس الوقت في هذه البلدان وغيرها سيطرة الاستبداد، وتضييق هوامش الحرية،  وانتشار الفساد، وتعمّق في بعضها التطبيع وفقدان السيادة لصالح الصهاينة والقوى الاستعمارية، وتواطأت كلها على خذلان غزة واكتفت بالتصريحات والبيانات والمساعدات التي بات لا يصل أكثرها، وما وصل لا يسمن ولا تغني من جوع.

 

د. عبد الرزاق مقري

يتخلى بعض نشطاء القضية الفلسطينية، خصوصا على مستوى الحركات الإسلامية في العالم العربي،  عن واجبات أساسية في نصرة القضية الفلسطينية، بما يتناسب مع حجم المخاطر والمأساة،  بقولهم أنهم يحافظون بذلك على مكتسبات ثابتة في بلدانهم.

فيقولون في المغرب مثلا بأنهم لا يرفعون سقف الاحتجاج ضد التطبيع ولا يستعملون الوسائل السلمية الصارمة ضد وجود السفارة الصهيونية في بلادهم للمحافظة  على البعد الديني للملكية وإمارة المؤمنين، والسماح لهم بالمسيرات الضخمة في المدن المغربية لصالح فلسطين.

ويقولون في الجزائر بأنهم يتخلون عن المسيرات والوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الأمريكية ولا ينخرطون علانية وعمليا في أسطول الحرية، ويتساهلون مع التقصير الرسمي في نصرة القضية،  وغير ذلك،  للمحافظة على الموقف الرسمي الرافض للتطبيع وتساهل السلطات مع العمل الخيري والإنساني الشعبي لصالح القضية.

وقد كانوا يقولون في الأردن، قبل حظرهم ومنعهم من التعبير،  بأنهم لا يتعاملون بصرامة مع السفارة الصهيونية، ولا يرفعون سقف احتجاجاتهم بما يتناسب مع حجم مأساة قومهم وأهلهم، ولا يزحفون سلميا نحو الحدود،  ولا يعملون على دعم تصعيد المقاومة، خصوصا في الضفة، ويتبرؤون من المتطوعين الذين يُلقى عليهم القبض بسبب المحافظة على رصيدهم التاريخي في البلاد وعلى نشاطهم في مختلف المجالات، وعلى الهوامش الشعبية المتاحة لدعم القضية الفلسطينية، ولو لا الخوف من الإطالة لتوسعت في ضرب الأمثلة في العديد من دول العالم العربي والإسلامي ( وقد يتطلب الأمر التوسع في دراسة هذا الموضوع في إطار أشمل من القضية الفلسطينية بإعداد بحث تفصيلي خاص يرصد الحقائق ويتعمق في دراسة الأسباب ويحلل النتائج ويستشرف المستقبل ويقدم الحلول والبدائل العامة والقطرية).

غير أن الرد على الحجج التي يقدمها المقصرون في القيام بالواجب سهل جدا، هم ذاتهم يعرفونه في قرارة أنفسهم، ورفض توجهاتهم موجود في النقاش الداخلي على مستوى مناضليهم، ولكن الذي يفرض التخاذل إنما هم القادة لأسباب خاصة بهم نذكرها لاحقا.

وبسبب الطبيعة التنظيمية “العسكراتية” وغلق فضاءات التعبير  بالقدر الكافي لقادة الرأي الآخر في مؤسساتهم، وبسبب ضعف البنية الفكرية القاعدية، ومخاوف الأتباع من الاستهداف ضد التنظيم وقيادته ووحدة الصف، الوهمية والحقيقية، تتجسد “نظرية القطيع” التي يصفها المتخصصون في علوم الإدارة والمنظمات وحركات الحشود وعلم النفس وعلوم الاجتماع، فيُترك بسبب ذلك كثير من الواجبات ويتم تجاوز الحق، والتواطؤ الجماعي على الخطأ.      

لو سلمنا فرضا بأن كل المكتسبات المعبر عنها مكتسبات حقيقية وثابتة وقابلة للصمود، فإن ما يدفع إلى خفض سقوف النصرة للقضية الفلسطينية بسببها يدل على ضيق الأفق، وضعف الأهلية القيادية، وقلة الكفاءة في بناء الرؤى والاستراتيجيات الشاملة، وعدم توفر المهارة في بناء فرق العمل وتوزيع الأدوار والتكامل في الأدوار، للمحافظة حقا على المكتسبات. وأخطر ما في ذلك، عند بعض القادة، ما تنطوي عليه نفسياتهم من ضعف تربوي ينم عن رفض الحق إن لم يكن تحت قيادتهم، والخوف على مواقعهم من الفعل الذي لا يُوضع فورا وبشكل مباشر في كفتهم، وبُغض من يشتغل خارج إرادتهم، والنزوع لاحتكار المشهد ونجومية الفعل، وحسد المُجدين واتهام نواياهم ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالقضية ذاتها، بل الإضرار بحركاتهم وجماعاتهم ومنظماتهم وأحزابهم وبلدانهم نفسها.

إنه من العجب فعلا أن يعتقد بعضنا، ونحن في حالة الضعف التي نحن فيها، أننا نحن مركز العالم وكل ما يحدث مما يخالف توجهاتنا وقراراتنا هو باطل يجب التحرز منه، وتعميم التوجيهات للابتعاد عنه وعدم المشاركة فيه، وإن كان في ما يحذرون منه خدمة للإسلام والأوطان والمقدسات، ولعمري إن في ذلك ما ينافي سلامة القلب، التي تجعل الإنسان يفرح بالخير وإن لم يكن له فيه مصلحة محققة، كما بينه ابن قيم في تبيان أمارات صاحب القلب السليم على لسان صاحبه حين يقول” وأسمع بالقطر ينزل في أرض ليست لي فيها سائمة فأفرح”

ولو اتبع هؤلاء هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرائقه لإدارة الصراع لأدركوا حجم أخطائهم في فرض نمطيتهم الواحدة، ففي سيرته عليه الصلاة والسلام نماذج كثيرة في استيعابه  لمختلف الفواعل المتناقضة واحتوائه المشاهد المعقدة في زمن الإكراهات وإدخالها ضمن استراتيجياته واستعمالها لتحقيق أهدافه.

ومن ذلك حوادث صلح الحديبية، التي يستعملها القادة المتخاذلون كثيرا في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

كتبت ذات يوم قائمة بخمسة شيوخ تتلمذت عليهم وأثروا في حياتي وكان لهم دور كبير في المسار الذي سلكته في طريق الدعوة إلى الله والإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهم على التوالي حسب الترتيب الزمني الذي عرفتهم فيه: الشيخ محمد مخلوفي، الشيخ أحمد بوساق، الشيخ محمد أحمد الراشد، الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ القرضاوي.

لكل من هؤلاء الأساتذة الكبار قصص معي وتأثير علي عبر الزمن. لا شك أن ثمة علماء كثر وقادة  غير هؤلاء حصلت منهم الاستفادةُ وتلقي القيم والمعارف، غير أن شيخك هو الذي تتلقى منه المنهج الذي يسطّر طريقك، والقيم التي تحدد معالمك، وما تنقله عنه لغيرك من الأجيال التالية، وما يصنع فعليا معالم شخصيتك، مما تعرفه في نفسك، سواء انتبه الناس لذلك أم لم ينتبهوا، وشيخك كذلك هو الذي يجيزك في ما أخذته عنه، والذي يبين للناس أنك تلميذه ويسعد بذلك ويعتز به. وكل هذا حقيق في ما بيني وبين هؤلاء الأفاضل الخمسة من الناس، وليس من شروط صحة العلاقة بين الشيخ وتلميذه أن لا يختلف التلميذ مع شيخه، بل إن التلميذ النجيب هو الذي يضيف على شيخه ما لم يقم به، ويستدرك على رأيه برأي مخالف يثري رصيده ويضمن له البقاء والحسنات الجارية، وما كان تطرف التقليد يوما طريق الإبداع وتطوير المناهج.

إن الحديث اليوم إنما هو عن الشيخ محمد أحمد الراشد. لقد عرفت كتب الفقيد قبل أن ألقاه، وأنا شاب في بداية العشرينيات من عمري، فلم أحتف لعقود طويلة بكتب كاحتفائي ب”المنطلق” و”العوائق” و”الرقائق”، و”نظرية صناعة الحياة”، بل لقد درسّت هذه الكتب لأعداد هائلة من الشباب، في الحلقات والملتقيات والندوات والمخيمات الصيفية عبر عقد الثمانينات كله، ولعل العديد من هؤلاء سيذكر ذلك لو قرأ هذا المقال، كما أنني أشهد أمام الله أن أول أعظم كتاب صنع فكري الاستراتيجي، مما كتبه المفكرون الكبار، هو كتاب “نظرية صناعة الحياة”. لقد كان لهذا الكتاب بالذات أثر كبير في بناء معالم شخصيتي في المجالات  الفكرية والدعوية  والاستراتيجية، بل حتى في تنظيم حياتي الشخصية، وعليه بنيت منظومتي القيادية التي عُرفت بها في الحياة الدعوية.

وحين تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه وجدته كذلك ضمن هذه المدرسة، في طريقة تفكيره واهتماماته وأولوياته وأبعاده الاستراتجية،  وقد درّس رحمه الله كتاب “المسار ” على حلقات طويلة في البليدة، وعن طريقه تعرفنا على “مجلة العين” في الفكر والدعوة، كما أنه أرسل رحمه الله  عددا من الشباب أخذوا عن الشيخ أحمد الراشد مباشرة خارج الجزائر، ورأيت بعدها حجم القرب و المحبة بنفسي بين الرجلين، حتى لكان يُقال عن الشيخ محفوظ إنه ينتمي إلى المدرسة العراقية في مجال الدعوة إلى الله.

لقد تعرفت على الشيخ محمد أحمد الراشد مباشرة في أمريكا  عام 1994 في زيارة صحبة الشيخ محفوظ نحناح للمشاركة في مؤتمر في لوس انجلس، وما إن تعرف عليّ، حتى سألني عن صلتي السلالية بعلماء “آل المقري” وأشهرهم العالم الكبير ” أبو العباس أحمد بن محمد المقري” صاحب الكتاب الشهير ” نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” فلما تأكد من الصلة من حيث أن أصل هذه العائلة العلمائية من نواحي المسيلة بمدينة “مقرة” فرح فرحا كبيرا إذ هو عليم بالأنساب ويركز كثيرا في التربية القيادية على أصول المعادن كما أخبرني بنفسه.

لقد كان المؤتمر الذي أشرت إليه مؤتمرا مهيبا كبيرا، ولكن كان الصراع فيه بين المناهج الإسلامية على أشده، وكان النقاش حول الأزمة الجزائرية يفرض نفسه على باقي الملفات، وفي الأزمات يظهر الصديق الوفي.

أخذ الشيخ محفوظ الكلمة فتحدث ببلاغة عن رأيه في ما كان يحدث في الجزائر ولم يأبه بالصخب الذي كان يقطع كلماته، ثم أخذت الكلمة أشرح موقف الحركة في إدانتها لكل أشكال التطرف محذرا من المؤامرة العظيمة عن الإسلام والحركة الإسلامية برمتها، وسط الأصوات العالية المعترضة، ولا يزال ذلك الشريط معروضا على اليوتيوب، وفي مواجهة تلك الأمواج العاتية التي كادت تعصف بنا لو لا قوة حزام المنظمين، لم يسندنا سوى عالمين من العلماء الذين كانوا حاضرين، منهما الشيخ محمد أحمد الراشد. وما كان الشيخ الراشد ليعمل ذلك حميّة ولكن قناعة عميقة بالشيخ محفوظ وتلاميذه، وقد بقي على ذلك العهد يسند الشيخ محفوظ كقائد مفكر  ألمعي من قادة ومفكري الأمة، وقد عبر عن ذلك ببلاغته المعهودة في مرثيته في الشيخ محفوظ نحناح عند وفاته رحمهما الله تعالى وأسكنهما فسيح جناته.  

منذ ذلك المؤتمر الصاخب، وذلك التعارف الدافئ العامر بالتقدير والمحبة،  نُسجت بيني وبينه علاقة خاصة وصلة بديعة، استفدت منها فوائد علمية وفكرية جليلة، وصرت أتردد عليه حيث تكون إقامته، فزرته عدة مرات في ماليزيا، والتقيته مرات في تركيا، وكُتب لي أن جالسته في مواسم الحج والعمرة رحمه الله. ولأنني كنت التهم كتبه بنهم سهُل علي أثناء النقاش معه فهم توجهاته وصرامته المعهودة أثناء عرض أفكاره.

وقد جعلني الله سببا لطبع كتبه وانتشارها في الجزائر كوسيط بينه وبين بعض الناشرين، ولو لا الصعوبات التي لم استطع التحكم فيها لدخلت كتبه كل المكتبات.

إنه لمن دواعي سروري في مسيرتي الفكرية والدعوية أن الشيخ محمد أحمد الراشد كان يصرح أنني تلميذه، وإنه لفرق كبير بين أن يَنسبَ تلميذٌ نفسه لشيخه، وبين أن يجيز الشيخُ تلميذه ويقول للناس “إنه تلميذي!”، وقد قالها مرات، منها مرة في ندوة جمعتني وإياه بالجامعة الصيفية للحركة ببومرداس عام 2004، معقبا على طرح فكري عرضته مفصِّلا لبعض أفكاره قائلا: ” لا عجب أن يكون المقري بهذا المستوى فهو تلميذي”.

ومن الآثار المباركة والحسنات الجارية التي أرجو أن يجريها الله تعالى بواسطتي للشيخ أحمد الراشد تأسيس مؤسسة أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، فهو صاحب هذا الاسم، وهو أهم شخصية فكرية ودعوية صممت معها هذا المشروع الحضاري، إضافة لعلماء ومفكرين آخرين منهم المبدع المصلح المقاوم طارق السويدان حفظه الله ورعاه، والداعية المدرب المظلوم الصابر علي الحمادي فك الله أسره، والعالم الجليل المتميز منير الغضبان رحمه الله. فقد عرضت المشروع على الشيخ الراشد أولا وناقشته معه مطولا.

ولأن الفكرة فيها هؤلاء الرجال الصالحون المصلحون النزهاء عرف المشروع طريقه ونما وسخّر الله له من يسنده ويؤطره فتخرج منه أعداد هائلة من القادة في مختلف المستويات والمجالات، في الجزائر وخارجها، وكم كان الشيخ محمد أحمد الراشد سعيدا حينما التقى بباكورة الثمرة الترجيحية في ملتقى التميز بإسطنبول عام 2015 إذ بدا لكثرة ابتساماته العريضة وأريحيته الكبيرة  بين الشباب وكأنه يعيش حلما كان في عقله لامسه في الواقع بحمد الله تعالى، وسيبقى ذلك الغرس وثماره هم حسنات جارية لأولئك المصلحين الربانيين بإذن الله تعالى والله نسأله القبول من الجميع.

غير أنه مما أسِفت له كثيرا في شأن العلاقة به، أنني اتفقت معه ذات مرة أن يأتي ليقيم في الجزائر لفترة معتبرة يشرف فيها بنفسه على تكوين طليعة من الشباب والإطارات، وكنت عندها نائب رئيس الحركة المكلف بالتخطيط والتطوير،  وتم الاتفاق نهائياً وشرعت أبحث عن الشقة التي يسكنها. وقد اتجه رحمه الله هذه الوجهة لقناعته العميقة، وفق ما أخبرني بنفسه، بصفات حميدة رآها في الإنسان الجزائري، وفي جدوى الاستثمار البشري في الحركة ورجالها، وكان ذلك في ما أذكر في حدود 2007.  ولكن جاءت الفتنة التي عصفت بالحركة بعد مؤتمر 2008 فعصفت بالمشروع، وقد حاول رحمه أن يسعى لإصلاح ذات البين ولكن تدخل آخرون فمنعوه، وبسبب انضباطه الصارم الذي يُعرف به والذي أثر كثيرا على بعض مقارباته، وعلى حياته كلها، صار متحفظا على الشأن الجزائري، ثم تغير الحال عليه هو ذاته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والخلافات التنظيمية والسياسية العميقة في الساحة السنية العراقية، وانتقال الحركات الإسلامية كلية، في العالم الإسلامي كله،  إلى الشأن السياسي، على نهج لم يكن يحبذ الكثير منه، فصار يشعر بكثير من الغربة إذ لم تصبح تلك الأشواق الفكرية المرتبطة بساحات الدعوة التي أبدع فيها عقودا من الزمن موجودة في جواره، ثم أحاط به المرض وكبر السن فنقص نشاطه، ولم تصبح لدي فرص كثيرة لألقاه، فتوفاه الله تعالى وأنا مشتاق إليه، ولو كان الأجل معلوما لذهبت لأسلم عليه قبل أن يلقى ربه. ولكن قدر الله وما شاء فعل، وبحسبه – بخصوصي – أنني أُشهد الله له أنني حسنة من حسناته، وأن فكره في طرائق تفكيري وتسيير مشاريعي بقي قائما الى هذا اليوم.

رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته وجزاه عنا وعن الدعوة والصحوة الإسلامية خير الجزاء .

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية