المقالات

6 – شبهة: المطلوب جمع المال فقط

يتذرع  بعض النشطاء في القضية الفلسطينية بأهمية بذل المال لها لتسفيه المناشط الأخرى والإقلال من شأنها، وهو تصرف خاطئ ومضر ضررا جسيما بالقضية الفلسطينية، والمبالغة في هذا الحديث والإصرار عليه يدخل ضمن  سلوكيات التثبيط والخذلان، بقصد أو بغير قصد،  وسنعود لاحقا لشرح مختلف الأسباب التي تؤدي إلى هذا السلوك.

لا شك أن الإنفاق في سبيل الله من أعظم الطاعات والقربات، فالزكاة ركن من أركان الدين، و”الصدقة تمحو الخطايا والسئيات كما يطفئ الماء النار” كما جاء في الحديث الصحيح، وهي بركة في الصحة والرزق وتدفع عن صاحبها أنواعا كثيرة من البلاء في الدنيا وفق ما جاء في العديد من النصوص، والحضارة الإسلامية إنما بنيت أساسا بأموال أوقاف المحسنين  في كل المجالات، ومن أعظم أنواع الصدقات “ج” في سبيل الله بالمال، فهو قرين “ج” بالنفس في القرآن الكريم بل مقدم عليه في أغلب الآيات،  ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة الآية 41:  (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُم تعلمون). وفي الآية 20: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون). وقد فسر العلماء سبب ذلك في الكثير من التفاسير ومن ذلك ما بينه الألوسي رحمه الله في تفسيره لما قال: (لعل تقديم الأموال على الأنفس لِـمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً، وأتم دفعاً للحاجة، فلا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال).

ولا فرق في “ج” بالمال بين من غزا ومن جهز غازيا ومن دعم أهله، وقد بيّن رسول الله ذلك في هذا الحديث الصحيح العظيم:  (من جهَّزَ غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا). وعلى هذا كان قادة الثورة التحريرية يعّون الإنفاق على الحاضنة الاجتماعية المساندة لهم التي تلحق بها  الأضرار الكبيرة في الأرياف أهم من الإنفاق على من هم في الجبال (وكلاهما كان مطلوبا)، وعليه نؤكد بلا مواربة بأن الإنفاق على أهل غزة من أقدس الأعمال الصالحة في هذه المرحلة.

غير أن الشريعة الإسلامية لا تخضع لفهومنا الخاطئة مهما كانت نوايانا جيدة، كما لا تحكمها مرامينا السطحية أو أهواؤنا أو إكراهاتنا الشخصية وحبنا للعمل السهل الذي لا مخاطر فيه، فلا تُحدد الأولويات إلا بفهم مقاصدها، ولا ينتفع بها إلا من يفهم مرونتها.

إن الضرر الأعظم الذي يلحق أهلنا في غزة ويتسبب في قتلهم بالجوع والأمراض إنما هو الحصار، والذي يضعف أداء الم”قا&وم’ة  هو عزلهم عمّن يسندهم بالعتاد والمال والغذاء. وحتى وإن تدبرت “م” أمرها فإن الهلاك الذي يلحقه الاحتلال بحاضنتهم الشعبية يؤثر كثيرا في أدائها وسلامتها، وعليه فإن واجب الوقت بعد اشتداد الحصار هو كسره بالضغط على الكيان وعلى حلفائه الأمريكان والأوربيين  والعرب بقوافل كسر الحصار البحرية والجوية والبرية، وبالوقفات والمظاهرات ومختلف الفعاليات الاحتجاجية أما  السفارات الصهيونية والأمريكية والمصرية في العالم، وبتحريك الرأي العام بالعمل الإعلامي والسياسي وتعظيم أعداد المحتجين في الشوارع بالحد الذي تشغل فيه غزة العالم والناس جميعا أكثر من أي قضية أخرى.

لقد بين الإمام الكبير يوسف القرضاوي بأن فقه الأولويات مرتبط ب “فقه مقاصد الشريعة” فمن المتفق عليه، أن أحكام الشريعة في مجموعها معللة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هدَف الشرع إلى تحقيقها. فلا يصح في العقل ولا في الشرع ولا في أي عرف أن يكون للتحسيني الأولوية على الحاجي، ولا للحاجي على الضروري. بل للضروريات بكلياتها الأولوية المطلقة على الحاجيات والتحسينيات”

إن نجدة  الغزيين في أكلهم وشربهم ودوائهم ومسكنهم وتعليمهم  واجبة ولكن هذا الواجب لا يتحقق إلا بكسر الحصار. فكسر الحصار هو المقصد وهو مقدم في سلم الأولويات على غيره، ضمن ما تبينه قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، التي يقول بشأنها الإمام القرافي: (وعندنا وعند الجمهور، ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب لتوقف الواجب عليه)

فالمواد الإغاثية من مختلف جهات العالم مكدسة في معبر رفح، ولكن أكثرها ممنوع من الدخول إلى غزة بسبب الحصار، وما يدخل منها لا يسمن ولا يغني من جوع، فالأولى اذن هو العمل على كسر الحصار. وحينما نقول الأولى لا يعني هذا التوقف عن جمع المال والمساعدات، بل وجوبها يظل قائما في كل وقت، وإنما ما يجب بذل المال والوقت والجهد  فيه أكثر هو  كسر الحصار وتوعية الناس بالمآسي التي يتسبب فيها، وتوجيه الجماهير للاحتجاج في الشوارع لرفع معنويات المظلومين والضغط على  الظالمين من الأمريكان وعملائهم وعبيدهم من بلادنا العربية والإسلامية. 

 د. عبد الرزاق مقري

لا يخفى على الواعين أن ثمة حربا تشنها القوى الاستعمارية ضد العالم الإسلامي لضرب أساساته التي حفظته ضد الاحتلال والتغريب والإلحاق الثقافي والحضاري .

لقد أدركت القوى الاستعمارية بأن الذي حفظ الأمة الإسلامية في مختلف أقطارها هو تمسكها بقيمها وهويتها، وأن المشكلة التي يواجهونها لتطويع العالم الإسلامي ليست الحركات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية، ولا حتى الدول، وإنما هو الإنسان المسلم ذاته بسبب تمسكه بعقيدته وانتمائه، وأن هذا الإنسان المسلم هو الذي يحكم على الحكام والأحزاب والمنظمات بمقدار انتمائهم لهويته وقيمه ودينه وليس العكس، وقد تأكد لديهم بإن إضعاف الحركات والمنظمات الإسلامية، والحكومات المحافظة، لا يعني شيئا ما دام الإنسان المسلم متمسكا بهويته، وأن هذا الإنسان المسلم سيترك الأحزاب ويقاطع المؤسسات الرسمية التي تخون قيمه وينشئ لنفسه أطرا سياسية واجتماعية أخرى تواجه التوجهات الغربية ومن يحملها بعزيمة أكبر وضراوة أشد.

لقد علمت القوى العلمانية الرأسمالية  الاستعمارية، من خلال تجربتها الطويلة في أوربا بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين، بأن تغيير الإنسان والتحكم في إرادته وتشييئه يكون من خلال كسر كل المرجعيات التي تشكل ثقافته وشخصيته سوى المرجعية الحضارية الغربية المادية الرأسمالية العالمية التي صنعوها للإنسان ضمن سياق تاريخي خاص بهم، وكانت طريقهم إلى ذلك في بلدانهم تفكيك الأسرة واحتكار صياغة المنظومات التربوية والتحكم في الإعلام وتحييد الدين وإنهاء تأثيره.

وبعد خسارتهم في السيطرة الثقافية والحضارية على العالم الإسلامي رغم الاستعمار الطويل المدمر، وعجزهم عن الحسم في المواجهة السياسية الديمقراطية أمام القوى المتمسكة بالثوابت رغم طول مرحلة التزوير الانتخابي والانقلابات الدموية التي دعموها والاستئصال والتدجين الذي حققوه، وكذا بعد  فشلهم في المواجهة المجتمعية رغم الدعم العظيم الذي قدموه للاستبداد وللنخب والقوى العلمانية المعادية للانتماء الحضاري للأمة، علموا بأن برامجهم يجب أن تتجه لتغيير الإنسان ذاته، وأنه بدل  الاستعمار المباشر والاستنزاف الطويل في المواجهة السياسية والفكرية يجب أن يضغطوا على حكام الدول العربية والإسلامية لتغيير قوانين الأسرة، والمنظومات التربوية والدينية ومنعها من أي مساهمة لتشكيل الشخصية الإسلامية الواعية الملتزمة بقيمها، المقاومة للاستعمار والظلم والفساد وتكثيف بدل ذلك برامج التفاهة والإفساد عبر مختلف وسائل الإعلام ونشر المخدرات والحفلات الصاخبة والقدوات السيئة.

تعتبر  “اتفاقية سيداو للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة”، من أخطر الاتفاقيات التي تهدف إلى تفكيك الأسرة وبناء مجتمعات تتبع مرجعية واحدة هي المرجعية العلمانية الرأسمالية الاستعمارية، وكأنها دين عالمي مقدس جديد من صنع البشر. وصدق الله تعالى إذ يقول في سورة النساء: : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).

لقد واجهت هذه الاتفاقية مقاومة شديدة من العديد من الدول تحفظت على عدد من بنودها، ومنها كثير من دول العالم الإسلامي، ولكن تحت الابتزاز والضغط، وبالنظر لضعف بعض هذه الأنظمة واهتزاز شرعيتها، وعدم قدرتها على التحصن بشعوبها، وبسبب الصراعات البينية بينها،  بدأت تتراجع عن تحفظاتها.

والذي يهمنا في هذه الاتفاقية بعدها الفلسفي المناقض للتصور الإسلامي للأسرة ومكوناتها وللمرأة وعلاقتها بالرجل.

إن المظالم المسلطة على المرأة في العالم سببها الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاقتصادية والدولية التي خلقتها الفلسفة الليبيرالية الفردانية والنظام الرأسمالي التسلطي والحروب والأزمات التي أنشأها جشع الدول الاستعمارية، ولن تستطيع اتفاقية سيداو حماية المرأة بل ستزيدها بؤسا بسبب اتجاهاتها المخالفة للفطرة الإنسانية.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران: (( وليس الذكر كالأنثى))، وقد تنوعت تفاسير المفسرين في هذه العبارة منهم من عدّها من كلام امرأة عمران ومنهم من عدّها من كلام الله كالصابوني في صفوة التفاسير والشوكاني في الفتح القدير، وهي في كل الأحوال من كلام الله، ولكنهم كلهم يتفقون أنها تعني أن الذكر والأنثى مختلفان في الخلق والدور في الحياة، ولا يصح التفضيل بينهما إلا بذكر المجال التي تفضل فيه المرأة الرجل أو الرجل المرأة.

إن المرأة في الإسلام ليست أدنى قيمة من الرجل وليست أعلى منه، وليست مساوية له ولكنها تختلف عنه، وبسبب هذا الاختلاف يقع التكامل وتنشأ الحياة البشرية وتزدهر وتستمر، وما الدمار البنيوي الذي تعيشه البشرية تحت قيادة القوى المناهضة للفطرة وديانة السوق والاستعباد الاستهلاكي وعبادة المتعة إلا بسبب الاعتداء على هذا الاختلاف في النوع والأدوار.

لقد فسّر كثير من فلاسفة الغرب المعادين للتوجهات الفردانية الليبيرالية الرأسمالية أن تفتيت الأسرة الذي وقع في الغرب هدفه  السيطرة على الإنسان فكريا بكسر مرجعية العائلة بعد كسر مرجعية الأديان، وزيادة اليد العاملة وخفض أجور العمال  بإخراج كل النساء للعمل ورفع معدلات الضرائب والاستهلاك لصالح أقليات تتحكم في ثروة العالم.

أما إذا أردنا أن نركز على المادة التي رفعت الجزائر تحفظها عنها، فإن أبعادها هو الحماية التشريعية للمرأة لتسهيل خروجها من بيتها والسفر حيث شاءت والسكن كما أرادت بغير إذن والدها وزوجها. وهي الفقرة الرابعة من المادة 15 التي “تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم”، وهذا التوجه بهذا الإطلاق غير جائز في الإسلام. فالأسرة في الإسلام مؤسسة اجتماعية تخضع للقوانين المؤسسية لكل كيان بشري منظم، أي يكون لها رئيس أو مدير أو ولي ( بغض النظر عن التسميات) يتم مشاورته في القضايا الأساسية ومنها الغياب والحضور ، ولقدسية الأسرة وأهميتها في استقرار المجتمع جعل الله لها رئيسا أبديا مبدئيا وهو الرجل وفق قوله تعالى في سورة النساء: (( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) فالرجل هو القائم على شؤون الأسرة، وسبب القوامة إنما هو التفاضل بينهم في أشياء مختلفة منها ما يكون الرجل فيها هو الأفضل فيه، كالقدرة على الحماية والكسب والنسب والإنابة ومواجهة الأزمات الخارجية، ومنها ما تكون المرأة أفضل كالقدرة على احتضان الأبناء وقوة العاطفة والتحكم في تفاصيل البيت الداخلية وغير ذلك، بالإضافة إلى الإنفاق المتعين وجوبا على الرجل دون المرأة. ولا تكون القوامة في الإسلام حكما مطلقا تسلطيا للرجل على المرأة، وإنما التشاور بين الزوجين هو من الصفات المطلقة في حياة المسلمين كقوله تعالى في سورة الشورى : (( وأمرهم شورى بينهم)) والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة لبناء الأسرة على المودة والرحمة والاحترام والتعاون والتضامن، ليس المجال للتفصيل فيها.

ومع هذا الضبط في بناء الأسرة لم يغلق الإسلام أي مجال لارتقاء المرأة كالتعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وإنما يكون ذلك بالتشاور داخل العائلة كمؤسسة ترتقي بالنظام لا بالفوضى، وفرض  قوانين عامة وشاملة في تسيير شؤون الأسرة عابرة للثقافات هو ما ينشر الفوضى وينشئ الصراع داخل الأسرة.

لا يختلف علماء الأمة بأنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها إلا ما كان في إطار الضرورة أو ما هو متفق عليه ابتداء ، عبر ما يسمى بالإذن العام الذي يمنحه الرجل للمرأة فلا يحاسبها بعده على دخولها وخروجها، أو ما يُبرم في عقد الزواج كاشتراط المرأة على زوجها أن يسمح لها بالعمل أو مواصلة الدراسة أو نشاطها الاجتماعي، أو ما هو معمول به ومتوافق عليه عرفا فلا يحتاج إلى إذن.

إنه لا يوجد في بلادنا وفي أغلب البلاد الإسلامية أي مشكلة في خروج المرأة من بيتها في إطار تفاهم عام بين الزوجين، ولا يوجد في المجتمع حالات شكوى عامة عن منع الرجل لخروج المرأة من البيت في إطار المعقول، ولا يصح التشريع للحالات الشاذة.

إن الخوف من رفع تحفظ الجزائر على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية سيداو  أن يطبق رفع التحفظ لسن تشريعات تحمي الحالات الشاذة من تمرد المرأة على الرجل وتوسيع حالات “النشوز”. ولنا مثل من الأمثلة في ما يمكن أن يحدث الجدال الواسع الذي وقع حول ارتكاز الحكومة المغربية على رفع تحفظ المغرب على هذه الفقرة من اتفاقية سيداو لعدم اشتراط الدفتر العائلي للزوجين عند الحجز للإقامة في الفنادق، إذ كثير من الأصلاء رفض ذلك  بسبب ما يتبعه من انتشار وحماية للفسق والمجون وإحراج العائلات والشخصيات المحترمة في الفنادق.

إن هذا التحول الذي وقع لدى صاحب القرار في بلادنا يدفعنا إلى الحيطة والحذر من آثار ضغوطات الدول الاستعمارية على سلامة عائلاتنا ومجتمعنا، ولا بد للقوى الفاعلة في المجتمع المرتبطة بثوابتها أن تسترجع حيويتها الحضارية وأن تخرج من الحسابات السياسية الضيقة، فإن استمرار مطاوعة النظام السياسي وهو  يزداد ضعفا وخضوعا أمام القوى الاستعمارية الدولية سيقضي عليها قبل غيرها، إذ لا وجود لها في هذا البلد إلا بالمحافظة على قيم هذا البلد واستقلاليته وسيادته، إن الفتوى بحرمة اتباع اتفاقية سيداو  معلومة وإن عدم المقاومة سيؤدي إلى تشريعات وطنية أخطر  من شأنها أن  تهدد انسجام العائلة وتفكك المجتمع وتخلق إشكالات كبرى لم تكن موجودة.

د. عبد الرزاق مقري

لم تصبح الأخطاء والأزمات  التي يعرفها عالم التجارة في بلادنا، حالات عابرة متحملة، بل صارت حالات مزمنة دائمة، الخطأ يتلوه الخطأ، والأزمة تتلوها الأزمة، أزمة السيارات، أزمة الحافلات، أزمة قطع غيار السيارات، أزمة زيت المحركات، أزمة العجلات،  أزمة الموانئ، أزمة الرحلات الجوية ، أزمة المواد الطبية، أزمة مواد البناء، أزمة مواد الجراحة العامة وجراحة الأسنان، أزمة المواد الأولية للقطاع الصناعي والفلاحي،  أزمة الحليب، أزمة البطاطا، أزمة البقوليات،  أزمة المواد الطبية ….. وأزمة مستدامة وفوضى عارمة في الاستيراد.

وفي كثير من الأحيان تَصنع هذه الأزمات التي تنشئها السلطات أزمات في المجتمع ثم يحاول المسؤولون إلصاق الأسباب بالمواطنين الذين ضغطت عليهم تلك الأزمات وجعلت بعضهم يقع في المخالفات، وما كان عليهم أن يكونوا على تلك المخالفات لو كان البلد تحكمه الكفاءة والرشد والحكمة. 

فلو تحدثت مثلا عن أزمة الاستيراد أقول  في هذا المقال ما قلته  لمسؤول في الدولة حين كنت رئيسا لحركة حمس. بيّنت له بالحجج العلمية  بأن المنع الموسع للاستيراد لا تقول به أي قاعدة في علم الاقتصاد ولا تنتهجه أي دولة في تجارب الناس.

إن منع الاستيراد لا تنتهجه الدول إلا لوقت محدد في فروع قليلة من فروع الإنتاج من أجل ترقية صناعة منتج من المنتجات أو حماية محصول محدد من محاصيل القطاع الفلاحي، بل إن التوجه الأفضل من هذا المنع المحدود في الحكومات الأكثر رشدا، أنه لا يتم منع الاستيراد ولكن تقوم الدولة بحماية خطتها الإنتاجية بالحوافز التي تمنحها للإنتاج الوطني وبالرسوم التي تفرضها على المواد المستوردة المنافسة للمنتج الوطني المحدد.

إنه لا يعقل البتة أن يُمنع الاستيراد بشكل موسع لمواد صناعية وفلاحية وتكنولوجية وحتى خدمية  لا ينتجها البلد. إن الحاكم الذي يفعل هذا يحرص على استمرار حكمه وليس على استمرار الدولة، يحرص على نفسه ولا يحرص على البلد. إنه يفعل ذلك للمحافظة على الميزان التجاري بمعزل عن أي رؤية أو خطة اقتصادية، ليحافظ على السيولة النقدية وليس على الاقتصاد الحقيقي، ليحافظ على احتياطي الصرف حتى لا يقع في التوقف عن الدفع في فترة حكمه.. دون اكتراث حقيقي بالرؤى والخطط والعمليات الاقتصادية الجادة التي تضمن توازن الميزان التجاري وميزان المدفوعات على أساس تصدير الإنتاج الوطني من الصناعة والفلاحة والخدمات،  وليس بالاعتماد بنسبة عالية جدا على تصدير المحروقات، التي توفر سيولة نقدية بالعملة الصعبة تتأثر تأثرا كبيرا بتقلبات السوق الطاقوية. 

ولا يمكن أن تنطلي على متوسط الثقافة في المجال الاقتصادي أن المقصود من التوسع في منع الاستيراد  هو حماية البلد من المديونية. لا شك أن البلد المدين ضعيف، ولكن سبب الضعف ليس المديونية ولكن العجز عن دفع الديون، إذ الدول ذات الاقتصاد المنتج تتحمل هامشا من المديونية الداخلية أو الخارجية لتحريك الإنتاج وصناعة الثروة، فما الديون عندئذ إلا رأس مال من أجل الاستثمار ولصالح ميزانيات التجهيز ، كمثل ذاك التاجر الناجح الذي يستلف من أجل الربح ثم رد الديون من أرباحه. أما إن كانت المديونية من أجل ميزانية التسيير،  كدفع أجور العمال ونحوه، فتلك هي المديونية القاتلة المدمرة للسيادة التي ينتهجها الحكام الفاشلون الفاسدون.

إن المنع الموسع للاستيراد، في غياب السلع في الأسواق يصنع أزمات متتالية وآفات متعاظمة، وأول هذه الأزمات الندرة، والندرة هي أم الآفات الاقتصادية الأخرى. ومن ذلك التضخم وارتفاع الأسعار، إذ السلعة الناقصة المطلوبة في السوق يرتفع سعرها ويعجز أغلب المستهلكين بعد مدة عن اقتنائها، وإذا انتهجت السلطات سياسة طبع النقود المزمنة الرعناء  من أجل الاستهلاك  لا يصبح ثمة قيد يوقف التضخم حتى تصبح العملة بعد فترة لا قيمة لها. ومما تصنعه الندرة كذلك التهريب، إذ التجارة كلها مغامرة، فيستغل التجار الفرصة ويغامرون لتوفير السلع عبر  شبكات التهريب، فإن طال أمد منع الاستيراد دون تطور  إنتاج السلع الممنوعة يصبح التهريب قاعدة التعامل فتضطر السلطات للتعامل معها ومحاولة تقنينها، وللتهرب من الرقابة على بيع المنتوجات محظورة الاستيراد يتوسع القطاع الموازي وينتج عنه التهرب الجبائي.

ولتوفير السلع للزبائن أو لرفع قيمتها تتطور المضاربة وتتوسع. ومن آثار منع الاستيراد الموسع انتشار الفساد وتهيكله، إذا لا تهريب بدون فساد، ولا تهرب جبائي بدون فساد، ولا مضاربة بدون فساد،  وإذا تم انتهاج سياسة رخص الاستيراد ووضعها في يد جهة محددة، تعاظم الفساد وأدى إلى صناعة عصابات ومافيا داخل الدولة تصبح مع تعاظمها مدمرة للاقتصاد الوطني، ومفسدة للحياة السياسية والاجتماعية، ومهلكة للقيم والأخلاق.

وحين تكثر هذه الآفات وتتعاظم يُحصَّنُ فيها كبار الفاسدين والمهربين والمضاربين ممن يسيّرون أمورهم بعلاقاتهم وشراكاتهم مع الموظفين الكبار  في الدولة في المستويات العليا، أو ممن يشرون رجال الأمن والقضاء ومدراء المصالح وأجهزة الرقابة في المستويات الدنيا.

إن الفوضى التي تعيشها الجزائر في مجال التجارة صنعتها الدولة ولا ضحايا لها سوى المواطنين، ولإظهار نشاط المصالح المختصة أو لابتزاز التجار  الذين يعملون في البيئة السيئة التي صنعتها الدولة يتم بين الحين والحين ضرب بعض صغار المهربين والـمضاربين والمتهربين جبائيا، والمتورطين في الفساد الصغير.

لقد رأينا فعلا كيف أن أناسا محترمين حكم عليهم بأحكام غليظة جدا من أجل عمليات تجارية خاطئة لا تستحق تلك الأحكام، وما كان لها أن تكون لو لا الأزمة التي صنعها المسؤولون، ومن أجل تصرفات إنما جعلتها البيئة الفاسدة مدانة، ولو كنا في بيئة مفتوحة سليمة لكانت تصرفات عادية، وبعض هؤلاء الذين دمرت حياتهم أصحاب شهادات عليا ومقامات اجتماعية مرموقة لا يوجد في سجلهم أي مخالفة قانونية أو أخلاقية  تذكر، وإنما هم ضحية بيئة صنعها غياب الرشد في الحكم والقرارات الخاطئة في الحكم.

إن الأبداع الذي كان مطلوبا من الحكام هو النجاح في التنمية الاقتصادية وتحقيق اقتصاد منتج يوفر السلع والخدمات التي تستطيع أن تنافس منتجات الدول الأخرى، بل تقتحم أسواقهم، وليس عرقلة الإنتاج بمنع استيراد المواد التي تحتاجها الصناعة والفلاحة في بلادنا، وليس بإرهاق المواطن بالندرة وغلاء الأسعار بالتوسع في منع الاستيراد، وليس خلق الفوضى والتهريب والمضاربة والفساد، وليس بظلم التجار بوضعهم في حالة خسران مؤكد تضطرهم لمخالفة القواعد الخاطئة المفروضة.

 د. عبد الرزاق مقري

في كل مرة يجب أن تكون مشكلة في المطار تذكرنا بأننا على مسافة بعيدة من التطور والتحضر، وفي كل مرة أقول: “لِأصبر كغيري من المسافرين ولا داعي للتفاعل!” حتى لا يُقال بأننا نبحث عن السلبيات.

لم أكن في فترة شبابي أثناء أسفاري بهذا الهدوء. كنت دائما أحتجّ عن التأخر الطويل للرحلات، وعن تدهور الخدمات وسوء التعامل. اذكر أنني قدت مسيرة كبيرة للحجاج في مطار جدة، وكنت يومئذ نائباً في البرلمان، احتجاجا على تأخر عدة رحلات ليلا كاملا تم التخلي فيه عن الحجاج تخليا تاما، بلا أكل ولا ماء، ولا مكان للنوم، حتى أخذنا حقوقنا كلها. وفعلت ذات الشيء في رحلة عادية في مطار بدولة أجنبية أخرى، وكثيرا ما كان الناس يطلبون مني أن أتدخل، يحدث أحيانا أن يؤدي الاحتجاج إلى التلاسن مع المسؤولين في المطار أو الخطوط ولكن في  أغلب الأحيان تكون ردود الأفعال من المسؤولين جيدة، إذ أغلب الناس محترمون، ولكن فساد المنظومة هي التي تفسد الناس.

مع التقدم في السن، وبسبب حالة من السأم، وشيء من اليأس في أن تصلح أمور البلد، لم أصبح أتحمس للاحتجاج،  وأصبحت أوطّد نفسي على الصبر، لا سيما أنه لم تصبح لي أي مسؤولية نيابية أو رسمية أو حتى حزبية، فلم أصبح أشعر  بالمسؤولية تجاه غيري لما أراه  أثناء أسفاري، بالرغم من أنني أعلم في قرارة نفسي بأنه شعور شيء  وغير مقبول! ولكن الله غالب، الأمر أصبح هكذا.

ولكن في هذا اليوم بالذات حدث شيء لم أعهده حرّك فيّ الغضب وجعلني أحصي كل المظاهر الخائبة التي عشتها في المطار في نفس الرحلة.

أما الأمر الذي استفزني وأغضبني هذه الصبيحة في المطار فهو تكرار الإعلانات الصوتية بالفرنسية دون  العربية لمدة معتبرة، لم يكن هذا يحدث من قبل، أو ربما لم أكن أنتبه إليه، أو ربما حدث بسبب شخص ما على غير العادة، غضبت غضبا شديدا عن ضياع السيادة وهيبة البلد في مكان يرمز الى السيادة وهو المطار.

لا يتوقف امتعاضي من غلبة اللغة الفرنسية في شوارع عاصمة البلد على لافتات الأغلبية الساحقة من المحلات، وغياب مذهل للغة الوطنية في المحيط، دون أي اهتمام من السلطة الحاكمة ( التي لا تفهم معنى السيادة وهيبة الدولة إلا في الأمور الأمنية والتحكم في أنفاس أصحاب الرأي المخالف)، ولكن أن يكون هذا في المطار فهو لعمري أمر غير مقبول، ولو لوهلة من الزمن، وهذا دون الإشارة الى حصرية اللغة الفرنسية على لسان الموظفين في شركة الطيران الجزائرية حين يتحركون بين المسافرين ينبهونهم للتوجه للركوب وفي حديثهم مع المسافرين أثناء تقديم الطعام في الطائرة، وعن لافتات محلات المطار التي تشعرك وكأنك في فرنسا وليس الجزائر، وأسوء ما في الأمر هو تحول كثير من المسافرين إلى الحديث باللغة الفرنسية، لغة فرنسية رديئة جدا جدا!

أما عن العيوب الأخرى التي صبرت عليها مرات عديدة ولكن اذكرها اليوم بدافع ما أصابني من افتزاز بسبب قهر اللغة الفرنسية لمشاعري فمنها:

– الوقوف في طابور لم يتحرك أثناء التسجيل لأقول بلا مبالغة بأنني لم أتقدم لساعة كاملة بضع  سنتيمترات، وحين تكدس الناس في الطابور جاء أحدهم يوجّهنا إلى مكتب تسجيل آخر، وكان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك منذ البداية.

– وكإجراء اعتدت عليه، كان على الشرطي الذي يطبع الجواز أن يوقفني اكثر من المسافرين الآخرين ثم عليه أن يستشير ضابطا أعلى منه قبل الختم، لم يزعجني الانتظار فلم يكن طويلا، ولكن ما يزعجني في كل مرة هو إشعاري  وكأنني شخص خارج القانون دون جريرة اقترفتها طول حياتي بحمد الله، ولا يخفف عني هذا الشعور بالظلم سوى الأدب الجم الذي يتعامل به معي رجال الشرطة، خصوصا المسؤولون،  جزاهم الله خيرا، فالمشكلة ليست فيهم ولكن في المنظومة.

– وعند وصول وقت دخول الطائرة أخبرونا بأن الرحلة متأخرة لمدة ساعتين، وبعد الساعتين تأخرت ساعة أخرى، ويا ليتهم أعطوا المسافرين شيئا من الإكراميات والماء تطييبا لخواطرهم كما تفعل شركات الطيران في العالم حين يتسببون في التأخر.

– وحين يطول بك المقام فتقرر أن تتجه لأحد المقاهي من أجل فنجان قهوة تقابلك قارورات الخمر، فتبحث عن مقهى آخر لا يبيع الخمر، معتقدا بأنهم “ربما قد فكروا في الأقليات مثلنا ! فجعلوا لهم مكانا لشرب القهوة لا يباع فيه الخمر” فلا تجد، والغريب في الأمر هو أنني تأملت من بعيد هل هناك من يطلب الخمر من هذه الأماكن فلم يظهر لي أحد يفعل ذلك، مما جعلني أشعر بأنني ربما لست من الأقليات في المطار، والحمد لله، وسألت نفسي: حتى وإن تجاوزوا المحذور الشرعي في بلد مسلم، لماذا إذن يضعون قارورات الخمر، إنه لا يطلبها أحد!

– حين تزور أماكن الحاجة والوضوء تستغرب كيف يتدهور المكان بسرعة مقارنة بالمطارات الأخرى في العالم ولماذا لا يتم إصلاح ما يُكسر أو يتعطل بسرعة وإتقان، مع الاعتراف بأن التنظيف على قدم وساق والحمد لله.

– وعندما حان وقت الركوب غيّر الموظف تسجيل بطاقة الركوب رقم مقعدي بالقلم، فبعد أن تحركت لمكتب التسجيل ثلاث ساعات قبل الوقت لآخذ مكانا مناسبا في المقدمة حتى أتجنب الطابور عند الوصول إذا بالموظف يرجعني إلى آخر رقم في مؤخرة الطائرة، والحجة كانت أنهم غيروا الطائرة فتغيرت الأرقام، ولا أدري كيف لم يراعوا تسلسل التسجيل.

– ولا يفوتني أن أذكر بما هو معتاد كذلك وهو الانتظار الطويل عند تسلم الأمتعة في العودة وهو ما لا أراه في أغلب مطارات الدول الكثيرة التي زرتها بما جعلني أضيّق على نفسي فلا أحمل في أسفاري إلا حقيبة اليد حتى أتجنب الانتظار الطويل.

– بعد طول انتظار وفوضى تغيير أرقام المقاعد، خاصة أرقام العائلات، وبسبب التعب، وقلق الأطفال، وعدم تشغيل المكيف بدأ المسافرون يرفعون أصواتهم، وتكلمت امرأة حرة أشجع مني تقول: “اتكلموا يا ناس، لاه ساكتين!” فتكلمت امرأة أخرى: “عيطولنا للمسؤول نهدرو معاه” والغريب في الأمر أن كل من احتج نساء، كلهن نساء، لم يحتج أحد من الذكور. حاولت أن أكون رجلا حين غضب موظف الطائرة من تصاعد الاحتجاجات محذرا من تجاوز الحدود فقلت:” لا تغضب، انت بالذات عليك أن تصبر”، بمعنى اديت “زعما” دور “الرجل الحكيم” خلافا لغضب النسوة وتميزا عن سكوت الذكور.  

تمنيت لو بقيت هادئا مستسلما تاركا لحقي في المطالبة بالحقوق وتحسين الأوضاع كما هو حال أغلب الجزائريين، فلا أكتب هذا المقال ولا أحاول محاولة محتشمة تهدئة مضيف الطائرة، ولكن للأسف غلب استفزازي معنويا حالة السكوت المعتادة عن الحقوق المادية، فأرجو أن يسامحني من أزعجته بمقالي هذا! وأرجو أن يساهم هذا المقام في التحسين ولو شيئا قليلا … على كل حال هذا ما يجب أن يفعله التدافع منطقيا حين نكون أسوياء.

 

د. عبد الرزاق مقري

5 – الدولة الجزائرية قائمة بواجبها تجاه فلسطين: الحقيقة ومعيار الحكم
كثير من القاعدين عن القيام بواجبهم تجاه المأساة الجارية في غزة والعدوان العظيم على الضفة والقضية الفلسطينية كلها، يواجهون كل من يدعو إلى رفع سقوف الدعم في مختلف جوانبه، بأن الدولة الجزائرية قائمة بواجبها كاملا خلافا – في ظنهم – لكل دول العالم! وفي محاججتهم المزهوين بها هذه لا يجدون أكثر من موقفين للجزائر يتحدثون بهما وهما عدم وجود التطبيع في بلادنا، وبعض التصريحات السياسية، وخاصة مواقف ممثل الجزائر في مجلس الأمن في العضوية المؤقتة، ويضيف بعض المكتفين بالعمل الخيري أن السلطات الجزائرية متساهلة مع المساهمين في العمل الإغاثي والإنساني المتميز في بلادنا.
لا شك أن هذه المواقف مشرفة وهي في رصيدنا جميعا كجزائريين وأسأل الله أن يتقبل من كل جزائري صادق مخلص بذل جهده على هذه المسارات الثلاثة، وصمد في المحافظة عليها، غير أن ثلاثة أمور تنسف هذا الجهد وتجعله في المراتب الدنيا من مواقف وسياسات وأفعال الدعم والنصرة، وذلك ضمن معايير موضوعية نبيُّنها بعد ذكر الأمور الثلاثة.
أما الأمر الأول فهو أن الاكتفاء بعدم التورط في التطبيع وبالمواقف السياسية والدبلوماسية الجيدة وحرية العمل الخيري لصالح سكان غزة، التي هي تقاليد راسخة في الدولة والمجتمع بالجزائر ، لا يتناسب على الإطلاق مع حجم المأساة وعمق الكارثة وخطورة المصير الذي يهدد القضية الفلسطينية ومستقبل العالم العربي والإسلامي كله. فهل يكفي الزهو بهذه الأعذار الثلاثة للتنصل من مسؤولية الخذلان تجاه الإبادة الجماعية وصور الهياكل العظمية والموت بالمجاعة؟ هل نفعت تلك المواقف وذلك البذل، على أهميتها، في وقف العدوان وإدخال المساعدات ليُقال عن الدولة الجزائرية أنها أدت ما عليها ولا يُطلب منها أن تزيد أكثر من هذا، وأنه على النخب الجزائرية وكل الشعب الجزائري أن يستريحوا وأن ينعموا بحياتهم ولا يساهموا بأي شيء فاعل آخر؟ وهل تصُدّ تلك المواقف خطر تصفية القضية الفلسطينية إذا تم كسر المقاومة وتهجير الشعب الفلسطيني، ثم السيطرة الكاملة على كل العالم العربي بعدئذ لجعله تابعا ذليلا مستدام الضعف والتخلف وربما التقسيم بلدا بلدا؟
أما الأمر الثاني هو أن الجزائر ليست وحدها في العالم التي تتميز بتلك المساهمات الثلاث، فثمة دول عربية وإسلامية أخرى غير مطبعة مع الكيان منها تونس وموريتانيا وليبيا واليمن والكويت والعراق وسوريا ولبنان، دون أن أتحدث عن دول أخرى غير هذه تطبع في السر أو لها علاقات تجارية ورياضة وثقافية دون علاقات دبلوماسية. كما أن ثمة دول أخرى تتحدث بجرأة عظيمة ضد الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة وداخل بلدانها وفي مؤسساتها الرسمية والشعبية، وبعض هذه الدول غير مطبع، وبعضها الآخر مطبع، وبالإمكان أن نجمع تصريحات من هؤلاء أشد بكثير من تصريحات المسؤولين الجزائريين، بل إن تصريحات بعض هؤلاء المسؤولين الجزائريين كانت مخيبة تجعلنا نحذر كثيرا في إمكانية صمود الموقف الرسمي الجزائري مستقبلا بخصوص المقاومة والقضية الفلسطينية عموما، خصوصا حينما يقول أحدهم أنه إذا قبل الفلسطينيون أي حل يعرض عليهم يمكننا أن نطبع مع الكيان، والخوف ها هنا أن يكون المقصود بالشعب الفلسطيني هو محمود عباس المنكر للمقاومة المسلحة، خلافا لما كانت عليه الثورة التحريرية، ومنظمة التحرير التي لا تمت بصلة بالرسالة الثورية لجبهة وجيش التحرير الوطني إلى غاية التحرير الكامل وهزيمة فرنسا.
والأمر الثالث هو أن تاريخ الجزائر أعظم بكثير من هذه المواقف الثلاثة التي يزايد بها العاجزون أو المتخاذلون، فالجزائر لم تشكلها مخططات سايكس بيكو، أو تفاهمات بين الاستعمار ونخب صنعها على عينه، وهبها الاستقلال لتكون تابعة له. لقد افتك الجزائريون استقلالهم بثورة عظيمة من أعظم ثورات التحرير ضد الاستعمار في التاريخ وقدموا في سبيل ذلك مليون ونصف من الشهداء دون الحديث عن شهداء ما قبل الثورة النوفمبرية الذين يصل بهم عدد الشهداء إلى أكثر من سبع ملايين، كما أن الاحتلال الذي واجهوه كان احتلالا استيطانيا إحلاليا كالاحتلال الذي يواجهه أشقاؤنا الفلسطينيون، فلا يوجد في الأرض من يفهم الحالة الفلسطينية كالجزائريين. علاوة على أن ثورتنا نالت دعما سخيا عظيما من أشقائنا العرب، بالمال والسلاح والمظاهرات في كل العواصم، وبالسياسة والدبلوماسية والفن وغير ذلك، فلا يمكن لمجرد منع التطبيع والمواقف السياسية والتساهل مع جمع المساعدات أن تقف أمام التاريخ وطبيعة الدولة التي بناها الكفاح الثوري، أو أن تكافئ حجم المساعدات التي استفادت منها الثورة من الأشقاء. فلا يمكن البتة أن تقارَن الجزائر نفسها بغيرها من البلدان في حجم النصرة والدعم الذي عليها أن تقدمه، والذي به تحفظ تاريخها، وتميزها وكرامتها ومكانتها.
أما عن معايير مستوى النصرة والدعم التي نحكم بها على أنفسنا ونقارن بها موقف الجزائر بالنسبة لغيرها فهي خمسة معايير.
– المعيار الأول: وهو عدم وجود تطبيع مع الكيان، والجزائر موفّقة بفضل الله في التمثل بهذا المعيار، هي وعدد من الدول الأخرى على نحو ما ذكرنا أعلاه.
– المعيار الثاني: وهو المواقف السياسية والدبلوماسية الرسمية والجزائر كذلك موفقة في هذا الجانب. والذي ساعد في إظهار الموقف المنصب الرسمي المؤقت في مجلس الأمن، ولكن ثمة من يماثلها في قوة المواقف والتصريحات والبيانات وهناك من يتجاوزها بكثير كما قلنا.
– المعيار الثالث: المساهمة المجتمعية في النصرة والدعم، وما تتميز به الجزائر في هذا الجانب هو توفر هامش حرية جيد للدعم الإنساني الشعبي، مع أن هذا الدعم يتميز بالهشاشة المؤسسية بسبب الأوضاع القانونية الصعبة، بل المستحيلة في كثير من الأحيان، للمجتمع المدني وقد يتعرض الهامش المتاح إلى مضايقات مستقبلا لأسباب مزاجية أو حسابات سياسية أو أيديولوجية أو ضغط خارجي، ولا حافظ لدوامه سوى الله. وغير هذا لا يوجد شيء استثنائي منظم يذكر في المجتمع الجزائري، فالمسيرات ممنوعة رغم ما فيها من فوائد عظيمة في رفع معنويات أشقائنا في غزة وفي إظهار الموقف الصلب تجاه الاحتلال وحلفائه الأمريكيين والغربيين بما يجعلهم يفهمون بأن مصالحهم مهددة بسبب غضبة الشعوب، كما أن العمل المنظم لدعم القضية الفلسطينية في مختلف ملفاتها الأخرى يكاد يكون منعدما بسبب التكبيل التام للمجتمع المدني والعمل المنظم بشكل عام، ولا يعتد بالأنشطة الفردية في الوسائط الاجتماعية، ولا بالبيانات وبالاجتماع داخل القاعات بالعشرات أو بضع المئات من الناس التي تقوم بها بعض الأحزاب والمنظمات والتي لا يسمع بها لا الفلسطينيون المنكوبون ولا الصهاينة ولا القوى المتحالفة معها.
– المعيار الرابع: وهو الدعم المالي المباشر للفعل المقاوم أو الإنفاق المباشر وإقامة المؤسسات الخدمية لصالح أهل غزة، وهذا الأمر غير متوفر، فقبل الطوفان كانت الجزائر تسلم مساهمتها لعباس، ولا تزيد على ذلك. فرغم تشريف حركة حماس للجزائر بتسهيل نجاح ” إعلان الجزائر للم الشمل الفلسطيني” لم يُقدّم لها أي دعم مادي ولا أي مساعدة، سواء قبل الطوفان أو بعده، سوى بعض الزيارات التي لم ترق إلى الاحتفاء الرسمي في أعلى مستوى التي نالتها حركة فتح التي خرّب قادتها المبادرة الجزائرية ( باعتراف مسؤولين جزائريين)، وكأن الذي كان مقصودا من المبادرة هو الاعتراف بالشرعية الدولية الذي طُلب منها فحسب. كما لا نكاد نجد، على الصعيد الإنساني، مؤسسة قائمة في أي مجال من المجالات شيدتها الدولة الجزائرية في غزة، خلافا لمؤسسات كثيرة ( مستشفيات، مدارس، سكنات…) ظهرت باسم دولها، ولا يُعتد ببعض المنشآت البسيطة التي أقامها محسنون جزائريون عن طريق جمعيات خيرية بميزانيات محدودة إذا قورنت بمنشآت الدول. وبعد الطوفان لم تستفد غزة المقاوِمة وغزة المنكوبة من الجزائر الرسمية، وكان السبب أن الجزائر ملتزمة بالدعم عن طريق منظمة التحرير فقط وأن المساعدات الإغاثية الرسمية المباشرة ممنوعة من الدخول بسبب غلق معبر رفح، مع العلم بأنه لو كانت ثمة إرادة يحركها حجم المأساة وخطورة التحديات لوجد المسؤولون ألف طريقة للوصول، على شاكلة الطرق التي كانت تُستعمل أثناء ثورة التحرير الجزائرية.
– المعيار الخامس: وهو ما يتعلق بالدعم العسكري بالسلاح والتكنولوجيا والخبرات لصالح المقاومة، وهذا المجال كما هو معلوم لم تقدمه سوى ايران في وقت سابق وقد انتهى الآن ولم يخلفه الذين كانوا يلومون المقاومة عن علاقتها بإيران.
حسب هذه المعايير تجد الجزائر نفسها في المستويين الأولين وشيء من المستوى الثالث، ومن حق أي جزائري أن يفتخر بهذا المستوى، خصوصا عدم التطبيع مع الكيان الذي يعبر عن توجه عام أصيل للجزائريين في الدولة والمجتمع، مع ما يكتنف هذا الموقف من مخاطر تمثلها أقليات كامنة في الداخل وضغوطات أمريكية مستقبلا، حسب ما يقع من تطورات في غزة. ولكن ليس من حق أي جزائري، داخل السلطة أو في المجتمع، أن يحتج على أي جزائري آخر يطلب رفع مستوى المناصرة وفق كل المعايير المذكورة أعلاه وحسب ما يتطابق مع قيمة الجزائر الثورية.

د. عبد الرزاق مقري

3 – شبهة المزايدات:

هناك من لا يكتفي أن يكون متخاذلا بخصوص الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة، ومخططات تصفية القضية الفلسطينية كلها، بل يعمل على تخذيل الآخرين، فهو بمثابة تلك المرأة التي دخلت النار في قطة حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم. ومن أساليب هؤلاء أنهم يتهمون النشطاء في القضية الفلسطينية بسقوف عالية، بما يتناسب مع حجم المأساة بقدر استطاعتهم، بأنهم يزايدون على غيرهم بما يقومون به، بعضهم يتهمونهم بأن مزايداتهم سياسية حزبية، بعضهم يتهمونهم بالرياء والنوايا السيئة، وبعضهم يتهمونهم بأنهم يقصدون الإساءة لمن لا يقتنع بآرائهم ومن لا يعمل بعملهم. وهذه الاتهامات قديمة استعملها دوما الذين يعادون ثوابت الأمة باتهام المدافعين عنها بأنهم يحتكرون الإسلام ويستعملون الدين واللغة العربية للمزايدة السياسية والحزبية، ولإظهار أنفسهم بأنهم أفضل من الآخرين ولتغليط عوام الناس. وكان جوابنا المُسكت لضلالهم: “اعملوا انتم كذلك لصالح الثوابت حتى لا نحتكرها”. إن مقاصد هؤلاء المُخذّلين شتى، منهم من يعادي الثوابت ويحاربها ويريد أن لا يعمل أحد لها، ومنهم من لا يعاديها ولكن لا يلتزم بها وبالدفاع عنها، انحرافا أو عجزا أو خوفا ممن يعاديها، فينظر إلى من يعمل لها بأنه يكشفه حتى وإن كان هذا المجتهد لا يقصده البتة. وكذلك الشأن في القضية الفلسطينية، هناك من يحارب القضية الفلسطينية ومن يعادي المقاومة ومن يقودها فيحارب تبعا لذلك من يعمل لها بأساليب شتى منها الاتهام بالمزايدة، وهناك من يقصر في العمل للقضية الفلسطينية فيشكك في من يعمل لها، فإن تخلف في بذل المال لصالح القضية يشكك في من يجمع لها، وإن كان مقصرا في المقاطعة يشكك في جدواها، وإن كان مقصرا في المسيرات والوقفات أمام السفارات يشكك في أهميتها ويتهم من يقوم بها بالمزايدة. وهناك من يرغب في مناصرة القضية ولكن في الحدود السهلة المتاحة للجميع التي لا تحّمله التضحية بأي شيء، أو في إطار ما تقبل به السلطات الرسمية فقط، فإن أصرّ غيرهم على القيام بما لا يقومون به شككوا كذلك في عملهم واتهموهم بالمزايدة حتى وإن علموا في قرارة أنفسهم بأن تلك الأعمال نافعة جدا لفلسطين. لا يهمنا هنا الذين يبغضون القضية الفلسطينية والمقاومة وقادتها، من المدخليين الموالين لأنظمة الظلم والخيانة والعلمانيين المتطرفين الموالين للغرب، فهؤلاء الصراع معهم مبدئي، والصراع معهم يندرج ضمن صراع أهل الحق ضد باطلهم. ولكن الذي نوجّه لهم اللوم وندعوهم للتوبة والإنابة هم أؤلئك الذين يعلنون التزامهم بالعمل للقضية الفلسطينية ولكن يخذلّون العاملين ضمن السقوف التي لا يقدرون عليها، كالمسيرات والوقفات امام سفارات الأعداء والعملاء، فيتهمونهم بالمزايدة لا لشيء إلا للتغطية على عجزهم وكسلهم وأهوائهم وخوفهم وتقصيرهم، وتزداد حساسيتهم ويكثفون اتهام المجتهدين بالمزايدة حين يدعوهم هؤلاء إلى رفع سقف النضال من أجل القضية وركوب المخاطر من أجلها، كما يفعل أي داعية إلى الخير ضمن ما يراه خيرا، وكان يكفي أن يقول العاجزون عن المسيرات والوقفات أمام السفارات “لا نستطيع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، فالذي يحاسبهم حقا ليس الذي يدعوهم إلى الخير ولكن الله وحده هو الحسيب الرقيب الذي يعرف دون غيره مقدار الوسع وحدود الاستطاعة. كان يكفي هؤلاء أن يدعوا لمن يعمل بالمستويات العليا للاستطاعة في القضية، لعل الله يعذرهم، أو يفرحوا فقط بأعمال العاملين حتى يأخذوا معهم الأجر، ولا يتهموا الناس في النوايا التي لا يعلمها إلا الله العليم السميع البصير، كان عليهم أن يسكتوا فقط، حتى لا يأثموا!

د. عبد الرزاق مقري

4 – شبهة “السلاح أو لا شيء”:

لا شك أن القتال في سبيل الله هو ذروة الجهاد ، وبغيره لا يكون التحرير ، ولكن ليس هو وحده المطلوب، وحين يوجب ولا يكون متاحا لا يُعفى المؤمنون من العمل في غيره لذات المقصد، أو مما يدخل في الإعداد له. قبل أن تندلع الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954 كان ثمة نضال وطني وعمل إصلاحي علني لإعداد الإنسان لأكثر من ثلاثة عقود (الإنسان الذي كان قد طحن الاستعمار إرادته بعد فشل المقاومة الشعبية)، ثم إعداد سري للثورة من 1947 إلى 1954. وحين اندلعت الثورة النوفمبرية لم تقتصر على القتال بالسلاح، بل اعتمدت على جمع المال والاشتراكات، والمسيرات والمظاهرات، والعمل السياسي والدبلوماسي، والعمل الفني والغناء والمسرح، والرياضة، وغير ذلك. وذلك شأن كل الثورات ضد الاحتلال في تاريخ البشرية. إنه من حالات التخاذل الخطيرة التي بيّنها مالك بن نبي في مسيرة النهضة وبعث الحضارة الزيادة على الشيء من أجل تمييعه وإنهاء أثره. كالذي يدعوك إلى ما ليس بيدك لكي يصرفك عمّا تقدر عليه، أو كالذي يدعوك بالبدء بالنتيجة لكي يصرفك عمّا يُحقق النتيجة. ومن هؤلاء، أولئك الذين كلما دعوتهم لعمل شيء ما لصالح القضية الفلسطينية، كالمساعدات وجمع المال، أو المقاطعة، أو العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي، أو المسيرات والوقفات، يقول لك أن كل هذا مضيعة للوقت ولا حل مع الصهاينة إلا السلاح.

وفي العادة هؤلاء ضد القضية أصلا فيكون هدفهم التثبيط وتعظيم الحمل لكي تموت القضية، أو أنهم لا يعملون شيئا للقضية فيحاولون تسكين أوجاع ضمائرهم وإعاقة أي عمل بالزيادة غير الممكنة فيه للتغطية على قعودهم وعجزهم.ولو سألت هؤلاء كيف نوصل ما تقصدونه إلى غزة، في ظل الغلق الكامل من الصهاينة والدول العربية يعجزون عن الجواب، وإذا سئلوا هل لكم اقتراحات في ذلك لا يجيبون.وثمة من هؤلاء من إذ جد الجد في ما يَدعون إليه غيرَهم تخلّفوا، ويحق فيهم ما قاله الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: 246] وأتذكر حادثة طريفة قصّها لنا الإخوة من مدينة بجنوب البلاد وقعت في بداية الثمانينات مع أحد مؤسسي وقادة الحركة رحمه الله، من الجنوب ، بالغ أحد الشباب في لومه على عدم إرساله إلى الجهاد في أفغانستان فحاك له سيناريو وهميا لكي يتوقف عن المزايدة إذ أرسل إليه ليلا أحدا يقول له بأن الشيخ محفوظ وصله حرصُك على الجهاد وهو يريدك أن تصعد فورا الى العاصمة ليرسلوك إلى أفغانستان فاضطرب الرجل وأسقط في يده وقدم ألف عذر ثم لم يعد يزايد على أحد. وإني لأظن، من خلال معرفتي ببعض من يثبطون على العمل لفلسطين بدعوى “القتال أو لا شيء” أنهم مثل صاحبنا لو ابتلوا.

والله نسأله لنا ولهم العافية.

د. عبد الرزاق مقري

إن معرفة الحق واتباعه من أعظم الطاعات والعبادات والشرط الأساسي للنجاح في الحياة الدنيا والنجاة يوم القيامة. يقول الله تعالى في محكم تنزيله في سورة البقرة ((فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ- 213))، وفي سورة  يونس (( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى – 35)) وقوله عز وجل في سورة البقرة (( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون-42)).

ومن أعظم ما يدل على أهمية معرفة الحق في حياة المؤمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتضرع الى الله تعالى بأسمائه وصفاته لكي يدله عليه في أجلّ وأفضل أوقات استجابة الدعاء،  إذ كان يستفتح قيامه الليل بهذا الدعاء الذي ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- حينما سئلت: بأيِّ شيءٍ كان نبيُّ الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاتَه:اللَّهُمَّ رَبَّ جِبرائيلَ ومِيكائيلَ وإسرافيلَ، فاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشَّهادةِ، أنتَ تحكُمُ بينَ عِبادِك فيما كانوا فيه يَختلِفونَ، اهْدِني لِمَا اختُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإذنِكَ، إنَّك تَهْدي مَن تشاءُ إلى صِراطٍ مُستقيمٍ))

لقد كان النبي المجتبى يتوسل الى الله خاشعًا خاضعًا أن يريه الحق في ما اختلف فيه الناس وهو الذي رأى الغيب رأي العين، المعصوم المؤيد بالوحي وبحفظ الله وعونه وفق قول الله تعالى في سورة النجم: ((وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ (3) إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ( 4))

وإنما هذه السنة الفعلية  توجيهٌ لنا،  نحن المؤمنين العاديين، المبتلين بحتمية الاختلاف وفق قوله سبحانه في سورة  هود: (( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين٠ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ 118-119)) لكي لا نستصغر مسألة معرفة الحق واتباعه ونستخف بها، ولكي نجعل ذلك محورًا أساسيًا في حياتنا، نبذل قصارى جهدنا لتمحيص وجهات النظر وتبيين مختلف الآراء المختلف فيها، وتجلية ما خفي وما اكتنفه الغموض من القضايا التي تقابلنا في الحياة مما له أثر على ديننا ودنيانا، أفرادًا وجماعات، دون تحايل ولا تدليس ولا خِداع ولا كِبر ولا عجز ولا كسل، وبالتضرع إلى الله والتوجه إليه في الخلوات حيث تصفو وتصدق النفس ليرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وبغير أن يقتصر انحيازنا إلى الحق حين يكون في صالحنا فقط كما ذكر الله تعالى في شأن المنافقين في سورة النور: (( وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)  ))

لقد تأملت في النصوص الشرعية والأحكام والحِكم الهادية إلى سبل معرفة الحق، فوجدتها تتوزع على خمسة معالم  هي:

– الإخلاص لله تعالى وتقواه

– العلم بالأمر والمعرفة بمختلف جوانبه.

– الخبرة فيه وطول التجربة بخصوصه

– الشورى بحكمها خلق لازم وإجراء فاعل وصادق

– الافتقار إلى الله في معرفة الحق والدعاء والتضرع إليه سبحانه.

أولاً – الإخلاص إلى الله تعالى وخشيته سبحانه وتقواه، إذ الحق نعمة نفيسة يَتيهُ فيها خلق كثير لا َتعرف إلا أبواب القلوب السليمة، التواقة حقا لمعرفة الحق، المحبة له المتعلقة به ولو كان في ذلك خسارة تصيب أصحابها، فقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 282- )) أي بخشيته تعالى تنقدح أنوار العلم والمعارف والحكمة، وكقوله سبحانه في سورة الأنفال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا))، أي يهبه ميزانًا يعرف به الأمور على أوزانها الحقيقية، ونورًا يفرّق به بين الحق والباطل والحقّ والصواب. وقد وقف محمد رشيد رضا عند هذه الآية في تفسيره “المنار”  فقال: “جعل لكم بمقتضى هذه التقوى ملكة من العلم والحكمة تفرقون بها بين الحق والباطل ، وتفصلون بين الضار والنافع ، وتميّزون بين النّور والظّلمة ، وتزيلون بين الحجّة والشبهة . وقد روي عن بعض مفسري السلف تفسير الفرقان هنا بنور البصيرة الذي يفرّق بين الحق والباطل”

وفي السنة النبوية توجيهات كثيرة لما يمنحه تقوى الله من الحكمة والبصيرة ومن ذلك  الحديث القدسي العظيم الذي رواه البخاري عن أبي هريرة في ما حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه فقال: (( يقولُ اللهُ تعالى :مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ ولابدَّ له منه)). 

وفي مقابل ذلك لا شيء يعمي عن معرفة الحق كاتباع الهوى كما بين الله سبحانه وتعالى في صورة ص: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ – 26))، ومن أشد أنواع اتباع الهوى الكبر، الذي فسره رسول الله صلى عليه وسلم بأنه “بطر الحق” أي إنكاره وكفرانه،  و”غمط الناس” أي التعالي على الناس ومنعهم حقوقهم ومكانتهم، وذلك في الحديث الصحيح  الذي رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى عليه وسلم : (( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ)).

 وقبل ذلك وبعده،  فإن من أركان صلاتنا التضرع الى الله، في كل ركعة من صلوات الفرض والنافلة أن ندعو الله في قراءتنا سورة الفاتحة أن يعرفنا عز وجل  بالصراط المستقيم وأن لا نضل عن الحق، وأن لا نتعمد  الصّد عنه إن عرفناه، فينالنا غضب الله وإبعاده.

والإخلاص لله هو الإخلاص الذي ينجو به المرء عند الله تعالى،  ويوفق به في حياته الدنيا حيثما ذهب، ولكن ثمة إخلاص دون ذلك، كالإخلاص لأمة أو وطن أو عشيرة أو شركة أو مؤسسة أو منظمة أو حزب أو وظيفة أو فكرة مجردة أو نحو ذلك، فإنه كلما تجلى إخلاص المرء لأي منها، بعيدا عن المصالح الشخصية والأوهام المضلّة،  كانت معرفته مؤكدة للأنفع والأصح والأصلح لما  يعلن أنه مخلص له، وغير ذلك بريق سمعةٍ، وتدليسٌ وخداع.

يتبع ….

د. عبد الرزاق مقري

2 – شبهة الخوف من الانفلات الأمني:

هذه شبهة مردودة على أصحابها، فقد بقينا في الشارع لمدة عامين في الجزائر العاصمة وفي أغلب الولايات أثناء الحراك الشعبي ولم يحدث أي انفلات أمني، بل حتى حين خرج الحراك عن أهدافه الشعبية وتحول إلى ميدان صراع بين أجنحة داخل السلطة بقي هادئا، وقمنا بمسيرات عديدة غير مرخصة، ضد غزو العراق ولمناصرة القضية الفلسطينية وضد التزوير وضد استغلال الغاز الصخري، ولمقاطعة الانتخابات الرئاسية عام 20014، ومن أجل الانتقال الديمقراطي عدة مرات، وشارك في مختلف هذه المسيرات زعماء سياسيون كبار من مختلف التيارات والأحزاب، ومنهم الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في بعض منها،  وفي إحداها ضربنا بالعصي على مقربة منه، وحتى حينما كانت تكون المواجهة بين النشطاء والأجهزة الأمنية قوية ( كما في الصورة المرفقة التي يظهر فيها المتحدث والشيخ ابو جرة وعدد من قادة الحركة) لم يحدث في أي مرة انفلات بل تم التعامل من قبل جميع الأطراف بالمسؤولية وضبط النفس. كما أننا شاركنا كنواب في البرلمان في العهد السابقة بوقفات احتجاجية غير مرخصة أمام السفارة الأمريكية وأوصلنا رسالتنا لهم وكان لها تأثير جيد، سواء على مستوى التوعية الشعبية أو الرسالة التي وصلت للمعنيين، أو الأجر والرمزية وراحت الضمير التي كسبها النشطاء.

وفي كل هذه الفترات كانت الأوضاع الأمنية سيئة جدا، وكان الإرهاب لا يزال كائنا، وصراعات الأجنحة داخل السلطة على أشدها، والتحرشات الأجنبية أخطر من الوقت الحالي، في عهد زروال وفي عهد بوتفليقة.

فكيف يعقل أن تكون المسيرات البارحة، عند أغلب النخب،  مطلوبة وعمل مشرف لأصحابه، ولا تتعامل معها السلطات بحساسية مفرطة، وتصبح اليوم تحمل كل المخاطر وتتعامل معها السلطات كمعادلة صفرية يجرّم من يدعو لها ويشارك فيها، وتشكل له ملفات أمنية ويلاحق بعدها، وتبالغ بعض النخب المتزلفة للسلطة في إنكارها والتهوين منها أو التخويف بها.

والعجب كل العجب أن كل الأسباب التي خرجنا من أجلها للشارع نبين للعالم مواقفنا تجاهها لا تساوي في شيء الأوضاع المهولة التاريخية التي تحدث لأهلنا في غزة، وإنما الذي تغير أمران: تغوّل الاستبداد في العالم العربي وطأطأة أغلب النخب لرؤوسهم أمامه، خوفا أو طمعا،  ولكن هيهات أن يستمر الحال على ما هو عليه، فسيتشكل تيار شعبي يكسر السقوف المفروضة وتظهر أجيال قيادية جديدة ترفع رأسها للمعالي، وستَبِين أساليب متعددة لقهر الاستبداد وكسر غروره، وما رأيناه من بطولات رجال  أحرار  وشباب أبطال في سفن كسر الحصار وقافلة الصمود، وما نراه من عبقرية الشباب في غلق السفارات المصرية في العديد من دول العالم، وما نلحظه من إصرار أجيال جديدة في فرض إرادتها في الساحات  إلا شاهد على ذلك. ولن يكون غدا كاليوم وأمس أبدا.   

مقولة: “حين تكبر الأمور يكبر لها رجال ويصغر بها آخرون”.

 

د. عبد الرزاق مقري.

أولا – الرد على الشبهات:

1 – شبهة طلب الرخصة: هناك بعض الدول العربية تمنع مبدئيا أي عمل شعبي لصالح فلسطين، بل هناك من يمنع لبس الكوفية في الأماكن العمومية بشكل منهجي في بعض الدول، ووقع عندنا في الجزائر في بعض الأماكن العمومية، بل أصبح إدخال الأعلام الفلسطينية للملاعب ممنوعا، بل هناك في دول مشرقية من يمنع الدعاء لغزة، ومنع المسيرات يندرج ضمن هذه الحساسية الكبيرة تجاه تطورات الطوفان، أما عن طلب الرخصة، فقد قدمت بعض الأطراف طلبا للمسيرة الشعبية عهدنا ورُفض الطلب، ولا أريد ذكر هذه الأطراف لعدم الإحراج، وأنا شخصيا حين ألقي علي القبض بعد خروجي للشارع على اثر أول مجزرة مروعة في المستشفى المعمداني، لم يقدم إلي اللوم على عدم طلب الرخصة، بل ذكرت لي أسباب أمنية (سأتحدث عنها لاحقا) لرفض المسير في الشارع. ولو رجعنا إلى الدستور فإن المادة 52 تؤكد “أن حرية التعبير مضمونة، وأن حرية الاجتماع وحرية التظاهر السلمي مضمونتان، وتمارسان بمجرد التصريح بهما”. ولا شك أن سبب تأخر صياغة القانون الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق وفق نفس المادة الدستورية أن الصيغة اللغوية للمادة لا تسمح لهم بمنع المسيرات بمجرد التصريح إلا بقانون يناقض الدستور. مع أنه لا حرج لديهم أن يدوسوا على الدستور حسب ما كان يقوله الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله: “يكتبون الدساتير بأيديهم ويدوسون عليها بأرجلهم” فلو راعى المسؤول الدستور، في نصه وروحه، لأمكننا تنظيم المسيرات دون أي عناء ودون أن تحدث أي مشكلة. وفي كل الأحوال فإن نضالنا هذا من أجل تجسيد هذه المادة الدستورية نضال دستوري، سواء من أجل فلسطين أو من أجل مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا بد للنضال أن يحقق نتائج، ومن ذلك أن المسيرة الأخيرة التي أقيمت في الجزائر العاصمة والعديد من الولايات في 2023 بعد الطوفان تضامنا مع غزة التي سمحت بها ونظمتها السلطات عن طريق أحزابها كانت نتيجة الضغط الشديد الذي قام به النشطاء من قبل بخروجهم للشوارع دون رخصة، وبكل تأكيد سيؤدي الضغط الجديد أمام مآسي التجويع التي يعيشها أهلنا إلى تحرك السلطات، عن طريق بعض أدواتها الحزبية والمجتمعية، لتنظيم مسيرة. وإن تحقق ذلك فهو خير، لصالح أهلنا الغزيين ولشرف الجزائريين، حتى وإن نسب هؤلاء المسخّرين الفضل لأنفسهم، فإن الله المصدر يعرفه الله تعالى ثم الشعب الجزائري، المهم أن يستمر النضال السلمي بالاعتماد على المادة 52 من الدستور.

 

د. عبد الرزاق مقري

تعرّف الرأي العام بشكل أوسع على مروان بن قطاية بمناسبة دوره الريادي في قافلة الصمود، وكرئيس لمؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي. غير أن مروان لم تصنعه قافلة الصمود، ولم يكن منتَجا حصريا لمؤسسة جيل الترجيح ( واسمها الأصلي أكاديمية جيل الترجيح)، وإنما كانت القافلة تكريما له من الله تعالى على انخراطه الصادق الشجاع في القضية، نصرة لأهلنا في “غ” ضمن تطورات ” ط أ”، كما أن مؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي إنما كانت محطة أساسية في حياته ضمن مسار طويل في التربية والتأهيل والتكوين، وجد فيها ما يُمثّل أفكاره التي نشأ بها، وطموحاته في إصلاح الوطن التي شبّ عليها، وتطلعاته للعمل من أجل الاستنهاض الحضاري للأمة التي رغب فيها، وللتميز في الحياة في مختلف المجالات الذي كان صورة له.

ولد مروان بن قطاية في بلدية العطف ولاية غرداية في أسرة محافظة من والدَين صالحين كانت تربية الأولاد وتنشئتهم على الدين والأخلاق هي مبلغ علمهما، فحفظ القرآن صغيرا في القرية، وكانت بوابة دخوله العمل الدعوي هي تربية الوالدين وحفظ كتاب الله الكريم، ثم تواصل بناؤه التربوي ودخل العمل الميداني النضالي منذ صغره في الكشافة الإسلامية الجزائرية،  فكانت الكشافة هي مدرسته الجماعية الأولى للتكوين على الانضباط والجندية والروح الوطنية والمسؤولية الجماعة والفاعلية الميدانية، وتطور فيها حتى صار قائدا كشفيا محترما ومبجلا، وفي المرحلة الثانوية التحق بحركة مجتمع السلم  فاستفاد من أسرها التربوية معالم المنهج الدعوي والوعي الإسلامي وأشواق الالتزام بالعبادات والانضباط الأخلاقي والتطلع إلى العودة الحضارية للأمة، مع المحافظة الدائمة على التفوق الدراسي والحرص المستمر على رضا الوالدين والعطف على الأشقاء إذ كان هو بكر العائلة. وحين دخل الجامعة فُتحت له أبواب النضال في مختلف المجالات على مصراعيها، فكان من مؤسسي فرع الاتحاد العام الطلابي الحر في جامعة غرداية، ولتميزه لم يلبث طويلا ليكون رئيس الفرع طيلة حياته الجامعية، فصُقلت في الجامعة بواكير شخصيته القيادية المتكاملة، فكريا ودعويا وتربويا واجتماعيا وثقافيا.

ولأن مروان من الشباب الذين يمنعهم الطموح من الراحة والسكون، ولا يرضون بالرقي دون المعالي، توسعت اهتماماته خارج العائلة والمسجد والجامعة، فاهتم بالمجال الفني عبر تأسيسه فرقة الضياء الإنشادية التي برزت فيها موهبته الإنشادية وصوته الشجي الذي لازلنا نتمتع به إلى الآن، خصوصا حين يقرأ القرآن وهو يؤمنا في الصلاة،  وكان عبر تلك الجمعية سببا لاكتشاف مواهب شبابية فنية أخرى، كما اهتم بالرياضة في سن مبكرة وكانت هوايته الفنون القتالية، وبالتحديد رياضة “الكونغفو”، التي واصل مساره فيها إلى أن وصل بعد عشر سنوات إلى الحصول على الحزام الأسود.

وحين أوصله القدر إلى مؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي وجد فيها ضالته وما يعبر عن رؤيته، ووجدَته هي نعم القائد الجاهز الذي يجب صقل شخصيته وترقية مدركاته وتوسيع مداركه وعلاقاته، وفتح الفرص له بلا حدود، كما هو حال الرشد في التأهيل الذي يتمسك  بالطاقات والمواهب ويصبر عليها ولا يبذرها. وكان منهج الأكاديمية ذاك ما يناسب مساره ويُكمل دربه ويقوّم أخطاءه ويُفجّر طاقاته ويُستفاد من كفاءته، وذلك من خلال منهجها الذي يؤهل القادة وفق قواعد “الشمول والتوازن”، والتعميم والتركيز”، و”القيادة العامة والقيادة المتخصصة”و “شيء عن كل شيء وكل شيء عن شيء”، عبر الأفواج على المستوى الأفقي لتركيز التربية والتكوين والتأهيل، ومشاريع الفاعلية على المستوى العمودي في فرق العمل لاكتشاف المواهب وصقلها.

التحق مروان بن قطاية بالأكاديمية في دفعتها الأولى بغرداية، ومن هناك صار عضوا في قسم السلوك، ومن قسم السلوك أسس مع نظرائه المتميزين، خصوصا في مجال القرآن الكريم والتربية السلوكية، مشروع النهضة بالقرآن، مكلفا بقسم المشايخ بالإدارة الوطنية.   

لم يأت مروان بن قطاية إلى رئاسة الأكاديمية كمظلّيٍ مُقحَمٍ من الأعلى، بل تدرّج فيها من مرتبة إلى مرتبة، إذ بعد نجاح مشروع النهضة بالقرآن واستقلاله بنفسه، بحمد الله، في فضاء المجتمع الفسيح، أصبح مروان رئيس قسم الحملات في قسم الفاعلية، ثم رئيسا للقسم، في المكتب التنفيذي للأكاديمية ثم مديرا تنفيذيا، ثم صار بشكل منطقي رئيسا للمؤسسة حين احتاجت المؤسسة أن يكون أحد أبنائها من يقودها.

لقد تابعتُ مروان من بعيد وهو يمارس القيادة في منظمة مترامية الأطراف تتوزع أفواجها في كل أنحاء الوطن، فرأيت فيه كثيرا من الصفات القيادية النادرة التي تحتاجها المنظمات والأحزاب والبلدان والدول والأمم لكي تصنع نهضتها، سواء على مستوى الالتزام الشرعي والأخلاقي وابتعاده عن الشبهات وانضباطه في العبادات، أو من حيث الصفات الشخصية القيادية كالشجاعة ورباطة الجأش والصدق والوفاء والكرم والمروءة والمصداقية، وأخرى لا أجد لها سوى عبارة بالعامية هي “الرُّجْلة”، أو من حيث الصفات المهارية القيادية، كالرؤية والخطابة والبيان والقدرة على الإقناع والقدرة على ربط العلاقات العامة، أو على مستوى العلاقات الاجتماعية، سواء حسن رعايته لوالدته وأشقائه وشقيقاته بعد وفاة والده، وخيريته لأهله، أو حرصه على صلة أرحامه، وإكرام السابقين في غرداية ومن لهم فضل عليه في تنشئته، بذكره  الحسن الدائم لهم وإقراره بجميلهم، خصوصا الأستاذ عز الدين قادري رئيس مجلس الشورى الولائي الذي كان سبب التحاقه بالحركة، واهتمامه بمن هو مسؤول عليهم في الأكاديمية، ووفاؤه النموذجي  للكشافة والاتحاد ولأكاديمة جيل الترجيح ولكل من كان لهم فضل عليه في ما وصل إليه . 

لا شك أن مؤسسة جيل الترجيح كانت هي العتبة التي اعتلاها مروان للوصول إلى المسؤوليات العليا في حركة مجتمع السلم، كما هو حال أغلب الشباب الذين هم حول رئيس حركة حمس حاليا، القائمين بشؤونه في الديوان والإعلام والمقر وغير ذلك، ولكن وصوله إلى المسؤولية في المكتب الوطني لم يأت من علٍ، بل صعد صعودا متدرجا ابتداء من عضويته في المكتب البلدي للحركة في غرداية، إلى عضوية الأمانة الولائية للشباب والطلبة، إلى عضوية مجلس الشورى الوطني، إلى عضوية الأمانة الوطنية للشباب، إلى عضوية مجلس المؤسسات، إلى عضوية المجلس الاستشاري للشباب، إلى عضوية لجنة تحضير المؤتمر.

لا يمكن لقائد متميز، صاحب رؤية وخبرة وصادق اللهجة في الدفاع عن رأيه، أن لا يصل العالمية في مساره النضالي، فها هو مروان بن قطاية يتحول إلى رمز دولي يشترك في تأسيس “ملتقى شباب العالم الإسلامي” ويكون أحد قادته المقدّرين بين أعضائه من كل أنحاء العالم، ثم يتم اختياره في ظروف صعبة ليكون عضو المكتب التنفيذي الدولي بالاتحاد الإسلامي الدولي للمنظمات الطلابية والشبابية (الإيفسو)، ويشهد له أقرانه بقدرته على التشبيك وربط الشباب عالميا بروح الرسالة والوحدة والعمل.

وحين اعتقد العديدون بأنه تلقى ضربة كبيرة في مسيرته القيادية رفعه الله من حيث لا يحتسب بأقدس قضية في الأمة وهي القضية الفلسطينية، أعطاها بشجاعة وصدق في تعامله مع طوفان الأقصى فأعطته من الرفعة ما لم يكن في باله بقيادته قافلة الصمود. لقد كان مروان بن قطاية من الذين اجتهدوا من أجل النجاح في امتحان طوفان الأقصى، أحسبه كذلك والله حسيبه وحسيبنا، إذ حرص أن يكون في المكان الصحيح من التاريخ ضمن سننية الطوفان، فلم يتوان في بذل الجهد المسموح والممنوع لنصرة أهلنا في غزة، فأوذي في سبيل ذلك إيذاء شديدا وظن من عاقبه بأنه عاقبه بأشد العقاب، على “تعنته” وإصراره في القيام بالواجب وتميزه على الآخرين، فلم يُحبط ولم يكسر، ولما جاءت فرصة قافلة الصمود بادر إلى تشريف الجزائر وتكريمها بالحضور، ضمن ظروف صعبة وإعراض بئيس ومخاطر جمة، فنظّم وأطّر وعبّأ وأنفق، والتقى في العمل مع شيخ فاضل وقائد كريم، يحيى ساري، فكانت المشاركة الجزائرية تحت قيادتيهما، المنطلقة من مقر مؤسسة جيل الترجيح والعائدة إليها، تاريخية رائدة رغم قلة العدد بالنسبة لعدد الليبيين والتونسيين، وصار مروان هو نجم القافلة كلها، وسمعت من التونسيين والليبيين، ثم من الفلسطينيين، حديثا عن مروان جعلني أعتز بجزائريتي، وبحركتي، وبمؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي …

إنني أستطيع أن أقول بلا مجازفة بأن مروان بألف شاب، على نحو وصف عمر بن الخطاب لبعض صحابة رسول الله صلى عليه وسلم، وهو من الرواحل الذين لا تكاد تجد مثلهم في المائة على نحو ما ذكره رسول الله صلى الله عليه في الحديث،  وإني لأرى لهذا الشاب، الذي وهو في الثلاثينيات من عمره كأنه في الأربعينيات، مستقبلا قياديا زاهرا بحول الله، بأي حال من الأحوال، إذ أمامه فسحة طويلة من الزمن أسأل الله أن يطيل عمره ويصلح عمله. سيكون له حقا شأن كبير، بإذن الله سبحانه ومشيئته، نسأله تعالى لنا وله حسن الخاتمة.

إن الشهادة التي أشهدها في مروان بن قطاية أشهدها لوجه الله، لأنه يستحق ذلك، وكل ما قلته فيه صادق، ولا أزكي على الله أحدا، وقد حرصت على الشهادة في هذا الوقت بالذات وقوفا معه في وقت الشدة، كما يقف الرجال مع الرجال، ولفضله الكبير على الأكاديمية ومكانته فيها، ولوفائه الرجولي، وخصوصا لموقفه المشرف تجاه القضية الفلسطينية. ولم أقف هذا الموقف لأن مروان أقرب الشباب إلي، فعلاقتي اليومية الشخصية بغيره من بعض الشباب أكثر، وهو لم يكن لطيفا معي في كل الأحوال قبل أن يعرفني عن قرب إذ أساء إلي  ( رغم موقعه المتقدم آنذاك في الأكاديمية ) مع عدد من الطلبة بمناسبة مؤتمر من مؤتمرات الاتحاد قبل أن ينتبهوا إلى حجم خطئهم وتسميم معلوماتهم،  كما أن موقفي من مروان ليس  موقفا طارئا في حياتي، فأنا لا أتمالك نفسي أبدا حين أشهد الظلم ولو في الطريق، حتى لا أبالي في رد الفعل على الظلم بالمآل أحيانا، وفي الحركة وقفت مع الشيخ محفوظ نحناح أمام الملايين في حصة ملتقى الاتجاهات بالتلفزيون الجزائري ومسحت الأرض بمن ظلمه عام 1999، وكان رحمه الله كريما شهما، في قمة الوفاء، إذ رد الإحسان بالإحسان وغمرني بجميل صنعه منذ تلك الحادثة ( دافع عني برجولة ومروءة في وجه الجنرالات والمسؤولين الذين أرادوا الإساءة إلي بسبب دفاعي عنه وقد شهدت ذلك بنفسي، وعرض عليّ الوزارة بعد الانتخابات، وحين رفضت قبِل من قدّمتُه له بدلي، وبقي يدافع عني حتى في وجه من يؤذونني بسبب نقدي له، ويذكرني بخير ويرفع مقامي حتى توفاه الله رحمه الله)، ووقفت مع الشيخ بوجرة علانية حين استهدف في شخصه أثناء الاضطرابات الداخلية وعندما أساء له بوتفليقة وآذاه أويحي، ووقفت مع الرئيس الحالي للحركة قبل أن يتمكّن في منصبه بعد المؤتمر، ودافعت عن مسؤولين في الحركة مركزيا ومحليا حين ظُلموا وزُبروا من القوائم الانتخابية.

أنا أؤمن بمروان بن قطاية، وهو فرصة كبيرة للحركة والوطن والأمة والقضية الفلسطينية وأدافع عنه دون أن أنتظر منه شيئا ولا يهمني هل سيكون وفيا كريما مثل الشيخ محفوظ نحناح أم أنه سينسى المعروف أو ينقلب عليه، فالله أعز وأكرم. والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. عبد الرزاق مقري

الفصل الخامس: التحليل والخلاصات

هذا الفصل لم يكن ضمن البحث الذي تم تقديمه في ملتقى الشيخ محفوظ رحمه الله في إسطنبول عام 2022  في ذكرى وفاته التاسعة عشرة، ولكنه أضيف قبل الطباعة والنشر في عام 2025  في الذكرى الثانية والعشرين لوفاته رحمه الله لمزيد من الفائدة، وهذه الإضافة هي اختصار للمعلومات التاريخية الواردة في البحث، التي لا تتغير، مع تحليل للمعطيات من زاوية نظر جديدة بعد نهاية عهدتي في هياكل الحركة، وهي أضافة معروضة للنقاش والإثراء.   

حاولت في هذا البحث أن أقترب من فهم علاقة المصلحة الوطنية بالمصلحة الحزبية، مستصحبا تجربة الشيخ محفوظ نحناح وحركة مجتمع السلم بهذا الصدد. 

ألزمني المطلب العلمي أن أضع أولا إطارا تعريفيا لمعنى الحزب والمصلحة الحزبية، ومعنى المصلحة الوطنية وسياقاتها الفكرية والفلسفية. 

فتطرقت إلى مفهوم الحزب في السياق القرآني، وكيف أنه يتناول عبارة الحزب في سياق سلبي كقوله تعالى في سورة المجادلة: (( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ـ 19)) وفي سياق إيجابي كقوله سبحانه في سورة المجادلة: (( أؤلئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون ـ 22))، ثم شرحت أن الحزب هو تنظيم بشري يتحزب فيه أفراده ليقوّي بعضهم بعضا وليتعاونوا على غاية ما، فيكون الحزب صالحا إذا كانت الغاية صالحة، ويكون فاسدا إذا كانت الغاية فاسدة. 

ولا نجد في تراثنا الإسلامي تأصيلا لمفهوم الحزب والتحزب أفضل مما ورد في مجموع فتاوى ابن تيمية (11/92)، فقد بين بكلام شاف كاف بأن الحزب وسيلة لفعل الخير ، ولكن لا يكون أبدا هو الشاهد على الحق أو القائم على الباطل لمجرد وجوده، فالحق يبقى حقا  وهو الشاهد على الحزب والباطل يبقى باطلا بمعزل عن الحزب، ولا تكون موالاة المتحزبين لبعضهم بعضا بالحق والباطل مراعاة للحزب، ولكن يحكم علاقاتهم مراعاة الحق والباطل،  فإن كان الحب والبغض في الحزب وليس في الحق أو الباطل فإن في ذلك انحراف بيّن عن الشريعة الإسلامية. 

ويحسن بنا مراجعة النص كما ورد في الفتاوى، يقول ابن تيمية: (أما لفظ (الزعيم) ؛ فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: {وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعيرٍ وأنا بِهِ زَعيمٌ} ، فمن تكفل بأمر طائفة، فإنه يقال: هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على ذلك، وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك. وأما ((رأس الحزب))، فإنه رأس الطائفة التى تتحزب، أي: تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل ، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان)

بعد ذلك عملنا على تعريف الحزب في المنظمات الدولية والقوانين الحكومية، وتبيين الأسس التي يقوم عليها الحزب، بما يميزه عن غيره من الأحزاب، من حيث الرؤية والبرامج والهياكل والحاضنة الاجتماعية، والوسائل التي يستعملها، والأدوار التي يقوم بها حين يكون في السلطة لخدمة المواطنين من خلال البرامج الحكومية، وأدواره حين يكون في المعارضة للتعبير عن أشواق ورغبات الشعب ومراقبة الشأن العام والضغط على السلطات للاستجابة لمطالبه. 

وبيّنا أوجه الاعتداء على الحزب، في وجوده وحقوقه المختلفة، وحقوق أعضائه،  وأساليب التضييق عليه بما يفقد مصالحه الحزبية فيؤثر ذلك عن المصلحة الوطنية. 

وفي تحديد مفهوم المصلحة الوطنية – ضمن الإطار التعريفي –  اتضح  أن هذا المصطلح لا معنى له في الدول الديمقراطية حين يتعلق بالنقاش السياسي الداخلي إذ لا يوجد فيها مجالٌ يُمنع بخصوصه النقاش السياسي، ولا سقفٌ لمعارضة السلطات الحاكمة، ولا حصانة من النقد لأي مؤسسة سيادية أو حاكم ولو كان رأس الدولة، سوى ما يتعلق أحيانا ببعض الإجراءات التي تُتخذ في ظروف أمنية استثنائية، أو في زمن الحروب،  ضمن ما يسمى ب”la raison d’état” التي تُترجم ب”المصلحة العليا للدولة” أو “مبررات الدولة” وهي إجراءات تتعلق أكثر بالسياسة الخارجية ونادرا ما تُتداول في الدول الديمقراطية في نقاش السياسات الداخلية. 

إنما تستعمل كلمة المصلحة الوطنية في النقاش الداخلي بشكل مبالغ فيه في البلاد غير الديمقراطية، وخصوصا الدول العربية، لتحصين النظام السياسي ورموزه وليس الدولة والبلد، في مواجهة نقد المعارضة، وإرباك هذه الأخيرة وتعقيدها. 

فهي عبارة استُعملت منذ نشأتها في عصر النهضة في أوربا في الإطار الخارجي في مواجهة الدول الأخرى، وتطورت من خلال كتابات العديد من الفلاسفة الغربيين الذين أسّسوا للمذهب الواقعي أمثال ميكيافيلي، وتوماس هوبس، وهانس مورغانتو وغيرهم. وقد اعتمد الملوك والأمراء الأوربيون هذا الاتجاه للتحلل من الأبعاد الدينية والأخلاقية في العلاقات الدولية، في الحروب بينهم وأثناء حركة الاستعمار وشن الحروب على الأمم الأخرى، كما استُعمل مفهوم ” المصلحة الوطنية” لتجاوز حدود المذاهب والاتجاهات الدينية المسيحية ابتداء من رئيس الوزراء الفرنسي أرمان دي ريشليو الكاثوليكي الذي تحالف مع بريطانيا البروتستانتية ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة الكاثوليكية في حروب الثلاثين سنة في القرن السادس عشر. ثم أصبح “المذهب الواقعي”  هو المذهب المهيمن والسائد في السياسة الخارجية الغربية، خصوصا في الولايات الأمريكية المتحدة، وخلت السياسة الدولية عن أي بعد أخلاقي بذلك في الزمن الراهن.

وفي الفصل الثاني المتعلق بالعلاقة بين المصلحة الشرعية والمصلحة الوطنية بيّن البحث أنه لا يجب ترك تحديد المصلحة الوطنية لأهواء الحكام ومصالحهم الشخصية، وإنما تُحدد المصلحة الوطنية بأمرين اثنين أولهما هدي الشريعة الإسلامية وما فيها من كنوز في دراسات “المصلحة الشرعية”، وثانيها بالتشاور والاتفاق الجماعي. 

أما “المصلحة الشرعية” فقد كتب فيها علماء الأمة، بشمول ودقة، أكثر بكثير مما كتبه الفلاسفة الغربيون في تحديد مفهوم “المصلحة العامة” منذ وقت مبكر في تاريخ التشريع الإسلامي إلى يومنا هذا. 

فقد اتفق علماء الأمة، كالغزالي وابن تيمية وابن قيم وغيرهم على أن ” مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكليفها، وتقليل المفاسد وتقليلها”  

وقسّموا المصلحة في الشريعة الإسلامية عدة أقسام للموازنة بينها وترجيح بعضها على بعض، ومن ذلك تقسيم المصلحة من حيث اعتبار الشرع إلى مصلحة معتبرة شرعا ومصلحة ملغاة شرعا، ومصلحة مرسلة لا معتبرة ولا ملغاة، يُنظر إليها بمدى تحقيق مقصود الشارع، ومن حيث قوتها وأهميتها، وفق ما عرّفها الشاطبي،  إلى مصلحة ضرورية “لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، أو مصلحة حاجية “تحتاجها الأمة لانتظام أمورها على وجه أحسن للتوسعة ورفع الضيق، أو مصلحة تحسينية من قبيل التحسين والتزيين وهي ما كان بها كمال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر في مرمى بقية الأمم، ومن حيث الشمول إلى مصلحة عامة تتعلق بجماعات في الأمة، كمصلحة فئة معينة أو أصحاب حرفة ما، أو مصلحة خاصة لشخص بعينه، كما يضيفه الطاهر بن عاشور في تعريفاته.

أما عن التشاور والاتفاق، فهو ما حددته الديمقراطية العصرية عبر مفهوم “العقد الاجتماعي” الذي يحدد الواجبات والعلاقة بين الحاكم والمحكوم و”دولة القانون” التي يشرع فيها ممثلو الشعب، المنتخبون بحرية ونزاهة، ويعيش فيها الناس تحت سلطة القانون، حاكمهم ومحكومهم. 

وقد شدد الشيخ محفوظ نحناح على ذلك كثيرا حينما رأى التعسف الكبير الذي أبانت عليه السلطات الجزائرية في استعمال عبارة ” المصلحة الوطنية” فأطلق عبارة ” المصلحة الوطنية المتفق عليها”، مؤكدا بأن لا التزام بين الحاكم والمحكوم إلا بالمصلحة الوطنية المتفق عليها.

ثم انتهى البحث في هذا المحور إلى وضع معايير أساسية لتحديد “المصلحة الوطنية”  فذكر ، من جهة، ما يدخل فيها ولا يصح الاختلاف بشأنه، كالقضايا التي تتعلق بهوية البلد وثقافته، وبمصالحه الاقتصادية ذات النفع العام على البلاد والعباد، وما يتصل بأمن البلد وأمن السكان، وبالاستقرار الاجتماعي ووحدة البلد،  وما يضمن كرامة الإنسان وحريته وحقوقه الأساسية، وما يحمي الدولة و يحقق سلامة مؤسساتها، وما يمنع الفساد وكل أنواع الضرر والغش ومصادرة الإرادة الشعبية، وما يتعلق بصيانة السيادة الوطنية ومنع الخيانة والتبعية. وبيّن، من جهة أخرى، ما لا يدخل في المصلحة الوطنية، مما يُتحمل الاختلاف بشأنه، كالسياسات والقرارات والقوانين والبرامج الحكومية، وشخصية الحاكم وتصرفاته، في أي موقع كان، على المستوى المحلي أو المركزي، وما يتعلق بالتصرفات المهددة للمصالح الوطنية المذكورة أعلاه التي قد يتخذها الحكام، وما يتصل بالعلاقات العادية الداخلية والخارجية التي يقوم بها الأفراد والجماعات التي لا تهدد المصالح الوطنية المذكورة.  

في الفصل الثالث حرص البحث على التأكيد بأن المصلحة الحزبية جزء من المصلحة الوطنية، وكما هي كل حقيقة قد يكون لها استثناء لا يقاس عليه. 

فما دام دور الحزب هو السعي للوصول إلى السلطة، وما دامت غاية السلطة هي تحقيق مصلحة البلاد والعباد، فإن الحزب هو من يجسد ذلك من خلال برنامجه وعمل أفراده الذين يختارهم الشعب لذلك، فالمصلحة الحزبية والمصلحة الوطنية متداخلتان على هذا الأساس. 

وما يجعل عمل الحزب ينتهي إلى تحقيق المصلحة الوطنية هو ذلك التدافع الذي تؤطره الديمقراطية لكي يكون حضاريا ويضمن تداولا سلميا حقيقيا على السلطة، فإن غاب التدافع حلّ الاستبداد والفساد، حتى وإن وُجدت التعددية الحزبية كما هو حاصل في ديمقراطيات الواجهة. 

وبالرغم من أنه يصعب تصور وجود الديمقراطية في أنظمة الحزب الواحد فإن حزبا واحدا بداخله رقابةٌ على الشأن العام وتدافعٌ حقيقيٌّ حول الأفكار والبرامج والمصالح وتداولٌ فعليٌّ  أفضل من تعددية حزبية دون تدافع ودون رقابة على الشأن العام. ولهذا قد تفُضَّل أحاديةُ الحزب الواحد الصيني بواقع التدافع الحقيقي الحاصل فيه عن التعددية الحزبية الصورية في العالم العربي، التي تحكمها قوى فاعلة من خلف المشهد السياسي لا أحد يستطيع أن يسائلها.   

تؤدي الأحزاب أدوارا مفيدة جدا للأوطان من حيث استيعابها للخلافات وتوجيهها وجهة قانونية إيجابية، ومن حيث تمكينها للمواطنين من المشاركة في الشأن العام ونفع بلدهم بكفاءاتهم، ومن حيث تأهيل النخب وتدريبهم وتكوينهم بالمعارف والتجارب، وتفتيق قدراتهم بالفرص التي تتاح لهم، وصقل شخصيتهم بالقيام بالواجب وتحمل المسؤوليات، ومن حيث التوعية الشعبية ورفع مستوى الجماهير عبر الخطاب السياسي والتنافس على البرامج بين الموالاة والمعارضة، وشرح قرارات ومنجزات الحكومة أو كشف أخطائها وعيوبها وحالات الفساد. 

كما تؤدي الأحزاب أدوار الوساطة بين السكان والحكام، للاستفادة من الخدمات الحكومية ولحل الأزمات وتقريب وجهات النظر بما يحدد المشترك الوطني والتعارف والتفاهم، وأدوار الدبلوماسية الشعبية والدبلوماسية البرلمانية للدفاع عن البلد وبما يحقق مصالحه ويعرّف الغير به وبالفرص المتوفرة فيه في مجالات الاستثمار والتعاون الدولي وما يتصل بذلك. 

ومن أهم ما تقوم به الأحزاب دورها في رسم السياسات الحكومية وتوجيه القرارات الرسمية سواء ما تقوم به أحزاب الأغلبية بشكل مباشر، أو ما تقوم به أحزاب المعارضة بشكل غير مباشر عبر فرص التشريع البرلماني وأدوات الرقابة، ومن خلال وسائل الضغط الشعبي والإعلامي المختلفة، بما يجعل الأغلبية تحاول سحب البساط من منافسيها بتبني المطالب الممكنة. 

ويسجل التاريخ أن كثيرا من الأوطان نهضت بعزمات قيادات سياسية وحزبية نذرت نفسها لرقي بلدانها فكبرت بلدانها وكبرت هي معها. 

ومما يجدر التنبيه إليه أنه قد يحدث تعارضٌ بين المصلحة الحزبية والمصلحة الوطنية، فإن قدمت القيادات الحزبية في هذه الحالة المصلحة الوطنية تكون قد خدمت مصلحة حزبها، لما تمنحه إياه من مصداقية وسمعة طيبة سيستفيد منها لاحقا. 

غير أن هذا التعارض تعارض استثنائي، يحدث بشكل نادر في زمن الأزمات والحروب. فإذا طُلب في بلدٍ ما من الأحزاب أن تظل تقدم مصلحة الوطن على مصلحة الحزب، فالمشكلة في من يقود الوطن لا في من يقود الأحزاب، لأن استمرار أزمات الوطن دليل على فساد أو عدم أهلية من يقود الوطن، وتصبح المصلحة الوطنية في هذه الحالة منوطة بتغيير من يقود الوطن، وليس في إرهاق الأحزاب بالتخلي الدائم عن طموحاتها.    

وفي الفصل الرابع والأخير ، ركّز البحث على شخصية الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فذكر بنشأته وركائز بناء شخصيته، ومساهماته الدعوية، وسبقه في العمل السياسي، ومعارضة النظام السياسي الأحاديّ ونهجه الاشتراكي، معارضة صارمة أدت إلى سجنه، وعن مرحلة الثمانينات بعد خروجه من السجن وما تميز به في نهجه الدعوي ومنهجه السياسي المرن والمعتدل المتوائم مع الانفتاح السياسي في عهد الشاذلي بن جديد. 

ثم تم التطرق الى مرحلة التعددية وما صاحبها من استقطاب شديد، خصوصا بعد إلغاء الانتخابات التشريعية، ومحاولاته، رحمه الله، رأب الصدع بالحوار عبر المبادرات العديدة التي أطلقها في اتجاه الأحزاب بكل توجهاتها والسلطة الحاكمة بكل تناقضاتها، من أجل تحقيق المصلحة الوطنية، وكيف أنه صار مقتنعا بضرورة العودة إلى مسار انتخابي جديد يفصل فيه الشعب في الأمر، خصوصا بعد فشل مبادرة العقد الوطني التي أطلقتها المعارضة، وفشل مبادرة الندوة الوطنية التي نظمها النظام السياسي، اللذين شارك فيهما مع ممثلين حزبه ثم انسحب منهما كلاهما لعدم توفر  إرادة اجتماع طرفي الأزمة. 

لقد دفع استحكام الأزمة الأمنية  الشيخ محفوظ إلى تغيير أولياته، بتقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، وتأجيل طموحه الشخصي والحزبي إلى ما بعد الأزمة، فتبنى مقاربة المشاركة السياسية والدخول في مؤسسات الدولة، ابتداء من المشاركة في الانتخابات الرئاسية عام 1995 ومختلف الانتخابات  التشريعية والمحلية وفي  العديد من الحكومات، وذلك للمساهمة في وقف سيل الدماء وتحقيق الاستقرار وحماية الوحدة الوطنية، وبلور في هذا الإطار مقاربة التفريق بين النظام السياسي الذي يمكن معارضته عند الاقتضاء والدولة التي يجب صيانتها في كل الأحوال. 

وكان ثمة في هذا السلوك السياسي شيء من المصلحة الحزبية كذلك، من زاوية أنه كان يقصد رحمه الله  من المشاركة السياسية  المحافظة  على بقاء حزبه في الساحة، ولتجاوز مكائد  التيار العلماني الاستئصالي الذي استغل فرصة الأوضاع الأمنية للتحكم في دواليب الحكم، والمحافظة على مناضليه من التهديدات التي كانت تحيط بهم من جهات متعددة،   وصيانة الفرص المستقبلية لمشروع حزبه، وكذا تدرب مناضليه على تسيير الشأن العام ومحاولة التأثير من داخل مؤسسات الدولة. 

غير أن هذا النهج حورب من طرفي الصراع فقتل الإرهاب قرابة 400 فرد على رأسهم نائب الشيخ محفوظ ورفيق دربه الشيخ محمد بوسليماني رحمهما الله، واستُحكمت سياسات الإقصاء من قبل النظام السياسي عبر مسار التزوير المستدام، وإقصاء إطارات الحركة لأسباب سياسية، ومحاولة التضييق على وجود الحركة في المجتمع المدني ومختلف مكامن القوة في الدولة والمجتمع. 

لقد فاجأ الاحتفاء الشعبي الكبير الذي تمتع به الشيخ محفوظ رحمه الله في الانتخابات الرئاسية عام 1995 النظام السياسي الجزائري، فعمد إلى استعمال العنف في صناديق الاقتراع لتغيير النتيجة، ثم غيّر الدستور في العام الموالي لإخراجه رحمه الله من العمل السياسي وإضعاف فاعلية حزبه. 

لم تشفع  لدى النظام السياسي نفسية العفو التي تعامل بها رحمه الله، وصبره الطويل على التزوير المستدام في كل الاستحقاقات الانتخابية، وعدم اعتماده سبيل التهييج الجماهيري، وبحثه الدائم عن تطمين السلطات حتى تتقبله هو ومناضلي حركته وتسمح لهم بهوامش في المشاركة السياسية تتناسب مع حجمه الشعبي الذي ظهر في الانتخابات الرئاسية عام 1995 بما يمكنه من المساهمة في تجسيد مطلب المصالحة الوطنية، ونهضة البلد. 

وفي الأخير أدرك عليه رحمة الله أن النظام السياسي القائم ليس شريكا يُعتدُّ به في العمل السياسي الوطني المشترك، ونظر إلى منعه من التشرح في الانتخابات الرئاسية عام 1999 أنه محاولة خبيثة لاغتياله سياسيا، ليس لمصلحة الوطن ومصلحة الدولة كما كان يتشدق به بعض المسؤولين في تبرير مسار التزوير، ولكن لمصلحة شخوص الحكام والمسؤولين، ولمصلحة تيارات علمانية منها من يشتغل لصالح الأجانب. ثم جاءت الانتخابات التشريعية عام 2002 فأنهت حياته السياسية رحمه الله إذ انتقم أصحاب القرار من إصراره على الترشح بما جعل إقصاءهم الظالم خادشا لشرعية انتخاب عبد العزيز بوتفليقة في عهدته الأولى خدشا لم يتقبله هذا الأخير أبدا، وقد تمثل الانتقام في طرائق عدة منها زحزحة الحركة من المرتبة  الثانية بعد التجمع الوطني الديمقراطي في برلمان 1997 إلى المرتبة  الرابعة بعد حركة الإصلاح الوطني في الانتخابات التشريعية عام 2002، كما كان تراجع الزخم الشعبي الذي ظهر في هذه الانتخابات مؤلماً له كثيرا، رغم رباطة جأشه التي رأيتها فيه شخصيا حين حدثته بعد النتائج عن تفوق حزب الشيخ عبد الله جاب الله فقال لي: (( أحمد الله أن الذي تجاوزنا حزب إسلامي)). 

لقد أثرت هذه الأحداث المؤلمة كثيرا في قناعاته فبدأ يُفكر في الابتعاد التدريجي عن نظام الحكم، ومن دلائل ذلك ما أشهد به أمام الله مما كان يقوله لنا في الجلسات المغفلة عن انحرافات السلطات الحاكمة الخطيرة بما كان لا يسمح حتى في التفكير فيه. ولئن تجاوز الشيخ محفوظ نحناح عن الذين أقصوه عام 1995 وسمح في حقه، فإنه لم يتجاوز عن الذين أقصوه عام 1999 ، وأظهر سخطه عما حدث له كما لم يفعل مع ما حدث له من قبل، وسمعته بنفسي يعبر عن ذلك لبعض المسؤولين الكبار في الدولة، بل إنه أخذ ينظّر لتغيير الخط السياسي من خلال تأليف كتاب تحت عنوان “الدولة وأنماط المعارضة” ومن غرائب ما حصل بعد وفاته اختفاء مسودة هذا الكتاب وتغييبه نهائيا.  

أضرّت كل تلك الأحداث بمعنويات الشيخ محفوظ وبصحته رحمه الله، فلم يصبح بتلك البشاشة والأريحية في التعامل المعروف بها، وصار يتغيب عن تسيير شؤون المكتب التنفيذي الوطني، وفي سنة 2003 توفاه الله رحمه الله رحمة واسعة. 

بعد وفاته ابتليت حركته بالانشغال بنفسها ومعالجة حالة الانشقاقات والخلافات الكبرى التي وقعت فيها،  ومن دلائل صرف الاختلافات عن الحكمة والعقلانية السياسية  شدة الارتباط بالنظام البوتفليقي الذي باتت كل المؤشرات تدل على إفلاسه واستحالة إصلاحه من الداخل، وقد كان الخطأ الفادح الناتج عن ذلك النهج ( الذي لا علاقة له بنهج الشيخ محفوظ) فتح العهد الرئاسية لصالح بوتفليقة عام 2008. 

لم ينفع النهج الذي اتّبعته الحركة المصلحة الوطنية حيث رأينا جميعا المآل الذي وصلت إليه البلاد وكيف سيطرت عصابات خطيرة على القرار، لم يخلصنا من تغوّلها سوى الحراك الشعبي، كما لم ينفع ذلك النهج المصلحة الحزبية حيث عرفت الحركة انشقاقات خطيرة، وتراجعا في الانتشار وفي الرمزية وفي همة وحماس المناضلين،  وضاعت منها مؤسسة الشبيبة والمؤسسة الطلابية وعرفت مؤسستها الاجتماعية هزات وانشقاقات، وتراجعت في الانتخابات التشريعية عام  2012 رغم التكتل الإسلامي الذي أقامته مع حركة الإصلاح والوطني وحركة النهضة، حيث لم يحقق “تكتل الجزائر الخضراء” النتائج المرجوة على شاكلة نتائج التيار الإسلامي في العالم العربي في أجواء الانتفاضات الشعبية. 

لقد رسّخ هذا النهج– المخالف للتوجهات المؤسسة للحركة الإسلامية في الثمانيات-  توالي الأزمات الخارجية والداخلية منذ بداية التسعينيات، وشعور الجميع بأهمية الحماية داخل مؤسسات الدولة،  حتى صار  مكونا جينيا  يتحكم في فكر وتصرفات أغلب إطارات الحركة. وأحسن من عبر عن هذه الحالة عبد الحميد مهري رحمه الله بقوله: ” لما أصبح الجزائري  يشعر  بالطمأنينة عند رؤيته الدبابة في الشارع معنى ذلك أن الأزمة صارت عميقة جدا” وأستطيع أن أقول أن النظام السياسي نجح في تحويل الأزمة لصالحه، كنظام سياسي،  دون أن ينجح في خدمة البلد من حيث الحريات والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والتطور العلمي والتكنولوجي، والحضاري بشكل عام.

ولكن استطاع الربيع العربي عام 2011 ، وانهيار منظومات الحكم المستبدة والفاسدة في عدد من الدول العربية، وكذلك التحركات الشعبية في جانفي من نفس السنة بالجزائر أن يهز  تلك القناعات التي ترسخت في الحركة فجعلت عموم المناضلين يشعرون بأنهم في المكان الخاطئ من التاريخ فسارعوا إلى مغادرة الحكومة بعدما تأكد لمجلس الشورى الوطني أن الإصلاحات التي وعد بها بوتفليقة أُفرِغت من محتواها، وفق ما بيّنه البيان الرسمي للحركة، والبيان الجماعي لتكتل الجزائر الخضراء، ووفق التقرير السلبي جدا عن محصلة التحالف الرئاسي، الذي قدمه رئيس الحركة للمؤسسات وحتى للرأي العام آنذاك. ويكفي النقر في محركات البحث الإلكترونية للحصول على هذه النتائج والتقارير. 

عندما وصلت الحركة إلى هذه الخلاصة، خرجت من الحكومة عام 2012، ثم جاء  مؤتمر 2013  فغيّر النهج السياسي واختار القيادة التي تناسب الخط الجديد، وثبّت الرؤية السياسية التي صدّقتها تقارير الفرصة الأخيرة قبيل الخروج من الحكومة، بتأثير من الأحداث الكبرى التي هزّت القناعات هزّا عنيفا،، مثل  الربيع العربي عام 2012 ثم الحراك الشعبي عام 2019. 

شرعت الحركة ابتداء من 2012 – عند قرار الخروج من الحكومة ثم ابتداء من المؤتمر الخامس الذي حمل شعار ” حركة تتجدد وطن ينهض”  – في إعادة النظر في فهم مدلولات العلاقة بين المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية، بالتأكيد بأنه لا يمكن للوطن أن ينهض دون أن تتجدد الحركة في رؤاها وخططها وبرامجها ومواقفها وسياساتها وخطابها، ولا يمكن أن تتجدد  الحركة دون صناعة البيئة التي  ينهض بها الوطن، من خلال الضغط على النظام السياسي، عبر  العمل الشعبي والخطاب الإعلامي والرقابة السياسية والبرلمانية، وغير ذلك. 

ومن تلك اللحظة وعلى أساس هذا الشعار شرعت الحركة في إحداث ثورة على مستوى الفكر  والاستراتيجيات  والمقاربات السياسية والدعوية والتنظيمية والتكوينية، عبر إعادة توزيع الوظائف  الفكرية والسياسية، والدعوية والتربويّة، والاجتماعية والمجتمعية، ثم عبر مقاربة المقاومة السياسية في الخط السياسي والتخصص الوظيفي في الخط الاستراتيجي، فحرّكت الساحة السياسية عبر تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي منذ 2015  وكانت هي الطرف الأساسي في تنظيم تجمع المعارضة التاريخي في مازفران، وكان من نتائج ذلك على مستوى المصلحة الحزبية أن الحركة حققت نموا في النتائج الانتخابية عام 2017 واسترجعت الولايات التي ضاع فيها تمثيل الحركة في انتخابات  2012، ولكن دون المأمول بسبب عدم اكتمال الصورة الجديدة للحركة في ذهن الناخبين والعزوف الانتخابي العام الذي تأثرت به نتائج كل الأحزاب من حيث عدد الأصوات، ولكن وقع النمو اللافت بالضِّعف في الانتخابات التشريعية عام 2021 بزيادة 34 مقعدا على انتخابات 2017، وهي النتيجة التي اقتربت بها الحركة لأول مرة من أعلى نتيجة عام 1997 (69 مقعدا) في زمن الشيخ محفوظ في الوقت الذي كانت فيه الحركة موحدة وكان الإقبال الشعبي على الانتخابات كبيرا. وقد فسَّرتُ هذا الاقتراب من النتيجة التي حققها الشيخ محفوظ كرسالة للمناضلين بأن هذا هو النهج الأصلي الذي بدأت به الحركة من منابعها الإسلامية الأولى، والذي حاول الشيخ محفوظ الرجوع إليه قبيل وفاته، كما شرحنا ذلك أعلاه، ولم تسعفه المنية للأسف الشديد لتحقيق ذلك إذ غادر قبل أن يشرح الخريطة وصار كل واحد من أتباعه يفسرها وفق قناعاته وموقعه وطموحاته. 

أما النتائج التي تحققت لفائدة المصلحة الوطنية فهي حالة الوعي التي تشكلت لدى الجزائريين عبر العمل السياسي المشترك والتي فجرت الحراك الشعبي الذي خلّص الجزائريين من المجموعات المافياوية (التي سماها الحراك “العصابة”) التي تسلطت على البلد أثناء العهد البوتفليقي. 

لم تكن النتائج الإيجابية التي حققتها الحركة بعد تغييرها خطابها وخطها السياسي بين 2013-2023   تتعلق بالانتخابات فقط، فقد تميزت بتحسن رمزيتها وارتفاع سمعتها ومعنويات مناضليها، كما تحقق لها استقرار غير مسبوق ونجحت في إنجاز الوحدة الاندماجية مع جبهة التغيير واستمر النقاش حول موضوع الوحدة مع الحركات الإسلامية الأخرى، ونمت هياكلها التنظيمية، واسترجعت مؤسستها الطلابية واستقر وضع مؤسستها الاجتماعية وأسست فضاءات مجتمعية أخرى بثلاث أضعاف غطت وظائف أساسية للحركة كانت متروكة أو ضعيفة، استطاعت أن تنتشر في كامل التراب الوطني وبعضها وصل الى العالمية، وعاد إلى صفوف الحركة أعداد كبيرة من القادة والمناضلين الذين تركوها، بسبب الوحدة أو للعمل في اختصاصات يميلون إليها صارت متوفرة في المؤسسات الجديدة، كما أن الحركة استرجعت مكانتها الدولية وصار  رجالها قادة في منظمات عالمية مرموقة في العديد من المجالات، وباتت في طليعة الداعمين للقضية الفلسطينية على المستوى العالمي. 

ويبقى السؤال مطروحا، في الأخير، هل هذا التغيير والتطور الإيجابي الذي وقع في الحركة والذي ثمنه بما يفيد الإجماع مؤتمر 2023 هو تغيير عميق نفذ إلى المركّبات الجينية للحركة التي صنعتها الأزمات فجعلتها تنحو تلقائيا نحو دوائر السلطة؟ أم هو مجرد طفرة شديدة التأثير ولكنها عجزت عن النفاذ إلى المركبات الجينية المحصنة في أعماق نفوس وعقول إطارات الحركة، حتى أولئك الذين شاركوا في قيادة الحركة بين 3013-2023؟ وهل سيتلاشى أثر الطفرة بعد مغادرة رئيس الحركة الذي أحدثها وقادها؟ وهل ستعود الحركة عندئذ لأحضان النظام السياسي، وتندمج فيه من جديد، رغم استمرار حالات الفساد والفشل في تحقيق نهضة البلد، ورغم الأدلة الألف بأن التغيير من الداخل ليس ممكنا، خصوصا بعد فشل مفاوضات تشكيل الحكومة التي أبان فيها النظام السياسي بأنه لم يتغير شيء من  عقليته الإقصائية ونزوعه للهيمنة والتحكم وإضعاف المنافسين والشركاء؟ وخصوصا بعد النتائج الإيجابية، استراتيجيا وسياسيا، التي حققها النهج المعارض المتبصر لصالح المصلحة الحزبية للحركة والمصلحة الوطنية للجزائر؟

إن الأيام والنتائج ستبين، ولئن كان الربيع العربي قد أدى دوره في حدوث صحوة المناضلين في 2011 كما بيّناه أعلاه، كحقنة تطعيم أولى ضد الاستبداد، ولئن كان الحراك الشعبي عام 2019 قد أكد التطعيم كحقنة تذكير  فإن مبررات حدوث تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية على ذات المنوال لا تزال قائمة، والخشية أن تجد الحركة نفسها مرة أخرى في المكان الخاطئ من التاريخ، فلا تسلم الجرة في كل مرة! 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية