قول واحد: إنه الشعور بالهزيمة! حينما علم الإسرائليون بوقف إطلاق النار هاجوا على رئيس وزرائهم، واتهموه بأنه جعل إسرائيل تخسر سياسيا واستراتيجيا، ونقلت وسائل الإعلام هذا الهيجان بوضوح، ففجر غضبه على لبنان بمائة غارة في عشر دقائق راح ضحيتها قرابة مائتي شهيد لتغيير المزاج العام عند شعبه، ولكسر بند في أرضية المفاوضات وهو أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، وإذا أمكن دفع إيران إلى الرد لإفشال الاتفاق بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة.
هل سيؤدي هذا إلى سقوط الاتفاق؟ لا أظن ذلك.
والسبب أن الأكثر حرصا على وقف الحرب هو ترمب، وقد بينت وسائل الإعلام الأمريكية الأكثر انتشارا أن ترمب دخل الحرب بحدسه وبتقديرات خاطئة قدمها له أنصار الحرب في البيت الأبيض، وخصوصا من الكيان الصهيونى بأن الظروف مناسبة لانتفاضة الشعب ضد النظام إن وجّهت له ضربات قوية وقطع رأسه، ولكنه فوجئ بصمود عظيم من الإيرانيين وقدرة كبيرة لتوسيعهم كلفة الحرب على امريكا والعالم بأسره.
لقد كانت المؤسسات الأمنية والعسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية تدرك الحاجة إلى بترول ايران والسيطرة على مضيق هرمز لقطع الطريق على الصين، ومع ذلك نصحوه بأن تحقيق النصر على ايران غير متاح، بالنظر إلى الهزائم الأمريكية في العراق وأفغانستان والصومال.
ولما عجز ترمب عن تحقيق النصر بالضربات الصاروخية والجوية وجد نفسه في مواجهة قادة الجيش الأمريكي في أمرين اثنين: اعتراضهم على الدخول البري، وعدم استعدادهم لتحمل تهم جرائم الحرب في حالة الهجومات التدميرية الشاملة لإيران.
وبالإضافة إلى ذلك أصبح تباعده مع حاضنته الاجتماعية التي وعدها بالاهتمام بامريكا أولا وعدم شن الحروب في الخارج ( تيار ماغا) يزداد يوما بعد يوم، لا سيما وأنه يقترب اكثر فأكثر من التجديد النصفي للكونغرس
لهذه الأسباب كلها أصبح ترمب تحت ضغط شديد جعله يفقد توازنه ولم يعد يتحكم في فحش لسانه في تصريحات علنية.
لا يوجد شك بأن المجزرة التي اقترفها الكيان في لبنان كانت بموافقة أمريكية، سواء بسبب الضغط الشديد على ترمب من اللوبي الإسرائيلي، أو لعدم التضحية بحليفه الشخصي نتنياهو الخاسر الأكبر في الحرب، أو لوضع ايران تحت الضغط أثناء المفاوضات.
اعتمد ترمب ونتنياهو أسلوب المغامرة في التصعيد لاختبار الموقف الإيراني، لمقصدين مختلفين. وما فعلته ايران بالرد بغلق المضيق متوقع جدا ، وفي حالة عدم نجاح الوسطاء في كبح جماح الكيان عن طريق ترمب ستعود قطعا للقصف الشامل.
والذي أراه أن التخلي عن لبنان سيتسبب في سقطة أخلاقية مدوية لإيران مهما كانت الظروف ولو عودة الحرب وتنفيذ ترمب تهديده بتدمير إيران، ويجب أن تتعاون ايران في هذه الظروف مع ملفات المواجهة على النحو التالي بالتدرج:
– تكثيف الضربات الصاروخية على إسرائيل بأنواع بالستية مدمرة وبلا هوادة
– غلق مضيق هرمز من جديد
– ضرب القواعد العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية
– الامتناع عن ضرب المنشآت الخليجية، والدخول مع الدول الخليجية، في حوار لكي تقوم بواجبها على الضغط الشديد على ترمب ليلتزم بأرضية المفاوضات وعلى رأسها وقف العدوان على إيران، وهم يملكون كيف يضغطوا عليه لو أرادوا.
أتوقع أن ترمب سيحرص على وقف الحرب وسيضغط على نتنياهو ، والذي يجعل نتنياهو يلتزم فعليا بقرار ترمب هو ما يلحقه من إيلام من إيران، وما يراه من ضغوطات أمريكية على ترمب.
د. عبد الرزاق مقري
تفصلنا ساعات قليلة لنرى هل سينفذ ترمب تهديده أم لا، وقد تحدثنا في مقال البارحة بأن تنفيذ التهديد مستحيل ضمن معايير التحليل السياسي العادي، لأن تدمير إيران هو خسارة عظيمة للمنطقة كلها، بما فيها الكيان الصهيوني، وفيه إضرار عظيم للولايات الأمريكية المتحدة على الصعيد الأخلاقي، والصورة، والهيبة، وعلى المستوى الأمني، ونهاية إيمان الدول العربية بأن الولايات الأمريكية تستطيع أن تحميهم، ولو تتورط في الدخول البري سيكون ذلك هو الأفول الأمريكي المتسارع. ورغم الدمار الكبير ستكون ايران هي الأقل خسارة من حيث أنها تخرج كدولة متوسطة أعجزت قوة دولية عظمى. وستكون الصين هي الرابح الأكبر من حيث أنها هي التي ستأخذ البترول الإيراني مقابل اعادة الإعمار ، وليس الولايات الأمريكية المتحدة. ويبدا عندئذ التحول الفعلي من القطبية الاحادية الأمريكية في السياسة الدولية إلى تعدد الأقطاب الدولية.
ولكن حين نتعامل مع شخصين نرجسيين لا تهمهما إلا نفسيهما، ومعهم مجرمون وفاسدون ومتطرفون دينيا، فإن الكارثة يمكن أن تحل، ويكون هاذان الرجلان هما اللذان اختارهما الله لتدمير دولتيهما.
غير أننا أمام فرص اخرى كبيرة لسيناريوهات أخرى. ففقدان الرئيس الأمريكي التوازن، واضطرابه وعدم ثقته بنفسه يظهر من خلال امرين اثنين، هما حديثه عن تمديد مهلة التهديد، وتلفظه بكلمات نابية مكتوبة، فهو في حالة نرفزة واضطراب نفسي كبيرين. ومشكلته أنه لا يفهم كيف لنظام سياسي في العالم لا يخاف من تهديده، ويواجهه الند للند، لا تسمح له نرجسيته وتعوّده على تعامل الآخرين معه بالخضوع والتملق في البيت الأبيض والعديد من الزعماء العرب والمسلمين، وحتى الاوربيين قبل أن يضعهم في الوضع المزري الذي هم فيه بسبب الحرب، اقتصاديا وسياسيا.
وفي هذا الإطار يمكن للسيناريوهات الأخرى ان تعمل على الترتيب التالي:
– يمكن أن تنجح الاتصالات والوساطات الدبلوماسية في توفير سلم النزول من الشجرة لترمب وإعطاء صورة حل وسط يستطيع كل طرف ( ايران وأمريكا) أن يصرح على اساسه بأنه انتصر في الحرب، وفي هذه الحالة يكون المنتصر الحقيقي هو إيران، وتستفيد دول الخليج من تجنب الضربات الإيرانية، والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى،
– لا تنجح الوساطات لرفضها من أحد الطرفين أو لعدم القدرة على الوصول إلى حلول وسطى، فتوجه الولايات الأمريكية ضربات قوية لبعض البنى التحتية لإيران دون التدمير الشامل ثم تعلن الانتصار، وتقوم ايران برد محدود على الوجود الأمريكي في المنطقة، وعلى الكيان والدول العربية، وقد يحدث هذا ضمن اتفاق غير معلن بين ايران والولايات الأمريكية المتحدة. ويكون المنتصر الحقيقي هنا هو ايران بطبيعة الحال. والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى.
– يبقى ترمب في دوامة تأجيل التهديدات ومواصلة ضرب إيران، واستعمرار الردود الإيرانية، ولكن هذا سيضعفه في الرأي العام الأمريكي وداخل بعض أنصاره الموالين لاسرائيل، والتحولات الشعبية التي خطط لها مع نتانياهو للاعتماد في الحرب على إسقاط النظام الإيراني من الشعب او من داخله تنقلب ضده في الداخل في المجتمع الأمريكي والقوة السياسية الرافضة له والرافضة للحرب.
والنتيجة أنه ما دام النظام الإيراني قادر على الرد، وبقي صامدا سياسيا، والشعب الإيراني متماسك. فإن كل السيناريوهات المذكورة ستكون لصالح ايران.
وكل الذين يعتقدون أن إيران ستخسر يعتمدون على حجم التدمير ، وهو امر قابل للحل في أوقات قياسية عن طريق قوة الإنجاز الكبيرة والسريعة للصين، والمقابل موجود، وهو الاحتياطي الطاقوي العظيم الذي ستتمتع به الصين بدلا للولايات الأمريكية المتحدة إلى اندفعت للحرب للسيطرة على منابع النفط ، علاوة على حرمان البيت الأبيض من السيطرة على مضيق هرمز كما كان مخطط وفق ما سرحناه سابقا.
د. عبد الرزاق مقري
هدد ترمب إيران بأنه سيفتح عليها جحيما عظيما إن لم تفتح مضيق هرمز. فهل ستخضع ايران للتهديد وهل سيطبق ترمب تهديده.
قبل ذكر السيناريوهات نجيب على السؤال السهل: هل ستخضع ايران للتهديد
الجواب: لن تخضع إيران للتهديد! وذلك للأسباب التالية؟
– لن تخضع إيران للتهديد لأنها إن خضعت ستعطي الانطباع بأنها في حالة ضعف وستُفرض عليها تهديدات أخرى أكبر.
– لن تخضع لأنها ضحت تضحيات كبيرة ولا يمكن أن تفرط في كل التضحيات، وإلا سينقلب عليها الوضع داخليا.
– لن تخضع لأن خسائر الخضوع أكبر من خسائر تنفيذ ترمب تهديده.
– لن تخضع لأنها لا زالت قادرة على الرد وبفاعلية كبيرة
– لن تخضع لأنه ليس في مصلحة الصين أن تُسلّم إيران المضيق ومقدّراتها الطاقوية لأمريكا على نحو ما ذكرناه، وسنعود إلى هذا الموضوع.
طيب، في حالة عدم خضوع إيران للتهديد، ماذا سيحدث؟
ستؤول الأمور إلى سيناريو من السيناريوهات التالية.
– ينفذ ترمب تهديده فيدمر منشآت الطاقة، ومحطات توليد الكهرباء، والسدود ومحطات تحلية المياه والمصانع والجسور والمطارات، ثم حسب ردود الأفعال يقرر الدخول بريا أم لا.
– لا ينفذ تهديده ويقوم بتوجيه ضربات قوية لا تصيب المصالح الحيوية ويعلن النصر ويوقف الحرب.
– يستعمل التهديد كورقة ضغط للمفاوضات ثم يعلن عن تأجيل آخر لتهديده والاستمرار في المفاوضات
– الوصول قبل نهاية أجل 48 ساعة أو قبل ذلك أو خلال التأجيل الجديد إلى حلول وسطى تجعل كل طرف يعلن النصر وتبقى العلاقات معلقة.
التحليل:
– ليس سهلا على ترمب تنفيذ تهديده للأسباب التالية:
– الجبهة المعارضة للحرب ولقرار ضرب منشآت الطاقة عريضة وقوية في العالم بأسره وداخل فريقه وعند أغلب الأمريكيين.
– لم يستطع ترمب إقناع أي دولة لدخول الحرب معه، وبالإضافة إلى عدم شرعية الحرب لم يستطع توفير أي غطاء سياسي مع غير بلده لها.
– قد يفاجأ الأمريكان بقدرات غير محسوبة لإيران في إسقاط الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بدعم صيني روسي. وإسقاط المقاتلتين وإصابة المروحيتين رسالة قوية جدا.
– سيؤدي تنفيذ التهديد إلى رد عنيف وشامل لإيران تنتهي فيها الخطوط الحمراء في ضرب حاملات الطائرات والسفارات الأمريكية في كل مكان بأسلحة متطورة.
– كما يؤدي ذلك إلى شل الحركة الاقتصادية في العالم بأسره وسيلحق هذا ضررا كبيرا بالأمريكيين ( تعاظم أسعار الوقود، تعاظم التضخم …)، وستُحمّل الدول ترمب مسؤولية المأساة التي ستلحق بها.
– سيجعل ترمب نفسه في موضع مجرم حرب لن يفلت منه ولو بعد حين، وينتهي زعمه تحقيق السلام عن طريق القوة
– سيتسبب بتدمير شامل لحلفائه العرب، إذ يكفي أن تضرب إيران محطات تحلية المياه في الدول الخليجية لتدخل شعوب المنطقة في مأساة لا مثيل لها، سيدفع هذا التهديد الخطير بدول المنطقة إلى الضغط الشديد الذي قد يصل إلى المفاصلة بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة ( وذلك نظرا لخطورة التهديد)
كل هذه الأسباب تجعل هذا السيناريو المأساوي غير مرجّح ولكن وارد، لأن ترمب في ورطة ولو توقفت الحرب دون خضوع ايران ستُدمر صورته إلى الأبد وسينقلب عليه كثير من حلفائه في أمريكا، علاوة على الضغط الصهيوني والابتزاز الذي يمارس عليه بسبب ملفات ابشتاين. فقد يدخل في حالة جنونية تتعلق بسمعته وهيبة أمريكا تدفعه إلى عمل جنوني.
ولكن حتى إن نفّذ تهديده هل سيكون منتصرا؟ بكل تأكيد خسارته ستكون اكثر من خسارة إيران.
لا شك ستدمر إيران تدميرا واسعا ، واذا ضربت المنشآت الحيوية المدنية لدول الخليج ستكون هي كذلك ضمن تهمة جريمة الحرب وستخسر المنطقة إلى أمد طويل جدا وربما إلى الأبد، وستخسر كثيرا من داعميها في العالم العربي والإسلامي وفي العالم، لأن أي عاقل لن يقبل إدخال الشعوب الأبرياء في مأسماة لا علاقة لهم بها، ففي ديننا (( لا تزر وازرة وزر أخرى))،.
ولكن مع هذا لن تكون هي الخاسرة في الحرب للأسباب التالية:
– ستكون إيران أكثر شراسة، وفي وضع الذي لم يبق له شيء يخسره فتُلغي كل الخطوط الحمراء كما ذكرنا أعلاه، وأي ضرر إضافي للولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيوني لن يتحملاه وسيؤدي ذلك إلى تحولات داخلية عندهما.
– ضرب البنية التحتية هو ضرب للشعب الإيراني كله وهذا سيعمق العداء عند هذا الشعب تجاه الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى وبالتالي سيقوى النظام أكثر من ذي قبل رغم التدمير.
– وعكس ما يتوقعه الاسرائيليون بأن الشعب الإيراني سيثور على نظامه بعد التدمير ونهاية الحرب، سيؤدي التدمير على المدى القريب إلى إضعاف الشعب وتقوية النظام، لأن المقدرات الخدمية للشعب تضعف، والنظام السياسي يكون أكثر تماسكا، وأي حركة احتجاجية، من داخل النظام أو في المجتمع، ستُقمع بقسوة شديدة من الحرس الثوري والباسيج.
– التدمير لا يمثل مشكلة جوهرية ، على المدى المتوسط والبعيد، لإيران لأن هناك دولة داعمة لها ستكون مستفيدة جدا من ذلك وهي الصين، حيث ستقوم بإعادة بناء ما دمّر بسرعة كبيرة وتأخذ بدل ذلك نفط ايران بأسعار منخفضة على نحو ما قامت به سابقا مع فنزويلا ودول أخرى، فوضعية إيران تختلف في هذا مع وضعية غزة اختلافاً جذريا.
– وفي النموذج الغزاوي لم ينقلب الشعب على الـ”م” كما كان يتوقعه الاسرائيليون والأمريكان، بالرغم من أن حركة العملاء المعلنة في “غ”، بالنسبية، اكثر مما هو موجود في إيران
– عند حالة التدمير الشامل ستتحول القوى العسكرية والأمنية الإيرانية إلى حالة تشبه عمل الميليشيات يجعلها أقدر عل غلق مضيق هرمز، من قدرة الحوثي على غلق باب المندب، دون أي مسؤولية دولية، كما تستطيع ضرب المصالح الأمريكية ومواصلة تهديد الأمن الإسرائيلي دون كلف كبيرة، لأن نمو كلفة الخسارة يتوقف بعد تدمير كل شيء.
– والملاحظة المهمة بعد كل هذا أن ما يحسم في مسألة الثبات رغم الخسائر الكبرى هو البعد العقائدي، ثم منطق عليّ وعلى أعدائي، ومنطق إذا خسرت أنا فسيخسر معي كل أعدائي وكل من رآني أُظلم ولم يتحرك لمنع الظلم عني. وهو منطق خطير لا يعرفه الجهّال بالتاريخ، خاصة تاريخ الأقليات العقائدية.
ولكل هذا من كان عاقلا فليضغط على أمريكا لتُوقف الحرب، لأنها هي الظالمة وهي التي بدأتها، ولأن أوراق الضغط عليها متوفرة، هذا الذي يجعل الجميع يتجنب الكارثة، أما الضغط على إيران بعد بدء الحرب فهو غير مجد .
غدا بحول الله نواصل تحليل السيناريوهات الأخرى ( إلا إذا وقع المكروه او تم الوصول إلى اتفاق).
عبد الرزاق مقري
يبدو أن نار الحرب ستخمد قريبا، هكذا يبدو من خلال الاتصالات التي بادرها بها ترمب بعدما فشل في تحقيق أهدافه المعلنة، والسؤال الذي نطرحه: ما هي الدروس التي سيستخلصها الحكام في العالم العربي والإسلامي؟خصوصا في دول الخليجية.
لقد اتضح جليا بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تريد ولا تستطيع حماية الدول الخليجية، ولا أي دولة إسلامية أخرى، من أي تهديد عسكري أو اقتصادي، بل أمريكا هي سبب كل الويلات التي تصب على الخليج وعلى المنطقة كلها، واتضح جليا بأن الأموال العظيمة التي منحها الخليجيون للأمريكان، ولترمب بشكل خاص، من أجل حمايتهم من البعبع الإيراني ومن بعضهم البعض، ذهبت أدراج الرياح.
فهل تنتبه الدول العربية والإسلامية بأن العدو الذي بمثل خطرا وجوديا عليها هي الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى؟ هل أدركت بأن حماية بلدانها وقوتها وتطورها وسؤددها هو مع شعوبها ومن داخلها وفي ما بينها؟ هل سيتجهون إلى مشروع تصالحي حضاري بينهم؟
إن ما نسمعه من تنسيق مصري، باكستاني، تركي، سعودي لبناء رؤى دفاعية مستقبلية يثلج الصدر .. إن تأكد .. ولكن أن يكون ذلك نواة لوحدة حضارية إسلامية تاريخيّة توجه ضد ضد العدو الأمريكي والصلف الأمريكي، وتكون ايران، في الأخير، جزء منها.
ومن جهة أخرى هل ستفهم إيران بأنها لن تستطيع حماية مصالحها، من خلال المقاربة الطائفية، وأن استعمالها من قبل الصهاينة والقوى الاستعمارية الغربية كبعبع لتهديد دول الجوار أضرّ بها وبالمنطقة كلها؟ وهل ستدرك بأنها جزء من أمة كبيرة تُضمن فيها كرامة وحقوق ورفاهية كل شعوبها بكل ما فيها من تنوع سياسي ومذهبي وطائفي وعرقي، لو اتحدت أو تكاملت وتعاونت؟
د. عبد الرزاق مقري
لم تكن تلك استراتيجية “الردع بالحرمان” التي انتهجتها الولايات الأمريكية ضد الصين بعد تعثر استراتيجية “المنافسة” خافية إلا على الذين لا يتابعون تصريحات الطبقة القيادية المحيطة بترمب أو الذين لا يأخذون تصريحات هؤلاء مأخذ الجد قبل أن يتحول قولهم إلى فعل. ففي السابع من مارس الحالي، أعلن “جارود أيغن”، المدير التنفيذي لمجلس الهيمنة على الطاقة في البيت الأبيض، على شاشة فوكس بيزنس: ” في نهاية المطاف، لن نضطر إلى القلق بشأن مشكلات مضيق هرمز، لأنّنا سننتزع كلّ النفط من أيدي الإرهابيين”، وها هو ترمب يصرح بالتحضير لعملية عسكرية بغرض السيطرة على مضيق هرمز ويحاول أن يجر معه دولا أخرى تستعمل المضيق لمرور بضائعها، من أجل المشاركة في الكلفة و بغرض المشهدية السياسية.
إن الاستراتيجية التي يعتمدها ترامب وفريقه لإعاقة الصين أو ل“ردعها بالحرمان” تقوم على الأسس التالية:
أولا – حرمان الصين من النفط، أو إعطاؤها إياه بإرادة أمريكا وعن طريقها، وهذا الذي صرّح به ترمب بشكل واضح أثناء اقتحامه فنزويلا وسيطرته على القرار الطاقوي في هذا البلد حيث قال: “نرحب بالصين ويمكن أن نصل إلى اتفاق عظيم بشأن حصولها على نفط فينزويلا” ، فهو إذن الذي يتفق مع الصين بشأن نفط فينزويلا!.
وهو كذلك ما ذكره جارود أيغن، المشار إليه أعلاه، بشأن نفط إيران، وما يخطط له ترمب للسيطرة على جزيرة خرْج الإيرانية (التي يمر عليها 90% من النفط الإيراني)، بشكل مباشر أو عبر حكام إيرانيين جدد موالين لأمريكا.
لقد كانت الصين تأخذ 68% من نفط فينزويلا بأسعار رخيصة (144 مليون برميل عام 2023) ضمن ترتيبات سداد ديون فينزويلا للصين المتراكمة كقروض مستحقة بنحو 19 مليار دولار ضختها الصين في استثمارات وهياكل قاعدية. وهي تستورد في حدود 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني (عام 2025) يصل إليها بأسعار رخيصة تحت أعلام مزيفة للتحايل على العقوبات.
إن الضرر الذي يصيب الصين سيكون كبيرا إذا سيطرت الولايات الأمريكية المتحدة على نفط إيران بعد أن سيطرت على نفط فينزويلا، ضمن خطة “الردع بالحرمان” التي تنتهج ضدها.
إذا نجح العدوان الذي سمي “الغضب الملحمي” سيكون بين يدي الإدارة الأمريكية ثروة نفطية تتجاوز 30٪ من الاحتياطي العالمي ( مجموع احتياطي فنزويلا وايران). علاوة على أنه لا يستبعد أن تكون السعودية والدول الخليجية الأخرى هي المحطة الموالية التي يفرض فيها ترمب نفسه وسيطا بالإكراه لبيع نفطها للصين. علما بأن نصف واردات الصين من النفط تأتي من الشرق الأوسط ( السعودية، العراق، الإمارات، إيران، البحرين)، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم (11 مليون برميل يوميا)، وقوتها الاقتصادية تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المستوردة. فهل يعقل أن تسمح الصين بأن تقع في يد أمريكا بإسقاط إيران في حجرها؟
ثانيا – لا تكتفي الولايات الأمريكية المتحدة بحرمان الصين من حرية الوصول إلى مصادر الطاقة، وإبرام الصفقات المناسبة لها مع الدول المصدرة، بل تسعى إلى خنق حركتها التجارية كلها، بإعاقة مشروع الطريق والحرير، والسيطرة على الاختناقات الجغرافية في العالم، الحيوية بالنسبة للصين، خصوصا قناة بنما، ومضيق هرمز ومضيق مالاقا.
– أول مضيق بدأ ترمب التضييق بشأنه على الصين هو مضيق بنما، ضمن مخطط السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي وتعهُّد إدارة ترامب بـ” منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي” من السيطرة فيه على “الأصول الحيوية استراتيجياً”، وطرد الشركات الأجنبية التي تُقيم بنية تحتية مهمة هناك.
تمثل قناة بنما ممرا مائيا استراتيجيا لتجارة الصين الخارجية، بين آسيا والساحل الشرقي للأمريكتين، وتعد دولة بنما هي الدولة الأولى في القارة الأمريكية التي انضمت لمشروع الطريق والحرير، وبلغت استثمارات الصين في حدود 2.5 مليار دولار في موانئ القناة والبنية التحتية، وهي طرف شريك فاعل في إدارة القناة، عبر شركات صينية خاصة، على طرفي القناة. وقد اعتبرت الولايات الأمريكية المتحدة هذا النفوذ المتصاعد خطرا على مصالحها في المنطقة.
صرح ترمب في خطاب توليته الثانية بأن الصين تسيطر على قناة بنما، مدعيا بأن القناة هي في أصلها أمريكية منحتها الحكومة البنمية للصين، وتلتها تصريحات العديد من مسؤولي البيت الأبيض يتهمون فيها الصين بأنها تمثل خطرا أمنيا ويمكنها أن تسيطر على الملاحة البحرية عبر القناة في وقت الأزمات.
رد الرئيس البنمي ومدير القناة على هذه المزايدات، وأكدا أن الوجود الصيني ضمن اتفاقيات قانونية وأن بنما تعمل ضمن قواعد حيادية واحدة مع الجميع، ومع ذلك أفلحت الضغوطات الأمريكية حيث ألغت المحكمة العليا في بنما هذا العام عقود تشغيل ميناءين رئيسيين (بالبوا وكريستوبال) لشركة “سي كيه هاتشيسون” الصينية، وهو ما أثار حفيظة الصين فلجأت إلى المحاكم الدولية وأطلقت تهديدات شديدة اللهجة في اتجاه حكومة بنما تتنافى مع أسلوب الصين في التعامل مع القضايا الدولية، مما يؤكد تضررها من سياسة “الردع بالحرمان” الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية.
– أما عن مضيق هرمز فإن الصين تستحوذ وحدها على 37.7 ٪ من تدفقات النفط الخام الذي يمر عبره، متقدمة بفارق كبير عن أي دولة أخرى، وكانت خطة الحرب تقتضي تحكم الولايات الأمريكية المتحدة في هذا الشريان الحيوي للصين من خلال حكومة إيرانية موالية بعد إسقاط النظام أو استسلامه. غير أن العدوان لم يحقق هدفه إلى الآن، بل صارت إيران هي المتحكمة في حركة المرور البحري في المضيق.
لم يكن في خطط الأمريكيين وقف تدفقات النفط الإيراني، بل المحافظة عليه، وضمان استمرار إنتاجه ثم التحكم فيه وفي تدفقاته وتدفقات النفط الخليجي تجاه الصين عبر التحكم في مضيق هرمز، فإذا بالمضيق يتحول إلى سلاح في يد إيران صنعت به أزمة اقتصادية عالمية بات الجميع يحمل البيت الأبيض مسؤوليتها.
يحاول ترمب حل هذه المشكلة باحتلال مضيق هرمز، ولكنه يعلم بأن الأمر ليس سهلا، فقد حاول حل مشكلة باب المندب بالقوة ضد الحوثيين فلم يفلح حتى اضطرّ إلى التفاوض. وهو يحاول تشكيل تحالف دولي للسيطرة على المضيق، وقد يكون ذلك فرصة لترقيع حالة غياب الشرعية الدولية لحربه على إيران. غير أنه لم يتلق استجابة من أي دولة إلى الآن، وقد ذكّره وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن بعثة “أسبيدس” البحرية التي شكلها الاتحاد الأوربي لم تكن فعالة في تنفيذ مهمتها في حماية باب المندب فقال: “لهذا السبب فأنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن“.
وهذا الإخفاق هو الذي جعل ترمب ينتقل إلى التهديد باحتلال جزيرة خرج الإيرانية، عبر تدمير دفاعاتها العسكرية مع الحفاظ على البنية التحتية النفطية. ولكن ايران ردت بالتهديد بأنه في حال حدوث مثل هذا العدوان، سيتم إحراق وتدمير كافة البنى التحتية للنفط والغاز في المنطقة، والتي تستفيد منها أمريكا وحلفاؤها الغربيون”، وعليه ستتعاظم الأزمة الاقتصادية العالمية، علما بأن كثيرا من الاقتصاديين في العالم حذروا بأن العالم مقبل على أزمة عالمية أخطر من أزمة 2008 بسبب استمرار الحرب وتداعيات ارتفاع أسعار البترول وتعذر التجارة العالمية.
– أما عن مضيق مالاقا فهو أزحم ممر مائي في العالم، يمتد طولا إلى 805 كلم، وعرضا بين حوالي 60 و250 كلم بين أندنوسيا وماليزيا، وتطل عليه كذلك سنغافوريا في مخرجه الشرقي. تمر عبره 100 ألف سفينة في العام، يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، وتمر حوله 80٪ من واردات الصين واليابان من النفط.
يمثل المضيق معضلة للصينينين، يسمونها “معضلة ملاقا”، بسبب تواجد الأسطول السابع الأمريكي في جواره وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية، خصوصا في سنغافوريا، وكون الدول الثلاثة المطلة عليه صديقة لواشنطن ( أندنوسيا، ماليزيا) أو حليفة ( سنغافورة )، مما يهدد الواردات الصينية في حال حدوث حرب أو اضطرابات دولية. لذلك تسعى الصين للبحث عن موصلات برية بديلة عبر دول صديقة أو شريكة في مشروع الطريق والحرير.
ربما يمثل ثبات إيران في الحرب القائمة، وقدرتها على ضرب البوارج الأمريكية، وإخراج حاملة الطائرات أبراهام لينكلن من الخدمة، حسب التصريح الإيراني، أفقا جديدا سيخفف من حدة “معضلة مالاقا”، إذ بينت هذه الحرب أن حاملات الطائرات الأمريكية وقوتها العسكرية الجبّارة صُممت لزمن أضعفت التكنولوجية العسكرية المتطورة أهميتها، وصارت أسلحة زهيدة الثمن تعجز قدرات عسكرية باهضة الثمن.
لو كنا في زمن سابق لأدى العدوان على إيران إلى حرب عالمية ثالثة بشكل سريع ومباشر، ولكن التطور التكنولوجي أصبح يتيح خوض الحروب بالوكالة بكفاءة عالية.
ولكل ما سبق يُفهم أهمية، بل ضرورة، تدخل الصين إلى جانب إيران ضد الولايات الأمريكية المتحدة، دون الحاجة إلى إظهار ذلك، لتجنب الحرب العالمية. ويبدو – بالفعل – أن أمريكا وقعت في ورطة كبيرة، وأن نهاية الحرب دون أن تحقق هدف السيطرة على إيران سيغير العالم بشكل سريع وعميق … مهما كان ادعاء ترمب تحقيقه النصر الكامل.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
توصل صناع القرار في أمريكا في بداية القرن بأن قادة بلدهم ضيعوا وقتا طويلا وثمينا في الشرق الأوسط، عبر حروب طويلة في العراق وأفغانستان بحجة وقف انتشار السلاح النووي ومحاربة الإرهاب، تسببت في كلف اقتصادية عالية وخسائر معنوية شديدة، وارتفاع مشاعر العداء ضد الولايات الأمريكية المتحدة، وتأخر كبير في وتيرة الابتكارات العلمية والنمو الاقتصادي.
وفي ذلك الوقت كانت الصين تحقق طفرات تاريخيّة في النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، وفي الهياكل القاعدية عبر مشاريع الطريق والحرير. لقد كانت كالماء الهادئ المكتسح لكل الحدود بما يحمله من بضائع في كل المجالات، تصنع من خلاله صداقات الربح المشترك عند كل الشعوب، ولدى حلفاء أمريكا، في أوربا وأستراليا وكندا وأفريقيا وآسيا الوسطى والعالم العربي. لم تخف الصين طموحها بأنها تسعى لتكون القوة الاقتصادية الأولى في 2030 وربما القوة العسكرية الأولى في 2040، وتدفع مع قوى صاعدة أخرى نحو عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه أمريكا سوى قوة دولية ضمن قوى أخرى مكافئة.
فهمت الولايات الأمريكية المتحدة بأنها تتجه نحو فقدان مكانتها كقوة دولية متفردة بالسيطرة في العالم، وأنها لن تستطيع تحقيق مصالحها بالقوة والإكراه والابتزاز، وأنه عليها أن تتقبل بروز عالم جديد يقوم على الاتفاقيات والمعاهدات، والمفاوضات بالندية مع الدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين، وأن تأثيرها الحصري على الحلفاء والدول التابعة سيتراجع وربما ينتهي. أي نهاية العهد الأمريكي.
كانت الخطة لتجنب ذلك أن تتخفف الولايات الأمريكية المتحدة من أعباء الشرق الأوسط بالتقريب بين حلفائها العرب والإسرائليين، عبر تسريع وتيرة التطبيع، وتحويلها إلى “اتفاقيات إبراهيمية” تكون فيها القيادة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية للكيان الصهيونى، ويتفق الجميع على تصفية القضية الفلسطينية في مقابل ازدهارٍ موهوم للشرق الأوسط تُثبَّت فيه عروش الحكام وينعم الناس ب”العيش الرغيد!”، وكان معيار نجاح الخطة أن تلتحق المملكة العربية السعودية بركب الاتفاقيات الإبراهيمية.
وعندئذ تنتقل الولايات الأمريكية المتحدة إلى مواجهة الصين وروسيا عبر مجموعة من الخطط منها:
أولا – بخصوص الصين.
– رفع مستوى الإنفاق على البحث العلمي، بمقتضى قانون الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act) الذي صوّت عليه عام 2022 بالإجماع الديمقراطيون والجمهوريون. وهو قانون سمي عند بعض السياسيين الأمريكيين بقانون الصين” باعتبار أن المقصود منه مواجهة الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والروبوتات، واستعادة الريادة الأمريكية في تصنيع الرقائق التي انخفضت حصتها عالميا من 40 ٪ في 1990 إلى حوالي 10 ٪ قبل صدور القانون، ومن حيث أن التدبير تدبير اشتراكي خصص له 280 مليار دولار أمريكي كتمويل حكومي لا ينسجم مع التوجهات الرأسمالية الأمريكية.
– تطويق الصين بسلسلة تحالفات من كل الاتجاهات، فعلاوة على النفوذ الأمريكي المتصاعد في تايوان وبيع الأسلحة لحكومتها خلافا للتفاهمات الصينية الأمريكية وفق مبدأ الصين الواحدة، شكلت وطورت الولايات الأمريكية المتحدة تحالفاتها لاحتواء النفوذ البحري الصيني. فشكلت “حلف أوكوس” عام 2021 مع المملكة المتحدة وأستراليا لإنشاء أسطول غواصات تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادي. ومتنت التحالف مع كوريا الجنوبية واليابان، حيث حولته من حلف ثنائي إلى حلف ثلاثي عام 2023 عبر تكثيف وجود المعدات العسكرية الأمريكية، والمناورات العسكرية الدورية، في منطقة المحيط الهادي والهندي وجنوب بحر الصين. وعزّزت تحالفاتها في جنوب شرق آسيا بتفعيل معاهدة الدفاع المشترك مع الفلبين وتطويرها إلى “اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز” عام 2014، وتطوير العلاقات الجيدة مع فييتنام إلى “شراكة استراتيجية” كاملة عام 2023، علاوة على العلاقات الأمنية مع أندنوسيا لتعزيز الأمن البحري وتحديث الدفاع.
– العمل على عزل روسيا عن الصين، ومحاولات تعطيل المد الصيني في أفريقيا واسيا وأوروبا، وفي العالم العربي، بالضغط والإغراء وصناعة الأزمات.
ثانيا – بخصوص روسيا.
حاولت الولايات الأمريكية المتحدة احتواء روسيا بسياسة تمدد الحلف الأطلسي في أوربا الشرقية، وتعزيز نفوذها واتفاقياتها الثنائية مع الدول التي كانت سابقا ضمن المعسكر الاشتراكي، كما عمّقت نفوذها في آسيا الوسطى عبر ما يسمى “دبلوماسية الصفقات” والاستثمارات الاقتصادية والأمنية لمحاولة عزل روسيا، وتقليص نفوذ الصين في منطقة “القلب الأوراسي”، من خلال استثمارات ضخمة (12,2 مليار دولار) في البنية التحتية والطيران، وعقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع دول المنطقة ( كازخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجكستان، تركمنستان ).
سعت أوروبا، بتدبير ألماني، إلى إدماج روسيا في الفضاء الأوربي من خلال ما سمي عقيدة “السلام الاقتصادي” (Wandel durch Handel)، التي تقضي بدمج الاقتصاد الروسي بالاقتصاد الأوربي عبر الاستفادة من توريد الطاقة الروسية الرخيصة مقابل التكنولوجيا والاستثمار وحرية التنقل، ولكن الولايات الأمريكية المتحدة أفسدت هذه الرؤية بالتسبب بالحرب الروسية الأوكرانية عبر سياسات التمدد للحلف الأطلسي شرقا والتمركز الاستخباراتي في أوكرانيا، التي لم تصبح روسيا بوتين تتحملها.
وفي ظل هذه الحرب ترسّخ الوجود الأمريكي في الدول القريبة من الحدود الغربية الروسية، حيث تم نشر حامية عسكرية دائمة في بولندا – شريك الولايات المتحدة الأساسي في المنطقة – وفيلق إضافي في رومانيا، ونشر آلاف الجنود في ما يسمى الجناح الشرقي الأوربي ( رومانيا، ليتوانيا، لاتفيا، وإستونيا).
ومع رجوع ترمب حاول اعتماد أسلوب التفاهم الثنائي الأمريكي الروسي، والميل نحو إمكانية الاعتراف بالسيادة الروسية على إقليم دونباس، كطريق محفوف بالمخاطر، لإبعاد روسيا عن الصين.
لم تنجح هذه السياسيات في الحد من الصعود السريع والقوي للصين، فلم ينفع صندوق ” قانون الرقائق والعلوم” في اللحاق بالنمو العلمي والتنولوجي الصيني، ولم تنجح التحالفات والشراكات والاستثمارات الأمريكية، في الحد من النفوذ الصيني، إذ ظلت الصين تُقدم للدول أفضل ما تقدمه الولايات الأمريكية المتحدة على مختلف الأصعدة دون ابتزاز ولا مطالبات سوى الاستثمار، والهياكل القاعدية، والمبادلات الاقتصادية. وبقيت روسيا صامدة في أكرانيا، تعتمد على مقدراتها الطبيعية اللامحدودة، وتتجاوز إجراءات الحصار الغربية عبر مبادلاتها وتحالفاتها مع الصين والدول الصاعدة، وما زادتها الحرب مع أكرانيا إلا اقترابا مع الصين، وبات العالم يسير بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية، خلافا لما أرادت الولايات الأمريكية المتحدة تعطيله.
عندئذ برز ، في دوائر تصميم السياسات في الولايات الأمريكية توجه يؤمن بأنه لا يمكن وقف الزحف الصيني، وأنه لا بد من استبدال “استراتيجية المنافسة” ب“استراتيجية الإعاقة“. وهي الاستراتيحية التي أعلن عنها بلا مواربة “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — تحت عنوان «الردع بالحرمان»: حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
تعجّب كثير من المتابعين عن عدم استعمال الصين وروسيا حق النقض بخصوص قرار مجلس الأمن الذي أدان الضربات الإيرانية للأردن ودول الخليج. وفي حقيقة الأمر لا يوجد ما يُتعحب منه، فالصين هي أكبر زبون للملكة العربية السعودية في مجال المحروقات، وهي الدولة التي نجحت في التقريب بين إيران والسعودية عبر اتفاق بكين، والإمارات العربية المتحدة هي الدولة الوسيط في التهرب من الحصار المضروب على روسيا من خلال آلية إعادة تصدير البضائع الروسية وضمان توريدها روسيا مواد أساسية تحتاجها. وللصين وروسيا كلاهما علاقات جيدة جدا مع دول الخليج في مختلف المجالات، وكان لهما دور كبير في ادخال المملكة العربية السعودية والاتحاد الإماراتي لمنظمة البريكس، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغامر هاتان الدولتان بمصالحهما المتشابكة مع الدول الخليجية باستعمال حق النقض ضدها.
ولكن هل هذا يلغي ما هو شائع بأن الصين وروسيا يقدمان دعما كبيرا لإيران في حربها ضد الولايات والأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى؟ فالجواب أن تحليل الخلفيات الاستراتيجية للعدوان تؤكد أن هذه الحرب ليست مصيرية لايران فقط بل لروسيا والصين كذلك، وخاصة الصين. ولذلك تلجأ الصين وروسيا إلى الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن لكي لا يخسران الأصدقاء العرب، ولكن في نفس الوقت يقدمان دعما مهما لإيران لا يمكن إثباته، خصوصا في مجال الاستخبارات وإحداثيات الضربات الصاروخية وأهداف الهجومات بالمسيرات، وفي شراء النفط الإيراني ما أمكن، وفي المجال الدبلوماسي.
لا شك أن تأثير اللوبي الصهيوني والتيار المسيحي الإنجيلي دور كبير في اندلاع الحرب، فنتنياهو يخطط لضرب إيران منذ سنوات طويلة، وحاول مرارا دفع أوباما وبايدن لتحقيق ذلك وفشل، وهو يرى أن إيران تمثل، مع حلفائها في المنطقة، تهديدا وجوديا وعائقا أساسيا لتحقيق مشروعه التوسعي، وأن النجاح في تغيير النظام أو تمزيق البلد يصنع منه الملك الأبديّ التاريخيّ للكيان، ومن جهة أخرى دفع التيار الديني الإنجيلي في أمريكا إلى الحرب لأسباب دينية وأوهام اعتقادية ضرورة قيام دولة إسرائيل لتكون حرب مقدسة يُقتل فيها أعداد عظيمة من اليهود من أجل عودة المسيح.
بينما يضغط هذا التيار المؤثر، بجناحيه، بأمواله الطائلة على رجل الأعمال ترمب، يضغط المنتسبون إلى تيار “ماغا” بقوتهم الانتخابية على الرئيس الذي انتخبوه وتوجوه رئيسا إذ وعدهم بأنه سيهتم بأمريكا أولا لتكون قوية بالقوة الاقتصادية والعلم وخدمة المواطن الأمريكي.
بقي ترمب يتلاعب بالتيارين المتعارضين حوله إلى أن قرر القيام بعملية عسكرية ضخمة وسريعة تؤدي إلى إسقاط النظام على “النهج الفنزويلي” بثورة شعبية أو انقلاب عسكري من داخل النظام، فيُرضي اللوبي الصهيوني “الذي يبدو أن الحرب حربه” ويعود لإرضاء التيار المعارض للحرب بمسوغات “أخلاقية” تتعلق ب”جعل أمريكا أقوى” بتكلفة حربية قليلة وقصيرة.
إن هذا التحليل الذي يميل إليه كثير من الكتّاب والمحللين صحيح، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالتأثير الصهيوني استغل وضعا استراتيجيا معينا يتعلق بالصين، يدور حوله نقاش كبير في مراكز صنع القرار وقادة المؤسسات.
لقد كانت تدخلات اليهود الصهاينة حاسمة في التعجيل بإيقاد نار الحرب، ضمن بيئة مسيحية صهيونية مؤثرة حول الرئيس الأمريكي، وفي سياق نرجسيةٍ وانفعالية مشهودة للرئيس البرتقالي على اثر نجاحه في غزوة كراكاس. ولكن كان ذلك ضمن توجهات متصاعدة عند بعض صانعي السياسات في التيار اليميني الأمريكي بأنه لا بد من استبدال ” استراتيجية المنافسة” مع الصين، ب”استراتيجية الإعاقة” للصعود الصيني.
في المقال المقبل نتابع كيف تم ذلك.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
لقد تحالف التخلف والاستعمار والاستبداد والغفلة والجهل والأهواء في خلق بيئة عامة تديم بلاء الأمة وتبعيتها وفقدان سيادتها. وما نراه اليوم من تحالف عملي لحكومات ونخب في العالم العربي والإسلامي مع الولايات الأمريكية المتحدة لضرب إيران، هو نتيجة مسار طويل من ذلك، بلغ أوجه في الحرب القائمة، وربما هي بداية نهايته بحول الله.
إن المشاركين والمبتهجين بالعدوان على إيران في العالم الإسلامي أطراف عديدة نذكر منها:
– فئات سكانية في سوريا والعراق تضررت من التدخل الإيراني.
– علماء ونخب فكرية وسياسية غلب عليهم النفس الطائفي.
– حكومات متحالفة مع أمريكا
– تيارات مدخلية الوظيفي.
– تيارات علمانية متشددة.
1 – فئات سكانيةً واسعة تضررت من التدخل الإيراني، لا سيما في سوريا والعراق واليمن، وهذه الفئات هي وحدها التي نتفهّم موقفها من بين الأصناف التي سنذكرها. فهؤلاء سُفكت دماؤهم، وشُرّدت عائلاتهم، وتم تصفية علمائهم وقادتهم. وتفهّم مشاعرهم واجب، ولكن لا يلزمون غيرهم بمواقفهم، فالمعركة مع الصهيونية والقوى الاستعمارية أشمل وأعم، ولا يمكن للأوضاع المحلية مهما كانت أهميتها أن تحكم في القضايا الاستراتيجية الدولية التي يترتب عليها مصير الأمة كلها. ولو حقق الأمريكان والصهاينة أهدافهم من هذه الحرب، قد نشهد أوضاعا أسوء مما رأيناه من قبل، وسنصبح جميعا عبيدا لزمرة المجرمين من قادة الصهيونية المسيحية واليهودية والعربية، بل ربما ستشهد المنطقة مجازر مروعة من أجل تحقيق الأحلام التلمودية التي باتت معلنة. وأتعجب كيف يسعى البعض لحبس مصيرنا على تلك الأعمال الشنيعة التي تورطت فيها إيران في سوريا، ولا يتذكرون ما اقترفه حكام مجرمون من السنة في حق شعوبهم، والدهشة تزداد حين نسمع من يجرمون إيران ويتغاضون عما فعلته روسيا ويلتمسون سبل التصالح معها.
إن سفك دم مسلم أعظم من هدم الكعبة، فكيف بفتن كالتي عاشها أهل العراق وسوريا، غير أن الله أمرنا أن نصلح بين المتقاتلين لا أن نديم الصراع والعداوة بينهم، قال الله تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ))، وما جعلت الديات إلا للتصالح بعد القتل لكي لا يسرف الناس فيه، ورحم الله معاوية رضي الله عنه الذي رد على أطماع ملك الروم، في ما ذكره ابن كثير قائلا: (( والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت )). وذلك هو الفهم الاستراتيجي الإسلامي التي يتسامى عن ثقافة الثارات الجاهلية.
2 – فئات من العلماء والمثقفين، إما بلا علم وفهم، أو بلا بصيرة، يتماشون مع عواطف المكلومين بدل تهدئتها، وبعضهم يؤججها والعياذ بالله. بعض هؤلاء العلماء يعرفون أنهم يخالفون رأي جمهور علماء أهل السنة في حكمهم المطلق على الشيعة، وبعضهم يتفنن في تسليط الضوء على مواقف منحرفة ومتطرفة من الشيعة في إيران غير بارزة، سألت عليها أفاضل من السنة الإيرانيين فقالوا لي: “هي حالات هامشية في المجتمع الإيراني، وممنوعة رسميا”. ويركز أولئك العلماء والنخب كذلك على الأذى الذي لحق السيدة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي ابتلاها الله وابتلى زوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وابتلانا جميعا بالاعتداء عليها في حياة زوجها ووالدها من قبل المنافقين، وانخرط في الإفك صحابة من المؤمنين. ولكن الله عفا عن الجميع وتسامت السيدة عائشة رضي الله عنها عن العداوة، وعبّرت عن ذلك حين رفضت لعن حسان بن ثابت، الذي خاض في عرضها، بالنظر للجانب المضيء في دفاعه عن رسول الله.
ويضاف إلى الصراع الطائفي مع إيران الصراع العرقي، إذ يبالغ بعض مثقفي السنة في الإساءة للفرس، وهم شركاء أصلاء في مجد الإسلام والحضارة الإسلامية، منهم أئمة الفقه كأبي حنيفة، وكبار علماء الحديث كالبخاري وابن ماجة والترمذي والنسائي وأبي داود، وعلماء اللغة العربية كسيبويه والزمخشري، وعلماء الطب والفيزياء والفلك والكيمياء وغير ذلك، كابن سيناء، والخوارزمي، والبيروني، وجابر بن حيان.
عاش الشيعة والسنة في تعايش تام لقرون من الزمن الى أن قامت الدولة الصفوية التي أسسها أتراك فرضوا التشيع ولم يكونوا من الفرس.
لقد أرادها الله أن تكون (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) فأرادها هؤلاء طائفية مقيتة، وعرقية نتنة.
أما عن وقوفهم عند مسؤولية إيران في الفتنة في سوريا والعراق واليمن، التي يلبسونها لبوس الطائفية والعرقية، فإن عقولهم ومعارفهم لم تهدهم للفهم بأنها كانت صراعات سياسية، فاختلاف الصحابة واقتتالهم لم يكن عقائديا، ولكن عن أحقية الحكم وإدارة الدولة، وسيدنا معاوية رضي الله عنه، مؤسس الدولة الأموية المجيدة، التي يحتفي بها الطائفيون في مذهبنا السني السمح قاتل سيدَنا علي كرم الله وجهه، لأسباب سياسية، وذريته قتلوا الحسين وأبناء الصحابة. ووقعت الصراعات والحروب بين دول قديمة بشكل عابر للمذاهب في كل الاتجاهات، وفي العصر الحديث حكام دول حديثة سنية فعلوا في شعوبهم الأفاعيل.
وما حدث من صراع بين الشيعة والسنة، وبين إيران ودول عربية حدث أعظم منه بكثير بين البروتستانت والكاثوليك، وبين الدول الأوربية، سواء من حيث مدد الاقتتال، أو عدد القتلى أو حجم التهجير والتدمير، ورغم ذلك تصالحوا وتحالفوا وهم يد واحدة ضدنا اليوم، ونحن لا زلنا ندمر المستقبل بكثرة الرجوع إلى الماضي والتاريخ.
3 – حكومات متحالفة مع أمريكا، وأغلبها حكومات ضعيفة اعتقدت منذ عقود بأن الولايات الأمريكية المتحدة، وقبلها بريطانيا هي التي تمنحها عروشها وتصونها وتحميها من المنافسين في الداخل، ومن المخاطر الخارجية، وظلت هذه السياسية مستقرة منذ تحالف الشريف حسين ثم السعوديين مع بريطانيا ضد بعضهم البعض وضد الدولة العثمانية، وعلى إثر تقسيم سايكس-بيكو بعد ذلك، ثم عبر التطورات الداخلية المختلفة للحكم في العديد من الدول العربية والإسلامية التي كانت أيدي بريطانيا وأمريكا وفرنسا حاضرة فيها دوما بعد مرحلة الاستقلال، ثم التحالف مع الغرب من أجل مواجهة الشيوعية كتيار فكري وضد المعسكر الشرقي أثناء الحرب الباردة، ثم ضد الحركات الإسلامية السنية، خصوصا على إثر الثورات الشعبية السلمية في 2011.
لقد اشتد هذا التحالف أكثر في مواجهة إيران بعد الثورة الخمينية، وصار خطره على الأمة فادحا بعد أن صار ثلاثيا بدخول الكيان الصهيوني فيه ثم قيادته له حاليا. وللأسف ساهمت أخطاء إيران في الحضور القوي للاستعمار الغربي في المنطقة عند تحالفها مع الأمريكان والدول العربية لتدمير العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل الكاذبة، ثم اعتمادها من قبل الأمريكان والإسرائليين كفزّاعة لمزيد من التحكم في المنطقة بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول عبر الأقليات الشيعية فيها.
لقد منح هؤلاء الحكام العرب والمسلمون بلادهم للقواعد العسكرية الضخمة التي يستعملها الأمريكان لصالح إسرائيل، وللتآمر على المنطقة والقوى الحية فيها، ولتسيير الانقلابات ومحاولات الانقلاب كالذي حدث في 2016، وهي اليوم تستعمل بأشكال عدة ضد إيران.
وبالرغم من أنه اتضح لدى هؤلاء الحكام العرب بأن أمريكا لا تحميهم حتى ضد صواريخ الحوثيين رجعوا للإغداق على ترامب بأموال طائلة وهو يقتل أطفال ونساء غزة، وفي “وقت الشدة” وجّهت أمريكا قواها الأساسية لحماية إسرائيل في حربهما ضد إيران وتركوا البلاد العربية مكشوفة.
لو كان ثمة مشروع إسلامي حضاري سني يُعدّ ويسعى لتوحيد الأمة وعودتها الحضارية لحُلّت مشكلة إيران الشيعية باستيعابها في الأمة ذات الأغلبية السنية، وليس بمحاربتها أو التحالف مع الأمريكان ضدها، ولكن للأسف الشديد هذا المشروع الإسلامي السني غير موجود، وإنما توجد مشاريع قطرية علمانية متصارعة بينها، سيأتي عليها الدور بعد إيران واحدة واحدة.
4 – التيار المدخلي الوظيفي:
إن أكثر من يؤجج الصراع الطائفي في الوسائط الاجتماعية التيار المدخلي. وحين أتحدث عن التيار المدخلي لا أقصد التيار السلفي، فنحن نلتقي بمن ينتسب للسلفية في المساجد فلم نر منهم إلا خيرا. قد تختلف معهم في أفكارهم واتجاهاتهم الفقهية ومواقفهم السياسية ولكن لا تشك في تدينهم وفي خدمة القرآن الكريم وعمارة المساجد وتذكير الناس في جوانب مهمة من الدين. أما من يُعرفون بالمداخلة فلا نرى لهم أثرا في الحياة العادية، ولا وجود لهم إلا في الوسائط الاجتماعية ضمن شبكات الذباب الإلكتروني، والأغلبية الساحقة من حساباتهم تُسيّر من دولة الكيان الصهيونى ودولة الإمارات ومن المغرب، وقد كشف مالكُ منصةِ “اكس” ذلك.
بل لقد ظهر من خلال تقاريره التي نشرها لأغراض تتعلق بالداخل الأمريكي، وتقارير أخرى نشرت في وسائل الإعلام، المواضيع التي يشتغل عليها هؤلاء المداخلة، وعلى رأسها كسر أي سردية مضرة للكيان الصهيونى، ونشر العداوة بين الشعوب والجيران، وتيئيس الأمة وإحباط عزائمها خدمة للكيان الصهيونى، فما هم، في الغالب، إلا صنعة رقمية صهيونية لا وجود لها في أرض الواقع.
ومما يتميز به هذا التيار قلة الحياء، والكذب المكشوف، والبذاءة.
وللأسف التقطت بعض الأجهزة الأمنية خيوط هذا التيار فباتت تستعمله وتستعمل مفرداته لأغراض سياسية وتآمرية ضد المعارضين.
والغريب في الأمر أنهم يتهمون غيرهم بالعمالة للأجانب وهم يعلنون انتماءهم لدولة أجنبية وتيار مرتبط اسمه بشخص أجنبي لا وزن له حتى في بلاده، صنعته مخابرات ذلك البلد، كما يعلم الجميع. فتارة يتهمون أشخاصا وجماعات بالولاء لتركيا، وفي نفس الوقت يتهمونهم بالتبعية لإيران، وهو أمر لا ينسجم، فلا يمكن أن تكون مواليا لتركيا، إذا كنت مواليا لإيران، ولا يمكن أن تكون خادما لإيران إن كنت كذلك لتركيا. وحين يتخذ الأحرار المواقف الصادقة لوجه الله تعالى، لصالح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يخافون في ذلك لومة لائم، تغيب حجة أؤلئك المداخلة الدجالين المتصهينين، ويُسقط في أيديهم.
5 – التيارات العلمانية المتشددة:
ثمة في العالم الإسلامي تيارات علمانية يسارية ويمينية وقومية أشربت قلوبهم العداء لكل ما له علاقة بالإسلام، ولهم حساسية مفرطة لأي شيء يرمز للدين، ولو في إطار محافظ، لا يميزون في ذلك بين شيعي وسني، وسلفي وصوفي وحركي، وأغلب هذه التيارات لها ارتباطات فكرية وثقافية مع النخب والدول الغربية، وبعضهم لهم علاقات سياسية وأمنية، وقوى مهمة منهم ذات أبعاد عرقية، أو يمثلون أقليات أيديولوجية في بلدانهم، وهؤلاء لا يخفون ولاءهم للغرب ودعوتهم للتطبيع، يدعون في الظاهر إلى الديمقراطية ولكنهم يتحالفون مع الاستبداد والأنظمة العسكرية ضد التيار الإسلامي، معتقدين بأن شعبية التيار الإسلامي هي التي تفسد عليهم اختراق الدول العربية والإسلامية، لهم نفوذ اقتصادي ومالي وساسي كبير، ولكنهم غير آمنين على مستقبلهم بسبب ضعف وسائطهم الحزبية. يكرهون إيران، كما يكرهون تركيا، وكما يكرهون دول الخليج، يكرهون إيران بسبب مرجعيتها الدينية الشيعية، ويكرهون تركيا رغم علمانيتها بسبب الجذور الإسلامية لرئيسها، ويكرهون دول الخليج، رغم عدائها للتيار الإسلامي بسبب منابعها الدينية، وبالنسبة لبعض هؤلاء العلمانيين، بسبب عرقهم العربي ولباسهم العربي.
وهؤلاء العلمانيون، سوى تيار أقصى اليسار، و يقفون اليوم ضد إيران ويتمنون أن تنجح أمريكا في تغيير النظام الإيراني لهذه الأسباب الأيديولوجية.
هذا جزء من الخارطة الواسعة التي تحكم المواقف المتعلقة بالحرب القائمة، وبما هو أبعد من ذلك، والله نسأله الحفظ والصون للأمة كلها، بكل مذاهبها وطوائفها وأعراقها، وأن يجعل هذه الحرب تنقلب على أعداء المسلمين، وأن يكون فيها تسارع نحو تحرير فلسطين.
د. عبد الرزاق مقري
يتجه العدوان الصهيوني الأمريكي إلى مزيد من التعقيد، والمعطيات في هذه المرحلة من الحرب ليست في صالح المعتدين. لا شك أن إيران تتلقى ضربات قاسية من الجبهتين، ولكن التطورات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تضغط أكثر على الولايات الأمريكية المتحدة وحلفائها وعلى الكيان الصهيوني والعالم كله. والغريب في الأمر أن اغتيال المرشد الأعلى خدم الإيرانيين أكثر مما خدم المعتدين عليهم، إذ أعطى صورة للداخل الإيراني وللخارج بأن الحرب وجودية فلا بد للإيرانيين من رص الصفوف رغم اختلافاتهم، وأصبح قتالهم بأقصى درجات العزيمة وبلا خطوط حمراء، كما بات تدمير أي تمرد داخلي بقسوة لا لوم عليه، ولا يُستغرب منهم، وهم في التهديد المدمر الذي هم عليه، أن يجروا المنطقة كلها إلى الحرب بمنطق “علي وعلى أعدائي”، ولا بد للعالم المتفرج على العدوان الخطير الذي عليهم دون فعلٍ أن يدفع كله الثمن. هذه هي تصرفات الذي أريد قتله فلم يصبح لديه شيء يخاف عليه.
قد يلوم الأشقاء العرب الإيرانيين على استهداف بعض منشآتهم ومصالحهم، وهذا من حقهم، ومن حقنا أن نتعاطف معهم، ولكن الذي يرى الموت يتربص به لا يكترث بغضب من يتفرجون على موته، بل يلومهم على عدم فعل ما يلزم لوقف خطر تدميرهم. ولئن كان للصهاينة أوراق ضغط قوية على ترامب لجره إلى الحرب، فإن دول الخليج لها كذلك أوراق قوية عليهم أن يستعملوها بعزة ضد ترامب، بدل أن يأخذها منهم بذلة، بدعوى حمايتهم، وهو لم يحمهم حتى من الحوثيين، كما هو معلوم.
لقد علّمنا التاريخ بأن الذي يقاتل بعدما لم يصبح لديه شيء يخسره، يستطيع، في بعض الأحيان، قلب الطاولة، وأن القوي الذي يتمادى في استعمال قوته قد يكسر نفسه بنفسه. لقد حدث هذا في تاريخ الإمبراطوريات الكبرى، بل حتى في تاريخ الحكومات والأحزاب والمنظمات، ومن له اطلاع على التاريخ وسنن التدافع يعلم ذلك.
منذ أن اتجه الإيرانيون إلى التصعيد، بذهنية لم يبق شيء نخسره، بدأت خطتهم تنجح، فنَقْل الحرب إلى الدول التي للأمريكان فيها نفوذ كبير، وضرب الصناعة الطاقوية وقطع خطوط الإمداد، جعل الأمريكان يخسرون على عدة أصعدة، سواء لصعوبة الإمداد العسكري بالطاقة والمعدات ونقل الأفراد، أو بتأكد الحلفاء العرب بأن أمريكا لا تستطيع أن تحميهم، وأن ما تستطيع أن تقدمه من الدعم إنما يتجه لحماية إسرائيل دونهم، كما سيحرك ارتفاع أسعار الوقود والبضائع الرأي العام العالمي، وخصوصا في الدول الغربية، ضد الحرب. وعلاوة على ذلك إذا طالت الحرب ولم يحصل حسم سريع، وربما تبدأ توابيت الجنود تصل إلى أمريكا، عندئذ ستدور الدائرة على ترامب شعبيا، وسينتقم منه الديمقراطيون شر انتقام. وربما هذا الذي يسعى إليه الإيرانيون بإطالة أمد المقاومة وتوسيع مدى الصواريخ والمسيرات. ومن الجهة الإسرائيلية لن يستطيع الإسرائيليون الصمود طويلا أمام القصف المتواصل المعتّم على نتائجه، والذي أدى أقل منه في حرب الإثني عشر يوما إلى طلب وقف الحرب.
لقد أظهرت أخبار العمليات العسكرية للحلف الصهيوني الأمريكي، بأن أهداف الحرب لدى الطرفين تختلف، فبينما يستهدف الجيش الأمريكي القدرات العسكرية لإيران لشل قدراتها على الرد والعودة بنفس النظام إلى طاولة المفاوضات ضعيفا على الشروط الأمريكية، إن اتضح أنه لا يمكن تغييره، يواصل الإسرائليون ضرب البنية التحتية الأمنية والسيادية لتمكين قوى عميلة لهم من إحداث الفوضى في البلاد خصوصا في الحدود مع دول الجوار وأماكن تواجد القوى الكردية.
غير أن هاتين الاستراتيجيتين تعملان بوتيرة في الأثر أبطأ من الاستراتيجية الإيرانية القاضية بإدخال عوامل وعناصر جدية في الحرب لا يمكن التحكم فيها.
يخشى الإسرائليون كثيرا أن يقرر ترامب وقف الحرب إذا رأى بأن الكلفة السياسية عليه كبيرة، أو أن لا يقرر استعمال القوة المفرطة، التي يكون منها السلاح النووي، في حال استعصى وقف القصف الإيراني على دولة الكيان ودول الجوار، وربما على المواقع العسكرية الأمريكية ذاتها.
ولكن ماذا عسى أمريكا أن تفعل إن تماسك الإيرانيون لمدة طويلة سوى الرجوع إلى المفاوضات من أجل حلول وسطى تحترم السيادة الإيرانية.
إن البديل عن ذلك هو إما الدخول البري فتكرر أمريكا لنفسها مأزق الصومال والعراق وأفغانستان، فتتلهى عن الجبهة الصينية وتفقد مكانتها الدولية، أو يصنع ترامب لنفسه – فيتنام جديد – فيسقط كما سقط “نيكسون”. أو أن ينفذ هذا الأخير تهديده بضرب ايران بالنووي، بما يدل على حالة الإرباك الذي هو فيه. وإن فعل هذا الفعل المستحيل، فلن يسير هو فقط لحتفه ولكن سيجر عندئذ الولايات الأمريكية المتحدة كلها بسرعة فائقة إلى الهوة السحيقة ..، التي كان يجرها إليها ببطء.
د. عبد الرزاق مقري
يجب نصرة إيران لأسباب شرعية وسياسية ومستقبلية ومصيرية واضحة لا لُبس فيها، وهي كالتالي:
1 – يجب نصرة إيران لأنها مظلومة، فأمريكا لم تحرك جيوشها لأن ايران اعتدت عليها أو أنها شكلت خطرا عسكريا عليها، أما إسرائيل فهي معتدية على الأمة كلها. ولا يوجد أي مستند قانوني أو أخلاقي لهذا العدوان، وشرعنا علّمنا أن ننصر المظلوم في كل الأحوال، وقد أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حديثٍ شريف رواه البخاري بسبعٍ كان منها نصر المظلوم. وبيّن العلماء أن المظلوم المقصود في الحديث، هو المظلوم كائنا من كان.
2 – يجب نصرة إيران لأنها بلد مسلم، وشعبها شعب مسلم، ونصرة المسلم لأخيه المسلم واجبة شرعا، يقول رسول الله صلى عليه وسلم: – ((ما من امرئٍ مُسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقَصُ فيه من عِرضِه إلَّا خذله اللهُ في موطنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَه وما من امرئٍ مُسلمٍ ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه إلَّا نصره اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه)).
3 – يجب نصرة إيران لأن تدمير ايران أو تسليمُها لنخبةٍ عمِيلة، معناهُ أن الدور سيكون على العالم الإسلامي كله ابتداء بالمحيط القريب، ثم المحيط البعيد شرقا وغربا، بالتدمير أو التقسيم أو الإخضاع والإضعاف المستدام، لكي يحقق الكيان حلمه التوسعي والتحكم في المنطقة كلها.
4 – يجب أن نكون مع إيران لأنها تحارب القوى المعادية للأمة الإسلامية ولشعوبها، فهي تنوب عنا جميعا في رد الاستعمار الأمريكي الصهيوني.
5 – يجب أن ندعم إيران لأن القضية قضية شرف وكرامة، ولو انكسرت إيران فسَتعيشُ بلداننا حالة خضوع وذل وخنوع لعقود من الزمن، وسيستسلم حكام المنطقة للغطرسة الصهيونية الأمريكية بدون أي مقاومة.
6 – يجب أن ننصر إيران لأن نجاح أمريكا في حملتها الصليبية هذه سيجعلُها تواصل جنونها في الاعتداء على الدول والشعوب، وتعملُ على إخضاع العالم كلِّه لظلمها وغطرستها ولن يكون العالم آمِنًا أبدا، وستُفتح آفاق فِتنٍ لا حصر لها.
اللهم فاشهد .
الخامنائي هو رأس النظام الإيراني وهو المرشد الأعلى للطائفة الشيعية في إيران وخارجها، وعليه يعتبر اغتياله من طرف الجيش الصهيو-أمريكي مكسبا كبيرا للأمريكان والإسرائيليين يمكنهم الانتشاء به.
وهو في نفس الوقت خسارة كبيرة لإيران والشيعة الذين على مذهبها، وهو يمثل لهم نكسة معنوية كبيرة.
غير أن التحول الكبير في اليوم الأول من الحرب لا يعني انتصاراً البتّة للأمريكان والإسرائيليين، ولا يعدّ هزيمة للإيرانيين. إن مقاييس النصر والهزيمة تقاس بأهداف الحرب، وما دام الهدف المعلن من قبل المعتدين هو تغيير النظام فانتصاره لا يتحقق إلا إذا غيروا النظام، سواء باستسلامه أو بالثورة عليه من قبل الشعب، أو الانقلاب من داخله. كما أنه ما دام هدف الإيرانيين هو مقاومة العدوان وعدم الرضوخ لشروط المعتدين، فهم منتصرون ما داموا ماضين في ذلك وقادرين عليه.
ليس من السهل على المعتدين الصهاينة والأمريكان أن يحققوا هدفهم المعلن، فهم يتعاملون مع نظام عقائدي مبني على رؤية دينية وقومية وتاريخية عميقة وصلبة. وحتى في حالة ضعفه يستفيد من حاضنة اجتماعية واسعة وشديدة الارتباط بفكرة النظام، ومستعدة للثبات على الظروف السيئة من أجل معتقداتها وكرامتها، وحوله طبقات قيادية واسعة من نخب عسكرية ومدنية واقتصادية وثقافية تكوّنت على مدار عقود من الزمن.
إن الفكرة لا يقتلها الاعتداء عليها، وعلى أصحابها، بل يزيدها قوة وصلابة، ولو تركت إيران لحالها لكان التدافع الداخلي التلقائي جديرا بتغيير النظام بما يتناسب مع الواقعية السياسية دون التعارض مع أصل الفكرة، والتعويل على معارضة عميلة مرتبطة بالاستخبارات الأمريكية والصهيونية لن ينفع المعتدين في شيء.
بعد أن تجاوزت إيران الصدمة، وشرعت في استبدال المرشد والقادة الذين قتلوا معه، وخرجت حشود شعبية كبيرة في شوارع إيران احتجاجاً على الاغتيال، انقلبت الصورة فصارت العزيمة على الثبات أشد لدى الإيرانيين، وفي المقابل باتت شكوك المعتدين في تغيير النظام من الداخل أكبر . وعليه ستستمر المعركة لتحسم عسكريا لا غير.
وحين نقول بأن المعركة ستحسم عسكريا، نعود للتذكير باستحالة الحسم بدون تدخل بري، والتدخل البري هو عين الهزيمة للأمريكان، حتى ولو نجحوا في احتلال البلد، إذ سيؤدي ذلك إلى انشغالهم الكبير عن مواجهة الصعود الصيني، وربك سياساتهم الدولية، ويوفر بنك أهداف يومية لضربهم في إيران وخارج إيران، ولن يزيد ذلك إلا تهديدا للوجود الإسرائيلي، لأن أكبر من يخسر في أجواء الفوضى هو الكيان الصهيوني ذاته.
يمكننا أن نقول بلا تردد بأن الأمريكان وقعوا في الفخ الإسرائيلي، وسيكونون أمام خيارين كلاهما مسيء للمكانة الدولية لأمريكا، وللوضع السياسي الداخلي لترامب، إما استعمال القوة المفرطة ضد إيران للحسم، كما فعلت مع اليابان في الحرب العالمية الثانية، وسيؤدي ذلك إلى حراك دولي كبير ضدها، وعمليات انتقامية لا متناهية، إذ لن يكون في العالم الإسلامي رضوخ للمنتصر أبدا كما وقع مع اليابانيين والألمان، بل سينقلب العدوان إلى هزيمة ولو بعد حين، أو الرجوع للمفاوضات الدبلوماسية لإنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها المعلنة، مع أضرار كبيرة لإيران وللكيان، ثقلها سيكون أكبر على مصير دولة الكيان، وهذا هو المرجح والله أعلى وأعلم.
عبد الرزاق مقري
لم يكن قرار الحرب سهلا على ترامب، فقد اتخذه وصفّه منقسم بين إرادتين: ارادة المعارضين للحرب داخل حاضنته الاجتماعية ( الماغا) التي وعدها بالاهتمام بأمريكا أولا، وإرادة الداعين للحرب داخل اللوبي الصهيوني الداعم له ماليا والمتحكم في ملفات فضائحه في قضية ابشتاين.
إن الحرب حرب تلمودية يشير إلى ذلك الدلالة الرمزية الدينية لليوم الذي تم اختياره لبدء العدوان، وصاحب القرار الحقيقي للحرب هو الكيان الصهيوني. وهذه الحرب خطوة حاسمة لتحقيق حلم إسرائيل التوسعي كما عبّر عنه “نتنياهو” وحلفاؤه اليمينيون صراحة، وأكّده سفير الولايات الأمريكية في تل أبيب “مايك هاكابي” وثبّته يائير لبيد رأس المعارضة اليسارية الصهيونية.
ولكي يمضي في هذا الحلم عليه أن يلغي كل تهديد محتمل على الكيان، والتهديد الأول حاليا هي الصواريخ البالستية الإيرانية، فهي السبب العسكري الرئيسي للحرب هذه المرة، وليس الملف النووي، إذ عند عدم رضوخ الإيرانيين للضغط من أجل تدمير صواريخها تم اتخاذ قرار ضربها.
إنه إذا نجحت الخطة الإسرائيلية في تدمير النظام الإيراني بعضلات أمريكية، سيتم التوجه لإلغاء التهديد السني المتمثل أساسا في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، بأي شكل من الأشكال، بما يجعل مشروع التوسع ممكنا .
لقد أعلن نتنياهو عن هذه الخطة بوضوح في خطاب مسجل له، حيث تحدث عن تفكيك المحور السني بعد إضعاف إيران. وبعدئذ سيتم إخضاع المنطقة كلها للإرادة الصهيونية الأمريكية، ويكون حكام العالم الإسلامي، جميعهم، مسؤولين عن سقوطهم وسقوط بلدانهم، وذلك منذ اليوم الذي تخلوا فيه عن إيران وسلّموها للعدوان الذي تتعرض إليه.
ولكن هل سينجح الصهاينة المسيحيون، والصهاينة اليهود في هذا المخطط؟ هل سيسيطرون على إيران ونظامها ومقدراتها؟
هناك عوامل كثيرة تحكم المآل الذي ستصير إليه الأمور ومنها:
– جدية ترامب في الحرب، هل هو منخرط في الحرب خدمة لإسرائيل إلى الآخر، أم أنها مناورة فقط لاستيعاب ضغوطات الصهيانة عليه وابتزازهم له؟ ومدى الجاهزية العسكرية للولايات الأمريكية المتحدة للمضي إلى حرب مدمرة أو طويلة المدى؟
– الأطراف التي ستدخل في الحرب، سواء مع الولايات الأمريكية المتحدة، وأساسا الجيوش الأوربية، أو مع إيران، وأساسا الصين وروسيا وبعض دول العالم العربي والإسلامي.
– مدى قدرة إيران على الرد، ومدى مستوى الأذى الذي تلحقه بالإسرائيليين والمصالح الأمريكية، ومدى صمودها وجاهزيتها لتحمل ضربات العدو وأعباء الحرب المختلفة.
– مدى حجم الاختراق الأمني الذي قد يتعرض له النظام الإيراني.
– مدى تماسك وصمود الشعب الإيراني وبقاؤه موحدا حول قيادة دولته.
– هل ستتحول المواجهة الصاروخيّة إلى مواجهة برية أم لا.
– مدى قدرة الكيان الصهيونى على اعتراض الصواريخ الإيرانية، ومدى قدرته على الصمود، ومدى تحمل جبهته الداخلية للخسائر.
– مدى فاعلية الحراك الدبلوماسي الدولي لوقف الحرب.
من هذه العوامل المؤثرة في مجريات الحرب ثمة عاملان أساسيان هما الأكثر أهمية. الأول هو عامل الجبهة الداخلية الإيرانية، وهو أساس الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية. ويؤكد ذلك مضمون خطاب نتنياهو مباشرة بعد بدء العدوان حيث دعا الشعب الإيراني لكي ينتفض ضد النظام الحاكم، وقبله الغضب الشديد الذي عبّر عنه دعاة الحرب في أمريكا بسبب تأخر بدء العدوان مع الاحتجاجات الشعبية التي وقعت قبل أسابيع، وقد صرّح بذلك السيناتور الأمريكي “ليندسي غراهام”، بلا مواربة، موجها لوما شديدا، بل تهديدا، للدول العربية والإسلامية التي ضغطت على ترامب – حسب تصريحه – لمنع الحربً ، وكان يقصد تركيا والسعودية.
ولا أظن أن هذه الخطة ستنجح، إذ برهن الشعب الإيراني على قدرته على تجاوز خلافاته أثناء الحرب، وأن العملاء سيخشون من القتل، والفتك بهم، في الشوارع، من طرف الجيش والشعب كلاهما.
أما العامل الثاني فهو الاختراق الأمني، واحتمال وقوع انقلاب من داخل النظام يؤدي إلى مفاوضات تنهي الحرب على الشروط الأمريكية الإسرائيلية. ولكن يُعتقد أن النظام الإيراني استفاد كثيرا من الاختراقات التي عرفها في حرب الإثني عشر يوما، وأنه بات متحكما تقريبا في الأمر، وأنه مهما كانت الاختراقات لن تستطيع تجاوز الجدار الأيديولوجي للحرس الثوري، ومؤسسات أمنية أخرى.
فإذا فشل الجيش الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق الاختراق الداخلي المأمول فسيجد نفسه في مأزق، لأنه لن تُحسم المعركة لصالحه من خلال القصف الجوي وحده، مهما كانت الخسائر التي ستلحق بإيران. وسيضطر عنده إما للتفاوض من أجل حلول وسطى، أو الدخول العسكري البري المباشر. فإذا تورط في الدخول البري سيخسر المعركة، حتى لو شكل تحالفا واسعا من الأوربيين وبعض الدول العربية، بل حتى لو أسقط النظام. فهو في هذه الحالة يكرر تجاربه الفاشلة في الصومال والعراق وأفغانستان. ويكون هذا الفخ في صالح الصين وروسيا، ولا يستبعد أن “يأمل” هاذان البلدان أن جر غريمهما إلى هذا المستنقع.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com