المقالات

ضبط البوصلة بشأن الحرب القائمة بين إيران والصهاينة

أكتب مرة أخرى في شأن الحرب القائمة بين إيران والصهاينة وأساهم مع غيري في ضبط البوصلة ومعالجة حالة الهيجان الذي تفتق لدى العديد من الأفاضل ضد إيران، بالتشفي والحملات الإعلامية، بما يجعلهم – دون شعور منهم – ضمن البروباغندا الصهيونية في إدارة عدوانها ضد إيران.

ومما يمكن أن أُذَكِّر به مجددًا ما يلي:

أولًا – الرأي في الحرب القائمة بين الصهاينة وإيران كان مبنيًا عند عدد من العلماء والمفكرين والقادة على قناعات سابقة في مسألة الطائفية، القائمة على الدراسات الشرعية والحضارية والفهم الصحيح للأحداث التاريخية في الأمة والتحولات الجارية في العالم. ومع وقوع الحرب وتطور آثارها أصبح هذا الرأي معبرًا عنه أكثر ومجاهرًا به من المجاميع العلمية والفكرية والسياسية المقدَّرة في الأمة، كالأزهر، والموقف الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والإخوان المسلمون وكل الحركات الإسلامية والإصلاحية، بل حتى الدول السنية قاطبة (سواء كانت صادقة في هذا أم لا). فالأمة في المجمل منحازة لإيران في شرق العالم الإسلامي وغربه، ولم يخالف هذا الاتجاه سوى إخواننا السوريين واليمنيين وبعض العراقيين وبعض النخب من الاتجاهات الإسلامية والعلمانية.

ثانيًا – المواقف المعادية لإيران في زمن الحرب محكومة عند كثير من أصحابها بظروف العدوان الذي وقع على أهلنا في هذه الدول الثلاث، وذلك أمر مفهوم ومقدَّر، ولكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون حاكمًا على الأمة كلها، ولا يجب أن تؤثر فينا اعتراضات واحتجاجات إخواننا وأخواتنا (وأكثرهم من سوريا) مهما كان حبنا لهم وتضامننا معهم، ومهما كان قربهم منا والنفع المتبادل بيننا وبينهم، فالحق أعز منهم ومنا ومن أهلنا وأبنائنا.

ثالثًا – إن المواقف المعادية لإيران في الحرب القائمة متأثرة بهذه الحالات الخاصة فلا ينظر أصحابها إلى المخاطر العدائية التي تهدد الأمة كلها بنفس الدرجة، فهي تركز بالمجمل على الخطر “الإيراني الشيعي” أكثر من تركيزها على الخطر الغربي الصهيوني الاستعماري الذي لا يحتل ثلاث دول فقط، على حد قولهم، بل يسيطر على دول العالم الغربي كله وباتت تأخذ من حكامها الجزية جهارًا نهارًا، وخلفية الحملات ضد إيران هي مرافعة منحازة لإقناع المتابعين بعدم مساندة إيران في هذه الحرب دون النظر إلى مآلات وتبعات انهزامها على الأمة.

رابعًا – الذين يُخرجون الشيعة من الإسلام تكفيريون، يخالفون رأي جمهور العلماء وما ذهب إليه عموم علماء السلف والخلف، وهم مع ذلك يؤججون مشاعر الطائفية عند عموم الشيعة ويظلمون شعبًا بكامله في إيران مع ما فيه من تنوع، ويسجلون على أنفسهم موقفًا مشينًا لن ينساه التاريخ. فيتهمون الإيرانيين بأنهم مجوس، وهذا انحراف عن جادة الشرع، وتارة فرس، ولا عيب في أن يكون المسلم فارسيًا، فالفرس أول الشركاء مع العرب في انبعاث الحضارة الإسلامية العظيمة، والذين شيعوا إيران ليسوا فارسيين، بل حكام الدولة الصفوية الأتراك، وعلماء الشيعة العرب.

خامسًا – حتى وإن اختلفنا في التصنيف والحكم على المشروعين الإيراني والصهيوني، فإن الأمر اليوم يتعلق بحرب قائمة، والواجب النظر إلى مآلاتها نظرة شرعية مقاصدية واعية. إنه لا يختلف عاقلان بأن هزيمة إيران تعني التحكم الكلي في المنطقة وتمكين الصهاينة والأمريكان والغرب من رقابنا ونهاية القضية الفلسطينية، وتسلط الاستبداد والعمالة والتطبيع، بل معنى ذلك تحكم المشروع الغربي الصهيوني في العالم بأسره لقرن مقبل، فأي عقل هذا الذي لا ينظر إلى المآل، ويفرض علينا أن لا ننظر إلى المسألة إلا من زاوية ما وقع سابقًا في سوريا واليمن والعراق.

سادسًا – إن موقف الانحياز إلى إيران في هذه الحرب موقف شرعي قبل أن يكون سياسيًا، ونحن بكل تأكيد لا نفرق بين السياسة والشرع، وإلا كنا علمانيين متصارعين على السلطة لا غير.

وثمة قواعد أصولية كثيرة توجب الوقوف مع إيران رغم وجوب معارضتها والوقوف ضدها في القضايا الأخرى المشار إليها، ومنها قاعدة “انفكاك الجهة” التي تعني أن الفعل الواحد قد يكون له جهتان مختلفتان، بحيث يمكن أن يكون مأمورًا به من جهة، ومنهيًا عنه من جهة أخرى، دون أن يكون هناك تلازم بين الجهتين بحيث يستحيل اجتماعهما.

كما أن القرآن الكريم وجه المؤمنين لابتهاج بانتصار الروم على الفرس، وفسر كثير من المفسرين بأن ذلك نصر من الله للروم، بالرغم من أن العداء الأبدي بين المسلمين وغيرهم، هو العداء مع الروم، فقد بدأ ببعث الجيوش لمحاربتهم قبل غيرهم منذ بعث أسامة وغزوة مؤتة وتبوك، إلى يوم الملحمة الكبرى في آخر الزمان، وما بينهما من أحداث كبرى في التاريخ. كما أن الانتصار على البويهيين لم يكن إلا بنهوض دولة سنية قوية وليس بالحروب الكلامية الطائفية كالتي يؤججها بعضنا اليوم، وقبل ذلك تعاون العلماء مع البويهيين في محاربة الروم على نحو ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير وغيره. وأما سقوط الدولة الفاطمية فقد كانت بدايته نجدة نور الدين زنكي للوزير العبيدي الفاطمي شاور ضد الصليبيين وخصومه المتحالفين مع الفرنجة، وقبل أن يحكم صلاح الدين مصر صار هو الوزير لدى الخليفة الفاطمي العبيدي، ولم ينهِ الدولة الفاطمية إلا بعد عملية إصلاحية عظيمة مسنودة بالشوكة السلطانية، وليس بالعجز والكسل ومهادنة الاستبداد العلماني في بلادنا العربية والحروب الكلامية بين الشيعة والسنة.


وبناءً على كل هذا فإن الأولوية في العمل هي إقامة الدولة المسلمة الراشدية (أو على الأقل أن تكون مثل الدول السلجوقية أو الزنكية أو الأيوبية أو العثمانية، التي يذكر أمجادها المعادون لإيران، وهي لا شك مجيدة على ما فيها من ابتعاد عن حكم الراشدين)، وليس المعارك الطائفية داخل مجتمعاتنا بما لا يزيدنا إلا ضعفًا ومهانة. إن هذا الحماس ضد إيران والشيعة المبثوث في مواقف الطائفيين أو المكلومين من ظلمهم، يجب أن يتوجه أولًا لإقامة الدولة المسلمة المستقيمة على شرع الله، وإنهاء تلك الدول السنية العلمانية العميلة التي تخذل فلسطين وتتآمر عليها وتحاصر غزة، والتي يقبع تحت سلطتها ويأتمر بأمرها بعض الإسلاميين الذين يهجمون على إيران في هذه الحرب.

سابعًا – إن الذين يتكلمون عن المآسي التي حدثت في سوريا واليمن والعراق لا يفرقون بينها ولا يغوصون في أسبابها ولا يحملون المسؤولية إلا للجهات المسنودة من إيران، فاحتلال العراق كان بتحالف استعماري أغلب دوله من السنة، فمصر والدول الخليجية السنية هي كذلك التي سلمت العراق مع الأمريكان إلى الإيرانيين، والخذلان والتآمر الذي تعرض له العراقيون من الدول السنية سبب رئيسي لضعفهم، ولهذا السبب انخرط السنة في العراق في العملية السياسية التي يتحكم فيها الشيعة، وبعض القوى السنية اليوم هي حليفة للقوى الشيعية وهم مع إيران في الحرب القائمة. وأما اليمن فإن المؤامرة الكبرى التي وقعت ضد اليمنيين (شوافع وزيديين) هي من السعودية والإمارات، وخطأ بعض الذين يحملون على إيران في حربها ضد الصهاينة أنهم عجزوا عن معالجة المشكلة اليمنية في بداياتها بالحوار الوطني الداخلي، وكان الأمر ممكنًا على ما ذكره لنا من نثق بهم من الفلسطينيين، فهم الذين لعب بهم السعوديون وحاربهم الإماراتيون، وفككوا قوتهم ومزقوا شملهم وضربوا وحدتهم، وقد صاروا اليوم سجناء تحت سلطة السعودية لا يستطيعون مخالفتها في شيء، فهم ضحايا خياراتهم الخاطئة.

وما الحوثيون إلا منتج من منتجات سياسة علي عبد الله صالح والسعوديين المكرة، لم يكن لهم شأن من قبل البتة، فالأرضية التي سمحت بدخول الإيرانيين في اليمن صنعها السعوديون والإماراتيون وغفلة أحبائنا. أما القضية السورية، الجرح الدامي والمظلمة التاريخية العظيمة، فإن للدول السنية مسؤولية كبيرة في خذلان وتفتت المقاومة السنية، غير أنه ما يلفت الانتباه في القضية السورية هو سكوت الذين يريدوننا أن لا نُسند إيران في حربها ضد الصهاينة على أحمد الشرع في حواره وتكتيكاته ومهادنته للروس، وتغاضيهم عن التعاون السوري الروسي القائم والتفاهمات التي وقعت معهم بخصوص وجودهم وبقاء قاعدتهم العسكرية، وكذلك تفاهمات الحكومة السورية الجديدة مع ترامب والتنازلات التي قُدمت من أجل رفع العقوبات. أليست روسيا هي صاحبة البراميل المتفجرة والقتل الجماعي للسوريين؟ أليست أيديهم ملطخة بدماء أطفال غزة؟ فإن قيل إن تلك سياسة شرعية، فلماذا لا تنطبق على الإيرانيين؟

ثامنًا – لا أريد أن أتوغل كثيرًا في ذكر الشواهد الكثيرة من التاريخ الدالة على أن المآسي التي وقعت في سوريا والعراق واليمن هي شأن سياسي أُستُعمل فيه الدين، ولو كنا صادقين لكان اعتراضنا على الأنظمة التي تنتمي إلى العالم السني لا يقل صرامة عن اعتراضنا على إيران، فالذي يعمل على مسخ الدين ونشر الفساد والإلحاد والمجون، ويسلم البلد للاستعمار الأمريكي الغربي، ويعطي الجزية للأمريكان، ويحاصر غزة ويتحالف مع الصهاينة ضد فلسطين، هي الدول السنية وخاصة العربية، تلك الأنظمة التي يسعى كثير منا للتقرب منها ومهادنتها وتجنب معاداتها والسعي إلى نصحها بالتي هي أحسن، بالرغم من أن التجارب المتكررة دلت بأنه لا مجال لتحقيق ذلك، واسأل في ذلك به خبيرًا، وبعضها أبان عن مروق عن الدين بواح ومجون لا حد له وعمالة غير مسبوقة في التاريخ.

تاسعاً – وبالإضافة إلى كل ذلك يجب أن ننتبه بأن المشروع الإيراني التوسعي انتهى بالضعف الشديد الذي أصاب الجناح الذي يمثله، منذ بضع سنوات، ونحن الآن في مفترق الطرق: إما أن ندخل على الشأن الإيراني بالدعم والنجدة كما فعل نور الدين زنكي وشيركوه وصلاح الدين مع الفاطميين لنجعلها في دائرة الأمة، وتركيا تستطيع أن تفعل ذلك لو أرادت ولو استجابت لنصائحنا، على شاكلة ما عليه في هذا الشأن باكستان، نوعًا ما، أو نسلمها للمشروع الغربي الصهيوني إن انهزمت، أو نجعلها إذا خرجت من الحرب سالمة ترتمي في أحضان المشروع الروسي والصيني وهي تحمل أحقادًا عظيمة ضد من خذلها من المسلمين.

وفي الخاتمة أقول لأصحاب المواقف المتشددة ضد إيران، بأن رأيي هو وجهة نظر بكل تأكيد، ولكني موقن به أن دعم إيران في الحرب القائمة هو العمل الصالح الذي نتقرب به إلى الله، ولا يمنعنا من ذلك إلا التعصب الطائفي، الذي قد يكون خفيًا لا ينتبه إليه صاحبه، أو التأثر العاطفي حين لا تلجمه نظرات العقول ومقاصد الشرع العظيم، أو عدم إدراك المآلات والتداعيات، أو المصالح والولاءات التي نسجتها الظروف من حولنا.

لا شك أن معرفة الحق واتباعه ليس بالأمر الهين، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأى الغيب رأي العين، كان يدعو في أشرف الأوقات في افتتاح قيام الليل بهذا الدعاء: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).

فكيف بنا نحن الذين اُمْتُحِنَّا بالغيب؟!

فالله سبحانه، نسأله أن تمنّ علينا بمعرفة الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن تكرمنا بمعرفة الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
آمين,

د. عبد الرزاق مقري

لماذا ندعم إيران ولماذا يجب أن تسْلَم، وكيف نعالج الفتنة الطائفية؟

ما إن اندلعت الحرب بين جمهورية إيران الإسلامية ودولة الكيان حتى اندلعت معها معركة كلامية حامية الوطيس في العالم الإسلامي، وذهب الناس في هذا الأمر ثلاثة مذاهب، منهم من اندفع بلا تردد يدعم إيران، وهم غالبية المسلمين من عموم الناس وكثير من النخب نشرح توجهاتهم في آخر المقال، ومنهم من وقف مع الصهاينة متمنيا هلاك إيران وهلاك المقاومة الفلسطينية بعدها وكل ما يمت بصلة لقوى الإحياء الحضاري للأمة، وهم عملاء الكيان وأمريكا من الحكام والساسة والعلماء والنخب المستلبة حضاريا المنخرطة في المشروع المارق المسمى “البراهمية” والتطبيع و بناء ما يسمونه ” الشرق الأوسط” على ما يريده الاستعمار الغربي الصهيوني، وهناك فئة ثالثة اختلط عليها الأمر، يريد أصحابها هلاك الكيان ومعه هلاك إيران، ولم يتبين لهم ما هي الكفة التي يريدونها أن ترجح، كلما ابتهج المسلمون بالضربات الموجعة التي توجهها إيران للكيان ينزعجون خوفا من أن يكون في ذلك نصر للإيرانيين، وكلما توجهت الضربات المؤلمة لإيران يُخفون ابتهاجهم خوفا من أن يُتهموا بأنهم يساندون الكيان، فترتفع أصواتهم بالدعاء: “اللهم أضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين” في حالة انتظارية غير مجدية وعجز شديد من فعل أي شيء يسلم به المؤمنون، و ينهض به المسلمون بعد أن “يفني الظالمون بعضهم بعضا”! ومن هؤلاء من لا يمكن لومهم، وهم الذين اكتووا بعدوان وإجرام القوى والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، في سوريا والعراق واليمن، إذ مآسيهم المحلية لا تسمح لهم بالارتفاع إلى النظرات الكلية، وأي منا قد يكون له نفس الموقف لو مر  بتجربتهم المفزعة، ولكن ثمة آخرون على ذات الموقف من النخب السياسية والعلمائية، بعضهم طيبون متوقفون عندما وصلت إليه دراساتهم الشرعية والتاريخية لا يقبلون النقاش بخلافها، وبعضهم صادقون سذج ينقصهم الفهم والاطلاع على القضايا الجيوستراتيجية والتدافعات الحضارية العالمية، وما يُرسم من خرائط جيوسياسية مستقبلية، وبعضهم يحكمهم النَّفس الطائفي، بتأثير من توجهاتهم السلفية أو بيئتهم السياسية والاجتماعية والفكرية.

إن المتمعن  في تطورات الحرب الإيرانية الصهيونية يفهم بسهولة بأنها مصيرية ليس للكيان وحده بل لإيران وفلسطين والأمة الإسلامية قاطبة والعالم كله، ولا يمكن لصاحب رسالة أن يكون حياديا بشأنها، وما يساعد على فهم ذلك أبعاد عديدة منها:   

الأبعاد السننية الربانية:

يعلم عدد من قادة المقاومة وقادة التيار الإسلامي بأنني لم أكن من المتفاجئين بطوفان الأقصى، فقد وصفته لهم كما وقع ودعوت  إليه دون أن أسميه ودون أن أعرف ما سيكون اسبوعاً قبل وقوعه، والذين حدثتهم بتفاصيل ما يجب أن يكون بشأن القضية الفلسطينية وواقع الأمة الإسلامية قبل السابع من أكتوبر بعضهم استشهد وبعضهم لا يزال على قيد الحياة،  يشهدون بما ناقشته معهم بهذا الخصوص.

كنت أقول لهؤلاء بأن الأمة وحركاتها الإصلاحية قد خسرت كل شيء بخصوص مشروعها الحضاري، ففلسطين في طريق التصفية في كل ملفاتها، والحركات الإحيائية خرجت من الفعل، فهي إما مستأصلة من قبل الاستبداد أو قابعة تحت سقوفه،  وبعض قادتها قبلوا الاندماج في بيئة الاستبداد خوفا منه أو طمعا في ما يمنحه لهم من مصالح، ولو كانت مجرد اعتراف بوجودهم ووجاهة شخصية في بيئتهم ، ولا بد حيال ذلك من قلب الطاولة على الجميع لإعادة بناء التوازنات،  ولا يكون ذلك إلا بعمل مقاوم في فلسطين غير مسبوق، يفسد مخططات تصفية القضية ويحرك العالم العربي والإسلامي ويبعث مشروع الاستنهاض الحضاري من جديد، ويربك الهيمنة الأمريكية الغربية الظالمة.

وحينما حدث طوفان الأقصى، قلت  في أسبوعه الأول بأننا نعيش ” حالة سننية”، من الحالات التي تأتي في زمن يتغول فيه الظلم إلى درجة التربّب ويستكين المظلوم ويستسلم، فتغير تلك الحالة الموازين فتكسر الظالمين وتظهر ضعفهم، وتعطي في المقابل فرصة للمظلومين لعلهم ينتفضون ليدافعوا عن أنفسهم وعن قضاياهم.

إن الحرب الإيرانية الصهيونية هي نتيجة من نتائج الطوفان وإفرازاته، تماما كما هي الأحداث التي وقعت في سوريا، وما يحدث في العالم من تحولات عميقة على مستوى الرأي العام والتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية في العالم، علاوة على الصمود الذي يتجاوز المعقول لدى الشعب الغزاوي، وبطولات المقاومة الخارقة.

فطوفان الأقصى لم يأت كمعركة عادية مع الكيان، ولكنه تحول سنني يحرك الأحداث الكبرى في فلسطين وإقليميا ودوليا نحو  نهاية الكيان ونهضة الأمة الإسلامية. وضمن هذا المآل يجب وضع الحرب القائمة بين إيران والكيان، فهي حرب مباركة من بركة فلسطين وطوفان الأقصى، ولا يمكن أن تنتهي إلا لصالح المسلمين، كل المسلمين بكل طوائفهم التي تنتمي لملة المصطفى عليه الصلاة والسلام .. مهما كانت الخسائر التي يتكبدها الإيرانيون.

التحولات الداخلية الإيرانية:

لا يدرك الغارقون في الفكر الطائفي ما وقع من تحولات عميقة في إيران قبل حدوث الطوفان،  حيث أن مشروع المقاومة الذي اعتُقد أن الإيرانيين كانوا يأخذون منه شرعية كبيرة  للتمدد في المنطقة قد انكسر وتراجع داخل إيران ذاتها، وقد عبّر عنه صعود الإصلاحيين المفاجئ في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي اضطرّ المرشد العام إلى التأقلم معه كأمر واقع.  والإصلاحيون تيار قوي سياسيا، تسنده شبكة “البازاريون” الذين يتحكمون في جزء كبير من التجارة والاقتصاد الإيراني، ومعه شبكة كبيرة من المفكرين ونشطاء المجتمع المدني، يتفقون كلهم على مخطط انكفاء إيران على نفسها، والعمل لكي تتحول إلى دولة ذات مشروع قومي، على النمط التركي، صاعدة اقتصاديا وعلميا وعسكريا غير منخرطة في المواجهات الإقليمية، ومتحالفة مع القوى الدولية الصاعدة.

لقد أدرك المحافظون خسارتهم داخل إيران فحاولوا حماية خط المقاومة خارجيا من التحولات الجارية داخل دولتهم،  ولكنهم فشلوا في ذلك بسبب الاختراقات الداخلية التي قضت على السليماني وكانت سببا رئيسيا في الخسائر التي تكبدها حزب الله في حربه ضد الكيان  دفاعا عن غزة، وخصوصا عند استشهاد زعيمه نصر الله، الذي كان زعيما روحيا لخط المقاومة الذي يسنده المحافظون كله.

لقد كانت نتائج المواجهة في لبنان لصالح التيار الإصلاحي لو تركهم الأمريكان والصهاينة في حالهم، ولكن لم يكن لهذه القوى الاستعمارية أن تسمح بنهضة إيران دون أن تنزع مخالبها وسيادتها – ولو قررت الانكفاء على نفسها –   فلا بد من إخضاعها بالقوة  لكي تكون بعد هزيمتها دولة تابعة بلا سيادة كما هو شأن الدول العربية في العالم السني.

لقد دفعت السياسة الأمريكية والعدوان الصهيوني إيران إلى اجتماع  كل قواها ونسيان خلافاتها لتدافع عن نفسها، ولكي تفشل  العدوان والمخططات الأمريكية. ولو تضامنت الدول والشعوب السنية مع إيران لثبّتت مشروع رجوع إيران إلى حجمها في الأمة والانكفاء على نفسها كجزء من العالم الإسلامي وقوة المسلمين، بما يسمح بالتعايش والتحالف معها لصالح الإسلام والمسلمين،  ولكن الخيانات التي وجدتها من الدول التي تشارك في  اعتراض صواريخها سيكرر تجربة التصلب الإيراني بعد بدء الحرب ضدها من قبل صدام حسين المسنود آنذاك من الدول الخليجية، وذلك الذي يعمل كثير من الواعين حضاريا الصادقين في مواقفهم على منعه بالعمل لوجه الله تعالى لتكون الأمة الإسلامية كلها إلى جنب إيران ضد الصهاينة.

لا شك أن إيران ستتلقى في الحرب القائمة ضربات موجعة وستتكبد خسائر عظيمة لن تتعافى منها بسهولة ولكن يجب عليها أن تُفشل أهداف العدوان المتمثل في وقف برنامجها النووي وتدمير صواريخها الباليستية وتدمير دولتها، ولكي لا تُسلّمَ إيرانُ بعد ذلك كلها إلى نخب علمانية عميلة للأمريكان والصهاينة فتكون أشد على العرب والمسلمين وعلى فلسطين من الأنظمة العربية الخائنة لله ورسوله والمؤمنين المشاركة في حصار غزة والتآمر على المقاومة. وأنا أتعجب حقيقة من بعض من يحسن الحديث عن فقه الأولويات والمقاصد والقواعد الشرعية، خصوصا قاعدة انفكاك الجهة، كيف يعميهم التعصب فلا يبصرون المآل لو انتصر المخطط الأمريكي الصهيوني في إيران، أتعجب حقيقة كيف يجهلون وقوف علماء كبار من المذاهب السنية مع حكام روافض في بعض حروبهم ضد الروم، وتشجيعهم على قتالهم، ذكرهم بذلك ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” الجزء الحادي عشر ، كالفقيه أبو بكر الرازي الحنفي، وأبو الحسن علي بن عيسى وابن دقاق في دعمهم للحاكم البويهي باختيار عز الدولة بن معز الدولة مؤسس الدولة البويهية الشيعية التي احتلت بغداد وتسلطنت على الخلافة العباسية.

لو استطاع الكيان أن يدمر قوة الرد الإيراني من الضربة الأولى لحقق الأهداف المعلنة مبكرا،  ولكن تلقيه ضربات صاروخية إيرانية متتالية في العمق الإسرائيلي وتدمير عدد كبير من المقرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتدمير هائل للبنايات والمؤسسات العلمية والاقتصادية، كما لم يحدث منذ تأسيس الكيان، قد يتيح لها هامشا للأمان في مواجهة الحلف العالمي الصهيوني الغربي العربي ضدها بما يجعلها تستمر كدولة تحاول بناء نفسها من جديد بعد الحرب.

إن طاقة الصمود متوفرة عند الإيرانيين أكبر مما لدى الإسرائليين، وذلك بسبب فروق مهمة لصالح إيران تتعلق بالجغرافيا وعدد السكان، وخبرة واستعدادات تحمل أعباء الحرب ومشاهد النار والدمار  والقتل في المدن والقرى الصهيونية . مع حسبان التطور المهم الذي وقع في صعوبة التدخل الأمريكي المباشر لصالح الكيان، وما يتعلق بتوريد السلاح والمعدات لصالح ايران من قوى شقيقة وصديقة لأسباب جيوستراتيجية.

التحولات الجيوستراتيجية الإقليمية والدولية.

لم يكن العالم أقرب إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة كما هو الحال مع هذه الحرب الإيرانية الإسرائيلية، فرغم أبعادها العدائية المعلومة بين البلدين يمكننا القول أنها تحولت إلى حرب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، بين أمريكا والغرب من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، وهي تطورات في صالح إيران ولا شك، وسيجعل ذلك أمريكا تراجع دعمها المباشر للكيان خوفا من أن تتورط في حرب عالمية تضعف الرؤية الاقتصادية التي يؤمن بها رئيسها ترامب وتورطها في حرب برية ستخسرها من جديد كما خسرت في الصومال وأفغانستان والعراق من قبل. غير أن الغياب الإسلامي العربي في هذه المواجهة وقوة اللوبيات الصهيونية في الصين وروسيا لصالح الكيان يجعل تفاؤلنا نسبيا.

لقد انخرطت إيران منذ سنوات ضمن المحور الصيني الروسي المعادي لأمريكا، وقد تم إدماجها  في منظمة البريكس وهي منظمة تعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي في مواجهة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وتم إلحاقها كذلك بمنظمة شنغهاي، وهي منظمة أمنية تأسست لمواجهة القوى الأمنية العسكرية الغربية الأمريكية، فصارت الصين وروسيا أقرب إلى إيران من أي دولة عربية وإسلامية أخرى، وقد قدمت إيران لروسيا مساعدات عسكرية معتبرة في حربها مع أوكرانيا ولا يمكن لروسيا أن تغفل عن أهمية مساعدة إيران بشكل ما  في مواجهة العدوان الاسرائيلي الذي هو عدوان أمريكي بالأصالة، كما أن هزيمة إيران وسقوطها في حضن المعسكر الغربي يمثل خطرا على خطوط التوريد الصينية و مشروع الطريق  والحرير ويضعف رؤية الصين للتحول من الأحادية القطبية الدولية الأمريكية إلى التعددية  القطبية الدولية التي تنتهي فيها الهيمنة الأمريكية على العالم.

ومما يجب ملاحظته التطور المهم الذي حدث في السياسة الخارجية الباكستانية، من ناحية أن باكستان أدركت بأنها تتعرض لتهديدات كبيرة من دولتين حليفتين للولايات الأمريكية المتحدة، هما الهند التي تجرّأت على انتهاك الأجواء الباكستانية وقصف مواقع في داخلها وقتل عدد من السكان، والكيان الصهيونى الذي صرح زعيمه المجرم نتنياهو بأنه بعد إنهاء الدور الإيراني سيتجهون إلى إنهاء دور باكستان وتدمير سلاحها النووي.  

لقد أدى هذا الإدراك الباكستاني إلى تعميق تقاربها التقليدي مع الصين في مواجهة الخصم الهندي القديم المشترك، والاعتماد على السلاح الصيني ضد السلاح الأمريكي الأوربي الذي تملكه الهند، وذلك رغم علاقاتها الوطيدة مع الولايات الأمريكية المتحدة. وضمن هذه التحالفات الجديدة ضد الهيمنة الأمريكية أظهرت باكستان علانية تأييدها لإيران وباتت الأخبار التي تفيد بوجود عمليات توريد السلاح والمعدات الحربية من الصين وروسيا عن طريق باكستان غير خافية عن المتابعين، وذلك لا شك سيعين إيران على صمودها في مواجهة الجبهة الداخلية الإسرائيلية المتداعية.

إن هذه التحولات الإقليمية والدولية توفر هوامش مهمة وفرصا ثمينة لنهضة المسلمين، وستتعزز هذه الهوامش والفرص لو خرجت إيران سالمة من هذه الحرب القاسية، ولا نقول هذا من منطلق  العاطفة والاندفاع ما دامت إيران تواجه إسرائيل على نحو ما هو عليه كثير من المساندين لإيران دون النظر إلى أخطائها الجسيمة ومشاركتها المباشرة في جرائم المليشيات الشيعية في سوريا مثلا، ولا نقوله بدافع التقارب الفكري والسياسي والمصلحي مع إيران كما هو حال بعض من نعرفهم في العالم العربي،  ولكنه رأي طائفة من الواقفين معها على أساس رؤية شرعية حضارية كبيرة تقوم على المسلمات التالية:

– تعاضد المسلمين ونصرة بعضهم بعضا واجب شرعي لا تقف أمامه التوجهات الطائفية التكفيرية، وشيعة إيران مسلمون عند جمهور العلماء، ولا عبرة بغلاة الشيعة المارقين عن الدين عندهم الذين هم أقلية، على نحو ما هم عليه أقلية غلاة السنة التكفيريين عندنا،  وما وقع من ظلم وعدوان إيراني على أهلنا في سوريا والعراق واليمن هي جرائم سياسية وقع مثلها في التاريخ من كل المذاهب، ويوجد مثلها في عصرنا الحديث على يد حكام مستبدين من السنة، وإنما يُستعمل الدين والمذهبية عند هؤلاء وهؤلاء لأغراض السلطوية. ورغم  تفهمنا لمواقف من وقع عليهم العدوان في سوريا والعراق واليمن، وضرورة جبر خواطرهم وضمان حقوقهم،  لا يجب على قادة الأمة وعلمائها أن يقفوا عند تلك الأحداث بما يجعلنا ندمر بعضنا بعضا داخليا في مواجهة عدو يريد الشر بنا جميعا، بكل طوائفنا،  ويسعى لجعلنا جميعا تحت سيادته وإرادته،  وإنهاء ديننا وحضارتنا إلى الأبد.   

– إن انتصار ايران في الحرب القائمة، أو خروجها على الأقل سالمة،  هو  انتصار لفلسطين، وفيه خلاص أهلنا في غزة مما يتعرضون إليه من ظلم عظيم وعدوان بلغت همجيته عنان السماء.

– إن انتصار إيران هو هزيمة للاستبداد في عالمنا العربي والإسلامي المساند للكيان والمشارك في حصار غزة.

– إن انتصار إيران هو هزيمة للولايات الأمريكية المتحدة وحلفائها الأوربيين الذين هم سبب كل بلائنا، كما أن ذلك سيساعد على انتقال العالم إلى التعددية القطبية التي تمنحنا هوامش واسعة لنهضة عالمنا الإسلامي.

وعلى أساس كل ذلك إن المشروع الذي يشتغل عليه الذين يساندون إيران انطلاقا من رؤية الاستنهاض الحضاري للأمة يرون أن حل مآسي الأمة لا يكون بمحاربة إيران وإشعال نيران الطائفية، فإن في ذلك مصلحة القوى الصهيونية الغربية الاستعمارية الغاشمة،  وإنما الحل  بنهضة الدول السنية وخروجها من التبعية واسترجاع سيادتها وتحقيق وحدتها، ولو وقع ذلك ستُنسّب إيران طموحها وتأخذ مكانها الطبيعي كأقلية  في الأمة وجزء منها، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ذلك يطول استحضارها، وهذا الذي يعمل عليه زمرة من القادة في العالم الإسلامي ، ليس على الصعيد النظري فقط، بل على الصعيد الميداني كذلك، وقد يبدو هذا الحلم جنونا، ولكن صدق من قال: ” أحلام اليوم حقائق الغد” والله المسدد والموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. عبد الرزاق مقري

شعوبٌ نحو غزة: في ذكرى أسطول الحرية

اختار نشطاء الحرية من كل أنحاء الدنيا أن يتوجهوا إلى غزة براً وبحرا لكسر جدار الصمت الرسمي في العالم، وتماشيا مع الموجة الشعبية العالمية المتصاعدة ضد الاحتلال بغرض كسر الحصار ووقف آلة الإجرام الصهيونية ونجدة الفلسطينيين الذي يُقتلون بالقصف والتجويع وكل أدوات القتل والإبادة الجماعية.

انطلقت قافلة الصمود البرية تحمل مئات النشطاء من المغرب العربي، وللجزائر حضور متميز بقرابة مائتي ناشط يقودهم سادة أفاضل، سجلهم حافل بالتضحية من أجل فلسطين، من بينهم البطل الشاب مروان بن قطاية رئيس الـ تنسيقية الشعبية الجزائرية لنصرة فلسطين ، والشيخ المجاهد يحيى ساري رئيس المبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة، سيتجمعون في تونس حيث تلتقي آلاف النفوس المحاربة للظلم من كل أنحاء العالم، ثم يدلفون نحو ليبيا فمصر  حيث يلقون بنشطاء من مختلف الدول في رفح، يحاكون في أيام الحج الأكبر إقبال المؤمنين من كل نواحي الدنيا على المناسك يتضرعون إلى الله أن يحمي أهل غزة وينصر المكافحين من أجل تحرير بلدهم وأن يهلك المجرمين الظالمين وينهي عهدهم. أؤلئك يحجون إلى البيت الحرام  محرمين ملبين، وأؤلئك يحجون إلى غزة رمز الإباء والعزة، والله نسأله أن يتقبل من هؤلاء وهؤلاء.

ومن ميناء “كاتانيا” بجزيرة صقلية الإيطالية انطلقت في نفس الفترة سفينة “مادلين” ، وعلى متنها 12 ناشطًا دوليًا، بينهم الناشطة البيئية السويدية غريتا تونبرغ، والممثلة الفرنسية الفلسطينية وعضوة البرلمان الأوروبي ريما حسن، والممثل الإيرلندي ليام كانينغهام، بالإضافة إلى نشطاء من دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا وتركيا والبرازيل.   تحمل السفينة كميات رمزية من المساعدات الإنسانية، تشمل حليب الأطفال، الدقيق، الأرز، الحفاضات، والمستلزمات الطبية، ضمن عملية نضالية دولية تهدف إلى تسليط الضوء على المجاعة الشاملة التي يسلطها جيش الاحتلال الغاشم على أهلنا في غزة.

ستمتحن القافلة البرية موقف أنظمة الدول العربية التي ينطلق منها ويمر عليها النشطاء، وستبين بأن الشعوب مستعدة للتضحية ومواجهة الإجرام الص&هي”ني  بكل ما تملك لنجدة أهلنا في فلسطين لو تَركت الدول بينها وبينهم، وإن نجحت رحلة الآلاف من الناس هذه، ستُتكرر القوافل بالملايين نحو غزة بإذن الله.

أما القافلة البحرية التي تصنعها سفينة “مادلين” فهي السفينة السادسة والثلاثين ضمن جهود تحالف أسطول الحرية عبر السنوات، وستكون هذه السفينة في مواجهة مباشرة مع جيش الاحتلال، الذي بدأ قادته يتوعدونها بالمنع في المياه الدولية أو قرصنتها واقتيادها إلى ميناء أسدود وحبس من على متنها. وسيؤدي هذا العدوان إلى وضع الكيان وقادته في أسوء صورة في الرأي العام العالمي مما سيُعجّل بنهايته بحول الله، إذ تبدأ نهاية الاحتلال دائما بانهيار سرديته وملازمة البشاعة شكله.

تذكرني هذه الأجواء بغزوة سفينة مرمرة وأخواتها ( ثمان سفن أخرى صغيرة)، ضمن أسطول الحرية الذي انطلق من تركيا وموانئ أوربية أخرى، وتعرض للهجوم الإجرامي من الجيش الص&هي”وني في يوم 31 مايو 2010 فقتل تسعة من الأتراك، وجرح 26 ناشطا من مختلف الجنسيات، منهم الأخ العزيز محمد الذويبي الذي أصيب في عينه اليمنى، وقد تعرض  في أيام هذه الذكرى الخامسة عشر  للعدوان إلى مضاعفات جديدة في عينه اضطرّ بسببها إلى إجراء عملية جراحية جديدة عليها. لقد كان أخي محمد رفيقي في الزنزانة بسجن من السجون التي حَشرنا فيها المعتدون على سفينتنا بعد إلقاء القبض علينا ظلما في المياه الدولية.

شارك في غزوة أسطول الحرية في عام 2010 قرابة نحو 750 ناشطا من 50 دولة، منهم النواب والصحفيون والقادة السياسيون والقانونيون وأصحاب الجوائز العالمية للسلام، وكانت المشاركة الجزائرية لافتة في سفينة مرمرة لا تخطئها العين ولا تنساها الأفئدة.

إن المشاركة الفاعلة للجزائر، في القافلة البرية هذه المرة كذلك ليست غريبة على بلدنا العامر بالرجال الأبطال الأحرار، فلقد كان لأسلافهم، قبل 15 عاما، المساهمة الأبرز  في أسطول الحرية الشهير ضمن الوفود العربية والإسلامية، إذ كان وفدنا أكبر الوفود بعد الأتراك، وكانت مساهمتنا بأكبر  سفينة بعد سفينة مرمرة معبأة بأطنان من  المساعدات قدمها الشعب الجزائري من مختلف الولايات أثناء تطوافنا عليهم في كل البلاد لتحضير الغزوة التي تمت بنجاح كامل بحمد الله ودخلت التاريخ من بابه الواسع.

قلت لأعضاء الوفد الجزائري في أسطول الحرية  أثناء اجتماعنا الأسبوع الماضي لتأسيس “مؤسسة أسطول الحرية – الجزائر” : “لقد اصطفاكم الله بأن تكونوا جزء من تلك الغزوة المبكّرة المباركة التي رسمت مسارا مستمرا للقوافل البرية والبحرية، وباتت علامة فارقة في التاريخ، باركها الله بدماء شهدائها وجرحاها، وهزت العالم هزا ضد إجرام الص&ها”ينة، ولعلي أشبهكم – بإذن الله – بالبدريين الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “افعلوا ما شئتم فقد غفر الله لكم”، “ما بينكم وبين ذلك إلا أن تخلصوا النية لله تعالى وتواصلوا كفاحكم ونضالكم من أجل تحرير فلسطين”. 

وما هذه القوافل المتتالية، التي، نحن ومن معنا، دوما جزء منها،  إلا استمرار لجهود المناضلين الأحرار في العالم،  بكل الوسائل، على هذا الدرب المنير . نسأل القبول والتوفيق.

عبد الرزاق مقري

 

أنا والإمارات

يشعر الإنسان بكثير  من الطمأنينة حين يكون موقفه في قضية متطابقا مع موقف بلده، رسميا وشعبيا، وذلك هو شأني مع دولة الإمارات. 

كانت بلاد الإمارات وجهة كريمة لدي في زمن الشيخ زايد رحمه الله، فقد كان لي فيها أهل وأصدقاء، سكنها صهري  لأغراض التجارة فترة من الزمن، وكان فيها مَعلما في مجاله، وعنوان استقامة وبركة  لدى التجار، وكنت أزوره بين الحين والحين لألقى شقيقتي الحبيبة حفظها الله وأولادها، إلى أن تركها رحمه الله رحمة واسعة إلى بلد آخر حين ساءت أمور البلد، كما حاولت أنا ذاتي ولوج عالم الأعمال بها مع بعض الزملاء التجار، وحققت أرباحا ولكن لم أستمر لكثرة انشغالي بقضايا أخرى عديدة، وكان لي بهذا البلد الطيب إخوان أجلاء وقامات سامقة في مجال العلم والفكر  والدعوة، كلهم اليوم مسجونين ظلما وزورا وبعضهم غادر بلده مكرها مهاجرا الى بلاد أخرى. 

ثم حكم البلاد ظالمٌ محارب لله ورسوله وأمة الإسلام، قرر وأزلامه معاداتنا وإيذاءنا كتيار إسلامي، بالرغم من أننا لم نفعل له شيئا ولم نسئ له ولا لأهله وبلده، وقد  كنت من بين أهدافه التي  بذل ماله الوسخ لضربها. 

زارني ذات يوم صحفي معروف وأستاذ دكتور في كلية العلوم السياسية توفاه الله رحمه الله،  ليحذرني من أمر ما له علاقة به. قال لي “لقد وجّهت لي دعوة من الإمارات لمناسبة وهمية وكان الموعد في ملعب رياضي، وهناك التقيت بمسؤولين إماراتيين، شكروني على ما أكتبه في نقد الإسلاميين وطلبوا مني أن أركز على ضرب عبد الرزاق مقري وحركته مقابل منحٍ مالية مجزية” ثم أخبرني بأنه رفض ذلك بحكم الصداقة التي بيننا، ولكن حذرني بأنه أعطاهم أسماء ثلاثة صحفيين شباب في الجزائر  قال لهم ” يمكن أن يقبلوا التعامل معكم”

لم آخذ ما قاله لي هذا الصحفي الصديق على محمل الجد، خصوصا أنني تعجبت لقوله، كيف يرفض التعامل معهم لإيذائي ويقترح لهم آخرين يقومون بالدور، ولكن حدث أمران جعلاني أتذكر ما قاله وأصدقه. يتعلق الأمر الأول بالشيخ راشد الغنوشي فك الله أسره، ويتعلق الأمر الثاني بصحفي  شاب له علاقة بالإمارات – قد يكون من أولئك الثلاثة الذين حذرني منهم صديقنا – استهدفني بقسوة وقذارة انكشف أمره  في المحكمة.  

أخبرني أحد قادة حركة النهضة الكبار  ( أتحفظ على ذكر اسمه لأنني لم أستشره) بأنه وجّهت له دعوة من مركز دراسات لإلقاء محاضرة بالإمارات، استضافوه في فندق فخم لم ير مثله حسب قوله، دلت مظاهر الفساد فيه أنه مصيدة للرجال وقد يكون الرجل عالما بقذارة من دعوه فأخذ معه زوجته. حين التقى بمضيفيه تأكد بأن سبب دعوته  لم تكن المحاضرة وإنما وضعوا بين يديه على الطاولة شيكا فارغا ليملأه بما شاء،  قال لي قلت لهم: “ما سبب هذا السخاء الكبير” فقالوا له بصراحة ودون حياء: “لقد لاحظنا أنك غير متفق مع الشيخ راشد الغنوشي ونحن نريد أن ندعمك في ذلك”، قال لي: “دفعت الشيك في اتجاههم على الطاولة  رافضا الإغراء وقلت لهم “أنا أنقد الشيخ راشد داخل حركة النهضة وفي تونس وأنتم لا شأن لكم بهذا” ثم وجد نفسه بعد محاولتهم الفاشلة يحاضر في قاعة صغيرة بها عشرة أشخاص جزم أنهم كلهم من رجال المخابرات. 

وأما الحادثة الثانية فهي مع صحفي شاب كتب سلسلة مقالات في جريدة العين الإلكترونية الإماراتية كلها كذب وافتراءات، منها أنني هرّبت أموالا إلى تونس لأسلمها للشيخ راشد الغنوشي وأنني آخذ أموالا طائلة من قطر والإمارات لضرب الجزائر. رفعت على المعني دعوى قضائية، كما هي السياسة التي اعتمدتها أثناء رئاستي للحركة وهي أن أقاضي كل هذا النوع من الدجالين والكذابين، وقد فزت في القضايا التي رفعتها في المحاكم ضدهم كلها بحمد الله. 

اقترحت على هذا الشاب، وعلى محاميه أن يتراجع كتابيا عما كتبه ويعترف بأنه كان يفتري لأسحب القضية – بناء على قضية أخرى قبلها كسبتها التزم الطرف المعتدي بالاعتذار علانية في وسائل الإعلام – فرفض معتقدا بأنه سيكون محميا ويغلبني في المحكمة، ولكن حين افتضح أمره وصدر الحكم ضده أربك إرباكا شديدا إذ لم يستطع تقديم أي دليل وعُدّ اتهامه أنه إهانه للأجهزة الأمنية التي تكون قد عجزت على كشف هذا الأمر الجلل لو كان حقيقيا. عندئذ اعترف أمام القاضي بأنه لم يكن هو من يكتب تلك المقالات ولكن كانت تُكتب باسمه من غرفة التحرير الإماراتية، وفي آخر الجلسة أعطى القاضي الكلمة لوكيل الجمهورية فمسح به الأرض وقال له: ” أنت تتهم رجلا محترما في حين أنك أنت الذي ثبت في حقك العمل مع دولة الإمارات”. 

هذه هي دولة الإمارات التي تريد أن تُخضع الجزائر بدسائسها الماكرة وأموالها العفنة، فإذا بها تجد نفسها أمام جدار قوي متين تتآزر فيه الجهات الرسمية مع القوى الشعبية ولا تكاد تجد عميلا واحدا لها يرفع رأسه في بلادنا، والله نسأله أن يديم حماية بلدنا، وأن يحمي الإمارات ذاتها والأمة العربية والإسلامية كلها والبشرية قاطبة، من هؤلاء الحكام المغرورين التافهين الذين لا مجد لهم ولا إنجاز لهم سوى بمال غزير أتاهم من الله ليفتنهم به في الدنيا ويفنيهم به لاحقا بحوله سبحانه غير مأسوف عليهم، ويعذبهم به في الآخرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

العلاقات الجزائرية الفرنسية وكيف ينبغي أن تكون

سبق للعلاقات الجزائرية الفرنسية أن عرفت توترات عدة مرات منذ الاستقلال، ثمّ عادت المياه إلى مجاريها  المفضلة في كلّ مرة،  حتى شبّهها بعض الذين يتفننون في إيذائنا بأنّها “علاقة زوجين يتناوشان كثيرا ثم يعودان إلى بعضهما البعض، ومن يتدخل بينهما يندم على ذلك”.
لا شكّ أنّ التوتر في المرحلة الراهنة بلغ حدّا غير مسبوق، ولكن بلا شك ستعود الأمور إلى مسارها المبجل ويتأكد أمان المصالح الفرنسية كما كان عليه، ومن يستهين بقوة اللوبيات الفرنسية وشبكات الفساد الخادم لفرنسا وتأثير الفرونكوفيليين المتطوعين لخدمة المصالح الفرنسية في بلادنا مخطئ.
إنّ الضجة القائمة والظواهر الصوتية المكرِّرة، دون وعي -كما العادة- لتوجهات رسمية  قررت الدخول في معارك كلامية مع فرنسا لا تعبّر البتة عن إرادة حقيقية لقطع دابر الامتيازات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تحظى بها دولة الاستعمار  في بلدنا،   مازالت لغة المستعمر سيدة في تعاملات  العديد من الوزارات والمديريات ومختلف المؤسسات الرسمية، وهي لغة الاتصال السائدة عند كثير من المسؤولين، وماتزال العلاقات الاقتصادية التجارية والمالية مع فرنسا في المراتب الأولى بين الدول، وما تزال لغة المستعمر مفضلة في المؤسسات التعليمية في العديد من الشُّعب رغم تدحرج اللّغة الفرنسية في هذا المجال دوليا، ولم تُزعزِعْ التصريحات النارية لشبكات الفاعلين في المعركة القائمة وضعَ لافتات المحلات التي تهيمن عليها اللّغة الفرنسية، بل إنّ الأمر زاد عمّا كان عليه في سنوات سابقة فباتت بعض المؤسسات الرسمية الكبرى تشترط لمن يتعامل معها لنيل الصفقات أن تكون اللغة المستعملة في الملف اللغة الفرنسية حصرا (وقد صدمت حقا حين أظهر لي أحدهم نموذجا عن ذلك لمؤسسة جزائرية عريقة). والأغرب من كلّ هذا أن الجهات الرسمية والأحزاب الموالية هي التي تعطل إلى اليوم مشروع قانون تجريم الاستعمار في البرلمان الجزائري.
إنّنا لا نحتاج إلى الضجيج الإعلامي والتصريحات النارية من المسؤولين، أو من شبكات الزبونية التي تضبط بوصلتها دوما وفق ما يريده الحاكم، وتدور مع إرادته حيثما دار وكأنّه هو القرآن المنزل من الله تعالى.
إنّنا نحتاج إلى رؤية وطنية واضحة وخطط وإجراءات هادئة تنفذ فعليا، ولو بالتدرج المتصاعد، دون الحاجة لتهييج العواطف بلا فائدة تذكر.
إنّنا نحتاج أوّلا أن نعلم أنّ مشكلتنا مع الدولة الفرنسية ليست مع اليمين المتطرف فقط كما يحاول الذين يريدون استعمالنا في المعركة القائمة لإبقاء فرصة العودة إلى العلاقة الحميمية مع فرنسا قائمة. لقد كانت مشكلتنا سابقا مع اليسار التقليدي، وعرفت حدّا يشبه حالة اليوم في زمن “فرانسوا ميتيران”، وبقي هذا التيار الذي يمثّل البيت الأصلي للصهيونية الفرنسية هو العدو اللّدود للجزائر، ومن يعرف تاريخ هذا التيار وكيف تشكل يفهم ما نقول. ومشكلتنا اليوم  مع من يسمون أنفسهم “تيار الوسط” بزعامة إيمانويل ماكرون هي المشكلة الحقيقية ، ولم ينكر وجودنا كأمّة ولم يؤذ ذاكرتنا كما فعل هذا الرئيس الفرنسي.
لقد حاول المسؤولون الكبار في الدولة الجزائرية أن يزيّنوا لنا صورة الرئيس الفرنسي “ماكرون” ووصفوه لنا بأنه شاب ذو نوايا طيبة ويريد أن يفتح صفحة جديدة مع الجزائر، وأنه لا علاقة له بأفكار “الجزائر الفرنسية” التي يحملها اليمين المتطرف، وأنّ أصحاب تلك الأفكار هم الذين يضغطون عليه.
لقد نبهت في مقال نشرته بضعة أسابيع بعد صعود “ماكرون” للرئاسة في عهدته الأولى، ونصحت بعض المسؤولين مباشرة بأنّ هذا الرجل هو الأخطر من بين الساسة الفرنسيين، وبينت بالدلائل بأنه صنيعة الصهيونية والماسونية والمؤسسة المالية العالمية الاستعمارية، وشرحت كيف اِلتقطه “جاك أتالي” أحد أهرامات الصهيونية الفرنسية من الجامعة ووضعه في “بنك روتشيلد” ثم ضمّه إلى لجنته – “لجنة أتالي” من أجل النمو الاقتصادي الفرنسي -، وعرّفه إلى الرئيس اليميني ” نيكولاس ساركوزي” ثم إلى الرئيس اليساري “فرانسوا هولاند” ثم تمّ دعمه ليصل الى مراتب عليا ووزارات مهمة في الدولة الفرنسية، إلى أن تمّ ترشيحه لرئاسة الجمهورية في وقت عرفت فيها فرنسا أزمة اقتصادية واجتماعية كبيرة أدّت إلى توجه بيّن إلى التشدد نحو اليمين ونحو اليسار حتى في الأحزاب التقليدية، كان من الممكن أن يؤدي إلى صعود رئيس للجمهورية من اليمين أو اليسار لا تتحكم فيه الصهيونية العالمية،  مما صنع فراغا كبيرا في “الوسط” بين اليمين واليسار اِستغله مساندو “ماكرون” بتسخير كل وسائل الإعلام الثقيلة لتلميعه وإيهام الشعب الفرنسي -خاصة الأقليات- بأنّ الحل عنده.
لقد شرحت اللعبة في ذلك المقال ( مايزال منشورا)  وتنبأت بأن “ماكرون” لن يحل مشكلة فرنسا، ووقع ذلك فعلا بخروج الفرنسيين البيض الى الشوارع ضمن اِنتفاضة أصحاب “السترات الصفراء” التي لم يوقفها سوى وباء كورونا.
لم يجد الساسة الفرنسيون، على اختلاف توجهاتهم لحلّ مشاكلهم الاقتصادية سوى اِستنزاف خيرات المستعمرات الفرنسية القديمة، كما هي عادتهم، ومنها الجزائر التي رأينا كيف سُخرت بحبوحتها المالية في العهدة البوتفليقية لإنقاذ العديد من المؤسسات الفرنسية المفلسة.
وللأسف في الوقت الذي تنتفض فيه إفريقيا ضد ذلك الاستغلال والهيمنة، ما زلنا في بلادنا نكتفي بالتصريحات والضجيج الإعلامي.
ليس المطلوب أن ندخل في حرب مع فرنسا، بأيّ شكل من أشكال الحروب -إلا في حالة العدوان- ولا أن نقطع العلاقات معها، ولكن ما ينبغي فعله هو العمل بصمت وفق الرؤية والإجراءات التالية:
تمرير قانون تجريم الاستعمار في البرلمان.
اِسترجاع الأرشيف ورفات الشهداء وخرائط الألغام والوثائق والمعلومات المتعلقة بالتجارب النووية والكيمياوية وكل ما يتعلق بملف الذاكرة.
تقنين مسألة اعتراف فرنسا بجرائمها والاعتذار عن ذلك والتعويض عن الضرر كما فعلت دول أخرى مع مستعمراتها القديمة وكما تطلب فرنسا ذلك من غيرها، ثم ترك هذا المطلب يتفاعل تلقائيا دون صخب وفق تطورات موازين القوة دوليا.
إنهاء الهيمنة الثقافية الفرنسية في التعليم وإنهاء اِستعمال اللغة الفرنسية في المراسلات والخطاب والتعاملات الرسمية  وكأنّها لغة رسمية فعلية.
وقف تجميد قانون تعميم اِستعمال اللغة العربية.
إنهاء الاشتباك المفتعل بين اللغة العربية والأمازيغية، ومنع أي جهة خارجية لاستعمال التنوع السكاني في الجزائر، وتعميق أواصر الأخوة والمحبة بين الجزائريين بمختلف أعراقهم، وتجريم أي خطاب عنصري أو مؤجّج للفتنة، والتعامل مع كل السكان ونواحي البلد في إطار العدل والمساواة والتضامن. 
معالجة الهيمنة الثقافية الفرنسية في المحيط وتقنين الاستعمال الأبرز للّغة الوطنية دستوريا  في لافتات المحلات والمؤسسات.
منع أي اِمتياز خاص لفرنسا في النشاط الاقتصادي ومراجعة صفقات الامتياز القائمة كلّها.
ضبط معايير محددة لضمان سلامة وكرامة وحقوق الجزائريين المقيمين في فرنسا وتمكينهم من المساهمة في خدمة بلدهم واِرتقائهم فيه في مختلف المجالات.
توجيه مكونات الجالية الجزائرية في فرنسا، لا سيما المجنسين، لينظّموا أنفسهم ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا حتى يكونوا فاعلين مؤثرين قادرين على حماية قيمهم ومصالحهم وخدمة بلدهم الأصلي كما هو حال العديد من جاليات مختلف الدول في أنحاء العالم ( la Diaspora).
بناء قوة ناعمة جزائرية داخل التراب الفرنسي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية وغير ذلك ضمن إطار القوانين الفرنسية.
تطوير جهاز الاستخبارات والمقدرات الاستشرافية الأمنية لحماية المصالح الجزائرية من المخططات العدائية الفرنسية القائمة والمحتملة.
بناء التحالفات مع الدول الواعية التي تدافع عن نفسها  ضد تهديدات المستعمر القديم المختلفة. 
التعامل الدبلوماسي المعمول به دوليا مع الأزمات دون صخب ولا ضجيج، من التنبيه إلى اِستدعاء السفير الفرنسي للجزائر، إلى سحب السفير الجزائري في فرنسا، إلى خفض التمثيل، إلى مراجعة الاتفاقيات، إلى قطع العلاقات، إلى التطور الإيجابي في الاتجاه المعاكس حسب التطور الإيجابي للعلاقات. 
والانتهاء إلى تثبيت العلاقات مع فرنسا كعلاقة عادية غير عدائية ما لم تتعرض الجزائر للعدوان ولا مفضّلة كما هي العلاقة مع الدول الشقيقة والصديقة،  تقوم على أساس المصالح المشتركة، و لا تقبل التطور  الإيجابي إلا بعد تجسيد كل النقاط السابقة وبقدر تحقّق المصالح الجزائرية. 
وأثناء تجسيد هذه الرؤية؛ الالتزام بالرزانة الرسمية وعلى مستوى النخب وتجنّب التصريحات والهيجان الكلامي والمعارك الهامشية والتركيز على الفعل والإنجاز.

د. عبد الرزاق مقري

إنما المؤمنون الجزائريون إخوة، وشيطنة الدكتور بلغيث لا مبرر لها.

يستطيع أي أحد أن يخالف الدكتور بلغيث في الأطروحات التي قدّمها في القناة الإماراتية، وفي توقيت حديثه، ولا شك أن حديثه في موضوع حساس لقناة إماراتية خطأ  إذ لا همّ لحكام الإمارات إلا تدمير الأمة الإسلامية وهم يستغلون أي رأي لتغذية ما يفرق المسلمين، غير أنه لا يوجد أي شيء في ما قاله يستدعي شيطنته وإلقاء  القبض عليه، لا سيما أن للرجل مكانته العلمية، وسمته الوطني.

إن الخروج من الإطار العلمي إلى التهارش السياسي بشأن اختيار  كلمة “أمازيغ” أو “بربر” في تسمية المكونات السكانية، وحول أصل الأمازيغ أو البربر  هل هم عرب أو غير ذلك لغو لا وزن له، والانقسام على أساس ذلك أمارة من أمارات التخلف، والتوجه إلى فضاء القضاء ما لم تكن ثمة إساءة للسكان بهذا الخصوص لا مبرر  له. فالذي ينتقد اسم “زيد” كاسمٍ دون الإساءة لمن يحمل الاسم لم يسئ لأحد، حتى وإن كان مخطئًا لتعرضه للاسم ذاته. وأنا شخصيا أشهد أن الكلمة التي كانت شائعة حين كنا في الجامعة في بداية الثمانينيات كانت “البربر” ولم تكن ” الأمازيغ” والدليل على ذلك أن الحركة التي كانت تعمل من أجل الحقوق الثقافية كانت تسمى “الحركة الثقافية البربرية” – MCB – وبعد أن ظهرت كلمة “الأمازيغية” ثمة من تقبلها وثمة من لم يتقبلها وذهب الناس في ذلك مذاهب وتأويلات شتى، وليست العبرة في الأسماء ولكن في حقيقة المسميات، فقد يكون “زيدا” رجلا طيبا وقد يكون سيئا.

لم  يقل بلغيث شيئا جديدا البتة، كل ما تطرق إليه هو موضوع نقاش علمي وثقافي قديم كُتبت فيه الكتب والمقالات والبحوث بلا  حد ولا عدد، منها ما يؤيده ومنها ما يعارضه، والتصريحات التي أساءت لعناصر الهوية الأخرى الإسلام والعربية كثيرة، وثمة من فعل ذلك وهو مبجل مقرب في وسائل الإعلام ولدى السلطات.

إن بيان التلفزيون الجزائري وتحريك القضاء لوقف دكتور بلغيث سيؤجج الاحتقان الهوياتي ولا يهدئ الأوضاع.

وعجيب ما اطّلعت عليه في بيان لأحد الأشخاص البارزين  في رده على الدكتور بلغيث ببيان رسمي إذ ذكر الهوية العربية والأمازيغية ولم يذكر الإسلام الذي يجمعنا.

والأخطر أن  سياسية معروفة نفت هويتنا العربية في ردها على دكتور بلغيث ودعت إلى الانسحاب من الجامعة العربية

إن ما يجب الانتباه إليه أن الصراع حول قضايا الهوية أمر طارئ في تاريخ الجزائريين أنشأه الاستعمار الفرنسي وغذاه أزلامه الكامنون في مفاصل الدولة للمحافظة على نفوذهم  واستعمله الاستبداد بشكل عام لإلهاء الجزائريين عن قضايا أساسية تتعلق بحرياتهم وبمصيرهم ومستقبلهم.

أيها الجزائريون إنكم جميعا إخوة كما قال الله تعالى: (( إنما المؤمنون إخوة)) وإن العلاج الحقيقي لقضايا الهوية هو التزام الجميع بتعاليم ديننا الحنيف.

والآيات والأحاديث المؤسسة لإبطال التفاخر بالأعراق والأنساب كثيرة منها  ما جاء في خطبة المصطفى عليه الصلاة والسلام مما ورد في سنن الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -كبرها وفخرها- وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}

 

د. عبد الرزاق مقري

هل يستفيد الإسلاميون من التجربة السنغالية؟

لا شك أنّ الحالة الديمقراطية في السنغال متقدمة على دول أفريقية كثيرة، وعلى كل الـدول في العالم العربي، فالتعددية الحزبية عريقة، وهوامش الحرية واسعة، والمجتمع المدني حرّ ونشيط، والتداول السلمي على السلطة تحقق فعليًا عدة مرات بين الموالاة والمعارضة، غير أن التغيير الذي حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في 24 مارس/آذار 2024 مختلف عن المنافسات السابقة، وقد حرصت في زيارتي إلى دكار بعد الانتخابات أن أدرس التجربة عبر الاستماع المباشر والنقاش مع الفاعلين السنغاليين من الناطقين باللغتين: العربية والفرنسية، وذلك بغرض الاستفادة من التجربة في نماذجنا السياسية والاجتماعية المستعصية على الديمقراطية في بلادنا العربية.

 

تيار شبابي جارف

لقد كان التدافع السياسي في السنغال يجري في المراحل السابقة ضمن منظومة سياسية واقتصادية وثقافية واحدة، تدور في فلك الهيمنة الغربية الفرنسية، رغم الفروقات التي تظهر بها هذه القوى والشخصيات السياسية المتنافسة أو تلك، خلافًا للتغيير الذي حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي يمكن إدراجه ضمن الصحوة الأفريقية العامة ضد التبعية للقوى الاستعمارية. غير أن السنغال اختارت الاعتماد على رصيدها الديمقراطي بدل اللجوء إلى الانقلابات العسكرية، كما حدث في عدد من دول غرب أفريقيا.

 

إن من ميزات التغيير الحاصل في السنغال، أنه جاء ضمن تيار شعبي شبابي جارف فرض نفسه على التوازنات القائمة، قدم نفسه عبر خطاب راديكالي بسيط وواضح كبديل لحالة الفساد المستشري والفشل في تحقيق التنمية والتبعية للقوى الخارجية، وكضامن للهوية الإسلامية السنغالية المدرجة على هامش الشأن العام من قبل النظام العلماني المتحكم.

 

لم يكن قادةُ التغيير الذين نجحوا في الانتخابات من المنظمات الدينية والحركات الإسلامية، ولكن كثيرًا منهم نشؤُوا في فضائها العام ويعدّون من ثمارها، ومنهم قائد المعارضة عثمان سونكو الذي كان عضوًا نشطًا في جمعية الطلبة والتلامذة المسلمين أثناء دراسته الجامعية وبقي قريبًا من مختلف الجمعيات والمنظمات الإسلامية، فكان قريبًا من الطريقة المريدية، ومن جماعة عباد الرحمن، واتحاد العلماء والدعاة، ويحضر الحلقات المسجديّة إلى أن انخرط في العمل النقابي والسياسي فأخذ وجهة تختلف عن العمل الإسلامي التقليدي.

حيث ركّز على التيار بدل التنظيم، وعلى الاتصال الجماهيري المباشر والتحكم في وسائل الاتصال الحديثة، وعرْض البدائل عبر المقالات والمبادرات، وتوسيع شبكة العلاقات والتحالفات، وحتى حينما أسس حزبه “الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة – باستيف” عام 2014 جعله أشبه إلى الشبكة منه إلى الحزب، ينخرط فيه من يجتمعون في رؤية التغيير وأهدافه، ويتنوّعون فيما سوى ذلك، ويضبط التوجهات قادة مقتدرون من خلال التأثير وليس عبر المواقع التنظيمية.

 

دور إيجابي

لم تكن الموجة التغييرية التي قادها عثمان سونكو، صاحب الخمسين سنة من العمر، بلا ثمن، فقد تعرّض لمضايقات كثيرة، حيث فُتحت له قضايا كيدية عديدة في المحاكم وتم سجنه بحجة تهديد الأمن العام. وتحسبًا لعدم السماح له بالترشح للانتخابات الرئاسية، قدّم إلى جانب ملفه ملفَّ صديقه وأمين عام الحزب ورفيق دربه في النضال النقابي ثم الحزبي باسيرو ديوماي فاي صاحب الأربع والأربعين سنة من العمر، الذي فاز في الانتخابات الرئاسية، باسم التيار الذي مثّلاه.

 

لم يكن باسيرو أقل شكيمة وشجاعة، أو أقل كفاءة في نقد النظام الحاكم وتقديم البدائل، فيرجع له الفضل في إدارة شؤون الحزب، وفي الخطاب التغييري الواضح، وهو – مثل سونكو – ذو خلفية مالية اقتصادية وقانونية، وقد تعرفا على بعضهما بعضًا في الإدارة العامة للضرائب وفي نقابة اتحاد الوكلاء الضريبيين التي أسسها سونكو عام 2005 والتي كان لها فضل كبير في تعرية الفساد ورجاله، ودخلا السجن معًا وترشحا من داخل السجن معًا كمرشحين مستقلين بعد حل حزبهما باستيف، وها هو باسيرو، الرئيس المنتخب، يعيّن صاحبه وصاحب الفضل عليه، سونكو، رئيسًا للحكومة لينتقلا معًا من تحدي العبور بأفكارهما نحو الدولة إلى خدمة الشعب السنغالي بها.

 

لقد كان للتيارات الدينية والمنظمات الإسلامية دور إيجابي في خفض التوتر بين الرئيس السابق ماكي سال، والمعارضة بقيادة سونكو وباسيرو، وقد أدت وساطةُ قادَتِها إلى إطلاق سراح الرجلين من السجن، ولكن كان أكثر هؤلاء القادة الصوفيين والإسلاميين مع الرئيس السابق ماكي سال قبل الاحتدام الانتخابي – تمامًا كما هو حال الميل إلى السلطة الذي بات ملازمًا لأغلب الحركات الإسلامية الوسطية – إلى أن غلبتهم قواعدهم، خصوصًا على مستوى الشرائح الشبابية وبشكل أخصّ في طوبى عاصمة الطريقة المريدية، ثم بيّنت النتيجة الانتخابية التاريخية التي حسمت في الدور الأول لصالح المرشح الشاب المحمول من التيار الشعبي ما لم يكن يتوقّعه قادة التيار الإسلامي.

 

لقد فرضت الدولة العلمانية عبر عقود من الزمن أن يكون التنافس على السلطة بين الأحزاب والنخب العلمانية فقط، ولم يستطع قادة التيار الإسلامي بناء رؤية سياسية جماعية لفرض توجهاتهم الإسلامية ديمقراطيًا رغم حضورهم الشعبي القوي، عبر طرقهم الصوفية ومنظماتهم الدعوية والثقافية والاجتماعية وغيرها، كما لم تكن محاولة بعضهم الحزبية ناجحة عبر حزب الإصلاح من أجل التنمية الاجتماعية.

 

التحرر من التبعية

ولكن ها هي أفكارهم وتطلعاتهم يتبنّاها تيار شعبي عريض يقوده قادة مقتدرون تأثروا بهم، يمثلون أفكارَهم ولكن لا يمثلون جماعاتهم ومنظماتهم، يمثلون أفكارهم التي عبّر عنها باسيرو، وسونكو وأنصارهما في المنافسة الانتخابية، من حيث الدفاع عن الإسلام وخدمة اللغة العربية، وفي موضوع السيادة والتطلع إلى التحرر من التبعية الثقافية والاقتصادية للقوى الاستعمارية، وعلى رأسها فرنسا، وفي محاربة الفساد، وصيانة الحريات، وفي الحرص على تحقيق التنمية وتحسين الظروف المعيشية لعموم السنغاليين، وربما في القضية الفلسطينية.

إن التحدي اليوم كبير أمام باسيرو وسونكو، للنجاح في هذه التحديات الستة: (الإسلام، السيادة، الحريات، إنهاء الفساد، التنمية، القضية الفلسطينية)، كما أن التحدي كبير على الحركات الإسلامية في السنغال لتنظيم أنفسهم على أساس رؤية مشتركة تقوم على الأسس الستة المذكورة للتعامل مع النظام الجديد القريب إليهم، الذي بات يستوعب عددًا كبيرًا من إطاراتهم وشبابهم في الحزب الحاكم الجديد ومؤسسات الدولة، فلعلهم يقدمون مقاربة جديدة للتيار الإسلامي في البلاد العربية، الذي طالت معاناته مع الاستبداد، فلم يفلح في العبور بالفكرة إلى الدولة، فباتت قواه وأحزابه محبوسة بين الصدام والاستئصال مع الأنظمة الاستبدادية، أو التبعية والاندماج فيها، أو قلة التأثير والفاعلية.

 

د. عبد الرزاق مقري

الحراك الشعبي: كيف ضاعت الفرصة؟ (2)

لا يمكن فهم كيف ضاعت فرصة الحراك الشعبي دون فهم الأسباب والظروف التي أنشأته، والفواعل السياسية والاجتماعية التي حركته. لم يكن الحراك طفرة مفاجئة نزلت من السماء بلا مقدمات ومسببات، ولكن كان ثمة مسار تراكمي أدى إليه.

حينما كانت أسعار البترول قد بلغت حدا غير مسبوق (تجاوز حد المائة دولار في عام 2008 إلى أن بدأ يتجه إلى الانهيار منذ نهاية عام 2014) كانت معارضة بوتفليقة كمن يسبح ضد التيار، إذ ساهمت البحبوحة المالية في تضخيم فقعات الزبونية والانتهازية، وباتت الشخصيات والمؤسسات الطامعة في الريع تتوالد، ولم يكن ينبه إلى أن الجزائريين كانوا يعيشون وهما كبيرا إلا عدد  قليل من السياسيين، بعضهم يعتمد على خبرته السياسية أو معارضته المبدئية، أو انتباهه إلى تعاظم شبكات الفساد في كل المستويات، وبعضهم يعتمد على الدراسات الاقتصادية والاستشرافات المستقبلية الدالة على انفجار حتمي للفقاعة المالية، وبعضهم يجمع بين هذا وذاك. وقد كنا بحمد الله ممن نبه الجزائريين إلى الخداع الكبير والهشاشة الاقتصادية وتعاظم منظومة الفساد، وتنبأنا بانهيار المنظومة، ومقالاتنا وفيديوهات تصريحاتنا لا تزال منشورة.

لقد فهمنا التفاهمات والتحالفات التي جاءت ببوتفليقة في وقت مبكر، وعلمنا من هي خاصته ومن هم خصومه داخل المنظومة، وكيف مر من العهدة الأولى إلى الثانية المتفق عليها بين من أتوا به، وكيف تفرقوا عند العهدة الثالثة وكيف بدأ الشرخ يتسع بينهم عند العهدة الرابعة. لم تكن العهدة الخامسة هي القطرة الأولى التي أفاضت الكأس، بل كانت قبلها العهدة الرابعة. لقد كانت العهدة الرابعة هي عهدة النزول نحو الهاوية، لذلك عارضناها وخرجنا إلى الشارع  احتجاجاً عليها.

 لقد تأكد ظننا بأن هذه العهدة ستُدخل البلد في وضع خطير جدا، اجتمعت فيها الأزمة المالية بسبب انهيار أسعار البترول، وتحلل السلطة حول الرئيس المريض، وتعاظم صراع الأجنحة، والاحتقان الاجتماعي،  وتحكم  رجال الأعمال المستفيدين والمال الفاسد والفساد المعمم. وفي آخر العهدة بات منصب الرئاسة شاغرا فعليا والصراع على أشده بين أقطاب المؤسسة الأمنية والعسكرية في البلاد، من يملأ الفراغ ومن يتحكم في مسار الاستخلاف، وظل شقيق الرئيس حلقة الوصل وتعلّة الحكم وقابض الأختام.

في ظل هذه الظروف المعقدة استطاعت المعارضة أن تتكتل في تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي ثم في اجتماع لم يعرف له مثيل منذ الاستقلال في  مازفران، وقد كان لنشاطها وتحليلاتها ومشاريعها دور أساسي في تشكيل الوعي لدى الجماهير بما أدى لاحقا إلى الحراك الشعبي الكبير.

تسبب صدود السلطة عن المعارضة ورفضها الحوار معها من أجل الانتقال الديمقراطي إلى تفكك جبهة المعارضين ثم اختلفت وجهتهم بشأن الانتخابات التشريعية 2017، وتوجهت أحزابهم الأساسية إلى المشاركة من أجل البقاء في الساحة السياسية بمنطق محاولة الإصلاح من الداخل وترقب فرص أخرى للتغيير. وفي  2018 تأكد لدينا في حركة مجتمع السلم بأن تحلل السلطة قد بلغ مداه وأن الرئاسة في حالة ضعف شديد وأن تلك هي الفرصة للعودة لفكرة الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه عبر مشروع جديد سميناه التوافق الوطني.

عندما بدأنا بالدعوة الى مبادرة التوافق تفاجأنا بقبول سريع من الرئاسة للحوار، وبعد الحوار مع أحزاب المولاة ثم بعض الشخصيات الوزارية المقربة من الرئيس توصلنا إلى الحوار مباشرة مع الرئاسة في مقرها بزرالدة فتأكد لدينا بأن الرئيس وعائلته لا يريدون العهدة الخمسة وإنما يبحثون عن مخرج آمن يحفظهم، وأنهم تحت ضغط شديد ممن يريدون فرض العهدة الخامسة على الرئيس وقد أُخبِرنا بمن هم أولئك.

لقد كانت تلك الظروف فرصة تاريخية لتحقق الانتقال الديمقراطي على نحو ما وقع في عدد من الدول التي نجحت فيها الديمقراطية بعد حالة ضعف في الحكم أدى الى ميزان قوة مناسب للحوار والتفاوض مع المعارضة. وبالفعل قبلت الرئاسة الورقة  التي عرضناها عليهم كاملة دون أي تغيير، بما يقتضي تغيير الدستور للتحول نحو نظام برلماني أو شبه رئاسي بصلاحيات كبيرة للبرلمان ورئيس الوزراء الذي ينجح حزبه، علاوة على تغيير قانون الانتخابات وتشكيل هيئة وطنية لتنظيم الانتخابات بالتشاور الكامل مع المعارضة، ولم نكن نحتاج إلا لستة أشهر أو سنة لتحقيق كل ذلك لتُنظم عندئذ انتخابات رئاسية لا يترشح فيها الرئيس بوتفليقة وقد تكون معها انتخابات تشريعية متزامنة.

لقد كانت والله فرصة عظيمة، ولم يكن مطلوبا سوى أن تقبل المعارضة بهذا الانتقال السلس وقد كلفت بالاتصال بهم، وأن تقبل قيادة الأركان الخطة وكلف شقيق الرئيس بالاتصال، وإني لأشهد أمام الله  أن المعارضة ليست هي من ضيع الفرصة وإنما رفضُ المخطط الذي اقترحناه و قبلت به الرئاسة  جاء من داخل نظام الحكم، إذ بُلِّغت رسميا في مقر الرئاسة بأن القرار قد اتخذ بالمرور للعهدة الخامسة – خلافا لرغبة الرئيس المريض الفاقد للأهلية – وأنها ستمرر بلا عناء! وكأن الرسائل التي جاءتهم من خنشلة ومن خراطة والعديد من جهات الوطن لم تنبههم.

بعد يأسنا من تحقيق التوافق الوطني قررنا الترشح للانتخابات الرئاسية وأعلنا عن ذلك في 26 جانفي 2019  وكان يدفعنا الى هذا الخيار ما كنا نخشاه من تآمر من جهات عديدة من داخل الحكم وجهات أيديولوجية  على تنظيم استخلاف لبوتفليقة حتى وإن رشح هذا الأخير نفسه، ثم جاء الحراك فتأجلت الانتخابات.

 عندما ُأعلن عن ترشح الرئيس تعمّق الاحتقان بشكل متسارع، وساعد في تضخمه قوى من داخل النظام السياسي ممن كانوا يتصارعون مع مهندسي العهدة الخامسة المسيطرين على الرئاسة.

لقد كانت الأسباب المشكلة للاحتقان كثيرة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولكن شعور الجزائريين بالهوان أمام الشعوب أن يرأسهم لعهدة جديدة  رئيس غائب لمدة عهدة كاملة سابقة هو الصاعق الذي فجر البرميل.

لقد كنا في حركة مجتمع السلم  أدرى من غيرنا من حالة الضياع التي كانت فيها الدولة. وبعد فشل محاولتنا لتحقيق انتقال ديمقراطي تاريخي على أساس تحول كان جاريا لميزان القوة يعفي بلدنا من مخاطر المواجهة أدركنا بأن الثورة وشيكة،  بنا أو بغيرنا،  فشرعنا في تحضير أنفسنا لها بتعميمٍ لكل هياكلنا بأن يستجيبوا  لدعوة النزول للشارع يوم 22 فبراير، وفي يوم الجمعة الأولى نزلنا ضمن مجموعة قيادية في الساعة الأولى، وكان بعض مناضلينا من الجرحى الأوائل، وطلائع المقبوض عليهم، ومنهم  ابني الذي أصيب في وجهه بشذية كادت تصيب عينه.

قررنا في الحركة أن نشارك في الحراك ولكن لا نتصدر الجموع لكي نحفظ الفرصة من الصراع الحزبي، ولكن كنا ندرك  أن تلك الجموع الهادرة في الشوارع لن تحقق إنجازا إن لم تجتمع القوى السياسية والاجتماعية على رؤية جماعية قائدة، لذلك رجعنا لأقطاب تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي لنستأنف التنسيق، وقلت لرئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية آنذاك بأنكم كنتم تقولون “لا معنى للانتقال الديمقراطي دون النزول للشارع، وحا نحن الآن جميعا في الشارع فلما لا نعود لمشروع مازفران والانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه؟” فقال لي: “لا ننسق إلا مع من يعملون من أجل القطيعة”، وقد اتضح بعد ذلك بأنها كانت رغبة لاحتكار الحراك بسبب حاضنتهم الاجتماعية الكبيرة في الجزائر العاصمة التي تمركزت في ساحات البريد المركزي (خلافا لضعفهم الشعبي في أغلب ولايات الوطن الأخرى) . فكان ذلك الموقف وتلك التصرفات السياسية بداية تفكك الحراك وضياع الفرصة الشعبية العامة.

لم نتوقف عن الحوار والبحث عن المساحات المشتركة مع الأحزاب والمنظمات، وكان اجتماع ” المنتدى الوطني للحوار” في عين البنيان فرصة أخرى ضائعة إذ رغم نجاحه في جمع أعداد هائلة من الأحزاب والجمعيات من مختلف التيارات لم يستطع جمع كلمة المعارضة، بسبب غياب أحزاب التيار العلماني، وبسبب عدم الاهتمام به من قبل السلطات التي تحكمت في الأوضاع بعد حالات الاضطراب في الأسابيع الأولى.

إن الأطراف التي لم تهتم بالملتقى الوطني للحوار، من المعارضة العلمانية والقوة الصلبة في السلطة،  هي التي تسببت في ضياع فرصة تحقيق نتائج الحراك لصالح الجزائر وكل الجزائريين . لقد كان كل طرف من هاذين الطرفين يسعى لاحتوائه  وحده لأسباب سياسية وأيديولوجية. وكان كل طرف من الطرفين، علاوة على ذلك، يتهيب من التيار الإسلامي أكثر من الآخر، ويعمل كلاهما على وضعه في الزاوية المهملة بالرغم من أنه  يمثل الأغلبية الانتخابية المعبر عنها في كل انتخابات لو لا المنع والتزوير الانتخابي. وكان الإسلاميون ذاتهم متفرقين يخاصم بعضهم بعضا حتى داخل الحراك، وبعضهم يستعد أن يُركب ويخدم مشروع غيره من أجل الانتقام أو مصالح حزبية أو شخصية ضيقة للأسف الشديد. فلم تكن المعطيات، لهذه الأسباب وغيرها، مشجعة لتحقق المأمول من الهبة الشعبية. 

ومن غرائب الأحداث أن الجهة التي فرضت العهدة الخامسة داخل السلطة ( وأنا شاهد أمام الله على ذلك)  وتهجمت على الجماهير في الحراك بنعتهم “شرذمة” هي ذاتها التي تبنته بعد ذلك وضغطت على بوتفليقة لكي يستقيل. لقد أدركت هذه الجهة بأن ثمة جناح آخر من السلطة يستثمر في الحراك وله قدرة على تجنيد  بعض قادة الأحزاب والجمعيات وخصوصا أحزاب التيار العلماني المتمركز شعبيا في ساحات البريد المركزي، فسبقته في تبني الحراك، ولم يكن أحد من هؤلاء أوهؤلاء صادقا في تحقيق المطالب الديمقراطية للحراك، وإنما كانت “لعبة سلطة ونفوذ” أدت  إلى كسر العظام بينهم في الأخير، ولا تزال التدافعات قائمة إلى الآن، ولم يكن رفضنا لاقتراح مرحلة انتقالية يقودها اليامين زروال التي جاء إليها بعض رؤساء المعارضة متحمسين في لقاء تنسيقي عُقد في مقر أحد الأحزاب بزرالدة إلا لعلمنا بتلك اللعبة.

 اشتد الصراع بين الأطراف المتصارعة داخل الحراك، واقحم فيه الصراع العرقي بشكل مقيت أنشأ عداوة جاهلية  بين الجزائريين لم يعرفوها من قبل، وبدل حل كل المشاكل وازالة مخاوف مختلف الأطراف بالحريات والديمقراطية ودولة القانون، أدى الصراع في الحراك إلى تحكم النظام السياسي من جديد في الأوضاع، وفي وقت مبكر قبل كرونا بات واضحا بأن الاستقطاب الشديد داخل وحول الحراك قد ضيّع الفرصة.

رغم تراجع حماس مناضلينا في المشاركة في الحراك  بسبب الاستقطاب بقينا نحافظ على التزامنا بالحضور كل جمعة، وحينما قُرّر تنظيم الانتخابات الرئاسية في 12/12/2019 رُجّح قرار عدم المشاركة بسبب استمرار بقاء الناس في الشارع وللنّأي بالنفس من أن يُسجّل في تاريخنا بأننا كنا من المتسببين في وقف حراك الجزائريين من أجل الحريات، وبقي الاختلاف في الرأي مستمرا طويلا بيننا، هل كان رأينا سديدا أم لا؟

ولكن مهما يكن من أمر لم نتسبب أبدا في تفريق الناس في الحراك، ولا كنا مسؤولين عن الاستقطاب الذي حصل، ومهما كانت خسارة عدم مشاركتنا في الانتخابات الرئاسية فلن يُكتب علينا التاريخ بأننا ممن تسبب في وقف تلك الهبة الشعبية التاريخية،  إلى أن جاءت كورونا فأعطت غطاءً أخلاقيا لمن بقي وفيا دون فاعلية ليتوقف دون تأنيب الضمير .

وفي المحصلة لم ينجح أحد من كل المكونات السياسية، ولئن اعتُقد بأن الجهة التي فرضت العهدة الخامسة ثم انقلبت عليها بسبب الحراك هي التي نجحت  فقد دارت عليها الدائرة من بعد، ومن كان في الشارع وفي أروقة الحكم يواجهها صار إلى أضعف ما يتصور في تاريخه، وبقيت البلاد كلها تترنح فلم ينجح بضياع فرصة الحراك أحد في البلاد، وتشكل لدى قطاعات واسعة، حتى عند المتحزبين بأن الإصلاح من الداخل أمر مستحيل، وأن بقاء العمل السياسي تحت سقوف التحكم السلطوي ما هو إلا تفاهمات ضمنية بين مكونات الساحة السياسية محصلتها لصالح الأشخاص وليس لصالح البلد ونهضته. ولكن لا ندري لعل الحراك صنع ثقافة عامة كامنة سيصطلح بها العمل السياسي ولو بعد حين، لعل تلك الثقافة تنشئ تيارا شعبيا عاما  يُبدع طرقا سلمية غير تقليدية للتغيير لصالح الجزائر وكل الجزائريين.  

 

د. عبد الرزاق مقري

الحراك الشعبي: كيف ضاعت الفرصة؟ (1)

حمل الحراك الشعبي في الجزائر آمالا عريضة للتغيير ، واعتقد مئات الآلاف في مسيراتهم اليومية الأسبوعية أنهم قد ابتكروا طريقة حضارية لم يسبقهم إليها أحد في التغيير. لقد ظنوا بأن مسيراتهم السلمية النظيفة العامرة بالابتسامات، الخالية من العبارات الحادة، ومن الأصوات العالية، والنظرات الغاضبة، والسّير جنبا إلى جنب بجل المدن الجزائرية في مواكب متنوعة، فردية وعائلية ورجالية ونسائية، من كل التيارات والتوجهات، بدون هتافات حزبية ولا لافتات أيديولوجية ستقنع أصحاب القرار في البلاد بأن وقت التغيير قد قدِم بعد أكثر من ستين سنة من الأحادية الحزبية ثم الديمقراطية الصورية، ولا مجال للتأجيل.

لقد اعتقدوا بأن أعدادهم العظيمة وسلوكهم الراقي سيكون كافيا للتغيير والانتقال الديمقراطي ولتحويل وجهة الجزائر من الفساد والفشل والاستبداد إلى الشفافية والفاعلية والعدالة والتطور والازدهار بسلاسة ولمصلحة الجميع.

انطلق الحراك العظيم يوم 22 فبراير 2019 واستمر قرابة سنة ونصف، وأخذ يتراجع بشكل متدرّج إلى أن توقّف نهائيًا بسبب كورونا ولكن، رغم هذه المسيرات السلمية الاحتجاجية الأطول في تاريخ الجزائر وفي تاريخ  أغلب شعوب العالم لم يحقق الحراك الشعبي أهدافه، سوى إسقاط العهدة الخامسة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، التي لم تكن في حقيقة الأمر  سوى السبب المباشر لاندلاع الحراك، لم يتحقق شيء من الأسباب العميقة التي صنعت الاحتقان المتراكم.

إن الحالات والمظاهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت شائعة قبل الحراك بقيت مستمرة بعده إلى الآن، وأشياء أخرى مؤسفة زادت. لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية إذ لا زلنا نقبع تحت التبعية للجباية البترولية، ولم يعطنا فسحة من الزمن إلا ارتفاع أسعار المحروقات لأسباب خارجية ليست قابلة للدوام، وكان التوجه الرسمي أثناء تدهور الأسعار قبيل الحرب في أوكرانيا نحو مراجعة سياسة التحويلات الاجتماعية ومراجعة سياسة الدعم، وعند أول ارتفاع لمداخيل البترول تم التراجع عن ذلك والعودة المكثفة لسياسات شعبوية سنرى آثارها السيئة لاحقا حتما، ومع ذلك استمرّت الأحوال المعيشية للمواطنين متعثرة، وبالنسبة للبعض مستحيلة.

لقد بقي الشعب الجزائري، يعاني معانات ثقيلة، يعتمد الفقراء على المساعدات والتضامن العائلي، وتكابد الطبقة الوسطى  لحفظ التوازن المالي الأسري، ورغم المجهودات الكبيرة والقوانين المشجعة لم ينشأ نسيج صناعي فعلي ينتج البضائع الجزائرية ويوفر فرص الشغل للناس، وخصوصا الشباب، ولم يتحقق اكتفاء ذاتي في المنتجات الغذائية والصيدلانية، ورغم التوزيع المكثف للسكنات في مواسم محددة معلومة بقيت أزمة الإسكان مستمرة، وما يوزع يكتنفه كثير مما يمكن أن يقال.

وفي مجال الخدمات تعمقت أزمة التعليم، ونخر الفساد مختلف مستوياته الإدارية ومكوناتها البشرية، وهجر أعداد كبيرة من المتعلمين الأقسام الدراسية النظامية نحو التعليم الموازي وبرامج الدعم الذي بات هو الأصل، ولم تتحول الجزائر إلى قبلة سياحية رغم المقدرات العظيمة، ولم تتطور المنظومة البنكية والمصرفية، وظلت مستشفياتنا تسير  بأنماطها الرديئة القديمة تهجرها الكفاءات الطبية العالية، نحو قطاع خاص فوضوي أو إلى دول أخرى، ضمن هجرات العقول لتأخذ بلدان أخرى عوائد  استثماراتنا البشرية. وفي السياسة الخارجية باتت الجزائر جزيرة معزولة لا تعرف كيف تحل مشاكلها مع أغلب جيرانها.

لم يتوقف الفساد البتة بل توسعت شبكاته إلى مختلف المجالات والمستويات، ولا زال الفساد مع استحالة التدافع والرقابة على الشأن العام وسياسات تمكين الرداءة الموالية والإدارة المتكلسة وغياب الإبداع وتهميش الكفاءة هو ما يسبب في التعثر المستدام المذكور. والذي أقوله هاهنا أقوله، يعلم الله، بدون أي شغف فلم يبق للسياسة في بلدنا طعم، ولا لأنني أريد النيل من جهة أو من أحد، أو أخدم طموحا أو بغية خفية، وإنما هو الضمير فحسب.

إنه علاوة  على كل ما ذُكر مما بقي من سلبيات بعد الحراك،  ثمة مظاهر سيئة ومدمرة تنامت في الجزائر بعد الحراك الشعبي وهو ما يتعلق بمجال الحريات. لقد كنا في زمن بوتفليقة نقول ما نشاء، بل كان معارضوه يقولون فيه هو ذاته ما يتجاوز حدود المعقول، ولم تكن في عهده المتابعات وملاحقة المدونين وسجن المعارضين والمنع من السفر سلوكيات شائعة.

لقد كنت أرفع السقف ضد بوتفليقة إلى أبعد الحدود، إلى حد أن البعض اتهمني بالراديكالية، وثمة من نصحني بقوله: ” احذر من إذا قال فعل” والغريب أن هؤلاء هرعوا إلى الحراك ضد بوتفليقة حين تأكد اقتراب نهايته.

لقد كنت اتَّهم العهد السابق للحراك  بأنه عهد الفساد والفشل وأن ذلك النظام   هو الخطر الوحيد على البلد، وخرجنا الى الشوارع بلا إذن قانوني ضد العهدة الرابعة، وضد الغاز الصخري، ومن أجل فلسطين، وضمن أنشطة تنسيقية الانتقال الديمقراطي، ولم أُمنع البتة من الحديث ومن المشاركة في القنوات الفضائية، كما لم يُمنع غيري من الشخصيات السياسية الحزبية والمستقلة، وكانت السياسة المتبعة في عهد بوتفليقة هو تكليف قوى موالية لمواجهتنا سياسيا وإعلاميا، وكان بعضهم من إطارات وقيادات أحزابنا متطوعين لذلك، لم يكن بوتفليقة يمنعنا ولكن كان يفعل ذلك. خلافا لما نعيشه الآن من غلق واعتقال ومتابعات قضائية في وجوه المخالفين الجادين والمعارضين الذين لا يُلزمون أنفسهم بسقوف محددة سياسيا. وكم هو صغير ذلك التصرف الذي حدث لي قبل شهر تقريبا، حين فاجأني على غير العادة صحفي من فضائية جزائرية مشهورة دعاني لحوار معه في القناة. قلت في نفسي ربما تصرف هذا الصحفي دون مراجعة للمسؤولين فتوجهت له بعد نهاية الحصة قائلا” هل أنت متأكد بأنك ستستطيع بث هذه الحصة” فقال: “لا توجد مشكلة، لا يوجد في ما قلت ما يمنع بثها”، لم يكن يعلم صديقي بأن سياسة الغلق لا تتعلق بما يقول السياسي المعارض حقيقة فحسب، بل في ظهوره في وسائل الإعلام”، لم أشأ أن أذكر الصحفي باسمه والقناة ذاتها لأنه طلب مني التريث، ولكن هذا التصرف لا يدل على نجابةِ من كان وراءه في زمن توجد فيه طرق إعلامية كثيرة تتيح ظهورا أكثر انتشارا.

لقد وصل التضييق على المخالفين والمعارضين في هذه المرحلة حدا جعل الأحزاب والمؤسسات الإعلامية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني تضع لنفسها محددات ذاتية، أو ما يسمى بالرقابة الذاتية، فعرف الجميع الخطاب المسموح به وسقف النقد المتحمل، فلا يجرؤ أحد على تجاوزه، فرجعنا إلى زمان قديم غابر يسمى فيه الخطاب ” لغة الخشب”، أي الخطاب غير الناقل للمعاني والأفكار، والمواقف التي لا تصنع التدافع الضروري لمنع الفساد والاستبداد والتي لا تؤدي إلى الإصلاح والتغيير وصناعة موازين القوة الضرورية لبقاء الحياة السياسية واستمرار الأمل في التغيير. تماما كما هو الخشب المانع لنقل الكهرباء.

لقد تطلّب تجاوز خطاب “لغة الخشب” نضال عقود طويلة صنع قادةً وزعماء أصحاب مواقف وفكر ورأي وشجاعة، وهيّأ لبروز حياة سياسية حقيقية في البلاد رغم هيمنة الحزب الواحد ومخاطر التحول السياسي الخطير في التسعينات إلى غاية الحراك الشعبي، ثم ها نحن بعد الحراك نعود إلى مرحلة “موت السياسة” وشيوع “لغة الخشب” وغياب يكاد يكون كليا لرجال الفكر والسياسة والمواقف،  الذين تحرك مواقفهم وتصريحاتهم وأفعالهم الأحداث.

إنه لجدير بنا ونحن في الذكرى السادسة للحراك الشعبي أن نطرح على أنفسنا السؤال: كيف حدث هذا؟ ومن المسؤول عن ضياع تلك الفرصة العظيمة.

شاء الله تعالى أن أكون حاضرا في تفاصيل الأجواء التي صنعت الحراك الشعبي وأثناءه وشهدت على الأسباب التي جعلته يتوقف وكيف أنه لم يحقق أهدافه، وما أقدمه في هذا المقال هو تقرير مختصر عما عرفته وأعرفه، متوخيا في ما أقول الصدق والحق، مدركا حقيقة شناعة قول الزور في ديننا وفي القيم الإنسانية السوية. ولم أكن مهتما بكتابة شيء ما عن الذكرى السادسة للحراك حتى رأيت غيري قد كتب، وبعضهم لم يكن مؤيدا في الحراك في مبتدئه، وبعضهم لم  يكن محقا ولا مصيبا في ما كتب، فلا بد لي أن أقدم شهادتي راجيا من الله تعالى أن يكون ذلك مصداقا لقوله: (( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه))

.. يتبع

د. عبد الرزاق مقري

الحركات الإسلامية واضطراب المناهج (2)

حظي المقال السابق “الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” الذي نشر في موقع عربي 21 الأسبوع الماضي باهتمام المتابعين، ووردت بخصوصه تعليقات كثيرة تردد فيها السؤال عن الحل، وعدّ بعضها بأن ما ورد في المقال هو بمثابة “مراجعة فكرية أو تراجع عن خط سياسي سابق لحركة مجتمع السلم كنت أحد المسؤولين عنه، بل قدت الحركة به”.

رأيت من المفيد أن أكتب جزء ثانيا للمقال أتفاعل فيه مع هذه الأسئلة والاهتمامات والانتقادات المشروعة، لا سيما أنها صيغت بأساليب محترمة وذات مضمون فكري.

وقبل التطرق الى الموضوع الأهم المتعلق بتصورات الحل، أود أن أؤكّد بأن تناولي لمثل هذه المواضيع لا يتعلق ببلد معيّن أو حركة من الحركات الإسلامية بذاتها، بل هي دراسات وأفكار ومراجعات تتعلق بتجربة الحركة  الإسلامية بمجملها، وأنا أحاضر في هذا المقاربات في العديد من الدول، في الندوات الحضورية والافتراضية. لا شك أن مسيرتي في حركة مجتمع السلم تمثل قاعدة ارتكاز في التجربة، ولكن لا تتعلق بها وحدها، فهي تشملها وتتجاوزها من حيث اطلاعي العميق، النظري والعملي، على كل التجارب في مختلف الدول.

أما ما ذكر أن  هذه الأفكار  هي بمثابة مراجعات عن توجهات سابقة، فإن ذلك أمرا مطلوبا لا مِثلب فيه، فالعقول الراشدة هي العقول القادرة على التطور والمراجعة بحسب ما تتطلبه تطورات البيئات والتحديات والمتطلبات، لا سيما وأننا في أجل مائة سنة على تأسيس الحركة الإسلامية ولا شيء يبقى من أفكار مائة سنة ماضية سوى الثوابت العقائدية والأخلاقية والنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة العابرة للأزمنة والأمكنة، والقليل مما بينت التجربة وتوافق المسلمون على استمرار صلاحه. واهتمامي بالتطور الفكري في مناهج الحركات الإسلامية لم يبدأ بمقال ” الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” بل كتبت في ذلك كتبا مشهورة منها كتاب “الحركات الإسلامية: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الذي صدر في 2015 وقمت فيه بتقييم تجربة حركة مجتمع السلم منذ التأسيس الى تاريخ نشر الكتاب، وكتاب “البيت الحمسي” الأول في 2013، والثاني في 2018، ثم الكتاب المهم الذي نضجت فيه المراجعات والذي صدر في 2023  قبل خروجي من هياكل الحركة بأكثر  من سنة ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” والذي لا أتوقف عن تقديم مضامينه خارج بلادي. علاوة على المشاركات الإعلامية الكثيرة في هذا الشأن منها مشاركي في سبع عشرة حلقة من برنامج قناة الحوار “مراجعات” في 2016

وأود أن أسجل هنا بأن ثمة حدثين مهمين دفعا بي إلى مراجعات عميقة، أولهما في 1997 بعد صدمة تأسيس النظام السياسي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي والتزوير له تزويرا شاملا في الانتخابات المحلية والتشريعية، حيث ثبت لي أن الرؤية السياسية للشيخ  محفوظ نحناح رحمه لم تصبح قائمة، حيث كان رحمه الله يعتقد – كما سمعته بنفسي منه ودأب عليه العمل –  بأن المؤسسة العسكرية ستقدّر نهجه الوطني وسمته المعتدل وشعبيته القوية التي أكدتها الانتخابات الرئاسية عام 1995 وتقبل أن يكون بديلا على أساس ديمقراطي لجبهة التحرير الوطني والجبهة الإسلامية للإنقاذ فيكون هو محور بناء تحالف وطني يقود البلد  لمصلحة الجميع. ولكن عكس ذلك كله حدث وكانت رسالة النظام السياسي له واضحة بأنك “لست أنت البديل!” و”بديلنا نصنعه بأيدينا ولو بالقوة وبالتزوير”، و”إن أردت أن تكون على الهامش فمرحبا بك”. لم أخف قناعتي عن الشيخ محفوظ نحناح إذ أفصحت  له  عن رأيي بأنه لا بد من تغيير النهج السياسي والابتعاد عن السلطات الحاكمة والتحول إلى معارضة وطنية واضحة، والاستثمار في مؤسسات المجتمع المدني، وكتبت له في ذلك عام 1997  مذكرة نشرتها في عدة مناسبات منها كتاب ” مبادرات لحل الأزمات”، وبقيتُ على هذا الرأي إلى اليوم، بل كلما مر الزمن تأكدت التوجهات التسلطية غير الديمقراطية للحكم،  وطورت مقاربات تلك المذكرة – التي هي منبع أفكاري السياسية والاستراتيجية – عبر العديد من المساهمات منها الكتب التي ذكرتها أعلاه.

أما الحدث الثاني فهو فشل المفاوضات بيني وبين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على اثر النتائج الجيدة التي حققناها في الانتخابات التشريعية عام 2021، حيث بذلنا مجهودا كبيرا لتحقيق تلك النتيجة، رغم التزوير والعزوف الانتخابي،  حتى نكون مؤهلين للانتقال من مرحلة المشاركة السياسية التي نكون بها في واجهة الحكم إلى مرحلة الشراكة الفعلية في الحكم وفق نتائج الانتخابات.

  كنا نعتقد أن الحراك الشعبي سيحدث تغييرا مهما في أفكار والسلوكيات السياسية للحكام في الجزائر ليقبلوا منطق الشراكة في الحكم مع القوى السياسية المتجذرة في المجتمع الجزائري، ولكن الخطاب الذي واجهنا به رئيس الجمهورية هو ذات الخطاب الذي كان مع من قبله، بأن يختاروا هم لنا وزراءنا ولا دور لنا سوى الترشيح، ولا حظ لنا في البرنامج ولا علاقة لنا بالمواقع المهمة في الدولة.

لقد أكد لي هذا الحدث بأن العمل السياسي التقليدي في الجزائر  ميؤوس منه وأن العمل الحزبي لن يؤدي وحده إلى التغيير أبدا،  وأن سيرورة الانتخابات المعهودة ستبقى شكلية لا تساهم إلا في تثبيت ديمقراطية الواجهة.

لقد مثل فشل المحاولة  صدمة كبيرة لي أكّدت بأن سقف المعارضة السياسية الذي نحن عليه غير  مناسب لتجنيد الجماهير وصقل إرادة المناضلين من أجل التغيير، وقد صارحت المسؤولين الذين كانوا حولي في قيادة الحركة، و الذين بوّأتهم  بنفسي مواقع المسؤولية العليا فيها،  عدة مرات بأن سقف المعارضة السياسية الذي نحن عليه ليس سقفي وإنما هو سقفٌ توافقي تحريت فيه احترام نفسياتهم و ميولاتهم السياسية، وكذلك أهمية الانسجام ببننا.

لم يكن باستطاعتي المضي أكثر في تنفيذ الأفكار التي دونتها  في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، رغم النتائج الإيجابية التي حققها هذا التوجه في إطاره عام، ولم يكن ضمن خياري إحداث تحول ثوري داخل الحركة لتجسيد فكرة مسارات التغيير الثلاثية الواردة في الكتاب، بسبب بقاء سنتين فقط على نهاية عهدتي، وبسبب الملل الذي شعرت به لطول بقائي في هذه المسارات التقليدية دون نتيجة حاسمة،  فقررت أن أغادر الهياكل طامعا في أن الأجيال التي من بعدي سيكون لديها الوقت لتفهم يوما ما حالة الاحتباس التي فيها العمل السياسي في الجزائر فتتحمس أكثر لكتابة التاريخ بواسطة العمل الحزبي وصناعة ما لم استطع صناعته بنفسي،  وقد تركت لهم المقاربات التجديدية مكتوبة مؤصلة،  واعتقدت أنه سيسعني – من جهتي – الفضاء الفسيح في المجتمع وعلى المستوى الدولي لأواصل النضال الحر دون أي قيد تنظيمي، وأن عملي سيصب في المحصلة لصالح الحركة، وأننا سنصنع معا في الأخير، بشكل تكاملي، نموذجا جديدا ومنهجا متجددا تستفيد منه الحركة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

 لا يجهل أحد  أن التعاون مع الحركة التي مارست فيها الوظيفة القيادية لعقود طويلة  لم يتحقق، لأسباب نضعها عنده سبحانه ونتركها للتاريخ، ولكن مساهمتي في نشر الأفكار لا تتوقف ولا يحدها الزمان والمكان بحمد لله، راجيا من الله القبول، وأن تثمر في يوم من الأيام في أي مكان كان.

لم يصبح يهمني أن أعارض مناهج التغيير التي تسير عليها التيارات الإسلامية غير الإخوانية، فقد بينت الأحداث بأن المناهج  ليست من الثوابت، وإنما المآلات هي الحاكمة فثمة من كان يسمَّى إرهابيا صار رئيسا لدولة تتنافس الدول للاتصال به وتتباهى الشخصيات السياسية والفكرية، الرجالية والنسائية، المحلية والدولية،  التي كانت تعارضه لأخذ الصور معه،  بل إن بعض الدول التي كان يقاتلها صارت تعقد معه الاتفاقيات.

 غير أنني من جهتي لا زلت أؤمن بالمنهج السلمي في التغيير، ولا زلت أؤمن بأن المشاركة في الانتخابات لا تزال مفيدة في التدافع إن كانت ضمن استراتيجية المقاومة السياسية و السقوف المرتفعة والمنافسة الفعلية على السلطة الفعلية، وإن لم تكن وحدها التي يشتغل عليها القادة المناضلون، بعيدا عن سجون المصالح المعنوية والمادية الشخصية الضيقة. وكم كنت أضرب المثل بقادة الحركة الوطنية حين كانوا يشاركون في الانتخابات المزورة التي تنظمها الإدارة الفرنسية وهم في ذات الوقت يعدون للثورة.

بالرغم من أنني لم أكن راضيا عن السقوف السياسية التي كنت عليها وأنا على رأس حركة مجتمع السلم، وأعترف بذلك دون حرج، ولكن أقدّر بأنني استطعت أن أطبق المعالم الكبرى للمنهج الجديد الذي لم أغادر القيادة حتى صغته في مجمله في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، ولو أتيحت له الفرص ليواصل التجسيد لكان ربما جديرا بأن يصنع نهضة الحركة والبلد ويساهم في نهضة الأمة.

 ولذلك جوابي على من يقولون و”ما الحل؟” في تعليقهم عن الجزء الأول من مقال “الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” هو أن يعودوا إلى كتابي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”، خصوصا الفصل الثاني منه.

 يتضمن الفصل الأول – تحدي العبور –  مضامين فكرية كثيرة عن التحديات الجديدة التي تواجهها الحركات الإسلامية وتمنعها من العبور بالفكرة الإسلامية الى الدولة لتنتقل من مرحلة الصحوة إلى مرحلة النهضة، والتي يجب التجديد فيها. ويتضمن الفصل الثالث – مواضيع العبور – المواضيع ومفاتيح الملفات الكبرى التي تحكم بها الحركات الإسلامية إن وصلت للدولة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية وفي العلاقات الدولية. 

أما الفصل الثاني – مسار العبور – فهو الجواب عن سؤال “ما الحل؟” وقد بينت فيه بأن العبور بالفكرة من المجتمع حيث صنعت الصحوة، إلى الدولة لكي تتحقق النهضة ثم الإقلاع الحضاري، يتم عبر ثلاثة مسارات أساسية.

أولها المسار التنظيمي والإداري وما يلزم ذلك من تطوير وتجديد في المنظومات التنظيمية والإدارية والموارد البشرية، لا سيما القيادية منها، على مستوى الفكر والعلوم والمعارف، وعلى مستوى التربية والأخلاق والسلوك، وعلى مستوى الكفاءة والمهارات، وعلى مستوى الإنجاز والفاعلية.

 وثانيها المسار الاستراتيجي وما يتعلق بصناعة القوة الناعمة في إطار قانوني يقوم على المبادرة والنضال  في المجتمع على المستوى الدعوي والاجتماعي والفني والإعلامي والمالي والنقابي والشبابي والنسوي، وغير ذلك، بواسطة شبكات المجتمع المدني الواسعة،  وعبر ما سميته بنظرية ” قطع الحبل السري” للتفريق بين اللجان والأمانات المحلية والمركزية للأحزاب التي تشبه الأعضاء الملتصقة بالجسم من جهة، والمؤسسات المجتمعية التي تشبه الأولاد والذرية من جهة أخرى، والتي يكون نجاحها باستقلالها العضوي عن الجسم مع الاجتماع في الرؤية والرسالة، ولا ضمان في نجاح الأمر سوى وحدة الفكرة وأخلاق الصدق والوفاء والمروءة والمقاصد المشتركة والقدوة والأهلية القيادية الجاذبة وذات التأثير.  وذلك ما يمثل مقاربة “التخصص الوظيفي” لصالح الفكرة الإسلامية في المجتمع بغض النظر عن الأحزاب التي تحملها، بما يضمن مستقبلا توفر رأي عام عميق يجسد الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ضمن المشروع الحضاري الإسلامي الواحد، على نحو مازعي عليه الأحزاب في الغرب التي تتداول ضمن المشروع الحضاري الغربي، المسيحي اليهودي، الواحد.

إنه لو قلّدت مختلف قوى الإصلاح والتغيير في العالم الإسلامي  فكرة الخط  الاستراتيجي والتخصص الوظيفي فذلك ما يصنع قوة المجتمع وحماية أصالته، ولا يمكن لأي سلطة ظالمة أن توقف مدها إذ أنها لن تستطيع أن تبرر ضربها لعدم ارتباطها عضويا بالأحزاب، إلا أن تقرر تلك السلطات غلق المجتمع كله، وقتل المبادرة في المجتمع كلية، بما يجعل الأمر ينقلب عليها عاجلا أم آجلا. 

أما مسار العبور الثالث فهو المسار السياسي، ويمكن إيجاز التفاصيل الكثيرة التي وردت في هذا الفصل من الكتاب  بالقول أن شرط الوجوب لهذا المسار وجود قيادة عازمة على التغيير ولا أشواق لديها في عملها أعلى من تحقيق التغيير إرضاء لله تعالى وخدمة لأوطانها وأمتها، ذات كفاءة وصدق ومصداقية، تثق في الله ثم في نفسها و في المؤمنين، تؤمن بأن التأييد الحقيقي هو الذي يكون من الله ومن الشعب مصداقا لقوله تعالى (( هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين))،  لا تشعر بأي عقدة تجاه النظام السياسي، لا تخافه ولا تطمع فيه، ولا تحرص على إرضائه أو تحقيق الاعتراف منه بوجودها، تعمل الصواب فحسب، تعتمد المنهج السلمي وتعلن عن حب الوطن لأنها تؤمن بذلك، لا تنافق في الأمر ولا تزايد  إلى حد السماجة ولغة الخشب، خطابها قوي مبني على العلم وكشف الفساد والرداءة بلا تشخيص ولا سباب ولا انتقام، تؤثر العافية كما جاء في الحديث الصحيح،  ولكنها تستعد لتقديم كل التضخيات، ولو بالنفس،  كما جاء في حديث صحيح  آخر: “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله”، يتمحور عملها السياسي كله حول النضال من أجل تغيير موازين القوة لصالح المجتمع ولصالح فكرتها وأهدافها، وتتجنب أي سلوك سياسي يعين الاستبداد ويزيد في عمره.

أما العبور العملي للفكرة فهو عبر ثلاثة معابر، منفردة أو متوازية: أوله المعبر الديمقراطي الانتخابي بشرط نضال الأحزاب بلا هوادة لجعل الديمقراطية حقيقية والحريات مصونة والانتخابات غير مزورة، وتُقدّم في طريق ذلك أنفس التضحيات، لا تقبل التزوير وتندد به مهما كان مصدره والمستفيد منه والمتضرر به، وتؤهل تلك الأحزاب نفسها لتكون بديلا حقيقيا عبر ما يسمى في الدول الديمقراطية ب ” حكومة الظل” أو ما نسميه نحن ” اللجان القطاعية المتخصصة” ببرامج ناضجة وموارد بشرية جاهزة للحكم. وبغير  هذا النوع من النضال تصبح المشاركة في الانتخابات خدمة مجانية للاستبداد ومساهمة فاعلة في استمراره. وقد بينت التجارب البشرية  بأن النضال الجاد والتضحيات الجسام من أجل الانتقال الديمقراطي يمكن أن تجسد الديمقراطية والانتخابات النزيهة والتداول على السلطة. 

والمعبر السياسي الثاني هو التحالفات مع قوى أخرى تريد التغيير، سواء قوى من داخل النظام السياسي أو من خارجه، وهذا المعبر لا يمكن أن ينفتح دون توفر الحركات الإسلامية على القوة والنفوذ بما يجعل القوى الأخرى تطمع في التحالف معها، وذلك عبر تجذرها في المجتمع وتسلحها بأسباب القوة المتنوعة والمتعددة، وعلى رأس تلك الأنواع قوة الفكر وجاذبيتها وصلاحيتها وأهليتها للحكم، وتعاطف أصحاب النفوذ في الدولة والمجتمع مع الفكرة ورجالها. وهذا نهج حقق نجاحات كثيرة، في العصر الحالي، وهو النهج الذي رسّخه المصطفى عليه الصلاة والسلام وسار عليه إلى أن أقام دولته في المدينة.

والمعبر السياسي الثالث، وهو الثورات السلمية الشعبية، التي تَحقق التغيير بواسطتها في العديد من الدول، ولا يمكن للحركات الإسلامية أن تتحول إلى أحزاب حقيقية، تتماثل مع المعايير الطبيعية العالمية للأحزاب إلا إذا آمنت إيمانا كاملا بالتغيير السلمي عن طريق الشارع، وهو حق ديمقراطي ثابت دون حاجة للترخيص تؤكده القوانين والدساتير، ولكن تتهرب  منه بعض الحركات الإسلامية إرضاء للحكام وخوفا من المواجهة. وحينما تتهرب الحركات الإسلامية من النضال بقيادة الشارع فهي تفتح المجال لسيناريوهات خطيرة، ذلك أن ثورات الشارع حالة سننية لا تستشير أحدا حين تقبل، وإنما تستجيب لشروط وظواهر سياسية واقتصادية واجتماعية وتدافعات محلية ودولية، إذا حلّت بسببها حركة الشارع، فهي حالة احتقان تشكلها عوامل سننية  تفجرها صواعق قد تكون غير متوقعة تماما. والحركات الجادة هي التي لها القدرة على استشراف التحولات، وعلى قيادتها إذا وقعت ولو بدون قناعة بها أو مشاركة في تحريكها، وعلى تقديم البدائل التي تحل المشاكل التي تسببت فيها وتمنع تعقيداتها وانفلاتاتها.

إن عدم تدرب الحركات الإسلامية على قيادة حركة الشارع، وعدم فهم لغة الشارع والحديث بها، سيتيح الفرصة لأربعة سيناريوهات إذا خرج الناس يطالبون بحقوقهم من تلقاء أنفسهم ودون قيادة واعية وذات خبرة، إما احتواء النظام السياسي القائم للمشهد وتسخيره للاستمرار في السيطرة ضد إرادة الشعوب ومصالحهم، أو استغلال التحول الشعبي من طرف قوى سياسية وأيديولوجية معارضة للنظام السياسي القائم وأسوء منه، أو استعمال قوى أجنبية أ استعمارية لحركة الشارع للتدخل والتآمر على البلد، أو حدوث فوضى عارمة لا قيادة تضبطها أو فتنة عمياء والعياذ بالله.

إن أفكار التغيير هذه التي أصلناها في كتاب تحدي العبور والاستنهاض الحضاري ليست نظريات وتخيّلات بعيدة عن الواقع، فقد جرّبناها ووضعناها على محك التجربة في حركة مجتمع السلم بين 2013 – 2023، وحققت نتائج جيدة على مسارات العبور الثلاثة، إذ حققنا إنجازات معتبرة في بناء المؤسسات وفق نظرية ” قطع الحبل السري” ومقاربة ” التخصص الوظيفي”، وتوصلنا إلى نتيجة انتخابية جيدة على المسار الانتخابي و ناضلنا من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي وساهمنا في في تجسيد مفهوم لغة الشارع التي أسقطت العهدة الخامسة، وأخرجنا موارد بشرية فاعلة ومتعلمة و ذات أخلاق ومهارات  هي اليوم منتشرة في مختلف الهياكل والمؤسسات محليا ومركزيا وفي الخارج.

غير أن ما بذلناه بما يكفي لبناء النموذج وتصديره، لم يكن كافيا لتحقيق التغيير المنشود،  وبقي يتطلب استمرارا وتطويرا وتصعيدا أكثر على مستوى المسارات الثلاثة والمعابر الثلاث. ولئن أخطأَت حساباتي في مواصلة تجسيد المنهج على مستوى الحركة بعد خروجي من هياكلها، فإني على يقين بأن الله سيسخر له من يحقق الطموحات عبر تيار عام في الأمة أرى تشكله قد بدأ يلوح في الأفق، كان طوفان الأقصى المسرّع إليه.   

 

د. عبد الرزاق مقري

الحركات الإسلامية واضطراب المناهج.. من الدعوي إلى السياسي

حققت حركة الاخوان المسلمين نجاحا كبيرا في ساحات الدعوة إلى الله، وقد أكرمها الله تعالى بأن اختارها لتُرجع الأمة إلى الفهم الصحيح للدين والالتزام العام بالشعائر حتى صنعت صحوة عامة في العالم الإسلامي تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تجاوزت الظواهر التنظيمية التي أسستها.

وحين أصبح للحركات الإسلامية ذات الخلفية الإخوانية حواضن اجتماعية واسعة في كل البلدان العربية وكثير من البلدان الإسلامية بات طبيعيا أن تتحول من الحالة الدعوية إلى الحالة السياسية. غير أنه حين وقع لها هذا التحول بعد قرابة مائة سنة من تشكلها أرادت أن تسيّر شأنها السياسي بنفس خلفيات تسيير الشأن الدعوي، المبني على النصوص الشرعية الموجهة للين والرفق والتسامح والتنازل والطيبة فحسب.

لم تنتبه الحركات الإسلامية بأن العمل السياسي ساحة صراع بلا رحمة مع قوى محلية ودولية ترى فيها نقيضها وتريد محوها من الوجود أو تحجيمها أو تسخيرها لصالحها، وأن هذا الصراع يتطلب حسن استعمال النصوص الشرعية التي توجه للدهاء والحذر والشجاعة والفداء والإعداد والمواجهة.

اعتمد السواد الأعظم من الإسلاميين، الممثلين للفكر الراهن للإخوان المسلمين، على انتهاج ما سموه استراتيجية التطمين للنخب الحاكمة محليا وللنظام الدولي خارجيا، واعتمدوا على الدخول المتدرج للمؤسسات الرسمية عبر ما يسمى باستراتيجية المشاركة والمسار الانتخابي، وقدموا تنازلات كبيرة للأنظمة من أجل ما يسمى باستراتيجية المحافظة على المكتسبات، وبعد عقود طويلة من التجربة لا هم طمأنوا من أرادوا تطمينهم، ولا هم توصلوا لمواقع ذات شأن في المؤسسات الرسمية، وما بقي من مكتسباتهم سوى هياكل حزبية ومقرات وأنشطة تحت سقوف محدودة، ووجاهة اجتماعية لبعض قادتهم، ومنافع مادية لآخرين، وعدد محدود من النواب والمنتخبين المحليين، ومشاركات في انتخابات متحكم في نتائجها لن تغير الوضع، ضمن استراتيجياتهم هذه، ولو بقوا يشاركون فيها مائة سنة مقبلة.
وحتى حين حملتهم الشعوب الى مواقع متقدمة في المؤسسات الرسمية بعد ثورات شعبية لم يكن لهم دور في إطلاقها ضيعوا الفرصة بذهنياتهم الإصلاحية الدعوية، فتم استئصال بعض تجاربهم ودخل الرعب في التجارب الأخرى فقبلت التدجين والإدماج والإلحاق بالمنظومات الحاكمة، وبالغت بعض هذه الحركات الإسلامية الاندماجية في إظهار اندماجها حتى تورطت في التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى أن ضعفت وترهلت بعد إنجاز المهمة البائسة، وتطوعت أخرى للدفاع عن السياسات الاستبدادية والانقلابية للأنظمة، بل الوقوف في وجه قوى سياسية أو اجتماعية أخرى معارضة، وبعضها تفنن أكثر من أحزاب الموالاة في تكرار سردية الأنظمة المصمَّمَة لشل إرادة الشعوب كالتخويف من الخارج وتخوين من ينقد قادة الدول من ملوك ورؤساء، كما شارك بعضها في إحباط الحقوق السياسية الثابتة، حتى المنصوص عليها في المنظومات الدستورية والقانونية، كالاحتجاج الجماعي والمسيرات وغير ذلك
مما سموه لغة الشارع، وكأن الشارع لم يكن في تاريخ النضال السياسي حلبة القادة السياسيين الكبار التي كسروا فيها غرور الظالمين.

كان يجب على هذه الحركات الإسلامية ذات الخبرة الدعوية أن تجدد فكرها وخطابها ومعارفها ومنظوماتها القيادية والإدارية والتربويّة بما يتناسب مع حتمية التجديد الذي تدعو إليه النصوص الشرعية بما يتناسب مع الصيرورة التاريخية لمدة قرن من الزمن، وبدل ذلك استغرقت في اعتماد فكر وخطاب وأدوات المؤسسين السابقين الذين نجحوا نجاحا كبيرا لاحتياجات زمانهم. وكانت نتيجة ذلك أن حل فيها الضعف والتراجع والصراعات والانشقاقات ومغادرة أصحاب الكفاءات وتحول بعضها إلى أجهزة تتحرك ولا تنتج، همها الأكبر ضبط الشأن الداخلي في ما يشبه الثكنات العسكرية التي تسيطر فيها ذهنيات تنظيمية تقود بوسائل التربيط والتحكم ولو على حساب الرسالة والرؤية والأهداف الفعلية للتغيير والإصلاح، وهي ذهنيات تشبه إلى حد كبير الذهنية الأمنية للسلطات الحاكمة التي لا يهمها سوى المحافظة على النظام السياسي ولو على حساب الدولة والمجتمع والتطور والازدهار.

لقد أدى عجز الحركات الإسلامية ذات الخلفية الدعوية الإخوانية في العبور من مرحلة الصحوة في المجتمع إلى مرحلة النهضة التي تصنعها الدول إلى تَصاعد شعور عام عند الجماهير بأنه لا يمكن التعويل على هذه الحركات في إنهاء ظلم وفساد الأنظمة الحاكمة وقوى النظام الدولي، بل إن قطاعات واسعة من الجماهير باتت تعتقد بأن قادة ورموز هذه الحركات مستفيدة من الوضع القائم، وأنها مكتفية بما تحققه من مصالح لأفرادها في البرلمانات والمجالس المنتخبة والمناصب الرسمية.

ومما زاد في مصاعب هذه الحركات الإسلامية الوديعة والمسالمة الباحثة عن اعتراف القوى الحاكمة المحلية والدولية بها أن مقابل إخفاقاتها السياسية تحققت نجاحات سياسية لقوى إسلامية مسلحة، لم تكن مقبولة ولم يكن يهمها أن يُعترف بها، وصلت إلى الحكم في افغانستان وسوريا، علاوة على ما أحدثه طوفان الأقصى من تحولات عميقة في العقول، خصوصا لدى الشباب، كيف أن فئة قليلة محاصرة تستطيع أن تعجز جيوشا فتّاكة حين يتوفر لديها الإيمان والإرادة والإعداد.

لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى التغيير بواسطة السلاح، فليس هذا نهجنا منذ التأسيس، إلا أن يكون ضد الاحتلال كما هو الحال البارحة في الجزائر واليوم في فلسطين. غير أن ثمة مجالات للشدة واسعة في النهج السلمي السياسي، على نحو ما وقع في السنغال إذ تجاوز التيار الشعبي ذو الخلفية الإسلامية الحركات الإسلامية التقليدية المسالمة وهو اليوم في الحكم، وقد درسنا هذه التجربة في مقال سابق.

لا زلنا ندين العنف والإكراه في العمل السياسي، للوصول للحكم ولكن كذلك للبقاء فيه كما كنا نقول في حركة مجتمع السلم في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، أي أن العنف مدان من القوى الراغبة للوصول للحكم، ويُدان كذلك استعمال وسائل الشدة والإكراه التي تحتكرها الدولة لتكميم الأفواه وتخويف المنافسين وسجن المعارضين.
إن ثمة مجالات واسعة في العمل السياسي تتيحها الدساتير والقوانين في العديد من الدول العربية تحرم المعارضة الإسلامية التقليدية نفسها منها بغرض إظهار حسن السلوك أمام الأنظمة الاستبدادية، ولن ينفعها ذلك في المحصلة البتة، وإنني لأذكر حوارا بيني وبين زعيم سياسي إسلامي عربي مرموق قلت له: “لماذا يُتاح لك هامش من الحرية بمقدارٍ ما، وأنت لا تستعمل سوى مقدار أقل من ذلك بكثير” فقال لي: “لا أريد أن نعود للسجون” وفي الأخير عاد هو وأصحابه للسجون، أطلق الله سراحهم وأكرمهم ورفع قدرهم بما بذلوا طول حياتهم، وكان ذلك الشيخُ يظن كذلك أنه بليونته الدائمة وتنازلاته الكبيرة يحمي الديمقراطية ويحافظ على المكتسبات، فلا الديمقراطية حُفظت ولا المكتسبات بقيت.

إن في مناهج التغيير ثوابت ومتغيرات، ومبادئ ووسائل، والذي يبقى هي الثوابت والمبادئ، ولا يمكن للمتغيرات والوسائل أن تكون دينا متبعا جيلا بعد جيل. أما الثوابت والمبادئ فهي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يكون كفائيا ما أدى إلى حد إقامة المعروف وإنهاء المنكر، ويظل عينيا ما لم يصل مقدار الجهد المبذول فيه إلى تحقيق ذلك الحد، ولا شك أن أعظم أنواع المعروف والمنكرات منوط بمسائل الحكم المتعدية بالشمول والاتساع في المكان والزمان.

وثمة قاعدة ذهبية بفقه الإنكار يجهلها أو يتجاهلها كثير من الإسلاميين المهادنين، وهي القاعدة التي وضعها المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، فالميزان في الإنكار هنا خفي بين المرء وربه لا يطلع عليه غيرهما وهو حد الاستطاعة، فمن فقد نصاب الاستطاعة التي يقدّر حدها الله تعالى فلا حرج عليه، ولكن ثمة حد أدنى لا يُعذر فيه أحد وهو الإنكار بالقلب. إذ يسع الساسة حين تفلت منهم الاستطاعة الفعلية والقولية أن يسكتوا، فإن نطقوا في تبرير منكرات الحكام والدفاع عنهم ومحاربة من ينكر منكراتهم كائنا من كان، فذلك الدليل الملموس على أن قلوبهم لم تصبح تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، وأن دوافعهم للعمل السياسي ليست ابتغاء مرضاة الله ولا مصلحة أمة وأوطان.

إن ثمة نهج سياسي سلمي يكفي لإنهاء الاستبداد، يتحمل فيه المناضل السياسي المتاعب ويقدم التضحيات في حدود الاستطاعة وهو المقاومة السياسية، التي لا تصادم الأنظمة صداما مباشرا ولكن لا تندمج فيها ولا تساعدها على الاستمرار والبقاء، وهو نهج سياسي يعتمد سياسة الكر والفر، والظهور والكمون، والحذق والحذر والشدة واللين، وقوة الحجة والقدرة على التعبئة والتأثير، من أجل إرهاق الأنظمة الظالمة المتحكمة ضمن مقصد أعلى وهو تغيير موازين القوة بما يؤدي إلى إنهاء الفساد وتحرير البلاد من الاستبداد، حتى تتحرك الكفاءات وتستعمل المقدرات لخدمة الأوطان ونهضة الأمة وتحرير فلسطين. فلا يتعلق الأمر بنتائج انتخابية تزيد أو تنقص بما لا يؤثر البتة في الموازين، وإنما يتعلق الأمر بما يحقق الإصلاح والتغيير الذي يسمح يوما بالتداول المنشود بعيدا عن ديمقراطيات الواجهة.

قد يقول قائل إن ذلك كلام نظري لا يعتد به، وما هو كذلك، إذ العبرة في القيام بالواجب لا في النتائج، ثم هو منهج مجرب أظهر بدايات نتائجه، فقد جرّبناه في حركة مجتمع السلم لمدة عشر سنوات وحقق ثماره في تحريك الساحة السياسية عبر تحالفات سياسية واجتماعية ثبتت ثلاث سنوات ساهمت في توعية الرأي العام وانطلاق الحراك الشعبي الذي رغم إجهاضه سيؤتي ثماره. كما حقق هذا النهج نتائج انتخابية جيدة لصالح الحركة وحافظ على مكتسباتها الاجتماعية وزاد فيها أضعافا، وأخرج جيلا من الشباب قادر على مواصلة المشوار ومعالجة النكسات الكبرى ومواجهة التحديات الكبار ولو بعد حين، بما يعيد الاعتبار للمكتسبات من أجل استئناف المسيرة، وما ذلك على الله بعزيز فإنه لا يضيع أجر المحسنين، ولا يواجه التحديات الكبار سوى الكبار.

د. عبد الرزاق مقري

سوريا أخيرا.. القصة والرابحون والخاسرون..

بدأت الحديث عن الوضع السوري في مقال سابق بعد زحف المعارضة المسلحة وقبل سقوط دمشق، وشرحنا أسباب عدم دعم إيران للنظام على نحو ما كان عليه سابقا، وركزنا على التحولات الداخلية لهذا البلد، ثم تطرقنا بعد سقوط دمشق إلى الموقف الروسي وأسباب تراجعه عن نجدة آل الأسد، ونكمل الحديث في هذا المقال الطويل بالتطرق إلى الموقف التركي، وعلاقة الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى بالموضوع من خلال ما لدينا من معلومات، كثير منها معلوم للجميع، ومن خلال تحليل هذه المعلومات، لنركز في الأخير على تحديد الجهات الرابحة والجهات الإقليمية  والدولية الخاسرة في الوضع الجديد في سوريا. وقد نعود في مقال آخر إلى الحديث  عن الجهة السورية المنتصرة، من هي، وما الذي يميزها عن التيار الإسلامي العام، وما هو الموقف الصحيح منها، وما هي المآلات المتوقعة للحالة السورية والمنطقة برمتها.

لا توجد دولة يهمها ما كان يحدث في سوريا قبل الحسم مثل الدولة التركية، ذلك أن  التطورات الداخلية السورية باتت مؤثرة تأثيرا بليغا  في الوضع الداخلي التركي، سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وفي السياسة الخارجية التركية، وذلك من زاويتين. الزاوية الأولى تتعلق  بهجرة الملايين من السوريين إلى الأراضي التركية، طوعيا خوفا من الاضطهاد، أو بسبب التهجير القسري. والزاوية الثانية تتعلق  باستحواذ قوى “سورية الديمقراطية الكردية” (التي يسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) على مساحات واسعة في شمال شرق سوريا بدعم أمريكي بتعلّة قتال مسلحي “داعش”  الذين تخترقهم وتستخدمهم العديد من مخابرات الدول الإقليمية والدولية وعلى رأسها الأمريكان، وكذلك عبر مفاهمات معقدة بين الحين والحين مع الروس والنظام السوري لمواجهة النفوذ التركي.

تسبب مكوث قرابة أربعة ملايين مهاجر سوري في تركيا بشكل رسمي، وقرابة ثلاثة ملايين بشكل غير رسمي  (ينتظرون تسوية أوضاعهم أو لمحاولة المرور إلى دول أخرى)،  في صعود موجة كبيرة من الحساسية من الأجنبي وبروز موجات عنصرية استُغلت أسوء استغلال في المنافسة الانتخابية أضرت بحزب العدالة والتنمية التركي كثيرا، وساهمت في خسارته للعديد من المجالس البلدية، في الانتخابات الأخيرة. كما أن تحول مناطق واسعة على الحدود السورية تشمل أجزاء من محافظات الحسكة والرقة وحلب و‌دير الزور إلى إدارة ذاتية تحكمها القوى السورية الديمقراطية (قسد) يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي التركي من حيث أن هذه الإدارة الذاتية أخذت تُستعمل كقاعدة خلفية لحزب العمال الكردستاني الذي تأسس لإنشاء دولة كردية  في المنطقة كلها ويعتمد العمل المسلح في تركيا.

بعد أن ظهر للعالم وكأن بشار الأسد قد استتب له الأمر وأن مختلف القوى المعارضة السياسية والمسلحة غير قادرة على الإطاحة به، وأن الجزء الشمالي الذي دخله الأتراك عسكريا لم يكن كافيا لعودة السوريين ورآه الكثير من هؤلاء السوريين أنه لجوء في محتشدات في أرضهم، غيّر أردوغان توجهاته تجاه بشار ولم يعد  يُظهر إنكارا لشرعيته  واتجه بشكل علني لطلب الحوار معه من أجل أن يقبل رجوع أعداد كبيرة من السوريين اللاجئين في تركيا إلى بلدهم وأن يقدم ضمانات لعدم قمعهم حتى يتشجعوا على العودة، واتجه إلى معالجة الخطر الكردي بتفاهمات بين مختلف الأطراف.

استعان أردوغان لطلب الحوار مع بشار الأسد بالروس، وأظهر الروس تجاوبا لذلك وحاولوا إقناع بشار بالأمر، ولكن لم يعر هذا الأخير اعتباراً لخطوة الرئيس التركي، واشترط خروج الأتراك من الأراضي التي دخلوها في الشمال  عسكريا لكي يحاور، خلافا لقبوله بالوجود الروسي والإيراني على الأراضي السورية، بل حتى بالوجود الأمريكي من حيث التفاهمات التي كانت تبرم بينه وبين الأكراد.  كما عدّ اللاجئين السوريين الذين هجّرهم أنهم غير سوريين لأنهم خرجوا بلا قانون ـ حسبه.

في هذه الأثناء كانت المعارضة المسلحة في إدلب تعد نفسها، عسكريا ومدنيا، لتملك القدرة على رد العدوان المتكرر عليها من قبل النظام، خلافا لتفاهمات استانا، حتى أخذ منهم 30% من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها، مع أمل دائم يحدوهم لإسقاط النظام السوري الظالم إذا أتيحت الفرصة، وإنهاء السيطرة الطائفية على أغلبية البلد السنية ووقف معاناة السجناء وتبيان وضع المفقودين. غير أن الأتراك كانوا متوجسين من أي عمل عسكري ضد النظام، وقد يكون ذلك التوجس حسب ما سمعنا من بعضهم، أن تكون الخطوة غير محسوبة وتؤدي بدعم روسي وإيراني إلى السيطرة على إدلب وكل الشمال السوري فتتجه موجة أخرى من اللاجئين إلى تركيا يكون فيها حتف تركيا كلها، وإسقاط أردوغان وحزبه من الحكم بطريقة دراماتيكية.

اتجهت الأمور بعكس مخاوف الأتراك، فساهمت ظروف كثيرة إلى تحريك العملية العسكرية ضد النظام السوري، منها ما شرحناه بخصوص التحولات الداخلية في إيران، ووضعها الجديد في المواجهة مع الكيان الصهيوني، ومنها الضربات التي تلقاها حزب الله وما وقع له من خذلان من قبل نظام بشار الأسد بعدم قبول توجيه أي ضربات صاروخية من الداخل السوري على القوات الصهيونية في الجولان السوري المحتل رغم الضربات المتتالية التي وجهتها هذه القوات لسوريا أثناء الحرب القائمة ـ خلافا لما كان على الجبهة العراقية واليمنية ـ وما رشح من معلومات عن نشاط استخباراتي سوري ضد حزب الله ذاته.

يضاف إلى ذلك وضع الروس في حربهم بأوكرانيا وخوفهم من التوغل في جبهة أخرى في سوريا تكون بمثابة الفخ الذي يجعلهم يخسرون الحرب في الجبهتين، وكذلك التقارب التركي الروسي الإيراني بسبب التداخل الاقتصادي و التهديد المشترك الذي يأتيهم من الوجود الأمريكي عن طريق الجبهة الكردية ومواقع المعارضة السورية في الجنوب السوري الموالية لبعض الدول العربية وللأمريكان، والذي كان من ثماره من قبل مسار آستانة من أجل حفظ التوتر بعد 2015، مما ساعد على إقامة شبه دولة في إدلب تقودها هيئة تحرير الشام.

كل هذه الظروف شجعت المعارضة السورية المسلحة على اتخاذ قرار رد العدوان، وكان اسم المعركة “رد العدوان” مؤشرا على أنها معركة جزئية لوقف اعتداءات الجيش السوري النظامي على مناطق وقف التصعيد وفق تفاهمات أستانا، مع أنه قد يكون الاسم للتمويه على معركة تحريرية شاملة.

كان الكثير، بما فيها الأتراك، يعتقد أن معركة رد العدوان إن نجحت ستتوقف عند حلب، وحلب مهمة للأتراك، والمساحة المحررة وصولا إليها ستكون كافية بالنسبة إليهم لعودة جزء كبير من اللاجئين وتوسيع الإدارة الذاتية المستقلة المتمركزة في إدلب، بعد رفض بشار الأسد الحوار معهم، وسيمثل ذلك كذلك إحاطة استراتيجية جيدة في مواجهة الخطر الكردي في الشمال الشرقي،  فلا غرابة أن يمدوا يد العون للمعارضة السورية.

غير أن الانهيار السريع  للجيش النظامي السوري دفع قوات المعارضة الى مواصلة زحفها إلى غاية دمشق. لم تكن المؤسسات الأمنية التركية متحمسة  لاستمرار زحف المعارضة إلى دمشق ولكن أردوغان تجاوز حسابات أجهزته وكسر حالة التردد بتشجيعه المعارضة على ما كانت مقدمة عليه، ووفر لها الحماية بالعمل الدبلوماسي في أستانا 2 بقطر، ثم كان فرار بشار الأسد بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية عهد حكمه وحكم عائلته.

إن ما أدى إلى سقوط نظام بشار الأسد هو الانهيار السريع لجيشه،  وأسباب الانهيار  منطقية مفهومة، فهو لم يصمد في بداية الثورة الشعبية السورية إلا بتدخل إيران وحزب الله في البداية، ولم يسمح هذا التدخل إلا بتوازن القوى ولم يحسم الأمر لصالح بشار إلا بتدخل الطيران الروسي، ولم تسع أو تسمح أي قوة إقليمية أو دولية آنذاك بأن تتسلح المعارضة السورية بالسلاح المضاد للطائرات كما كان الحال في زمن الحرب ضد الروس في أفغانستان. لقد كان التدخل الروسي حاسما في إضعاف المعارضة بل تحول الطيران الروسي والبراميل المتفجرة النظامية إلى أهوال مدمرة ضد المدنيين في الحواضن الاجتماعية التي اعُتقد أنها موالية للمعارضة.

أظهرت الأحداث أنه لا يمكن لنظام عائلة الأسد أن يثبت بغير الدعم الإيراني والروسي، فهو نظام طائفي يعتمد على الطائفة العلوية النصيرية التي لا تمثل سوى 10 إلى 15 % من سكان سوريا، ولم يعرف نعيم الحكم من الطائفة العلوية سوى النخب الحاكمة التي دفعت بباقي مكونات الطائفة إلى الفقر حتى لا يكون لهم من مجال للاسترزاق غير الجيش والأسلاك الأمنية فيبقوا أبديا في خدمة عائلة الأسد والمقربين منها. وحيث أن 80 % من السكان من السنة لا تصلح الخدمة العسكرية الإلزامية أن تكون سندا لنظام طائفي ذي أقلية.  وإذا كان الهروب إلى لبنان ومختلف دول العالم بأعداد هائلة لدى المطلوبين للخدمة الإلزامية من الذين لا يقدرون على دفع بدل المال المنصوص عليه في القانون فكيف يُستغرب أن يكون الهروب جماعيا من قبل المجندين إلزاميا  حين يشعرون بأن زمن الخلاص ممن يُكرههم على قتال أهلهم وفي مواجهات يُقتلون فيها لمقصد غير نبيل.

كثير من الكلام قيل عن لعبة أمريكية إسرائيلية تكون قد حيكت مع الأتراك والمعارضة للزحف على دمشق وإسقاط نظام بشار وضرب محور المقاومة وطوفان الأقصى. ثمة معطى واحد يكفي لإلغاء هذه التخّيلات، وهو هل أعطت الولايات الأمريكية المتحدة الأمر لروسيا لكي لا تتدخل من أجل إنقاذ بشار، أم أن دولة الكيان هي التي طلبت من إيران أن تتوقف عن نجدة الرئيس السوري الهارب وتسحب قواتها من الأراضي السورية. ثم ألم تكن تفاهمات أستانا بين تركيا وروسيا وإيران هي التي مهدّت لبقاء هيئة تحرير الشام في إدلب وإعداد العدة لمعركة رد العدوان ثم تحرير دمشق؟ أين أمريكا في كل هذا؟ ألم يعلم كثير من قادتهم والمحللين في مراكز الدراسات أن العمليات التي أدت إلى إسقاط الأسد كانت مفاجئة وسريعة وغير متوقعة؟

لو وقع هجوم المعارضة السورية على دمشق في وقت المواجهة بين حزب الله والكيان الإسرائيلي لقلنا بأنها طعنة في الظهر ، أما وقد كان  ذلك بعد أن قرر حزب الله وقف القتال بإرادته دون اشتراط وقف العدوان الاسرائيلي على غزة فلا  معنى في التشكيك في موقف فئة مظلومة لم تضع السلاح على كاهلها مدة 14 سنة، كانت هي الأخرى متهمة بالإرهاب مثلها مثل حزب الله وحركة حماس. ثم كيف يمكن للولايات الأمريكية المتحدة أن تقبل بصناعة وضع جديد يهدد حليفها الكردي المسيطر على أهم آبار النفط السورية، ويضع السجون الستة وعشرين التي يقبع فيها عشرات الآلاف من عناصر داعش خارج سيطرتها، علما بأن تلك السجون التي تسيرها قوى “قسد” تحت إشراف أمريكي هي بمثابة سلاح فتاك في يد من يسيطر عليها، وقد تتحول إلى سيل من البلاء الشديد على سكان المنطقة كلها، لو فتحت السجون بقدرة قادر على مصراعيها ليكون ضمن السجناء وحوشٌ صُنعوا من أجل خلق الفتنة وقلب الأمور على رأسها إن لم يمش الحكام الجدد لسوريا وفق ما يريده حكام أمريكا.

ولتقريب المعاني وتشكيل التصورات الأقرب إلى الحقيقة، نختم المقال بوضع قائمة عن الرابحين والخاسرين من الوضع الجديد في تركيا إذا استقرت الأوضاع للمعارضة المنتصرة التي صارت هي السلطة الحاكمة، وذلك على النحو التالي:

 

الرابحون الآن وفي المستقبل

ـ الرابح الأساسي هو الشعب السوري، فلا رابح أكثر منه إذ انفتح الأفق أمامه فجأة بعد أن انقطعت أسباب الأمل عنده وهو مهجّرٌ بالملايين في أصقاع الأرض، قد أخرِج من دياره وأخِذت أملاكه، ما من أحد من أفراده إلا وعنده من أقربائه أو جيرانه من قد قتل بالإعدام في السجون وميدانيا أو تحت التعذيب، أو حرة، أما أو بنتا أو أختا أو زوجة، قد اغتصبت وولدت في سجنها أولاداً من زبانيتها الملاعين. ومهما كانت السيناريوهات المستقبلية فلن تكون عذابات الشعب السوري كالتي سلطها عليه النظام المجرم لآل الأسد التي بانت قصصها المرعبة بعد فتح السجون كما لم تر البشرية مثلها أبدا. وكل المؤشرات تدل بأن هذا الشعب المظلوم سيذوق طعم الحرية وينعم بالعيش المشترك في إطار القانون، وأن إبداعات رجل الشام ستبهر العالم في مجالات العلم والاقتصاد والتجارة.

ـ والرابح الثاني في الحاضر والمستقبل هي المعارضة السورية التي انتصرت على النظام السوري. وقد جمع الله لهذه المعارضة عدة أسباب يسرت لها سبل التمكين خلافا لتجارب الإسلاميين الآخرين بعد ثورات الربيع العربي ومنها:

 

ـ أن هذه المعارضة لم ينقطع أمرها بعد كسر زحفها من قبل الإيرانيين والروس وضمن أجواء الثورات المضادة، فقد بقيت تُراكم تجاربها العسكرية والمدنية في الأراضي التي تحت سلطتها حتى أقامت دولة صغيرة في إدلب تعداد سكانها قرابة أربعة ملايين ساكن، أكثر عددا من العديد من الدول المعترف بها في الأمم المتحدة، أقامت فيها كليات عسكرية وأمنية، وصناعة سلاح وتعليم، ومؤسسات خدمية رسمية، واقتصاد حقق نجاحات أفضل من اقتصاد النظام السوري آنذاك.

ـ أن هذه المعارضة بقيت مسلحة تحافظ على هدف تحرير كل سوريا من قبضة عائلة الأسد، تعد العدة دون توقف، وقد كانت المعارضة المسلحة في إدلب بقيادة هيئة تحرير الشام وزعامة أحمد الشرع أكثر جدية وفاعلية من غيرها، ومن إنجازاتها أنها  استطاعت أن توحد العديد من الفصائل الأخرى تحت قيادتها.

ـ أن لها ظهيرا خارجيا قويا، تتشابك بينها وبينه المصالح، وهي الدولة التركية التي وجدت في هذه المعارضة القوة التي تنهي معها أزمة اللاجئيين السوريين في تركيا، وتتحالف معها لإنهاء الخطر الانفصالي الكردي على حدودها. وهي دولة تتعدد جوانب قوتها التي يمكن أن تسخرها لصالح حكام دمشق الجدد، ومنها القوة العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، علاوة على التقارب الثقافي الإسلامي.

ـ أن هذه المعارضة تحلّت بكثير من المرونة والحكمة وأقامت مراجعات عميقة في فكرها القديم، طبقت فحواها أثناء حكمها في إدلب، وتوسعت فيها بعد انتصارها على النظام السابق.

ـ أن الدول العربية وجدت نفسها مجبرة على التعامل معها خوفا من أن تستفرد بها تركيا، وأن تتحول سوريا كلها الى تهديد لها خصوصا الدول ذات الحدود المشتركة والقريبة.

ـ أن الانفلات العام، في حال فشل التحول السياسي، لن يكون لصالح أي دولة من دول المنطقة، بل لن يكون لصالح القوى الإقليمية والدولية المحيطة المحيطة بسوريا. 

وكل هذه العناصر الإيجابية إن هي إلا توفيقات سننية ربانية سخرها الله لسوريا ولهذه القوى الإسلامية المنتصرة ضمن التحولات السننية الكبرى التي أجراها الله بطوفان الأقصى. إن كل الذي قام به أولئك السوريون المظفّرون أنهم أعدوا العدة بالقدر الذي يستطيعون كما أمرهم الله، فسخر لهم ظروفا أخرى أكثر بكثير من قدراتهم، فهم يمثلون حقا “نظرية المكان المناسب” حيث وضعوا أنفسهم في المكان الذي وجدتهم فيه التحولات السننية في طريقها فحملتهم.

ـ أما الرابح الثالث اليوم وغدا: فهي تركيا حيث أنها وجدت الطريقة التي حلت بها مشكل اللاجئين السوريين على أرضها إذ سيعودون إلى أرضهم آمنين معززين مكرمين، وستحل مشكل القوى الكردية الموالية للأمريكان في إطار الشرعية بالتعاون مع الحكومة السورية. وسيكون لها الحظ الأوفر في الشراكة الاقتصادية،  في إعادة الإعمار والاستثمار والأسواق والموارد، وستحظى بميزات كبيرة في الجوانب الجيوستراتيجية والدبلوماسية  فلن ينسى الشعب السوري ما قدمته لهم تركيا أردوغان سواء كلاجئين بالملايين أو كدعمٍ بأشكال عدة لثورتهم الموفّقة.

ـ وستكون قطر من الرابحين الحاليين وفي المستقبل إذ بقيت في الجامعة العربية ثابتة في إدانة النظام السوري المنهار والتحفظ على عودته للمنتظم العربي رغم عدم عرقلتها الإجماع العربي بهذا الخصوص، وسارعت منذ اللحظة الأولى للاعتراف بالمسؤولين الجدد، وكانت أول طائرة حطت بمطار دمشق طائرة قطرية، وباكورة الوعود بالدعم الإنساني والاقتصادي قطرية، ولا يخفي  المسؤولون السوريون الجدد امتنانهم وشكرهم لقطر، ولذلك قد يكون لهذا البلد حظوة  كبيرة تجاه الفرص الاقتصادية والسياسية ومجالات أخرى.

ـ الأمة العربية والإسلامية وذلك من عدة زوايا، ومنه أن نجاح الثورة السورية يعطي دفعة أمل في التغيير والتخلص من الاستبداد. وبما أن الاستبداد هو السبب الرئيسي في التخلف الذي تعيشه الأمة، وهو الباعث للهوان وضياع السيادة والتبعية للقوى الاستعمارية، وهو الخلفية الجوهرية للفساد وضياع فرص التنمية وتعطيل الفاعلية والإبداع والتنافس على النجاح والتميز الفردي والجماعي، فإن أي حدث يعيد الأمل في التغيير يكون لصالح العرب والمسلمين، لا سيما في ظل انغلاق الأفق الذي يعرفه العالم العربي وتحكم الأنظمة التسلطية كما لم يحدث من قبل، وانهيار قوى المقاومة السياسية والمجتمعية والاستسلام للأمر الواقع، وقد بيّن الخذلان العام الذي أحاط بطوفان الأقصى خطورة الاستبداد ودوره في التفريط في فلسطين.

ومن جهة أخرى ستكون الأمة الإسلامية مستفيدة في الحين وفي المستقبل من نجاح الثورة السورية، لأن بلاد الشام أرض مباركة، باركها المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث عديدة منها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة”، وعليه حين يتقهقر الفاسدون والظالمون في بلاد الشام، التي منها سوريا وفلسطين، وتكون  الصدارة والقيادة والنصر للصالحين تكون الأمة كلها في أمان.  وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح: “عليك بالشام فإنها خيرة الله في أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده”، فإذا أمنت الشام وتوجه إليها خيرته سبحانه لإقامة أمر الله وصناعة الخير ودعم نهضة الأمة وسؤددها معنى ذلك أننا نعيش تحقق نبوة الحبيب الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وقد علّمنا التاريخ أن مسار بناء مجد الأمة يمر بالشام، فرسول الله صلى الله عليه لم يرسل من جيوشٍ في حياته خارج جزيرة العرب سوى لبلاد الشام، عبر غزوة مؤتة، وتبوك وبعث أسامة، وأول الجيوش التي تحركت بعد وفاته ونهاية حروب الردة هي الجيوش الأربعة التي أرسلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه الى بلاد الشام، ولم يتحرك خليفة المسلمين عمر بن الخطاب لاستلام مفاتيح بلدة فتحت سوى فلسطين أرض الإسراء في بلاد الشام. وعليه حينما تتحرك الملاحم السننية لصالح الفكرة الإسلامية في بلاد الشام معنى ذلك أن الأمة تسير نحو الخير بإذن الله تعالى. ذلك الذي بينته استراتيجية نور الدين زنكي باتجاهه إلى الشام في طريقه لتحرير القدس، ولم يحقق صلاح الدين الحلم إلا بعد توحيد مصر والشام. كما أن تاريخ غير المسلمين بيّن أن من حطّ رحاله في الشام، من قادة الإمبراطوريات الكبرى، فُتحت له الدنيا كلها.

 

المستفيدون حاليا الخاسرون غدا

تنطبق هذه الحالة بالذات على الكيان الصهيوني، ذلك أن ضعف الدولة السورية على حدود فلسطين المحتلة وفقدان إيران وحزب الله نفوذهما في سوريا هو لا شك في صالح دولة الكيان، ولكن المستقبل مرعب حسب ما  الاستراتيجيون الإسرائيليون أنفسهم، وعبّر  عنه بعض هؤلاء بوضوح في وسائل الإعلام،  وكذلك هذا الذي يدل عليه مسارعة جيش الاحتلال لتوسيع احتلاله للجولان والتقدم في الأراضي السورية. إن المستقبل قاتم في سوريا بالنسبة للإسرائليين في كل الأحوال، لو فشل التحول السياسي واتجهت سوريا نحو الفوضى والاحتراب على نحو ما وقع في اليمن وليبيا مثلا، سيمثل ذلك خطرا على الكيان إذ ستتحول الأرض السورية الى موقع انطلاق حر للمقاومة ضد الاحتلال وسيمكن لأي قوة معادية للكيان أو توجه له ضربات صاروخية وتتوجه نحوه عمليات دون ضابط ولا رقيب.

وإذا نجح التحول السياسي وبُنيت دولة سورية قوية  يقودها ساسة ذوو خلفية إسلامية فإن الكيان  لن يأمن على نفسه أبدا. كما أن الإسرائيليين يرون أن استبدال النفوذ الإيراني في سوريا بالنفوذ التركي خطر استراتيجي كبير على المدى البعيد، بل دعا بعض قادة الاحتلال ومفكروه الى الاستعداد لحرب مقبلة مع تركيا. علاوة على أن المكسب الكبير الذي سيُجمع السوريون عليه بعد إزاحة النظام القمعي الاستبداديّ هو الحرية، وأي مجتمع مسلم حر لن يكون لصالح الاسرائيليين.

إنه لا أحد يطلب من القيادة السورية الجديدة أن تدخل في مواجهة مع الكيان الصهيونى في هذه المرحلة، وذلك أمر بديهي، وواجبها الأساسي اليوم هو بناء سوريا القوية لصالح السوريين  وضمن رؤية مستقبلية لتحرير الأراضي المحتلة وتحرير فلسطين، ومهما كانت الضغوطات التي ستمارس عليها فلن تتورط في السياسات التطبيعية، وذلك بسبب خلفيتها الإسلامية الجهادية وبسبب أن المقاومة المجتمعية ستكون عظيمة ضد التطبيع،  وأن خطوة آثمة مثل هذه ستعطي لفلول النظام  مبررات أخلاقية للمقاومة ومحاولة الرجوع، كما ستواجه هذه المحاولة بصد كبير من الفلسطينيين ذوي الأعداد الهائلة في سوريا، خصوصا أولئك الذين قاتلوا مع المعارضة وحُشدوا في السجون وتعرضوا للتعذيب الشديد ولم يرجع لهم أمل الحياة إلا بانهيار النظام وفتح السجون عليهم. وفي كل الأحوال هذا الاحتمال مستبعد ولا يتصور.

ـ الغرب والولايات الأمريكية المتحدة: تمثل سوريا بالنسبة لكل القوى الإقليمية والدولية أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي المنبسط المؤدي إلى كل القارات والدول المهمة في المنطقة، وكممر حيوي للطاقة والمسالك البرية والبحرية التجارية. ولا شك أن امتداد النفوذ التركي إلى سوريا وقلب العالم العربي ليس في صالح الولايات الأمريكية المتحدة، كما أن تهديد تحالفها مع منظمة ( قسد) الكردية يقلقها، ووضع يد النظام السوري الجديد بدعم تركي على السجون التي يقبع فيها عناصر منظمة داعش يفوت عليها فرص المناورة والابتزاز باسم الإرهاب، خصوصا أن استعمال المعالجة الفكرية باسم الإسلام التي يقدر عليها الحكام الجدد قد تحول أعدادا كبيرة من مسجوني داعش لصالح الوضع الإسلامي الجديد.

ويضاف إلى ذلك أن التفاهمات التركية السورية الروسية بخصوص إمكانية بقاء قاعدة طرطوس وإعادة بناء علاقة سوريا بروسيا بما يلغي التبعية ولكن يحافظ على المصالح الروسية وبما يحقق التوازن مع الولايات الأمريكية وأوربا لن يرضى عنه هؤلاء ولكن لن يستطيعوا معارضته من حيث أنه مسألة سيادية، ولن يتجه الغرب إلى خسارة كل شيء في سوريا أبدا وإنما سيضغطون بالقدر الذي يوصل إلى التوازن وليس السيطرة.

علاوة على أن وجود نظام سياسي بخلفية إسلامية على حدود الدول العربية الموالية للأمريكان موجع كثيرا للسياسات الأمريكية. وسقوط ورقة التحشيد الطائفي في سوريا ليس لصالح استراتيجيات صناعة الأزمات والتفريق بين المسلمين التي يحسن لعبها الأمريكان والدول الأوروبية.

وما يقال عن الولايات الأمريكية المتحدة يقال عن الدول الأوروبية، ويضاف إليها  خطورة الجوار الجغرافي، والحساسية الثقافية والسياسية  المفرطة في أوروبا اللائكية من الوجود السياسي الإسلامي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ومسألة اللاجئين السوريين في أوربا كيف يكون مصيرهم، وما طبيعة العلاقة التي ستربطهم ببلدهم المتجه إسلاميا، من بقي منهم في أوربا، خصوصا الأجيال القادمة.       

 

المتضررون اليوم الرابحون غدا

 محور المقاومة: لا شك أن محور المقاومة قد تضرر في الفترة الراهنة،  في فلسطين أولا، حيث أن إيران وحلفاءها، خصوصا حزب الله، كانوا يمثلون دعما استراتيجيا متصلا من حيث المد بالمال والسلاح، وتوحيد ساحات المواجهة مع الكيان الصهيوني، وسيكون تقليص هوامش المناورة لديهم بسبب خروجهم من سوريا، مؤثرا على إعادة البناء الفوري لما ضاع من المقدرات العسكرية والقيادية في غزة، وقد تتجه المقاومة في غزة إلى فقدان الظهير الخارجي المتمثل في إيران وحزب الله، بسبب ما أصابهما من ضرر في المواجهة وبسبب التحولات الداخلية في إيران نحو سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية، التي عمقها الخروج من سوريا،  والتوجه نحو تحالفات دولية مع روسيا وربما الصين بعيدا عن القضية الفلسطينية، والتحولات السياسية في لبنان بانتخاب رئيس يريد أن يجعل السلاح محتكرا لدى الجيش. غير أن ما خسرته المقاومة الفلسطينية سيخسر مثله الكيان الصهيونى في سوريا على نحو ما ذكرناه أعلاه، علاوة أن المتوقع أن هامش العمل والإعداد في سوريا الجديدة قد يكون أفضل لصالح فلسطين، على الأقل على المستوى الشعبي في مختلف القضايا المدنية. والمدد مستقبلا – على الحدود المباشرة مع فلسطين المحتلة –  لن يكون من إيران فقط بل من العالم الإسلامي كله.

أما المقاومة في لبنان فقد خسرت كثيرا حقا،  فعلاوة على  اغتيال رمزها الأهم حسن نصر الله، وطبقة قيادية عريضة في كتيبة الرضوان والمجلس العسكري، والأضرار الكبيرة في حاضنته الاجتماعية، وفي التحولات في الموازين السياسية في لبنان  لغير صالحه، فإن تغيّر الأوضاع في سوريا سيحرمه من سرعة ترميم خسائره،  غير أن مساهمته في المعركة ستبقى تشّرفه عبر الأجيال.

 

وباعتبار أنه أعجز الجيش الإسرائيلي من أن يدخل لبنان وينهي وجوده المسلح ويدمر بنيته فإنه في المحصلة منتصر وسيبقى رقما صعبا في لبنان، وسيجعله ابتعاده عن التغييرات السياسية الجارية متخففا من تبعات الشأن الحكومي وفي أي انتخابات مقبلة سيكرر فوزه من خلال استمرار احتضان طائفته له وما يمكن أن يأخذه من دعم من القوى الانتخابية المؤمنة بالمقاومة، وإذا ما أصلح صورته عند عموم أهل السنة وعالج ذكريات السوريين عن تورطه في ما صُب عليهم من بلاء، وصار انتماؤه للمقاومة ضمن رؤية عامة للأمة فإنه لن يُحرم من الإيجابيات التي ستستفيد منها المقاومة الفلسطينية، وسيكون طوفان الأقصى هو بداية مشروع عام لتحرير فلسطين تشارك فيه كل الطوائف والأعراق في العالم الإسلامي بإذن الله تعالى.

 

الخاسرون حاليا والخاسرون غدا

ـ إيران وحلفاؤها: لا أستطيع أن أقول أن إيران ومشروعها وحلفاءها  قد خسروا اليوم كلية، فقد نالوا شرف دعم المقاومة كما لم يفعله غيرهم، ولا يصح أن نقيّم ذلك على أساس مقاصدهم، فمرحبا في منطق الصراع والحروب بكل داعم ومناصر لقضية ولو كان في ذلك مصلحته، هذه هي الحياة وهذا هو تاريخ البشر. ولكن من الناحية الجيوستراتيجية خسرت إيران مكانتها ونفوذها في سوريا ولن تسترجعه في مستقبل الأيام. وكم من مرة قلت لبعض الإخوة  السوريين حين كنا نحاول ثنيهم عن التشكيك في نوايا إيران وحزب الله بشأن دخولهم معركة طوفان الأقصى، بأن مشاركة إخواننا الشيعة في الملحمة التاريخية شرف كبير لهم، وهي مشاركة تمثل قمة مراحل مشروعهم في المنطقة، ولكن المشروع سيخرج بعد المعركة ضعيفا قد ضيع قيادة محور المقاومة لصالح المقاومة الفلسطينية، من حيث أن حركة حماس لم تستشر أحدا في انطلاق طوفان الأقصى فوضعت قادة المشروع الشيعي في خيارين كلاهما صعب، إن لم يشاركوا  في طوفان الأقصى يخسرون القيمة الأخلاقية التي ربطوا بها مشروعهم المقاوم، وإن شاركوا سيكون الثمن باهضا في زمن تخلى فيه خصومهم في المنطقة عن دعم المقاومة وأهل غزة وتركوهم وحدهم في مواجهة التحالف الصهيوني الغربي دون أمل في أن تتدخل الصين أو روسيا لصالحهم في معركة ليست من أولوياتهما وتُناقض توجهاتهما الحضارية وتصادم علاقتهما مع اللوبيات الصهيونية. وعلاوة على ذلك ساهمت الخسائر التي تكبدتها إيران في لبنان وعلى أرضها في دعم التيار السياسي والمالي في الداخل الإيراني الذي يريد الانكفاء على الذات وفق ما شرحناه سابقا، وقد يكون في ذلك فرصة لبناء دولة قوية لصالح الإيرانيين وتكون جزء مهما في الأمة.

ـ الأنظمة العربية: قبل قرابة سنة ونصف اتفق العرب على إعادة الاعتبار للنظام السوري، وأعادوا له العضوية  في اجتماع الجامعة العربية في مايو 2023،  ظنا منهم بأن المسألة حسمت نهائيا لصالحه ولا داعي للنظر في الجرائم العظيمة التي اقترفها، من تهجير لنصف الشعب السوري وقتل وسجن وتعذيب مئات الآلاف منه، ولم يستشرف أحد من حكام العرب أن نهاية النظام النظام السوري كانت قريبة، وأن بشار الأسد قد خسر حين ساندوه وأنه سيفر بجلده إلى روسيا بعيدا عنهم . لقد خسروا بذلك اللحظة الراهنة، ورغم التحول السريع في الموقف واتفاق أغلبهم على الاعتراف بالسلطة الجديدة وإحضار وزير الخارجية الجديد في لقاء وزراء الخارجية يوم 12 يناير الحالي بالمملكة العربية السعودية فإن الحكام العرب خسروا الرهان، وأثبتت الأيام أن إرادة الشعوب التي حاربوها من خلال ثورتهم المضادة قادرة على التجلي من جديد وأن نجاح الثورة السورية سيكون ملهما في مختلف الدول العربية.

 

إن سبب مسارعة الدول العربية للاعتراف بالسلطة الجديدة له عدة أسباب منها منافسة تركيا في النفوذ في سوريا، وملأ الفراغ الذي تركته إيران بنفسها، ولتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية، ولتأمين حدودها، ومحاولة خدمة المصالح الأمريكية والصهيونية  بالنسبة لبعضها بالمناولة. وثمة سبب آخر مهم وهو أن المشروع الإسلامي المنتصر في سوريا لا ينتمي لتيار الإخوان المسلمين، يمكن اختراقه وتحويله، حسب ظنهم، خلافا  للعدو الإخواني  اللدود للنظام السياسي العربي، الذي يعرض نفسه البديل الحضاري الشامل والجاهز العابر للدول، والذي رغم انكساره وقبول أغلب تنظيماته السياسية العيش تحت سقوف الأنظمة لا يزال يمثل البعبع المخيف القادر على استغلال أي تحول مستقبل في البلاد العربية، كما فعل مع الربيع العربي الذي لم يكن المبادر لإطلاقه.

غير أن التكيف السريع للأنظمة العربية  مع الوضع السوري لن يجعلها تتحكم في الأمر بخلفية السيطرة ومنع نقل التجربة ومنافسة تركيا. تركيا لن تترك سوريا تفلت من حساباتها وسياساتها، لأسباب موضوعية ذكرناها ومنها مشكلة الهجرة والمشكل الكردي، علاوة على المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية الجديدة، ومكانتها في سوريا غير قابلة للمنافسة لأسباب تتعلق بالسبق، وبالعلاقات المتينة مع النظام الجديد، وبالجغرافيا وبالمقدرات الاقتصادية والعسكرية الكبيرة، وبالحليف والرافد المالي والإعلامي القطري.  كما أن منع نقل التجربة، كفكرة وليس بالضرورة من الناحية الكيفية، أمر غير متاح. فالله تعالى غني عن أن يربط التمكين للدين  بالإخوان المسلمين، وحتى بمنهجهم، وهم قد أكرمهم الله طيلة تضحيات قرن كامل من الزمن ببعث صحوة إسلامية في العالم الإسلامي وكل أنحاء الدنيا، وما يأتي بعده ثمرة منه، وهذا حسبهم، ولئن لم يكتب الله تمكين فكرتهم في الدوائر الرسمية فليس شأنهم ولكن شأن الله تعالى القادر الوهاب الرزاق، الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، كما أن الأفق أمامهم ليس مغلقا إن جددوا أنفسهم، أو بعض منهم، بما يتناسب مع التحولات السننية القادمة، التي منها طوفان الأقصى الذي خرج من رحالهم.

ومع كل الذي قلناه، فإن الفرصة متاحة للأنظمة العربية لتراجع نفسها حتى تكون جزء من نهضة الشام، الذي منه تحرير فلسطين، إن أرادت ذلك ووفقها الله إليه. وفي هذا المضمار ثمة ثلاثة أنظمة العربية  يصعب عليها التكيف لأسباب مختلفة، أولها النظام الإماراتي الذي تزعّم الثورات المضادة وأنفق فيها أموالا طائلة واقترف فيها الموبقات فلا يتصور تراجعه، وكل ما سيظهره من تأقلم هو نفاق من أجل الإفساد.  والنظام المصري الذي يحمل عقدة الانقلاب العسكري ولا يزال في سجونه عشرات الآلاف من المظلومين والمقهورين، ولكن قد يحدث تحول من داخل النظام نفسه بسبب عمق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، بما يجعل المصريين يفهمون أهمية المحور المصري السوري الذي كان له دور عظيم في التحولات التاريخية الكبرى لصالح الإسلام والمسلمين ومن ذلك القضية الفلسطينية. والنظام العربي الثالث الذي تعامل بالرفض مع التحولات في سوريا هو النظام الجزائري، والذي دفعه لذلك هو العلاقة التقليدية بين الجزائر وسوريا في محور الممانعة والاعتقاد الراسخ عند كثير من أصحاب القرار في الجزائر بأنها لعبة أمريكية تركية صهيونية، دون الاستعداد للتعمق في دراسة الأوضاع. علاوة على الحضور المرضي في العقل الرسمي لأزمة التسعينيات، وتشبيه هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع بالجبهة الإسلامية للإنقاذ وللجماعات الإسلامية المسلحة، خصوصا وأن حكومة إدلب كانت تسمى حكومة الإنقاذ، وأن أحمد الشرع نفسه كان عضوا في جماعات موصوفة بالإرهاب، دون أي استعداد لملاحظة خصوصيات التجربة السورية وقادتها، وخصوصيات الأوضاع الإقليمية والدولية المحيطة.

ولكن لن تجد قد تتجاوز الجزائر صعوبة التكيف بسبب البعد الجغرافي للخطر “المتوقع”،  وبسبب أهمية المعطى السكاني من حيث العدد الكبير للسوريين من أصل جزائري الذين سكنوا سوريا عبر هجرات كثيرة منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في سنوات 1837، 1849, 1854, 1861, 1864, 187, 1871, 1874, 1911 عقب المقاومات الشعبية وما أعقبها من قمع وتهجير من قبل القوى الاستعمارية، وقد وصل عددهم في الخمسينات الى مليون ونصف وكان منهم رئيسا للجمهورية والعديد من المسؤولين والكتاب والفنانين وبإمكان هذا المعطى السكاني  أن يكون  همزة وصل لمصلحة البلدين لو أتعبت سياسة حكيمة  في الموضوع من قبل النظام الجزائري.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية