الابتهاج الكبير الذي عبر عنه تيار واسع من الجزائريين على إثر إطلاق سراح د. بلغيث يدل أننا نعيش حالة احتقان وأننا في حاجة إلى مبادرات مماثلة تساهم في الانفراج السياسي، خصوصا في ظل الظروف الاجتماعية الصعبة وبالنظر للأوضاع الخارجية التي تهدد البلد.
إن الحديث بين الجزائريين كثير بخصوص المحبوسين ظلما أو تعسفا، وعن الذين عوقبوا بمحكوميات قاسية لا تتناسب مع مستوى وطبيعة مخالفاتهم، وعن الحالات الإنسانية في السجون.
ومن هؤلاء سجناء الرأي الذين لم يتسع صدر المسؤولين لتحمل آرائهم الصريحة التي عبروا عنها بكل شجاعة داخل بلدهم، وسجناء الحراك الشعبي المبارك الذين واصلوا كفاحهم من أجل تحقيق باقي أهداف الحراك فبات يُنظر إليهم كتهديد دائم على النظام العام، وسجناء منشورات الوسائط الاجتماعية، خصوصا الشباب الذين أرادوا الاهتمام بالشأن العام كوسيلة عملية لبناء حياة سياسية حقيقية تصحح فيها الأخطاء بالنصيحة والتكوين وليس بالعقوبة القاسية، وحتى سجناء تهم المضاربة الذين حكم على كثير منهم بأحكام قاسية وطويلة جدا لا تتناسب البتة مع الخطأ الذي اقترفوه، ومنهم من وقع ضحية صدفة غير مناسبة أو سوء فهم، ومنهم شرفاء دمرت حياتهم بسبب سلع قيمتها زهيدة جدا، ومنهم كذلك سجناء التسعينيات الذين هرموا في السجون وفنيت أجسادهم وهم أحياء ولا يضر أن يكملوا حياتهم بين أهليهم، لا سيما أن أحكام بعضهم تطلبت مراجعات لم تحدث وفق ما أخبرني به بعض المحامين.
إننا في حاجة إلى خطوات أساسية تنزل الرحمة في بلادنا ونعالج بها أوضاعنا منها:
أولا : إطلاق سراح السجناء من الأصناف المذكورة أعلاه [الذين لم نذكر أسماءهم حتى لا ننسى بعضهم] والتوجه نحو مصالحة وطنية شاملة وتدشين حوار وطني جاد لوضع قواعد العمل السياسي الشريف والنزيه الذي يكون في خدمة البلد والصالح العام.
ثانيا – إقامة العدل وبناء الثقة بين الشعب والمؤسسة القضائية، وإعمال قواعد المصداقية في القضاء والرحمة في المقاضاة ومنها قاعدة “استقلالية القضاء”، وقاعدة “قرينة البراءة”، وقاعدة “الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة”، وقاعدة “ادفعوا الحدود بالشبهات”، وقاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”، وقاعدة “عدم القسوة”، وقاعدة “المساواة أمام القانون”، وقاعدة “الحياد والنزاهة”، وقاعدة “الظروف المخففة”، وقاعدة ” السرعة في التقاضي”، وقاعدة “العلنية والوجاهة”، وقاعدة “السيرة الجليلة للمتهم” وغير ذلك .. وكذا عدم التعسف في حبس الناس احتياطيا .
ثالثا – توفير الحريات واعتبار أن التدافع السياسي سبب رئيسي لمنع الظلم والفساد، وأن عدم الضيق بالنقد – ولو كان خاطئا- والعفو عند المقدرة من دلائل قوة النظام السياسي.
رابعا – الانتباه بأن معاقبة السياسين وأصحاب الآراء وجعلهم في نفس مكانة المجرمين والفاسدين وتجار المخدرات – وربما أقل شأنا من ذلك – طريق مؤكد لتدمير المجتمع وكسر سلم القيم لدى المواطنين.
خامسا – تشجيع الكسب الحلال والمساواة في الفرص وتحسين بيئة الأعمال ونشر الثقة في السوق والطمأنينة لدى المتعاملين الاقتصاديين وضمان ظروف التطور الفعلي واللامحدود للقطاع الخاص كطرف أساسي لنهضة البلد ولتحسين ظروف معيشة المواطنين.
سادسا – تحرير المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية من التبعية للسلطة الحاكمة وللأحزاب السياسية ومن سطوة المال السياسي، واعتماد نظام الأوقاف المستقلة التي لا تخضع إلا للقانون والمحمية به، وتحرير المبادرة لمساهمة القوى المجتمعية التطوعية في التنمية الثقافية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي.
سابعا – تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد المخاطر الحقيقية التي تهدد البلد ومنها: الفساد واستغلال السلطة في مختلف المستويات/ تجارة المخدرات والزحف الرهيب لأخطر أصنافها الى بلادنا/ الجهوية والمحسوبية وخطاب الكراهية/ دعاة تفتيت الوحدة الوطنية/ التحرشات الخارجية والتآمر الغربي الصهيوني وحلفاؤه من عالمنا العربي والإسلامي.
د. عبد الرزاق مقري.
لم يكن لذلك الخائن الذي باع وطنه وتنكر لقومه أن يرفع صوته لو لا الرعاية الفرنسية والاحتضان الصهيوني، وما كان له أن ينحرف كل هذا الانحراف لو لا خلفيته الثقافية المعادية لمكونات الهوية الوطنية، تلك المكونات التي وحدت الشعب الجزائري قرونا من الزمن ومكنته من الصمود ضد الاحتلال الفرنسي وكل مخططات التمزيق.
إن التنديد بخيانة الشخص الخائن ومن معه لا تكفي لحفظ البلد منه، فما هو إلا أداة من أدوات الاستعمار ومكائد الصهيونية، وهو يعلن عن خيانته ولا يهمه التنديد به وبفعله،
لهذا لا بد من الاحتياط لمكائد أكبر يحيكها من يحركه، فما الخطوة المفلسة التي أعلن عنها إلا الجزء العلني من المخطط. إن الذين يستعملونه
سيدفعون إلى إضعاف متدرج للجزائر، دولة ومجتمعا، ليصبح ما لا يُتصور إنجازه ممكنا.
والخطة المعاكسة ينبغي أن تكون على المحاور التالية:
– الصرامة في ملاحقة رأس الفتنة ومن معه والضغط الشديد على فرنسا لتسليمه من خلال الاتصالات الثنائية أو عبر الإنتربول، والاستعانة بوساطة دول أخرى .
– الصرامة في الموقف من الدولة التي تأويه وتحميه وتموله، ومعاقبتها اقتصاديا وثقافيا والوقوف في وجه من يخدم مصالحها في بلادنا.
– الحذر من الاختراق الصهيوني عبر أمثال هؤلاء من المتخفين واتخاذ الخطوات الاستباقية في مواجهة التمدد الصهيوني.
– تثمين المواقف الوطنية التي صرّح بها أبناء الجزائر في منطقة القبائل من الشخصيات والأحزاب والمنظمات ضد الخيانة المعلن عنها من باريس
– العمل على تقوية البلد اقتصاديا وعلميا وعسكريا لتيئيس أصحاب المخططات التي تهدد الوحدة الوطنية.
– ترقية مكونات الهوية الوطنية وإعلاء معاني الأخوة الإسلامية الجامعة لكل المذاهب والأعراق في البلاد.
– ترسيخ معاني المواطنة الحافظة للوطنية، وتمسك الجزائريين ببلدهم مهما كانت الصعوبات، وذلك بنشر العدل وصيانة الكرامة وتوفير الحريات والمساواة في الفرص ومنع الظلم والامتيازات المحصلة بالفساد واستغلال السلطة في كل المستويات.
د.عبد الرزاق مقري
لقد انتصرت الجزائر بعد ثبات دام 130 سنة من الاحتلال الفرنسي الغاشم خاضت فيه مقاومة شعبية مسلحة بطولية لمدة سبعة عقود تقريبا، ومقاومة ثقافية وسياسية واجتماعية لأكثر من خمسة عقود، وحربا تحريرية نهائية مظفرة لأكثر من سبع سنين. وكان انتصارها حاسما بتحرير الأرض والسيادة والهوية. وبعد خروج الاحتلال من أراضينا بقي هذا الأخير يواصل حربه ضدنا في موضوع السيادة والهوية.
والغريب في الأمر أن الذين يباشرون استمرار معركة السيادة والهوية بعد خروج الاستعمار من الأرض ليست دولة الاحتلال فحسب، بل معها طابور من بني جلدتنا، وكأن أولئك الذين صوتوا في الاستفتاء ضد استقلال بلادهم عام 1962 قد فرّخوا، وبعد أن كانوا لا يظهرون وجوههم تراهم اليوم يجاهرون بأنفسهم وبمواقفهم.
ومن مظاهر استمرار معركة الهوية النقاش الغريب الذي ظهر هذه السنة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960 حول شعارات ” الجزائر الفرنسية”، “الجزائر الجزائرية”، “الجزائر المسلمة”.
من المفروض أن هذا النقاش قد انتهى مع خروج الاستعمار، وأننا معتزون باستقلال أرضنا، وبسيادتنا في بلدنا على قرارنا وثرواتنا، وبهويتنا وكينونتنا، وأننا منشغلون بالبناء والتشييد والتطوير. ولكن للأسف الشديد لم يقبل الخاسرون في معركة التحرير هزيمتهم، ولا يريدوننا أن ننشغل بنهضة وطننا فيرجعوننا إلى الصراع حول ملفات حسمت بصمود الشعب وفرقعة البارود.
لا أدري هل يعتمدون على نسيان الأجيال وانشغال الحزائريين بحياتهم اليومية وضغوطات الواقع ليخلقوا سردية جديدة منافية لوقائع التاريخ، ام أنهم استأنسوا في أنفسهم قوة [وهمية] جعلتهم يتجرأون على ذلك. من من الجزائريين لا يعرف بأن عبارة “الجزائر الجزائرية” هي عبارة أطلقها ديغول في مواجهة عبارة ” الجزائر المسلمة” التي كان يتمسك بها الجزائريون في وجه مخططاته وفي كفاحهم من أجل الاستقلال من جهة، وفي مواجهة “الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمرون وضباط الجيش الفرنسي في الجزائر لعدم الاعتراف بالهزيمة وضد توجه ديغول للمفاوضات مع جبهة التحرير من جهة أخرى.
لقد اختلق ديغول شعار “الجزائر الجزائرية” لسببين رئيسين، أما السبب الأول هو أنه لم يكن يريد أن تكون للجزائر هوية، حتى يسهل إلحاقها لاحقا ضمن الدائرة الاستعمارية بعد الاستقلال، لأنه حين يُسأل الجزائريون عن هويتهم سيقولون مباشرة: “نحن مسلمون”. وديغول مثله مثل القيادات الاستعمارية منذ بداية الاحتلال يعتقد بأن الإسلام هو وحده الذي منع من إدماج الجزائريين أو مسخ هويتهم، كما حدث لكثير من الشعوب المستعمرة في الأمريكيتين وفي أفريقيا. والسبب الثاني أنه كان يريد أن يبقى الأوربيون، الذين كان يبلغ تعدادهم قرابة المليون، في الجزائر بعد الاستقلال ليضمنوا استمرار المصالح والهوية الفرنسية، ولكي لا يلتحقوا بفرنسا بحقدهم الشديد عليه بسبب هزيمته ورضوخه لإرادة الجزائريين في الاستقلال . وبما أن الأوربيين في الجزائر كانوا يسمون الجزائريين “مسلمو الجزائر” (les musulmans d’Algérie)، فإن الجامع بين الأوربيين المسيحيين والجزائريين المسلمين الذي يشجع الأوربيين على البقاء في الجزائر هو أن تكون “الجزائر الجزائرية”. غير أن الشعب الجزائري لم يقبل شعار ديغول ومخططه فرفع في مظاهرات 11 ديسمبر شعار ” الجزائر المسلمة”.
علاوة على أنه لا يوجد في العالم بلد يعرّف نفسه بتكرار اسمه، وإنما يضاف إلى الاسم صفة ترمز إلى الهوية أو الجغرافيا فلم نسمع مثلا تعريفا على شاكلة “امريكا الأمريكية” أو “فرنسا الفرنسية”، أو “ألمانيا الألمانية” أو “الصين الصينية” أو ” روسيا الروسية” وإنما يضاف تعريف للاسم فيقال مثلا ” فرنسا الأوربية” ، أو يقال “الصين الكونفوشيوسية” أو “روسيا السلافية” أو ” الارثذكسية” أو “الدول الغربية المسيحية-اليهودية”، وهو التوجه الذي يريد الكيان فرضه من خلال شعار ” إسرائيل الي@ودية”، وهذه التصنيفات مشهورة في الكتب المتخصصة في الجيوبوليتيك أو الدراسات الحضارية.
وحين نتحدث عن الجزائر ، فلو قلنا “الجزائر الجزائرية” لا نكون قد عرفناها، بل نكون قد عزلناها جغرافيا وحضاريا ومصلحيا. ولكن حين نقول “الجزائر المسلمة” فقد أفهمنا من يسمعنا من هي الجزائر، فهي بلد ينتمي للعالم الإسلامي والحضارة الإسلامية، والأغلبية الساحقة لشعبها مسلمون.
وعليه يجب أن ننتبه، بأنه حينما لا يستطيع أذناب الاستعمار أن يقولوا ” الجزائر الفرنسية” أو “الجزائر الأوربية” بسبب أنهم سيفضحون أنفسهم عندئذ، ولأن الفرنسيين والأوربيين يحتقرونهم ولا يقبلونهم ضمن هويتهم، فهم يحاولون أن يجعلوا الجزائر بلا هوية ليسهل بعدها بيعها بثمن بخس إلى أسيادهم.
د. عبد الرزاق مقري
اعبر عن رأيي السياسي حين يدعوني ضميري لذلك، لا غير، ولا يهمني إلا رضوان المولى سبحانه، ومصلحة بلدي وسلامة دولتي وخدمة أمتي، أسعى أن يكون تناولي لأي حدث بالمهنية اللازمة، واللغة المدروسة المناسبة، لا أمتهن لغة الخشب ولا أقول لكي لا أعبّر، ولا ترتعش يدي وأنا أكتب، ولا يتلعثم لساني وأنا أتكلم، ولله الحمد والمنة وحده.
لا أبحث في الحياة الشخصية للمشتغلين في الشأن العام بل أنقد السياسات والقرارات والتصرفات التي أراها تضر بلدي. حين أعارض لا أغادر بلدي، وإن خرجت منه في إطار نشاطي الدولي أو لضرورات شخصية أعود إليه مهما كانت المخاطر.
أنا راض بما منحني الله من سمعة طيبة عند الناس، وما أحاطني الله به من تقدير لخطي السياسي وتوجهي الفكري ومواقفي، ألمس ذلك بحمد الله حيثما ذهبت.
وفي المقابل ثمة من يتهجم علي ممن ليسو معروفين البتة، أو من شبكات الانتهازية والزبونية المصنوعين والمأمورين، أو الذين يودون التقرب من الحكام بضرب الشرفاء من المعارضين.
وأنا بشر أخطئ وأصيب وأقبل النصيحة والحوار، ولكن في كل الأحوال لا أبدد رصيدي لغايات صغيرة أبدا، وأنا لست “حيوانا سياسيا” لا تهمني إلا المنافسة السياسة وامتهان المعارضة من أجل المعارضة، فكثير من وقتي في التأليف ضمن مشاريع بحثية عديدة ستنشر عند نهايتها في وقتها، أو في قيادة مشاريع حضارية استراتيجية في بلدي أو خارج الوطن، وأنا في هذه الفترة ضمن برنامج في ثلاث دول ألقي المحاضرات والدروس والندوات لنشر أفكاري ومناصرة القضية وقيادة مؤسسات معتبرة بحمد الله، وسأعود إلى البلد بإذنه تعالى ضمن ذات الرسالة والرؤية.
ليتأكد الجميع، مع هذا، بأنه لا يستطيع أحد أن يمنعني من التدافع السياسي في بلدي أو أن تكون لي رؤية سياسية وطموح سياسي، أو أن يخرجني من الساحة السياسية ما لم اختر ذلك بنفسي، أو أن أؤيد هذا أو أعارض ذاك بما يمليه علي فهمي للمصلحة الشرعية وخير البلد.
أنا أناضل في بلدي من أجل مبادئي والتمكين لرؤيتي التي سميتها “الحلم الجزائري” رغم علمي بأنه لا توجد فرصة، وأن من بيدهم الأمر لهم كامل القدرة على كسر أي طموح وتحريك فواعل كثيرة لإلغاء المنافسة، وجعلها مأمونة لهم وحدهم باستعمال وسائل الدولة وبتسخير البعيدين والقريبين، فمن عبر عن رأيه المخالف من أجل المناصب والطموحات الانتخابية في الجزائر كمن يحرث في الماء، ولكن من فعل ذلك من أجل الإصلاح والتغيير فسيصلح الأمر ويتغير الوضع بأي شكل من الأشكال، بحول الله. وستتاح الفرص لأجيال بعدنا تكون من حسناتنا الجارية.
أنا لم أتغير، هكذا كنت من قبل وهكذا أنا، بل زادت قناعتي بخطي بعد تجربة عملية طويلة أكّدت بما صار قطعيا وثابتا بأن إقناع الناس بالتغيير من داخل مؤسسات الدولة لم يصبح مجديا مطلقا وحصر العملية السياسية في الانتخابات والبرلمانات لا يثمر أبدا.
لقد ساهمت بجد وإخلاص عبر مسيرتي الطويلة في الحوار والبحث عن المساحات المشتركة منذ مجموعة السبعة في وقت الشيخ محفوظ إلى مشروع الانتقال الديمقراطي ومبادرة التوافق الوطني، وبنيت شبكة علاقات مع المسؤولين في الدولة لا يعلم مداها إلا الله، فنصحت المسؤولين سرا في مختلف مؤسسات الدولة، وعبرت لهم عن آرائي بحضرتهم دون مواربة، وتحدثت علانية باللين والشدة، وصدحت بالحق، في مختلف العهد الرئاسية منذ دخلت البرلمان عام 1997 وبعد أن غادرته عام 2007 ، وتسجيلات اليوتيوب ومقالات ومنشورات الوسائط الأخرى شاهدة فلا يقولن أحد بأنه لدي حسابات مع زيد أو عمرو، فلا يعز علي أحد أمام ما أراه حقا كائنا من كان، في إطار المصداقية والمسؤولية.
لقد كنت على نهجي الذي أنا عليه منذ عهد الشيخ محفوظ رحمه الله، وقدمت له مذكرة في ذلك وقتها هي نواة مخططات البيت الحمسي وتحدي العبور، وحينما قلت في التلفزيون الجزائري وأنا أدافع عنه – أنزل الله عليه شآبيب رحمته – بأننا لن ندخل تحت البرنوس التزمت بذلك ولم أدخله أبدا، وهكذا كنت في وقت الشيخ بوجرة فلم أندمج في الرؤية الغالبة آنذاك مطلقا، وحين اقتنعت بأن بقاءنا في الحكومة مضر بالحركة وبالبلد ناضلت مع إخوة آخرين داخل المؤسسات حتى خرجنا من الحكومة، وحين قُدتُ الحركة – وقد ساهمت الظروف الخارجية في تغيير الذهنيات آنذاك – قدتها بذات الرؤية فحققنا إنجازات لا ينكرها، أو يتراجع عن الإشادة بها، إلا عليل القلب، سواء في الجانب السياسي أو الاستراتيجي أو على مستوى استقرار الحركة وتحقيق الوحدة ورجوع أعداد كبيرة من القادة والمناضلين منذ حركة الانشقاق الأولى والثانية في وقت الشيخ محفوظ إلى موجات الفتن التي جاءت بعده. وبعد خروجي من قيادة الحركة بقيت وفيا لما عشت من أجله باسمي الشخصي لا أمثل حزبا ولا هيئة ولا شخصا ولا جهة معلومة أو خفية، سوى التيار الشعبي العام الذي يجد نفسه في أفكاري ومواقفي وأجد نفسي في تطلعاته حيثما كان. فكيف أتغيّر أو أغيّر وأنا في السن الذي أنا فيه.
إن المنهج الذي سرت عليه طيلة حياتي أنتج إنجازات كبيرة في مختلف المجالات والاختصاصات، وعبر فترات عديدة، ولا يُغيَّرُ المنهج الناجح المفيد للصالح العام، إلا من غيره من أجل المصالح الشخصية .. وانا بحمد الله لا تعلق لي بأي مصلحة شخصية، فأنا حر طليق مستمر في كفاحي ونضالي على ما أنا عليه، مهما كانت الصعوبات .. سواء تحققت النتائج المنشودة أم لم تتحقق.
والله أسأله الثبات والقبول والتوفيق والحفظ والصون، لي ولكل مناضل صادق من أجل الحق.
آمين
د. عبد الرزاق مقري
– لو تم إطلاق سراح بوعلام صنصال دون تدخل أجنبي بعد الاتهامات الخطيرة التي اتهم بها (ومع وجود سجناء سياسيين لا يلتفت إليهم) لكانت مصيبة، أما إطلاق سراحه بعد التدخل الأجنبي فالمصيبة أعظم.
– التدخل الألماني هو مجرد مناولة للفرنسيين في هذه القضية، فرئيس المخابرات الخارجية الفرنسية أكد يوم 11 نوفمبر، وفق جريدة “لوموند”، بأنهم جاءتهم إشارات من الطرف الجزائري تفيد أنهم يريدون استئناف الحوار وأن شروط فرنسا معروفة ومنها إطلاق سراح السجينين بوعلام صنصال والصحفي الفرنسي كريستوف”، كما أن هذا التدخل الألماني يساهم في رفع الحرج عن الجزائريين لكي لا يظهروا بأنهم خضعوا للشروط الفرنسية.
– إطلاق سراح صنصال بتدخل أجنبي يعني أن اتهامات الخيانة المصرح بها رسميا لها حماية أجنبية وأن استعمال الحق الدستوري في المعارضة السياسية أو في التعبير الفكري والعلمي المخالف للتوجه الرسمي جريمة لا يوجد من يشفع لأصحابها، على غرار ما وقع للصحفي عبد الوكيل بلام والدكتور محمد بلغيث وغيرهما من السجناء السياسيين.
– حين يُطلق صنصال كناشط عمل لفائدة مصالح أجنبية ضد الجزائر ، وصاحب تصريحات خطيرة في ملفات خارجية، ويبقى في السجون أصحاب الاتجاه الوطني والإسلامي المعروفين بصدق ولائهم لبلدهم وأمتهم معنى ذلك أن الأقليات المشبوهة ذات نفوذ حاسم في البلد وأن الأغلبية في بلادنا لا وزن لها. وللتذكير : “اتهم صنصال في تصريح رسمي بأنه “خائن لا يعرف أباه قال أن نصف الجزائر ملك لدولة أخرى”. وذلك ردا على قوله بأن ثمة مدنا مغربية أعطتها فرنسا للجزائر، كما صرّح سابقا بعظمة لسانه تصريحا تابعه الملايين على اليوتيوب بأنه كان وسيطا لضبط موعد بين الإسرائلين والرئيس زروال ووزيره للصناعة في منتدى ديفوس عام 1997. ثم لما لم ينجح في ذلك التقى – وهو إطار في وزارة الصناعة – مع الإسرائيليين دون علم وزير الصناعة.
– حين يُطلق سراح صنصال الذي اتهم بالخيانة، وحين يُصرح السيد وزير الداخلية بأنه تغاضى عن فساد متكرر لرئيس بلدية بسبب سنه “سبعين سنة”، ويبقى في السجن محمد بلغيث الذي هو كذلك في سن سبعين سنة، وعبد الوكيل بلام بسبب شدة تصريحاته السياسية المعارضة، وحين يتعرض المعارضون السياسيون الشرفاء إلى مختلف أنواع التضييق والتشويه والحصار الإعلامي معنى ذلك أن الجريمة والخيانة في بلادنا هي المعارضة الفكرية والسياسية (المشروعة دستوريا وفي الأعراف الدولية)، ومؤدى ذلك أننا نعيش انقلابا في سلم القيم وأن المعروف صار منكرا والمنكر صار معروفا. وهذا لا يبشر بالخير من ناحية السنن الاجتماعية
د. عبد الرزاق مقري
شاب عمره 34 سنة، فاز :
– ضد ترامب وجبروته
– ضد الحزب الجمهوري وقوته
– ضد تيار الغدر المرتبط باللوبيات في حزبه.
– ضد الأقطاب المالية الكبرى وتشعباتها.
– ضد وسائل الإعلام التقليدية الكبرى وتأثيرها
– ضد الكيان ولوبياته.
شاب عمره 34 عاما يفوز في نيويورك العاصمة الاقتصادية للولايات الأمريكية المتحدة وأكبر مركز مالي في العالم.
شاب عمره 34 سنة ينشئ تيارا شعبيا عابرا للأحزاب والمعتقدات يجند فيه قرابة مائة ألف شاب متطوع في حملته الانتخابية.
لم يكن لهذا الشاب أن ينجح لو لا وجود هوامش ديمقراطية كافية لذلك، لو لا رجحان كفة من يريد التغيير في بلاده.
إنها رسالة لكم أيها الشباب في بلداننا: تستطيعون فعل ذلك بشرطين أساسيين، بغيرهما لا معنى لأي شرط آخر:
– أن تحاربوا الاستبداد بلا هوادة، وأن تعملوا ضد التحكم في إرادة الناس، والتزوير والغش والفساد وشراء الذمم وأن تضحوا من أجل ذلك. إنها معركة شاقة وخطرة ولكن لديكم القوة والوقت لذلك، ولو انكسر منكم ألف وألفان على هذا الطريق، سينجح الواحد منكم بعد الألف والألفين ويكون ثمرة من ثماركم.
– أن تكسروا شبكات الانتهازية والزبونية، وطوابير المصالح الشخصية والطموحات الصغيرة وأصحاب الأيادي المرتعشة. وهؤلاء أمرهم أسهل، بيوتهم كلها من ورق، وإنما يُكسرون بالحجة البالغة، والصدق الذي لا تلون معه، هم يميلون حيث تميل الريح، يكفي أن ترتفع أصواتكم، وتثبتوا على طريقهم ليختفي أكثرهم.
انظروا إلى هذا الفيديو المرفق كيف يتجه بالنقد مباشرة إلى المنافس الأقوى: إلى ترامب الذي يحكم العالم!
لا تصدقوا بأنه يواجه ترامب لأنه يشعر بالأمان، هو يعلم بأنه معرض للاغتيال، وأنه سيواجه قوة جبارة لتشويه ولإفشاله ولإتاحته.
لم ينجح لأنه مسلم ولكن لأنه شجاع واجه الأقوياء، لأنه مع المظلومين، في بلاده وفي فلسطين، لأن له أفكار، لأنه يغامر، لأنه لا يتردد، لأنه صاحب كفاءة، لأنه صادق، لأنه جذاب، لأنه يجمع، لأنه شاب.
إنه التيار القادم، أسأل الله أن نكون من صانعيه، وأن نكون الجسر الذي تعبرون عليه أيها الشباب، الأمل كله فيكم.
د. عبد الرزاق مقري
ربما السؤال الأنسب هو لماذا تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو في قضية الصحراء الغربية لمنع التقدم الذي حصلت عليه المغرب في مجلس الأمن؟
قضية الصحراء الغربية ليست ذات وزن في المصالح الصينية والروسية، وليست قضية مبدئية من حيث أنه لدى الصين وروسيا قضايا يمكن اعتبارها شبيهة بقضية الصحراء الغربية، فيوجد لدى الصين قضية الإيغور مثلا وربما قضية تايوان، وعند روسيا قضية جزيرة القرم والدونباس وسابقا الشيشان وداغستنان وغيرها.
فهل يمكن استعمال حق الفيتو فقط لمواجهة الولايات الأمريكية المتحدة؟ ليس هذا واردا في الظروف الحالية، فروسيا في اتصال مع الإدارة الأمريكية وهي تحقق نجاحات مع ترامب، وقد اعترف لها على الأقل بأحقيتها في جزيرة القرم ومناطق مهمة شرق أوكرانيا، والصين ليس في استراتيجيتها التصعيد مع الولايات الأمريكية وفي مصلحتها، تجاريا وتكنولوجيا، تخفيض التصعيد.
وهل الصين وروسيا حقا حليفان استراتيجيان للجزائر، ولو على حساب المغرب، فتسندان ررؤيتها في ملف الصحراء الغربية في مجلس الأمن؟ ليس الأمر على هذا النحو.
لا أحد يجهل البرودة في العلاقة بين روسيا والجزائر التي ظهرت في عدم دعم روسيا عضوية الجزائر لمنظمة البريكس، وكيف تنظر روسيا للجزائر من الناحية الاستراتيجية الدولية، والتي عبر عنها لافروف بتصريح فهم بأنه مسيء للجزائر عقب الاجتماع إذ قال بأن “المعايير التي أخذت بعين الاعتبار لدى مناقشة توسع مجموعة البريكس هي وزن وهيبة الدولة ومواقفها في الساحة الدولة ومساهمتها في التحول نحو عالم متعدد الأقطاب”. وقد بيّنت في مقال عن ذلك حينها بأن روسيا تعتبر أن الجزائر لم تحسم أمرها في مسألة التحالفات الدولية وأنها أقرب إلى الولايات الأمريكية المتحدة. وزاد في توتر العلاقات بين البلدين التحولات الكبرى التي وقعت في مالي ودول الساحل والتي جعلت الجزائر أقرب إلى المعسكر الغربي في هذا الملف، وقد شهدنا جميعا الرد المهين للافروف على الصحفية الجزائرية التي سألته عن تورط الفيلق الإفريقي الروسي في جرائم ضد المدنيين.
وبالرجوع إلى هذه الحادثة يمكن أن نتساءل هل كان هذا الحدث بريئا أسابيع قليلة قبل انعقاد مجلس الأمن عن قضية الصحراء الغربية.
ومن أغرب ما حدث في هذا الملف أنه في الوقت التي باتت علاقات الجزائر سيئة جدا مع جيرانها في بعض دول الساحل وخاصة مالي – وهي الآن منطقة نفوذ مع روسيا – هو التقارب الكبير الذي حصل بين حكومات هذه الدول والمغرب، ولا شك أن هذا الوضع الجديد ليس في صالح الجزائر في علاقتها مع روسيا.
وكون السلاح الجزائري سلاحا روسيا لا يكفي ليكون التحالف الاستراتيجي نهائيا بين الدولتين، فالقاعدة أن الدولة المسلحة بغير سلاحها والتابعة في تسليحها لدولة أخرى قد تكون تابعة وليس بالضرورة حليفا. ولا تكون روسيا منزعجة كثيرا على المدى القريب من ضياع هامشها في سوق السلاح بالجزائر، فهي تعلم بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تمنح أسلحتها المتطورة للجزائر في المدى المنظور، كما أن تغيير الدولة تبعيتها في السلاح من دولة إلى دولة أخرى يتطلب على الأقل عشر سنوات، ويتسبب عادة في حالة إضعاف للقدرات العسكرية للدولة المعنية، إذ يتطلب ذلك تغيير ثقافة عسكرية عميقة ومهارات ومعارف راسخة يصعب تغييرها، وهو قرار معقد لا يعدّ اتخاذه بالأمر السهل، إلا إذا كان الانتقال إلى سلاح وطني تصنعه الدولة بنفسها في بلادها.
أما بالنسبة للصين فإن المسألة أبسط من هذا بكثير، فرهاناتها الأساسية حاليا رهانات جيواقتصادية وليس جيوسياسية أو جيوستراتيجية، والجزائر أقل جذبا في الجانب الاقتصادي من المغرب، حيث أن المغرب يتفوق علينا في حجم الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية والصناعات المتقدمة والاستثمارات الكبيرة مع الصين في حين تتجه علاقاتنا الاقتصادية بالصين أكثر نحو البنية التحتية التقليدية والتوريد وفي مجال الطاقة رغم الفرص الكبيرة للاستدراك. وقد تفاجأتُ فعلا بحديث لمسؤول صيني في حفل أقامته السفارة الصينية بالجزائر عام 2023 حاولت أن أحدثه عن فرص الاستثمار في بلادنا فأخذ يكلمنا بصراحة عن البيئة الطاردة للأعمال في الجزائر.
فبالنظر لهذه المعطيات ( التي لا تناقش في الرأي العام في بلادنا) ما الذي يجعل الصين وروسيا تستعملان حق الفيتو لإرضاء الجزائر وتتسبب في ازعاج المغرب الذي يعتبر هو كذلك بلدا صديقا لهما؟
د. عبد الرزاق مقري
اعتمد مجلس الأمن الدولي الجمعة، قرارا ينص على أن منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للقضية القائمة منذ خمسين عاما ويدعو الأطراف المعنية إلى الدخول في مفاوضات على هذا الأساس
صوتت لصالح القرار 11 دولة من الدول الـ15 الأعضاء بمجلس الأمن، في حين امتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تشارك الجزائر في التصويت.
ويدعو القرار جميع الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات بناءً على خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لأول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007.
كما جدد مجلس الأمن مهمة حفظ السلام في الصحراء الغربية لمدة عام واحد.
رحب المغرب بالقرار ترحيبا كبيرا على لسان ملكه، في حين لم تشارك الجزائر في التصويت وأبدى ممثلها السيد عمار بن جامع نقدا شديد اللهجة للقرار قائلا: ” فالإطار الضيق للمفاوضات المقترح، والذي يفضّل خيارًا على حساب خيارات أخرى، يُقيد المرونة والإبداع اللازمين للتوصل إلى اتفاق حر ومتوافق عليه، وفقًا لعقيدة الأمم المتحدة في مجال تصفية الاستعمار. علاوة على ذلك، فإن النص يُحدث اختلالًا في التوازن بين الطرفين، إذ يركّز على الطموح الإقليمي لأحدهما (المغرب)، ويغفل تطلعات الآخر، أي الشعب الصحراوي، الذي يطالب بالحرية. والدليل على ذلك، أن النص يتجاهل مقترحات جبهة البوليساريو، التي تم تقديمها مؤخرًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، ونُشرت رسميًا تحت الرمز S/2025/664. إنها طرف في النزاع، ويجب الاستماع إلى رأيها وأخذه بعين الاعتبار. كما يثير النص تساؤلات خطيرة ومشروعة حول الأسس القانونية للإطار التفاوضي المقترح لحل النزاع. تخيلوا لو تم اعتماد هذا الإطار في مناطق نزاع أخرى في أوروبا أو الأمريكيتين أو آسيا أو إفريقيا، حينها سيتعرض أحد الأركان الأساسية للنظام الدولي إلى تصدع خطير. “
إن الأسئلة التي تطرح اليوم بهذا الخصوص كثيرة منها:
– لماذا امتنعت الجزائر عن المشاركة في التصويت؟ هل هو تسليم بالأمر الواقع؟ أم أنه خضوع لضغوطات ما؟
– لماذا لم يحمّل ممثل الجزائر المسؤولية للولايات الأمريكية المتحدة “حاملة القلم” المسؤولة عن هذا التحول الدراماتيكي؟
– هل ستستمر الولايات الأمريكية المتحدة في الضغط على دول المنطقة وعلى البوليزاريو أثناء المفاوضات والاستفتاء لصالح الحكم الذاتي ؟
– هل لتصريحات المسؤولين الأمريكيين بخصوص إصلاح العلاقات بين المغرب والجزائر علاقة بهذا التحول؟
– لماذا لم تسمح السلطات الجزائرية بمناقشة مجتمعية حرة لقضية الصحراء الغربية حتى لا نفاجأ بهذا التحول؟
– كيف نقيم التضحيات الكبيرة التي قدمتها الجزائر بسبب هذا الملف؟ وما تقييم الخسائر؟ من المسؤول؟ ومن يحاسب على هذا؟
– ما الذي ستستفيده الجزائر من هذا القرار؟
– ما هو مصير مشروع المغرب العربي؟
– هل سيزيد هذا التحول من حضور النفوذ الخارجي الفرنسي الأمريكي في المنطقة أم ينقصه؟
– هل سيعمق هذا التحول التمدد ال”ص” والتطبيع في المنطقة أم يضعفه؟
– كيف ستكون العلاقات المغربية الجزائرية بعد هذا التحول؟ هل ستتطور وفق إرادة البلدين الشقيقين أم ضمن الاستراتيجيات والمصالح الأمريكية؟
– ما هو موقف وما هي نفسية المزايدين الانتهازيين، من أحزاب ومنظمات وشخصيات، الذين كانوا يصعدّون بشأن ملف الصحراء الغربية؟ أين هو دور الذباب الإلكتروني؟ هل سيشنون حملات على هذا القرار وضد الولايات الأمريكية المتحدة؟ أم أنهم يمتنعون عن ذلك توافقا مع موقف الامتناع عن المشاركة في التصويت الرسمي؟
– لماذا ضاعت فرصة الوصول إلى الحل عبر الحوار بين دول المنطقة عبر السنوات الطويلة الماضية بما يضمن الحقوق ومصالح الجميع دون تدخل أجنبي ؟
د. عبد الرزاق مقري
إن المجتمع المدني النافع للبلاد هو “المجتمع المدني المفيد وليس المجتمع المدني المستفيد” على نحو ما كان يقوله الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله. والمجتمع المدني المفيد هو الذي يضحي أفراده من أجل الصالح العام، أما المجتمع المدني المستفيد هو الذي يتعلم أفراده فنون الانتهازية وخدمة الأغراض السياسية للحكام والقوى السياسية من أجل المصالح الخاصة والطموحات الشخصية.
إن التضييق على بروز المجتمع المدني المفيد ومنع الجمعيات الوطنية المفيدة من تجنيد الأفراد وصقل قدراتهم ومواهبهم لخدمة الصالح العام في مختلف المجالات وتوسيع مجالات تأثيرها إلا إذا كانت موالية للحكام قبل ولائها للبلد وخاضعة للأشخاص وليس للقانون هو تجميد لقدرات بلد بكامله إذ لا أمل في تطور الأوطان والنهوض الحضاري دون مشاركة حرة فعلية للمجتمع المدني
إن إعاقة النشاط وتنظيم المؤتمرات الوطنية والدولية للمنظمات ليس إعاقة لها فقط بل هو تعويق للجزائر وتشويه لصورتها أمام علماء ومفكري الأمة ونشطاء الحرية والقضايا العادلة في الأمة وفي العالم. وما هذا المنع والتضييق إلا مظهر آخر من مظاهر تراجع هوامش الحريات في البلاد بشكل غير مسبوق.
ولا يمثل هذا التراجع صورة سلبية للسلطات المانعة فقط، بل هو كذلك نتيجة حتمية لتخلي الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام عن الكفاح من أجل الحريات ووضع نفسها وأنشطها تحت سقوف متدنية في الفعل السياسي أقل بكثير مما يتيحه الدستور والقوانين.
إن استمرار الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام والشخصيات في التفريط في الحقوق والحريات والتدافع السلمي والرقابة على الشأن العام لأسباب أنانية وطموحات شخصية وأوهام المحافظة على المكتسبات، وتحويل الوسائل إلى غايات، سيضيق الهوامش أكثر فأكثر وسيضيع المكتسبات كلها وسيهدّ الغايات ونصبح يوما ما أمام أشباح أحزاب ومنظمات وقيادات، والبلد في وضع لا يليق بمكانته وتاريخه ومصالحه.
وصدق الله تعالى إذ يقول: (( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض))
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ)) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
د. عبد الرزاق مقري.
لو حسبت الإخوة العشرة الأقرب إليّ ممن عرفتهم في ساحة الدعوة والعمل السياسي لكان جمال من أوائلهم. إنه من الرجال القليلين الذين بقوا كمعدن الذهب لم يتغير ولم يتبدل، بل كلما مر الزمن زادت قيمته.
إنه الأخ العزيز جمال محمد لقرع رحمه الله رحمة واسعة.
لقد توفاه الله في سن التاسعة والستين بعد مرض عضال ألم به، عاش مع زوجة فاضلة من الدعاة المربيات في البلدة، أخذ الله قبل سنوات ولدا من أولاده الثلاثة، كان آية في الطيبة والجمال، فكان المصاب جللا، وبقي بعده ابنه الأكبر الدكتور أسامة طبيبا متخصصا في ألمانيا، وابنة كريمة متزوجة في المسيلة، أسأل الله تعالى أن يرحمه رحمة واسعة وأن يرزق زوجته وولديه وأحفاده المتعلقين به كثيرا الصبر والسلوان.
عُرف أخي جمال رحمه الله بذكائه الشديد ونبوغه بين أقرانه منذ طفولته، فحصل على شهادة الباكلوريا في بداية السبعينات قبل الأوان، وتفوق في دراسته في المعهد الوطني للأشغال العمومية.
وأثناء خدمته الوطنية كلف بمهام كبيرة لكفاءته ونزاهته، فأسند إليه الإشراف على مدرج الطيران العسكري في تمنراست وعهد إليه الإشراف على الطريق العابر للصحراء في الجزء التابع لولاية تمنراست. وبعد خروجه من الخدمة الوطنية تقلد منصب المدير الولائي للتعمير فنال شهرة كبيرة في الإدارة المحلية.
وفي حياته النضالية اشتغل أثناء دراسته الجامعية في لجان التطوع الطلابية في زمن الحزب الواحد، وبعد أن تعرف على الحركة الإسلامية في منتصف الثمانينيات في ولاية المسيلة ارتقى إلى مستوى الريادة بكفاءته وذكائه ورجاحة عقله وسمو أخلاقه وتجرده ونضاله، فكان رئيس أول جمعية ولائية تأسست فورا بعد صدور قانون الجمعيات عام 1988 وهي “الجمعية الولائية للتربية والتكافل الاجتماعي” التي كانت الواجهة الرسمية الأولى للتنظيم الدعوي بالمسيلة قبل تأسيس “جمعية الإصلاح والإرشاد الوطنية” والتي اشتغل فيها رجال أفاضل من جيل المؤسسين أمثال الشيخ محمد مخلوفي، الأستاذ يوسف موسود رحمه الله، الشيخ عبد الله نور، الشيخ الحاج بوساق (ابن عم الشيخ أحمد بوساق)، اشتهرت هذه الجمعية ونالت التقدير والاحترام عند عموم الناس وأعيان البلدة والسلطات المحلية، ومن أفضل ما اشتهرت به خدماتها الاجتماعية ومساهماتها الثقافية، وخصوصا “جلسات إصلاح ذات البين” التي بات القضاء المحلي يستعين بها لما نالته الجمعية من مصداقية وما حققته من نتائج مشهودة كثيرة مستعصية. وبعد أن تأسست جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية تراجع أداء الجمعية الولائية وتم تحويل مقراتها إلى جمعية الإرشاد عبر إجراءات قانونية كان الأستاذ جمال ممن أشرف علي القيام بها.
انخرط أخونا جمال محمد الأقرع انخراطا كاملا في النضال الحزبي بعد تأسيس الحزب فكان أول رئيس مكتب ولائي عام 1991 للواجهة الحزبية قبل الإدماج ولم يفكر أبدا بأنه يغامر بطموحاته الشخصية وبالمكانة العالية التي كان يتمتع بها عند السلطات المحلية المدنية والعسكرية، ولم يكن له من طموح في ذلك رحمه الله إلا الوفاء لرسالته الدعوية وخدمة بلده، فلم يقبل في أي محطة من المحطات الانتخابية أن ينافس على الترشح للبرلمان أو المجالس المحلية رغم بروز اسمه في طليعة المرشحين في مجالس التداول والقرار بالحركة ولائيا وإلحاح القادة والمناضلين عليه وإصرار الأعيان العارفين بقيمته عند كل استحقاق انتخابي.
ومن دلائل صدق زهده أنه كان هو السند التقني الخلفي لكل منتخبي الحركة، فكان رحمه الله هو ركيزة لجنة المرافقة التقنية، مع أخيه ورفيقه وصديقه إسماعيل ميمون، التي كانت تسندني أثناء أداء مهمتي النيابية بين 1997-2007 وهي سر نجاحي في متابعة قضايا التنمية المحلية وما نلته من مكانة عند رؤساء الحكومات والوزراء والولاة والمدراء التنفيذيين### الذين تجاوبوا معي كثيرا لنضج الملفات التي كان الأخوان جمال وإسماعيل يساهمان في إعدادها لي مساهمة أساسية. ثم واصل نفس المهمة مع نواب آخرين من بعدي ومع المنتخبين المحليين الذين تداولوا على المجالس المحلية، ولم تكن ثمة قضية في هذا الشأن يحضرها جمال رحمه الله وتبقى مستعصية.
لم تكن المعارف والمهارات التقنية هي وحدها ميزة جمال رحمه الله، بل كانت خصيصته الأساسية مهاراته القيادية، التي كانت تؤهله ليكون قائداً وطنيا لا يشق له غبار، ولكن بسبب زهده المعتاد في الظهور كان دائما يضع نفسه في المراتب الثانية وراء إخوانه، فتقلد مسؤولية نائب رئيس المكتب البلدي لبلدية المسيلة وراء أخيه إسماعيل ميمون ثم وراء أخيه عبد الرشيد ميرة، ثم نائب رئيس المكتب الولائي وراء أخيه صالح نور، وكان في كل ذلك لا يُقضى أمر مهم دون أن يكون حاضرا فيه، فكان يسمى “الحكيم” و”المخ” وغير ذلك من ألقاب التقدير الصادقة. وكنت كلما حاولت أن أؤهله لمناصب ادارية وحكومية مركزية، أو مهام قيادية تنظيمية وطنية يرفض رفضا قاطعا فلا يترك لي أي مجال للإلحاح.
كان بإمكان جمال محمد لقرع رحمه أن يكون مقاولا من أكبر المقاولين في البلد عبر شركته “أثير” في الدراسات والإنجاز التي جمع فيها من أكفأ وأنزه المهندسين والتقنيين في المسيلة، ورغم نجاحاته في مشاريع كبرى ولائية وجهوية ووطنية بقي مقاولا مكتفيا بالكفاف بسبب تفشي الرشوة والفساد والمنافسة غير العادلة التي سيطرت عليها الرداءة التي تسببت في كوارث كان هو وشركاؤه وأعوانه من الشهود التقنيين عليها.
أدرك أخي العزيز جمال محمد لقرع رحمه مبكرا فساد العملية السياسية في الجزائر فابتعد في السنوات الأخيرة عن الاهتمام بالشأن الحزبي والتنظيمي، وكان من الشخصيات الملهمة التي قادتني إلى نفس النتيجة لاحقا، التي مفادها عدم الرهان على التغيير المنشود الذي ينهض بالبلد من داخل النظام السياسي، والتركيز على العمل الشعبي والاستثمار في المجتمع، إذ كان حريصا عليّ أن لا أضيع وقتي وقدراتي كثيرا في مسار المشاركة السياسية في ظل الموازين السياسية القائمة، وأن أركز على العمل الاستراتيجي، وكان من الداعمين لي في هذا المجال، ورغم كبر سنه تطوع من تلقاء نفسه أن يرعى أكاديمية جيل الترجيح الشبابية بالمسيلة بنفسه، التي كان ابنه دكتور أسامة – شبهه في الأخلاق الذكاء والتفوق الدراسي – أحد خريجيها.
رغم صرامة أخي جمال وصراحته في التعبير عن رأيه كان من ألطف الناس، وأرفق الناس، وأرحم الناس، لا يأتيك منه سوء أبدا، ولا يعكر صفوك في كل الأحوال مطلقا، لا يقول إلا خيرا. لقد كان رحمه الله نبعا للخير، لا يصدر عنه إلا ما ينفع، اتصف بأخلاق جليلة على رأسها الصدق والرجولة والشهامة والوفاء والمروءة، استطاع أن يجذب إليه حب وتقدير واحترام إخوانه، حتى بات محل إجماع بيننا رحمه الله رحمة واسعا.
لم يكن جمال رحمه الله هو وحده القريب إليّ، بل كانت المودة بيننا عائلية، فزوجته المربية الداعية القدوة صديقة زوجتي، وابنه الدكتور الطبيب أسامة من أقرب الأصدقاء إلى أبنائي، كبروا جميعا معا في بيتَينا، ولذلك المصيبة مصيبة العائلة كلها، فالله أسأله أن يرحم أخي جمال رحمة واسعة وأن يصبّرنا جميعا على فقده وأن نكون معا جميعا على سرر متقابلين في الفردوس الأعلى.
اللهم آمين
د. عبد الرزاق مقري.
حينما أنظر إلى ما مضى من عمري بعد الخامسة والستين أجد أن حياتي بحمد الله لم تكن سدى وأن ما أنجزته في مختلف الأمر يتمناه كل إنسان سوي، يمكن البناء عليه لتثمينه أكثر ولو في وقت وجيز، ولكن أقترفت من الأخطاء وأضعت من الفرص ما لا يمكن استدراك كثير منه، وما يمكن أن تساعد التجربة في تصحيح بعضه واللحاق به بإذن الله تعالى وقوته.
1 – أين نجحت؟
أما ما نجحت فيه بحمد الله وتوفيقه ومنّه وكرمه، فمنه:
– على المستوى الشخصي:
التزمت دينيا منذ فترة الطفولة، وحفظت كتاب الله كاملا، وتحصلت على تعليم جيد، في الطب والعلوم الشرعية وعلوم الإدارة والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ونلت ما احتجته من اللغات، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ولم أكتف بالوظيف فعملت في التجارة منذ العشرينيات من عمري فأغناني الله عن غيري، ونجحت إلى الحد الآن في التوازن بين الاحتياجات الروحية والصحية والعقلية والاجتماعية، وتدربت على مهارات عديدة حتى أتقنتها كالكتابة والخطابة والقيادة وتسيير الشأن العام.
– على المستوى العائلي:
اخترت زوجتي على أساس الدين لا غير، فكانت نعمة في الدنيا والدين، نعم الزوجة ونعم مربية الأولاد، صالحة، داعية، عالمة، حافظة لكتاب الله، رزقني الله تعالى منها ثمانية أولاد، تربوا كلهم على القرآن والصلاح والعلم، تفوقوا كلهم في الدراسة وتخرجوا جميعهم من الجامعات الجزائرية، ولم يتخلف أحد منهم عن الانخراط في العمل في سبيل الله من أجل بلدهم وأمتهم والقضية الفلسطينية، اتجهوا للعمل من أجل قوت أولادهم بعرق جبينهم دون أن ينالوا أي امتياز من الدولة أو أي جهة أخرى ذات شأن، في وظيف أو سكن أو أي شيء آخر. لم أفرط في توفير ما يلزمهم من كرامة العيش، من بيت واسع أو فرص عائلية تضامنية وبيئة صالحة لهم ولأولادهم، في دينهم ودنياهم، وصنت أرحامي وحفظت ود أقاربي وجيراني. ولله الحمد والمنة
– على مستوى الشأن العام في بلدي:
انخرطت في الدعوة الإسلامية مبكرا منذ الطور المتوسط في منتصف السبعينيات على يد الشيخين الفاضلين محمد مخلوفي وأحمد بوساق، فلم أخيب بحمد الله ظنهما، وبقيت وفيا لهما وحسنة جارية لحسابهما بإذن الله، إذ ثبت على ما أخذت عنهما من القيم ورسالة الدعوة إلى الله، فكنت من مؤسسي الصحوة في المسيلة وعدد من الولايات انطلاقا من جامعة سطيف التي كانت بحق قلعة من قلاع الدعوة في الثمانينيات، تجسّدت فيها معاني التأهيل القيادي ووحدة العمل الإسلامي.
ثم تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ففُتحت لي على يديه أبواب الجهاد السياسي والأداء الاستراتيجي في البلد وعلى المستوى العالمي، فتميزت عن غيري بالمساهمة الفاعلة معه في تأصيل العمل الجمعوي، وتأسيس العمل النيابي، وفتح خط عميق ثابت للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد والتزوير الانتخابي، وساهمت بعد وفاة الشيخ محفوظ في حفظ الحركة من أن يُذهب التنازعُ ريحها، واشتغلت أثناء النزاع في تعليم الناس مهارات التخطيط والتدريب والرؤى المستقبلية.
وأثناء قيادة الحركة طورت مفهوم المقاومة السياسية وساهمت من موقع الريادة في ترسيخ النضال المشترك بين التيارات من أجل الانتقال الديمقراطي، وخضت تجربة كادت تثمر من أجل التوافق الوطني لو لا صراعات الأجنحة حول الرئيس المريض، وأنانية القوى السياسية.
ورسمت مسارا صلبا في الحركة لإدارة الوظائف المجتمعية عبر ما سميته الخط الاستراتيجي ونظرية التخصص الوظيفي مما بقيت آثاره قائمة. وأعطيت فرصة للوحدة فأنجزنا منها جزء مهما، وحققنا نتيجة انتخابية مشرفة كادت تنقلنا إلى مستوى الشراكة السياسية بدل أوهام المشاركة لو لا عتو النظام السياسي الذي أكّد مرة أخرى بأنه لا يمكن التعاون معه دون تغير موازين القوة.
وتركت بعدي حركة موحدة مؤهلة لاستكمال المهمة لو أراد من أهلتهم لقيادتها ذلك، صنعت فيها، وممن ليس فيها أجيالا من القادة، وتركت حولها مؤسسات كبيرة مؤثرة في اختصاصات عديدة.
ثم تركت العمل الحزبي وتحولت كلية لأعمّق ما كنت ابتدأته في النضال الفكري والسياسي عبرالمقالات والكتب والإنتاج السمعي البصري وعبر مختلف منصات الوسائط الاجتماعية، وفي التأهيل القيادي الشبابي، والكفاح ضد الفساد والاستبداد ومن أجل نهضة البلد ومساهمته في نهضة الأمة وتحرير فلسطين.
– على مستوى قضايا الأمة خارج البلد:
بدأ اهتمامي بشؤون الأمة في الجامعة وأنا إمام خطيب أدعو لنهضة المسلمين واستعادة مجدهم، وبدروسي في المدرسة الشرعية بمسجد جامعة سطيف ومساجد أسامة والأنصار وغيرهما بمدينة المسيلة عبر دروس الفقه الجنائي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، في الثمانينيات. ثم عبر عضويتي في مجاميع دولية أثناء رئاستي للكتلة البرلمانية وللأمانة الوطنية لحقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.
وتدرجت في العمل للقضية الفلسطينية من الدروس والمحاضرات والمقالات إلى تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع عام 2000 على إثر المصافحة المشؤومة ومحاولة دعوة ماسياس وزيارة الوفد الصحفي لدولة الكيان، ثم بعضوية مؤسسة القدس الدولية وقيادة الأمانة العامة لفرعها بالجزائر وما نتج عن ذلك من إنجازات لا تزال شاهدة، منها الوقفية الشامخة وفرع شباب من أجل القدس المستمرة بعنوان جديد، ثم أسطول الحرية عام 2010، وتدشين حملات كسر الحصار والإغاثة منذ شريان الحياة 5 وما نتج عن ذلك من مسارات نُقل عبرها المئات من الجزائريين إلى غزة، وشُيدت مشاريع عدة فيها، وتأهل على دربها العاملون لفلسطين وبني مسار دائم فاعل للعمل للقضية، إلى رئاسة هيئة المستشارين في الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين إلى أسطول الصمود عام 2025 وما فتح من آفاق مستقبلية بحول الله.
وأثناء ذلك كله اشتغلت في العمل الفكري فأسست مركز البصيرة للدراسات وما أنتجه من مجلات علمية معتمدة عديدة ترقىّ بالكتابة فيها مئات الأساتذة ولا تزال مستمرة إلى الآن، وألفت 18 كتابا في الفكر السياسي والشأن الدعوي والقضايا الدولية، وسافرت لمختلف أنحاء العالم محاضرا ومحاورا ومناظرا في المؤتمرات والندوات، ثم صرت عضوا في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، والأمين العام لمنتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حيث وفقنا لتنظيم سبعة مؤتمرات دولية مشهودة وفعاليات فكرية عديدة، وشرعت مع غيري في تطوير نظريات جديدة لتجاوز حالة الاحتباس التي تعرفها الأمة ومن ذلك مقاربات “تحدي العبور” ومشاريع “تيار الأمة” ومعاني متجددة لمفهوم ” مركزية القضية الفلسطينية” ومشاريع “التحالفات العالمية ضد الصهيونية والهيمنة الاستعمارية”.
2 – أين فشلت؟
..يتبع
د. عبد الرزاق مقري
في هذا اليوم من أيام الله بلغت الخامسة والستين، وحين يبلغ المرء هذا السن يدرك حتما بأن الأجل قد اقتربت نهايته مهما طال العمر، وسيكون ذلك سريعا!
ولإدراك سرعة ما تبقى من العمر ولو طال الأجل بأن يصل المرء إلى عقد الثمانين مثلا، فيكون من المعمرين، فليتأمل في عدد السنوات المتبقية التي لا تتجاوز عادة معدل العشرة أو العشرين سنة. وحين ننظر إلى العشرين سنة التي خلت – أي عام 2005 أو 2015 – ندرك كم كانت سريعة تلك السنوات، وكم أن الذكريات بخصوصها كأنها البارحة، وعلى نفس الشاكلة ستكون السنوات العشرة أو العشرين المقبلة سريعة كلمح البصر لمن أطال الله عمره ممن في سني قد بلغ الخامسة والستين.
لا شك أن الأجل ليس للإنسان فيه خيار، بالزيادة أو النقصان، وفق قوله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤ نوح﴾)) ولكن إدراك سرعة مرور العشرين سنة الماضية تجعل الإنسان يشعر بالرهبة حقا، والسعيد السديد هو ذلك الإنسان الذي فهم هذا المعنى وشمّر على سواعد الجد يسابق الزمن القليل الذي بقي له من عمره ولو طال أجله.
غير أن الذي يواسي المؤمن، ويفسح له مساحات الفرص الواسعة ولو كان الوقت ضيقا، هو أن قيمة العمر ليست بعدد السنوات ولكن ببركة الزمن المتاح وما يتم فيه من إنجاز وأثر، وما يقبله الله من ذلك.
ومن دلائل الخير التي تسكّن خوف العبد من ضيق ما بقي من عمره مدى ما وفّقه الله إليه من عمل صالح في ما فات، ورجاؤه أن يكون ما بقي من حياته على نهج ما مضى، وأن يتجاوز في ما هو آت ما أسف على اقترافه أو تركه سابقا، راجيا من الله رحمته في الشأن كله.
د. عبد الرزاق مقري.
contact@abderrazakmakri.com