يُعدّ عبد الرحمن بن خلدون من أعظم مفكري الحضارة الإسلامية، ومؤسّس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع من خلال نظريته في العمران البشري. جمع بين التجربة السياسية والنظر العقلي، ففسّر نشوء الدول والحضارات وسقوطها وفق سننٍ اجتماعيةٍ ثابتة. اشتهر بنظريته في الأطوار الخمسة للدولة والأجيال الثلاثة التي تنتقل من القوة إلى الضعف، وبمقولته الخالدة “الظلم مؤذن بخراب العمران” التي تُعبّر عن فهمه العميق للعلاقة بين العدل ودوام الملك. ورأى أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب في لباسه وعاداته وفكره، لأنّ الغالب يملك سطوة النموذج والمثال. وفي الاقتصاد، حذّر من فساد الأسواق حين ينافس الحكامُ التجار، واعتبر أن الجباية والترف من علامات انهيار الدول. لقد أقام ابن خلدون فكرًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وصاغ رؤيةً خالدة في دورة العمران الإنساني لا تزال صالحة لتفسير سنن الحضارة عبر العصور.
لقد اهتم كثير من العلماء بمسألة الدائرة الحضارية للأمم، وبقضية نهوض وسقوط الحضارات، من خلال علم التاريخ القديم والحديث، ولكن يعدّ عبد الرحمن بن خلدون المرجع المؤسس لهذا العلم في البشرية جمعاء.
لقد كان ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، إذ لم يكتف بسرد الوقائع التاريخية كما فعل من قبلَه، بل استخرج منها قواعد السنن الاجتماعية ليفهم الناس أسباب الرقي والتدهور البشري، وقيام وسقوط الدول. فهو يقول في تعريف التاريخ: “في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيَّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتؤدِّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمَّروا في الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق”(1).
حينما تحدث ابن خلدون عن الحضارة، لم يكن المصطلح دقيقًا كما هو اليوم. فقد تناول مفاهيم الدولة، والعمران، والحضارة بشكل متداخل، إلى درجة يُخيّل معها لغير المتخصص أنه يتحدث عن موضوع واحد.
وهذا أمر شائع عند المفكرين الذين يكتبون بزخم فكري، حيث يكون التركيز على المعنى العميق أكثر من تدقيق الألفاظ، خاصةً حين لا تتاح لهم فرصة مراجعة مصطلحاتهم أو عرضها في حلقات علمية. لكن بالتدقيق في استعمالاته، نفهم بوضوح الترابط بين المفاهيم الثلاثة. فابن خلدون يرى أن “مقصد العصبية هو الدولة، وغاية الدولة هو العمران، ونهاية العمران هو الحضارة”(2). فالدولة عنده لا تقوم إلا بعصبية قوية تطلب المُلك، وتغلب العصبيات الأخرى، وخاصةً إذا كانت العصبية الحاكمة قد ضعفت. وحين يستقر المُلك للعصبية الغالبة، يتجه أصحابها إلى تأسيس العمران وتنميته في شؤون الحياة كافة، وهو ما نسمّيه اليوم “النهضة”. يتطور العمران إلى أن يبلغ مستوىً عال من التقدّم الثقافي والاجتماعي والفني، فتنشأ الحضارة التي يراها ابن خلدون في بعدها الاجتماعي والسياسي بأنها قمة العمران والتحكم في الصنائع وأعلى درجات التطور الاجتماعي، وفي بعدها الشخصي بأنها: “تفنّن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش وسائر عوائد المنزل”(3). فإذا “أخذت الدولة في الترف وبلوغ غايته، فسرعان ما ينهار ما شُيّد، ويبدأ الهرم يدبّ في أوصالها، فإن الترف يفسد الأخلاق ويُميت الهمم، ويجلب العجز عن الكسب والمعاش. فإذا رسخ ذلك في النفوس وصار خُلقًا وغريزة، ضعفت الدولة عن الدفاع وسقطت الهيبة، وبدأت في طريق الانقراض” (4)
إن التأمل في أسباب سقوط ونهوض الدول والحضارات، ودراسة ما ذهب إليه العديد من العلماء والمفكرين في تناولهم للموضوع يؤكد أن ما ذهب إليه ابن خلدون يسهم أكثر في فهم أحوال الدول والحضارات. وقد حاولت إسقاط ما توصلت إليه في هذا الشأن في برنامجي “تحدي العبور” (5)، حيث شرحت أن نهوض وسقوط المنظمات والدول والأمم والحضارات يكون على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة يحملها شخص يُقنع بها مجموعة من الأشخاص حوله فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته، ثم يتوصل هؤلاء الأشخاص ومن تبعهم إلى نشر الفكرة في المجتمع بالدعوة إليها وتأسيس تنظيمات ومؤسسات مختلفة ومراكز تأثير تديم نشاطهم وتعمق أثرهم حتى ترسخ الفكرة في المجتمع وتستحكم في مختلف مستوياته وشرائحه، بل يصبح لها أنصار وربما أتباع داخل مؤسسات الحكم، إلى أن تتجاوز في انتشارها وتأثيرها الأشخاص والتنظيمات التي أنشأتها أو دعت إليها، فتنتقل الفكرة ورجالها إلى الدولة، فإن كانت الفكرة صحيحة وأصحابها ذوو قوة وكفاءة تستقر في الدولة ويطول أمدها فتحقق نهضة شاملة في مختلف المجالات الضرورية والحاجية والتحسينية، إلى أن تبلغ منتجات النهضة مستوى عاليا من الرقي والوفرة فتطلبها الأمم الأخرى وتحرص على اقتنائها والتوصل إلى إنتاجها بالمحاكاة والتعلم خارج الإطار الإقليمي لتلك الدولة الناهضة فتتحول نهضة تلك الأمة إلى مستوى الحضارة العالمية”.
يشير ابن خلدون عبر فقرات متناثرة في المقدمة إلى ما يدعم هذا المسار، بأسلوب ومفردات واقعه وزمانه، وبما أن السنن الاجتماعية هي قوانين لا تتغير ولا تتبدل مثلها مثل القوانين الكونية فإن التعمق في شأن السياسة والتحولات الاجتماعية، نظريا وعمليا، يؤدي إلى نفس النتيجة في كل عصر وإنما الذي يتغير هو قواعد العمل السياسي وأدواته ونظمه، وكذا المؤثرات الجديدة وطرائق التدافع الاجتماعي.
يعتبر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الكتاب الأول من الباب الأول أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان مدني بطبعه، فهو في حاجة إلى غيره من البشر لاكتمال حاجته من الغذاء والمدافعة وما تقوم به حياته على العموم، وهذه الحياة المدنية تنشأ عنها واقعات العمران البشري أو أحوال الاجتماع الإنساني التي تتطلب التنظيم الضروري لاستقامة واستمرار الحياة البشرية، فاهتدى إلى ضرورة قيام الملك ( بمعنى الحكم) قبل صنّاع نظرية العقد الاجتماعي بقرون من الزمن عند المفكرين الغربيين، أمثال توماس هوبس وجان جاك روسو وجون لوك، على ما بينهم من اختلاف في الموضوع.
لقد أكد ابن خلدون في الفصل السابع عشر “أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض”، ويؤكد أن الهدف من الملك هو تحقيق مصالح العمران، ويؤكد على موضوع البيعة السياسية ويقاربها في شكلها المتعلق بالمصافحة، ومضمونها المتعلق بالقبول والرضا، بحالة بيع السلع والبضائع، ويعتبر أن التسليم لمُكنة الحاكم يقابلها تكفّله بشؤون الناس، أي أن السلطة تقابلها المسؤولية، فيؤكد أن “من حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك”(6)، ويفصل طويلا في موانع الملك كالظلم والترف في الداخل والعجز عن المقاومة والمطالبة والذلة والانقياد إلى الغير وغير ذلك، ويشرح بكثير من التفاصيل الخلال الحميدة المؤهلة للحكم وعلى رأسها العدل.
ولئن كان ابن خلدون قد اتجه في طريقة الوصول إلى الحكم الوجهة الشائعة في زمانه في كل الأمصار والملل، عبر الغلبة والمدافعة بالقوة على أساس العصبية، فإنه قد أدان تهييج الناس لحمل السلاح على الحاكم المتمكن، خصوصا حين تكون تلك الفتنة باسم الدين ولو كان دعاتها من أصلح الناس، وأكد بأن النجاح في المطالبة بالحكم من عصبية خارج الحكم لا تكون إلا في فترة تكون العصبة الحاكمة في ضعف وتلاش، وقد بينت التجربة صدقية هذه الوجهة الخلدونية.
فلا يتصور الوصول الفعلي للحكم من خلال الانتخابات فحسب مثلا بل إنما يحسم في ذلك موازين القوة القائمة التي تدخل فيها أشكال كثيرة من القوة الصلبة والناعمة، وحتى الدول العريقة في الديموقراطية تخضع لهذه القاعدة، فالأحزاب المتداولة فيها على السلطة تمثل قوة أشمل مما تكسبه من الأصوات في يوم الانتخابات في كل الأمم. ولئن كان مفهوم العصبية المؤهلة للحكم قد تغير إلى حد كبير فإن مؤداه لا يزال قائما، بأشكال حديثة، وقد شرحت ذلك وذكرت نماذج من العصب المستحدثة في مبحث “العصب المتجددة” في كتابي “الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”(7).
ورغم الآراء غير المنصفة ومحاولات المؤسسات التعليمية والعلمية الغربية التقليل من المكانة العلمية لإسهاماته في هذا المجال، يبقى هو سيد هذا العلم بلا منازع، وعلى فكره وعلمه تتلمذ كثير من الفلاسفة الغربيين.
وثمة علماء وفلاسفة كبار أقروا بتميّز ابن خلدون وبفضله على البشرية في علم العمران البشري وفلسفة التاريخ وأسس نهوض وسقوط الحضارات البشرية. ومن أشهر هؤلاء أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) الذي يُعتبر من أكبر المؤرخين الذين تعمقوا في دراسة الحضارات في موسوعته “دراسة التاريخ”، وأكثر فلاسفة التاريخ إنصافا لابن خلدون حيث ذكر ابنَ خلدون في مواقع عدة في كتابه ومما قاله عنه: “لقد وضع ابن خلدون فلسفة للتاريخ هي بدون مجاملة أعظم عمل من نوعه ابتدعه العقل في أي زمان أو مكان”(8).
وممن أشاد بمكانة ابن خلدون كذلك المستشرق الانجليزي ر.أ. نيكولسون (Reynold A. Nicholson)، الذي قال عنه: “لم يسبقه أحد إلى اكتشاف الأسباب الخفية للوقائع، أو إلى عرض الأسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الأحداث، أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والانحدار”(9).
ويقول بخصوصه المؤرخ والكيميائي الأمريكي البلجيكي جورج سارتون (George Sarton)، الذي له فضل كبير في تأسيس علم تاريخ العلوم كعلم مستقل: ” أنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجبا مثيلاً له في فلسفة التاريخ، …أما كباحث نظري في التاريخ فليس له مثيل في أي عصر أو قطر… لم يكن أفلاطون أو أرسطو أو سان أوغسطين أنداداً له ولا يستحق غيرهم أن يذكر الى جانبه… لقد كان فريداً ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التاريخ… لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ولكنه وحده الذي أستخدمها”(10)، ويقول وِل ديورانت عن مقدمة ابن خلدون: ” أنها تشكل واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي الفلسفة، فهي إنتاج حديث إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في القرون الوسطى”، ويتعجب ديورانت، في كتابه “قصة الحضارة”(11)، من المستوى العلمي الراقي الذي كان عليه المسلمون، في الوقت الذي كانت أوربا في عمومها تعيش في ظلمات الجهل. ويمكن الرجوع إلى كتاب “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” للكاتب “ساطع الحصري” للاطلاع على زخم كبير من الشهادات عالية القيمة لعلماء ومفكرين كبار وفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد الغربيين منذ تم اكتشاف المقدمة في عشرينيات القرن التاسع عشر، أكدوا كلهم سبق ابن خلدون في تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد (12).
لم يجد ابن خلدون اهتماما بفكره، رغم الحاجة الملحة إليه. فقد كانت حالة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المغرب العربي سببا في غياب العقليات والأوعية العلمية والفكرية القادرة على استيعاب عبقريته، فلم يجد لمقدمته موطئ قدم سوى في آسيا الوسطى، في بلاط تيمورلنك في القرن الرابع عشر. وهناك تعرّف عليه الأتراك في البلاط، فقاموا بترجمة المقدمة وكتاب التاريخ إلى اللغة التركية، ثم تشكل في تركيا تيار خلدوني انبثقت عنه عدة مدارس، من أبرز رموزها حاجي خليفة الذي عاش بين عامي 1774 و1856. وقد تبنت الدولة العثمانية توجهات هذا التيار، فترسخت عندها رؤية خلدونية واضحة.
ثم تعرف العالم الغربي على ابن خلدون بعد أن اهتم به الفلاسفة الألمان عبر اللغة الألمانية. وكان أول من كتب عن المقدمة بالألمانية ثم الفرنسية المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر الذي عاش بين عامي 1774 و1856، وذلك عام 1822 أثناء بحوثه في التاريخ العثماني، إذ تعجب من احتفاء المثقفين والسياسيين الأتراك بفكر ابن خلدون. وبعد ذلك تعرف عليه باقي المستشرقين، وسمي حينئذ بمنتسكيو العرب. وفي منتصف القرن التاسع عشر تُرجمت المقدمة إلى مختلف اللغات الأوروبية، واتسع حضورها في الدوائر الفكرية الغربية.
أما في العالم العربي فلم يُلتفت إلى المقدمة إلا بعد اكتشاف قيمتها من قبل الفلاسفة والمستشرقين الأوروبيين. ومع ذلك لم يستفد العرب منها في الشأن العام إلى اليوم، خلافا للأوروبيين الذين ما تزال دولهم تهتم بها وتستند إلى قوانينها العمرانية. وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون عام 2019 إلى أنه يستلهم من ابن خلدون في الجانب الاقتصادي، في دلالة على عمق تأثير هذا التراث في الفكر السياسي والاقتصادي الغربي.
د. عبد الرزاق مقري
___________
(1) انظر ابن خلدون، المقدمة، الفصل الأول من الباب الأول.
(2) تحليل من سياقات متعددة في المقدمة.
(3) انظر ابن خلدون، المقدمة، فصل: في أن الدولة إذا استحكم فيها الترف فهو مؤذن بانقراضها، طبعة دار الفكر، 1979، ص. ٣٨٢–٣٨٣
(4) المرجع نفسه.
(5) عرضت البرنامج على اليوتيوب في شهر رمضان عام 2020، ثم توسعت فيه وحولته إلى كتاب باقتراح من د. علي الصلابي، فنشر عن دار الخلدونية بالجزائر عام 2023 ، ثم عن دار الأصالة بتركيا في نفس السنة باسم الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وقدم له الشيوخ الأفاضل راشد الغنوشي، وعلي الصلابي، والقرة داغي.
(6) انظر المقدمة، الفصل الثاني، الباب العشرون، ج1، ص 178، كتاب تاريخ ابن خلدون، المكتب الشاملة، الموقع الالكتروني.
(7) عبد الرزاق مقري، الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، مرجع سابق.
(8) انظر Arnold J. Toynbee, A Study of History, Oxford University Press, 1934
(9) انظر . Reynold A. Nicholson, A Literary History of the Arabs, Cambridge University Press, 1907
(10) انظر George Sarton, Introduction to the History of Science, Carnegie Institution of Washington, 1927.
(11) انظر Will Durant, The Story of Civilization, ed Simon and Schuster, 1935
(12) تم نشر كتابة “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” عام 1961 وصدرت طبعة جديدة عن مؤسسة هنداوي عام 2021 وهي نسخة معروضة الكترونيا للتحميل مجانا في موقع مؤسسة هنداوي: https://www.hindawi.org/books/92914940/
إن المعلوم في فلسفة التربية والتكوين وتسيير الأفراد والمجتمعات أن العقوبة هي آخر العلاج، فقبلها يجب معالجة البيئة المتسببة في ما يوصف بأنه خطأ، والمشجعة على المخالفة، والتوجه نحو النصيحة والتوعية والتربية والتكوين، وعندما تحل العقوبة تكون عندئذ رحمة، يجب أن تقدر بقدرها ولا تتجاوز حدها، وإذا تجاوزت حدها معنى ذلك أنها تحولت إلى حقد و انتقام وليست رحمة وتقويما.
إن القسوة والإسراف في العقوبة يدلان على أن صاحب السوط الغليظ غير قادر على توفير بيئة الصلاح وتقليل الأخطاء، وغير موفق في التوعية والتربية، وغير متحكم في من هم تحت سلطته، وأن العلاقة القائمة والمشاعر المتبادلة بين الطرفين علاقة أحقاد وانتقام.
حينما نرى بلدا تغلظ فيه العقوبات في مخالفات لا تستحق كل تلك القسوة هذا يعني أن ثمة شعورا رسميا بأن الشعب في حالة عصيان وأنه غير مهتم بالخطب والمطالب الحكومية، وهذا الشعور هو في حد ذاته إقرار بمفقدان السيطرة على المجتمع وأن ثمة اتفاقا مجتمعيا على عدم التعاون وأن أدوات التوجيه والتوعية والتكوين في الدولة غير فاعلة، والقوى المدنية الوسيطة منهارة، فلا المؤسسات التعليمية تعمل، ولا المساجد والهيئات الدينية تؤثر، ولا وسائل الإعلام تشتغل في التوعية، ولا الأحزاب والمنظمات المجتمعية تكوّن وتساهم في قيادة المجتمع، ولا ثمة شخصيات، حكومية أو مجتمعية، ذات قدوة تُسمع، ولا ممثلو الشعب لهم تأثير على مجريات الأمور. والأهم أنه يصعب أن تجد من يقول للحاكم هذا خطأ وأن طريقة العلاج بخلاف ما تقرره.
الكل يذعن ظاهريا للحاكم، والكثير منهم يتملق له، ومشغول بخدمة مصالحه.
د. عبد الرزاق مقري.
إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
كنا نعلم بأنه ارتقى رحمه الله ، ولكن الاستماع لنعيه ممن خلفه جعلنا نشعر وكأنه ارتقى للتو، وذلك لمكانته في قلوبنا.
سيبقى أيقونة كبن مهيدي وشي غيفارا، حاول الاستعمار الفرنسي إنهاء بن مهيدي بقتله غدرا وتشويهه فخلدوه، وحاولت أمريكا إهانة شي غيفارا ميتا بعد غدره فخلدوه، وكذلك سيكون حذيفة، سيقى نموذجا وعنوانا ورمزا عالميا مهما حاول الكيان والأمريكان والمنافقون طمس نوره.
أما هو، وكل الأبطال الذين نعاهم قبله ونُعوا من قبل من خلفه، فقد فاز، وقد فازوا، فهم شهداء أحياء عند الله يرزقون، وإنما الأمر الجلل يتعلق بنا نحن، ما الذي فعلنا وما الذي نحن فاعلوه في هذه المعركة المفصلية التاريخية.
إن ما ذكره خليفته الذي سُمِّي هو الآخر بلقبه يرفع هممنا ويشد عزائمنا ويطمئننا بأنهم لن يسلموا سبب عزهم وشرفهم وما يحرسون به شرفهم ومقدساتهم، وأن الجيل من القادة فيهم يخلف الجيل وأنهم ماضون حتى النصر.
لقد شكر خليفته أهل غزة على ثباتهم الأسطوري الذي قهر والنخب كل مخططات المحتلين والمنافقين والمخذلين، وشكر الشعوب والنخب التي تحركت وبذلت، وشكر الذين تحركوا في مختلف المحافل، وشكر إخوان الصفاء، وشكر الذين ركبوا البحر في أساطيل الحرية، ثم حمّل الجميع المسؤولية، المسؤولية تجاه الشعب الصامد الذي يعاني البرد والجوع والتشريد، تجاه الصامدين في مواقعهم.
إن ثمة أقواما من قومنا المسلمين ينتمون للملثم رحمه الله، بذلوا أقصى ما يستطيعون في مختلف دروب الدعم والنصرة في مختلف القارات، من حقهم أن يبكوا عنه وأن يعتزوا به، وثمة من يجب أن يخجلوا عند ما يذكر هؤلاء الأبطال، لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأنهم قصّروا وبعضهم تخاذل وخذّل، العديد منهم لم تصبح القضية قضيتهم المركزية، بل باتت عبئا عليهم، يتمنون أن تتوقف المعركة ولو بالهزيمة لكي يتوقف الحرج الذي هم فيه.
نسأل الله تعالى أن يُثبّت الصامدين وأن يتقبل منهم، وأن يفيق المقصرون، وأن يدرك الجميع بأن هلاك تلك الطائفة المرابطة حول ثغر عسقلان هو هلاك كل البلاد العربية الإسلامية، بل دمار العالم، وكل موقع يغلب فيه التخاذل سيصله دمار العدوان الهمجي.
د. عبد الرزاق مقري.
طرحت على نفسي السؤال التالي: ما الذي يخسره خائن البلاد مهني بنزع الجنسية الجزائرية عنه؟ فوجدت أنه عكس ذلك مستفيدٌ، كيف ذلك؟
هذا الخائن هو أصلا اصبح لا يعتبر نفسه جزائريا، بل يريد أن يأخذ جزء من الجزائر سمّاها جمهورية القبائل. ونزع الجنسية الجزائرية عنه يضمن له “الإفلات من العقاب” إذ عدم كونه جزائريا لا يعطي الحق للجزائر بأن تطالب بجلبه للعدالة ومحاكمته على خيانته، وكونه يحمل الجنسية الفرنسية فقط عندئذ، يعطي كامل الحق لفرنسا لحمايته، وفي ذلك مصلحة كبيرة له. وهو هانئ محمي في مكانه في فرنسا سيبقى يتربص بنا، فإذا مر بلدنا – لا قدّر الله – بأوضاع صعبة جدا طمع في أن يستغل الفرصة لتحقيق مطمعه البائس.
والأخطر من كل ذلك، أن أي معتوه أو خائن غيره يريد نيل الحظوة في فرنسا ينتقل إليها ويدعو إلى تشكيل جمهورية وهمية في جزء من بلدنا آلعزيز ليأخذ الجنسية الفرنسية ويترك بإرادته الجنسية الجزائرية قبل أن تسحب منه ويسير على نهج خونة الماك، فيكثر المتربصون ببلادنا.
إنه حقا لا يحتفي بجنسيته الجزائرية إلا الوطنيون الخلص الذين يحلمون بوطن قوي موحد مزدهر ظاهر بين الأمم، وقد يعارضون أي سلطة حاكمة من أجل هدفهم النبيل ذاك .. وقد يجدون جنسيتهم الجزائرية العزيزة عليهم مهددة بسبب معارضتهم السياسية النبيلة تلك.
هذا هو الوعي الذي يجب أن يفشو بين الناس، لله وللوطن وهذا هو الوعي الذي أخشى أن ندفع الثمن من أجله.
د. عبد الرزاق مقري
إن نزع الجنسية ليس أمرا عاديا، ولا حالة بسيطة يتم التعامل معها بالطريقة التي وردت في مشروع القانون. والتصويت بالإجماع في المجلس الشعبي الوطني رغم إسقاط تعديلات أساسية ومهمة عرضها بعض النواب يؤكد موت السياسة في بلادنا. وما سمعته من بعض النواب في تبرير التصويت خوفا من أن يتهموا بالتعاطف مع “الماك” و “رشاد” يبين بأن الساحة السياسية تراجعت فيها الحكمة السياسية، ولم يصبح الحوار ومقابلة الرأي بالرأي الآخر حتى داخل المجموعة الوطنية ممكنا، ولم تعد المسؤولية الوطنية والشجاعة النضالية أمرا شائعا بما يحفظ من خطر أحادية الرأي على البلاد .
إن قانون نزع الجنسية، بإجراءات إدارية، وعبارات فضفاضة يمكن استعمالها بتعسف كبير أجل شأنا بكثير من أن يكون سببه شطحات سياسية لأفراد لا ينالون تأييد حتى عائلاتهم، ولا يرتقون لهذا المستوى العالي من التشريع العام الذي يحكم بلدا بكامله.
إن الإجراءات التي كان يجب المسارعة إليها ضد خيانة الماك هي الملاحقة القضائية الدولية، ومعالجة المظاهر المتفشية في البيئة الداخلية التي صنعت هذه الانحرافات، والحرص على رص الجبهة الداخلية بالعدل وترقية المواطنة وتوفير التنمية وضمان الحقوق، وفي كل الأحوال كان يمكن أن يكون القانون موجها حصريا للحالة التي يقال بأنه بسببها شرّع هذا القانون.
إن الجنسية انتماء راسخ وجذور عميقة وحق أصيل لا يُمنح بمزية ولا ينزع بقرار، ولا يصح أن يتحول إلى حق هش تتدافعه الأهوال السياسية، و قانون نزعها الذي تم المصادقة عليه يتضمن موادا قد تستعمل لاحقا ضد معارضين سياسيين وطنيين، والقانون لا يتعلق بمرحلة ما قد يقدم الحاكم فيها الضمانات اللفظية، ولكنه يتعلق بتشريع يستغرق في الزمن، وإسقاط التعديلات التي توفر الضمانات القانونية يؤكد المخاوف المستقبلية.
د. عبد الرزاق مقري
الابتهاج الكبير الذي عبر عنه تيار واسع من الجزائريين على إثر إطلاق سراح د. بلغيث يدل أننا نعيش حالة احتقان وأننا في حاجة إلى مبادرات مماثلة تساهم في الانفراج السياسي، خصوصا في ظل الظروف الاجتماعية الصعبة وبالنظر للأوضاع الخارجية التي تهدد البلد.
إن الحديث بين الجزائريين كثير بخصوص المحبوسين ظلما أو تعسفا، وعن الذين عوقبوا بمحكوميات قاسية لا تتناسب مع مستوى وطبيعة مخالفاتهم، وعن الحالات الإنسانية في السجون.
ومن هؤلاء سجناء الرأي الذين لم يتسع صدر المسؤولين لتحمل آرائهم الصريحة التي عبروا عنها بكل شجاعة داخل بلدهم، وسجناء الحراك الشعبي المبارك الذين واصلوا كفاحهم من أجل تحقيق باقي أهداف الحراك فبات يُنظر إليهم كتهديد دائم على النظام العام، وسجناء منشورات الوسائط الاجتماعية، خصوصا الشباب الذين أرادوا الاهتمام بالشأن العام كوسيلة عملية لبناء حياة سياسية حقيقية تصحح فيها الأخطاء بالنصيحة والتكوين وليس بالعقوبة القاسية، وحتى سجناء تهم المضاربة الذين حكم على كثير منهم بأحكام قاسية وطويلة جدا لا تتناسب البتة مع الخطأ الذي اقترفوه، ومنهم من وقع ضحية صدفة غير مناسبة أو سوء فهم، ومنهم شرفاء دمرت حياتهم بسبب سلع قيمتها زهيدة جدا، ومنهم كذلك سجناء التسعينيات الذين هرموا في السجون وفنيت أجسادهم وهم أحياء ولا يضر أن يكملوا حياتهم بين أهليهم، لا سيما أن أحكام بعضهم تطلبت مراجعات لم تحدث وفق ما أخبرني به بعض المحامين.
إننا في حاجة إلى خطوات أساسية تنزل الرحمة في بلادنا ونعالج بها أوضاعنا منها:
أولا : إطلاق سراح السجناء من الأصناف المذكورة أعلاه [الذين لم نذكر أسماءهم حتى لا ننسى بعضهم] والتوجه نحو مصالحة وطنية شاملة وتدشين حوار وطني جاد لوضع قواعد العمل السياسي الشريف والنزيه الذي يكون في خدمة البلد والصالح العام.
ثانيا – إقامة العدل وبناء الثقة بين الشعب والمؤسسة القضائية، وإعمال قواعد المصداقية في القضاء والرحمة في المقاضاة ومنها قاعدة “استقلالية القضاء”، وقاعدة “قرينة البراءة”، وقاعدة “الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة”، وقاعدة “ادفعوا الحدود بالشبهات”، وقاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”، وقاعدة “عدم القسوة”، وقاعدة “المساواة أمام القانون”، وقاعدة “الحياد والنزاهة”، وقاعدة “الظروف المخففة”، وقاعدة ” السرعة في التقاضي”، وقاعدة “العلنية والوجاهة”، وقاعدة “السيرة الجليلة للمتهم” وغير ذلك .. وكذا عدم التعسف في حبس الناس احتياطيا .
ثالثا – توفير الحريات واعتبار أن التدافع السياسي سبب رئيسي لمنع الظلم والفساد، وأن عدم الضيق بالنقد – ولو كان خاطئا- والعفو عند المقدرة من دلائل قوة النظام السياسي.
رابعا – الانتباه بأن معاقبة السياسين وأصحاب الآراء وجعلهم في نفس مكانة المجرمين والفاسدين وتجار المخدرات – وربما أقل شأنا من ذلك – طريق مؤكد لتدمير المجتمع وكسر سلم القيم لدى المواطنين.
خامسا – تشجيع الكسب الحلال والمساواة في الفرص وتحسين بيئة الأعمال ونشر الثقة في السوق والطمأنينة لدى المتعاملين الاقتصاديين وضمان ظروف التطور الفعلي واللامحدود للقطاع الخاص كطرف أساسي لنهضة البلد ولتحسين ظروف معيشة المواطنين.
سادسا – تحرير المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية من التبعية للسلطة الحاكمة وللأحزاب السياسية ومن سطوة المال السياسي، واعتماد نظام الأوقاف المستقلة التي لا تخضع إلا للقانون والمحمية به، وتحرير المبادرة لمساهمة القوى المجتمعية التطوعية في التنمية الثقافية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي.
سابعا – تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد المخاطر الحقيقية التي تهدد البلد ومنها: الفساد واستغلال السلطة في مختلف المستويات/ تجارة المخدرات والزحف الرهيب لأخطر أصنافها الى بلادنا/ الجهوية والمحسوبية وخطاب الكراهية/ دعاة تفتيت الوحدة الوطنية/ التحرشات الخارجية والتآمر الغربي الصهيوني وحلفاؤه من عالمنا العربي والإسلامي.
د. عبد الرزاق مقري.
“إذا شاع في الحضارة الدعة والسكون وشاع الترف والميوعة، وافترق العقل وهداية الفكرة، يتراجع الانتاج العلمي والإبداع ويتحول التفوق فيه إلى أمم أخرى ناهضة ومع مرور الزمن تخرج الفكرة من الدولة ثم يأتي الدور على المجتمع فيتوقف تأثير الفكرة فيه فإذا خرجت يصبح ذلك المجتمع غير مؤهل للاستئناف الحضاري”
الحلقة السابعة من برنامج شروط النهضة الخمسة “النموذج وتطورات اللحركة الإسلامية
“رغم الأفول الحضاري المرتبط بتراجع الإبداع والحركة العلمية والجمود والتقليد بين القرنين 13م و15م، حافظت الأمة الإسلامية على وجودها وظهورها السياسي بين الأمم من خلال هبّت وصحوات قادها القادة الكبار ودول عظيمة وعسكرية مع قليل من التطور الحضاري”
في الحلقة السادسة من برنامج شروط النهضة الخمسة يستعرض الدكتور عبد الرزاق مقري النموذج الحضاري ولكن من المنظور التاريخي السياسي إنطلاقا من المنظور الإسلامي منه.
احتباسٌ سياسيٌّ معطل للنهضة في البلاد العربية، لا التياراتُ الإسلاميةُ ذاتُ الأغلبيةِ نجحت في العبور بالفكرة إلى المستقر الآمن في الدولة، ولا النخبُ الحاكمة والتيارات العلمانية الممكّنة نجحت في إقناع الشعوب وخدمته، فما هي تطورات هذا الاحتباس؟ وكيف يكون الرّأي العام الثابت فيصلا في الأمر؟
الانهياراتُ القيميّة تعكس خطرا عظيما يَتهدّد جوهر الفعل الحضاري.. التحدي اليومَ لا يقتصرُ على الانتصار في معاركِ الهوية فحسب، خوضُ معاركَ القيمِ ضروريٌ لحفظ الهوية ذاتِها و بغرض تسهيل العبور ، ولتثبيت الفكرة عند مستقرها في الدولة!
فما مفهوم القيم؟ وما العلاقة بين القيم والهوية؟
فاعليةُ وصلاحُ المجتمعِ المدني مسارٌ استراتيجي يتوافق وعمق الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهو توجه العالم اليوم. يجعل هذا المسارُ المجتمعَ بمُجملِ أفرادِه صالحا مشاركا في نهضة الأمة، ويُصيّره ظَهيرا داعما للدولة أثناء عبورِها الحضاري؟ فما هي دلائل ذلك؟ وما هي آلياتُه وآفاقُه لتحقيق الأهلية الحضارية؟
من ضرورات الواقع.. تأسيس كياناتٍ مؤسسيةٍ وظيفية نافعة.. تَنشأ في رَحمِ المشروع الحضاريّ.. ثم تُطلَق لتؤدي وظائفها في المجتمع.. فتحفَظُ عهدَه .. وتخدُمه بعطاء لامنقطع.. ضمن تكامل رسالي بينها، وضمن استقلاليةٍ ومسؤولية على مصيرها؟
يُنظِّم ذلك مقاربةٌ عنوانها: ” قطع الحبل السري” فما معنى ذلك؟ وكيف تعمل هذه المقاربة؟
contact@abderrazakmakri.com