هذا الكتاب جزء من سلسلة تضمّ عدداً من الكتب، عنوانها: “عن الحضارة وتحدّي العبور”. وقصة هذا الكتاب أنه كان من المفترض في البداية أن يكون نصاً مختصراً، لا يعدو أن يكون مقدمة لكتاب آخر ضمن السلسلة، هو كتاب “شروط النهضة الخمسة”، تُعنى بتعريف مختصر للحضارة وعرض أبرز ما قيل فيها عند كبار العلماء والمفكرين.
غير أنني وجدت نفسي أتوسّع شيئا فشيئا في موضوع المقدمة، مستفيدا مما سبق أن درسته من موضوعات وكتب، وما رجعت إليه من مقالات كنت قد نشرتها، فضلا عن أفكار ومشاريع بحثية شرعت فيها سابقا ولم أتمّ بعضها، أو أتممتها ولم أنشرها. ومع امتداد البحث وتشعّب موضوعاته، أخذت المقدمة تطول حتى بلغت من الحجم ما لم يعد يصلح معه أن تكون مجرد مقدمة لكتاب آخر، فعزمت على تحويلها هي ذاتها إلى كتاب مستقل.
وبعد أن تقدّمت في تأليف هذا الكتاب الجديد، وبالنظر إلى وجود ثلاثة كتب أخرى لديّ تدور في المجال نفسه، وتتعلق جميعها بقضايا الحضارة، تهيّأ لي أن أجمع هذه الكتب كلها ضمن سلسلة واحدة. ولما كان أصل هذا المسار الفكري يعود إلى كتابي المنشور “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور”، رأيت أن يكون عنوان السلسلة منبثقاً من المجال الفكري نفسه، فاخترت لها عنوان: سلسلة “عن الحضارة وتحدّي العبور”.
وقد بدا لي، من خلال ما حظي به كتاب “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور” من اهتمام، سواء في الندوات والمحاضرات التي قدّمتها حضوريا أو عن بُعد في عدد من الدول، أو من خلال النقاشات التي دارت حول الكتاب، أن القدر الأكبر من الاهتمام قد اتجه إلى فصله الأول: “تحدّي العبور” لارتباطه بمسائل شائكة يدور حولها في الفكر الإسلامي. ومن هنا رأيت أن أعيد نشر هذا الفصل في كتاب مستقل، بغرض تيسير انتشاره على نطاق أوسع، وتسهيل النقاش والتفاعل بيني وبين القراء.
ثم بدا لي أنه لا ضير في أن أعيد نشر الفصل الثاني، “مسارات العبور”، والفصل الثالث، “مواضيع العبور”، في كتابين مستقلين كذلك، يظهران أهميتهما أكثر لمن يهمه النقاش حول الحلول المقترحة للمعضلات التي تناولها الفصل الأول.
وبذلك يكون الكتاب الأول في السلسلة هو “تحدّي العبور”، والكتاب الثاني “مسارات العبور”، والكتاب الثالث “مواضيع العبور”، أما الكتاب الرابع فهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ: “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”.
أما الكتاب الخامس، وهو تحت الطبع كذلك، فعنوانه “مع بن نبي وشروط النهضة”. ويعود أصل هذا الكتاب إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، بعنوان “شروط النهضة وتحدّي العبور”، تناولت فيه بالتحليل الأفكار الأساسية للمفكر الكبير مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”، ثم قمت بتحويل مادة البرنامج إلى كتاب.
أما الكتاب السادس فهو “شروط النهضة الخمسة”، ويعود أصله، هو الآخر، إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، تناولت فيه الشروط الأساسية للنهوض الحضاري، وتطبيقاتها العملية على عدد من النماذج التاريخية.
يتشكّل هذا الكتاب : “الحضارة في الفكر الغربي والفكر الإسلامي” من ثلاثة فصول. يتناول الفصل الأول “الحضارة في الفكر الإسلامي”، وقد رصدت فيه الأفكار الأساسية في موضوع الحضارة لمفكرين مسلمين من توجهات ومدارس مختلفة، فتوسعت إلى حد ما في تناول أفكار اثنين منهم وهما: عبد الرحمن بن خلدون، بسبب مرجعيته المتفق عليها في الموضوع، كمؤسس فعلي لعلم الاجتماع والتاريخ، والمكانة السامية عالميا التي نالتها “المقدمة”، ومالك بن نبي، بسبب دقة وشهرة أفكاره، خصوصا معادلة: “الفكرة الدينية، الوقت، التراب، الزمن”، ومعادلة: “الروح، العقل، الغريزة”، و كذا جوابه على أسئلة لا تزال تطرح إلى اليوم. ثم تطرقت بشيء من الاختصار لأفكار قامات فكرية أخرى، لم يمنعني من التعمق في الاستفادة من كنوزهم الفكرية سوى الخوف من الإطالة على القارئ، وهم: علي عزة بيغوفيتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، محمد عابد الجابري، عبد المجيد النجار، وكان يمكن كذلك الرجوع إلى أفكار مفكرين آخرين غير هؤلاء لا تقل الاستفادة منهم أهمية، لو لا ضرورة تجنب التوسع لتسهيل الاستفادة.
لا شك أن توفر الفضاءات المعرفية تتيح للمهتمين الاطلاع على أفكار هؤلاء العلماء والمفكرين من مصادر أخرى أكثر توسعا، ومن كتبهم مباشرة. ولذلك ما أدعو القارئ إلى الاهتمام به أكثر هو التحليلات التي أقدمها والتصنيفات الجديدة التي أعرضها للنقاش، ومحاولات شرح الاختلافات وتنوع المقاربات، وما يمكن أن يُستفاد من كل ذلك في مشروع الاستنهاض الحضاري، وفي تحديات العبور من حالة الخمول الحضاري إلى النهوض الحضاري للأمة الإسلامية.
وفي الفصل الثاني أتناول مساهمات كبار المفكرين الغربيين في دراسة الحضارة، فأبدأ بعالمين كبيرين مشهورين، هما أرنولد توينبي ووِل ديورانت، الأول بسبب مكانته العلمية الكبيرة وموضوعيته المشهودة، خصوصا في تناول الحضارة الإسلامية والموقف من القضية الفلسطينية، ودقة فكرة “التحدي والاستجابة” في كتابه المشهور “دراسة للتاريخ”، التي بقيت فكرة مركزية في الدراسات الحضارية. والثاني بسبب الغزارة المعرفية في مؤلفه الشهير “قصة الحضارة” الذي ظل المرجع الأساسي للدراسات الحضارية منذ تأليفه، والذي أوصى بدراسته علماء مسلمون مرموقون، رغم أغاليطه حين يتناول مصدر الرسالة المحمدية، وعند إبداء موقفه من القضية الفلسطينية، وخرافة التفوق اليهودي، الذي جرّه إليه شريكته في مؤلفاته الأساسية، زوجته اليهودية أرئيل ديورانت. وبعد هاذين المرجعين الأساسيين اخترت زمرة من الفلاسفة الغربيين الكبار الذين تناولوا بالدراسة موضوع الحضارة من زوايا مختلفة وبآراء متنوعة، وهم: أوزوالد شبنجلر، فرناند بروديل، جاك إيلول، أرنولد جيلي، مارسيل موس، لوسيان فافر، كلود ليفي-شتراوس، صموئيل هنتنغتون.
وقبل أن أتمنى أن يستفيد القارئ من هذه المقتنيات الفكرية أقرّ أن استفادتي ومتعتي كانت حقا عظيمة عند مطالعة ودراسة واختصار أفكار هذه القمم الفلسفية الغربية. لا شك أن استفادتي من دراسة درر المفكرين المسلمين في الفصل الأول كانت لا تقل فائدة، ولكنها أفكار معهودة لدي في أغلبها، ودراستها كانت تذّكرًا ومراجعة، وتنظيما معرفيا. أما دراسة أفكار هؤلاء الفلاسفة الغربيين، في الفصل الثاني، من مصادرها الأصلية في الغالب، فهي جديدة عليّ. لذلك اعتبرتها عمرا معرفيا جديدا بالنسبة إلي، وقد ساعدني في التمهل والتركيز في الدراسة، والترجمة والاختصار، فسحة قعود في مكتبي بالبيت لم تتح لي منذ سنوات طويلة. ولو لم تكن لدي اهتمامات بحثية أخرى أنا بصددها، لخصصت جزء مما بقي في عمري، بإذن الله، في دراسة الفلسفة والتعمق فيها.
قد يكون ما نقلته من أفكار مختصرة لفلاسفة غربيين مرموقين مفيدا للقارئ العربي، ممن لم يكن لهم اطلاع سابق، خصوصا في المحيط الذي أنشط فيه فكريا وسياسيا ودعويا، والذي لا يهتم أصحابه عادة بالفلسفة الغربية ويأخذون منها موقف الحذر ابتداء.
لا شك أن الزخم الفلسفي والفكري المناقض للدين عموما، والمرجعيات الإسلامية خصوصا، كبير في الفكر والفلسفة الغربية، غير أن ثمة من الفلاسفة الغربيين من لهم قدرة مدهشة على تفكيك الفلسفة المادية الغربية، والديانة العقلانية والغريزية الجديدة التي فرضتها الفلسفات الوجودية والوضعية في العصر الحديث، وأن ثمة أسئلة فلسفية كبيرة يطرحها فلاسفة غربيون كبار يستطيع أن يجيب عنها المسلمون، لو توفرت لهم المؤهلات المنهجية والمقدرات المعرفية والمهارات الحوارية.
وعلى نحو ما ذكرته بخصوص الفصل الأول فإني أوجه الاهتمام أكثر في الفصل الثاني، كذلك، بما قدمته من تحليل للتوجهات الكبرى في تعريف الحضارة عند المفكرين الغربيين، وتطورات المفاهيم الحضارية في الحضارة الغربية، والتصنيفات التي اقترحتها، ودلائل ذلك ونتائجه في العلاقة بين الشعوب، وفي الساحة الدولية، وفي فهم المعضلات الكبرى التي تواجه البشرية جراء الخلفيات الفكرية في فهوم الحضارة ومقارباتها في العالم الغربي.
أما الفصل الثالث فهو يتناول ثلاث مواضيع مهمة تتعلق بالمفاهيم التي لها اتصال من حيث الدراسات المعرفية بالحضارة وهي: “الدين والحضارة”، “”الثقافة والحضارة، “المدنية والحضارة”. فأتناول بالدراسة، في موضوع “الدين والحضارة”، حقيقة اتفق عليها جل المفكرين الذين درسوا الحضارة، قديما وحاضرا، في العامل الإسلامي أو في العالم الغربي، مفادها أن أصل قيام الحضارات الكبرى المبعث الديني، ولكي أحسم الموضوع أتطرق إلى مباعث الحضارة الغربية، فأثبت بالوقائع التاريخية وشهادات المفكرين الغربيين أن أصل الحضارة الغربية النهضة العلمية الدينية في المدارس الكاتدرائية، في القرون الوسطى، وعبر النهضة المسيحية الكارولينجية الجرمانية، وأن رواد الثورة العلمية الأوربية، في منتصف القرن السادس عشر، كانوا متدينين أو رجال الدين، وإنما وقع التحول بسبب تطورات لها علاقة بالصراع على النفوذ والصراع السياسي وتفوق الحقائق العلمية المسلماتِ الكنسيةَ المنحرفة، ضمن تاريخ أوربي حصري.
وفي موضوع “الحضارة والثقافة” حاولت أن أتناول مفهوم الثقافة، أولا، بمعزل عن علاقتها بالحضارة، بالرجوع إلى معناها في تراثنا، ثم ما ذهب إليه بعض الفلاسفة في العصر الحديث، ثم ما فهمته مما درسته في الكتب وما عاينته في سلوك الناس وأحوال المجتمعات. وبعد ذلك رجعت إلى تناول علاقة الثقافة بالحضارة، انطلاقا مما ذهب إليه مفكرَين مهمَين يتميّزان بازدواجية “الثقافة” الإسلامية والغربية هما: مالك بن نبي وعلي عزت بيغوفيتش، وعدد من المفكرين الغربيين، ثم اقترحت نماذج مفاهيمية ومصطلحات جديدة تتعلق بالثقافة، مثل “المكونات الباطنية والظاهرية” للثقافة، و”المكونات العليا والدنيا”، والأبعاد “الفردية والجماعية” و”المحلية والعالمية” للثقافة، وعلاقة كل ذلك بالحضارة، كوسائل معرفية لفهم تفاعل الأبعاد الثقافية والحضارية في المجتمعات.
وفي تناول موضوع “الحضارة والمدنية”، شعرت في البداية بشيء من الملل، وعدم الجدوى من تناول الموضوع، لاستحالة النجاح في عملية التفكيك والتحليل بين مفهومي “الحضارة” و”المدنية”، خصوصا عند استحضار مفهوم “الثقافة” ومحاولة تحديد علاقته بهما كلاهما. وأنا في نفسية عدم الجدوى تلك، عثرت على مقولة تؤكد هذا الشعور عند الفيلسوف الأمريكي “توماس إليوت” حين يقول في كتابه “ملاحظات نحو تعريف الثقافة” ما يلي: ” أن أي محاولة لوضع الحدود بين معنَيَي هاتين الكلمتين لا يمكن أن تنتج إلا تمييزا صناعيا خاصا بهذا الكتاب، يجد القارئ صعوبة في تذكره، ويشعر بالراحة في التخلي عنه عندما يطوي الكتاب “[1]. وقد عمّق هذا الشعور الترابط اللغوي الشديد بين كلمة “حضارة” وكلمة “مدنية” في اللغات الأوربية (الفرنسية والانجليزية على الأقل)، وتداخل المعاني بين معنى الحضارة والثقافة في الفكر الغربي، ثم الابتعاد المجالي لمفهوم “المدنية” حين يتصل بالفكر السياسي. ولكن في الأخير توصلت إلى نتيجة مهمة أرجعت الجدوى لتناول الموضوع، أرجو الله تعالى أن يُكتب لها القبول في الساحة الفكرية وهو أن “المدنية” ما هي إلا “العمران” الذي تحدث عنه ابن خلدون، والذي هو الدليل المرئي للنهوض لأمة ما، والذي هو المظهر الخارجي للحضارة، وعليه يمكن الاستنتاج أن الثقافة هي روح الحضارة، والمدنية جسدها، وتأثير الروح “الثقافة” في الحضارة هو الذي يشكل أوصاف الجسد “المدنية” الظاهرة.
[1] توماس إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة شكري عياد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 16
يعد توينبي أهم مؤرخ في العصر الحديث درس الحضارات التي صنعها الإنسان على مر الأزمنة، وقدم للبشرية منجزا علميا كبيرا في كتابه “دراسة للتاريخ” من اثني عشر مجلدا أنفق في تأليفه أربعين سنة من عمره، وقد جعل تركيزه على دراسة الحضارات وسماتها ومظاهرها وعوامل نهوضها وسقوطها كمجال لدراسة تاريخ الإنسان بدل الاكتفاء بالسرد الزمني وتسجيل الوقائع في تاريخ الدول والأمم، ينتقل من اختصاصه التاريخي الأصلي إلى آفاق الفكر والفلسفة وتداخل العلوم، وهو بذلك يسير على درب عبد الرحمن بن خلدون الذي لم يخف توينبي الإشادة في سبقه في وضع أسس علم التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة انطلاقا من دراسة التاريخ وسِير صانعيه، وقد ترقنا إلى شهادته سابقا.
كما ساعده تجواله الطويل لمختلف عواصم وحواضر الحضارات القديمة، وعمله في وزارة الخارجية البريطانية وما تتضمنه من أرشيف واسع وعلاقات متشابكة، وكذا مناقشاته العلمية الأكاديمية في الأوساط الجامعية بأوكسفورد ولندن وغيرهما على الخروج من الطابع النظري المكتبي إلى التحاليل الميدانية القائمة على معرفة ثقافات الناس وتفاعلات الأحداث والتحرر من تأثير اللوبيات.
ومن ذلك أنه استطاع تشكيل وجهة نظر عادلة بخصوص القضية الفلسطينية[1] وأن ينتبه إلى خطورة اللوبيات الصهيونية إلى الحد الذي جعل أقطاب هذه اللوبيات والمتعاونين معهم والتابعين لهم يتهمونه بمعاداة السامية ويشنون عليه حملات ممنهجة[2]. وصفه المفكر “روجيه غارودي“ بأنه: “من القلائل في الغرب الذين رفضوا الأسطورة الصهيونية المؤسّسة، وناصروا الحق الفلسطيني” كما أثنى عليه مالك بن نبي في أكثر من موضع، واعتبره مفكرًا منفتحًا على الثقافات الشرقية ومتضامنًا مع قضايا المظلومين.
يفسر توينبي نشوء الحضارات من خلال نظريته المشهورة “التحدي والاستجابة”[3]، وهي نظرية استلهمها من دراسات علم النفس السلوكي[4]، وخصوصا دراسات الشخصية الانكفائية والشخصية الانبساطية، حيث اعتبر أن الإنسان والأمم والشعوب تتجاوب مع التحديات الخارجية إما بالانكفاء على الذات والتسلح بالماضي وتقاليد السابقين فتضعف وتنضوي، أو تعترف بحقيقة التحدي وتواجهه للتغلب عليه بالإبداع، إلى أن تصبح أقوى منه. فتنشأ الحضارات في أي شعب حين يَقبل أفراده التحدي، وتسقط حين تتوقف الاستجابة التلقائية للتحديات المستجدة.
ويَرجع نشوء الحضارات الأولى في كل من وادي الرافدين ووادي النيل، حسب توينبي، إلى استجابة الشعوب التي تعرضت لتحولات مناخية قاسية، وتحديات اجتماعية وثقافية كبيرة، بالتحرك في الأرض للبحث عن مصادر المياه وتطوير أدوات الاستفادة من البيئة والانتقال إلى المرحلة الزراعية وبناء علاقات جديدة وتشييد المدن حول الأنهار التي استقروا على ضفافها، خلافا للشعوب التي ظلت تتحمل قساوة التحولات المناخية في مكانها أو الاكتفاء بالانتقال القريب من مكان إلى مكان للبحث عن الكلأ فبقيت مجتمعات رعوية بدائية[5].
غير أن توينبي يؤكد بأن الاستجابة للتحدي تكون عبر فئة قليلة إبداعية من داخل المجتمع الذي يواجه التحدي يسميها “الأقلية الخلاّقة” (creativeminority)، وهي طبقة قيادية ملهمة تتوصل إلى تقديم الإجابات المناسبة للمشاكل والأزمات التي تعترضهم ثم تتبعهم الأغلبية عن طريق المحاكاة (Faculty of mimesis)[6] التي تمثل الطريقة الغالبة في عملية الانقياد الاجتماعي، وهو ما يمكن أن نسمية “أثر القدوة في صناعة التيارات الاجتماعية” ، ويؤكد توينبي بأن التأثير الذي تصنعه “الأقلية الخلّاقة” ليس تأثيرا ماديا، ولكن له طبيعة روحية وفكرية عميقة تصنع قوة داخلية خفية جبارة تدفع للإبداع والتفاعل النشط مع المحيط الخارجي[7].
ويرى توينبي أن الحضارة تبقى تنمو وتتوسع ما دام ثمة تواتر لبروز “أقلية خلاقة” من قيادة روحية أو نخب ملهمة في كل مرحلة من مراحل الدورة الحضارية تستجيب للتحديات المتتالية، بغرض إعادة بناء الداخل وفق استجابات حضارية جديدة لا تعتمد على الإكراه والتكرار والتقليد، ولكن على المحاكاة المجتمعية الإيجابية التي تضمن توسع المشاركة في البناء الحضاري، ويستمر نمو الحضارة كذلك بقدر انفتاحها على الحضارات الأخرى والاستفادة منها[8]. ومما يقوله في هذا: ” نادرًا ما تكون الحضارات بمنأى عن التأثير الخارجي، سواءً من الحضارات السابقة أو الحالية”.
فمعظم الحضارات، حسب توينبي، انبثقت من حضارة سابقة، مستندة إلى إرثها من الأفكار والمعتقدات ضمن عملية ما يسمى: “الظهور والانتماء” (Apparentation-and‑Affiliation)، فهو في هذا الإطار يعتبر بأن الحضارة هي ميراث بشري تراكمي”[9]. وتصل الحضارة إلى ألقها حين تدخل في مرحلة “التحدي الذاتي” فتصبح هي بيئة الاختبار لذاتها ومصدر التحدي ومجال عملها، بغض النظر عن التحديات الخارجية إذا كانت مستمرة.
ويبدأ التراجع الحضاري، عند توينبي، حينما تُفقَد النخب المبدعة، وتغيب الطبقات القيادية الملهمة القادرة على الاستجابة للتحولات[10] والتحديات المستجدة ويسيطر على المشهد أقلية مسيطرة، ضمن ما يسمى استبدال “الأقلية الخلاقة” (Creative Minority) التي كانت تتبعها الأغلبية بقناعة، ب ا”لأقلية المسيطرة” (Dominant Minority)[11]، التي تتشبث بالسلطة والانتفاع بالمزايا الحضارية السابقة دون إبداع وتعمل على فرض نفسها بالقوة بدل الإلهام، وفرض اتباع الناس لها دون استحقاق. فينتج عن ذلك انسحاب الأغلبية وتوقف ظاهرة “المحاكاة الحيوية” (Mimesis)، وبداية بروز فئة من المنشقين (Schismatics) تحاول البحث عن حلول للتحديات، ومنها تحدي مواجهة النخب الحاكمة المهيمنة، فإن كانت مبدعة ومجددة تتوصل إلى الاستجابة للتحديات وتؤول الأمور إليها وينبعث فجر جديد من قلب تلك الحضارة، وإلا يتجه المجتمع نحو الصراعات، التي تعالجها “الأقلية المسيطرة” بالقوة والعسكرة والانضباط القسري، والاعتماد على الدين كطقوس خالية من أي أثر روحي أصيل، وتحويل الطاقة الدينية إلى مؤسسة تابعة لا أثر لها في الفعل الحضاري، و مختلف المؤسسات إلى قشور مؤسسية جوفاء غير منتجة.
يؤكد تويبنبي بأن الحضارات لا تُقتل (من الخارج) ولكنها تنتحر (من الداخل)، ويبدأ التراجع من المركز وليس الأطراف وذلك بتوقف الإبداع لدى النخب، وانطفاء أنوار القيم المؤسِّسة للحضارة، وانتشار الظلم والقمع، والصراعات والانشقاقات وتشكُّل مجموعات داخلية ( (InternalProletariat سلبية ومهمَّشة ومُقلدة، وأحيانا انتهازية، وغير مشاركة في الفعل الحضاري، ومجوعات خارجية (ExternalProletariat) على هامش الحضارة تتسم بالفقر والتخلف والحسد والحقد على الحضارة المهيمنة الظالمة. وفي مرحلة نهاية الدورة الحضارية تحاول الأقلية المتحكمة فرض نموذج سياسي مركزي، سماه توينبي “الدولة العالمية” (Universal state)[12] التي تستعمل القانون والمؤسسات لضبط المجتمع، والشرعية القسرية بدل الإقناع والتأثير وشرعية الإبداع والإنجاز، والحفاظ على الاستقرار الشكلي بهيبة الدولة والهالة المؤسسية لمنع التمرد والانقسام. مستشهدا بأمثلة من الحضارات القديمة في فترات انحطاطها، كالأمبرالطورية الرومانية، وأسرة الهان الصينية، والخلافة العباسية في بغداد، والامبراطورية المغولية بعد تشكلها. ويؤكد بأنه حين تفشل “الدولة العالمية” عن بعث المعاني الأخلاقية والإبداعية وعن تقديم أي مشروع إنساني، تظهر “الكنيسة العالمية” (Universal Church)، كملاذ روحي للجماهير، تملأ الفراغ المعنوي الذي تتركه النخبة المتكلسة والدولة المسيطرة. ويفهم من عبارة “الدولة العالمية” أي كيان سياسي مركزي تنشئه “الأقلية المهيمنة”، في أي مستوى من مستويات الاجتماع البشري، وهو بدون شك يركز على البعد الحضاري العالمي. كما لا يفهم بالضرورة من عبارة “الكنيسة العالمية”، عند توينبي، “كنيسة” بالمفهوم الديني، بل هي حالة بحث الجماهير عن المعنى الروحي والقيمي والأخلاقي الذي يتشبثون به أثناء مرحلة انهيار الحضارة وعجز “دولتها العالمية” على تحقيق المعنى رغم قدرتها على التحكم والسيطرة، ويمكن لهذا الملجأ الروحي الجديد أو المتجدد أن يكون بديلا خلاّقا ل”الدولة العالمية” المسيطرة إذا اعتُمد الإبداع والتجديد القيمي فتكون حاضنة الانبعاث الحضاري، أو يزيد الحضارة القائمة تكلّسا وجمودا ويساهم أكثر في الأفول ونهاية الروح الحضارية[13]. ويضرب المثل في هذا الشأن بالديانة المسيحية بعد انهيار روما، وبروز الصوفية الإسلامية في أواخر العهد العباسي، ودور البوذية في حضارات شرق آسيا.
يؤكد توينبي على الأطوار والأعمار الحضارية ( النشأة، النمو، الألق، الأفول، الانهيار)، على نحو ما ذهب إليه ابن خلدون وأغلب فلاسفة الحضارة. ويشرح بأن التاريخ أعاد نفسه أكثر من عشرين مرة على نفس شروط وأفول الحضارات. وينبه أن الحضارة الغربية ليست استثناء وأنها تصنع في داخلها أسباب انهيارها وتتجه على نفس المنوال إلى الانتحار. ولكن يختلف عن العديد من المتخصصين في التاريخ والدراسات الحضارية، بأن مصير الأفول ونهاية الحضارات ليس حتميا كأعمار البشر، وأن الانهيار مرتبط فقط بالتوقف عن الاستجابة للتحديات، ويعتقد، على هذا الأساس، أن نهاية الحضارة الغربية ليس قدرا مقدورا، وأنها تملك القدرة على مواجهة التحديات التي تهددها.
يرى توينبي أن الحضارة الغربية نجحت في الاستجابة لتحديات عظيمة في مرحلة القرون الوسطى المتأخرة وعصر النهضة، وباتت حضارة عالمية كبرى، ولكنها دخلت مرحلة الانحدار مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين تحولت النخب من صانعة الإبداع والحداثة والتنوير إلى نخبة مهيمنة تسعى للحفاظ على السلطة. وتحول الغرب إلى التركيز على التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية وأهمل الجوانب الروحية والأخلاقية. وظهرت بوادر التمزق الطبقي والعرقي والديني في داخله، وأصبحت الحضارة الغربية في المجمل موسومة بالنزعة الفردانية والاستهلاكية والخواء الروحي، فباتت تصنع أدوات الموت والتدمير الشامل بأسرع مما تصنعه من أدوات الحياة [14]، وباتت لا تكترث بوسائل القيم الإنسانية والروحية. ومما قاله: “لقد تجاوز التطور التنكنولوجي التطور الأخلاقي والروحي، تعلمنا كيف نطير كالطيور، وكيف نسبح في البحار كالحيتان ولكن لم نتعلم كيف نعيش معا كبشر .. لقد بات الغرب يعرف كيف يقود الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يقود ذاته”[15]
ولكن رغم كل الانتقادات التي وجهها أرنولد توينبي إلى الحضارة الغربية، وما ذكرها من مظاهر الأزمة الحضارية في الغرب فهو يرى أن الحضارة الغربية بإمكانها التعالي عن حتمية الموت الحضاري بالقدرة على الاستجابة للتحديات، خصوصا الداخلية، من خلال العودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، والتخلي عن منطق القوة، والتواضع والانفتاح على الحضارات الأخرى[16]
يرى توينبي أن البشرية شيّدت عدة حضارات في تاريخها، عدّد منها قرابة 21 حضارة كبرى. ركز منها على 13 حضارة مستقلة وذات هوية واضحة، وصنّفها إلى حضارات حيّة ومستمرة، لا تزال في طور التحدي والاستجابة، وحضارات متعثرة تتعرض للانتحار الداخلي، وحضارات ميتة ومنقرضة[17].
وبخصوص الحضارة الإسلامية فإن توينبي لا ينظر إليها بنظرة استعلائية كما هو حال العديد من المستشرقين الغربيين، بل يعتبر أن الإسلام استطاع أن يحقق استجابة تاريخية لتحديات الجزيرة العربية والعالم المحيط بها فصنع حضارة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية، استطاعت أن تنفتح على الحضارات التي سبقتها بثقة كبيرة وطورت خصوصيتها الحضارية الخاصة بها، ونقلت ذلك كله إلى الغرب ضمن حالة “ظهور وانتماء”. كما أشاد بالعطاء الروحي والأخلاقي الذي جاء به الإسلام حين وحد القبائل العربية وأنهى حالة الفوضى والتشرذم التي كانت بينهم وشكل وحدة حضارية امتدت من اسبانيا إلى الهند، شملت العديد من الأعراق والإثنيات أبكر وأشمل مما فعلته المسيحية[18] .
يرى توينبي أن الحضارة الإسلامية عرفت نفس المسار في النهوض والتراجع الذي عرفته الحضارات الأخرى، فقد استجابت بنجاح للتحديات في بدايتها إذ بعثت رسالة أخلاقية عالمية وحّدت بين العرب والعجم، والدين والسياسة، وحققت تكاملا بديعا بين المسؤولية الفردية والمجتمعية، وأنشأت شرائح شعبية واسعة مرتبطة بالرسالة الإسلامية وفاعلة في محاكاتها للنخب المبدعة، وفي القرن الرابع الهجري بدأت تتشكل علامات الجمود والانتقال من مرحلة النخبة الخلاقة إلى مرحلة النخبة المتسلطة، ففقد الجمهور العريض المحاكاة الحيوية وخرج من الفعل الحضاري، وباتت الخلافة العباسية في أواخرها تمثل نموذج “الدولة العالمية” كشكل سياسي جامد بلا إبداع حضاري حقيقي، حوْلها سلطناتٌ متناحرة وضعيفة، بلا إضافات حضارية حقيقة، رغم الشكل المؤسسي القوي، وتشكل لدى الشعوب الإسلامية ما يماثل مفهوم “الكنيسة العالمية” باللجوء إلى الصوفية والحركات الدينية المتنوعة.
لا يوافق توينبي بأن الحضارة الإسلامية آيلة للاندثار النهائي، كما يعتقد العديد من المستشرقين، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة نائمة قد تنهض من جديد إذا توفرت لها القيادة الخلاقة، وأنها لا تزال في مرحلة التحدي الداخلي، وأن الإسلام لا يزال قادرا على منح القيادة الروحية التي يحتاجها العالم[19]
غير أن توينبي يخطئ في اعتقاده بأن السبب المبكر لتراجع الحضارة الإسلامية هو انتقالها للمرحلة السياسية مع دولة المدينة في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالحضارة الإسلامية لم تحقق حضارتها إلا بحماية هدايتها بقوة الدولة في مواجهة تهديدات المشركين المستمرة، والتي كادت أن تقضي على بيضة الإسلام لو لا انهزامها أمام جيش الدولة الناشئة في غزوة بدر وغزوة الخندق، ولو لا إنهاء التهديد كلية في فتح مكة وغزوة حنين، وأمام تهديدات الخطر الروماني التي تمت مواجهته في غزوة مؤتة وغزوة تبوك ثم إنهاء تهديده في البلاد العربية في الشام، ومنعه من الاستيلاء على إرث الدولة الفارسية المتداعية بعد هزيمتها الكاسحة من الجيش الروماني قبيل بداية الفتوحات في الشام والعراق. كما أن بناء دولة المدينة كان هو المعيار الذي قامت عليه الخلافة الراشدة التي بقيت هي النموذج الذي تندفع إليه حركة التاريخ للاستنهاض الحضاري للأمة، وسيبقى كذلك إلى يوم الدين.
[1] ـ من مقولاته: ” الصهيونية حركة سياسية وليست دينية”، “النازيون هم من أسسوا دولة إسرائيل”،” أنا متعاطف مع وجهة النظر العربية في القضية الفلسطينية” انظر كتاب “محاضرات أرنولد توينبي” وهو كتاب جمع نصوص أربع محاضرات ألقاها أرنولد توينبي عام 1964 بالقاهرة ونشرتها مؤسسة هنداوي، ترجمة وتحرير فؤاد زكريا، عام 2022. وفي محاضرة شهيرة في بيروت عام 1961 وصف مجزرة دير ياسين بأنهاجريمة نازية ارتكبها اليهود ضد العرب، ومما قاله: “ما فعله الصهاينة بالعرب يشبه ما فعله النازيون باليهود، وهذا لا يمكن تبريره أبدًا”، انظر :”محاضرات توينبي في بيروت“، الجامعة الأمريكية، 1961، ومما قاله كذلك: “تهجير الفلسطينيين وتأسيس دولة لليهود على حسابهم خطأ تاريخي لا يُصلح خطأ ما حدث لليهود في أوروبا”.
[2]ـ حدثت بينه وبين علماء ودبلوماسيين صهاينة مراسلات ومواجهات شديدة في عدة مناسبات منهم يعقوب هيرتزوج(Yaacov Herzog)، يعقوب تلمون (Jacob Talmon)، أشعياء فريدمان (FriedmanIsaiah)، موثقة في مقال بموقع جستور للمجلات العلمية ( انظر المقال في الرابط:https://www.jstor.org/stable/30245780 )، وكان ذلك بعد حرب 1967. ورد عليه في محاضرة تحت عنوان “هرطقة توينبي” بجامعة يشيفا بنيويورك عام 1955، المفكر والسياسي والدبلوماسي الصهيوني “أبا إيبان” وهو أحد مؤسسي دولة الكيان تقلد مناصب عليا كثيرة منها وزير الخارجية الإسرائيلي (1966 ـ 1974) ، نائب رئيس الوزراء (1963ـ 1966)، عضو الكنيست سبع مرات، سفير الكيان في الأمم المتحدة لعشر سنوات، ونائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952.
[3] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 1, Oxford University Press, 1934, p. 73.
[4] يعترف توينبي أن استفاد في نظريته ” التحدي والاستجابة” من دراسات عالم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ ( 1875ـ 1961Carl Jung )، خصوصا دراساته عن الشخصية الانطوائية والشخصية الانبساطية.
[5] تطرق مالك بن نبي إلى حالة الرجل البادية في الجزائر الذي قهره التصحر بسبب خوفه وضعفخ فلم يبق له أرض يحرثها ولا ماشية يحلبها، ففر بدابته تائها في الصحراء أو منبوذا في المدينة: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص 132.
[6]Toynbee: An Historian’s View of Art, Vol. 3, No. 4 (fall 1961), pp. 267-280 (14pages)Published By: Wayne State University Pressـ Milton Gold,
[7] ـ تشبه فكرة “الأقلية الخلاقة” فكرة “الدافع الحيوي” أو “الوثبة الحيوية” (l’Elan vital)، وهو مفهوم صاغه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتابه “التطور الخلاق” عام 1907 (L’évolution créatrice)،يشير فيه إلى وجودقوة داخلية غير مادية، تدفع الكائنات الحية إلىالإبداع، والتطور، والنمو، بشكل يتجاوز الآليات المادية والبيولوجية وهو بمثابة “شرارة الحياة”، و”الروح الخلّاقة” التي تسري في الكائنات، وتمنحها إرادة العيش والتجدد.
[8] ـ من الأمثلة التي يضربها توينبي في مسألة انفتاح الحضارات وأثر ذلك في توسعها الحضارة الإسلامية وكيف استفادت من الترجمة النشطة للعلوم اليونانية والفارسية والهندية وكيف أدى ذلك إلى تحويل بغداد وقرطبة إلى مراكز حضارية رائدة انتفعت من الحضارات التي سبقتها ضمن بنائها الحضاري الخاص. وهو بهذاينفي خصوصية الحضارة الغربية المتعالية على الحضارات الأخرى،ويعارض أفكار المؤرخين الغربيين، خصوصا المتأخرين كأمثال صمويل هنتنتن الذي يؤصل لصراع الحضارات وضرورة مواجهة الحضارة الغربية الحضارات الأخرى لتضمن ديمومتها.
[9] ـ انظرفي موقع E-International Relations مقال: “Ian Hall, Clashing Civilizations: A Toynbeean Response to Huntington, Apr 18 2018, Articles”
[10] ـ Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 2, Oxford University Press, 1934, p. 112.
[11]ـ Ibid, Vol. 3, p. 201
[12] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. VII, Oxford University Press, 1954, pp70-76
[13] انظر: Arnold J. Toynbee, A Study of History, Volume IX: “Universal Churches and Disintegration, Oxford University press, 1936-1961.
[14] Arnold Toynbee, Civilization on Trial, ch. 3, 1948, pp. 45–46.
[15]ـ Civilization on trial, pp 41,42 مرجع سابق
[16] ـ If the West is to be saved, it will not be by clinging to power, but by listening to the spiritual voices of other civilizations.” — A Study of History, Vol. XII, 1961.
[17]وعند تتبعنا لما كتبه توينبي عن مصير الحضارات يمكننا أن نلخص مصائرها بتصرف على النحو التالي : الحضارة السومرية والبابلية والمصرية المنقرضة، رغم تأثيرها المتفاوت في حضارات لاحقة، وحضارة المايا والأزتك التي انقرضت بفعل بُعدها عن العالم القديم، والإبادة البشرية والثقافية التي تعرضت لها من قبل الاستعمار الغربي، والحضارة اليونانية التي اندمجت في الحضارة الرومانية التي تحولت بدورها إلى المسيحية بعد سقوط روما، الحضارة الهندية التي صمدت أمام الغزو ولكنها فقدت وحدتها الدينية بين الهندوسية والإسلام والسيخ وبقيت متأثرة كثيرا بالغزو الثقافي الغربي المسيحي، الحضارة الصينية التي بقيت تتحول بين الركود والانبعاث (وهي رغم نهوضها الاقتصادي تتعرض إلى حالة تغريب كبيرة)، الحضارة الأرثوثوكسية التي رغم خصوصيتها الثقافية الدينية والصراعات الجيوستراتيجية الروسية الغربية يمكن اعتبارها مندمجة في الحضارة الغربية، الحضارة الإسلامية التي رغم تعثرها يرى توينبي بأنها لها القدرة على الانبعاث من جديد.
[18] ـ Islam succeeded in creating a universal society and a universal state sooner and with greater completeness than Christianity.” — A Study of History, Vol. V, 1939.
[19]ـ Islam may yet furnish the spiritual leadership the world needs.” — Civilization on Trial, 1948.
يُعدّ الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الأمريكي “آل ديورانت” أشهر مؤلف كتَب عن تاريخ الحضارات، تلقّى تعليما كاثوليكيا في طفولته ثم تحول إلى التعليم المدني فتخصص في الآداب ثم اهتم بالفلسفة فدرس كتب كبار الفلاسفة أمثال “هكسلي” و”داروين” و”هربرت سبنسر” و”هيغل”و”اسبينوزا” وآخرين. تحصل على الدكتوراه في الفلسفة حول “الفلسفة والمشكلة الاجتماعية” عام 1917 في جامعة كولومبيا. اشتغل في الصحافة أثناء دراسته ثم في مهنة التعليم حيث تعلق بإحدى تلميذاته وتزوجها وعمرها 15 سنة و كان اسمها “آدا كوفمان”، وهي التي عُرفت بعد ذلك باسم “آرئيل ديورانت”. وقد كان لها دور كبير في مسيرته العلمية وفي كثير من قناعاته، سافرت معه إلى مختلف أنحاء العالم وشاركته في تأليف العديد من كتبه خصوصا كتاب “قصة الحضارة” .
كان ديورانت قارئا نهما يقرأ مئات الكتب ليكتب كتابا واحدا، وكان رحّالة يجوب مختلف أنحاء العالم ليجمع مع الدراسات النظرية المشاهدات البصرية للآثار الحضارية والأحوال الثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية للناس. من أهم كتبه “قصة الفلسفة”، “التحول”، “مباهج الفلسفة”، “قصة الحضارة”، “أبطال من التاريخ”، “عظات التاريخ”، “تفسير الحياة”، وهي كتب لقيت رواجا كبيرا في العالم.
غير أن الكتاب الأشهر الذي فرض نفسه كمرجع أساسي في موضوعه هو كتاب “قصة الحضارة” الذي يعد موسوعة شاملة في فلسفة التاريخ قضى ديورانت في كتابتها 40 سنة من 1935 إلى 1975. تتكوّن هذه الموسوعة من أحد عشر مجلدا تناولت تاريخ البشرية منذ العصور البدائية حتى نهاية القرن الثامن عشر، تطرق فيها المؤلف إلى مختلف جوانب الحضارة الإنسانية التي تشمل التاريخ والفلسفة والفن والدين والاقتصاد والسياسة.
حاول ديورانت أن يكون محايدا في كتاباته ولكن تأثره بخلفيته الغربية جعله ينظر إلى الدين نظرة علمانية تنفي الغيب والوحي[1]، وبسبب تأثره بزوجته اليهودية فضّل اليهودية على المسيحية التي هي ديانته الأصلية، ومجّد اليهود على سائر البشر ونزع عنهم الصفات الذميمة الملتصقة بهم في الثقافة الأوربية آنذاك، وكان يعتبر أن مسألة دس يهود خيبر السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد ظنون، وأن اليهود لم يتأثروا بالإسلام في المدينة بسبب نزعته الحربية[2] بزعمه.
وبالرغم من تمجيده الكبير لشخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وللحضارة الإسلامية ودورها الحاسم في التعريف بالحضارة اليونانية وفي نشأة الحضارة الغربية في الجز الثالث عشر من كتاب “قصة الحضارة” يشكك في الرسالة السماوية للإسلام، ويزعم أن مصادر القرآن ما تلقاه محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود أثناء زيارته المدينة قبل البعثة، ومن النصارى أثناء زيارته الشام مع عمه أبي طالب للتجارة، وما أخذه عن ورقة بن نوفل، بل يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه استعمل القرآن لأغراضه الشخصية وللتمكين لنفسه ولقومه في الجزيرة العربية.
لقد حذّر كثير من العلماء والمفكرين المسلمين من المغالطات الكبيرة الموجودة في كتاب “قصة الحضارة” عن الإسلام في جزئه الثالث عشر، لا سيما وأن الكتاب عرف انتشارا كبيرا وصار مرجعا أساسيا في تاريخ الحضارات، ومن هؤلاء الدكتور محمد محمد حسين في كتابه “حصوننا مهددة من الداخل”[3]، الذي اعتبر بأن اعتماد الكتاب رسميا من الجامعة العربية عبر المنظمة العربية للثقافة والعلوم وطباعته[4] كان بضغط من السفارة الأمريكية في القاهرة، ومن منظمة اليونيسكو، ومن سماهم سماسرة الاحتلال الغربي وعملاءهم بغرض تشويه الإسلام وإضعافه في فكر ووجدان أهله.
وقد أكد الدكتور محمد بدران، أحد مترجمي الكتاب، بأن في الكتاب مغالطات كبيرة عن الإسلام ولكن أوعز تثبيتها في الترجمة إلى حتمية الأمانة العلمية، وإلى أهمية اطلاع المسلمين على بعض آراء الكُتّاب غير المسلمين حتى وإن كانوا لا يوافقون عليها[5]. كما أن ثمة من كبار الكُتّاب المسلمين من شجعوا على استفادة الكتاب المختصين والمفكرين العرب والمسلمين منه لما فيه من فوائد جمة، مع ضرورة الردود على ما يحتوي من سموم في ذات الترجمات، ومن هؤلاء شوقي أبو خليل الذي يقول: “إنه ليس من المعقول أن يُحرم القارئ العربي من هذا السفر النفيس الذي يُعد من الكتب العالمية المتميزة التي أُلّفت في القرن العشرين، والذي يُغني عن مئات الكتب التي تعني بتجارب الأمم السابقة، للاستفادة من تجاربهم، ومعرفة سبل مهاوي الهلاك التي انتهجتها دولهم، لتفاديها”[6]
لقي كتاب قصة الحضارة قبولا واسعا لدى الباحثين وعامة الناس لما يتميز به من أسلوب سهل، وقدرة بارزة على الجمع بين الأسلوب العلمي والنسق الشعبي. قصد توينبي بتأليفه هذا الكتاب أن يكتب تاريخا للمدنية يروي فيه “أكثر ما يمكن من النبأ، في أقل ما يمكن من الصفحات”، عبر خمسة أجزاء مستقلة: التراث الشرقي (تاريخ مصر والشرق الأدنى حتى وفاة الاسكندر، والهند والصين واليابان إلى العصر الحديث)، التراث الكلاسيكي (تاريخ اليونان وروما والشرق الأدنى)، التراث الوسيط (تاريخ اوربا الكاثوليكية والاقطاعية، والمدنية البيزنطية، والثقافة الإسلامية، والثقافة اليهودية، في آسيا وافريقيا وإسبانيا، والنهضة الإيطالية)، التراث الأوربي (تاريخ الدول الأوربية من الإصلاح البروتستانتي إلى الثورة الفرنسية )، التراث الحديث (تاريخ الاختراعات والسياسة والعلم والفلسفة والدين والأخلاق والأدب والفن في أوربا منذ تولي نابليون الحكم إلى عصرنا الحاضر).
لقد حرص وِل ديورانت على تجاوز السرد التاريخي للأحداث التاريخية ووقائع التحولات السياسية وسير الملوك والأمراء إلى تناول مآثر البشر من مختلف الزوايا الفلسفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحليل الأحداث لإخراج العبر منها وإبراز القواعد الاجتماعية التي تتحكم فيها. فيقول: “لقد أحسست منذ زمن طويل بأن طريقتنا المعتادة خاطئة في كتابة التاريخ مجزّء أقساماً منفصلة عن بعضها عن بعض، يتناول كل قسم ناحية واحدة من نواحي الحياة – فتاريخ اقتصادي، وتاريخ سياسي، وتاريخ ديني، وتاريخ للفلسفة، وتاريخ للأدب، وتاريخ العلوم، وتاريخ الموسيقى، وتاريخ للفن – أحسست أن هذه الطريقة فيها إجحاف بما في الحياة الإنسانية من وحدة، وأن التاريخ يجب أن يُكتب عن كل هذه الجوانب مجتمعة، كما يكتب عن كل منها منفرداً، وأن يُكتب على نحو تركيبي كما يُكتب على نحو تحليلي، وأن علم تدوين التاريخ في صورته المثلى لابد أن يهدف- في كل فترة من فترات الزمن – إلى تصوير مجموعة عناصر ثقافة الأمة مشتبكة بما فيها من مؤسسات ومغامرات وأساليب عيش ..”، وهو بهذا النهج الموسوعي التحليلي في كتابة التاريخ لا يبتكر نهجا جديدا وإنما يتبع مؤسس هذا الفن عبر العصور عبد الرحمن بن خلدون. وبالرغم من أن وِل ديورانت لا يتحدث كثيرا عن بن خلدون فهو لم يستطع تجاوز الاعتراف بعبقريته فيقول في الفصل الثلاثين من كتابه حين يتحدث عن عبقرية الإسلام: “إننا لا نستطيع في أي أدب كان قبل القرن الثامن عشر، العثور على فلسفة للتاريخ، أو على منهج لعلم الاجتماع، يمكن أن يباري في قوته ومداه ودقة تحليله منهج ابن خلدون”.
وضع وِل ديورانت تعريفًا للحضارة يُعدّ من أكثر التعريفات شمولًا، إذ قال: ” الحضارة نظام اجتماعي يعزز الإبداع الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: التنظيم الاقتصادي، والتنظيم السياسي، والتقاليد الأخلاقية، والسعي وراء المعرفة والفنون.”[7] فهي ليست حالة بشرية مادية فحسب، بل منظومة قيمية وروحية تُعبّر عن تفاعل الإنسان مع بيئته، ومع الآخرين في إطار من النظام الأخلاقي والسياسي والاقتصادي.
ويرى وِل ديورانت أن بروز الحضارات يرتبط بوجود الأفراد العظماء في الأمم ضمن البيئات المناسبة فيشدد على الدور المزدوج للفرد والمجتمع في صياغة مصير الحضارات. فالعظماء – مثل سقراط وأفلاطون والقديس أوغسطين ومحمد ﷺ ونيوتن – هم في نظره “العقول التي تُعطي الاتجاه للتاريخ، لا قوّته الدافعة وحدها“. ويقول في كتاب “دروس التاريخ“: “إن الأفراد العِظام يصنعون التاريخَ فقط حين يجسّدون ميولَ عصرهم، فهم صورته لا صانعوه.”[8]
فالأفراد لا يصنعون التاريخ من العدم، بل “يُسرّعون ما كانت الجماعة مهيّأة له[9]“. فعبقرية الفرد لا تزدهر إلا حين تتوافر البيئة الاجتماعية والثقافية التي تحتضنها، والعكس صحيح: فالمجتمع نفسه بحاجة إلى القادة والعباقرة كي يبلور وعيه وغاياته. وفي هذا السياق خص سيدنا محمد ﷺ بإعجاب كبير في قصة الحضارة، معتبرا إياه من أعظم من غيروا وجه التاريخ.
ويركّز ديورانت على أن الحضارة لا تزدهر إلا حين يتحقّق التوازن بين المادي والمعنوي، بين العلم والإيمان، وبين الحرية والنظام. فحين يطغى أحد الجانبين على الآخر، تبدأ الحضارة في التآكل من داخلها.[10] ويشير إلى أن التاريخ شاهد على أنّ الحضارات العظيمة لم تسقط بفعل الغزو الخارجي، بل عندما ضعفت أخلاقُها وقيمها، واستسلمت للترف والأنانية، وفقدت الشعور بالغاية والمعنى.[11]
رغم حرصه على الظهور بمظهر الحياد لم يستطع ديورانت إخفاء قناعته بمركزية الحضارة الغربية في التاريخ من حيث إنجازاتها الكبرى في مجالات العلم والتقنية والفكر السياسي، فهو نفسه يعتذر في مقدمة فصل “عصر الإيمان” للعلماء الذي درسوا حضارة الإسلام عن عدم إعطاء الحضارة الإسلامية حقها في حديثه عن فترة العصور الوسطى فيقول: “ولقد بذلنا جهدنا على الدوام في أن نكون بعيدين عن الهوى والتحيز وأن ننظر إلى كل دين وكل ثقافة كما ينظر إليهما أهلهما، ولكنا مع هذا لا ندّعي العصمة من الهوى … ذلك أن العقل كالجسم سجين في جلده لايستطيع الفكاك منه”[12]، لكنه مع ذلك قدّم نقدا فلسفيا عميقا للحضارة الغربية من داخلها. فهو يرى أنّ الغرب بلغ قمة التقدّم المادي، لكنه فقد توازنه الروحي والأخلاقي[13].
ويشير إلى أنّ الغرب يعيش مرحلة الخطر نفسها التي عرفتها الحضارات السابقة حين طغت المادة على المعنى، والعقل على الضمير. فالحرية التي كانت مصدر قوّته، تحوّلت في بعض جوانبها إلى فوضى فردية تُهدّد التماسك الاجتماعي[14].
ويرى ديورانت أن قوة الغرب لا تقوم على العلم وحده، بل على القيم التي أفرزها تراثه الديني والفلسفي، وأن الحفاظ على هذه القيم هو شرط بقاء الحضارة[15].
وفي نظره، ليست الحضارة الغربية نهاية التاريخ، بل مرحلة ضمن سلسلة إنسانية متواصلة. ويُشدّد على أن الغرب مدين للشرق – وللإسلام خصوصًا – بالعلوم والفكر الذي مهّد لنهضته، وأن الحضارات تتكامل وتتوارث لا تتصارع[16].
يقدّم وِل ديورانت في فلسفته التاريخية رؤيةً إنسانية شمولية تعتبر أن الحضارة ظاهرة متكرّرة عبر العصور، تمرّ بمراحل الولادة والنضج والانحدار. والعامل الحاسم في بقاء أي حضارة هو أخلاقها وإيمانها، لا ثروتها أو جيوشها. فحين يتوازن العقل مع الضمير، والعلم مع الحكمة، تزدهر الحضارة. أما حين تنفصل المعرفة عن القيمة، فإنها تبدأ في الانحلال. ومن ثمّ، يرى ديورانت أنّ التاريخ ليس صراعًا بين الشرق والغرب، بل هو حوار دائم بين الإنسان والمطلق، بين القوة والمعنى، وأنّ روح الحضارة لا تموت ما دامت قادرة على إحياء الإيمان بالإنسان.
وعلى عكس الطروحات الحتمية، يرى ديورانت أن الحضارات لا تموت تماما، بل تمتزج وتُورّث أفكارها للاحقين. فالحضارة الإسلامية، مثلًا، انتقلت بأفكارها إلى أوروبا إبان العصور الوسطى، وساهمت في النهضة الحديثة.
نظَر ديورانت إلى الحضارة الإسلامية بإعجاب واحترام كبيرين، وخصّها في موسوعته “قصة الحضارة” في فصل”عصر الإيمان” (The age of Faith) بحديث قدّر بأنه مطوّل بالنسبة لعموم القراء ولكنه غير مجزي بالنسبة للمتخصصين. ورغم مغالطاته في مصدر الوحي للقرآن الكريم يرى أنّ الإسلام لم يكن دينا روحيا فحسب، بل قوة تاريخية خلّاقة أطلقت طاقات الشعوب وأسّست واحدة من أرقى حضارات العصور الوسطى[17].
فهو يعتبر أن المسلمين قادوا العالم في مجالات الإدارة والعلم والفن والفكر، وأنهم قدّموا للإنسانية نموذجًا حضاريًا متميّزًا بالتوازن بين الدين والعقل، وبين الروح والمادة.
ورغم اتهامه للإسلام بالروح الحربية وسفكه للدماء يُبرز ديورانت تسامح الإسلام في التعامل مع الديانات الأخرى، ويرى أن هذا التسامح كان سببًا في ازدهار العلوم والفلسفة. ويشير إلى أن الحضارة الإسلامية لم تكتفِ بحفظ التراث اليوناني، بل أضافت إليه ووسّعته، حتى كانت أساس النهضة الأوروبية[18].غير أنّه يلاحظ أن الجمود الفكري والديني الذي ساد في العصور المتأخرة كان سبب انحسارها[19]،
ويؤكّد أن الانحطاط لم يكن بسبب الإسلام نفسه، بل نتيجة الانفصال بين الدين والعقل، واستبداد السلاطين، وتراجع الحرية الفكرية، وسيطرة التقليد على الاجتهاد. ومع ذلك، يظلّ يعتبر الإسلام أحد أعظم مصادر الإشعاع الإنساني في التاريخ[20].
مع أنّ وِل ديورانت أبدى إعجابًا عميقًا بشخصية النبي محمد ﷺ إذ اعتبره من أعظم من غيروا وجه التاريخ وقال عنه:”لو حكمنا على العظمة بالتأثير، لكان محمد أحد أعظم رجال التاريخ، فقد أسّس دينًا ودولةً وإمبراطورية، و“كان معتدلًا في طعامه وشرابه، كارهًا للترف، بسيطًا، متواضعًا، تقيًّا، محبًّا للخير“[21]،ورغم تقديره الأثر الحضاري الهائل للإسلام، فإنه لم يتناول القرآن الكريم من منظور الإيمان الديني، بل من زاوية المؤرخ الفلسفي الذي يرى الأديان ظواهر إنسانية كبرى تسهم في بناء النظام الأخلاقي والاجتماعي. فهو يعدّ القرآن “إبداعًا أدبيًا مهيبًا وشريعة أخلاقية لشعب عظيم”[22]، أي أنه يعترف بسموّ قيمه وتأثيره، دون أن يصفه بوصفه وحيًا إلهيًا بالمعنى العقدي.
[1] انظر قصة الحضارة، 1\99-102
[2] قصة الحضارة 13\36
[3] يعتبر هذا الكتاب من المراجع الأساسية في مكتبة الصحوة الإسلامية وقد طبع مرات عديدة، وطبع مؤخرا عن دار الرسالة عام 2014
[4]ـ طبعته المنظمة العربية للثقافة والعلوم بواسطة “دار الجيل”، بيروت، 1981، ترجمة عدد من المترجمين على رأسهم محمد بدران.
[5] ـ مقدمة المترجمين لفصل (محمد صلى الله عليه وسلم)، قصة الحضارة، دار الجيل، بيروت، 1981، 13\21.
[6] ـ مقدمة فهارس الكتاب 1\14.
[7] Will Durant, The Story of Civilization: Our Oriental Heritage, Simon & Schuster, 1935, p. 1ـ
[8] Will and Ariel Durant, The Lessons of History (New York: Simon & Schuster, 1968), 36.
[9] Will and Ariel Durant, The Lessons of History, 34.
[10]ـ Will and Ariel Durant, The Lessons of History , 71.
[11]ـ Ibid., 73.
[12] انظر قصة الحضارة، قصة الإيمان، المقدمة، إلى القارئ، موقع المكتبة الشاملة الحديثة،
https://al-maktaba.org/book/31618/14024#p29
[13] يقول في كتاب دروس التاريخ“Every civilization is a synthesis of its moral and spiritual values; it dies when these values decay .
[14] Ibid., 74.
[15] يقول محذرا :No great civilization is ever destroyed from without until it has destroyed itself within.
Will Durant, The Story of Civilization, Vol. IX: The Age of Voltaire (New York: Simon & Schuster, 1965), 18.
[16] Will Durant, The Story of Philosophy (New York: Simon & Schuster, 1926), 103.
[17]-قال ديورانت عن الإسلام:« For five centuries, Islam led the world in power, order, and extent of government, in refinement of manners, in standards of living, in humaneness of laws, in cultivation of the arts, in literature, scholarship, and science ».انظر :will Durant, The Story of Civilization, Vol. IV: The Age of Faith (New York: Simon & Schuster, 1950), 188.
[18] Ibid., 195–210.
[19] « When the spirit of inquiry died out in Islam, the civilization decayed » انظرIbid., 235.
[20] Will and Ariel Durant, The Lessons of History (New York: Simon & Schuster, 1968), 75–77.
[21] Will Durant, The Story of Civilization, Vol. IV: The Age of Faith (New York: Simon & Schuster, 1950), 176-177.
[22] Ibid, 180
ثالثا ـ المؤشرات الرقمية.
مقدمة:
ويقول عز وجل في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.
يُشكر السيد رئيس الحركة، الأستاذ عبد العالي حساني شريف، على اعترافه بالتراجع في الندوة الصحفية، وإن كان ثمة من يتحمل المسؤولية، فليس هو وحده، وربما لو كان غيره يقود الحركة ممن ينقده، في السر أو العلن، لوقع انهيار كامل، بل يتحمل المسؤولية معه المكتب التنفيذي الوطني، ورئيس الحملة الانتخابية وفريقه، وكل قيادات الحركة على المستوى المحلي، فهم من ساندوا الخط السياسي المتبع حاليا، والخطط الانتخابية، وتشكيل القوائم الانتخابية، علما بأن عملية الترشيح تتم ولائيا كالعادة دون أي تدخل من الهيئات المركزية في الحركة.
إن المنهجية التي اعتمدتها في هذه الدراسة لا تتعلق بانتخابات 2026 وحدها، أو أي انتخابات أخرى معزولة عن البيئة السياسية العامة. منهجية أنتقل من خلالها بالمتابعين إلى ملاحظة عمق الأزمة السياسية التي يتخبط فيها البلد، ويتخبط فيها بها التيار الإسلامي كله، منذ بداية التعددية، في مواجهة نظام سياسي قرر صد الطريق عليه، بكل تفاصيله، مهما بدا تقدم هنا أو تأخر هناك، وبخطط وآليات متعددة، تتطور من انتخابات إلى أخرى.
حاولت أن أثبت في هذه الدراسة الفرضية التي عرضتها في المقال الثاني بأن الحركة تتراجع في الانتخابات حين تقترب كثيرا من السلطة الحاكمة وحين يكون خطابها غامضا، لا هو خطاب موالاة واضح على شاكلة أحزاب الموالاة، ولا هو خطاب معارضة سياسية تضع نفسها عند الجمهور كبديل يريد الوصول إلى الحكم ديمقراطيا (ولو بعد حين)، خطاب لا يجعل لنفسه رقابة ذاتية تتعلق بالمواضيع والأشخاص والنبرة، ضمن المنهج السياسي السلمي، وما هو متضمن في الدستور المكتوب، وليس الدستور المفروض بالتحكم السياسي.
فالإشكالية التي أعالجها في هذه الدراسة لا تتعلق بالأشخاص، ولا هي دفاع عن نتائج ما أو تهوين لأخرى، إنما هي أرقام صمّاء لا يمكن تجاوزها، أريد من خلالها أن أنشغل بالسياسة وليس بالانتخابات وحدها، لأجزم بأن الاكتفاء بالعملية الانتخابية في عملية التغيير والإصلاح غير مجدية، بل تكون عقيمة ومديمة للأزمات، إن لم يكن معها أداء وخطاب يهدف إلى تغيير موازين القوة لصالح المجتمع في مواجهة تغول التحكم الرسمي، خدمة للبلد وخدمة لعموم الناس، بعيدا عن المصلحة الحزبية الضيقة ومصالح الأشخاص، الطامعين في عطاءات السلطة أو الخائفين من تحمل أعباء النضال، أو الذين يخضعون لابتزاز ما.
وأؤكد في هذه الدراسة بأن التزوير الانتخابي حالة مستدامة في كل الانتخابات، وأن مقاومته لها طريق واحد هو الاستعانة بعد الله بالشعب، والمقاومة السياسية، إذ كلما كانت رمزية الحركة قوية وجذابة تتقدم في النتائج رغم التزوير، وكلما كانت رمزيتها ضعيفة وخطابها غير واضح في مواجهة الاستبداد تتراجع أرقامها الانتخابية، وهذا الذي تبينه الدراسة بشكل واضح.
قد تكون هذه الخصوصية، خصوصية جزائرية، لا يزال النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكلي للحركة الإسلامية، ولكن هذه هي الحقيقة، يعمل على تحجيم التيار الإسلامي بالتزوير والتضييق، وتشتيته، وضرب بعضه ببعض، ولكن لا يزال لم يستطع إخفاء الدور الطلائعي الشجاع والمسؤول لحركة مجتمع السلم في مواجهة الإرهاب، في الوقت الذي كانت كثير من الوجوه المتشدقة بالحديث غير الصادق عن “الوطنية” غير معروفة أو لا دور لها، كما أن النظام السياسي لا يزال يحتاج وجود التيار الإسلامي في الواجهة، لبعض التوازنات، وخصوصا في الظل الأزمات متعددة الجوانب التي يعيشها والتي يتوقعها، وقد شرحت هذه الحقيقة في المقال الثاني لمن يريد الرجوع إليه.
وسأقدم في هذه المقاربة الرقمية عدة جداول:
1ـ جدول تطور النتائج الانتخابية للحركة في الانتخابات التشريعية من 1991 إلى 2026
2 ـ جدول تطور التنافسية.
3 ـ جدول تطور التقدم والتأخر في النتائج الانتخابية التشريعية عبر العهد التنظيمية الأربعة
ثم أقوم بتحليل الأرقام واستخلاص النتائج وفق الميزانين اللذين شرحتهما في المقال الثاني:
– ميزان: “الانتخابات يصنعها الناخبون ويتحكم فيها النظام السياسي”
– ميزان: “نتائج الأحزاب تصنعها أربعة عوامل: رمزية الحزب، حالة الحزب في الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشحين، الحملة الانتخابية”
1ـ جدول تطور نتائج الانتخابات من 1991 إلى 2026
يرسم الجدول وفق المؤشرات التالية:
عدد المقاعد: كل تقدم يقابله سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼) ، ويضاف أو ينقص سهم عند التقدم أو التأخر ب 10 مقاعد، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر)
الرتبة:: سهم أخضر صاعد (▲) لكل رتبة متقدمة وسهم أحمر نازل (▼) لكل رتبة متأخرة الحد الأدنى سهم واحد، والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر).
تغطية الولايات: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم بخمس ولايات، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).
نسبة التمثيل في المجلس الشعبي الوطني: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).
نسبة التمثيل بالنسبة لعدد الأصوات المعبر عنها: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).
ملاحظة: حين تكون النتائج متقاربة: سهم أخضر صاعد، سهم أحمر نازل (▲▼).
| 2026 | 2021 | 2017 | 2012 | 2007 | 2002 | 1997 | 1991 | |
| ▼ ▼
من 65 مقعدا إلى 43 مقعدا |
▲ ▲▲
من 34 مقعدا إلى 65 مقعدا |
▲▼
نتائج متقاربة من 31 مقعدا إلى 34 مقعدا. بالنسبة لحمس
▼ من 47 مقعدا إلى 34 مقعدا (بالنسبة للتكتل)
|
حمس:
▼ ▼ تراجع من 51 مقعدا إلى 31 مقعدا
التكتل: ▼ تراجع من 51 مقعدا إلى 47 مقعدا |
▲ ▲
تقدم من 38 مقعدا إلى 51 مقعدا |
▼▼▼
تراجع من 69 إلى 38 مقعدا |
▲▲ ▲
زيادة من ـ إلى 69 (+ 3) مقعدا |
ـ | عدد المقاعد |
| ▼▼
تراجع من الرتبة 2 إلى الرتبة 4 |
▲
من الرتبة 3 إلى الرتبة 2 |
▲▼
متعادلة من 3 إلى 3 |
▲▼
متعادلة من 3 إلى 3 |
▲
من المرتبة 4 إلى المرتبة 3 |
▼ ▼
من المرتبة 2 إلى المرتبة 4 |
▲ ▲ ▲
من ـ إلى المرتبة 2 |
الرتبة | |
| ▲▼
نتيجة متعادلة (التقسيم الجديد: 35
التقسيم السابق: 32) |
▲
تقدم من 28 ولاية إلى 32 ولاية |
▲
تقدم من 19 ولاية بالنسبة للتكتل و18 ولاية بالنسبة ل”حمس” إلى 28 ولاية ( يعتمد الميزان المحدد على نتيجة الحركة |
▼
تراجع من 38 ولاية إلى 19 ولاية (التكتل) و18 ولاية حمس (بالميزان المحدد سهمان نازلان ولكن لأن الفرق بسيط يترك سهم واحد) |
▲
تقدم من 29 ولاية إلى 38 ولاية |
▼ ▼
تراجع من 40 ولاية إلى 29 ولاية |
▲▲▲
تقدم من ـ إلى 40 ولاية |
تغطية الولايات | |
| ▼ ▼
تراجع من 15,75 % إلى 10,5% |
▲
تقدم من %6.93 إلى 15,75 % |
▲▼
متعادلة بين 6،22 %6.93بالنسبة ل”حمس”
▼ تراجع من 10،17 إلى 6،93 % بالنسبة للتكتل |
▼
تراجع من 13،11 إلى
% 10,17(بالنسبة للتكتل) و % 6,22 (بالنسبة لحمس) |
▲
تقدم من 9،77 إلى 13,11% |
▼ ▼
تراجع من 18،16 إلى 9,77% |
▲▲▲
من ـ إلى 18.16. % |
النسبة في المجلس الشعبي الوطني | |
| ▲
تقدم من 4،52 إلى %8،51 |
▼
تراجع من 6،12 إلى % 4,52 |
▲ (حمس)
من 4،10 إلى 6،12 %
▲▼ من 6،22 إلى (التكتل) %6.12 |
▼
تراجع من 9،71 إلى 6.22٪ (التكتل: ) 4,10 ٪ (حمس) |
▲
صعود من 7،05 إلى 9,71% |
▼
تراجع من 14،80 إلى 7,05% |
▲▲
14.80 % |
النسبة بالنسبة للأصوات المعبر عنها |
ـ ملاحظات:
ـ وقع الانهيار الانتخابي في 1991 ووقع التراجع في عدد المقاعد في 2002 (38 مقعدا) و 2012 (31\ 47 مقعدا) و 2026 (43 مقعدا).
ـ تقدمت الحركة في النتائج في 1997 (69 مقعدا) و 2021 (65 مقعدا) وتأتي بعد ذلك 2007 (51 مقعدا).
ـ حصلت حمس على المرتبة الثانية مرتين في 1997 و 2021. والمرتبة الثالثة في 2007 و 2012 و 2021، والمرتبة الرابعة في 2002 و 2026.
ـ أحسن تغطية للولايات في 1997 (40 ولاية)، ثم تأتي 2007 (38 ولاية)، ثم تأتي 2021 و 2026 متقاربتان (32 ولاية) وفق تقسيم الولايات السابق (الذي يضم الولايات الجديدة: 3 ولايات إضافية)، ثم 2017 (28 ولاية)، وأضعف انتشار في 2012 (18 ولاية).
ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي نسبة 19% من التمثيل في المجلس الشعبي الوطني. أحسن تمثيل في المجلس الشعبي الوطني في 1997 (18،16%)، ثم في 2021 (%15,75 )، ثم 2007 (13,11%)، ثم 2026 (10,5%)، ثم في 2002 (9,77%)، وثم نتيجة متقاربة عام 2017 (6،93 %) وعام 2012 (بالنسبة لمقاعد الحركة: 6،22)
ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي 15% من عدد أصوات الناخبين المعبر عنها، أحسن نسبة عام 1997 (14.80 %7،05)، ثم تأتي بعدها انتخابات 2007 (9,71%)، وبعدها عام 2026 (%8،51)، ثم عام 2002 (7،05 %% 4,52)، ثم عام 2017 (6،12 %)، ثم عام 2021 (% 4,52)، ثم في الأخير عام 2012 ( 4,10 ٪ بالنسبة لحمس)
2 ـ جدول التنافسية:
يقصد بالتنافسية مقدار المسافات التي تفصل حركة حمس عن منافسيها في مختلف الانتخابات والتي يمكن ملاحظتها في الجدول من خلال تتبع أصواتها وأصوات الأحزاب التي كانت في دائرة المنافسة معها، وهم بشكل أساسي أحزاب التيار الوطني وأحزاب التيار الإسلامي، أما الأحزاب العلمانية فلم يُهتم بأصواتها لأنها لم تكن في أي انتخابات ضمن دائرة المنافسة مع حركة مجتمع السلم.
| 1991 | 1997 | 2002 | 2007 | 2012 | 2017 | 2021 | 2026 | |
| حركة مجتمع السلم | 1553154 | 523.464 | 556401 | التكتل: 475.049
حمس: 313.330 |
394833
(تحالف حمس) |
208471 | 431743 | |
| جبهة التحرير الوطني | 1497285 | 2.618.003 | 1314494 | 1.324.36 | 1655040 | 287828 | 736395 | |
| التجمع الوطني الديمقراطي | 3533434 | 610.461 | 597712 | 524.057 | 964729 | 198758 | 641623 | |
| جبهة المستقبل | 174.708 | 265667 | 153987 | 523915 | ||||
| حركة البناء | 239457
(اتحاد البناء والعدالة والنهضة) |
106203 | 376283 | |||||
| حركة النهضة | 915446 | |||||||
| حركة الإصلاح | 705.319 | |||||||
| حركة النهضة | ||||||||
| جبهة العدالة والتنمية | 198.544 | |||||||
| تاج | 270560 |
ملاحظات:
ـ يلاحظ أن التجمع الوطني الديمقراطي أخذ أكثر من 3،5 مليون صوت في 1997 بفعل التزوير الانتخابي العلني فأخذت الحركة نصف أصواته (1,5 صوت تقريبا) بفعل قوتها في هذه الانتخابات.
ـ في انتخابات 2002 اكتسحت جبهة التحرير الأغلبية بمناسبة عودتها لريادة أحزاب الموالاة فأخذت 2,6 مليون صوت من خلال التزوير الذي تحول في هذه الانتخابات إلى تزوير ذكي، وبسبب ضعف الحركة في هذه الانتخابات لم تستطع المنافسة وأخذت خُمس أصوات جبهة التحرير تقريبا (523.464).
ـ في انتخابات 2007 كانت الحركة في حالة تعافي نافست جبهة التحرير (المرتبة الأول: 1،3 مليون) فأخذت نصف أصواتها تقريبا (556401)
ـ في انتخابات 2012 تراجعت الحركة فنافست جبهة التحرير (1،3 مليون تقريبا) بربع أصواتها فقط (313.330 بالنسبة لحمس ، وعلى أكثر من ذلك بقليل بالنسبة للتكتل).
ـ في انتخابات 2017 كانت حركة حمس في طور الخروج من التراجع الكبير الذي وقع لها ضمن تكتل الجزائر الخضراء ولكن وجدت صعوبات جمّة سنشرحها لاحقا فأخذت (قرابة 400 ألف صوت) أي ربع أصوات جبهة التحرير تقريبا (1،6 مليون)، مع التنبيه بأن هذه الانتخابات هي التي وصل فيها العزوف الانتخابي إلى أدنى نسبه ليتعمق أكثر في الانتخابات الموالية، وأكثر العازفين هم الذين يئسوا من العملية الانتخابية، علاوة على بروز حالة جديدة من التزوير الانتخابي القبلي وهو ما يتعلق ب”الزبر الانتخابي” الذي يقصي من قوائم الترشيح المرشحين الأكثر تنافسية من مرشحي الحركة.
ـ الانتخابات التي كانت أصوات الحركة فيها قريبة جدا من أصوات الحزب الأول (جبهة التحرير الوطني: 287828 صوتا) هي انتخابات 2021 حين نالت المرتبة الثانية ب (208471) أي بفارق : 79353 فقط، وهي أهم صورة تنافسية لحركة حمس في كل الانتخابات التي شاركت فيها. ويلاحظ بأن كل الأحزاب في هذه الانتخابات تراجعت تراجعا كبيرا في عدد الأصوات ويعود ذلك إلى الخطة التي اعتمدتها السلطات في تعويم الساحة الانتخابية بعدد هائل من قوائم المستقلين بمعدل 20 قائمة في كل ولاية، وقد وصلت في بعض الولايات التي للحركة فيها حضور قوي إلى 40 قائمة، وكانت النتيجة ضياع قرابة 4،5 مليون صوت لم تتحول إلى مقاعد، فتنافست الأحزاب الأساسية كلها على قرابة مليون صوت فقط. مع التأكيد بأن أصوات الأسلاك المشتركة لها تأثير كبير لصالح الأحزاب التي تستفيد منها، خصوصا في فترات العزوف الانتخابي.
غير أنه لا بد من الإقرار بأن العزوف الانتخابي، وقدرة المستقلة على أخذ هذا الكم الهائل من الأصوات تحد عجزت الأحزاب على مواجهته، موالاة أو معارضة، مهما كانت مسؤولية السلطة في ذلك. وتتحمل الحركة قدرها من المسؤولية في ذلك، فهي قبلت اللعبة والتنافس على حيز محدود من أصوات الناخبين، ولم تكن لها القدرة على إقناع الناخبين بجدوى المقاومة السياسية داخل العملية الانتخابية المتحكم فيها. ولم نستطع في هذه الانتخابات (2021) إقناع الناخبين بأن المشاركة في الانتخابات هي مقاومة سياسية، وليست هي وحدها التي نعتمدها من أجل الإصلاح والتغيير، على شاكلة مشاركة الحركة الوطنية في الانتخابات التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية إلى غاية منعها عام 1955، أي سنة بعد اندلاع الثورة. مع تسجيل الفرق، بطبيعة الحال، في تغيّر أنواع الكفاح في زمن الاستقلال من أجل الحريات والديمقراطية، في ظل دولة وطنية جزائرية تعتبر الأحزاب جزء منها.
ـ في انتخابات 2026 تضافعت أصوات حركة مجتمع السلم (431743 صوت) ولكن أصبحت بعيدة عن جبهة التحرير (736395) بفارق (304652 صوت)، أي 4 مرات أكثر من انتخابات 2021، وقد تخلفت إلى المرتبة الرابعة بعد التجمع الوطني الديمقراطي وحزب المستقبل، واقتربت منها حركة البناء كثيرا لأول المرة بفرق 3 مقاعد و55460 صوت فقط. مع التنبيه بأن في هذه الانتخابات اختفت قوائم المستقلين فانفجرت فقاعة كبيرة من الأصوات انتفعت منها كل الأحزاب المتنافسة بحسب الترتيب الحزبي الذي أظهرته نتائج الانتخابات والموضّح في الجدول أعلاه.
ويلاحظ في الجدول بأن الحركة تجاوزها في 2026 لأول مرة وصيف جديد من أحزاب تيار الموالاة غير جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب المستقبل، الذي قدمت له السلطات خدمة كبيرة قبيل الانتخابات بتصعيد رئيسه لمنصب رئيس برلمان الاتحاد الأفريقي.
كما أنه اتضح بأن الأحزاب الإسلامية من غير مدرسة الشيخ محفوظ انهارت منذ انتخابات 2021، وبقيت الأحزاب المنشقة عن الحركة تأكل من رصيد الحركة وليس من رصيد الأحزاب الأخرى، فنافس حزب تاج وحزب البناء الحركة في انتخابات 2017 منافسة جادة دون أن يستطيعا الاقتراب منها، وبعد أن انهار حزب تاج واصل البناء التقدم في 2021 إلى أن التصق بالحركة في 2026. فهو يوشك أن يحقق هدف تجاوز حركة حمس ضمن توازنات ستخدم النظام السياسي أكثر من أن تخدمه هو، إذ دوره الأساسي سيبقى إضافة حزب موالاة آخر للسلطة، ينافس حركة مجتمع السلم، لا غير. وهو الآخر معرض للانهيار في أي لحظة إذا تغيرت المعطيات السياسية تغيرا عميقا، لغير صالح النظام السياسي، كما حدث لحزب تاج سابقا. وستبقى الحركة حاضرة مهما حدث لها من تراجع بسبب عمق جذورها في المجتمع، ووجود تيار مقاوم أصيل داخلها، اللهم إذا تغيّرت هويتها هي الأخرى تغيرا شاملا.
وما يقال بأن الحركة الإسلامية حققت في مجملها نتيجة طيبة إذا جمعنا عدد المقاعد التي حصلت عليها كلها تصورٌ غير دقيق لأنه في هذه الحالة يتعين كذلك جمع المقاعد التي تحصلت عليها أحزاب التيار الوطني التي انشقت كلها من جبهة التحرير الوطني فيكون الفرق بين التيارين شاسعا، وفق النتائج المقدّمة.
يتأكد كثيرا في جدول التنافسية بأن حزب الدولة الحقيقي هو حزب جبهة التحرير الوطني، الذي لا يمكن تركه يسقط أبدا مهما كان الثمن، وهي حالة نادرة في التعددية الحزبية في العالم إذ بقي يتصدر المشهد من الاستقلال إلى الآن ولم يتأخر إلا حين أسست السلطة الحاكمة حزبا جديدا لها (التجمع الوطني الديموقراطي) بعد أن أخذ الأستاذ عبد الحميد مهري جبهة التحرير الوطني إلى المعارضة تعبيرا عن رفضه عن الانقلاب الذي وقع بإلغاء نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية عام 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
يلاحظ كذلك بأن الأحزاب العلمانية غير موجودة في الساحة التنفاسية بالنسبة للحركة، فلم تمثل في أي انتخاب تحديا لها.
ويعود في هذه الانتخابات 2026 عن العزوف الانتخابي التي تعمّق أكثر، وعدم قدرة الحركة إقناع الناخبين للمجيئ للصناديق لدعمها في توجه المقاومة الانتخابية.
3 ـ جدول تطور نتائج العهد التنظيمية الأربعة وفق المؤشرات الانتخابية مرتبة حسب الأهمية.
| عدد المقاعد | الرتبة الحزبية | تغطية الولايات | التنافسية | النسبة في المجلس الشعبي الوطني | النسبة حسب الأصوات المعبر عنها | |
| العهدة الأولى
1991ـ2003 |
انهيار ، تقدم ثم تراجع |
تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع |
| العهدة الثانية:
2003ـ2013 |
تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع |
| العهدة الثالثة:
2013ـ2023 |
تقدم (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم | ثبات ثم تقدم | تقدم ثم تقدم | ثبات ثم تقدم | ثبات (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم | ثبات ثم تراجع |
| العهدة الجارية:
2023 ـ |
تراجع | تراجع | ثبات | تراجع | تراجع | تقدم |
ملاحظات:
يلاحظ بأن التقدم ثم التراجع سمة مشتركة في العهدة الأولى والثانية، أما العهدة ثالثة كانت في تصاعد مستقر (سوى عدد الأصوات وقد تم تفسيره أعلاه ضمن جدول التنافسية)، أما العهدة الجارية فقد وقع لها انحناء نحو الأسفل في كل المؤشرات سوى النمو في عدد الأصوات الذي كان حالة مشتركة لكل الأحزاب للأسباب التي شرحناها أعلاه ضمن جدول التنافسية، وفي كل الأحوال نتيجة العهدة الجارية غير مكتملة، وحصيلة 43 مقعدا حصيلة مقبولة رغم التراجع، كما أن عدد الأصوات مشجع بالرغم من أنه يخص كل الأحزاب.
سنبين في التحليل العام، وفق تطور المؤشرات الرقمية، بأن الرمزية أولا وقوة الدائرة الانتخابية وعملية الترشيح والمرشح عوامل حاسمة في النتائج، قد تؤهل العهدة الحالية مستقبلا إلى التقدم إذا قرئت الأرقام قراءة صحيحة ضمن سياقاتها السياسية والانتخابية، أما الحملة الانتخابية، فقد كانت متقاربة في مستواها وحيويتها في كل الانتخابات سوى انتخابات 1991.
رابعا ـ التحليل العام للنتائج
لقد وضعنا في بداية هذه الدراسة ميزانين لتقييم النتائج:
الميزان الأول: ( الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي)، بالمعنى بأن التزوير الانتخابي وتدخل السلطات في نتائج الانتخابات أمر ثابت ولكن قوة الحركة (في العوامل الأربعة) تستطيع أن تقاوم التزوير لمنع الانهيار ، أو الصمود والثبات، أو التقدم. وكلما كانت الحركة في حالة الضعف أضر بها التزوير بقدر ضعفها.
الميزان الثاني: “يحكم نتائج الانتخابات أربعة عوامل: الرمزية، الدائرة النتخابية، عملية الترشيح والمرشح، الحملة الانتخابية”.
سنفحص في هذا المحور المؤشرات الرقمية التي سجلتها في مسارها الانتخابي وفق هاذين الميزانين،
وأثناء فحص المؤشرات نضع بين أعوننا قوله تعالى في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.
1 – تحليل النتائج وفق ميزان “الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي”
لقد خصصنا المقال الأول في هذه الدراسة لهذا الموضوع ولذلك لا نتوقف عنده كثيرا ونكتفي بالنظر إلى الحالة الشعبية وجهوزية الحركة لمواجهة التحكم الرسمي في كل انتخابات، على أننا سنعود إلى فحص أعمق للواقع الانتخابي للحركة وفق العوامل الأربعة في المحور الموالي.
– في انتخابات 1991 لم يكن ثمة تزوير وفق التصريح الرسمي لوزير الداخلية آنذاك الذي اعترف بنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول مصرحا بأن الانتخابات كانت حرة ونزيهة، وحركة ( حماس ـ الجزائر) لم تحصل على نتائج لأن الشعب الجزائري كان يريد التغيير بإلحاح وكان ملتفا حول الخطاب الإسلامي في فترة كانت قريبة من قوة الصحوة الإسلامية، فلم يلتقط في خطابنا ما يرمز إلى ذلك، وتنبيهات واستشرافات الشيخ محفوظ ذات المستوى الفكري العالي لم يفهمها أغلبية الشعب آنذاك قبل وقوع الأزمة.
– في انتخابات 1997 كان التزوير شاملا ومفضوحا ولكن الحركة استطاعت أن تقاومه وأن تحقق نتيجة جيدة بفعل نجاحها في طرح رؤية جذبت لها أصوات الناخبين، كانت تعبر عن الاحتياج الشعب للأمن والسلام أكثر من أي شيء آخر، وكان الخطاب واضحا جدا، يتميز بجلاء عن خط الجبهة الإسلامية للإنقاذ وناقدا قويا للنظام السياسي، ولو لا التزوير لكانت الحركة هي المرشحة لقيادة الحكومة.
– في انتخابات 2002 كان التزوير حاضرا مع عودة جبهة التحرير لريادة أحزاب الموالاة، وكان التزوير قد تطور إلى تزوير ذكي غير واضح في الغالب، يركز على التلاعب بالكتلة الناخبة وزيادة أعداد كبيرة وهمية من الأصوات لأحزابه ولرسم المشهد الانتخابي كما يريد، فأعطى نتائج ساحقة لجبهة التحرير غير منطقية في العديد من الولايات ( باتنة، الجزائر، الشلف، بجاية، تيزي، تلمسان، الجلفة، سكيكدة، مسيلة، وهران، ..) ونظرا للتراجع الشعبي الذي عرفته الحركة، بسبب عدم وضوح الخطاب الذي عبّر عنه الشيخ محفوظ بقوله “نحن في الحكومة ولسنا في الحكم” واستراتيجية “رجل في السلطة” بسبب الوجود في الحكومة و”ورجل في المعارضة” بسبب الخطاب الناقد، ثم حرص الشيخ محفوظ على الترشح للانتخابات الرئاسية ضد بوتفليقة عام 1999 ثم رجوعه لمساندته – علاوة على ترهل البيئة الداخلية – لم تتمكن الحركة من مقاومة التزوير فوقع تراجع كبير في المؤشرات الانتخابية الرقمية.
– في انتخابات 2007: تعمق التزوير الذكي ولكن الإقبال النسبي الذي كانت عليه الحركة على المستوى الشعبي وفي البيئة الداخلية ساهم في تحقيق تقدم نسبي في الانتخابات في أغلب المؤشرات، وقد اعتقد كثير من الناخبين بأن وجود رئيس جديد مفوه وجريء ( مبادرة فساد قف عام 2006) سينقل الحركة إلى موقع مقاوم جديد، ولكن استمرار ضبابية الموقف جعل التقدم نسبيا.
– في انتخابات 2012 : كان التزوير حاضرا بقوة دفع إليه الخوف من تداعيات الربيع العربي، بشكل خفي وعلني، خصوصا في عدد من الولايات ( الشلف، أم البواقي، باتنة، بجاية، البليدة، البويرة، تلمسان، تيارات، الجلفة، سيدي بلعباس، وهران ..) وبسبب التراجع الشعبي الكبير، الناتج عن عدم وضوح الخط السياسي، الذي أصبح يميل أكثر فأكثر نحو الموالاة، وكذا آثار دعم فتح العهدات عام 2008، إلى أن جاء الربيع العربي ففُهم موقف تكتل الإسلاميين وقطع الصلة مع التحالف الرئاسي عند السلطة وعند شرائح كثيرة من النخب بأنه موقف انتهازي، فلم ينجح تكتل الجزائر الخضراء في تحقيق ما كان يتوقع منه في الانتخابات، إذ سمح بالصمود فقط، وكانت آثاره السلبية على الحركة كبيرة جدا في أغلب المؤشرات الانتخابية، كما تسبب في تململ داخلي كبير، خصوصا في الشرق الجزائري بسبب توزيع رؤوس قوائم الترشح، وبقيت الحركة تجر هذه الحالة السلبية في الانتخابات الموالية.
– في انتخابات 2017: كان التزوير حاضرا كالمعتاد، خصوصا في الولايات المعتادة ( سطيف، باتنة، البليدة، تلمسان، تيارت، الجزائر، سطيف، سيدي بلعباس، المدية، مستغانم، المسيلة، وهران، الوادي، ميلة، غليزان)، كما عرفت هذه الانتخابات بروز العزوف الشديد للناخبين، ورغم هذه الأوضاع السياسية والانتخابية الصعبة، وإرث التكتل استطاعت الحركة الصمود والتقدم النسبي في بعض المؤشرات المهمة بسبب وضوح خطها السياسي المعارض عند الناخبين فحققت نتيجة عبرت عن الثبات والصمود والتقدم النسبي بالنسبة لنتائج الحركة السابقة.
– في انتخابات 2021 تعمّق العزوف الانتخابي، وتم اعتماد خطة خطيرة لكسر تنافسية المرشحين المحليين، أولها زبر عدد معتبر من المرشخين الأقوياء ومواجهت الآخرين فردا فردا في حواضنهم الاجتماعية الخاصة بالقوائم المستقلة، إذ تم إغراق الساحة الانتخابية بالقوائم المستقلة لتشتيت الأصوات حتى لا تستفيد منها الحركة في فترة تراجع جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي (الحزبين اللذين لم يحصل مجموع مقاعدهما على الأغلبية لأول مرة). ورغم خطورة الخطة، ورغم الأوضاع الداخلية الصعبة بسبب آثار الانشقاق الأول والثاني، فإن الحركة استطاعت أن تقاوم هذا الوضع الجديد (المضاف الى التزوير الاعتيادي) بسبب تحسن رمزيتها، ووضوح خطها، وبسبب تغيير قانون الانتخابات ( القائمة المفتوحة) الذي أصبح يدفع إلى فعالية أفضل للمرشحين.
– في انتخابات 2026 انفجرت فقاعة أصوات القوائم المستقلة فساعد ذلك على ارتفاع نسبة أصوات الأحزاب كلها، ولكن التزوير بقي سيد الموقف، وحادثة قطع شبكة النت التي تغير بعدها مسار النتائج مؤشر كبير لذلك. وبالرغم من التراجع البيّن لنتائج الحركة في مختلف المؤشرات بسبب تراجع الخط السياسي المعارض، والدخول في مساحة الغموض في الخطاب، فقد استطاعت أن تصمد بفعل استمرارها في المعارضة رسميا وبفعل فاعلية المرشحين على إثر القائمة المفتوحة.
2– تحليل النتائج والمؤشرات الرقمية وفق ميزان العوامل الانتخابية الأربعة.
على مستوى الرمزية:
بشكل مجمل وقع للحركة انهيار وثلاث هبات وصمود وثلاث تراجعات، وقد كان وراء كل تراجع حدث تاريخي معروف أنتجته بيئة داخلية وخارجية تتحرك فيها الحركة. فانهيار 1991 سببه الخط السياسي على نحو ما ذكرناه أعلاه رغم قوة التنظيم وتماسكه آنذاك. وتراجع 2002 سببه المباشر سوء تسيير الانتخابات الرئاسية 1999 بمواجهة بوتفليقة ثم العودة المفاجئة لمساندته، مما تسبب في فتور كبير عند المناضلين والرأي العام تجاه الحركة. وتراجع 2012 سببه دعم فتح العهدات عام 2008 ، الذي عبّر عن اندماج كبير للحركة في منظومة الحكم دون وجود فعلي في السلطة، وحين اتخذ القرار في بداية نفس السنة بفك الارتباط مع التحالف الرئاسي والبقاء في الحكومة فُهم من قبل الناخبين بأنه تصرف انتهازي غير مفهوم وغير واضح ومتردد و يخرج الحركة من دائرة التيار الشعبي الصاعد في البلاد العربية.
وأما التقدم في 1997 فسببه رؤية سياسية تقبلها الشعب الجزائري تتوافق مع احتياج الأمن والسلم لدى الشعب الجزائري في ذلك الوقت، تم التعبير عنها في الخطاب دون تردد، خصوصا ما تعلق بخطاب المصالحة الوطنية، قبل أن يصبح خطابا رسميا، وكذلك مختلف المبادرات لوقف الأزمة ( مدونة كلها بالتفاصيل في كتابي “مبادرات لحل الأزمات”)، مع تحميل أطراف الأزمة كلهم المسؤولية دون مواربة.
وبخصوص تقدم 2007 فإن سببه التغيير الذي وقع بعد وفاة الشيخ والاعتقاد بأن ذلك سيؤدي الى تغيير الخط السياسي على شاكلة مبادرة “فساد قف” التي أطلقت في 2006 وتم التعامل معها بقسوة من قبل الرئيس بوتفليقة. أما الثبات ـ رغم البيئة الصعبة في 2017 ـ فسببه الدخول في مرحلة سياسية جديدة واضحة على مستوى الخطاب الرسمي، ولكن عليها ضبابية بسبب رواسب الماضي وعدم دخول الحركة بكليّتها وبكل قادتها في المرحلة الجديدة، ثم حدث التقدم في 2021 بسبب الخط السياسي الجديد الواضح، الذي تناسب مع مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، وما قابله من تجاوب داخلي وخارجي كمؤشر على جدية التوجه المعارض الواضح.
وحين لم تتم المواصلة على ذات الخط المعارض معارضة واضحة بعد ذلك، رغم الوجود الرسمي في المعارضة، وقع اضطراب في فهم الخط السياسي الجديد للحركة، فوقع التراجع في 2026. وما يقال عن تقصير المناضلين في الانتخابات وفق ما جاء في تقارير الحركة، رغم فوائد القائمة المفتوحة، فإن سببه كذلك ضبابية الرؤية السياسية عند المناضلين.
على مستوى الدائرة الانتخابية:
– في 1991كانت الحركة تمر بتململ داخلي كبير منذ المؤتمر التمهيدي عام 1989 ثم بعد تأسيس الحزب، وقد أدى هذا التململ إلى انشقاقين عانت منهما الحركة لسنوات، كما أدى بروز الظاهرة الشعبية الكبيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى تأثر العديد من إطارات الحركة الذين رفضوا خطاب الشيخ محفوظ نحناح ضد جبهة الإنقاذ، وقد كثيرا رحمه الله في التعامل معهم. كما أثرت البيئة العامة على الأداء الإعلامي والسياسي وفي مجال العلاقات للحركة. وكانت الحركة بشكل عام في حالة إنقاذ الذات والبحث عن التميز والاستعداد للمستقبل.
– في 1997 استرجعت الحركة بريقها بفعل الرؤية السياسية الواضحة المعبر عن احتياج ملح للشعب الجزائري كما ذكرنا أعلاه، وقد أدى هذا إلى ارتفاع معنويات المناضلين والقادة لشعورهم بالدور الأخلاقي الكبير الذي يقومون به من أجل بلدهم ومشروعهم، وبسبب قبول خطابهم والاحتفاء به من طبقات واسعة من النخب والجماهير، وحتى داخل النظام الرسمي. كما استطاع الشيخ محفوظ اعادة بناء الطبقة القيادية بجيل شاب وثق فيهم وأهلهم، وكانوا هم في مستوى الوفاء والمسؤولية، فقويت البنية التنظيمية وانتشرت الهياكل على المستوى الوطني، وتعمّق توجه بناء المؤسسات المتخصصة ( المؤسسة الاجتماعية والمؤسسة الطلابية والشبيبة)، وهيمن الأداء الإعلامي للحركة وامتدت علاقاتها داخليا وخارجيا.
– في 2002 دفعت الحركة ضريبة تغير موقف الشيخ محفوظ المتشدد تجاه بوتفليقة ( كان يوزع بنفسه قصاصات جرائد عن ملفات فساد لبوتفليقة سابقا لاعتمادها في الخطاب ضده) ومساندته بعد ذلك. وقد كانت حالة الفتور العام للمناضلين متوقعة رصدناها في اللقاءات التشاورية المكثفة الموسعة التي أجريناها بعد اتخاذ قرار المساندة لدراسة آثار ذلك على الصف الداخلي. كثير من المناضلين انسحبوا بصمت، وصارت الانتقادات في وجه الشيخ محفوظ تتصاعد ( أبرزها حادثة لقاء بومرداس)، بل هناك من قيادات الحركة من طالبوا بعدم اعتماد صورة الشيخ محفوظ في ورقة التصويت ( وفق ما اعتمد رسميا آنذاك). وتبع هذا الفتور فتور عام في كل المجالات، وصادف ذلك صعود عبد الله جاب الله كشخصيّة معارضة إسلامية بديلة حقق نجاحات في ولايات لا يوجد له فيها أي تنظيم وتجاوز الحركة في النتائج وفي المرتبة الحزبية.
– في 2007 – جاءت هذه الانتخابات ضمن وضع داخلي يتميز بتدافع شديد على اثر أحداث مؤتمر 2003 بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فكانت الحركة تشتغل بتسارعين داخل التنظيم الواحد، الجناح المقتنع بشرعية المؤتمر يركز على الصف الداخلي والتطوير الإداري والمهاري، ورمزية رئيس حركة جديد له رصيد دعوي تاريخي وقدرات خطابية معتبرة، والمعترضين عليه يركزون على البعد السياسي حول “المجلس السياسي” وعلى كفاءة وخبرة طبقة قيادية معتبرة. ورغم الآثار السلبية لهذا التدافع، الذي لم يكن مرصودا خارجيا كثيرا، فإنه خلق حيوية داخلية كبيرة، تأكدت في التنافس الكبير لإنجاح مرشحي الطرفين ضمن الحزب الواحد، انتج كتلة برلمانية معتبرة ( مقارنة ب2002) تعدادها 51 نائبا سرعان ما انقسمت شطرين حينما تعمق الخلاف وتحول إلى انشقاق ثم تأسيس الحزب الجديد. ورغم هذا التنافس الداخلي تطور الأداء على مستوى المؤسسات وعلى المستوى الإعلامي والانتشار. غير أن الحركة دخلت بعد هذه المرحلة في أزمات كبيرة على مختلف الأصعدة.
– انتخابات 2012: جرت هذه الانتخابات في أجواء الربيع العربي، وكانت الحركة قد قررت فك الارتباط مع التحالف الرئاسي بعد جدال كبير داخل مجلس الشورى الوطني، هدد فيه بعض الوزراء وبعض الإطارات بالاستقالة من الحركة إذا قررت الحركة الخروج من الحكومة رغم التوجه العام في المناقشات الداعي إلى ذلك. عندئذ أصبح ثمة فرز واضح داخل الحركة، يتحول أحيانا إلى تدافع قوي على أساس الخط السياسي. ومن جهة أخرى كانت المصاعب الداخلية مستمرة بسبب الصراعات الناتجة عن الانشقاق الذي أصاب الحركة في 2008 والتي زادها التدخل غير الموفق والمنحاز لعدد من العلماء والدعاة من خارج الجزائر تعقدا واضطرابا. وكانت المؤسسات الثلاثة من أكبر ضحايا ذلك الصراع إذ امتد إليهااليها الخلافات ومنها من خرج من دائرة الحركة تماما لاحقا.
– انتخابات 2017: كانت الحركة تشكو داخليا من ثلاث مشاكل كبرى: آثار “تكتل الجزائر الخضراء” في الانتخابات التشريعية عام 2012 والتي ترسخت أكثر في الانتخابات المحلية، خصوصا حالة الفراغ الانتخابي والاضطراب التنظيمي في جغرافية واسعة، خصوصا في الشرق الجزائري، وآثار الانشقاق الذي وقع في 2008، الذي تحول إلى منافسة حزبية جادة في 2017، وأثر الانشقاق الذي حدث في نهاية عام 2012 على المستوى الداخلي وفي الصورة الخارجية للحركة، والذي تحول إلى حزب سياسي آخر ( حزب تاج) نافس الحركة بجدية في انتخابات 2017. وقد أدى كل هذا إلى حالة فتور عام للحركة. غير أن اعتماد الحركة رؤية جديدة نأت من خلالها بنفسها عن الصراع مع الإسلاميين وركّزت المواجهة السياسية مع النظام السياسي دون غيره عبر خط سياسي معارض واضح، و التوجه نحن التنسيق الجاد مع أحزاب المعارضة على نحو جديد في الحركة أعطى للمناضلين رسالة متجددة شغلتهم بأشواق واعدة حسنت صورتهم في محيطهم. كما ساهمت مشاريع الوحدة مع الحركات الإسلامية، خصوصا مدرسة الشيخ محفوظ، والتي توجت بالوحدة مع جبهة التغيير، في تحسين صورة الحركة التي لزمتها سابقا بصفتها حركة تنازع وانشقاقات. بالإضافة إلى رؤية التركيز على الخط الاستراتيجي بتأسيس عدد من المؤسسات الجمعوية التي سمحت بتشغيل أعداد كبيرة من الإطارات والمناضلين كانوا غير فاعلين داخل التنظيم وأدت إلى شيء من الانفتاح داخل المجتمع. ويجدر الإشارة إلى أن الخط السياسي والاستراتيجي الجديد عرف مقاومة شرسة من الأطراف التي كانت تفضل البقاء في الحكومة، وحتى داخل المكتب التنفيذي الوطني لم يدخل جل أعضائه في الخطاب المعارض إلا بصعوبة كبيرة. ولكل ما سبق ذكره استطاعت الحركة أن تثبت في وقت كان يقال على مستوى بعض الإطارات بأنها لن تتجاوز 10 مقاعد.
– انتخابات 2021: في انتخابات 2021 كان خط المعارضة قد تمكن واستقر في المحيط الداخلي للحركة، وكانت نجاة الحركة من مقصلة الحراك الشعبي تمثل حالة اعتزاز لدى العديد من المناضلين لما رأوه من استهداف شامل من قبل الجماهير في المسيرات لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. وكان الوضع التنظيمي قويا بمغادرته حالة الصراعات والانشقاقات التي عرفتها الحركة منذ تأسيسها، على ما بيناه سابقا، كما أصبح الاهتماهم بالتنافس مع الإسلاميين الآخرين منعدما في التفكير والسلوك والخطاب. وتم استرجاع مؤسسة الطلبة من الجهة التي اخذتها سابقا، واصبحت المؤسسة الاجتماعية مستقرة وفاعلة، وظهرت ثمار المؤسسات الجديدة، إذ بات شباب الأكاديمية هم طواقم التأطير الإداري والإعلامي والفني مركزيا ( إلى حد الان من الطابق السفلي إلى الطابق العلوي في المقر)، وحققت المؤسسات العاملة لفلسطين إنجازات كبيرة شرفت الجزائر والحركة، وبات تحفيظ القرآن بعشرات الآلاف يضفي بركة مستحقة على الحركة وقادتها، وظلت دورات مخيمات العناية التربوية والدعوية بالنساء والشباب والأطفال لا تتوقف عبر المؤسسة المتخصصة. كما تحسن الأداء الإعلامي والرقمي وتنظيم المهرجانات ببروز طبقات شبابية واسعة من الإعلاميين والفنيين الذين تم تدريبهم وتأهيلهم في أكاديمية جيل الترجيح والذين لا زالوا يواصلون مهامهم مع القيادة الجديدة. وعلى اساس كل هذا استطاعت الحركة أن ترتقي على مستوى التنافسية بشكل كبير كما تؤكده الأرقام المذكورة أعلاه، مع أحزاب المولاة من جهة، ومع الأحزاب الإسلامية من جهة أخرى.
– انتخابات 2026: كانت البيئة الداخلية للحركة جيدة جدا ومؤهلة لتنافسية كبيرة، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي، و المكتسبات الموروثة من العهدة السابقة، من حيث المؤسسات والأداء الإعلامي والتقاليد الإعلامية والإدارية، والموارد البشرية المدربة، في الولايات وعند الشباب، وعلى مستوى العلاقات. غير أن تغيير الخط السياسي خلق واقعا جديدا أرجع الحركة إلى ما قبل 2013 من حيث الخطاب رغم وجودها رسميا في المعارضة. وقد ادى هذا الخطاب إلى صعود نخب الحركة المقتنعة بالاقتراب الأبدي من السلطة وتأخر المقتنعين بالمقاومة السياسية، محليا ومركزيا. إلقد كانت هذه الحالة متوقعة إذ إن الطبيعة المسالمة والمهادنة لعدد واسع من إطارات الحركة كامنة في التشكيلة الجينية لنفسياتهم، تشكلت في جو الفتنة الدموية في سنوات المأساة الوطنية ساهم الشيخ محفوظ في ترسيخها ولم يطل به العمر للتصحيح حين تغيرت الظروف بعد أن غدر به النظام السياسي في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية عام 2002. كما لم تكن السنوات العشر بين 2013- 2023 كافية لتغيير التشكيلة الجينية والعودة بها إلى اصولها في الثمانينيات، علاوة على أن المقاومة الداخلية للعودة بالحركة إلى سنوات المهادنة أو الخط المتردد كانت قوية. وما إن توقف المد المتصاعد لخط المعارض الواضح باعتماد الأسلوب المتردد بين السلطة والمعارضة حتى لقي قبولا عند من بقوا في الهياكل. غير أن هذا الخط عطّل النضالية نحو الفضاء الخارجي وحول الحركة إلى سلسلة أنشطة داخلية لا تتوقف دون تأثير مهم في الخارج، وأعاد في الإطارات نفسية الانتظارية وعقلية التموقع والتعلل بالأوضاع الخارجية الصعبة، التي اعتمدت كثيرا في زمن الإرهاب وبعد 11 ديسمبر ، وفي زمن تغول النظام البوتفليقي وادّت في كل مرة إلى التراجع.
على مستوى عملية الترشيح والمرشح:
– في انتخابات 1991 لم يكن الترشح ميسورا ولا ممكنا، ورغم ذلك قدمت الحركة إطارات ذات كفاءة ونزاهة في الدوائر الانتخابية، ففضل الناخبون عليهم مرشحين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ لا يملكون، في الغالب، تاريخهم النضالي ولا مستواهم العلمي، سوى المنافسة في دائرتين انتخابيتين كانتا تمثلان معقلين من معاقل الحركة.
– في انتخابات 1997، كان الترشح يمثل بطولة وتضحية ومسؤولة، ضمن أجواء الفتنة وتهديدات الجماعات المسلحة ” من الصندوق إلى الصندوق” فقدمت الحركة من أحسن إطاراتها ورموزها، وتم ذلك في إطار الانسجام التام والتضامن، والاعتزاز بالرؤية التي اشتهرت بها الحركة على نحو ما ذكرناه أعلاه
– في انتخابات 2002 إلى غاية تغيير قانون الانتخابات واعتماد القائمة المفتوحة عام 2021 أصبحت عملية الترشيخ سبب رئيسي للتوترات الداخلية بسبب الصراع على رؤوس القوائم، وقد صارت ساحة الصراع هي الهياكل التنظيمية التي يتم التنافس عليها في عدد من الولايات من أجل رؤوس القوائم. مما جعل الحركة لا تدخل بكل قوتها التنظيمية في الانتخابات بعد أن يحسم أمر الترشح لجهة من الجهات المتنافسة. وفي كل هذه الترشيحات كانت الحركة تقدم اطارات أصحاب كفاءة ونزاهة في الغالب ولكن قليل منهم من تظهر فاعليته في المجالس.
– أما في انتخابات 2021 وانتخابات 2026 فقد ساهم نمط القائمة المفتوحة في تحقيق الاستقرار في الترشح والخروج من حالة تأثر التنظيم بالصراع على القوائم، وأحدث فاعلية أفضل للمرشحين جميعا في القائمة، ولكن هذا النمط الانتخابي طرَح مشاكل جديدة منها تزامنه مع استراتيجية الزبر الانتخابي التي اعتمدتها السلطة الحاكمة ، والذي طال عددا كبيرا من القيادات التنظيمية المرشحة وكثيرا من الشخصيات القادرة على المنافسة، ومنها عدم نجاح من استطاع من هذه القيادات التنظيمية أن يترشح، بالإضافة إلى إتاحة فرصة للإدارة الرسمية لاختيار من يفوز في قائمة الحركة إن أرادت. وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع كبير للاهتمام بالانتخابات عند كثير من كوادر الحركة صادف حالة عزوف عند الشعب الجزائري للمشاركة في الانتخابات.
على مستوى الحملة الانتخابية :
لقد تحولت الحركة مع مرور الزمن إلى آلة انتخابية ذات فاعلية وكفاءة عالية لا يضاهيها في ذلك أي حزب سياسي في الجزائر، غير أنه اتضح مع توالي الانتخابات بأن الحملة الانتخابية مهما كانت قوية لا تأثير لها في النتائج، إلا إذا كانت تجري ضمن رمزية جيدة للحركة، وقوة معتبرة في الدائرة الانتخابية، ونجاح عملية الترشيح وبروز مرشحين أقوياء يستطيعون اضافة رمزيتهم وحواضنهم الانتخابية لما لدى الحركة من عوامل القوة. غير أنه اتضح بأن الحملة الانتخابية تنفع في أمر وتضر في أمر آخر. تنفع من خلال إظهار قوة الحركة التنافسية بما يجعل النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكامل لها في النتائج، ويضر من حيث أن النظام السياسي يتجه إلى الصرامة في قرار التزوير إذا ظهرت قوة الحركة في الحملة الانتخابية. وقد حدث هذا في 1997 حيث نزلت تعليمات التزوير في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية، بعد ظهور الحشود الكبيرة في التجمعات والعمل الجواري، وحدثت في كل الانتخابات بعد ذلك، حيث أخذ النظام السياسي كل المقاعد في بعض الولايات بالتزوير بسبب الهلع على نحو ما ذكرناه أعلاه، إلى آخر انتخابات في 2026 وفق ما قدمته هياكل الحركة من تقارير.
خامسا – الخلاصة:
ما يمكن استنتاجه من كل ما سبق:
1– في الشأن الانتخابي.
– أسوء صورة يكون فيها الحزب حين يكون في منزلة بين منزلتين لا هو معارض جاد ولا هو في الموالاة، فلا تصوت عليه القوى الناخبة المعارضة ولا القوى الموالية، ويكتفي بالحاضنة الشعبية الضيقة حول الهياكل التنظيمية والمرشحين.
– تتقدم الحركة حين يكون خطاب الحركة واضحا جليا يعبر عن احتياج شعبي مرحلي، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة، على نحو ما وقع في 1997 و 2021.
– الخطاب الذي قد ينفع في مرحلة ما، قد لا ينفع في مرحلة أخرى، وإنما الخطاب الذي ينفع هو الذي يستجيب لاحتياجات المرحلة، فالخطاب الهادئ التصالحي مع النظام السياسي نفع في مراحل المأساة الوطنية ومع جيل المأساة الوطنية، ووسائل الاتصال التقليدية، ولا ينفع في زمن الوضع الاجتماعي المزري، والتضييق الشامل للحريات، وانسيابية المعلومات في زمن الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي.
– اتضح جليا من خلال دراسة المؤشرات الرقمية الانتخابية بأن التراجع الانتخابي توافق مع مواقف غير شعبية لصالح النظام السياسي، في انتخابات 2002 بعد دعم بوتفليقة في 1999، وفي 2012 بعد دعم فتح العهدات في 2008. وما صاحب ذلك من تردد في الموقف والخطاب، ويمكن اعتبار السقف المنخفض في 2026 في بعض القضايا الشعبية، مثل القضية الفلسطينية، وحالات الفساد المستشري والفشل التنموي، والظلم وتضييق الحريات سبب في التراجع الانتخابي والفتور لدى عدد كبير من مناضلي الحركة الذين لم ينخرطوا في العملية الانتخابية.
– وعلى العكس من ذلك لم يتحقق تقدم متواصل، وفق ما تبينه الأرقام الانتخابية المتعلقة بالعهدات الثلاث، إلا في عهدة 2013-2023 في ظل موقف معارض واضح مستقر غير صدامي تناسب.
– وقد أكدت دراسة المؤشرات بأن الرمزية عامل أساسي في الانتخابات يحسم بالجملة أو يؤدي إلى الهزيمة أو التراجع بالجملة. وأن رمزية الحركة لا تؤثر في البيئة الخارجية فقط، بل في البيئة الداخلية أولا. فتؤدي إلى وحدة الصف وحيوية المناضلين وارتفاع معنوياتهم حين تكون عالية وتنافسية، أو تؤدي إلى الإحباط والخلافات والإنشقاقات والفتور إذا كانت سلبية وضعيفة وغير تنافسية.
– تؤكد المؤشرات أن التنافسية هي أساس النجاح الانتخابي، وهي التي تمكن الحزب من الصمود والمقاومة والتفوق على كل أنواع المؤامرات.
– قوة الحزب داخليا و في الدائرة الانتخابية عامل مهم جدا في الصمود إذا لم تكن الرمزية بالقوة التنافسية الكبيرة، ولكنها لا تمنع من الانهيار إذا غابت الرمزية أو كانت مخالفة لانتظارات المنتخبين والرأي العام، وهي من جهة أخرى دعامة قوية في النتائج إذا كانت الرمزية جيدة.
– اتضح بأن ما أضر بالحركة في دوائرها الانتخابية عدة أمور منها: الصراع على القوائم الانتخابية على المستوى المحلي والصراع على الهياكل من أجل ذلك، الصراع بين الإطارات المركزية على المناصب الحكومية والتمثيل عند الدولة والصراع من أجل ذلك على قيادة الحركة.
– نجاح عملية الترشح مهمة جدا في التنافسية ومخرجاتها معتبرة في تحقيق النتائج، غير أن ضعف التنظيم ورمزيته ضمن نمط القائمة المفتوحة قد يغير هوية الحزب وسيادته.
– كفاءة الحركة المتواصلة في الحملة الانتخابية مهمة يجب المحافظة عليها وتطويرها، ولكن لا يكون لها معنى إلا بقوة الرمزية ونجاح عملية الترشيح وقوة الحركة في الدوائر الانتخابية.
– تؤكد كل المؤشرات الانتخابية الرقمية وما صاحبها من تحليل صحة فرضية هذه الدراسة التي حددناها في البداية.
2– في الشأن السياسي العام.
– يعتبر العزوف الانتخابي نتيجة حتمية لإفساد العملية الانتخابية والسياسية من قبل النظام السياسي، وهذا العزوف هو في حقيقة الأمر مقاطعة انتخابية، من حيث أن الشعب الجزائري أصبح لا يرى أي فائدة من الانتخابات سوى توفير الارتقاء الاجتماعي والمصالح الشخصية للمنتَخبين، وذلك بسبب التزوير المتواصل وبسبب عدم حدوث أي تغيير وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانهيار الثقة في المسؤولين.
– لا توجد في الجزائر حياة ديمقراطية، وإنما هي “ديمقراطية الواجهة” ولا تؤدي الانتخابات إلى التغيير والإصلاح في الجزائر بأي وجه من الأوجه، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة.
– رهان الحركة على الانتخابات وحدها للتغيير والإصلاح رهان خاطئ ولو يستمر الحال على ما هو عليه، ستكون نفس النتائج ولو بعد عشرات السنين، إذ في كل تجربتها الانتخابية لم تتجاوز الحركة نسبة 19 % من التمثيل في البرلمان، ولم تصل إلى نسبة 15% من عدد الأصوات المعبر عنها.
– لا يختلف الأمر أن تأخذ الحركة 100 مقعد أو 20 مقعدا، إذ ستكون الأغلبية في كل الأحوال لأحزاب الموالاة، ولن تستطيع الحركة أن تشكل الحكومة حتى وإن كانت في المرتبة الأولى.
– الخلل الأساسي الذي يلغي معنى الانتخابات هو الانحراف الدستوري الذي يعتمد أغلبية رئاسية في تشكيل الحكومة من أحزاب لا يتبناها ولا يعتبرها أحزابه. والأغلبية البرلمانية التي ينص عليها الدستور لن تتشكل أبدا في ظل موازين القوة القائمة، وفي ظل عدم محاولة ذلك بالأساس من قبل أحزاب الموالاة التي تعدّ مجرد أجهزة للنظام السياسي.
– في الأغلبية الرئاسية تطبق أحزاب هذه الأغلبية الرئاسية برنامج رئيس الجمهورية، وفكرة الحكومة السياسية التي تطبق برنامج تحالف سياسي غير واردة في ظل موازين القوة القائمة، وعليه فإن فكرة الحزب الذي يقدم برنامج ويناضل من أجل تطبيق برنامجه دون نضال سياسي من أجل التغيير مجرد وهم وتدليس.
– جربت الحركة لمدة 17 محاولة الإصلاح من الداخل فلم تفلح، والنظام الذي تحالفت معه في 1996 هو ذاته الذي غدر الشيخ محفوظ نحناح في كل المسار الانتخابي وخاصة في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية 2002. والنظام البوتفليقي الذي كان بعض قادة الحركة يمجدونه والذي اندمجت معه الحركة اندماجا كاملا منذ دعم فتح العهدات هو ذاته الذي ثار عليه الشعب وانقلبت عليه الحركة، حتى من الذين كانوا يمجدونه فيها.
– لا يعني أن الحركة لا تهتم بأن تكون في الحكومة، فقد عزمت على ذلك وهي تعد للانتخابات التشريعية عام ،2021 وبعد أن حققت نتائج جيدة فاوضت رئيس الجمهورية على دخول الحكومة وفق رؤية جديدة وهي الشركة في البرنامج والوجود في الحكم وليس في الحكومة فقط بقدر نسب نجاحها في الانتخابات فرفض رئيس الجمهورية ذلك وأراد إبقاءها في الواجهة فقط لإضعافها من جديد.
– ونظرا لكل ما سبق فإن المشاركة في الحكومة مفيدة إذا كانت تندرج ضمن رؤية تغيير موازين القوة ولو بعد حين، ضمن استراتيجية المقاومة السياسي وإرهاق النظام السياسي دون الدخول في الصدام والمواجهة المباشرة معه، وبالعمل جاد، بالتوازي، على مستوى المجتمع في مختلف المجالات والتخصصات التي تصنع القوة الحضارية الناعمة، بما يصلح المجتمع ويؤطر قواه ويوسع الحاضنة الاجتماعية.-
– في هذه الحالة يصبح النجاح في الانتخابات ولو بمقعد إضافي واحد مفيد لأنه سيكون ركيزة من ركائز التغيير، وليس مجرد محرك للساحة البرلمانية ضمن الرؤية المؤسسية للنظام السياسي.
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نفتح ملف صناعة نموذج حضاري جديدمن أزمة النموذج الاقتصادي الريعي، إلى إشكالية الحكم، إلى غياب اقتصاد المعرفة، وصولًا إلى سؤال النهضة الحقيقي: كيف نبني نموذجًا حضاريًا بديلًا؟
نتناول في هذه الحلقة: شاهد من الواقع، الحكم الراشد كشرط حضاري، التوافق كآلية انتقال حضاري، من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة، تمثيل البعد الأخلاقي في النظام الدولي.
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نفتح ملف صناعة نموذج حضاري جديد
من أزمة النموذج الاقتصادي الريعي، إلى إشكالية الحكم، إلى غياب اقتصاد المعرفة، وصولًا إلى سؤال النهضة الحقيقي: كيف نبني نموذجًا حضاريًا بديلًا؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الحكم الراشد كشرط حضاري
التوافق كآلية انتقال حضاري
من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة
تمثيل البعد الأخلاقي في النظام الدولي
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، نفتح ملف القادة وصناعة الاتجاه داخل التيارات الحضارية.
من السيرة النبوية إلى التجارب المعاصرة، نقرأ كيف تُبنى القيادة، وكيف يضمن التيار استمراره عبر صناعة القادة لا الاِكتفاء بالأفراد.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
من هم القادة؟
النموذج النبوي في صناعة القادة
النموذج المعاصر: التيار وصناعة القادة
كيف يصنع القادة الاتجاه؟
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، نقف عند أخطر لحظة في عمر أي مؤسسة أو مشروع: إدارة لحظة التحول.
من قصة موسى عليه السلام، إلى بدر والخندق ومؤتة، وصولًا إلى نماذج معاصرة في إدارة الصراع والمقاومة، نكتشف كيف تُصنع القرارات المصيرية في اللحظات الحرجة.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
ما معنى إدارة لحظة التحول؟
المهم أن لا تشترط على الله.
غزوة مؤتة: نموذج في إدارة لحظة التحول
النموذج العملي – طوفان الأقصى
عناصر إدارة التحول الناجح
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، ننتقل من الوعي إلى الفعل، من الفكرة إلى الإنجاز، ومن الإدراك إلى صناعة المستقبل.
نناقش كيف تتحول المبادرات العملية إلى نقطة الانطلاق الحقيقية لأي نهضة، وكيف يصبح الفرد المؤمن فاعلًا في التاريخ لا متفرجًا عليه، من خلال قراءة عميقة للسيرة النبوية، وتجارب المقاومة، وسنن التغيير الحضاري.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الوعي وحده لا يكفي
النموذج النبوي في تحويل الوعي إلى فعل
طوفان الأقصى: الوعي المتجسد
مركزية المبادرات العملية
في هذه الحلقة من برنامج المسافة صفر، ننطلق من لحظة سقوط بغداد، لنفهم كيف تتعامل الحضارات مع الانكسارات الكبرى، ولماذا لا تكون الهزيمة دائمًا نهاية الطريق.
نتناول في هذه الحلقة:
إدراك السنن وتحرير الوعي من أسر اللحظة
البنية الحضارية العميقة
الوعد الرسالي واستمرارية المشروع
قراءة التحولات العالمية بعين حضارية
الأمل بوصفه مشروعًا
contact@abderrazakmakri.com