نلاحظ من خلال دراسة مساهمات رواد الفكر الإسلامي أن ثمة أربعة اتجاهات في تناول موضوع الحضارة، وهي كالتالي:
وهو الاتجاه الذي يجعل الحضارة إفرازات مادية يستفيد منها الإنسان في مختلف مجالات العمران وتسخير الطبيعة والأدوات الخادمة للإنسان في حياته، والتي تتأتى بالتحكم في ناصية العلم وبالعمل الإنساني الدؤوب المتراكم لتحقيق مصالحه ورفاهه. ولا يعتبر الدين شرطا أساسيا لبناء الحضارة، لكنه يكون داعما للاستقرار والازدهار. ويمثل هذا الاتجاه عبد الرحمن بن خلدون الذي يعرّف الحضارة، كما ذكرنا أعلاه، بأنها : “تفنّن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله“.[1]
ويسير في الاتجاه نفسه المفكر علي عزّت بيغوفيتش الذي يعد الحضارة: “استمرارا للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، للتبادل المادي بين الإنسان والطبيعة، وهذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم“[2].
ويُفهم مما كتبه أصحاب هذا الاتجاه أن الحضارة سيرورة إنسانية تاريخية حيادية لا يبعثها بالضرورة الدين، لكنها تنشأ من احتياجات الإنسان. غير أنهم يؤكدون أن ما يحدد صبغتها، وخيرها أو شرها، وطول عمرها أو قصره، هو القيم والالتزام الديني. فيرى ابن خلدون مثلا أن دولا عظيمة قامت دون استناد إلى الدين، ويضرب أمثلة من الدول المجوسية، لكنه يؤكد أن الدولة يعظم شأنها حين يجتمع أصحابها على الدين الحق، فيقول:
“إن القلوب إذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها، فذهب التنافس وقلّ الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة“.[3] غير أنه يؤكد أن الدين زيادة في قوة العصبية، التي يتعبرها أصل الملك فيقول: “أن الاجتماع الديني يضاعف قوّة العصبية بالاستبصار والاستماتة”، و “إذا حالت صبغة الدين وفسدت، ينتقض الأمر، ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدُّها دون زيادة الدّين، فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها، ولو كانوا أكثر أكثر عصبية منها وأشد بداوة”[4] ويذكر
ومن جهته يرى علي عزّت بيغوفيتش أن أزمة الحضارة الغربية سببها عدم قدرتها على الجمع بين المكوّن المادي الذي هو جوهر الحضارة، والمكون الروحي الإنساني الذي هو جوهر الثقافة، ويؤكد أن الإسلام وحده هو الذي جمع بينهما وأنشأ حضارة بلغت ذروة الإنتاج العلمي وقمة البعد الروحي. ويمكن أن ننسب هذا الاتجاه كذلك إلى حسين مؤنس الذي يعد الحضارة كل جهد بشري لتحسين ظروف الحياة من خلال الاكتشافات والابتكارات التي لا تكتمل إلا بالتجارب المتكررة عبر الأجيال، دون اعتبار الدين شرطا ضروريا لذلك.
وهو الاتجاه الذي يحصر الحضارة في الإسلام دون غيره، فلا يميز بين الإسلام والحضارة، ويكون المسلم حسب هذا الاتجاه متحضرا بالضرورة. ويمثل هذا الاتجاه سيد قطب الذي يرى، حسب راشد الغنوشي، أن “سبب تخلف المسلمين هو تركهم للإسلام، وينبغي دعوتهم إليه من جديد، وتعليمهم معنى لا إله إلا الله باعتبارها منهج حياة. أما غيرهم فلم يتقدموا، بل هم في جاهلية جهلاء، لأن الإسلام هو الحضارة[5]. وقد أشرنا إلى هذا أعلاه كذلك. وقد تشكل هذا التوجه لدى سيد قطب في المرحلة الثانية من حياته الفكرية، وهو ذاته يشير إلى هذا في رده على مالك بن نبي في تعريف الحضارة[6]، بعد عودته من أمريكا ثم اضطهاده وسجنه في عهد جمال عبد الناصر، وبتأثر من كتابات أبي الأعلى المودودي حول الحاكمية. وقد نسج على آرائهما كثير من كتّاب الصحوة الإسلامية، وصار توجّههم غالبا لمدة طويلة. ويركز أصحاب هذا الاتجاه على إبراز المآسي التي تتسبب فيها الحضارة الغربية بسبب انفصالها عن الدين.
وهو الاتجاه الذي لا يحصر الحضارة في الإسلام وحده، ولا يحصرها في المسلمين، بل يعتبرها حاجة إنسانية مشتركة لتحقيق احتياجات الإنسان على أحسن وجه. ويرى أنها لا تخص شعبا واحدا ولا تتمركز في إقليم معين، بل تنتقل من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان وفق سنة التداول، ووفق استعداد البشر وتحقيقهم للشروط الحضارية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ[7]﴾، ورائد هذا الاتجاه هو مالك بن نبي الذي يقول: “الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر“. [8]وهو يتوافق هنا مع الاتجاه الأول، لكنه يتميز عنه باشتراط الدافع الديني لتشكل الحضارة، سواء كان الدين هو دين الإسلام أو غيره. ويضرب لذلك أمثلة على نشوء الحضارات الكبرى، ومنها الحضارة الغربية التي انطلقت من القاعدة الدينية الكاثوليكية ثم البروتستانتية. ولكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الإسلام هو وحده الذي يصنع الحضارة الإنسانية العادلة القادرة على التجدد، وأنها لا تموت رغم أفولها إذا انبعثت أنوار الإيمان من جديد بفهم صحيح للإسلام.
ويمكن أن ننسب هذا الاتجاه كذلك لكثير من المفكرين مثل عبد المجيد النجار، محمد عمارة، عبد الوهاب المسيري، علي شريعاتي، طه جابر العلواني، وغيرهم. ويمكن ذكر محمد عابد الجابري الذي حاول أن يجد لنفسه مكانا بين النهج الحداثي القطيعي والنهج الإسلامي المعاصر.
وهو الاتجاه الذي يدعو إلى الاندماج الكامل في الحضارة الغربية باعتبارها حضارة إنسانية استفادت أصلا من الحضارة الإسلامية، ويرى أن المسلمين لا يمكنهم اللحاق بالحضارة إلا بمراجعة تراثهم كله ضمن معايير الحداثة[9]. ومن هؤلاء محمد أركون الذي يرى أن الخروج من التخلف يكون عبر نقد العقل المسلم، وتبنّي العلمانية المنفتحة، واستخدام الأدوات الغربية الحديثة في التاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية للتحليل. وكذلك عبد الله العروي الذي ينفي إمكانية أي نهضة في العالم الإسلامي دون القطيعة التامة مع التراث العربي الإسلامي[10]، بما في ذلك السنة النبوية، والالتحاق بالحداثة الغربية العلمانية كقيمة إنسانية.
إننا إذا أردنا أن نحلل تحليلا موضوعيا ما ذهبت إليه هذه الاتجاهات الأربعة الكبرى فإننا سنخلص إلى أن الاتجاه الأول والثاني والثالث تنتمي كلها للفكر الإسلامي، وتعمل لصالح الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية، وهي الاتجاهات التي انطلقت من مرجعية الكتاب والسنة، وتطورت داخل الإسلام، ونظرت إلى التراث نظرة عقلانية فرّقت بين الثابت والمتغير، وبين الباقي والمنتهي، وقيّمت النصوص والتاريخ على أسس علمية شرعية وإنسانية.
أما الاتجاه الرابع، فقد نظر إلى التراث الإسلامي ككمّ تاريخي لا قيمة له في الانبعاث الحضاري، وأصحاب هذا الاتجاه هم الحداثيون الذين تريد مراكز الدراسات الغربية ـ ومنها مركز راند ـ الاعتماد عليهم في اختراق المنظومة الفكرية الإسلامية من الداخل، كبديل للتيارات العلمانية الواضحة التي فشلت في تثبيت نفسها كمرجعية متّبعة. وهؤلاء الحداثيون يختلفون عن المستشرقين في أنهم ينتمون للعالم الإسلامي ويعلنون تمسكهم بالإسلام، لكنهم يستخدمون مناهج المستشرقين في التشكيك في النصوص وتشويهها، رغم أن بعضهم يوجّه النقد لعدد من المستشرقين الكبار. وقد تم ابتكار اسم جديد في السبعينيات لهؤلاء الحداثيين، بديلا لاسم “المستشرقين” الذين اتُّهم أكثرهم بتقديم صور نمطية سلبية عن الحضارة والنصوص الإسلامية، وهو اسم “الإسلامولوجي“الذي يُصوَّر بأنه يعتمد على الدراسات العلمية ويستعمل أدوات العلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا والتاريخ لفهم النصوص الشرعية والتراث. ولا يشترط في المشتغل بهذا الحقل أن يكون مسلما.
لكن المفارقة أن كثيرا من هؤلاء الحداثيين ـ رغم انتمائهم إلى الإسلام ـ صاروا أكثر تحيزا ضد النصوص الإسلامية من بعض المستشرقين أنفسهم، بعيدا عن المنهجية العلمية التي يدّعونها. ولا يعني ذلك أنه لا يُستفاد منهم، ولكن من المؤكد أنهم لا يُعتدّ بهم في فهم تاريخ الحضارة الإسلامية وسبل نهوضها من جديد.
إن الاتجاهات الثلاثة: المادي والعقائدي والعقلاني ليست متناقضة كما يظن بعض المهتمين، بل هي متكاملة، ولا يوجد سبب للدخول في الجدال المنقص لقيمة أي منها، فثلاثتهم يعتبرون الدين سببا رئيسيا لتحقيق القوة والاستقرار، وأنه بيئة التحضر وصناعة الحضارة، وهو الذي يضمن قوة الدولة وطول عمر الحضارة، غير أن كلا منهم ينظر إلى ذلك من زاوية مختلفة. كما أن أصحاب هذه الاتجاهات جميعا يؤمنون بالأطوار العمرية للحضارة، وأن نهاية كل حضارة إنما سببها الترف والفساد وغلبة الغريزة.
لا شك أن نقد مفكري هذه الاتجاهات كلها وارد، فهم بشر لا يحيطون ببحار العلوم كلها، ولكن يجب الانتباه بأن أفكارهم صاغتها ظروف الأزمنة والبيئة التي عاشوا فيها وتطورت عبرها رؤاهم. ولئن كانت بعض أفكارهم دائمة البقاء، لأنها تعبر عن فهم صحيح للسنن التي لا تتغير ولا تتبدل، فإن بعضها الآخر كان مفيدا في سياقه التاريخي ويمكن تجاوزه والبناء عليه لابتكار أفكار ومناهج جديدة.
فلو تحدثنا عن ابن خلدون مثلا لوجدنا أن علمه كان محكوما بأنماط الحكم الراسخة في عصره ومنها الحكم العائلي والعصبيات العشائرية التي كانت حاضرة في عالم ذلك الزمن كله. لقد كان بإمكانه أن يعود إلى منابع الفكر السياسي الإسلامي الراشدي القائم على الشورى، ولكن لو تحدث عن نمط حكم آخر في ذلك الوقت غير العصبية العشائرية، ما وجد علمُه ربما مجالا لانتقاله إلى الأتراك ثم الألمان والأوربيين ثم العالم بأسره. فقد نظرت الأمم التي استفادت من علمه إلى ما يحفظ “الحكم”وما يهدده أكثر من نظرها إلى شكله أو نمطه، كما هو حال كتب “مرايا الأمراء[11]” في نصيحة الحكام عبر مختلف الحضارات. غير أن منطق “العصب الحاكمة” التي لا يستقر الحكم بغيرها بقي موجودا بأشكال أخرى غير العصبية العشائرية، كعصب العسكر، واللوبيات المالية، والقوى الإعلامية، ومجموعات المصالح وغيرها. ولذلك لم ينقص من قيمة مضمون العصبية التي ذكرها ابن خلدون شيء كبير وإنما تغيرت أشكالها فقط.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن انتقاد بعض المفكرين لفكرة حتمية زوال الحضارات عند ابن خلدون لا ينقص من قيمة مقاربته المتعلقة بالأطوار الخمسة (الظهور، القوة، الرفاه، الضعف، السقوط)، والأجيال الثلاثة (البناؤون، المقلدون، الهدامون). فقد تكون تلك الانتقادات معتبرة في تفاصيلها ولكن التداول بين الأمم والدول والحضارات سنة جارية، يؤكدها القرآن الكريم وفق قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وتثبتها الدراسات التاريخية. واليوم قد اندثرت كل الحضارات، ولم تبق سوى حضارة واحدة مهيمنة هي الحضارة الغربية، وهي نفسها تتلبس بمظاهر عدة تشير إلى أنها تتوجه نحو الأفول رغم عظمة إنجازاتها وقوة دولها، كما تؤكده دراسات غربية كثيرة من مراكز بحث معتبرة نبهت إلى مظاهر أفول الحضارة الغربية.
إن ابن خلدون يركّز، في حقيقة الأمر، على تداول الدول أكثر من تداول الحضارات، إذ إن التداول بين الدول داخل الحضارة الواحدة يطيل أمد تلك الحضارة. وهذا ما نراه بوضوح في التداول الذي حدث بين الإمبراطوريات الأوروبية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، ثم الإمبراطورية الأمريكية القائمة اليوم داخل الحضارة الغربية نفسها. ومثله ما وقع سابقا في التداول بين الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وما جاورها من الدول الكبرى الأخرى ضمن الحضارة الإسلامية الواحد، وقد تناول ابن خالدون ذلك كذلك، وفق ما ذكرناه أعلاه.
ومما يجب الانتباه إليه أن ثمة حضارات لها القدرة على الانبعاث بعد زوالها، وحضارات أخرى تندثر نهائيا. وعلى رأس الصنف الأول الحضارة الإسلامية التي تبقى فكرتها خالدة في النفوس والمجتمعات بخلود القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [12]﴾. فحتى إن سقطت الدول القائمة على الإسلام، فإن الفكرة الدينية القرآنية تبقى كامنة في وجدان الأمة. وكلما تجددت الفكرة المرتبطة بالوحي، وبلغ تسجيلها في النفوس مبلغها الحضاري مجددا، انبعثت الحضارة الإسلامية من جديد.
ثم تأتي بعد الحضارة الإسلامية الحضارة الغربية، أو الحضارة الرومية، وهي امتداد للحضارة الإغريقية ثم الرومانية. وهي الحضارة التي بدأت المواجهة بينها وبين الإسلام مبكرا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يرسل عليه الصلاة والسلام جيشا لمواجهة أمة غير العرب سوى الروم، كما في مؤتة وتبوك وبعث أسامة. وستكون المواجهة الأخيرة قبل قيام الساعة مع الروم أيضا، وفق الأحاديث الصحيحة التي تحدّثت عن الملحمة الكبرى[13]. وبين هاتين الفترتين الزمنيتين تبقى المواجهات والتداول على الظهور في التاريخ بين هاتين الأمتين، وإلى جانبهما أمم أخرى أقل حضورا في الاشتباك والتداول الحضاري، كالصين والهند وما حولهما، وربما من بينها أممٌ أشارت إليها أحاديث الملحمة الكبرى دون التصريح بأسمائها.
ومما يُنقَد به ابن خلدون في كتابه عن التاريخ وفي المقدمة تعميمه للأخبار وعدم دقته أحيانا في النقل، وغياب المستوى المؤسسي في توصيفه للدولة. غير أن هذا النقد متكلّف، لأن العالِم إنما يتحدث بمستوى العلم الذي يكون عليه مجتمعه، والعبقرية إنما تظهر حين تكون إضافات صاحبها سابقة لزمانه وأكثر تميّزا من أقرانه. وقد بلغ ابن خلدون في هذا الباب مستويات عالية من توصيف التنظيم المؤسسي قياسا بما كانت عليه الدول في زمانه، بل عدّه العلماء الأوروبيون الذين ترجموا كتبه في القرن الثامن عشر سابقا لزمانه بقرون. ولا يزال الساسة والباحثون يستفيدون من أفكاره وتوجهاته إلى اليوم.
وربما يكون ابن خلدون قد عمّم في مقاربته بين البدو والحضر، وقد لا تصلح هذه المقاربة لكل الأمم وكل الأزمنة، ولكنها بكل تأكيد لا تتعلق بسكان العرب والبربر فقط كما يزعم بعض منتقديه. فالحضارة الغربية نفسها انطلقت من دخول القبائل الجرمانية البدوية في المسيحية، كما يبين مالك بن نبي. ومع ذلك، لا يمكن اعتماد البداوة شرطا للفتوة والشهامة والقوة والنبل المؤهِّلة لأخذ الملك المفضي إلى الحضارة. فقد يوجد بين أهل الحضر من برئوا من ترف المدن وغلبة الغرائز، وبقوا على الفطرة السليمة، وتوفرت لهم طاقة جبارة للتغيير ودوافع معنوية عميقة، بتأثير من الدين أو الغيرة الوطنية أو طموحٍ قوي عاقلٍ ومتوازنٍ يسعى لبلوغ المعالي. والعبرة عند ابن خلدون ليست بالبداوة بذاتها، وإنما بالخلال التي تكون شائعة بين أهلها أكثر من غيرهم بسبب بُعدهم عن فتن المدن ومغرياتها.
إن المشكلة الحقيقية التي لا يزال ابن خلدون يعاني منها هي تخلّف أبناء دينه وجِلدته عن الاهتمام بكنوز علمه. فترى علماء من الغرب والشرق لا يزالون يُشيدون بكتاب “فن الحرب“ل”سون تزو” الذي كُتب قبل آلاف السنين، ويترجمونه إلى مختلف اللغات، ويعودون دوما إلى كتب “ماكيافيللي” و”جون لوك” و”هوبس” وغيرهم. بينما نسمع في المقابل عددا من المفكرين المسلمين يقولون إن “المقدمة“كُتبت لزمانها ولا فائدة كبيرة منها، مثل طه ياسين والعلوي وأركون.
أمّا عن سيد قطب، فقد تعرّض لنقدٍ كبير تجاوز في أحيان كثيرة الحدود المعقولة. ولو كان النقد من أقرانه من العلماء والمفكرين لكان ذلك طبيعيًا ومحمودًا، إذ التدافع الفكري هو ما يصنع الحضارة. غير أنّ الاستهداف الذي وقع عليه جاء من حكوماتٍ ظالمة مستبدّة حاربته كما حاربت غيره من الدعاة والمصلحين والمفكرين، سواء انتهجوا نهج اللين أو الشدّة، وسواء اتّسم خطابهم بالحدة أو بالمرونة. ثمّ لحقت بهذه الحكومات بعض التيارات الدينية والعلمانية، كثير منها وظيفيٌّ في خدمة الاستبداد أو الصهيونية أو القوى الاستعمارية.
أمّا العلماء والمفكرون الذين وجّهوا النقد لسيد قطب، أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي ومحمد عمارة ومحمد سليم العوّا ومالك بن نبي، فقد كانوا يعدّونه من كبار الدعاة والمصلحين والمفكرين والأدباء في الأمة الإسلامية، ممن كان لهم أثر كبير في نشر الصحوة الإسلامية وزرع روح العزة والإباء في نفوس الشباب، وحمايتهم من الهجمات الفكرية المركّزة للتيارات الهدّامة، وتثبيتهم في مواجهة قهر الاستبداد. وقد سلّم سيد قطب روحه عزيزة في مشهدٍ استشهادي خالد في التاريخ.
ويرى هؤلاء العلماء، مع إقرارهم بفضله الكبير، أنّه توسّع في مفهوم الجاهلية بما يؤدي إلى قطيعة مع المجتمع ليست مطلوبة شرعًا، وأطلق أحكامًا كلية على العصر تُنافي ضرورات التفصيل التي يحتاجها المفكر والفقيه المسلم في زمن شديد التعقيد وكثير المدخلات، وأنّه بالغ في مفهوم الحاكمية بما يجعل بعض المتأثرين به ـ ممّن لا ينتبهون إلى خلفيته الأدبية في التعبير ـ يتشدّدون في أفكارهم السياسية، فيضيّقون مساحات العمل وإبرام التحالفات لخدمة الإسلام ونهضته الحضارية، وفق ما هو مثبت في السيرة النبوية.
كما أن نقد هؤلاء العلماء لبعض أساليب سيد قطب في تفسيره “في ظلال القرآن” من حيث عدم الضبط الفقهي لبعض التعميمات الاجتماعية والسياسية- لم يمنعهم من اعتباره من أجلّ التفاسير، ومن كونه تحفة أدبية عالية القيمة بأبعاده الروحية العميقة، وأسلوبه البديع، وأفكاره المنيرة، وما يحْدِثه في النفوس من أثر بالغ نحو الالتزام والعزة الإيمانية. وهذا هو النقاء الذي يُرجع الإنسان إلى الفطرة والصفاء البدوي الذي يشترطه ابن خلدون في العصبية التي تتغلب في طلبها الملك، وهو كذلك ما يشبه حالة “تسجيل الفكرة في الأنفس” التي يؤكّد عليها مالك بن نبي في حديثه عن دور الفكرة الدينية في انبعاث الحضارة.
ولا يمكن، في كل الأحوال، الحكم على سيد قطب من خلال تصرفات جماعات عنيفة نسبت نفسها إليه أو استندت إلى بعض كتاباته، إذ ليس لازم المذهب مذهبًا إذا نفاه صاحبه، ولا يُعتدّ بقولٍ أُلصق بالرجل إن نفاه هو، أو نفاه عنه من عرفه وصاحبه. وقد تبدو بعض عباراته لدى قارئ الظلال ومعالم في الطريق شديدة، لكن من يقرأ مجمل أعماله بإنصاف ودون تحيّز لا يمكن أن يصل إلى ما ادّعاه المغرضون المحاربون للعلماء العاملين الذين لا يخضعون لغير الله.
إن ظروف السجن والمواجهة الوجودية بينه وبين الاستبداد، والصدمات الكبرى التي كانت تتعرض لها الأمة من الاستعمار والاستبداد، والانهيارات الفكرية في مواجهة الشيوعية والرأسمالية، تجعلنا ننظر إلى ألفاظه القوية وأساليبه المزلزلة كصرخة إصلاحية تهدف إلى إحياء الإيمان وإيقاظ الوعي، ودفع الضرر عن الأمة، وبناء مشروعها الحضاري المستقل، الذي لا تكون الدولة الحديثة مقياسه ولا نموذجه الحاكم. ومن دلائل سبقه في بناء النموذج المستقل أن ثمة تيارًا واسعًا يتشكّل اليوم—من مفكرين مسلمين وغير مسلمين، ومن خارج التيار الإسلامي—يدعون إلى القطيعة مع الدولة الحديثة بمفاهيمها السياسية المهيمنة على الإنسان، ومفاهيمها الاقتصادية المدمّرة له، ومفاهيمها الثقافية المفسدة لجوهره.
أما عن مالك بن نبي فلم يسلم هو الآخر من النقد، فرغم الإشادة الكبيرة بأفكاره من قبل كبار المفكرين، رأى بعض الدارسين أن تحليله لمعادلة الحضارة يقوم على قدر من التجريد، وأنه يتعامل مع التاريخ من علٍ، وأن نماذجه التحليلية لا تقدم شرحا كافيا للآليات العملية. كما اعتبروا أن أطروحاته تميل إلى المثالية والتركيز على الأبعاد الأخلاقية والنفسية، وأنه يقلل من شأن السياسة والبعد السياسي في التغيير، مع أن الفعل السياسي كان دائما حاسما في التاريخ و مسار النهضة الحضارية. وأشار آخرون إلى أنه يستغرق في الهندسة الحضارية على حساب التنظير للفعل الميداني، وأن رؤيته لمركب الحضارة شديدة الاختزال وأنها تحتاج إلى تطوير معرفي، فيما يلومه بعض العاملين في الحركات الإحيائية بأنه – رغم حديثه عن الفكرة الدينية – لم يجتهد بما يكفي في تقديم تصور شامل للبديل الإسلامي. واتهمه بعض الخصوم السياسيين بأنه نظّر لمناهضة الاستعمار كشرط من شروط النهضة الاستعمارية ولكنه لم يمارس الفعل الثوري عمليا.
إن نقد المفكرين المنصفين الذين يقدّرون مالك بن نبي ويضعونه في موقعه المشرف في تاريخ الفكر يزيد في مكانته، لكن حينما يشتغل بأفكاره بعض “الحداثيين” الذين اعتبروا أن مقاربته للفكرة الدينية غير قابلة للتحقيق التاريخي المعاصر، أو أنها ذات بعد ميتافيزيقي لا شأن له بالبعد التاريخي، فإن مقصدهم غالبا هو هدم المقاربة الحضارية الإسلامية جملة وتفصيلا، وذلك غير مستغرب منهم، فقد أصاب مالكَ بن نبي منهم ما أصاب كلَّ مصلح يروم نهضة الأمة في إطار انتمائها، وتحريرها من الارتهان للاستعمار ، وتخليصها من التغريب والالتحاق بثقافة المستعمر وخدمة أغراضه.
وفي المقابل لم يسلم مالك ابن نبي كذلك من فئات العجز والقعود والسلبية والانغلاق في الأمة، إذ لم يكن فكره مريحا للتيارات التي اعتادت إلقاء اللوم على الآخر وتحميل الاستعمار وحده السيطرة على الأرض والأنفس. ولم تكن توجهاته الحضارية المنفتحة على العلوم الإنسانية واستعمال الأدوات العصرية لترضي الاتجاهات التقليدية المنغلقة.
لقد كانت تعميمات مالك بن نبي هي سبب انتشار أفكاره، فقد كان يبني منهجا ولم يكن بصدد وضع خطة للعاملين لصناعة النهضة الحضارية، ولو فصّل في مقارباته لمَنع الاختلافُ حولها الأمةَ من تلقّيها. وما كان ناقصا في رؤاه، على تلاميذه ومن استفادوا منه أن يكملوا المشروع، وهذا هو شأن الحياة الفكرية والعلمية، جيل يبني على جيل، فالذي أكمل بناء المذهب الحنفي هو أبو يوسف وأصحابه، والذي أكمل بناء المذهب المالكي هو أبو القاسم وأصحابه.
وقد كان موقفه السلبي من السياسة والسياسيين نابعا من أسباب واقعية، لِما رآه في العمل السياسي تحت الإدارة الاستعمارية من انتهازية وسعي للمصالح الشخصية ونكوص على المبادئ ورداءة في الخطاب وتهريج في الحملات الانتخابية، مزقت الحركة الوطنية قبل الثورة التحريرية. وكان صارما في الشأن السياسي حتى مع أقرب الناس إليه، وهو الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي كان يعّده روح الحركة الإصلاحية في الجزائر، إذ عاتبه لمجرد التقائه مع النخبة الإندماجية من أجل المطالبة بالحقوق، وما كان نقد ابن نبي لينقص من شموخ وعلو مقام ابن باديس، وإنما هي نصيحة محبّ لحبيب أراده أن لا يخضع لضرورة التحالف من أجل الحقوق، والتخفيف عن الجزائريين من ظلم الفرنسيين والاعتداء على دينهم ولغتهم، إذ الاستعمار في منظور بن نبي لا يعبأ بلوائح المطالب.
لا شك أن موقف مالك بن نبي من السياسة والسياسيين أثر على عدد من تلاميذته والمقتنعين بفكره فصار بعضهم سلبيين ومعطلّين، أو متحفظين في علاقتهم بالعمل السياسي. وهنا نجد تراث ابن نبي في ذات الحالة التي أنشأها تراث سيد قطب تقريبا، “ليس لازم المذهب مذهبا”، فهو أدان انتهازية السياسيين وحذر أشد التحذير من خطورتهم، ولكنه لم يدن السياسة، فلو كانت السياسة على المعايير التي ذكرها وعلى المستوى الذي صاغه في قوله: “أن تخوضَ في السياسة معناه أن تسعى إلى تغيير الإطار الثقافي في اتجاه يُساعد على التنمية المنسجمة لعبقرية أمة وشعب. فالخوض في السياسة معناه، في نهاية التحليل، أن تخوض في الثقافة[14]” فهي سياسة مطلوبة وممدوحة، والسياسيون إن مارسوا السياسة على هذا الأصل صادقون وشرفاء وطلاب نهضة.
لم يكن مالك بن نبي يبحث عن انتصار حزبي أو غلبة أيديولوجية، بل كان يسعى إلى بناء الإنسان نفسه، إنسان يعرف لماذا وُجد، وإلى أين يتجه، وكيف يتحول من كائن منهزم يراكم منتجات حضارة غيره إلى إنسان فاعل ينتج حضارته. ومن يتأمل مجمل أفكاره يدرك أن الرجل، سبق عصره، وأن كثيرا من الرؤى التي طرحها حول أثر الثقافة في الفاعلية، ودور الفكرة في بناء الحضارة، وعلاقة الأخلاق بالنهوض الاجتماعي، قد أصبحت أساسا لمدارس فكرية معاصرة تبحث في جوهر الحضارة لا في مظاهرها، وفي أسسها لا في قشورها. فهو، وإن لم يكن زعيما لجماعة أو تنظيم، فإن أفكاره تلهم العديد من المنظمات والمؤسسات التي تسعى للنهضة الحضارية للأمة.
لم يكن لمالك بن نبي دولة أو جماعة أو تنظيم يسانده في كفاحه الفكري، فقد خاض معاركه وحده، دون دعم من أي جهة، ويمكن اعتباره نموذجا كاملا للعصامية، لا سيما أنه اشتهر في الفكر والفلسفة والدراسات الاجتماعية وليس في اختصاصه التقني الأصلي. وقد كان نضاله الفكري – منفردا – أشد على الاستعمار من النضال السياسي، وكانت كلماته أوقع على المحتل من ضربات البارود، حتى أن المستشرق الكاثوليكي ماسينيون اعتبره خطرا داهما على فرنسا، فقاد شنّ حملة شرسة ضده، ولاحقه في لقمة عيشه في باريس. وقد قدّر قادة الثورة الأثر البليغ لعمله الفكري ضمن النضال الوطني فلم يسمحوا له بمرافقتهم إلى الجبال لكتابة تاريخ الثورة، حرصا على سلامته[15].
لم يتعرض مالك بن نبي للهجومات المنهجية المنسقة التي تعرض لها غيره من كبار المصلحين الذين اشتبكوا ميدانيا مع الاستبداد، بسبب انخراطه في المنافسة السياسية، فهو لم يفعل ذلك، ولكن تم تهميشه بسبب أفكاره، فقد تم عزل أفكاره من مناهج التعليم والسياسات الحكومية في بلاده والبلاد الإسلامية التي اعتقد أنه سيجد فيها مجالا لتجسيد طموحاته في الاستنهاض الحضاري للأمة[16]. ولكن، في الأخير، عادت رؤاه إلى الساحة اليوم بقوة، يهتدي بها العاملون للاستنهاض الحضاري، في ظل ظروف عالمية جديدة تختلف عن زمن الصحوة الإسلامية، وكأن مالك بن نبي يُكتشف لأول مرة.
حين التأمل في هذه الاتجاهات الأربعة سنجد أن الاتجاهات الثلاثة الأولى أصيلة تنبع من داخل المجتمعات الإسلامية ويمكن ربط الصلة بعضها ببعض، وتحقيق التكامل بينها إذا أُمعِن النظر في الظروف والبيئات التي نشأت وتطورت فيها، مع التفضيل بينها، ليقع الاختيار على التوجه الذي يفتح آفاقا أرحب لرؤى جديدة عملية لفهم الحضارة وتحقيق الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية، أما الاتجاه الرابع فهو من خارج الأمة الإسلامية ومتعاليا عليها وخادما للحضارة الغربية، وهو اتجاه يعتبر الحضارة الإسلامية حالة تاريخية ويغلق الباب أمام أي نهضة تكون إسلامية حقا.
حين نتحدث عن رؤية ابن خلدون للحضارة (الاتجاه الأول)، وننظر في “المقدمة“ نظرا وافيا، ندرك أن من ينتقده بدعوى عدم حديثه عن القيم والأثر الديني في صناعة الحضارة إنما يخطئ في فهم السياق. فابن خلدون لم يكن في حاجة إلى التأكيد على الأساس الديني لقيام الدول والحضارات، لأن البيئة التي كان يعيش فيها، وكل الدول التي درسها، كانت قائمة على الأساس الشرعي والديني منذ دولة المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن ثمة من يعترض على هذا المنشأ الحضاري أو يناقشه، لأن أصل الحضارة الإسلامية راسخ ومُسَلّم به، بغضّ النظر عن مدى التزام الحكام بذلك الأصل.
إن ابن خلدون لم يكن بصدد بيان اشتراط الدين لقيام الدول الإسلامية، فقد كانت قائمة، أو تأسيس مفهوم “الحضارة الإسلامية” فقد كانت موجودة، وإنما تناول تاريخ “أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول” من زاوية السنن الاجتماعية التي تنطبق على الدول كافة، سواء كانت داخل إطار الإسلام أو خارجه. ولذلك حين يتحدث عن دور الفساد والترف في انهيار الدول، فهو يتبع قاعدة سننية ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم في قوله سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[17]﴾.
كما أن القرآن الكريم ذكر هلاك أممٍ كانت قوية وهي كافرة، مثل عاد وثمود، بسبب فسادها وظلمها. وهذا ما يجعل ابن خلدون يعتبر الترف والفساد عاملين كونيين في سقوط الدول، لا يرتبطان بهوية الأمة دينيا، بل بطبيعة الاجتماع البشري وطبائع الحكم حين تنحرف عن ميزان العدل وينخرها الفساد والترف.
وأما علي عزت بيغوفيتش، من رموز الاتجاه الأول، فكان يعيش في قلب الحضارة الغربية، وتعلّم في مدارسها، ورأى حجم التطور الكبير الذي حققته، والمنافع المادية المذهلة التي أنتجتها، وفي الوقت نفسه المظالمَ الكبرى التي صنعتها، والفسادَ الواسعَ والعميقَ الذي رسّخته. وقد أدرك كيف لم يكن للناس ملجأٌ يأوون إليه يحميهم من غلوائها بروح المحبة والتضامن سوى ثقافاتهم المحلية. ولذلك فرّق بين الحضارة والثقافة، وجعل لكل منهما مسارا مختلفا. وبالعودة إلى ثقافته الواسعة في الإسلام، واطلاعه على خصوصية الحضارة الإسلامية، أكّد أن الإسلام وحده القادر على الجمع بين الثقافة التي مصدرها الفطرة الداخلية للإنسان، والحضارة التي مصدرها الفعل الخارجي للبشر.
وحينما نوجّه النظر صوب الاتجاه الإسلامي العقائدي في تفسير الحضارة ندرك أن بروزه كان طبيعيا، وأن تراجعه في الفكر الإسلامي الحديث المتأخر كان طبيعيا كذلك. فقد كان فكر سيد قطب في مرحلته الأولى غير بعيد عن فكر مالك بن نبي، إذ لم تكن شحنة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي في الداخل المصري عنيفة، وكان فكره منشغلا بكليات الصراع مع سطوة القوى الإمبريالية الرأسمالية، وانحرافات الشيوعية، والأزمات الاجتماعية التي كان يعانيها العالم الإسلامي. ولذلك جاءت رؤيته منفتحة في كتبه الأولى مثل “العدالة الاجتماعية“ ـ رغم ما فيه من أخطاء في حديثه عن الصحابة اعتذر عنها لاحقا ـ وكتابه “صراع الإسلام مع الرأسمالية“، وقد عُدّ في تلك المرحلة من منظري ثورة 1952.
لكن بعد خيبة الأمل في مسار تلك الثورة، التي كان الإخوان والضباط الأحرار في بدايتها في صف واحد، وبعد ما أصابه من ظلم شديد في تجربته الشخصية وسجنه وتعذيبه، تحوّل فكره إلى الصراع العقائدي والسياسي.
واللافت أن المودودي عاش تحولات سياسية مشابهة، إذ أصيب بخيبة أمل كبيرة في حكام دولة باكستان التي انفصلت عن الهند على أساس الدين، بعدما تخلّوا عن بناء الدولة على أساس الشريعة الإسلامية كما وعدوا الجماهير، وانشغلوا بالامتيازات الشخصية والصراع على المصالح في الحكومة والبرلمان. وبعد جهد فكري طويل أسّس المودودي الجماعة الإسلامية التي دعت إلى الرجوع إلى الإسلام في الشأن العام.
وبسبب توسع الصراع بين الحركات الإسلامية والأنظمة العربية، توسّع فكر المحنة المتترس بالمرجعية الدينية دون النظر إلى معطيات الصراع الأخرى محليا ودوليا. وقد كان هذا الفكر فكرَ مرحلة، وساهم كثيرا في ثبات رجال الدعوة والإصلاح وانتشار الصحوة الإسلامية. لكن حينما تحولت الفكرة الإسلامية إلى حالة اجتماعية عامة ووقع الانفتاح السياسي في أغلب الدول الإسلامية، تراجع الفكر الإسلامي المتشدد لصالح فكر أكثر انفتاحا وتشاركا مع مكونات الساحة السياسية والاجتماعية، وإعادة النظر في مفاهيم الحضارة وشروطها. غير أن الاهتمام المتأخر بفكر الانفتاح أخّر التجديد فيه بما يتناسب مع احتياجات المجتمع الجديدة، والتحديات السياسية المحلية والدولية، وطبائع الصراع، وكيفية مواجهة الاستبداد والصلف الغربي والصهيوني، والتحالفات اللازمة، والخطاب المناسب فكان العبور معقدا وصعبا جعل التيارات الإسلامية في حالة مراوحة مزمنة.
أما الاتجاه الرابع فهو الاتجاه الذي أراد له الله أن ينشأ ويتطور بعيدا عن الصراع الديني والسياسي الحاد في العالم العربي والإسلامي، ويتمركز في الفضاءات الفلسفية والفكرية. وقد ساهم هذا في توازنه ومرونته وثباته عبر عقود من الزمن، ليطفو إلى السطح في الفترات الأخيرة كأنسب منهج لتحديات العبور الحضاري نحو دوائر القيادة والتأثير، وكأن العالم العربي والإسلامي يكتشف مالك بن نبي من جديد.
لقد بين مالك بن نبي بأن الحضارة منتج إنساني يتأتى بالجد والاجتهاد والعلم والتخطيط والعمل الجاد، وفق سنن غلابة لا تحابي أحدا، سواء كان مسلما أو غير مسلم. ويؤكد أن الحضارة الحق، التي تمتد في الزمن وتتمدد في المكان، هي التي يكون الدين فيها هو المعامل الجامع للمقدرات البشرية والزمنية والترابية في لحظة الانبعاث. غير أنها لا تدوم ولا تبلغ الألق إلا بسيادة العقل. فإذا انفصل العقل كلية عن هداية الوحي، تغلب الغريزة فتهوي بالحضارة.
يجمع ابن نبي بهذا الفكر بين مادية بن خلدون، التي لا تعتبر الدين سوى عامل مساعد على الاستقرار وزيادة القوة، وروحانية سيد قطب التي أسهمت، من خلال ربطه الحضارة بالإسلام، في ترسيخ الاعتزاز بالفكرة في مواجهة الاستبداد مما ساعد على ثبات حركة الإصلاح في فترة المحنة.
غير أن النهج الأقرب إلى مالك بن نبي هو النهج الخلدوني، فمالك هو الوريث الأكثر مصداقية لعبد الرحمن بن خلدون، لارتباطه بالدراسات التي تتعلق بمقتضيات الحكم والشأن العام في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلاقات الدولية. كما يظهر القرب بينهما في محاولتهما التقرب من الحكام للتمكين لأفكارهما، بالنسبة لعبد الرحمن بن خلدون في الأندلس ودول المغرب العربي ومصر والشام وآسيا الوسطى، وبالنسبة لمالك بن نبي في الجزائر ومصر والسعودية والشام. ومن غرائب الأقدار أن كليهما تعرّض للتجاهل في بلده في المغرب العربي، وأخفق في تجارب الاقتراب السياسي، ثم اكتُشف في فضاءات أخرى بعيدة عن دياره بعد فترات طويلة من الزمن. فقد استفادت آسيا الوسطى وتركيا وأوروبا من أفكار ابن خلدون، بينما استفادت تركيا وماليزيا وإيران من أفكار مالك بن نبي.
وفي الفترة الأخيرة وجدت أفكار بن نبي طريقها لمعالجة كثير من السلبيات في صفوف الحركات الإصلاحية، بعد أن اصطدمت نفسية الاستعلاء بالإيمان في زمن المحنة، بالابتلاء بتحديات الحياة السياسية وتعقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدولية، وحين جدت نفسها وجها لوجه أمام مقتضيات تربوية ونفسية وإدارية وتنظيمية وقيادية وعلائقية جديدة لم تتدرب عليها.
لم تنتبه الحركات الإسلامية، في عمومها، إلى أن مالك نبي درس هذه المقتضيات منذ عقود من الزمن في كتبه العديدة، منها “شروط النهضة”، “ميلاد مجتمع”، “المسلم في عالم الاقتصاد”، “مشكلة الثقافة”، “من أجل التغيير”، “الإسلام والديمقراطية”، “فكرة كومنولث إسلامي”، “الفكرة الآفروآسوية”، “إنتاج المستشرقين”، “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” وغيرها.
إنّه لا يمكن اعتبار الإنجازات العلمية والفكرية لابن خلدون ومالك بن نبي، أو لأيٍّ من المفكرين، أجوبةً جاهزة تصلح ترياقًا كاملاً لمشكلات المسلمين، غير أنّهما يقدّمان منهجين يهديان إلى المسارات العامة لمعرفة الوجهة الصحيحة، وتحديد الشروط الأساسية لتحقيق الاستنهاض الحضاري، والتنبه للمعيقات الجوهرية المانعة للنهضة.
ومن النواقص التي ينبغي استدراكها عند كلٍّ من ابن خلدون ومالك بن نبي غياب المشروع الاجتماعي العملي الذي يوعي المجتمع ويُجنّد طاقاته، إضافةً إلى غياب النهج السياسي الفاعل الذي يجسّد الفكرة في الدولة. ويمكن أن نجد عند بعض المفكرين المعتدلين ملاحظات وجيهة في نقد أفكار الرجلين، مثل المفكر محمد عابد الجابري ـ رغم ميولاته الحداثية ـ وخاصةً في حديثه عن أهمية الشأن السياسي ومعضلة الاستبداد.
كما يمكن القول إنّ الحركات الإسلامية ساعدها فكرها الاقتحامي على بلورة منظومات واقعية اجتماعية متطورة، لم تكن موجودة عند مالك بن نبي، الأمر الذي مكّنها من التحول إلى قوة تأثير كبيرة داخل المجتمع. غير أنّ عدم اهتمامها بتطوير الأفكار الحضارية والمعارف الضرورية لتسيير الشأن العام ـ وهي المجالات التي فتح بابها مالك بن نبي ـ وعدم قدرتها على وضع منهج سياسي لإدارة الصراع يحفظها من الصدام القاتل مع الاستبداد أو الاندماج المفرِط في منظومته، جعلها تراوح مكانها مدةً طويلة، وقد يُنسيها ذلك فكرة التغيير والإصلاح والاستنهاض الحضاري، سواء بسبب اليأس أو بسبب الانغماس في المتاح السياسي المسموم.
إن الواجب اليوم هو الاستفادة من أفكار ومساهمات العلماء والمفكرين المسلمين وأخذ ما يفيد في أفكار غير المسلمين في فهم قضايا الحضارة، وتقييمها تقييما موضوعيا ضمن دائرة الإسلام، وعلى ضوء القراءة الصحيحة للواقع بالأدوات العصرية اللازمة، وبلورة المحصلات وتجديد المفاهيم، بما يُنتج التصورات المتجددة للحضارة من الناحية النظرية، والطرائق العملية لتحقيق الاستنهاض الحضاري.
وأمّا ـ أخيرًا ـ عن “الاتجاه الحداثي“ في مفهوم الحضارة، فقد مثّل التيار الأكثر تشدّدًا في الساحة الفكرية ضدالاتجاه الإسلامي الثاني بزعامة سيّد قطب ومن سار على نهجه. بل امتدّ نقد التيار الحداثي إلى أطروحات ابن خلدون، رائد الاتجاه الأوّل وأيقونة فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع عند الغربيين أنفسهم، وذلك بسبب تمسّكه بالمرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع.
ويصفه أركون ـ رغم إقراره بعبقريّته ـ بأنه لم يتحرر من “اللغة اللاهوتية“ ومن “التصورات القدريّة“ التي تفسّر التاريخ بسننٍ شبه غيبية. كما وجّه نقدا شديدا لأطروحات مالك بن نبي، معتبرا مقاربته حول “الفكرة الدينية” استعادةً لخطاب لاهوتي مغلق“، وأن أيّ ادعاء بأفضلية حضارية ذات أساس ديني هو طرحٌ“لا تاريخي“. ويرى أركون أنه ينبغي تحليل الإسلام بما هو “تراث تاريخي“ لا بما هو “مركز حضاري مُقدَّس“.
إنّ أصحاب هذا الاتجاه قد انخرطوا كليًا في المنظومة الفكرية الغربية، وتبنّوا مناهج المستشرقين المشوِّهة للإسلام، واشتغلوا ضمن مشاريع مرتبطة بمراكز مسيحية وعلمانية معادية للمنظومة الإسلامية. وحجتهم بضرورة “مراجعة التراث” حجة ساقطة، لأن هذه المهمة قد تصدّى لها علماء كبار من داخل الإسلام ذاته، مثل الشيخ محمد الغزالي، والشيخ القرضاوي، ومحمد عمارة، وطه جابر العلواني، وغيرهم، ممن دعوا إلى تجديد المعارف الإسلامية بالأدوات الإسلامية، وبالاستعانة بالمناهج العصرية دون المساس بالنصوص قطعية الثبوت والدلالة، ولا بالمقاصد الشرعية الكبرى.
ورغم الدعم اللامحدود الذي يستفيد منه هذا التيار من المؤسسات الغربية وبعض الدول العربية ـ خصوصًا في دولة الإمارات ـ إلّا أنه لم يستطع أن يجد له مصداقية حقيقية داخل العالم الإسلامي.
بعد متابعة أهم الأفكار التي يشتمل عليها الفكر الإسلامي في موضوع الحضارة سنقوم بتطوير أول للتعريف الأول الذي وضعناه في مقدمة الفصل، وسنتابع تطوير النص مرة ثانية بعد نهاية الفصل الثاني المتعلق بالحضارة في الفكر الغربي، ثم نعرض المساهمة للنقاش والحوار، والنص الجديد هو كالآتي:
“يتحقق الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة تتشكل في عقل رجل مؤسس، قد يكون مفكرا أو مربيا أو قائدا أو صاحب رؤية نافذة يستشرف بها أحوال مجتمعه وما يمكن أن يصير إليه،. وتكون الفكرة نابعة من هدي القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. يحمل المؤسس الفكرة في قلبه قبل لسانه، ثم يعرضها على من حوله من أصحاب الثقة والقرابة والاهتمام، فيقتنع بها نفر قليل، فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته. ومع مرور الوقت يتكوّن بينهم نوع من التجانس الفكري والروحي، إذ يجتمعون على مقصد واحد ويشاركون صاحب الفكرة همَّه ومشروعه، فتتشكل النواة الأولى التي تحمل بذرة التغيير، ويمكن أن تكون عصبة مؤسسة تجتمع على فكرة التأسيس منذ النشأة الأولى.
ومع اتساع الدائرة يبدأ هؤلاء الأشخاص في نشر الفكرة في المجتمع، كلٌّ بحسب طاقته ومجال تأثيره. فيدعون إليها في المساجد والنوادي والبيوت والمنتديات، ويشرحون معانيها ويُظهرون حاجة الأمة إليها. ومع زيادة التفاعل تظهر الحاجة إلى أشكال تنظيمية تحفظ الجهد وتضبط المسار، فتتأسس الجمعيات والروابط والهيئات والمراكز المعرفية والثقافية، وتظهر معها أدوات للعمل العام تساعد على تعميق أثر الفكرة في المجتمع وترسيخ بنيتها الأولى. وتتحول الفكرة من مجرد رأي إلى “شبكة تأثير” تمتد في مختلف الاتجاهات عبر مؤسسات متعددة المستويات، تتوفر لها موارد مادية وبشرية وزمنية مناسبة.
ومع مرور الزمن تتغلغل الفكرة في الشرائح الاجتماعية المختلفة، فتصل إلى النخب العلمية والثقافية، وإلى شرائح الشباب والطلاب، و العمال والمهنيين وأصحاب الحرف، حتى تصبح حديث الناس في بعض البيئات. وحين تترسخ الفكرة في الوعي العام تبدأ في إنتاج خطابها ولغتها وطرقها الخاصة في التأثير، وتتكون حولها ثقافة عامة تعكس رؤيتها للعالم. وفي هذه المرحلة يصبح للفكرة مناصرون، بل قد تظهر لها شريحة من الأتباع داخل مؤسسات الدولة نفسها، في مواقع متفرقة وإن كانت غير مؤثرة في البداية، لكنها مؤشر على أن الفكرة بدأت تنتقل من هامش المجتمع إلى مراكزه.
حين تبلغ الفكرة هذا المستوى تبدأ في تجاوز حدود الأشخاص الذين نشروها، والتنظيمات التي حملتها، لأن الأفكار الكبرى بطبيعتها تتجاوز حدود منشئيها، فتصبح هي التي تقودهم لا هم الذين يقودونها. وفي هذه اللحظة التاريخية ينتقل المشروع من “مرحلة الدعوة” إلى “مرحلة التأطير الاجتماعي”، ثم إلى “مرحلة التأثير السياسي”. ويتهيأ رجال الفكرة للانتقال من المجتمع إلى الدولة، عبر الطرق القانونية السلسة حين تتوفر،أو من خلال التحالفات أو عبر القوة الاجتماعية والثورات الشعبية، أو عبر لحظات التحول التاريخي الكبرى التي تفتح أبوابا للتغيير، قد لا تكون متوقعة، من داخل الدولة ذاتها أو من خارجها، تحكمها قواعد سننية غلابة، تحمل من تجدهم في المكان المناسب، فيحصل تمكن الفكرة في الدولة.
فإن كانت الفكرة صحيحة، منسجمة مع سنن الاجتماع البشري، وكان رجالها ذوي كفاءة وقوة وعلم وبصيرة، تستقر في مؤسسات الدولة وتبدأ مرحلة ترشيد البناء السياسي والإداري. ويطول أمد الفكرة في الحكم بقدر قوة رجالها ومتانة مؤسساتها وصفاء مقصدها. ولا خوف على الفكرة في الدولة عندئذ إذ تمركزها في المجتمع ينشئ حواضن اجتماعية واسعة ومستقرة مرتبطة بها، فيتحقق التداول على السلطة في إطارها، وضمن الرضا الشعبي وحرية الاختيار. ومع استقرار الفكرة في الدولة يبدأ التغيير العميق في بنية المجتمع، فتتحول الفكرة إلى مشروع نهضوي شامل يشمل الاقتصاد والتعليم والصناعة والإدارة والفنون والقيم والآداب والشوكة والقوة العسكرية والتأثير والمكانة الدولية.
وفي هذه المرحلة تتحول الدولة الناهضة من مجرد سلطة إلى “آلة حضارية” تنتج المعنى والمهارة والقوة. فتنهض الصناعات، وتنتظم السياسات، ويستقر القانون، وتنشأ أساليب جديدة في التفكير والعمل، وتظهر منظومات قيم تسند حركة الإنتاج، ويبدأ المجتمع في إعادة تعريف ذاته وهويته ودوره في التاريخ. ومع الزمن تتراكم منتجات النهضة، وتبلغ مستوى عاليا من الجودة والوفرة والدقة والرقي، فيبدأ العالم في الالتفات إليها.
وتطلب الأمم الأخرى هذه المنتجات، ثم تحرص على اقتنائها، ثم تتجاوز ذلك إلى محاكاة طرق إنتاجها وفلسفتها. وقد يمتد التأثير إلى اللغة والأزياء والفنون والعلوم والمؤسسات التعليمية. ومع هذا الامتداد تتجاوز الفكرة حدودها الإقليمية وتتحول إلى “نموذج حضاري” قادر على الإلهام والتوجيه. وهكذا تنتقل النهضة من حدود مجتمعٍ ما إلى رحابة الإنسانية، فتصل إلى مستوى الحضارة العالمية، وتصبح إحدى القوى الثقافية التي تعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم.
وفي هذه اللحظة تبلغ الفكرة ذروة مسارها التاريخي، فتتحول من فكرة في عقل رجل واحد إلى حضارة تؤثر في ملايين البشر، وتتجاوز حدود الجغرافيا واللغة والعرق. وتصبح جزءا من التراث الإنساني المشترك.”
[1] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص 338
[2] علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص 94.
[3] ـ المقدمة، مرجع سابق، ص 313
[4] ـ المقدمة، مرجع سابق، ص 314.
[5] راشد الغنوشي، “بين سيد قطب ومالك بن نبي”، مقال في موقع الجزيرة، يوم 1\02\2010
[6] سيد قطب، معالم في الطريق، مرجع سابق، ص 107.
[7] سورة آل عمران، الآية 140.
[8] مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص 49.
[9] ـ انظر: امبارك حامدي، التراث وإشكالية القطيعة في الفكر الحداثي المغربي: بحث في مواقف الجابري وأركون والعلوي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2017.
[10] عبد الله العروي، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997، ص 11.
[11]ـ مرايا الأمراء هي نصائح وتوجيهات كتبها حكماء لأمراء وملوك زمانهم في كيفية المحافظة على حكمهم وتسيير شؤون رعيتهم، وعن الأخلاق الجديرة بالقيادة والسلوك اللائق بالسادة وحيل الغلبة في مواجهة ملوك وأمراء الدول الأخرى، وتسمى في التراث الإسلامي “آدام الملوك” أو “الأحكام السلطانية”، ومنها كتاب “سير الملوك” لنظام الملك مؤسس المدارس النظامية ووزير السلاجقة، وكتاب “الأدب الصغير والأدب الكبير” لابن المقفع، وكتاب “بداية السلك في طبائع الملك” لابن الأزرق وغيرها، ويوجد في الحضارات الأخرى ما يقابلها، وتسمى في القواميس الغربية (Speculaprincipum)
[12] سورة الحجر، الآية 9.
[13] ـ انظر صحيح مسلم الحديث رقم 2897
[14]ـ مقال كتبه في مجلة “الثورة الفرنسية” التي كانت تصدر في الجزائر باللغة الفرنسية، بتاريخ 16 نوفمبر 1965، ص 40
[15]ـ انظر شهادة رابح مشهود في الموضوع: https://www.youtube.com/watch?v=KQii4rzRuVg
[16] ـ زار جمال عبد الناصر، واقترب من بن بلة، وتحدث مع بومدين، فلم يجد في هؤلاء جميعا ما يفسح له المجال للمساهمة الجادة والفاعلة، والتي توازي مكانته، لتحقيق النهضة التي كان ينشدها.
[17] سورة الاسراء، الآية 16.
الحضارة عند مفكرين آخرين من العالم الإسلامي (علي عزت بيغوفتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، عبد المجيد النار، محمد عابد الجابري، محمد أركون)
بعد شيء من الاستفاضة في الحديث عن أفكار عبد الرحمن ابن خلدون ومالك ابن نبي في مسألة الحضارة كشخصيتين هما الأبرز في تناول شروط صعود وأفول الأمم والحضارات من بين العلماء المسلمين، نتطرق، باقتضاب قد يكون مخلا ولكن يعطي صورة عامة، عن مساهمات عدد من المفكرين المسلمين الآخرين الذين تركوا أثرا في الساحة العلمية والفكرية في ذات الموضوع، وقد حاولنا تنويع الاختيار من عدة اتجاهات فكرية، فنقوم بعرض أهم أفكار هؤلاء بعد ما استفدناه من مساهمات ابن خلدون وابن نبي، ثم نحاول تحليل مساهماتهم جميعا وبناء تصنيف جديد للمدارس الفكرية الإسلامية في سؤال الحضارة.
يرى علي عزت بيغوفيتش أن الحضارة هي ثمرة التفاعل بين الروح والمادة، وأنها لا يمكن أن تزدهر إلا حين يتحقق الانسجام بين الإيمان والعقل، وبين العلم والأخلاق. ففي كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب“، يفرّق بين الثقافة والحضارة: فالثقافة عنده تعبّر عن الحياة الداخلية للإنسان — أي عن القيم، والمعتقدات، والإبداع الفني — بينما تعبّر الحضارة عن الجانب الخارجي، أي العلم والتنظيم والتقنية، فيقول: “الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي”. الثقافة معناها “الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا”، أما الحضارة فتعني “فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة”، الثقافة هي “الخلق المستمر للذات”، أما الحضارة، فهي “التغيير المستمر للعالم”[1].
لكن الإسلام، في رأيه، يوحّد بين هذين البعدين، فلا يفصل بين الدين والدنيا، ولا بين الإنسان والعالم، بل يجمع بين التقدم المادي والسمو الأخلاقي في منظومة واحدة. ولذلك يرى بيغوفيتش أن الحضارة المادية الخالية من الروح تتحول إلى عبودية جديدة للآلة، وأن الإسلام هو الطريق إلى حضارة إنسانية متوازنة تُعيد للإنسان مكانته وكرامته.
يرى المودودي أن الحضارة الإسلامية هي الإسلام ذاته فيقول أن ” هذه الحضارة جامعة بين الدنيا والدين، ولا يجوز أن يعبر عنها بكلمة الدين، حسب مفهومه الضيق. وإنما هي نظام متكامل يشمل كل ما للإنسـان من أفـكار وآراء وأعمـال وأخلاق، في حياته الفردية أو العائلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. وهي مجموعة المناهج والقوانين التي قررها الله سبحانه وتعالى لكل هذه الشؤون والشعب والمناهج المختلفة لحيـاة الإنسـان، فهي المعبر عنها بكلمة دين الإسـلام أو الحضارة الإسلامية”[2]
ويقدم المودودي دراسة بديعة عن التداول الحضاري في كتابه “نحن والحضارة الغربية”، ومما يقوله (باختصار وتصرف): لشدة ما تندهش العقول لما ترى من هذا الرقي العجيب الذي حازته أمم الغرب في ميادين السياسة والتجارة والصناعة والحرف والعلوم والفنون ليخيل إليها ان رقي هذه الأمم الغربية أبدي سرمدي، وأنه قد اختصت ـ دون غيرها ـ بالحكم على البسيط الأرضي … مثل هذا الظن قد غلب العقول في كل زمان بالنسبة إلى كل تلك الأمم التي كانت ” الأمة الغالبة” في زمانها. ففراعنة مصر، وأمتا عاد وثمود في العرب، والكلدانيون في العراق، وأكاسرة فارس، والغزاة اليونان العالميون، وملوك الروم الحاكمون، على أقطار الأرض، والمجاهدون المسلمون الفاتحون للعالم، والجنود التتر المضرمون للبلاد، كل أولئك قد مثل دور القوة والسيادة على مسرح هذه البسيطة… ولكنه لما جاء أجلُها عثرت عثرة لم ير لأكثرها وجود بعدها.. فكل كون يتبعه فساد، وكل بناء يصحبه خراب، وكل ربيع يتلوه خريف، وكل صعود بعده هبوط، وهكذا على العكس”[3].
يرى سيد قطب أن المجتمع يكون متحضرا “حين تكون إنسانية الإنسان هي القيمة العليا في المجتمع، وحين تكون الخصائص الإنسانية فيه هي موضع التكريم والاعتبار”[4]، وأن الحضارة الحقيقية ليست في العمران المادي ولا في التقدّم التقني، بل في تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وإخضاع حياته كلها لله وحده. فالحضارة، في نظره، هي ثمرة عقيدة التوحيد حين تتحوّل إلى منهج حياة، يوجّه الفكر والعلم والسياسة والاقتصاد وفق ميزان القيم الإلهية.
في كتابه معالم في الطريق، ينتقد سيد قطب ما يسمّيه “الجاهلية الحديثة” التي تقوم على العلم بلا إيمان، والمادية بلا أخلاق، ويرى أنها حضارة منحرفة عن الفطرة لأنها تفصل بين العلم والإيمان، وبين الوسيلة والغاية. ويؤكد أن الإسلام وحده قادر على بناء حضارة متوازنة، تُوحّد بين الروح والمادة، وتمنح الإنسان معنى لوجوده وسلوكه.
فالحضارة عنده هي تسخير العلم لخدمة القيم، وإقامة العدالة على أساس التوحيد. وهي تبدأ من تحرير الضمير الإنساني قبل بناء المعامل والمصانع. لذلك يؤكد أن الإسلام لم يأتِ ليؤسس “حضارة الآلة”، بل “حضارة الإنسان”، فيقول: “حين ينهض الإنسان بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه، ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق، ويصنّع الماد الخامة، ويقيم الصناعات المتنوعة، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله، حين يصبح وهو يصنع هذا كله، “ربانيا” يقوم بالخلافة عن الله على هذا النحو ـ عبادة لله ـ يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة، فأما الإبداع المادي وحده فلا يسمى في الإسلام حضارة.”[5]
وبناء عـلى هذا “فإن المجتمع الإسلامي – وهو المجتمع الذي يطبق شريعة الله في كل جوانب الحياة – هو وحده المجتمع المتحضر. والمجتمعات الجاهلية ـ بكل صورها المتعددة ـ مجتمعات متخلفة”[6]… وحين تكون الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده ـ متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية ـ “تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررا كاملا وحقيقيا من العبودية للبشر، وتكون هذه هي الحضارة الإنسانية، لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع”[7]
لا يربط سيد قطب مستوى التحضر، بالحياة المدنية أو البدوية ـ خلافا لما ذهب إليه ابن خلدون وجل علماء الحضارةـ ويجعل معيار ذلك رقي الخصائص الإنسانية، إذ أن الإسلام يمضي في “إنشاء وتثبيت وصيانة قيمه الإنسانية، في كل المجتمعات التي يهيمن عليها، سواء كانت هذه المجتمعات في طور الزراعة، أو في طور الصناعة، وسواء كانت مجتمعات بدوية تعيش على الرعي، أو مجتمعات حضرية مستقرة، وسواء كانت هذه المجتمعات غنية أو فقيرة .. إنه يرتقي صعدا بالخصائص الإنسانية، ويحرصها من النكسة إلى الحيوانية، لأن الخط الصاعد في القيم والاعتبارات يمضي من الدرك الحيواني إلى المرتفع الإنساني، فإذا انتكس هذا الخط ـ مع حضارة المادة ـ فلن يكون ذلك حضارة ! إنما هو التخلف، أو هو الجاهلية.”[8]
يعرف علي شريعاتي الحضارة بأنها: “عبارة عن حالة روحية ودرجة معنوية وفكرية، ويمكن أن نفهم هذه الحضارة من خلال طريقة التفكير والعقيدة والثقافة ودرجة الإحساس وبعد النظر في الكون والضمير الاجتماعي ونسبة المعرفة الذاتية والإحساس بالمسؤولية والهدف وكذلك الفكرة والمعرفة السياسية للأفراد حتى لو كانت الحياة المادية والتكنولوجية في مستوى غير مطلوب”[9]
ويرى أن الحضارة معلولة لأربعة عوامل هي[10]:
فيرى أنّ الحضارة ليست مجرد بنية مادية أو تقدّمٍ تقني، بل هي ثمرة الوعي بالذات والرسالة التاريخية للإنسان. فالحضارة عنده نتاج ما يسميه “الإنسان الملتزم“، أي الإنسان الذي يدرك مسؤوليته أمام الله والناس، ويسعى إلى تحويل الإيمان إلى فعلٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ محرِّر.
يربط شريعتي بين مفهوم الحضارة ومصطلحاته الفكرية المركزية مثل[11]:
النباهة (اليقظة) : وعي الإنسان بحقيقة ذاته وتاريخه.
الاستحمار: حالة الخضوع الفكري للهيمنة الثقافية الغربية أو الدينية الجامدة.
العودة إلى الذات: استعادة الهوية الروحية والثقافية الأصيلة بعد قرونٍ من التبعية.
الاغتراب الحضاري: فقدان الإنسان لعلاقته بمعنى وجوده في ظل المادية الحديثة.
يقول شريعتي: “الحضارة هي الفوران الداخلي للروح التي تتحرر من التقليد، وتعيد صياغة العالم على ضوء التوحيد”.
ويعتبر أن الغرب قد أبدع في الكمّ وفشل في النوع، لأن علمه بلا قيم، وتقنيته بلا إنسان. أما الإسلام، فيحمل نموذج الحضارة التوحيدية التي توحّد بين العلم والإيمان، وبين العمل والعبادة، وبين الحرية والمسؤولية.
إنّ الحضارة في فكر شريعتي ليست “ماضيا مجيدا” ولا “استنساخًا للغرب”، بل حركة ثورية مستمرة تنبع من داخل الأمة لتجدد معناها ودورها في التاريخ.
يُعدُّ عبد الوهاب المسيري من أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين، اشتهر بمشروعه الفكري حول نقد الحداثة الغربية، وبموسوعته الكبرى “اليهود واليهودية والصهيونية“، إضافةً إلى تحليله العميق لمفهوم العلمانية الشاملة ورؤيته المتوازنة للحضارة الإنسانية.
يرى عبد الوهاب المسيري أن الحضارة، في جوهرها، هي رؤية الإنسان للعالم(Worldview)، أي المنظومة الكلية التي تفسّر العلاقة بين الإله، والإنسان، والطبيعة، والمجتمع. ومن هنا تنقسم الحضارات — في نظره — إلى نوعين:
يبيّن المسيري في مشروعه الفكري، خصوصًا في” كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة“، أن الحضارة الغربية الحديثة قامت على”العلمانية الشاملة“، أي فصل القيمة عن الفعل، والروح عن المادة. ولذلك فهي حضارة “كمّية” تُخضع كل شيء للمنفعة والتقنية، حتى الإنسان نفسه. بينما الحضارة الإسلامية عنده حضارة “إنسانية توحيدية” تسعى إلى تحقيق التوازن بين المطلق والنسبي، والعقل والوحي، والمادة والروح. فالحضارة الحقيقية — كما يراها — ليست في التقدّم التقني، بل في قدرة الإنسان على التزام القيم في استخدام هذا التقدّم.
يعدّ محمود شاكر أحد كبار الأدباء والمفكرين العرب الذين قدّموا رؤية لغوية وروحية للحضارة تخالف التصورات المادية السائدة، فهو يرى أن الحضارة ليست ما يُرى بالعين من عمرانٍ وفنونٍ وصناعات، بل هي “الروح الباطنة“ التي تبعث في الإنسان القدرة على البناء والإبداع. فليست الحضارة – في نظره – المظاهر الخارجية للقوة، بل “السرّ الذي يعمل في إيجاد تلك المظاهر واستنباتها“، فيؤكد أن: “الحضارة ليست هي العرض الظاهر من قوتها وبنيانها وفنونها وكل ما يقوم به نعت الحضارة، بل الحضارة هي السر الذي يعمل في إيجاد ذلك، وإخراجه على الأرض واستثماره: هي سر الحبة التي تنبت الدوحة، والذرَّة التي تقوم بها المادة.”[12]، وهو ما يسميه شاكر “العقيدة والعقل الإنساني حين يتفاعلان في وجدان الأمة”، فينتج عنهما الفكر، واللغة، والأخلاق، والإبداع. فإذا انفصلت هذه المظاهر عن أصلها الروحي، أصبحت جثثًا بلا حياة. ينقد شاكر النظرة الغربية للحضارة التي اختزلتها في التقدم المادي، ويرى أن الأمة لا تُقيم حضارة إلا حين تستعيد “روحها الأولى“ التي كوّنتها في لحظة الإيمان والوحي واللغة. لذلك، فالحضارة عنده، ليست نقلًا عن الآخرين، بل”ولادة من الذات“، تبدأ من الفكرة التي تحيي القلب قبل أن تشيّد البناء، وتنتهي بإنسانٍ يحمل رسالةً لا آلةً تنتج سلعًا.
يُعدّ الدكتور حسين مؤنس من أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، برع في الكتابة التاريخية والفكر الحضاري، فكان عالما متبحرا في التاريخ ومفكرا رصينا في الحضارة. من أبرز مؤلفاته “التاريخ والحضارة“(1983) وله مؤلفات أخرى كثيرة منها:“الحضارة الإسلامية والنهضة الأوروبية“، “المغرب والأندلس في عصر المرابطين والموحدين“،“التاريخ والمؤرخون في الحضارة العربي الإسلامية“.وهو يرى أن الحضارة هي، بشكل عام، ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء كان هذا المجهود المبذول مقصودا أو غير مقصود، وسواء كانت ثمرة هذا الجهد مادية أو معنوية. وتتكون الحضارة الإنسانية عنده بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان، لأن الاكتشافات والابتكارات لا تكمل دفعة واحدة بل تحتاج إلى تجارب متكررة حتى يتوصل الإنسان إلى ثمارها ومنافعها ويتأكد منها، وهذه المعرفة التي تتجلى لكل شيء يصنعها الإنسان مع مرور الزمن وتسمى القيمة التراكمية (Cumulative value). يرى مؤنس أن دراسة الحضارات لا تتم إلا بدراسات التاريخ الذي هو ظرف هذه الحضارة”[13] وينقد النظريات البيئية والجنسية في نشوء الحضارات، ويعدّها نظريات عنصرية، فالحضارة عنده ظاهرة إنسانية عامة[14] لكل البشر .. وإنما تختلف الأقوام والأجناس في مستواهم الحضاري.
يرى محمد عابد الجابري أن الحضارة ليست استيرادًا لمظاهر القوة ولا تقليدًا للآخرين، بل هي فعل إبداعٍ داخليٍّ ينبع من وعي الأمة بذاتها وقدرتها على تحويل تراثها إلى طاقةٍ فكريةٍ خلاقة. فالحضارة، في نظره، لا تُقاس بالمباني والآلات، بل بالبنية العقلية والثقافية التي تُنتجها الأمم حين تتفاعل قيمها مع واقعها التاريخي والاجتماعي[15]. ومن هذا المنطلق، يرفض الجابري مقولة “صراع الحضارات”، إذ يرى أن ما يشهده العالم المعاصر ليس صراعًا بين حضاراتٍ متقابلة، بل أزمة تعيشها الحضارة الغربية مع نفسها، نتيجة فقدانها التوازن بين العقل والأخلاق، وبين التقدّم المادي والإنساني[16]. ويرى أن علاج التأخر التاريخي العربي لا يكون بإهمال التراث، بل “بقراءته قراءة نقدية“ تستخلص عناصر الفاعلية من داخله[17]، لأن كل مشروعٍ حضاريٍّ حقيقيٍّ يبدأ من مساءلة الذات واستعادة الوعي بالجذور. فالأمة التي تفكر بتراثها تمتلك روحها، أما التي تنكره فتعرض نفسها للفراغ والانمحاء. لذلك يدعو الجابري إلى بناء عقلٍ عربيٍّ جديدٍ متحرّرٍ من قيود التقليد، يعتمد على العلم، دون أن يفقد هويته. كما يؤكد أن الإصلاح السياسي والديمقراطية والعقلانية هي الشروط الأساسية لأي نهضة حضارية[18]، إذ لا يمكن لعقلٍ مكبّلٍ بالاستبداد أن يبدع، ولا لمجتمعٍ محرومٍ من الحرية أن يصنع مستقبلًا. فالحضارة عند الجابري هي توازنٌ بين الأصالة والمعاصرة، بين الإيمان بالعقل والانفتاح على القيم، وهي مشروعٌ دائم لبناء الإنسان القادر على تجاوز ذاته والتاريخ معًا.
يُعدّ عبد المجيد النجار من أبرز الكتاب والمفكرين الذي تناولوا موضوع الحضارة بجدية كبيرة بما يجعل مطالعة مساهماته تغني عن قراءة كثير من الكتب في الموضوع، وأهم مؤلف كتبه هو كتاب “الشهود الحضاري للأمة الإسلامية” من ثلاث أجزاء: “فقه التحضر الإسلامي”، “عوامل التحضر الإسلامي”، “مشاريع التحضر الإسلامي”. وقد تميز الدكتور النجار بسبقة للعثور على مصطلح للحضارة من تراثنا الإسلامي هو مصطلح “الشهود” الذي جاء في قوله تعالي: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[19]﴾، وهو سبق جيد ومطلوب لو يُكتب له الرواج، حيث أن مصطلح الحضارة غير موجود في النصوص الإسلامية، ولكن كلمة حضارة مشتقة من “حضور” والشهود يقتضي الحضور. ويقول عن المصطلح: “تفيد مادة (شهد) لغويا معاني الحضور، والعلم، والبيان والتبليغ، ومن حيث النّظم تفيد معنى المناعة والعزة والنفاسة، وذلك لأنها علة الوسطية، والوسطية تتضمن هذه المعاني كما بينه المفسرون”[20] . يعتبر النجار أن التحضر لا ينشأ ولا ينمو إلا بعوامل فاعلة تؤدي، إذا اجتمعت في مجتمع ما، إلى ظهور حياة حضارية فيه، ويرجع بعض هذه العوامل إلى الإنسان نفسه، وبعضها إلى البيئة الطبيعية التي يعيش فيها. ويؤكد أن التحضر لا يحمل في الأصل معنى قيميا، بل هو وصف موضوعي، فقد يكون محققا للسعادة فيكون خيرا وصلاحا، وقد لا يكون محققا لها فلا يكون كذلك. لقد قدم النجار دراسة وافيه في الحضارة في كتابه “الشهود الحضاري”، تحدث في الجزء الأول منه عن “فقه التحضر” فتناول فيه الإطار العقائدي (الخلافية لله)، والعلاقة بالبيئة الكونية (ارتفاق الكون)، وفي الجزء الثاني عن “عوامل التحضر” فقام بتقييم الواقع الإسلامي، وركز على أهمية ترشيد الاعتقاد، وتسديد الفكر، وفي الدفع نحو النفير الحضاري فرديا وجماعيا نحو البناء، وإقامة سلطان الإنجاز للتنفيذ الفعلي للرؤى الإصلاحية الدافعة للتحضر، وفي الجزء الثالث تناول “مشاريع التحضر ” التي قامت في الأمة وتحديد مواقع قوتها وضعفها على ضوء فقه التحضر وعوامله.
[1] ـ علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة إسماعيل علي المقدّم (القاهرة: دار الشروق، 1994)، صـ 87–91.
[2]ـ أبو الأعلى المودودي، الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها، ترجمة محمد عاصم الحداد، الدار العربية، بيروت، 1970، ص 228 (نقلا عن موقع إسلام ويب).
[3] أبو الأعلى المودودي، نحن والحضارة الغربية، دار الفكر، دمشق، د. ت، 1960، ص 61.
[4][4] سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، 1979،
[5] المرجع نفسه، ص 115.
[6] المرجع نفسه، ص 106.
[7] المرجع نفسه، ص 108.
[8] المرجع نفسه، ص 112.
[9] علي شريعاتي، تاريخ الحضارة، ترجمة حسين نصيري، دار الأمير، بيروت، 2006، ص 94.
[10] نفس المرجع، ص 29.
[11] خالد فوزي يعقوب المحاسنة، التجديد الحضاري من منظور إسلامي: دراسة في فكر علي شريعاتي، مجلة البحوث الإسلامية، (Vol 31, N°2)، 2023، ص 59.
[12] ـ مجلة الرسالة، العدد 366، بتاريخ 8/7/1940م.
[13] حسين مؤنس، الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة، الكويت، 1970، ص 13
[14] المرجع نفسه، ص 44
[15] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، 1984، ص. 14–18.
[16] محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995، ص. 43–45.
[17] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991، ص. 26–31.
[18] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص. 22–25
[19] سورة البقرة ـ الآية 143
[20] عبد المجيد النجار، الشهود الحضاري الإسلامي (ج1: فقه التحضر الإسلامي)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1999، ص 10
contact@abderrazakmakri.com