﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [ القصص: 5]
إن الخامس من جويلية ذكرى وطنية عزيزة نستحضر فيها نعمة الاستقلال الوطني، واسترجاع السيادة على الأرض ودحر المحتلين الغاصبين، ولا شك أن رفع الأعلام وترديد الأناشيد وإلقاء الخطب وترديد الشعارات وسائل مفيدة للتعبير عن السرور بلقاء هذه الذكرى، غير أن هذا اليوم هو يوم للشكر والوفاء والتأمل كذلك. أما الشكر فهو شكر الله تعالى على نعمة دحر الاحتلال، تعبدا، ولكي يبارك لنا في عطائه، وفق قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ سورة إبراهيم، الآية 7، وقوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ سورة آل عمران، الآية 144، وكما أنه (( من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) وفق ما جاء في الحديث الصحيح، فإن الشكر موصول إلى الشهداء والمجاهدين الذي حملوا على عاتقهم عبء الجهاد والتضحية بأنفسهم في سبيل الله من أجل إخراج المحتل.
وأما الوفاء فهو الوفاء لعهد الشهداء، للعهد الذي من أجله نهضوا وجاهدوا لتكون الجزائر “دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، لا نحيد ولا نميد عن هذه الرؤية حتى تتحقق كاملة غير منقوصة، في حياتنا، أو نبقى نكافح على ذلك حتى نلقى الله وهو راض عنا، ونكون قد مهدنا الطريق لمن يأتي بعدنا لتنعم الجزائر بكل أهداف الثورة التي يعدّ الاستقلال عن قوى الاحتلال الجزء المهم منه، ولكن ليس وحده.
وأما التأمل في معاني ومغزى هذا اليوم فهي كثيرة، وقد اخترت هذا العام أن أقف عند سنة انتصار المستضعفين، فالخامس من شهر جويلية هو فعلا محطة للتأمل في إحدى أعظم سنن الله في التاريخ؛ سنة “انتصار المستضعفين“. فالله سبحانه لم يعد عباده بالنصر لأنهم ينتمون إلى عرق أو أرض، وإنما وعد به الذين يُستضعفون في سبيل الحق، فيصبرون ويثبتون ويواصلون طريقهم حتى يأتي وعد الله، ولو بعد حين.
لقد ظن فرعون أن ملكه باقٍ، وأن بني إسرائيل لن يخرجوا من دائرة الاستضعاف أبدًا، فجاء الوعد الإلهي: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ سورة القصص، الآية 5ـ6.
. ومنذ ذلك الحين، تتكرر القصة نفسها في التاريخ بأسماء مختلفة، ويبقى القانون واحدًا: قد يطول ليل الظلم، لكن الفجر لا بد أن يطلع، وقد يتأخر النصر عن الوقت المظنون، لكنه لا يتخلف قد الزمن المقدور، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ سورة الأحزاب، الآية 38
وهذا هو الدرس الأكبر الذي تقدمه مقاومة الجزائريين للاستعمار. فمن الخطأ أن يُختزل تاريخ التحرير في الفاتح من نوفمبر 1954 أو في الخامس من جويلية 1962، لأن الاستقلال لم يكن ثمرة سبع سنوات ونصف من الكفاح فقط، وإنما كان ثمرة أكثر من قرن وثلاثة عقود من المقاومة المتواصلة منذ أن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي أرض الجزائر سنة 1830.
لقد قاوم الأمير عبد القادر، وصمد أحمد باي، وانتفض المقراني والحداد، وجاهد الشيخ بوعمامة، وثارت لالة فاطمة نسومر، ونهض أولاد سيدي الشيخ، وتعاقبت الثورات في كل ربوع الوطن، حتى لا تكاد تخلو أرض من بلادنا الطاهرة إلا وثار أهلها على مر السنين، ولا يخول جيل من الأجيال إلا وحملوا السلاح أو الكلمة أو الموقف دفاعا عن الجزائر. وقد هُزمت تلك المقاومات عسكريا، واستشهد قادتها، ونُفي بعضهم، وسُجن آخرون، لكن الحقيقة أن أحدا منهم لم يُهزم تاريخيا، لأنهم جميعا كانوا يراكمون الوعي، ويحفظون للأمة شخصيتها، ويمنعون الاحتلال من أن ينتصر على إرادة الجزائريين، وإن تمكن من أرضهم.
لقد امتلكت فرنسا الأرض، أو ظنت ذلك، لكنها لم تمتلك الإنسان. سيطرت على المدن والقرى، وعلى الثروات والمؤسسات، وحاولت السيطرة على التعليم والإدارة والإعلام، وسعت بكل الوسائل إلى اقتلاع الشخصية الجزائرية، ونشر الجهل والفقر، وإحياء العصبيات، وتطبيق سياسة “فرّق تسد”. لكنها عجزت عن أن تبسط يدها على قلوب الجزائريين وعقولهم وإرادتهم، فكأنما ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة المائدة، الآية 11. فقد بسط الاحتلال يده على الأرض، ولكنه لم يستطع أن يبسطها على الضمير الوطني، ولا على عقيدة الشعب، ولا على إرادة التحرر التي بقيت حية في النفوس.
وحين أعلن الاحتلال بعد أكثر من قرن أن الجزائر أصبحت جزءا من فرنسا، كان يظن أنه حسم المعركة نهائيا، غير أن معركة أخرى من معارك الشرف قد بدأت لتمهد ليوم الحسم. فقد نشأت الحركة الوطنية، تحمِلُ مشروع التحرير بالكلمة قبل البندقية، فأنشأت المدارس الحرة، وأحيت الهوية، وأصدرت الصحف، وأسست الجمعيات، وخالطت الناس في المدن والقرى، وخاضت المعارك السياسية والقانونية، بل وشاركت في الانتخابات رغم يقينها بأن الإدارة الاستعمارية ستزور نتائجها، لا إيمانا بإمكان الإصلاح من داخل المنظومة الاستعمارية، وإنما لاستثمار كل وسيلة متاحة في الدفاع عن حقوق الشعب، وفضح زيف شعارات الاحتلال أمام العالم.
و أثناء ذلك كان رجال الحركة الوطنية يدركون أن الاستعمار الذي قام على القوة لن يرحل إلا بالقوة، وأن الطريق إلى الحرية سيمر حتما عبر التضحية. فجاءت مجازر الثامن من ماي 1945 لتغلق آخر أبواب الوهم، ولتعلن أن الاستعمار لا يمنح الحرية، وأن الحقوق لا تُستجدى من المحتل، وإنما تُنتزع منه انتزاعا. ومن بين رماد تلك المجازر وُلد اليقين الذي قاد إلى ثورة نوفمبر.
غير أن الاحتلال، كما يفعل كل مستبد، لم يعتمد على قوته العسكرية وحدها، بل سعى إلى صناعة نخبة تابعة له، تستظل بسلطانه، وتعيش على فتات امتيازاته، وتبشر بسياساته، وتشكك في جدوى المقاومة. فاستسلم بعض الناس خوفا، وطمع آخرون، وخان آخرون، حتى صار بعض أبناء الوطن يقفون في صف المحتل ضد أبناء وطنهم. وهذه سنة قديمة تتكرر مع كل استعمار وكل استبداد، إذ لا يكتفي الظالم بجنده، بل يبحث دائما عن أعوان من بني جلدتك، وداخل صفك، يزينون ظلمه، ويثبطون العزائم، ويصفون المقاومة بالعبث، والاستسلام بالحكمة، والذل بالواقعية.
لكن سنة الله كانت تمضي في الاتجاه الآخر. فكلما ازداد القمع، واتسعت المعتقلات، واشتد التعذيب، واشتعلت القرى بالنابالم، وسقط الشهداء بلا عد ولا حصر، كان موعد النصر يقترب. فالسنن الإلهية لا تقاس بلحظة واحدة، وإنما بمآلاتها، والذين لم يتحقق النصر على أيديهم من طلائع الكفاح المتتالية لم تفشل وإنما مهدت الطريق، وكان نوفمبر هو الطريق، وكان الخامس من جويلية هو اليوم الذي ظهرت فيه ثمرة قرن وثلاثة عقود من الصبر والجهاد والتضحية.
إن الذين كتب التاريخ أسماءهم هم أولئك الذين استُضعفوا، وصبروا، وضحوا، واستشهدوا، لا الذين ركنوا إلى المحتل، أو تحالفوا معه، أو باعوا أوطانهم بمناصب زائلة أو مصالح عابرة. أولئك مضوا مكرمين في ذاكرة الأمة، أما هؤلاء فقد بقيت أسماؤهم عنوانا للخزي في الدنيا، وحسابهم عند الله على قدر ما اقترفوا من خيانة وإعانة للظالم على ظلمه.
إن ذكرى الاستقلال تتجاوز حدود الجزائر لتصبح درسا للأمة كلها، وفي مقدمتها فلسطين. فما يجري اليوم على أرض فلسطين ليس إلا فصلا جديدا من القصة نفسها: مستضعفون يواجهون احتلالا يملك السلاح والدعم الدولي وأدوات البطش، كما واجه الجزائريون بالأمس إمبراطورية استعمارية ظنت أن الزمن كله لا يكون إلا لها. وقد يتأخر النصر في فلسطين، كما تأخر في الجزائر، وقد تشتد المحنة، وقد يكثر المتخاذلون والمتواطئون، لكن سنة الله لا تتبدل، ووعده لا يتخلف. فالمقاومة التي تستند إلى الحق والعدل والصبر مشروع عظيم، منتصر لا محالة مهما بدا ضعف المقاومين، بل ـ أكثر من ذلك ـ هو طريق ينتهي – بإذن الله – إلى التمكين. وما يسكن قلوب الظالمين بأن الدائرة ستدور عليهم، كما كانت مخاوف فرعون وآله، سيرونه بأنفسهم رأي العين، وأن حذرهم من تصاعد وعي المستضعفين حقيق بيقين، لن ينفع معه الحذر ولا تجدي معه مخططات القهر والتحكم والإضعاف، إذ نصر المستضعفين سنة ماضية لا تتغير ولا تتبدل، لقوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ سورة القصص، الآية 5ـ6.
إن الخامس من جويلية هو ذكرى انتصار شعب استُضعف طويلا على يد مستعمر جبار مستكبر، وهو مع ذلك شهادة تاريخية للعالمين، على أن الظلم، مهما طال أمده، لا يستطيع أن يهزم أمة تحفظ هويتها، وتتمسك بحقها، وتورث أبناءها معنى المقاومة جيلا بعد جيل. وإذا كان المستبدون يملكون القوة زمنا، فإن المستضعفين يملكون المستقبل. ولذلك ختم الله قصة الظلم والانتصار بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ سورة الشعراء، الأية 227 ، فالظلم منهزم مهما اختلت موازين القوة، ويكفي أن ينتفض المظلوم، وان يصبر على الطريق، وأن يستعين بالله ليتحقق له النصر، فالزمن معه، والأرض معه، والسماء معه، ولو بعد حين، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلومِ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمامِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : وعزَّتي وجَلالِي لَأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حِينٍ)).
وما بين الخامس من جويلية بالأمس، وفجر التحرير القادم في فلسطين غدا، والانتصار على كل ظالم مستبد تمتد سنة الله التي لا تتبدل: أن العاقبة للحق، وأن الوارثين للأرض هم المستضعفون الصابرون، لا المستكبرون المتجبرون، ولا أعوانهم من المستسلمين الخاضعين. ذلك الذي يقرأه أولو النهى في أحداث التاريخ العميقة ووقائع الزمن الممتد، وذلك الذي لا يراه المتلهّون بزخارف الاستدراج وأبهة القوة والنفوذ.
د. عبد الرزاق مقري
سنحاول في هذه السلسة الجديدة من المقالات حول توقف المواجهة العسكرية بين الحلف الصهيوني الأمريكي وإيران، تتبع نتائجها على المختلف المستويات، ثم نتحول إلى سلسلة مقالات عن إيران نفسها وما هو المطلوب منها لكي تحافظ على نتائج خروجها الموفق من الحرب، وكيف تستفيد من أخطاء الماضي، ولكي تكون النتائج التي حصلت عليها لصالح الأمة العربية والإسلامية كلها، ولصالح فلسطين.
سمعت البارحة عدة تحليلات عن وثيقة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فكانت توجهات أغلب المحللين في العالم أنها لصالح إيران، ولم يتنكر لهذا النجاح الإيراني سوى مواقف وتصريحات أقلية لا يُنظر إليها، كانت تصدر عن نخب عربية مستلبة حضاريا هواها مع أمريكا وإسرائيل، أو نخب ذات توجهات طائفية أو قومجية، أو تيارات تابعة لأنظمة استبدادية تخاف من يقظة الشعوب، أو نخب خائبة استمرأت الخنوع للأقوى في حياتها الشخصية، فهي لا تستطيع أن تؤمن بأن النصر في المقاومة بإذن الله تعالى .
كنت قد استشرفت هذه النتيجة منذ بداية المواجهة، وضعتها في سلسلة مقالات منشورة في موقعي ومختلف صفحاتي الالكترونية، مؤكدا عدم إمكان الولايات الأمريكية المتحدة حسم الحرب مهما كانت قوتها النارية، وشدة هجماتها الجوية، واتساع حالة التدمير في إيران. وذلك لأسباب عديدة أهمها أن أمريكا لا تستطيع أن تحسم الحرب بدون تدخل بري، وإن غزت الأرض الإيرانية بعساكرها لقيت حتما حتفها كذلك، ليس كما وقع لها في الصومال، والعراق، وأفغانستان، بل أسوء من ذلك. والسبب الثاني هو الصمود العقائدي الإيراني، الحكومي والشعبي، المدعم بوحدة الصف، والمسنود بخبرة طويلة في المقاومة وتحمل أعباء الحصار المضروب على البلد منذ مدد. والسبب الثالث هو القدرة على إيذاء العدو ومصالحه بالصواريخ والمسيرات، وحسن الاستعداد لذلك بصناعة عسكرية محلية، بما جعل الحرب معركة “عض الأصابع” صبر فيها أهل الأرض على الغزاة الأجانب. ثم جاءت الجغرافيا وأهمية الموارد الطاقوية في التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية الدولية وما يتعلق بالحضور الخفي للصين وروسيا في الحرب، وقد كتبت في ذلك ثلاث مقالات.
لقد كان هذا البعد الجغرافي حاسما، حيث تحول فيه مضيق هرمز إلى سلاح فتّاك، بشكل غير متوقع لترمب وحلفائه والعالم بأسره. والمفارقة أن التحكم في مضيق هرمز، سُيّر على نحو لم يجعل الصين هي المتضرر الأكبر منه كما كان يُعتقد في البدء، ولكن الخسارة الكبرى لحقت أمريكا والعالم بأسره، إذ تحولت الحرب إلى حرب اقتصادية عالمية تحمّل مسؤولية الخسائر فيها ترمب وحده، في داخل بلده بارتفاع معدلات التضخم، وفي كل الساحات المالية والاقتصادية في العالم.
كل هذه الأبعاد المهمة غفل عنها دونالد ترمب وفريقه، فوجد نفسه في فخ تاريخي عظيم، دفع ثمنا غاليا في الاتفاقيات المبرمة للخروج منه، حتى لا يستمر انهياره الشخصي الداخلي، والانهيار الأمريكي الدولي. ولا يُتوقع أن تعود الولايات الأمريكية للحرب، أو التدخل في الشأن الإيراني، لأن المعطيات التي جعلت إيران تصمد والأدوات التي جعلتها تؤلم الأمريكيين وحلفائهم لا تزال متوفرة، ولن يغير هذه المعادلة سوى تطورات إيرانية داخلية عميقة ضد النظام السياسي، يبدو أن نتائج الحرب لا تشتغل لصالحها.
لقد جر ترمب إلى الفخ الذي وقع فيه تقديرات ومعلومات استخبارية صهيونية خاطئة، جعلته يعتقد بأن قطع رأس النظام في اليوم الأول، سيحرك شبكة العملاء لتأخذ المبادرة، و يدفع الشعب ليثور على حكامه، فتسقط إيران كلها كالثمرة اليانعة بين يديه، على شاكلة ما أنجزه في فينزويلا، فيصطاد عصافير كثيرة في آن واحد: إسقاط النظام، أخذ البترول الإيراني غنيمة سهلة، تخليص الحليف الصهيوني من خطر وجودي، إنهاء التهديد الإيراني ضد الحلفاء العرب إلى الأبد، التحكم الكامل في المنطقة وحكامها وشعوبها، الإنجاز الكامل للاتفاقيات الإبراهيمية، ضرب الصين ضربة موجعة أخرى بعد إسقاط مادورو في فنزويلا، ضربة كان سيكون لها آثار مزلزلة على الاقتصاد الصيني بالتحكم الكامل في مورد طاقوي حيوي وأساسي كان يمد الصين من إيران ودول الخليج عبر مضيق هرمز ( وشرحنا هذا كله بالأرقام في سلسلة مقالات سابقة).
فالنتيجة الأساسية للحرب هو تبخر كل هذه الأحلام مرة واحدة، إذ وقع للولايات الأمريكية المتحدة وحليفها الإسرائيلي، ما سمي باستراتيجية “الردع بالحرمان” التي أعلن عنها “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — والتي تقضي ب”حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها”، وقد أشرت إلى هذه الاستراتيجية في مقال سابق. وما يؤكد مرارة هذا الحرمان أن ترمب نفسه وضّحه للعالم بأسره بتصريحاته، التي أعلن فيها بأن الصين ستأخذ البترول الإيراني مسقبلا عبر أمريكا، وأنه لن يقبل نصرا دون “نصر شامل وكامل”، واستغرابه المعبر عليه بوضوح من صمود النظام الإيراني، ودعوته المتكررة للشعب الإيراني للخروج للشارع ضد النظام.
وبالإضافة إلى هذه الخسارة بالحرمان، راكمت الولايات الأمريكية وحلفاءها خسائر أخرى كبيرة سيكون لها أثر كبير في رسم المشهد الجيوسياسي في المنظقة والجيوستراتيجي المستقبلي في العالم، ومن ذلك:
أولا ـ الولايات الأمريكية المتحدة:
– خسارة هيبتها وريادتها للعالم، وتعمق صورة الدولة الكبرى التي تسير نحو الأفول عند الجميع، وهي حالة تحدثت عنها كثير من الدراسات الدولية، والغربية، والأمريكية منذ عقدين على الأقل، وأشرنا إلى ذلك في العديد من المداخلات والمقالات. والغريب في الأمر أن ترمب أقام حملته الانتخابية على الإقرار بتراجع قوة بلده، ولهذا جعل شعار حملته “جعل أمريكا عظيمة مجددا”، وكان يحمّل الديمقراطيين هذا التراجع، فإذا به يكون هو من سرّع هذا التراجع، وجعله الآن بارزا واضحا.
– انهيار صورة الجيش الأمريكي كقوة قادرة على الفعل في أي مكان في العالم، وقد ظهرت هذه الصورة بشكل جلي في عهد الديمقراطيين تحت رئاسة بايدن بخروجه المذل أحادي الجانب من أفغانستان، تحت ضربات طالبان، و ها هو الآن يتعمّق أكثر في عهد الجمهوريين تحت رئاسة ترمب، من خلال هذا الفشل المروع في إخضاع الإيرانيين والاضطرار إلى تعويضهم خسائرهم في الحرب، ورفع الحصار عليهم، وإنهاء تجميد أرصدتهم .. حتى يقبلوا توقيف المواجهات.
– انهيار موثوقيتها الحمائية عند حلفائها، وشعور هؤلاء بضرورة تغيير استراتيجياتهم الدفاعية، وقد بدأ الأوربيون التفكير في هذا شأن، في اجتماع وزراء الدفاع لديهم، أسبوعا واحدا بعد خروج أمريكا من أفغانستان (تُراجع سلسلة المقالات بهذا الشأن في موقعي الالكتروني)، وبدأ يتعمق هذا التوجه جماعيا بينهم، أو من خلال ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري قطريا، واليوم نتنياهو نفسه يصرح علانية بأن حكومته ستعمل على التحرر من التبعية العسكرية لأمريكا، وبقي العرب يخفون توجهاتهم الجديدة، التي رشحت من خلال محاولات تشكيل حلف جديد (مصري، سعودي، تركي، باكستاني).
– تراجع ركائز التفوق العسكري الأمريكي، من قوة متنقلة جبّارة غالية الكلفة تعتمد على حاملات الطائرات في كل المحيطات، والطائرات الفتّاكة، والصواريخ المدمرة بعيدة المدى، إلى قوة سهلة التدمير بصواريخ ومسيرات ضعيفة الكلفة، يزيدها المعطى الجغرافي، والمعطى التكنولوجي قدرة كبيرة على إلحاق العدو خسائر لا يمكن تحملها، بشريا واقتصاديا، وعلى مستوى السمعة والهيبة.
– انهيار دور الثكنات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإخراجها من الخدمة، وتحولها إلى عبء على الدول التي تستضيفها، وأهداف سهلة في أي معركة جديدة تخوضها أمريكا.
– تحمل عبء الخسائر الاقتصادية بسبب كلفة الحرب، ومن ذلك الأضرار التي أصابت الشعب الأمريكي مباشرة بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع كفاءة الأسواق، وتعويض الخسائر التي طالت القواعد والمعدات العسكرية، والتكفل بكلف الخسائر البشرية، والتراجع الحاد لكميات السلاح في المخزونات الاستراتيجية، وسيطلب التعافي من كل هذا مدة طويلة، كما أشارت إلى ذلك العديد من الدراسات (سنعود إلى توثيق كل ذلك لاحقا).
– الشرخ الكبير في العلاقة مع الحليف الصهيوني، كوكيل لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحول هذا الحليف إلى عبء كبير، عسكريا واقتصاديا، وعلى مستوى الانسجام الأمريكي الداخلي، واستقرار العلاقات مع الحلفاء الأوربيين والعرب خارجيا.
– تعمق الشرخ الداخلي، على مستوى المؤسسات، بين الديمقراطيين والجمهوريين، وبين الديمقراطيين منذ العدوان على غزة، والآن بين الجمهوريين ذاتهم، وتعاظم الصراع بين القوى التقليدية التي لا تزال تريد مواصلة السياسة الأمريكية لدعم الكيان الصهويني، والقوى الصاعدة التي ترفض ذلك، وسيؤدي ضعف النخبة القيادية الحزبية في كل المعسكرات المتصارعة إلى تعمق الشرخ والعجز على ترميمه، ويضاف إلى ذلك الشرخ الكبير المتنامي في المجتمع، بسبب الصراعات العرقية والاثنية، وتعمق الفروق الاجتماعية، واليقظة المتصاعدة لدى الشباب، المعبرة عن ذاتها بتأثير كبير في وسائل الاتصال الحديثة، في مواجهة القوى التقليدية المسيطرة ماليا، وفي المؤسسات الإعلامية الثقيلة.
– إطلاق يد القوى الدولية الصاعدة في المنقطة، ولا سيما الغريم الصيني الذي ستزداد موثوقيته كشريك مأمون ومفيد، على الصعيد الاقتصادي، وفي وقف الفوضى في العلاقات الدولية، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب، ستكون فيه أمريكا مجرد قوة عظمى، منعزلة في جغرافيتها الأمريكية، لا تستطيع فرض إرادتها في الساحة الدولية.
د. عبد الرزاق مقري
أبّد النبي صلى الله عليه وسلم معنى الهجرة في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا))، لقد أبقى عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث معنى الهجرة حاضرا في حياة الأمة، وفتح لها بابا أبديا في ضمير المؤمنين، ونقلها من صورة تاريخية مخصوصة إلى معنى دائم متجدد. فقد انتهت الهجرة الواجبة من مكة إلى المدينة بعد أن فتح الله للمسلمين مكة المكرمة وأصبحت دار إسلام، لكن الهجرة في معناها الأوسع بقيت، وباتت خالدة: هجرة المعصية إلى الطاعة، وهجرة الذل إلى الكرامة، وهجرة السكون إلى الجهاد، وهجرة النية الفاترة إلى العزم الصادق، وهجرة الخضوع إلى الاحتلال إلى مجاهدته ودحره، وهجرة القبول بالأمر الواقع إلى الاستجابة السريعة لمعارك الواجب والعزة والإباء، وهجرة الاستسلام إلى الطغيان إلى مقاومة الظلم والفساد في كل آن. ولذلك كان هذا الحديث، بحق، تأسيسا لمعنى سام نسميه:”الهجرة الأبدية”.
إنها هجرة لا تنتهي بحادثة تاريخية هي هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل تبقى تلك الهجرة القدوة ذكرى خالدة لمعنى الرسالة وما تلزم من تضحيات، تؤسس لأنواع كثيرة من الهجرة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا يحدها الزمن، ولا تحكمها الأوضاع الصعبة والتحديات الجسام، نية نحو البر والتقوى وبلوغ المعالي حتى لقاء المصطفى على حوضه الشريف، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وجهاد بلا هوادة لنصرة الحق، وتحفز مستمر للقيام بالواجب كلما نادى المنادي، إنها حركة الإنسان المؤمن الدائمة من النقص إلى الكمال، ومن القعود إلى الفاعلية، ومن الأسر بكل معانيه الكريهة، إلى الحرية الفسيحة بكل أنواعها النبيلة.
إن العنوان الكبير الذي نذكره في الأول من شهر محرم في كل سنة هجرية هي بلا شك هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تحمل كل معاني الهجرة السامية، إذ كانت حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام والإنسانية وعبّرت عن ميلاد أمة شاهدة وحضارة عظيمة، صنعتها تضحيات جسام على طريق انتقال الفكرة من الاستضعاف في المجتمع بمكة إلى مكنة الدولة في المدينة، لهذه المعاني خرج عليه الصلاة والسلام من بلده، وما كان له أن يخرج منه إلا حين حورب في دعوته، وأوذي في أصحابه، وحوصرت رسالته، وتآمر عليه الملأ ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه، فلم يغادرها كرها لها، بل قال وهو يلتفت إليها: ((والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)).
غير أن الحديث الشريف أسس لأنواع كثيرة من الهجرة، بعد الهجرة، فصّل العلماء في أنواعها وأحكامها، فثمة الهجرة المعنوية، وهي أعظم الهجرات في حياة المؤمن وأبقاها، وبها يستحق صفة المهاجر وفق قوله عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). فكل مسلم، يريد أن يبقى في هجرة أبدية، مطالب بأن يهاجر من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الظلم إلى العدل، ومن سفساف الأمور إلى معاليها. وهذه الهجرة لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى حدود مفتوحة، لكنها تحتاج إلى قلب يقظ وإرادة صادقة. وربما هاجر الإنسان آلاف الأميال وبقي أسير شهوته، وربما بقي في موطنه لكنه هاجر بقلبه من كل ما يسخط الله إلى كل ما يرضيه. ولهذا كانت الهجرة المعنوية أبدية، لأنها معركة الإنسان مع نفسه، ومع عاداته الرديئة، ومع بيئته الفاسدة، ومع كل ما يجذبه إلى الهبوط.
ثم هناك الهجرة البدنية التي صنفها العلماء بين هجرة الهرب، للخوف من حدوث مكروه، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر منه، وهجرة الطلب رجاء الحصول على منفعة، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر إليه. وأحكام الهجرة البدنية تنقسم عند العلماء بين هجرة واجبة حين لا يستطيع المسلم أن يقيم دينه أو يحفظ نفسه وعرضه وكرامته إلا بالخروج من أرض يتعاظم فيها الظلم والفتنة إلى أرض يُحفظ فيها دينه ويُصان أمنه وكرامته وعرضه. وهناك هجرة مستحبة حين يكون الانتقال معينا على الطاعة والعلم والعمل الصالح ونفع الأمة. وهناك هجرة مباحة حين ينتقل الإنسان لطلب الرزق أو العلم أو العلاج أو السلامة. وقد تكون الهجرة ممنوعة أو مذمومة إذا كانت فرارا من واجب متعين، أو تركا لميدان يحتاج إلى الثبات، أو انتقالاً إلى موضع يضيع فيه دين المهاجر وخلقه وولاءه لأمته ووطنه، أو يضيع أهله وتفسد ذريته.
إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت هجرة سياسية، فكانت هجرة هرب من بطش كبّار قريش، وكانت في ذات الوقت هجرة طلب، للحصول على بيئة مرحبة لبناء المشروع، ولذلك تبقى الهجرة السياسية هرباً من الاستبداد، وطلبا لمواصلة العمل، من أقرب أنواع الهجرة إلى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فقد عرف عالمنا الإسلامي الحديث صورا قاسية من القمع، ومصادرة الحريات، وسجن الأحرار، ومطاردة أصحاب الرأي، وتضييق المجال العام، حتى اضطر كثير من الدعاة والمصلحين والمفكرين والسياسيين إلى مغادرة أوطانهم طلبا للأمان وحفظاً للكرامة. وهذه الهجرة السياسية قد تكون في بعض الأحوال ضرورة شرعية وإنسانية، حين يصبح البقاء تعريضا للنفس للقتل أو السجن أو التعذيب أو الإلغاء الكامل.
غير أن المفارقة المؤلمة في هذا العصر أن العالم الذي يتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان واللجوء والحريات لم يعد دائما مأمنا حقيقيا للمطاردين، فقد تضيق الدول باللاجئ السياسي، أو تساومه، أو تسلمه إلى جلاديه، أو تبتزه قوى خارجية لتوظيف قضيته في صراعاتها. لقد أصبحت الهجرة السياسية اليوم أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الأزمنة السابقة. فالحدود مراقبة، والاتفاقات الأمنية تتجاوز القيم المعلنة، والقوى الصهيونية الغربية تطارد كل حر أبي، وعملاءهم أشد شراسة منهم، واللاجئ قد يتحول إلى ورقة ضغط، والمعارض قد يجد نفسه مطالبا بالصمت أو بالتوظيف أو بالمساومة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الثبات داخل الوطن، حين يكون ممكناً، قيمة عظيمة وشرفا كبيرا، ومهما اضطر المصلح للخروج من بلده عليه أن يبحث لنفسه عن موقع قدم فيه، وأن ينتبه بأن مصلحة الاستبداد في إخراجه منه، وقد يدفعونه إلى ذلك دفعا.
ومهما يكن من أمر ، ليس كل خروج بطولة، وليس كل بقاء ضعفا، قد تكون الهجرة واجبة حين يستحيل العمل ويتهدد الإنسان في أصل حياته، وقد يكون البقاء أوجب حين يحتاج الوطن إلى من يصبر، ويصلح، ويربي، ويشهد بالحق، ويدافع عن الناس، ويحافظ على جذوة الأمل في الداخل. إن الثبات في الوطن، مع تحمل كلفة الكلمة والموقف، هو في أحيان كثيرة هجرة من الخوف إلى الشجاعة، ومن السلامة الفردية إلى المسؤولية العامة.
تلكم هي معاني حديث ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا)). لقد بقي الجهاد بعد الهجرة النبوية قائما إلى يوم الدين، وحيا الله “م” أن أحيت معانيه فينا، بقي جهاد النفس، وجهاد الاحتلال، والجهاد من أجل المقدسات، وجهاد الظلم، وجهاد البناء، وجهاد العلم، وجهاد الكلمة، وجهاد الإصلاح، وبقيت النية التي تحول الأعمال العادية إلى عبادة، والثبات إلى هجرة، والصبر إلى مقاومة، والعمل الوطني إلى قربى لله تعالى، والكفاح من أجل الأمة إلى سمو إيماني ورفعة في التاريخ، ونجدة أهلنا في غزة وفلسطين تديّن ومروءة ورجولة، وبقيت النفس المتحفزة، تستجيب للذكرى بلا كسل، وتنهض لنداء الواجب بلا وجل، وتتجاوب مع النفير في الصفوف الأول.
تلكم هي الهجرة الأبدية.
حين نتحدث عن المداخلة لا نقصد تيارا دينيا بعينه، يسمي نفسه التيار السلفي. أنا شخصيا أعرف هذا التيار ولم أر من المنتسبين إليه إلا الخير، سكنت في بيت بجوار مسجد من مساجدهم، فكانوا نعم الجيرة، في تدينهم وأخلاقهم، وخدمتهم القرآن الكريم، ولهم فضل على أولادي إذ حفظ بعضهم كتاب الله في كُتّابهم.
أما “المداخلة”، المعروفين في ساحة الجدل السياسي العقيم، فلا علاقة لهم بالدين ولا الأخلاق ولا العلم، ولا يظهر لهم ولاء لله ورسوله والمؤمنين، كما أنهم ظاهرة افتراضية لا وجود لها على الأرض، لا نلتقي بهم أبدا في المساجد ولا في أي مكان آخر، إنما هم شبكات مصنوعة في وسائل التواصل الاجتماعي، اغلبهم بحسابات مجهولة وأسماء مستعارة.
لا ينتمون لأي وطن، ومن كان منهم موجودا فعليا فإنما هو من عملاء الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية والإماراتية وبعض المؤسسات الأمنية للأنظمة الاستبدادية، يبيعون آدميتهم وكرامتهم من أجل مصالح دنيوية، لا يحترمهم من يُشَغّلهم لعلمهم بهوانهم، ومجون بعضهم، ودناءة نفوسهم وشرههم وطمعهم في ما في أيدي أسيادهم، إذ حين يلتقون بأسيادهم لأخذ التعليمات لا يطلبون إلا الامتيازات الدنوية من سكنات وفرص تجارية وخدمات مالية ووساطات مصلحية.
يعود تشكل هذا التيار إلى فترة الحرب الخليجية، حين استغلت الأجهزة الأمنية الخليجية بعض رموزهم، وحين نجح تجنيدهم تحولوا من ظاهرة دينية إلى حالة أمنية، فاقترح وزير الداخلية السعودي نايف بن عبد العزيز رحمه الله على المؤسسات الأمنية في البلاد العربية الاستفادة من التجربة لمواجهة التيارات الإسلامية الوسطية والقوى السياسية المعتدلة ذات الحضور الاجتماعي الكبير، فتورطت بعض الدول في احتضان هذا التيار الخطير على الأوطان، وانتبهت دول أخرى لخطورتهم، وكان آخر البلدان التي اقتنعت بحقيقة أمرهم المملكة العربية السعودية ذاتها في زمن محمد بن سلمان، ولكن بعد “خراب البصرة”، والسعودية التي هي البلد الذي شكّلهم ونشرهم في مختلف دول العالم الإسلامي، تضاءل وجودهم فيه، وصاروا يسيرون ملتصقين بالحيطان أمام موجات التغيرات الحاصلة به، لا يجرؤون على إنكار المناكر العظيمة، يواصلون سلوكيات التزلف بالدفاع على النظام الذي أذلهم ذاته.
إن مهمة هذا التيار هو تدمير العالم الإسلامي وتمزيقه ونشر العداوة بين شعوبه وخدمة الصهيونية والتمهيد للتطبيع في البلدان، ومحاربة رجال لإصلاح والحركات الإصلاحية خدمة للاستبداد والفساد.
ومن أهم مواقفهم التي تظهر فسادهم وخطورتهم على الإسلام والمسلمين:
– توجهاتهم التكفيرية وتبديع طبقات واسعة من علماء الأمة وعموم المسلمين، حول مواضيع من التاريخ الغابر أو القضايا العلمية التي لا تهم إلا عددا قليلا جدا من الناس مثل الدراسات التخصصية المتعلقة بأصول الدين، والتي لم تصبح من الثقافة العامة للمسلمين، ولا تمثل أولوية في محاربة التخلف والفقر ونهضة الأمم والأوطان، ومن ذلك تكفير وتبديع الأشاعرة والماتوردية، الذين منهم كبار علماء الأمة في التفسير والحديث والفقه واللغة والسلوك ومختلف العلوم، وإخراجهم جملة واحدة من دائرة أهل السنة والجماعة خلافا لرأي جمهور العلماء. مع ما تحمل هذه الأفكار التكفيرية والتبديعي من مخاطر على الأمة وأوطانها، إذ أثبتت التجربة بأنها قد تتحول في لحظة من اللحظات إلى عنف وإرهاب.
– إدخال الخلاف في قضايا فقهية محسومة منذ قرون من الزمن مثل تغيير الانتماء المذهبي المالكي في المغرب العربي، والتفريق بين المسلمين في أداء الصلاة والشعائر، وقد بدأت هذه الفتنة في الثمانيات بالدعوة إلى اللامذهبية، فوجد العديد من الناس أنفسهم يتحولون من المذهب المالكي إلى المذهب الظاهري لابن حزم الأندلسي رحمه الله، ثم بسبب صِلاتهم بالمملكة العربية السعودية، حوّلوا المصلين إلى المذهب الحنبلي لأحمد بن حنبل رحمه الله، دون أي حاجة لذلك، وكأنهم حملوا على كاهلهم تغيير انتماء سكان البلد من مذهب منحرف هو المذهب المالكي، وحاشاه أن يكون كذلك فهو مذهب سيد علماء مدينة رسول الله صلى عليه وسلم. وفي كل يوم من أيام عيد الفطر يدخلون الناس في فتنة حول كيفية تقديم زكاة الفطر، وفي كل مناسبة للمولد النبوي يشغلون الناس بفتنة عمياء تنسي ما يجب أن يكون من تأمل في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في الذكرى،وفي الحالتين (زكاة الفطر ومناسبة المولد) يخالفون قرارات الدولة وتوجهاتها، وهم أكبر من يزايد على الناس في شأن طاعة ولي الأمر في أمور أخرى تخدم الفساد الذي يحمونه.
– التناقض والنفاق والكيل بمكاييل مختلفة، في مسألة طاعة ولي الأمر، فلا يزايدون في ذلك إلا لصالح الأنظمة المستبدة التي تستخدمهم، ولكنهم في نفس الوقت يشعلون الفتن ويخرجون على الحكام المنتخبين بالإرادة الشعبية كما كان موقفهم ضد الرئيس مرسي في مصر، وضد حكومة النهضة في تونس، وذهبوا بعيدا في التآمر مع دولة الإمارات ضد الحكومة في تركيا، وفي ليبيا، وأما في السودان فتورطوا في جرائم مروعة، وهم اليوم يتآمرون ضد إيران لصالح القوى الصهيونية والأمريكية.
– ليس من سبب في التآمر على تركيا وإيران، والآن باكستان، سوى ضرب دول مهمة وقوية وذات سيادة في الأمة خدمة لمخططات معادية للإسلام والمسلمين، فما يوحد من سلبيات في تركيا، تتعلق بالعلمانية ومظاهر الفساد والتطبيع وعلاقات مع الولايات الأمريكية المتحدة، يوجد مثله وأضعافه في دول أخرى يتهجمون على من يعارضها، وما وقع من جرائم من الإيرانيين في سوريا وقع أكثر وأخطر منه في السودان على يد أهم دولة ترعاهم حاليا وهي دولة الإمارات.
– أداء دور التخذيل في الأمة لصالح أعدائها وضرب معنويات المسلمين والدعوة إلى ترك شعيرة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني في مصادمة مفضوحة للنصوص الشرعية، والتهجم المستمر على الـ “م”، والتشكيك في نتائج الـ “ط” ، والأفول الواضح للولايات الأمريكية المتحدة، خلافا لتصريحات ودراسات شخصيات ومراكز دراسات كثيرة جدا وذات مصداقية عالية في امريكا واوربا والعالم بأسره، ومنتجاتها منتشرة ومعلومة لدى الجميع.
– الوقوف ضد كل من يلتزم بالإصلاح السلمي والسياسي لوجه الله تعالى وخدمة للأوطان، وكرههم لا لشيء إلا بسبب التزامهم الديني، ومستوياتهم العلمية والفكرية العالية، واتهامهم باتهامات باطلة، من دون أي دليل أو قرينة، إلا بغرض الإرجاف، على نهج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني إ مع الأنبياء.
– ولاؤهم الأساسي لأنظمة خليجية وليس لأوطانهم ولا لأمّتهم، خلافا للحركات الإسلامية الوسطية التي توالي أوطانها وأمتها وتشتغل في شفافية ضمن المنظومات القانونية والدستورية وتعمل ضمن عمل سياسي وثقافي واجتماعي مشروع وشرعي قانونا وعرفا.
– تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية، وليّ النصوص والكذب على شرع الله، وعلى الحقائق التاريخية، وتجيير الأحداث الغابرة بما يخدم الشقاق والتركيز على الصفحات السوداء في تاريخ المسلمين.
– التفنن في السلوكيات المنافية للدين والأخلاق، كالكذب على الناس، والبهتان والنميمة، والشتم، والسب، والوشاية، وتتبع السقطات.
كل هذه السلوكيات والتوجهات لا يمكنها أن تجتمع في مسلم سوي يؤمن بالله واليوم الآخر، فما هذا التيار سوى معول هدم للأمة وطابور خامس يشتعل بلا هوادة ضد المسلمين ضمن مخططات شيطانية، دولية ومحلية، كثير من تمظهراته غير حقيقية، وما كان منه حقيقيا فهو جزء من عصب غير متدينة أو منحرفة أو عميلة أو جاهلة.
وهم في كل الأحوال ظواهر غير ذات تأثير ، ولا مصداقية، ورغم الأموال الضخمة التي تنفق، والمجهودات الكبيرة التي تبذل، لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم، فلا حملاتهم الدعائية تنجح، ولا مكائدهم تتوج، ولا يتجاوز عملهم الأذى العابر الذي يصيب الصالحين، على نحو ما أصاب النبي من أذى المنافقين، وعلى شاكلة ما وصل الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين من إساءات المرجفين.
وكم مر على الأمة من هجمات من أمثال هؤلاء ثم اندثروا وما بقي إلا الذكر الطيب للصالحين، والإنجازات العظيمة لصالح الإسلام والمسلمين.
وصدق الله تعالى إذ يقول:
((لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (آل 111))
((لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب 60))
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال36))
((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (الحج 38)
حين ينظر الكثيرون إلى مجازر الاحتلال الفرنسي منذ وطأت أرجله المدنَّسة أرض الجزائر الطاهرة يعتقدون بأنها أفعال قادة سياسيين وعسكريين مجرمين يبحثون عن المجد والمنافع المادية فحسب. كل متمعن في الخلفيات الدينية والفلسفية لحركة الاحتلال يدرك بأن أولئك المجرمين يقتلون بلا وخز للضمير، متسلحين بقناعات دينية وفلسفية تشكلت عبر قرون طويلة في تاريخ الحضارة الغربية، المسيحيةـاليهوديةـ العلمانية، ويهدف هذا المقال إلى تبيان ذلك، مرحلة بعد مرحلة.
تندرج مجازر الثامن ماي في قالمة وسطيف وخرّاطة، ضمن هذه الخلفيات الدينية والفلسفية، وهي جزء من مسيرة الإجرام الفرنسي في الجزائر منذ بداية الاحتلال حين تعامل الاستعمار مع المقاومة الشعبية في إطار سياسة الأرض المحروقة ضد المدنيين العزل، وسياسات الإبادة والقتل الجماعي للسكان بالسلاح، وبالغاز في المغارات حين يحتمي بها الناس، كما حدث في غار الفراشيح لقبيلة أولاد رياح بنواحي مستغانم عام 1845، إلى حرق القرى والمداشر بأهلها وحيواناتها بالنابالم أثناء الثورة النوفمبرية، التي أراد بها ديغول إخضاع الجزائريين المدنيين، واستعماله “الغازات السامة” و”الغازات الخانقة” ضد المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، في صورة مطابقة لما قامت به النازية ضد اليهود، وما يقوم به اليهود ضد الفلسطينيين اليوم.
وستبقى “الجرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” التي قام بها الاحتلال الفرنسي في 8 ماي 1945 من أبشع جرائم الحضارة الغربية ضد الإنسانية، وهي جرائم فاق فيها عدد الشهداء في ثلاثة أيام عدد شهداء غزة في سنة. ولو كانت التغطية الإعلامية متاحة كما هو الحال اليوم لضجّت الأرض بتلك الفضائع في كل نواحيها في العالم.
ولم يكن سبب الإجرام عمليات جهادية غير محسوبة، كما يقول المتخاذلون والمنافقون بخصوص طوفان أ اليوم، أو ما قاله أمثال هؤلاء بخصوص هجمات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، وما تبعها من بطش فرنسي في حق المدنيين آنذاك.
في الثامن ماي خرج الجزائريون في مسيرات سلمية للمطالبة بالاستقلال الذي وعدهم بها قادة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.
تمعنتُ كثيرا في تشابه جرائم الإبادة التي قام بها الأوربيون ( خصوصا الإسبان والفرنسيون والإنجليز) ضد السكان الأصليين في الأمريكيتين، وما قام به الاحتلال البلجيكي في الكونغو ، وكل القوى الاستعمارية في البلاد التي احتلتها، في إفريقيا وآسيا، والجريمة الكبرى بالقنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي باليابان التي اقترفها الأمريكيون، وما يقوم به الصهيانة اليوم على مرأى ومسمع العالم من جرائم حرب وإبادة جماعية. وعند الدراسة علمت بأن ثمة قاعدة فكرية وفلسفية واحدة شكلت هذه العقلية الإجرامية.
كنت بصدد تتبع التطور الفلسفي في العلاقة بين رجال العلم والفلسفة، والمسيحية، منذ القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر، فوجدت أن أغلبية الفلاسفة، سواء كانوا مسيحيين يدافعون عن المعتقدات الدينية أو ملاحدة أو ربوبيين ( يؤمنون بمسبب للكون دون الإيمان بالأديان) يشجعون حركة الاستعمار، وكثير منهم يبررون الإبادة إما دينيا أو فلسفيا.
ومما شدني إلى فكرة ربط أحداث ماي بالأبعاد الفلسفية والدينية للحضارة الغربية، نص صادم قرأته عن الفيلسوف “هربرت سبنسر” (Herbert Spencer- 1820-1903) أثناء إعداد كتاب أنا بصدد تأليفه عن “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”. يقول سبنسر في هذا النص، وهو يجيب عن موقفه من الاستعمار وقتل الشعوب المحتلة: “إذا قيل إننا، على طريقة العبرانيين الذين كانوا يعتقدون أن من حقهم الاستيلاء على الأراضي التي وعدهم الله بها، بل وإبادة سكانها أحيانًا، نقوم نحن أيضًا ـ استجابةً لما نراه إرادةً ظاهرة للعناية الإلهية ـ بتجريد الأجناس الدنيا من أراضيها كلما احتجنا إلى تلك الأراضي، فيمكن الرد بأننا، على الأقل، لا نقتل إلا من يكون من الضروري قتله، ونُبقي على حياة الذين يخضعون”.
والمفارقة في هذا النص أن سبنسر يعبر عن شخصية ازدواجية، تشبه نفاق القادة الصهاينة والغربيين اليوم الذين يعلنون عن دفاعهم عن الحرية والديمقراطية ولكن يشجعون الاستبداد ويحتلون الشعوب ويقترفون المجازر في حقهم.
ف”هربرت سبنسر” ليبرالي متطرف يظهر اعتراضه للتوسع الامبريالي لأغراض سياسية تتعلق بمواقفه ضد الدولة المسيطرة، ولكنه عنصري يؤمن بأن “البقاء للأقوى” وهو المؤسس الأول لفكرة الارتقاء والتطور في الجانب الاجتماعي قبل اشتهار الفكرة في الجانب البيولوجي مع داروين، فهو على هذا الأساس يعتبر بأن أخذ الشعوب المتطورة لأراضي الشعوب المتخلفة أمر طبيعي وإن قاوموا الاحتلال وجب قتلهم حتى يخضعوا.
ويذكرنا سبنسر في هذه المقولة بأن الجرائم العبرانية في حق غيرهم مبررة في ديانتهم بالأمر الإلهي لأخذ بلدان غيرهم.
وحينما نتابع موقف الدينيين وغير الدينيين نجدهم جميعا على ذات النهج:
ففي الديانة “اليه&ود”ي..ة” المتحالفة اليوم مع المسيحية الإنجيليّة تُعدّ الإبادة وقتل الأطفال والنساء وتدمير المدن ذات خلفية تلمودية صار يُعلن عنها صراحة، وتُقرأ نصوصها على الجنود وفي وسائل الإعلام، وقد كُتب في ذلك الكثير فلا داعي للوقوف عنده.
وأما في المسيحية، فإن الفتوى بقتل الشعوب المحتَلة بدأت مبكرا مع القديس أغسطينوس (Saint Augustin – 354-440)، وهو من أبرز اللاهوتيين الذين ثبَّتوا عقيدة التثليث عبر كتابه المشهور “عن الثالوث” (De Trinitate)، فكان نوميديا مواليا لعقيدة المحتلين الرومانيين الأجانب وسندا لهم بالفتوى الدينية لاضطهاد وقتل أبناء بلده “الدوناتيين” الذين بقوا على التوحيد، باستخدام نصوص من إنجيل لوقا: ” أكرهوهم على الدخول (Compelle Intrare- 23/14)”.
وكان دوره حاسما ضد ثورة الشباب “الدوّارين” أتباع المسيحية الوطنية تحت قيادة القس “دوناتوس”، الذين كانوا يهجمون على المزارع الرومانية ويعطون ما يأخذونه للفقراء من أبناء بلدهم. ولو لا فتاوى أوغسطينوس ( الذي يحتفي به بعض الجزائريين دون معرفتهم للتاريخ أو إرضاء للقوة المتغلبة) وما تبعها من قتل جماعي واضطهاد شديد لانزاح الاحتلال الروماني قبل أن ينهي وجودهم الوندال لاحقا في معركة قُتل فيها “أوغسطينوس” دفاعا عن روما.
وأثناء مرحلة الاستكشاف للقارة الأمريكية لعبت الكنائس المسيحية ( الكاثوليكية والبروتستانتية) دورا محوريا في إبادة واضطهاد السكان الأصليين. ففي القرن الخامس عشر، أصدر البابوات “مراسيم بابوية” ( Inter Caetera عام 1493) تمنح الملوك الأوروبيين (الإسبان والبرتغاليين) الحق في غزو الأراضي غير المسيحية واستعمارها، وإخضاع سكانها، معتبرة أن هذه الأراضي هي “ممتلكات لا صاحب لها” (Terra nullius) لأنها لا تتبع للمسيحية، مما أضفى شرعية دينية على الاستيلاء على الأراضي وإبادة السكان.
كما استخدم المستعمرون البيض، النصوص الدينية البروتستانتية، خاصة للطائفة البيوريتانية (التطهريون) في أمريكا الشمالية، لتبرير “حرب الإبادة” ضد السكان الأصليين، معتبرين أنفسهم “شعب الله المختار” وأن السكان الأصليين هم عقبة أمام تحقيق الوعد الإلهي.
كما تسببت “المدارس الداخلية” والتبشير القسري مأساة لا تخطر على البال لأجيال من السكان الأصليين، خاصة في كندا والولايات المتحدة. وتحت الضغوط المتصاعدة من ممثلي السكان الأصليين ومنظمات ذاكرة الحرية اعترف البابا السابق “فرانسيس” عام 2022 بجرائم الكنيسة في تلك المراحل وأصدرت البابوية عام 2023 وثيقة رسمية اعتذارية بهذا الشأن.
وما حدث من تبرير لجرائم الاحتلال من قبل المسيحية في امريكا وقع في كل البلدان المحتلة في الهند والدول الآسيوية الأخرى وفي أفريقيا. وفي الجزائر شارك في احتلال الجزائر 200 فارس من فرسان مالطا الصليبيين، ونالت حملة الاحتلال بركة البابا، وسُمي الجنود الفرنسيون ب “جنود المسيح”، ثم كان الأساقفة والرهبان الأذرع الدينية للاحتلال الفرنسي للجزائر والتبرير لجرائمه والجوسسة والتنصير والمحو الثقافي، أمثال “الكاردينال شارل لافيجري” ( Charles Martial Lavigerie- 1825-1892)، و”الراهب شارل دوفوكو” ( Charles de Foucault- 1858-1926).
أما عن الفلاسفة فإن تبرير الاستعمار والاضطهاد والاسترقاق بدأ مبكرا في الفكر الغربي مع أرسطو وفق مفهومه لـ”العبيد بالطبيعة” الذين يفتقدون للعقل المدبر ولا يصلحون إلا لخدمة الأسياد، وقد مثلت فلسفته غطاء لسحق السكان الأصليين في أمريكا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وقد يندهش القارئ حينما يعلم بأن منظري العقد الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك القرون وما بعدها هم أنفسهم الذين نظّروا للاحتلال وبرروا الإبادة، فهذا جون لوك (1632-1704 John Locke) الإنجليزي، أب الليبرالية والمنادي بالحقوق المدنية، دعم مصادرة أراضي السكان الأصليين في أمريكا بحجة أنها أراض فارغة لا مالك لها ـ كما هي الرواية الص&هي..ون”ية المعاصرة ـ ووصف أصحاب الأرض بـ”الوحوش الضارية” التي يجوز القضاء عليها مثل الأسود والنمور إذا قاومت التوسع الاستعماري، كما ساهم في كتابة دساتير الولايات الأمريكية التي منحت السلطة المطلقة للأسياد على العبيد المختطفين أحرارا من إفريقيا، وكان هو ذاته مساهما في الشركات التي تتاجر بالعبيد.
وهذا هيغل (1770-1831 Georg Wilhelm Friedrich Hegel) الألماني، صاحب النظرية الفلسفية الأخلاقية، اعتبر الأفارقة والهنود شعوبا بدائية خارج التاريخ لا تدرك معنى الحرية، وأن استعمارها ضرورة لإدخالها عالم الحضارة. كما سار إيمانويل كانت (1724-1804 Immanuel Kant) ودافيد هيوم (1711-1776 David Hume) على الاتجاه العنصري ذاته، إذ تحدثا عن تفوق العرق الأبيض واعتبرا الشعوب غير الأوروبية أقل قدرة على العقل والتنظيم والمدنية.
ثم جاء هربرت سبنسر (1820-1903 Herbert Spencer) صاحب النظرية التطورية الاجتماعية ليمنح الاستعمار بعدا “علميا” عبر فكرة “البقاء للأصلح” كما بيناه أعلاه، فاعتبر هيمنة الشعوب القوية على الضعيفة نتيجة طبيعية للتطور التاريخي، وبرر الاستيلاء على أراضي “الأعراق الدنيا” وقتل المقاومين منهم عند الضرورة.
أما جون ستيوارت ميل (1806-1873 John Stuart Mill)، المنظّر الشهير للحرية الفردية، فقد رأى أن الحرية لا تصلح إلا للشعوب “المتحضرة”، وأن الشعوب المتخلفة يجوز إخضاعها بالحكم الاستبدادي حتى تتعلم المدنية، وقد عمل بنفسه في شركة الهند الشرقية البريطانية التي أدارت استعمار الهند ونهبها.
وهذا أوغست كونت (1798-1857 Auguste Comte) مؤسس الفلسفة الوضعية اعتبر الحضارة الأوروبية أعلى مراحل تطور الإنسانية، ومنح الاستعمار الأوروبي صورة “الرسالة الحضارية” تجاه الشعوب الأخرى.
أما الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Alexis De Tocqueville – 1835-1859) فقد عبّر عن الوجه البشع لليبرالية وتناقضه المقزز مع دعواته للديمقراطية في أشهر مؤلفاته، تماما كما هو حال الليبرالية الغربية، فهو الذي دعا إلى احتلال الجزائر لأغراض توسعية مكشوفة لدعم مكانة فرنسا أمام الدول، ودافع عن ذلك في البرلمان الفرنسي، ولم يكتف بالاحتلال العسكري فدعا إلى استيطان إحلالي للسيطرة من خلال تغيير الديمغرافية، وتبنى في كتاباته ومنها كتاب ” عمل عن الجزائر” عام 1841 سياسة إجرامية داعيا إلى استعمال القتل والإبادة لفرض الوجود الاستعماري، ونظّر لتفكيك المجتمع الجزائري، والفصل بين مكوناته وضرب وحدته
أما إرنست رينان (1823-1892 Ernest Renan) فقد دافع صراحة عن تفوق العرق الأوروبي وعن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وقسم البشرية إلى أعراق عليا وأخرى دنيا.
ثم جاء آرثر دو غوبينو (1816-1882 Arthur de Gobineau) صاحب نظرية “تفاوت الأجناس البشرية” ليضع الأساس الفكري لنظريات التفوق العرقي الآري، قبل أن يعمق هيوستن ستيوارت تشامبرلين (1855-1927 Houston Stewart Chamberlain) هذه الرؤية ويجعل من العرق الجرماني مركز الحضارة الإنسانية.
وحتى تشارلز داروين (1809-1882 Charles Darwin)، رغم أن نظريته كانت بيولوجية في أصلها، فإن “الداروينية الاجتماعية” التي تعضّدت بها “الداروينية الاجتماعية” نقلت فكرة الانتقاء الطبيعي إلى المجتمعات البشرية، فصار الاستعمار وإقصاء الشعوب الضعيفة وحتى إبادتها يُقدَّم كنتيجة طبيعية لصراع البقاء.
ثم جاء فرانسيس غالتون (1822-1911 Francis Galton) مؤسس “تحسين النسل” ليدعو إلى تشجيع تكاثر “الأعراق المتفوقة” والحد من تكاثر “الأعراق الدنيا”، وهي الأفكار التي تحولت لاحقا إلى سياسات عنصرية وإبادية في أوروبا وأمريكا.
وهكذا يتبين أن طبقات واسعة من رواد الفلسفة الغربية الحديثة التي رفعت شعارات الحرية والعقل والإنسانية كانوا في الوقت نفسه يوفرون الغطاء الفكري للاستعمار والعبودية وسحق الشعوب الأصلية باسم الحضارة والتقدم والتاريخ.
ولكل هذا، لا عجب أن يسجل التاريخ جرائم بالحجم الفضيع والمروع كما حدث في الثامن من ماي 1945، فالعقلية الغربية عقلية إجرامية، في كل مكان في الأرض، بأبعادها المسيحية واليهودية والإلحادية والربوبية، مقتنعة بأن ما تقترفه في حق الشعوب، من إبادة في حق الرجال والنساء والأطفال، وتدمير للبيوت والمنشآت المدنية هو عمل طبيعي، بل ضروري. وهؤلاء هم الممكنون في بلدانهم، وخطهم الإجرامي هو الخط الثابت المسيطر الذي لا توقفه أصوات الأحرار وأصحاب الضمائر من شعوبهم الذين لا قرار لهم ولا مكنة. فكيف يُتوقع الوصول إلى حل مع قادة هذا هو تكوينهم وهذه قناعاتهم سوى مقاومتهم وإخضاعهم لإرادة الشعوب؟ وهل يُتوقع أن يكون للأصوات الحرة من فاعلية إن لم تتناغم معهم مقاومة الشعوب المحتلة والمضطهدة؟
عبد الرزاق مقري.
بقلوب يعتصرها الحزن، وبمشاعر يملؤها الوفاء والتقدير، نودّع اليوم رجلًا من طراز خاص، عن عمر يناهز 37 عاما من عمره. ورغم شبابه جمع في شخصيته مزايا متعددة وأنجز من الأعمال ما يتجاوز عمره. جمع المرحوم بين الفكر والدبلوماسية، وبين الرؤية والعمل، فكان من القلائل الذين لا يُختزل حضورهم في موقع أو منصب، بل يمتد أثرهم عبر مؤسسات وعلاقات ومشاريع عديدة. نودّع المرحوم داتو سري قمر النعيم بن محمد فيصل، الذي لم يكن لقبه الشرفي الرفيع (داتو سري) الذي مُنح له من قبل دولة ماليزيا تكريمًا لخدماته الوطنية والدبلوماسية إلا انعكاسًا لمسيرة حافلة بالعطاء والتأثير.
لقد كان الفقيد عضوًا مؤسسًا لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة (منتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حاليا)، وعضوا فاعلا في أمانته العامة ومجلس أمنائه، وعضوا في مجلس أمناء “مؤسسة بردانا” المؤسسة الشريكة لمنتدى كوالالمبور في ماليزيا. ساهم المرحوم بفاعلية كبيرة في مختلف أنشطة المنتدى، وخاصة مؤتمراته الدولية حيث برز دوره بشكل لافت في القمة التي نظمها المنتدى سنة 2019 ،تحت قيادة الدكتور مهاتير محمد، والتي جمعت رؤساء ومسؤولي الدول المشاركة (ماليزيا وتركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا)، إلى جانب قيادات فكرية ومجتمعية من أكثر من ثلاثين دولة، حيث كان رحمه الله من أبرز من أسهموا في إنجاح القمة، كمدير لها، من خلال التنسيق وتشبيك العلاقات وبناء مساحات الحوار والتعاون.
وإلى جانب حضوره الفاعل في المنتدى، الذي يشهد على التزامه بقضايا الفكر والحضارة في الأمة الإسلامية، والتعاون والتكامل بين المسلمين، تميزت مسيرته بنشاط متميز ضمن دائرة أوسع في المجلات الدبلوماسية والاستراتيجية، إذ كان مُيسّرا دبلوماسيا ومستشارا سياسيا استراتيجيا، ارتبط بعلاقات عمل وثيقة مع عدد من كبار القادة، وفي مقدمتهم الدكتور مهاتير محمد، حيث شغل منصب مبعوث خاص له، وأسهم في دعم حضور ماليزيا كقوة جامعة في العالم الإسلامي.
وقد تقلّد الفقيد مناصب رفيعة ومتعددة على المستويين الدولي والوطني، من بينها مستشارا لشركة الاستكشافات النفطية الكويتية (KUFPEC)، ومديرًا عامًا لشركة Alp Global في إسطنبول، إلى جانب عضويته في عدد من المؤسسات الدولية، كما أسهم في العمل الأكاديمي من خلال موقعه في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية (USIM) وزمالته في الجامعة الوطنية الماليزية (UKM).
وقد كان حضوره الدولي لافتا، حيث شارك في لقاءات رفيعة المستوى مع عدد من قادة العالم، وكان ضيفا مكرّما ومساهما في قمم دولية كبرى، وشارك في حوارات استراتيجية مع قيادات دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، كما اضطلع بأدوار مهمة في تعزيز التعاون بين دول الجنوب في العالم، وبناء جسور التفاهم في قضايا السلم والتنمية.
ومن أبرز ما ميّزه أيضًا إتقانه للغات الملايوية والإنجليزية والعربية، وهو ما مكّنه من التحرك بثقة بين فضاءات متعددة، وأن يكون جسرا حيا بين عوالم سياسية وثقافية مختلفة.
ولم يكن حصوله على وسام “بانغليما نغارا بينتانغ ساراواك” (PNBS)، الذي يُعد من أرفع الأوسمة في ماليزيا، إلا تتويجا لمسيرة زاخرة بالعطاء، وتجسيدًا لمكانته الوطنية والدولية.
غير أن الحديث عن داتو سري قمر النعيم لا يكتمل دون الإشارة إلى الجانب الإنساني الذي عرفناه عن قرب بأدبه الجم وعباراته اللطيفة وابتسامته الدائمة. فقد تشرفت باللقاء معه كلما زرت ماليزيا ، وفي العديد من الدول، في إطار مهمتي كأمين عام للمنتدى ، وكان حاضرًا معنا بشكل دائم في لقاءاتنا مع الدكتور مهاتير محمد، كما جمعتنا به جلسات مطوّلة تبادلنا فيها أطراف الحديث حول التجربة الماليزية، وأحوال الأمة، وقضيتها المركزية فلسطين، ولم يكن يتوانى في التدخل لتسهيل مهامنا في ماليزيا وتذليل الصعوبات التي تلاقينا. ورغم تميزه بسلوك التحفظ بصفته رجل دولة، فقد كان قريبًا، عميق الفكرة، ثريّ التجربة، واستفدنا منه كثيرًا في فهم تعقيدات الواقع، وفي إدراك أبعاد العمل الدولي، وفي استحضار المعنى الحقيقي للتعاون من أجل مصلحة الأمة.
إن رحيله ليس فقدًا لشخصية عامة فحسب، بل هو فقد لتجربة، ولرجل جمع بين الرؤية والقدرة، وبين الفكر والممارسة، وترك أثرا سيبقى ممتدًا في مساحات العمل التي خدمها بإخلاص.
رحم الله الفقيد، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ونسأل الله أن يجزيه عن أمته خير الجزاء، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
عبد الرزاق مقري
الأمين العام لمنتدى العالمي الإسلامي للفكر والحضارة
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نفتح ملف صناعة نموذج حضاري جديدمن أزمة النموذج الاقتصادي الريعي، إلى إشكالية الحكم، إلى غياب اقتصاد المعرفة، وصولًا إلى سؤال النهضة الحقيقي: كيف نبني نموذجًا حضاريًا بديلًا؟
نتناول في هذه الحلقة: شاهد من الواقع، الحكم الراشد كشرط حضاري، التوافق كآلية انتقال حضاري، من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة، تمثيل البعد الأخلاقي في النظام الدولي.
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نفتح ملف صناعة نموذج حضاري جديد
من أزمة النموذج الاقتصادي الريعي، إلى إشكالية الحكم، إلى غياب اقتصاد المعرفة، وصولًا إلى سؤال النهضة الحقيقي: كيف نبني نموذجًا حضاريًا بديلًا؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الحكم الراشد كشرط حضاري
التوافق كآلية انتقال حضاري
من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة
تمثيل البعد الأخلاقي في النظام الدولي
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، نفتح ملف القادة وصناعة الاتجاه داخل التيارات الحضارية.
من السيرة النبوية إلى التجارب المعاصرة، نقرأ كيف تُبنى القيادة، وكيف يضمن التيار استمراره عبر صناعة القادة لا الاِكتفاء بالأفراد.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
من هم القادة؟
النموذج النبوي في صناعة القادة
النموذج المعاصر: التيار وصناعة القادة
كيف يصنع القادة الاتجاه؟
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، نقف عند أخطر لحظة في عمر أي مؤسسة أو مشروع: إدارة لحظة التحول.
من قصة موسى عليه السلام، إلى بدر والخندق ومؤتة، وصولًا إلى نماذج معاصرة في إدارة الصراع والمقاومة، نكتشف كيف تُصنع القرارات المصيرية في اللحظات الحرجة.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
ما معنى إدارة لحظة التحول؟
المهم أن لا تشترط على الله.
غزوة مؤتة: نموذج في إدارة لحظة التحول
النموذج العملي – طوفان الأقصى
عناصر إدارة التحول الناجح
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، ننتقل من الوعي إلى الفعل، من الفكرة إلى الإنجاز، ومن الإدراك إلى صناعة المستقبل.
نناقش كيف تتحول المبادرات العملية إلى نقطة الانطلاق الحقيقية لأي نهضة، وكيف يصبح الفرد المؤمن فاعلًا في التاريخ لا متفرجًا عليه، من خلال قراءة عميقة للسيرة النبوية، وتجارب المقاومة، وسنن التغيير الحضاري.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الوعي وحده لا يكفي
النموذج النبوي في تحويل الوعي إلى فعل
طوفان الأقصى: الوعي المتجسد
مركزية المبادرات العملية
في هذه الحلقة من برنامج المسافة صفر، ننطلق من لحظة سقوط بغداد، لنفهم كيف تتعامل الحضارات مع الانكسارات الكبرى، ولماذا لا تكون الهزيمة دائمًا نهاية الطريق.
نتناول في هذه الحلقة:
إدراك السنن وتحرير الوعي من أسر اللحظة
البنية الحضارية العميقة
الوعد الرسالي واستمرارية المشروع
قراءة التحولات العالمية بعين حضارية
الأمل بوصفه مشروعًا
contact@abderrazakmakri.com