تفصلنا ساعات قليلة لنرى هل سينفذ ترمب تهديده أم لا، وقد تحدثنا في مقال البارحة بأن تنفيذ التهديد مستحيل ضمن معايير التحليل السياسي العادي، لأن تدمير إيران هو خسارة عظيمة للمنطقة كلها، بما فيها الكيان الصهيوني، وفيه إضرار عظيم للولايات الأمريكية المتحدة على الصعيد الأخلاقي، والصورة، والهيبة، وعلى المستوى الأمني، ونهاية إيمان الدول العربية بأن الولايات الأمريكية تستطيع أن تحميهم، ولو تتورط في الدخول البري سيكون ذلك هو الأفول الأمريكي المتسارع. ورغم الدمار الكبير ستكون ايران هي الأقل خسارة من حيث أنها تخرج كدولة متوسطة أعجزت قوة دولية عظمى. وستكون الصين هي الرابح الأكبر من حيث أنها هي التي ستأخذ البترول الإيراني مقابل اعادة الإعمار ، وليس الولايات الأمريكية المتحدة. ويبدا عندئذ التحول الفعلي من القطبية الاحادية الأمريكية في السياسة الدولية إلى تعدد الأقطاب الدولية.
ولكن حين نتعامل مع شخصين نرجسيين لا تهمهما إلا نفسيهما، ومعهم مجرمون وفاسدون ومتطرفون دينيا، فإن الكارثة يمكن أن تحل، ويكون هاذان الرجلان هما اللذان اختارهما الله لتدمير دولتيهما.
غير أننا أمام فرص اخرى كبيرة لسيناريوهات أخرى. ففقدان الرئيس الأمريكي التوازن، واضطرابه وعدم ثقته بنفسه يظهر من خلال امرين اثنين، هما حديثه عن تمديد مهلة التهديد، وتلفظه بكلمات نابية مكتوبة، فهو في حالة نرفزة واضطراب نفسي كبيرين. ومشكلته أنه لا يفهم كيف لنظام سياسي في العالم لا يخاف من تهديده، ويواجهه الند للند، لا تسمح له نرجسيته وتعوّده على تعامل الآخرين معه بالخضوع والتملق في البيت الأبيض والعديد من الزعماء العرب والمسلمين، وحتى الاوربيين قبل أن يضعهم في الوضع المزري الذي هم فيه بسبب الحرب، اقتصاديا وسياسيا.
وفي هذا الإطار يمكن للسيناريوهات الأخرى ان تعمل على الترتيب التالي:
– يمكن أن تنجح الاتصالات والوساطات الدبلوماسية في توفير سلم النزول من الشجرة لترمب وإعطاء صورة حل وسط يستطيع كل طرف ( ايران وأمريكا) أن يصرح على اساسه بأنه انتصر في الحرب، وفي هذه الحالة يكون المنتصر الحقيقي هو إيران، وتستفيد دول الخليج من تجنب الضربات الإيرانية، والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى،
– لا تنجح الوساطات لرفضها من أحد الطرفين أو لعدم القدرة على الوصول إلى حلول وسطى، فتوجه الولايات الأمريكية ضربات قوية لبعض البنى التحتية لإيران دون التدمير الشامل ثم تعلن الانتصار، وتقوم ايران برد محدود على الوجود الأمريكي في المنطقة، وعلى الكيان والدول العربية، وقد يحدث هذا ضمن اتفاق غير معلن بين ايران والولايات الأمريكية المتحدة. ويكون المنتصر الحقيقي هنا هو ايران بطبيعة الحال. والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى.
– يبقى ترمب في دوامة تأجيل التهديدات ومواصلة ضرب إيران، واستعمرار الردود الإيرانية، ولكن هذا سيضعفه في الرأي العام الأمريكي وداخل بعض أنصاره الموالين لاسرائيل، والتحولات الشعبية التي خطط لها مع نتانياهو للاعتماد في الحرب على إسقاط النظام الإيراني من الشعب او من داخله تنقلب ضده في الداخل في المجتمع الأمريكي والقوة السياسية الرافضة له والرافضة للحرب.
والنتيجة أنه ما دام النظام الإيراني قادر على الرد، وبقي صامدا سياسيا، والشعب الإيراني متماسك. فإن كل السيناريوهات المذكورة ستكون لصالح ايران.
وكل الذين يعتقدون أن إيران ستخسر يعتمدون على حجم التدمير ، وهو امر قابل للحل في أوقات قياسية عن طريق قوة الإنجاز الكبيرة والسريعة للصين، والمقابل موجود، وهو الاحتياطي الطاقوي العظيم الذي ستتمتع به الصين بدلا للولايات الأمريكية المتحدة إلى اندفعت للحرب للسيطرة على منابع النفط ، علاوة على حرمان البيت الأبيض من السيطرة على مضيق هرمز كما كان مخطط وفق ما سرحناه سابقا.
د. عبد الرزاق مقري
هدد ترمب إيران بأنه سيفتح عليها جحيما عظيما إن لم تفتح مضيق هرمز. فهل ستخضع ايران للتهديد وهل سيطبق ترمب تهديده.
قبل ذكر السيناريوهات نجيب على السؤال السهل: هل ستخضع ايران للتهديد
الجواب: لن تخضع إيران للتهديد! وذلك للأسباب التالية؟
– لن تخضع إيران للتهديد لأنها إن خضعت ستعطي الانطباع بأنها في حالة ضعف وستُفرض عليها تهديدات أخرى أكبر.
– لن تخضع لأنها ضحت تضحيات كبيرة ولا يمكن أن تفرط في كل التضحيات، وإلا سينقلب عليها الوضع داخليا.
– لن تخضع لأن خسائر الخضوع أكبر من خسائر تنفيذ ترمب تهديده.
– لن تخضع لأنها لا زالت قادرة على الرد وبفاعلية كبيرة
– لن تخضع لأنه ليس في مصلحة الصين أن تُسلّم إيران المضيق ومقدّراتها الطاقوية لأمريكا على نحو ما ذكرناه، وسنعود إلى هذا الموضوع.
طيب، في حالة عدم خضوع إيران للتهديد، ماذا سيحدث؟
ستؤول الأمور إلى سيناريو من السيناريوهات التالية.
– ينفذ ترمب تهديده فيدمر منشآت الطاقة، ومحطات توليد الكهرباء، والسدود ومحطات تحلية المياه والمصانع والجسور والمطارات، ثم حسب ردود الأفعال يقرر الدخول بريا أم لا.
– لا ينفذ تهديده ويقوم بتوجيه ضربات قوية لا تصيب المصالح الحيوية ويعلن النصر ويوقف الحرب.
– يستعمل التهديد كورقة ضغط للمفاوضات ثم يعلن عن تأجيل آخر لتهديده والاستمرار في المفاوضات
– الوصول قبل نهاية أجل 48 ساعة أو قبل ذلك أو خلال التأجيل الجديد إلى حلول وسطى تجعل كل طرف يعلن النصر وتبقى العلاقات معلقة.
التحليل:
– ليس سهلا على ترمب تنفيذ تهديده للأسباب التالية:
– الجبهة المعارضة للحرب ولقرار ضرب منشآت الطاقة عريضة وقوية في العالم بأسره وداخل فريقه وعند أغلب الأمريكيين.
– لم يستطع ترمب إقناع أي دولة لدخول الحرب معه، وبالإضافة إلى عدم شرعية الحرب لم يستطع توفير أي غطاء سياسي مع غير بلده لها.
– قد يفاجأ الأمريكان بقدرات غير محسوبة لإيران في إسقاط الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بدعم صيني روسي. وإسقاط المقاتلتين وإصابة المروحيتين رسالة قوية جدا.
– سيؤدي تنفيذ التهديد إلى رد عنيف وشامل لإيران تنتهي فيها الخطوط الحمراء في ضرب حاملات الطائرات والسفارات الأمريكية في كل مكان بأسلحة متطورة.
– كما يؤدي ذلك إلى شل الحركة الاقتصادية في العالم بأسره وسيلحق هذا ضررا كبيرا بالأمريكيين ( تعاظم أسعار الوقود، تعاظم التضخم …)، وستُحمّل الدول ترمب مسؤولية المأساة التي ستلحق بها.
– سيجعل ترمب نفسه في موضع مجرم حرب لن يفلت منه ولو بعد حين، وينتهي زعمه تحقيق السلام عن طريق القوة
– سيتسبب بتدمير شامل لحلفائه العرب، إذ يكفي أن تضرب إيران محطات تحلية المياه في الدول الخليجية لتدخل شعوب المنطقة في مأساة لا مثيل لها، سيدفع هذا التهديد الخطير بدول المنطقة إلى الضغط الشديد الذي قد يصل إلى المفاصلة بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة ( وذلك نظرا لخطورة التهديد)
كل هذه الأسباب تجعل هذا السيناريو المأساوي غير مرجّح ولكن وارد، لأن ترمب في ورطة ولو توقفت الحرب دون خضوع ايران ستُدمر صورته إلى الأبد وسينقلب عليه كثير من حلفائه في أمريكا، علاوة على الضغط الصهيوني والابتزاز الذي يمارس عليه بسبب ملفات ابشتاين. فقد يدخل في حالة جنونية تتعلق بسمعته وهيبة أمريكا تدفعه إلى عمل جنوني.
ولكن حتى إن نفّذ تهديده هل سيكون منتصرا؟ بكل تأكيد خسارته ستكون اكثر من خسارة إيران.
لا شك ستدمر إيران تدميرا واسعا ، واذا ضربت المنشآت الحيوية المدنية لدول الخليج ستكون هي كذلك ضمن تهمة جريمة الحرب وستخسر المنطقة إلى أمد طويل جدا وربما إلى الأبد، وستخسر كثيرا من داعميها في العالم العربي والإسلامي وفي العالم، لأن أي عاقل لن يقبل إدخال الشعوب الأبرياء في مأسماة لا علاقة لهم بها، ففي ديننا (( لا تزر وازرة وزر أخرى))،.
ولكن مع هذا لن تكون هي الخاسرة في الحرب للأسباب التالية:
– ستكون إيران أكثر شراسة، وفي وضع الذي لم يبق له شيء يخسره فتُلغي كل الخطوط الحمراء كما ذكرنا أعلاه، وأي ضرر إضافي للولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيوني لن يتحملاه وسيؤدي ذلك إلى تحولات داخلية عندهما.
– ضرب البنية التحتية هو ضرب للشعب الإيراني كله وهذا سيعمق العداء عند هذا الشعب تجاه الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى وبالتالي سيقوى النظام أكثر من ذي قبل رغم التدمير.
– وعكس ما يتوقعه الاسرائيليون بأن الشعب الإيراني سيثور على نظامه بعد التدمير ونهاية الحرب، سيؤدي التدمير على المدى القريب إلى إضعاف الشعب وتقوية النظام، لأن المقدرات الخدمية للشعب تضعف، والنظام السياسي يكون أكثر تماسكا، وأي حركة احتجاجية، من داخل النظام أو في المجتمع، ستُقمع بقسوة شديدة من الحرس الثوري والباسيج.
– التدمير لا يمثل مشكلة جوهرية ، على المدى المتوسط والبعيد، لإيران لأن هناك دولة داعمة لها ستكون مستفيدة جدا من ذلك وهي الصين، حيث ستقوم بإعادة بناء ما دمّر بسرعة كبيرة وتأخذ بدل ذلك نفط ايران بأسعار منخفضة على نحو ما قامت به سابقا مع فنزويلا ودول أخرى، فوضعية إيران تختلف في هذا مع وضعية غزة اختلافاً جذريا.
– وفي النموذج الغزاوي لم ينقلب الشعب على الـ”م” كما كان يتوقعه الاسرائيليون والأمريكان، بالرغم من أن حركة العملاء المعلنة في “غ”، بالنسبية، اكثر مما هو موجود في إيران
– عند حالة التدمير الشامل ستتحول القوى العسكرية والأمنية الإيرانية إلى حالة تشبه عمل الميليشيات يجعلها أقدر عل غلق مضيق هرمز، من قدرة الحوثي على غلق باب المندب، دون أي مسؤولية دولية، كما تستطيع ضرب المصالح الأمريكية ومواصلة تهديد الأمن الإسرائيلي دون كلف كبيرة، لأن نمو كلفة الخسارة يتوقف بعد تدمير كل شيء.
– والملاحظة المهمة بعد كل هذا أن ما يحسم في مسألة الثبات رغم الخسائر الكبرى هو البعد العقائدي، ثم منطق عليّ وعلى أعدائي، ومنطق إذا خسرت أنا فسيخسر معي كل أعدائي وكل من رآني أُظلم ولم يتحرك لمنع الظلم عني. وهو منطق خطير لا يعرفه الجهّال بالتاريخ، خاصة تاريخ الأقليات العقائدية.
ولكل هذا من كان عاقلا فليضغط على أمريكا لتُوقف الحرب، لأنها هي الظالمة وهي التي بدأتها، ولأن أوراق الضغط عليها متوفرة، هذا الذي يجعل الجميع يتجنب الكارثة، أما الضغط على إيران بعد بدء الحرب فهو غير مجد .
غدا بحول الله نواصل تحليل السيناريوهات الأخرى ( إلا إذا وقع المكروه او تم الوصول إلى اتفاق).
عبد الرزاق مقري
يبدو أن نار الحرب ستخمد قريبا، هكذا يبدو من خلال الاتصالات التي بادرها بها ترمب بعدما فشل في تحقيق أهدافه المعلنة، والسؤال الذي نطرحه: ما هي الدروس التي سيستخلصها الحكام في العالم العربي والإسلامي؟خصوصا في دول الخليجية.
لقد اتضح جليا بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تريد ولا تستطيع حماية الدول الخليجية، ولا أي دولة إسلامية أخرى، من أي تهديد عسكري أو اقتصادي، بل أمريكا هي سبب كل الويلات التي تصب على الخليج وعلى المنطقة كلها، واتضح جليا بأن الأموال العظيمة التي منحها الخليجيون للأمريكان، ولترمب بشكل خاص، من أجل حمايتهم من البعبع الإيراني ومن بعضهم البعض، ذهبت أدراج الرياح.
فهل تنتبه الدول العربية والإسلامية بأن العدو الذي بمثل خطرا وجوديا عليها هي الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى؟ هل أدركت بأن حماية بلدانها وقوتها وتطورها وسؤددها هو مع شعوبها ومن داخلها وفي ما بينها؟ هل سيتجهون إلى مشروع تصالحي حضاري بينهم؟
إن ما نسمعه من تنسيق مصري، باكستاني، تركي، سعودي لبناء رؤى دفاعية مستقبلية يثلج الصدر .. إن تأكد .. ولكن أن يكون ذلك نواة لوحدة حضارية إسلامية تاريخيّة توجه ضد ضد العدو الأمريكي والصلف الأمريكي، وتكون ايران، في الأخير، جزء منها.
ومن جهة أخرى هل ستفهم إيران بأنها لن تستطيع حماية مصالحها، من خلال المقاربة الطائفية، وأن استعمالها من قبل الصهاينة والقوى الاستعمارية الغربية كبعبع لتهديد دول الجوار أضرّ بها وبالمنطقة كلها؟ وهل ستدرك بأنها جزء من أمة كبيرة تُضمن فيها كرامة وحقوق ورفاهية كل شعوبها بكل ما فيها من تنوع سياسي ومذهبي وطائفي وعرقي، لو اتحدت أو تكاملت وتعاونت؟
د. عبد الرزاق مقري
لم تكن تلك استراتيجية “الردع بالحرمان” التي انتهجتها الولايات الأمريكية ضد الصين بعد تعثر استراتيجية “المنافسة” خافية إلا على الذين لا يتابعون تصريحات الطبقة القيادية المحيطة بترمب أو الذين لا يأخذون تصريحات هؤلاء مأخذ الجد قبل أن يتحول قولهم إلى فعل. ففي السابع من مارس الحالي، أعلن “جارود أيغن”، المدير التنفيذي لمجلس الهيمنة على الطاقة في البيت الأبيض، على شاشة فوكس بيزنس: ” في نهاية المطاف، لن نضطر إلى القلق بشأن مشكلات مضيق هرمز، لأنّنا سننتزع كلّ النفط من أيدي الإرهابيين”، وها هو ترمب يصرح بالتحضير لعملية عسكرية بغرض السيطرة على مضيق هرمز ويحاول أن يجر معه دولا أخرى تستعمل المضيق لمرور بضائعها، من أجل المشاركة في الكلفة و بغرض المشهدية السياسية.
إن الاستراتيجية التي يعتمدها ترامب وفريقه لإعاقة الصين أو ل“ردعها بالحرمان” تقوم على الأسس التالية:
أولا – حرمان الصين من النفط، أو إعطاؤها إياه بإرادة أمريكا وعن طريقها، وهذا الذي صرّح به ترمب بشكل واضح أثناء اقتحامه فنزويلا وسيطرته على القرار الطاقوي في هذا البلد حيث قال: “نرحب بالصين ويمكن أن نصل إلى اتفاق عظيم بشأن حصولها على نفط فينزويلا” ، فهو إذن الذي يتفق مع الصين بشأن نفط فينزويلا!.
وهو كذلك ما ذكره جارود أيغن، المشار إليه أعلاه، بشأن نفط إيران، وما يخطط له ترمب للسيطرة على جزيرة خرْج الإيرانية (التي يمر عليها 90% من النفط الإيراني)، بشكل مباشر أو عبر حكام إيرانيين جدد موالين لأمريكا.
لقد كانت الصين تأخذ 68% من نفط فينزويلا بأسعار رخيصة (144 مليون برميل عام 2023) ضمن ترتيبات سداد ديون فينزويلا للصين المتراكمة كقروض مستحقة بنحو 19 مليار دولار ضختها الصين في استثمارات وهياكل قاعدية. وهي تستورد في حدود 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني (عام 2025) يصل إليها بأسعار رخيصة تحت أعلام مزيفة للتحايل على العقوبات.
إن الضرر الذي يصيب الصين سيكون كبيرا إذا سيطرت الولايات الأمريكية المتحدة على نفط إيران بعد أن سيطرت على نفط فينزويلا، ضمن خطة “الردع بالحرمان” التي تنتهج ضدها.
إذا نجح العدوان الذي سمي “الغضب الملحمي” سيكون بين يدي الإدارة الأمريكية ثروة نفطية تتجاوز 30٪ من الاحتياطي العالمي ( مجموع احتياطي فنزويلا وايران). علاوة على أنه لا يستبعد أن تكون السعودية والدول الخليجية الأخرى هي المحطة الموالية التي يفرض فيها ترمب نفسه وسيطا بالإكراه لبيع نفطها للصين. علما بأن نصف واردات الصين من النفط تأتي من الشرق الأوسط ( السعودية، العراق، الإمارات، إيران، البحرين)، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم (11 مليون برميل يوميا)، وقوتها الاقتصادية تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المستوردة. فهل يعقل أن تسمح الصين بأن تقع في يد أمريكا بإسقاط إيران في حجرها؟
ثانيا – لا تكتفي الولايات الأمريكية المتحدة بحرمان الصين من حرية الوصول إلى مصادر الطاقة، وإبرام الصفقات المناسبة لها مع الدول المصدرة، بل تسعى إلى خنق حركتها التجارية كلها، بإعاقة مشروع الطريق والحرير، والسيطرة على الاختناقات الجغرافية في العالم، الحيوية بالنسبة للصين، خصوصا قناة بنما، ومضيق هرمز ومضيق مالاقا.
– أول مضيق بدأ ترمب التضييق بشأنه على الصين هو مضيق بنما، ضمن مخطط السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي وتعهُّد إدارة ترامب بـ” منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي” من السيطرة فيه على “الأصول الحيوية استراتيجياً”، وطرد الشركات الأجنبية التي تُقيم بنية تحتية مهمة هناك.
تمثل قناة بنما ممرا مائيا استراتيجيا لتجارة الصين الخارجية، بين آسيا والساحل الشرقي للأمريكتين، وتعد دولة بنما هي الدولة الأولى في القارة الأمريكية التي انضمت لمشروع الطريق والحرير، وبلغت استثمارات الصين في حدود 2.5 مليار دولار في موانئ القناة والبنية التحتية، وهي طرف شريك فاعل في إدارة القناة، عبر شركات صينية خاصة، على طرفي القناة. وقد اعتبرت الولايات الأمريكية المتحدة هذا النفوذ المتصاعد خطرا على مصالحها في المنطقة.
صرح ترمب في خطاب توليته الثانية بأن الصين تسيطر على قناة بنما، مدعيا بأن القناة هي في أصلها أمريكية منحتها الحكومة البنمية للصين، وتلتها تصريحات العديد من مسؤولي البيت الأبيض يتهمون فيها الصين بأنها تمثل خطرا أمنيا ويمكنها أن تسيطر على الملاحة البحرية عبر القناة في وقت الأزمات.
رد الرئيس البنمي ومدير القناة على هذه المزايدات، وأكدا أن الوجود الصيني ضمن اتفاقيات قانونية وأن بنما تعمل ضمن قواعد حيادية واحدة مع الجميع، ومع ذلك أفلحت الضغوطات الأمريكية حيث ألغت المحكمة العليا في بنما هذا العام عقود تشغيل ميناءين رئيسيين (بالبوا وكريستوبال) لشركة “سي كيه هاتشيسون” الصينية، وهو ما أثار حفيظة الصين فلجأت إلى المحاكم الدولية وأطلقت تهديدات شديدة اللهجة في اتجاه حكومة بنما تتنافى مع أسلوب الصين في التعامل مع القضايا الدولية، مما يؤكد تضررها من سياسة “الردع بالحرمان” الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية.
– أما عن مضيق هرمز فإن الصين تستحوذ وحدها على 37.7 ٪ من تدفقات النفط الخام الذي يمر عبره، متقدمة بفارق كبير عن أي دولة أخرى، وكانت خطة الحرب تقتضي تحكم الولايات الأمريكية المتحدة في هذا الشريان الحيوي للصين من خلال حكومة إيرانية موالية بعد إسقاط النظام أو استسلامه. غير أن العدوان لم يحقق هدفه إلى الآن، بل صارت إيران هي المتحكمة في حركة المرور البحري في المضيق.
لم يكن في خطط الأمريكيين وقف تدفقات النفط الإيراني، بل المحافظة عليه، وضمان استمرار إنتاجه ثم التحكم فيه وفي تدفقاته وتدفقات النفط الخليجي تجاه الصين عبر التحكم في مضيق هرمز، فإذا بالمضيق يتحول إلى سلاح في يد إيران صنعت به أزمة اقتصادية عالمية بات الجميع يحمل البيت الأبيض مسؤوليتها.
يحاول ترمب حل هذه المشكلة باحتلال مضيق هرمز، ولكنه يعلم بأن الأمر ليس سهلا، فقد حاول حل مشكلة باب المندب بالقوة ضد الحوثيين فلم يفلح حتى اضطرّ إلى التفاوض. وهو يحاول تشكيل تحالف دولي للسيطرة على المضيق، وقد يكون ذلك فرصة لترقيع حالة غياب الشرعية الدولية لحربه على إيران. غير أنه لم يتلق استجابة من أي دولة إلى الآن، وقد ذكّره وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن بعثة “أسبيدس” البحرية التي شكلها الاتحاد الأوربي لم تكن فعالة في تنفيذ مهمتها في حماية باب المندب فقال: “لهذا السبب فأنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن“.
وهذا الإخفاق هو الذي جعل ترمب ينتقل إلى التهديد باحتلال جزيرة خرج الإيرانية، عبر تدمير دفاعاتها العسكرية مع الحفاظ على البنية التحتية النفطية. ولكن ايران ردت بالتهديد بأنه في حال حدوث مثل هذا العدوان، سيتم إحراق وتدمير كافة البنى التحتية للنفط والغاز في المنطقة، والتي تستفيد منها أمريكا وحلفاؤها الغربيون”، وعليه ستتعاظم الأزمة الاقتصادية العالمية، علما بأن كثيرا من الاقتصاديين في العالم حذروا بأن العالم مقبل على أزمة عالمية أخطر من أزمة 2008 بسبب استمرار الحرب وتداعيات ارتفاع أسعار البترول وتعذر التجارة العالمية.
– أما عن مضيق مالاقا فهو أزحم ممر مائي في العالم، يمتد طولا إلى 805 كلم، وعرضا بين حوالي 60 و250 كلم بين أندنوسيا وماليزيا، وتطل عليه كذلك سنغافوريا في مخرجه الشرقي. تمر عبره 100 ألف سفينة في العام، يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، وتمر حوله 80٪ من واردات الصين واليابان من النفط.
يمثل المضيق معضلة للصينينين، يسمونها “معضلة ملاقا”، بسبب تواجد الأسطول السابع الأمريكي في جواره وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية، خصوصا في سنغافوريا، وكون الدول الثلاثة المطلة عليه صديقة لواشنطن ( أندنوسيا، ماليزيا) أو حليفة ( سنغافورة )، مما يهدد الواردات الصينية في حال حدوث حرب أو اضطرابات دولية. لذلك تسعى الصين للبحث عن موصلات برية بديلة عبر دول صديقة أو شريكة في مشروع الطريق والحرير.
ربما يمثل ثبات إيران في الحرب القائمة، وقدرتها على ضرب البوارج الأمريكية، وإخراج حاملة الطائرات أبراهام لينكلن من الخدمة، حسب التصريح الإيراني، أفقا جديدا سيخفف من حدة “معضلة مالاقا”، إذ بينت هذه الحرب أن حاملات الطائرات الأمريكية وقوتها العسكرية الجبّارة صُممت لزمن أضعفت التكنولوجية العسكرية المتطورة أهميتها، وصارت أسلحة زهيدة الثمن تعجز قدرات عسكرية باهضة الثمن.
لو كنا في زمن سابق لأدى العدوان على إيران إلى حرب عالمية ثالثة بشكل سريع ومباشر، ولكن التطور التكنولوجي أصبح يتيح خوض الحروب بالوكالة بكفاءة عالية.
ولكل ما سبق يُفهم أهمية، بل ضرورة، تدخل الصين إلى جانب إيران ضد الولايات الأمريكية المتحدة، دون الحاجة إلى إظهار ذلك، لتجنب الحرب العالمية. ويبدو – بالفعل – أن أمريكا وقعت في ورطة كبيرة، وأن نهاية الحرب دون أن تحقق هدف السيطرة على إيران سيغير العالم بشكل سريع وعميق … مهما كان ادعاء ترمب تحقيقه النصر الكامل.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
توصل صناع القرار في أمريكا في بداية القرن بأن قادة بلدهم ضيعوا وقتا طويلا وثمينا في الشرق الأوسط، عبر حروب طويلة في العراق وأفغانستان بحجة وقف انتشار السلاح النووي ومحاربة الإرهاب، تسببت في كلف اقتصادية عالية وخسائر معنوية شديدة، وارتفاع مشاعر العداء ضد الولايات الأمريكية المتحدة، وتأخر كبير في وتيرة الابتكارات العلمية والنمو الاقتصادي.
وفي ذلك الوقت كانت الصين تحقق طفرات تاريخيّة في النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، وفي الهياكل القاعدية عبر مشاريع الطريق والحرير. لقد كانت كالماء الهادئ المكتسح لكل الحدود بما يحمله من بضائع في كل المجالات، تصنع من خلاله صداقات الربح المشترك عند كل الشعوب، ولدى حلفاء أمريكا، في أوربا وأستراليا وكندا وأفريقيا وآسيا الوسطى والعالم العربي. لم تخف الصين طموحها بأنها تسعى لتكون القوة الاقتصادية الأولى في 2030 وربما القوة العسكرية الأولى في 2040، وتدفع مع قوى صاعدة أخرى نحو عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه أمريكا سوى قوة دولية ضمن قوى أخرى مكافئة.
فهمت الولايات الأمريكية المتحدة بأنها تتجه نحو فقدان مكانتها كقوة دولية متفردة بالسيطرة في العالم، وأنها لن تستطيع تحقيق مصالحها بالقوة والإكراه والابتزاز، وأنه عليها أن تتقبل بروز عالم جديد يقوم على الاتفاقيات والمعاهدات، والمفاوضات بالندية مع الدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين، وأن تأثيرها الحصري على الحلفاء والدول التابعة سيتراجع وربما ينتهي. أي نهاية العهد الأمريكي.
كانت الخطة لتجنب ذلك أن تتخفف الولايات الأمريكية المتحدة من أعباء الشرق الأوسط بالتقريب بين حلفائها العرب والإسرائليين، عبر تسريع وتيرة التطبيع، وتحويلها إلى “اتفاقيات إبراهيمية” تكون فيها القيادة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية للكيان الصهيونى، ويتفق الجميع على تصفية القضية الفلسطينية في مقابل ازدهارٍ موهوم للشرق الأوسط تُثبَّت فيه عروش الحكام وينعم الناس ب”العيش الرغيد!”، وكان معيار نجاح الخطة أن تلتحق المملكة العربية السعودية بركب الاتفاقيات الإبراهيمية.
وعندئذ تنتقل الولايات الأمريكية المتحدة إلى مواجهة الصين وروسيا عبر مجموعة من الخطط منها:
أولا – بخصوص الصين.
– رفع مستوى الإنفاق على البحث العلمي، بمقتضى قانون الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act) الذي صوّت عليه عام 2022 بالإجماع الديمقراطيون والجمهوريون. وهو قانون سمي عند بعض السياسيين الأمريكيين بقانون الصين” باعتبار أن المقصود منه مواجهة الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والروبوتات، واستعادة الريادة الأمريكية في تصنيع الرقائق التي انخفضت حصتها عالميا من 40 ٪ في 1990 إلى حوالي 10 ٪ قبل صدور القانون، ومن حيث أن التدبير تدبير اشتراكي خصص له 280 مليار دولار أمريكي كتمويل حكومي لا ينسجم مع التوجهات الرأسمالية الأمريكية.
– تطويق الصين بسلسلة تحالفات من كل الاتجاهات، فعلاوة على النفوذ الأمريكي المتصاعد في تايوان وبيع الأسلحة لحكومتها خلافا للتفاهمات الصينية الأمريكية وفق مبدأ الصين الواحدة، شكلت وطورت الولايات الأمريكية المتحدة تحالفاتها لاحتواء النفوذ البحري الصيني. فشكلت “حلف أوكوس” عام 2021 مع المملكة المتحدة وأستراليا لإنشاء أسطول غواصات تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادي. ومتنت التحالف مع كوريا الجنوبية واليابان، حيث حولته من حلف ثنائي إلى حلف ثلاثي عام 2023 عبر تكثيف وجود المعدات العسكرية الأمريكية، والمناورات العسكرية الدورية، في منطقة المحيط الهادي والهندي وجنوب بحر الصين. وعزّزت تحالفاتها في جنوب شرق آسيا بتفعيل معاهدة الدفاع المشترك مع الفلبين وتطويرها إلى “اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز” عام 2014، وتطوير العلاقات الجيدة مع فييتنام إلى “شراكة استراتيجية” كاملة عام 2023، علاوة على العلاقات الأمنية مع أندنوسيا لتعزيز الأمن البحري وتحديث الدفاع.
– العمل على عزل روسيا عن الصين، ومحاولات تعطيل المد الصيني في أفريقيا واسيا وأوروبا، وفي العالم العربي، بالضغط والإغراء وصناعة الأزمات.
ثانيا – بخصوص روسيا.
حاولت الولايات الأمريكية المتحدة احتواء روسيا بسياسة تمدد الحلف الأطلسي في أوربا الشرقية، وتعزيز نفوذها واتفاقياتها الثنائية مع الدول التي كانت سابقا ضمن المعسكر الاشتراكي، كما عمّقت نفوذها في آسيا الوسطى عبر ما يسمى “دبلوماسية الصفقات” والاستثمارات الاقتصادية والأمنية لمحاولة عزل روسيا، وتقليص نفوذ الصين في منطقة “القلب الأوراسي”، من خلال استثمارات ضخمة (12,2 مليار دولار) في البنية التحتية والطيران، وعقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع دول المنطقة ( كازخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجكستان، تركمنستان ).
سعت أوروبا، بتدبير ألماني، إلى إدماج روسيا في الفضاء الأوربي من خلال ما سمي عقيدة “السلام الاقتصادي” (Wandel durch Handel)، التي تقضي بدمج الاقتصاد الروسي بالاقتصاد الأوربي عبر الاستفادة من توريد الطاقة الروسية الرخيصة مقابل التكنولوجيا والاستثمار وحرية التنقل، ولكن الولايات الأمريكية المتحدة أفسدت هذه الرؤية بالتسبب بالحرب الروسية الأوكرانية عبر سياسات التمدد للحلف الأطلسي شرقا والتمركز الاستخباراتي في أوكرانيا، التي لم تصبح روسيا بوتين تتحملها.
وفي ظل هذه الحرب ترسّخ الوجود الأمريكي في الدول القريبة من الحدود الغربية الروسية، حيث تم نشر حامية عسكرية دائمة في بولندا – شريك الولايات المتحدة الأساسي في المنطقة – وفيلق إضافي في رومانيا، ونشر آلاف الجنود في ما يسمى الجناح الشرقي الأوربي ( رومانيا، ليتوانيا، لاتفيا، وإستونيا).
ومع رجوع ترمب حاول اعتماد أسلوب التفاهم الثنائي الأمريكي الروسي، والميل نحو إمكانية الاعتراف بالسيادة الروسية على إقليم دونباس، كطريق محفوف بالمخاطر، لإبعاد روسيا عن الصين.
لم تنجح هذه السياسيات في الحد من الصعود السريع والقوي للصين، فلم ينفع صندوق ” قانون الرقائق والعلوم” في اللحاق بالنمو العلمي والتنولوجي الصيني، ولم تنجح التحالفات والشراكات والاستثمارات الأمريكية، في الحد من النفوذ الصيني، إذ ظلت الصين تُقدم للدول أفضل ما تقدمه الولايات الأمريكية المتحدة على مختلف الأصعدة دون ابتزاز ولا مطالبات سوى الاستثمار، والهياكل القاعدية، والمبادلات الاقتصادية. وبقيت روسيا صامدة في أكرانيا، تعتمد على مقدراتها الطبيعية اللامحدودة، وتتجاوز إجراءات الحصار الغربية عبر مبادلاتها وتحالفاتها مع الصين والدول الصاعدة، وما زادتها الحرب مع أكرانيا إلا اقترابا مع الصين، وبات العالم يسير بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية، خلافا لما أرادت الولايات الأمريكية المتحدة تعطيله.
عندئذ برز ، في دوائر تصميم السياسات في الولايات الأمريكية توجه يؤمن بأنه لا يمكن وقف الزحف الصيني، وأنه لا بد من استبدال “استراتيجية المنافسة” ب“استراتيجية الإعاقة“. وهي الاستراتيحية التي أعلن عنها بلا مواربة “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — تحت عنوان «الردع بالحرمان»: حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
تعجّب كثير من المتابعين عن عدم استعمال الصين وروسيا حق النقض بخصوص قرار مجلس الأمن الذي أدان الضربات الإيرانية للأردن ودول الخليج. وفي حقيقة الأمر لا يوجد ما يُتعحب منه، فالصين هي أكبر زبون للملكة العربية السعودية في مجال المحروقات، وهي الدولة التي نجحت في التقريب بين إيران والسعودية عبر اتفاق بكين، والإمارات العربية المتحدة هي الدولة الوسيط في التهرب من الحصار المضروب على روسيا من خلال آلية إعادة تصدير البضائع الروسية وضمان توريدها روسيا مواد أساسية تحتاجها. وللصين وروسيا كلاهما علاقات جيدة جدا مع دول الخليج في مختلف المجالات، وكان لهما دور كبير في ادخال المملكة العربية السعودية والاتحاد الإماراتي لمنظمة البريكس، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغامر هاتان الدولتان بمصالحهما المتشابكة مع الدول الخليجية باستعمال حق النقض ضدها.
ولكن هل هذا يلغي ما هو شائع بأن الصين وروسيا يقدمان دعما كبيرا لإيران في حربها ضد الولايات والأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى؟ فالجواب أن تحليل الخلفيات الاستراتيجية للعدوان تؤكد أن هذه الحرب ليست مصيرية لايران فقط بل لروسيا والصين كذلك، وخاصة الصين. ولذلك تلجأ الصين وروسيا إلى الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن لكي لا يخسران الأصدقاء العرب، ولكن في نفس الوقت يقدمان دعما مهما لإيران لا يمكن إثباته، خصوصا في مجال الاستخبارات وإحداثيات الضربات الصاروخية وأهداف الهجومات بالمسيرات، وفي شراء النفط الإيراني ما أمكن، وفي المجال الدبلوماسي.
لا شك أن تأثير اللوبي الصهيوني والتيار المسيحي الإنجيلي دور كبير في اندلاع الحرب، فنتنياهو يخطط لضرب إيران منذ سنوات طويلة، وحاول مرارا دفع أوباما وبايدن لتحقيق ذلك وفشل، وهو يرى أن إيران تمثل، مع حلفائها في المنطقة، تهديدا وجوديا وعائقا أساسيا لتحقيق مشروعه التوسعي، وأن النجاح في تغيير النظام أو تمزيق البلد يصنع منه الملك الأبديّ التاريخيّ للكيان، ومن جهة أخرى دفع التيار الديني الإنجيلي في أمريكا إلى الحرب لأسباب دينية وأوهام اعتقادية ضرورة قيام دولة إسرائيل لتكون حرب مقدسة يُقتل فيها أعداد عظيمة من اليهود من أجل عودة المسيح.
بينما يضغط هذا التيار المؤثر، بجناحيه، بأمواله الطائلة على رجل الأعمال ترمب، يضغط المنتسبون إلى تيار “ماغا” بقوتهم الانتخابية على الرئيس الذي انتخبوه وتوجوه رئيسا إذ وعدهم بأنه سيهتم بأمريكا أولا لتكون قوية بالقوة الاقتصادية والعلم وخدمة المواطن الأمريكي.
بقي ترمب يتلاعب بالتيارين المتعارضين حوله إلى أن قرر القيام بعملية عسكرية ضخمة وسريعة تؤدي إلى إسقاط النظام على “النهج الفنزويلي” بثورة شعبية أو انقلاب عسكري من داخل النظام، فيُرضي اللوبي الصهيوني “الذي يبدو أن الحرب حربه” ويعود لإرضاء التيار المعارض للحرب بمسوغات “أخلاقية” تتعلق ب”جعل أمريكا أقوى” بتكلفة حربية قليلة وقصيرة.
إن هذا التحليل الذي يميل إليه كثير من الكتّاب والمحللين صحيح، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالتأثير الصهيوني استغل وضعا استراتيجيا معينا يتعلق بالصين، يدور حوله نقاش كبير في مراكز صنع القرار وقادة المؤسسات.
لقد كانت تدخلات اليهود الصهاينة حاسمة في التعجيل بإيقاد نار الحرب، ضمن بيئة مسيحية صهيونية مؤثرة حول الرئيس الأمريكي، وفي سياق نرجسيةٍ وانفعالية مشهودة للرئيس البرتقالي على اثر نجاحه في غزوة كراكاس. ولكن كان ذلك ضمن توجهات متصاعدة عند بعض صانعي السياسات في التيار اليميني الأمريكي بأنه لا بد من استبدال ” استراتيجية المنافسة” مع الصين، ب”استراتيجية الإعاقة” للصعود الصيني.
في المقال المقبل نتابع كيف تم ذلك.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
الحفاظ على الوجود وتحقيق التغيير يتطلبان أمةً متماسكة كالبنيان المرصوص، تتوحد رؤاها عقائدياً وروحياً، وحضارياً وسياسياً.
فالوحدة اليوم لم تعد مجرد خيار أو شعار، بل هي قدرٌ محتوم وضرورة شرعية واستراتيجية لا غنى عنها.
نتناول في هذه الحلقة:
لماذا الوحدة والتكتل؟
الأسس التي تقوم عليها الوحدة
فرص النهوض واستعادة الوحدة
في هذه الحلقة من المسافة صفر نتوقف عند سؤال جوهري في مسيرة أي تيار إصلاحي: هل يعيش التيار بحجم رسالته… أم يكتفي بإدارة ما هو متاح؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
لماذا يخفض بعضنا سقف الطموحات؟
الأسباب الحقيقية لخفض السقف
متى تتجذر ظاهرة خفض السقف؟
المنهج النبوي في إدارة الصراع ورفع الطموح
حين أرسل العالم قوافل وأساطيل الصمود نحو القطاع المحاصر، أثبت حقيقة : أنّ توحّد التيار، يصنع المعجزات.
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نناقش فكرة : وحدة التصور وجسور التواصل
نتناول في هذه الحلقة:
تعريف وحدة التصور
أهمية وحدة التصور للتيار
بناء جسور التواصل
التحديات والمعوقات
كلّ تيار إصلاحي يمرّ بمحطات اِبتلاء تكشف حقيقته وتفرز رجاله… عند هذه الشدائد يظهر من يحمل المشروع في ضميره وسلوكه.
في هذه الحلقة ننتقل إلى المحور الثالث: التيار من مسافة صفر ونبدأ بموضوع: الوارثون والكفايات الواعية المناضلة.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهدا من الواقع
تعريف الوارثين
الوارثون والاستبداد
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نناقش ركيزة محورية في بناء المؤسسات والمنظمات: الضمير والانتماء للأمّة
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
تعريف المفهوم
التأسيس الشرعي والفكري لمعنى الانتماء
كيفَ أعاد الطوفان صياغة معنى الانتماء!
التحدّيات وسبل التفعيل
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نناقش سؤال : لماذا تخطئ المؤسسات في قراءة الواقع؟ وكيف تتحول اليقظة إلى قوة، بينما يتحول الفزع إلى شللٍ استراتيجي؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
لماذا تخطئ المؤسسات في قراءة الواقع؟
مبادئ في قراءة الواقع
التأثير على الواقع
عقبات في قراءة الواقع
contact@abderrazakmakri.com