المقالات

لماذا أناضل؟ لماذا أعبر عن رأيي السياسي؟

اعبر عن رأيي السياسي حين يدعوني ضميري لذلك، لا غير، ولا يهمني إلا رضوان المولى سبحانه، ومصلحة بلدي وسلامة دولتي وخدمة أمتي، أسعى أن يكون تناولي لأي حدث بالمهنية اللازمة، واللغة المدروسة المناسبة، لا أمتهن لغة الخشب ولا أقول لكي لا أعبّر، ولا ترتعش يدي وأنا أكتب، ولا يتلعثم لساني وأنا أتكلم، ولله الحمد والمنة وحده.

لا أبحث في الحياة الشخصية للمشتغلين في الشأن العام بل أنقد السياسات والقرارات والتصرفات التي أراها تضر بلدي. حين أعارض لا أغادر بلدي، وإن خرجت منه في إطار نشاطي الدولي أو لضرورات شخصية أعود إليه مهما كانت المخاطر.

أنا راض بما منحني الله من سمعة طيبة عند الناس، وما أحاطني الله به من تقدير لخطي السياسي وتوجهي الفكري ومواقفي، ألمس ذلك بحمد الله حيثما ذهبت. 

وفي المقابل ثمة من يتهجم علي ممن ليسو معروفين البتة، أو من شبكات الانتهازية والزبونية المصنوعين والمأمورين، أو الذين يودون التقرب من الحكام بضرب الشرفاء من المعارضين.

وأنا بشر أخطئ وأصيب وأقبل النصيحة والحوار،  ولكن في كل الأحوال لا أبدد رصيدي لغايات صغيرة أبدا، وأنا لست “حيوانا سياسيا” لا تهمني إلا المنافسة السياسة وامتهان المعارضة من أجل المعارضة، فكثير من وقتي في التأليف ضمن مشاريع بحثية عديدة ستنشر عند نهايتها في وقتها، أو في قيادة مشاريع حضارية استراتيجية في بلدي أو خارج الوطن، وأنا في هذه الفترة ضمن برنامج في ثلاث دول ألقي المحاضرات والدروس والندوات لنشر أفكاري ومناصرة القضية وقيادة مؤسسات معتبرة بحمد الله، وسأعود إلى البلد بإذنه تعالى ضمن ذات الرسالة والرؤية. 

ليتأكد الجميع، مع هذا، بأنه لا يستطيع أحد أن يمنعني من التدافع السياسي في بلدي أو أن تكون لي رؤية سياسية وطموح سياسي، أو  أن يخرجني من الساحة السياسية ما لم اختر ذلك بنفسي، أو أن أؤيد هذا أو أعارض ذاك بما يمليه علي فهمي للمصلحة الشرعية وخير البلد.

أنا أناضل في بلدي من أجل مبادئي والتمكين لرؤيتي التي سميتها “الحلم الجزائري”  رغم علمي بأنه لا توجد فرصة، وأن من بيدهم الأمر لهم كامل القدرة على كسر أي طموح وتحريك فواعل كثيرة لإلغاء المنافسة، وجعلها مأمونة لهم وحدهم باستعمال وسائل الدولة وبتسخير البعيدين والقريبين، فمن عبر عن رأيه المخالف من أجل المناصب والطموحات الانتخابية في الجزائر كمن يحرث في الماء، ولكن من فعل ذلك من أجل الإصلاح والتغيير فسيصلح  الأمر ويتغير الوضع بأي شكل من الأشكال، بحول الله. وستتاح الفرص لأجيال بعدنا تكون من حسناتنا الجارية.

أنا لم أتغير، هكذا كنت من قبل وهكذا أنا، بل زادت قناعتي بخطي بعد تجربة عملية طويلة أكّدت بما صار قطعيا وثابتا بأن إقناع الناس بالتغيير  من داخل مؤسسات الدولة لم يصبح مجديا مطلقا وحصر  العملية السياسية  في الانتخابات والبرلمانات لا يثمر أبدا.

لقد ساهمت بجد وإخلاص عبر مسيرتي الطويلة في الحوار والبحث عن المساحات المشتركة منذ مجموعة السبعة في وقت الشيخ محفوظ إلى مشروع الانتقال الديمقراطي ومبادرة التوافق الوطني، وبنيت شبكة علاقات مع المسؤولين في الدولة لا يعلم مداها إلا الله، فنصحت المسؤولين سرا في مختلف مؤسسات الدولة، وعبرت لهم عن آرائي بحضرتهم دون مواربة، وتحدثت علانية باللين والشدة، وصدحت بالحق،  في مختلف العهد الرئاسية منذ دخلت البرلمان عام 1997 وبعد أن غادرته عام 2007 ، وتسجيلات اليوتيوب ومقالات ومنشورات الوسائط الأخرى شاهدة فلا يقولن أحد بأنه لدي حسابات مع زيد أو عمرو، فلا يعز علي أحد أمام ما أراه حقا كائنا من كان، في إطار المصداقية والمسؤولية.

لقد كنت على نهجي الذي أنا عليه  منذ عهد الشيخ محفوظ رحمه الله، وقدمت له مذكرة في ذلك وقتها هي نواة مخططات البيت الحمسي وتحدي العبور، وحينما قلت في التلفزيون الجزائري وأنا أدافع عنه – أنزل الله عليه شآبيب رحمته – بأننا لن ندخل تحت البرنوس التزمت بذلك ولم أدخله أبدا، وهكذا كنت في وقت الشيخ بوجرة فلم أندمج في الرؤية الغالبة آنذاك مطلقا، وحين اقتنعت بأن بقاءنا في الحكومة مضر بالحركة وبالبلد ناضلت مع إخوة آخرين داخل المؤسسات حتى خرجنا من الحكومة، وحين قُدتُ الحركة – وقد ساهمت الظروف الخارجية في تغيير الذهنيات آنذاك – قدتها بذات الرؤية فحققنا إنجازات لا ينكرها، أو يتراجع عن الإشادة بها، إلا عليل القلب، سواء في الجانب السياسي أو الاستراتيجي أو على مستوى استقرار الحركة وتحقيق الوحدة ورجوع أعداد كبيرة من القادة والمناضلين منذ حركة الانشقاق الأولى والثانية في وقت الشيخ محفوظ إلى موجات الفتن التي جاءت بعده. وبعد خروجي من قيادة الحركة بقيت وفيا لما عشت من أجله باسمي الشخصي لا أمثل حزبا ولا هيئة ولا شخصا ولا جهة معلومة أو خفية، سوى التيار الشعبي العام الذي يجد نفسه في أفكاري ومواقفي وأجد نفسي في تطلعاته حيثما كان. فكيف أتغيّر أو أغيّر  وأنا في السن الذي أنا فيه.

إن المنهج الذي سرت عليه طيلة حياتي أنتج إنجازات كبيرة في مختلف المجالات والاختصاصات، وعبر فترات عديدة، ولا يُغيَّرُ المنهج الناجح المفيد للصالح العام، إلا من غيره  من أجل المصالح الشخصية .. وانا بحمد الله لا تعلق لي بأي مصلحة شخصية، فأنا حر طليق  مستمر في كفاحي ونضالي على ما أنا عليه، مهما كانت الصعوبات .. سواء تحققت النتائج المنشودة أم لم تتحقق.

والله أسأله الثبات  والقبول والتوفيق والحفظ والصون، لي ولكل مناضل صادق من أجل الحق.

آمين

 

د. عبد الرزاق مقري

ماذا يعني إطلاق سراح بوعلام صنصال؟

– لو تم إطلاق سراح بوعلام صنصال دون تدخل أجنبي بعد الاتهامات الخطيرة التي اتهم بها (ومع وجود سجناء سياسيين لا  يلتفت إليهم)  لكانت مصيبة، أما إطلاق سراحه بعد التدخل الأجنبي فالمصيبة أعظم.

– التدخل الألماني هو مجرد مناولة للفرنسيين في هذه القضية، فرئيس المخابرات الخارجية  الفرنسية أكد يوم 11 نوفمبر، وفق جريدة “لوموند”، بأنهم جاءتهم إشارات من الطرف الجزائري تفيد أنهم  يريدون استئناف الحوار وأن شروط فرنسا معروفة ومنها إطلاق سراح السجينين بوعلام صنصال والصحفي الفرنسي كريستوف”، كما أن هذا التدخل الألماني  يساهم في رفع الحرج عن الجزائريين لكي لا يظهروا بأنهم خضعوا للشروط الفرنسية.

– إطلاق سراح صنصال بتدخل أجنبي يعني أن اتهامات الخيانة المصرح بها رسميا لها حماية أجنبية وأن استعمال الحق الدستوري في المعارضة السياسية أو في التعبير الفكري والعلمي المخالف للتوجه الرسمي جريمة لا يوجد من يشفع لأصحابها، على غرار ما وقع للصحفي عبد الوكيل بلام  والدكتور محمد بلغيث وغيرهما من السجناء السياسيين.

– حين يُطلق صنصال  كناشط عمل لفائدة مصالح  أجنبية ضد الجزائر ، وصاحب تصريحات خطيرة في ملفات خارجية، ويبقى في السجون أصحاب الاتجاه الوطني والإسلامي المعروفين بصدق ولائهم لبلدهم وأمتهم  معنى ذلك أن الأقليات المشبوهة ذات نفوذ حاسم في البلد وأن الأغلبية في بلادنا لا وزن لها. وللتذكير : “اتهم صنصال في تصريح رسمي بأنه “خائن لا يعرف أباه قال أن  نصف الجزائر ملك لدولة أخرى”. وذلك ردا على قوله بأن ثمة مدنا مغربية أعطتها فرنسا للجزائر، كما صرّح سابقا بعظمة لسانه تصريحا تابعه الملايين على اليوتيوب بأنه كان وسيطا لضبط موعد بين الإسرائلين والرئيس زروال ووزيره للصناعة في منتدى ديفوس عام 1997. ثم لما لم ينجح في ذلك التقى – وهو إطار في وزارة الصناعة – مع الإسرائيليين دون علم وزير الصناعة.

– حين يُطلق سراح صنصال الذي اتهم بالخيانة، وحين يُصرح السيد وزير الداخلية بأنه تغاضى عن فساد متكرر لرئيس بلدية بسبب سنه “سبعين سنة”، ويبقى في السجن محمد بلغيث الذي هو كذلك في سن سبعين سنة، وعبد الوكيل بلام بسبب شدة تصريحاته السياسية المعارضة، وحين يتعرض المعارضون السياسيون الشرفاء إلى مختلف أنواع التضييق والتشويه  والحصار الإعلامي معنى ذلك أن الجريمة والخيانة في بلادنا هي المعارضة الفكرية والسياسية (المشروعة دستوريا وفي الأعراف الدولية)، ومؤدى ذلك أننا نعيش انقلابا في سلم القيم وأن المعروف صار منكرا والمنكر صار معروفا. وهذا لا يبشر بالخير من ناحية السنن الاجتماعية

د. عبد الرزاق مقري

فوز ممداني: رسالة إلى الشباب

شاب عمره 34 سنة، فاز :

– ضد ترامب وجبروته

– ضد الحزب الجمهوري وقوته

– ضد تيار  الغدر  المرتبط باللوبيات في حزبه.

– ضد الأقطاب المالية الكبرى وتشعباتها.

– ضد وسائل الإعلام التقليدية الكبرى وتأثيرها

– ضد الكيان ولوبياته. 

شاب عمره 34 عاما يفوز في نيويورك العاصمة الاقتصادية للولايات الأمريكية المتحدة وأكبر مركز مالي في العالم.

شاب عمره 34 سنة ينشئ تيارا شعبيا عابرا للأحزاب والمعتقدات يجند فيه قرابة مائة ألف شاب متطوع في حملته الانتخابية.

لم يكن لهذا الشاب أن ينجح لو لا وجود هوامش ديمقراطية كافية لذلك، لو لا رجحان كفة من يريد التغيير في بلاده.

إنها رسالة لكم أيها الشباب في بلداننا: تستطيعون فعل ذلك بشرطين أساسيين، بغيرهما لا معنى لأي شرط آخر:

– أن تحاربوا الاستبداد بلا هوادة، وأن تعملوا ضد التحكم في إرادة الناس، والتزوير والغش والفساد وشراء الذمم وأن تضحوا من أجل ذلك. إنها معركة شاقة وخطرة ولكن لديكم القوة والوقت لذلك، ولو انكسر منكم ألف وألفان على هذا الطريق، سينجح الواحد منكم بعد الألف والألفين ويكون ثمرة من  ثماركم.

– أن تكسروا شبكات الانتهازية والزبونية، وطوابير المصالح الشخصية والطموحات الصغيرة وأصحاب الأيادي المرتعشة. وهؤلاء أمرهم أسهل، بيوتهم كلها من ورق، وإنما يُكسرون بالحجة البالغة، والصدق الذي لا تلون معه، هم يميلون حيث تميل الريح، يكفي أن ترتفع أصواتكم، وتثبتوا على طريقهم ليختفي أكثرهم.

انظروا إلى هذا الفيديو المرفق كيف يتجه بالنقد مباشرة إلى المنافس الأقوى: إلى ترامب الذي يحكم العالم!

لا تصدقوا بأنه يواجه ترامب لأنه يشعر بالأمان، هو يعلم بأنه معرض للاغتيال، وأنه سيواجه قوة جبارة لتشويه ولإفشاله ولإتاحته.

لم ينجح لأنه مسلم ولكن لأنه شجاع واجه الأقوياء، لأنه مع المظلومين، في بلاده وفي فلسطين، لأن له أفكار، لأنه يغامر، لأنه لا يتردد، لأنه صاحب كفاءة، لأنه صادق، لأنه جذاب، لأنه يجمع، لأنه شاب. 

إنه التيار القادم، أسأل الله أن نكون من صانعيه، وأن نكون الجسر الذي تعبرون عليه أيها الشباب، الأمل كله فيكم.

 

د. عبد الرزاق مقري

لماذا لم تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو؟

ربما السؤال الأنسب هو لماذا تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو  في قضية الصحراء الغربية لمنع التقدم الذي حصلت عليه المغرب في مجلس الأمن؟

قضية الصحراء الغربية ليست ذات وزن في المصالح الصينية والروسية، وليست قضية مبدئية من حيث أنه لدى الصين وروسيا قضايا يمكن اعتبارها شبيهة بقضية الصحراء الغربية، فيوجد لدى الصين قضية الإيغور مثلا وربما قضية تايوان، وعند روسيا قضية جزيرة القرم والدونباس وسابقا الشيشان وداغستنان  وغيرها.

فهل يمكن استعمال حق الفيتو فقط لمواجهة الولايات الأمريكية المتحدة؟ ليس هذا واردا في الظروف الحالية، فروسيا في اتصال مع الإدارة الأمريكية وهي تحقق نجاحات مع ترامب، وقد اعترف لها على الأقل بأحقيتها في جزيرة القرم ومناطق مهمة شرق أوكرانيا، والصين ليس في استراتيجيتها التصعيد مع الولايات الأمريكية وفي مصلحتها، تجاريا وتكنولوجيا، تخفيض التصعيد.

وهل الصين وروسيا حقا حليفان استراتيجيان للجزائر، ولو على حساب المغرب، فتسندان ررؤيتها في ملف الصحراء الغربية في مجلس الأمن؟ ليس الأمر على هذا النحو.

لا أحد يجهل البرودة في العلاقة بين روسيا والجزائر التي ظهرت في عدم دعم روسيا عضوية الجزائر لمنظمة البريكس، وكيف تنظر روسيا للجزائر من الناحية الاستراتيجية الدولية، والتي عبر  عنها لافروف بتصريح فهم بأنه مسيء للجزائر عقب الاجتماع إذ قال بأن “المعايير التي أخذت بعين الاعتبار لدى مناقشة توسع مجموعة البريكس هي وزن وهيبة الدولة ومواقفها في الساحة الدولة ومساهمتها في التحول نحو عالم متعدد الأقطاب”. وقد بيّنت في مقال عن ذلك حينها بأن روسيا تعتبر أن الجزائر لم تحسم أمرها في مسألة التحالفات الدولية وأنها أقرب إلى الولايات الأمريكية المتحدة. وزاد في توتر العلاقات بين البلدين التحولات الكبرى التي وقعت في مالي ودول الساحل والتي جعلت الجزائر  أقرب إلى المعسكر الغربي في هذا الملف، وقد شهدنا جميعا الرد المهين للافروف على الصحفية الجزائرية التي سألته عن تورط الفيلق الإفريقي الروسي في جرائم ضد المدنيين.

وبالرجوع إلى هذه الحادثة يمكن أن نتساءل هل كان هذا الحدث بريئا أسابيع قليلة قبل انعقاد مجلس الأمن عن قضية الصحراء الغربية.

ومن أغرب ما حدث في هذا الملف أنه في الوقت التي باتت علاقات الجزائر سيئة جدا مع جيرانها في بعض دول الساحل وخاصة مالي – وهي الآن منطقة نفوذ مع روسيا  – هو التقارب الكبير الذي حصل بين حكومات هذه الدول والمغرب، ولا شك أن هذا الوضع الجديد ليس في صالح الجزائر في علاقتها مع روسيا.

وكون السلاح  الجزائري سلاحا روسيا لا يكفي ليكون التحالف الاستراتيجي نهائيا بين الدولتين، فالقاعدة أن الدولة المسلحة بغير سلاحها والتابعة في تسليحها لدولة أخرى قد تكون تابعة وليس بالضرورة حليفا. ولا تكون روسيا منزعجة كثيرا على المدى القريب من ضياع هامشها في سوق السلاح بالجزائر، فهي تعلم بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تمنح أسلحتها المتطورة للجزائر في المدى المنظور، كما أن تغيير  الدولة تبعيتها في السلاح من دولة إلى دولة أخرى يتطلب على الأقل عشر سنوات، ويتسبب عادة في حالة إضعاف للقدرات العسكرية للدولة المعنية، إذ يتطلب  ذلك تغيير ثقافة عسكرية عميقة ومهارات ومعارف راسخة يصعب تغييرها، وهو قرار  معقد لا يعدّ اتخاذه بالأمر السهل،  إلا إذا كان الانتقال إلى سلاح وطني تصنعه الدولة بنفسها في بلادها.

أما بالنسبة للصين فإن المسألة أبسط من هذا بكثير، فرهاناتها الأساسية حاليا رهانات جيواقتصادية وليس جيوسياسية أو جيوستراتيجية، والجزائر  أقل جذبا في الجانب الاقتصادي من المغرب، حيث أن المغرب يتفوق علينا في حجم الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية والصناعات المتقدمة والاستثمارات الكبيرة مع الصين في حين تتجه علاقاتنا الاقتصادية بالصين  أكثر نحو البنية التحتية التقليدية والتوريد وفي مجال الطاقة رغم الفرص الكبيرة  للاستدراك. وقد تفاجأتُ فعلا بحديث لمسؤول صيني في حفل أقامته السفارة الصينية بالجزائر   عام 2023 حاولت أن أحدثه عن فرص الاستثمار في بلادنا فأخذ يكلمنا بصراحة عن البيئة الطاردة للأعمال في الجزائر.

فبالنظر  لهذه المعطيات ( التي لا تناقش في الرأي العام في بلادنا) ما الذي يجعل الصين وروسيا تستعملان  حق الفيتو  لإرضاء الجزائر وتتسبب في ازعاج المغرب الذي يعتبر هو كذلك بلدا صديقا لهما؟

 

د. عبد الرزاق مقري

قرار مجلس الأمن بخصوص الصحراء الغربية: أسئلة كثيرة تطرح.

اعتمد مجلس الأمن الدولي  الجمعة، قرارا ينص على أن منح  الصحراء الغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للقضية القائمة منذ خمسين  عاما ويدعو الأطراف المعنية إلى الدخول في مفاوضات على هذا الأساس

‎صوتت لصالح القرار 11 دولة من الدول الـ15 الأعضاء بمجلس الأمن، في حين امتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تشارك الجزائر في التصويت.

‎ويدعو القرار جميع الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات بناءً على خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لأول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007.

‎كما جدد مجلس الأمن مهمة حفظ السلام في الصحراء الغربية لمدة عام واحد.

رحب المغرب بالقرار  ترحيبا كبيرا على لسان ملكه، في حين لم تشارك الجزائر في التصويت وأبدى ممثلها السيد عمار بن جامع نقدا شديد اللهجة للقرار قائلا: ”   فالإطار الضيق للمفاوضات المقترح، والذي يفضّل خيارًا على حساب خيارات أخرى، يُقيد المرونة والإبداع اللازمين للتوصل إلى اتفاق حر ومتوافق عليه، وفقًا لعقيدة الأمم المتحدة في مجال تصفية الاستعمار. علاوة على ذلك، فإن النص يُحدث اختلالًا في التوازن بين الطرفين، إذ يركّز على الطموح الإقليمي لأحدهما (المغرب)، ويغفل تطلعات الآخر، أي الشعب الصحراوي، الذي يطالب بالحرية. والدليل على ذلك، أن النص يتجاهل مقترحات جبهة البوليساريو، التي تم تقديمها مؤخرًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، ونُشرت رسميًا تحت الرمز S/2025/664. إنها طرف في النزاع، ويجب الاستماع إلى رأيها وأخذه بعين الاعتبار. كما يثير النص تساؤلات خطيرة ومشروعة حول الأسس القانونية للإطار التفاوضي المقترح لحل النزاع. تخيلوا لو تم اعتماد هذا الإطار في مناطق نزاع أخرى في أوروبا أو الأمريكيتين أو آسيا أو إفريقيا، حينها سيتعرض أحد الأركان الأساسية للنظام الدولي إلى تصدع خطير.  “

إن الأسئلة التي تطرح اليوم بهذا الخصوص كثيرة منها:

– لماذا امتنعت الجزائر عن المشاركة في التصويت؟ هل هو تسليم بالأمر الواقع؟ أم أنه خضوع لضغوطات ما؟

– لماذا لم يحمّل ممثل الجزائر المسؤولية للولايات الأمريكية المتحدة “حاملة القلم” المسؤولة عن هذا التحول الدراماتيكي؟

– هل ستستمر الولايات الأمريكية المتحدة في الضغط على دول المنطقة وعلى البوليزاريو  أثناء المفاوضات والاستفتاء لصالح الحكم الذاتي ؟

– هل لتصريحات المسؤولين الأمريكيين بخصوص إصلاح العلاقات بين المغرب والجزائر علاقة بهذا التحول؟

– لماذا لم تسمح السلطات الجزائرية بمناقشة مجتمعية حرة لقضية الصحراء الغربية حتى لا نفاجأ بهذا التحول؟

– كيف نقيم التضحيات الكبيرة التي قدمتها الجزائر بسبب هذا الملف؟ وما تقييم الخسائر؟ من المسؤول؟ ومن يحاسب على هذا؟

– ما الذي ستستفيده الجزائر من هذا القرار؟

– ما هو مصير مشروع المغرب العربي؟

– هل سيزيد هذا التحول من حضور النفوذ الخارجي الفرنسي الأمريكي في المنطقة أم ينقصه؟

– هل سيعمق هذا التحول التمدد ال”ص” والتطبيع في المنطقة أم يضعفه؟

– كيف ستكون العلاقات المغربية الجزائرية بعد هذا التحول؟ هل ستتطور وفق إرادة البلدين الشقيقين أم ضمن الاستراتيجيات والمصالح الأمريكية؟ 

– ما هو موقف وما هي نفسية المزايدين الانتهازيين، من أحزاب ومنظمات وشخصيات،   الذين كانوا يصعدّون بشأن ملف الصحراء الغربية؟ أين هو دور الذباب الإلكتروني؟ هل سيشنون حملات على هذا القرار وضد الولايات الأمريكية المتحدة؟ أم أنهم يمتنعون عن ذلك توافقا مع موقف الامتناع عن المشاركة في التصويت الرسمي؟

– لماذا ضاعت فرصة الوصول إلى الحل عبر الحوار  بين دول المنطقة عبر السنوات الطويلة الماضية بما يضمن الحقوق ومصالح الجميع دون تدخل أجنبي ؟

 

د. عبد الرزاق مقري

تراجع الحريات نتيجة للتفريط في الدفاع عنها.

إن المجتمع المدني النافع للبلاد هو “المجتمع المدني المفيد وليس المجتمع المدني المستفيد” على نحو ما كان يقوله الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.  والمجتمع المدني المفيد هو الذي يضحي أفراده من أجل الصالح العام، أما المجتمع المدني المستفيد هو الذي يتعلم أفراده فنون الانتهازية وخدمة الأغراض السياسية للحكام والقوى السياسية من أجل المصالح الخاصة والطموحات الشخصية.

إن التضييق على بروز المجتمع المدني المفيد ومنع الجمعيات الوطنية المفيدة من تجنيد الأفراد وصقل قدراتهم ومواهبهم لخدمة الصالح العام في مختلف المجالات وتوسيع مجالات تأثيرها إلا إذا كانت موالية للحكام قبل ولائها للبلد وخاضعة للأشخاص وليس للقانون هو تجميد لقدرات بلد بكامله إذ لا أمل في  تطور الأوطان والنهوض الحضاري دون مشاركة حرة فعلية للمجتمع المدني

إن إعاقة النشاط وتنظيم المؤتمرات الوطنية والدولية للمنظمات ليس إعاقة لها فقط بل هو  تعويق للجزائر وتشويه لصورتها أمام علماء ومفكري الأمة ونشطاء الحرية والقضايا العادلة في الأمة وفي العالم. وما هذا المنع والتضييق  إلا مظهر آخر من مظاهر تراجع هوامش الحريات في البلاد بشكل غير مسبوق.

ولا يمثل هذا التراجع صورة سلبية للسلطات المانعة فقط، بل هو كذلك نتيجة حتمية لتخلي الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام عن الكفاح من أجل الحريات ووضع نفسها وأنشطها تحت سقوف متدنية في الفعل السياسي أقل بكثير مما يتيحه الدستور والقوانين.

إن استمرار الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام والشخصيات في التفريط في الحقوق والحريات والتدافع السلمي والرقابة على الشأن العام لأسباب أنانية وطموحات شخصية وأوهام المحافظة على المكتسبات، وتحويل الوسائل إلى غايات، سيضيق الهوامش أكثر فأكثر وسيضيع المكتسبات كلها وسيهدّ الغايات ونصبح يوما ما أمام أشباح أحزاب ومنظمات وقيادات، والبلد في وضع لا يليق بمكانته وتاريخه ومصالحه.

وصدق الله تعالى إذ يقول: (( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض))

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ)) رواه الترمذي وقال حديث حسن.

د. عبد الرزاق مقري.

 

رحمك الله أخي جمال: رمز للزهد والكفاءة والوفاء ترجّل.

لو حسبت الإخوة العشرة الأقرب إليّ ممن عرفتهم في ساحة الدعوة والعمل السياسي لكان جمال من أوائلهم. إنه من الرجال القليلين الذين بقوا كمعدن الذهب لم يتغير ولم يتبدل، بل كلما مر الزمن زادت قيمته.

إنه الأخ العزيز جمال محمد لقرع رحمه الله رحمة واسعة.

لقد توفاه الله في سن التاسعة والستين بعد مرض عضال ألم به، عاش مع زوجة فاضلة من الدعاة المربيات في البلدة، أخذ الله قبل سنوات ولدا من أولاده الثلاثة، كان آية في الطيبة والجمال، فكان المصاب جللا، وبقي بعده ابنه الأكبر الدكتور أسامة طبيبا متخصصا في ألمانيا، وابنة كريمة متزوجة في المسيلة، أسأل الله تعالى أن يرحمه رحمة واسعة وأن يرزق زوجته وولديه وأحفاده المتعلقين به كثيرا الصبر والسلوان.

عُرف أخي جمال رحمه الله بذكائه الشديد ونبوغه بين أقرانه منذ طفولته، فحصل على شهادة الباكلوريا في بداية السبعينات قبل الأوان، وتفوق في دراسته في المعهد الوطني للأشغال العمومية.

وأثناء خدمته الوطنية كلف بمهام كبيرة لكفاءته ونزاهته، فأسند إليه الإشراف على مدرج الطيران العسكري في تمنراست وعهد إليه الإشراف على الطريق العابر للصحراء في الجزء التابع لولاية تمنراست. وبعد خروجه من الخدمة الوطنية تقلد منصب المدير الولائي للتعمير فنال شهرة كبيرة في الإدارة المحلية.

وفي حياته النضالية اشتغل أثناء دراسته الجامعية في لجان التطوع الطلابية في زمن الحزب الواحد، وبعد أن تعرف على الحركة الإسلامية في منتصف الثمانينيات في ولاية المسيلة ارتقى إلى مستوى الريادة بكفاءته وذكائه ورجاحة عقله وسمو أخلاقه وتجرده ونضاله، فكان رئيس أول جمعية ولائية تأسست فورا بعد صدور قانون الجمعيات عام 1988 وهي “الجمعية الولائية للتربية والتكافل الاجتماعي” التي كانت الواجهة الرسمية الأولى للتنظيم الدعوي بالمسيلة قبل تأسيس “جمعية الإصلاح والإرشاد الوطنية” والتي اشتغل فيها رجال أفاضل من جيل المؤسسين أمثال الشيخ محمد مخلوفي، الأستاذ يوسف موسود رحمه الله، الشيخ عبد الله نور، الشيخ الحاج بوساق (ابن عم الشيخ أحمد بوساق)، اشتهرت هذه الجمعية ونالت التقدير والاحترام عند عموم الناس وأعيان البلدة والسلطات المحلية، ومن أفضل ما اشتهرت به خدماتها الاجتماعية ومساهماتها الثقافية، وخصوصا “جلسات إصلاح ذات البين” التي بات القضاء المحلي يستعين بها لما نالته الجمعية من مصداقية وما حققته من نتائج مشهودة كثيرة مستعصية. وبعد أن تأسست جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية تراجع أداء الجمعية الولائية وتم تحويل مقراتها إلى جمعية الإرشاد عبر إجراءات قانونية كان الأستاذ جمال ممن أشرف علي القيام بها.

انخرط أخونا جمال محمد الأقرع انخراطا كاملا في النضال الحزبي بعد تأسيس الحزب فكان أول رئيس مكتب ولائي عام 1991 للواجهة الحزبية قبل الإدماج ولم يفكر أبدا بأنه يغامر بطموحاته الشخصية وبالمكانة العالية التي كان يتمتع بها عند السلطات المحلية المدنية والعسكرية، ولم يكن له من طموح في ذلك رحمه الله إلا الوفاء لرسالته الدعوية وخدمة بلده، فلم يقبل في أي محطة من المحطات الانتخابية أن ينافس على الترشح للبرلمان أو المجالس المحلية رغم بروز اسمه في طليعة المرشحين في مجالس التداول والقرار بالحركة ولائيا وإلحاح القادة والمناضلين عليه وإصرار الأعيان العارفين بقيمته عند كل استحقاق انتخابي.

ومن دلائل صدق زهده أنه كان هو السند التقني الخلفي لكل منتخبي الحركة، فكان رحمه الله هو ركيزة لجنة المرافقة التقنية، مع أخيه ورفيقه وصديقه إسماعيل ميمون، التي كانت تسندني أثناء أداء مهمتي النيابية بين 1997-2007 وهي سر نجاحي في متابعة قضايا التنمية المحلية وما نلته من مكانة عند رؤساء الحكومات والوزراء والولاة والمدراء التنفيذيين### الذين تجاوبوا معي كثيرا لنضج الملفات التي كان الأخوان جمال وإسماعيل يساهمان في إعدادها لي مساهمة أساسية. ثم واصل نفس المهمة مع نواب آخرين من بعدي ومع المنتخبين المحليين الذين تداولوا على المجالس المحلية، ولم تكن ثمة قضية في هذا الشأن يحضرها جمال رحمه الله وتبقى مستعصية.

لم تكن المعارف والمهارات التقنية هي وحدها ميزة جمال رحمه الله، بل كانت خصيصته الأساسية مهاراته القيادية، التي كانت تؤهله ليكون قائداً وطنيا لا يشق له غبار، ولكن بسبب زهده المعتاد في الظهور كان دائما يضع نفسه في المراتب الثانية وراء إخوانه، فتقلد مسؤولية نائب رئيس المكتب البلدي لبلدية المسيلة وراء أخيه إسماعيل ميمون ثم وراء أخيه عبد الرشيد ميرة، ثم نائب رئيس المكتب الولائي وراء أخيه صالح نور، وكان في كل ذلك لا يُقضى أمر مهم دون أن يكون حاضرا فيه، فكان يسمى “الحكيم” و”المخ” وغير ذلك من ألقاب التقدير الصادقة. وكنت كلما حاولت أن أؤهله لمناصب ادارية وحكومية مركزية، أو مهام قيادية تنظيمية وطنية يرفض رفضا قاطعا فلا يترك لي أي مجال للإلحاح.

كان بإمكان جمال محمد لقرع رحمه أن يكون مقاولا من أكبر المقاولين في البلد عبر شركته “أثير” في الدراسات والإنجاز التي جمع فيها من أكفأ وأنزه المهندسين والتقنيين في المسيلة، ورغم نجاحاته في مشاريع كبرى ولائية وجهوية ووطنية بقي مقاولا مكتفيا بالكفاف بسبب تفشي الرشوة والفساد والمنافسة غير العادلة التي سيطرت عليها الرداءة التي تسببت في كوارث كان هو وشركاؤه وأعوانه من الشهود التقنيين عليها.

أدرك أخي العزيز جمال محمد لقرع رحمه مبكرا فساد العملية السياسية في الجزائر فابتعد في السنوات الأخيرة عن الاهتمام بالشأن الحزبي والتنظيمي، وكان من الشخصيات الملهمة التي قادتني إلى نفس النتيجة لاحقا، التي مفادها عدم الرهان على التغيير المنشود الذي ينهض بالبلد من داخل النظام السياسي، والتركيز على العمل الشعبي والاستثمار في المجتمع، إذ كان حريصا عليّ أن لا أضيع وقتي وقدراتي كثيرا في مسار المشاركة السياسية في ظل الموازين السياسية القائمة، وأن أركز على العمل الاستراتيجي، وكان من الداعمين لي في هذا المجال، ورغم كبر سنه تطوع من تلقاء نفسه أن يرعى أكاديمية جيل الترجيح الشبابية بالمسيلة بنفسه، التي كان ابنه دكتور أسامة – شبهه في الأخلاق الذكاء والتفوق الدراسي – أحد خريجيها.

رغم صرامة أخي جمال وصراحته في التعبير عن رأيه كان من ألطف الناس، وأرفق الناس، وأرحم الناس، لا يأتيك منه سوء أبدا، ولا يعكر صفوك في كل الأحوال مطلقا، لا يقول إلا خيرا. لقد كان رحمه الله نبعا للخير، لا يصدر عنه إلا ما ينفع، اتصف بأخلاق جليلة على رأسها الصدق والرجولة والشهامة والوفاء والمروءة، استطاع أن يجذب إليه حب وتقدير واحترام إخوانه، حتى بات محل إجماع بيننا رحمه الله رحمة واسعا.

لم يكن جمال رحمه الله هو وحده القريب إليّ، بل كانت المودة بيننا عائلية، فزوجته المربية الداعية القدوة صديقة زوجتي، وابنه الدكتور الطبيب أسامة من أقرب الأصدقاء إلى أبنائي، كبروا جميعا معا في بيتَينا، ولذلك المصيبة مصيبة العائلة كلها، فالله أسأله أن يرحم أخي جمال رحمة واسعة وأن يصبّرنا جميعا على فقده وأن نكون معا جميعا على سرر متقابلين في الفردوس الأعلى.

اللهم آمين

د. عبد الرزاق مقري.

 

 

بعد الخامسة والستين: أين نجحت وأين أخفقت؟ وماذا بعد؟

حينما أنظر إلى ما مضى من عمري بعد الخامسة والستين أجد أن حياتي بحمد الله لم تكن سدى وأن ما أنجزته في مختلف الأمر يتمناه كل إنسان سوي، يمكن البناء عليه لتثمينه أكثر ولو في وقت وجيز، ولكن أقترفت من الأخطاء وأضعت من الفرص ما لا يمكن استدراك كثير منه، وما يمكن أن تساعد التجربة في تصحيح بعضه واللحاق به بإذن الله تعالى وقوته.

1 – أين نجحت؟

أما ما نجحت فيه بحمد الله وتوفيقه ومنّه وكرمه، فمنه:

– على المستوى الشخصي:

التزمت دينيا منذ فترة الطفولة، وحفظت كتاب الله كاملا، وتحصلت على تعليم جيد، في الطب والعلوم الشرعية وعلوم الإدارة والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ونلت ما احتجته من اللغات، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ولم أكتف بالوظيف فعملت في التجارة منذ العشرينيات من عمري فأغناني الله عن غيري، ونجحت إلى الحد الآن في التوازن بين الاحتياجات الروحية والصحية والعقلية والاجتماعية، وتدربت على مهارات عديدة حتى أتقنتها كالكتابة والخطابة والقيادة وتسيير الشأن العام.

– على المستوى العائلي:

اخترت زوجتي على أساس الدين لا غير، فكانت نعمة في الدنيا والدين، نعم الزوجة ونعم مربية الأولاد، صالحة، داعية، عالمة، حافظة لكتاب الله، رزقني الله تعالى منها ثمانية أولاد، تربوا كلهم على القرآن والصلاح والعلم، تفوقوا كلهم في الدراسة وتخرجوا جميعهم من الجامعات الجزائرية، ولم يتخلف أحد منهم عن الانخراط في العمل في سبيل الله من أجل بلدهم وأمتهم والقضية الفلسطينية، اتجهوا للعمل من أجل قوت أولادهم بعرق جبينهم دون أن ينالوا أي امتياز من الدولة أو أي جهة أخرى ذات شأن، في وظيف أو سكن أو أي شيء آخر. لم أفرط في توفير ما يلزمهم من كرامة العيش، من بيت واسع أو فرص عائلية تضامنية وبيئة صالحة لهم ولأولادهم، في دينهم ودنياهم، وصنت أرحامي وحفظت ود أقاربي وجيراني. ولله الحمد والمنة

– على مستوى الشأن العام في بلدي:

انخرطت في الدعوة الإسلامية مبكرا منذ الطور المتوسط في منتصف السبعينيات على يد الشيخين الفاضلين محمد مخلوفي وأحمد بوساق، فلم أخيب بحمد الله ظنهما، وبقيت وفيا لهما وحسنة جارية لحسابهما بإذن الله، إذ ثبت على ما أخذت عنهما من القيم ورسالة الدعوة إلى الله، فكنت من مؤسسي الصحوة في المسيلة وعدد من الولايات انطلاقا من جامعة سطيف التي كانت بحق قلعة من قلاع الدعوة في الثمانينيات، تجسّدت فيها معاني التأهيل القيادي ووحدة العمل الإسلامي.

ثم تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ففُتحت لي على يديه أبواب الجهاد السياسي والأداء الاستراتيجي في البلد وعلى المستوى العالمي، فتميزت عن غيري بالمساهمة الفاعلة معه في تأصيل العمل الجمعوي، وتأسيس العمل النيابي، وفتح خط عميق ثابت للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد والتزوير الانتخابي، وساهمت بعد وفاة الشيخ محفوظ في حفظ الحركة من أن يُذهب التنازعُ ريحها، واشتغلت أثناء النزاع في تعليم الناس مهارات التخطيط والتدريب والرؤى المستقبلية.

وأثناء قيادة الحركة طورت مفهوم المقاومة السياسية وساهمت من موقع الريادة في ترسيخ النضال المشترك بين التيارات من أجل الانتقال الديمقراطي، وخضت تجربة كادت تثمر من أجل التوافق الوطني لو لا صراعات الأجنحة حول الرئيس المريض، وأنانية القوى السياسية.

ورسمت مسارا صلبا في الحركة لإدارة الوظائف المجتمعية عبر ما سميته الخط الاستراتيجي ونظرية التخصص الوظيفي مما بقيت آثاره قائمة. وأعطيت فرصة للوحدة فأنجزنا منها جزء مهما، وحققنا نتيجة انتخابية مشرفة كادت تنقلنا إلى مستوى الشراكة السياسية بدل أوهام المشاركة لو لا عتو النظام السياسي الذي أكّد مرة أخرى بأنه لا يمكن التعاون معه دون تغير موازين القوة.

وتركت بعدي حركة موحدة مؤهلة لاستكمال المهمة لو أراد من أهلتهم لقيادتها ذلك، صنعت فيها، وممن ليس فيها أجيالا من القادة، وتركت حولها مؤسسات كبيرة مؤثرة في اختصاصات عديدة.

ثم تركت العمل الحزبي وتحولت كلية لأعمّق ما كنت ابتدأته في النضال الفكري والسياسي عبرالمقالات والكتب والإنتاج السمعي البصري وعبر مختلف منصات الوسائط الاجتماعية، وفي التأهيل القيادي الشبابي، والكفاح ضد الفساد والاستبداد ومن أجل نهضة البلد ومساهمته في نهضة الأمة وتحرير فلسطين.

– على مستوى قضايا الأمة خارج البلد:

بدأ اهتمامي بشؤون الأمة في الجامعة وأنا إمام خطيب أدعو لنهضة المسلمين واستعادة مجدهم، وبدروسي في المدرسة الشرعية بمسجد جامعة سطيف ومساجد أسامة والأنصار وغيرهما بمدينة المسيلة عبر دروس الفقه الجنائي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، في الثمانينيات. ثم عبر عضويتي في مجاميع دولية أثناء رئاستي للكتلة البرلمانية وللأمانة الوطنية لحقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.

وتدرجت في العمل للقضية الفلسطينية من الدروس والمحاضرات والمقالات إلى تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع عام 2000 على إثر المصافحة المشؤومة ومحاولة دعوة ماسياس وزيارة الوفد الصحفي لدولة الكيان، ثم بعضوية مؤسسة القدس الدولية وقيادة الأمانة العامة لفرعها بالجزائر وما نتج عن ذلك من إنجازات لا تزال شاهدة، منها الوقفية الشامخة وفرع شباب من أجل القدس المستمرة بعنوان جديد، ثم أسطول الحرية عام 2010، وتدشين حملات كسر الحصار والإغاثة منذ شريان الحياة 5 وما نتج عن ذلك من مسارات نُقل عبرها المئات من الجزائريين إلى غزة، وشُيدت مشاريع عدة فيها، وتأهل على دربها العاملون لفلسطين وبني مسار دائم فاعل للعمل للقضية، إلى رئاسة هيئة المستشارين في الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين إلى أسطول الصمود عام 2025 وما فتح من آفاق مستقبلية بحول الله.

وأثناء ذلك كله اشتغلت في العمل الفكري فأسست مركز البصيرة للدراسات وما أنتجه من مجلات علمية معتمدة عديدة ترقىّ بالكتابة فيها مئات الأساتذة ولا تزال مستمرة إلى الآن، وألفت 18 كتابا في الفكر السياسي والشأن الدعوي والقضايا الدولية، وسافرت لمختلف أنحاء العالم محاضرا ومحاورا ومناظرا في المؤتمرات والندوات، ثم صرت عضوا في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، والأمين العام لمنتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حيث وفقنا لتنظيم سبعة مؤتمرات دولية مشهودة وفعاليات فكرية عديدة، وشرعت مع غيري في تطوير نظريات جديدة لتجاوز حالة الاحتباس التي تعرفها الأمة ومن ذلك مقاربات “تحدي العبور” ومشاريع “تيار الأمة” ومعاني متجددة لمفهوم ” مركزية القضية الفلسطينية” ومشاريع “التحالفات العالمية ضد الصهيونية والهيمنة الاستعمارية”.

2 – أين فشلت؟

..يتبع

 

 

د. عبد الرزاق مقري

 

بلغت الخامسة والستين!

في هذا اليوم من أيام الله بلغت الخامسة والستين، وحين يبلغ المرء هذا السن يدرك حتما بأن الأجل قد اقتربت نهايته مهما طال العمر، وسيكون ذلك سريعا!

ولإدراك سرعة ما تبقى من العمر ولو طال الأجل بأن يصل المرء إلى عقد الثمانين مثلا، فيكون من المعمرين، فليتأمل في عدد السنوات المتبقية التي لا تتجاوز عادة معدل العشرة أو العشرين سنة. وحين ننظر إلى العشرين سنة التي خلت – أي عام 2005 أو 2015 – ندرك كم كانت سريعة تلك السنوات، وكم أن الذكريات بخصوصها كأنها البارحة، وعلى نفس الشاكلة ستكون السنوات العشرة أو العشرين المقبلة سريعة كلمح البصر لمن أطال الله عمره ممن في سني قد بلغ الخامسة والستين.

لا شك أن الأجل ليس للإنسان فيه خيار، بالزيادة أو النقصان، وفق قوله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤ نوح﴾)) ولكن إدراك سرعة مرور العشرين سنة الماضية تجعل الإنسان يشعر بالرهبة حقا، والسعيد السديد هو ذلك الإنسان الذي فهم هذا المعنى وشمّر على سواعد الجد يسابق الزمن القليل الذي بقي له من عمره ولو طال أجله.

غير أن الذي يواسي المؤمن، ويفسح له مساحات الفرص الواسعة ولو كان الوقت ضيقا، هو أن قيمة العمر ليست بعدد السنوات ولكن ببركة الزمن المتاح وما يتم فيه من إنجاز وأثر، وما يقبله الله من ذلك.

ومن دلائل الخير التي تسكّن خوف العبد من ضيق ما بقي من عمره مدى ما وفّقه الله إليه من عمل صالح في ما فات، ورجاؤه أن يكون ما بقي من حياته على نهج ما مضى، وأن يتجاوز في ما هو آت ما أسف على اقترافه أو تركه سابقا، راجيا من الله رحمته في الشأن كله.

 

د. عبد الرزاق مقري.

 

 

صلاح الدين مقري: التنافس على الخير وقسوة القرعة

ابني صلاح الدين مناضل صادق، ومثقف شجاع، وصاحب حجة وقلم، كان متفوقا طيلة فترة دراسته إلى أن تخرج من المعهد العالي للهندسة المعمارية بالحراش، تدرج في المسؤوليات النضالية منذ صغره، من خريجي مدارس جمعية الإرشاد وكتاتيب القرآن الكريم في المسيلة، ومن قادة العمل الطلابي في الحي الجامعي بباب الزوار كعضو في مكتب المؤسسة الطلابية، ومن مؤسسي أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، وهو الآن الأمين البلدي لأمانة التنظيم في حركة مجتمع السلم بادرارية. سكنت فلسطين قلبه كما هو حال كل العائلة، كان من رفقائي في حملة من حملات كسر الحصار البرية لإغاثة أهلنا في غزة، من أكثر المناضلين فاعلية في بلديته في تجميع المساهمات لصالح فلسطين، ومن الرافضين لقتل القضية في وجدان الناس ب”سكوت القبور” أمام الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة، ورفض المسيرات والوقفات أمام السفارة الأمريكية، قبض عليه عدة مرات بسبب محاولاته الخروج، لم يسكت قلمه الفصيح في جبهات النضال الفكري والسياسي لصالح القضية الفلسطينية أبدا.

حينما قررنا المشاركة في أسطول الصمود عزم أن يكون عضوا فيه، لم أكن أريد أن يشارك من الأسرة اثنان، والحاجة إليه كبيرة في عدة مجالات، ولكنه أصر، وقال لي: ” لا أستطيع أن أفعل شيئا يُهدئ من غضبي تجاه الظلم الواقع على أهلنا في غزة، من الأعداء ومن القريبين، سوى المشاركة في الأسطول، وإن لم أذهب لا أتحكم في نفسي في ما يمكن أن أقوم به”. لم تساعدني أمه في إقناعه، إذ فصلت في الموضوع بخصوصي وخصوصه، بأنه “لا يُنهى أحدٌ عن القيام بالواجب، ولا يحدث إلا ما يريده الله، ولا يقتل سوى الأجل”.

وكانت زوجته رغم خوفها عليه تشجعه على الذهاب، تارة تدمع عينيها ولكن في كل الأحوال تصر على تشجيعه. ولكن حينما التقيت به في تونس ضمن الوفد الجزائري الكبير بقيادة الأستاذ مروان بن قطاية دعوته أن يقيم معي في نفس الحجرة فاستنأست به، وفرحت بانخراطه الكامل مع الفريق المشرف مع المايسترو المؤدب القدير زكريا شريفي .

ولكن حينما تغير شعوري وصرت أحرص أن يكون معي في هذه المهة سمعت قبيل ركوبي السفينة الجزائرية التي عُيّنت لركوبها نحو غزة، بأنه حُرم من الركوب في السفينة الجزائرية الأخرى التي كان من المفروض أن يكون فيها مع مروان وزكريا فحزنت وتأسفت كثيرا. ورغم الأسف حدث في سياق حرمان صلاح الدين من الذهاب ما يفرح له قلب المؤمن، وهو التنافس الشديد بين أعضاء الوفد السبعين الذي جاؤوا من الجزائر لركوب سفن أسطول الصمود حين تأكد بأن عدد البواخر المتاح وسعة المراكب المسموح لها بالإبحار لا يسمح بمشاركة الجميع في المهمة.لم يتنازل أغلب الأفراد فكان لا بد من إجراء القرعة، وحينما فصلت القرعة عمّ الحزن المقصيين ودمعت أعينهم، فارتفعت مقاماتهم جميعا في نفوس الجميع وتذاكرنا معا بشأنهم قوله تعالى في سورة التوبة: ((وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ – 92))، فكان ذلك شهادة لهم على مكانتهم وإن لم يتحقق لهم مرادهم، بل ثمة من ذكّر بقوله سبحانه في نفس السورة: (( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) فهم بنص القرآن الكريم وكأنهم معنا، يأخذون نفس الأجر لمن صدُقت نيته بإذن الله تعالى.

غير أن سبب إقصاء صلاح الدين ابني لم تكن القرعة العادلة، ولم يكن من المشاركين الذي قُبلوا بالصفة (الشخصيات الاعتبارية، الأطباء، الصحفيون)، ولكن الاجتهاد القيادي للقائد الفذ زكريا شريفي هو الذي فصل في أمره بكل مسؤولية وحب، إذ رأى بأنه على الشباب المسؤول في التنظيم أن يُعطي القدوة بالتنازل لغيرهم للمحافظة على الأجواء الطيبة، علاوة على أن صلاح الدين غاب أثناء القيام بالقرعة لمهمة كُلف بها، وحينما عاد ووجد بأن القرعة قد تمّت احتج على إقصائه، ولكن حين رأى الإرباك في وجوه من أنصفتهم القرعة تجنب إحداث إرباك مضاعف واضطر إلى الانسحاب وهو في غاية الحزن.لا أُخفي على الإطلاق بأنني تعاطفت كثيرا مع ابني صلاح الدين، وكرهت كثيرا أن أفتقده فلا أراه بجانبي في هذه المهمة التاريخية النبيلة، ولكن عساه يأخذ أجر الذين ذكرهم الله تعالى في الآيتين السابقتين، وأجر الصبر على عدم استفادته من القرعة، وأجر الإيثار في عدم إحزان إخوانه والله نسأله القبول من الجميع.

 د. عبد الرزاق مقري

التخلي عن الواجب خوفا من ضياع المكتسبات (2)

التعسق في استعمال صلح الحديبية:

يستعمل  القادة بعض القادة كثيرا أحداث صلح الحديبية في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

لقد اضطرّ رسول الله صلى عليه وسلم أن يقدم في صلح الحديبية تنازلات كبيرة للحفاظ على الدعوة واستمرار المسيرة، ومن ذلك القبول بحرية من يرتد عن الإسلام  والتحاقه بالكفار في  مكة فلا يردوه، وتسليم من يسلم ويهاجر  صوب المدينة إلى قريش.

أسلم أبو بصير ( عتبة بن أسيد) في مكة ولكن حين هاجر إلى المدينة أرسلت قريش رجلين لطلبه  فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم معهما وفق الاتفاق، وأثناء الطريق قتل أبو بصير  أحدهما وعاد إلى المدينة يتوسل رسول الله ألا يرده إلى الكفار يفتنوه عن دينه، فقال له:  (يا أبا بصير، انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا)،  و حين سمع أبو بصير المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول عنه: “ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد”. ففهم الرسالة بأن لا مُقام له في المدينة وأنه عليه أن يبحث له عن دور خارجها يكون لصالح المسلمين.

انطلق هذا البطل خارج المدينة فورا، وتمركز  على ساحل البحر الأحمر في منطقة تسمى سيف البحر، وبات كل من سمع إيحاء رسول الله لا يأتي إليه حين يُسلم بل يلتحق بأبي بصير، حتى صار جمعهم جيشا قوامه ثلاثمائة رجل يغيرون  على قوافل قريش يقتلون من فيها ويأخذون أحمالها. وممن التحق به  الصحابي الجليل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ومعه سبعون فارسا ممن أسلم بعد الحديبية، وسهيل  بن عمرو أبوه هو مفاوض قريش في الصلح، أخذ ابنه  بنفسه من بين يدي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي جندل حين استغاثه: (( اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا))،

لقد كانت هذه المبادرة الاستراتيجية، من أبي بصير وأبي جندل، التي لا تتحمل جماعة المسلمين في المدينة عبأها هي المخرج والفرج، ليس لأصحابها فقط بل للجماعة كلها ولمستقبل الإسلام.

فبعد أن تضررت قريش من فاعلية هؤلاء الشباب الأبطال الذين صنعوا مصيرهم بأيديهم، دون أخذ الإذن من الجماعة ومن الرسول القائد، جاءت تتوسل إلى رسول الله أن يُسقط ذلك البند الظالم وأن يُبقي عنده من يأتي إليه مسلما، فأرجع المصطفى عليه الصلاة والسلام أبطال جيش أبي بصير  وأبي جندل إلى الجماعة في المدينة معززين مكرمين،  ولم يصبح الناس، بما فعله هؤلاء،  يخافون من بطش قريش فكثر الوافدون على الإسلام جهارا وما هي إلا  سنتان حتى نقضت قريش الصلح فأدى ذلك إلى فتح مكة ونهاية حكم الشرك فيها.

إن العبرة الأساسية التي نستشفها من هذا الحدث في السيرة النبوية في الرد على من يريد كتم أنفاس الأتباع، خصوصا الشباب، ليكون الناس جميعا على عقليتهم ونمطهم القيادي، بدعوى المحافظة على المكتسبات، لا يملكون الفهم الصحيح للأداء الاستراتيجي، بأن يكون على يمينهم من يمكن أن يرفعوا سقف النضال والمقاومة،  دون أن يُتهموا بالمزايدة على القادة، حتى وإن لم يستشيروا في الأمر، خصوصا في زمن الإكراهات وما دامت أعمالهم تتجه إلى نصرة الإسلام وقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

إن القائد الاستراتيجي هو الذي يكون على يمينه، من الرجال والمؤسسات،  من يجب أن يرفع السقف أكثر مما تطيقه القيادة في ظرف من الظروف، كما قد  يكون على يساره من يخفّض السقف أدنى مما يصح أن تنزل إليه القيادة، ويخوض القائد الاستراتيجي معركة الكر والفر بين هاذين السقفين بما يخدم استراتيجية الجماعة والرؤى المتوسطة والبعيدة، لا استراتيجيات الأفراد وطموحاتهم. وبذلك فقط يتم المحافظة على المكتسبات. أما الجمود على نمط واحد من الأداء والمكوث في مساحة ضيقة من الفعل هو  ذلك ما يضّيع المكتسبات، هذا الذي تعلمناه من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد شرحنا هذه الأفكار في بعض كتبنا ومقالاتنا ودرّبنا عليها أجيالا قيادية وحققت نتائج محمودة بإذن الله وتوفيقه.

٢- إن مما يرد شبهة التخلي عن الواجب والتضييق على من يقوم بالواجب خوفا من ضياع المكتسبات، أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يرتبط بالتنازل على القيام بالواجب الكامل تجاهها، وإنما يرتبط كليا بالمآل الأخير لطوفان الأقصى، فلو –  لا قدر الله- تم كسر  المقاومة والسيطرة على غزة نهائيا سيعمّم التطبيع على كل البلاد العربية والإسلامية، ومخرجات المبادرة السعودية الفرنسية في الأمم المتحدة تدل عل ذلك، وإذا وقع هذا سينتقل الدور إلى الفكرة التي أسست المقاومة في كل أنحاء العالم، وسيكون الثمن الذي تدفعه الحركة الإسلامية عندئذ فادحا يجعلها تندم على التنازلات التي قدمتها وعلى تجنب الاشتباك السلمي دفاعا عن المقاومة وأهلنا في غزة.

إن المحافظة الحقيقية على المكتسبات تتحقق حينما يعرف الحكام بأن لا سقف يحكمنا بخصوص القضية الفلسطينية، وأن التخلي عنها من قبل الأنظمة سيحوّلها الى مشكلة داخلية في كل بلد.

علاوة على أن سياسة الخوف من ضياع المكتسبات أدت إلى نتائج عكسية في العديد من تجارب الإسلاميين بشكل عام. فالحركات الإسلامية التي سايرت الأنظمة المحلية والإقليمية والقوى الدولية للحفاظ على المكتسبات تراجعت وضعفت وتم السيطرة عليها وعلى مؤسساتها من قبل الاستبداد ولم تصبح آمنة على مستقبلها وتقهقر تأثيرها، وبعضها تعرضت لانشطارات وانسحابات وفتور  واسع لدى مناضليها، حدث ذلك في المغرب والجزائر وتونس واليمن والأردن، بأشكال مختلفة وبعضها مشترك، وزاد في نفس الوقت في هذه البلدان وغيرها سيطرة الاستبداد، وتضييق هوامش الحرية،  وانتشار الفساد، وتعمّق في بعضها التطبيع وفقدان السيادة لصالح الصهاينة والقوى الاستعمارية، وتواطأت كلها على خذلان غزة واكتفت بالتصريحات والبيانات والمساعدات التي بات لا يصل أكثرها، وما وصل لا يسمن ولا تغني من جوع.

د. عبد الرزاق مقري

التخلي عن رفع السقف في القضية الفلسطينية خوفا على المكتسبات (1)

يتخلى بعض نشطاء القضية الفلسطينية، خصوصا على مستوى الحركات الإسلامية في العالم العربي،  عن واجبات أساسية في نصرة القضية الفلسطينية، بما يتناسب مع حجم المخاطر والمأساة،  بقولهم أنهم يحافظون بذلك على مكتسبات ثابتة في بلدانهم.

فيقولون في المغرب مثلا بأنهم لا يرفعون سقف الاحتجاج ضد التطبيع ولا يستعملون الوسائل السلمية الصارمة ضد وجود السفارة الصهيونية في بلادهم للمحافظة  على البعد الديني للملكية وإمارة المؤمنين، والسماح لهم بالمسيرات الضخمة في المدن المغربية لصالح فلسطين.

ويقولون في الجزائر بأنهم يتخلون عن المسيرات والوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الأمريكية ولا ينخرطون علانية وعمليا في أسطول الحرية، ويتساهلون مع التقصير الرسمي في نصرة القضية،  وغير ذلك،  للمحافظة على الموقف الرسمي الرافض للتطبيع وتساهل السلطات مع العمل الخيري والإنساني الشعبي لصالح القضية.

وقد كانوا يقولون في الأردن، قبل حظرهم ومنعهم من التعبير،  بأنهم لا يتعاملون بصرامة مع السفارة الصهيونية، ولا يرفعون سقف احتجاجاتهم بما يتناسب مع حجم مأساة قومهم وأهلهم، ولا يزحفون سلميا نحو الحدود،  ولا يعملون على دعم تصعيد المقاومة، خصوصا في الضفة، ويتبرؤون من المتطوعين الذين يُلقى عليهم القبض بسبب المحافظة على رصيدهم التاريخي في البلاد وعلى نشاطهم في مختلف المجالات، وعلى الهوامش الشعبية المتاحة لدعم القضية الفلسطينية، ولو لا الخوف من الإطالة لتوسعت في ضرب الأمثلة في العديد من دول العالم العربي والإسلامي ( وقد يتطلب الأمر التوسع في دراسة هذا الموضوع في إطار أشمل من القضية الفلسطينية بإعداد بحث تفصيلي خاص يرصد الحقائق ويتعمق في دراسة الأسباب ويحلل النتائج ويستشرف المستقبل ويقدم الحلول والبدائل العامة والقطرية).

غير أن الرد على الحجج التي يقدمها المقصرون في القيام بالواجب سهل جدا، هم ذاتهم يعرفونه في قرارة أنفسهم، ورفض توجهاتهم موجود في النقاش الداخلي على مستوى مناضليهم، ولكن الذي يفرض التخاذل إنما هم القادة لأسباب خاصة بهم نذكرها لاحقا.

وبسبب الطبيعة التنظيمية “العسكراتية” وغلق فضاءات التعبير  بالقدر الكافي لقادة الرأي الآخر في مؤسساتهم، وبسبب ضعف البنية الفكرية القاعدية، ومخاوف الأتباع من الاستهداف ضد التنظيم وقيادته ووحدة الصف، الوهمية والحقيقية، تتجسد “نظرية القطيع” التي يصفها المتخصصون في علوم الإدارة والمنظمات وحركات الحشود وعلم النفس وعلوم الاجتماع، فيُترك بسبب ذلك كثير من الواجبات ويتم تجاوز الحق، والتواطؤ الجماعي على الخطأ.      

لو سلمنا فرضا بأن كل المكتسبات المعبر عنها مكتسبات حقيقية وثابتة وقابلة للصمود، فإن ما يدفع إلى خفض سقوف النصرة للقضية الفلسطينية بسببها يدل على ضيق الأفق، وضعف الأهلية القيادية، وقلة الكفاءة في بناء الرؤى والاستراتيجيات الشاملة، وعدم توفر المهارة في بناء فرق العمل وتوزيع الأدوار والتكامل في الأدوار، للمحافظة حقا على المكتسبات. وأخطر ما في ذلك، عند بعض القادة، ما تنطوي عليه نفسياتهم من ضعف تربوي ينم عن رفض الحق إن لم يكن تحت قيادتهم، والخوف على مواقعهم من الفعل الذي لا يُوضع فورا وبشكل مباشر في كفتهم، وبُغض من يشتغل خارج إرادتهم، والنزوع لاحتكار المشهد ونجومية الفعل، وحسد المُجدين واتهام نواياهم ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالقضية ذاتها، بل الإضرار بحركاتهم وجماعاتهم ومنظماتهم وأحزابهم وبلدانهم نفسها.

إنه من العجب فعلا أن يعتقد بعضنا، ونحن في حالة الضعف التي نحن فيها، أننا نحن مركز العالم وكل ما يحدث مما يخالف توجهاتنا وقراراتنا هو باطل يجب التحرز منه، وتعميم التوجيهات للابتعاد عنه وعدم المشاركة فيه، وإن كان في ما يحذرون منه خدمة للإسلام والأوطان والمقدسات، ولعمري إن في ذلك ما ينافي سلامة القلب، التي تجعل الإنسان يفرح بالخير وإن لم يكن له فيه مصلحة محققة، كما بينه ابن قيم في تبيان أمارات صاحب القلب السليم على لسان صاحبه حين يقول” وأسمع بالقطر ينزل في أرض ليست لي فيها سائمة فأفرح”

ولو اتبع هؤلاء هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرائقه لإدارة الصراع لأدركوا حجم أخطائهم في فرض نمطيتهم الواحدة، ففي سيرته عليه الصلاة والسلام نماذج كثيرة في استيعابه  لمختلف الفواعل المتناقضة واحتوائه المشاهد المعقدة في زمن الإكراهات وإدخالها ضمن استراتيجياته واستعمالها لتحقيق أهدافه.

ومن ذلك حوادث صلح الحديبية، التي يستعملها القادة المتخاذلون كثيرا في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

اتفاقية سيداو والحرب على الأسرة

لا يخفى على الواعين أن ثمة حربا تشنها القوى الاستعمارية ضد العالم الإسلامي لضرب أساساته التي حفظته ضد الاحتلال والتغريب والإلحاق الثقافي والحضاري .

لقد أدركت القوى الاستعمارية بأن الذي حفظ الأمة الإسلامية في مختلف أقطارها هو تمسكها بقيمها وهويتها، وأن المشكلة التي يواجهونها لتطويع العالم الإسلامي ليست الحركات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية، ولا حتى الدول، وإنما هو الإنسان المسلم ذاته بسبب تمسكه بعقيدته وانتمائه، وأن هذا الإنسان المسلم هو الذي يحكم على الحكام والأحزاب والمنظمات بمقدار انتمائهم لهويته وقيمه ودينه وليس العكس، وقد تأكد لديهم بإن إضعاف الحركات والمنظمات الإسلامية، والحكومات المحافظة، لا يعني شيئا ما دام الإنسان المسلم متمسكا بهويته، وأن هذا الإنسان المسلم سيترك الأحزاب ويقاطع المؤسسات الرسمية التي تخون قيمه وينشئ لنفسه أطرا سياسية واجتماعية أخرى تواجه التوجهات الغربية ومن يحملها بعزيمة أكبر وضراوة أشد.

لقد علمت القوى العلمانية الرأسمالية  الاستعمارية، من خلال تجربتها الطويلة في أوربا بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين، بأن تغيير الإنسان والتحكم في إرادته وتشييئه يكون من خلال كسر كل المرجعيات التي تشكل ثقافته وشخصيته سوى المرجعية الحضارية الغربية المادية الرأسمالية العالمية التي صنعوها للإنسان ضمن سياق تاريخي خاص بهم، وكانت طريقهم إلى ذلك في بلدانهم تفكيك الأسرة واحتكار صياغة المنظومات التربوية والتحكم في الإعلام وتحييد الدين وإنهاء تأثيره.

وبعد خسارتهم في السيطرة الثقافية والحضارية على العالم الإسلامي رغم الاستعمار الطويل المدمر، وعجزهم عن الحسم في المواجهة السياسية الديمقراطية أمام القوى المتمسكة بالثوابت رغم طول مرحلة التزوير الانتخابي والانقلابات الدموية التي دعموها والاستئصال والتدجين الذي حققوه، وكذا بعد  فشلهم في المواجهة المجتمعية رغم الدعم العظيم الذي قدموه للاستبداد وللنخب والقوى العلمانية المعادية للانتماء الحضاري للأمة، علموا بأن برامجهم يجب أن تتجه لتغيير الإنسان ذاته، وأنه بدل  الاستعمار المباشر والاستنزاف الطويل في المواجهة السياسية والفكرية يجب أن يضغطوا على حكام الدول العربية والإسلامية لتغيير قوانين الأسرة، والمنظومات التربوية والدينية ومنعها من أي مساهمة لتشكيل الشخصية الإسلامية الواعية الملتزمة بقيمها، المقاومة للاستعمار والظلم والفساد وتكثيف بدل ذلك برامج التفاهة والإفساد عبر مختلف وسائل الإعلام ونشر المخدرات والحفلات الصاخبة والقدوات السيئة.

تعتبر  “اتفاقية سيداو للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة”، من أخطر الاتفاقيات التي تهدف إلى تفكيك الأسرة وبناء مجتمعات تتبع مرجعية واحدة هي المرجعية العلمانية الرأسمالية الاستعمارية، وكأنها دين عالمي مقدس جديد من صنع البشر. وصدق الله تعالى إذ يقول في سورة النساء: : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).

لقد واجهت هذه الاتفاقية مقاومة شديدة من العديد من الدول تحفظت على عدد من بنودها، ومنها كثير من دول العالم الإسلامي، ولكن تحت الابتزاز والضغط، وبالنظر لضعف بعض هذه الأنظمة واهتزاز شرعيتها، وعدم قدرتها على التحصن بشعوبها، وبسبب الصراعات البينية بينها،  بدأت تتراجع عن تحفظاتها.

والذي يهمنا في هذه الاتفاقية بعدها الفلسفي المناقض للتصور الإسلامي للأسرة ومكوناتها وللمرأة وعلاقتها بالرجل.

إن المظالم المسلطة على المرأة في العالم سببها الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاقتصادية والدولية التي خلقتها الفلسفة الليبيرالية الفردانية والنظام الرأسمالي التسلطي والحروب والأزمات التي أنشأها جشع الدول الاستعمارية، ولن تستطيع اتفاقية سيداو حماية المرأة بل ستزيدها بؤسا بسبب اتجاهاتها المخالفة للفطرة الإنسانية.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران: (( وليس الذكر كالأنثى))، وقد تنوعت تفاسير المفسرين في هذه العبارة منهم من عدّها من كلام امرأة عمران ومنهم من عدّها من كلام الله كالصابوني في صفوة التفاسير والشوكاني في الفتح القدير، وهي في كل الأحوال من كلام الله، ولكنهم كلهم يتفقون أنها تعني أن الذكر والأنثى مختلفان في الخلق والدور في الحياة، ولا يصح التفضيل بينهما إلا بذكر المجال التي تفضل فيه المرأة الرجل أو الرجل المرأة.

إن المرأة في الإسلام ليست أدنى قيمة من الرجل وليست أعلى منه، وليست مساوية له ولكنها تختلف عنه، وبسبب هذا الاختلاف يقع التكامل وتنشأ الحياة البشرية وتزدهر وتستمر، وما الدمار البنيوي الذي تعيشه البشرية تحت قيادة القوى المناهضة للفطرة وديانة السوق والاستعباد الاستهلاكي وعبادة المتعة إلا بسبب الاعتداء على هذا الاختلاف في النوع والأدوار.

لقد فسّر كثير من فلاسفة الغرب المعادين للتوجهات الفردانية الليبيرالية الرأسمالية أن تفتيت الأسرة الذي وقع في الغرب هدفه  السيطرة على الإنسان فكريا بكسر مرجعية العائلة بعد كسر مرجعية الأديان، وزيادة اليد العاملة وخفض أجور العمال  بإخراج كل النساء للعمل ورفع معدلات الضرائب والاستهلاك لصالح أقليات تتحكم في ثروة العالم.

أما إذا أردنا أن نركز على المادة التي رفعت الجزائر تحفظها عنها، فإن أبعادها هو الحماية التشريعية للمرأة لتسهيل خروجها من بيتها والسفر حيث شاءت والسكن كما أرادت بغير إذن والدها وزوجها. وهي الفقرة الرابعة من المادة 15 التي “تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم”، وهذا التوجه بهذا الإطلاق غير جائز في الإسلام. فالأسرة في الإسلام مؤسسة اجتماعية تخضع للقوانين المؤسسية لكل كيان بشري منظم، أي يكون لها رئيس أو مدير أو ولي ( بغض النظر عن التسميات) يتم مشاورته في القضايا الأساسية ومنها الغياب والحضور ، ولقدسية الأسرة وأهميتها في استقرار المجتمع جعل الله لها رئيسا أبديا مبدئيا وهو الرجل وفق قوله تعالى في سورة النساء: (( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) فالرجل هو القائم على شؤون الأسرة، وسبب القوامة إنما هو التفاضل بينهم في أشياء مختلفة منها ما يكون الرجل فيها هو الأفضل فيه، كالقدرة على الحماية والكسب والنسب والإنابة ومواجهة الأزمات الخارجية، ومنها ما تكون المرأة أفضل كالقدرة على احتضان الأبناء وقوة العاطفة والتحكم في تفاصيل البيت الداخلية وغير ذلك، بالإضافة إلى الإنفاق المتعين وجوبا على الرجل دون المرأة. ولا تكون القوامة في الإسلام حكما مطلقا تسلطيا للرجل على المرأة، وإنما التشاور بين الزوجين هو من الصفات المطلقة في حياة المسلمين كقوله تعالى في سورة الشورى : (( وأمرهم شورى بينهم)) والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة لبناء الأسرة على المودة والرحمة والاحترام والتعاون والتضامن، ليس المجال للتفصيل فيها.

ومع هذا الضبط في بناء الأسرة لم يغلق الإسلام أي مجال لارتقاء المرأة كالتعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وإنما يكون ذلك بالتشاور داخل العائلة كمؤسسة ترتقي بالنظام لا بالفوضى، وفرض  قوانين عامة وشاملة في تسيير شؤون الأسرة عابرة للثقافات هو ما ينشر الفوضى وينشئ الصراع داخل الأسرة.

لا يختلف علماء الأمة بأنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها إلا ما كان في إطار الضرورة أو ما هو متفق عليه ابتداء ، عبر ما يسمى بالإذن العام الذي يمنحه الرجل للمرأة فلا يحاسبها بعده على دخولها وخروجها، أو ما يُبرم في عقد الزواج كاشتراط المرأة على زوجها أن يسمح لها بالعمل أو مواصلة الدراسة أو نشاطها الاجتماعي، أو ما هو معمول به ومتوافق عليه عرفا فلا يحتاج إلى إذن.

إنه لا يوجد في بلادنا وفي أغلب البلاد الإسلامية أي مشكلة في خروج المرأة من بيتها في إطار تفاهم عام بين الزوجين، ولا يوجد في المجتمع حالات شكوى عامة عن منع الرجل لخروج المرأة من البيت في إطار المعقول، ولا يصح التشريع للحالات الشاذة.

إن الخوف من رفع تحفظ الجزائر على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية سيداو  أن يطبق رفع التحفظ لسن تشريعات تحمي الحالات الشاذة من تمرد المرأة على الرجل وتوسيع حالات “النشوز”. ولنا مثل من الأمثلة في ما يمكن أن يحدث الجدال الواسع الذي وقع حول ارتكاز الحكومة المغربية على رفع تحفظ المغرب على هذه الفقرة من اتفاقية سيداو لعدم اشتراط الدفتر العائلي للزوجين عند الحجز للإقامة في الفنادق، إذ كثير من الأصلاء رفض ذلك  بسبب ما يتبعه من انتشار وحماية للفسق والمجون وإحراج العائلات والشخصيات المحترمة في الفنادق.

إن هذا التحول الذي وقع لدى صاحب القرار في بلادنا يدفعنا إلى الحيطة والحذر من آثار ضغوطات الدول الاستعمارية على سلامة عائلاتنا ومجتمعنا، ولا بد للقوى الفاعلة في المجتمع المرتبطة بثوابتها أن تسترجع حيويتها الحضارية وأن تخرج من الحسابات السياسية الضيقة، فإن استمرار مطاوعة النظام السياسي وهو  يزداد ضعفا وخضوعا أمام القوى الاستعمارية الدولية سيقضي عليها قبل غيرها، إذ لا وجود لها في هذا البلد إلا بالمحافظة على قيم هذا البلد واستقلاليته وسيادته، إن الفتوى بحرمة اتباع اتفاقية سيداو  معلومة وإن عدم المقاومة سيؤدي إلى تشريعات وطنية أخطر  من شأنها أن  تهدد انسجام العائلة وتفكك المجتمع وتخلق إشكالات كبرى لم تكن موجودة.

د. عبد الرزاق مقري

فوضى التجارة وأزمة الاستيراد

لم تصبح الأخطاء والأزمات  التي يعرفها عالم التجارة في بلادنا، حالات عابرة متحملة، بل صارت حالات مزمنة دائمة، الخطأ يتلوه الخطأ، والأزمة تتلوها الأزمة، أزمة السيارات، أزمة الحافلات، أزمة قطع غيار السيارات، أزمة زيت المحركات، أزمة العجلات،  أزمة الموانئ، أزمة الرحلات الجوية ، أزمة المواد الطبية، أزمة مواد البناء، أزمة مواد الجراحة العامة وجراحة الأسنان، أزمة المواد الأولية للقطاع الصناعي والفلاحي،  أزمة الحليب، أزمة البطاطا، أزمة البقوليات،  أزمة المواد الطبية ….. وأزمة مستدامة وفوضى عارمة في الاستيراد.

وفي كثير من الأحيان تَصنع هذه الأزمات التي تنشئها السلطات أزمات في المجتمع ثم يحاول المسؤولون إلصاق الأسباب بالمواطنين الذين ضغطت عليهم تلك الأزمات وجعلت بعضهم يقع في المخالفات، وما كان عليهم أن يكونوا على تلك المخالفات لو كان البلد تحكمه الكفاءة والرشد والحكمة. 

فلو تحدثت مثلا عن أزمة الاستيراد أقول  في هذا المقال ما قلته  لمسؤول في الدولة حين كنت رئيسا لحركة حمس. بيّنت له بالحجج العلمية  بأن المنع الموسع للاستيراد لا تقول به أي قاعدة في علم الاقتصاد ولا تنتهجه أي دولة في تجارب الناس.

إن منع الاستيراد لا تنتهجه الدول إلا لوقت محدد في فروع قليلة من فروع الإنتاج من أجل ترقية صناعة منتج من المنتجات أو حماية محصول محدد من محاصيل القطاع الفلاحي، بل إن التوجه الأفضل من هذا المنع المحدود في الحكومات الأكثر رشدا، أنه لا يتم منع الاستيراد ولكن تقوم الدولة بحماية خطتها الإنتاجية بالحوافز التي تمنحها للإنتاج الوطني وبالرسوم التي تفرضها على المواد المستوردة المنافسة للمنتج الوطني المحدد.

إنه لا يعقل البتة أن يُمنع الاستيراد بشكل موسع لمواد صناعية وفلاحية وتكنولوجية وحتى خدمية  لا ينتجها البلد. إن الحاكم الذي يفعل هذا يحرص على استمرار حكمه وليس على استمرار الدولة، يحرص على نفسه ولا يحرص على البلد. إنه يفعل ذلك للمحافظة على الميزان التجاري بمعزل عن أي رؤية أو خطة اقتصادية، ليحافظ على السيولة النقدية وليس على الاقتصاد الحقيقي، ليحافظ على احتياطي الصرف حتى لا يقع في التوقف عن الدفع في فترة حكمه.. دون اكتراث حقيقي بالرؤى والخطط والعمليات الاقتصادية الجادة التي تضمن توازن الميزان التجاري وميزان المدفوعات على أساس تصدير الإنتاج الوطني من الصناعة والفلاحة والخدمات،  وليس بالاعتماد بنسبة عالية جدا على تصدير المحروقات، التي توفر سيولة نقدية بالعملة الصعبة تتأثر تأثرا كبيرا بتقلبات السوق الطاقوية. 

ولا يمكن أن تنطلي على متوسط الثقافة في المجال الاقتصادي أن المقصود من التوسع في منع الاستيراد  هو حماية البلد من المديونية. لا شك أن البلد المدين ضعيف، ولكن سبب الضعف ليس المديونية ولكن العجز عن دفع الديون، إذ الدول ذات الاقتصاد المنتج تتحمل هامشا من المديونية الداخلية أو الخارجية لتحريك الإنتاج وصناعة الثروة، فما الديون عندئذ إلا رأس مال من أجل الاستثمار ولصالح ميزانيات التجهيز ، كمثل ذاك التاجر الناجح الذي يستلف من أجل الربح ثم رد الديون من أرباحه. أما إن كانت المديونية من أجل ميزانية التسيير،  كدفع أجور العمال ونحوه، فتلك هي المديونية القاتلة المدمرة للسيادة التي ينتهجها الحكام الفاشلون الفاسدون.

إن المنع الموسع للاستيراد، في غياب السلع في الأسواق يصنع أزمات متتالية وآفات متعاظمة، وأول هذه الأزمات الندرة، والندرة هي أم الآفات الاقتصادية الأخرى. ومن ذلك التضخم وارتفاع الأسعار، إذ السلعة الناقصة المطلوبة في السوق يرتفع سعرها ويعجز أغلب المستهلكين بعد مدة عن اقتنائها، وإذا انتهجت السلطات سياسة طبع النقود المزمنة الرعناء  من أجل الاستهلاك  لا يصبح ثمة قيد يوقف التضخم حتى تصبح العملة بعد فترة لا قيمة لها. ومما تصنعه الندرة كذلك التهريب، إذ التجارة كلها مغامرة، فيستغل التجار الفرصة ويغامرون لتوفير السلع عبر  شبكات التهريب، فإن طال أمد منع الاستيراد دون تطور  إنتاج السلع الممنوعة يصبح التهريب قاعدة التعامل فتضطر السلطات للتعامل معها ومحاولة تقنينها، وللتهرب من الرقابة على بيع المنتوجات محظورة الاستيراد يتوسع القطاع الموازي وينتج عنه التهرب الجبائي.

ولتوفير السلع للزبائن أو لرفع قيمتها تتطور المضاربة وتتوسع. ومن آثار منع الاستيراد الموسع انتشار الفساد وتهيكله، إذا لا تهريب بدون فساد، ولا تهرب جبائي بدون فساد، ولا مضاربة بدون فساد،  وإذا تم انتهاج سياسة رخص الاستيراد ووضعها في يد جهة محددة، تعاظم الفساد وأدى إلى صناعة عصابات ومافيا داخل الدولة تصبح مع تعاظمها مدمرة للاقتصاد الوطني، ومفسدة للحياة السياسية والاجتماعية، ومهلكة للقيم والأخلاق.

وحين تكثر هذه الآفات وتتعاظم يُحصَّنُ فيها كبار الفاسدين والمهربين والمضاربين ممن يسيّرون أمورهم بعلاقاتهم وشراكاتهم مع الموظفين الكبار  في الدولة في المستويات العليا، أو ممن يشرون رجال الأمن والقضاء ومدراء المصالح وأجهزة الرقابة في المستويات الدنيا.

إن الفوضى التي تعيشها الجزائر في مجال التجارة صنعتها الدولة ولا ضحايا لها سوى المواطنين، ولإظهار نشاط المصالح المختصة أو لابتزاز التجار  الذين يعملون في البيئة السيئة التي صنعتها الدولة يتم بين الحين والحين ضرب بعض صغار المهربين والـمضاربين والمتهربين جبائيا، والمتورطين في الفساد الصغير.

لقد رأينا فعلا كيف أن أناسا محترمين حكم عليهم بأحكام غليظة جدا من أجل عمليات تجارية خاطئة لا تستحق تلك الأحكام، وما كان لها أن تكون لو لا الأزمة التي صنعها المسؤولون، ومن أجل تصرفات إنما جعلتها البيئة الفاسدة مدانة، ولو كنا في بيئة مفتوحة سليمة لكانت تصرفات عادية، وبعض هؤلاء الذين دمرت حياتهم أصحاب شهادات عليا ومقامات اجتماعية مرموقة لا يوجد في سجلهم أي مخالفة قانونية أو أخلاقية  تذكر، وإنما هم ضحية بيئة صنعها غياب الرشد في الحكم والقرارات الخاطئة في الحكم.

إن الأبداع الذي كان مطلوبا من الحكام هو النجاح في التنمية الاقتصادية وتحقيق اقتصاد منتج يوفر السلع والخدمات التي تستطيع أن تنافس منتجات الدول الأخرى، بل تقتحم أسواقهم، وليس عرقلة الإنتاج بمنع استيراد المواد التي تحتاجها الصناعة والفلاحة في بلادنا، وليس بإرهاق المواطن بالندرة وغلاء الأسعار بالتوسع في منع الاستيراد، وليس خلق الفوضى والتهريب والمضاربة والفساد، وليس بظلم التجار بوضعهم في حالة خسران مؤكد تضطرهم لمخالفة القواعد الخاطئة المفروضة.

 د. عبد الرزاق مقري

رداءة في المطار

في كل مرة يجب أن تكون مشكلة في المطار تذكرنا بأننا على مسافة بعيدة من التطور والتحضر، وفي كل مرة أقول: “لِأصبر كغيري من المسافرين ولا داعي للتفاعل!” حتى لا يُقال بأننا نبحث عن السلبيات.

لم أكن في فترة شبابي أثناء أسفاري بهذا الهدوء. كنت دائما أحتجّ عن التأخر الطويل للرحلات، وعن تدهور الخدمات وسوء التعامل. اذكر أنني قدت مسيرة كبيرة للحجاج في مطار جدة، وكنت يومئذ نائباً في البرلمان، احتجاجا على تأخر عدة رحلات ليلا كاملا تم التخلي فيه عن الحجاج تخليا تاما، بلا أكل ولا ماء، ولا مكان للنوم، حتى أخذنا حقوقنا كلها. وفعلت ذات الشيء في رحلة عادية في مطار بدولة أجنبية أخرى، وكثيرا ما كان الناس يطلبون مني أن أتدخل، يحدث أحيانا أن يؤدي الاحتجاج إلى التلاسن مع المسؤولين في المطار أو الخطوط ولكن في  أغلب الأحيان تكون ردود الأفعال من المسؤولين جيدة، إذ أغلب الناس محترمون، ولكن فساد المنظومة هي التي تفسد الناس.

مع التقدم في السن، وبسبب حالة من السأم، وشيء من اليأس في أن تصلح أمور البلد، لم أصبح أتحمس للاحتجاج،  وأصبحت أوطّد نفسي على الصبر، لا سيما أنه لم تصبح لي أي مسؤولية نيابية أو رسمية أو حتى حزبية، فلم أصبح أشعر  بالمسؤولية تجاه غيري لما أراه  أثناء أسفاري، بالرغم من أنني أعلم في قرارة نفسي بأنه شعور شيء  وغير مقبول! ولكن الله غالب، الأمر أصبح هكذا.

ولكن في هذا اليوم بالذات حدث شيء لم أعهده حرّك فيّ الغضب وجعلني أحصي كل المظاهر الخائبة التي عشتها في المطار في نفس الرحلة.

أما الأمر الذي استفزني وأغضبني هذه الصبيحة في المطار فهو تكرار الإعلانات الصوتية بالفرنسية دون  العربية لمدة معتبرة، لم يكن هذا يحدث من قبل، أو ربما لم أكن أنتبه إليه، أو ربما حدث بسبب شخص ما على غير العادة، غضبت غضبا شديدا عن ضياع السيادة وهيبة البلد في مكان يرمز الى السيادة وهو المطار.

لا يتوقف امتعاضي من غلبة اللغة الفرنسية في شوارع عاصمة البلد على لافتات الأغلبية الساحقة من المحلات، وغياب مذهل للغة الوطنية في المحيط، دون أي اهتمام من السلطة الحاكمة ( التي لا تفهم معنى السيادة وهيبة الدولة إلا في الأمور الأمنية والتحكم في أنفاس أصحاب الرأي المخالف)، ولكن أن يكون هذا في المطار فهو لعمري أمر غير مقبول، ولو لوهلة من الزمن، وهذا دون الإشارة الى حصرية اللغة الفرنسية على لسان الموظفين في شركة الطيران الجزائرية حين يتحركون بين المسافرين ينبهونهم للتوجه للركوب وفي حديثهم مع المسافرين أثناء تقديم الطعام في الطائرة، وعن لافتات محلات المطار التي تشعرك وكأنك في فرنسا وليس الجزائر، وأسوء ما في الأمر هو تحول كثير من المسافرين إلى الحديث باللغة الفرنسية، لغة فرنسية رديئة جدا جدا!

أما عن العيوب الأخرى التي صبرت عليها مرات عديدة ولكن اذكرها اليوم بدافع ما أصابني من افتزاز بسبب قهر اللغة الفرنسية لمشاعري فمنها:

– الوقوف في طابور لم يتحرك أثناء التسجيل لأقول بلا مبالغة بأنني لم أتقدم لساعة كاملة بضع  سنتيمترات، وحين تكدس الناس في الطابور جاء أحدهم يوجّهنا إلى مكتب تسجيل آخر، وكان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك منذ البداية.

– وكإجراء اعتدت عليه، كان على الشرطي الذي يطبع الجواز أن يوقفني اكثر من المسافرين الآخرين ثم عليه أن يستشير ضابطا أعلى منه قبل الختم، لم يزعجني الانتظار فلم يكن طويلا، ولكن ما يزعجني في كل مرة هو إشعاري  وكأنني شخص خارج القانون دون جريرة اقترفتها طول حياتي بحمد الله، ولا يخفف عني هذا الشعور بالظلم سوى الأدب الجم الذي يتعامل به معي رجال الشرطة، خصوصا المسؤولون،  جزاهم الله خيرا، فالمشكلة ليست فيهم ولكن في المنظومة.

– وعند وصول وقت دخول الطائرة أخبرونا بأن الرحلة متأخرة لمدة ساعتين، وبعد الساعتين تأخرت ساعة أخرى، ويا ليتهم أعطوا المسافرين شيئا من الإكراميات والماء تطييبا لخواطرهم كما تفعل شركات الطيران في العالم حين يتسببون في التأخر.

– وحين يطول بك المقام فتقرر أن تتجه لأحد المقاهي من أجل فنجان قهوة تقابلك قارورات الخمر، فتبحث عن مقهى آخر لا يبيع الخمر، معتقدا بأنهم “ربما قد فكروا في الأقليات مثلنا ! فجعلوا لهم مكانا لشرب القهوة لا يباع فيه الخمر” فلا تجد، والغريب في الأمر هو أنني تأملت من بعيد هل هناك من يطلب الخمر من هذه الأماكن فلم يظهر لي أحد يفعل ذلك، مما جعلني أشعر بأنني ربما لست من الأقليات في المطار، والحمد لله، وسألت نفسي: حتى وإن تجاوزوا المحذور الشرعي في بلد مسلم، لماذا إذن يضعون قارورات الخمر، إنه لا يطلبها أحد!

– حين تزور أماكن الحاجة والوضوء تستغرب كيف يتدهور المكان بسرعة مقارنة بالمطارات الأخرى في العالم ولماذا لا يتم إصلاح ما يُكسر أو يتعطل بسرعة وإتقان، مع الاعتراف بأن التنظيف على قدم وساق والحمد لله.

– وعندما حان وقت الركوب غيّر الموظف تسجيل بطاقة الركوب رقم مقعدي بالقلم، فبعد أن تحركت لمكتب التسجيل ثلاث ساعات قبل الوقت لآخذ مكانا مناسبا في المقدمة حتى أتجنب الطابور عند الوصول إذا بالموظف يرجعني إلى آخر رقم في مؤخرة الطائرة، والحجة كانت أنهم غيروا الطائرة فتغيرت الأرقام، ولا أدري كيف لم يراعوا تسلسل التسجيل.

– ولا يفوتني أن أذكر بما هو معتاد كذلك وهو الانتظار الطويل عند تسلم الأمتعة في العودة وهو ما لا أراه في أغلب مطارات الدول الكثيرة التي زرتها بما جعلني أضيّق على نفسي فلا أحمل في أسفاري إلا حقيبة اليد حتى أتجنب الانتظار الطويل.

– بعد طول انتظار وفوضى تغيير أرقام المقاعد، خاصة أرقام العائلات، وبسبب التعب، وقلق الأطفال، وعدم تشغيل المكيف بدأ المسافرون يرفعون أصواتهم، وتكلمت امرأة حرة أشجع مني تقول: “اتكلموا يا ناس، لاه ساكتين!” فتكلمت امرأة أخرى: “عيطولنا للمسؤول نهدرو معاه” والغريب في الأمر أن كل من احتج نساء، كلهن نساء، لم يحتج أحد من الذكور. حاولت أن أكون رجلا حين غضب موظف الطائرة من تصاعد الاحتجاجات محذرا من تجاوز الحدود فقلت:” لا تغضب، انت بالذات عليك أن تصبر”، بمعنى اديت “زعما” دور “الرجل الحكيم” خلافا لغضب النسوة وتميزا عن سكوت الذكور.  

تمنيت لو بقيت هادئا مستسلما تاركا لحقي في المطالبة بالحقوق وتحسين الأوضاع كما هو حال أغلب الجزائريين، فلا أكتب هذا المقال ولا أحاول محاولة محتشمة تهدئة مضيف الطائرة، ولكن للأسف غلب استفزازي معنويا حالة السكوت المعتادة عن الحقوق المادية، فأرجو أن يسامحني من أزعجته بمقالي هذا! وأرجو أن يساهم هذا المقام في التحسين ولو شيئا قليلا … على كل حال هذا ما يجب أن يفعله التدافع منطقيا حين نكون أسوياء.

 

د. عبد الرزاق مقري

مروان بن قطاية: شاب بألف.

تعرّف الرأي العام بشكل أوسع على مروان بن قطاية بمناسبة دوره الريادي في قافلة الصمود، وكرئيس لمؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي. غير أن مروان لم تصنعه قافلة الصمود، ولم يكن منتَجا حصريا لمؤسسة جيل الترجيح ( واسمها الأصلي أكاديمية جيل الترجيح)، وإنما كانت القافلة تكريما له من الله تعالى على انخراطه الصادق الشجاع في القضية، نصرة لأهلنا في “غ” ضمن تطورات ” ط أ”، كما أن مؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي إنما كانت محطة أساسية في حياته ضمن مسار طويل في التربية والتأهيل والتكوين، وجد فيها ما يُمثّل أفكاره التي نشأ بها، وطموحاته في إصلاح الوطن التي شبّ عليها، وتطلعاته للعمل من أجل الاستنهاض الحضاري للأمة التي رغب فيها، وللتميز في الحياة في مختلف المجالات الذي كان صورة له.

ولد مروان بن قطاية في بلدية العطف ولاية غرداية في أسرة محافظة من والدَين صالحين كانت تربية الأولاد وتنشئتهم على الدين والأخلاق هي مبلغ علمهما، فحفظ القرآن صغيرا في القرية، وكانت بوابة دخوله العمل الدعوي هي تربية الوالدين وحفظ كتاب الله الكريم، ثم تواصل بناؤه التربوي ودخل العمل الميداني النضالي منذ صغره في الكشافة الإسلامية الجزائرية،  فكانت الكشافة هي مدرسته الجماعية الأولى للتكوين على الانضباط والجندية والروح الوطنية والمسؤولية الجماعة والفاعلية الميدانية، وتطور فيها حتى صار قائدا كشفيا محترما ومبجلا، وفي المرحلة الثانوية التحق بحركة مجتمع السلم  فاستفاد من أسرها التربوية معالم المنهج الدعوي والوعي الإسلامي وأشواق الالتزام بالعبادات والانضباط الأخلاقي والتطلع إلى العودة الحضارية للأمة، مع المحافظة الدائمة على التفوق الدراسي والحرص المستمر على رضا الوالدين والعطف على الأشقاء إذ كان هو بكر العائلة. وحين دخل الجامعة فُتحت له أبواب النضال في مختلف المجالات على مصراعيها، فكان من مؤسسي فرع الاتحاد العام الطلابي الحر في جامعة غرداية، ولتميزه لم يلبث طويلا ليكون رئيس الفرع طيلة حياته الجامعية، فصُقلت في الجامعة بواكير شخصيته القيادية المتكاملة، فكريا ودعويا وتربويا واجتماعيا وثقافيا.

ولأن مروان من الشباب الذين يمنعهم الطموح من الراحة والسكون، ولا يرضون بالرقي دون المعالي، توسعت اهتماماته خارج العائلة والمسجد والجامعة، فاهتم بالمجال الفني عبر تأسيسه فرقة الضياء الإنشادية التي برزت فيها موهبته الإنشادية وصوته الشجي الذي لازلنا نتمتع به إلى الآن، خصوصا حين يقرأ القرآن وهو يؤمنا في الصلاة،  وكان عبر تلك الجمعية سببا لاكتشاف مواهب شبابية فنية أخرى، كما اهتم بالرياضة في سن مبكرة وكانت هوايته الفنون القتالية، وبالتحديد رياضة “الكونغفو”، التي واصل مساره فيها إلى أن وصل بعد عشر سنوات إلى الحصول على الحزام الأسود.

وحين أوصله القدر إلى مؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي وجد فيها ضالته وما يعبر عن رؤيته، ووجدَته هي نعم القائد الجاهز الذي يجب صقل شخصيته وترقية مدركاته وتوسيع مداركه وعلاقاته، وفتح الفرص له بلا حدود، كما هو حال الرشد في التأهيل الذي يتمسك  بالطاقات والمواهب ويصبر عليها ولا يبذرها. وكان منهج الأكاديمية ذاك ما يناسب مساره ويُكمل دربه ويقوّم أخطاءه ويُفجّر طاقاته ويُستفاد من كفاءته، وذلك من خلال منهجها الذي يؤهل القادة وفق قواعد “الشمول والتوازن”، والتعميم والتركيز”، و”القيادة العامة والقيادة المتخصصة”و “شيء عن كل شيء وكل شيء عن شيء”، عبر الأفواج على المستوى الأفقي لتركيز التربية والتكوين والتأهيل، ومشاريع الفاعلية على المستوى العمودي في فرق العمل لاكتشاف المواهب وصقلها.

التحق مروان بن قطاية بالأكاديمية في دفعتها الأولى بغرداية، ومن هناك صار عضوا في قسم السلوك، ومن قسم السلوك أسس مع نظرائه المتميزين، خصوصا في مجال القرآن الكريم والتربية السلوكية، مشروع النهضة بالقرآن، مكلفا بقسم المشايخ بالإدارة الوطنية.   

لم يأت مروان بن قطاية إلى رئاسة الأكاديمية كمظلّيٍ مُقحَمٍ من الأعلى، بل تدرّج فيها من مرتبة إلى مرتبة، إذ بعد نجاح مشروع النهضة بالقرآن واستقلاله بنفسه، بحمد الله، في فضاء المجتمع الفسيح، أصبح مروان رئيس قسم الحملات في قسم الفاعلية، ثم رئيسا للقسم، في المكتب التنفيذي للأكاديمية ثم مديرا تنفيذيا، ثم صار بشكل منطقي رئيسا للمؤسسة حين احتاجت المؤسسة أن يكون أحد أبنائها من يقودها.

لقد تابعتُ مروان من بعيد وهو يمارس القيادة في منظمة مترامية الأطراف تتوزع أفواجها في كل أنحاء الوطن، فرأيت فيه كثيرا من الصفات القيادية النادرة التي تحتاجها المنظمات والأحزاب والبلدان والدول والأمم لكي تصنع نهضتها، سواء على مستوى الالتزام الشرعي والأخلاقي وابتعاده عن الشبهات وانضباطه في العبادات، أو من حيث الصفات الشخصية القيادية كالشجاعة ورباطة الجأش والصدق والوفاء والكرم والمروءة والمصداقية، وأخرى لا أجد لها سوى عبارة بالعامية هي “الرُّجْلة”، أو من حيث الصفات المهارية القيادية، كالرؤية والخطابة والبيان والقدرة على الإقناع والقدرة على ربط العلاقات العامة، أو على مستوى العلاقات الاجتماعية، سواء حسن رعايته لوالدته وأشقائه وشقيقاته بعد وفاة والده، وخيريته لأهله، أو حرصه على صلة أرحامه، وإكرام السابقين في غرداية ومن لهم فضل عليه في تنشئته، بذكره  الحسن الدائم لهم وإقراره بجميلهم، خصوصا الأستاذ عز الدين قادري رئيس مجلس الشورى الولائي الذي كان سبب التحاقه بالحركة، واهتمامه بمن هو مسؤول عليهم في الأكاديمية، ووفاؤه النموذجي  للكشافة والاتحاد ولأكاديمة جيل الترجيح ولكل من كان لهم فضل عليه في ما وصل إليه . 

لا شك أن مؤسسة جيل الترجيح كانت هي العتبة التي اعتلاها مروان للوصول إلى المسؤوليات العليا في حركة مجتمع السلم، كما هو حال أغلب الشباب الذين هم حول رئيس حركة حمس حاليا، القائمين بشؤونه في الديوان والإعلام والمقر وغير ذلك، ولكن وصوله إلى المسؤولية في المكتب الوطني لم يأت من علٍ، بل صعد صعودا متدرجا ابتداء من عضويته في المكتب البلدي للحركة في غرداية، إلى عضوية الأمانة الولائية للشباب والطلبة، إلى عضوية مجلس الشورى الوطني، إلى عضوية الأمانة الوطنية للشباب، إلى عضوية مجلس المؤسسات، إلى عضوية المجلس الاستشاري للشباب، إلى عضوية لجنة تحضير المؤتمر.

لا يمكن لقائد متميز، صاحب رؤية وخبرة وصادق اللهجة في الدفاع عن رأيه، أن لا يصل العالمية في مساره النضالي، فها هو مروان بن قطاية يتحول إلى رمز دولي يشترك في تأسيس “ملتقى شباب العالم الإسلامي” ويكون أحد قادته المقدّرين بين أعضائه من كل أنحاء العالم، ثم يتم اختياره في ظروف صعبة ليكون عضو المكتب التنفيذي الدولي بالاتحاد الإسلامي الدولي للمنظمات الطلابية والشبابية (الإيفسو)، ويشهد له أقرانه بقدرته على التشبيك وربط الشباب عالميا بروح الرسالة والوحدة والعمل.

وحين اعتقد العديدون بأنه تلقى ضربة كبيرة في مسيرته القيادية رفعه الله من حيث لا يحتسب بأقدس قضية في الأمة وهي القضية الفلسطينية، أعطاها بشجاعة وصدق في تعامله مع طوفان الأقصى فأعطته من الرفعة ما لم يكن في باله بقيادته قافلة الصمود. لقد كان مروان بن قطاية من الذين اجتهدوا من أجل النجاح في امتحان طوفان الأقصى، أحسبه كذلك والله حسيبه وحسيبنا، إذ حرص أن يكون في المكان الصحيح من التاريخ ضمن سننية الطوفان، فلم يتوان في بذل الجهد المسموح والممنوع لنصرة أهلنا في غزة، فأوذي في سبيل ذلك إيذاء شديدا وظن من عاقبه بأنه عاقبه بأشد العقاب، على “تعنته” وإصراره في القيام بالواجب وتميزه على الآخرين، فلم يُحبط ولم يكسر، ولما جاءت فرصة قافلة الصمود بادر إلى تشريف الجزائر وتكريمها بالحضور، ضمن ظروف صعبة وإعراض بئيس ومخاطر جمة، فنظّم وأطّر وعبّأ وأنفق، والتقى في العمل مع شيخ فاضل وقائد كريم، يحيى ساري، فكانت المشاركة الجزائرية تحت قيادتيهما، المنطلقة من مقر مؤسسة جيل الترجيح والعائدة إليها، تاريخية رائدة رغم قلة العدد بالنسبة لعدد الليبيين والتونسيين، وصار مروان هو نجم القافلة كلها، وسمعت من التونسيين والليبيين، ثم من الفلسطينيين، حديثا عن مروان جعلني أعتز بجزائريتي، وبحركتي، وبمؤسسة جيل الترجيح للتأهيل القيادي …

إنني أستطيع أن أقول بلا مجازفة بأن مروان بألف شاب، على نحو وصف عمر بن الخطاب لبعض صحابة رسول الله صلى عليه وسلم، وهو من الرواحل الذين لا تكاد تجد مثلهم في المائة على نحو ما ذكره رسول الله صلى الله عليه في الحديث،  وإني لأرى لهذا الشاب، الذي وهو في الثلاثينيات من عمره كأنه في الأربعينيات، مستقبلا قياديا زاهرا بحول الله، بأي حال من الأحوال، إذ أمامه فسحة طويلة من الزمن أسأل الله أن يطيل عمره ويصلح عمله. سيكون له حقا شأن كبير، بإذن الله سبحانه ومشيئته، نسأله تعالى لنا وله حسن الخاتمة.

إن الشهادة التي أشهدها في مروان بن قطاية أشهدها لوجه الله، لأنه يستحق ذلك، وكل ما قلته فيه صادق، ولا أزكي على الله أحدا، وقد حرصت على الشهادة في هذا الوقت بالذات وقوفا معه في وقت الشدة، كما يقف الرجال مع الرجال، ولفضله الكبير على الأكاديمية ومكانته فيها، ولوفائه الرجولي، وخصوصا لموقفه المشرف تجاه القضية الفلسطينية. ولم أقف هذا الموقف لأن مروان أقرب الشباب إلي، فعلاقتي اليومية الشخصية بغيره من بعض الشباب أكثر، وهو لم يكن لطيفا معي في كل الأحوال قبل أن يعرفني عن قرب إذ أساء إلي  ( رغم موقعه المتقدم آنذاك في الأكاديمية ) مع عدد من الطلبة بمناسبة مؤتمر من مؤتمرات الاتحاد قبل أن ينتبهوا إلى حجم خطئهم وتسميم معلوماتهم،  كما أن موقفي من مروان ليس  موقفا طارئا في حياتي، فأنا لا أتمالك نفسي أبدا حين أشهد الظلم ولو في الطريق، حتى لا أبالي في رد الفعل على الظلم بالمآل أحيانا، وفي الحركة وقفت مع الشيخ محفوظ نحناح أمام الملايين في حصة ملتقى الاتجاهات بالتلفزيون الجزائري ومسحت الأرض بمن ظلمه عام 1999، وكان رحمه الله كريما شهما، في قمة الوفاء، إذ رد الإحسان بالإحسان وغمرني بجميل صنعه منذ تلك الحادثة ( دافع عني برجولة ومروءة في وجه الجنرالات والمسؤولين الذين أرادوا الإساءة إلي بسبب دفاعي عنه وقد شهدت ذلك بنفسي، وعرض عليّ الوزارة بعد الانتخابات، وحين رفضت قبِل من قدّمتُه له بدلي، وبقي يدافع عني حتى في وجه من يؤذونني بسبب نقدي له، ويذكرني بخير ويرفع مقامي حتى توفاه الله رحمه الله)، ووقفت مع الشيخ بوجرة علانية حين استهدف في شخصه أثناء الاضطرابات الداخلية وعندما أساء له بوتفليقة وآذاه أويحي، ووقفت مع الرئيس الحالي للحركة قبل أن يتمكّن في منصبه بعد المؤتمر، ودافعت عن مسؤولين في الحركة مركزيا ومحليا حين ظُلموا وزُبروا من القوائم الانتخابية.

أنا أؤمن بمروان بن قطاية، وهو فرصة كبيرة للحركة والوطن والأمة والقضية الفلسطينية وأدافع عنه دون أن أنتظر منه شيئا ولا يهمني هل سيكون وفيا كريما مثل الشيخ محفوظ نحناح أم أنه سينسى المعروف أو ينقلب عليه، فالله أعز وأكرم. والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى وفاة الشيخ محفوظ، الفصل الخامس من إصدار: “بين المصلحة الوطنية المصلحة الحزبية”

الفصل الخامس: التحليل والخلاصات

هذا الفصل لم يكن ضمن البحث الذي تم تقديمه في ملتقى الشيخ محفوظ رحمه الله في إسطنبول عام 2022  في ذكرى وفاته التاسعة عشرة، ولكنه أضيف قبل الطباعة والنشر في عام 2025  في الذكرى الثانية والعشرين لوفاته رحمه الله لمزيد من الفائدة، وهذه الإضافة هي اختصار للمعلومات التاريخية الواردة في البحث، التي لا تتغير، مع تحليل للمعطيات من زاوية نظر جديدة بعد نهاية عهدتي في هياكل الحركة، وهي أضافة معروضة للنقاش والإثراء.   

حاولت في هذا البحث أن أقترب من فهم علاقة المصلحة الوطنية بالمصلحة الحزبية، مستصحبا تجربة الشيخ محفوظ نحناح وحركة مجتمع السلم بهذا الصدد. 

ألزمني المطلب العلمي أن أضع أولا إطارا تعريفيا لمعنى الحزب والمصلحة الحزبية، ومعنى المصلحة الوطنية وسياقاتها الفكرية والفلسفية. 

فتطرقت إلى مفهوم الحزب في السياق القرآني، وكيف أنه يتناول عبارة الحزب في سياق سلبي كقوله تعالى في سورة المجادلة: (( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ـ 19)) وفي سياق إيجابي كقوله سبحانه في سورة المجادلة: (( أؤلئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون ـ 22))، ثم شرحت أن الحزب هو تنظيم بشري يتحزب فيه أفراده ليقوّي بعضهم بعضا وليتعاونوا على غاية ما، فيكون الحزب صالحا إذا كانت الغاية صالحة، ويكون فاسدا إذا كانت الغاية فاسدة. 

ولا نجد في تراثنا الإسلامي تأصيلا لمفهوم الحزب والتحزب أفضل مما ورد في مجموع فتاوى ابن تيمية (11/92)، فقد بين بكلام شاف كاف بأن الحزب وسيلة لفعل الخير ، ولكن لا يكون أبدا هو الشاهد على الحق أو القائم على الباطل لمجرد وجوده، فالحق يبقى حقا  وهو الشاهد على الحزب والباطل يبقى باطلا بمعزل عن الحزب، ولا تكون موالاة المتحزبين لبعضهم بعضا بالحق والباطل مراعاة للحزب، ولكن يحكم علاقاتهم مراعاة الحق والباطل،  فإن كان الحب والبغض في الحزب وليس في الحق أو الباطل فإن في ذلك انحراف بيّن عن الشريعة الإسلامية. 

ويحسن بنا مراجعة النص كما ورد في الفتاوى، يقول ابن تيمية: (أما لفظ (الزعيم) ؛ فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: {وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعيرٍ وأنا بِهِ زَعيمٌ} ، فمن تكفل بأمر طائفة، فإنه يقال: هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على ذلك، وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك. وأما ((رأس الحزب))، فإنه رأس الطائفة التى تتحزب، أي: تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل ، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان)

بعد ذلك عملنا على تعريف الحزب في المنظمات الدولية والقوانين الحكومية، وتبيين الأسس التي يقوم عليها الحزب، بما يميزه عن غيره من الأحزاب، من حيث الرؤية والبرامج والهياكل والحاضنة الاجتماعية، والوسائل التي يستعملها، والأدوار التي يقوم بها حين يكون في السلطة لخدمة المواطنين من خلال البرامج الحكومية، وأدواره حين يكون في المعارضة للتعبير عن أشواق ورغبات الشعب ومراقبة الشأن العام والضغط على السلطات للاستجابة لمطالبه. 

وبيّنا أوجه الاعتداء على الحزب، في وجوده وحقوقه المختلفة، وحقوق أعضائه،  وأساليب التضييق عليه بما يفقد مصالحه الحزبية فيؤثر ذلك عن المصلحة الوطنية. 

وفي تحديد مفهوم المصلحة الوطنية – ضمن الإطار التعريفي –  اتضح  أن هذا المصطلح لا معنى له في الدول الديمقراطية حين يتعلق بالنقاش السياسي الداخلي إذ لا يوجد فيها مجالٌ يُمنع بخصوصه النقاش السياسي، ولا سقفٌ لمعارضة السلطات الحاكمة، ولا حصانة من النقد لأي مؤسسة سيادية أو حاكم ولو كان رأس الدولة، سوى ما يتعلق أحيانا ببعض الإجراءات التي تُتخذ في ظروف أمنية استثنائية، أو في زمن الحروب،  ضمن ما يسمى ب”la raison d’état” التي تُترجم ب”المصلحة العليا للدولة” أو “مبررات الدولة” وهي إجراءات تتعلق أكثر بالسياسة الخارجية ونادرا ما تُتداول في الدول الديمقراطية في نقاش السياسات الداخلية. 

إنما تستعمل كلمة المصلحة الوطنية في النقاش الداخلي بشكل مبالغ فيه في البلاد غير الديمقراطية، وخصوصا الدول العربية، لتحصين النظام السياسي ورموزه وليس الدولة والبلد، في مواجهة نقد المعارضة، وإرباك هذه الأخيرة وتعقيدها. 

فهي عبارة استُعملت منذ نشأتها في عصر النهضة في أوربا في الإطار الخارجي في مواجهة الدول الأخرى، وتطورت من خلال كتابات العديد من الفلاسفة الغربيين الذين أسّسوا للمذهب الواقعي أمثال ميكيافيلي، وتوماس هوبس، وهانس مورغانتو وغيرهم. وقد اعتمد الملوك والأمراء الأوربيون هذا الاتجاه للتحلل من الأبعاد الدينية والأخلاقية في العلاقات الدولية، في الحروب بينهم وأثناء حركة الاستعمار وشن الحروب على الأمم الأخرى، كما استُعمل مفهوم ” المصلحة الوطنية” لتجاوز حدود المذاهب والاتجاهات الدينية المسيحية ابتداء من رئيس الوزراء الفرنسي أرمان دي ريشليو الكاثوليكي الذي تحالف مع بريطانيا البروتستانتية ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة الكاثوليكية في حروب الثلاثين سنة في القرن السادس عشر. ثم أصبح “المذهب الواقعي”  هو المذهب المهيمن والسائد في السياسة الخارجية الغربية، خصوصا في الولايات الأمريكية المتحدة، وخلت السياسة الدولية عن أي بعد أخلاقي بذلك في الزمن الراهن.

وفي الفصل الثاني المتعلق بالعلاقة بين المصلحة الشرعية والمصلحة الوطنية بيّن البحث أنه لا يجب ترك تحديد المصلحة الوطنية لأهواء الحكام ومصالحهم الشخصية، وإنما تُحدد المصلحة الوطنية بأمرين اثنين أولهما هدي الشريعة الإسلامية وما فيها من كنوز في دراسات “المصلحة الشرعية”، وثانيها بالتشاور والاتفاق الجماعي. 

أما “المصلحة الشرعية” فقد كتب فيها علماء الأمة، بشمول ودقة، أكثر بكثير مما كتبه الفلاسفة الغربيون في تحديد مفهوم “المصلحة العامة” منذ وقت مبكر في تاريخ التشريع الإسلامي إلى يومنا هذا. 

فقد اتفق علماء الأمة، كالغزالي وابن تيمية وابن قيم وغيرهم على أن ” مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكليفها، وتقليل المفاسد وتقليلها”  

وقسّموا المصلحة في الشريعة الإسلامية عدة أقسام للموازنة بينها وترجيح بعضها على بعض، ومن ذلك تقسيم المصلحة من حيث اعتبار الشرع إلى مصلحة معتبرة شرعا ومصلحة ملغاة شرعا، ومصلحة مرسلة لا معتبرة ولا ملغاة، يُنظر إليها بمدى تحقيق مقصود الشارع، ومن حيث قوتها وأهميتها، وفق ما عرّفها الشاطبي،  إلى مصلحة ضرورية “لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، أو مصلحة حاجية “تحتاجها الأمة لانتظام أمورها على وجه أحسن للتوسعة ورفع الضيق، أو مصلحة تحسينية من قبيل التحسين والتزيين وهي ما كان بها كمال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر في مرمى بقية الأمم، ومن حيث الشمول إلى مصلحة عامة تتعلق بجماعات في الأمة، كمصلحة فئة معينة أو أصحاب حرفة ما، أو مصلحة خاصة لشخص بعينه، كما يضيفه الطاهر بن عاشور في تعريفاته.

أما عن التشاور والاتفاق، فهو ما حددته الديمقراطية العصرية عبر مفهوم “العقد الاجتماعي” الذي يحدد الواجبات والعلاقة بين الحاكم والمحكوم و”دولة القانون” التي يشرع فيها ممثلو الشعب، المنتخبون بحرية ونزاهة، ويعيش فيها الناس تحت سلطة القانون، حاكمهم ومحكومهم. 

وقد شدد الشيخ محفوظ نحناح على ذلك كثيرا حينما رأى التعسف الكبير الذي أبانت عليه السلطات الجزائرية في استعمال عبارة ” المصلحة الوطنية” فأطلق عبارة ” المصلحة الوطنية المتفق عليها”، مؤكدا بأن لا التزام بين الحاكم والمحكوم إلا بالمصلحة الوطنية المتفق عليها.

ثم انتهى البحث في هذا المحور إلى وضع معايير أساسية لتحديد “المصلحة الوطنية”  فذكر ، من جهة، ما يدخل فيها ولا يصح الاختلاف بشأنه، كالقضايا التي تتعلق بهوية البلد وثقافته، وبمصالحه الاقتصادية ذات النفع العام على البلاد والعباد، وما يتصل بأمن البلد وأمن السكان، وبالاستقرار الاجتماعي ووحدة البلد،  وما يضمن كرامة الإنسان وحريته وحقوقه الأساسية، وما يحمي الدولة و يحقق سلامة مؤسساتها، وما يمنع الفساد وكل أنواع الضرر والغش ومصادرة الإرادة الشعبية، وما يتعلق بصيانة السيادة الوطنية ومنع الخيانة والتبعية. وبيّن، من جهة أخرى، ما لا يدخل في المصلحة الوطنية، مما يُتحمل الاختلاف بشأنه، كالسياسات والقرارات والقوانين والبرامج الحكومية، وشخصية الحاكم وتصرفاته، في أي موقع كان، على المستوى المحلي أو المركزي، وما يتعلق بالتصرفات المهددة للمصالح الوطنية المذكورة أعلاه التي قد يتخذها الحكام، وما يتصل بالعلاقات العادية الداخلية والخارجية التي يقوم بها الأفراد والجماعات التي لا تهدد المصالح الوطنية المذكورة.  

في الفصل الثالث حرص البحث على التأكيد بأن المصلحة الحزبية جزء من المصلحة الوطنية، وكما هي كل حقيقة قد يكون لها استثناء لا يقاس عليه. 

فما دام دور الحزب هو السعي للوصول إلى السلطة، وما دامت غاية السلطة هي تحقيق مصلحة البلاد والعباد، فإن الحزب هو من يجسد ذلك من خلال برنامجه وعمل أفراده الذين يختارهم الشعب لذلك، فالمصلحة الحزبية والمصلحة الوطنية متداخلتان على هذا الأساس. 

وما يجعل عمل الحزب ينتهي إلى تحقيق المصلحة الوطنية هو ذلك التدافع الذي تؤطره الديمقراطية لكي يكون حضاريا ويضمن تداولا سلميا حقيقيا على السلطة، فإن غاب التدافع حلّ الاستبداد والفساد، حتى وإن وُجدت التعددية الحزبية كما هو حاصل في ديمقراطيات الواجهة. 

وبالرغم من أنه يصعب تصور وجود الديمقراطية في أنظمة الحزب الواحد فإن حزبا واحدا بداخله رقابةٌ على الشأن العام وتدافعٌ حقيقيٌّ حول الأفكار والبرامج والمصالح وتداولٌ فعليٌّ  أفضل من تعددية حزبية دون تدافع ودون رقابة على الشأن العام. ولهذا قد تفُضَّل أحاديةُ الحزب الواحد الصيني بواقع التدافع الحقيقي الحاصل فيه عن التعددية الحزبية الصورية في العالم العربي، التي تحكمها قوى فاعلة من خلف المشهد السياسي لا أحد يستطيع أن يسائلها.   

تؤدي الأحزاب أدوارا مفيدة جدا للأوطان من حيث استيعابها للخلافات وتوجيهها وجهة قانونية إيجابية، ومن حيث تمكينها للمواطنين من المشاركة في الشأن العام ونفع بلدهم بكفاءاتهم، ومن حيث تأهيل النخب وتدريبهم وتكوينهم بالمعارف والتجارب، وتفتيق قدراتهم بالفرص التي تتاح لهم، وصقل شخصيتهم بالقيام بالواجب وتحمل المسؤوليات، ومن حيث التوعية الشعبية ورفع مستوى الجماهير عبر الخطاب السياسي والتنافس على البرامج بين الموالاة والمعارضة، وشرح قرارات ومنجزات الحكومة أو كشف أخطائها وعيوبها وحالات الفساد. 

كما تؤدي الأحزاب أدوار الوساطة بين السكان والحكام، للاستفادة من الخدمات الحكومية ولحل الأزمات وتقريب وجهات النظر بما يحدد المشترك الوطني والتعارف والتفاهم، وأدوار الدبلوماسية الشعبية والدبلوماسية البرلمانية للدفاع عن البلد وبما يحقق مصالحه ويعرّف الغير به وبالفرص المتوفرة فيه في مجالات الاستثمار والتعاون الدولي وما يتصل بذلك. 

ومن أهم ما تقوم به الأحزاب دورها في رسم السياسات الحكومية وتوجيه القرارات الرسمية سواء ما تقوم به أحزاب الأغلبية بشكل مباشر، أو ما تقوم به أحزاب المعارضة بشكل غير مباشر عبر فرص التشريع البرلماني وأدوات الرقابة، ومن خلال وسائل الضغط الشعبي والإعلامي المختلفة، بما يجعل الأغلبية تحاول سحب البساط من منافسيها بتبني المطالب الممكنة. 

ويسجل التاريخ أن كثيرا من الأوطان نهضت بعزمات قيادات سياسية وحزبية نذرت نفسها لرقي بلدانها فكبرت بلدانها وكبرت هي معها. 

ومما يجدر التنبيه إليه أنه قد يحدث تعارضٌ بين المصلحة الحزبية والمصلحة الوطنية، فإن قدمت القيادات الحزبية في هذه الحالة المصلحة الوطنية تكون قد خدمت مصلحة حزبها، لما تمنحه إياه من مصداقية وسمعة طيبة سيستفيد منها لاحقا. 

غير أن هذا التعارض تعارض استثنائي، يحدث بشكل نادر في زمن الأزمات والحروب. فإذا طُلب في بلدٍ ما من الأحزاب أن تظل تقدم مصلحة الوطن على مصلحة الحزب، فالمشكلة في من يقود الوطن لا في من يقود الأحزاب، لأن استمرار أزمات الوطن دليل على فساد أو عدم أهلية من يقود الوطن، وتصبح المصلحة الوطنية في هذه الحالة منوطة بتغيير من يقود الوطن، وليس في إرهاق الأحزاب بالتخلي الدائم عن طموحاتها.    

وفي الفصل الرابع والأخير ، ركّز البحث على شخصية الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فذكر بنشأته وركائز بناء شخصيته، ومساهماته الدعوية، وسبقه في العمل السياسي، ومعارضة النظام السياسي الأحاديّ ونهجه الاشتراكي، معارضة صارمة أدت إلى سجنه، وعن مرحلة الثمانينات بعد خروجه من السجن وما تميز به في نهجه الدعوي ومنهجه السياسي المرن والمعتدل المتوائم مع الانفتاح السياسي في عهد الشاذلي بن جديد. 

ثم تم التطرق الى مرحلة التعددية وما صاحبها من استقطاب شديد، خصوصا بعد إلغاء الانتخابات التشريعية، ومحاولاته، رحمه الله، رأب الصدع بالحوار عبر المبادرات العديدة التي أطلقها في اتجاه الأحزاب بكل توجهاتها والسلطة الحاكمة بكل تناقضاتها، من أجل تحقيق المصلحة الوطنية، وكيف أنه صار مقتنعا بضرورة العودة إلى مسار انتخابي جديد يفصل فيه الشعب في الأمر، خصوصا بعد فشل مبادرة العقد الوطني التي أطلقتها المعارضة، وفشل مبادرة الندوة الوطنية التي نظمها النظام السياسي، اللذين شارك فيهما مع ممثلين حزبه ثم انسحب منهما كلاهما لعدم توفر  إرادة اجتماع طرفي الأزمة. 

لقد دفع استحكام الأزمة الأمنية  الشيخ محفوظ إلى تغيير أولياته، بتقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، وتأجيل طموحه الشخصي والحزبي إلى ما بعد الأزمة، فتبنى مقاربة المشاركة السياسية والدخول في مؤسسات الدولة، ابتداء من المشاركة في الانتخابات الرئاسية عام 1995 ومختلف الانتخابات  التشريعية والمحلية وفي  العديد من الحكومات، وذلك للمساهمة في وقف سيل الدماء وتحقيق الاستقرار وحماية الوحدة الوطنية، وبلور في هذا الإطار مقاربة التفريق بين النظام السياسي الذي يمكن معارضته عند الاقتضاء والدولة التي يجب صيانتها في كل الأحوال. 

وكان ثمة في هذا السلوك السياسي شيء من المصلحة الحزبية كذلك، من زاوية أنه كان يقصد رحمه الله  من المشاركة السياسية  المحافظة  على بقاء حزبه في الساحة، ولتجاوز مكائد  التيار العلماني الاستئصالي الذي استغل فرصة الأوضاع الأمنية للتحكم في دواليب الحكم، والمحافظة على مناضليه من التهديدات التي كانت تحيط بهم من جهات متعددة،   وصيانة الفرص المستقبلية لمشروع حزبه، وكذا تدرب مناضليه على تسيير الشأن العام ومحاولة التأثير من داخل مؤسسات الدولة. 

غير أن هذا النهج حورب من طرفي الصراع فقتل الإرهاب قرابة 400 فرد على رأسهم نائب الشيخ محفوظ ورفيق دربه الشيخ محمد بوسليماني رحمهما الله، واستُحكمت سياسات الإقصاء من قبل النظام السياسي عبر مسار التزوير المستدام، وإقصاء إطارات الحركة لأسباب سياسية، ومحاولة التضييق على وجود الحركة في المجتمع المدني ومختلف مكامن القوة في الدولة والمجتمع. 

لقد فاجأ الاحتفاء الشعبي الكبير الذي تمتع به الشيخ محفوظ رحمه الله في الانتخابات الرئاسية عام 1995 النظام السياسي الجزائري، فعمد إلى استعمال العنف في صناديق الاقتراع لتغيير النتيجة، ثم غيّر الدستور في العام الموالي لإخراجه رحمه الله من العمل السياسي وإضعاف فاعلية حزبه. 

لم تشفع  لدى النظام السياسي نفسية العفو التي تعامل بها رحمه الله، وصبره الطويل على التزوير المستدام في كل الاستحقاقات الانتخابية، وعدم اعتماده سبيل التهييج الجماهيري، وبحثه الدائم عن تطمين السلطات حتى تتقبله هو ومناضلي حركته وتسمح لهم بهوامش في المشاركة السياسية تتناسب مع حجمه الشعبي الذي ظهر في الانتخابات الرئاسية عام 1995 بما يمكنه من المساهمة في تجسيد مطلب المصالحة الوطنية، ونهضة البلد. 

وفي الأخير أدرك عليه رحمة الله أن النظام السياسي القائم ليس شريكا يُعتدُّ به في العمل السياسي الوطني المشترك، ونظر إلى منعه من التشرح في الانتخابات الرئاسية عام 1999 أنه محاولة خبيثة لاغتياله سياسيا، ليس لمصلحة الوطن ومصلحة الدولة كما كان يتشدق به بعض المسؤولين في تبرير مسار التزوير، ولكن لمصلحة شخوص الحكام والمسؤولين، ولمصلحة تيارات علمانية منها من يشتغل لصالح الأجانب. ثم جاءت الانتخابات التشريعية عام 2002 فأنهت حياته السياسية رحمه الله إذ انتقم أصحاب القرار من إصراره على الترشح بما جعل إقصاءهم الظالم خادشا لشرعية انتخاب عبد العزيز بوتفليقة في عهدته الأولى خدشا لم يتقبله هذا الأخير أبدا، وقد تمثل الانتقام في طرائق عدة منها زحزحة الحركة من المرتبة  الثانية بعد التجمع الوطني الديمقراطي في برلمان 1997 إلى المرتبة  الرابعة بعد حركة الإصلاح الوطني في الانتخابات التشريعية عام 2002، كما كان تراجع الزخم الشعبي الذي ظهر في هذه الانتخابات مؤلماً له كثيرا، رغم رباطة جأشه التي رأيتها فيه شخصيا حين حدثته بعد النتائج عن تفوق حزب الشيخ عبد الله جاب الله فقال لي: (( أحمد الله أن الذي تجاوزنا حزب إسلامي)). 

لقد أثرت هذه الأحداث المؤلمة كثيرا في قناعاته فبدأ يُفكر في الابتعاد التدريجي عن نظام الحكم، ومن دلائل ذلك ما أشهد به أمام الله مما كان يقوله لنا في الجلسات المغفلة عن انحرافات السلطات الحاكمة الخطيرة بما كان لا يسمح حتى في التفكير فيه. ولئن تجاوز الشيخ محفوظ نحناح عن الذين أقصوه عام 1995 وسمح في حقه، فإنه لم يتجاوز عن الذين أقصوه عام 1999 ، وأظهر سخطه عما حدث له كما لم يفعل مع ما حدث له من قبل، وسمعته بنفسي يعبر عن ذلك لبعض المسؤولين الكبار في الدولة، بل إنه أخذ ينظّر لتغيير الخط السياسي من خلال تأليف كتاب تحت عنوان “الدولة وأنماط المعارضة” ومن غرائب ما حصل بعد وفاته اختفاء مسودة هذا الكتاب وتغييبه نهائيا.  

أضرّت كل تلك الأحداث بمعنويات الشيخ محفوظ وبصحته رحمه الله، فلم يصبح بتلك البشاشة والأريحية في التعامل المعروف بها، وصار يتغيب عن تسيير شؤون المكتب التنفيذي الوطني، وفي سنة 2003 توفاه الله رحمه الله رحمة واسعة. 

بعد وفاته ابتليت حركته بالانشغال بنفسها ومعالجة حالة الانشقاقات والخلافات الكبرى التي وقعت فيها،  ومن دلائل صرف الاختلافات عن الحكمة والعقلانية السياسية  شدة الارتباط بالنظام البوتفليقي الذي باتت كل المؤشرات تدل على إفلاسه واستحالة إصلاحه من الداخل، وقد كان الخطأ الفادح الناتج عن ذلك النهج ( الذي لا علاقة له بنهج الشيخ محفوظ) فتح العهد الرئاسية لصالح بوتفليقة عام 2008. 

لم ينفع النهج الذي اتّبعته الحركة المصلحة الوطنية حيث رأينا جميعا المآل الذي وصلت إليه البلاد وكيف سيطرت عصابات خطيرة على القرار، لم يخلصنا من تغوّلها سوى الحراك الشعبي، كما لم ينفع ذلك النهج المصلحة الحزبية حيث عرفت الحركة انشقاقات خطيرة، وتراجعا في الانتشار وفي الرمزية وفي همة وحماس المناضلين،  وضاعت منها مؤسسة الشبيبة والمؤسسة الطلابية وعرفت مؤسستها الاجتماعية هزات وانشقاقات، وتراجعت في الانتخابات التشريعية عام  2012 رغم التكتل الإسلامي الذي أقامته مع حركة الإصلاح والوطني وحركة النهضة، حيث لم يحقق “تكتل الجزائر الخضراء” النتائج المرجوة على شاكلة نتائج التيار الإسلامي في العالم العربي في أجواء الانتفاضات الشعبية. 

لقد رسّخ هذا النهج– المخالف للتوجهات المؤسسة للحركة الإسلامية في الثمانيات-  توالي الأزمات الخارجية والداخلية منذ بداية التسعينيات، وشعور الجميع بأهمية الحماية داخل مؤسسات الدولة،  حتى صار  مكونا جينيا  يتحكم في فكر وتصرفات أغلب إطارات الحركة. وأحسن من عبر عن هذه الحالة عبد الحميد مهري رحمه الله بقوله: ” لما أصبح الجزائري  يشعر  بالطمأنينة عند رؤيته الدبابة في الشارع معنى ذلك أن الأزمة صارت عميقة جدا” وأستطيع أن أقول أن النظام السياسي نجح في تحويل الأزمة لصالحه، كنظام سياسي،  دون أن ينجح في خدمة البلد من حيث الحريات والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والتطور العلمي والتكنولوجي، والحضاري بشكل عام.

ولكن استطاع الربيع العربي عام 2011 ، وانهيار منظومات الحكم المستبدة والفاسدة في عدد من الدول العربية، وكذلك التحركات الشعبية في جانفي من نفس السنة بالجزائر أن يهز  تلك القناعات التي ترسخت في الحركة فجعلت عموم المناضلين يشعرون بأنهم في المكان الخاطئ من التاريخ فسارعوا إلى مغادرة الحكومة بعدما تأكد لمجلس الشورى الوطني أن الإصلاحات التي وعد بها بوتفليقة أُفرِغت من محتواها، وفق ما بيّنه البيان الرسمي للحركة، والبيان الجماعي لتكتل الجزائر الخضراء، ووفق التقرير السلبي جدا عن محصلة التحالف الرئاسي، الذي قدمه رئيس الحركة للمؤسسات وحتى للرأي العام آنذاك. ويكفي النقر في محركات البحث الإلكترونية للحصول على هذه النتائج والتقارير. 

عندما وصلت الحركة إلى هذه الخلاصة، خرجت من الحكومة عام 2012، ثم جاء  مؤتمر 2013  فغيّر النهج السياسي واختار القيادة التي تناسب الخط الجديد، وثبّت الرؤية السياسية التي صدّقتها تقارير الفرصة الأخيرة قبيل الخروج من الحكومة، بتأثير من الأحداث الكبرى التي هزّت القناعات هزّا عنيفا،، مثل  الربيع العربي عام 2012 ثم الحراك الشعبي عام 2019. 

شرعت الحركة ابتداء من 2012 – عند قرار الخروج من الحكومة ثم ابتداء من المؤتمر الخامس الذي حمل شعار ” حركة تتجدد وطن ينهض”  – في إعادة النظر في فهم مدلولات العلاقة بين المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية، بالتأكيد بأنه لا يمكن للوطن أن ينهض دون أن تتجدد الحركة في رؤاها وخططها وبرامجها ومواقفها وسياساتها وخطابها، ولا يمكن أن تتجدد  الحركة دون صناعة البيئة التي  ينهض بها الوطن، من خلال الضغط على النظام السياسي، عبر  العمل الشعبي والخطاب الإعلامي والرقابة السياسية والبرلمانية، وغير ذلك. 

ومن تلك اللحظة وعلى أساس هذا الشعار شرعت الحركة في إحداث ثورة على مستوى الفكر  والاستراتيجيات  والمقاربات السياسية والدعوية والتنظيمية والتكوينية، عبر إعادة توزيع الوظائف  الفكرية والسياسية، والدعوية والتربويّة، والاجتماعية والمجتمعية، ثم عبر مقاربة المقاومة السياسية في الخط السياسي والتخصص الوظيفي في الخط الاستراتيجي، فحرّكت الساحة السياسية عبر تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي منذ 2015  وكانت هي الطرف الأساسي في تنظيم تجمع المعارضة التاريخي في مازفران، وكان من نتائج ذلك على مستوى المصلحة الحزبية أن الحركة حققت نموا في النتائج الانتخابية عام 2017 واسترجعت الولايات التي ضاع فيها تمثيل الحركة في انتخابات  2012، ولكن دون المأمول بسبب عدم اكتمال الصورة الجديدة للحركة في ذهن الناخبين والعزوف الانتخابي العام الذي تأثرت به نتائج كل الأحزاب من حيث عدد الأصوات، ولكن وقع النمو اللافت بالضِّعف في الانتخابات التشريعية عام 2021 بزيادة 34 مقعدا على انتخابات 2017، وهي النتيجة التي اقتربت بها الحركة لأول مرة من أعلى نتيجة عام 1997 (69 مقعدا) في زمن الشيخ محفوظ في الوقت الذي كانت فيه الحركة موحدة وكان الإقبال الشعبي على الانتخابات كبيرا. وقد فسَّرتُ هذا الاقتراب من النتيجة التي حققها الشيخ محفوظ كرسالة للمناضلين بأن هذا هو النهج الأصلي الذي بدأت به الحركة من منابعها الإسلامية الأولى، والذي حاول الشيخ محفوظ الرجوع إليه قبيل وفاته، كما شرحنا ذلك أعلاه، ولم تسعفه المنية للأسف الشديد لتحقيق ذلك إذ غادر قبل أن يشرح الخريطة وصار كل واحد من أتباعه يفسرها وفق قناعاته وموقعه وطموحاته. 

أما النتائج التي تحققت لفائدة المصلحة الوطنية فهي حالة الوعي التي تشكلت لدى الجزائريين عبر العمل السياسي المشترك والتي فجرت الحراك الشعبي الذي خلّص الجزائريين من المجموعات المافياوية (التي سماها الحراك “العصابة”) التي تسلطت على البلد أثناء العهد البوتفليقي. 

لم تكن النتائج الإيجابية التي حققتها الحركة بعد تغييرها خطابها وخطها السياسي بين 2013-2023   تتعلق بالانتخابات فقط، فقد تميزت بتحسن رمزيتها وارتفاع سمعتها ومعنويات مناضليها، كما تحقق لها استقرار غير مسبوق ونجحت في إنجاز الوحدة الاندماجية مع جبهة التغيير واستمر النقاش حول موضوع الوحدة مع الحركات الإسلامية الأخرى، ونمت هياكلها التنظيمية، واسترجعت مؤسستها الطلابية واستقر وضع مؤسستها الاجتماعية وأسست فضاءات مجتمعية أخرى بثلاث أضعاف غطت وظائف أساسية للحركة كانت متروكة أو ضعيفة، استطاعت أن تنتشر في كامل التراب الوطني وبعضها وصل الى العالمية، وعاد إلى صفوف الحركة أعداد كبيرة من القادة والمناضلين الذين تركوها، بسبب الوحدة أو للعمل في اختصاصات يميلون إليها صارت متوفرة في المؤسسات الجديدة، كما أن الحركة استرجعت مكانتها الدولية وصار  رجالها قادة في منظمات عالمية مرموقة في العديد من المجالات، وباتت في طليعة الداعمين للقضية الفلسطينية على المستوى العالمي. 

ويبقى السؤال مطروحا، في الأخير، هل هذا التغيير والتطور الإيجابي الذي وقع في الحركة والذي ثمنه بما يفيد الإجماع مؤتمر 2023 هو تغيير عميق نفذ إلى المركّبات الجينية للحركة التي صنعتها الأزمات فجعلتها تنحو تلقائيا نحو دوائر السلطة؟ أم هو مجرد طفرة شديدة التأثير ولكنها عجزت عن النفاذ إلى المركبات الجينية المحصنة في أعماق نفوس وعقول إطارات الحركة، حتى أولئك الذين شاركوا في قيادة الحركة بين 3013-2023؟ وهل سيتلاشى أثر الطفرة بعد مغادرة رئيس الحركة الذي أحدثها وقادها؟ وهل ستعود الحركة عندئذ لأحضان النظام السياسي، وتندمج فيه من جديد، رغم استمرار حالات الفساد والفشل في تحقيق نهضة البلد، ورغم الأدلة الألف بأن التغيير من الداخل ليس ممكنا، خصوصا بعد فشل مفاوضات تشكيل الحكومة التي أبان فيها النظام السياسي بأنه لم يتغير شيء من  عقليته الإقصائية ونزوعه للهيمنة والتحكم وإضعاف المنافسين والشركاء؟ وخصوصا بعد النتائج الإيجابية، استراتيجيا وسياسيا، التي حققها النهج المعارض المتبصر لصالح المصلحة الحزبية للحركة والمصلحة الوطنية للجزائر؟

إن الأيام والنتائج ستبين، ولئن كان الربيع العربي قد أدى دوره في حدوث صحوة المناضلين في 2011 كما بيّناه أعلاه، كحقنة تطعيم أولى ضد الاستبداد، ولئن كان الحراك الشعبي عام 2019 قد أكد التطعيم كحقنة تذكير  فإن مبررات حدوث تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية على ذات المنوال لا تزال قائمة، والخشية أن تجد الحركة نفسها مرة أخرى في المكان الخاطئ من التاريخ، فلا تسلم الجرة في كل مرة! 

د. عبد الرزاق مقري

توينبي وقصة تفكيك الدولة الوطنية (2)

يفسر توينبي نشوء الحضارات من خلال نظريته المشهورة “التحدي والاستجابة”، حيث اعتبر أن الإنسان والأمم والشعوب تتجاوب مع التحديات الخارجية إما بالانكفاء على الذات والتسلح بالماضي وتقاليد السابقين فتضعف وتنضوي، أو تعترف بحقيقة التحدي وتواجهه للتغلب عليه بالإبداع إلى أن تصبح أقوى منه، فتنشأ الحضارات في أي شعب حين يقبل أفراده التحدي، وتسقط حين تتوقف الاستجابة التلقائية للتحديات المستجدة.

ويؤكد أن الاستجابة للتحدي تكون عبر فئة قليلة إبداعية من داخل المجتمع الذي يواجه التحدي يسميها “الأقلية الخلاّقة” (creative minority)، وهي طبقة قيادية ملهمة تتوصل إلى تقديم الإجابات المناسبة للمشاكل والأزمات التي تعترض بلدانهم ثم تتبعهم الأغلبية عن طريق القدرة على المحاكاة (Faculty of mimesis) التي تمثل السبيل الغالب في عملية الانقياد الاجتماعي، وهو ما يمكن أن نسمية “أثر القدوة في صناعة التيارات الاجتماعية”، و في ذات السياق يوضّح أن التأثير الذي تصنعه “الأقلية الخلّاقة” ليس تأثيرا ماديا، ولكن له طبيعة روحية وفكرية عميقة تصنع قوة داخلية خفية جبارة تدفع للإبداع والتفاعل النشط مع المحيط الخارجي.  

ويرى توينبي أن الحضارة تبقى تنمو وتتوسع ما دام ثمة تواتر في بروز “أقلية خلاقة” من قيادة روحية أو نخب ملهمة في كل مرحلة من مراحل الدورة الحضارية تستجيب للتحديات المتتالية، بغرض إعادة بناء الداخل وفق استجابات حضارية جديدة لا تعتمد على الإكراه والتكرار والتقليد، ولكن على المحاكاة المجتمعية الإيجابية التي تضمن توسع المشاركة في البناء الحضاري.

ويبدأ التراجع الحضاري، عنده، حينما تُفقَد النخب المبدعة، وتغيب الطبقات القيادية الملهمة القادرة على الاستجابة للتحولات والتحديات المستجدة ويطفو على المشهد القيادي أقلية مسيطرة، ضمن ما يسميه استبدال “الأقلية الخلاقة” (Creative Minority) التي كانت تتبعها الأغلبية بقناعة، ب ا”لأقلية المسيطرة” (Dominant Minority) ، التي تتشبث بالسلطة والانتفاع بالمزايا الحضارية السابقة دون إبداع وتعمل على فرض نفسها بالقوة بدل الإلهام، وفرض اتباع الناس لها دون استحقاق. فينتج عن ذلك انسحاب الأغلبية وتوقف ظاهرة “المحاكاة الحيوية” (Mimesis)، وبداية بروز فئة من المنشقين (Schismatics) تحاول البحث عن حلول للتحديات، ومنها تحدي مواجهة النخب الحاكمة المهيمنة، فإن كانت تلك الفئة المعارضة مبدعة ومُجددة تتوصل إلى الاستجابة للتحديات  وتؤول الأمور إليها وينبعث فجر  جديد من قلب تلك الحضارة، وإلا يتجه المجتمع نحو الصراعات، التي تعالجها “الأقلية المسيطرة” بالقوة والعسكرة والانضباط القسري، والشوفينية الجوفاء، والاعتماد على  الدين  كطقوس خالية من أي أثر روحي أصيل، وتحويل الطاقة الدينية إلى مؤسسة تابعة لا أثر لها في الفعل الحضاري، و مختلف المؤسسات إلى قشور مؤسسية فارغة غير منتجة.

يؤكد توينبي بأن الحضارات لا تُقتل (من الخارج) ولكنها تنتحر (من الداخل)، ويبدأ التراجع من المركز وليس الأطراف وذلك بتوقف الإبداع لدى النخب، وانطفاء أنوار القيم المؤسسة للحضارة، وانتشار الظلم والقمع، والصراعات والانشقاقات وتشكُّل مجموعات داخلية (Internal Proletariat ( تابعة، سلبية ومهمّشة، ومُقلدة، وغير مشاركة في الفعل الحضاري، ومجوعات خارجية (External Proletariat) على هامش الحضارة تتسم بالفقر والتخلف والحسد والحقد على القوى المهيمنة الظالمة. وفي مرحلة نهاية الدورة الحضارية تحاول الأقلية المتحكمة فرض نموذج سياسي مركزي (Universal State)، يستعمل فيه القانون والمؤسسات لضبط المجتمع، والشرعية القسرية بدل الإقناع والتأثير وشرعية الإبداع والإنجاز، والحفاظ على الاستقرار الشكلي بهيبة الدولة والهالة المؤسسية لمنع التمرد والانقسام، مستشهدا بأمثلة من الحضارات والدول القديمة في فترات انحطاطها، كالإمبراطورية الرومانية، وأسرة الهان الصينية، والخلافة العباسية في بغداد، والامبراطورية المغولية بعد تشكلها. ويؤكد بأنه حين تفشل الدولة المهيمنة عن بعث المعاني الأخلاقية والإبداعية وعن تقديم أي مشروع إنساني، تظهر ملاذات روحية للجماهير غير رسمية، تملأ الفراغ المعنوي الذي تتركه النخبة المتكلسة والدولة المسيطرة، يبحث الناس من خلالها عن معاني روحية قدرية يتشبثون بها أثناء مرحلة الانهيار وعجز الدولة عن تحقيق المعنى رغم قدرتها على التحكم والسيطرة، ويمكن لهذا الملجأ الروحي الجديد أو المتجدد أن يكون بديلا خلاقا للدولة المسيطرة  إذا اعتمد الإبداع والتجديد القيمي فتكون حاضنة الانبعاث الحضاري، أو يزيد الدولة القائمة تكلسا وجمودا ويساهم أكثر في الأفول ونهاية الروح الحضارية. ويضرب المثل في هذا الشأن بالديانة المسيحية بعد انهيار روما، وبروز الصوفية الإسلامية في أواخر العهد العباسي، والبوذية في حضارات شرق آسيا.   

إن التحديات التي تجذب الجزائر نحو الأسفل كثيرة ومتنوعة، مثلها مثل الدول العربية الأخرى، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودولية، سجلتُها في كتاب لم يصدر بعد عنوانه ” ما بعد الحراك” سأنشر بعض فصوله في الأسابيع المقبلة بحول الله،  يقابل كتاب سابق صدر لي بعنوان “ما قبل الحراك: في التيه الحكومي وعن البدائل المنشودة”.

للأسف الشديد  لم تجد هذه التحديات الكبيرة قيادة خلاّقة (Creative Minority) تبدع في الاستجابة لها. ومع استدامة التحديات وعدم رفعها، منذ عقود من الزمن، صارت مشاكلنا معقدة ومهيكلة، تجاوز إمكان حلها الحدود الطبيعية للإبداع. وبسبب غياب القدوات السياسية، لم ينشأ في الجزائر تيار يميل لمحاكاة القادة محاكاة عاقلة مبنية على الثقة (Faculty of mimesis)، ونشأ في المقابل أقلية مسيطرة على الحكم ((Dominant Minority) متشبثة بالسلطة وامتيازات ومنافع الحكم، تستعمل القوانين واللوائح والمساطر والمؤسسات للسيطرة على الجمهور، ومع تعمق السيطرة نشأت مجموعات شعبية ونخب مجتمعية تدور في فلك الحكم  لجأت إلى دوائر الأمان والاستسلام والتقليد الأعمى لخطاب وتصرفات الحاكم والخضوع والرضا بالعيش في إطار الحد الأدني من ظروف الحياة، وما تتيحه السلطات من هوامش ضيقة في مجال الحريات والحركة الاقتصادية والفعل الاجتماعي ضمن حالة عجز كامل عن المشاركة في أي فعل حضاري (Internal Proletariat (، يقابلها فئات شعبية عريضة وطبقات واسعة من النخب انسحبت  من المشاركة  في قضايا الشأن العام وصناعة المستقبل، انكفأت على نفسها تعبر في الدوائر الضيقة المحلية عن سخطها من ظروفها المعيشية الصعبة وعن أحقادها على النخب الحاكمة ومن يساندها. وكنتيجة حتمية برزت مجموعات معارضة لنظام الحكم (Schismatics) متعددة المشارب والتوجهات، أغلبها يعمل خارج الإطار الرسمي. ولم تجد السلطات الحاكمة من حل لمواجهة هذه الأوضاع سوى فرض نمط الحكم المركزي المتشدد القائم على التحكم والسيطرة.

لا يدري إلى أين سينهي هذا الوضع، هل سيبرز من القوى المعارضة أقلية خلاقة جديدة، تحمل مشاريع إبداعية جادة، تصنع تيارا شعبيا متأثرا برؤية المرجعيات الجديدة فيبزغ فجرها ونقيم دولة قوية من الداخل تقهر كل التهديدات الخارجية، أم أن الأقلية المسيطرة ستواصل جرنا إلى الأسفل في غفلة تامة من الأغلبية التابعة النائمة، فيكون انتحارنا داخليا، ونفكك دولتنا الوطنية بأيدينا، ونسقط بإرادتنا جميعا بين يدي القوى الخارجية.    

د. عبد الرزاق مقري

توينبي وقصة تفكيك الدولة الوطنية (1)

لا يوجد بلد عربي يتمتع بمساحة معتبرة غير مهدد بتفكيك الدولة الوطنية: الجزائر مهددة، المغرب مهدد، ليبيا مهددة، مصر مهددة، السودان مهدد ( مرة أخرى)، السعودية مهددة، العراق مهدد، سوريا مهددة، الأردن مهدد، أما الدول الصغيرة فهي مهددة بالابتلاع . إنها كلها مهددة، ونحن على أعتاب سايكس بيكو جديد، لا قدّر الله، والخرائط الجديدة لبعض الدول مرسومة، وبعضها معلن. وكل حكام هذه البلدان لا يُقصّرون في إخافة شعوبهم من هذه المخاطر، وكل حاكم يوهم شعبه بأن بلده هو البلد الوحيد المهدد، لما يملكه – بزعمه – من خصائص لا توجد عند غيره! وكل الأحزاب والمنظمات التي تريد التقرب من أصحاب القرار يتفنون في تكرار الخطاب الرسمي بخصوص موضوع التهديد. وكل من يريد أن يقول كلمة في نقد أو نصح الحكام في ما يحفظ البلدان حقا من التهديد، أو يعبر عن وجهة نظر أخرى يُرفع في وجهه – من السلطة والأحزاب والأقربين – هذا الشعار: “خطر تفكيك الدولة الوطنية”، وربما يُتّهم بأنه متواطئ مع القوى الأجنبية التي تهدد الدولة الوطنية.وإذا سألت: من الذي يهدد الدولة الوطنية؟فالسمفونية جاهزة: هي قوى خارجية متربصة بالوطن، ولا أحد يعطيك جوابا شافيا كافيا عن سؤال: من هي بالضبط هذه القوى الأجنبية؟ وتارة يتم التلميح إلى قوى هي الأقرب في الواقع لمن بيدهم الحكم، وتتمتع – وأزلامها – بامتيازات لا يعطيها لهم إلا الحاكم، ولا يوجد من يُلاحَق ويُضطهد في هذا الوطن المهدد أكثر ممن يخاصم تلك القوى الخارجية، فعليا، فكريا وسياسيا وبشكل علني. أما إذا سألت عن حال الجبهة الداخلية وعن التحصينات الوطنية: ما الذي، وكيف، ومن الذي، جعلها تضعف إلى الحد الذي جعل الخطر وشيكا؟يقال لك عليك أن تسكت وتلغي رأيك وآمالك وتصطف وراء الحاكم، فلا رواية في زمن التهديد سوى رواية الحاكم! إن وقوع الدول تحت التهديد مسألة قديمة قدم وجود الدول، لا توجد دولة ليست مهددة في التاريخ، ولم تتوقف الخرائط عن التحرك والتغير عبر الزمن، وفي كل زمن يوجد غالبٌ يُغيّر الخرائط لصالحه ومغلوبٌ تتغير على حسابه. فالسؤال الأهم كيف تكون غالبا وكيف تكون مغلوبا؟ إن التهديدات الخارجية حقيقية، وهي طبيعية، والتصدي الجماعي لها واجب،. ولكن: والله الذي لا إلا هو : إنه لا يوجد من خطر يهدد البلدان سوى خطر الاستبداد فيها.كنت دائما أقول في زمن العهد البوتفليقي بأنه لا خطر على البلاد غير النظام السياسي، وكان الكثير يعدُّون حديثي راديكالية، حتى جاء ” الحراك الشعبي المبارك” فأكد جميع من كان يتهمني مقولتي، ثم ظننا أن البلاد ستقوى بعد الحراك فتسقط على أسوارها كل التهديدات الخارجية فإذا بذات السمفونية تعود، وعلى الجميع أن يسكت فلا حديث غير حديث الحاكم وأعوانه وأزلامه. للأسف الشديد حين تُمارس السياسة بلا فكر ولا علم، ويتصدر المشاهد العقول البسيطة أو المحكومة بالأهواء المقودة بالانتهازية تغيب الحقائق وتتوارى المعايير الحقة التي ثبتها العلماء في الحكم على الأحداث والظواهر. إنه لا يوجد عالم من العلماء الكبار الذين درسوا تاريخ ومجتمعات الدول والأمم والحضارات منذ فجر التاريخ إلى الزمن الراهن لم يتوصل إلى النتيجة الحاسمة: إنما تتهاوى الدول والأمم والحضارات من الداخل. بإمكاني أن أستحضر قانون الأطوار الخمسة والأجيال الثلاثة للعلامة العظيم عبد الرحمن بن خلدون في رسمه مسارات قيام الدولة وأفولها، وحديثه عن “جيل الهدامين” في قصور الحكم الذي يُجهزون على الدولة. وبإمكاني أن أتحدث عن المراحل الثلاث ( مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة) للمفكر الفذ مالك بن نبي وكيف تسقط الحضارات حين يقود البلدان نخب القلة العاجزون الذين تقودهم غرائزهم، وباستطاعتي أن أذكر توصيف ويل ديورانت الموسوعي للدول والحضارات التي تغلبها قوى أخرى من الخارج وتبتلعها لما تتآكل من الداخل ، ولكن سأكتفي بتلخيص مفيد لفكرة المؤرخ والفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير أرنولد توينبي، التي تتفرع عن عبارته المشهورة “لا تُقتل الحضارات بعدوان خارجي ولكنها تنتحر انتحارا”
يتبع ….

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى الهجرة: لا نهضة دون عبور الفكرة للدولة (2)

حينما نتأمل في ما ذكرناه في المقال السابق المتعلق بالأحداث الكبرى التي سبقت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ندرك بأن المطلوب من صاحب الرسالة بذل الجهد لنشر دعوته وركوب كل المخاطر للتمكين لفكرته. فهذا المصطفى المجتبى المؤيد بالوحي قد عمل في السر ثلاث سنوات لبناء القاعدة الصلبة التي يشيد  عليها المشروع، وتقوم عليها الدعوة،  وتنطلق منها الرسالة، ثم خرج للعلن يصدع بما أمره الله مدة سبع سنوات، فلقي هو ومن آمن معه من الصد والإيذاء ما يجعل من يقرأ  قول الله في نبيه: (( إلا تنصروه فقد نصره )) التوبة 40، ((إنّا كفيناك المستهزئين)) الحجر 95، ((إن شانئك هو الأبتر)) الكوثر 3 ، يفقه بأن الوعد بالنصر لا يعفي من الابتلاء على الطريق، حتى وإن كان المعني هو خير خلق الله أجمعين الذي قرن الله  واجب توقيره سبحانه بتوقيره عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقال: (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) الفتح:8-9. ورفع الله ذكره  وشهد الله بالخُلق العظيم بين خلقه.

وحين اشتد عليه الكرب وزاد عليه القهر والصد، في السنة العاشرة بعد البعثة، راح يعرض نفسه على القبائل خارج مكة من غير قريش، فوجد من الأذى عند ثقيف في الطائف ما تزعزعت له الجبال حتى كاد الملَك المتصرف فيها من قبل الله أن يطبق عليهم الأخشبين، وتَتابع إنكار القبائل لحديثه ودعوته،  تصديقا منهم لخذلان قومه له،  ولِما يُروّجه عليه عمُّه “أبو لهب” من الأكاذيب والأراجيف.  وحتى حينما استمال القبيلتين الكبيرتين في السنة الحادية عشرة من البعثة قبيلتي  ” بنو عامر” و “بنو شيبان” اشترط  قادتها شروطا تخالف أمر ربه – كما بيناه سابقا – فتركهم. 

ولئن كان العجب كبيرا أن يبذل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك الجهد فلا يفلح في أي مسلك سلكه في دعوة تلك القبائل كلها، فإن العجب الأكبر أن الظروف التي فتحت له يثرب لم يكن له فيها يد ولا سابق جهد سوى لقائه مع ستة من شباب الخزرج في مكة لم يكونوا ضمن الخطة والبرنامج.

بعد أن غادر رسول الله صلى عليه وسلم، مع صاحبه أبي بكر  زعماء بني شيبان، التقى دون سابق ترتيب ستة من الخزرج بمكان يسمى العقبة،  فلم يجعله لقاؤه السابق مع قبيلة عظيمة وقادة كبار يزهد في الحديث مع  ستة من شباب يثرب ليعرض عليهم دعوته. سألهم رسول الله صلى الله عليه عن قبيلتهم وعما بينهم وبين اليهود من أحلاف، سؤال من يعرف ما يدور في بلاد بعيدة عن بلاده. غير أنه لم يسألهم هو، أو أبو بكر، عن مكنتهم أو قدرتهم على حمله ونصرته، كما كان قد فعل مع القبائل قبلهم، وإنما اكتفى بأن “شرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعضهم: تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا”الرحيق المختوم/ المباركفوري، رجع هؤلاء الشباب إلى قومهم في يثرب فدعوهم فأجابهم كثيرون، وفي العام الموالي، في السنة الثانية عشرة، أقبل على  رسول الله في نفس المكان بمكة اثنا عشر رجلا ، اثنان من الأوس والبقية من الخزرج منهم خمسة من الستة الأول.

 بايع هؤلاء المحظوظون  رسول الله، بيعة العقبة الأولى، وكانت  بيعةٌ لا شيء  فيها عن الجهاد والأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، سميت بيعة النساء ( على ما كانت عليه بيعة النساء لاحقا)،  ورَد نصُّها عن عبادة بن الصامت في الحديث الذي رواه البخاري: (( تعالوا: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فأمره الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال:  فبايعناه  على ذلك)). وكأنّ رسول الله غيّر الخطة، حين أعرضت القبائل الكبرى وقادتها العظام عنه، فبات يبحث عن تشكيل وضع اجتماعي يمثل  حاضنة خاصة بالدعوة، تأتمر بأمره، قد قطعت علائقها مع أعراف الجاهلية بالقناعة الشخصية والالتزام الطوعي بتعاليم الهدي الجديد، والاتباع المستنير غير المشروط، وبالاتفاق مع قادة محليين على فروع صغيرة من القبيلتين الكبيرتين الأوس والخزرج.

بعد أن عاهد الاثنا عشر رجلا رجعوا إلى أهلهم ليكملوا البناء وفق الرؤية الجديدة يرافقهم سفير رسول الله الشاب مصعب بن عمير ( ومعه في روايات ابن أم مكتوم) ليعلمهم شرائع الإسلام ويرشدهم في حركة الدعوة وتهيئة البيئة لبناء الدولة، التي رجع هدفها في خطة المصطفى في السنة الموالية في العام الثالث عشر  من البعثة.

جاء في السنة الثالثة عشر إلى مكة  ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من يثرب قد أسلموا، يقصدون الحج مع قومهم المشركين، واتفقوا مع رسول الله على أن يلتقوا به سرا في ظلام الليل بشعب العقبة في أوسط أيام التشريق، يبحثون معه إنهاء مرحلة القهر والطرد وما كان يكابده رسول الله من قومه في مكة،  فكانت بيعة العقبة الثانية، التي دخل فيها العهد على الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان نص البيعة على نحو ما رواه الإمام أحمد عن جابر قال: ((على ما نبايعك يا رسول الله))،  فقال: (( على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة))، وفي رواية عن ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت زاد: ((ألا ننازع الأمر أهله)).

إن أمر هذه البنود في البيعة لعظيم، ولذلك استوثق بضعة رجال من القوم قبل أن يبسطوا أيديهم، هم عمّ النبي العباس بن عبد المطلب، وهو على دين قومه لم يسلم بعد،  أراد التأكد من جدية أهل يثرب حتى يطمئن بنو هاشم على ابنهم، واثنان من الرعيل الأول الذين أسلموا في يثرب، هما العباس بن عبادة حرص على أن يعلم القوم أنهم “سيحاربون الأحمر والأسود من الناس” إن حملوا رسول الله إلى رحالهم، وأسعد بن زرارة نبههم على أن في إخراج النبي من مكة “فراق العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف”.

لم يكن الأمر يتعلق بدعوة عادية، ولكنه عهدٌ على بناء دولة وبعث أمة ستواجه الأمم كلها برسالتها، وبعد أن عُلمت بنود البيعة، واستعد الناس لتحمّل الأعباء وركوب المخاطر، وعلموا أن المقابل الجنة قالوا: (( فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها))، فصاروا هم الأنصار ودُونت صفتُهم بهذا الاسم العظيم في القرآن والسنة.

إن المتأمل في توالي الأحداث بين السنة العاشرة والثالثة عشرة بعد البعثة يدرك أن الله قد جازى نبيه على خذلان قومه ورفض القبائل الأخرى لدعوته، بعد أن استفرغ الجهد كله في تبليغهم رسالته، طاعةً لمولاه وثقة فيه بأنه لن يخذله،  مصداقا لقوله سبحانه:  ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) المائدة 67، فأكرمه سبحانه بحدثين  عظيمين منه وحده، بحوله وقوته، لا قبل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهما، أولاهما في السماء مع الملائكة والأنبياء، والثانية في الأرض بين الناس في يثرب.

أما الأولى فهي حادثة الإسراء والمعراج، بين السنة الحادية عشرة والسنة الثانية عشرة،   التي ربط فيها الله تعالى التهيئة للهجرة من مكة إلى المدينة لإقامة دولة الإسلام، بالإسراء برسول الله من المسجد الحرام بمكة  إلى المسجد  الأقصى بالقدس،  حيث صلى بالأنبياء، ثم بالمعراج إلى السماء حيث رأى آيات الله الكبرى،   ليبقى الربط بين المساجد الثلاثة ربطا أبديا، يشهد عليه أهل السماء،   يدل على إمامة رسول الله للعالمين في الدنيا وفي يوم الدين.

أما الثانية فهي الأحداث الكبرى في يثرب التي كانت تتهيأ من تلقاء نفسها لتلتقي بالهجرة النبوية، كحالة سننية، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حيالها في المكان المناسب، ولم يكن له في حدوثها أي دور.  وهي معركة بعاث، بين الأوس والخزرج،  التي صنعت نتائجها الفرصة التي أحسن رسول الله استغلالها منذ أن التقى بالخزارجة الستة.

لم  تتوقف الحروب بين الأوس والخزرج منذ مائة وأربعين سنة، وكانت معركة بعاث آخر المعارك،  انتصر فيها الأوس على غير العادة لتحالفهم مع يهود بني النضير وبني قريظة، وهلك في الحرب زعماء الحيين، منهم عمرو بن النعمان زعيم الخزرج، وحضير بن السماك زعيم الأوس. وقد فهمت السيدة عائشة من ذلك تدبير الله لتهيئة الأمر لرسول الله فقالت في ما ورد في صحيح البخاري:   (( كانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا، قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في دُخُولِهِمْ في الإسْلَامِ)) .

أراد اليهود اغتنام الفرصة لاستئصال شأفة الخزرج، وشرعوا يلاحقون فلول المنهزمين، فلم يطاوعهم الأوس لعلمهم بخطورة استفراد اليهود بالقوة في يثرب، وقالوا قولتهم : “يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب”. وبعد الفراغ الذي خلّفته الحرب الضروس  في مختلف المجالات في يثرب، بما يهيئ الظروف لليهود وحدهم،  اتفق رجال من الطرفين  على الصلح واجتمعوا على عبد الله بن أبي بن سلول كما لم يجتمعوا على أحد منهم من قبل،  لقربه من الأوس وعلاقته باليهود، ولكونه خزرجيا عارض الحرب ولم يشارك فيها، وقبيل الهجرة كانوا يعدون له الخرز ليتوجوه عليهم ملكا.   

غير أن أولئك الذين كانوا يسعون لإعادة بناء المنظومة من الأعلى على أعراف ومعتقدات السابقين، لم يدركوا بأن شبابهم، ومنهم أبناء الزعماء الذين قتلوا في بعاث منهم أسيد بن حضير بن السماك،  قد صنعوا واقعا جديدا صار يفرض نفسه من الأسفل، منذ التقاء الستة برسول الله، فبيعة العقبة الأولى ثم العقبة الثانية.

ولما آن أوان الهجرة ودخول محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام المدينة، في العام الثالث عشر من البعثة، يوم الجمعة 12 ربيع الأول، ما يوافق 27 سبتمبر عام 622 ميلادية على عمر يناهز الثالث والخمسين، كانت الفرصة قد ضاعت من عبد الله بن أبي ومن بقي يتبعه من المشاركين، وحين رأى هؤلاء بأن الإسلام قد غلب في المدينة دون حرب ولا اتفاق مع زعيم من الزعماء، وأن إعادة الأمر على ما يرجونه بحرب أو اتفاق غير ممكن، وأن ثمة دولة ناشئة قوية صلبة لا تُغلب، أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ونشأت ظاهرة سياسية واجتماعية وعقائدية غير مسبوقة في بلاد العرب هي ظاهرة النفاق، فصل القرآن في إظهار خصائصها وحذر منها المؤمنين إلى يوم الدين.

ومما يمكن قوله في الأخير أن بناء الدولة كان مشروعا قائما في رسالة  رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثته، حاول أن يحمله معه قومه في مكة فأرادوا له الملك دون الرسالة ثم حاربوه على تمسكه بالفكرة والرسالة، ثم سعى ليتكفل بنصرته قبيلةٌ من غير أهله من أولي القوة والمنعة بين العرب، منهم ثقيف التي أخرجته من الطائف بالحجارة والأذى، ومنهم من أعرض عنه وعيّبه لإعراض قومه عنه، ومنهم الذين قبلوه ولكن اشترطوا عليها شروطا لا يقبلها الله ورسوله، كبني عامر وبني شيبان، إلى أن جاءه من أكرمهم الله به فدخلوا به مدينتهم بعد قرابة سنتين من الحوار والعهود والدعوة والإعداد، وكانت المحصلة ثلاث عشرة سنة، من المسير نحو المدينة، ثلاث سنوات في السر وسبع سنوات في العلن، منها ثلاث سنوات مفاوضات سرية مع القبائل.

وبعد الهجرة شرع رسول الله في بناء دعائم الدولة، ابتدأها بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتمتين الجبهة الداخلية، وبناء المسجد للعبادة والتعليم والقضاء والقيادة، والوثيقة الدستورية لتبيان الحقوق والواجبات وطبيعة الدولة، ثم السوق لتسكين النموذج الاقتصادي الاجتماعي الجديد.      

  

   د. عبد الرزاق مقري

ذكرى الهجرة: لا نهضة دون عبور الفكرة إلى الدولة (1)

في الهجرة النبوية عبر وعظات لا تنقطع، في مختلف المجالات، في العقيدة والإيمان، والأخلاق والدعوة والتربية، والإدارة والتخطيط، والأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وفي الشؤون السياسية والقضايا العسكرية والعلاقات الخارجية وغير ذلك، وكما في كل عام أركز على ملمح من ملامح هذا الحدث التاريخي العظيم في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام أتناول هذا العام مسألة إقامة الدولة كجزء مهم في رسالة الإسلام، التي جاء النبي محمد بن عبد الله يبلغ مجملها عن ربه ويشيد تفاصيلها بسنته وهديه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

لقد كان بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم للدولة، على أساس الفكرة والرسالة التي جاء بها، جزء أصيلا في مشروعه الحضاري الإسلامي الإنساني العظيم، حاول عليه الصلاة والسلام وضع حجر أساسها  في قريش، ثم في الطائف، فالعديد من القبائل، إلى استقر به المطاف في يثرب عبر الهجرة النبوية العظيمة.

قضى عليه الصلاة والسلام السنوات الثلاث الأولى من البعثة يُعدُّ الصفوة من القادة الذين اعتمد عليهم في تبليغ دعوته وبعث أمته وبناء دولته، ثم أمره الله تعالى أن يصدع بما يؤمر، فخرج للعلن يوافي الناس في موسم الحج  “يتبع الحجاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه سأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة” الواقدي.

رغم الصد العظيم الذي لقيه وهو وأصحابه من قريش قدِر  بعون الله على مواصلة دعوته، مستأنسا بحماية عمه أبو طالب ومن ورائه قبيلته بنو هاشم، ومعتمدا على ما كان يجده من سكينة وسند من زوجته خديجة رضي الله عنها.

عندما كثر أتباعه عرض عليه كبّار قريش الملك على أن يترك رسالته فأبى، إذ هو مأمور بتبليغ ما أنزل إليه والتمكين لأمر الله لا لنفسه ولإعلاء كلمة الله، لا ليبحث عن المجد لأهله وعشيرته، ووعده الله تعالى إن فعل ذلك أن ينصره وأن يجعل الكافرين إلى تباب وضلال، فقال له سبحانه في سورة المائدة : (( يا  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67))) .

عكس المصطفى عليه الصلاة والسلام ما عُرِض عليه من المشركين فوعدهم بأنهم إن هم حملوا الفكرة سادوا بها العرب والعجم، فأعرضوا عنه وتمسكوا بشركهم ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي الظالم.

فلما كانت السنة العاشرة توفي عمه وزوجته، فسمي ذلك العام عام الحزن، ولقي منذئذ  من قريش تصعيدا شديدا في القسوة والإيذاء.

حين أدرك النبي الأكرم بأن مكة لم تصبح أرضا صالحة لحمل الدعوة، ولا لبناء الدولة،  بدأ يفكر بما لم تكن مكة تسمح به أبدا، وهو البحث عمن ينصره لدى القبائل القوية خارج مكة، وتغيّر خطابه في مخاطبة هؤلاء، فبعدما كان يكتفي بالقول لهم: (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) أصبح يدعوهم إلى حمايته و نصره في مواجهة إنكار مكة وصدها وتهديداتها، وكان في ذلك يتخير القبائل القوية، ذات العدد والشوكة والمنعة، التي تقدر على تحمل أعباء الدعوة والنصرة وبناء الدولة.

كانت وجهته الأولى الطائف، ذهب إليها قليلا بعد وفاة عمه وزوجته في العام العاشر من بعثته، مع مولاه زيد بن حارثة، وقد اختارها صلى الله عليه وسلم لأهمية موقعها الاستراتيجي  إذ كانت مركزا تجاريا معتبرا وفي طريق الخط التجاري الذي تمر عليه قوافل قريش، وقريبة من مكة، ولكثافة وطبيعة سكانها حيث كانت من أهم قبائل  جزيرة العرب، تسكنها قبيلة ثقيف ذات الكثافة السكانية العالية، وذات الهيبة والمكنة بين العرب والندية بين الناس لقريش في مكة.

غير أن أهلها صدوه وضربوه وأدموا رفيقه زيد وخرج منها يحمل في نفسه همّين، هم الصد والعدوان، وهمّ العودة إلى مكة بعد أن حاول الاستعانة بقوة من خارجها، ولو لا أن أجاره المطعم بن عدي، أحد كبارها، لما استطاع دخولها أو لربما قتل فيها.

رفض رسول الله أن يبقى قابعا في مكة يعيش تحت سقف حُكْمها، وجهل قادتها، رغم ما أصابه في الطائف، فرسالته للعرب كلهم وللناس كافة مصداقا لقوله تعالى في سورة سبأ: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )) الآية 28 ، فراح يواصل اتصاله بالقبائل، يدعو بدعوته العامة للقبائل عامة، ويخص أقواها وأقدرها على حمله بدعوتها إلى نصرته.

لم يكن يعاني من أهله في مكة بسبب الإيذاء والصد فقط بل كانوا كذلك  عبئا كبيرا عليه في دعوة القبائل الذين يُقبل زعماؤها على مكة لأغراض التجارة وعند وفودهم وجهة مكة في موسم الحج، لقد كان أبو جهل وعمه أبو طالب يتداولون على تبخيسه ونشر الشائعات الكاذبة عليه وهو يتحدث مع الناس من غير القرشيين.

جاء في كتب السيرة أنه  كان عليه الصلاة والسلام كلما قال للناس: “يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة”  يقول عمه أبو لهب من ورائه : “لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب” ، فيرد عليه المدعوون بأقبح الرد ويؤذونه قائلين : “قومك بك أعلم”.

ورغم كثرة القبائل التي اتصل بها  لم يستجب له أي منها، ومنها القبائل التي ذكرها المقريزي وغيره، غسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة، وقيس بن الخطيم، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع.

حتَّم عدوان الطائف وملاحقة أهله له أثناء مقابلة الناس، واشتداد إيذائهم له بعد وفاة عمه أن يعود، ابتداء من السنة الحادية عشرة،  إلى السريّة من جديد، فصار يذهب إلى القبائل إلى أماكنهم ليلا، ويأخذ معه أبي بكر الصديق، أعرف الناس بالأنساب ومضارب القبائل وخصائصها وإمكاناتها، حتى يكون مقصده “غرر الناس، ووجوه القبائل”، وأشدهم بأسا وأكثرهم عددا وأصبرهم على الحرب وجلدا عند الكريهة.

رغم الإعراض العام الذي لقيه من عموم القبائل تأثرا بأراجيف قريش وبخذلان أهله، كانت السنة الحادية عشرة من بعثته حاسمة إذ استجابت له ثلاث قبائل، اثنان منها لم تفلح المفاوضات معهم والثالثة أنعم الله عليها فحظيت برسول الله ودعوته.

أما القبيلة فالأولى فهي قبيلة بني عامر بن صعصعة، من أقوى القبائل العربية، على شاكلة قريش وخزاعة، لم تخضع لسلطان ملك من الملوك ولم يأخذ منها حاكم أتاوى، وكانت مُخاصِمة لأهل الطائف فلعلها ترد الفعل بحمل رسول الله نكاية فيهم.

كادت المحاولة مع بني عامر أن تنجح، إذ ظن أحد كبارهم، بَيحرَة بن فراس أنه ” سيأكل العرب بمحمد عليه الصلاة والسلام” فقال له: “أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثمَّ أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ لله يضعه حيث يشاء، فقال له: أَفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونَك، فإذا أظهرك الله: كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه” فتركهم صاحب الرسالة المصطفى المجتبى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

 

وأما القبيلة الثانية فهي قبيلة بني شيبان، الساكنة في شرق شمال الجزيرة على تخوم الفرس. دل أبو بكر الصديق على شأنهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، من أحسنهم أخلاقا وأعقلهم قادة وأكثرهم عددا وأشدهم بأسا، وكان المجلس معهم من أطيب المجالس، والحديث معهم من أحكم ما يقوله السادة والأعيان، فطلبوا من رسول الله أن يشرح لهم إلى ما يدعو الناس، فأبلغهم الرسالة وقرأ عليهم ما  تيسر من  القرآن فاستحسنوا حديثه، وأظهروا قبولهم اتباعه دون أن يشترطوا عليهم شرطا كما فعل بنو عامر.

 تعهدوا له بنصرته على قومه، ولكنهم طلبوا إعفاءهم لو تعلق الأمر بالفرس. تحدث كبارهم وكان آخرهم المثنى بن حارثة الشيباني ( بطل فتوحات بلاد فارس لاحقا) فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفق ما جاء في سيرة ابن هشام: “إنَّما نزلنا بين صريين، أحدهما: اليمامة، والآخر: السَّمامة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذان الصَّريان؟ قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأمَّا ما كان من أنهار كسرى، فذنبٌ صاحبه غير مغفورٍ، وعذره غير مقبولٍ، وإنَّا إنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى، ألا نحدث حدثاً، ولا نُؤوي مُحدثاً، وإنِّي أرى هذا الأمر الَّذي تدعونا إليه يا أخا قريش! مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نُؤويك وننصرك ممَّا يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسأتم في الردِّ إذ أفصحتم بالصِّدق، وإنَّ دين الله – عزَّ وجلَّ – لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتَّى يورِّثكم الله تعالى أرضهم، وديارهم، ويفرشكم نساءهم …”

رغم العرض المغري تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وواصل طريقه يبحث على من سيتشرّف بإيوائه وتوفير الظروف له لبناء دولته.

كانت هذه الجهة المشرَّفة التي قبلته هي يثرب المباركة، وكانت البداية مباشرة بعد فراغه من الحديث مع زعماء بني شيبان، حيث التقى بستة شبان ، كان يمكن أن لا يأبه بهم لصغر سنهم وخلوهم من مقام الزعامة في أهلهم، تعرف عليهم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فأحدث شيئا في قلوبهم تواءم مع أحداث عظيمة كانت تجري في يثرب لا شأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بها.

كانت يثرب تتشكل من ثلاث قوى أساسية: قبيلة الخزرج وكانت الأكثر عددا، وقبيلة الأوس وكانت أقل عددا ولكنها تسكن الأراضي الأكثر خصوبة، وكان بين القبيلتين شنآن وغارات لا تتوقف منذ مائة سنة، وكانوا إذّاك يستعدون لحرب طاحنة أشد فتكا مما سبقها، والقوة الثالثة هم اليهود المحصنون في قلاعهم، المستكفون بحقولهم، المستقوون بأموالهم، المتعالون بتوراتهم المحرفة، وادعائهم قرب ظهور نبي فيهم …

 

.. يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

 

 

 

 

 

النهائي لصالح إيران

كانت سقوف أهداف الكيان وأمريكا عالية جدا في بداية حرب 12 يوما: تدمير البرنامج النووي ووقف منظومة الصواريخ، تغيير النظام.
كانت هذه الحرب بين دولة واحدة وحلف صهيوني غربي علني فيه أقوى دولة في العالم ومع ذلك لم تتحقق الأهداف.
ثمة ما يؤشر بأن الضربات المتبادلة في الأخير كانت ترتيبات وتفاهمات، ولكن في كل الأحوال انتهت الحرب ولم تتحقق الأهداف الأساسية للكيان رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها إيران، والأهم والأهم والأهم: إسرائيل ضُربت في قلبها وكبريائها لأول مرة في تاريخها، ويرى شعبها ( الذي هرب كثير منهم الى الخارج ) ذلك الدمار غير المسبوق.
إن هذه الصورة هي مشهد مصغّر كامل كيف ستكون النهاية قريبا بحول الله.
استراتيجيا : الكاسب هي إيران، والجدال في امريكا وبين الصهاينة حول سؤال هل هزمت إيران أم لا؟ يشرح ذلك.
لو رفعت إيران الراية البيضاء لكانت الخسارة لفلسطين ( بالرغم من أن إيران لم تدخل هذه الحرب من أجل فلسطين) ، ولأمتنا و للعالم كله.
كانت الصين وروسيا حريصين على وقف الحرب في المستوى الذي وصلت اليه لأنهما يعلمان أن أمريكا لم تكسب الحرب، وهذا أمر مهم لهما، وأمريكا والصين وروسيا ثلاثتهم لم يكونوا يرغبون أن تنهار “إسرائيل” لأنه لو طالت الحرب لكانت دولة الكيان هي أول من ينهار.

 

د. عبد الرزاق مقري

ضبط البوصلة بشأن الحرب القائمة بين إيران والصهاينة

أكتب مرة أخرى في شأن الحرب القائمة بين إيران والصهاينة وأساهم مع غيري في ضبط البوصلة ومعالجة حالة الهيجان الذي تفتق لدى العديد من الأفاضل ضد إيران، بالتشفي والحملات الإعلامية، بما يجعلهم – دون شعور منهم – ضمن البروباغندا الصهيونية في إدارة عدوانها ضد إيران.

ومما يمكن أن أُذَكِّر به مجددًا ما يلي:

أولًا – الرأي في الحرب القائمة بين الصهاينة وإيران كان مبنيًا عند عدد من العلماء والمفكرين والقادة على قناعات سابقة في مسألة الطائفية، القائمة على الدراسات الشرعية والحضارية والفهم الصحيح للأحداث التاريخية في الأمة والتحولات الجارية في العالم. ومع وقوع الحرب وتطور آثارها أصبح هذا الرأي معبرًا عنه أكثر ومجاهرًا به من المجاميع العلمية والفكرية والسياسية المقدَّرة في الأمة، كالأزهر، والموقف الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والإخوان المسلمون وكل الحركات الإسلامية والإصلاحية، بل حتى الدول السنية قاطبة (سواء كانت صادقة في هذا أم لا). فالأمة في المجمل منحازة لإيران في شرق العالم الإسلامي وغربه، ولم يخالف هذا الاتجاه سوى إخواننا السوريين واليمنيين وبعض العراقيين وبعض النخب من الاتجاهات الإسلامية والعلمانية.

ثانيًا – المواقف المعادية لإيران في زمن الحرب محكومة عند كثير من أصحابها بظروف العدوان الذي وقع على أهلنا في هذه الدول الثلاث، وذلك أمر مفهوم ومقدَّر، ولكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون حاكمًا على الأمة كلها، ولا يجب أن تؤثر فينا اعتراضات واحتجاجات إخواننا وأخواتنا (وأكثرهم من سوريا) مهما كان حبنا لهم وتضامننا معهم، ومهما كان قربهم منا والنفع المتبادل بيننا وبينهم، فالحق أعز منهم ومنا ومن أهلنا وأبنائنا.

ثالثًا – إن المواقف المعادية لإيران في الحرب القائمة متأثرة بهذه الحالات الخاصة فلا ينظر أصحابها إلى المخاطر العدائية التي تهدد الأمة كلها بنفس الدرجة، فهي تركز بالمجمل على الخطر “الإيراني الشيعي” أكثر من تركيزها على الخطر الغربي الصهيوني الاستعماري الذي لا يحتل ثلاث دول فقط، على حد قولهم، بل يسيطر على دول العالم الغربي كله وباتت تأخذ من حكامها الجزية جهارًا نهارًا، وخلفية الحملات ضد إيران هي مرافعة منحازة لإقناع المتابعين بعدم مساندة إيران في هذه الحرب دون النظر إلى مآلات وتبعات انهزامها على الأمة.

رابعًا – الذين يُخرجون الشيعة من الإسلام تكفيريون، يخالفون رأي جمهور العلماء وما ذهب إليه عموم علماء السلف والخلف، وهم مع ذلك يؤججون مشاعر الطائفية عند عموم الشيعة ويظلمون شعبًا بكامله في إيران مع ما فيه من تنوع، ويسجلون على أنفسهم موقفًا مشينًا لن ينساه التاريخ. فيتهمون الإيرانيين بأنهم مجوس، وهذا انحراف عن جادة الشرع، وتارة فرس، ولا عيب في أن يكون المسلم فارسيًا، فالفرس أول الشركاء مع العرب في انبعاث الحضارة الإسلامية العظيمة، والذين شيعوا إيران ليسوا فارسيين، بل حكام الدولة الصفوية الأتراك، وعلماء الشيعة العرب.

خامسًا – حتى وإن اختلفنا في التصنيف والحكم على المشروعين الإيراني والصهيوني، فإن الأمر اليوم يتعلق بحرب قائمة، والواجب النظر إلى مآلاتها نظرة شرعية مقاصدية واعية. إنه لا يختلف عاقلان بأن هزيمة إيران تعني التحكم الكلي في المنطقة وتمكين الصهاينة والأمريكان والغرب من رقابنا ونهاية القضية الفلسطينية، وتسلط الاستبداد والعمالة والتطبيع، بل معنى ذلك تحكم المشروع الغربي الصهيوني في العالم بأسره لقرن مقبل، فأي عقل هذا الذي لا ينظر إلى المآل، ويفرض علينا أن لا ننظر إلى المسألة إلا من زاوية ما وقع سابقًا في سوريا واليمن والعراق.

سادسًا – إن موقف الانحياز إلى إيران في هذه الحرب موقف شرعي قبل أن يكون سياسيًا، ونحن بكل تأكيد لا نفرق بين السياسة والشرع، وإلا كنا علمانيين متصارعين على السلطة لا غير.

وثمة قواعد أصولية كثيرة توجب الوقوف مع إيران رغم وجوب معارضتها والوقوف ضدها في القضايا الأخرى المشار إليها، ومنها قاعدة “انفكاك الجهة” التي تعني أن الفعل الواحد قد يكون له جهتان مختلفتان، بحيث يمكن أن يكون مأمورًا به من جهة، ومنهيًا عنه من جهة أخرى، دون أن يكون هناك تلازم بين الجهتين بحيث يستحيل اجتماعهما.

كما أن القرآن الكريم وجه المؤمنين لابتهاج بانتصار الروم على الفرس، وفسر كثير من المفسرين بأن ذلك نصر من الله للروم، بالرغم من أن العداء الأبدي بين المسلمين وغيرهم، هو العداء مع الروم، فقد بدأ ببعث الجيوش لمحاربتهم قبل غيرهم منذ بعث أسامة وغزوة مؤتة وتبوك، إلى يوم الملحمة الكبرى في آخر الزمان، وما بينهما من أحداث كبرى في التاريخ. كما أن الانتصار على البويهيين لم يكن إلا بنهوض دولة سنية قوية وليس بالحروب الكلامية الطائفية كالتي يؤججها بعضنا اليوم، وقبل ذلك تعاون العلماء مع البويهيين في محاربة الروم على نحو ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير وغيره. وأما سقوط الدولة الفاطمية فقد كانت بدايته نجدة نور الدين زنكي للوزير العبيدي الفاطمي شاور ضد الصليبيين وخصومه المتحالفين مع الفرنجة، وقبل أن يحكم صلاح الدين مصر صار هو الوزير لدى الخليفة الفاطمي العبيدي، ولم ينهِ الدولة الفاطمية إلا بعد عملية إصلاحية عظيمة مسنودة بالشوكة السلطانية، وليس بالعجز والكسل ومهادنة الاستبداد العلماني في بلادنا العربية والحروب الكلامية بين الشيعة والسنة.


وبناءً على كل هذا فإن الأولوية في العمل هي إقامة الدولة المسلمة الراشدية (أو على الأقل أن تكون مثل الدول السلجوقية أو الزنكية أو الأيوبية أو العثمانية، التي يذكر أمجادها المعادون لإيران، وهي لا شك مجيدة على ما فيها من ابتعاد عن حكم الراشدين)، وليس المعارك الطائفية داخل مجتمعاتنا بما لا يزيدنا إلا ضعفًا ومهانة. إن هذا الحماس ضد إيران والشيعة المبثوث في مواقف الطائفيين أو المكلومين من ظلمهم، يجب أن يتوجه أولًا لإقامة الدولة المسلمة المستقيمة على شرع الله، وإنهاء تلك الدول السنية العلمانية العميلة التي تخذل فلسطين وتتآمر عليها وتحاصر غزة، والتي يقبع تحت سلطتها ويأتمر بأمرها بعض الإسلاميين الذين يهجمون على إيران في هذه الحرب.

سابعًا – إن الذين يتكلمون عن المآسي التي حدثت في سوريا واليمن والعراق لا يفرقون بينها ولا يغوصون في أسبابها ولا يحملون المسؤولية إلا للجهات المسنودة من إيران، فاحتلال العراق كان بتحالف استعماري أغلب دوله من السنة، فمصر والدول الخليجية السنية هي كذلك التي سلمت العراق مع الأمريكان إلى الإيرانيين، والخذلان والتآمر الذي تعرض له العراقيون من الدول السنية سبب رئيسي لضعفهم، ولهذا السبب انخرط السنة في العراق في العملية السياسية التي يتحكم فيها الشيعة، وبعض القوى السنية اليوم هي حليفة للقوى الشيعية وهم مع إيران في الحرب القائمة. وأما اليمن فإن المؤامرة الكبرى التي وقعت ضد اليمنيين (شوافع وزيديين) هي من السعودية والإمارات، وخطأ بعض الذين يحملون على إيران في حربها ضد الصهاينة أنهم عجزوا عن معالجة المشكلة اليمنية في بداياتها بالحوار الوطني الداخلي، وكان الأمر ممكنًا على ما ذكره لنا من نثق بهم من الفلسطينيين، فهم الذين لعب بهم السعوديون وحاربهم الإماراتيون، وفككوا قوتهم ومزقوا شملهم وضربوا وحدتهم، وقد صاروا اليوم سجناء تحت سلطة السعودية لا يستطيعون مخالفتها في شيء، فهم ضحايا خياراتهم الخاطئة.

وما الحوثيون إلا منتج من منتجات سياسة علي عبد الله صالح والسعوديين المكرة، لم يكن لهم شأن من قبل البتة، فالأرضية التي سمحت بدخول الإيرانيين في اليمن صنعها السعوديون والإماراتيون وغفلة أحبائنا. أما القضية السورية، الجرح الدامي والمظلمة التاريخية العظيمة، فإن للدول السنية مسؤولية كبيرة في خذلان وتفتت المقاومة السنية، غير أنه ما يلفت الانتباه في القضية السورية هو سكوت الذين يريدوننا أن لا نُسند إيران في حربها ضد الصهاينة على أحمد الشرع في حواره وتكتيكاته ومهادنته للروس، وتغاضيهم عن التعاون السوري الروسي القائم والتفاهمات التي وقعت معهم بخصوص وجودهم وبقاء قاعدتهم العسكرية، وكذلك تفاهمات الحكومة السورية الجديدة مع ترامب والتنازلات التي قُدمت من أجل رفع العقوبات. أليست روسيا هي صاحبة البراميل المتفجرة والقتل الجماعي للسوريين؟ أليست أيديهم ملطخة بدماء أطفال غزة؟ فإن قيل إن تلك سياسة شرعية، فلماذا لا تنطبق على الإيرانيين؟

ثامنًا – لا أريد أن أتوغل كثيرًا في ذكر الشواهد الكثيرة من التاريخ الدالة على أن المآسي التي وقعت في سوريا والعراق واليمن هي شأن سياسي أُستُعمل فيه الدين، ولو كنا صادقين لكان اعتراضنا على الأنظمة التي تنتمي إلى العالم السني لا يقل صرامة عن اعتراضنا على إيران، فالذي يعمل على مسخ الدين ونشر الفساد والإلحاد والمجون، ويسلم البلد للاستعمار الأمريكي الغربي، ويعطي الجزية للأمريكان، ويحاصر غزة ويتحالف مع الصهاينة ضد فلسطين، هي الدول السنية وخاصة العربية، تلك الأنظمة التي يسعى كثير منا للتقرب منها ومهادنتها وتجنب معاداتها والسعي إلى نصحها بالتي هي أحسن، بالرغم من أن التجارب المتكررة دلت بأنه لا مجال لتحقيق ذلك، واسأل في ذلك به خبيرًا، وبعضها أبان عن مروق عن الدين بواح ومجون لا حد له وعمالة غير مسبوقة في التاريخ.

تاسعاً – وبالإضافة إلى كل ذلك يجب أن ننتبه بأن المشروع الإيراني التوسعي انتهى بالضعف الشديد الذي أصاب الجناح الذي يمثله، منذ بضع سنوات، ونحن الآن في مفترق الطرق: إما أن ندخل على الشأن الإيراني بالدعم والنجدة كما فعل نور الدين زنكي وشيركوه وصلاح الدين مع الفاطميين لنجعلها في دائرة الأمة، وتركيا تستطيع أن تفعل ذلك لو أرادت ولو استجابت لنصائحنا، على شاكلة ما عليه في هذا الشأن باكستان، نوعًا ما، أو نسلمها للمشروع الغربي الصهيوني إن انهزمت، أو نجعلها إذا خرجت من الحرب سالمة ترتمي في أحضان المشروع الروسي والصيني وهي تحمل أحقادًا عظيمة ضد من خذلها من المسلمين.

وفي الخاتمة أقول لأصحاب المواقف المتشددة ضد إيران، بأن رأيي هو وجهة نظر بكل تأكيد، ولكني موقن به أن دعم إيران في الحرب القائمة هو العمل الصالح الذي نتقرب به إلى الله، ولا يمنعنا من ذلك إلا التعصب الطائفي، الذي قد يكون خفيًا لا ينتبه إليه صاحبه، أو التأثر العاطفي حين لا تلجمه نظرات العقول ومقاصد الشرع العظيم، أو عدم إدراك المآلات والتداعيات، أو المصالح والولاءات التي نسجتها الظروف من حولنا.

لا شك أن معرفة الحق واتباعه ليس بالأمر الهين، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأى الغيب رأي العين، كان يدعو في أشرف الأوقات في افتتاح قيام الليل بهذا الدعاء: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).

فكيف بنا نحن الذين اُمْتُحِنَّا بالغيب؟!

فالله سبحانه، نسأله أن تمنّ علينا بمعرفة الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن تكرمنا بمعرفة الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
آمين,

د. عبد الرزاق مقري

تطور الفكر السياسي للشيخ محفوظ نحناح من التأسيس إلى الوفاة: وماذا بعد؟

ملاحظة: لم تسمح لي الظروف المختلفة ان أكتب مقالا جديدا بمناسبة ذكرى وفاة محفوظ نحناح هذه السنة فذهبت إلى نشر هذا المقال القديم الذي هو  جزء من بحث قدمته في ملتقى الشيخ محفوظ نحناح  في إسطنبول نظمه مكتب الحركة في تركيا يوم 25 جوان 2022  تحت عنوان: “ثنائية المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية” وسيصدر البحث في كتيب في الأيام المقبلة بحول الله.

ولد الشيخ محفوظ في 27 جانفي سنة 1942 وتوفي في 19 جوان 2003. نشأ في بيئة الحركة الوطنية وتحت تأثير الحركة الإصلاحية الباديسية، ووافقه اندلاع الثورة التحريرية وهو شاب في مقتبل العمر فشارك في الجهد النضالي في مدينة البليدة ونواحيها رفقة أقرانه وأصحابه على رأسهم الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله. وبعد الاستقلال انخرط في العمل الدعوي والسياسي لاستكمال عهد الشهداء والمجاهدين ومواصلة مسيرة الإصلاح الاجتماعي فأسس جماعته الإسلامية – جماعة الموحدين – وأظهر معارضته الصارمة للتوجه العلماني الاشتراكي الذي سار عليه الرئيس هواري بومدين، ومن مواقفه الشهيرة رسالته ذائعة الصيت ” إلى أين يا بومدين؟” ضد التوجه الأحادي والأيديولوجية اليسارية. ألقي القبض على الشيخ محفوظ وبعض رفاقه سنة 1975 وقضى في السجن خمس سنوات. وفي فترة الثمانينات ركز جهده على العمل الدعوي وتوسيع دعوته إلى مختلف أنحاء الوطن، وانتهج في الشأن السياسي خطابا وطنيا  ونهجا معتدلا في معارضة نظام الشادلي بن جديد الذي انتهج نهجا أكثر انفتاحا من سابقه، فصارت جماعة الشيخ محفوظ الأكثر قوة وانتشارا في مختلف أنحاء الجزائر.
بعد التحول إلى التعددية السياسية سنة 1989 التي جاءت بها أحداث 5 أكتوبر 1988  حاول الشيخ محفوظ نحناح أن يجسد مقاربته التجديدية لخلق تيار سياسي جديد ” إسلامي وطني” مبني على التقارب بين التيارين الإسلامي والوطني اللذين يجتمعان على أرضية بيان نوفمبر ، والذي جسدته مبادرة “التحالف الوطني الإسلامي”،  والتعاون على نهضة الوطن بين  النظام السياسي المتحكم على المستوى الرسمي والمعارضة الإسلامية القوية في الساحة الشعبية،  رغم الاختلافات السياسية بينهما، عبر تأسيس نظام سياسي ديموقراطي جديد.

غير أن الاستقطاب السياسي الشديد الذي فرض نفسه في أجواء الانتخابات المحلية والتشريعية بين 1990 – بداية 1991، ومخاطر الحرب الأهلية التي تلت ذلك، خصوصا بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أدى بالشيخ محفوظ نحناح إلى تغيير أولوياته، وتسخير جماعته وحزبه الناشئ إلى البحث عن سبل توقيف سيل الدماء والمحافظة على التماسك الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية، ولو على حساب المصلحة الحزبية وركوب المخاطر وما يهدد مصيره ووجوده، فكان موقفه واضحا ضد إلغاء الانتخابات من جهة وضد  استعمال العنف في العمل السياسي مهما كانت الأسباب من جهة أخرى، واستعمل مكانته وقربه من كل التيارات وعلاقاته مع القوى الرسمية وقوى المعارضة لتحقيق المصالحة الوطنية من خلال الحوار ، فأطلق بالاستعانة برجاله ورفقائه عدة مشاريع في هذا الصدد منها: مبادرة المصالحة الوطنية، مبادرة السبعة، مجموعة السبعة + 1، مبادرة السلام الوطني، مبادرة الصلح الوطني. وبعد فشل كل مبادرات التوافق التي أطلقها الشيخ محفوظ أو أطلقتها الجهات المتصارعة، كمبادرة العقد الوطني التي أطلقتها المعارضة، أو مبادرة الندوة الوطنية التي أطلقتها السلطة اختار رحمه الله الرجوع إلى الشعب والدخول في مسار انتخابي الجديد سنة 1995 والذي قاطعته المعارضة في البداية ثم التحق به جلها ابتداء من سنة 1997.
لقد كانت ضريبة إدانة الإرهاب والعنف الذي انتهجته الجماعات المسلحة من جهة وسياسات الهيمنة وأساليب العنف المختلفة التي انتهجتها السلطة من جهة أخرى كبيرة حيث قتل في صفوف الحركة في حدود 400 من أعضائها على رأسهم الشيخ محمد بوسليماني، وتعرض الشيخ محفوظ نحناح نفسه لمحاولةالاغتيال، كما بات رحمه الله المستهدف الأول للتيارات العلمانية المحسوبة على المعارضة وامتداداتها القوية داخل النظام السياسي.
بعد أن قاد الشيخ محفوظ حزبه نحو المشاركة في المسار الانتخابي تغيرت أولوياته، إذ أصبح يرى بأن مشاركته في مؤسسات الدولة هو الأنسب لمصلحة الوطن وللمشروع النهضوي الإسلامي الذي يحمله، فأطلق مقاربة فكرية جديدة تدعو إلى التفريق بين الدولة والسلطة، فيكون الحزب خادما للدولة بالضرورة وفي كل الأحوال، ولكن قد يكون مشاركا في السلطة أو معارضا لها حسب مقتضيات كل مرحلة وما يكون أنفع للبلد والدولة، وفي ذات الاتجاه قام الشيخ محفوظ ببلورة العديد من المفاهيم واهتم بكثير من القضايا الفكرية التي لا تزال الحركة تسير عليها وتطوِّرها مثل الوسطية والاعتدال،  مفهوم الشورى والديموقراطية، المشاركة السياسية، قضايا التنمية والتطور، التعايش، الاحترام المتبادل،  المجتمع المدني، الحريات وحقوق الإنسان، حوار الحضارات، توسيع قاعدة الحكم، التداول السلمي على السلطة، حقوق الأقليات ..
لقد مثل بقاء الدولة بالنسبة للشيخ محفوظ نحناح عنوان بقاء البلد وضامن وحدته وسلامة أهله، وهو ما يُبقي فرصة الاستدراك والإصلاح والنهضة قائمة، وكان يعتقد رحمه الله أن بسقوط الدولة تضيع الوحدة الوطنية وتحل الفتنة والاقتتال والضعف والهوان والسقوط التام في مخططات القوى الأجنبية المعادية للأمة الإسلامية، وعلى هذا الأساس لم يكن يرى الشيخ محفوظ نحناح من حرج في أن يضحي بمصلحة حزبه، وبمكانته وفرصه السياسية خدمة للدولة الجزائرية والمصلحة الوطنية.
غير أن رجال النظام السياسي الذين سكنوا الدولة لم يكونوا في مستوى هذا الأفق العالي للشيخ محفوظ  فتعاملوا معه رحمه الله ومع حزبه وفق مصلحة النظام السياسي وليس مصلحة الدولة، ووفق مصالحهم الشخصية وليس وفق المصلحة الوطنية. فزوروا عليه الانتخابات الرئاسية سنة 1995  التي أظهرت شعبيته العارمة التي كان عليها قبل التعددية الحزبية عبر المهرجانات الضخمة ونتائج الصناديق الانتخابية التي تم قلبها ومصادرتها بالقوة فحرموه وحرموا البلد من قيادته للجزائر نحو نهضتها ، ثم زوروا الانتخابات التشريعية سنة 1997 فحرموه وحرموا البلد من قيادة الحكومة لاستدراك جرم تزوير الانتخابات الرئاسية، ثم زوروا الانتخابات المحلية تزويرا شاملا، وفي سنة  1999 منعوه أصلا من الترشح للانتخابات الرئاسية.
كان بإمكان الشيخ محفوظ نحناح أن يقود قطاعات شعبية واسعة للثورة الشعبية ضد النظام السياسي الذي لم يراع تضحياته وتضحيات حزبه، وحرَمه من حقه، الذي أخذه بإرادة الشعب،  في تسيير البلاد وإنجاز مشروع المصالحة الوطنية وتحقيق النهضة الوطنية وفق ما رسمه في كتابه: ” الجزائر المنشودة” وعبر خطاباته ومصطلحاته السياسية التي أثرى بها القاموس السياسي الجزائري. لم يتجه رحمه الوجهة المتشددة للدفاع عن حقوقه الضائعة حفاظا على البلد، وحقنا لدماء الجزائريين،  ورحمة بالجزائريين المثقلين بأوزار الفتنة التي طال مداها، وإيثارا للمصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية والحزبية.
رغم استئثاره بالحكم وسيطرته على مقاليده كلها، لم يستطع النظام السياسي خدمة البلد، ولم يستفد من تضحيات الرجال الوطنيين الذي بذلوا أنفسهم من أجل إيقاف الفتنة، سواء الشيخ محفوظ ورجال الحركة أو غيرهم، من داخل الدولة وخارجها، فبقيت الجزائر تنتج أزماتها، أزمة بعد أزمة جراء سياسات التزوير الانتخابي والفساد والهيمنة،  و أحيانا كثيرة خدمة للمصالح الأجنبية على حساب المصلحة الوطنية.
لقد أيقن الشيخ محفوظ نحناح رحمه بعد إقصائه المشين من المشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 بأنه لا يوجد شريك له في الطرف الرسمي، وأن النظام السياسي متجه بالبلد إلى ما لا يحمد عقباه، فبدأ يفكر في تغيير سياسته في التعامل مع النظام السياسي، فأخذ يُحدّث المقربين منه بخطاب غير معهود عنه في رأيه وموقفه من النظام السياسي، وبدأ ينظّر لمرحلة جديدة عبر كتاب جديد لم يكتمل ولم يصدر عنوانه ” الدولة وأنماط المعارضة”، لعله كان يبحث من خلاله سبلا جديدة للتعامل مع نظام سياسي استغل الفتنة واستعملها لإعادة إنتاج نفسه، سبلا  لا تؤدي إلى الصدام المباشر مع السلطة الحاكمة وما ينجر عن ذلك من زيادة التوتر في بلد مأزوم ومشتت، ولكن في نفس الوقت بما لا يجعل المسؤولين  يتصرفون في البلد كما يشاؤون دون أن يكون ثمة من يعارضهم ويمنعهم من الإضرار بالدولة وبالبلد. لم يتمكن الشيخ محفوظ نحناح من استكمال بناء منهجه الجديد وتوفي رحمه الله حزين القلب معلول الجسد ولكنهترك وراءه حركة كبيرة باتت محل تقدير واحترام جسدت الخطالقويم في التعامل مع ” ثنائية المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية” وفق ما نسير به الحركة اليوم بعده، استطاعت بعد مرحلة اضطراب، عادة ما تَحقّ بالمنظمات بعد وفاة المؤسس، أن تجيب عن سؤال: وماذا بعد؟ إذ انتقلت إلى المعارضة السياسية وفق نفس النهج القائم على التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية، بما كان يأمله الشيخ محفوظ ويحدث به ولم يطل به العمر ليجسده

لقد استطاعت الطبقات القيادية التي خلّفها الشيخ محفوظ نحناح، التي سارت على نهج المقاومة السياسية، أن تثمن التضحيات التي قدمها رحمه الله، وأن تحول ما ضاع من مصالح حزبية في سبيل المصلحة الوطنية إلى مكتسبات حزبية ووطنية معتبرة ومن ذلك:

– ارتفاع سمعة الحركة ورمزيتها ومصداقيتها لدى الجماهير وفي نفوس النخب السياسية والفكرية والاجتماعية، في المجتمع والدولة، لِما أبانت عليه من جدية ونزاهة وما قدمته من برامج واقتراحات ومبادرات، وبسبب شجاعتها في مواجهة الفساد والرداءة والاعتداء على الحريات، والتزامها أثناء ذلك بالاعتدال والحرص على الاجتماع والتوافق الوطني.

– استقرار الحركة وانتهاء عهد الصراعات الداخلية التي لم تتوقف منذ التأسيس الرسمي، سمحت بالانشغال بالعمل وتوجيه الطاقة لانتشار الهيكلي حيث حقق في ذلك نموا بالضعف، والانفتاح على الطاقات الجديدة حيث أقبل على الحركة موارد بشرية متنوعة خصوصا الأجيال الجديدة من الشباب بأعداد هائلة، وترشح في قوائمنا كفايات وشخصيات مؤهلة وذات سمت أخلاقي  تمثل في حدود 70% من منتخبينا، وامتدت علاقاتنا الخارجية وتمثيلنا وتأثيرها في المنظمات الدولية إلى آفاق لم ندركها منذ التأسيس.

– ما طورته الحركة من أفكار وبرامج خصوصا على مستوى النهج السياسي الذي يرتكز على دراسة السنن الاجتماعية ومقاربة ” المكان المناسب” بتجنب الصدام من جهة ورفض الاحتواء والذوبان من جهة أخرى ومحاولة الاستشراف، والتعامل، بقدر الإمكان،  مع المدخلات السننية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدولية.  والتنظير والتجسيد الميداني لمقاربة التمييز بين السياسي والدعوي بما يؤهل لبناء حزب سياسي عصري همه نهضة الوطن وتحقيق التنمية من خلال الانتخابات والمدافعة السياسية السلمية دون التفريط في مختلف الوظائف الاستراتيجية الأخرى.

– ابتكار أنماط تسيير جديدة ضمن مقاربة ” التخصص الوظيفي” بتوجيه المناضلين إلى العمل الجمعوي والعمل في مؤسسات المجتمع المدني على مستوى الشباب والنساء ومختلف الشرائح والاحتياجات المجتمعية، وإحياء وترقية الوظائف الاستراتيجية الحضارية دون إثقال كاهل الحزب بإدارة تلك الوظائف وقد حققت الحركة في هذا المضمار نتائج كبيرة بحمد الله تعالى.

– وبالنسبة للنتائج الرقمية على الصعيد الشعبي فإن الحركة قاربت النتائج الانتخابية التشريعية الأعلى التي حققتها سنة 1997 من حيث عدد المقاعد والرتبة في البرلمان، مع التفوق على نتائج  تلك السنة من حيث الرتبة الحزبية اذ احتلت الحركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات في 26 ولاية وتأتي بعدها جبهة التحرير التي احتلت المرتبة الأولى في 12 ولاية فقط ثم تأتي بعد جبهة التحرير باقي الأحزاب تباعا، مع فروق جوهرية في الظروف المحيطة ببين الانتخابات في تلك المرحلة وفي الانتخابات الأخيرة حيث كانت الحركة موحدة في انتخابات 1997 ولا ينافسها في محيطها الأقرب غيرها كما هو حاصل اليوم . أما بالنسبة للانتخابات المحلية فقد عادت الحركة إلى النتيجة الأعلى التي حققتها سنة 2007  من حيث عدد البلديات التي تسيرها في حدود مائة بلدية مع التميز في الانتخابات الأخيرة  بتسيير بلديات حضرية كبيرة كبلدية وهران وبلدية عناية وغيرهما . مع فرق جوهري بين المرحلتين حيث لم يكن يشترط للترشح سنة 2007 جمع توقيعات المواطنين في البلديات للتمكن من الترشح كما هو الحال في الانتخابات الأخيرة.

– وكل هذا مع استمرار حالة التزوير الانتخابي التي لولاها لكانت الحركة هي من يسير الحكومة اليوم، وقد قمت بنفسي بشرح البراهين الساطعة عن التزوير لمسؤولين كبار لم يستطيعوا رد تلك الحجج.

 

د. عبد الرزاق مقري

لماذا ندعم إيران ولماذا يجب أن تسْلَم، وكيف نعالج الفتنة الطائفية؟

ما إن اندلعت الحرب بين جمهورية إيران الإسلامية ودولة الكيان حتى اندلعت معها معركة كلامية حامية الوطيس في العالم الإسلامي، وذهب الناس في هذا الأمر ثلاثة مذاهب، منهم من اندفع بلا تردد يدعم إيران، وهم غالبية المسلمين من عموم الناس وكثير من النخب نشرح توجهاتهم في آخر المقال، ومنهم من وقف مع الصهاينة متمنيا هلاك إيران وهلاك المقاومة الفلسطينية بعدها وكل ما يمت بصلة لقوى الإحياء الحضاري للأمة، وهم عملاء الكيان وأمريكا من الحكام والساسة والعلماء والنخب المستلبة حضاريا المنخرطة في المشروع المارق المسمى “البراهمية” والتطبيع و بناء ما يسمونه ” الشرق الأوسط” على ما يريده الاستعمار الغربي الصهيوني، وهناك فئة ثالثة اختلط عليها الأمر، يريد أصحابها هلاك الكيان ومعه هلاك إيران، ولم يتبين لهم ما هي الكفة التي يريدونها أن ترجح، كلما ابتهج المسلمون بالضربات الموجعة التي توجهها إيران للكيان ينزعجون خوفا من أن يكون في ذلك نصر للإيرانيين، وكلما توجهت الضربات المؤلمة لإيران يُخفون ابتهاجهم خوفا من أن يُتهموا بأنهم يساندون الكيان، فترتفع أصواتهم بالدعاء: “اللهم أضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين” في حالة انتظارية غير مجدية وعجز شديد من فعل أي شيء يسلم به المؤمنون، و ينهض به المسلمون بعد أن “يفني الظالمون بعضهم بعضا”! ومن هؤلاء من لا يمكن لومهم، وهم الذين اكتووا بعدوان وإجرام القوى والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، في سوريا والعراق واليمن، إذ مآسيهم المحلية لا تسمح لهم بالارتفاع إلى النظرات الكلية، وأي منا قد يكون له نفس الموقف لو مر  بتجربتهم المفزعة، ولكن ثمة آخرون على ذات الموقف من النخب السياسية والعلمائية، بعضهم طيبون متوقفون عندما وصلت إليه دراساتهم الشرعية والتاريخية لا يقبلون النقاش بخلافها، وبعضهم صادقون سذج ينقصهم الفهم والاطلاع على القضايا الجيوستراتيجية والتدافعات الحضارية العالمية، وما يُرسم من خرائط جيوسياسية مستقبلية، وبعضهم يحكمهم النَّفس الطائفي، بتأثير من توجهاتهم السلفية أو بيئتهم السياسية والاجتماعية والفكرية.

إن المتمعن  في تطورات الحرب الإيرانية الصهيونية يفهم بسهولة بأنها مصيرية ليس للكيان وحده بل لإيران وفلسطين والأمة الإسلامية قاطبة والعالم كله، ولا يمكن لصاحب رسالة أن يكون حياديا بشأنها، وما يساعد على فهم ذلك أبعاد عديدة منها:   

الأبعاد السننية الربانية:

يعلم عدد من قادة المقاومة وقادة التيار الإسلامي بأنني لم أكن من المتفاجئين بطوفان الأقصى، فقد وصفته لهم كما وقع ودعوت  إليه دون أن أسميه ودون أن أعرف ما سيكون اسبوعاً قبل وقوعه، والذين حدثتهم بتفاصيل ما يجب أن يكون بشأن القضية الفلسطينية وواقع الأمة الإسلامية قبل السابع من أكتوبر بعضهم استشهد وبعضهم لا يزال على قيد الحياة،  يشهدون بما ناقشته معهم بهذا الخصوص.

كنت أقول لهؤلاء بأن الأمة وحركاتها الإصلاحية قد خسرت كل شيء بخصوص مشروعها الحضاري، ففلسطين في طريق التصفية في كل ملفاتها، والحركات الإحيائية خرجت من الفعل، فهي إما مستأصلة من قبل الاستبداد أو قابعة تحت سقوفه،  وبعض قادتها قبلوا الاندماج في بيئة الاستبداد خوفا منه أو طمعا في ما يمنحه لهم من مصالح، ولو كانت مجرد اعتراف بوجودهم ووجاهة شخصية في بيئتهم ، ولا بد حيال ذلك من قلب الطاولة على الجميع لإعادة بناء التوازنات،  ولا يكون ذلك إلا بعمل مقاوم في فلسطين غير مسبوق، يفسد مخططات تصفية القضية ويحرك العالم العربي والإسلامي ويبعث مشروع الاستنهاض الحضاري من جديد، ويربك الهيمنة الأمريكية الغربية الظالمة.

وحينما حدث طوفان الأقصى، قلت  في أسبوعه الأول بأننا نعيش ” حالة سننية”، من الحالات التي تأتي في زمن يتغول فيه الظلم إلى درجة التربّب ويستكين المظلوم ويستسلم، فتغير تلك الحالة الموازين فتكسر الظالمين وتظهر ضعفهم، وتعطي في المقابل فرصة للمظلومين لعلهم ينتفضون ليدافعوا عن أنفسهم وعن قضاياهم.

إن الحرب الإيرانية الصهيونية هي نتيجة من نتائج الطوفان وإفرازاته، تماما كما هي الأحداث التي وقعت في سوريا، وما يحدث في العالم من تحولات عميقة على مستوى الرأي العام والتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية في العالم، علاوة على الصمود الذي يتجاوز المعقول لدى الشعب الغزاوي، وبطولات المقاومة الخارقة.

فطوفان الأقصى لم يأت كمعركة عادية مع الكيان، ولكنه تحول سنني يحرك الأحداث الكبرى في فلسطين وإقليميا ودوليا نحو  نهاية الكيان ونهضة الأمة الإسلامية. وضمن هذا المآل يجب وضع الحرب القائمة بين إيران والكيان، فهي حرب مباركة من بركة فلسطين وطوفان الأقصى، ولا يمكن أن تنتهي إلا لصالح المسلمين، كل المسلمين بكل طوائفهم التي تنتمي لملة المصطفى عليه الصلاة والسلام .. مهما كانت الخسائر التي يتكبدها الإيرانيون.

التحولات الداخلية الإيرانية:

لا يدرك الغارقون في الفكر الطائفي ما وقع من تحولات عميقة في إيران قبل حدوث الطوفان،  حيث أن مشروع المقاومة الذي اعتُقد أن الإيرانيين كانوا يأخذون منه شرعية كبيرة  للتمدد في المنطقة قد انكسر وتراجع داخل إيران ذاتها، وقد عبّر عنه صعود الإصلاحيين المفاجئ في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي اضطرّ المرشد العام إلى التأقلم معه كأمر واقع.  والإصلاحيون تيار قوي سياسيا، تسنده شبكة “البازاريون” الذين يتحكمون في جزء كبير من التجارة والاقتصاد الإيراني، ومعه شبكة كبيرة من المفكرين ونشطاء المجتمع المدني، يتفقون كلهم على مخطط انكفاء إيران على نفسها، والعمل لكي تتحول إلى دولة ذات مشروع قومي، على النمط التركي، صاعدة اقتصاديا وعلميا وعسكريا غير منخرطة في المواجهات الإقليمية، ومتحالفة مع القوى الدولية الصاعدة.

لقد أدرك المحافظون خسارتهم داخل إيران فحاولوا حماية خط المقاومة خارجيا من التحولات الجارية داخل دولتهم،  ولكنهم فشلوا في ذلك بسبب الاختراقات الداخلية التي قضت على السليماني وكانت سببا رئيسيا في الخسائر التي تكبدها حزب الله في حربه ضد الكيان  دفاعا عن غزة، وخصوصا عند استشهاد زعيمه نصر الله، الذي كان زعيما روحيا لخط المقاومة الذي يسنده المحافظون كله.

لقد كانت نتائج المواجهة في لبنان لصالح التيار الإصلاحي لو تركهم الأمريكان والصهاينة في حالهم، ولكن لم يكن لهذه القوى الاستعمارية أن تسمح بنهضة إيران دون أن تنزع مخالبها وسيادتها – ولو قررت الانكفاء على نفسها –   فلا بد من إخضاعها بالقوة  لكي تكون بعد هزيمتها دولة تابعة بلا سيادة كما هو شأن الدول العربية في العالم السني.

لقد دفعت السياسة الأمريكية والعدوان الصهيوني إيران إلى اجتماع  كل قواها ونسيان خلافاتها لتدافع عن نفسها، ولكي تفشل  العدوان والمخططات الأمريكية. ولو تضامنت الدول والشعوب السنية مع إيران لثبّتت مشروع رجوع إيران إلى حجمها في الأمة والانكفاء على نفسها كجزء من العالم الإسلامي وقوة المسلمين، بما يسمح بالتعايش والتحالف معها لصالح الإسلام والمسلمين،  ولكن الخيانات التي وجدتها من الدول التي تشارك في  اعتراض صواريخها سيكرر تجربة التصلب الإيراني بعد بدء الحرب ضدها من قبل صدام حسين المسنود آنذاك من الدول الخليجية، وذلك الذي يعمل كثير من الواعين حضاريا الصادقين في مواقفهم على منعه بالعمل لوجه الله تعالى لتكون الأمة الإسلامية كلها إلى جنب إيران ضد الصهاينة.

لا شك أن إيران ستتلقى في الحرب القائمة ضربات موجعة وستتكبد خسائر عظيمة لن تتعافى منها بسهولة ولكن يجب عليها أن تُفشل أهداف العدوان المتمثل في وقف برنامجها النووي وتدمير صواريخها الباليستية وتدمير دولتها، ولكي لا تُسلّمَ إيرانُ بعد ذلك كلها إلى نخب علمانية عميلة للأمريكان والصهاينة فتكون أشد على العرب والمسلمين وعلى فلسطين من الأنظمة العربية الخائنة لله ورسوله والمؤمنين المشاركة في حصار غزة والتآمر على المقاومة. وأنا أتعجب حقيقة من بعض من يحسن الحديث عن فقه الأولويات والمقاصد والقواعد الشرعية، خصوصا قاعدة انفكاك الجهة، كيف يعميهم التعصب فلا يبصرون المآل لو انتصر المخطط الأمريكي الصهيوني في إيران، أتعجب حقيقة كيف يجهلون وقوف علماء كبار من المذاهب السنية مع حكام روافض في بعض حروبهم ضد الروم، وتشجيعهم على قتالهم، ذكرهم بذلك ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” الجزء الحادي عشر ، كالفقيه أبو بكر الرازي الحنفي، وأبو الحسن علي بن عيسى وابن دقاق في دعمهم للحاكم البويهي باختيار عز الدولة بن معز الدولة مؤسس الدولة البويهية الشيعية التي احتلت بغداد وتسلطنت على الخلافة العباسية.

لو استطاع الكيان أن يدمر قوة الرد الإيراني من الضربة الأولى لحقق الأهداف المعلنة مبكرا،  ولكن تلقيه ضربات صاروخية إيرانية متتالية في العمق الإسرائيلي وتدمير عدد كبير من المقرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتدمير هائل للبنايات والمؤسسات العلمية والاقتصادية، كما لم يحدث منذ تأسيس الكيان، قد يتيح لها هامشا للأمان في مواجهة الحلف العالمي الصهيوني الغربي العربي ضدها بما يجعلها تستمر كدولة تحاول بناء نفسها من جديد بعد الحرب.

إن طاقة الصمود متوفرة عند الإيرانيين أكبر مما لدى الإسرائليين، وذلك بسبب فروق مهمة لصالح إيران تتعلق بالجغرافيا وعدد السكان، وخبرة واستعدادات تحمل أعباء الحرب ومشاهد النار والدمار  والقتل في المدن والقرى الصهيونية . مع حسبان التطور المهم الذي وقع في صعوبة التدخل الأمريكي المباشر لصالح الكيان، وما يتعلق بتوريد السلاح والمعدات لصالح ايران من قوى شقيقة وصديقة لأسباب جيوستراتيجية.

التحولات الجيوستراتيجية الإقليمية والدولية.

لم يكن العالم أقرب إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة كما هو الحال مع هذه الحرب الإيرانية الإسرائيلية، فرغم أبعادها العدائية المعلومة بين البلدين يمكننا القول أنها تحولت إلى حرب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، بين أمريكا والغرب من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، وهي تطورات في صالح إيران ولا شك، وسيجعل ذلك أمريكا تراجع دعمها المباشر للكيان خوفا من أن تتورط في حرب عالمية تضعف الرؤية الاقتصادية التي يؤمن بها رئيسها ترامب وتورطها في حرب برية ستخسرها من جديد كما خسرت في الصومال وأفغانستان والعراق من قبل. غير أن الغياب الإسلامي العربي في هذه المواجهة وقوة اللوبيات الصهيونية في الصين وروسيا لصالح الكيان يجعل تفاؤلنا نسبيا.

لقد انخرطت إيران منذ سنوات ضمن المحور الصيني الروسي المعادي لأمريكا، وقد تم إدماجها  في منظمة البريكس وهي منظمة تعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي في مواجهة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وتم إلحاقها كذلك بمنظمة شنغهاي، وهي منظمة أمنية تأسست لمواجهة القوى الأمنية العسكرية الغربية الأمريكية، فصارت الصين وروسيا أقرب إلى إيران من أي دولة عربية وإسلامية أخرى، وقد قدمت إيران لروسيا مساعدات عسكرية معتبرة في حربها مع أوكرانيا ولا يمكن لروسيا أن تغفل عن أهمية مساعدة إيران بشكل ما  في مواجهة العدوان الاسرائيلي الذي هو عدوان أمريكي بالأصالة، كما أن هزيمة إيران وسقوطها في حضن المعسكر الغربي يمثل خطرا على خطوط التوريد الصينية و مشروع الطريق  والحرير ويضعف رؤية الصين للتحول من الأحادية القطبية الدولية الأمريكية إلى التعددية  القطبية الدولية التي تنتهي فيها الهيمنة الأمريكية على العالم.

ومما يجب ملاحظته التطور المهم الذي حدث في السياسة الخارجية الباكستانية، من ناحية أن باكستان أدركت بأنها تتعرض لتهديدات كبيرة من دولتين حليفتين للولايات الأمريكية المتحدة، هما الهند التي تجرّأت على انتهاك الأجواء الباكستانية وقصف مواقع في داخلها وقتل عدد من السكان، والكيان الصهيونى الذي صرح زعيمه المجرم نتنياهو بأنه بعد إنهاء الدور الإيراني سيتجهون إلى إنهاء دور باكستان وتدمير سلاحها النووي.  

لقد أدى هذا الإدراك الباكستاني إلى تعميق تقاربها التقليدي مع الصين في مواجهة الخصم الهندي القديم المشترك، والاعتماد على السلاح الصيني ضد السلاح الأمريكي الأوربي الذي تملكه الهند، وذلك رغم علاقاتها الوطيدة مع الولايات الأمريكية المتحدة. وضمن هذه التحالفات الجديدة ضد الهيمنة الأمريكية أظهرت باكستان علانية تأييدها لإيران وباتت الأخبار التي تفيد بوجود عمليات توريد السلاح والمعدات الحربية من الصين وروسيا عن طريق باكستان غير خافية عن المتابعين، وذلك لا شك سيعين إيران على صمودها في مواجهة الجبهة الداخلية الإسرائيلية المتداعية.

إن هذه التحولات الإقليمية والدولية توفر هوامش مهمة وفرصا ثمينة لنهضة المسلمين، وستتعزز هذه الهوامش والفرص لو خرجت إيران سالمة من هذه الحرب القاسية، ولا نقول هذا من منطلق  العاطفة والاندفاع ما دامت إيران تواجه إسرائيل على نحو ما هو عليه كثير من المساندين لإيران دون النظر إلى أخطائها الجسيمة ومشاركتها المباشرة في جرائم المليشيات الشيعية في سوريا مثلا، ولا نقوله بدافع التقارب الفكري والسياسي والمصلحي مع إيران كما هو حال بعض من نعرفهم في العالم العربي،  ولكنه رأي طائفة من الواقفين معها على أساس رؤية شرعية حضارية كبيرة تقوم على المسلمات التالية:

– تعاضد المسلمين ونصرة بعضهم بعضا واجب شرعي لا تقف أمامه التوجهات الطائفية التكفيرية، وشيعة إيران مسلمون عند جمهور العلماء، ولا عبرة بغلاة الشيعة المارقين عن الدين عندهم الذين هم أقلية، على نحو ما هم عليه أقلية غلاة السنة التكفيريين عندنا،  وما وقع من ظلم وعدوان إيراني على أهلنا في سوريا والعراق واليمن هي جرائم سياسية وقع مثلها في التاريخ من كل المذاهب، ويوجد مثلها في عصرنا الحديث على يد حكام مستبدين من السنة، وإنما يُستعمل الدين والمذهبية عند هؤلاء وهؤلاء لأغراض السلطوية. ورغم  تفهمنا لمواقف من وقع عليهم العدوان في سوريا والعراق واليمن، وضرورة جبر خواطرهم وضمان حقوقهم،  لا يجب على قادة الأمة وعلمائها أن يقفوا عند تلك الأحداث بما يجعلنا ندمر بعضنا بعضا داخليا في مواجهة عدو يريد الشر بنا جميعا، بكل طوائفنا،  ويسعى لجعلنا جميعا تحت سيادته وإرادته،  وإنهاء ديننا وحضارتنا إلى الأبد.   

– إن انتصار ايران في الحرب القائمة، أو خروجها على الأقل سالمة،  هو  انتصار لفلسطين، وفيه خلاص أهلنا في غزة مما يتعرضون إليه من ظلم عظيم وعدوان بلغت همجيته عنان السماء.

– إن انتصار إيران هو هزيمة للاستبداد في عالمنا العربي والإسلامي المساند للكيان والمشارك في حصار غزة.

– إن انتصار إيران هو هزيمة للولايات الأمريكية المتحدة وحلفائها الأوربيين الذين هم سبب كل بلائنا، كما أن ذلك سيساعد على انتقال العالم إلى التعددية القطبية التي تمنحنا هوامش واسعة لنهضة عالمنا الإسلامي.

وعلى أساس كل ذلك إن المشروع الذي يشتغل عليه الذين يساندون إيران انطلاقا من رؤية الاستنهاض الحضاري للأمة يرون أن حل مآسي الأمة لا يكون بمحاربة إيران وإشعال نيران الطائفية، فإن في ذلك مصلحة القوى الصهيونية الغربية الاستعمارية الغاشمة،  وإنما الحل  بنهضة الدول السنية وخروجها من التبعية واسترجاع سيادتها وتحقيق وحدتها، ولو وقع ذلك ستُنسّب إيران طموحها وتأخذ مكانها الطبيعي كأقلية  في الأمة وجزء منها، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ذلك يطول استحضارها، وهذا الذي يعمل عليه زمرة من القادة في العالم الإسلامي ، ليس على الصعيد النظري فقط، بل على الصعيد الميداني كذلك، وقد يبدو هذا الحلم جنونا، ولكن صدق من قال: ” أحلام اليوم حقائق الغد” والله المسدد والموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. عبد الرزاق مقري

أنا والإمارات

يشعر الإنسان بكثير  من الطمأنينة حين يكون موقفه في قضية متطابقا مع موقف بلده، رسميا وشعبيا، وذلك هو شأني مع دولة الإمارات. 

كانت بلاد الإمارات وجهة كريمة لدي في زمن الشيخ زايد رحمه الله، فقد كان لي فيها أهل وأصدقاء، سكنها صهري  لأغراض التجارة فترة من الزمن، وكان فيها مَعلما في مجاله، وعنوان استقامة وبركة  لدى التجار، وكنت أزوره بين الحين والحين لألقى شقيقتي الحبيبة حفظها الله وأولادها، إلى أن تركها رحمه الله رحمة واسعة إلى بلد آخر حين ساءت أمور البلد، كما حاولت أنا ذاتي ولوج عالم الأعمال بها مع بعض الزملاء التجار، وحققت أرباحا ولكن لم أستمر لكثرة انشغالي بقضايا أخرى عديدة، وكان لي بهذا البلد الطيب إخوان أجلاء وقامات سامقة في مجال العلم والفكر  والدعوة، كلهم اليوم مسجونين ظلما وزورا وبعضهم غادر بلده مكرها مهاجرا الى بلاد أخرى. 

ثم حكم البلاد ظالمٌ محارب لله ورسوله وأمة الإسلام، قرر وأزلامه معاداتنا وإيذاءنا كتيار إسلامي، بالرغم من أننا لم نفعل له شيئا ولم نسئ له ولا لأهله وبلده، وقد  كنت من بين أهدافه التي  بذل ماله الوسخ لضربها. 

زارني ذات يوم صحفي معروف وأستاذ دكتور في كلية العلوم السياسية توفاه الله رحمه الله،  ليحذرني من أمر ما له علاقة به. قال لي “لقد وجّهت لي دعوة من الإمارات لمناسبة وهمية وكان الموعد في ملعب رياضي، وهناك التقيت بمسؤولين إماراتيين، شكروني على ما أكتبه في نقد الإسلاميين وطلبوا مني أن أركز على ضرب عبد الرزاق مقري وحركته مقابل منحٍ مالية مجزية” ثم أخبرني بأنه رفض ذلك بحكم الصداقة التي بيننا، ولكن حذرني بأنه أعطاهم أسماء ثلاثة صحفيين شباب في الجزائر  قال لهم ” يمكن أن يقبلوا التعامل معكم”

لم آخذ ما قاله لي هذا الصحفي الصديق على محمل الجد، خصوصا أنني تعجبت لقوله، كيف يرفض التعامل معهم لإيذائي ويقترح لهم آخرين يقومون بالدور، ولكن حدث أمران جعلاني أتذكر ما قاله وأصدقه. يتعلق الأمر الأول بالشيخ راشد الغنوشي فك الله أسره، ويتعلق الأمر الثاني بصحفي  شاب له علاقة بالإمارات – قد يكون من أولئك الثلاثة الذين حذرني منهم صديقنا – استهدفني بقسوة وقذارة انكشف أمره  في المحكمة.  

أخبرني أحد قادة حركة النهضة الكبار  ( أتحفظ على ذكر اسمه لأنني لم أستشره) بأنه وجّهت له دعوة من مركز دراسات لإلقاء محاضرة بالإمارات، استضافوه في فندق فخم لم ير مثله حسب قوله، دلت مظاهر الفساد فيه أنه مصيدة للرجال وقد يكون الرجل عالما بقذارة من دعوه فأخذ معه زوجته. حين التقى بمضيفيه تأكد بأن سبب دعوته  لم تكن المحاضرة وإنما وضعوا بين يديه على الطاولة شيكا فارغا ليملأه بما شاء،  قال لي قلت لهم: “ما سبب هذا السخاء الكبير” فقالوا له بصراحة ودون حياء: “لقد لاحظنا أنك غير متفق مع الشيخ راشد الغنوشي ونحن نريد أن ندعمك في ذلك”، قال لي: “دفعت الشيك في اتجاههم على الطاولة  رافضا الإغراء وقلت لهم “أنا أنقد الشيخ راشد داخل حركة النهضة وفي تونس وأنتم لا شأن لكم بهذا” ثم وجد نفسه بعد محاولتهم الفاشلة يحاضر في قاعة صغيرة بها عشرة أشخاص جزم أنهم كلهم من رجال المخابرات. 

وأما الحادثة الثانية فهي مع صحفي شاب كتب سلسلة مقالات في جريدة العين الإلكترونية الإماراتية كلها كذب وافتراءات، منها أنني هرّبت أموالا إلى تونس لأسلمها للشيخ راشد الغنوشي وأنني آخذ أموالا طائلة من قطر والإمارات لضرب الجزائر. رفعت على المعني دعوى قضائية، كما هي السياسة التي اعتمدتها أثناء رئاستي للحركة وهي أن أقاضي كل هذا النوع من الدجالين والكذابين، وقد فزت في القضايا التي رفعتها في المحاكم ضدهم كلها بحمد الله. 

اقترحت على هذا الشاب، وعلى محاميه أن يتراجع كتابيا عما كتبه ويعترف بأنه كان يفتري لأسحب القضية – بناء على قضية أخرى قبلها كسبتها التزم الطرف المعتدي بالاعتذار علانية في وسائل الإعلام – فرفض معتقدا بأنه سيكون محميا ويغلبني في المحكمة، ولكن حين افتضح أمره وصدر الحكم ضده أربك إرباكا شديدا إذ لم يستطع تقديم أي دليل وعُدّ اتهامه أنه إهانه للأجهزة الأمنية التي تكون قد عجزت على كشف هذا الأمر الجلل لو كان حقيقيا. عندئذ اعترف أمام القاضي بأنه لم يكن هو من يكتب تلك المقالات ولكن كانت تُكتب باسمه من غرفة التحرير الإماراتية، وفي آخر الجلسة أعطى القاضي الكلمة لوكيل الجمهورية فمسح به الأرض وقال له: ” أنت تتهم رجلا محترما في حين أنك أنت الذي ثبت في حقك العمل مع دولة الإمارات”. 

هذه هي دولة الإمارات التي تريد أن تُخضع الجزائر بدسائسها الماكرة وأموالها العفنة، فإذا بها تجد نفسها أمام جدار قوي متين تتآزر فيه الجهات الرسمية مع القوى الشعبية ولا تكاد تجد عميلا واحدا لها يرفع رأسه في بلادنا، والله نسأله أن يديم حماية بلدنا، وأن يحمي الإمارات ذاتها والأمة العربية والإسلامية كلها والبشرية قاطبة، من هؤلاء الحكام المغرورين التافهين الذين لا مجد لهم ولا إنجاز لهم سوى بمال غزير أتاهم من الله ليفتنهم به في الدنيا ويفنيهم به لاحقا بحوله سبحانه غير مأسوف عليهم، ويعذبهم به في الآخرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

أسطول الحرية: لبيك غزة.

وصيتي الدائمة لأفراد عائلتي وفي محاضراتي أن لا تتركوا اليأس والأسى يشل إرادتكم لما ترونه من صور الإبادة الجماعية والقتل بالقصف والجوع والعطش والأمراض وصور التشريد والإهانة والتحطيم النفسي لأهلنا في غزة، ولا تسمحوا للغضب أن يفقدكم توازنكم  أمام المشاركة  الغربية الأمريكية الكاملة في الجريمة، وما يقابلها من خذلان النخب والحكومات  في العالم العربي الإسلامي  لهؤلاء الأبطال الذين يقاومون الاحتلال ببسالة لم يعرف لها التاريخ مثالا، ولهذا الشعب الذي  يقدم التضحيات التي لا تطيقها الجبال  من أجل التمسك بأرضه وبلده.

وإنما حوّلوا الحزن والغضب إلى عمل دائم وثابت ومؤثر ومستمر لنصرة فلسطين وأهلها بما يحقق التحرير حينا، أو بعد الحين.

لقد قدم أهل غزة كل شيء، ولم يبق شيءٌ يُطلب منهم أكثر مما يقدموه، إنهم يقاتلون ويصمدون من أجل بلدهم ومن أجل الأمة العربية والإسلامية، بلدا بلدا،  ومن أجل البشرية كلها، فإن أعجزوا الصهاينة فذلك طريق التحرير، وتلك هي نهضة الأمة، وذلكم هو تحرير العالم من الأقليات الاستعمارية التي تسيطر عليه، وإن كانت الأخرى – لا قدر الله – فسلام على القدس وفلسطين إلى حين، وستعيش بلداننا، كلها دون استثناء، ذليلة تحت هيمنة “إسرائيل الكبرى”، إلى قرن مقبل سيكون “قرن المهانة”، وستشتد قبضة القوى الشيطانية المسيطرة على أرزاق الناس وعقولهم وحكامهم في العالم نحو حتف البشرية كلها.

أنا متفائل جدا بأن الطوفان حالة سننية ستنتهي في الأخير لصالح تحرير فلسطين والأمة والبشرية. إن الله قادر على تحقيق النصر دون أسباب، وهو خالق الأسباب، وإنما يبتلينا الله لنسير على خطى من اصطفاهم الله في غزة لهذه المهمة العظيمة وفق قوله تعالى في سورة محمد: ((ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) )).

إن أصناف النصرة كثيرة، ينتقل الصادقون بين أصنافها صنفا صنفا بقدر فرصهم واستطاعتهم، وإن حملات كسر الحصار لمن أعظم الأصناف، فلا هي  تهوّر ولا استعراض ولا تبذير  للمال، كما يتشدّق  به المخذّلون، إنما هو جهاد في سبيل الله فيه من الفوائد عظيمها وأكثرها نفعا للقضية.

علاوة على أنه الطريق الذي يسلكه الغاضب الحزين ليلتحق بأهل غزة، نصرة وإغاثة، سواء وصل أم لم يصل، عذرا بين يدي ربه، سواء رجع إلى أهله أم لم يرجع.

وهو كذلك النبأ العظيم الذي يفرح به المظلومون إذ يدركون أن ثمة من إخوانهم في الدين وفي الإنسانية من يكترث لحالهم ويركب المخاطر لإغاثتهم.

وهو فضيحة صارخة تعرّي الصهاينة وحلفاءهم الظالمين بين الناس أجمعين، وحجة كاشفة على المنافقين والمتخاذلين، وهو دليل على بقية باقية من الحياة في المسلمين،  ومن ضمائر  الناس في العالمين، من ركب الأسطول فسار بنفسه لمقابلة العدو لعله يصل إلى الأحبة، أو الذي فكّر ونظّم وجهّز وشرح، وروّج للخير وفرح بالمنجَز ودافع عمّن ركبوا وسهر على بعث الأساطيل حملة بعد حملة، أو دعا وشجّع من بعيد، أو على الأقل لم يثبّط ولم يلمز النشطاء ولم يتّهمهم.

إننا ونحن نستعد لركوب السفن إلى غزة، قائلين “لبيك غزة”، متوكلين على الله، نتوقع المحاسن كلها، إما أن نصل غزة ونسلِّم اليسير من مواد الإغاثة، أو يقطع طريقَنا الصهاينة فيصيبنا شيء من العدوان ثم نرحل لبلداننا أكثر عزما على العودة كما كان حالنا مع إخواني في سفينة مرمرة عام 2010 وما لحقها من محاولات أخرى مع نشطاء آخرين عديدين كان آخرها سفينة حنظلة، أو يُلقى علينا القبض ويطبق الصهاينة تهديدهم الذي أطلقوه هذه المرة بإبقائنا في السجون فننال شرف الأسر من أجل أقدس قضية، ولو كنا لذلك كارهين، سائلين الله أن يرزقنا الصبر والثبات والرضا والتحمل حتى يقضي الله ما يشاء فينا، ونساهم إلى ذلكم الحين في تعظيم متاعب الظالمين ورفع معنويات المظلومين وتحريك شبكات عالمية من النشطاء والمتعاطفين، أو أن يُعجّل الله لنا بالشهادة التي هي أسمى أمانينا كمثل السائرين على درب الدعوة إلى الله والعودة الحضارية للأمة، وتحرير فلسطين والأمة والبشرية أجمعين، ولعل دماءنا تكون وقودا لتحريك الشعوب نحو  عالم أفضل أكثر رحمة وعدلا، يكون فيه المسلمون أعزاء ظاهرين.

إن الصهاينة خاسرون في كل هذه الحالات، ولئن كانت سفن صغيرة محدودة العدد قد ألهبت مشاعر الناس وفضحت الوجه القبيح للكيان فإن الغزوة المباركة التي يخط طريقها في البحر  سفن هذا الأسطول الكبير  من شأنها  أن تقرّب سقوط الطغيان .. هكذا ينبغي أن يكون الأمر، وهذا الذي يجب على المسلمين والنشطاء والأحرار في العالم الذي يسندون الحملة ولم يركبوا السفن أن يعملوا  من أجله معنا وبعدنا.

د. عبد الرزاق مقري

العلاقات الجزائرية الفرنسية وكيف ينبغي أن تكون

سبق للعلاقات الجزائرية الفرنسية أن عرفت توترات عدة مرات منذ الاستقلال، ثمّ عادت المياه إلى مجاريها  المفضلة في كلّ مرة،  حتى شبّهها بعض الذين يتفننون في إيذائنا بأنّها “علاقة زوجين يتناوشان كثيرا ثم يعودان إلى بعضهما البعض، ومن يتدخل بينهما يندم على ذلك”.
لا شكّ أنّ التوتر في المرحلة الراهنة بلغ حدّا غير مسبوق، ولكن بلا شك ستعود الأمور إلى مسارها المبجل ويتأكد أمان المصالح الفرنسية كما كان عليه، ومن يستهين بقوة اللوبيات الفرنسية وشبكات الفساد الخادم لفرنسا وتأثير الفرونكوفيليين المتطوعين لخدمة المصالح الفرنسية في بلادنا مخطئ.
إنّ الضجة القائمة والظواهر الصوتية المكرِّرة، دون وعي -كما العادة- لتوجهات رسمية  قررت الدخول في معارك كلامية مع فرنسا لا تعبّر البتة عن إرادة حقيقية لقطع دابر الامتيازات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تحظى بها دولة الاستعمار  في بلدنا،   مازالت لغة المستعمر سيدة في تعاملات  العديد من الوزارات والمديريات ومختلف المؤسسات الرسمية، وهي لغة الاتصال السائدة عند كثير من المسؤولين، وماتزال العلاقات الاقتصادية التجارية والمالية مع فرنسا في المراتب الأولى بين الدول، وما تزال لغة المستعمر مفضلة في المؤسسات التعليمية في العديد من الشُّعب رغم تدحرج اللّغة الفرنسية في هذا المجال دوليا، ولم تُزعزِعْ التصريحات النارية لشبكات الفاعلين في المعركة القائمة وضعَ لافتات المحلات التي تهيمن عليها اللّغة الفرنسية، بل إنّ الأمر زاد عمّا كان عليه في سنوات سابقة فباتت بعض المؤسسات الرسمية الكبرى تشترط لمن يتعامل معها لنيل الصفقات أن تكون اللغة المستعملة في الملف اللغة الفرنسية حصرا (وقد صدمت حقا حين أظهر لي أحدهم نموذجا عن ذلك لمؤسسة جزائرية عريقة). والأغرب من كلّ هذا أن الجهات الرسمية والأحزاب الموالية هي التي تعطل إلى اليوم مشروع قانون تجريم الاستعمار في البرلمان الجزائري.
إنّنا لا نحتاج إلى الضجيج الإعلامي والتصريحات النارية من المسؤولين، أو من شبكات الزبونية التي تضبط بوصلتها دوما وفق ما يريده الحاكم، وتدور مع إرادته حيثما دار وكأنّه هو القرآن المنزل من الله تعالى.
إنّنا نحتاج إلى رؤية وطنية واضحة وخطط وإجراءات هادئة تنفذ فعليا، ولو بالتدرج المتصاعد، دون الحاجة لتهييج العواطف بلا فائدة تذكر.
إنّنا نحتاج أوّلا أن نعلم أنّ مشكلتنا مع الدولة الفرنسية ليست مع اليمين المتطرف فقط كما يحاول الذين يريدون استعمالنا في المعركة القائمة لإبقاء فرصة العودة إلى العلاقة الحميمية مع فرنسا قائمة. لقد كانت مشكلتنا سابقا مع اليسار التقليدي، وعرفت حدّا يشبه حالة اليوم في زمن “فرانسوا ميتيران”، وبقي هذا التيار الذي يمثّل البيت الأصلي للصهيونية الفرنسية هو العدو اللّدود للجزائر، ومن يعرف تاريخ هذا التيار وكيف تشكل يفهم ما نقول. ومشكلتنا اليوم  مع من يسمون أنفسهم “تيار الوسط” بزعامة إيمانويل ماكرون هي المشكلة الحقيقية ، ولم ينكر وجودنا كأمّة ولم يؤذ ذاكرتنا كما فعل هذا الرئيس الفرنسي.
لقد حاول المسؤولون الكبار في الدولة الجزائرية أن يزيّنوا لنا صورة الرئيس الفرنسي “ماكرون” ووصفوه لنا بأنه شاب ذو نوايا طيبة ويريد أن يفتح صفحة جديدة مع الجزائر، وأنه لا علاقة له بأفكار “الجزائر الفرنسية” التي يحملها اليمين المتطرف، وأنّ أصحاب تلك الأفكار هم الذين يضغطون عليه.
لقد نبهت في مقال نشرته بضعة أسابيع بعد صعود “ماكرون” للرئاسة في عهدته الأولى، ونصحت بعض المسؤولين مباشرة بأنّ هذا الرجل هو الأخطر من بين الساسة الفرنسيين، وبينت بالدلائل بأنه صنيعة الصهيونية والماسونية والمؤسسة المالية العالمية الاستعمارية، وشرحت كيف اِلتقطه “جاك أتالي” أحد أهرامات الصهيونية الفرنسية من الجامعة ووضعه في “بنك روتشيلد” ثم ضمّه إلى لجنته – “لجنة أتالي” من أجل النمو الاقتصادي الفرنسي -، وعرّفه إلى الرئيس اليميني ” نيكولاس ساركوزي” ثم إلى الرئيس اليساري “فرانسوا هولاند” ثم تمّ دعمه ليصل الى مراتب عليا ووزارات مهمة في الدولة الفرنسية، إلى أن تمّ ترشيحه لرئاسة الجمهورية في وقت عرفت فيها فرنسا أزمة اقتصادية واجتماعية كبيرة أدّت إلى توجه بيّن إلى التشدد نحو اليمين ونحو اليسار حتى في الأحزاب التقليدية، كان من الممكن أن يؤدي إلى صعود رئيس للجمهورية من اليمين أو اليسار لا تتحكم فيه الصهيونية العالمية،  مما صنع فراغا كبيرا في “الوسط” بين اليمين واليسار اِستغله مساندو “ماكرون” بتسخير كل وسائل الإعلام الثقيلة لتلميعه وإيهام الشعب الفرنسي -خاصة الأقليات- بأنّ الحل عنده.
لقد شرحت اللعبة في ذلك المقال ( مايزال منشورا)  وتنبأت بأن “ماكرون” لن يحل مشكلة فرنسا، ووقع ذلك فعلا بخروج الفرنسيين البيض الى الشوارع ضمن اِنتفاضة أصحاب “السترات الصفراء” التي لم يوقفها سوى وباء كورونا.
لم يجد الساسة الفرنسيون، على اختلاف توجهاتهم لحلّ مشاكلهم الاقتصادية سوى اِستنزاف خيرات المستعمرات الفرنسية القديمة، كما هي عادتهم، ومنها الجزائر التي رأينا كيف سُخرت بحبوحتها المالية في العهدة البوتفليقية لإنقاذ العديد من المؤسسات الفرنسية المفلسة.
وللأسف في الوقت الذي تنتفض فيه إفريقيا ضد ذلك الاستغلال والهيمنة، ما زلنا في بلادنا نكتفي بالتصريحات والضجيج الإعلامي.
ليس المطلوب أن ندخل في حرب مع فرنسا، بأيّ شكل من أشكال الحروب -إلا في حالة العدوان- ولا أن نقطع العلاقات معها، ولكن ما ينبغي فعله هو العمل بصمت وفق الرؤية والإجراءات التالية:
تمرير قانون تجريم الاستعمار في البرلمان.
اِسترجاع الأرشيف ورفات الشهداء وخرائط الألغام والوثائق والمعلومات المتعلقة بالتجارب النووية والكيمياوية وكل ما يتعلق بملف الذاكرة.
تقنين مسألة اعتراف فرنسا بجرائمها والاعتذار عن ذلك والتعويض عن الضرر كما فعلت دول أخرى مع مستعمراتها القديمة وكما تطلب فرنسا ذلك من غيرها، ثم ترك هذا المطلب يتفاعل تلقائيا دون صخب وفق تطورات موازين القوة دوليا.
إنهاء الهيمنة الثقافية الفرنسية في التعليم وإنهاء اِستعمال اللغة الفرنسية في المراسلات والخطاب والتعاملات الرسمية  وكأنّها لغة رسمية فعلية.
وقف تجميد قانون تعميم اِستعمال اللغة العربية.
إنهاء الاشتباك المفتعل بين اللغة العربية والأمازيغية، ومنع أي جهة خارجية لاستعمال التنوع السكاني في الجزائر، وتعميق أواصر الأخوة والمحبة بين الجزائريين بمختلف أعراقهم، وتجريم أي خطاب عنصري أو مؤجّج للفتنة، والتعامل مع كل السكان ونواحي البلد في إطار العدل والمساواة والتضامن. 
معالجة الهيمنة الثقافية الفرنسية في المحيط وتقنين الاستعمال الأبرز للّغة الوطنية دستوريا  في لافتات المحلات والمؤسسات.
منع أي اِمتياز خاص لفرنسا في النشاط الاقتصادي ومراجعة صفقات الامتياز القائمة كلّها.
ضبط معايير محددة لضمان سلامة وكرامة وحقوق الجزائريين المقيمين في فرنسا وتمكينهم من المساهمة في خدمة بلدهم واِرتقائهم فيه في مختلف المجالات.
توجيه مكونات الجالية الجزائرية في فرنسا، لا سيما المجنسين، لينظّموا أنفسهم ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا حتى يكونوا فاعلين مؤثرين قادرين على حماية قيمهم ومصالحهم وخدمة بلدهم الأصلي كما هو حال العديد من جاليات مختلف الدول في أنحاء العالم ( la Diaspora).
بناء قوة ناعمة جزائرية داخل التراب الفرنسي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية وغير ذلك ضمن إطار القوانين الفرنسية.
تطوير جهاز الاستخبارات والمقدرات الاستشرافية الأمنية لحماية المصالح الجزائرية من المخططات العدائية الفرنسية القائمة والمحتملة.
بناء التحالفات مع الدول الواعية التي تدافع عن نفسها  ضد تهديدات المستعمر القديم المختلفة. 
التعامل الدبلوماسي المعمول به دوليا مع الأزمات دون صخب ولا ضجيج، من التنبيه إلى اِستدعاء السفير الفرنسي للجزائر، إلى سحب السفير الجزائري في فرنسا، إلى خفض التمثيل، إلى مراجعة الاتفاقيات، إلى قطع العلاقات، إلى التطور الإيجابي في الاتجاه المعاكس حسب التطور الإيجابي للعلاقات. 
والانتهاء إلى تثبيت العلاقات مع فرنسا كعلاقة عادية غير عدائية ما لم تتعرض الجزائر للعدوان ولا مفضّلة كما هي العلاقة مع الدول الشقيقة والصديقة،  تقوم على أساس المصالح المشتركة، و لا تقبل التطور  الإيجابي إلا بعد تجسيد كل النقاط السابقة وبقدر تحقّق المصالح الجزائرية. 
وأثناء تجسيد هذه الرؤية؛ الالتزام بالرزانة الرسمية وعلى مستوى النخب وتجنّب التصريحات والهيجان الكلامي والمعارك الهامشية والتركيز على الفعل والإنجاز.

د. عبد الرزاق مقري

إنما المؤمنون الجزائريون إخوة، وشيطنة الدكتور بلغيث لا مبرر لها.

يستطيع أي أحد أن يخالف الدكتور بلغيث في الأطروحات التي قدّمها في القناة الإماراتية، وفي توقيت حديثه، ولا شك أن حديثه في موضوع حساس لقناة إماراتية خطأ  إذ لا همّ لحكام الإمارات إلا تدمير الأمة الإسلامية وهم يستغلون أي رأي لتغذية ما يفرق المسلمين، غير أنه لا يوجد أي شيء في ما قاله يستدعي شيطنته وإلقاء  القبض عليه، لا سيما أن للرجل مكانته العلمية، وسمته الوطني.

إن الخروج من الإطار العلمي إلى التهارش السياسي بشأن اختيار  كلمة “أمازيغ” أو “بربر” في تسمية المكونات السكانية، وحول أصل الأمازيغ أو البربر  هل هم عرب أو غير ذلك لغو لا وزن له، والانقسام على أساس ذلك أمارة من أمارات التخلف، والتوجه إلى فضاء القضاء ما لم تكن ثمة إساءة للسكان بهذا الخصوص لا مبرر  له. فالذي ينتقد اسم “زيد” كاسمٍ دون الإساءة لمن يحمل الاسم لم يسئ لأحد، حتى وإن كان مخطئًا لتعرضه للاسم ذاته. وأنا شخصيا أشهد أن الكلمة التي كانت شائعة حين كنا في الجامعة في بداية الثمانينيات كانت “البربر” ولم تكن ” الأمازيغ” والدليل على ذلك أن الحركة التي كانت تعمل من أجل الحقوق الثقافية كانت تسمى “الحركة الثقافية البربرية” – MCB – وبعد أن ظهرت كلمة “الأمازيغية” ثمة من تقبلها وثمة من لم يتقبلها وذهب الناس في ذلك مذاهب وتأويلات شتى، وليست العبرة في الأسماء ولكن في حقيقة المسميات، فقد يكون “زيدا” رجلا طيبا وقد يكون سيئا.

لم  يقل بلغيث شيئا جديدا البتة، كل ما تطرق إليه هو موضوع نقاش علمي وثقافي قديم كُتبت فيه الكتب والمقالات والبحوث بلا  حد ولا عدد، منها ما يؤيده ومنها ما يعارضه، والتصريحات التي أساءت لعناصر الهوية الأخرى الإسلام والعربية كثيرة، وثمة من فعل ذلك وهو مبجل مقرب في وسائل الإعلام ولدى السلطات.

إن بيان التلفزيون الجزائري وتحريك القضاء لوقف دكتور بلغيث سيؤجج الاحتقان الهوياتي ولا يهدئ الأوضاع.

وعجيب ما اطّلعت عليه في بيان لأحد الأشخاص البارزين  في رده على الدكتور بلغيث ببيان رسمي إذ ذكر الهوية العربية والأمازيغية ولم يذكر الإسلام الذي يجمعنا.

والأخطر أن  سياسية معروفة نفت هويتنا العربية في ردها على دكتور بلغيث ودعت إلى الانسحاب من الجامعة العربية

إن ما يجب الانتباه إليه أن الصراع حول قضايا الهوية أمر طارئ في تاريخ الجزائريين أنشأه الاستعمار الفرنسي وغذاه أزلامه الكامنون في مفاصل الدولة للمحافظة على نفوذهم  واستعمله الاستبداد بشكل عام لإلهاء الجزائريين عن قضايا أساسية تتعلق بحرياتهم وبمصيرهم ومستقبلهم.

أيها الجزائريون إنكم جميعا إخوة كما قال الله تعالى: (( إنما المؤمنون إخوة)) وإن العلاج الحقيقي لقضايا الهوية هو التزام الجميع بتعاليم ديننا الحنيف.

والآيات والأحاديث المؤسسة لإبطال التفاخر بالأعراق والأنساب كثيرة منها  ما جاء في خطبة المصطفى عليه الصلاة والسلام مما ورد في سنن الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -كبرها وفخرها- وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}

 

د. عبد الرزاق مقري

الحراك الشعبي: كيف ضاعت الفرصة؟ (2)

لا يمكن فهم كيف ضاعت فرصة الحراك الشعبي دون فهم الأسباب والظروف التي أنشأته، والفواعل السياسية والاجتماعية التي حركته. لم يكن الحراك طفرة مفاجئة نزلت من السماء بلا مقدمات ومسببات، ولكن كان ثمة مسار تراكمي أدى إليه.

حينما كانت أسعار البترول قد بلغت حدا غير مسبوق (تجاوز حد المائة دولار في عام 2008 إلى أن بدأ يتجه إلى الانهيار منذ نهاية عام 2014) كانت معارضة بوتفليقة كمن يسبح ضد التيار، إذ ساهمت البحبوحة المالية في تضخيم فقعات الزبونية والانتهازية، وباتت الشخصيات والمؤسسات الطامعة في الريع تتوالد، ولم يكن ينبه إلى أن الجزائريين كانوا يعيشون وهما كبيرا إلا عدد  قليل من السياسيين، بعضهم يعتمد على خبرته السياسية أو معارضته المبدئية، أو انتباهه إلى تعاظم شبكات الفساد في كل المستويات، وبعضهم يعتمد على الدراسات الاقتصادية والاستشرافات المستقبلية الدالة على انفجار حتمي للفقاعة المالية، وبعضهم يجمع بين هذا وذاك. وقد كنا بحمد الله ممن نبه الجزائريين إلى الخداع الكبير والهشاشة الاقتصادية وتعاظم منظومة الفساد، وتنبأنا بانهيار المنظومة، ومقالاتنا وفيديوهات تصريحاتنا لا تزال منشورة.

لقد فهمنا التفاهمات والتحالفات التي جاءت ببوتفليقة في وقت مبكر، وعلمنا من هي خاصته ومن هم خصومه داخل المنظومة، وكيف مر من العهدة الأولى إلى الثانية المتفق عليها بين من أتوا به، وكيف تفرقوا عند العهدة الثالثة وكيف بدأ الشرخ يتسع بينهم عند العهدة الرابعة. لم تكن العهدة الخامسة هي القطرة الأولى التي أفاضت الكأس، بل كانت قبلها العهدة الرابعة. لقد كانت العهدة الرابعة هي عهدة النزول نحو الهاوية، لذلك عارضناها وخرجنا إلى الشارع  احتجاجاً عليها.

 لقد تأكد ظننا بأن هذه العهدة ستُدخل البلد في وضع خطير جدا، اجتمعت فيها الأزمة المالية بسبب انهيار أسعار البترول، وتحلل السلطة حول الرئيس المريض، وتعاظم صراع الأجنحة، والاحتقان الاجتماعي،  وتحكم  رجال الأعمال المستفيدين والمال الفاسد والفساد المعمم. وفي آخر العهدة بات منصب الرئاسة شاغرا فعليا والصراع على أشده بين أقطاب المؤسسة الأمنية والعسكرية في البلاد، من يملأ الفراغ ومن يتحكم في مسار الاستخلاف، وظل شقيق الرئيس حلقة الوصل وتعلّة الحكم وقابض الأختام.

في ظل هذه الظروف المعقدة استطاعت المعارضة أن تتكتل في تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي ثم في اجتماع لم يعرف له مثيل منذ الاستقلال في  مازفران، وقد كان لنشاطها وتحليلاتها ومشاريعها دور أساسي في تشكيل الوعي لدى الجماهير بما أدى لاحقا إلى الحراك الشعبي الكبير.

تسبب صدود السلطة عن المعارضة ورفضها الحوار معها من أجل الانتقال الديمقراطي إلى تفكك جبهة المعارضين ثم اختلفت وجهتهم بشأن الانتخابات التشريعية 2017، وتوجهت أحزابهم الأساسية إلى المشاركة من أجل البقاء في الساحة السياسية بمنطق محاولة الإصلاح من الداخل وترقب فرص أخرى للتغيير. وفي  2018 تأكد لدينا في حركة مجتمع السلم بأن تحلل السلطة قد بلغ مداه وأن الرئاسة في حالة ضعف شديد وأن تلك هي الفرصة للعودة لفكرة الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه عبر مشروع جديد سميناه التوافق الوطني.

عندما بدأنا بالدعوة الى مبادرة التوافق تفاجأنا بقبول سريع من الرئاسة للحوار، وبعد الحوار مع أحزاب المولاة ثم بعض الشخصيات الوزارية المقربة من الرئيس توصلنا إلى الحوار مباشرة مع الرئاسة في مقرها بزرالدة فتأكد لدينا بأن الرئيس وعائلته لا يريدون العهدة الخمسة وإنما يبحثون عن مخرج آمن يحفظهم، وأنهم تحت ضغط شديد ممن يريدون فرض العهدة الخامسة على الرئيس وقد أُخبِرنا بمن هم أولئك.

لقد كانت تلك الظروف فرصة تاريخية لتحقق الانتقال الديمقراطي على نحو ما وقع في عدد من الدول التي نجحت فيها الديمقراطية بعد حالة ضعف في الحكم أدى الى ميزان قوة مناسب للحوار والتفاوض مع المعارضة. وبالفعل قبلت الرئاسة الورقة  التي عرضناها عليهم كاملة دون أي تغيير، بما يقتضي تغيير الدستور للتحول نحو نظام برلماني أو شبه رئاسي بصلاحيات كبيرة للبرلمان ورئيس الوزراء الذي ينجح حزبه، علاوة على تغيير قانون الانتخابات وتشكيل هيئة وطنية لتنظيم الانتخابات بالتشاور الكامل مع المعارضة، ولم نكن نحتاج إلا لستة أشهر أو سنة لتحقيق كل ذلك لتُنظم عندئذ انتخابات رئاسية لا يترشح فيها الرئيس بوتفليقة وقد تكون معها انتخابات تشريعية متزامنة.

لقد كانت والله فرصة عظيمة، ولم يكن مطلوبا سوى أن تقبل المعارضة بهذا الانتقال السلس وقد كلفت بالاتصال بهم، وأن تقبل قيادة الأركان الخطة وكلف شقيق الرئيس بالاتصال، وإني لأشهد أمام الله  أن المعارضة ليست هي من ضيع الفرصة وإنما رفضُ المخطط الذي اقترحناه و قبلت به الرئاسة  جاء من داخل نظام الحكم، إذ بُلِّغت رسميا في مقر الرئاسة بأن القرار قد اتخذ بالمرور للعهدة الخامسة – خلافا لرغبة الرئيس المريض الفاقد للأهلية – وأنها ستمرر بلا عناء! وكأن الرسائل التي جاءتهم من خنشلة ومن خراطة والعديد من جهات الوطن لم تنبههم.

بعد يأسنا من تحقيق التوافق الوطني قررنا الترشح للانتخابات الرئاسية وأعلنا عن ذلك في 26 جانفي 2019  وكان يدفعنا الى هذا الخيار ما كنا نخشاه من تآمر من جهات عديدة من داخل الحكم وجهات أيديولوجية  على تنظيم استخلاف لبوتفليقة حتى وإن رشح هذا الأخير نفسه، ثم جاء الحراك فتأجلت الانتخابات.

 عندما ُأعلن عن ترشح الرئيس تعمّق الاحتقان بشكل متسارع، وساعد في تضخمه قوى من داخل النظام السياسي ممن كانوا يتصارعون مع مهندسي العهدة الخامسة المسيطرين على الرئاسة.

لقد كانت الأسباب المشكلة للاحتقان كثيرة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولكن شعور الجزائريين بالهوان أمام الشعوب أن يرأسهم لعهدة جديدة  رئيس غائب لمدة عهدة كاملة سابقة هو الصاعق الذي فجر البرميل.

لقد كنا في حركة مجتمع السلم  أدرى من غيرنا من حالة الضياع التي كانت فيها الدولة. وبعد فشل محاولتنا لتحقيق انتقال ديمقراطي تاريخي على أساس تحول كان جاريا لميزان القوة يعفي بلدنا من مخاطر المواجهة أدركنا بأن الثورة وشيكة،  بنا أو بغيرنا،  فشرعنا في تحضير أنفسنا لها بتعميمٍ لكل هياكلنا بأن يستجيبوا  لدعوة النزول للشارع يوم 22 فبراير، وفي يوم الجمعة الأولى نزلنا ضمن مجموعة قيادية في الساعة الأولى، وكان بعض مناضلينا من الجرحى الأوائل، وطلائع المقبوض عليهم، ومنهم  ابني الذي أصيب في وجهه بشذية كادت تصيب عينه.

قررنا في الحركة أن نشارك في الحراك ولكن لا نتصدر الجموع لكي نحفظ الفرصة من الصراع الحزبي، ولكن كنا ندرك  أن تلك الجموع الهادرة في الشوارع لن تحقق إنجازا إن لم تجتمع القوى السياسية والاجتماعية على رؤية جماعية قائدة، لذلك رجعنا لأقطاب تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي لنستأنف التنسيق، وقلت لرئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية آنذاك بأنكم كنتم تقولون “لا معنى للانتقال الديمقراطي دون النزول للشارع، وحا نحن الآن جميعا في الشارع فلما لا نعود لمشروع مازفران والانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه؟” فقال لي: “لا ننسق إلا مع من يعملون من أجل القطيعة”، وقد اتضح بعد ذلك بأنها كانت رغبة لاحتكار الحراك بسبب حاضنتهم الاجتماعية الكبيرة في الجزائر العاصمة التي تمركزت في ساحات البريد المركزي (خلافا لضعفهم الشعبي في أغلب ولايات الوطن الأخرى) . فكان ذلك الموقف وتلك التصرفات السياسية بداية تفكك الحراك وضياع الفرصة الشعبية العامة.

لم نتوقف عن الحوار والبحث عن المساحات المشتركة مع الأحزاب والمنظمات، وكان اجتماع ” المنتدى الوطني للحوار” في عين البنيان فرصة أخرى ضائعة إذ رغم نجاحه في جمع أعداد هائلة من الأحزاب والجمعيات من مختلف التيارات لم يستطع جمع كلمة المعارضة، بسبب غياب أحزاب التيار العلماني، وبسبب عدم الاهتمام به من قبل السلطات التي تحكمت في الأوضاع بعد حالات الاضطراب في الأسابيع الأولى.

إن الأطراف التي لم تهتم بالملتقى الوطني للحوار، من المعارضة العلمانية والقوة الصلبة في السلطة،  هي التي تسببت في ضياع فرصة تحقيق نتائج الحراك لصالح الجزائر وكل الجزائريين . لقد كان كل طرف من هاذين الطرفين يسعى لاحتوائه  وحده لأسباب سياسية وأيديولوجية. وكان كل طرف من الطرفين، علاوة على ذلك، يتهيب من التيار الإسلامي أكثر من الآخر، ويعمل كلاهما على وضعه في الزاوية المهملة بالرغم من أنه  يمثل الأغلبية الانتخابية المعبر عنها في كل انتخابات لو لا المنع والتزوير الانتخابي. وكان الإسلاميون ذاتهم متفرقين يخاصم بعضهم بعضا حتى داخل الحراك، وبعضهم يستعد أن يُركب ويخدم مشروع غيره من أجل الانتقام أو مصالح حزبية أو شخصية ضيقة للأسف الشديد. فلم تكن المعطيات، لهذه الأسباب وغيرها، مشجعة لتحقق المأمول من الهبة الشعبية. 

ومن غرائب الأحداث أن الجهة التي فرضت العهدة الخامسة داخل السلطة ( وأنا شاهد أمام الله على ذلك)  وتهجمت على الجماهير في الحراك بنعتهم “شرذمة” هي ذاتها التي تبنته بعد ذلك وضغطت على بوتفليقة لكي يستقيل. لقد أدركت هذه الجهة بأن ثمة جناح آخر من السلطة يستثمر في الحراك وله قدرة على تجنيد  بعض قادة الأحزاب والجمعيات وخصوصا أحزاب التيار العلماني المتمركز شعبيا في ساحات البريد المركزي، فسبقته في تبني الحراك، ولم يكن أحد من هؤلاء أوهؤلاء صادقا في تحقيق المطالب الديمقراطية للحراك، وإنما كانت “لعبة سلطة ونفوذ” أدت  إلى كسر العظام بينهم في الأخير، ولا تزال التدافعات قائمة إلى الآن، ولم يكن رفضنا لاقتراح مرحلة انتقالية يقودها اليامين زروال التي جاء إليها بعض رؤساء المعارضة متحمسين في لقاء تنسيقي عُقد في مقر أحد الأحزاب بزرالدة إلا لعلمنا بتلك اللعبة.

 اشتد الصراع بين الأطراف المتصارعة داخل الحراك، واقحم فيه الصراع العرقي بشكل مقيت أنشأ عداوة جاهلية  بين الجزائريين لم يعرفوها من قبل، وبدل حل كل المشاكل وازالة مخاوف مختلف الأطراف بالحريات والديمقراطية ودولة القانون، أدى الصراع في الحراك إلى تحكم النظام السياسي من جديد في الأوضاع، وفي وقت مبكر قبل كرونا بات واضحا بأن الاستقطاب الشديد داخل وحول الحراك قد ضيّع الفرصة.

رغم تراجع حماس مناضلينا في المشاركة في الحراك  بسبب الاستقطاب بقينا نحافظ على التزامنا بالحضور كل جمعة، وحينما قُرّر تنظيم الانتخابات الرئاسية في 12/12/2019 رُجّح قرار عدم المشاركة بسبب استمرار بقاء الناس في الشارع وللنّأي بالنفس من أن يُسجّل في تاريخنا بأننا كنا من المتسببين في وقف حراك الجزائريين من أجل الحريات، وبقي الاختلاف في الرأي مستمرا طويلا بيننا، هل كان رأينا سديدا أم لا؟

ولكن مهما يكن من أمر لم نتسبب أبدا في تفريق الناس في الحراك، ولا كنا مسؤولين عن الاستقطاب الذي حصل، ومهما كانت خسارة عدم مشاركتنا في الانتخابات الرئاسية فلن يُكتب علينا التاريخ بأننا ممن تسبب في وقف تلك الهبة الشعبية التاريخية،  إلى أن جاءت كورونا فأعطت غطاءً أخلاقيا لمن بقي وفيا دون فاعلية ليتوقف دون تأنيب الضمير .

وفي المحصلة لم ينجح أحد من كل المكونات السياسية، ولئن اعتُقد بأن الجهة التي فرضت العهدة الخامسة ثم انقلبت عليها بسبب الحراك هي التي نجحت  فقد دارت عليها الدائرة من بعد، ومن كان في الشارع وفي أروقة الحكم يواجهها صار إلى أضعف ما يتصور في تاريخه، وبقيت البلاد كلها تترنح فلم ينجح بضياع فرصة الحراك أحد في البلاد، وتشكل لدى قطاعات واسعة، حتى عند المتحزبين بأن الإصلاح من الداخل أمر مستحيل، وأن بقاء العمل السياسي تحت سقوف التحكم السلطوي ما هو إلا تفاهمات ضمنية بين مكونات الساحة السياسية محصلتها لصالح الأشخاص وليس لصالح البلد ونهضته. ولكن لا ندري لعل الحراك صنع ثقافة عامة كامنة سيصطلح بها العمل السياسي ولو بعد حين، لعل تلك الثقافة تنشئ تيارا شعبيا عاما  يُبدع طرقا سلمية غير تقليدية للتغيير لصالح الجزائر وكل الجزائريين.  

 

د. عبد الرزاق مقري

الحراك الشعبي: كيف ضاعت الفرصة؟ (1)

حمل الحراك الشعبي في الجزائر آمالا عريضة للتغيير ، واعتقد مئات الآلاف في مسيراتهم اليومية الأسبوعية أنهم قد ابتكروا طريقة حضارية لم يسبقهم إليها أحد في التغيير. لقد ظنوا بأن مسيراتهم السلمية النظيفة العامرة بالابتسامات، الخالية من العبارات الحادة، ومن الأصوات العالية، والنظرات الغاضبة، والسّير جنبا إلى جنب بجل المدن الجزائرية في مواكب متنوعة، فردية وعائلية ورجالية ونسائية، من كل التيارات والتوجهات، بدون هتافات حزبية ولا لافتات أيديولوجية ستقنع أصحاب القرار في البلاد بأن وقت التغيير قد قدِم بعد أكثر من ستين سنة من الأحادية الحزبية ثم الديمقراطية الصورية، ولا مجال للتأجيل.

لقد اعتقدوا بأن أعدادهم العظيمة وسلوكهم الراقي سيكون كافيا للتغيير والانتقال الديمقراطي ولتحويل وجهة الجزائر من الفساد والفشل والاستبداد إلى الشفافية والفاعلية والعدالة والتطور والازدهار بسلاسة ولمصلحة الجميع.

انطلق الحراك العظيم يوم 22 فبراير 2019 واستمر قرابة سنة ونصف، وأخذ يتراجع بشكل متدرّج إلى أن توقّف نهائيًا بسبب كورونا ولكن، رغم هذه المسيرات السلمية الاحتجاجية الأطول في تاريخ الجزائر وفي تاريخ  أغلب شعوب العالم لم يحقق الحراك الشعبي أهدافه، سوى إسقاط العهدة الخامسة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، التي لم تكن في حقيقة الأمر  سوى السبب المباشر لاندلاع الحراك، لم يتحقق شيء من الأسباب العميقة التي صنعت الاحتقان المتراكم.

إن الحالات والمظاهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت شائعة قبل الحراك بقيت مستمرة بعده إلى الآن، وأشياء أخرى مؤسفة زادت. لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية إذ لا زلنا نقبع تحت التبعية للجباية البترولية، ولم يعطنا فسحة من الزمن إلا ارتفاع أسعار المحروقات لأسباب خارجية ليست قابلة للدوام، وكان التوجه الرسمي أثناء تدهور الأسعار قبيل الحرب في أوكرانيا نحو مراجعة سياسة التحويلات الاجتماعية ومراجعة سياسة الدعم، وعند أول ارتفاع لمداخيل البترول تم التراجع عن ذلك والعودة المكثفة لسياسات شعبوية سنرى آثارها السيئة لاحقا حتما، ومع ذلك استمرّت الأحوال المعيشية للمواطنين متعثرة، وبالنسبة للبعض مستحيلة.

لقد بقي الشعب الجزائري، يعاني معانات ثقيلة، يعتمد الفقراء على المساعدات والتضامن العائلي، وتكابد الطبقة الوسطى  لحفظ التوازن المالي الأسري، ورغم المجهودات الكبيرة والقوانين المشجعة لم ينشأ نسيج صناعي فعلي ينتج البضائع الجزائرية ويوفر فرص الشغل للناس، وخصوصا الشباب، ولم يتحقق اكتفاء ذاتي في المنتجات الغذائية والصيدلانية، ورغم التوزيع المكثف للسكنات في مواسم محددة معلومة بقيت أزمة الإسكان مستمرة، وما يوزع يكتنفه كثير مما يمكن أن يقال.

وفي مجال الخدمات تعمقت أزمة التعليم، ونخر الفساد مختلف مستوياته الإدارية ومكوناتها البشرية، وهجر أعداد كبيرة من المتعلمين الأقسام الدراسية النظامية نحو التعليم الموازي وبرامج الدعم الذي بات هو الأصل، ولم تتحول الجزائر إلى قبلة سياحية رغم المقدرات العظيمة، ولم تتطور المنظومة البنكية والمصرفية، وظلت مستشفياتنا تسير  بأنماطها الرديئة القديمة تهجرها الكفاءات الطبية العالية، نحو قطاع خاص فوضوي أو إلى دول أخرى، ضمن هجرات العقول لتأخذ بلدان أخرى عوائد  استثماراتنا البشرية. وفي السياسة الخارجية باتت الجزائر جزيرة معزولة لا تعرف كيف تحل مشاكلها مع أغلب جيرانها.

لم يتوقف الفساد البتة بل توسعت شبكاته إلى مختلف المجالات والمستويات، ولا زال الفساد مع استحالة التدافع والرقابة على الشأن العام وسياسات تمكين الرداءة الموالية والإدارة المتكلسة وغياب الإبداع وتهميش الكفاءة هو ما يسبب في التعثر المستدام المذكور. والذي أقوله هاهنا أقوله، يعلم الله، بدون أي شغف فلم يبق للسياسة في بلدنا طعم، ولا لأنني أريد النيل من جهة أو من أحد، أو أخدم طموحا أو بغية خفية، وإنما هو الضمير فحسب.

إنه علاوة  على كل ما ذُكر مما بقي من سلبيات بعد الحراك،  ثمة مظاهر سيئة ومدمرة تنامت في الجزائر بعد الحراك الشعبي وهو ما يتعلق بمجال الحريات. لقد كنا في زمن بوتفليقة نقول ما نشاء، بل كان معارضوه يقولون فيه هو ذاته ما يتجاوز حدود المعقول، ولم تكن في عهده المتابعات وملاحقة المدونين وسجن المعارضين والمنع من السفر سلوكيات شائعة.

لقد كنت أرفع السقف ضد بوتفليقة إلى أبعد الحدود، إلى حد أن البعض اتهمني بالراديكالية، وثمة من نصحني بقوله: ” احذر من إذا قال فعل” والغريب أن هؤلاء هرعوا إلى الحراك ضد بوتفليقة حين تأكد اقتراب نهايته.

لقد كنت اتَّهم العهد السابق للحراك  بأنه عهد الفساد والفشل وأن ذلك النظام   هو الخطر الوحيد على البلد، وخرجنا الى الشوارع بلا إذن قانوني ضد العهدة الرابعة، وضد الغاز الصخري، ومن أجل فلسطين، وضمن أنشطة تنسيقية الانتقال الديمقراطي، ولم أُمنع البتة من الحديث ومن المشاركة في القنوات الفضائية، كما لم يُمنع غيري من الشخصيات السياسية الحزبية والمستقلة، وكانت السياسة المتبعة في عهد بوتفليقة هو تكليف قوى موالية لمواجهتنا سياسيا وإعلاميا، وكان بعضهم من إطارات وقيادات أحزابنا متطوعين لذلك، لم يكن بوتفليقة يمنعنا ولكن كان يفعل ذلك. خلافا لما نعيشه الآن من غلق واعتقال ومتابعات قضائية في وجوه المخالفين الجادين والمعارضين الذين لا يُلزمون أنفسهم بسقوف محددة سياسيا. وكم هو صغير ذلك التصرف الذي حدث لي قبل شهر تقريبا، حين فاجأني على غير العادة صحفي من فضائية جزائرية مشهورة دعاني لحوار معه في القناة. قلت في نفسي ربما تصرف هذا الصحفي دون مراجعة للمسؤولين فتوجهت له بعد نهاية الحصة قائلا” هل أنت متأكد بأنك ستستطيع بث هذه الحصة” فقال: “لا توجد مشكلة، لا يوجد في ما قلت ما يمنع بثها”، لم يكن يعلم صديقي بأن سياسة الغلق لا تتعلق بما يقول السياسي المعارض حقيقة فحسب، بل في ظهوره في وسائل الإعلام”، لم أشأ أن أذكر الصحفي باسمه والقناة ذاتها لأنه طلب مني التريث، ولكن هذا التصرف لا يدل على نجابةِ من كان وراءه في زمن توجد فيه طرق إعلامية كثيرة تتيح ظهورا أكثر انتشارا.

لقد وصل التضييق على المخالفين والمعارضين في هذه المرحلة حدا جعل الأحزاب والمؤسسات الإعلامية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني تضع لنفسها محددات ذاتية، أو ما يسمى بالرقابة الذاتية، فعرف الجميع الخطاب المسموح به وسقف النقد المتحمل، فلا يجرؤ أحد على تجاوزه، فرجعنا إلى زمان قديم غابر يسمى فيه الخطاب ” لغة الخشب”، أي الخطاب غير الناقل للمعاني والأفكار، والمواقف التي لا تصنع التدافع الضروري لمنع الفساد والاستبداد والتي لا تؤدي إلى الإصلاح والتغيير وصناعة موازين القوة الضرورية لبقاء الحياة السياسية واستمرار الأمل في التغيير. تماما كما هو الخشب المانع لنقل الكهرباء.

لقد تطلّب تجاوز خطاب “لغة الخشب” نضال عقود طويلة صنع قادةً وزعماء أصحاب مواقف وفكر ورأي وشجاعة، وهيّأ لبروز حياة سياسية حقيقية في البلاد رغم هيمنة الحزب الواحد ومخاطر التحول السياسي الخطير في التسعينات إلى غاية الحراك الشعبي، ثم ها نحن بعد الحراك نعود إلى مرحلة “موت السياسة” وشيوع “لغة الخشب” وغياب يكاد يكون كليا لرجال الفكر والسياسة والمواقف،  الذين تحرك مواقفهم وتصريحاتهم وأفعالهم الأحداث.

إنه لجدير بنا ونحن في الذكرى السادسة للحراك الشعبي أن نطرح على أنفسنا السؤال: كيف حدث هذا؟ ومن المسؤول عن ضياع تلك الفرصة العظيمة.

شاء الله تعالى أن أكون حاضرا في تفاصيل الأجواء التي صنعت الحراك الشعبي وأثناءه وشهدت على الأسباب التي جعلته يتوقف وكيف أنه لم يحقق أهدافه، وما أقدمه في هذا المقال هو تقرير مختصر عما عرفته وأعرفه، متوخيا في ما أقول الصدق والحق، مدركا حقيقة شناعة قول الزور في ديننا وفي القيم الإنسانية السوية. ولم أكن مهتما بكتابة شيء ما عن الذكرى السادسة للحراك حتى رأيت غيري قد كتب، وبعضهم لم يكن مؤيدا في الحراك في مبتدئه، وبعضهم لم  يكن محقا ولا مصيبا في ما كتب، فلا بد لي أن أقدم شهادتي راجيا من الله تعالى أن يكون ذلك مصداقا لقوله: (( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه))

.. يتبع

د. عبد الرزاق مقري

الحركات الإسلامية واضطراب المناهج (2)

حظي المقال السابق “الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” الذي نشر في موقع عربي 21 الأسبوع الماضي باهتمام المتابعين، ووردت بخصوصه تعليقات كثيرة تردد فيها السؤال عن الحل، وعدّ بعضها بأن ما ورد في المقال هو بمثابة “مراجعة فكرية أو تراجع عن خط سياسي سابق لحركة مجتمع السلم كنت أحد المسؤولين عنه، بل قدت الحركة به”.

رأيت من المفيد أن أكتب جزء ثانيا للمقال أتفاعل فيه مع هذه الأسئلة والاهتمامات والانتقادات المشروعة، لا سيما أنها صيغت بأساليب محترمة وذات مضمون فكري.

وقبل التطرق الى الموضوع الأهم المتعلق بتصورات الحل، أود أن أؤكّد بأن تناولي لمثل هذه المواضيع لا يتعلق ببلد معيّن أو حركة من الحركات الإسلامية بذاتها، بل هي دراسات وأفكار ومراجعات تتعلق بتجربة الحركة  الإسلامية بمجملها، وأنا أحاضر في هذا المقاربات في العديد من الدول، في الندوات الحضورية والافتراضية. لا شك أن مسيرتي في حركة مجتمع السلم تمثل قاعدة ارتكاز في التجربة، ولكن لا تتعلق بها وحدها، فهي تشملها وتتجاوزها من حيث اطلاعي العميق، النظري والعملي، على كل التجارب في مختلف الدول.

أما ما ذكر أن  هذه الأفكار  هي بمثابة مراجعات عن توجهات سابقة، فإن ذلك أمرا مطلوبا لا مِثلب فيه، فالعقول الراشدة هي العقول القادرة على التطور والمراجعة بحسب ما تتطلبه تطورات البيئات والتحديات والمتطلبات، لا سيما وأننا في أجل مائة سنة على تأسيس الحركة الإسلامية ولا شيء يبقى من أفكار مائة سنة ماضية سوى الثوابت العقائدية والأخلاقية والنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة العابرة للأزمنة والأمكنة، والقليل مما بينت التجربة وتوافق المسلمون على استمرار صلاحه. واهتمامي بالتطور الفكري في مناهج الحركات الإسلامية لم يبدأ بمقال ” الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” بل كتبت في ذلك كتبا مشهورة منها كتاب “الحركات الإسلامية: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الذي صدر في 2015 وقمت فيه بتقييم تجربة حركة مجتمع السلم منذ التأسيس الى تاريخ نشر الكتاب، وكتاب “البيت الحمسي” الأول في 2013، والثاني في 2018، ثم الكتاب المهم الذي نضجت فيه المراجعات والذي صدر في 2023  قبل خروجي من هياكل الحركة بأكثر  من سنة ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” والذي لا أتوقف عن تقديم مضامينه خارج بلادي. علاوة على المشاركات الإعلامية الكثيرة في هذا الشأن منها مشاركي في سبع عشرة حلقة من برنامج قناة الحوار “مراجعات” في 2016

وأود أن أسجل هنا بأن ثمة حدثين مهمين دفعا بي إلى مراجعات عميقة، أولهما في 1997 بعد صدمة تأسيس النظام السياسي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي والتزوير له تزويرا شاملا في الانتخابات المحلية والتشريعية، حيث ثبت لي أن الرؤية السياسية للشيخ  محفوظ نحناح رحمه لم تصبح قائمة، حيث كان رحمه الله يعتقد – كما سمعته بنفسي منه ودأب عليه العمل –  بأن المؤسسة العسكرية ستقدّر نهجه الوطني وسمته المعتدل وشعبيته القوية التي أكدتها الانتخابات الرئاسية عام 1995 وتقبل أن يكون بديلا على أساس ديمقراطي لجبهة التحرير الوطني والجبهة الإسلامية للإنقاذ فيكون هو محور بناء تحالف وطني يقود البلد  لمصلحة الجميع. ولكن عكس ذلك كله حدث وكانت رسالة النظام السياسي له واضحة بأنك “لست أنت البديل!” و”بديلنا نصنعه بأيدينا ولو بالقوة وبالتزوير”، و”إن أردت أن تكون على الهامش فمرحبا بك”. لم أخف قناعتي عن الشيخ محفوظ نحناح إذ أفصحت  له  عن رأيي بأنه لا بد من تغيير النهج السياسي والابتعاد عن السلطات الحاكمة والتحول إلى معارضة وطنية واضحة، والاستثمار في مؤسسات المجتمع المدني، وكتبت له في ذلك عام 1997  مذكرة نشرتها في عدة مناسبات منها كتاب ” مبادرات لحل الأزمات”، وبقيتُ على هذا الرأي إلى اليوم، بل كلما مر الزمن تأكدت التوجهات التسلطية غير الديمقراطية للحكم،  وطورت مقاربات تلك المذكرة – التي هي منبع أفكاري السياسية والاستراتيجية – عبر العديد من المساهمات منها الكتب التي ذكرتها أعلاه.

أما الحدث الثاني فهو فشل المفاوضات بيني وبين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على اثر النتائج الجيدة التي حققناها في الانتخابات التشريعية عام 2021، حيث بذلنا مجهودا كبيرا لتحقيق تلك النتيجة، رغم التزوير والعزوف الانتخابي،  حتى نكون مؤهلين للانتقال من مرحلة المشاركة السياسية التي نكون بها في واجهة الحكم إلى مرحلة الشراكة الفعلية في الحكم وفق نتائج الانتخابات.

  كنا نعتقد أن الحراك الشعبي سيحدث تغييرا مهما في أفكار والسلوكيات السياسية للحكام في الجزائر ليقبلوا منطق الشراكة في الحكم مع القوى السياسية المتجذرة في المجتمع الجزائري، ولكن الخطاب الذي واجهنا به رئيس الجمهورية هو ذات الخطاب الذي كان مع من قبله، بأن يختاروا هم لنا وزراءنا ولا دور لنا سوى الترشيح، ولا حظ لنا في البرنامج ولا علاقة لنا بالمواقع المهمة في الدولة.

لقد أكد لي هذا الحدث بأن العمل السياسي التقليدي في الجزائر  ميؤوس منه وأن العمل الحزبي لن يؤدي وحده إلى التغيير أبدا،  وأن سيرورة الانتخابات المعهودة ستبقى شكلية لا تساهم إلا في تثبيت ديمقراطية الواجهة.

لقد مثل فشل المحاولة  صدمة كبيرة لي أكّدت بأن سقف المعارضة السياسية الذي نحن عليه غير  مناسب لتجنيد الجماهير وصقل إرادة المناضلين من أجل التغيير، وقد صارحت المسؤولين الذين كانوا حولي في قيادة الحركة، و الذين بوّأتهم  بنفسي مواقع المسؤولية العليا فيها،  عدة مرات بأن سقف المعارضة السياسية الذي نحن عليه ليس سقفي وإنما هو سقفٌ توافقي تحريت فيه احترام نفسياتهم و ميولاتهم السياسية، وكذلك أهمية الانسجام ببننا.

لم يكن باستطاعتي المضي أكثر في تنفيذ الأفكار التي دونتها  في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، رغم النتائج الإيجابية التي حققها هذا التوجه في إطاره عام، ولم يكن ضمن خياري إحداث تحول ثوري داخل الحركة لتجسيد فكرة مسارات التغيير الثلاثية الواردة في الكتاب، بسبب بقاء سنتين فقط على نهاية عهدتي، وبسبب الملل الذي شعرت به لطول بقائي في هذه المسارات التقليدية دون نتيجة حاسمة،  فقررت أن أغادر الهياكل طامعا في أن الأجيال التي من بعدي سيكون لديها الوقت لتفهم يوما ما حالة الاحتباس التي فيها العمل السياسي في الجزائر فتتحمس أكثر لكتابة التاريخ بواسطة العمل الحزبي وصناعة ما لم استطع صناعته بنفسي،  وقد تركت لهم المقاربات التجديدية مكتوبة مؤصلة،  واعتقدت أنه سيسعني – من جهتي – الفضاء الفسيح في المجتمع وعلى المستوى الدولي لأواصل النضال الحر دون أي قيد تنظيمي، وأن عملي سيصب في المحصلة لصالح الحركة، وأننا سنصنع معا في الأخير، بشكل تكاملي، نموذجا جديدا ومنهجا متجددا تستفيد منه الحركة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

 لا يجهل أحد  أن التعاون مع الحركة التي مارست فيها الوظيفة القيادية لعقود طويلة  لم يتحقق، لأسباب نضعها عنده سبحانه ونتركها للتاريخ، ولكن مساهمتي في نشر الأفكار لا تتوقف ولا يحدها الزمان والمكان بحمد لله، راجيا من الله القبول، وأن تثمر في يوم من الأيام في أي مكان كان.

لم يصبح يهمني أن أعارض مناهج التغيير التي تسير عليها التيارات الإسلامية غير الإخوانية، فقد بينت الأحداث بأن المناهج  ليست من الثوابت، وإنما المآلات هي الحاكمة فثمة من كان يسمَّى إرهابيا صار رئيسا لدولة تتنافس الدول للاتصال به وتتباهى الشخصيات السياسية والفكرية، الرجالية والنسائية، المحلية والدولية،  التي كانت تعارضه لأخذ الصور معه،  بل إن بعض الدول التي كان يقاتلها صارت تعقد معه الاتفاقيات.

 غير أنني من جهتي لا زلت أؤمن بالمنهج السلمي في التغيير، ولا زلت أؤمن بأن المشاركة في الانتخابات لا تزال مفيدة في التدافع إن كانت ضمن استراتيجية المقاومة السياسية و السقوف المرتفعة والمنافسة الفعلية على السلطة الفعلية، وإن لم تكن وحدها التي يشتغل عليها القادة المناضلون، بعيدا عن سجون المصالح المعنوية والمادية الشخصية الضيقة. وكم كنت أضرب المثل بقادة الحركة الوطنية حين كانوا يشاركون في الانتخابات المزورة التي تنظمها الإدارة الفرنسية وهم في ذات الوقت يعدون للثورة.

بالرغم من أنني لم أكن راضيا عن السقوف السياسية التي كنت عليها وأنا على رأس حركة مجتمع السلم، وأعترف بذلك دون حرج، ولكن أقدّر بأنني استطعت أن أطبق المعالم الكبرى للمنهج الجديد الذي لم أغادر القيادة حتى صغته في مجمله في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، ولو أتيحت له الفرص ليواصل التجسيد لكان ربما جديرا بأن يصنع نهضة الحركة والبلد ويساهم في نهضة الأمة.

 ولذلك جوابي على من يقولون و”ما الحل؟” في تعليقهم عن الجزء الأول من مقال “الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” هو أن يعودوا إلى كتابي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”، خصوصا الفصل الثاني منه.

 يتضمن الفصل الأول – تحدي العبور –  مضامين فكرية كثيرة عن التحديات الجديدة التي تواجهها الحركات الإسلامية وتمنعها من العبور بالفكرة الإسلامية الى الدولة لتنتقل من مرحلة الصحوة إلى مرحلة النهضة، والتي يجب التجديد فيها. ويتضمن الفصل الثالث – مواضيع العبور – المواضيع ومفاتيح الملفات الكبرى التي تحكم بها الحركات الإسلامية إن وصلت للدولة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية وفي العلاقات الدولية. 

أما الفصل الثاني – مسار العبور – فهو الجواب عن سؤال “ما الحل؟” وقد بينت فيه بأن العبور بالفكرة من المجتمع حيث صنعت الصحوة، إلى الدولة لكي تتحقق النهضة ثم الإقلاع الحضاري، يتم عبر ثلاثة مسارات أساسية.

أولها المسار التنظيمي والإداري وما يلزم ذلك من تطوير وتجديد في المنظومات التنظيمية والإدارية والموارد البشرية، لا سيما القيادية منها، على مستوى الفكر والعلوم والمعارف، وعلى مستوى التربية والأخلاق والسلوك، وعلى مستوى الكفاءة والمهارات، وعلى مستوى الإنجاز والفاعلية.

 وثانيها المسار الاستراتيجي وما يتعلق بصناعة القوة الناعمة في إطار قانوني يقوم على المبادرة والنضال  في المجتمع على المستوى الدعوي والاجتماعي والفني والإعلامي والمالي والنقابي والشبابي والنسوي، وغير ذلك، بواسطة شبكات المجتمع المدني الواسعة،  وعبر ما سميته بنظرية ” قطع الحبل السري” للتفريق بين اللجان والأمانات المحلية والمركزية للأحزاب التي تشبه الأعضاء الملتصقة بالجسم من جهة، والمؤسسات المجتمعية التي تشبه الأولاد والذرية من جهة أخرى، والتي يكون نجاحها باستقلالها العضوي عن الجسم مع الاجتماع في الرؤية والرسالة، ولا ضمان في نجاح الأمر سوى وحدة الفكرة وأخلاق الصدق والوفاء والمروءة والمقاصد المشتركة والقدوة والأهلية القيادية الجاذبة وذات التأثير.  وذلك ما يمثل مقاربة “التخصص الوظيفي” لصالح الفكرة الإسلامية في المجتمع بغض النظر عن الأحزاب التي تحملها، بما يضمن مستقبلا توفر رأي عام عميق يجسد الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ضمن المشروع الحضاري الإسلامي الواحد، على نحو مازعي عليه الأحزاب في الغرب التي تتداول ضمن المشروع الحضاري الغربي، المسيحي اليهودي، الواحد.

إنه لو قلّدت مختلف قوى الإصلاح والتغيير في العالم الإسلامي  فكرة الخط  الاستراتيجي والتخصص الوظيفي فذلك ما يصنع قوة المجتمع وحماية أصالته، ولا يمكن لأي سلطة ظالمة أن توقف مدها إذ أنها لن تستطيع أن تبرر ضربها لعدم ارتباطها عضويا بالأحزاب، إلا أن تقرر تلك السلطات غلق المجتمع كله، وقتل المبادرة في المجتمع كلية، بما يجعل الأمر ينقلب عليها عاجلا أم آجلا. 

أما مسار العبور الثالث فهو المسار السياسي، ويمكن إيجاز التفاصيل الكثيرة التي وردت في هذا الفصل من الكتاب  بالقول أن شرط الوجوب لهذا المسار وجود قيادة عازمة على التغيير ولا أشواق لديها في عملها أعلى من تحقيق التغيير إرضاء لله تعالى وخدمة لأوطانها وأمتها، ذات كفاءة وصدق ومصداقية، تثق في الله ثم في نفسها و في المؤمنين، تؤمن بأن التأييد الحقيقي هو الذي يكون من الله ومن الشعب مصداقا لقوله تعالى (( هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين))،  لا تشعر بأي عقدة تجاه النظام السياسي، لا تخافه ولا تطمع فيه، ولا تحرص على إرضائه أو تحقيق الاعتراف منه بوجودها، تعمل الصواب فحسب، تعتمد المنهج السلمي وتعلن عن حب الوطن لأنها تؤمن بذلك، لا تنافق في الأمر ولا تزايد  إلى حد السماجة ولغة الخشب، خطابها قوي مبني على العلم وكشف الفساد والرداءة بلا تشخيص ولا سباب ولا انتقام، تؤثر العافية كما جاء في الحديث الصحيح،  ولكنها تستعد لتقديم كل التضخيات، ولو بالنفس،  كما جاء في حديث صحيح  آخر: “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله”، يتمحور عملها السياسي كله حول النضال من أجل تغيير موازين القوة لصالح المجتمع ولصالح فكرتها وأهدافها، وتتجنب أي سلوك سياسي يعين الاستبداد ويزيد في عمره.

أما العبور العملي للفكرة فهو عبر ثلاثة معابر، منفردة أو متوازية: أوله المعبر الديمقراطي الانتخابي بشرط نضال الأحزاب بلا هوادة لجعل الديمقراطية حقيقية والحريات مصونة والانتخابات غير مزورة، وتُقدّم في طريق ذلك أنفس التضحيات، لا تقبل التزوير وتندد به مهما كان مصدره والمستفيد منه والمتضرر به، وتؤهل تلك الأحزاب نفسها لتكون بديلا حقيقيا عبر ما يسمى في الدول الديمقراطية ب ” حكومة الظل” أو ما نسميه نحن ” اللجان القطاعية المتخصصة” ببرامج ناضجة وموارد بشرية جاهزة للحكم. وبغير  هذا النوع من النضال تصبح المشاركة في الانتخابات خدمة مجانية للاستبداد ومساهمة فاعلة في استمراره. وقد بينت التجارب البشرية  بأن النضال الجاد والتضحيات الجسام من أجل الانتقال الديمقراطي يمكن أن تجسد الديمقراطية والانتخابات النزيهة والتداول على السلطة. 

والمعبر السياسي الثاني هو التحالفات مع قوى أخرى تريد التغيير، سواء قوى من داخل النظام السياسي أو من خارجه، وهذا المعبر لا يمكن أن ينفتح دون توفر الحركات الإسلامية على القوة والنفوذ بما يجعل القوى الأخرى تطمع في التحالف معها، وذلك عبر تجذرها في المجتمع وتسلحها بأسباب القوة المتنوعة والمتعددة، وعلى رأس تلك الأنواع قوة الفكر وجاذبيتها وصلاحيتها وأهليتها للحكم، وتعاطف أصحاب النفوذ في الدولة والمجتمع مع الفكرة ورجالها. وهذا نهج حقق نجاحات كثيرة، في العصر الحالي، وهو النهج الذي رسّخه المصطفى عليه الصلاة والسلام وسار عليه إلى أن أقام دولته في المدينة.

والمعبر السياسي الثالث، وهو الثورات السلمية الشعبية، التي تَحقق التغيير بواسطتها في العديد من الدول، ولا يمكن للحركات الإسلامية أن تتحول إلى أحزاب حقيقية، تتماثل مع المعايير الطبيعية العالمية للأحزاب إلا إذا آمنت إيمانا كاملا بالتغيير السلمي عن طريق الشارع، وهو حق ديمقراطي ثابت دون حاجة للترخيص تؤكده القوانين والدساتير، ولكن تتهرب  منه بعض الحركات الإسلامية إرضاء للحكام وخوفا من المواجهة. وحينما تتهرب الحركات الإسلامية من النضال بقيادة الشارع فهي تفتح المجال لسيناريوهات خطيرة، ذلك أن ثورات الشارع حالة سننية لا تستشير أحدا حين تقبل، وإنما تستجيب لشروط وظواهر سياسية واقتصادية واجتماعية وتدافعات محلية ودولية، إذا حلّت بسببها حركة الشارع، فهي حالة احتقان تشكلها عوامل سننية  تفجرها صواعق قد تكون غير متوقعة تماما. والحركات الجادة هي التي لها القدرة على استشراف التحولات، وعلى قيادتها إذا وقعت ولو بدون قناعة بها أو مشاركة في تحريكها، وعلى تقديم البدائل التي تحل المشاكل التي تسببت فيها وتمنع تعقيداتها وانفلاتاتها.

إن عدم تدرب الحركات الإسلامية على قيادة حركة الشارع، وعدم فهم لغة الشارع والحديث بها، سيتيح الفرصة لأربعة سيناريوهات إذا خرج الناس يطالبون بحقوقهم من تلقاء أنفسهم ودون قيادة واعية وذات خبرة، إما احتواء النظام السياسي القائم للمشهد وتسخيره للاستمرار في السيطرة ضد إرادة الشعوب ومصالحهم، أو استغلال التحول الشعبي من طرف قوى سياسية وأيديولوجية معارضة للنظام السياسي القائم وأسوء منه، أو استعمال قوى أجنبية أ استعمارية لحركة الشارع للتدخل والتآمر على البلد، أو حدوث فوضى عارمة لا قيادة تضبطها أو فتنة عمياء والعياذ بالله.

إن أفكار التغيير هذه التي أصلناها في كتاب تحدي العبور والاستنهاض الحضاري ليست نظريات وتخيّلات بعيدة عن الواقع، فقد جرّبناها ووضعناها على محك التجربة في حركة مجتمع السلم بين 2013 – 2023، وحققت نتائج جيدة على مسارات العبور الثلاثة، إذ حققنا إنجازات معتبرة في بناء المؤسسات وفق نظرية ” قطع الحبل السري” ومقاربة ” التخصص الوظيفي”، وتوصلنا إلى نتيجة انتخابية جيدة على المسار الانتخابي و ناضلنا من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي وساهمنا في في تجسيد مفهوم لغة الشارع التي أسقطت العهدة الخامسة، وأخرجنا موارد بشرية فاعلة ومتعلمة و ذات أخلاق ومهارات  هي اليوم منتشرة في مختلف الهياكل والمؤسسات محليا ومركزيا وفي الخارج.

غير أن ما بذلناه بما يكفي لبناء النموذج وتصديره، لم يكن كافيا لتحقيق التغيير المنشود،  وبقي يتطلب استمرارا وتطويرا وتصعيدا أكثر على مستوى المسارات الثلاثة والمعابر الثلاث. ولئن أخطأَت حساباتي في مواصلة تجسيد المنهج على مستوى الحركة بعد خروجي من هياكلها، فإني على يقين بأن الله سيسخر له من يحقق الطموحات عبر تيار عام في الأمة أرى تشكله قد بدأ يلوح في الأفق، كان طوفان الأقصى المسرّع إليه.   

 

د. عبد الرزاق مقري

الحركات الإسلامية واضطراب المناهج.. من الدعوي إلى السياسي

حققت حركة الاخوان المسلمين نجاحا كبيرا في ساحات الدعوة إلى الله، وقد أكرمها الله تعالى بأن اختارها لتُرجع الأمة إلى الفهم الصحيح للدين والالتزام العام بالشعائر حتى صنعت صحوة عامة في العالم الإسلامي تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تجاوزت الظواهر التنظيمية التي أسستها.

وحين أصبح للحركات الإسلامية ذات الخلفية الإخوانية حواضن اجتماعية واسعة في كل البلدان العربية وكثير من البلدان الإسلامية بات طبيعيا أن تتحول من الحالة الدعوية إلى الحالة السياسية. غير أنه حين وقع لها هذا التحول بعد قرابة مائة سنة من تشكلها أرادت أن تسيّر شأنها السياسي بنفس خلفيات تسيير الشأن الدعوي، المبني على النصوص الشرعية الموجهة للين والرفق والتسامح والتنازل والطيبة فحسب.

لم تنتبه الحركات الإسلامية بأن العمل السياسي ساحة صراع بلا رحمة مع قوى محلية ودولية ترى فيها نقيضها وتريد محوها من الوجود أو تحجيمها أو تسخيرها لصالحها، وأن هذا الصراع يتطلب حسن استعمال النصوص الشرعية التي توجه للدهاء والحذر والشجاعة والفداء والإعداد والمواجهة.

اعتمد السواد الأعظم من الإسلاميين، الممثلين للفكر الراهن للإخوان المسلمين، على انتهاج ما سموه استراتيجية التطمين للنخب الحاكمة محليا وللنظام الدولي خارجيا، واعتمدوا على الدخول المتدرج للمؤسسات الرسمية عبر ما يسمى باستراتيجية المشاركة والمسار الانتخابي، وقدموا تنازلات كبيرة للأنظمة من أجل ما يسمى باستراتيجية المحافظة على المكتسبات، وبعد عقود طويلة من التجربة لا هم طمأنوا من أرادوا تطمينهم، ولا هم توصلوا لمواقع ذات شأن في المؤسسات الرسمية، وما بقي من مكتسباتهم سوى هياكل حزبية ومقرات وأنشطة تحت سقوف محدودة، ووجاهة اجتماعية لبعض قادتهم، ومنافع مادية لآخرين، وعدد محدود من النواب والمنتخبين المحليين، ومشاركات في انتخابات متحكم في نتائجها لن تغير الوضع، ضمن استراتيجياتهم هذه، ولو بقوا يشاركون فيها مائة سنة مقبلة.
وحتى حين حملتهم الشعوب الى مواقع متقدمة في المؤسسات الرسمية بعد ثورات شعبية لم يكن لهم دور في إطلاقها ضيعوا الفرصة بذهنياتهم الإصلاحية الدعوية، فتم استئصال بعض تجاربهم ودخل الرعب في التجارب الأخرى فقبلت التدجين والإدماج والإلحاق بالمنظومات الحاكمة، وبالغت بعض هذه الحركات الإسلامية الاندماجية في إظهار اندماجها حتى تورطت في التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى أن ضعفت وترهلت بعد إنجاز المهمة البائسة، وتطوعت أخرى للدفاع عن السياسات الاستبدادية والانقلابية للأنظمة، بل الوقوف في وجه قوى سياسية أو اجتماعية أخرى معارضة، وبعضها تفنن أكثر من أحزاب الموالاة في تكرار سردية الأنظمة المصمَّمَة لشل إرادة الشعوب كالتخويف من الخارج وتخوين من ينقد قادة الدول من ملوك ورؤساء، كما شارك بعضها في إحباط الحقوق السياسية الثابتة، حتى المنصوص عليها في المنظومات الدستورية والقانونية، كالاحتجاج الجماعي والمسيرات وغير ذلك
مما سموه لغة الشارع، وكأن الشارع لم يكن في تاريخ النضال السياسي حلبة القادة السياسيين الكبار التي كسروا فيها غرور الظالمين.

كان يجب على هذه الحركات الإسلامية ذات الخبرة الدعوية أن تجدد فكرها وخطابها ومعارفها ومنظوماتها القيادية والإدارية والتربويّة بما يتناسب مع حتمية التجديد الذي تدعو إليه النصوص الشرعية بما يتناسب مع الصيرورة التاريخية لمدة قرن من الزمن، وبدل ذلك استغرقت في اعتماد فكر وخطاب وأدوات المؤسسين السابقين الذين نجحوا نجاحا كبيرا لاحتياجات زمانهم. وكانت نتيجة ذلك أن حل فيها الضعف والتراجع والصراعات والانشقاقات ومغادرة أصحاب الكفاءات وتحول بعضها إلى أجهزة تتحرك ولا تنتج، همها الأكبر ضبط الشأن الداخلي في ما يشبه الثكنات العسكرية التي تسيطر فيها ذهنيات تنظيمية تقود بوسائل التربيط والتحكم ولو على حساب الرسالة والرؤية والأهداف الفعلية للتغيير والإصلاح، وهي ذهنيات تشبه إلى حد كبير الذهنية الأمنية للسلطات الحاكمة التي لا يهمها سوى المحافظة على النظام السياسي ولو على حساب الدولة والمجتمع والتطور والازدهار.

لقد أدى عجز الحركات الإسلامية ذات الخلفية الدعوية الإخوانية في العبور من مرحلة الصحوة في المجتمع إلى مرحلة النهضة التي تصنعها الدول إلى تَصاعد شعور عام عند الجماهير بأنه لا يمكن التعويل على هذه الحركات في إنهاء ظلم وفساد الأنظمة الحاكمة وقوى النظام الدولي، بل إن قطاعات واسعة من الجماهير باتت تعتقد بأن قادة ورموز هذه الحركات مستفيدة من الوضع القائم، وأنها مكتفية بما تحققه من مصالح لأفرادها في البرلمانات والمجالس المنتخبة والمناصب الرسمية.

ومما زاد في مصاعب هذه الحركات الإسلامية الوديعة والمسالمة الباحثة عن اعتراف القوى الحاكمة المحلية والدولية بها أن مقابل إخفاقاتها السياسية تحققت نجاحات سياسية لقوى إسلامية مسلحة، لم تكن مقبولة ولم يكن يهمها أن يُعترف بها، وصلت إلى الحكم في افغانستان وسوريا، علاوة على ما أحدثه طوفان الأقصى من تحولات عميقة في العقول، خصوصا لدى الشباب، كيف أن فئة قليلة محاصرة تستطيع أن تعجز جيوشا فتّاكة حين يتوفر لديها الإيمان والإرادة والإعداد.

لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى التغيير بواسطة السلاح، فليس هذا نهجنا منذ التأسيس، إلا أن يكون ضد الاحتلال كما هو الحال البارحة في الجزائر واليوم في فلسطين. غير أن ثمة مجالات للشدة واسعة في النهج السلمي السياسي، على نحو ما وقع في السنغال إذ تجاوز التيار الشعبي ذو الخلفية الإسلامية الحركات الإسلامية التقليدية المسالمة وهو اليوم في الحكم، وقد درسنا هذه التجربة في مقال سابق.

لا زلنا ندين العنف والإكراه في العمل السياسي، للوصول للحكم ولكن كذلك للبقاء فيه كما كنا نقول في حركة مجتمع السلم في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، أي أن العنف مدان من القوى الراغبة للوصول للحكم، ويُدان كذلك استعمال وسائل الشدة والإكراه التي تحتكرها الدولة لتكميم الأفواه وتخويف المنافسين وسجن المعارضين.
إن ثمة مجالات واسعة في العمل السياسي تتيحها الدساتير والقوانين في العديد من الدول العربية تحرم المعارضة الإسلامية التقليدية نفسها منها بغرض إظهار حسن السلوك أمام الأنظمة الاستبدادية، ولن ينفعها ذلك في المحصلة البتة، وإنني لأذكر حوارا بيني وبين زعيم سياسي إسلامي عربي مرموق قلت له: “لماذا يُتاح لك هامش من الحرية بمقدارٍ ما، وأنت لا تستعمل سوى مقدار أقل من ذلك بكثير” فقال لي: “لا أريد أن نعود للسجون” وفي الأخير عاد هو وأصحابه للسجون، أطلق الله سراحهم وأكرمهم ورفع قدرهم بما بذلوا طول حياتهم، وكان ذلك الشيخُ يظن كذلك أنه بليونته الدائمة وتنازلاته الكبيرة يحمي الديمقراطية ويحافظ على المكتسبات، فلا الديمقراطية حُفظت ولا المكتسبات بقيت.

إن في مناهج التغيير ثوابت ومتغيرات، ومبادئ ووسائل، والذي يبقى هي الثوابت والمبادئ، ولا يمكن للمتغيرات والوسائل أن تكون دينا متبعا جيلا بعد جيل. أما الثوابت والمبادئ فهي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يكون كفائيا ما أدى إلى حد إقامة المعروف وإنهاء المنكر، ويظل عينيا ما لم يصل مقدار الجهد المبذول فيه إلى تحقيق ذلك الحد، ولا شك أن أعظم أنواع المعروف والمنكرات منوط بمسائل الحكم المتعدية بالشمول والاتساع في المكان والزمان.

وثمة قاعدة ذهبية بفقه الإنكار يجهلها أو يتجاهلها كثير من الإسلاميين المهادنين، وهي القاعدة التي وضعها المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، فالميزان في الإنكار هنا خفي بين المرء وربه لا يطلع عليه غيرهما وهو حد الاستطاعة، فمن فقد نصاب الاستطاعة التي يقدّر حدها الله تعالى فلا حرج عليه، ولكن ثمة حد أدنى لا يُعذر فيه أحد وهو الإنكار بالقلب. إذ يسع الساسة حين تفلت منهم الاستطاعة الفعلية والقولية أن يسكتوا، فإن نطقوا في تبرير منكرات الحكام والدفاع عنهم ومحاربة من ينكر منكراتهم كائنا من كان، فذلك الدليل الملموس على أن قلوبهم لم تصبح تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، وأن دوافعهم للعمل السياسي ليست ابتغاء مرضاة الله ولا مصلحة أمة وأوطان.

إن ثمة نهج سياسي سلمي يكفي لإنهاء الاستبداد، يتحمل فيه المناضل السياسي المتاعب ويقدم التضحيات في حدود الاستطاعة وهو المقاومة السياسية، التي لا تصادم الأنظمة صداما مباشرا ولكن لا تندمج فيها ولا تساعدها على الاستمرار والبقاء، وهو نهج سياسي يعتمد سياسة الكر والفر، والظهور والكمون، والحذق والحذر والشدة واللين، وقوة الحجة والقدرة على التعبئة والتأثير، من أجل إرهاق الأنظمة الظالمة المتحكمة ضمن مقصد أعلى وهو تغيير موازين القوة بما يؤدي إلى إنهاء الفساد وتحرير البلاد من الاستبداد، حتى تتحرك الكفاءات وتستعمل المقدرات لخدمة الأوطان ونهضة الأمة وتحرير فلسطين. فلا يتعلق الأمر بنتائج انتخابية تزيد أو تنقص بما لا يؤثر البتة في الموازين، وإنما يتعلق الأمر بما يحقق الإصلاح والتغيير الذي يسمح يوما بالتداول المنشود بعيدا عن ديمقراطيات الواجهة.

قد يقول قائل إن ذلك كلام نظري لا يعتد به، وما هو كذلك، إذ العبرة في القيام بالواجب لا في النتائج، ثم هو منهج مجرب أظهر بدايات نتائجه، فقد جرّبناه في حركة مجتمع السلم لمدة عشر سنوات وحقق ثماره في تحريك الساحة السياسية عبر تحالفات سياسية واجتماعية ثبتت ثلاث سنوات ساهمت في توعية الرأي العام وانطلاق الحراك الشعبي الذي رغم إجهاضه سيؤتي ثماره. كما حقق هذا النهج نتائج انتخابية جيدة لصالح الحركة وحافظ على مكتسباتها الاجتماعية وزاد فيها أضعافا، وأخرج جيلا من الشباب قادر على مواصلة المشوار ومعالجة النكسات الكبرى ومواجهة التحديات الكبار ولو بعد حين، بما يعيد الاعتبار للمكتسبات من أجل استئناف المسيرة، وما ذلك على الله بعزيز فإنه لا يضيع أجر المحسنين، ولا يواجه التحديات الكبار سوى الكبار.

د. عبد الرزاق مقري

سوريا أخيرا.. القصة والرابحون والخاسرون..

بدأت الحديث عن الوضع السوري في مقال سابق بعد زحف المعارضة المسلحة وقبل سقوط دمشق، وشرحنا أسباب عدم دعم إيران للنظام على نحو ما كان عليه سابقا، وركزنا على التحولات الداخلية لهذا البلد، ثم تطرقنا بعد سقوط دمشق إلى الموقف الروسي وأسباب تراجعه عن نجدة آل الأسد، ونكمل الحديث في هذا المقال الطويل بالتطرق إلى الموقف التركي، وعلاقة الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى بالموضوع من خلال ما لدينا من معلومات، كثير منها معلوم للجميع، ومن خلال تحليل هذه المعلومات، لنركز في الأخير على تحديد الجهات الرابحة والجهات الإقليمية  والدولية الخاسرة في الوضع الجديد في سوريا. وقد نعود في مقال آخر إلى الحديث  عن الجهة السورية المنتصرة، من هي، وما الذي يميزها عن التيار الإسلامي العام، وما هو الموقف الصحيح منها، وما هي المآلات المتوقعة للحالة السورية والمنطقة برمتها.

لا توجد دولة يهمها ما كان يحدث في سوريا قبل الحسم مثل الدولة التركية، ذلك أن  التطورات الداخلية السورية باتت مؤثرة تأثيرا بليغا  في الوضع الداخلي التركي، سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وفي السياسة الخارجية التركية، وذلك من زاويتين. الزاوية الأولى تتعلق  بهجرة الملايين من السوريين إلى الأراضي التركية، طوعيا خوفا من الاضطهاد، أو بسبب التهجير القسري. والزاوية الثانية تتعلق  باستحواذ قوى “سورية الديمقراطية الكردية” (التي يسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) على مساحات واسعة في شمال شرق سوريا بدعم أمريكي بتعلّة قتال مسلحي “داعش”  الذين تخترقهم وتستخدمهم العديد من مخابرات الدول الإقليمية والدولية وعلى رأسها الأمريكان، وكذلك عبر مفاهمات معقدة بين الحين والحين مع الروس والنظام السوري لمواجهة النفوذ التركي.

تسبب مكوث قرابة أربعة ملايين مهاجر سوري في تركيا بشكل رسمي، وقرابة ثلاثة ملايين بشكل غير رسمي  (ينتظرون تسوية أوضاعهم أو لمحاولة المرور إلى دول أخرى)،  في صعود موجة كبيرة من الحساسية من الأجنبي وبروز موجات عنصرية استُغلت أسوء استغلال في المنافسة الانتخابية أضرت بحزب العدالة والتنمية التركي كثيرا، وساهمت في خسارته للعديد من المجالس البلدية، في الانتخابات الأخيرة. كما أن تحول مناطق واسعة على الحدود السورية تشمل أجزاء من محافظات الحسكة والرقة وحلب و‌دير الزور إلى إدارة ذاتية تحكمها القوى السورية الديمقراطية (قسد) يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي التركي من حيث أن هذه الإدارة الذاتية أخذت تُستعمل كقاعدة خلفية لحزب العمال الكردستاني الذي تأسس لإنشاء دولة كردية  في المنطقة كلها ويعتمد العمل المسلح في تركيا.

بعد أن ظهر للعالم وكأن بشار الأسد قد استتب له الأمر وأن مختلف القوى المعارضة السياسية والمسلحة غير قادرة على الإطاحة به، وأن الجزء الشمالي الذي دخله الأتراك عسكريا لم يكن كافيا لعودة السوريين ورآه الكثير من هؤلاء السوريين أنه لجوء في محتشدات في أرضهم، غيّر أردوغان توجهاته تجاه بشار ولم يعد  يُظهر إنكارا لشرعيته  واتجه بشكل علني لطلب الحوار معه من أجل أن يقبل رجوع أعداد كبيرة من السوريين اللاجئين في تركيا إلى بلدهم وأن يقدم ضمانات لعدم قمعهم حتى يتشجعوا على العودة، واتجه إلى معالجة الخطر الكردي بتفاهمات بين مختلف الأطراف.

استعان أردوغان لطلب الحوار مع بشار الأسد بالروس، وأظهر الروس تجاوبا لذلك وحاولوا إقناع بشار بالأمر، ولكن لم يعر هذا الأخير اعتباراً لخطوة الرئيس التركي، واشترط خروج الأتراك من الأراضي التي دخلوها في الشمال  عسكريا لكي يحاور، خلافا لقبوله بالوجود الروسي والإيراني على الأراضي السورية، بل حتى بالوجود الأمريكي من حيث التفاهمات التي كانت تبرم بينه وبين الأكراد.  كما عدّ اللاجئين السوريين الذين هجّرهم أنهم غير سوريين لأنهم خرجوا بلا قانون ـ حسبه.

في هذه الأثناء كانت المعارضة المسلحة في إدلب تعد نفسها، عسكريا ومدنيا، لتملك القدرة على رد العدوان المتكرر عليها من قبل النظام، خلافا لتفاهمات استانا، حتى أخذ منهم 30% من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها، مع أمل دائم يحدوهم لإسقاط النظام السوري الظالم إذا أتيحت الفرصة، وإنهاء السيطرة الطائفية على أغلبية البلد السنية ووقف معاناة السجناء وتبيان وضع المفقودين. غير أن الأتراك كانوا متوجسين من أي عمل عسكري ضد النظام، وقد يكون ذلك التوجس حسب ما سمعنا من بعضهم، أن تكون الخطوة غير محسوبة وتؤدي بدعم روسي وإيراني إلى السيطرة على إدلب وكل الشمال السوري فتتجه موجة أخرى من اللاجئين إلى تركيا يكون فيها حتف تركيا كلها، وإسقاط أردوغان وحزبه من الحكم بطريقة دراماتيكية.

اتجهت الأمور بعكس مخاوف الأتراك، فساهمت ظروف كثيرة إلى تحريك العملية العسكرية ضد النظام السوري، منها ما شرحناه بخصوص التحولات الداخلية في إيران، ووضعها الجديد في المواجهة مع الكيان الصهيوني، ومنها الضربات التي تلقاها حزب الله وما وقع له من خذلان من قبل نظام بشار الأسد بعدم قبول توجيه أي ضربات صاروخية من الداخل السوري على القوات الصهيونية في الجولان السوري المحتل رغم الضربات المتتالية التي وجهتها هذه القوات لسوريا أثناء الحرب القائمة ـ خلافا لما كان على الجبهة العراقية واليمنية ـ وما رشح من معلومات عن نشاط استخباراتي سوري ضد حزب الله ذاته.

يضاف إلى ذلك وضع الروس في حربهم بأوكرانيا وخوفهم من التوغل في جبهة أخرى في سوريا تكون بمثابة الفخ الذي يجعلهم يخسرون الحرب في الجبهتين، وكذلك التقارب التركي الروسي الإيراني بسبب التداخل الاقتصادي و التهديد المشترك الذي يأتيهم من الوجود الأمريكي عن طريق الجبهة الكردية ومواقع المعارضة السورية في الجنوب السوري الموالية لبعض الدول العربية وللأمريكان، والذي كان من ثماره من قبل مسار آستانة من أجل حفظ التوتر بعد 2015، مما ساعد على إقامة شبه دولة في إدلب تقودها هيئة تحرير الشام.

كل هذه الظروف شجعت المعارضة السورية المسلحة على اتخاذ قرار رد العدوان، وكان اسم المعركة “رد العدوان” مؤشرا على أنها معركة جزئية لوقف اعتداءات الجيش السوري النظامي على مناطق وقف التصعيد وفق تفاهمات أستانا، مع أنه قد يكون الاسم للتمويه على معركة تحريرية شاملة.

كان الكثير، بما فيها الأتراك، يعتقد أن معركة رد العدوان إن نجحت ستتوقف عند حلب، وحلب مهمة للأتراك، والمساحة المحررة وصولا إليها ستكون كافية بالنسبة إليهم لعودة جزء كبير من اللاجئين وتوسيع الإدارة الذاتية المستقلة المتمركزة في إدلب، بعد رفض بشار الأسد الحوار معهم، وسيمثل ذلك كذلك إحاطة استراتيجية جيدة في مواجهة الخطر الكردي في الشمال الشرقي،  فلا غرابة أن يمدوا يد العون للمعارضة السورية.

غير أن الانهيار السريع  للجيش النظامي السوري دفع قوات المعارضة الى مواصلة زحفها إلى غاية دمشق. لم تكن المؤسسات الأمنية التركية متحمسة  لاستمرار زحف المعارضة إلى دمشق ولكن أردوغان تجاوز حسابات أجهزته وكسر حالة التردد بتشجيعه المعارضة على ما كانت مقدمة عليه، ووفر لها الحماية بالعمل الدبلوماسي في أستانا 2 بقطر، ثم كان فرار بشار الأسد بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية عهد حكمه وحكم عائلته.

إن ما أدى إلى سقوط نظام بشار الأسد هو الانهيار السريع لجيشه،  وأسباب الانهيار  منطقية مفهومة، فهو لم يصمد في بداية الثورة الشعبية السورية إلا بتدخل إيران وحزب الله في البداية، ولم يسمح هذا التدخل إلا بتوازن القوى ولم يحسم الأمر لصالح بشار إلا بتدخل الطيران الروسي، ولم تسع أو تسمح أي قوة إقليمية أو دولية آنذاك بأن تتسلح المعارضة السورية بالسلاح المضاد للطائرات كما كان الحال في زمن الحرب ضد الروس في أفغانستان. لقد كان التدخل الروسي حاسما في إضعاف المعارضة بل تحول الطيران الروسي والبراميل المتفجرة النظامية إلى أهوال مدمرة ضد المدنيين في الحواضن الاجتماعية التي اعُتقد أنها موالية للمعارضة.

أظهرت الأحداث أنه لا يمكن لنظام عائلة الأسد أن يثبت بغير الدعم الإيراني والروسي، فهو نظام طائفي يعتمد على الطائفة العلوية النصيرية التي لا تمثل سوى 10 إلى 15 % من سكان سوريا، ولم يعرف نعيم الحكم من الطائفة العلوية سوى النخب الحاكمة التي دفعت بباقي مكونات الطائفة إلى الفقر حتى لا يكون لهم من مجال للاسترزاق غير الجيش والأسلاك الأمنية فيبقوا أبديا في خدمة عائلة الأسد والمقربين منها. وحيث أن 80 % من السكان من السنة لا تصلح الخدمة العسكرية الإلزامية أن تكون سندا لنظام طائفي ذي أقلية.  وإذا كان الهروب إلى لبنان ومختلف دول العالم بأعداد هائلة لدى المطلوبين للخدمة الإلزامية من الذين لا يقدرون على دفع بدل المال المنصوص عليه في القانون فكيف يُستغرب أن يكون الهروب جماعيا من قبل المجندين إلزاميا  حين يشعرون بأن زمن الخلاص ممن يُكرههم على قتال أهلهم وفي مواجهات يُقتلون فيها لمقصد غير نبيل.

كثير من الكلام قيل عن لعبة أمريكية إسرائيلية تكون قد حيكت مع الأتراك والمعارضة للزحف على دمشق وإسقاط نظام بشار وضرب محور المقاومة وطوفان الأقصى. ثمة معطى واحد يكفي لإلغاء هذه التخّيلات، وهو هل أعطت الولايات الأمريكية المتحدة الأمر لروسيا لكي لا تتدخل من أجل إنقاذ بشار، أم أن دولة الكيان هي التي طلبت من إيران أن تتوقف عن نجدة الرئيس السوري الهارب وتسحب قواتها من الأراضي السورية. ثم ألم تكن تفاهمات أستانا بين تركيا وروسيا وإيران هي التي مهدّت لبقاء هيئة تحرير الشام في إدلب وإعداد العدة لمعركة رد العدوان ثم تحرير دمشق؟ أين أمريكا في كل هذا؟ ألم يعلم كثير من قادتهم والمحللين في مراكز الدراسات أن العمليات التي أدت إلى إسقاط الأسد كانت مفاجئة وسريعة وغير متوقعة؟

لو وقع هجوم المعارضة السورية على دمشق في وقت المواجهة بين حزب الله والكيان الإسرائيلي لقلنا بأنها طعنة في الظهر ، أما وقد كان  ذلك بعد أن قرر حزب الله وقف القتال بإرادته دون اشتراط وقف العدوان الاسرائيلي على غزة فلا  معنى في التشكيك في موقف فئة مظلومة لم تضع السلاح على كاهلها مدة 14 سنة، كانت هي الأخرى متهمة بالإرهاب مثلها مثل حزب الله وحركة حماس. ثم كيف يمكن للولايات الأمريكية المتحدة أن تقبل بصناعة وضع جديد يهدد حليفها الكردي المسيطر على أهم آبار النفط السورية، ويضع السجون الستة وعشرين التي يقبع فيها عشرات الآلاف من عناصر داعش خارج سيطرتها، علما بأن تلك السجون التي تسيرها قوى “قسد” تحت إشراف أمريكي هي بمثابة سلاح فتاك في يد من يسيطر عليها، وقد تتحول إلى سيل من البلاء الشديد على سكان المنطقة كلها، لو فتحت السجون بقدرة قادر على مصراعيها ليكون ضمن السجناء وحوشٌ صُنعوا من أجل خلق الفتنة وقلب الأمور على رأسها إن لم يمش الحكام الجدد لسوريا وفق ما يريده حكام أمريكا.

ولتقريب المعاني وتشكيل التصورات الأقرب إلى الحقيقة، نختم المقال بوضع قائمة عن الرابحين والخاسرين من الوضع الجديد في تركيا إذا استقرت الأوضاع للمعارضة المنتصرة التي صارت هي السلطة الحاكمة، وذلك على النحو التالي:

 

الرابحون الآن وفي المستقبل

ـ الرابح الأساسي هو الشعب السوري، فلا رابح أكثر منه إذ انفتح الأفق أمامه فجأة بعد أن انقطعت أسباب الأمل عنده وهو مهجّرٌ بالملايين في أصقاع الأرض، قد أخرِج من دياره وأخِذت أملاكه، ما من أحد من أفراده إلا وعنده من أقربائه أو جيرانه من قد قتل بالإعدام في السجون وميدانيا أو تحت التعذيب، أو حرة، أما أو بنتا أو أختا أو زوجة، قد اغتصبت وولدت في سجنها أولاداً من زبانيتها الملاعين. ومهما كانت السيناريوهات المستقبلية فلن تكون عذابات الشعب السوري كالتي سلطها عليه النظام المجرم لآل الأسد التي بانت قصصها المرعبة بعد فتح السجون كما لم تر البشرية مثلها أبدا. وكل المؤشرات تدل بأن هذا الشعب المظلوم سيذوق طعم الحرية وينعم بالعيش المشترك في إطار القانون، وأن إبداعات رجل الشام ستبهر العالم في مجالات العلم والاقتصاد والتجارة.

ـ والرابح الثاني في الحاضر والمستقبل هي المعارضة السورية التي انتصرت على النظام السوري. وقد جمع الله لهذه المعارضة عدة أسباب يسرت لها سبل التمكين خلافا لتجارب الإسلاميين الآخرين بعد ثورات الربيع العربي ومنها:

 

ـ أن هذه المعارضة لم ينقطع أمرها بعد كسر زحفها من قبل الإيرانيين والروس وضمن أجواء الثورات المضادة، فقد بقيت تُراكم تجاربها العسكرية والمدنية في الأراضي التي تحت سلطتها حتى أقامت دولة صغيرة في إدلب تعداد سكانها قرابة أربعة ملايين ساكن، أكثر عددا من العديد من الدول المعترف بها في الأمم المتحدة، أقامت فيها كليات عسكرية وأمنية، وصناعة سلاح وتعليم، ومؤسسات خدمية رسمية، واقتصاد حقق نجاحات أفضل من اقتصاد النظام السوري آنذاك.

ـ أن هذه المعارضة بقيت مسلحة تحافظ على هدف تحرير كل سوريا من قبضة عائلة الأسد، تعد العدة دون توقف، وقد كانت المعارضة المسلحة في إدلب بقيادة هيئة تحرير الشام وزعامة أحمد الشرع أكثر جدية وفاعلية من غيرها، ومن إنجازاتها أنها  استطاعت أن توحد العديد من الفصائل الأخرى تحت قيادتها.

ـ أن لها ظهيرا خارجيا قويا، تتشابك بينها وبينه المصالح، وهي الدولة التركية التي وجدت في هذه المعارضة القوة التي تنهي معها أزمة اللاجئيين السوريين في تركيا، وتتحالف معها لإنهاء الخطر الانفصالي الكردي على حدودها. وهي دولة تتعدد جوانب قوتها التي يمكن أن تسخرها لصالح حكام دمشق الجدد، ومنها القوة العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، علاوة على التقارب الثقافي الإسلامي.

ـ أن هذه المعارضة تحلّت بكثير من المرونة والحكمة وأقامت مراجعات عميقة في فكرها القديم، طبقت فحواها أثناء حكمها في إدلب، وتوسعت فيها بعد انتصارها على النظام السابق.

ـ أن الدول العربية وجدت نفسها مجبرة على التعامل معها خوفا من أن تستفرد بها تركيا، وأن تتحول سوريا كلها الى تهديد لها خصوصا الدول ذات الحدود المشتركة والقريبة.

ـ أن الانفلات العام، في حال فشل التحول السياسي، لن يكون لصالح أي دولة من دول المنطقة، بل لن يكون لصالح القوى الإقليمية والدولية المحيطة المحيطة بسوريا. 

وكل هذه العناصر الإيجابية إن هي إلا توفيقات سننية ربانية سخرها الله لسوريا ولهذه القوى الإسلامية المنتصرة ضمن التحولات السننية الكبرى التي أجراها الله بطوفان الأقصى. إن كل الذي قام به أولئك السوريون المظفّرون أنهم أعدوا العدة بالقدر الذي يستطيعون كما أمرهم الله، فسخر لهم ظروفا أخرى أكثر بكثير من قدراتهم، فهم يمثلون حقا “نظرية المكان المناسب” حيث وضعوا أنفسهم في المكان الذي وجدتهم فيه التحولات السننية في طريقها فحملتهم.

ـ أما الرابح الثالث اليوم وغدا: فهي تركيا حيث أنها وجدت الطريقة التي حلت بها مشكل اللاجئين السوريين على أرضها إذ سيعودون إلى أرضهم آمنين معززين مكرمين، وستحل مشكل القوى الكردية الموالية للأمريكان في إطار الشرعية بالتعاون مع الحكومة السورية. وسيكون لها الحظ الأوفر في الشراكة الاقتصادية،  في إعادة الإعمار والاستثمار والأسواق والموارد، وستحظى بميزات كبيرة في الجوانب الجيوستراتيجية والدبلوماسية  فلن ينسى الشعب السوري ما قدمته لهم تركيا أردوغان سواء كلاجئين بالملايين أو كدعمٍ بأشكال عدة لثورتهم الموفّقة.

ـ وستكون قطر من الرابحين الحاليين وفي المستقبل إذ بقيت في الجامعة العربية ثابتة في إدانة النظام السوري المنهار والتحفظ على عودته للمنتظم العربي رغم عدم عرقلتها الإجماع العربي بهذا الخصوص، وسارعت منذ اللحظة الأولى للاعتراف بالمسؤولين الجدد، وكانت أول طائرة حطت بمطار دمشق طائرة قطرية، وباكورة الوعود بالدعم الإنساني والاقتصادي قطرية، ولا يخفي  المسؤولون السوريون الجدد امتنانهم وشكرهم لقطر، ولذلك قد يكون لهذا البلد حظوة  كبيرة تجاه الفرص الاقتصادية والسياسية ومجالات أخرى.

ـ الأمة العربية والإسلامية وذلك من عدة زوايا، ومنه أن نجاح الثورة السورية يعطي دفعة أمل في التغيير والتخلص من الاستبداد. وبما أن الاستبداد هو السبب الرئيسي في التخلف الذي تعيشه الأمة، وهو الباعث للهوان وضياع السيادة والتبعية للقوى الاستعمارية، وهو الخلفية الجوهرية للفساد وضياع فرص التنمية وتعطيل الفاعلية والإبداع والتنافس على النجاح والتميز الفردي والجماعي، فإن أي حدث يعيد الأمل في التغيير يكون لصالح العرب والمسلمين، لا سيما في ظل انغلاق الأفق الذي يعرفه العالم العربي وتحكم الأنظمة التسلطية كما لم يحدث من قبل، وانهيار قوى المقاومة السياسية والمجتمعية والاستسلام للأمر الواقع، وقد بيّن الخذلان العام الذي أحاط بطوفان الأقصى خطورة الاستبداد ودوره في التفريط في فلسطين.

ومن جهة أخرى ستكون الأمة الإسلامية مستفيدة في الحين وفي المستقبل من نجاح الثورة السورية، لأن بلاد الشام أرض مباركة، باركها المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث عديدة منها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة”، وعليه حين يتقهقر الفاسدون والظالمون في بلاد الشام، التي منها سوريا وفلسطين، وتكون  الصدارة والقيادة والنصر للصالحين تكون الأمة كلها في أمان.  وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح: “عليك بالشام فإنها خيرة الله في أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده”، فإذا أمنت الشام وتوجه إليها خيرته سبحانه لإقامة أمر الله وصناعة الخير ودعم نهضة الأمة وسؤددها معنى ذلك أننا نعيش تحقق نبوة الحبيب الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وقد علّمنا التاريخ أن مسار بناء مجد الأمة يمر بالشام، فرسول الله صلى الله عليه لم يرسل من جيوشٍ في حياته خارج جزيرة العرب سوى لبلاد الشام، عبر غزوة مؤتة، وتبوك وبعث أسامة، وأول الجيوش التي تحركت بعد وفاته ونهاية حروب الردة هي الجيوش الأربعة التي أرسلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه الى بلاد الشام، ولم يتحرك خليفة المسلمين عمر بن الخطاب لاستلام مفاتيح بلدة فتحت سوى فلسطين أرض الإسراء في بلاد الشام. وعليه حينما تتحرك الملاحم السننية لصالح الفكرة الإسلامية في بلاد الشام معنى ذلك أن الأمة تسير نحو الخير بإذن الله تعالى. ذلك الذي بينته استراتيجية نور الدين زنكي باتجاهه إلى الشام في طريقه لتحرير القدس، ولم يحقق صلاح الدين الحلم إلا بعد توحيد مصر والشام. كما أن تاريخ غير المسلمين بيّن أن من حطّ رحاله في الشام، من قادة الإمبراطوريات الكبرى، فُتحت له الدنيا كلها.

 

المستفيدون حاليا الخاسرون غدا

تنطبق هذه الحالة بالذات على الكيان الصهيوني، ذلك أن ضعف الدولة السورية على حدود فلسطين المحتلة وفقدان إيران وحزب الله نفوذهما في سوريا هو لا شك في صالح دولة الكيان، ولكن المستقبل مرعب حسب ما  الاستراتيجيون الإسرائيليون أنفسهم، وعبّر  عنه بعض هؤلاء بوضوح في وسائل الإعلام،  وكذلك هذا الذي يدل عليه مسارعة جيش الاحتلال لتوسيع احتلاله للجولان والتقدم في الأراضي السورية. إن المستقبل قاتم في سوريا بالنسبة للإسرائليين في كل الأحوال، لو فشل التحول السياسي واتجهت سوريا نحو الفوضى والاحتراب على نحو ما وقع في اليمن وليبيا مثلا، سيمثل ذلك خطرا على الكيان إذ ستتحول الأرض السورية الى موقع انطلاق حر للمقاومة ضد الاحتلال وسيمكن لأي قوة معادية للكيان أو توجه له ضربات صاروخية وتتوجه نحوه عمليات دون ضابط ولا رقيب.

وإذا نجح التحول السياسي وبُنيت دولة سورية قوية  يقودها ساسة ذوو خلفية إسلامية فإن الكيان  لن يأمن على نفسه أبدا. كما أن الإسرائيليين يرون أن استبدال النفوذ الإيراني في سوريا بالنفوذ التركي خطر استراتيجي كبير على المدى البعيد، بل دعا بعض قادة الاحتلال ومفكروه الى الاستعداد لحرب مقبلة مع تركيا. علاوة على أن المكسب الكبير الذي سيُجمع السوريون عليه بعد إزاحة النظام القمعي الاستبداديّ هو الحرية، وأي مجتمع مسلم حر لن يكون لصالح الاسرائيليين.

إنه لا أحد يطلب من القيادة السورية الجديدة أن تدخل في مواجهة مع الكيان الصهيونى في هذه المرحلة، وذلك أمر بديهي، وواجبها الأساسي اليوم هو بناء سوريا القوية لصالح السوريين  وضمن رؤية مستقبلية لتحرير الأراضي المحتلة وتحرير فلسطين، ومهما كانت الضغوطات التي ستمارس عليها فلن تتورط في السياسات التطبيعية، وذلك بسبب خلفيتها الإسلامية الجهادية وبسبب أن المقاومة المجتمعية ستكون عظيمة ضد التطبيع،  وأن خطوة آثمة مثل هذه ستعطي لفلول النظام  مبررات أخلاقية للمقاومة ومحاولة الرجوع، كما ستواجه هذه المحاولة بصد كبير من الفلسطينيين ذوي الأعداد الهائلة في سوريا، خصوصا أولئك الذين قاتلوا مع المعارضة وحُشدوا في السجون وتعرضوا للتعذيب الشديد ولم يرجع لهم أمل الحياة إلا بانهيار النظام وفتح السجون عليهم. وفي كل الأحوال هذا الاحتمال مستبعد ولا يتصور.

ـ الغرب والولايات الأمريكية المتحدة: تمثل سوريا بالنسبة لكل القوى الإقليمية والدولية أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي المنبسط المؤدي إلى كل القارات والدول المهمة في المنطقة، وكممر حيوي للطاقة والمسالك البرية والبحرية التجارية. ولا شك أن امتداد النفوذ التركي إلى سوريا وقلب العالم العربي ليس في صالح الولايات الأمريكية المتحدة، كما أن تهديد تحالفها مع منظمة ( قسد) الكردية يقلقها، ووضع يد النظام السوري الجديد بدعم تركي على السجون التي يقبع فيها عناصر منظمة داعش يفوت عليها فرص المناورة والابتزاز باسم الإرهاب، خصوصا أن استعمال المعالجة الفكرية باسم الإسلام التي يقدر عليها الحكام الجدد قد تحول أعدادا كبيرة من مسجوني داعش لصالح الوضع الإسلامي الجديد.

ويضاف إلى ذلك أن التفاهمات التركية السورية الروسية بخصوص إمكانية بقاء قاعدة طرطوس وإعادة بناء علاقة سوريا بروسيا بما يلغي التبعية ولكن يحافظ على المصالح الروسية وبما يحقق التوازن مع الولايات الأمريكية وأوربا لن يرضى عنه هؤلاء ولكن لن يستطيعوا معارضته من حيث أنه مسألة سيادية، ولن يتجه الغرب إلى خسارة كل شيء في سوريا أبدا وإنما سيضغطون بالقدر الذي يوصل إلى التوازن وليس السيطرة.

علاوة على أن وجود نظام سياسي بخلفية إسلامية على حدود الدول العربية الموالية للأمريكان موجع كثيرا للسياسات الأمريكية. وسقوط ورقة التحشيد الطائفي في سوريا ليس لصالح استراتيجيات صناعة الأزمات والتفريق بين المسلمين التي يحسن لعبها الأمريكان والدول الأوروبية.

وما يقال عن الولايات الأمريكية المتحدة يقال عن الدول الأوروبية، ويضاف إليها  خطورة الجوار الجغرافي، والحساسية الثقافية والسياسية  المفرطة في أوروبا اللائكية من الوجود السياسي الإسلامي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ومسألة اللاجئين السوريين في أوربا كيف يكون مصيرهم، وما طبيعة العلاقة التي ستربطهم ببلدهم المتجه إسلاميا، من بقي منهم في أوربا، خصوصا الأجيال القادمة.       

 

المتضررون اليوم الرابحون غدا

 محور المقاومة: لا شك أن محور المقاومة قد تضرر في الفترة الراهنة،  في فلسطين أولا، حيث أن إيران وحلفاءها، خصوصا حزب الله، كانوا يمثلون دعما استراتيجيا متصلا من حيث المد بالمال والسلاح، وتوحيد ساحات المواجهة مع الكيان الصهيوني، وسيكون تقليص هوامش المناورة لديهم بسبب خروجهم من سوريا، مؤثرا على إعادة البناء الفوري لما ضاع من المقدرات العسكرية والقيادية في غزة، وقد تتجه المقاومة في غزة إلى فقدان الظهير الخارجي المتمثل في إيران وحزب الله، بسبب ما أصابهما من ضرر في المواجهة وبسبب التحولات الداخلية في إيران نحو سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية، التي عمقها الخروج من سوريا،  والتوجه نحو تحالفات دولية مع روسيا وربما الصين بعيدا عن القضية الفلسطينية، والتحولات السياسية في لبنان بانتخاب رئيس يريد أن يجعل السلاح محتكرا لدى الجيش. غير أن ما خسرته المقاومة الفلسطينية سيخسر مثله الكيان الصهيونى في سوريا على نحو ما ذكرناه أعلاه، علاوة أن المتوقع أن هامش العمل والإعداد في سوريا الجديدة قد يكون أفضل لصالح فلسطين، على الأقل على المستوى الشعبي في مختلف القضايا المدنية. والمدد مستقبلا – على الحدود المباشرة مع فلسطين المحتلة –  لن يكون من إيران فقط بل من العالم الإسلامي كله.

أما المقاومة في لبنان فقد خسرت كثيرا حقا،  فعلاوة على  اغتيال رمزها الأهم حسن نصر الله، وطبقة قيادية عريضة في كتيبة الرضوان والمجلس العسكري، والأضرار الكبيرة في حاضنته الاجتماعية، وفي التحولات في الموازين السياسية في لبنان  لغير صالحه، فإن تغيّر الأوضاع في سوريا سيحرمه من سرعة ترميم خسائره،  غير أن مساهمته في المعركة ستبقى تشّرفه عبر الأجيال.

 

وباعتبار أنه أعجز الجيش الإسرائيلي من أن يدخل لبنان وينهي وجوده المسلح ويدمر بنيته فإنه في المحصلة منتصر وسيبقى رقما صعبا في لبنان، وسيجعله ابتعاده عن التغييرات السياسية الجارية متخففا من تبعات الشأن الحكومي وفي أي انتخابات مقبلة سيكرر فوزه من خلال استمرار احتضان طائفته له وما يمكن أن يأخذه من دعم من القوى الانتخابية المؤمنة بالمقاومة، وإذا ما أصلح صورته عند عموم أهل السنة وعالج ذكريات السوريين عن تورطه في ما صُب عليهم من بلاء، وصار انتماؤه للمقاومة ضمن رؤية عامة للأمة فإنه لن يُحرم من الإيجابيات التي ستستفيد منها المقاومة الفلسطينية، وسيكون طوفان الأقصى هو بداية مشروع عام لتحرير فلسطين تشارك فيه كل الطوائف والأعراق في العالم الإسلامي بإذن الله تعالى.

 

الخاسرون حاليا والخاسرون غدا

ـ إيران وحلفاؤها: لا أستطيع أن أقول أن إيران ومشروعها وحلفاءها  قد خسروا اليوم كلية، فقد نالوا شرف دعم المقاومة كما لم يفعله غيرهم، ولا يصح أن نقيّم ذلك على أساس مقاصدهم، فمرحبا في منطق الصراع والحروب بكل داعم ومناصر لقضية ولو كان في ذلك مصلحته، هذه هي الحياة وهذا هو تاريخ البشر. ولكن من الناحية الجيوستراتيجية خسرت إيران مكانتها ونفوذها في سوريا ولن تسترجعه في مستقبل الأيام. وكم من مرة قلت لبعض الإخوة  السوريين حين كنا نحاول ثنيهم عن التشكيك في نوايا إيران وحزب الله بشأن دخولهم معركة طوفان الأقصى، بأن مشاركة إخواننا الشيعة في الملحمة التاريخية شرف كبير لهم، وهي مشاركة تمثل قمة مراحل مشروعهم في المنطقة، ولكن المشروع سيخرج بعد المعركة ضعيفا قد ضيع قيادة محور المقاومة لصالح المقاومة الفلسطينية، من حيث أن حركة حماس لم تستشر أحدا في انطلاق طوفان الأقصى فوضعت قادة المشروع الشيعي في خيارين كلاهما صعب، إن لم يشاركوا  في طوفان الأقصى يخسرون القيمة الأخلاقية التي ربطوا بها مشروعهم المقاوم، وإن شاركوا سيكون الثمن باهضا في زمن تخلى فيه خصومهم في المنطقة عن دعم المقاومة وأهل غزة وتركوهم وحدهم في مواجهة التحالف الصهيوني الغربي دون أمل في أن تتدخل الصين أو روسيا لصالحهم في معركة ليست من أولوياتهما وتُناقض توجهاتهما الحضارية وتصادم علاقتهما مع اللوبيات الصهيونية. وعلاوة على ذلك ساهمت الخسائر التي تكبدتها إيران في لبنان وعلى أرضها في دعم التيار السياسي والمالي في الداخل الإيراني الذي يريد الانكفاء على الذات وفق ما شرحناه سابقا، وقد يكون في ذلك فرصة لبناء دولة قوية لصالح الإيرانيين وتكون جزء مهما في الأمة.

ـ الأنظمة العربية: قبل قرابة سنة ونصف اتفق العرب على إعادة الاعتبار للنظام السوري، وأعادوا له العضوية  في اجتماع الجامعة العربية في مايو 2023،  ظنا منهم بأن المسألة حسمت نهائيا لصالحه ولا داعي للنظر في الجرائم العظيمة التي اقترفها، من تهجير لنصف الشعب السوري وقتل وسجن وتعذيب مئات الآلاف منه، ولم يستشرف أحد من حكام العرب أن نهاية النظام النظام السوري كانت قريبة، وأن بشار الأسد قد خسر حين ساندوه وأنه سيفر بجلده إلى روسيا بعيدا عنهم . لقد خسروا بذلك اللحظة الراهنة، ورغم التحول السريع في الموقف واتفاق أغلبهم على الاعتراف بالسلطة الجديدة وإحضار وزير الخارجية الجديد في لقاء وزراء الخارجية يوم 12 يناير الحالي بالمملكة العربية السعودية فإن الحكام العرب خسروا الرهان، وأثبتت الأيام أن إرادة الشعوب التي حاربوها من خلال ثورتهم المضادة قادرة على التجلي من جديد وأن نجاح الثورة السورية سيكون ملهما في مختلف الدول العربية.

 

إن سبب مسارعة الدول العربية للاعتراف بالسلطة الجديدة له عدة أسباب منها منافسة تركيا في النفوذ في سوريا، وملأ الفراغ الذي تركته إيران بنفسها، ولتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية، ولتأمين حدودها، ومحاولة خدمة المصالح الأمريكية والصهيونية  بالنسبة لبعضها بالمناولة. وثمة سبب آخر مهم وهو أن المشروع الإسلامي المنتصر في سوريا لا ينتمي لتيار الإخوان المسلمين، يمكن اختراقه وتحويله، حسب ظنهم، خلافا  للعدو الإخواني  اللدود للنظام السياسي العربي، الذي يعرض نفسه البديل الحضاري الشامل والجاهز العابر للدول، والذي رغم انكساره وقبول أغلب تنظيماته السياسية العيش تحت سقوف الأنظمة لا يزال يمثل البعبع المخيف القادر على استغلال أي تحول مستقبل في البلاد العربية، كما فعل مع الربيع العربي الذي لم يكن المبادر لإطلاقه.

غير أن التكيف السريع للأنظمة العربية  مع الوضع السوري لن يجعلها تتحكم في الأمر بخلفية السيطرة ومنع نقل التجربة ومنافسة تركيا. تركيا لن تترك سوريا تفلت من حساباتها وسياساتها، لأسباب موضوعية ذكرناها ومنها مشكلة الهجرة والمشكل الكردي، علاوة على المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية الجديدة، ومكانتها في سوريا غير قابلة للمنافسة لأسباب تتعلق بالسبق، وبالعلاقات المتينة مع النظام الجديد، وبالجغرافيا وبالمقدرات الاقتصادية والعسكرية الكبيرة، وبالحليف والرافد المالي والإعلامي القطري.  كما أن منع نقل التجربة، كفكرة وليس بالضرورة من الناحية الكيفية، أمر غير متاح. فالله تعالى غني عن أن يربط التمكين للدين  بالإخوان المسلمين، وحتى بمنهجهم، وهم قد أكرمهم الله طيلة تضحيات قرن كامل من الزمن ببعث صحوة إسلامية في العالم الإسلامي وكل أنحاء الدنيا، وما يأتي بعده ثمرة منه، وهذا حسبهم، ولئن لم يكتب الله تمكين فكرتهم في الدوائر الرسمية فليس شأنهم ولكن شأن الله تعالى القادر الوهاب الرزاق، الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، كما أن الأفق أمامهم ليس مغلقا إن جددوا أنفسهم، أو بعض منهم، بما يتناسب مع التحولات السننية القادمة، التي منها طوفان الأقصى الذي خرج من رحالهم.

ومع كل الذي قلناه، فإن الفرصة متاحة للأنظمة العربية لتراجع نفسها حتى تكون جزء من نهضة الشام، الذي منه تحرير فلسطين، إن أرادت ذلك ووفقها الله إليه. وفي هذا المضمار ثمة ثلاثة أنظمة العربية  يصعب عليها التكيف لأسباب مختلفة، أولها النظام الإماراتي الذي تزعّم الثورات المضادة وأنفق فيها أموالا طائلة واقترف فيها الموبقات فلا يتصور تراجعه، وكل ما سيظهره من تأقلم هو نفاق من أجل الإفساد.  والنظام المصري الذي يحمل عقدة الانقلاب العسكري ولا يزال في سجونه عشرات الآلاف من المظلومين والمقهورين، ولكن قد يحدث تحول من داخل النظام نفسه بسبب عمق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، بما يجعل المصريين يفهمون أهمية المحور المصري السوري الذي كان له دور عظيم في التحولات التاريخية الكبرى لصالح الإسلام والمسلمين ومن ذلك القضية الفلسطينية. والنظام العربي الثالث الذي تعامل بالرفض مع التحولات في سوريا هو النظام الجزائري، والذي دفعه لذلك هو العلاقة التقليدية بين الجزائر وسوريا في محور الممانعة والاعتقاد الراسخ عند كثير من أصحاب القرار في الجزائر بأنها لعبة أمريكية تركية صهيونية، دون الاستعداد للتعمق في دراسة الأوضاع. علاوة على الحضور المرضي في العقل الرسمي لأزمة التسعينيات، وتشبيه هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع بالجبهة الإسلامية للإنقاذ وللجماعات الإسلامية المسلحة، خصوصا وأن حكومة إدلب كانت تسمى حكومة الإنقاذ، وأن أحمد الشرع نفسه كان عضوا في جماعات موصوفة بالإرهاب، دون أي استعداد لملاحظة خصوصيات التجربة السورية وقادتها، وخصوصيات الأوضاع الإقليمية والدولية المحيطة.

ولكن لن تجد قد تتجاوز الجزائر صعوبة التكيف بسبب البعد الجغرافي للخطر “المتوقع”،  وبسبب أهمية المعطى السكاني من حيث العدد الكبير للسوريين من أصل جزائري الذين سكنوا سوريا عبر هجرات كثيرة منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في سنوات 1837، 1849, 1854, 1861, 1864, 187, 1871, 1874, 1911 عقب المقاومات الشعبية وما أعقبها من قمع وتهجير من قبل القوى الاستعمارية، وقد وصل عددهم في الخمسينات الى مليون ونصف وكان منهم رئيسا للجمهورية والعديد من المسؤولين والكتاب والفنانين وبإمكان هذا المعطى السكاني  أن يكون  همزة وصل لمصلحة البلدين لو أتعبت سياسة حكيمة  في الموضوع من قبل النظام الجزائري.

 

د. عبد الرزاق مقري

سقوط النظام السوري: الأبعاد والمآلات

بدأنا مقالنا الأول عن سوريا  بعنوان “تطور الوضع في سوريا : الواقع والمآل”، فكانت الأحداث أسرع منّا إذ تهاوى النظام السوري بشكل سريع ومذهل، بما يجعلنا نغير العنوان ليصبح : “سقوط النظام السوري: الأبعاد والمآل”. وقد قصدنا فهم خلفيات السقوط السريع من خلال اِستحضار مختلف التطوّرات الحاصلة على مستوى القوى الإقليمية والدولية ذات العلاقة، فبدأنا الحديث عن إيران ووضّحنا التحولات الداخلية والخارجية التي جعلت هذا البلد يُحجم عن نجدة حليفه السوري بشار الأسد، وسنتناول في هذا المقال الخلفيات التي أدّت إلى تحوّل الموقف الروسي وتخليه عن النظام الذي أنقذه من قبل من السقوط، وفي مقالات مقبلة سنتطرق إلى تطورات وخلفيات الموقف التركي، ثم سياسات وطبيعة الموقف الأمريكي والإسرائيلي من الأحداث، ثم نتحول إلى الحديث عن مكوّنات قوى المعارضة وخلفياتها الأيديولوجية وعلاقاتها مع القوى الأجنبية، لنخلص في الأخير لدراسة السيناريوهات المحتملة للشأن السوري والقضية الفلسطينية والمنطقة كلها. 

2 – روسيا: 

لقد كان للتدخل الروسي في الأحداث في سوريا دور أساسي في حسم الصراع المسلّح لصالح نظام بشار الأسد ضد فصائل المعارضة المسلحة، منذ 30 سبتمبر / أيلول 2015، وكانت حجّة الروس حينذاك محاربة الإرهاب،  ثم اعتبرت أن لوجودها الطويل في سوريا طابعا شرعيا على أساس أنّ قواتها حطّت رحالها في الأرض السورية بطلب من الدولة السورية “الشرعية”. وقد استغلت هذا الوجود القانوني لتوسيع قاعدتي حميميم وطرطوس ليتجاوز وجودها في سوريا الأزمة السورية إلى حماية مصالحها في المنطقة كلّها وكلّ الفضاء الجغرافي المطلّ على البحر الأبيض المتوسط. 

غير أنّها لم تكن تجهل تناقص المصالح وصراع الإرادات الدولية في بلاد الشام، فما إن أنهت وجود القوى المسلحة في شرق حلب بقوة نارية جبارة ذهب ضحيتها كثير من المدنيين الأبرياء؛ قتلا وتهجيرا، حتى اِتجهت إلى الاِتصالات الدبلوماسية من خلال مسار أستانا مع تركيا وإيران. 

اِكتفت ترتيبات مسار أستانا بالاِتفاق على خفض  التصعيد، وهو ما نقل القضيّة السورية نوعا ما إلى ما بعد بيان جنيف 2012 الذي بني عليه قرار مجلس الأمن 2254 في 2015 المدعوم من أمريكا، والذي اِقترح مشروعا سياسيا كاملا يقوم على تغيير الدستور وبناء نظام سياسي جديد يستوعب كلّ الطوائف وإجراء اِنتخابات حرة ونزيهة. 

لقد كان لروسيا دور كبير في تعطيل المسار السياسي، مدعومة بإيران، ثم زاد البعد عن الحلّ السياسي محاولات تركيا فتح صفحة جديدة مع النظام السوري من أجل حلّ مشكلاتها المتعلقة بالمهاجرين والأكراد، وحين اِنفتحت الدول العربية على بشار الأسد من جديد اِنغلق الأفق السياسي كلية وظنّ بشار بأنّه حسم الأمر نهائيا، رغم بقاء هذه الدول متمسكة بالحلّ في إطار ذات القرار الأممي.

لا شك أنّ قرار مجلس الأمن كان على الهوى الأمريكي ممّا أفقد الثقة فيه عند العديد من الأطراف ولكن لم يُعرض أي بديل له من داعمي النظام، أو الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، سوى ما صرح به وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في مايو 2023 بأنّ “بلده سيطبق ما يهمه من مضامين القرار 2254”!

ولكن بعد كلّ هذه المجهودات لحماية النظام السوري ظهر الموقف الروسي اتجاه التطورات الجديدة باهتا، بشكل مفاجئ وغير مفهوم لدى الكثيرين. وقد بدا عدم الاِهتمام واضحا من الوهلة الأولى عبر طريقة تناول وسائل الإعلام الروسية للأحداث، حيث لم تتحرك البروباغاندا الروسية المعهودة، واِكتفى مذيعو القنوات ووسائل الإعلام الأخرى  بنقل الأخبار ، واِهتم المحلّلون بتقديم التحليلات والتفسيرات فحسب. ثم جاءت تصريحات المسؤولين فأكّدت بأنّ بشار  بات بلا دعم فعلي من صديقه بوتين.

اِكتفى المتحدث باسم الكرملين بالتصريح في اليوم الثاني من هجوم المعارضة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني بدعوة “السلطات السورية إلى اِستعادة النظام الدستوري بسرعة” مصرحا بأنّ “روسيا تقوم باتصالات مناسبة وتحليل الوضع” وأنّها “ستسعى لتحقيق الاِستقرار في سوريا”، ومؤكدا بأنّ “روسيا قادرة على تقديم المساعدة للنظام السوري اِعتمادا على تقييم الوضع ميدانيا”. وقد تكون هذه التصريحات مؤشرا على أنّ الأمر لا يتعلق بعدم القدرة على تقديم المساعدة وإنّما ثمة توجه آخر يستند على دراسة تطورات الوضع الميداني. 

لا شكّ أنّ هذه التصريحات قد اُلتقطت من قادة الجيش النظامي فعلموا أنّه لا يمكنهم الاِعتماد لا على إيران كما بيّنا سابقا ولا على روسيا، ممّا جعلت معنوياتهم تنهار وصفوفهم تتفكك وأخذوا بالفرار من جبهات القتال. ويمكننا أن نقول بأنّه لم يصرح أي مسؤول دولي تصريحا مهينا للنظام السوري المتهالك ، كما كان تصريح مسؤول روسي مقرّب من الكرملين، وفق ما نقلته وكالة بلومبرغ، الذي قال فيه: “إنّ روسيا لا تملك خطّة لإنقاذ بشار الأسد ولا ترى إمكانية لإيجاد واحدة، طالما اِستمر الجيش في التخلي عن مواقعه”، وحينما دعت السفارة الروسية رعاياها إلى مغادرة دمشق كانت اللعبة قد أغلقت على حليف الأمس.

سارعت كلّ من روسيا وتركيا وإيران إلى الاِجتماع لمناقشة إمكانية تخفيض التصعيد وفق مسار أستانا، ولا شكّ أنّ ما جمعهم هو خوفهم من التدخلات الأمريكية، إذ أشار جميعهم إلى القوى الكردية الحليفة للأمريكيين، بل إنّ لافروف أشار إلى مصلحة الإسرائيليين في تغيير الوضع في سوريا. ثم اِلتحق بهذا الثلاثي مجموعة الدول العربية الخمس، ودخل الجميع في النقاش للعودة إلى القرار 2254، غير أن الذين كانوا في الميدان لم يمهلوا أحدا ودخلوا دمشق وأسقطوا الطرف الذي كان يطلب منه دوليا أن يدخل في المفاوضات من أجل تطبيق القرار، وبعد فرار الأسد لم يبق إلا طرف واحد وهو الطرف المنتصر، ولم يبق شيء يناقَش عن مستقبل سوريا سوى مع هؤلاء. 

لا شكّ أن اِنشغال الروس بالحرب  مع أوكرانيا يمثّل سببا رئيسا في إحجامهم عن التورط مجددا في المواجهة المسلحة في سوريا، وقد يكون بوتن قد أحسّ بأنّه يراد اِستدراجه في جبهة أخرى تستنزفه. غير أنّ  ثمة أسبابا أخرى بالغة الأهمية أثرت في موقف  تراجع الطرف الروسي عن دعم النظام السوري، سوى بعض الطلعات الجوية القليلة غير ذات الجدوى. 

إنّ جذور ذلك قد تعود إلى تغيّر الموقف التركي ورغبته في الحوار مع بشار الأسد لحلّ مشكلة اللّاجئيين والتوصّل إلى تفاهمات بخصوص الملف الكردي، وقد عُقد بهذا الشأن لقاءات رسمية عالية المستوى بين المسؤولين الأتراك والروس، واِتصل بوتن نفسه  ببشار الأسد بهذا الخصوص فرأى تصلبا كبيرا منه. 

وعلاوة على ذلك بات ثمة تفهّم كبير من القيادة الروسية لحاجة الأتراك للتدخّل المباشر في سوريا بغرض كبح جماح منظمة قوات سوريا الديمقراطية الكردية المسنودة والمسلحة والمحمية من الخصم المشترك؛ الولايات الأمريكية المتحدة. كما أن التداخل العميق للمصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية، بين تركيا وروسيا ساعد على تحقيق الاِستقرار في الخطوط الدبلوماسية بين البلدين، ومن ذلك تجنب الاشتباك بين الطرفين بأيّ شكل من الأشكال مهما كانت الصعوبات وحل المشاكل المعقدة وتضارب المصالح بالاِتصالات الاستخباراتية والدبلوماسية. 

ثمّ إنّ ثمة مصلحة مشتركة أخرى بين البلدين، وهو الرغبة الثنائية في تحجيم الدور الإيراني في سوريا، حيث أنّ روسيا كانت دائما تعتبر بأنّ إيران هي البلد الوحيد الذي ينافسها فعليا، سياسيا واِقتصاديا، في سوريا ومع النظام السوري ويُعقّد عليها تحكمها في الأوضاع في المنطقة، وقد بين هذا الامتعاض الروسي ما كان يتداوله محللون سياسيون في القنوات الروسية في نقد النظام السوري، واِتهمه البعض أنه يلعب على حبلين. 

ومن جهة أخرى ظلت البرودة في العلاقات بين إيران وتركيا ثابتة رغم الحوار القائم بينهما، ولم يكن أردوغان ينظر إلى تعنت بشار الأسد في الدخول في الحوار إلّا من زاوية أنّه مسنود في موقفه من إيران. وبسبب التطورات الداخلية والخارجية التي حكمت الوضع الإيراني أصبح إخراج إيران من اللّعبة ممكنا، وقد ساعد على ذلك شعور عدد من الدول العربية بأنّ اِنفتاحهم على الأسد كرئيس دولة عربية لم يبعده عن إيران وأنّ مصانع المهلوسات (الكبتاجون) في سوريا التي اِشتهرت بها عائلة بشار والمقربين منه أصبح ترويجها في الدول العربية بمثابة حرب ضدهم. 

وكلّ هذه الاعتبارات تأخذ كثيرا من المصداقية؛ الأخبارُ التي تؤكّد على أنّ تفاهمات روسية تركية كانت قد تمت قبل الهجوم تضمن مصالح روسيا، وخصوصا على مستوى القاعدة العسكرية في حميميم وطرطوس. وممّا يساعد على قبول هذه الأخبار أن المعارضة لم تتعرض للوجود الروسي بأيّ شكل من الأشكال، وأنّه خلافا للقوى الإيرانية وحزب الله اِلتزمت التشكيلات العسكرية والأمنية بدون إجراءات اِستثنائية مواقعها، رغم المشاركة الروسية الكبيرة في ما لحق الشعب السوري من بلاء عظيم.

ولا يمكن من وجه آخر إغفال اِلتزام روسيا بحماية الكيان الصهيونىّ من خلفيات تراجع روسيا عن حماية النظام السوري، فهي لا يهمها أن تعجز إيران عن اِستعمال الأراضي السورية لدعم حزب الله ونقل السلاح إليه، إن كانت تضمن مصالحها. 

وفي كلّ الأحوال، لا يعتقد أنّ روسيا كانت تريد أن يحدث اِنهيار تام للنظام السياسي، وإنّما كانت تريد تغيير شيء من الواقع على الأرض لصالح المعارضة وتركيا لكي يقبل الجلوس على الطاولة بخصوص ضمانات سلامة اللاجئين عند عودتهم وحلّ معضلة علاقته المشبوهة مع القوى الكردية الموالية لأمريكا، ولكنّ الأقدار شاءت غير ذلك، ولم يكن ثمّة من يستطيع وقف زحف قوى المعارضة نحو دمشق حين أتيحت لها الفرصة.

 د. عبد الرزاق مقري

تطور الوضع السوري: الواقع والمآل

في تطورات متتالية وسريعة منذ 27 نوفمبر / تشرين الثاني الماضي حققت المعارضة السورية تقدما عسكريا كبيرا في الشمال الغربي للبلاد يقدر إلى حد الآن بحدود 22 ٪؜ من الأراضي، سيطرت فيها على محاور استراتيجية ومدن مهمة منها حلب إدلب وحماة وعدة مطارات وكليات عسكرية وثكنات عسكرية وعدد كبير من العتاد العسكري.
بدا هذا التقدم السريع والواسع مفاجئا لكثير من المراقبين، وبات السؤال المتكرر الذي يُطرح هو أين سيصل توسع المعارضة على حساب النظام السوري وما هي آثار ذلك على المنطقة، ويلح المنخرطون والمساندون لطوفان الأقصى والحرب ضد الكيان ما هو مآل ذلك بالنسبة للقضية الفلسطينية.
سنحاول أن نفهم خلفيات هذه التحولات المهمة من خلال تتبع أوضاع الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة وأهدافها ومكاسبها وخسائرها. ولكن قبل ذلك لا بد أن نؤكد مسألة مبدئية وهي أن النظام السوري نظام مجرم أوغل في دماء السوريين وهجّر الملايين منهم وسلم البلد للأجانب وأدخل سوريا كلها في مأساة عظيمة، وكان بإمكانه أن يحل الأزمة التي انفجرت في ظروف الثورات الشعبية العربية في 2011 عبر الحوار السياسي والحلول السلمية، لا سيما وأنه دُعي إلى ذلك من قوى المقاومة فرفض واختار القمع والإجرام. وفي كل الأحوال لا يمكن لحاكم فعل في شعبه مثلما فعل بشار الأسد في السوريين أن يستتب له الملك طويلا، ونهايته ستكون مؤكدة سواء في هذه الأحداث أو لاحقا، وأن السكان الذين ظلمهم وهجّرهم من حقهم استرجاع بلداتهم ومنازلهم وإنهاء غربتهم وتشردهم .
إن من أهم أسباب الانتصارات العسكرية التي حققتها المعارضة هو الانهيار السريع للجيش السوري في مواقع الاشتباك ، إذ ما إن تأكد ضباط وجنود هذا الجيش بعدم التدخل القوي لروسيا وإيران و حزب الله لنجدتهم حتى تركوا مواقعهم وعتادهم وفروا إلى الخطوط الأكثر أمنا. وقد أكد هذا الضعف والانهيار بأن النظام كان في طريقه إلى الزوال في وجه الانتفاضات الشعبية السورية، وأن الذين كانوا يديرون المعركة ضد الشعب السوري إنما هو الجيش الروسي والجيش الإيراني ومقاتلو حزب الله، وقد تحولت المعركة في الأرض السورية إلى معركة بالوكالة بين عدة مشاريع : المشروع الغربي الأمريكي الصهيوني، المشروع الروسي، المشروع الإيراني، المشروع التركي. فصار الوضع معقدا بمثابة الفتنة العمياء التي تذر الحليم حيران.
لا نريد أن نتطرق إلى طبيعة هذه الحرب الإقليمية، بل العالمية، بين مختلف المشاريع ولكن نحاول فهم ما يحدث في الوضع الراهن من خلال تطور أوضاع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وذلك على النحو التالي:
١ – إيران: ربما يعتبر أهم تطور في المنطقة، كان له أثر على الأحداث القائمة حاليا في سوريا، هو تراجع المشروع الإيراني. ولا يُعزى هذا التراجع فورا إلى الحرب مع الكيان الصهيوني، والضربات التي تلقاها حزب الله، فقد بينت الضربات الصاروخية المكثفة التي وجهتها إيران لدولة الكيان بأن لها القدرة على الفعل، ولو رغبت في توجيه ضربات صاروخية للمعارضة السورية أثناء تقدمها لفعلت. ولكن ثمة تطورات أعمق تسكن في الداخل الإيراني، حيث أن طول الحصار المضروب على هذا البلد، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية، دفعت الى صعود التوجه الذي يريد إحداث تغييرات في السياسة الخارجية الإيرانية ليصبح هذا البلد بلدا عاديا يهتم بشؤونه الداخلية وحل أزماته الاقتصادية من خلال إنهاء الحصار والتصالح مع المحيط الخارجي، ويساند هذا التيار الإصلاحيون المعروفون في الشأن السياسي، و”البزاريون” وهم معروفون في الشأن الاقتصادي كطبقة قوية من رجال الأعمال الذين ساندوا الثورة في عهد الخميني ثم باتوا الآن يبحثون عن بيئة أعمال أفضل، وقد تُوّج هذا الصعود في الانتخابات الرئاسية السابقة على حساب المحافظين القريبين من المرشد الأعلى والحرس الثوري.
تعود هذه الخلافات إلى سنوات عديدة سابقة، وتعتبر فترة الرئيس محمد خاتمي محطة مهمة في بروز هذه الصراعات، وقد اطلع الرأي العام على رسالة صارمة وجهها نفر من قادة الحرس الثور، منهم قاسم سليماني، إلى خاتمي يحذرونه فيها من تساهله مع مظاهرات الطلاب في يوليو / جويلية 1999، وبقي الخلاف يتصاعد إلى أن بلغ أشده في الفترة الأخيرة.
عندما تهيكل الخلاف وأخذ طابعا أمنيا توجه الحرس الثوري، خصوصا في عهد قاسم سليماني، إلى فصل قوى المقاومة عن التحولات السياسية داخل إيران، وبدأ يجهز ويدرب القوى الشيعية في مختلف البلدان، خصوصا سوريا والعراق ولبنان واليمن، لكي تحافظ على قدراتها العملياتية مهما كانت الظروف في الداخل الإيراني. غير أن الخلاف بلغ أشده في السنوات الأخيرة ووصل الى حد بات الاتهام يتداول داخل الشبكات المساندة لمحور المقاومة بأن مقتل قاسم السليماني والرئيس الإيراني السابق ومن كان معه في الطائرة التي سقطت، وكذا إسماعيل هنية ونصر الله كان بتخابر داخلي من قوى تريد إخراج إيران من الصراع، خصوصا الوضع الذي وجدت نفسها فيه بعد طوفان الأقصى دون أن تخطط الدولة الإيرانية لذلك.
لا يتوقع أن تكون المواجهة بين التيارين سهلة، فالتيار الاصلاحي ومن على شاكلته يستفيد من التطورات الإقليمية والدولية، وعلى قوته الاقتصادية، والتمركز المؤسسي ويستند على أغلبية شعبية لا تحكمها الأيديولوجية الصلبة، والتيار المحافظ يملك قوة عسكرية جبارة، وتتجه الشرعية الدينية لصالحه، وله قوة اقتصادية وكتلة مالية كبيرة، ولأنصاره جلد وصبر كبيرين، وهو يستطيع أن يحدث انقلاباً بالقوة لو لا التطورات العميقة في المحيط.
أما عن حزب الله فهو غير قادر على العودة الى المغامرة التي تورط فيها سابقا، من جهة أنه في وضع صعب بالنظر للخسائر التي تلقاها في مواجهته مع الكيان، ومن جهة أن المشروع كله في تراجع كبير والحلفاء الذين احتاجوا اليه سابقا غير راغبين في النجدة العسكرية لبشار الأسد إلى حد الآن، ومن جهة أنه ربما لا يرغب في افساد صورته مرة أخرى بعد أن رمم الكثير منها في انخراطه في طوفان الأقصى نصرة لأهل غزة، ومن جهة أن الأمر لم يصبح مجديا أمام الانهيارات الكبيرة للجيش السوري وهو يرى أن تدخلاته السابقة ذهب مفعولها هباء منثورا.
ضمن هذه التطورات الداخلية، لم يتم نجدة بشار الأسد من قبل ايران بشكل مباشر وقوي، ليس لأن إيران ليس لها القدرة، ولكن لأن القرار السياسي غير موجود، أو ربما غير متفق عليه، بسبب الكلفة الكبيرة المتوقعة، لا سيما أن التدخل الإيراني هذه المرة قد يجلب المواجهة المباشرة مع قوة إقليمية لها مصالح حيوية هي تركيا، والموقف الروسي غير واضح لحد الساعة، فالأفضل لإيران البحث عن حلول دبلوماسية من خلال مسار أستانا مع روسيا وتركيا.
٢ – روسيا
… يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

كيف نفهم وقف إطلاق النار في لبنان؟

حاول الاحتلال الصهيوني وقادة الولايات الأمريكية المتحدة وطوابير العمالة إظهار اتفاق وقف إطلاق النار بأنه هزيمة للمقاومة وأن طوفان الأقصى كله آيل للانكسار، وقد أثر خطاب هذه القوى الظالمة في معنويات كثير من مناصري الحق الفلسطيني وداعمي المقاومة، كما جاء هذا التحول على هوى المتخاذلين والمخذلين الذين يريدون الرجوع إلى دوائرهم الآمنة فلا تنغص عليهم الحالة الفلسطينية الملتهبة وصور المآسي السكانية في غزة حياة الدعة والهدوء المألوفة.

من يعتقد بأن المعركة قد انتهت فهو واهم، سيبقى طوفان الأقصى يظهر عجائبه، وما هذه الهدنة إلا وجه من وجوه هذه الظاهرة العجيبة، ولعل أعظم درس نستشفه من المواجهة المسلحة بين جيش الكيان وحزب الله، أننا أمام صورة جديدة واضحة بيّنة لحقيقة الجيش الإسرائيلي، وما يمكن أن يحدث له حينما يحكم البلاد العربية والإسلامية حكام سادة أشاوس يمثلون حقيقةً شعوبهم، فهذا الجيش الإسرائيلي  الذي هزم البارحة ستة جيوش عربية واحتل كامل فلسطين وسيناء والجولان في ستة أيام لم يستطع بعد سنة كاملة أن يحتل أكثر من كيلومترين من جنوب لبنان، ورغم الضربات المباغتة التي وجهها لحزب الله فقضى بها على طبقة قيادية كاملة من وحدة الرضوان والمجلس الجهادي وعلى رأسها الأمين العام، والرجل التاريخيّ الرمز حسن نصر الله، ظلت البلدات المحتلة التي يسكنها الاسرائيليون تتلقى القصف الصاروخيّ، ألحق ببعضها أضرارا جسيمة، كبلدة المطلة  وكريات شمونة والمنارة، بل إن تل أبيب نفسها لم تأمن، وحين تتحدث وسائل الإعلام بأن الهرع إلى الملاجئ يصل إلى أربعة ملايين فهذا يبين حجم مأساة الإسرائيليين لمدة أكثر من سنة.

إن الاسرائيليين فهموا بأنهم تورطوا في الحرب في لبنان، وأنها ستكون حرب استنزاف مدمرة لهم ولمستقبلهم، وأنه لا يمكن أبدا تحقيق أهداف الحرب المعلنة المتعلقة بنزع سلاح حزب الله وكسر خط المقاومة في لبنان، فقبلوا وقف إطلاق النار واعتمدوا على الولايات الأمريكية المتحدة لتحقق لهم مكاسب شكلية تحفظ لهم ماء الوجه، كمسألة خروج حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان وعدم السماح لحزب الله بالتسلح وصناعة السلاح.

 فحزب الله رغم الخذلان الكبير الذي تعرض له من قبل الطابور الخامس اللبناني وضغط الحواضن الاجتماعية التي لا تناصره، والأوضاع الصعبة لحاضنته التي شردت في اللجوء،  بقي جزء أساسيا من منظومة الدولة، وهو جزء من الجيش الذي سينتشر في لبنان، واللاجئون الذين سيعودون إلى مساكنهم في الحدود مع فلسطين كثير منهم هم منه وله، علاوة على أنه حظي بتأييد كبير رسمي وشعبي من القوى السنية التي قاتل بعضها معه، فهو قد خرج بمكانة معتبرة وسيجد الطرق المناسبة لإعادة بناء ما خسره في الحرب.

غير أنه لا يمكن أن نقول بأن حزب الله خرج منتصرا مظفرا في هذه الحرب، إذ الهدف الأساسي الذي اندفع من أجله للمواجهة قد توقف، وهو مناصرة غزة ووحدة الساحات. لا شك أنه أعطانا صورة واضحة لضعف الجيش الاسرائيلي ومنهجا متكاملا في كيفية هزيمته وإنهاء وجود الاحتلال  من الأراضي الفلسطينية  في مستقبل غير بعيد ولكن الضربات القاسية التي تلقاها والضغوطات الخارجية ومخاطر الانفلات الداخلي ضده ألجأه إلى قبول وقف القتال في لبنان دون أن يتوقف في غزة. وهو في كل الأحوال مشكور مبرور على النصرة التي منحها، والتضحيات الجسيمة التي قدمها مختارا بتلقاء نفسه دون أن يستشار في إطلاق طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر من السنة الماضية.

وإذا ما سألنا عن مصير غزة وهي تواجه مصيرها وحدها فإن أول ما نقوله أن لها الله العزيز الجبار المتكبر، ولسان حال مجاهديها وسكانها هو قول الله تعالى في سورة آل عمران: ((  الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)))، ثم إن الطريقة التي دخل بها حزب الله الحرب شغلت الاسرائيليين ولكنها لم تكن حاسمة في وقف العدوان على غزة، إذ أن حسابات حزب الله واستراتيجياته وتكتيكاته الحربية في البداية لم تكن على النحو الذي آلت إليه في الأخير إلى درجة أنه فرض وقف الحرب على لبنان، فلو دخل بكل قوته منذ البداية كانت الأمور تكون مختلفة ومؤثرة في مسار الحرب على غزة. وعليه فإنّ سُكونَ جبهة لبنان لن يؤثر دراماتيكيا على الأوضاع في جبهة فلسطين في غزة والضفة، ولا توجد جريمة لم يقترفها الصهاينة لتحقيق أهدافهم ضد حماس وحاضنته، فعلوا من الجرائم ما لا تتحمله الجبال، فما حرروا الأسرى ولا أنهوا المقاومة، ولا فرضوا قوة عميلة تسير القطاع،  فماذا عساهم أن يفعلوا أكثر مما فعلوا، فالمسألة مسألة  ثبات ورباطة جأش ومواصلة استنزاف العدو ولو بوتيرة أقل مما كانت عليه، بما يجعل بقاء جيش الكيان في غزة مكلفا يوما بعد يوم.

والأهم من تفسيرات الخنوع والخذلان الذي يسارع إليه ضعاف النفوس في أمتنا، وبدل حالة الإحباط والبقاء في مشاعر الإشفاق  تجاه أهلنا في غزة فإن الواجب أن تهب الأمة قاطبة لنصرة غزة وتغطية الفراغ الذي سيتركه حزب الله، وهذا الحديث يتجه أكثر إلى الذين أغرقونا في خطاب الطائفية ضد حزب الله، ها هو الحزب قد توارى عن معمعة الحرب فأرونا بطولاتكم وخذوا خشبة سباق التتابع (على نحو ما قاله القائد أسامة لأحدهم)!

أما تهديدات بايدن فهي من جنس جرائمه السابقة في حلفه مع الكيان في عدوانهما على أهلنا في فلسطين، أما قوله وقول وزير خارجيته وعدد من المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض بأن وقف الحرب في لبنان هو للتفرغ لحماس فهو شرف لحماس وتأكيد للعالمين بأن معركة الشرف إنما هي في فلسطين وأن أشراف الأمة هم أبطال المقاومة الفلسطينية قبل غيرهم. وفوق ذلك سيسعى بايدن  ذاته بدعم من خليفته ترامب لإبرام صفقة أخرى مع حماس قبل رحيله، وما حديثه بأن لدى حماس خيار واحد هو تسليم الرهائن إلا  هراء لا طائل منه، وقد أعطته المقاومة الجواب فورا بأنهم ثابتون على مطالبهم لوقف القتال، وأيم الله قد صدقوا! هل يمكن أن ترفع الراية البيضاء بعد كل تلك التضحيات الجسام في وجه جيش بدأ ضعفه بينا في لبنان وفلسطين. فإن تم الاتفاق على وقف القتال في غزة قبل مغادرة بايدن  بما يحقق مطالب الفلسطينيين  فهو ذاك ولله الحمد، فإذا لم يتم ذلك فإن مجيء ترامب قد يكون أضمن لنهاية العدوان، ذلك أن الديمقراطيين محكومون بالمؤسسية والتأثير العميق باللوبيات،  والمؤسسية لها قدرة على الصبر والمثابرة، أما ترامب قد يظهر منه عنف أشد في البداية ولكن إذا رأى الثبات والصمود لدى الفلسطينيين فإن ذهنيته التجارية ستدفعه للتفاوض من أجل وقف القتال ليفي بوعده الانتخابي وليوقف نزيف الخسائر المادية لبلده دعما لإسرائيل،  وليتفرغ لأشياء أخرى تهمه أكثر على الجبهة الصينية، والحرب في أركرانيا. أما إن قامت القوى الحية في الأمة بواجبها لتحريك الشعوب في كل البلدان في الساحات وبمحاصرة السفارات الأمريكية على سبيل المثال، وربما تسرب أعداد من المقاتلين الشباب إلى ساحات المعركة ضد الكيان وبروز أمارات على تحول طوفان الأقصى إلى طوفان الأمة فإن دفع الرئيس الأمريكي المقبل لوقف التوتر سيكون مؤكدا.

إن مسؤولية الأمة بعد توقف الحرب في لبنان  صارت كبيرة جدا، لقد كشف دخول حزب الله الحرب ومن ورائه ايران حالة الخذلان في باقي الأمة الإسلامية في عالم السنة، ونأي إيران وحلفائها بالنفس عن الحرب سيكشف هذا الخذلان أكثر إن لم تتحرك الأمة بحكوماتها وقواها الحية لنصرة غزة والضفة، لا سيما أن تحولات كبيرة في الداخل الإيراني ستدفع إيران للانشغال بنفسها، فرئيس الجمهورية الجديد ينتمي لتيار يؤمن بالتخفف من التبعات الخارجية والتركيز على بناء الذات وهو تيار قوي يحمله “البزاريون” الذين يسيطرون على جزء معتبر من القطاع الخاص في الاقتصاد الإيراني، ولا غرابة أن يكون هذا التيار قد شارك مع الأمريكان في مفاوضات وقف إطلاق النار، وسيكون ذلك سبيلا مناسبا لإعادة مناقشة الملف النووي بعد عودة ترامب لتجنب التهديدات التي أطلقها بايدن ونتانياهو بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار. أما الجناح الإيراني القوي المرتبط بالحرس الثوري والمرشد الأعلى فقد تلقى ضربات موجعة بعد وفاة قاسم سليمان والرئيس السابق، وخصوصا بعد مقتل حسن نصر الله الذي كان يمثل ركيزة أساسية في الرؤية الثورية ضد الاحتلال الصهيوني في المنطقة، وسيتطلب رجوعه للفعل والتأثير وقتا ثمينا.

إن الزمن إذن هو زمن عالم السنة، ولئن وقع الاستبدال بالإيرانيين وحلفائهم إلى غاية اليوم فإن الاستبدال هذه المرة سيكون من داخل عالم السنة بتيار عام في الأمة يغير كل الموازين لصالح فلسطين ولصالح الإسلام والمسلمين والبشرية جمعاء.

د. عبد الرزاق مقري

مالك بن نبي: التأهيل الإنساني والاجتماعي هو مفتاح صنع الحضارة

حينما نقول بأن اللحاق الحضاري ممكن إذا ما توفر الإنسان المؤهل والمنظومة الاجتماعية والإدارية المناسبة لبناء الحضارة عبر تحويل اهتمامنا من تكديس منتجات الحضارة القائمة إلى تقليدها ثم صناعة مثلها أو أفضل منها، يُطرح سؤال البون الشاسع بين المستوى الذي عليه الحضارة الغربية وحالة التخلف التي تعرفها مجتمعاتنا العربية الإسلامية.

لقد تناول الأستاذ مالك بن نبي هذا التحدي وهونه بتنبيه قرائه إلى حالة التسارع الحضاري التي باتت تتيحه تطورات العلوم الطبيعية وأثرها على الدراسات الاجتماعية وضرب في هذا الإطار مثالا يتعلق بـ”الكيمياء الحيوية” و”الديناميكية الخاصة”، وكيف أصبح الفرق مذهلا بين الفترة الزمنية التي يأخذها تحلل نصف غرام من الأورانيوم في حالته الطبيعية والتي يأخذها بفعل التطور العلمي في المخبر، وضرب أمثلة في الحياة الاجتماعية بالدول التي كانت في طريق صناعة نهضتها في أواخر الأربعينيات، مثل اليابان وروسيا والصين، حينما خطط قادتها للتعامل مع المنتجات الحضارية بمنطق البناء، لا بمنطق التكديس.

وقد بينت الأيام كيف صنعت المعجزة اليابانية من ركام الدمار الذي حل بها في الحرب العالمية الثانية عام 1945 إلى قمة تطورها عام 1973، وكيف صارت في وقت سريع حالة بارزة في ريادة الحضارة العصرية، وكذلك كيف انتقلت الصين من كونها دولة من أفقر دول العالم في الستينيات إلى مصنع العالم وأكبر قوة علمية واقتصادية تنافس الولايات الأميركية المتحدة في الريادة، وهي التي لم تبدأ خطتها النهضوية الحاسمة إلا في منتصف السبعينيات، وللأسف الشديد لم يعش الأستاذ مالك بن نبي ليرى أن ثمة دولا مسلمة وضعت رجلها في طريق النهضة الحضارية، وفق معايير التسارع التي تحدث عنها، منها إندونيسيا وتركيا وماليزيا وباكستان وإيران.

إن التفاعلات التي أنشأتها حركة الإصلاح في العالم الإسلامي والتجارب والمحاولات التي تظهر هنا وهناك مهما كانت معوقاتها، وتعثرها في الزمن والمكان، هي كما يقول مالك بن نبي “بادرة الحضارة” أو بلغة علم الإلهيات (مرحلة إرهاص)، يوجه فيها العالم الإسلامي جهوده الاجتماعية، هادفا إلى تحصيل حضارة.

إن سبب صعوبات العبور الحضاري هو أن النموذج الذي تريده الأمة ليس نموذج الحضارة الغربية الرأسمالية المادية المهيمن، الذي تسير عليه كل الأمم في هذا الكون، حتى تلك الأمم التي تنافس الغرب على الريادة، بل إن الدول الإسلامية الناهضة التي أشرنا إليها أعلاه، هي ذاتها لم تبلور نموذجا حضاريا إسلاميا خاصا بالأمة يساهم في إنقاذ العالم من ظلم وفساد الحضارة الغربية المهيمنة، فكل النهاض الملحوظ في الأمم غير الغربية ليس انبعاث حضارات جديدة، وإنما هي نسخ أخرى صاعدة للحضارة الغربية.

غير أن ما حققته بعض الدول الإسلامية ضمن مسار الحضارة الغربية هي خطوات جيدة نحو صناعة القوة وضمان السيادة، بما يعطي الحرية والإمكان لبلورة النماذج التي تزرع فيها روح الحضارة الإسلامية لاحقا، لكي تكون استئنافا فعليا للحضارة الإسلامية.

إن بناء الحضارة مسار، وليس تحولا جذريا في وقت محدد من الأوقات، يبين الأستاذ مالك بن نبي ذلك بقوله إن “القاعدة في علم الاجتماع ليست -كنظيرتها في علم الرياضة- حدا فاصلا بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، ولكنها مجرد توجيه عام يمكن به تجنب الأغلاط الفاحشة، إذ لا يمكن أن يوجد حد دقيق بين حضارة تتكون وبين حضارة تكونت فعلا”. ومما يؤكد قول بن نبي أن الحضارة الإسلامية الأولى لم تصنع نموذجها المتميز فورا بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة، فقد بقيت اللغات الفارسية واليونانية والقبطية هي لغة العلم و بقي الدينار البيزنطي عملة التعامل إلى عهد عبد الملك بن مروان عام 74 هجريا.

وإنما المأمول أن التحول في الاستئناف المرتقب يكون أسرع من ذلك بفعل التطور العلمي المذهل كما بيناه سابقا. ومهما يكن التحول الحضاري سريعا أو متثاقلا، فإنه لن يسمى حضارة إسلامية إن لم تكن روحه الإسلام، مثلما بينه العالم الجليل الفاضل بن عاشور في كتابه الرائع “روح الحضارة الإسلامية” أو مثلما أكده الأستاذ مالك بن نبي في قوله: “وإنه لتفكير سديد ذلك الذي يرى أن تكوين الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية إنما يكون في الظروف والشروط نفسها التي ولدت فيها الحضارة الأولى، عن عقيدة قوية، ولسان يستمد من سحر القرآن تأثيره، ليذكر الناس بحضارة الإسلام في عصوره الزاهرة”، وكذلك وفق ما قال الإمام مالك بن أنس قبله “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”.

لم يشأ مالك بن نبي أن يترك الحديث عن نشوء الحضارة ضمن التوجيهات والأبعاد العقائدية فحسب، بل أبدع نموذجا علميا ذاع صيته وأصبح من الأفكار الأساسية التي عرف بها، انطلاقا من فكرة “البناء بدل التكديس”، وهو أن أي منتج حضاري -وضرب مثال المصباح- إنما يصنع من جهد إنسان يحسن استعمال مكونات التراب ضمن فترة زمنية يعرف فيه قيمة الوقت ويتقن استغلاله، لتكون الحضارة في المجمل= إنسان + تراب + وقت. ولا يمكن حسب هذا النموذج، ووفق ما يراه بن نبي، أن تحل مشكلة الحضارة ما لم تحل مشكلة الإنسان الذي هو محور الحضارة، ومشكلة الوقت الذي هو حيز الحضارة، ومشكلة التراب الذي فيه المكونات المادية لمنتجات الحضارة.

غير أن بن نبي يسأل بعد وضعه هذه المعادلة: لماذا لا تصنع الحضارة تلقائيا بالرغم من أن العناصر الثلاثة المذكورة متوفرة لدى كل الشعوب وفي كل وقت، فيجيب بضرب مثال تكوين الماء، من حيث إنه لا يمكن أن يتكون الماء تلقائيا من الهيدروجين والأكسجين الموجودين في الطبيعة منفصلين، ما لم يتدخل في المعادلة مركب ما، ويقيس على ذلك أن للحضارة مركبا خاصا بها هو الذي يحدث التفاعل بين الإنسان والتراب والوقت لكي تنشأ الحضارة، ويتمثل هذا المركب في الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ. سنفحص هذه العناصر أكثر في الحلقات المقبلة بحول الله.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

أخطاء هاريس الكبرى

عندما يتجاوز الظالمون الحدود، تأتي العواقب غالبًا من حيث لا يتوقعون، وهي قاعدة ثابتة في التاريخ الإنساني؛ إذ إن الخسائر غالبًا ما تأتي من جهات غير متوقعة.

في هذا السياق، تثار تساؤلات حول سياسة الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جو بايدن وفريقه في الحزب الديمقراطي، ودعمهم المستمر لإسرائيل في مواجهتها الحالية في غزة. يتمثل هذا الدعم في توفير الأسلحة والتمويل والتغطية الدبلوماسية والسياسية، على الرغم من الدمار والخسائر البشرية التي خلفها الصراع في صفوف المدنيين.

ورغم الانتقادات الواسعة من داخل الولايات المتحدة وخارجها، بما في ذلك احتجاجات طلابية وشبابية ومظاهرات في عدد من دول العالم، تواصل الإدارة الأميركية موقفها، مما يثير دعوات لوقف العنف والبحث عن حلول سياسية تحترم حقوق الفلسطينيين.

رغم التقارب في استطلاعات الرأي بين الديمقراطيين والجمهوريين، كان العديد من صناع الرأي العام يروِّجون لفكرة أن دونالد ترامب شخصية مثيرة للجدل، تعتمد على الشعبوية وصعود اليمين المتطرف، وأنه لن يستطيع مجددًا تحدّي مؤسسات الولايات المتحدة الراسخة.

لكن النتائج جاءت مخالفة للتوقعات، إذ تعرض الديمقراطيون لهزيمة واسعة النطاق، شملت فقدانهم الرئاسة والأغلبية في المجلسَين، إلى جانب خَسارتهم عدة معاقل تقليدية كانت تُعد مناطق نفوذ ثابتة لهم.

إن الأسباب التي جعلت كامالا هاريس تخسر الانتخابات كثيرة منها ما يلي:

أهم تلك الأسباب تراجعها في أصوات الناخبين المحسوبين دومًا على الديمقراطيين، وهي أصوات السود واللاتينيين، حيث ارتفع التصويت لصالح ترامب عند السود من 8% إلى 13% وعند اللاتينيين من 32% إلى 45%.

وهؤلاء يمثلون أكثر الشرائح الاجتماعية تضررًا من الأزمات الاقتصادية للنظام الرأسمالي المتوحش، الذي لا فرق بشأنه بين الديمقراطيين والجمهوريين، إذ إن كليهما يشتغل أساسًا لصالح اللوبيات المالية والتوجهات الاقتصادية المركزة للثروة في أيادٍ قليلة من الناس، بل إن أوضاع تلك الشرائح الاجتماعية ساءت أكثر في زمن بايدن مما كانت عليه في عهدة ترامب السابقة، فيما يتعلق بالتضخم وارتفاع مستوى المعيشة، ووقود السيارات، وغير ذلك، رغم الوعود العريضة التي عادة ما يقدمها الديمقراطيون بهذا الخصوص.

كما أن العديد من تلك الفئات صارت تشعر بأن حكامهم الديمقراطيين صاروا يهتمون بمصير الإسرائيليين أكثر من اهتمامهم بمصير الأميركيين. كما أن ثمة عاملًا آخر رصده المتابعون لتوجهات الرأي العام في أميركا، وهو ما يتعلق برفض كثير من اللاتينيين المسيحيين، خصوصًا الكاثوليكيين، التوجهات التي باتت تميل أكثر فأكثر إلى ما يخالف قناعاتهم والتزاماتهم الدينية بخصوص العائلة ومسائل الجندرة والمثلية وغير ذلك.

ثم هناك الأداء السيئ لبايدن، وحالة الخرف التي ظهر بها، والانطباع الذي ساد في الأذهان عن حالة ضعفه، وتسلط توجهات متطرفة على قراراته في البيت الأبيض، على رأسها اللوبي الصهيوني، الذي مثل وزير الخارجية توني بلينكن الوجه العلني الأبرز فيه.

وقد كان حرصه على الترشح مخالفًا لوعد كان قد قطعه بأنه لن يترشح إلا لعهدة واحدة؛ لضمان حسن الانتقال من المرحلة الكارثية التي مثلها ترامب للمؤسسية الأميركية، على حد ظنه، ثم كان تراجعه عن الترشح في يوليو/ تموز 2024، بعد افتضاح ضعف قدراته الذهنية متأخرًا جدًا لم يعطِ الوقت لهاريس في الثلاثة أشهر المتبقية لتخرج من عباءته قاتمة المنظر.

كما أنها هي ذاتها لم تسعَ لذلك، ولم تتبرأ من أي سلوك سيئ السمعة لرئيسها، وهو أمر مهم جدًا في الديمقراطية الأميركية، بل وقعت في خطأ جسيم استغله ترامب بكثافة في خطبه وأشرطته الإشهارية، وذلك حين قالت بعد تردد: ” لا شيء يخطر ببالي!” في جوابها على سؤال طرحه عليها مذيع قناة ABC يوم 8 أكتوبر/ تشرين الأول قائلًا: “هل كنت ستتصرفين بشكل مخالف لجو بايدن في الأربع سنوات من رئاسته”، وكان يقصد القضايا الاقتصادية والهجرة ودعم إسرائيل.

وقد كشف فريق كامالا هاريس عن قناعتهم وحملوا بايدن مسؤولية الخسارة، ولكن بعد فوات الأوان حين دوّت الهزيمة التاريخية.

كما أن كثيرًا من المتخصصين أكدوا ذلك، مثل الأستاذ في العلوم السياسية في جامعة فرجينيا لاري ساباتو الذي بيّن أن المعركة كانت خاسرة منذ أن قرر جو بايدن الترشح وعمره ثمانون سنة، وكيف أن الاستبدال الذي وقع في آخر لحظة لم يكن ناجحًا، حيث لم تدخل هاريس المنافسة الانتخابية بأي برنامج يخصُّها.

وعلاوة على ذلك، ما ساهم به التيار “غير الملتزم” الذي تشكل من القواعد النضالية للحزب الديمقراطي، من الطلبة والشباب البيض خاصة، ومن معهم من العرب والمسلمين، على إثر الجرائم التي شارك فيها قادة حزبهم في غزة، وقد نشط هؤلاء كثيرًا في الجامعات، من خلال التظاهرات والاعتصامات في كلياتهم، والاحتجاجات المتواصلة ضد أي مساهمة لإدارتها ومشاريعها في دعم الكيان الصهيوني، حيث تمكّن هؤلاء من تشكيل تيار فاعل لعدم التصويت، وقد مثل ذلك إعاقة إضافية لهاريس وحزبها، بدأت ملامحها تظهر منذ الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي، حين خسر بسببها جو بايدن نصف مليون صوت، ولكن لم تصحح هاريس هذا المعطى المهم فدفعت ثمنه.

الحملة الانتخابية الجيدة لدونالد ترامب، حيث عرف كيف يصوب نقده إلى نقاط ضعف الديمقراطيين والأداء السيئ لبايدن، ومن ذلك تحميلهم تراجع مستوى المعيشة وإظهار المقارنات الرقمية بين عهدته وعهدة الديمقراطيين بعده، كما عرف كيف يدافع عن برنامجه بخصوص الهجرة غير القانونية التي تثير ناخبيه البيض كثيرًا، دون أن يخيف الناخبين من غير البيض، بتركيزه على العامل غير الشرعي للهجرة، وتصويرها بأنها تتسبب في تضييع فرص عمل السود واللاتينيين، وأن هجرة هؤلاء إلى أميركا مرحب بها في إطار القانون.

ومن جهة أخرى، رسم لنفسه صورة الشخصية السياسية المرتبطة بالشعب البسيط وسكان الأرياف، إذ ترك المجمعات السكنية الكبرى لتوجهاتها الانتخابية الاعتيادية، وذهب لزيارة سكان التجمعات الهامشية وفي الأطراف والأرياف الذين لا يلتقي بهم الساسة بشكل مباشر عادة، وهو الخطأ الذي وقعت فيه هاريس كذلك.

علاوة على خطابه الاعتيادي المتعلق بالوعود الاقتصادية وتحسين ظروف المعيشة، والحديث المثير للنزعة القومية كإعادة مجد أميركا، ومكانتها الدولية، وضبط الفوضى في العالم، وتحقيق السلام وإنهاء الحروب.

وبخصوص الناخبين العرب والمسلمين، فإنه يمكن القول بأنه وقع تحول تاريخي في سلوكهم الانتخابي من زاويتين، من حيث عدم التصويت للديمقراطيين، على غير العادة، بالمقاطعة، أو التصويت لمرشحة حزب الخضر جيل ستاين الداعمة بقوة لفلسطين، أو التصويت لترامب، ومن حيث الأثر الذي تحقق بتحويل ولاية ميشيغان التي يتركز فيها صوت العرب والمسلمين أكثر لصالح المرشح الرئاسي الجمهوري، والمساهمة في جلب الولايات المتأرجحة لصالح ترامب، وكسر ما يسمى بالجدار الأزرق.

إن السبب الرئيسي لتحول الناخبين العرب والمسلمين هو العدوان على غزة، وتورط البيت الأبيض بقيادة الديمقراطيين في الجريمة، وقد عرف ترامب كيف يستغل هذا الوضع بانتقاله بنفسه للسكان العرب والمسلمين والحديث معهم ومع زعمائهم الدينيين، ووعدهم بأنه سيوقف الحرب على غزة، خلافًا لهاريس التي لم تهتم بهم ولم تزرهم ولم تتحدث معهم.

لا شك أن انتخاب ترامب لن يمثل تحولًا جذريًا لصالح القضية الفلسطينية بشكل تلقائي، حيث إن الجمهوريين في الكونغرس والرئاسة منحازون كلية لدولة الكيان، ولكن الذي سيفعل ذلك هو طوفان الأقصى وبطولات المقاومة وثبات السكان في غزة ولبنان، فهم المعطى السنني الأساسي الذي سيحدث التحولات التي تفرض على ترامب وغيره في العالم وقف الحرب وتغيير نظرتهم للقضية الفلسطينية.

وقد أحسن قادة حماس حين وضّحوا ذلك في تصريحهم بعد ظهور النتائج بالقول: “تعقيبًا على نتائج الانتخابات الأميركية التي تُظهر فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، فإن على الإدارة الأميركية الجديدة أن تعي أن الشعب الفلسطيني ماضٍ في مواجهة الاحتلال، وأنه لن يقبل أي مسار ينتقص من حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس”.

د. عبد الرزاق مقري

ما الذي سيتغير مع عودة ترامب؟

إن اختيار الأمريكيين بين كاميالا هاريس ودونالد ترامب هو خيار بين مقاربتين  مختلفين في إدارة الشأن العام الداخلي وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية، مع اجتماعهما في الثوابت الأمريكية في المجالات الاقتصادية والثقافية الحضارية وفي الفلسفة الحاكمة للمنظومة  الاقتصادية الرأسمالية، ونفوذ اللوبيات الكبرى وعلى رأسها اللوبي الصهيوني.

فكاميلا هاريس هي فرد في منظومة مؤسسية قوية، لم تختر نفسها ولكن اختارتها المؤسسية الراسخة، التي تصرفت في سلوكها وأفكارها وخطابها وقرارتها بعد ترشيحها،  وهي المؤسسية التي تحكمها الفلسفة الحضارية الأمريكية الغربية الرأسمالية المهيمنة، بحزبيها الديمقراطي والجمهوري اللذين لم يكن بينهما فروق جوهرية قبل ترامب.

أما دونالد ترامب فقد جاء كنتيجة لمرض هذه المؤسسية الرأسمالية ضمن صعود موجة اليمين المتطرف في الدول الرأسمالية في أوربا وأمريكا.

كان اليسار سابقا هو المعبر عن الآثار الاجتماعية السلبية للتوجهات الرأسمالية الليبيرالية والنيوليبيرالية، ولكن الجزء الأكبر من اليسار اتجه إلى الوسط منذ منتصف ونهاية التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واقترب من اليمين بفعل إكراهات السياسة وتحكم اللوبيات المالية وأرباب الشركات العابرة للقارات في قادته الجدد الذين لم يكن لهم رصيد ثوري ونضالي في اليسار التقليدي، وكان توني بلير أبرز قائد يساري دفع إلى تغيير أيديولوجية هذا التيار، ولم تبق إلا أقليات في أقصى اليسار تكافح ضد عقيدة السوق واستغلال الشعوب، تحافظ على توجهاتها التحررية في الجانب الشخصي والعائلي ولكن تكافح كذلك لصالح حركات التحرر من الاحتلال، وقد وجدت في العدوان الاسرائيلي على غزة فضاء واسعا عبرت فيه بقوة مدهشة عن وقوفها مع القضية الفلسطينية ومناهضة الصهيونية فجلبت إليها أصوات العرب والمسلمين رغم الخلافات الأيديولوجية والسلوكية  الكبيرة، وقد برز ذلك بشكل أكثر في فرنسا مع حزب فرنسا الأبية.

حينما اكتملت سيطرت اللوبيات المالية على الساحة الحزبية في أوربا وأمريكا، وترك اليسار أيديولوجيته العمالية الاجتماعية، أفرزت الرأسمالية المتوحشة تيار اليمين المتطرف الذي لجأت إليه الفئات الشعبية المحبطة من تدهور ظروف المعيشة، غير أن هذا التيار اليميني الصاعد لم يشكك في التوجهات الرأسمالية، ولم يتعب نفسه في  البحث عن بدائل تعالج ديكتاتورية المتحكمين في الثروة وإنما حملوا اللاجئين المسؤولية واتهموهم بسرقة مناصب الشغل من السكان، وتهديد ثقافة البلدان التي أقاموا فيها، وأنهم البيئة التي ينشأ فيها الإرهاب.

حاولت كاميلا هاريس مواجهة خطاب ترامب الذي ركز على طرد المهاجرين غير الشرعيين، باستمالة الأقليات بوعود انتخابية تشبه خطاب اليسار الأوروبي فاقد المصداقية، كمسألة الرعاية الصحية والتحفيزات في مجال السكن، وتعزيز الفرص الاقتصادية للطبقة الوسطى من خلال تخفيف التكاليف الضريبية عن الطبقة الوسطى والدنيا وزيادة الضرائب على الأغنياء والشركات الكبرى  إلى 28% وفق ما ورد في تقرير وكالة بلومبيرغ. غير أن الناخبين في الطبقات المستهدفة لم يصدقوها، كما لم يصبحوا يصدقون يسار أوربا،  وعدُّوها خادمة للوبيات المالية وأن وضعهم ازداد سوء في فترة حكم الديمقراطيين.

 لن يستطيع ترامب هو الآخر إصلاح الوضع الاقتصادي في أمريكا أثناء عهدته، سيكتفي بالخطاب الشعبوي والإجراءات التسكينية،  وتحميل المهاجرين المسؤولية، وابتزاز الأمم الغنية الضعيفة لأخذ خيراتها وأموالها مقابل المال، وسيطلق العِنان لنفسه في مسألة الاستغلال المفرط للطاقة الأحفورية التقليدية وغير التقليدية دون مراعاة المخاطر البيئية واضطراب الأسعار في السوق الدولية،  فهو ذاته صورة من صور الأزمة الاقتصادية العالمية.

لن يستطيع حل مشكل الاقتصاد الأمريكي لأن المنظومة الرأسمالية نفسها في أزمة مستدامة، يقول عنها العديد من علماء الاقتصاد والاجتماع الغربيين، منهم عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل فالرشتاين، بأنها نهاية منظومة وليست أزمة اعتيادية للمنظومة،  وحتى الفلسفة الليبيرالية التي وراء النظام الرأسمالي انتقلت من فلسفة حرية في المجالات الاقتصادية والسياسية وغيرها إلى نمط تفكير لاهوتي، السوق هو بمثابة الإله القوي، وله أنبياء وتوصيات لا يمكن تخطيها، على حد استطلاع رأي العديد من الباحثين في مختلف التخصصات قام به الكاتب الفرنسي ستيفان فوكار، وعبارة إله السوق وعبادة الاستهلاك والشهوات صارت دارجة عند كثير من الفلاسفة في العالم، وما ترامب إلا واحد من أنبياء المنظومة، فهو ذاته ملاحق في قضايا أخلاقية كثيرة كانت ستدخله السجن، ربما، لو لا نجاحه في الانتخابات، كما أنه سياسي تاجر يسوس الشأن العام بالصفقات والابتزاز والاحتيال، وليس له من مبادئ سوى الربح وتعظيم الفائدة.

إن المرجح أن تكون ولاية ترامب الثانية ذات أثر كبير على الوضع الداخلي في أمريكا من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهو يملك الأغلبية في المجلسين ولن تكون له، على الأقل في مدى عامين، كوابح تمنعه من تنفيذ مخططاته.

إن مخططات ترامب تستجيب في الأساس لتيار شعبي عام تشكل على يمين الحزب الجمهوري  يعتبر أصحابه أنهم يمثلون أمريكا الحقيقية، البيضاء  ذات الجذور الأوربية البروتستانتيّة،  على نحو الوصف الذي ذكره صامويل هنتنتن في كتابه “من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأمريكية”  الذي صدر عام 2005، وقد تصاعد هذا التيار كرد فعل للتيار التقدمي الذي نشأ على يسار الحزب الديمقراطي والذي مثل صعود باراك أوباما الصورة الأبرز له.

لم يتماسك التيار  التقدمي في الحزب الديمقراطي بعد أن خفت الحلم الأمريكي الذي “يدمج كل الأعراق والديانات والشرائح” منذ أن اتضح بأن باراك أوباما ذاته هو ( أو صار ) جزء من المؤسسة الأمريكية التقليدية التي تحسن استغلال التنوع لاستمرار بقائها فحسب، كما تعمق التشتت حينما اعتقد الديمقراطيون بأن المؤسسية وما تملكه من أدوات جبارة تعفيهم من الحاجة إلى قائد كارزمي جامع و مقتدر يحافظ على الحلم ويعطي الأمان للجميع والهيبة أمام الآخرين، فكان اختيارهم لجو بايدن مدمرا لهم ثم كان استخلافه بكمالا هاريس أكثر إحباطًا، غير أن ثمة سببين رئيسين آخرين وراء خيبة أمل التقدميين في الحزب وهما الأوضاع المعيشية وجرائم قادة الحزب في غزة، والفوضى الحاصلة في العالم، وتلك هي المعطيات التي استغلها ترامب كما أشرنا إليه سابقا.

ولئن تزعزع تماسك التيار التقدمي الذي نشأ على يسار الحزب الديمقراطي فإن التيار اليميني الشعبوي الذي تشكل على يمين الجمهوريين [والذي كان بروزه الأول مع حركة “حزب شاي” الذي تأسس عام 2008 ] قد وجد شخصا قويا استطاع أن  يجمعه ويحوله إلى ظاهرة فرضت نفسها من خارج المؤسسية الأمريكية وهو دونالد ترامب أو ما يسمى بالظاهرة الترامبية.

ثمة تفاعلات كثيرة غير واضحة العواقب ستحدث في الداخل الأمريكي  في العهدة الثانية لترامب تتداخل فيها طموحات البيض اليمينيين للسيطرة على المؤسسات والقرار في كل المستويات، وطموحات الملونين السود واللاتينيين الذين تتصاعد جرأتهم أكثر فأكثر و الذين سيصبح عددهم الإجمالي قريبا اكثر من عدد البيض، وتفاعلات القضية الفلسطينية وتصاعد فاعلية العرب والمسلمين والأمريكيين الآخرين المتعاطفين معها، والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمشاكل المعيشية التي لا يظهر لها أفق للحل ضمن هيمنة الرأسمالية المتوحشة التي ستطغى أكثر، والاختلافات القيمية والثقافية التي تتعمق بشكل أبين، والتطورات الدولية التي ستفرض نفسها على أمريكا وتقلص من أثرها وهيمنتها في العالم.

أما عن التطورات الدولية فإن صعود ترامب يجسد موجة متصاعدة في العالم يسميها الفلاسفة ومفكرو العلوم السياسية ” الأوليغارشية – الديمقراطية” وهي الديمقراطيات المرتكزة على حزب أو شخصية قوية مهيمنة تصعد إلى الحكم بالانتخابات الديمقراطية ولكن تكون متحكمة في القرار دون إشراك فعلي للمواطنين وممثليهم في ذلك، ويعدّون أنظمة القوى الصاعدة من هذا النوع في روسيا والصين والهند وتركيا وإيران على سبيل المثال.

يتحدث  المؤرخ والعالم الأنثروبولوجي الفرنسي إيمانويل تود عن تحلل الديمقراطية الأميركية، و”نهاية نظام الاستحقاق والانتقال إلى نوع من الأوليغارشية المغلقة التي سدت آفاق الحراك الاجتماعي والارتقاء المهني”، وكما تنبأ هذا الفيلسوف بنهاية الاتحاد السوفياتي فقد تنبأ مجددا بقرب أفول أمريكا،  التي لم يعد فيها، حسبه، فرق بين التسلطية النخبوية الليبيرالية والاستبداد الروسي، وأن ذلك التسلط المتصاعد، لدى الجمهوريين والديمقراطيين، هو الذي سيعمق الأزمات الاقتصادية والفروق الاجتماعية والثقافية مستقبلا في الولايات الأمريكية المتحدة بما يسرع أفولها، وما الجديد الذي يمثله ترامب في هذا الشأن إلا أنه يُظهر حقيقة هذه الأوليغارشية الانتخابية الأمريكية التي يحاول الديمقراطيون إخفاءها.   

إن أكبر المتضررين من رجوع ترامب هي دول الاتحاد الأوربي، وبالذات الأحزاب التقليدية في اليمين واليسار ، الذين يرون في ذلك تشجيعا لأحزاب اليمين المتطرف، كما أنه سيتَكشّف لهم بفزع كبير الآن حجم الورطة التي أدخلهم فيها الديمقراطيون الأمريكانيون بشأن الحرب في أوكرانيا. يمثل ترامب توجها مختلفا عن الديمقراطيين في السياسة الخارجية، فهو لا يؤمن بالتحالفات الدولية المستقرة وهو ينتمي إلى حد ما إلى ” النزعة الانعزالية” الأمريكية  والتي يمثلها في خطابه شعار “أمريكا أولا”. وبالرغم من أن له شركاء في البنتاغون والكونغرس من لا يرون ذلك سيعمل على جعل علاقة أمريكا بالأوروبيين على أساس المساهمات المالية في الحلف الأطلسي  وتقليص ميزانية الدعم الأمريكي بالسلاح لأوكرانيا، وعدم التدخل المباشر في الحروب، وعدم الالتزام بالدفاع المبدئي عن الحلفاء .

لقد مثل انسحاب امريكا من أفغانستان في عهد بايدن دون تنسيق مع الأوربيين مخاوف كثيرة لدى هؤلاء فقرروا الاعتماد على أنفسهم بوضع سياسة  دفاع أوربي مشترك في لقاء بين مؤسساتهم العسكرية في الأسبوع الموالي للانسحاب، ولكن أمريكا أفهمتهم بأن خلفية الانسحاب هو تمتين تحالفات المعسكر الغربي، في مواجهة الصين وروسيا. ولقطع الطريق عليهم ورطتهم في الحرب مع روسيا ( ضد مصالحهم)  ليبقوا تحت المظلة الدفاعية الأمريكية.

أما ترامب فإنه سيمثل تهديدا أكبر لهم بسياسته الانعزالية المحمية جغرافيا والتي لا تخضع للتحالفات الإستراتيجية بعيدة المدى كما هو شأن المؤسسية الأمريكية. تحالفاته غير متوقعة التحولات وتقوم في جوهرها على الصفقات الموضعية، غير أن الورطة في أوكرانيا كبيرة وقد يبدأ الأوربيون بتغيير مقارباتهم في العلاقة مع روسيا وربما في العلاقة بينهم على مستوى الاتحاد الأوربي.     

أما عن الدول  الصاعدة دوليا وإقليميا فإنها ستكون بالمجمل سعيدة برجوع ترامب، وذلك بسبب سياسته الانعزالية التي لا تكترث بالأوضاع الداخلية للدول، ولا يهمها الحديث عن الديمقراطية ووضع الأقليات، ولو نفاقا كما هو حال الديموقراطيين، وعليه سيكون الحوار مع ترامب أسهل للبحث عن مصالح مشتركة قريبة الأمد.

ستكون روسيا هي الأكثر سرورا بسبب المشاكل التي سيسببها ترامب في علاقته  بالناتو ، واحتمال إنهاء الحرب في أوكرانيا بما يكون أكثر كسبا لبوتين. وبعد بوتين سينظر أردوغان إلى عودة ترامب بالنظر للعلاقة السيئة  بينه وبين الديمقراطيين، ولسهولة تواصله معه وعقد صفقات لصالح الطرفين، خصوصا إذا استطاع أن يبعده عن دعم الأكراد كما كان الحال مع المؤسسية الأمريكية في عهد بايدن.

أما بالنسبة لإيران فإن الأمر ملتبس، يصعب لمن يعتمد على المعلوم عن العقلية الترامبية أن يصدق بأن أمريكا ستتورط في الحرب مع إيران كما يأمل نتنياهو، ولكن إن لم يستطع  ترامب كبح جماح المجرم نتنياهو ووقف الحرب فإن الاحتمالات تصبح واردة بحسب تطورات الأزمة، وقد تكون عهدة ترامب الثانية هي سبب ميلاد القنبلة النووية الإيرانية، بسبب إمكانية تعثر المفاوضات .

أما الدولة التي ستعتبر أن صعود ترامب يمثل تهديدا لها فهي الصين، من جهة أنه ثمة اجماع عند الخبراء والاستراتيجيين وأصحاب القرار في أمريكا أن الصين هي الخطر الأول والأكبر على الهيمنة الأمريكية، في مجال التجارة والتطور التكنولوجي حاليا وفي مجال الجيوستراتيجي والعسكري لاحقا، ولذلك كل الإجراءات الكبرى التي اتخذت في امريكا هو باتفاق الديمقراطيين والجمهوريين، مثل ” قانون الصين” لتمويل الأبحاث العلمية، واتفاقية أوكوس مع المملكة المتحدة البريطانية وأستراليا، واتفاقيات الدفاع المشترك مع اليابان وكوريا الجنوبية وغير ذلك. ومن جهة أخرى هناك البعد التجاري لشخصية ترامب التي جعلته يشتبك في هذا المجال عدة مرات مع الصينيين في عهدته السابقة، غير أن الصينيين يمكنهم الاطمئنان بعدم تفضيل الساكن الجديد للبيت الأبيض لخيار الحرب بخصوص قضية تايوان،  وعليه سيلعب القرب الجغرافي لصالح الصين في هذه القضية، والقادة الصينيون لهم القدرة على المناورة في القضايا التجارية .

أما بخصوص الدول العربية، فإن الأكثر ابتهاجا بصعود الترامب هي المملكة العربية السعودية التي وجدت صعوبات كبيرة في ضبط العلاقة مع الديمقراطيين الى درجة أنها اتجهت شرقا تجاه روسيا والصين وكادت تقيم ثكنة عسكرية صينية على أرضها، وهي لا تخشى الرئيس الأمريكي الجديد لأنها ستكون مستعدة لتدفع له، ولن يكون عندها مشكل للانضمام إلى قطار التطبيع بحسب مآلات طوفان الأقصى، وستجد الإمارات فرصة لها بعودة ترامب لقيادة المنطقة نحو  اتفاقيات أبراهام، وهو لن يحاسبها على علاقاتها المتميزة مع بوتين واعتماد هذا الأخير على الإمارات في الاستيراد واعادة تصدير البضائع الروسية، للتحايل على الحصار  الغربي الأمريكي. أما باقي الدول العربية والإسلامية فستبقى تحت السقف الأمريكي كائنا من كان الذي يحكمها.

غير أنه بإمكان الدول العربية والإسلامية، لو تعي وترشد،  أن تعرف أن العالم سيتجه إلى شكل من التعددية القطبية التي ستزداد فرصها مع الوضع الجديد في أمريكا، وأن تلك مصلحتها وفرصتها، ولكن دون ذلك رؤية وخطط وعزائم ووحدة على تحقيق المصالح المشتركة غير متوفرة للأسف الشديد.

وعن القضية الفلسطينية سيحاول ترامب أن يضغط على الجميع لإنهاء الحرب ومنع توسعها.  وسيكون الأكثر صبرا وقدرة على الصمود، بين الفلسطينين والإسرائيليين،  هو الأكثر استفادة من الواقع الجديد، وبلا شك لن يكون الحكام العرب داعمين للفلسطينيين في هذا الشأن.

وبما أنه لا يمكن أن يطلب من أهل غزة والضفة الغربية أن يقدموا أكثر مما قدموه ولا يمكن أن تتحمل ايران وحلفاؤها في محور المقاومة العبء كله نيابة عن الأمة لدعم فلسطين ولبنان، فإن الأسلوب الذي سيفهمه ترامب ويتفاعل معه بشكل إيجابي لصالح القضية الفلسطينية هو أن يتحول طوفان الأقصى إلى طوفان الأمة، وتنخرط كل القوى الحية في المعركة في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي ومعهم الأحرار في كل القارات للضغط على الحكام المتخاذلين، خصوصا في دول الطوق،  ولتعبئة الجماهير في كل مكان ضد الصهيونية وحلفائها، حتى يَفهم ترامب وغيره بأن الكيان الصهيونى صار عبئا على العالم يجب التخلص منه.

د. عبد الرزاق مقري

 

لماذا خسر الديموقراطيون الانتخابات في أمريكا؟

حينما يريد الله تعالى الانتقام من الطغاة والظالمين يجعل لذلك أسبابا كثيرة. من حيث يحتسبون ويحاولون تجنبه فيعجزون، ومن حيث لا يحتسبون فتكون مفاجأتهم بحجم الخسران كبيرة، وهي حالة سننية لا يلحظها إلا أولو النهى، والقرآن الكريم عامر بالآيات المعبرة عن كيفية إنذار الظالمين أو إهلاكهم.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأرض إنه كان عليما قديرا﴾ سورة فاطر 43-44
فهل رأينا استكبارا أكثر من استكبار الرئيس الأمريكي بايدن وفريقه في الحزب الديمقراطي، وعلى رأسهم خليفته التعيسة للترشح في الانتخابات الرئاسية كاميلا هاريس، لم تؤثر فيهم صور الدمار الشامل والإبادة الجماعية في غزة، وراحوا يعلنون بلا حياء مشاركتهم في الجريمة، ويتبجحون بيهوديتهم على نحو ما قاله وزير خارجيتهم وانتمائهم العلني للصهيونية كما اعترف بذلك الرئيس نفسه، وقدموا دعما لا محدودا للمتوحشين الصهاينة، بالسلاح والمال والتغطية السياسية والدبلوماسية والإعلامية، بلا خشية من أي عاقبة ودون أي اعتبار للاحتجاجات العالمية الكبيرة، ولا أي تقدير لأصوات الشباب والطلبة في حزبهم ذاته، والمظاهرات الإنسانية في مختلف أنواع العالم، فظنوا بأن مكرهم السيء لا يقدر على كسره شيء وأن لا قوة فوق قوتهم تقهرهم، فحاق بهم مكرهم، كما بينته الآية، ضمن مساقات سننية ماضية في الإنسان والمجتمعات البشرية، لا تتغير ولا تتبدل، يعرف الراسخون في علم التاريخ كيف عملت في أمم عظيمة قوية من قبل، وصل بعضها إلى التربب وادعاء الألوهية، وكيف تعمل في كل وقت، ويشهد المؤمنون من خلالها بقوة الله تعالى الذي لا تعجزه أمريكا، ولا جيوشها ولا جبروتها، وإنما يُمضي حركة السنن وقوانين الكون بعلمه والمقادير التي يريدها دون أن يكون فوق قدرته قادر أبدا، سبحانه وتعالى علوا كبيرا.
لقد كانت استطلاعات الرأي ترشح الديمقراطيين للفوز رغم تقارب النتائج بين الطرفين، وكان كثير من صناع الرأي يشيعون بأن دونالد ترامب رجل غير سوي، يعتمد الشعبوية ويستند على صعود اليمين المتطرف الأبيض ولن يستطيع هزيمة المؤسسية الأمريكية الراسخة مرة أخرى، فإذا بالخسارة كانت مدوية شاملة تاريخية، ليس على مستوى الرئاسة فقط بل خسارة المجلسين، وخسارة معاقل كانت محتكرة من الديمقراطيين.
إن الله تعالى يسير الكون بالقوانين والسنن، وهو ما نسميه تارة الأسباب، والأسباب التي جعلت كاميلا هاريس تخسر الانتخابات كثيرة منها ما يلي:
أهم تلك الأسباب تراجعها في أصوات الناخبين المحسوبين دوما على الديمقراطيين، وهي أصوات السود واللاتينيين، حيث ارتفع التصويت لصالح ترامب عند السود من 8% إلى 13% وعند اللاتينيين من 32% إلى 45%، وهؤلاء يمثلون أكثر الشرائح الاجتماعية تضررا من الأزمات الاقتصادية للنظام الرأسمالي المتوحش، الذي لا فرق بشأنه بين الديمقراطيين والجمهوريين، إذ كلاهما يشتغل أساسا لصالح اللوبيات المالية والتوجهات الاقتصادية المركزة للثروة في أيادي قليلة من الناس، بل إن أوضاع تلك الشرائح الاجتماعية ساءت أكثر في زمن بايدن مما كانت عليه في عهدة ترامب السابقة، في ما يتعلق بالتضخم وارتفاع مستوى المعيشة، ووقود السيارات، وغير ذلك، رغم الوعود العريضة التي عادة ما يقدمها الديمقراطيون بهذا الخصوص، بل إن العديد من تلك الفئات صارت تشعر بأن حكامهم الديمقراطيين صاروا يهتمون بمصير الإسرائليين أكثر من اهتمامهم بمصير الأمريكيين. كما أن ثمة عامل آخر رصده المتابعون لتوجهات الرأي العام في امريكا، وهو ما يتعلق برفض كثير من اللاتينيين المسيحيين، خصوصا الكاثوليكيين، التوجهات التي باتت تميل اكثر فأكثر إلى ما يخالف قناعاتهم والتزامهم الدينية بخصوص العائلة ومسائل الجندرة والمثلية وغير ذلك.
ثم هناك الأداء السيء لبايدن، وحالة الخرف التي ظهر بها، و الانطباع الذي ساد في الأذهان عن حالة ضعفه، وتسلط توجهات متطرفة على قراراته في البيت الأبيض، على رأسهم اللوبي الصهيوني، الذي مثل وزير الخارجية توني بليكن الوجه العلني الأبرز فيه. وقد كان حرصه على الترشح مخالفا لوعد كان قد قطعه بأنه لا يترشح إلا لعهدة واحدة لضمان حسن الانتقال من المرحلة الكارثية التي مثلها ترامب للمؤسسية الأمريكية، على حد ظنه، ثم كان تراجعه عن الترشح في جويلية 2024 بعد افتضاح ضعف قدراته الذهنية متأخرا جدا لم يعط الوقت لهاريس في الثلاثة أشهر المتبقية لتخرج من عباءته سيئة المنظر، كما أنها هي ذاتها لم تسع لذلك، ولم تتبرأ من أي سلوك سيء السمعة لرئيسها، وهو أمر مهم جدا في الديمقراطية الأمريكية، بل وقعت في خطأ جسيم استغله ترامب بكثافة في خطبه وأشرطته الإشهارية، وذلك حين قالت بعد تردد ” لا شيء يخطر ببالي” في جوابها على سؤال طرحه عليها مذيع قناة ABC يوم 8 أكتوبر قائلا: “هل كنت ستتصرفين بشكل مخالف لجو بايدن في الأربع سنوات من رئاسته” وكان يقصد القضايا الاقتصادية والهجرة ودعم إسرائيل. وقد كشف فريق كامالا هاريس عن قناعتهم وحملوا بايدن مسؤولية الخسارة، ولكن بعد فوات الأوان حين دوّت الهزيمة التاريخية. كما أن كثيرا من المتخصصين أكدوا ذلك، مثل الأستاذ في العلوم السياسية في جامعة فرجينيا لاري ساباتو الذي بين بأن المعركة كانت خاسرة منذ أن قرر جو بايدن الترشح وعمره ثمانين سنة، وكيف أن الاستبدال الذي وقع في آخر لحظة لم يكن ناجحا، حيث لم تدخل هاريس بأي برنامج يخصها.
وعلاوة على ذلك ساهم تيار ” غير ملتزم” الذي تشكل من القواعد النضالية للحزب الديمقراطي، من الطلبة والشباب البيض خاصة، ومن معهم من العرب والمسلمين، على إثر الجرائم التي شارك فيها قادة حزبهم في غزة، وقد نشط هؤلاء كثيرا في الجامعات، من خلال التظاهرات والاعتصامات في كلياتهم، والاحتجاجات المتواصلة ضد أي مساهمة لإدارتها ومشاريعها في دعم الكيان الصهيونى، وقد تمكن هؤلاء من تشكيل تيار فاعل لعدم التصويت، وقد مثل ذلك إعاقة إضافية لهاريس وحزبها، بدأت ملامحها تظهر منذ الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي حين خسر بسببها جو بايدن نصف مليون صوت ولكن لم تصحح هاريس هذا المعطى المهم فدفعت ثمنه.
الحملة الانتخابية الجيدة لدونالد ترامب، حيث عرف كيف يصوب نقده إلى نقاط ضعف الديمقراطيين والأداء السيء لبايدن، ومن ذلك تحميلهم تراجع مستوى المعيشة وإظهار المقارنات الرقمية بين عهدته وعهدة الديمقراطيين بعده، كما عرف كيف يدافع عن برنامجه بخصوص الهجرة غير القانونية التي تثير ناخبيه البيض كثيرا، دون أن يخيف الناخبين من غير البيض، بتركيزه على العامل غير الشرعي للهجرة، وتصويرها بأنها تتسبب في تضييع فرص عمل السود واللاتينيين، وأن هجرة هؤلاء إلى أمريكا مرحب بها في إطار القانون. ومن جهة أخرى رسم لنفسه صورة الشخصية السياسية المرتبطة بالشعب البسيط وسكان الأرياف، حيث ترك المجمعات السكنية الكبرى لتوجهاتها الانتخابية الاعتيادية وذهب لزيارة السكان التجمعات الهامشية وفي الأطراف والأرياف الذين لا يلتقي بهم الساسة بشكل مباشر عادة، وهو الخطأ الذي وقعت فيه هاريس كذلك. علاوة على خطابه الاعتيادي المتعلق بالوعود الاقتصادية وتحسين ظروف المعيشة، والحديث المثير للنزعة القومية كإعادة مجد أمريكا، ومكانتها الدولية وضبط الفوضى في العالم وتحقيق السلام وإنهاء الحروب.
وبخصوص الناخبين العرب والمسلمين، فإنه يمكن القول بأنه وقع تحول تاريخي في سلوكهم الانتخابي من زاويتين، من حيث عدم التصويت للديمقراطيين، على غير العادة، بالمقاطعة أو التصويت لمرشحة حزب الخضر جيل ستاين الداعمة بقوة لفلسطين، أو التصويت لترامب ، ومن حيث الأثر الذي تحقق بتحويل ولاية ميشيغان التي يتركز فيها صوت العرب والمسلمين أكثر لصالح المرشح الرئاسي الجمهوري، والمساهمة في جلب كل ” الولايات المتأرجحة لصالح ترامب وكسر ما يسمى بالجدار الأزرق. وقد كان السبب الرئيسي لتحول الناخبين العرب والمسلمين العدوان على غزة وتورط البيت الأبيض بقيادة الديمقراطيين في الجريمة، وقد عرف ترامب كيف يستغل هذا الوضع بانتقاله بنفسه للسكان العرب والمسلمين والحديث معهم ومع زعمائهم الدينيين ووعدهم بأنه سيوقف الحرب لغزة، خلافا لهاريس التي تهتم بهم ولم تزرهم ولم تتحدث معهم.
لا شك أن انتخاب ترامب لن يمثل تحولا جذريا لصالح القضية الفلسطينية بشكل تلقائي، حيث أن الجمهوريين في الكونغرس والرئاسة منحازين كلية لدولة الكيان ، ولكن الذي سيفعل ذلك هو طوفان الأقصى وبطولات المقاومة وثبات السكان في غزة ولبنان، فهم المعطى السنني الأساسي الذي سيحدث التحولات التي تفرض على ترامب وغيره في العالم وقف الحرب وتغيير نظرتهم للقضية الفلسطينية، وقد أحسن قادة حماس حين وضحوا ذلك في تصريحهم بعد ظهور النتائج بالقول : “تعقيباً على نتائج الانتخابات الأميركية التي تُظهر فوز المرشح الجمهوري دونالد ترمب، فإن على الإدارة الأميركية الجديدة أن تعي أن الشعب الفلسطيني ماضٍ في مواجهة الاحتلال، وأنه لن يقبل أي مسار ينتقص من حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس”

د. عبد الرزاق مقري

الحرب في لبنان: الفهم والواجب

كلما تطورت أحداث الحرب التي أشعلها طوفان الأقصى يتعمق الاختلاف بين فئتين في الأمة، فئة تعد الطوفان حالة سننية ربانية انطلقت لكي لا تتوقف حتى التحرير، كما هي الثورات التحريرية في الشعوب، يطلقها وطنيون صادقون مع أوطانهم، متوكلين على الله، قرروا إما النصر أو الشهادة، وفي أغلب الأحيان هي مجموعة  قليلة شرفها الله بالسبق، لم تستشر أحدا للقيام بالواجب،  على نحو ما قام به مجموعة الاثنين والعشرين في الثورة التحريرية الجزائرية، وبعد صعوبات جمة يلحق بهم قادة آخرون والجموع. وفئة يهوّلها الرد العنيف للاحتلال ويخيفها جنون قادة العدو وتكسر أهوالُ الخسائر إرادتَها، تصرف أهوالُ الميدان عقول هؤلاء عن القراءة السننية والتمعن في تاريخ البشرية، فلا ينتبهون بأن التضحيات هي طريق النصر، وأن هيجان العدو دليل بأنه شعر باقتراب النهاية.  

إن أسباب تهور نتنياهو ثلاثة: أقلها أهمية ما يقوله الكثيرون بأنه لو تتوقف الحرب يدخل السجن، وثانيها أنه يزج بجيشه وكل كيانه في حرب مدمرة من أجل إنقاذ مجده إذ كان يعد نفسه في نفس مرتبة “بن قوريون” و لا يوجد في من جاؤوا، من قادة الكيان، بعد التأسيس اللعين  من هو في مقامه، وثالث الأسباب أهمها، وهو أنه أدرك بأن المعركة نهائية صفرية، إما تنتهي بتصفية القضية الفلسطينية أبدا، والسيطرة على المنطقة كلها،  أو بزوال دولة الكيان، وزوال كل الأنظمة العميلة والاستبدادية في المنطقة .

وهكذا يجب أن نفهم الحرب القائمة، إن طوفان الأقصى الذي فجره أبطال غزة معركة مقدسة نبيلة اندلعت على عين الله سبحانه، لتشمل الأمة كلها. ولئن كان الفضل قد سبق إليه حزب الله وجماعة الحوثي وكل محور المقاومة فإن الأمة كلها ستنخرط في المعركة لتكون حربا شاملة غير متناظرة تنخرط فيها الأمة كلها بكل مذاهبها وطوائفها، إذ سيفهم الجميع بأنها معركة مصير، ليس لفلسطين وحدها بل لكل المسلمين، إما هوان الأمة الأبدي وإما العودة الحضارية الشاملة، ووالله الذي لا إله إلا هو لن يكون إلا هذا الأخير ، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر..

ليس هذا الحديث حديثا عاطفيا،   بل هو عين العقل لمن يتأمل في عمق التطورات ويرفع بصره عاليا لينظر إلى الأفق البعيد. إنه ليس شرا ألّا تدخل إيران الحرب كدولة الآن،  بل في ذلك الخير،  ومن يتكلف في إظهار غضبه على إيران لأنها لم تدخل الحرب، أو يزعم أنها تخلت عن حزب الله فهو يتحدث بنفَسٍ طائفي انتقامي، متوقف في اللحظة التي أجرمت فيها إيران والميليشيات المحسوبة عليها إجراما عظيما في سوريا والعراق، إجراما وجب إدانته بلا مواربة، أو أنه لم يوفق للنظر في المآلات في ما ينفع فلسطين والأمة، وكم من أمم تقاتلت ثم تحالفت ضد عدو يهدد مصير الجميع. كما أن من يستعجل حزب الله للدفع بكل مقدراته في بداية المعركة لم ينتبه إلى ما يريده الصهاينة والأمريكان.

لا يختلف اثنان أنه حين أُسست دولة الكيان من طرف البريطانيين أُسست لتكون دولة وظيفية كثكنة عسكرية في موقع متقدم في جبهة الصراع الأبدي بين العالم الإسلامي والاستعمار الغربي، صُممت وتعهدها الأمريكان من بعد لتكون متفوقة في كل شيء، ولكن مع مرور الزمن أتاحت المساحات المفتوحة لليهود في الدول الغربية في كل المجالات لدولة الكيان أن تتطور طبيعتها لتصبح  جزءا أساسيا في المنظومة الغربية بشراكة كاملة في الاستراتيجيات والقرار، فصارت الآن أمريكا وأغلب الدول الغربية هي إسرائيل وإسرائيل هي أمريكا وأغلب الدول الغربية، ثم جاء طوفان الأقصى فأكد هذه الحقيقة وبيّنها في أوضح صورة. فمن يحارب إسرائيل اليوم سيجد نفسه يحارب أمريكا وأغلب الدول الغربية أو كلها، بشكل مباشر وليس بالوكالة فحسب.

على هذا الأساس، لو استشارني الإيرانيون في دخول الحرب لقلت لهم لا تدخلوا ولحدثتهم عن البديل الواجب الأهم لنصرة المقاومة في غزة ولبنان. لا يمكن لإيران أن تدخل الحرب لمواجهة أمريكا وحدها. وذلك سيكون قرارها ولا شك، لن تدخل الحرب وحدها، لن تقرر ذلك بغير اتفاق مع روسيا ومن ورائهما الصين، ولو دخلت روسيا والصين الحرب مع إيران معنى ذلك أننا ولجنا حربا عالمية ثالثة، ولا أظن أن روسيا والصين يريدان ذلك حاليا، ولا حتى أمريكا تريد ذلك، مع أن الحروب تتدحرج أحيانا لتصل إلى حدود لم يرغب فيها صانعو الأزمات.

ستتوسع الحرب ولا شك ولكن شيئا فشيئا، سيتحمل حزب الله وكل لبنان عبئا كبيرا، والضمان لصمود حزب الله أن لا يُطعن من الخلف من قوى مسيحية وسنية لا يخفى على متابعٍ علاقتها بأمريكا وبعض دول الخليج.

إن الحرب مستمرة والسبيل لتحقيق الانتصار فيها أن تبقى الحرب غير متناظرة إلى أمدٍ طويل يتم فيه استنزاف الكيان والأمريكان على نحو ما حدث في الجزائر والفيتنام قديما وما حدث غير بعيد في العراق وأفغانستان. وواجب الدول العربية والإسلامية كلها (إيران وتركيا والدول العربية)، أن تدعم المقاومة في هذه المعركة المصيرية، وذلك هو الشرف وذلك هو الواجب، فإن لم تفعل فمن حق الشعوب أن تتجاوزها.

إن المعركة اليوم في لبنان، إنها في بلد شقيق ذي سيادة عضو في الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي. والكيان الصهيوني لا يفرق مرة أخرى في جرائمه بين عسكري ومدني، وشيعي وسني ومسيحي، وعلماني وإسلامي، يقتل الأطفال والنساء ويدمر المنشآت المدنية والعسكرية والدينية على السواء. ولئن كان الحكام يقولون لا نستطيع دعم غزة بسبب الحصار وغلق المعابر، فها هي لبنان مفتوحة فلتهب الدول العربية والإسلامية إلى دعم الدولة اللبنانية ودعم  المقاومة وإغاثة المدنيين، فليظهر لنا الحكام بأننا كنا مخطئين في اتهامنا لهم وفي إساءة الظن بهم.

إن جيش الاحتلال سيحاول دخول  جنوب لبنان بعد القصف، وسيعمل على ترحيل سكان الجنوب، وربما سيحاول الوصول إلى بيروت. فليفهم الحكام العرب بأنه إن سقطت لبنان ستسقط بعدها الأردن، إذ يراد لها أن تكون الدولة البديل للفلسطينيين في الضفة الغربية، وستسقط كذلك سيناء لأنه يراد لها أن تكون الوطن البديل لأهل غزة، وبعدها ستسقط كل الدول العربية بإرادة حكامها الخانعين، ليبقوا هم وشعوبهم يعيشون الذل والمسكنة لعقود طويلة مقبلة.

لن يحدث هذا السيناريو المرعب بحول الله، لأنه إن تخلى الحكام عن واجباتهم، ستُحّولُ الشعوب، بكل مذاهبها وطوائفها،  لبنان إلى أرض معركة مصيرية ضد العدو الصهيوني، لا أدري كيف سيحدث ذلك، ولكن هذا الذي يفهمه كل دارس لحركة الشعوب حين يبلغ فيها اليأس مداه، وتنكسر في مخيالها القدوات وتسقط قيمة الزعامات، إلا من بقي من هؤلاء القادة صامدا ثابتا تدعمهم التيارات الشعبية بأجيال جديدة من الزعماء يستبدل بهم الله من أقعدهم العجز والآفات .

 ولن يتوقف الأمر في لبنان فقط، ستُسقط العنجهية الصهيونية الدولة الأردنية، وتتحول الأردن كلها إلى أم الساحات شرقي نهر الأردن، وينهض شام الوعد الميمون، ولا ندري ماذا سيحدث في مصر هذا العملاق النائم، الذي حين ينهض تنهض الأمة كلها، والأمل كل الأمل في هذا البلد العظيم في قادة مخلصين موجودين ولا شك في الدولة والمجتمع، ثم سيأتي من غرب الأمة أمثال أبي مدين الغوث صاحب ساحة المغاربة الخالدة، ويأتي من أقصى شرق الأمة أحفاد من سارعوا إلى نجدة الخلافة وهي تتهاوى لو لا الأحداث الأليمة يومذاك  المتسارعة. 

هذه هي الرؤية التي يجب استشرافها، وهذه المعركة التي يجب أن تنخرط فيها كل القوى الحية في الأمة. إنه لم يصبح ثمة شيء تستطيع أن تفعله هذه القوى الحية في أقطارها ودولها إذ سيطر الاستبداد على كل شيء وجعل كل شاردة وواردة تحت يده الباطشة، بل أصبحت حياة ونمو المنظمات والأحزاب والمؤسسات والشخصيات تحت رحمته المخادعة، وبعضهم حشروا أنفسهم في أزقة الطائفية الضيقة، يتهجمون على من يقاوم الصهاينة، وهم لا يقاومون، ولو قاومنا واشتبكنا بمجموعنا مع العدو نصرة لغزة  لحلت المشكلة إذ نحن السواد الأعظم في الأمة، بل فيهم من يتشفى في قتلى من يقاوم في جنوب لبنان بلا حياء، ويغالي في تفسيرات يدحضها الواقع وشلال الدماء من القادة والجنود والمدنيين في لبنان.

إن  الأجدر  بنا جميعا أن نحول البوصلة تجاه فلسطين ولبنان وحيث توجد فرصة لضرب العدو، ففي ضربه حياتنا جميعا وسؤددنا ونهضتنا، من طنجة إلى جاكرتا.

د. عبد الرزاق مقري

آفاق 2025: الحالة الجزائرية نموذجا.

يخطّط المعسكر الاستعماري الغربي بزعامة الولايات الأمريكية المتحدة للحسم في الحروب التي تورّط فيها والمآزق الديبلوماسية التي علِق فيها، ليعود للاهتمام بالجبهة الصينية وما تمثله من تحديات جادة على الزعامةالعالمية والمصالح الاقتصادية والتحديات الجيوستراتيجية،  لا سيما ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا ، والحرب ضد حركة حم&ا^س ومحور الم^قا<ومة.

ستبدأ الحرب بمراجعة الاستراتيجية الاقتصادية ضد روسيا، وبشكل أساسي على جبهة المعطيات الطاقوية. فمن الحسابات الخاطئة التي وقعت فيها الولايات الأمريكية المتحدة محاولة حرمان روسيا من مداخيل البترول والغاز بالحصار والضغط على الدول لمقاطعة البضائع  والموارد الطبيعية الروسية. غير أنه في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار الطاقة الأحفورية وجدت روسيا زبائن كبارا لم يبالوا بالإرادة الأمريكية فكانت نتيجة المخطط الأمريكي عكسية إذ امتلأت خزائن روسيا بأموال الطاقة غالية السعر،  وارتفعت قيمة العملة الروسية ، بسبب ارتفاع المداخيل  وبسبب اشتراط الروس بيع بترولهم  بالروبل في أوج الأزمة لخصومها الأوربيين، علاوة على المقدرات الاقتصادية الجبارة الأخرى، فانتعش الاقتصاد الروسي، بشكل مخالف للمتوقع أثناء الحرب.

ستكون المراجعة، وقد بدأت، بخفض أسعار البترول والغاز، حتى تنقص المداخيل الروسية إذ لن يضطر زبناؤها الكبار اشتراء بترولها بسعر عال. وأدوات خفض ورفع الأسعار الطاقوية لعبة دولية تتقنها أمريكا، وهي تملك، مع حلفائها،  مخزونا استراتيجيا كبيرا يمكن استعماله لذلك، ضمن أدوات أخرى.

من الدول التي ستتأثر بخفض أسعار البترول والغاز الجزائر، حيث أنه مقدر في الدراسات الطاقوية المتخصصة أن البترول سينخفض إلى حدود60 دولار للبراميل في 2025، والجزائر تحتاج إلى ضعف هذا السعر لتحفظ توازناتها الاقتصادية الكبرى، ومع ارتفاع الاستهلاك المحلي وضعف الاحتياطي ستدخل الجزائر في أزمة مستجدة تشعل الجبهة الاجتماعية، لاسيما وأن الرئيس تبون لم يحقق نجاحا اقتصاديا يقوم على نمو عدد ونوع المؤسسات الاقتصادية في الصناعة والفلاحة والخدمات المنتجة للبضائع والسلع والتي توفر فرص الشغل  بما يحل مشكل البطالة ويخلق الثروة ويحل مشكلة الندرة والتضخم ويرفع مستوى المعيشة. لقد بقي الخطاب والإجراءات الشعبوية هي سيدة الموقف، وساعد على تفشي ذلك الانهيار الكلي للتدافع السياسي والاجتماعي  في البلاد.

ثمة مؤشرات كثيرة تبين بأن النظام السياسي الجزائري على علم بما ينتظره من أزمات في عام 2025 ، بتلقاء نفسه، أو بتنبيه من الولايات الأمريكية التي صارت لها الجزائر حليفا موثوقا به،  بعد خيبة البريكس والتوتر الخفي في العلاقة مع روسيا، إذ عادة ما تخبر الولايات الأمريكية حلفاءها، القريبين والبعيدين، بالآثار السلبية لسياساتها وتحاول المساعدة على ذلك.

والملف الآخر  الذي تسعى الولايات الأمريكية المتحدة لحسمه الملف الفلسطيني ومحور المقاومة. لقد أحدث ط^وفا^ن الأقصى تحولات دولية كبرى أثرت كثيرا على المكانة الدولية للولايات الأمريكية المتحدة وعلى سمعتها، وعلى أوضاعها المحلية. وإذ لم يستطع البيت الأبيض التحكم في تعنت المجرم  نتنياهو، رغم المشاركة الكاملة في الجريمة، فهو مضطر لمسايرته في استراتجية الحسم العنيف في غزة ومع محور المقاومة. ربما تكون الولايات الأمريكية غير راغبة في توسيع الحرب مع إيران إلا إذا اضطرت لذلك، ولكنها بكل تأكيد ستمضي لدعم حليفها الصهيوني في الحرب الطاحنة المتوقعة مع حزب الله.

ومن الاستراتيجيات التي ستنتهجها الولايات الأمريكية دعما للكيان تحييد الدول العربية السنية وتوريط بعضها في الحرب ضد حزب الله، وبالتالي ضد ح^ما*س.

لا توجد مشكلة لديها في تحقيق ذلك مع الأنظمة العربية الرسمية، ولكن الجبهة المحرجة لها ولحليفها الإسرائيلي هي الجبهة الشعبية. غير أن الجبهة الشعبية يمكن تحييدها إذا تم تحييد القوى الإسلامية الفاعلة فيها، لكي لا تكون هذه الحركات عائقا للاستراتيجية الأمريكية الصهيونية ولكي لا تستفيد من التحولات فتنبعث من جديد.

وحين نلقي النظر إلى الحركات الإسلامية السنية  في الدول العربية، نجدها تعيش أوضاعا مزرية وضعفا شديدا في أغلبها، في تونس وليبيا ومصر واليمن والعراق وسوريا، ولا وجود لها تقريبا في دول الخليج، سوى الكويت، وتعرف تراجعا كبيرا في المغرب وقلة تأثير سياسي في موريتانيا، ولم تبق إلا ثلاث حركات إسلامية لها فاعلية وانتشار وقدرة على التعبئة والتمرد على سقوف الأنظمة إن شاءت وهي الحركات الإسلامية الموجودة في الجزائر والأردن والكويت.

أما الكويت فقد تم التحكم في الشأن السياسي فيه بحل البرلمان وتجميد مواد أساسية في الدستور، تتعلق بالحياة السياسية، لمدة أربع سنوات وتم إدماج الحركة الإسلامية في المسار، وأما الأردن فإن الحركة الإسلامية ستعيش امتحانا عسيرا بنجاحها التاريخيّ في الانتخابات التشريعية الأخيرة، الذي ربما لم يكن ليسمح به الملك ومن يشير عليه محليا واقليميا ودوليا، إلا من أجل الاستعداد لحرب سيطلب من الأردن أثناءها مواجهة المدد الذي يأتي لحزب الله، وربما لإيران، من العراق وسوريا وكذا غلق المجال الجوي للهجومات الجوية من إيران وحلفائها، ولا توجد من وسيلة لمنع الحركة الإسلامية الأردنية من أن يكون لها دور شعبي ضد  الكيان أثناء الحرب سوى أن تورط في الحكومة على إثر نجاحها في الانتخابات التشريعية لتحييدها ثم لكسر مصداقيتها نهائيا.

أما عن الجزائر، وشأن الحركة الإسلامية فيها، فإن الخطة المتعلقة بآفاق2025 ، محليا واقليميا ودوليا،  أعدت في وقت مبكر بتخطيط محكم، وقد أظهر أحد وكلاء فرنسا ضلوع هذا البلد في بعض جوانب المخطط في وقت مبكر،  على نحو سنشرحه لاحقا، حين تنتهي حساسية تناول موضوع الانتخابات الرئاسية، ويمكننا من جهة أخرى، من باب التحليل،  أن ندخل ضمن المخطط قرار تقديم الانتخابات الرئاسية.  

لقد أشرت لِما كان  يحاك في مقال سابق نُشر في أبريل من هذه السنة، ومن محاور المخطط المعد تنظيم انتخابات رئاسية هادئة وآمنة، وإدماج أهم حزبين بقي لهما مكانة وقدرة على التأثير وهما حركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية ليساهما في رسم المشهد المعد مسبقا من حيث عُلم أم لم يُعلم، وقد كانت الانتخابات آمنة فعلا، دون أي رهان،  ولكنها لم تكن هادئة، ليس بفعل شدة التنافس في الحملة الانتخابية، فذلك لم يحدث،  ولكن بصخب صراع الأجنحة وما حدث من فضائح في إعلان النتائج.

أما جبهة القوى الاشتراكية فإنه يلزم الحوار معها مباشرة وبشكل مفتوح، وبمطالب محددة، على نحو ما وقع قبيل الانتخابات التشريعية 2012، وفق ما كشفه أمين عام سابق للجبهة شهد على ذلك بنفسه، وما رأيناه من تغيير للنتائج من قبل المجلس الدستوري لصالحها ولصالح حزب آخر.

وأما حركة مجتمع السلم فلا يُتصور أن يتورط قادتها الحاليون في المساومات المباشرة، ولكن يمكن بسهولة إدماجها في المخطط بالاستدراج. وقد بين لي أحد المطّلعين، كيف تعتمد الأجهزة على دراسة الشخصيات القيادية، واستعمال الأسلوب الأنسب لكل مسؤول.  والوسيلة المستعملة معنا وفق ما ذكر لي آخر، من الشخصيات المؤثرة ذات العلاقات الفاعلة هي ” يجيبوك بالقدر!”، فلا يحتاج النظام السياسي لاستدراج المسؤولين في حمس أن يتم تهديدهم أو شراؤهم، يكفي ابتلاعهم بالمدح والإطراء والإغداق عليهم بالثناء الذي تحتاجه نفسياتهم، كالقول لهم بأنهم “وطنيون، ومعتدلون، ورجال دولة، وتلاميذ الشيخ محفوظ، ويتنازلون من أجل الوطن!…”. وقد رأيت كيف يستعمل هذا الأسلوب بنفسي طيلة ممارستي المسؤولية بمختلف أنواعها، واستعملت معها – ما استطعت وبصدق – الاستراتيجية المعاكسة، وهي تجاوز الثناء مع الشكر عليه ومحاولة رفع السقف السياسي والفكري في الحوار في اتجاه المواضيع التي تنفع البلد بثقة تامة في النفس بحمد الله وعونه. 

لا توجد هذه الظاهرة الاستيعابية بالمدح عند الحركة الإسلامية في الجزائر فقط، للأسف الشديد، بل صارت ظاهرة عامة عند أغلب الحركات الإسلامية التي ” تعتبر” نفسها وسطية، ويمكن أن يضاف إلى المدح منح شيء من الامتيازات المعنوية والمادية التي تحافظ على المكاسب التنظيمية والوجاهة الاجتماعية تحت سقوف الأنظمة، المغايرة في العمق وفي المحصلة لسقوف مصلحة الأوطان. 

إن الحاجة الملحة لجبهة القوى الاشتراكية التي ساعدت على نجاح المخطط هي العودة لمؤسسات الدولة بغرض حماية نفسها من القبضة الأمنية التي باتت مطبقة وتامة في منطقة القبائل وإنقاذ أعضائها من شبهة الانتماء لمنظمة “الماك” الانفصالية، وهي الحالة الخطيرة المشابهة التي وجدت فيها حركة مجتمع نفسها في سنوات المأساة الوطنية، فكانت المعالجة بنفس الاستراتيجية. وما من سبب رئيسي لإعادة تشكيل المجالس المنتخبة مبكرا الذي يُتحدث عنه كثيرا إلا لتعود إليها جبهة القوى الاشتراكية. علاوة على السبب المشترك وهو كسب حليف، مباشر أو موضوعي، يتم إدماجه في مؤسسات الدولة وبالمن عليه بإجراءات الرعاية السياسية والانتخابية والأمنية.

أما حركة مجتمع السلم، فإن الأولية القصوى بخصوصها بالنسبة للنظام السياسي  هو تقليص أو إنهاء أثرها الشعبي الذي كان في اتجاه متصاعدبين 2013- 2023  (والذي كان هو الضامن بعد الله  لوصولها للحكم في الوقت المناسب لو استمر)،  ووضعها تحت الرعاية بأشكال متعددة وإدماجها لاحقا في الحكومة ضمن سياق مخادع يتلاءم  مع ثقافتها وبعض نصوص وثائقها، ولا هدف من ذلك سوى منعها من الاستفادة من التطورات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة، ولكي تُعدمُ فرصُها للانتقال إلى الحكم يوما ما  لتطبق برنامجها وتطور بلدها،  أو لتمنع من الشراكة الفعلية في الحكم أبديا، وربما لكي يُتخلص منها كليا أثناء الأزمة المقبلة أو بعدها. وكل ذلك يندرج  ضمن مخطط دولي لتصفية ما بقي من الحركات الإسلاميةذات التجذر الشعبي، على نحو ما ذكرناه سابقا، لا سيما وأن كل القوى الإسلامية، بخصوص الجزائر، صارت تتنافس على رضا الحاكم والتقرب منه، ولم يبق خارج القبضة الرسمية سوى أفراد معزولين في مختلف الولايات ليس لهم قدرة على التأثير  في الوقت الحالي.

لا داعي للرجوع إلى الحديث عن الانتخابات الرئاسية لكي لا يُغيِّب الجدالُ العقيمُ الفكرةَ، رغم ما في تحليل العملية الانتخابية برمتها من دلائل على كل ما نقوله. نكتفي بالقول بأن النظام السياسي سيخلق مسارا مركبا لإشراك الجميع في السيناريو المعد مسبقا، يسميه الحوار الوطني، وقد يتم استعارة بعض أفكار ومفردات ومشاريع تنسيقية الانتقال الديمقراطي واجتماع مازفران الجماعية، ووثيقة التوافق الوطني لحركة مجتمع السلم، بل قد يتم الذهاب إلى تنظيم ندوة وطنية، أو ما يشبهها، والمُخرج سيكون قرار انتخابات تشريعية ومحلية مسبقة، و تشكيل حكومة وطنية سياسية، لتسيير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وليس لحل الأزمة السياسية، التي عقّدتها أكثر من أي وقت مضى الانتخابات الرئاسية الأخيرة،   دون أي شرط لنجاح فعلي للانتقال الديمقراطي الذي لا ضامن له، بعد الله، سوى ميزان القوة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة والمعارضة مثلما هي نماذج تجارب الانتقال الديمقراطي الناجحة في العالم. 

هذا المكر الذي يخطط له المتحكمون في الأوضاع، لأسباب سلطوية وللتحكم في الرقاب، وليس لمصلحة الشعوب، ولكن مكر الله أعظم من مكرهم، ((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) صدق الله العظيم.

د. عبد الرزاق مقري

الشيخ محمد أحمد الراشد: شيخ من شيوخي ترجل

كتبت ذات يوم قائمة بخمسة شيوخ تتلمذت عليهم وأثروا في حياتي وكان لهم دور كبير في المسار الذي سلكته في طريق الدعوة إلى الله والإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهم على التوالي حسب الترتيب الزمني الذي عرفتهم فيه: الشيخ محمد مخلوفي، الشيخ أحمد بوساق، الشيخ محمد أحمد الراشد، الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ القرضاوي.

لكل من هؤلاء الأساتذة الكبار قصص معي وتأثير علي عبر الزمن. لا شك أن ثمة علماء كثر وقادة  غير هؤلاء حصلت منهم الاستفادةُ وتلقي القيم والمعارف، غير أن شيخك هو الذي تتلقى منه المنهج الذي يسطّر طريقك، والقيم التي تحدد معالمك، وما تنقله عنه لغيرك من الأجيال التالية، وما يصنع فعليا معالم شخصيتك، مما تعرفه في نفسك، سواء انتبه الناس لذلك أم لم ينتبهوا، وشيخك كذلك هو الذي يجيزك في ما أخذته عنه، والذي يبين للناس أنك تلميذه ويسعد بذلك ويعتز به. وكل هذا حقيق في ما بيني وبين هؤلاء الأفاضل الخمسة من الناس، وليس من شروط صحة العلاقة بين الشيخ وتلميذه أن لا يختلف التلميذ مع شيخه، بل إن التلميذ النجيب هو الذي يضيف على شيخه ما لم يقم به، ويستدرك على رأيه برأي مخالف يثري رصيده ويضمن له البقاء والحسنات الجارية، وما كان تطرف التقليد يوما طريق الإبداع وتطوير المناهج.

إن الحديث اليوم إنما هو عن الشيخ محمد أحمد الراشد. لقد عرفت كتب الفقيد قبل أن ألقاه، وأنا شاب في بداية العشرينيات من عمري، فلم أحتف لعقود طويلة بكتب كاحتفائي ب”المنطلق” و”العوائق” و”الرقائق”، و”نظرية صناعة الحياة”، بل لقد درسّت هذه الكتب لأعداد هائلة من الشباب، في الحلقات والملتقيات والندوات والمخيمات الصيفية عبر عقد الثمانينات كله، ولعل العديد من هؤلاء سيذكر ذلك لو قرأ هذا المقال، كما أنني أشهد أمام الله أن أول أعظم كتاب صنع فكري الاستراتيجي، مما كتبه المفكرون الكبار، هو كتاب “نظرية صناعة الحياة”. لقد كان لهذا الكتاب بالذات أثر كبير في بناء معالم شخصيتي في المجالات  الفكرية والدعوية  والاستراتيجية، بل حتى في تنظيم حياتي الشخصية، وعليه بنيت منظومتي القيادية التي عُرفت بها في الحياة الدعوية.

وحين تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه وجدته كذلك ضمن هذه المدرسة، في طريقة تفكيره واهتماماته وأولوياته وأبعاده الاستراتجية،  وقد درّس رحمه الله كتاب “المسار ” على حلقات طويلة في البليدة، وعن طريقه تعرفنا على “مجلة العين” في الفكر والدعوة، كما أنه أرسل رحمه الله  عددا من الشباب أخذوا عن الشيخ أحمد الراشد مباشرة خارج الجزائر، ورأيت بعدها حجم القرب و المحبة بنفسي بين الرجلين، حتى لكان يُقال عن الشيخ محفوظ إنه ينتمي إلى المدرسة العراقية في مجال الدعوة إلى الله.

لقد تعرفت على الشيخ محمد أحمد الراشد مباشرة في أمريكا  عام 1994 في زيارة صحبة الشيخ محفوظ نحناح للمشاركة في مؤتمر في لوس انجلس، وما إن تعرف عليّ، حتى سألني عن صلتي السلالية بعلماء “آل المقري” وأشهرهم العالم الكبير ” أبو العباس أحمد بن محمد المقري” صاحب الكتاب الشهير ” نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” فلما تأكد من الصلة من حيث أن أصل هذه العائلة العلمائية من نواحي المسيلة بمدينة “مقرة” فرح فرحا كبيرا إذ هو عليم بالأنساب ويركز كثيرا في التربية القيادية على أصول المعادن كما أخبرني بنفسه.

لقد كان المؤتمر الذي أشرت إليه مؤتمرا مهيبا كبيرا، ولكن كان الصراع فيه بين المناهج الإسلامية على أشده، وكان النقاش حول الأزمة الجزائرية يفرض نفسه على باقي الملفات، وفي الأزمات يظهر الصديق الوفي.

أخذ الشيخ محفوظ الكلمة فتحدث ببلاغة عن رأيه في ما كان يحدث في الجزائر ولم يأبه بالصخب الذي كان يقطع كلماته، ثم أخذت الكلمة أشرح موقف الحركة في إدانتها لكل أشكال التطرف محذرا من المؤامرة العظيمة عن الإسلام والحركة الإسلامية برمتها، وسط الأصوات العالية المعترضة، ولا يزال ذلك الشريط معروضا على اليوتيوب، وفي مواجهة تلك الأمواج العاتية التي كادت تعصف بنا لو لا قوة حزام المنظمين، لم يسندنا سوى عالمين من العلماء الذين كانوا حاضرين، منهما الشيخ محمد أحمد الراشد. وما كان الشيخ الراشد ليعمل ذلك حميّة ولكن قناعة عميقة بالشيخ محفوظ وتلاميذه، وقد بقي على ذلك العهد يسند الشيخ محفوظ كقائد مفكر  ألمعي من قادة ومفكري الأمة، وقد عبر عن ذلك ببلاغته المعهودة في مرثيته في الشيخ محفوظ نحناح عند وفاته رحمهما الله تعالى وأسكنهما فسيح جناته.  

منذ ذلك المؤتمر الصاخب، وذلك التعارف الدافئ العامر بالتقدير والمحبة،  نُسجت بيني وبينه علاقة خاصة وصلة بديعة، استفدت منها فوائد علمية وفكرية جليلة، وصرت أتردد عليه حيث تكون إقامته، فزرته عدة مرات في ماليزيا، والتقيته مرات في تركيا، وكُتب لي أن جالسته في مواسم الحج والعمرة رحمه الله. ولأنني كنت التهم كتبه بنهم سهُل علي أثناء النقاش معه فهم توجهاته وصرامته المعهودة أثناء عرض أفكاره.

وقد جعلني الله سببا لطبع كتبه وانتشارها في الجزائر كوسيط بينه وبين بعض الناشرين، ولو لا الصعوبات التي لم استطع التحكم فيها لدخلت كتبه كل المكتبات.

إنه لمن دواعي سروري في مسيرتي الفكرية والدعوية أن الشيخ محمد أحمد الراشد كان يصرح أنني تلميذه، وإنه لفرق كبير بين أن يَنسبَ تلميذٌ نفسه لشيخه، وبين أن يجيز الشيخُ تلميذه ويقول للناس “إنه تلميذي!”، وقد قالها مرات، منها مرة في ندوة جمعتني وإياه بالجامعة الصيفية للحركة ببومرداس عام 2004، معقبا على طرح فكري عرضته مفصِّلا لبعض أفكاره قائلا: ” لا عجب أن يكون المقري بهذا المستوى فهو تلميذي”.

ومن الآثار المباركة والحسنات الجارية التي أرجو أن يجريها الله تعالى بواسطتي للشيخ أحمد الراشد تأسيس مؤسسة أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، فهو صاحب هذا الاسم، وهو أهم شخصية فكرية ودعوية صممت معها هذا المشروع الحضاري، إضافة لعلماء ومفكرين آخرين منهم المبدع المصلح المقاوم طارق السويدان حفظه الله ورعاه، والداعية المدرب المظلوم الصابر علي الحمادي فك الله أسره، والعالم الجليل المتميز منير الغضبان رحمه الله. فقد عرضت المشروع على الشيخ الراشد أولا وناقشته معه مطولا.

ولأن الفكرة فيها هؤلاء الرجال الصالحون المصلحون النزهاء عرف المشروع طريقه ونما وسخّر الله له من يسنده ويؤطره فتخرج منه أعداد هائلة من القادة في مختلف المستويات والمجالات، في الجزائر وخارجها، وكم كان الشيخ محمد أحمد الراشد سعيدا حينما التقى بباكورة الثمرة الترجيحية في ملتقى التميز بإسطنبول عام 2015 إذ بدا لكثرة ابتساماته العريضة وأريحيته الكبيرة  بين الشباب وكأنه يعيش حلما كان في عقله لامسه في الواقع بحمد الله تعالى، وسيبقى ذلك الغرس وثماره هم حسنات جارية لأولئك المصلحين الربانيين بإذن الله تعالى والله نسأله القبول من الجميع.

غير أنه مما أسِفت له كثيرا في شأن العلاقة به، أنني اتفقت معه ذات مرة أن يأتي ليقيم في الجزائر لفترة معتبرة يشرف فيها بنفسه على تكوين طليعة من الشباب والإطارات، وكنت عندها نائب رئيس الحركة المكلف بالتخطيط والتطوير،  وتم الاتفاق نهائياً وشرعت أبحث عن الشقة التي يسكنها. وقد اتجه رحمه الله هذه الوجهة لقناعته العميقة، وفق ما أخبرني بنفسه، بصفات حميدة رآها في الإنسان الجزائري، وفي جدوى الاستثمار البشري في الحركة ورجالها، وكان ذلك في ما أذكر في حدود 2007.  ولكن جاءت الفتنة التي عصفت بالحركة بعد مؤتمر 2008 فعصفت بالمشروع، وقد حاول رحمه أن يسعى لإصلاح ذات البين ولكن تدخل آخرون فمنعوه، وبسبب انضباطه الصارم الذي يُعرف به والذي أثر كثيرا على بعض مقارباته، وعلى حياته كلها، صار متحفظا على الشأن الجزائري، ثم تغير الحال عليه هو ذاته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والخلافات التنظيمية والسياسية العميقة في الساحة السنية العراقية، وانتقال الحركات الإسلامية كلية، في العالم الإسلامي كله،  إلى الشأن السياسي، على نهج لم يكن يحبذ الكثير منه، فصار يشعر بكثير من الغربة إذ لم تصبح تلك الأشواق الفكرية المرتبطة بساحات الدعوة التي أبدع فيها عقودا من الزمن موجودة في جواره، ثم أحاط به المرض وكبر السن فنقص نشاطه، ولم تصبح لدي فرص كثيرة لألقاه، فتوفاه الله تعالى وأنا مشتاق إليه، ولو كان الأجل معلوما لذهبت لأسلم عليه قبل أن يلقى ربه. ولكن قدر الله وما شاء فعل، وبحسبه – بخصوصي – أنني أُشهد الله له أنني حسنة من حسناته، وأن فكره في طرائق تفكيري وتسيير مشاريعي بقي قائما الى هذا اليوم.

رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته وجزاه عنا وعن الدعوة والصحوة الإسلامية خير الجزاء .

 

د. عبد الرزاق مقري

ماذا يعني اغتيال الشهيد إسماعيل هنيّة؟

إنّ استشهاد قائد كبير في حركة جهادية مقاوِمة مثل حركة المقاومة الإسلامية حماس أمر عادي فذلك هو مصير من رشّح نفسه لهذه المهمة النبيلة، وهذا الذي حدث في الثورة التحريرية الجزائرية، إذ أغلب القيادات الكبيرة اُستشهدت كمصطفى بن بولعيد، والعربي بن مهيدي، وعميروش وسي الحوّاس وغيرهم الكثير.

لقد فاز الشهيد إسماعيل هنيّة بأعظم منحة يتمناها مؤمن صادق، فهو حي يرزق عند ربه وفق قول الله تعالى في سورة آل عمران: ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ – 169)).

لا يؤثر قتل القادة الكبار في مسيرة الحركات المقاومة لتحرير بلدانها، بل يزيدها قوّة وتماسكا وانتشارا، فقد قُتل المؤسس والمسؤول الأول في حركة حماس الشيخ أحمد ياسين والعديد من قادة الصفّ الأوّل، فجعل ذلك الحركة هي مرجع الكفاح والنضال في الساحة الفلسطينية وفي العالم بأسره، وهي اليوم تُعجز الكيان الصهيوني وكل حلفائه إلى درجة التشكيك في إمكانية استمرار الكيان نفسه.

يعتبر اغتيال الشهيد أبي العبد هنيّة إعلان الكيان بأنّه يريد استمرار المواجهة فعلى المقاومة في فلسطين أن تأخذ علما بذلك وأن تستعد لجولة طويلة من الجهاد إلى غاية التحرير، وعلى الشعب الفلسطيني كله أن يأخذ علما بأنه لا يراد له أن يعيش بكرامة وأنه يراد معاقبته دون تمييز على كل محاولة لأخذ حقوقه، فالبارحة استشهد ياسر عرفات لأنه أراد بعض الحقوق عن طريق المفاوضات واليوم يستشهد إسماعيل هنية لأن حركته أرادت أخذ الحقوق عن طريق المقاومة، فالاستشهاد بكرامة على طريق الجهاد هو السبيل الأوحد الذي حررت به الشعوب بلدانها، فلا حل للشعب الفلسطيني إلاّ أن يتحد وراء المقاومة من أجل حريته وصناعة مجده كما فعلت شعوب أخرى، وكل تردد واِرتعاش أمام جبروت الاحتلال هو مزيد من الإذلال واِستمرار الاحتلال.

على الدولة الإيرانية أن تتحمل مسؤوليتها بالرد المناسب على هذه الجريمة التي وقعت على أرضها والشهيد اِستهدف وهو في ضيافتها، ويجب أن تستعد لمواجهة واسعة من الكيان، لأنه بات واضحا بأن ذلك ما يريده قادة الاحتلال من أجل التغطية على الهزيمة التاريخية النكرة التي حلت بهم في طوفان الأقصى.

على الأمة العربية والإسلامية بمختلف طوائفها أن تكون جاهزة للتحولات الكبيرة المتوقعة على إثر هذه الجريمة الشنعاء، وعلى الحكومات أن تكون في صف المقاومة بلا مواربة وأن لا تغرق أكثر في الخنوع والاستسلام للإرادة الأمريكية الصهيونية، فإنها في كل الأحوال لن تهنأ بسلطانها ما دامت فلسطين تحت الاحتلال، ومادام الكيان موجودا، وعلى النخب والشعوب أن تتحمل مسؤوليتها وأن لا تقبل بسقوف الخور والهوان الذي تفرضه الأنظمة ضمن هذه التحولات التاريخية العظيمة. إنّ طوفان الأقصى سيفصل في الأمة بين طائفتين، طائفة في المكان الصحيح من التاريخ مع المقاومة الفلسطينية، وطائفة في المكان الخاطئ من التاريخ يجتمع فيه من هم ضد المقاومة مع المثبطين ومع من لا يبالون بما حدث ومن يغرقون في حساباتهم الشخصية ومصالحهم الضيقة.

على أحرار العالم والقوى الدولية المدركة لخطورة الفوضى التي ترعاها أمريكا بإطلاق أيادي حليفها الصهيوني أن تنصرف لوقف هذا التدحرج المستمر نحو الهاوية والمواجهة الشاملة التي يريدها المجرم نِتِنْياهو لإنقاذ نفسه ويريدها تجار الحروب والمتخصصون في التحكم في العالم بواسطة الفوضى.

 

د. عبد الرزاق مقري

ميراث البشرية.. هل اللحاق الحضاري ممكن؟

لقد حققت الحضارة الغربية مستوىً مذهلا من التطور العلمي أثّر على كل مناحي العمران والحياة، إذ يؤكد علماء التاريخ ان المائتي سنة الماضية اختلفت علميا جذريا عن الأربعة آلاف التي سبقتها، وفي الخمسين سنة الماضية فاق التطور العلمي ما تحقق في مائتي سنة ماضية، وفي العشرين سنة تسارعت التطورات العلمية بشكل لا محدود، بفضل الأنترنت والتكنولوجيات الحيوية والذكاء الاصطناعي حتى بات الإنسان يفكر في محددات أخلاقية وقانونية تؤطر هذا التطور المذهل حتى لا يدمر نفسه بنفسه.    

إننا حينما ننظر إلى هذا التطور الباهر للعلوم والاكتشافات في مختلف المجالات، والفرق الحضاري الهائل بيننا وبين هذه المستويات الخرافية يصيبنا الإحباط ويتهيأ لنا بأن اللحاقَ الحضاري مستحيل، والأفضل لنا أن نقنع بالمنتجات الحضارية وأن نندمج في الحضارة التي أنشأتها، ولكن الأمر ليس هكذا ولله الحمد، فثمة فرقٌ بين الأمم التي تشتري المنتجات التي تُسهّلُ لها الحياة وتتمتع بها فحسب كما هو حالنا، والأمم التي تشتري المنتجات فتنعم بها ولكن تهيئ لها كذلك الموارد البشرية التي تُشغّلها وتفككها وتحاكيها وربما تصنع أفضل منها، كما كان حال اليابان مع المنتجات الأمريكية الأوربية ثم الصين التي لحقت اليابان بعد فرق أربعين سنة، واليوم الصين والغرب كفرسي رهان، ثم ها نحن أولاء بعد الصين واليابان العديد من الدول ومنها في بلادنا الإسلامية، كتركيا وإيران واندنوسيا وماليزيا وباكستان، قد دخلت عالمَ التكنولوجيا والصناعات الحديثة، بل باتت تصنع سلاحها.

سألت ذات يوم دكتور مهاتير، كيف صنعتَ نهضة ماليزيا؟ وكنا واقفين لا يسمح الوقت بإجابة طويلة، فأجابني جوابا مختصرا قائلا: “عزمت على أن أجعل المهندس الماليزي قادرا على العمل بكفاءة في مصنع بالمعايير اليابانية”، فاللحاق بالحضارة الغربية لا يكون إذن من خلال تكديس منتجاتها، ولكن بالركوب في قطارها عن طريق الإنسان الذي يكون في مستواها العلمي ويستطيع أن يركب من أي محطة من محطاتها. 

إن الأمريكيين والسوفييت لم يهزموا الألمان في الحرب العالمية الثانية لأنهم تفوقوا علميا، لم يكونوا أبدا في المستوى التكنولوجي الذي كانت عليه ألمانيا آنذاك، ولكن لأن المنظومة الفلسفية والإنسانية والاجتماعية الألمانية كانت متطرفة وعنصرية تحتقر الإنسان، ولم تجعل حدا لأطماعها وجرائمها، ومما ساهم في اللحاق بها استضافةُ علمائها في مخابر أمريكا والاتحاد السوفياتي. وحين سبق الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة الأمريكية في علوم الفضاء وبلوغ سطح القمر  في الستينيات أرجع الرئيس الأمريكي جون كندي ذلك إلى تراجع المستوى التعليمي في بلاده، وحينما انتهت الحرب الباردة بهزيمة الشيوعية في بداية التسعينات لم يكن ذلك بسبب ضعف تطورها العلمي والتكنولوجي وإنما بسبب فلسفتها المصادمة للفطرة ومنظومتها الاجتماعية والإدارية المتكلسة، ثم إنه رغم استمرار التفوق الغربي تحت القيادة الأمريكية في الجوانب العلمية والاقتصادية والعسكرية فإن المعطيات التي بين أيدينا في العقد الأخير تدل بأن الريادة ستكون في هذه المجالات للصين في وقت غير بعيد بالنظر لتفوق هذا البلد في مؤشرات النمو التي تسجلها في براءات الاختراع  والصناعة والتجارة وغير ذلك، و قد بدأت تتبعها دول أخرى بهذا الصدد في العالم الشرقي، ومن المفيد أن نعلم بأن تُسعَ العشر من الباحثين في مخابر بعض الدول الغربية هم من شرق وجنوب الكرة الأرضية.

 وإذا التفتنا إلى أسباب هذا الفتور الغربي لوجدناها في توقف الشغف الحضاري لدى الإنسان الأمريكي والأوربي  بسبب انهيار المنظومة الأخلاقية،    إلى الحد الذي صارت فيه الإباحية والنزعات الشاذة تُحمى وتُشجعُ بالقانون مما أدى إلى نهاية الأسرة وإزهاق الروح الاجتماعية، كما أدى هيجان الغريزة وانكسار ضوابط الفلسفة الفردانية وفشو الحياة المادية إلى تأليه السوق وتحول الاستهلاك إلى طقوس منضبطة للديانة الجديدة، وقد دفع ذلك كلُّه إلى تحول الحضارة الغربية إلى آلة فتاكة للظلم والاعتداء على الشعوب و تدمير ركائزها الثقافية لكي لا تنهض من سباتها ولا تفكر في النهوض. وتلك هي إرهاصات سقوط الحضارات على قول ابن خلدون وتوينبي واشبنغلر وابن نبي. 

 

إن الحضارات ميراث البشرية، تورث كما تُورثُ كلُّ تَرِكة، وعلى هذه السُنّة ورثت الحضارة الإسلامية علوم وفلسفة اليونان وطوعتها وفق منظومتها الفكرية والثقافية والاجتماعية الإسلامية، وحين انتهت الحضارة الإسلامية ورث الغرب ميراثها، وطوعه لثقافته ومنظومته الفكرية والاجتماعية المسيحية، وحين كان الغرب ينقل ميراث الحضارة الإسلامية منذ عهد النهضة الكارولنجية في القرن التاسع الميلادي ثم النهضة الإيطالية فالأوربية والإصلاح الديني ابتداء من منتصف القرن الرابع عشر لم تكن أوربا أقوى من العالم الإسلامي، بل كان الأتراك المسلمون يدكون دولهم ومدنهم دكا، غير أن شيئا ما حدث آنذاك في وعيهم الاجتماعي وفي منظوماتهم الإنسانية والإدارية والتعليمية بما جعلهم مؤهلين للحضارة. وهكذا هو الحال اليوم لا نحتاج أن نكون أقوى من غيرنا ماديا وعلميا لنرث الحضارة الغربية ونستأنف حضارتنا الإسلامية، وإنما نحتاج أن نكون متفوقين فكريا وإنسانيا واجتماعيا وإداريا وتنظيميا، ولذلك يجب أن نعي بأن التحكم في العلوم الاجتماعية أهم من تحكمنا في العلوم التكنلوجية، ليس لأن هذه العلوم أو تلك أو ذانك العلم أو ذاك أفضل من الآخر، وإنما العلوم التكنولوجية قابلة للانتقال حينما تكون المنظومة الاجتماعية والإنسانية قويةً تعبر عن ثقافة بلدها وذات رؤية حضارية.

لقد فهم الغرب أدوار علوم التكنولوجية وأدوار العلوم الاجتماعية، فوجه وأتباعه منذ عهد الاستعمار إلى الآن نجباء وأذكياء الأمة إلى العلوم الكونية والتكنلوجية لتحويلهم إلى تِقنيين في مصانعهم ومنشآتهم الرأسمالية، ولسرقة عقول كثير منهم باضطرارهم إلى الهجرة إليهم بسبب غياب البيئة العلمية في بلداننا وبسبب غياب الأفق المعيشي وخصوصا بسبب الفساد والاستبداد، كما منعوا وزهّدوا المتفوقين دراسيا في جامعاتنا في دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية لكي لا يتحول النجباء إلى مفكرين وعلماء وباحثين في هذه الاختصاصات ولكي لا نقدر على إنشاء المنظومات البنائية التي تجعل مجتمعاتنا حرة بوفرة القادة الواعين وقادرةً على تنظيم نفسها واستغلال مواردها، مهما كانت شحيحة، والتي ترفع المستويات التعليمية وتنشر الفاعلية الاجتماعية التي تمكن عندئذ من الانتقال التكنولوجي بكل يسر، سواء بواسطة البعثات العلمية التي يسافر أفرادها من أجل الرجوع للبلد بالعلم، وليس للفرار المعيشي أو السياسي خارجه، أو من خلال المنظومة التعليمية الوطنية التي تصنع الباحث صاحب براءات الاختراع التي تطور الفلاحة والصناعة، و التي تُخرّج المهندس الذي يستطيع أن يبني ويحرك المصانع وفق المعايير الأمريكية واليابانية والصينية.  

 

د. عبد الرزاق مقري

سبل معرفة الحق واتباعه

إن معرفة الحق واتباعه من أعظم الطاعات والعبادات والشرط الأساسي للنجاح في الحياة الدنيا والنجاة يوم القيامة. يقول الله تعالى في محكم تنزيله في سورة البقرة ((فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ- 213))، وفي سورة  يونس (( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى – 35)) وقوله عز وجل في سورة البقرة (( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون-42)).

ومن أعظم ما يدل على أهمية معرفة الحق في حياة المؤمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتضرع الى الله تعالى بأسمائه وصفاته لكي يدله عليه في أجلّ وأفضل أوقات استجابة الدعاء،  إذ كان يستفتح قيامه الليل بهذا الدعاء الذي ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- حينما سئلت: بأيِّ شيءٍ كان نبيُّ الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاتَه:اللَّهُمَّ رَبَّ جِبرائيلَ ومِيكائيلَ وإسرافيلَ، فاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشَّهادةِ، أنتَ تحكُمُ بينَ عِبادِك فيما كانوا فيه يَختلِفونَ، اهْدِني لِمَا اختُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإذنِكَ، إنَّك تَهْدي مَن تشاءُ إلى صِراطٍ مُستقيمٍ))

لقد كان النبي المجتبى يتوسل الى الله خاشعًا خاضعًا أن يريه الحق في ما اختلف فيه الناس وهو الذي رأى الغيب رأي العين، المعصوم المؤيد بالوحي وبحفظ الله وعونه وفق قول الله تعالى في سورة النجم: ((وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ (3) إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ( 4))

وإنما هذه السنة الفعلية  توجيهٌ لنا،  نحن المؤمنين العاديين، المبتلين بحتمية الاختلاف وفق قوله سبحانه في سورة  هود: (( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين٠ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ 118-119)) لكي لا نستصغر مسألة معرفة الحق واتباعه ونستخف بها، ولكي نجعل ذلك محورًا أساسيًا في حياتنا، نبذل قصارى جهدنا لتمحيص وجهات النظر وتبيين مختلف الآراء المختلف فيها، وتجلية ما خفي وما اكتنفه الغموض من القضايا التي تقابلنا في الحياة مما له أثر على ديننا ودنيانا، أفرادًا وجماعات، دون تحايل ولا تدليس ولا خِداع ولا كِبر ولا عجز ولا كسل، وبالتضرع إلى الله والتوجه إليه في الخلوات حيث تصفو وتصدق النفس ليرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وبغير أن يقتصر انحيازنا إلى الحق حين يكون في صالحنا فقط كما ذكر الله تعالى في شأن المنافقين في سورة النور: (( وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)  ))

لقد تأملت في النصوص الشرعية والأحكام والحِكم الهادية إلى سبل معرفة الحق، فوجدتها تتوزع على خمسة معالم  هي:

– الإخلاص لله تعالى وتقواه

– العلم بالأمر والمعرفة بمختلف جوانبه.

– الخبرة فيه وطول التجربة بخصوصه

– الشورى بحكمها خلق لازم وإجراء فاعل وصادق

– الافتقار إلى الله في معرفة الحق والدعاء والتضرع إليه سبحانه.

أولاً – الإخلاص إلى الله تعالى وخشيته سبحانه وتقواه، إذ الحق نعمة نفيسة يَتيهُ فيها خلق كثير لا َتعرف إلا أبواب القلوب السليمة، التواقة حقا لمعرفة الحق، المحبة له المتعلقة به ولو كان في ذلك خسارة تصيب أصحابها، فقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 282- )) أي بخشيته تعالى تنقدح أنوار العلم والمعارف والحكمة، وكقوله سبحانه في سورة الأنفال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا))، أي يهبه ميزانًا يعرف به الأمور على أوزانها الحقيقية، ونورًا يفرّق به بين الحق والباطل والحقّ والصواب. وقد وقف محمد رشيد رضا عند هذه الآية في تفسيره “المنار”  فقال: “جعل لكم بمقتضى هذه التقوى ملكة من العلم والحكمة تفرقون بها بين الحق والباطل ، وتفصلون بين الضار والنافع ، وتميّزون بين النّور والظّلمة ، وتزيلون بين الحجّة والشبهة . وقد روي عن بعض مفسري السلف تفسير الفرقان هنا بنور البصيرة الذي يفرّق بين الحق والباطل”

وفي السنة النبوية توجيهات كثيرة لما يمنحه تقوى الله من الحكمة والبصيرة ومن ذلك  الحديث القدسي العظيم الذي رواه البخاري عن أبي هريرة في ما حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه فقال: (( يقولُ اللهُ تعالى :مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ ولابدَّ له منه)). 

وفي مقابل ذلك لا شيء يعمي عن معرفة الحق كاتباع الهوى كما بين الله سبحانه وتعالى في صورة ص: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ – 26))، ومن أشد أنواع اتباع الهوى الكبر، الذي فسره رسول الله صلى عليه وسلم بأنه “بطر الحق” أي إنكاره وكفرانه،  و”غمط الناس” أي التعالي على الناس ومنعهم حقوقهم ومكانتهم، وذلك في الحديث الصحيح  الذي رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى عليه وسلم : (( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ)).

 وقبل ذلك وبعده،  فإن من أركان صلاتنا التضرع الى الله، في كل ركعة من صلوات الفرض والنافلة أن ندعو الله في قراءتنا سورة الفاتحة أن يعرفنا عز وجل  بالصراط المستقيم وأن لا نضل عن الحق، وأن لا نتعمد  الصّد عنه إن عرفناه، فينالنا غضب الله وإبعاده.

والإخلاص لله هو الإخلاص الذي ينجو به المرء عند الله تعالى،  ويوفق به في حياته الدنيا حيثما ذهب، ولكن ثمة إخلاص دون ذلك، كالإخلاص لأمة أو وطن أو عشيرة أو شركة أو مؤسسة أو منظمة أو حزب أو وظيفة أو فكرة مجردة أو نحو ذلك، فإنه كلما تجلى إخلاص المرء لأي منها، بعيدا عن المصالح الشخصية والأوهام المضلّة،  كانت معرفته مؤكدة للأنفع والأصح والأصلح لما  يعلن أنه مخلص له، وغير ذلك بريق سمعةٍ، وتدليسٌ وخداع.

يتبع ….

د. عبد الرزاق مقري

ماذا نريد.. الحضارة أم منتجاتها؟

للمفكر الكبير مالك بم نبي عبارةٌ جميلة في علاقة الحضارة بالمنتجات الحضارية يقول فيها: ” إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن (( أن الحضارة هي التي تلد منجاتها))، وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارةً من منتجاتها“. وقد بينتُ في مساهمة فكرية في كتابي الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور أن المنتج الحضاري هو آخر مرحلة في مسار نشوء الحضارات، حيث بيّنت أن الحضارة تبدأ بفكرة، يحملها شخص، يصنع بها عصبة، ثم تنتشر الفكرة في المجتمع فإذا ما ترسخت وتجذرت في المجتمع تنتقل حتما إلى الدولة فتصنع نهضة فإذا استقرت في الدولة وباتت تنتج منتجاتٍ حسيةً ومعنويةً تنافس في الساحة العالمية انتقلت إلى مستوى الحضارة العالمية. 

إن من مظاهر بلوغ الأمم مستوى الريادة الحضارية أن تصبح منتجاتُها المعنويةُ جذابةً تقصدها الأمم وتتأثر بها، وتحظى منتجاتها المادية بتنافسية عالية في الأسواق العالمية.

هكذا كان حال كل الحضارات، وهكذا كان حال الحضارة الإسلامية، إذ كانت في زمن ألقها منذ منتصف القرن التاسع  إلى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي تقود العالم كلَّه في مختلف المجالات العلمية والفنية والأدبية والاقتصادية، في العمران والزراعة والصناعة والفلك والكيمياء والرياضيات والطب وغيرها، وتأثرت بها مختلف الأجناس وقصد جامعاتِها طلبةُ العلم من مختلف أنحاء الدنيا، وحاكت الأممُ كثيرا من نمط حياتها، وتعلم لغتَها كلُّ متلهِّف للعلم والفلسفة والحكمة والأدب والسياسة، فداخلت اللغة العربية مختلف اللغات، يدل على ذلك الأصولُ العربية التي لا تحصى  في مفردات لغات الدول الأوربية.

ثم دالت  حضارة الإسلام وسارع إليها التقهقر والتخلف منذ القرن الخامس عشر، في الفترة التي سماها بن نبي مرحلة ما بعد الموحدين، وهي الفترة التي استحكم فيها الترف والابتعاد عن الهدايةِ القرآنية وهديِ السنة النبوية، وكثرت فيها الاختلافات بين الملوك والأمراء، وتوقفت الجهود العلمية، مما أدى إلى الضَّعف في مواجهة الأخطار المغولية والصليبية، ولو لا نجدة المماليك والأتراك لزال كيان الأمة مبكرا، غير أن هبّة الأعاجم التي قادت المسلمين في زمن دول البارود ثم الخلافة الإسلامية العثمانية كانت دولُ عسكر وإدارة، ثبَّتت الدولة قرونا ولكن لم توقف تراجع الحضارة، التي كانت في ذلك الوقت تبزغ في أوربا في زمن النهضة والإصلاح الديني، وفي بداية القرن العشرين سقطت آخر دولة مثلت الإسلام مع سقوط الخلافة العثمانية، وحل الاستعمار في كل البلاد الإسلامية وأخذ الانحطاط يتعمق في كل الأرجاء وفي المجلات العلمية والسياسية والاقتصادية، وأخذت مظاهر الجهل والفقر والسلبية والخمول والكسل والعجز تتعاظم، ثم بدأت القاعدة التي وضعها ابن خلدون تتجسد في المجتمعات الإسلامية بأن ” المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب”، فبدل البحث في أسباب الانحطاط والأخذ بأسباب النهوض لمنافسة الحضارة الغربية في منتجاتها المعنوية والمادية صار الاتجاه العام في الأمة هو اقتناء منتجات الحضارة الغربية، من المناهج والنظم والسياسات، إلى اللوازم والأدوات، إلى القيم والثقافات.

 وقد عبر ابن نبي عن هذه الحالة بقوله: “ونحن في القرن العشرين نعيش في عالم يبدو فيه امتداد الحضارة الغربية قانونا تاريخيا لعصرنا، ففي الحجرة التي أكتب فيها الآن كل شيء غربي، فيما عدا القلة التي أراها أمامي“. 

لا يرى مالك بن نبي ـ محقا ـ بأن الانصراف عن المنتجات الغربية كلِّها أمرٌ ممكن فهو يقول: “فمن العبث إذن أن نضع ستارا حديديا بين الحضارة التي يريد العالم الإسلامي تحقيقها، والحضارة الغربية” وإنما المعضلة في أن يعتقد المسلمون أن كل ما في الحضارة الغالبة نافعٌ لهم، وضرب المثل بحال المريض الذي يدخل الصيدلية يريد أن “يبرأ من مرض لا يعرف عنه شيئا”، ولا يعلم ما الدواء الذي يصلح له. وقد يؤدي التقليد الأعمى بصاحبه إلى الموت الحضاري وهو لا يدري، كمثل أولئك المترفين في أمتنا الذين لا يفوتهم شيء من منتجات الحضارة الغربية إلا اقتنوه، معتقدين بأن ذلك مؤشرٌ على تحضرهم، وهم في حقيقة الأمر في أدنى دركات التخلف فكريا ونفسيا وعلائقيا وسلوكيا، خلافا لذلك الراعي الذي يعيش في بلد متحضر، لا يملك شيئا كثيرا، تراه في نفس الرقي الحضاري الذي عليه طبيب أو مهندس في نفس المجتمع وفق المثل الذي يضربه مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة عن هذه الحالة.

وحين يقول مالك بن نبي ” أن الحضارة هي التي تلد منجاتها“، يكمل فيقول: “وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارةً من منتجاتها“، ثم يبين بأنه في كل الأحوال لا يمكن، ولا ينبغي، تكديس المنتجات الحضارية، وذلك أمر لا يمكن أن يبلغ منتهاه من الناحية العقلانية والعملية، فمن حيث الكيف “لن تبيعنا الحضارة الغربية جملةً واحدة الأشياءَ التي تنتجها ومشتملاتِ هذه الأشياء، فهي لا يمكن أن تبيعنا روحها وأفكارها وثرواتها الذاتية وأذواقَها“، وبالفعل ستبيعنا الحضارة الغربية منتجاتها الحضارية بالطريقة التي نبقى مستهلكين لها لا منتجين، خصوصا ما يتعلق بالمنتجات الاستراتجية التي تضمن تفوقها. ومن الناحية الكمية، لا يمكن ان نوفر رأس المال الذي نشتري به العدد الهائل من الأشياء التي تنتجها الحضارة الغربية، كما لا يمكن لمجتمعاتنا أن تستوعب كل تلك الأشياء، ولا يمكن أن تُشَغّلها كلَّها دون حضور لازم لصانعيها، وإذا حضر رأس المال وتكدست المنتجات فإنما هي “حضارة شيئية” أو نسخة مقلّدة للحضارة، وليست حضارةْ، وسيظهرُ العَوار من اليوم الأول بأنه إنما هو تخلف يتزين بما ليس له وما لا يزينه. علاوة على أن المنتجات الحضارية للأمة الغالبة تحمل أحيانا قيما معارضة لقيمنا، خصوصا إن كانت الحضارة في مرحلة الترف والأفول فبدل أن نأخذ القيم التي جعلت تلك الحضارة تنهض في البدء نأخذ القيم التي تجرها للزوال في الأخير، وعليه إن لم يكن الاقتناء عاقلا تدمر المنتجات الحضارية المشحونة بالسموم قواعدَنا المبدئية للإقلاع الحضاري.

 

د. عبد الرزاق مقري

الهجرة في سبيل الله سعةٌ

قد يشعر المرء وهو يسير في طريق الإصلاح وصناعة الخير بكثير من الضيق والأسى حين تعترضه المصاعب والعواقب وتحيط به الخيبات، أو تثقل كاهله المظالم، أو حين يدرك حجم تأثير ما وقع فيه من تقديرات خاطئة واختيارات مجانبة للصواب على حياته ورسالته فيها، وقد يصل به الإحباط للتحول إلى كتلة من السلبية يسجن فيها نفسه، حتى لا يكون ثمة من قيد له سوى السجن الذي بنى حيطانه حول نفسه بنفسه.
غير أن الله سبحانه جعل للمؤمن مخارج كثيرة من هذه الحالة المدمرة، يحوّل بها هذا الضيق الى سعة، ومنها الهجرة في سبيل الله وفق قوله سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)). ومعنى الآية كما بيّنه المفسرون، أن الله يهب المهاجر أنواعا من التأييد بما يتحصن به وما يراغم به الأعداء، ويبسط له ويوسع له في الرزق.
والهجرة تكون لأسباب كثيرة، بالقلب والفكر وبالجسد.
– أما الهجرة بالقلب، أن يهجر المؤمن النوايا السيئةَ والمقاصد السفليةَ، وأن يغادر بقلبه سفساف الأمور ، ودرن الآفات الدفينة ويسافر بفؤاده نحو السماء إلى معالي الهمم، وعزائم الأمور الرفيعة.
– وأما الهجرة بالفكر أن يترك المرء بفكره البيئة السلبية التي تفسد دينه وتكون خطرا على أخلاقه، والمعيقة لتطوره ومواصلة طريقه، فيقطع صلته عقليا بالأجواء الفاسدة التي لا يستطيع تغييرها في الحين، والتي يعسُر عليه في الآن إمضاء الخير الذي يرومه فيها، وينتقل إلى التفكير في الأعمال الصالحة ومشاريع الإصلاح التي لا تحكمها البيئات المنحطة أبدا، ويتحرر من قيود الحاضر بأن يطلق العنان لخياله لكي يرحل إلى مستقبل مشرق يرسمه في ذهنه فيذهب إليه مسرعا غير ملتفت إلى الخلف حيث البيئات المضللة.
– وأما الهجرة بالجسد فهي أن يغادر المسلم المكان الذي تغلبه فيه نفسه، حيث تجرّه نزواته إلى المهالك، أو حيث دواعي العجز والكسل، أو آثار الآثام والظنون والهواجس التي تمنعه، أو تعطله، عن العمل الصالح للارتقاء بنفسه ومجتمعه إلى مدارج الخير والبر والرضوان.
وهذا ما يؤكده الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو : ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ‏))، وكلما كانت الظروف صعبة والبيئة فاتنة وثمن الالتزام كبيرا، كان الثبات على الدين بمثابة الهجرة المتجددة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما بيّنه الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن معقِل بن يسار عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال: ((الْعِبادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إلَيَّ))
وقد تكون الهجرة انتقال دائم أو مؤقت لسبب البحث عن فضاءات أرحب وفرص أفضل، يُقدَّرُ فيها مقامُك ومقدراتك، وتحصل فيها على أدوات أنسب لتطور ذاتك، وتجسيد رسالتك والاقتراب أكثر من رؤيتك.
وقد تكون الهجرة بسب المنع والتضييق أو الملاحقة والاضطهاد، لا لشيء إلا لأنك تؤمن بالله، أو لأنك تدعو إلى الله، أو لأنك تريد أن تخدم بلدك في سبيل الله، لتحرره من الفساد والاستبداد، ولتجعل أهله ينعمون بالحرية والكرامة والعيش الرغيد.
يكون الانتقال والهجرة بالجسد من مكان الى مكان آخر، قريب أو بعيد، من حي إلى حي، أو من قرية إلى إلى قرية، أو من مدينة إلى أخرى، أو من بلدك إلى بلد آخر، بعيد أو قريب، لا يهم في ذلك إلا البيئة التي تساعدك على حفظ نفسك وأسرتك وخدمة دينك وأمّتك، ولا معيار للهجرة التي يجزل بها الله تعالى الأجر والثواب إلا أن تكون في سبيل الله كما جاء في الحديث الصحيح المشهور : (( إِنَمَا الأَعْمَالُ بِالنِيَاتِ))، وأن تبقى في سبيل الله، مبررة دوما بالمقاصد النبيلة، لا تغامر فيها بدينك وأخلاقك ومروءتك، مهما كان المجال الذي ستشتغل فيه ومهما كانت الوجهة التي تقصدها.
إن من أهم الدروس التي نستلهمها من الهجرة النبوية أن أصحاب الرسالات لا يجب أن يتوقفوا عن العمل لرسالتهم ورؤيتهم مهما كانت الصعوبات والتحديات والخيبات، ومهما كان الصد الخفي والعلني، والمباشر وغير المباشر، ومهما كانت صلابة وضخامة القوى المضادة، فالمجتمع فسيح وأرض الله واسعة،(( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا))
وقد تكون الهجرة جزئية إلى بلد غير معادٍ يتم فيها انتقال جزء ممن أرهقهم الأذى أو ممن يجب حمايتهم لأهميتهم أو لأهمية ما يحملونه من خصائص تحتاجه الجماعة الساعية للتغيير، أو لصناعة منصة خارجية للدعوة إلى الله ولنشر الفكرة ضمن رؤية حضارية مستقبلية، كما حدث في الهجرة الأولى الى الحبشة.
أو تكون الهجرة كلية، بخروج الجماعة الساعية للتغيير كلها حين تصبح أرض النشأة مستعصية بالمجمل على التغيير، للتحول إلى بلدة أو بلاد أخرى مرحبة ومستعدة لقبول الفكرة الجديدة وحمايتها والتضحية من أجلها، كما حدث في الهجرة النبوية التي نحتفل بها كل سنة في الأول من محرم، ثم تكون العودة إلى البلاد التي بزغت فيها الفكرة بعد أن تمكنت في بلاد أخرى هاجرت إليها، أو استُكملت فيها العدة النفسية والفكرية وهُيِئت الأسبابُ للرجوع إلى بلد المنبع.
لا هجرة بعد فتح مكة، من مكة إلى المدينة، وفق ما ورد في الصحيحين من حديث عائشة، ومن حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))، ولكن الهجرة تبقى عملا صالحا إلى يوم القيامة وفق ما جاء في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن أبي سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَى تَنْقَطِعَ التَوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَوَبَةُ حَتَى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرَبِهَا))، وذلك إذا أضطر المسلم إلى ترك الإقامة في بلاد غير المسلمين إذا خشي على دينه، ودين أبنائه وعائلته، ليقيم حيث يستطيع المحافظة على عقيدته والالتزام بواجباته الدينية هو ومن هم تحت مسؤوليته، أو إذا هاجر إلى بلاد أخرى، مسلمة أو لغير المسلمين، إذا ارتبطت هجرته بنية خالصة لوجه الله تعالى، أو من أجل أعمال مفيدة للنفس والأهل أو للوطن أو الأمة أو من أجل القضية الفلسطينية أو دفاعا عن أي قضية مقدسة أو عادلة.
بل إن الهجرة تبقى دوما واجبة من حيث هجر أذيّة المؤذين وسوء المسيئين والصبر عليهم حين لا يكون تغيير مناكرهم ممكنا ولا تزيد رفقتهم إلا منقصة في التدين والأخلاق كما بين الله تعالى (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا- 10)) المزمل.
وتكون الهجرة كذلك واجبة في كل وقت من أجل المحافظة على الدين وحفظ النفس والأهل من بطش الظالمين والاستضعاف في الأرض لمن قدر عليها ووجد طريقها وملك وسائل الحياة الكريمة الحرة عبرها في بلاد أخرى، إلا من عجز فإن الله تعالى يرحمه ولا يؤاخذه، وذلك ما قصدته الآية الكريمة في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا- 98-99)) النساء.
لقد جعل الله الهجرة من أعظم الأعمال الصالحة وامتدحها في كتابه العزيز، ما تعلق منها بالهجرة الى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في المدينة حين خرج من مكة مهاجرا إليها، كما جاء عنها في العديد من الآيات التي ربطها سبحانه بالإيمان والجهاد ومنها قوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيم))، وما عظُم أمر المهاجرين إلا لما حققوه من تحول تاريخي عظيم بدأ معه عدّ قيام أمة الإسلام ودولة الإسلام وحضارة المسلمين وقد أعطوا في سبيل ذلك كل ما يملكون، وما نحن المسلمين جميعا إلا حسنات جاريات في رصيدهم رضي الله عنهم أجمعين وعلى مصدر الخير فيهم سيدنا محمد أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
أو ما تعلق منها بهجرة الذنوب والمعاصي، حيث عدها رسول الله أفضل الإيمان، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن عمرو بن عبسة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ….قال: فَأَيُ الإِيمَانِ أَفْضَلْ؟ قال: ((الهِجْرَةُ))، قال: فَمَا الهِجْرَة؟ قال: ((تَهجُر السُوءَ))..))
أو ما تعلق بهجرة الأوطان لحفظ الدين، وتجنبًا للظلم والبطش والعدوان، كما وقع في عصرنا للعديد من المسلمين الذين تم تهجيرهم بسبب الفتن والحروب أو الذين تم التنكيل بهم من قبل الأنظمة الاستبدادية أو المليشيات الإجرامية، في مصر وسوريا والعراق واليمن ونحو ذلك كما بين الله تعالى في محكم التنزيل: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ – 41))النحل
أو ما تعلق بأي غاية نبيلة تدخل فيها نية صالحة، ويُحفظ فيها الدين والعرض والخلق، كطلب العلم كما جاء في صحيح أبي داود عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ))، أو الضرب في الأرض وراء الرزق كما جاء في الآية: ((هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيهِ النُشُور – 15)) الملك، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البيهقي مرفوعا عن ابن عباس: ((سَافِرُوا تَصِحُوا وَتَغْنَمُوا)).
إن في الهجرة خير كثير حين تكون واجبة لحفظ الدين أو النفس أو العرض، وحينما تكون مباحة لمصلحة عامة نبيلة في أي مجال من المجالات أو لمصلحة خاصة مما يتقوى به المؤمن الصالح في ما لا تتاح له الفرصة في بلده، لعلم أو خبرة أو رزق، وفق قول المصطفى في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: ((المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفِي كُلٍّ خَيْرٌ)).
فالهجرة بهذه المعاني خير كله وفق ما جاء في الحديث الذي رواه النسائي وصححه الألباني، عن كَثير بن مُرَّة أن أبا فاطمة حدَّثه، أنه قال: يا رسول الله، حدِّثني بعمل أستقيم عليه وأعمله، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عَليكَ بالهجرةِ فإنَّهُ لا مِثلَ لَها)).
وما فضل الهجرة إلا لما يقدمه صاحبها من تضحيات بترك الديار والأهل والأحباب وركوب المخاطر والتحرك في المجهول، وربما ضيق الرزق وقلة الزاد، قبل أن تستقر له الأمور بما يمنحه الله تعالى له من مراغمة وسعة وعد بها سبحانه في الآيات وأحاديث نبيه عليه الصلاة والسلام.
وجمل الإمام الشافعي فوائد التغرب عن الأوطان في أبيات بديعة يقول فيها:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة
وعلم وآداب وصحبة ماجد

د. عبد الرزاق مقري

الوثنية السياسية

من طبائع الاستعمار، كما هو الاستبداد، أن يُحول الخيرَ في الأفراد والمجتمعات إلى نقيضه، إن شعر بأن ذلك الخيرَ يُضعف سطوتَه أو يقوضُ وجودَه، وهكذا فعل الاستعمار الفرنسي بالحركات الصوفية التي قاد شيوخُها المقاوماتِ الشعبيةَ بدوافعَ الدين والشرف والبطولةِ لمدة سبعين عاما تقريبا أثناء توغله في الجزائر لاحتلالها كلها. فبعد هزيمته لكل المقاومات الشعبية استطاع بأساليبَ القمع وشراء الذمم ونشر الجهل والفقر والتدمير المنهجي للبنيات النفسية والاجتماعية أن يحول جلَّ تلك الصُّروح الدينية لتعليم القرآن وعلوم الشريعة إلى مؤسسات تعمّقُ الوثنية الدينية في المجتمعْ “حيث تذهب، كما يقول مالك بن نبي، الأرواح الكاسدةُ لالتماس البركات، ولاقتناء الحروز ذات الخوارق والمعجزات“، وكذلك لحضور زردة الولائم ورقصات الغفلة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتَربط السُّكانَ بالخرافات والمعتقدات الفاسدة، وتبني بينهم وبين المستعمر علاقة الخضوع والاستسلامْ، باعتباره قدرا مقدورا من الله يجب الرضا به وعدم مغالبته، وكانت النتيجة هجودا عميقا في ليلٍ مظلم كاد أن يُلحق مصير الجزائر بمصير الهنود الحمر بأمريكا لو لا هبةُ رجال الإصلاح.

سجل الأستاذ مالك بن نبي هذه الهبة قائلا: “غير أنه ما إن سطع نور الفكرة الإصلاحية الباديسية حتى تحطم ذلك المعبد وخمدت نيران أهل الزردة” وأتيح للإصلاح أن يمسك مقاليد النهضة الجزائرية بنشر الإيجابية والتدارس المستمر لأسباب الاستعمار واستمراره، وكان المنهج هو إصلاحَ الذات من داخلها وفق شعار الجمعية (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) والاعتزازَ بالهوية العربية الإسلامية والانفصالَ الشعوري لمصير الوطن عن مسار الاحتلال وثقافته ونظمه وقوانينه، وكانت الوسيلةُ المثلى مدارس التعليم التي شبهها مالك بن نبي بمدارس النهضة العلمية المسيحية الأوربية في عهد شارلمان التي كانت حسب بن نبي ـ أصل الثورة العلمية الغربية ـ علاوة على تحسين أذواق الناس بالأدب الهادف والفن الملتزم ومحاربةِ الانحرافات الخُلقية فيهم ورفعِ مستوياتهم العقلية في نوادي الحوار الداخلي البعيد عن مظاهر العجب والرياء والتباهي.

غير أن مالك بن نبي سجّل بمرارة كبيرةٍ التحول الذي وقع لجمعية العلماء المسلمين حين اعتقد قادتها بأن الخلاص من الملاحقات والتضييقات، وأحيانا الاغتيالات، التي اتجه إليها الاستعمار حين تفطن لأثر العمل الإصلاحي في نفوس الجزائريين، يكون باللجوء للسياسيين الذين يسعون للمطالبة بالحقوق، وبعضِهم بالاندماج، ولا يهمهم استمرارُ الاحتلال. لقد كان نقد بن نبي للجمعية مُكلّفا له في علاقته ببعض رجالها رغم حسن الظن بها وتعلقه بها من قبل ومن بعد.

 قد يكون ابن نبي قد بالغ في اختيار تلك العبارات الشديدة في حق الجمعية، كعبارة “مركب النقص” الذي شعر به العلماء المصلحون ـ حسبه ـ إزاء قادة السياسة حين مالؤوهم وسايروهم ظنا  منهم بأنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة“، قد تكون العبارةٌ شديدةَ، وغير مناسبة، حيث لم تتخل الجمعية عن فكرتها ووسائلها ولم تنخرط بذاتها في الوثنية السياسية التي حاربها بن نبي حربا شعواء، وإنما ظنت أن المطالبةَ بالحقوق كفيلةٌ بحماية مدارسها ومنجزاتها الحضارية، فضاعت الفرصة الحضارية بأن أخَذت منها فكرةُ الاستقلال التي جاء بها بعدها حزب الشعب المبادرةَ إذ لم تسبق الجمعية، بسبب ذهنيتها الإصلاحية، بنقل الشعب الذي صنعته إلى الثورة المسلحة في وقت صارت شروطُها حاضرةً تنقاد لكل من يطلبها. 

إن ما عابه بن نبي عن جمعية العلماء المسلمين، على فضلها وإنجازها العظيم، هو ما يمكن أن يعاب اليوم على الحركات الإحيائية الإسلامية  من حيث أنها تحولت بشكل يكاد يكون كليا إلى العمل الحزبي الانتخابي وابتعدت كثيرا عن وظائف  مجتمعية استراتيجية لإصلاح الفرد والمجتمع وفق ما كانت عليه، بما يؤهلها فعلا للريادة الحضارية ويجعل انتقال الفكرة إلى الدولة آمنا صانعا لنهضة الأوطان، وحين أرهقتها في الشأن الحزبي المضايقات والتزوير والانقلابات صار كثير منها يقبل بالاندماج في منظومات الحكم والرضا بالهوامش الضيقة من أجل البقاء في الساحة  والمحافظة على المكتسبات لا غير، دون أي أفق للتغيير، وبلا جهود جادة في المقاومة السياسية لتكون المنافسةُ الانتخابية ذات جدوى حمالةً للتداول بالأفكار ولو بعد حين،  وصار الخوفُ على الهياكل والنظم والمكاسب السياسية والمقامات الاجتماعية مقدما على الخوف على الفكرة، وحين غابت الفكرة أو تراجع الاهتمام بها تحولت تلك المكتسبات إلى أوثان لا ينفع التعلق بها ولا يضر، وقد يضر و لا ينفع.

“إن من سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم”، هكذا كان بن نبي رحمه الله يقول ، فقد كان ينظر إلى أؤلئك الناشطين في الساحة السياسية، المطالبين بالحقوق، قبل الثورة، أنهم لا يساهمون إلا في تجسيد الفكرة الاستعمارية وإطالة أمد الاستعمار، إذ كانوا يسيرون وراء سراب الانتخابات ويقودون الجماهير بالوعود الكاذبة لأخذ الحقوق التي لن يحققوها أبدا من الاستعمار، حتى حولوا الحكومة الاستعمارية إلى مقام “الوثن الأكبر” الذي يُعتقد فيه النفعُ والضرر ويُرتجى وحدَه لإصلاح الأحوال، وحوْله أوثانٌ صغيرة تتوسل بها الجماهير للوصول لرضا الوثن الأكبر، وذلك أن عملهم السياسي لم يكن يقوم على فكرة إصلاحية تقود تلك الجماهير للقيام بالواجبات التي يستحقون بها النهضة، من خلال إصلاح أنفسهم ومجتمعاتهم ليصبح الفرد ـ كما يقول بن نبي ” قادرا على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديرا بأن تُحترم كرامتُه، لكي يرتفع عنه طابع “القابلية للاستعمار”، ومن ثم لن يقبل حكومةً استعمارية تنهب ماله وتمتص دمه، فكأنما بتغيير نفسه قد غير وضع حاكميه تلقائيا إلى الوضع الذي يرتضيه“. 

وكما هي الظاهرة الاستعمارية تكون ظاهرة الاستبداد، إذ يعمل المستبدون دوما على إفراغ الساحة الاجتماعية والسياسية من تدافع الأفكار حتى لا يكون الرأي إلا رأيَهم، على قول فرعون “ما أريكم إلا ما أرى”، فإذا غابت الأفكار نُصبت الأوثان، فيكون المستبّد وثنا يُعبد من دون الله، ويصبح في ذهن زبنائه وكثير من رعاياه، من حيث دروا أو لم يدروا، هو الرازق وهو المانع وهو الرافع وهو الخافض وهو المنتقم وهو القاهر، يتنافس العالِم والجاهل، والغني والفقير، والإمام والمأموم في التقرب منه أو في تجنب سَخطه، فيُكثروا في سبيل ذلك الإشادةَ بإنجازاته الوهمية، وإذا ما رأى رأيا صفقوا  لرأيه الحصيف، وإن تراجع عن ذات الرأي هللوا هم ذاتُهم لحكمته البليغة. ثم تُرسم المؤسسات الحكومية والمجتمعية على منواله، في كل مؤسسة تنشأ أوثان صغيرة، يُعظَّمُ قادتُها وقراراتهم وتُعظّمُ نظمُها وتنظيماتُها دون أي تجديد ودون أي اعتبار لمقام الأفكار. 

ليس العيب في الانتخابات فقد اعتمدها مفجرو الثورة النوفمبرية وهم يعدون للثورة، وإنما العيب في اعتبارها هي المخرج. وليس العيب في المؤسسات والتنظيمات، فهي ضرورية للإنجاز، وإنما عيبها أن تتحول إلى وثن، ولا إبراهيم لها ليبقيها وسيلةً بكسره بمعوله الوثن. 

د. عبد الرزاق مقري

أيها الإسلاميون ليس وقتكم؟!

شيء مؤسف أن يوصف الإسلاميون  في معرض المدح أن لهم دورا وظيفيا لإنجاح “العرس الانتخابي” وخدمة الدولة أمام القوى الخارجية بمشاركتهم في الانتخابات، وأن من دلائل وطنيتهم أنهم يدركون أن الظروف الإقليمية والدولية  لا تسمح لهم أن يكونوا في صدارة النتائج الانتخابية لقيادة البلاد، وأن اقتحامهم المنافسة الانتخابية هو في حد ذاته دليل على ديمقراطيتهم، فيَسعدون بهذا، ويكررون ما  يقال عنهم في ذلك بابتهاج كبير، ويشاركون غيرهم ما يُكتب عنهم في هذا الشأن في مختلف الوسائط الاجتماعية ليؤكدوا بلسان الحال أنهم فعلا كذلك. حتى ليقول القائل إنها والله لعاهة كبيرة، وكأنها المازوخية! 

بل ثمة من قال لي – عجبا – أن الهوامش السياسة التي يتمتع بها الإسلاميون في الجزائر، إلى حد المنافسة على رئاسة الجمهورية هي أفضل مما مُنح لغيرهم في البلاد العربية، حتى وإن كان الوصول الفعلي إلى الرئاسة أمرا مستحيلا، وما قول ذلك القائل وما مثله إلا للزيادة في المنّ وبناء العقد النفسية والتيئيس من الحاضر والمستقبل. 

 ينسى من يعتقد ذلك الاعتقاد ويصدقه أن الحركة الإسلامية تسلمت رئاسة الحكومة في تونس والمغرب من قبل، ووصلت إلى رئاسة الجمهورية في مصر، والمجلس الرئاسي في اليمن، وفي كل هذه التجارب وصل الإسلاميون بالإرادة الشعبية وليس بالمنح السلطانية. وهذا أمر يستحيل أن يقبله النظام السياسي الجزائري إلى يوم الدين بعد أن أنقلب على نتيجة الانتخابات التشريعية في جانفي 1992 رغم إعلانه هو ذاته بأنها كانت حرة ونزيهة. 

والعقلية والثقافة التي انقلبت على التجارب الناجحة في الأقطار الأخرى ، أو أفسدتها، هي التي انقلبت على الانتخابات التشريعية في التسعينيات في الجزائر وهي التي تحدد لهم السقف الذي لا يمكن أن يتجاوزوه، ما لم تتغير  الموازين، وستبقى تفعل ذلك بالتزوير والتضييق والترويض الشرطي إلى أن يقبل الإسلاميون أنهم ليسوا بديلا وأن يرضوا بما يُمنح لهم، إلى أن يصبح ذلك هو حظهم الحقيقي أو أقل من ذلك في الإرادة الشعبية والحالة الاجتماعية، فتتحقق ما يسمى بالديمقراطية الآمنة التي يخسر فيها الإسلاميون بالصندوق دون الاضطرار للتزوير.   

وستبقى الحركة الإسلامية في العالم العربي بين منهجي الاستئصال أو الإدماج ما لم تنتهج نهجا جديدا، عنوانه المقاومة السياسية السلمية، التي تتوازى في الرؤية والفكر – مع الفارق في الطبيعة والمكان والظرف –  مع نهج المقاومة الفلسطينية ضد البطش الإسرائيلي وداعميه في العالم بأسره،  أو وفق ما ذكره روجي غارودي في استراتيجية محاربة النظام الرأسمالي العالمي الظالم المهيمن من خلال نهج حرب العصابات السلمية لإرهاق هذه المنظومات الاستبدادية الظالمة الفاشلة  دون الدخول في صدام مباشر معها، والتحالف مع سنن التغيير الغلابة، ضمن نظرية المكان المناسب الذي نظّرنا له في كتاب تحدي العبور، في الوقت والمكان الذي يريده الله  ويختاره.

وهذا النهج هو ما جرّبناه في حركة مجتمع السلم بين 2013-2023 وجعل الحركة تتجه من جديد نحو الصعود، في مختلف المجالات، غير أن الصعود لم يكتمل بعد، لأنه لا نجاح في التاريخ في نهضة الجماعات والأمم والدول دون استمرار السير دون تردد في الرؤية عبر فترة طويلة من الزمن. وفي كل الأحوال لن تنتظر السنن الجارية منذ طوفان الأقصى حركة مجتمع السلم أو غيرها، والأرجح أنه سيكون التحول تيارا جارفا يفيض فيه التنور فلا تسير فيه إلا الفلك المعدّة لذلك، إذ قد ينصر الله دينه وأمة نبيه ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى بقوم ليسوا مثلنا ولا يشبهوننا في شيء، والله نسأله أن يجعلنا ممن يركب فلك النجاة الواصل إلى المقصد، لا مبدلين ولا مغيرين.   

إن القول المتكرر بأن الوقت ليس مناسبا للإسلاميين هو الكلام الذي قيل للشيخ محفوظ، وعلى أساسه زوروا عليه الانتخابات الرئاسية عام 1995 ومنعوه من الترشيح عام 1999، وتوفي ولم يحن وقته رحمه الله،  وقلبه مليء بالحزن من الظلم العظيم الذي سُلّط عليه وعلى حزبه، وبقي النظام السياسي وأدواته المباشرة وغير المباشرة، يقولون لقادة الحركة إلى اليوم  ذات الكلام: “الظروف لا تسمح أن تكونوا في الصدارة”، وسيبقون يقولون هذا الكلام المنوّم الملغي للرسالة والرؤية التي نشأت على أساسها الحركات الإسلامية إلى يوم الدين ما لم تتغير الموازين، وما لم يكن ثمة من يناضل لتغيير الموازين.

ولو تعاملنا مع هؤلاء الذين يغالبون القدر في صد الطريق عن كل من يريد ممارسة السياسة على أصولها، وليس ضمن الأدوار الوظيفية الحمقاء، أن المشكلة ليست في متى تصل  هذه الحركة السياسية إلى الحكم  أو تلك، ولكن المشكلة أن تغيب الديمقراطية ويستمر التحكم والهيمنة والعجز عن تحقيق نهضة البلد، وأن يبقى نفس النظام، المسؤول عن كل هذا، يحكم لأكثر من ستين سنة.  لو كان ذلك هو توجه كل التيارات والأحزاب السياسية في الجزائر قبل أن تموت مع موت السياسة الواحدة تلو الأخرى، بعيدا عن النزعة الشخصية والحزبية الأنانية، على نحو ما كانت عليه فكرة تنسيقية الانتقال الديمقراطي في بدايتها لسهل أمر التغيير، ولتوقف تدوير السلطة بدل التداول عليها كما كان يقول الشيخ محفوظ رحمه الله، ولْتأتي الديمقراطية بغير واجهات النظام السياسي المتكررة، لعل الفرصة تُعطى لمن هو أفضل وأقدر. غير أنه حينما تشيع الممارسات الوظيفية التي لا تزيد إلا في عمر الوضع القائم لا بد أن يكون التفكير من خارج الصندوق.  

من العيب والعار أن يقال عن الإسلاميين بأنهم “وطنيون” و”ديمقراطيون” لأنهم قبلوا قواعد اللعبة التي تفرضها الأنظمة غير الديمقراطية والتي فشلت عبر عقود طويلة في تحقيق نهضة الأوطان.

إن الوطنية الحقة هو أن يؤمن الإسلاميون بأنهم هم الأقدر على خدمة الأوطان، وأنهم هم البديل السلمي العلمي الحضاري للأنظمة التي فشلت في رفع البلدان التي تتسلط عليها إلى مصاف الدول المتطورة، وأنهم قادرون على تكرار التجارب النهضوية التي تحققت في بلدان إسلامية كنا في الثمانينات أفضل منها، كنموذج ماليزيا. كما أن الإسلاميين لن ينالوا الصفة الديمقراطية ما لم يناضلوا من أجل الحريات والديمقراطية وما لم يضحوا من أجل ذلك، حتى وإن جاءت بغيرهم. وأنهم هم الأقدر على مواجهة المخاطر الخارجية برشاد الحكم وقوة المجتمع وكرامة الإنسان.  

إن كل شهادة تزكية تأتي من الأنظمة الاستبدادية الانقلابية، أو المزورة للإرادة الشعبية أو المانعة للحريات الإعلامية والسياسية وفي فضاءات المجتمع المدني هي شهادات كيدية لاستيعاب القادة وتنويمهم وجعلهم يعيشون في غرورهم دون دراية بما يُكاد لهم ولمشروعهم ولجعلهم يضرب بعضهم بعضا و”يقتل” بعضهم بعضا سياسيا ومعنويا وإعلاميا، بل لمحو بعضهم بعضا من الساحة. ولا ينبئك مثل عليم و/أو خبير.  

إن استعجال الإسلاميين وحده هو الذي يجعلهم يخضعون لمكائد التدجين السلطوي من أجل مصالح حزبية وشخصية ضد مصالح البلد والأمة والمشروع، أو يجعلهم يدخلون في صدام مباشر مع الأنظمة فيُستأصلون.

إن صعوبة المهمة وكثرة الصد لا تبرر هذا النوع من الاستعجال أو ذاك، بل الواجب هو ابتكار الطرق الجديدة التي تغير ميزان القوة لصالح المجتمع وضد مصالح الأنظمة المتغلبة المستبدة في الدولة، إن في هذا الطريق مصلحة الوطن، كل مصلحة الوطن، وفي ذلك قواعد سياسية تهدي إلى السير السديد منها:

– الرؤية والمنهج هو تحقيق نهضة الوطن والاستئناف الحضاري للأمة وتحرير فلسطين 

المصلحة العامة مقدمة على المصالح الشخصية والحزبية.

– التغيير تجريه سنن اجتماعية لا تتغير ولا تتبدل، لا يعلم آجالها إلا الله، ولكن استشرفها، واعمل وضحّ لتكون في المكان المناسب حين يأتي أوانها.

– الاستبداد نوعان: استبداد خشن واستبداد ناعم، وكلاهما مميت، الاستبداد الخشن يضرب الجسد لتخرج الروح، والاستبداد الناعم يُخرج الروح دون ضرب الجسد.

– إن لم تستطع إضعاف الاستبداد فلا تقويه.

– أضعف الإيمان في وجه الاستبداد ألا يقبله القلب، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان. 

– المقاومة أن تدافع الفعل المعاكس المضر لتضعف أثره ولو لم تقدر على إنهائه. 

– المقاومة السياسة هي الصمود في وجه الاستبداد والعمل على إرهاقه بالكر والفر الى أن تنهيه السنن فيكون المقاومُ الصامد هو البديل.    

– سبب المخاطر الخارجية الاستبداد، والمخاطر الخارجية تعلّة المستبدين لإضعاف الوطنيين المعارضين. 

– لا أثر للمخاطر الخارجية إلا بضعف الدولة، وسبب ضعف الدولة من يحكمها. 

– لا تقوى الدولة إلا بقوة المجتمع، ولا جبهة شعبية داخلية قوية إلا بالحرية وكرامة الإنسان، وغير ذلك انتهازية وزبونية وخداع … ولغة خشب.

– الاستبداد ليس قدرا مقدورا، كل الشعوب التي ضحت لإنهائه نجحت.

– الاستبداد ليس قدرا مقدورا ومن شك في ذلك فلينظر إلى خسائر الكيان دوليا وفي الميدان بعد الطوفان. 

– الاستبداد يرضى على من يساعده على البقاء، بالدعم المباشر أو غير المباشر أو بفعل لا شيء، ويحارب من يُضعفه، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبمنع المقاوم للاستبداد من فعل أي شيء مفيد. 

– أعداء الاستبداد هم أهل الفكر والفطنة الواعون بخلفيات الأمور وأبعاد الأحداث، وهم المجدون المنجزون المؤثرون في مجتمعاتهم، وهم الذين يصنعون التوازن في الأوطان بين الدولة والمجتمع. 

– من أدوات الاستبداد قتل الكفايات الواعية المناضلة، ومن أدواته القابلية للاستبداد التي تساعده على قتل الكفايات.

– الاستبداد يحب الكفايات الشخصية والجماعية بكل أنواعها، ولكن ليبتلعها تحت سلطته. 

– يسهل على الاستبداد ابتلاع الأشخاص لصالح مشروعه، مهما كانت كفاءتهم ونزاهتهم، ولكن يصعب عليه ابتلاع المنظمات والجماعات، فإن نجح في ذلك لا حد لسعادته.  

– لا تربط زمن التغيير بشخصك ولا حتى بجيلك، إن فعلت ذلك ستضحي بفرص التغيير من أجل إنجازات صغيرة لصالحك.     

– إن تحقق الإنجاز بعد رحيلك، وكان لك فيه بصمة، فسيرتفع أجرك ويسجل التاريخ ذكرك.

– الناجحون هم المنجزون الذين تبقى آثارهم، لا الذين يكثرون الحركة ويتطاولون في الحديث ولا يتركون شيئا وراءهم. 

– لن تكون وطنيا بلغة الخشب، وتكرار مصطلحات المستبدين، بل بالتضحية من أجل الوطن، لتخليصه من المستبدين

– لكل مرحلة زمانها وإنجازاتها والعيب كل العيب في الرسوب أو الرجوع الى الوراء.  

– الإستبداد كله شر، وبكل أنواعه لا يأتي بخير.

– لا نهضة ولا تنمية ولا تطور بدون إبداع ولا إبداع دون منافسة عادلة ولا منافسة عادلة دون حرية

– يمكنك أن تحاور الاستبداد، بل أحيانا واجبك أن تحاور، ولكن للدفاع عن رؤيتك لا لتندمج في رؤية الآخر.

د. عبد الرزاق مقري

  

في ذكرى تأسيس الحركة (3) : وطن ينهض، حركة تتجدد

لم يكن ُيتصور  بضعة أشهر  قبل الاحتجاجات الشعبية في جانفي 2011 وثورات الربيع العربي بأن الحركة ستراجع توجهاتها السياسية الاندماجية في منظومة الحكم، لقد كاد الارتباط بالحكم أن يتحول إلى عقيدة سياسية لا تتزعزع، والمشاركة في الحكومة حتمية لا تتبدل، وكانّها بصمة وراثية ذات حمض نووي ريبوزي راسخ لا يتغير،   رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالحركة في رمزيتها واستقرارها جراء ذلك المنهج، ورغم التقييم السلبي الرسمي الذي قدمه رئيس الحركة الشيخ أبو جرة عن التحالف الرئاسي، ورغم تحول الحركة إلى نوع من “الربيب” بين شقيقين أصليين لرب الأسرة، يشترك في غرم العائلة ولا حظ له في الغنم. 

لقد كانت الأصوات المعارضة لذلك التوجه مبحوحة داخل الحركة لا يُسمع لها ولا يُعتد بها، وقد كنتُ ضمن تلك الفئة المعارضة، قد أصابني اليأس في القدرة على فعل شيء ما من داخل الحركة وأخبرت بعض القريبين مني بأن آخر عهدي بهياكل الحركة سيكون بمناسبة المؤتمر الرابع في 2013. غير أنني كتبت ورقة طويلة في ذلك الوقت عرضتها في المكتب التنفيذي الوطني إبراء للذمة، بينت فيها موقفي من الاستمرار في الارتباط بالسلطة عبر المشاركة الهزيلة في الحكومة، المضرة بالحركة والبلاد، ورؤيتي التي تصلح البلاد والحركة.

فإذا بالأوضاع تنقلب رأسا على عقب بعد الاحتجاجات الشعبية في الجزائر والعالم العربي، ويصبح المناضلون يرون أنفسهم بأنهم في الجانب الخاطئ من التاريخ، فيشكلون تيارا جارفا  يريد رؤية متجددة وقيادة جديدة تمكّن من العودة بالحركة إلى أحضان الشعب ومقاومة الفساد والاستبداد، فتجسدت نظرية المكان المناسب عند التحولات السننية، إذ اتجهت أنظارهم إلى الشخص الذي ثبت في الدعوة إلى ذلك الهدف فلم يتغير ولم يتبدل، فكان التقاءٌ بالقدر، لي وللحركة، لم يكن أحد قد خطط له أو سعى إليه، وتلك هي المرحلة الخامسة، أو الطور الخامس من أطوار تطور المنهج. 

جاءني أحد المسؤلين في الحركة مبتهجا ذات يوم ينقل لي ما سمعه من مسؤول كبير سابق في الحركة في جلسة استشارة في لجنة تحضير المؤتمر السابق من: “أن ثمة مشروعين في تاريخ الحركة، مشروع الشيخ محفوظ الشيخ محفوظ نحناح ومشروع الدكتور عبد الرزاق مقري”، وكان هذا المسؤول السابق والحالي في الحركة يقول، هو وغيره من بعض المسؤولين السابقين والحاليين،  بأن فترة رئاسة دكتور مقري هي بمثابة تأسيس ثان للحركة.  

لم يكن هذا قولي، ولم أسع أن أناقش مع أحد من القائلين أو المعترضين على هذا القول، فما مرحلتي في ظني إلا مرحلة من مراحل تطوير منهج الحركة، ولم يكن يهمني سوى التجديد الفكري لدى الأفراد والإنجاز في الميدان،  ولكن يبدو أنني وإن نجحت في تحقيق إنجازات في الميدان فأنا لم أفلح في تغيير القناعات في الأفكار، وإذا لم يتحقق تغيير الأفكار فإن الإنجازات ستعود حتما على أصلها بالإبطاال، ما لم تنتقم الأفكار في ظرف مناسب لاحق.   

لقد كان حرصي الكبير في قيادتي للحركة أن يقود الفكرُ الإنجازَ، فمنذ أن رأيت أن ثمة تيارا جارفا يتجه إليّ لم أشأ أن تكون رئاستي للحركة مبنية على رد فعل للربيع العربي يقوم على حالة عاطفية انتهازية، لا سيما أن الخروج من الحكومة جاء بعد نقاش دام سنة كاملة بين 2011 -2012 بعد الاحتجاجات، وقرابة ثمانية أشهر من انتظار تجسيد الإصلاحات التي وعد بها  الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله في 15 أفريل 2011 ولم تتجسد. 

ولذلك رجعت إلى الأفكار التي كنت أناضل بها، لا سيما الوثيقة التي سلمتها للشيخ محفوظ عام 1997 والتي اشرت إليها في المقال السابق،   فطورت كل تلك الأفكار ضمن رؤية شاملة للتجديد  في كتاب دخلت به المؤتمر الخامس عام 2013 تحت عنوان ” البيت الحمسي” يتناسب مع شعار المؤتمر ” حركة تتجدد، وطن ينهض”  وفي ما دونته في كتابي “الحركة الإسلامية في الجزائر: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الذي صدر عن دار الخلدونية عام 2015 ثم  كتاب آخر دخلت به المؤتمر السابع، لعهدتي الثانية، عام 2018 (بعد المؤتمر السابع مؤتمر الوحدة)، تحت عنوان “البيت الحمسي 2 ” وختمت عهدتي الثانية بكتاب يعبر عن رؤية شاملة للعمل الإسلامي في العالم العربي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” الذي لقي بحمد الله  قبولا كبيرا لدى العلماء والمفكرين واعتمده الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بعد تحكيمه من لجنة من خيار أهل العلم والفكر واعتمدته بعض الحركات الإسلامية في مناهجها التكوينية، علاوة على كثير من النصوص التي قدمتها طيلة العهدتين بمناسبة مجالس الشورى ولقاءات الهياكل والملتقيات والجامعات الصيفية التي جمعت جزء منها  في كتابين، الأول: ” وثائق في الفكر والسياسة والدعوة” صدر عام 2015، والثاني: “أفكار وسياسات: من نصوص العهدة 2013-2018” صدر عام 2018. 

 

لا شك أنه لكل طور من أطوار الحركة الخمسة  نجاحاتها وإخفاقاتها، أما النجاحات في الطور الخامس  فقد كانت بارزة ظاهرة ثمنها المؤتمر السابق بتصويت يفيد الإجماع وثبّتَ محاورَها الكبرى نظريا في الوثائق التي صادق عليها للمرحلة التي تليه، وكان الظن أن هذه المرحلة الجديدة ستكون وفية لتلك النجاحات، ومن تلك الإنجازات : 

– الإنجازات الأخلاقية والقيمية: لا أزعم أننا حققنا نجاحات حاسمة في هذا الجانب كما سأبين أدناه ولكن حاولنا أن نشكل في الحركة اتجاها عاما منافيا للانتهازية السياسية ويرفض استغلال الحركة للطموحات  الشخصية، وعملنا على أن يقوم سلم القيم والقدوة على الاستقامة والتعفف والإنجاز، وكان العمل جادا على رفع قيم التضحية و الشجاعة والوفاء والتجرد وأصبحت ساحة الحركة والنقاشات الدائرة فيها لخدمة الوطن والأمة والقضية الفلسطينية، وأصبح الفرد يفكر داخل الحركة ماذا يعطي لها وليس ما يأخذ منها، وظل من نحسبه كذلك، والله وكيل الجميع، هو الذي يتقدم في الصف ويظهر في المشهد!      

– الإنجازات الدراسية و الفكرية :  إذ أصبحت الحركة تعتمد على مؤسسات التفكير المتخصصة وبات خطابها السياسي والاقتصادي خطابا علميا مقنعا، وظلت برامجها الانتخابية والتخصصية في مستوى قيادة الدولة  تنتجها  لجان قطاعية متخصصة، ويثني عليها رؤساء حكومات ووزراء وعلماء وأكاديميون.  وعلى المستوى الفكري نظّرنا لعلاقة الدعوي بالسياسي المطروحة للنقاش بإلحاح في الساحة الفكرية الإسلامية وابتكرنا في هذا الشأن مقاربة التخصص الوظيفي و طبقناها بما أضفى فاعلية أكبر في الوظيفة السياسية والوظائف الأخرى الدعوية والاجتماعية وغيرها، فاستوعب هذا التدبير طاقات وكفايات كثيرة وفعّل قدرات بشرية كانت خاملة وأحيا وظائف استراتيجية، كما وضعنا قواعد الانتقال من المشاركة السياسية إلى الشراكة على أساس ميزان القوة – وإن لم نحقق ذلك بسبب اختطاف الحراك الشعبي – واخرجنا الكفاح السياسي من حتمية ثنائية الصدام أو الاندماج إلى الآفاق الرحبة للمقاومة السياسية، وبلورنا رؤى الانتقال الديمقراطي والتأهيل القيادي والاستنهاض الحضاري، وغير ذلك من ورشات النقاش الفكري الواسعة،  و أصبحت الحركة ورجالها ومنتجاتها  وتوجهاتها السياسية والإدارية ومشاريعها ومؤسساتها بحمد الله  من أهم مصادر التطوير والتجديد في الحركة الإسلامية والإصلاحية في  العالم العربي والإسلامي. 

– الإنجازات التنظيمية واستحقاقات الوحدة حيث عرفت الحركة استقرارا كاملا طيلة عهدتَي الطور الخامس، فلم تعرف الحركة صراعات ولا انشقاقات، خلافا للأطوار الأربعة السابقة، بل تم تحقيق الوحدة مع جهتين مهتمين كانتا قد غادرتا الحركة من قبل، وهما جبهة التغيير وطبقة واسعة من القادة والمسؤلين والمناضلين كانوا قد غادروا الحركة على عدة مراحل منذ التسعينات. كما تم تنمية الموارد البشرية من حيث الكم والنوع، فبرز في الحركة جيلين قيادين جديدين هم من يقود الحركة اليوم محليا ومركزيا، وتم التركيز أكثر على الشباب فهم اليوم في مواقع قيادية أساسية في الهياكل والإدارة والمؤسسات.

– الإنجازات الشورية والديمقراطية حيث أننا انتبهنا بأن الشورى الحقيقية والديمقراطية الحقة هي التي توفر التعبير عن الرأي والرأي الآخر في النقاش أثناء مرحلة صناعة القرار في المشاورات والمداولات المختلفة وأثناء اتخاذ القرار في مؤسسات اتخاذ القرار، وأن المشاورات التي تقيمها الحركة   في مختلف القضايا شكلية يسيطر عليها التنظيم وقادته بما يؤدي إلى تعارض المصالح، وفق المصطلحات العلمية الإدارية المعبرة عن ذلك، وتكون النتيجة حتما لمن يتحكم في التنظيم والمشاورات إذ رأيه هو وحده ما يُشرح ويسوق له باحتكار استخدام وسائل الحركة، وهذا سبب رئيسي للصراعات والانشقاقات والفتور وخسران الكفاءات،  فابتكرنا طرائق جديدة تضمن حضور الرأي المخالف ومن ذلك: دعوة رؤوس الرأي المخالف إلى المكتب التنفيذي الوطني وتقديم آرائهم والدفاع عنها متى شاؤوا وطبقنا ذلك فعليا، واتفقنا مع رؤساء مجلس الشورى الوطني المتتالين  بأن لا يُحدد الوقت لرؤوس الرأي المخالف والقادة السابقين أثناء تدخلاتهم وطبقنا ذلك، وشكلنا هيئة استشارية عليا يُضمن فيها حضور الآراء المختلفة بشكل متوازن كان حضور أصحاب الرأي الآخر قويا ومكثفا، بالإضافة إلى المجالس الاستشارية المتخصصة الشبابية والنسوية ومجلس المؤسسات واللجان القطاعية. وحاولنا أن ننظم مسألة التنافس الداخلي على المناصب لإنهاء عهد الكولسة الخفية والعلنية، ولتكون الحملات الانتخابية الداخلية شفافة يُسمح لكل المرشحين الاتصال بالهياكل التنظيمية والمناضلين باستعمال وسائل الحركة بالعدل والمساواة، فاقترحنا لائحة تنظم ذلك للمؤتمر السابع عام 2018 ولكن للأسف الشديد أسقطها من كان يُفترض أن يستفيد منها، ثم حاولنا الرجوع إليها في المؤتمر الثامن ألأخير فلم نفلح بسبب عدم توفر السند اللائحي ولكن وضعنا هذا السند في قوانيننا بما يسمح بالمنافسة الشفافة والعادلة لاحقا. 

– الإنجازات السياسية: إذ ارتفعت رمزية الحركة بعد ما تضررت صورتها بسبب التوجهات السياسية السابقة، خصوصا بسبب التورط في فتح العهدات ودعم بوتفليقة عدة مرات، وبسبب الانشقاقات والصراعات الداخلية، فبات يُنظر   إلى الحركة  ورموزها بتقدير واحترام، وتجدّدَ الأمل فيها. وقد تجلى ذلك في نتيجة الانتخابات التشريعية والمحلية، حيث نجحنا في بلديات كبرى كانت محرمة علينا سابقا، منها وهران وعنابة، وحصلنا على نتائج في الانتخابات التشريعية الأخيرة تقارب نتائج زمن الألق السياسي في بداية التعددية، وذلك رغم العزوف الانتخابي،  ولم تفلح محاولات التقليص من أهمية النتيجة الانتخابية بإبراز تراجع الكتلة الناخبة للحركة من قبل خصوم خطنا السياسي التقليديين من داخل الحركة آنذاك، والتي بات يرددها بلا أخلاق اليوم خصومٌ جدد  كانوا بالأمس معنا في هذا الشأن خلافا لما يدّعونه اليوم. ويخفي هؤلاء وهؤلاء أن تراجع الكتل الناخبة هو على الأحزاب كلها وليس الحركة فقط، وأن سبب العزوف الانتخابي هو النظام السياسي (الذي يسندونه) من خلال  التزوير المستدام للانتخابات، وأن الحزب الذي يستطيع أن يفرض نفسه ضد العزوف وضد التزوير وضد المرجفين ويحقق المرتبة الحزبية الثانية بعدد النواب يستحق التقدير والثناء وليس الهمز واللمز.    

– الإنجازات المؤسسية المجتمعية حيث رجعت المؤسسة الاجتماعية إلى استقرارها وكثير من نشاطها وفاعليتها، وأرجعنا النقابة الطلابية إلى حضنها الأصلي، وأضفنا من خلال نظرية التخصص الوظيفي  أربع أضعاف تلك المؤسسات بعضها صار جزء أساسيا من المشهد الوطني، وبعضها بلغ العالمية، وأحيينا بفضل الله كثيرا من وظائف المنهج وصار للمؤسسات التي يقودها رجالنا حظ وافر في خدمة القرآن والدعوة والقضية الفلسطينية وخدمات المجتمع.

– الإنجازات على صعيد العلاقات الداخلية إذ استطاعت الحركة أن تفرض نفسها في المشهد وأن تفعّل الساحة السياسية لعدة سنوات لخدمة رؤية الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه وبناء ميزان قوة يسمح بتحقيق التوافق الوطني والشراكة السياسية في القرار من أجل نهضة البلاد والمساهمة في نهضة الأمة، فكانت الطرف الأساسي في بناء التنسيقية الوطنية للانتقال الديمقراطي  والاجتماعات التاريخية في مزفران مع كل أطراف المعارضة، وعادت لنفس الرؤية في مبادرة التوافق الوطني وكادت أن تحقق به انتقالا ديمقراطيا حقيقيا من خلال مفاوضاتها مع الرئاسة البوتفليقية في فترة ضعفها الشديد لو لا إحباط المحاولة من جهة قوية في السلطة لصالح العهدة الخامسة فأدت تلك الحركية الجماعية الدؤوبة إلى حالة وعي عامة فجّرت بشكل غير مباشر الحراك الشعبي. لقد صنعت هذه الحركية الدائمة في العلاقات مكانة معتبرة للحركة وقادتها وظلت أبواب الحوار مفتوحة لنا في كل الاتجاهات، في المعارضة وفي السلطة، ولِجناها بكل ثقة وإيمان بأفكارنا ومشاريعنا، وكنا في كل تلك الحوارات نرفع حركتنا بقوة حجتنا،  ولم  نتحدث وراء الأبواب المغلقة – آنذاك – إلا في ما ينفع بلدنا ولا نتورط في التآمر ضد أحد، قريبا كان أم بعيدا، ولو وجد أحد في ما كنا نقوله سعيا لمصلحة شخصية أو تآمرا على أحد أو على جهة ما لأسمعوا العالم بها. 

– الإنجازات في العلاقات الخارجية: كما سبق أن قلنا تسببت حالة الصراع والخلافات داخل الحركة إلى عزلها عزلة تامة دوليا، ولكن استطعنا أن نعود بقوة منذ أسطول الحرية، ثم طورنا علاقاتنا حتى أصبحنا جزء أساسيا في المشهد الإسلامي العالمي، ومع أحرار العالم، سواء في المساهمات الفكرية والإعلامية  أو المشاركة وقيادة المنظمات الدولية الفاعلة، كما وصلت مؤسساتنا المتخصصة إلى مستوى النمذجة و الريادة الدولية خصوصا في مجال التأهيل القيادي الشبابي وفي القضية الفلسطينية

أما عن الإخفاقات فيمكن تصنيفها وفق ما يلي:

– بالرغم من أن العمل السياسي  ضمن تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي كان جماعيا فإننا لا بد أن نتحمل نصيبنا من المسؤولية في عدم تحويل هذه التنسيقية إلى قوة جماعية ضاغطة على السلطة تؤثر في ميزان القوة من أجل التحول الديمقراطي، وبالرغم من أننا بادرنا باسم الحركة إلى إحيائها مباشرة بعد اندلاع الحراك الشعبي ولم نجد تجاوبا من الشركاء فإنه من الواجب الإقرار بفشلنا جميعا كطبقة سياسية في تشكيل قيادة مشتركة للحراك الشعبي تمنع تفتيته ايديولوجيا ثم استيعابه من طرف السلطة كما تم فعلا. وكانت مبادرة ملتقى الحوار الوطني بعين البنيان أثناء الحراك مبادرة فاشلة أخرى. ولما أخذنا المبادرة وحدنا قبل الحراك عبر مشروع التوافق الوطني عجزنا على الاستشراف بأن الرئاسة لم تكن ضعيفة فقط، بل لم تصبح تزن شيئا فأضعنا وقتنا في الحوار معها و عرّضنا أنفسنا للمخاطر إذ كانت القوة متمركزة كلية لدى قيادة الأركان، وهي التي فرضت العهدة الخامسة. غير أن المحاولة التي قمنا بها إنما كانت عملا صالحا نرجو ثوابها من الله تعالى،  أقمنا بها الحجة أمامه سبحانه و على الجميع، وسيبين التاريخ أن المبادرة التي قدمناها بكل صدق ومهنية هي  الوحيدة التي كانت ستحقق الانتقال الديمقراطي ونهضة البلد لم تم اعتمادها ودعمها. 

– ويبدو من خلال التطورات الجارية في الحركة بعد المؤتمر الأخير بأن الإخفاق الكبير التي اتسم به الطور الخامس هو الإخفاق في تغيير القناعات لدى قيادات الحركة، وأن التوجه للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد خارجيا، وضد الانتهازية داخليا، الذي وقع بين المؤتمرين السادس والثامن كان أكثره ردة فعل لأحداث الربيع العربي ثم تجاوبا غير مُكلِف مع حالة الضعف التي عرفها النظام البوتفليقي والتأثر بالحراك الشعبي الذي أزاحه، وربما بالنسبة للبعض للمحافظة على المواقع، ولم يكن قناعة عميقة عامة تعين على التضحية إلى غاية تحقيق الهدف ولو طال الزمن، وهو أمر يتطلب تعمقا في الدراسة نعود إليه لاحقا. كما اتضح كذلك بأن القناعة بالتخصص الوظيفي بقيت سطحية والتراجع الفعلي عن مكتسباتها بات ممكنا وسهل المنال. وعليه يمكن لأي دارس محايد أن يقول بأن التحولات العميقة التي وقعت في هذا الطور بقيت تمثل رؤية شخصية لرئيس الحركة قد أخذت تتبدد فور مغادرته موقع القيادة، وقد عبر الشيخ أبو جرة عن ذلك بوضوح حين عبر عن سعادته في مجلس الشورى الأخير بعودة الحركة إلى نهجه الذي كانت عليه قبل عشر سنوات. 

– وحينما نرى تراجع العمل الحزبي ومستوى الأنماط القيادية و زيادة شيوع الآفات السياسية وتحولها إلى خلق عام في الطبقة السياسية كالانتهازية السياسية والزبونية والتزلف واللؤم والغدر والتدليس والكذب والفجور في الخصومة وخلف الوعود ونقض العهود  وتقديم النفعيين على أفاضل الناس، بشكل عام،  علاوة على استمرار الفساد في مختلف مستويات المؤسسات الرسمية والمجتمعية ورسوخ السيطرة والتحكم وغلق هوامش الحريات أكثر من أي وقت مضى  نقول بأن مساهماتنا في أخلقة العمل السياسي وتثمين جدوى العمل الحزبي في التغيير لم تحقق النتائج التي كانت أجيال من السياسيين الصادقين تضحي من أجلها،    كما أننا لم نتوصل داخل الحركة إلى ترسيخ قيمة االثقة بالنفس والاستعلاء الإيمانيّ وقدرتنا على أن نكون قدوة و بديلا لغيرنا بأخلاقنا وفكرنا وبرامجنا وتاريخنا وحضورنا، رغم وجود هذه المعاني في الوثائق، ولم يصبح الانتقال الديمقراطي قناعة تتطلب التضحية والتعرض إليها وفق التحولات السننية، ولم تصبح رؤية السعي إلى الشراكة السياسية سوى اسماً مغلفا للعودة الى المشاركة السياسية التي تسببت في مختلف أعطاب الحركة. 

د. عبد الرزاق مقري

 

أولويات الإصلاح.. الفكرة الحضارية قبل السياسة

بدأ مالك بن نبي حديثه عن السياسة والفكرة في كتابه شروط النهضة بعبارة جميلة فقال: “إن الكلمة لمن روح القدس، إنها تُسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعيّة، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقرّ معانيها فيه لتحوّله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، فالكلمة ـ يطلقها إنسان ـ تستطيع أن تكون عاملًا من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف تغيّر الأوضاع العالمية”.

 

أوهام السياسة

وقد ضرب مالك بن نبي المثل في أثر الفكرة في بلده بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقال: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات بن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم، حتى أُشرِب الشعب في قلبه نزعة التغيير، وأصبحت أحاديثه تتخذها شرعة ومنهاجًا، وهكذا استيقظ المعْنَى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب”.

 

ثم تجاوزت اليقظةُ الجمعيةَ ذاتَها، وكانت ثورةُ نوفمبر/تشرين الثاني من ثمارها الزكيّة. وكان نوفمبرُ قبل الثورة كلمةً في البيان الأول من هذا الشهر من عام 1954. بيانٌ دعت أهدافه إلى الاستقلال ضمن الحرية والتضامن الاجتماعي والمبادئ الإسلامية، وإلى تحقيق وحدة الأمة من الشمال الأفريقي، إلى إطاره الطبيعي العربي الإسلامي، ولا تزال المسيرةُ لم تكتمل، فهي مستمرة تتطاول على مكائد الاستعمار وأذنابه.

 

إن كل تلك الحركات الإحيائية عملت على أساس أن تكوينَ الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية، إنما يكون في الظروف والشروط نفسِها التي وُلدت فيها الحضارة الأولى، في بيئة المدينة المنورة، على حد قول بن نبي. فإن بقيت الفكرة تصنع تلك الظروف فلا بدّ للحضارة أن تبزغ من جديد، فإن تبعت الفكرةَ السياساتُ والمؤسسات والأطرُ والهياكلُ والمناهجُ، ولم تغادرها أبدًا مهما كانت الصعوبات والتحديات، بلغت – بإذن الله – مبلغها نحو بزوغ فجر جديد.

غير أن بن نبي عاب على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – التي رأى أنها نهضت بالمجتمع الجزائري في عقد واحد من الزمن فقط بين 1925 إلى 1936 وهيأته فرديًا واجتماعيًا لينعتق من الاستعمار – أنها قد نزلت إلى أوهام السياسة على غير فكرتها، حينما انخرطت في مطالب الاستعمار بالإصلاحات والحقوق في المؤتمر الإسلامي عام 1936، مع نخب سياسية ليست لها فكرة حضارية ولا وجهة ثقافية، ولا تريد من الاستعمار إلا أن يحسّن ظروفها.

 

اغتيال الإصلاح

لم يتّهم بن نبي جمعية العلماء في مقاصد قادتها، مُبدِيًا أسفَه على زلة العلماء التي كانت زلة نزيهة، لما توافر فيها من النية الطاهرة والقصد البريء، كما قال، وذلك حين سمحوا عام 1936 بسقوط الفكرة الإصلاحية في حبائل الوعود التي بذلتها الحكومة الفرنسية اليسارية بغير حساب، وهي تعمل في الحقيقة على اغتيال الإصلاح.

 

ويمكننا أن نأخذ في الوقت الحالي على الحركات الإحيائيّة في التيار الإسلامي، التي أحيت الأمة وصنعت صحوة شعوبها في آخر القرن الماضي نفس المآخذ التي أسف لها بن نبي عن جمعيّة العلماء المسلمين في أواخر الثلاثينيات، إذ بدل أن تنتقل  تلك الحركات إلى معامع السياسة بفكرتها، صار الكثير منها ينافس على الانتقال من مساحات الدعوة في المُجتمع إلى مؤسَّسات الدولة الحديثة بدون الفكرة التي تميزها، وصار مبلغ علم قادتها أن يُسمح لهم بهوامشَ في الوجود السياسي ضمن عملية ديمقراطية مغشوشة لا يوصل سقفُها المتدني إلى التغيير، ولو بقوا في العمل على ذات المنوال مائة سنة مقبلة.

 

وضمن هذا المنظور السياسي البراغماتي الجديد صار الوجه البارز ـ وربما الوحيد ـ لتلك الحركات هو الوجه الحزبي المندمج في المنظومة الفكرية الحضارية الغربية المهيمنة في بلداننا وفي العالم بأسره، وفي أحسن الأحوال وجه أحزابٍ مُحَافظةٍ تهتم بمظاهر الهوية وقوانين الأحوال الشخصية دون مشاريع جادة لعبور الفكرة إلى مستوى العودة الحضارية للأمة الإسلامية.

 

“علم الأفكار”

لقد برزت أصواتٌ خدّاعة بعد هيمنة الرأسمالية العالمية تدعو القوى الإسلامية إلى ترك “الأيديولوجية” والاهتمام بمصالح الناس فحسب في الممارسة السياسية، وما تلك الدعوة إلا لإزاحة كلّ الأيديولوجيات لتبقى أيديولوجيةٌ واحدةٌ مهيمنةٌ هي أيديولوجية الرأسمالية التي ضيعت مصالح غالبية سكان المعمورة لصالح فئات قليلة سيطرت على أغلب خيرات الأرض.

 

وإذا كان معنى كلمة “الأيديولوجية” هو “علم الأفكار”، كيف يُتصور ألا تكون الفكرة قبل السياسة؟. لقد أدى تجريم علم الأفكار إلى أن صارت الأحزابُ في العالم كلُّها متقاربةً في مساحة سُميت ظلمًا الوسط أو “الوسطية”، ببرامج متشابهة، يختارها الناخبون في الظاهر، ولكن تتحكم فيها قوى غير معلنة ولا مسؤولة هي القوى المالية والعسكرية والشركات الكبرى ولوبيات الأقليات الممكّنة.

 

تأخذ القوى الخفيةُ السلطةَ الحقيقية وتتهالك القوى الحزبيةُ البارزةُ على فتات المقاعد البرلمانية والوزارات والمصالح، فلا تسمع في النقاش السياسي شيئًا عن الأفكار والتوجهات الحضارية، وكيف تصان الكرامةُ الإنسانية، ولا تسمع شئيًا عن طبيعة الدولة المنشودة، ولا عن الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية المناقضة لأيديولوجية السوق، وبرامج إطلاقِ الغريزة المحبطة للفضيلة، وأما أزمات الشعوب فعلاجها الوعود الانتخابية، أو تعميق الأزمات لوضع طموحات الناس في مستوياتها المتدنية.

إن ابتعاد المصلحين عن فكرتهم، بعد أن تطول بهم الطريق، يُضيِّع منهم المبادرة فيأخذها الأكثر جسارة منهم، ولو بدون أفكار حضارية فيطول شقاء الأمة، في إطار الدولة الحديثة التي صارت تشقى تحت سلطتِها الدُّغماتيةِ كلّ البشرية.

 

لا شيء يجب أن يحافظ عليه قادة حركات الإحياء الإسلامي أكثر من الفكرة التي أسستهم، والتي وحدها تتناسب مع قواعد المجتمع الذي نَبتُوا فيه وإلا صارت أحاديثُهم جوفاء بلا مضمون مهما تنمّقت، وصدق بن نبي إذ يقول: ” ومن الواضح أن السياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه، لا تستطيع إلا أن تكوّن دولة تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها”. ولعل صدمة “الطوفان” تصلح الأوضاع.

 

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى التأسيس: نحو طور جديد!

لقد كانت المرحلة الرابعة هي تلك التي دشنها المؤتمر الثالث الذي جاء بعد وفاة الشيخ محفوظ رحمه الله وحمل شعار “نحو طور جديد”، حُسم فيه الأمر  لصالح التغيير  حيث كان يُعتقد بأن الرأي الذي كان يتصاعد داخل الحركة ضد النهج السياسي الذي جعلنا نؤيد بوتفليقة رغم إقصاء مرشحنا عام 1999، وجعلنا نتراجع في  الانتخابات التشريعية عام 2002 ، ونخسر كثيرا من وجودنا الدعوي وخصائصنا التربوية [وفق ما بينه ملتقى داخلي لا تزال وثائقه وخلاصاته بحوزتي] سيجد في القيادة الجديدة ما يجسد التغيير المنشود. 

غير أن  المؤتمر اتسم بتوتر شديد فُتح فيه المجال لطور الصراعات والانشقاقات، ولو لا حفظ الله لتحقق فينا قول الله تعالى: ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”، فلم تصبح  من أولوية لدى أغلبية مناضلي الحركة والعديد من قياداتها سوى حفظ الحركة من الاندثار، وقد كان للمؤسسات ضمن شعار المرحلة “من التأسيس إلى المؤسسة” الذي رفعه رئيس الحركة الشيخ أبو جرة سلطاني دور كبير في تمكين الحركة من الاستمرار رغم التصدعات الكبرى،  كما كان لمحاولات إشغال الحركة عن الفتن والاحتقان الداخلي المتواصل  بالعمل والإنجاز من خلال نشر ثقافة التخطيط ورفع مستوى مهارات المسؤولين المحليين، وإتاحة الفرصة لطبقات قيادية جديدة والزيارات المكوكية لرئيس وقيادات الحركة لمختلف الولايات دور كبير في صيانة الحركة من الجمود والترهل. 

غير أن تجدد الصراع على رئاسة الحركة في المؤتمر الرابع عام 2008 أسس للانقسام وخروج جزء معتبر من القيادات والإطارات من الحركة، وتأسيس حزب جديد.

لم يكن في فترة الصراع المتواصل مجال لاستكمال التطوير  الداخلي الذي تم الشروع فيه عبر خطط ورؤى ومجهودات واعدة، وتدريب أجيال من القادة المحليين على المهارات اللازمة للتطوير، بل توسعت الخلافات إلى المؤسسة الاجتماعية والشبابية والطلابية، وضُرب الحصار على الحركة في علاقاتها الدولية، بسبب تورط بعض الأفاضل في خلافاتنا من خارج البلاد، بطرق غير موفقة ولا حكيمة زادت في الشرخ القائم، وقد أصاب هؤلاء لاحقا ما أصابنا من الصراع والانشقاقات للأسف الشديد، والله نسأل أن يفك كرب المكروب منهم، وأن يرحم من توفاه الله، وأن يجمعنا جميعا في جنات النعيم.  

ومن أخطر ما أصاب الحركة في ظل أزماتها المتتالية الغفلة عن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الوطن،  وعدم الانتباه إلى أن ثمة عصابة تتشكل داخل النظام السياسي، تعمل على تحويل مركز السلطة من العسكر إلى رجال الأعمال، وقد أدى الصراع الداخلي في الحركة إلى تنافس الطرفين على الاقتراب من السلطة الحاكمة للاستقواء بها، أو على الأقل تجنب عدم انحيازها للطرف الآخر، ومن الخطايا التي ألجأ إليها ذلك الصراع الداخلي والتي لم يغفرها الرأي العام إلى الآن مشاركة الطرفين في فتح العهدات للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة واتفاقهما التلقائي على ذلك رغم اختلافهما الشديد، علما بأنه كانت ثمة أصوات داخل الحركة ترفض التورط في فتح العهدات ولكن لم يكن يسمع لها.  

لا شك أن ثمة إيجابيات مهمة حققتها الحركة  في طورها الرابع بعهدتيه وأهمها أنها حافظت على ذاتها ولم ينهها الخلاف كما كان يراد منه، حيث قيل آنذاك ب”أن ثلاثة أشهر ستكون كافية لسحب البساط من تحت أرجلها”،  واسترجعت المبادرة السياسية بعودتها إلى مرتبتها الثالثة في الانتخابات التشريعية عام 2007  وحاولت ترقية الائتلاف الحكومي الذي كان في وقت الشيخ محفوظ إلى تحالف الرئاسي، كما حاولت جمع كلمة جزء من التيار الإسلامي سياسيا عبر تكتل الجزائر الخضراء عام 2012، بالرغم من أن مكسبها من ذلك التكتل لم يكن مرضيا  على مستوى عدد النواب والانتشار في الولايات وتسبب لها في أزمات تنظيمية كبيرة، واستطاعت كذلك استرجاع مكانتها الدولية، خصوصا بعد المشاركة الفاعلة في أسطول الحرية الذي قال عنه رئيس الحركة السابق الشيخ أبو جرة سلطاني: “كنا نريد أن نشارك في أسطول الحرية لفك الحصار عن غزة فإذا به يفك الحصار عن حركة مجتمع السلم”، وبالفعل أخذت علاقاتنا الخارجية تتوسع بشكل مطرد بعد أسطول الحرية.

غير أن  الخسائر على الخط الاستراتيجي كانت معتبرة من حيث الصراعات الكبيرة التي خرجت للعلن ووصلت إلى المحاكم في المؤسسة الاجتماعيّة وتراجع أداء هذه الأخيرة وتأثيرها، وكذلك تراجع قوة وتأثير المؤسسة الطلابية والخروج النهائي من القيادة في المؤسسة الشبابية، ومن ذلك ابتعاد طبقة قيادية واسعة من المؤسستين الأخيرتين عن الحركة وتحول العديد منهم إلى إطارات في المواقع الإدارية الرسمية. مع أن الحركة عملت في هذه المرحلة على استدراك الخسائر التي وقعت في هذه القطاعات من خلال تأسيس منظمتين شبابيتين استوعبتا عددا غير قليل من الشباب، وثبتت إحداهما إلى اليوم وأمدت الحركة والمجتمع برموز قيادية شبابية فاعلة في مستويات ومجالات عدة بحمد الله.  

قامت الحركة بتقييم شامل للتحالف الرئاسي قدمه رئيس الحركة آنذاك في اجتماع رسمي بحضور  عبد العزيز بلخادم وأويحيى أكد فيه أن لا بندا من بنود التحالف تم احترامه، واستمر التقييم داخل مؤسسات الحركة، وقد قُدمت ورقتان في ماي 2011 لمجلس الشورى الوطني، الأولى بينت خسائر الحركة بمشاركتها في الحكومة وورقة تؤكد على منافع المشاركة، وكان التوجه في المجلس جارفا ضد البقاء في التحالف، وتقرر على إثر ذلك فك الارتباط بالتحالف سياسيا والبقاء في الحكومة الى غاية معرفة مدى جدية السلطة في الإصلاحات التي وعد بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على إثر  الاحتجاجات الشعبية في الجزائر في جانفي 2011 وانتفاضات الربيع العربي، وفي الأخير قرر مجلس الشورى، ستة أشهر بعد قرار فك الارتباط مع التحالف الرئاسي، الخروج من الحكومة، وكان ذلك في جانفي 2012 بتصويت 134 عضوا مقابل 35 كانوا يريدون البقاء فيها. وأحدث هذا القرار رجة أخرى إذ قرر  الوزير عمر غول وعدد من إطارات الحركة الانفصال وتأسيس حزب جديد، وبالرغم من أن هذا الانشقاق الثاني لم يؤثر كثيرا في هياكل الحركة فقد ألحق ضررا كبيرا بمعنويات المناضلين وسمعة الحركة. 

لا شك أن احتجاجات الربيع العربي واحتجاجات جانفي 2011 في الجزائر كانت سببا رئيسيا في تغيير المزاج العام لمناضلي حركة مجتمع السلم إذ شعروا بأنهم في المكان الخطأ من التاريخ فسارعوا الى التصحيح والاستدراك ثم جاء المؤتمر الخامس في ماي 2013 فرسم هذا التوجه الجديد ودعا إلى نهج متجدد تحت عنوان ” وطن ينهض، حركة تتجدد” واختار القيادة المناسبة لهذا الطور الخامس الجديد.      

يتبع: المرحلة الخامسة: وطن ينهض، حركة تتجدد. 

في الذكرى 33 لتأسيس حركة مجتمع السلم: الأطوار الخمسة وتطورات المنهج ج1

إذا اردنا ان ندرس تطورات المنهج الذي حكم حركة مجتمع السلم، بمناسبة ذكرى تأسيسها في 29 ماي 1991، فإننا سنضطر إلى تقسيم تاريخ الحركة إلى خمس مراحل، أو خمسة أطوار: ثلاثة قبل التأسيس الرسمي واثنان بعده. أما قبل التأسيس فإن الحركة قد تعرّف عليها الجزائريون في مرحلتها الأولى في سبعينات القرن الماضي كجماعة ذات معارضة راديكالية لنظام الحزب الواحد  والنهج الاشتراكي الرسمي، وقد وصل المنهج الحدّي لتلك المعارضة إلى استعمال العنف عبر الحادثة التي سميت ب”قطع أعمدة الهاتف”، وقد سبق تلك الأحداث خطاب شديد اللهجة عبر خطب نارية للشيخ محفوظ نحناح رحمه لا تزال  بعض تسجيلاتها متوفرة، وبيانات قوية  العبارات كالبيان المشهور تحت عنوان ” إلى أين يا بومدين؟”، انتهت هذه المرحلة بسجن الشيخ محفوظ رحمه الله والعديد من إخوانه وتشتيت جماعته.

أثناء سجنه نشطت جماعات أخرى في الجامعات، أهمها جماعة الجزأرة التي كان يرأسها د. بن شيكو ثم د. بوجلخة، وجماعة الشيخ عبد الله جاب الله التي عرفت في ذلك الوقت بأنها الجماعة التي تمثل الإخوان المسلمين فكرا وتنظيما.

بعد إطلاق سراح الشيخ محفوظ نحناح سنة 1981 دخلت جماعته في المرحلة الثانية من تاريخها، وهي المرحلة التي تبلور فيه منهج جديد عبر المراجعات التي قام بها الشيخ رحمه الله في السجن، وأساسها الابتعاد نهائياً عن المنهج العنفي لفظا وسلوكا والاعتماد على الخطاب الدعوي الهادي أكثر من الخطاب السياسي الصادم مع المحافظة على خطاب سياسي يعتمد شعار الحركة الإسلامية المركزي آنذاك “الإسلام هو الحل” ويستهدف نقد المناهج المستوردة وعلى رأسها العلمانية والاشتراكية، ولهذا السبب لم يكن الشيخ محفوظ في صدارة الاحتجاجات الكبرى كأحداث الجامعة المركزية عام 1982 وأحداث 5 أكتوبر 1988 رغم الوجود الفعلي للعديد من قادة وأفراد جماعته فيها، واستطاع الشيخ محفوظ أن يتجاوز كل تحديات عشرية الثمانينيات ليكون في أواخرها أهم زعيم سياسي وتكون جماعته أكبر جماعة في الجزائر وقد ساعده على ذلك عدة معطيات منها شخصيته الجذابة وسمته وقدراته الخطابية الفذة، النهج الجديد الذي انتهجه الشاذلي بن جديد القائم على الانفتاح السياسي وبدايات التراجع عن النهج الاشتراكي والذي كان يحتاج بشأنه إلى بروز  جهة معتدلة في التيار الإسلامي، وارتباط الشيخ محفوظ بالاخوان المسلمين الذين كان يمثل منهجهم ومشروعهم وتاريخهم وتضحياتهم نوعا من المرجعية التي تفرض نفسها على شباب الصحوة الإسلامية يرتبطون بها بشكل تلقائي أكثر من غيرها، وكتيار قبل الارتباط بالتنظيم،  مما جعل العديد من الشباب وإطارات الحركة الإسلامية الذين انتظموا في جماعة الشيخ عبد الله جاب الله يتركونه لصالح الشيخ محفوظ لمّا اختلف الرجلان وعُلم بأن الشيخ محفوظ هو من يمثل “الاخوان المسلمون”.

وكذلك التحق بالشيخ نحناح رحمه الله بسبب “الإخوان المسلمون” كثير من رموز وقادة الحركة الإسلامية، وعدد من التنظيمات المحلية ومن مجاميع إسلامية مختلفة خصوصا بعد فشل مساعي الوحدة بين فصائل التيار الإسلامي التي دعا اليها بعض الدعاة بين 1983-1987. وبقي الانتماء للإخوان المسلمين صمام أمان لوحدة جماعة الشيخ محفوظ – بالإضافة إلى شخصيته – إلى أن تراجعت أهمية تلك المرجعية لأسباب عديدة ليس المجال للتفصيل فيها، خصوصا بعد التحول إلى المرحلة الحزبية، فأخذت الاختلافات ثم الانشقاقات تظهر في جسم الجماعة.

مع تغيير الدستور والتوجه نحو التعددية الحزبية دخلت جماعة الشيخ محفوظ نحناح مرحلتها الثالثة، بتأسيس الحزب رسميا في 29 ماي 19991 الذي نتذكر مناسبته في هذا المقال، وكان الدخول عسيرا ليس عليه فقط، بل على الجماعات الإسلامية الثلاث المنظمة المتقاربة فكريا التي لم توفق في تحقيق الوحدة بينها (الشيخ محفوظ/ الجزأرة/ عبد الله جاب الله)، والتي تجاوزها تيار 5 أكتوبر ولم تسبق لتأسيس حزب إسلامي فأدّى ذلك إلى سيطرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج على الساحة السياسية.

تسبب هذا التأخر من قبل هذه الجماعات المنظمة في الاستشراف وفي التعامل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية التي تلت انهيار أسعار البترول ابتداء من 1986، وتعمّق الفساد في نظام الحزب الواحد، ثم البرسترويكا  فانهيار الاتحاد السوفياتي بين  1987 و 1990 وتراجع زمن الأحادية عالميا إلى ضياع المبادرة والريادة، وأصبحت السياسات والتوجهات والتصريحات هي من أجل الاستدراك واسترجاع المبادرة والمساهمة في المحافظة على نصاعة المشروع وتفويت الفرصة على العلمانيين لاستغلال الظروف وغطاء محاربة الإهاب للإجهاز على كل مرجعية إسلامية في الشأن العام، وكذا من أجل إخراج البلاد من الأزمة.

وقد كان نهج الشيخ محفوظ نحناح أكثر وضوحا من خلال سرعة وقوة المبادرات من أجل الحوار والمصالحة الوطنية، [وقد سجلتُ تلك المبادرات في برنامج مراجعات مع قناة الحوار اللندنية وفي كتابي مبادرات لحل الأزمات]، وخطاب التميز عن التشدد، ثم العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة عبر العودة للمسار الانتخابي وبداية تجسيد نهج المشاركة الحكومية، ومحاولة بلورة خطاب وطني لتطمين النظام السياسي وتحسين  العلاقة بالمؤسسة العسكرية ومجاهدي حرب التحرير، وكل من له تأثير في القرار السياسي.

أدى هذا النهج إلى نجاحات معتبرة على المستوى الاستراتيجي من حيث المساهمة في وقف سيل الدماء والمحافظة على الدولة وحماية المشروع والحركة الإسلامية وأمن المناضلين وعائلاتهم، وتوفير الفرصة لاستمرار الوجود والعمل، والانتقال للمستقبل بأقل التكاليف وفي أحسن ما يمكن من الظروف، غير أن الإخفاق على المستوى السياسي كان ملازما للمسيرة خلافا للأهداف التي رسمها الشيخ محفوظ وسَمِعتُها منه شخصيا وهو أن ينال دعم المؤسسة العسكرية، تأسياً بتجربة الشيخ حسن الترابي الذي كان نجمه صاعدا في ذلك الوقت، ويكون بديلا لجبهة التحرير التي خرجت للمعارضة مع الأستاذ الكبير عبد الحميد مهري رحمه الله والجبهة الإسلامية التي لم يكن ممكنا التفاهم بينها وبين العسكر، أو على الأقل تجسيد فكرة التحالف الوطني الإسلامي على المستوى الرسمي بعد ما تمت الدعوة إليه باسم جمعية الإرشاد والإصلاح قبل تأسيس الحزب عام 1990.

لقد كانت الخسارة في الانتخابات التشريعية في جانفي 1991 منطقية بسبب السبق الذي استفادت منه جبهة الإنقاذ، ولكن النجاح الكبير والشعبية الهائلة التي ظهرت لصالح الشيخ محفوظ وحزبه في الانتخابات الرئاسية عام 1995 أخافت العسكر وأصحاب القرار.

لم ينفع المنهج التطميني الذي انتهجه الشيخ محفوظ فأُعطيت له الرسالة من قبل النظام السياسي  بأن “بديلنا لست أنت بل نصنعه صناعةً بأيدينا”، فكان تغيير الدستور  عام 1996 لمنع الشيخ محفوظ من الترشح مرة أخرى للانتخابات الرئاسية مدى الحياة، وذلك بسبب قدرته على المنافسة وقيادة البلد، وتغيير  اسم الحزب بنزع كلمة “الإسلامي” ليتحول من “حركة المجتمع الإسلامي – حماس” إلى “حركة مجتمع السلم – حمس”، وإعاقة الحركة بما اعتقده نظام الحكم بأنه عناصر قوة لصالحها، ثم كان تأسيس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” والتزوير له في الانتخابات التشريعية والمحلية عام 1997، وبعد ذلك منع النحناح رحمه الله وأسكنه فسيح جناته من الترشح عام 1999 وإهانته وضربه في تاريخه وسمعته، ثم جاءت الانتخابات التشريعية عام 2002 فتمت معاقبته عن إصراره على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1999  بما اضطرّهم إلى منعه من ذلك تعسفا مما زاد في ضرب مصداقية الانتخابات بالإضافة إلى ما أصابها من خدش في مصداقيتها بعد انسحاب المرشحين الستة، فوضعوا الحركة في تلك الانتخابات التشريعية في المرتبة الرابعة بعد حركة الإصلاح التي أسسها الشيخ عبد الله جاب الله بعد خروجه من حركة النهضة، مع أن ما سهل على النظام إخفاء مكره وقلة وفائه التراجع الشعبي الفعلي الذي أصاب الحركة بسبب تحولها السريع والمفاجئ من معارض لبوتفليقة إلى مساند له في الانتخابات الرئاسية عام 1999. ولا يعني ما نقوله هنا أن حركة الإصلاح تم تقديمها على الحركة بدعم من السلطة، فقد كان تقدمها منطقيا، ولكن المقصود أن الحركة عوقبت بالتزوير ضدها كما هي العادة،  وأنه لو كانت  جزء من السلطة لزورت لها كما تفعل مع أحزاب الموالاة التي تنقذ دوما بالتزوير.

لا يمكن الجدال بأن الكثير من المكاسب الاستراتيجية غطت عن الخسائر السياسية، ومن أهمها البقاء في ساحة المعركة ضد التوجهات العلمانية المعادية للمشروع الوطني الإسلامي، ولكن لا يمكن الجدال كذلك بأن التيار العلماني ألحق بخططنا خسائر كبيرة، ومن ذلك إضعاف التيار الوطني ذاته داخل الدولة، علما بأن المكتسبات الحضارية العربية الإسلامية تحققت في زمن الحزب الواحد بأيدي رجال التيار الوطني وليس في زمن التعددية الحزبية، ومن ذلك قانون الأسرة، والمنظومة التربوية الأصيلة، والتعريب. غير أن الرجال الذين حققوا تلك الإنجازات عبر صراع مرير مع ما كان يسمى “حزب فرانسا” في ذلك الوقت أبعِدوا عن النفوذ داخل الدولة، واستفرد رجال التيار العلماني الذين كانوا يواجهونهم بالقرار، خصوصا داخل المؤسسة العسكرية، ووجدت حركة مجتمع السلم نفسها قريبة من هؤلاء الرجال العلمانيين، رغم تصريح زعيمهم خالد نزار صراحة في مذكراته المنشورة بأن خططهم كانت تستهدف في ظل الأزمة ضرب التيار الإسلامي المتشدد منه والمعتدل.

كما أن الخطر على المنظومة التربوية صار ملموسا من خلال إنشاء لجنة بنزاغو، والتمكين في وزارة التربية والتعليم لتياره، ولو لا المقاومة التي أظهرها رجال التيار الوطني، كأمثال علي بن محمد وعبد القادر فوضيل وعبد الحميد مهري، وتحالفهم في المجتمع مع التيار الإسلامي لكانت الخسائر عظيمة في وقت مبكر. علاوة على التحرش المستمر بقانون الأسرة، والتراجعات الكبيرة في مسيرة التعريب، وفي الاهتمام بالقضية الفلسطينية.   

علم الشيخ محفوظ نحناح بأن النهج السياسي التشاركي مع نظام سياسي مستبد، غير وفي وغير نزيه لن ينفع الحركة فبدأ يبحث عن نهج جديد، وأصبحت أسمع منه – كما سمع غيري – في جلسات خاصة كلاما عن النظام السياسي كان يمنعنا أن نفكر فيه أصلا، وأخذ ينظّر لتوجه جديد في المنهج في كتاب بدأ في تأليفه تحت عنوان ” الدولة وأنماط المعارضة” ولكن فاجأته الوفاة واختفت مسودة الكتاب بشكل غريب.

توفي الشيخ وقد حقق إنجازات استراتيجية جعلت نهجه مدرسة كاملة الأركان، وستبقى تلك الإنجازات التي اشرت إليها – رغم الخسائر المذكورة –  شاهدة له ينالها أجرها وهو في قبره، ولكن كان الأمر يتطلب القيام بمراجعات في النهج السياسي تكمّل المنهج وتزينه ولكن لم يسعفه الأجل رحمه الله، ووجدت الحركة نفسها بعده في مرحلة  رابعة من تاريخها تعمق فيها نهج المشاركة الحكومية، بل تحول إلى منهج اندماجي تام في النظام السياسي رغم التململ  الذي بات واضحا في صفوف الحركة، بل كان يوشك أن يتفجر في وجه الشيخ محفوظ على نحو ما وقع له في لقاء وطني شهير ببومرداس.

لقد كنت من شركاء المسيرة ومن صانعي أبعادها الاستراتيجية ولكن أصبحت غير موافق على الشق السياسي في المنهج في وقت مبكر في زمن الشيخ محفوظ  منذ عام  1997 بعد أن باتت فكرة التحالف مع التيار الوطني وهْما وصار قادة المؤسسة العسكرية [الذين اعتُبر قادتهم في زمن الحراك الشعبي جزء من العصابة ] هم الخطر الأول على مشروعنا وفاعليتنا، وكنت أعبر عن رأيي المخالف بكل حرية، وقد ظهر ذلك للرأي العام لأول مرة عند رفضي التصويت على برنامج أويحيى الحكومي عام 1997 عند رفضه إدخال تعديلاتنا [وتعديلات جبهة التحرير حين كان قادة التيار الوطني الأصلاء هم من يقودها]، وذلك بالرغم  من أنني كنت رئيس الكتلة البرلمانية، كما سميتُ المشاركة الحكومية  “مشاركة عبثية” في أحد الحوارات في جريدة الخبر  في حياة الشيخ محفوظ رحمه الله، وقد قدمت له آنذاك، عام 1997، ورقة حذرت فيها من عواقب ذلك النهج واستشرفت الآفاق المستقبلية في أجل زمني أكدته الثورات العربية وقدمت رؤية بديلة هي التي طبقتُها لاحقا كما سأبينه أدناه.

تابع.. المرحلة الرابعة: “نحو طور جديد”

 د. عبد الرزاق مقري

شرف البطولة وحدودها في فكر مالك بن نبي

شرف البطولة وحدودها في فكر مالك بن نبي

 

4 ـ الفكرة قبل السياسة.

 

بدأ مالك بن نبي حديثه عن السياسة والفكرة في كتابه شروط النهضة بعبارة جميلة فقال” “إن الكلمة لمن روح القدس، إنها تُسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، فالكلمة ـ يطلقها إنسان ـ تستطيع أن تكون عاملا من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف تغير الأوضاع العالمية“. ما أصدق هذه العبارة، ألم تصنع كلمات أحمد ياسين جيلا من الرجال والنساء صار القرآن والسنة فكرتَهم ورسالتهم في الحياة وتحولوا بها إلى ظاهرة اجتماعية راسخة تجرأت على الظلم، بالبصيرة والإعداد والتخطيط والبطولة، فغيروا في طوفان الأقصى الأوضاع العالمية وأقر أعداؤهم المتحالفون ضدهم من كل الدول الغربية بأن هؤلاء فكرة، والفكرة لا يهزمها الرصاص المصبوب ولا السيوف الحديدية.

وقبل أحمد ياسين كان الأصل في جماعة الإخوان المسلمون إذ صنع معلم الأطفال الشيخ حسن البنا رجالا أكملوا المسيرة بعد اغتياله شهيدا وضرب جماعته فتحولت إلى فكرة سارت في الأمة كما تسير الروح في الجسد، فتجاوزت التنظيمات والجماعات، وصارت حالة عالمية تتحالف الدول العظمى ودولُها الوظيفيةُ لقتلها فلا يستطيعون. وقد ضرب مالك بن نبي المثل في أثر الفكرة في بلده بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقال: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات بن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونيتين بالنوم، حتى أُشرِب الشعب في قلبه نزعة التغيير، وأصبحت أحاديثه تتخذها شرعة ومنهاجا، وهكذا استيقظ المعْنَى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب” ثم تجاوزت اليقظةُ الجمعيةَ ذاتَها، وكانت ثورةُ نوفمبرَ من ثمارها الزكية. وكانت نوفمبرُ قبل الثورة كلمةً في البيان الأول من الشهر ترنو إلى الاستقلال ضمن الحرية والتضامن الاجتماعي والمبادئ الإسلامية لتحقق وحدة الأمة من الشمال الافريقي إلى إطاره الطبيعي العربي الإسلامي، ولا تزال المسيرةُ مستمرةً تتطاول فوق مكائد الاستعمار وأذنابه. 

إن كل تلك الحركات الإحيائية عملت على أساس أن تكوينَ الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية إنما يكون في الظروف والشروط نفسِها التي وُلدت فيها الحضارة الأولى، في بيئة المدينة المنورة، على حد قول بن نبي. فإن بقيت الفكرة تصنع تلك الظروف لا بد للحضارة أن تبزغ من جديد، فإن تبعت الفكرةَ السياساتُ والمؤسسات والأطرُ والهياكلُ والمناهجُ، ولم تغادرها أبدا مهما كانت الصعوبات والتحديات بلغت بإذن الله مبلغها نحو بزور فجر جديد. غير أن بن نبي عاب على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي رأى أنها نهضت بالمجتمع الجزائري في عقد واحد من الزمن فقط بين 1925 إلى 1936 وهيأته فرديا واجتماعيا لينعتق من الاستعمار، قد نزلت إلى أوهام السياسية على غير فكرتها حينما انخرطت في مطالب الاستعمار بالإصلاحات والحقوق في المؤتمر الإسلامي عام 1936، مع نخب سياسية ليست لها فكرة حضارية ولا وجهة ثقافية، ولا يريدون من الاستعمار إلا أن يحسّن ظروفهم.

 لم يتهم بن نبي جمعية العلماء في مقاصد قادتها، مُبدِيا أسفَه على زلة العلماء التي كانت زلة نزيهة، لما توافر فيها من النية الطاهرة والقصد البريء ـ كما قال ـ وذلك حين سمحوا عام 1936 بسقوط الفكرة الإصلاحية في حبائل الوعود التي بذلتها  الحكومة الفرنسية اليسارية  بغير حساب وهي تعمل في الحقيقة على اغتيال الإصلاح.

ويمكننا أن نعيب في الوقت الحالي على الحركات الإحيائية في التيار الإسلامي، التي أحيت الأمة وصنعت صحوة شعوبها في آخر القرن الماضي نفس المعايب التي أسف لها ابن نبي عن جمعية العلماء المسلمين في أواخر الثلاثينات، إذ بدل أن تنتقل  تلك الحركات إلى معامع السياسة بفكرتها صار الكثير منها ينافس على الانتقال من مساحات الدعوة في المجتمع إلى مؤسسات الدولة الحديثة بدون الفكرة التي تميزها، وصار مبلغ علم قادتها أن يُسمح لهم بهوامشَ في الوجود السياسي ضمن عملية ديمقراطية مغشوشة لا يوصل سقفُها المتدني إلى التغيير ولو بقوا في العمل على ذات المنوال مائة سنة مقبلة.

 وضمن هذا المنظور السياسي البراغماتي الجديد صار الوجه البارز ـ وربما الوحيد ـ لتلك الحركات هو الوجه الحزبي المندمج في المنظومة الفكرية الحضارية الغربية المهيمنة في بلداننا وفي العالم بأسره، وفي أحسن الأحوال وجه أحزابٍ محَافظةٍ تهتم بمظاهر الهوية وقوانين الأحوال الشخصية دون مشاريع جادة لعبور الفكرة إلى مستوى العودة الحضارية للأمة الإسلامية.

 

لقد برزت أصواتٌ خدّاعة بعد هيمنة الرأسمالية العالمية تدعو القوى الإسلامية إلى ترك “الأيديولوجية” والاهتمام بمصالح الناس فحسب في الممارسة السياسية، وما تلك الدعوة إلا لقتل كل الأيديولوجيات لتبقى أيديولوجيةٌ واحدةٌ مهيمنةٌ هي أيديلوجية الرأسمالية العلمانية المادية التي تدين بها القوى المتغلبة التي ضيعت مصالح غالبية سكان المعمورة لصالح فئات قليلة سيطرت على أغلب خيرات الأرض. وإذا كان معنى كلمة “الأيديولوجية” هو “علم الأفكار”، كيف يُتصور أن لا تكون الفكرة قبل السياسة. لقد أدى تجريم علم الأفكار أن صارت الأحزابُ في العالم كلُّها متقاربةً في مساحة سُميت ظلما الوسط أو ” الوسطية”، ببرامج متشابهة، يختارها الناخبون في الظاهر ولكن تتحكم فيها قوى غير معلنة ولا مسؤولة هي القوى المالية والعسكرية والشركات الكبرى ولوبيات الأقليات الممكّنة. 

تأخذ القوى الخفيةُ السلطةَ الحقيقية وتتهالك القوى الحزبيةُ البارزةُ على فتات المقاعد البرلمانية والوزارات والمصالح، فلا تسمع في النقاش السياسي شيئا عن الأفكار والتوجهات الحضارية وكيف تصان الكرامةُ الإنسانية، ولا تسمع شئيا عن طبيعة الدولة البديلة المنشودة وعلى عن الرؤى الاقتصادية والاجتماعية  والثقافية المناقضة لديانة السوق، وبرامج إطلاقِ الغريزة المحبطة للفضيلة التي لا شك ستدول بها الحضارة الغربية، وأما أزمات الشعوب فعلاجها الوعود الانتخابية والتدليس والخداع أو تعميق الأزمات لوضع طموحات الناس في مستوياتها المتدنية.

إن ابتعاد المصلحين عن فكرتهم، بعد ان تطول بهم الطريق، يُضيِّع منهم المبادرة فيأخذها الأكثر جسارة منهم، ولو بدون أفكار حضارية فيطول شقاء الأمة، في إطار الدولة الحديثة التي صارت تشقى تحت سلطتِها الدُّغماتيةِ كلَّ البشرية. لا شيء يجب أن يحافظ عليه قادة حركات الإحياء الإسلامي أكثر من الفكرة التي أسستهم، والتي وحدها تتناسب مع قواعد المجتمع الذي نَبتُوا فيه وإلا صارت أحاديثُهم جوفاء بلا مضمون مهما تنمقت، وصدق بن نبي إذ يقول: ” ومن الواضح أن السياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه، لا تستطيع إلا أن تكوّن دولة تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها“. ولعل صدمة الطوفان تصلح الأوضاع.

د. هبد الرزاق مقري

    

هل يستفيد الإسلاميون من التجربة السنغالية؟

لا شك أنّ الحالة الديمقراطية في السنغال متقدمة على دول أفريقية كثيرة، وعلى كل الـدول في العالم العربي، فالتعددية الحزبية عريقة، وهوامش الحرية واسعة، والمجتمع المدني حرّ ونشيط، والتداول السلمي على السلطة تحقق فعليًا عدة مرات بين الموالاة والمعارضة، غير أن التغيير الذي حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في 24 مارس/آذار 2024 مختلف عن المنافسات السابقة، وقد حرصت في زيارتي إلى دكار بعد الانتخابات أن أدرس التجربة عبر الاستماع المباشر والنقاش مع الفاعلين السنغاليين من الناطقين باللغتين: العربية والفرنسية، وذلك بغرض الاستفادة من التجربة في نماذجنا السياسية والاجتماعية المستعصية على الديمقراطية في بلادنا العربية.

 

تيار شبابي جارف

لقد كان التدافع السياسي في السنغال يجري في المراحل السابقة ضمن منظومة سياسية واقتصادية وثقافية واحدة، تدور في فلك الهيمنة الغربية الفرنسية، رغم الفروقات التي تظهر بها هذه القوى والشخصيات السياسية المتنافسة أو تلك، خلافًا للتغيير الذي حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي يمكن إدراجه ضمن الصحوة الأفريقية العامة ضد التبعية للقوى الاستعمارية. غير أن السنغال اختارت الاعتماد على رصيدها الديمقراطي بدل اللجوء إلى الانقلابات العسكرية، كما حدث في عدد من دول غرب أفريقيا.

 

إن من ميزات التغيير الحاصل في السنغال، أنه جاء ضمن تيار شعبي شبابي جارف فرض نفسه على التوازنات القائمة، قدم نفسه عبر خطاب راديكالي بسيط وواضح كبديل لحالة الفساد المستشري والفشل في تحقيق التنمية والتبعية للقوى الخارجية، وكضامن للهوية الإسلامية السنغالية المدرجة على هامش الشأن العام من قبل النظام العلماني المتحكم.

 

لم يكن قادةُ التغيير الذين نجحوا في الانتخابات من المنظمات الدينية والحركات الإسلامية، ولكن كثيرًا منهم نشؤُوا في فضائها العام ويعدّون من ثمارها، ومنهم قائد المعارضة عثمان سونكو الذي كان عضوًا نشطًا في جمعية الطلبة والتلامذة المسلمين أثناء دراسته الجامعية وبقي قريبًا من مختلف الجمعيات والمنظمات الإسلامية، فكان قريبًا من الطريقة المريدية، ومن جماعة عباد الرحمن، واتحاد العلماء والدعاة، ويحضر الحلقات المسجديّة إلى أن انخرط في العمل النقابي والسياسي فأخذ وجهة تختلف عن العمل الإسلامي التقليدي.

حيث ركّز على التيار بدل التنظيم، وعلى الاتصال الجماهيري المباشر والتحكم في وسائل الاتصال الحديثة، وعرْض البدائل عبر المقالات والمبادرات، وتوسيع شبكة العلاقات والتحالفات، وحتى حينما أسس حزبه “الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة – باستيف” عام 2014 جعله أشبه إلى الشبكة منه إلى الحزب، ينخرط فيه من يجتمعون في رؤية التغيير وأهدافه، ويتنوّعون فيما سوى ذلك، ويضبط التوجهات قادة مقتدرون من خلال التأثير وليس عبر المواقع التنظيمية.

 

دور إيجابي

لم تكن الموجة التغييرية التي قادها عثمان سونكو، صاحب الخمسين سنة من العمر، بلا ثمن، فقد تعرّض لمضايقات كثيرة، حيث فُتحت له قضايا كيدية عديدة في المحاكم وتم سجنه بحجة تهديد الأمن العام. وتحسبًا لعدم السماح له بالترشح للانتخابات الرئاسية، قدّم إلى جانب ملفه ملفَّ صديقه وأمين عام الحزب ورفيق دربه في النضال النقابي ثم الحزبي باسيرو ديوماي فاي صاحب الأربع والأربعين سنة من العمر، الذي فاز في الانتخابات الرئاسية، باسم التيار الذي مثّلاه.

 

لم يكن باسيرو أقل شكيمة وشجاعة، أو أقل كفاءة في نقد النظام الحاكم وتقديم البدائل، فيرجع له الفضل في إدارة شؤون الحزب، وفي الخطاب التغييري الواضح، وهو – مثل سونكو – ذو خلفية مالية اقتصادية وقانونية، وقد تعرفا على بعضهما بعضًا في الإدارة العامة للضرائب وفي نقابة اتحاد الوكلاء الضريبيين التي أسسها سونكو عام 2005 والتي كان لها فضل كبير في تعرية الفساد ورجاله، ودخلا السجن معًا وترشحا من داخل السجن معًا كمرشحين مستقلين بعد حل حزبهما باستيف، وها هو باسيرو، الرئيس المنتخب، يعيّن صاحبه وصاحب الفضل عليه، سونكو، رئيسًا للحكومة لينتقلا معًا من تحدي العبور بأفكارهما نحو الدولة إلى خدمة الشعب السنغالي بها.

 

لقد كان للتيارات الدينية والمنظمات الإسلامية دور إيجابي في خفض التوتر بين الرئيس السابق ماكي سال، والمعارضة بقيادة سونكو وباسيرو، وقد أدت وساطةُ قادَتِها إلى إطلاق سراح الرجلين من السجن، ولكن كان أكثر هؤلاء القادة الصوفيين والإسلاميين مع الرئيس السابق ماكي سال قبل الاحتدام الانتخابي – تمامًا كما هو حال الميل إلى السلطة الذي بات ملازمًا لأغلب الحركات الإسلامية الوسطية – إلى أن غلبتهم قواعدهم، خصوصًا على مستوى الشرائح الشبابية وبشكل أخصّ في طوبى عاصمة الطريقة المريدية، ثم بيّنت النتيجة الانتخابية التاريخية التي حسمت في الدور الأول لصالح المرشح الشاب المحمول من التيار الشعبي ما لم يكن يتوقّعه قادة التيار الإسلامي.

 

لقد فرضت الدولة العلمانية عبر عقود من الزمن أن يكون التنافس على السلطة بين الأحزاب والنخب العلمانية فقط، ولم يستطع قادة التيار الإسلامي بناء رؤية سياسية جماعية لفرض توجهاتهم الإسلامية ديمقراطيًا رغم حضورهم الشعبي القوي، عبر طرقهم الصوفية ومنظماتهم الدعوية والثقافية والاجتماعية وغيرها، كما لم تكن محاولة بعضهم الحزبية ناجحة عبر حزب الإصلاح من أجل التنمية الاجتماعية.

 

التحرر من التبعية

ولكن ها هي أفكارهم وتطلعاتهم يتبنّاها تيار شعبي عريض يقوده قادة مقتدرون تأثروا بهم، يمثلون أفكارَهم ولكن لا يمثلون جماعاتهم ومنظماتهم، يمثلون أفكارهم التي عبّر عنها باسيرو، وسونكو وأنصارهما في المنافسة الانتخابية، من حيث الدفاع عن الإسلام وخدمة اللغة العربية، وفي موضوع السيادة والتطلع إلى التحرر من التبعية الثقافية والاقتصادية للقوى الاستعمارية، وعلى رأسها فرنسا، وفي محاربة الفساد، وصيانة الحريات، وفي الحرص على تحقيق التنمية وتحسين الظروف المعيشية لعموم السنغاليين، وربما في القضية الفلسطينية.

إن التحدي اليوم كبير أمام باسيرو وسونكو، للنجاح في هذه التحديات الستة: (الإسلام، السيادة، الحريات، إنهاء الفساد، التنمية، القضية الفلسطينية)، كما أن التحدي كبير على الحركات الإسلامية في السنغال لتنظيم أنفسهم على أساس رؤية مشتركة تقوم على الأسس الستة المذكورة للتعامل مع النظام الجديد القريب إليهم، الذي بات يستوعب عددًا كبيرًا من إطاراتهم وشبابهم في الحزب الحاكم الجديد ومؤسسات الدولة، فلعلهم يقدمون مقاربة جديدة للتيار الإسلامي في البلاد العربية، الذي طالت معاناته مع الاستبداد، فلم يفلح في العبور بالفكرة إلى الدولة، فباتت قواه وأحزابه محبوسة بين الصدام والاستئصال مع الأنظمة الاستبدادية، أو التبعية والاندماج فيها، أو قلة التأثير والفاعلية.

 

د. عبد الرزاق مقري

Le Déluge d’Al-Aqsa est un phénomène sunnanite

Malik Bennabi, que Dieu lui fasse miséricorde, souligne l’importance du point à partir duquel l’histoire commence  la construction d’une civilisation, et il considère que l’une des conditions de la renaissance est que l’homme reconnaisse ce moment historique et en fasse le début du changement fondamentale dans l’histoire, de sa propre vie, de sa nation et de la condition humaine en générale. C’est ce genre d’événements qui permet à la Oumma de sortir du complexe d’infériorité et d’avancer vers l’histoire.

Il est certain que le déluge d’Al-Aqsa constitue un de ces moments décisifs dans notre histoire en tant que Oumma islamique, et spécifiquement dans  l’histoire de la question palestinienne, comme il aura un impact majeur sur le changement du monde.

Il faut bien souligner qu’avant le déluge la situation de la nation islamique, et de la question palestinienne en particulier, étaient à un stade critique, nous pouvons dire sans hésitation que « Tou changement radicale sera dans notre intérêt », notamment après toutes les tentatives  de réformes politiques et sociales sans issues, pour rendre nos pays développés où les gens prospérèrent dans un environnement de justice, de liberté, et de dignité humaine.

La question palestinienne, elle même, était en situation de stagnation et de blocage dans ses différents  dossiers: 

⁃ La perpetualité du siège de Gaza avec tout le lot de souffrance qui s’en suit.

⁃ les brigades d’Al-Aqsa se sont transformées en armée de Gaza seulement, et ce du moment qu’il n’y’avait pas de possibilité de libérer un autre centimètre de la terre de Palestine.

⁃ l’expansion des colonies dans la Cisjordanie avait mis fin à toute possibilité d’établir la prétendue solution à deux États. 

⁃ La partition  temporelle entre juifs et musulmans dans la mosquée Al-Aqsa s’était manifestement concrétisé, et le passage forcé vers la partition spatiale était en préparation, et le détruire plus tard, à Dieu ne plaise, en serait la  conséquence si le marasme Arabe et musulman allait continuer.

⁃ Les Palestiniens à l’intérieur de la Ligne Verte vivaient et vivent toujours dans une sorte d’apartheid sous le régime coloniale sioniste.

⁃ Et enfin le rythme de la normalisation et de l’abandon collectif arabe de la question palestinienne était dans son extrême accélération, notamment avec la normalisation qui était imminente avec l’Arabie Saoudite, et qui serait suivie en cas de sa concrétisation par la normalisation de tout les pays du monde musulman .

 Face à toutes ces graves dérives, restait-il quelque chose qui nous fasse craindre les conséquences d’une escalade de la résistance ?

Le déluge d’Al-Aqsa est une situation sunnanite qui profite à la Palestine, à la Oumma islamique et à l’humanité.

Si nous énumérons les gains stratégiques que le déluge d’Al-Aqsa a obtenus jusqu’à présent, nous serons certains que le déluge d’Al-Aqsa était un fait sunnainite béni qui s’est produit par la bienveillance  d’Allah.

Le déluge d’Al-aqsa est un de ces fait historique et cosmiques qui dépasse la capacité de perception des humains qu’Allah  initie lorsque l’injustice s’impose sur la Terre et que l’échelle des valeurs se bouleverse,   le bien se transforme en mal et   Le mal en bien, et ce, afin de punir les oppresseurs et mettre sous épreuve les opprimés. 

Quant aux oppresseurs, Dieu Tout-Puissant les a déjà punis par le déluge d’Al-Aqsa, avant la fin de la bataille, et il les a mis dans  une tourmente  qu’ils n’avaient jamais connu auparavant, notamment :

– La profonde déstabilisation du récit erroné utilisé pour la création et le maintien de l’état  sioniste et l’attention particulièrement manifestée dans le monde qui en a découlé, notamment en occident au profit des juifs , et l’amalgame fabriqué de toute pièce entre les juifs et l’état d’Israel. 

– L’image de l’entité israélienne s’est beaucoup détériorée  dans l’opinion publique internationale, passant d’une entité offerte à un peuple opprimé soumis au génocide dans le passé et aujourd’hui assiégé par ses voisins arabes, à une entité injuste et criminelle poursuivie par la Cour internationale de la justice,  et dans la conscience humaine pour ses crimes génocidaires , et boudé par de nombreux pays, dont certains sont des gouvernements occidentaux.

– L’éveil d’une grande partie de la population des pays occidentaux, en particulier de la jeunesse, concernant l’hypocrisie de leurs dirigeants et la grande tromperie dont ils ont été victimes dans leur compréhension du monde sous l’influence des médias contrôlés par les lobbies sionistes, et ceux qui les soutiennent.

– La chute du mythe de la supériorité des renseignements israéliens le jour du 7 octobre, et l’humiliation de l’armée sioniste, que l’on croyait invincible, à cause de son incapacité totale à atteindre aucun des objectifs déclarés dans sa guerre contre Gaza et les civiles palestiniens, dont la majorité des victimes sont des enfants et des femmes.

– L’approfondissement du déchirement de la société israélienne et des contradictions de sa classe politique, comme si nous voyons devant nous la concrétisation de la parole d’Allah Tout-Puissant dans le Coran à propos des enfants d’Israël : « Vous pensez qu’ils sont tous unis, alors que leurs cœurs sont divers», et même La Maison Blanche s’est inscrite dans la ligne de ces divergences pour tenter de faire pencher la balance en faveur du mouvement laïc proche d’elle qui a fondé l’État sioniste après le désaccord croissant avec Netanyahu et ses alliés du mouvement religieux gouvernemental.

– Le retour du discours sur  la prétendue solution à deux États sur la scène internationale après qu’elle ait été presque complètement enfouie sous la terre, une solution qui n’a jamais abouti à travers les longues années du processus des négociations.

– la déstabilisation des nouvelles priorités stratégiques internationales des américains de  faire baisser leur présence au moyens orient afin de  faire face essentiellement à  la Chine, croyant que la region allait se stabiliser définitivement  pour   L’intérêt d’Israel par le processus accéléré de la normalisation, notamment avec l’Arabie saoudite.

– Le déluge d’Al-Aqsa a créé un grand éveil des conscience populaire aux États-Unis d’Amérique, ce qui a créé une pression sur le Parti démocrate au pouvoir et a conduit à l’émergence de graves désaccords au sein de celui-ci et dans les institutions de l’État. – La société américaine était déjà en train de se diriger vers l’incertitude dans la vie politique avec la montée de Trump et le déluge a entraîné une forte baisse de la popularité de Biden en raison de ses positions dans la guerre contre Gaza. Et de toute façons que ce soit Trump qui gagne ou Biden, la vie politique connaîtra des développements majeurs qui accentueront le perte de vitesse des États-Unis d’Amérique sur la scène internationale.

Les opprimés.

Quant aux opprimés, ils se divisent en deux groupes face à ce phénomène sunnainite  :

– 1 – Le premier groupe est constitué de ceux qui étaient en harmonie avec ce grand événement historique, ceux qui étaient responsable de son déclenchement, et ceux qui  l’ont soutenu et à leur tête se trouvent  les héros de la résistance Palestinienne qui se sont bien préparés, et se sont mis à l’endroit approprié de l’histoire et des fait sunnanique  dont les règles ne changent jamais.

Le déluge d’Al-Aqsa a montré comment l’armée israélienne peut être  humiliée vaincue et désorientée par les moyens des plus simples en comparaison avec ses moyens gigantesques lorsque c’est les hommes de la foie qui font face à l’ennemi , ceux là qui ne craignent  pas la mort et qui prennent au sérieux la préparation de la confrontation.

Les héros de la résistance palestinienne sont déjà victorieux dans au moins douze batailles jusqu’à présent, avant la fin de la guerre:

– Ils ont réussi l’opération historique du 7 octobre, qui a stupéfié le monde, et qui laissée  l’ennemi abasourdi ne comprenant pas ce qui lui est arrivé.

– Ils ont réussi dans l’affrontement terrestre, rendant l’armée d’occupation incapable d’atteindre aucun objectif, tuant ses soldats et officiers et détruisant ses véhicules de guerres de la façon jamais vue au cours de toute son existence depuis l’occupation.

– Ils ont réussi à faire échouer le plan de déplacement  massif de la population grâce à la fermeté des Gazaouis à rester dans leur patrie malgré la tragédie qui a dépassé toutes les limites de l’endurance humaine.

– Ils ont réussi à préserver les prisonniers et à les traiter conformément à la morale islamique et aux lois internationales, ruinant ainsi les plans qui œuvraient à salir les résistants et qui ont été réfutés par les prisonniers israéliens eux-mêmes après leur libération dans le cadre de la trêve conclue.

– Ils ont réussi à gérer les négociations et à ne pas être affectés par les pressions criminelles israéliennes et américaines et par les pressions de certains pays arabes.

– Ils ont réussi à maintenir l’unité des factions participant au déluge et à gérer le front intérieur à Gaza.

– Ils ont réussi à gérer les relations  avec les parties palestiniennes qui se cachent et coopèrent avec les pays arabes et occidentaux pour liquider la résistance et à ne pas s’impliquer dans le conflit avec eux, tant souhaité par les Israéliens.

– Ils ont réussi à annuler les plans d’après-guerre des Israéliens et des Américains qui tentaient de remplacer le gouvernement de Gaza avec des chefs de tribus et certains éléments employés par les renseignements israéliens et ceux de l’Autorité palestinienne.

– Ils ont réussi à maintenir les relations avec les régimes arabes et leurs dirigeants malgré leur connaissance des mauvaises intentions de nombre d’entre eux et la contribution de certains d’entre eux aux tentatives de liquidation définitive de la résistance.

– Ils ont réussi leur performance médiatique grâce aux interventions d’Abu Ubaida, devenu une icône mondiale, et grâce aux interventions de divers porte-parole palestiniens dans les médias et grâce aux grands efforts déployés au niveau des réseaux sociaux pour informer l’opinion publique mondiale de la réalité du terrain et des événements.

– Ils ont réussi à gérer les alliances avec l’axe de la résistance en termes d’opérations, de positions et de discours.

– ls ont réussi leur travail diplomatique, en tirant profit  des contradictions et des conflits d’intérêts à l’échelle internationale , et en usant intelligemment les décisions des institutions internationales.

Quant aux doutes soulevés par les incapables et les mauvais intentionnés , ils sont tous rejetés, dont quatre soupçons fondamentaux, comme suit :

– Quant aux pertes humaines, existe-t-il une occupation dans l’histoire qui n’a pas massacré ceux qui lui résistaient ? En Algérie, par exemple, le colonialisme français a tué un million et demi d’Algériens en sept ans, au cours de la guerre de révolution entre 1954 et 1962, à raison de plus de deux cent mille chaque année pendant sept ans, et lorsque l’Algérie a obtenu son indépendance, ces sacrifices sont restés dans la mémoire des Algériens et entre les nations comme un honneur pour le pays et le tout peuple,  et tous ced martyrs seront des intercesseurs pour leurs familles, si Dieu le veut, pour le Paradis, et les blessés et ceux qui ont perdu leurs familles, leurs proches et leurs biens seront récompensé tôt ou tard ici bas et à l’au delà inchallah.

– Quant à la destruction complète de Gaza, il y a des pays qui sont sortis de la guerre complètement détruits. Cepandant ils ont en fait un défi pour leur renaissance, tel que l’Allemagne, le Japon et la Corée du Sud. Et tout les peuples musulmans seront à  côté des palestiniens si les gouvernants seront à la hauteur de la responsabilité vis à vis de nos frères soumis à l’injustice.

Les palestiniens sont bien conscient qu’une  vie d’honneur dans des tentes au -dessus des décombres de leurs maisons est plus propice à la poursuite de la résistance et plus digne et meilleure que la vie dans des villes huppées construites pour faire égarer  les Palestiniens afin qu’ils abandonnent leur cause sacré, tel que voulu par certains autres Palestiniens soumis et engagés dans les projets de reddition.

– Quant aux allégations qui prétendent que le déluge d’Al-Aqsa a  donné aux Israéliens le prétexte pour occuper à nouveau Gaza, d’abord la bataille n’est pas encore terminée et puis Gaza se trouvait dans une situation de prison à ciel ouvert semblable à la colonisation, sans que les israéliens n’en paye le prix de subvenir aux besoins du peuple colonisé en tant que force d’occupation conformément au droit international.

– Quant à leur affirmation selon laquelle le déluge d’Al-Aqsa mettra fin à l’autorité du Hamas sur Gaza, le lendemain de la guerre n’est pas encore arrivée, et même si cela se produit, il pourrait être bénéfique pour la résistance  en réduisant ses obligations de subsistance envers la population et en se consacrant entièrement à la résistance dans la logique d’une guérilla globale dans toute la Palestine, en tenant compte, bien entendu, des leçons de la guerre en cours.

– 2 – Quant au deuxième groupe d’opprimés, ce sont ceux qui se sont retrouvés en contradiction avec cet événement capital de l’histoire:

– Le déluge d’Al-Aqsa a démontré la réalité de l’impuissance des régimes dans le monde arabe et musulman et mis l’asservissement de certains d’entre eux en exergue, et cet échec et cette trahison vont accroître l’effondrement de la légitimité de ces dirigeants qui n’ont jamais réussi à assurer ni  la dignité de leur peuple en termes de conditions de vie ou au niveau de la liberté et de la démocratie ni en ce qui concerne le droit palestiniens et La Défense d’Al-aqsa,lieu saint de l’islam.

Il  ne fait aucun doute que l’isolement populaire de ces régimes, qui s’est accru avec le déluge d’Al-Aqsa, la fragilité du front intérieur et la montée des tensions à leur encontre, augmenteront leur faiblesse et leur incapacité à résister aux crises attendues dans ce monde caractérisé par l’incertitude et les tensions.

– Le déluge d’Al-Aqsa a également révélé l’état de vide sociétal et l’absence d’institutions, d’organisations et de leaders capables de faire pression sur les autorités en place en faveur de la cause palestinienne ou de mobiliser les peuples au delà des limites imposées par les  régimes d’une façon proportionnée au changement  historique qui est en cours en Palestine.

Tout Cela provoquera sans aucun doute un choc intellectuel et émotionnel majeur, et des questions pressantes seront soulevées quant à la faisabilité des politiques et approches de soumission à la tyrannie des gouvernants qui participe à l’étouffement des palestiniens ou qui les livrent à leur sort entre les mains des bourreaux sionistes et Américains. 

Par les questions que le déluge posera à la Oumma, il constituera un élan civilisationnel qui produira de nouvelles idées, tendances et modèles de leadership au profit de la Palestine et de la nation musulmane.

En conclusion, le déluge d’Al-Aqsa a marqué une nouvelle phase dans laquelle le vrai visage haineux de l’entité sioniste a été exposée au grand jour, et l’hypocrisie américaine est devenue évidente. Il  a également contribué à l’accélération de l’acheminement  vers une situation nouvelle de multipolarité internationale, il a démontré une autre fois l’incapacité des régimes arabes et a exposé et approfondi  leur illégitimité. 

De toute évidence, le déluge a ravivé la valeur de la résistance, du jihad, du martyre et des grands sacrifices de la Oumma comme prix à payer pour la gloire et la dignité et la fierté, et a fait du peuple de Gaza, ses moudjahidines et ses habitants courageux et héroïques, un modèle pratique pour tout cela. Il a surtout souligné que l’unité de la Oumma dans toute sa diversité, se fait principalement  autour d’une question centrale et fondamentale, qui n’est  autre que la question palestinienne.

Le déluge à révélé de manière claire que les régimes défaillants et injustes sont une raison de la perpétuation de l’occupation sioniste et de l’éternisation  du retard de nos pays , comme il ouvert  de grandes opportunités pour l’émergence de meilleures idées, approches et systèmes de leadership pour parvenir à une renaissance de notre Oumma et de notre civilisation. 

*Phénomènes sunnanites: Des principes et des lois et des règles systématisées par Allah le tout puissant pour  gérer la vie  des humains dans leurs sociétés pour leur bien et dont la connaissance et la rencontre par les hommes nécessite beaucoup de savoir et de guidance.

طوفان الأقصى حالة “سننية”

يؤكد الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله – على النقطة التي ينطلق منها التاريخ نحو تشييد الحضارة، ويعتبر أنّ من شروط النهضة أن يعرف الإنسان هذه اللحظة التاريخية فيجعلها هي التحول الأساسي في حياته وحياةِ أمته لتغيير أوضاعه والخروج من عقدة النقص والانطلاق نحو صناعة التاريخ.

وإني لأجزم أن “طوفان الأقصى” لحظةٌ تاريخية حاسمة في تاريخ القضية الفلسطينية، ومصيرِ الأمة الإسلامية، بل سيكون له تأثيرٌ كبير في تغيير العالم.

لقد كانت الأوضاع في الأمة الإسلامية، والقضية الفلسطينية بالذات في أسوأ حالها، يمكن أن نصفها بقولنا “لم يبقَ شيء نخسره” وأي تحول جذري سيكون في مصلحتنا بعد أن فشلت كل محاولات الإصلاح السياسي والاجتماعي – خصوصًا بعد الثورات المضادة – في جعل بلداننا متطورة ومزدهرة يعمّها العدل والحرية وكرامة الإنسان ورفاه العيش والمكانة بين الأمم، وباتت القضية الفلسطينية تراوح مكانها من حيث حصار غزة وتحول المقاومة فيها إلى جيش خاص بها لا يقدر على تحرير شبر آخر من فلسطين، ومن حيث أن توسع الاستيطان كان قد أنهى أي فرصة لإقامة حل الدولتين المزعوم.

وكان التقسيم الزماني في المسجد الأقصى قد نجح، وذلك في انتظار الانتقال إلى مرحلة التقسيم المكاني، ثم تدميره لاحقًا – لا قدر الله – لو استمر الانهيار. كما ظل الفلسطينيون في داخل الخط الأخضر يعيشون تحت نظام الفصل العنصري، وتسارعت وتيرة التطبيع والتخلي الجماعي العربي عن القضية، وكان التخطيط جاريًا لضمّ السعودية إلى اتفاقات التطبيع؛ لتكون هذه الخطوة بمثابة “رصاصة الرحمة” للحق الفلسطيني في زعمهم، والانتصار التاريخي الأعظم للمجرم نتنياهو.

فهل بقي أمام كل هذه الخسائر الخطيرة الجارية من شيء نخاف عليه، ويجعلنا نتهيّب من تبعات تصعيد المقاومة؟

سُنة الله في الظالمين والمظلومين

لو نعدد المكاسب الإستراتيجية التي حققها “طوفان الأقصى” إلى الآن، لتأكد لدينا أنه حالة سننية مباركة جرَت على عين الله تتجاوز إرادة البشر، كتلك التحولات الكونية الاجتماعية التي يمضيها الله – تعالى- حين يُطبِق الظلمُ على الأرض، ويصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، لكي يعذِّب الظالمين ويرحم المظلومين ويبتليهم.

أما الظالمون فقد عذبهم الله – تعالى – بـ”طوفان الأقصى”، قبل أن تنتهي المعركة، عذابًا لم يعرفوه من قبلُ، ومن ذلك:

– سقوط الرواية الصهيونية الكاذبة وانتباه شرائح واسعة في العالم، وخصوصًا في العالم الغربي، إلى الحق الفلسطيني وعدالة قضيته.

– انقلاب صورة الكيان الإسرائيلي في الرأي العام الدولي من كيان أُهدِي لشعب مظلوم، تعرض للإبادة من قبلُ، ومحاصرٍ من جيرانه العرب اليوم، إلى كيان ظالم ومجرم مُتَابع من محكمة العدل الدولية، والضمير الإنساني بجرائم الإبادة الجماعية، ومنبوذٍ عند كثير من الدول، بعضها حكومات غربية.

– انتباه أعدادٍ هائلة من سكان الدول الغربية، خصوصًا الشباب، إلى نفاق حكامهم والخداع الكبير الذي كانوا واقعين فيه، في فهم العالم تحت تأثير وسائل الإعلام المتحكم فيها من اللوبيات الصهيونية والمساندة لها والمتعاونة معها.

– سقوطُ أسطورة تفوق الاستخبارات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإذلال الجيش الصهيوني الذي اعتُقد بأنه لا يقهر، وذلك من خلال عجزه التام عن تحقيق أي هدف من أهدافه المعلنة في عدوانه على غزة، سوى قتل المدنيين الأطفال والنساء.

تعمق انقسام المجتمع الإسرائيلي وتجلي تناقضات طبقته السياسية بشكل مدهش وفق قوله تعالى عن بني إسرائيل :

– “تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى”، ودخول قادة البيت الأبيض على خط هذه الاختلافات؛ لمحاولة ترجيح كفة التيار العلماني القريب منهم، المؤسس للدولة الصهيونية بعد تعاظم الاختلاف مع نتنياهو وحلفائه في التيار الديني الحكومي.

– رجوع الاهتمام بحل الدولتين المزعوم في الساحة الدولية، بعدما كاد يُعدم نهائيًا في العالم كله، ومن العرب أنفسهم، وهو الحل الذي عجز مسار المفاوضات عن تحقيقه عبر سنوات طويلة.

– إفساد خطة القادة الأميركيين في تغيير أولويات السياسة الخارجية، بعدما ساد الاعتقاد أن الشعوب العربية في نوم عميق، وأن القضية الفلسطينية قد تم التخلي عنها من قبل الحكام العرب أنفسهم، وأن مصير إسرائيل مضمون في المنطقة من خلال موجة التطبيع الكبيرة قبل “الطوفان”، وعلى هذا الأساس اعتقد الأميركيون أنه يمكن التفرغ للخطر الصيني والروسي والدول الصاعدة الأخرى المتفلتة من القبضة الأميركية، فإذا بهم يجدون أنفسهم يعودون إلى المنطقة مكرهين، تاركين خصومهم الدوليين يرتّبون لمستقبل تنتهي فيه الهيمنة الأميركية.

– تسبب “طوفان الأقصى” في إنشاء حالة وعي شعبي كبير في الولايات المتحدة الأميركية ضغَط على الحزب الديمقراطي الحاكم، وأدّى إلى بروز خلافات شديدة في داخله وفي مؤسسات الدولة، كما أدى إلى مزيد من اللااستقرار الذي كان يتجه إليه المجتمع الأميركي، بسبب حالة اللايقين في الحياة السياسية أمام صعود ترامب من جديد، وتراجع شعبية بايدن جراء مواقفه في الحرب على غزة. وسواء فاز ترامب أم بايدن ستعرف الحياة السياسية تطورات كبيرة تزيد في تراجع الولايات المتحدة الأميركية في الساحة الدولية.

صنفان من المظلومين

أمّا المظلومون فقد انقسموا أمام هذه الظاهرة السننية إلى صنفين:

الصنف الأول: هم الذين انسجموا مع التحول السنني لـ”طوفان الأقصى”، وكانوا ممن صنعوه وأيّدوه وساروا فعليًا معه، وعلى رأسهم أبطال المقاومة والشعب الفلسطيني في غزة الذين أعدوا واستعدوا ووضعوا أنفسهم في المكان المناسب للالتقاء مع سنة الله في خلقه التي لا تتغير ولا تتبدل، فأعطوا الدليل الواضح البين بأنه يمكن قهر الجيش الإسرائيلي وإذلاله وإرباك دولة الكيان بأبسط الوسائل، حين يتم إعداد الإنسان المؤمن الذي لا يخشى الموت، وقد انتصروا في اثنتي عشرة معركة على الأقل إلى الآن، هي:

– نجحوا في العملية التاريخية يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي دوخت العالم، ولم يستوعب العدو حقيقتها إلى الآن، وباتت نموذجًا في الحروب تدرسها المعاهد العسكرية.

– نجحوا في المواجهة البرية، فأعجزوا جيش الاحتلال عن أن يحقق أي هدف، وأوقعوا القتل في جنوده وضباطه والتدمير لآلياته بما لم يرَه طيلة وجوده منذ بداية الاحتلال.

– نجحوا في إفساد خطة التهجير؛ بسبب ثبات أهل غزة، رغم المأساة التي تجاوزت كل حدود التحمل البشري.

– نجحوا في المحافظة على الأسرى وطريقة التعامل معهم وفق الأخلاق الإسلامية والقوانين الدولية، بما أفسد مخططات التشويه التي دحضها الأسرى الإسرائيليون أنفسهم، بعد إطلاق سراحهم في الهدنة التي تم التوصل إليها.

– نجحوا في إدارة المفاوضات وعدم التأثر بالضغوطات الإجرامية الإسرائيلية والأميركية وضغوطات بعض الدول العربية.

– نجحوا في المحافظة على وحدة صف الفصائل المشاركة في “الطوفان”، وفي إدارة الجبهة الداخلية في غزة.

– نجحوا في إدارة العلاقة وعدم التورط فيما يريده الإسرائيليون من صراع ـ يكون في صالحهم أثناء الحرب ـ مع الجهات الفلسطينية المتربصة والمتعاونة مع الدول العربية والغربية لتصفية المقاومة.

– نجحوا في إبطال مخططات الإسرائيليين والأميركيين لما بعد الحرب، ومحاولة تعويض الحكومة في غزة بالعشائر، وبعض العملاء الذين اشتغلت عليهم المخابرات الإسرائيلية ومخابرات السلطة الفلسطينية.

– نجحوا في المحافظة على العلاقة مع الأنظمة العربية وحكامها، رغم علمهم بالنيّات السيئة للعديد منهم، ومساهمة بعضهم في محاولات تصفية المقاومة نهائيًا.

– نجحوا في الأداء الإعلامي من خلال تدخلات “أبو عبيدة” الذي تحوّل إلى رمز عالمي، وعبر تدخلات مختلف المتحدثين الإعلاميين، وبواسطة المجهودات الكبيرة القائمة على مستوى الوسائط الاجتماعية للتأثير في الرأي العام العالمي.

– نجحوا في إدارة التحالفات مع محور المقاومة من الناحية العملياتية وفي المواقف والخطاب.

– نجحوا في العمل الدبلوماسي والاستفادة من التناقضات وصراعات المصالح وفي التعامل مع المواقف الدولية والقرارات الإيجابية أو المخففة.

شبهات المرجفين

وعن الشبهات التي يطرحها الضعفاء والمرجفون فإنها كلها مردودة، ومنها أربع شبهات أساسية:

– أما الخسائر البشرية، فهل يوجد احتلال في التاريخ لم يقتل بالجملة من يقاومونه، ففي الجزائر مثلا قَتل الاستعمار الفرنسي مليونًا ونصف المليون جزائري في سبع سنوات بمعدل أكثر من مائتي ألف كل سنة، وحين استقلت الجزائر بقيت تلك التضحيات تصنع شرف البلاد وأهلها بين الأمم عقودًا من الزمن، وكل أولئك الشهداء سيكونون شفعاء لأهلهم بحول الله، وسيعوّض اللهُ الجرحى ومن فقدوا ذويهم وأحباءهم وأملاكهم بالأجر الوفير يوم القيامة، وفي الدنيا حين تستقل فلسطين على نحو ما تقومه به وزارة المجاهدين في الجزائر إلى الآن لصالح المجاهدين والمعطوبين والأسر الثورية الذين يسمون: “ذوو الحقوق”.

– أما تدمير غزة كلية، فإن دولًا خرجت من الحروب لا يوجد فيها حجر قائم على حجر، فكان ذلك تحديًا لها لبلوغ نهضتها، مثل: ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، ولو أنفق العرب شيئًا زهيدًا من كنوز الأرض التي وهببها الله لهم، مما يبذرونه ويمنحونه للأجانب بسخاء، لبُنيت به بلدان، وليس مدينة غزة فقط، ولتم تعويض كل المتضررين. وإن أحجم الحكام فليتركوا الشعوب المسلمة تتكفل بالأشقاء الفلسطينيين، فهي قادرة على جمع ما يلزم لإعادة إعمار غزة وتعويض كل من تضرر. كما أن بقاء أهل غزة على أرضهم هو مجدهم. وحياة الشرف في الخيام فوق الأنقاض أدعى لاستمرار المقاومة، وأفضل من الحياة في مدن راقية تُبنى كرشوة للفلسطينيين لكي يتنازلوا عن قضيتهم ومقدساتهم، على نحو ما بات يروق لبعض الفلسطينيين الذين انخرطوا في مشاريع الاستسلام.

– وأما قولهم إن “طوفان الأقصى” أعطى ذريعة للإسرائيليين لاحتلال غزة من جديد، فإن المعركة لم تنتهِ بعد وغزة كانت في وضع لا فرق بينه وبين الاحتلال سِوى أن دولة الكيان تخففت من التزاماتها تجاه السكان كدولة احتلال وفق القانون الدولي، إذ جعلت العالم والدول العربية هم مَن ينفقون على احتياجات الغزيين بدلها.

– وأما قولهم؛ إن “طوفان الأقصى” سيُنهي سلطة حماس على غزة، فإن اليوم الموالي بعد الحرب لم يصل بعد، وحتى ولو حدث هذا فقد يكون في ذلك خيرٌ بأن تتخفف حماس من التزاماتها المعيشية تجاه السكان وتتفرغ كلية للمقاومة ضمن منطق حرب العصابات الشاملة في كل فلسطين، مع الأخذ بعين الاعتبار الدروس من الحرب القائمة من حيث بطولات المقاومة وإنجازاتها وخسائرها وتجاه من ساندها ووقف معها، وتجاه من خذلها، وتجاه من تآمر عليها وغدرَها.

الصنف الثاني من المظلومين

أما الصنف الثاني من المظلومين: فهم الذين وجدتهم هذه الحالة السننية الطوفانية وهم على هامش التاريخ، وبعضهم كره الله انبعاثهم، ومن ذلك:

بيّن طوفان الأقصى حقيقة تخاذل الأنظمة العربية والإسلامية وعمالة بعضها بدون أي قدرة على إخفاء ذلك، وسيزيد هذا التقاعس والخيانة في انهيار شرعية هؤلاء الحكام الذين لم ينجحوا أبدًا في توفير الكرامة لشعوبهم من ناحية الظروف المعيشية، أو على مستوى الحريات والديمقراطية، أو فيما يتعلق بهويتهم وانتمائهم ومقدساتهم.

ولا شك أن الانحصار الشعبي لهذه الأنظمة – الذي زاد مع “طوفان الأقصى” وهشاشة الجبهة الداخلية والاحتقان المتصاعد ضدهم – سيزيد في ضعفهم وعدم قدرتهم على الصمود أمام الأزمات المتوقعة في هذا العالم الذي يتسم بالاضطراب والتقلبات.

 

كما كشف “طوفان الأقصى” حالة الفراغ المجتمعي وغياب المؤسسات والمنظمات والقيادات القادرة على الضغط على السلطات الحاكمة لصالح القضية الفلسطينية أو لتعبئة الشعوب المحتقنة، خارج سقوف الأنظمة بما يتناسب مع التحول التاريخي الجاري في فلسطين. وسيُحدث ذلك ولا شك هزةً فكرية ووجدانية كبيرة، وستُطرح تساؤلات كبيرة عن جدوى السياسات والمناهج المهادنة والفاشلة التي اتبعتها الحركات الإحيائية من أجل الإصلاح والتغيير حين انتقلت من الدعوة إلى السياسة، وكذلك عن عدم قدرتها ـ في المجمل ـ على المساهمة الفاعلة في مجهودات تحرير فلسطين ونهضة الأمة وأوطانها. وستكون هذه الحالة، بادرة حضارية تفرز أفكارًا وتوجهات وأنماطًا قيادية جديدة لصالح فلسطين وقومة المسلمين.

وفي المحصلة، إن “طوفان الأقصى” رسم مرحلة جديدة صار فيها الكيان الصهيوني مكشوفًا عالميًا، وبات النفاق الأميركي بيّن لا يمكن إخفاؤه، كما ساهم في تغيّر الموازين الدولية نحو التعددية القطبية الدولية التي ستمنح هوامش معتبرة للمسلمين، وزاد انكشاف عجز الأنظمة العربية، وزاد في تعميق لا شرعيتها وفضح بشكل جلي تآمر بعضها على القضية الفلسطينية

 

رفع “طوفان الأقصى” كذلك من قيمة المقاومة والجهاد والاستشهاد والتضحيات الجسام في الأمة كسبب لمجدها وعزها، وصنع من سكان غزة بمجاهديها وسكانها الأبطال الأشاوس نموذجًا عمليًا لذلك، ونبّه إلى أن وحدة الأمة بكل طوائفها ومذاهبها واتجاهاتها إنما هو حول قضية مركزية أساسية هي القضية الفلسطينية، وفي ظل الجهاد والتضحيات من أجلها، وكشف بشكل بين ما من شأنه أن يُنهي الجدال حول المناهج السياسية داخل حركات الإحياء الإسلامي بأن مهادنة الأنظمة الفاشلة والظالمة سبب في إدامة الاحتلال الصهيوني وديمومة تخلف الأوطان، وأعطى الفرص الكبيرة لظهور أفكار ومناهج ومنظومات قيادية أفضل لتحقيق النهضة والاستئناف الحضاري.

 

د. عبد الرزاق مقري

الإسلاميون: حين يخدع حب السلطة الفكرة؟

إن محاولة الكُبّار إدماج أصحاب الأفكار والمشاريع في منظوماتهم التسلطية دون أفكارهم ومشاريعهم قديمة كقدم الإسلام، فذلك الذي أراده زعماء دار الندوة في مكة حين عرضوا على رسول الله الملك على أن يترك ما كان يدعوهم إليه من الهداية فرفض عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وواصل طريق مقاومة قريش وأحلافها  وإعداد العدة التي أُمر بها إلى أن صادفته السنن الغلابة فغلب بها.

وهي محاولة قديمة في الجزائر كذلك، منذ عهد الاستعمار  وتوجهاته العنصرية من خلال برلمان “الأنديجين” الجزائريين إلى أن قضت الثورة على عبث الفرنسيين.

من يعتقد من الإسلاميين الذين يشتغلون في هذا الزمن في البلدان التي تتاح فيها هوامش العمل السياسي بأن انتقال الفكرة الإسلامية إلى الدولة لتحقيق نهضة الأوطان والاستئناف الحضاري للأمة يكون بسخاء من الأنظمة في العالم العربي فهو واهم. إن هؤلاء الحكام حينما يفسحون المجال للمساحات المحدودة من العمل السياسي إنما يريدون إدماج بعض إطارات التيار الإسلامي في منظومتهم لتسخير النزهاء منهم كتقنوقراط مفيدين لتحريك قطاعات محددة بعيدا عن السلطة، أو لإفساد ضعاف النفوس منهم ليكونوا معاول لتدمير الفكرة والمشروع، أما الفكرة الإسلامية فإن لهم تجاهها عقد مركبة لا يسمحون لها بالعبور أبدا، وتتمثل عقدهم فيما يلي:

⁃ هم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة قوية وحاضرة بعمق في المجتمعات الإسلامية وأن من يحملها – كائنا من كان – مؤهل للوصول إلى الحكم وإحداث التغيير وهم متشبثون بالسلطة ومتعها وغوايتها فلا يقبلون أي فكرة تنافس على الحكم، سواء كانت إسلامية أو غيرها.

⁃ هؤلاء الحكام لهم تكوين علماني – سواء أعلنوا ذلك أم أخفوه – ولهم حساسية مفرطة من وجود الإسلام في الساحة السياسية، ويظهر ذلك بوضوح في تصرفاتهم وخطابهم وفي تحرشاتهم بالمتدينين الذين يؤمنون بالدور الحضاري للإسلام.

⁃ ليست لهم ثقافة إسلامية وليست لهم معارف كافية للدور الحضاري للإسلام، كما أنهم ليست لهم معرفة كافية بتاريخ الحضارة الغربية وتطورات علاقاتها بالدين، وأبعاد ذلك، ورغم هذا الجهل المركب والفراغ المعرفي الكبير  هم مستكبرون، كحال العائل المستكبر –  ليست لهم قابلية للاستفادة من غيرهم.

⁃ كثير منهم فاسدون ويستغلون السلطة لصالح عائلاتهم وعصبهم وشبكاتهم على حساب أوطانهم، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة جادة أساس وجودها مُدَافَعة الفساد وتحقيق المصلحة العامة، فلذلك لا يتقبلون – هم وعصبهم – من يسعى لتطهير البلدان من الفساد بصدق وفاعلية، وهم في هذا كحال من قال: ((وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون))سورة الأعراف آية:٨٢

⁃ كثير منهم يخضعون للإرادة الخارجية، مهما كانت أساليبهم المخادعة للشعوب في هذا الشأن، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة سيادية لا تقبل المساومة لصالح الأجانب من أجل الكرسي على حساب المصالح الحقيقية للبلاد والعباد.

⁃ هم على العموم أنظمة فاشلة، لم تنجح في تحقيق التنمية وتطور الأوطان، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية قادرة على تحقيق نهضة البلدان  وهي الشرط الأساسي للاستئناف الحضاري للأمة الإسلامية حين يحملها قادة جادون وأكفاء ونزهاء يمشون في التاريخ على نحو ما بينه علماء التاريخ والعمران والحضارة من المسلمين وغير المسلمين، ولذلك هم يعتقدون بأن الفكرة الإسلامية إذا وصلت للحكم سيطول وجودها فيه بسبب نجاحها وخدمة الناس، فلا يمكن أن تُعطى لها الفرصة. وهم في هذا متحالفون مع قوى الاستعمار المعادية بالأصالة لعودة الإسلام للحكم بخلفيات تاريخيّة وحضارية ومصلحية.

لكل هذا، لا يتوقع أن تمنح الأنظمة الحاكمة في بلادنا للإسلاميين الفرصة ليكونوا شركاء في الحكم بالكلام المعسول والمنمق والمدح لشخوصهم والوعود الواهمة، فقد جربنا هذا الطريق ورأينا آثاره المدمرة، ولم نتعاف إلا بعد أن تجنبناه، وأسوء ما في الأمر حين يتسلل الخوف أو الطمع أو الفساد للقادة، أو يدفعهم ضعفُهم وعدمُ الثقة في أنفسهم ليكونوا ألعوبة في يد الحكام.

إن ما يريده الحكام أن يأخذ بعضُ الإسلاميين بعضَ المناصب كأشخاصٍ ليندمجوا في منظومة  الحكم دون فكرتهم.

إنه لا توجد وسيلة لانتقال الفكرة إلى الحكم إلا بميزان قوة يسمح بذلك، فيقبل الحكام الشراكة أو التداول لأسباب مختلفة تتعلق في آخر المطاف بميزان القوة. فإن اشتغل الإسلاميون بالوصول إلى الحكم، واستعجلوا المناصب أكثر من اهتمامهم بصناعة ميزان قوة يجعلهم فعلا أقوياء وأقدر على خدمة فكرتهم وبلدهم ولو بعد حين – في إطار فهم تطورات السنن – فما هم في هذه الحالة إلا نخب تشتغل من أجل الجاه  أو الرياء أو المصلحة الخاصة، أو المجد الشخصي وقد دلت التجربة بأن عاقبة هذا المسار مخزية.

ومن هذا المنطلق على القادة الإسلاميين الاندماجيين الجدد أن يصارحوا أنفسهم ومناضليهم ومجتمعاتهم: ماذا يريدون؟ الفكرة أم السلطة ولو على حساب الفكرة؟ إذا كانوا يريدون الفكرة فعليهم بالصبر والإعداد وطول النفس فإن دور الفكرة سيأتي حتما، فإن لم يحدث ذلك في وقتهم فلا يفسدوا على من يأتي بعدهم،  وأمارات النجاح التي خضناها في تجربتنا التي لم تكتمل بعد في السنوات العشر الماضية في حركة مجتمع السلم بالجزائر تدل على ذلك. فإن استعجلوا وأرادوا السلطة فعليهم أن يعلنوا بأنهم تركوا الفكرة والمشروع وأن أحزابهم صارت تجمعات مصالح تتنافس على السلطة ضمن منظومة الحكم السائدة مثلما هي أغلب الأحزاب، ولا حرج عليهم في ذلك، فهناك أحزاب وطنية محافظة فيها قادة متدينون كأشخاص ولكن همهم السلطة ولا يعملون للفكرة والمشروع الإسلامي، وهؤلاء أقرب إلى النجاة مع الله، إذ لم يخادعوه سبحانه، وأكثر مصداقية عند الناس إذ هم واضحون في توجهاتهم. إنما الذي تكون عاقبته وخيمة الذي يخدع الفكرة التي يدّعي حملها، حدث ذلك بشكل مدهش في الجزائر وخارج الجزائر، فما اتعس من يكرر التجارب الفاشلة.

د. عبد الرزاق مقري

عن الرد الإيراني على العدوان الإسرائيلي

كثير من الحديث في العالم الإسلامي، وخصوصًا العربي، يقال عن الرد الإيراني على العدوان الصهيوني على قنصليتها في سوريا بين من يؤيده ويعتبره بطولة وشجاعة وقوة وندية وانخراطًا حقيقيًا في دعم غزة ومسيرة التحرير، وأن الرد محدود عن قصد وقد حقق أهدافه في بناء التوازن وإظهار إيران كقوة إقليمية قادرة على الوصول إلى المناطق الإسرائيلية في الأرض المحتلة، وأن تهديداتها للأميركان أجبرت هؤلاء على عدم موافقة حليفها الصهيوني على ضرب إيران.

وبين متهم ومشكك بأن الرد مسرحية تم حبكها مع الأميركان والصهاينة؛ لصرف النظر عن جرائم الاحتلال في غزة، وإعادة ترميم خسائرها على مستوى الرأي العام العالمي، وأنه رد ضعيف لم يُصب الإسرائيليين بأي أذى، وأن كل الذي حققه هو إعادة بناء التحالف الغربي لدعم الكيان دون حرج من ردود أفعال القوى الرسمية والشعبية في البلاد الغربية وغيرها التي كانت تعارض ذلك، وشل الديناميكية الرسمية التي تشكلت لصالح فلسطين في بعض الدول في العالم، ومنها دول أوروبية، وعلى مستوى المنظمات الدولية.

 

كما أن إيران بهذا الرد تريد إلغاء الريادة الفلسطينية في مواجهة الصهاينة التي أخذتها باستحقاق في “طوفان الأقصى”، وأنها في المحصلة تخدم مشروعها المذهبي و/القومي في المنطقة لا أكثر، وأنها تستغل القضية الفلسطينية دون أن تقدم الدعم الكافي في المعركة القائمة، وأن تصرفها معزول لم يسنده حلفاؤها الدوليون، وقد تكون العاقبة عليها وخيمة.

 

تباين وتشتت

إن هذا التباين الواسع في الآراء يدل على أن الأمة الإسلامية مشتتة وغير موحدة حول مشروع واحد لنهضتها العامة، وتحرير فلسطين واستنهاضها الحضاري، وفرض وجودها في مواجهة المشروع الصهيوني الغربي الذي يستهدفها، ويمكن أن نرد على أقوال المهللين للرد الإيراني والمشككين فيه بميزان العدل، على النحو التالي:

– من حق أي دولة أن ترد على أي دولة أخرى أو كيان ينتهك سيادتها بشكل مباشر في أراضيها أو في تمثِيلياتها الدبلوماسية الرسمية من سفارات وقنصليات وغيرها خارج أراضيها، ولا أحد يستطيع أن يدين إيران على ما قامت به، بل إن القانون الدولي يتيح لها ذلك.

– لا تستطيع إيران ألا ترد ولو لم ترد لبقيت سمعتها في الحضيض ولكان رد فعلها مناقضًا لخطابها وتهديداتها للكيان وللسّقف المرتفع في إظهار قوتها لشعبها وللرأي العام.

– القول؛ إن الرد حقق أهدافه أو لم يحققها مسألة نسبية، وإن ما يبين ذلك النتائج السياسية وليست الميدانية في هذه المواجهة المحدودة، والتقييم سابق لأوانه قبل رؤية رد الفعل الصهيوني، ومدى قدرة إيران على تصعيد ضرباتها عندئذ، وحجم الأضرار المتبادلة على المستوى العسكري والدبلوماسي، وعلى مستوى الجبهة الداخلية في الطرفين.

– في حالة عدم الرد الإسرائيلي على الضربات الإيرانية بالأمس، تكون كفة الإنجاز لصالح إيران رغم محدودية الضرر الذي أصاب الكيان؛ من حيث إنها أظهرت للعالم فعليًا بأنها قوة إقليمية تستطيع أن تدافع عن نفسها، وأن تصل إلى أي بلد في المنطقة دون أن تخشى أي ردّ فعل ضدها.

– القول؛ إنّ الرد ضعيف لم يصب الكيان بأي أذى، صحيحٌ، وهو أمر لا شك مخيب للأمل لكثير من الفلسطينيين ولِمناصري القضية الفلسطينية والمتعاطفين والغاضبين مما أصاب أهلنا في غزة، ولا ندري هل هو فعل عسكري ضعيف فعلًا، أم هي خيارات إستراتيجية إيرانية تتعلق بإعادة الاعتبار ولِعدم الرغبة في توسيع المواجهة، ولا ندري ما هي طبيعة وحجم التنسيق مع المقاومة الفلسطينية لكي تبقى مركزية المواجهة في فلسطين؟، والمرجح أنه خيار إستراتيجي مرحلي.

القول؛ إن إيران لها القدرة على التأثير في القرار الأميركي؛ لعدم انخراطها في المواجهة ضدها إلى الجانب الإسرائيلي، يمثل نصف الحقيقة؛ إذ إنّ أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، ودولًا أوروبية أخرى انخرطت في صد الهجوم الإيراني، واعتراض الصواريخ الإيرانية وطائراتها المسيرة، ولكن في مقابل ذلك، أعلنت عدم مشاركتها في الهجوم على إيران؛ لأنها تعلم فعلًا أن إيران تستطيع إلحاق ضرر كبير بقواعدها العسكرية وبوارجها في المنطقة، ومن جهة أخرى لا ترغب أميركا في توسيع الحرب والدخول في مواجهة عسكرية في الظروف الانتخابية القائمة في أميركا، ولأن ذلك سيكون في صالح أعدائها ومنافسيها الدوليين الروس والصينيين.

– القول؛ إن دخول إيران في المواجهة المباشرة يضر بـ “طوفان الأقصى” وإنجازات المقاومة وبِالتعاطف الكبير في الرأي العام العالمي الذي تشكّل لصالح أهل غزة والقضية الفلسطينية، وأنه يخدم نتنياهو والجيش الإسرائيلي العالق في غزة، قولٌ فيه كثير من الصدقية، خصوصًا في المرحلة الراهنة التي يلفظ فيها العدوان أنفاسه الأخيرة سواء على المستوى الأمني والعسكري وعلى مستوى جبهته الداخلية أو في الرأي العام العالمي. ولكن هذا قدر مقدور لا ندري كيف ستكون آثاره الأخيرة على مصير معركة “طوفان الأقصى”، والأصوب والله أعلم لو كان الرد موضعيًا لهدف محدد داخل فلسطين المحتلة.

– الجزم بأن ما يحدث سيناريو محبوك بالتنسيق بين الإسرائيليين والإيرانيين؛ لإنقاذ نتنياهو من ورطته ولضرب المشروع السني المتمحور حول المقاومة الفلسطينية، قولٌ سخيف مبني على الظنون والأوهام والبعد الطائفي “وكرد فعل عاطفي مفهوم كذلك على المظالم التي لحقت بكثير من السنة في العراق وسوريا من قبل إيران وحلفائها”، دون إدراك طبيعة المواجهة بين المشروع الإيراني الشيعي والمشروع الصهيوني.

استدراج وتمنيات

– ولكن في نفس الوقت يمكن الجزم بأن نتنياهو نجح في استدراج إيران للدخول في المعركة؛ لكسر الحصار الذي يشتد حوله في الحكومة وعلى مستوى الشارع الإسرائيلي، وعلى المستوى الدولي، وما سيلي من ردود أفعال متبادلة ومستوى المواجهة ونتائجها، هو الذي سيحدد من الرابح والخاسر.

– لا شك أن ثمة في العالم العربي والإسلامي من يتمنى أن تؤدي هذه المواجهة إلى تدمير إيران ولو كان ذلك لصالح إسرائيل، وضد التوازن الدولي لصالح الغرب، بل هناك من سينخرط في المعركة ضدها إراديًا أو بتكليف من أميركا، وقد يتشكل تحالف غربي تنخرط فيه بعض الدول الإسلامية والعربية ضد إيران إذا اتسعت المواجهة، ولكن سيكون مع إيرانَ، الصينُ وروسيا والعديد من الدول المعادية للهيمنة الأميركية، غير أن دعم هذه الدول سيقتصر على المستوى الدبلوماسي والإعلامي، وربما توريد السلاح، وفي كل الأحوال وبالنظر لأسباب قيام الحروب الكبرى في التاريخ، وخصوصًا الحربين العالميتين: الأولى والثانية، يمكننا أن نقول؛ إننا على أعتاب حرب عالمية، ولكن المانع الأساسي لوقوع هذه الحرب في المرحلة الراهنة، هو عدم رغبة الأميركيين فيها؛ لعدم الاستعداد لها، خصوصًا على مستوى الداخل الأميركي، وخوفًا من عدم القدرة على الحسم السريع على نحو ما يقع في الحرب الأوكرانية، ومن التورط في حالة استنزاف تكون في مصلحة الصين وروسيا.

– القول؛ إن إيران صاحبة مشروع مذهبي أو قومي، وإنها تخدم مشروعها ومصالحها باستعمال القضية الفلسطينية قولٌ سخيف كذلك، إذ لا يوجد عيب في أن يكون لأي دولة مشروع قومي يقوم على الدين أو على المذهب، ولكن العيب في ظلم وعدوانية المشروع على الغير. وإن أكبر مشروع عدواني يقوم على استعمال البعد الديني والثقافي والحضاري هو المشروع الصهيوني الغربي.

ريادة ومصداقية

– وإذا كان المشروع القومي و/أو المذهبي الإيراني يقوم على التقاطع مع كفاح الفلسطينيين؛ لتحرير فلسطين فمرحبًا به. وإنما العيب كل العيب هو على الدول العربية التي لا تملك أي مشروع سوى مشروع السلطة ومتعها ومصالحها الشخصية والعائلية والتي لم تحقق إنجازًا ذا بال لا لشعوبها ولا للقضية الفلسطينية، والتي بَانَ ضعف ومهانة بعضها، وتآمر البعض الآخر في “طوفان الأقصى”.

وفي الأخير؛ أذكر بما كتبته في العديد من المقالات والمحاضرات وأدرجته في بعض كتبي ونبهت به مسؤولين كبارًا في دول عربية على أعلى مستوى، وذكرته لقيادة حماس ومنهم أبو العبد هنية بأن تقاعس الدول السنية العربية وغير العربية في دعم المقاومة – سواء بسبب العداء السياسي والمصلحي والأيديولوجي، أو بسبب الخوف على العروش من أميركا و/ أو إسرائيل، أو الطمع في أخذ القوة ودوام الملك منها، أو بسبب السذاجة والضعف وقلة الفهم والإدراك للمعطيات الدولية بشأن التسويات السلمية ووهْم حل الدولتين ” الذي بات أمرًا مستحيل التحقق من داخل الكيان بما يشبه الإجماع لديهم” – سيضع أهل السنة ضد السياقات السننيّة وحركة التاريخ، وسيجعل إيران في مدار المسار التاريخي السليم المؤدي حتمًا إلى التحرير ونهاية الكيان.

 

إن عدم قيام الدول السنية بالواجب تجاه تحرير فلسطين، والتخلي عن المقاومة، سيجعلان هذه الأخيرة تتوافق حتميًا مع المشروع الإيراني سواء كان مشروعًا قوميًا أو مذهبيًا، ولا عيب عندئذ في ذلك لا على المقاومة الفلسطينية ولا على إيران، وإذا تحقق التحرير من قبل هذا المحور المقاوم أو تحققت إنجازات كبيرة في طريق ذلك فستوضع إيران في المخيال الإسلامي والعربي في موقع الريادة والمصداقية والقدوة، وسيكون لها أنصار أكثر فأكثر في البلاد الإسلامية، وسيتيح لها ذلك التمدد داخل بعض البلاد العربية.

 

وسنجد أنفسنا في حروب طائفية مدمرة للأمة لا نهاية لها تغذيها الدول الغربية، إذ لن تستطيع إيران حسمها نهائيًا لصالحها؛ بسبب كونها أقلية لا تستطيع ابتلاع الجسم السني الكبير، كما لا تستطيع الدول العربية والإسلامية السنية الحسم لصالحها؛ بسبب تفرقها وفقدان سيادتها وتبعية بعضها للإرادة الخارجية، ولكن ستصمد بعض دولها القوية في مواجهة المشروع الإيراني.

 

السيناريو الأسوأ

وفي المحصلة ستكون معركة طائفية طويلة المدى تبعد الأمة عن نهوضها الحضاري، وهو السيناريو الأسوأ الذي يجب اجتنابه، ولا يكون اجتنابه أبدًا بالعداء الطائفي، ولكن يكون ذلك بالقومة السنية وتحقيق نهضة العالم السني، والتحرر من الاستبداد والتبعية للمخططات الخارجية، وبالدعم التام للمقاومة، وبالتحالف الإسلامي السني الشيعي؛ من أجل تحرير فلسطين والاستئناف الحضاري للأمة كلها، بكل أعراقها وطوائفها.

وبداية ذلك، هو شعور الحكام بأن مصلحتهم كحكام ومصلحة دولهم ومصلحة شعوبهم في هذه الرؤية التي نصفها هنا، وتحدثنا عنها مرات عديدة قبل الطوفان، وأن المشروع الصهيوني الغربي لن يكون وفيًا لهم أبدًا، ولن يكون رحيمًا بهم، وأنه لن يسمح لهم بتحقيق أي نجاح أثناء حكمهم؛ لأنه يستهدف دولهم، ويسعى لإضعاف وتحطيم بلدانهم وتقسيمها من خلالهم؛ حتى لا تكون قوية وسيدة بعد التغيير الحتمي القادم جراء فشلهم وفسادهم وظلمهم.

 

وسيبقى يضحي بهم ويستبدلهم بعد استخدامهم في كل مرة بحكام آخرين؛ لأنه يعلم أن ثورة الشعوب ضدهم حتمية، وقد تحققت هذه السيناريوهات عدة مرات، وآخرها في الربيع العربي، حيث تم التخلي عن كل الحكام العرب في تلك المرحلة وأُتِي بحكام آخرين أكثر تبعية من السابقين.

 

والإيمان بضرورة نهضة السنة وتحقيق التوازن السني الشيعي ووحدة الهدف والتصور في القضية الفلسطينية، يجب أن تكون حالة شعبية تشتغل من أجلها مختلف الجماعات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الشعبية والشخصيات والنخب؛ لتفويت الفرصة على الحكام في عالم السنة الذين يريدون استدامة بقائهم بفزاعة إيران، ولمنع التجنيد الإيراني للطوائف الشيعية في البلاد السنية ومتعددة الطوائف؛ لضرب وحدة بلدانهم وإضعافها بالمشاريع الطائفية العدائية، والتركيز على التغيير والإصلاح بالطرق السلمية لصالح بلدانهم، ونشر روح الوحدة الإسلامية، وجعل القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للجميع.

 

ويمكننا القول اليوم بعد “طوفان الأقصى”؛ إن رؤية وحدة الهدف والتصور تجاه القضية الفلسطينية باتت أمرًا مقنعًا أكثر من أي وقت مضى، من حيث ظهور السبيل المؤدي إلى نهاية الكيان اليهودي بأيديهم وأيدي المؤمنين.

 

لقد بات كثير من المفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين يصرحون بدون تحفظ بأن دولتهم ستسقط من الداخل بأيدي الإسرائيليين أنفسهم، ويعدّون نتنياهو المعول الأساسي لتدمير دولتهم، وأن النهاية ستكون على يده وعلى أيدي حلفائه، وما يقوله هؤلاء هو تكرار لأحداث تاريخ اليهود المتكررة عبر الأزمنة، وهو ما تؤكده القاعدة القرآنية التي حددها الله تعالى في قوله سبحانه: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين).

 

ولئن لم تكن هذه الأبعاد السننية التاريخية القرآنية غير واضحة قبل سنوات فقد باتت حقائق واقعية ملموسة بشهادة الخبراء، خصوصًا بعد “طوفان الأقصى”. وبدل الاصطفاف وراء المشروع الصهيوني الغربي ضد إيران في المواجهة التي اندلعت بينها وبين الكيان، على الدول الإسلامية أن تنخرط في المعركة لصالح إيران والمقاومة الفلسطينية، ولا يطلب منها بالضرورة أن يكون تدخلها عسكريًا، فلو قررت إنهاء التطبيع فقط وشرعت في إغاثة الشعب الفلسطيني وإدخال المساعدات ودعم المقاومة، وإطلاق إرادة الشعوب للعمل من أجل ذلك، وتقديم السند الدبلوماسي لصالح إيران، لكان ذلك كافيًا، قبل الدخول في رؤية القومة السنية الشاملة التي تحدثنا عنها في مناسبات عديدة سابقة.

 

د. عبد الرزاق مقري

مالك بن نبي.. بذر من أجل المستقبل

يقول مالك بن نبي عن العام الذي ولد فيه: ” من ولد بالجزائر 1905 أتي في فترة يتصل فيها وعيُه بالماضي المتمثل في أواخر شهوده، وبالمستقبل المتمثل في أوائل صائغيه، فكان لي حين ولدت تلك السنة الحظَّ الممتاز الذي يتيح لي أن أقوم بدور الشاهد على تلك الحِقبة من الزمان“. 

تعرض بن نبي كغيره من الجزائريين لآثار الظلم الاستعماري الذي حول سكان البلد المحتل إلى كتلة بشرية يقتلها الجهل والفقر والخمول والسلبية، بما وضعهم في نقيض الحضارة، ولكن كان رحمه الله من تلك الفئة الوطنية التي لم تخضع للمعامل الاستعماري، فجد منذ صغره واجتهد، متنقلا للدراسة في طفولته بين قسنطينة وتبسة، أين أخذ في الكتّاب حظه من حفظ القرآن وقواعد اللغة، وتعلم في المدرسة الابتدائية مبادئ اللغة والثقافة الفرنسية، ولكنّ الأثر الذي صقل شخصيتَه كان في قسنطينة عاصمة الحركة الإصلاحية التي انتقل إليها ليكمل دراسته الثانوية.

لقد شهد مالك بن نبي في شبابه التحولاتِ الكبيرةَ التي تلت نهايةَ المقاومة الشعبية المسلحة وبدايةَ حركةٍ سياسية ثقافية غيرِ منظمة ضد الإدماج تزعمها الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر، كما وقف على تفاصيل التحول إلى العمل الوطني المنظم، فتعلق كثيرا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين واعتبرها هي الحل العملي الذي يجسد التوجهات الإصلاحية النظرية الرائجة في بداية القرن العشرين.

     انتقل في شبابه إلى فرنسا للتعليم الجامعي محاولا التخصص في ما يحبه ويتقنه في معهد الدراسات الشرقية، لكن الفرنسيين حرموه من ذلك، فدرس الهندسة الكهربائية فساهمت ثقافتُه المزدوجةُ ونشاطُه في الأوساط المغاربية وعلاقاتُه بالساحات الفلسفية الأوربية في بناء قدراته الفكرية الفذة. وحينما ظهر تميّزُه حاول المستشرق المشهور لويس ماسينيون إدماجه ضمن النخب الجزائرية المفرنسة التي يرعاها، فلما رفض ألحق به أذى كثيرا، وحين ظهرت قدراتُه على التأثير في النخب المستعمَرة المستسلمة للاستعمار لاحقه الأمن الفرنسي في قوته وحياته الشخصية حتى باتت أوضاعه شاقةً ومضطربةً، وقد نشر عمر المسقاوي ـ أحد مترجمي كتبه ـ  وثائق من الأرشيف الوطني الفرنسي في كتاب له بين فيه تفاصيل ملاحقة من قبل المخابرات الفرنسية. 

شعر مالك بن نبي بأنه وحيدٌ في معركة الأفكار التي كان يخوضها ضد الاستعمار أثناء وجوده في فرنسا، ومما قاله في مذكراته: ” .. ما أثار حفيظتي أكثر فأكثر أنني كنت وحيدا ولم أر طالبا عربيا مسلما يخاطب هذا العالم من حوله بروح من التأمل” ومما قاله عن النخبة الجزائرية: “أنها يئست من مستقبل العروبة والإسلام في الجزائر بعد أن فشلت كل الثورات التي قام بها الجزائريون منذ قرن لإخراج الفرنسيين منها“.

لقد كانت نظرة مالك تجاه الأداء السياسي للأحزاب الجزائرية في الجزائر ناقدةً ومتشائمة حيث اعتبرها تتوسل الحقوق عند الفرنسيين دون أن تكون لها نظرةٌ شاملة في كيفية إنهاء الاستعمار من داخل النفوس وبالارتفاع إلى المستوى الحضاري الذي يجعله ينجلي من البلاد وتنجلي معه القابليةُ للاستعمار. وقد تسبب موقفه المعارض لمشاركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في المؤتمر الإسلامي عام 1936 إلى اضطراب علاقته مع بعض علماء الجمعية رغم تعلقه الشديد بها.

أمام خيبات الأمل وحالة العزلة التي كان يشعر بها لم يجد وسيلةً مؤثرة يساهم بها في محاربة الاستعمار وإدارته وأجهزته الأمنية والنخب الجزائرية الموالية له والنفوس الضعيفة المستسلمة أفضل من الفكر والكتابة والتأليف فتوالت مؤلفاته التي صنعت شخصيته، وقد حاول ـ وفق شهادة المجاهد رابح مشهود ـ أن يلتحق بالثوار في الجبل لكتابة تاريخ الثورة ولكن القيادة رفضت حفاظا عليه.

وكما هو حال المفكرين والعلماء الكبار لا تشتهر كل كتبهم بل يُعرفون ببعضها، وهي الكتب التي احتوت أفكارَهم الأساسية، ومن أهم الكتب التي عُرف بها مالك بن نبي كتاب ” الظاهرة القرآنية” الذي ألفه عام 1946 وكتاب “شروط النهضة” عام 1949 الذي قال عنه ماسينيون: “أما هذا الكتاب فخطر حقيقي على الاستعمار”، وكتاب “وجهة العالم الإسلامي” عام 1954، وكتاب “الفكرة الآفروآسيوية” عام 1956 ، وكتاب “مشكلة الثقافة” عام 1958، وكتاب “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” عام 1959.  كتب بن نبي هذه الكتب ضمن سلسلة ” مشكلات الحضارة” باللغة الفرنسية. وباعتبار أن أفكاره كانت موجهة للعالم العربي والإسلامي فقد حرص على أن تترجم إلى اللغة العربية. 

ولتعلقه بالعالم العربي والإسلامي وبسبب ملاحقات الاستعمار له هاجر إلى المشرق واختلط بالحركة الفكرية العربية وتأثر بها وأثر فيها، وهناك بدأ يشجع وينظّر لتحالفات الشرق في مواجهة الاستعمار الغربي فألف كتاب ” الفكرة الآفروآسيوية” عام 1956 وأهدى نسخة منها لجمال عبد الناصر وسافر إلى الصين حيت التقى ماو تسي تنغ، وكان من قبل قد التقى بغاندي في فرنسا. كما اهتم بالتفكير في تحقيق وحدة العالم الإسلامي على أسس عصرية فكتب كتاب “فكرة كمنويلث إسلامي”، وكان يؤمن كثيرا بأهمية تحالف العرب مع العالم الآسياوي. 

عاد مالك بن نبي إلى الجزائر عام 1963 معتقدا بأنه سيجد البيئة التي يجسد فيها أفكاره من أجل صناعة نموذج عملي للنهضة في بلاده بالتعاون مع السلطات، فتولى بعض المناصب الحكومية في عهد بن بلة منها مستشار التعليم العالي ومدير جامعة الجزائر، ولكن اضطرته ضغوطات بعض التيارات المعادية لفكره الإسلامي أن يستقيل عام 1967. وتأكد لديه ما كان دائما يؤمن به بأن المشكلة الأساسية التي تمنع النهضة والاستنهاض الحضاري هي مشكلة الأفكار  فحول كل نضاله إلى نشر أفكاره في أوساط الشباب عبر الندوات التي كان ينظمها في بيته وفي الجامعات والمنتديات، كما ألف عدة كتب في تلك المرحلة تتعلق  بالموضوع منها على الخصوص كتاب ” مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” عام 1970 ، وكتاب “من أجل التغيير” وهو عبارة عن مقالات كتبها في الستينات قيّم فيها الفرص التي ضيعتها البلاد التي نالت استقلالها بسبب شلل الأفكار.

لم يشعر مالك بن نبي بالراحة ولم ينل الترحيب اللازم بمنجزاته في حياته في بلده، وفي 31 أكتوبر 1973 عن عمر يناهز 68 عاما، توفي رحمه وهو يحمل هموما كثيرة، غير أن الله سبحانه أنصفه فانتشر فكره بعد مماته في كل أصقاع الدنيا وترجمت كتبه إلى العديد من اللغات، فبلغ بها مقام العلماء الكبار الذين تميزوا في الدراسات التاريخية والاجتماعية و أسباب سقوط ونهوض الأمم، أمثال ابن خلدون وتوينبي وديورانت وغيرهم، واعتمدتها العديد من الجامعات واستفادت منها قصص نجاح كبيرة في ماليزيا وتركيا وغيرها. 

لقد استشرف كيف يكون مصيره ومصير أفكاره في كتابه ” شروط النهضة” حين قال في الأنشودة الرمزية التي افتتح بها الكتاب حيث قال: “وها هم أؤلاء قد جملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة” وحين قال ” ابذر يا أخي الزارع من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك، في الخطوط التي تتناءى عنك .. في عمق المستقبل“.

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى الإسراء والمعراج: رؤية الحل للقضية الفلسطينية

لم يكثر الحديث عن حل الدولتين كما هو الحال منذ طوفان الأقصى، وخصوصا بعد أن أعجزت المقاومة الباسلة وصمود أهل غزة قادة الاحتلال وجيشهم وحلفاءهم عن تحقيق أي هدف أعلنوا عنه منذ بداية العدوان.

لم ينفع نهج المفاوضات ولا مسيرة الاستسلام للإرادة الصهيونية الأمريكية الغربية في فرض حل الدولتين الذي حلم به مشروع أوسلو ودعا إليه الإجماع العربي في دورة 2002 للجامعة العربية، بل تخلت عنه حتى الدول العربية التي اصطفت في طابور التطبيع دون اشتراط هذا الحل.

ولكن ما إن فعلت المقاومة فعلتها في طوفان الأقصى بلغة الرصاص والجهاد والاستشهاد حتى أصبح العالم كله يلهث وراء هذا الحل ويخطط له بإجماع دولي غير مسبوق لما بعد الحرب القائمة.

فلم تكن الحجة بأنه لا حل مع الاحتلال سوى خيار السلاح قائمة كما هي اليوم على إثر نتائج طوفان الأقصى العظيمة.

فلست أدري ما الذي يقوله محمود عباس وحكام العرب والمنكرون للحل العسكري في الكفاح ضد الاحتلال الصهيوني؟ ما الذي يقوله هؤلاء، في أنفسهم وفي الحديث بينهم، وقد توجه إليهم العالم بأسره يطمئنهم بأن لا حل للقضية الفلسطينية سوى حل الدوليتين بعد طوفان الأقصى؟ ما الذي يقوله هؤلاء والذي جاءهم بهذه النتيجة حركة حماس وكتائبها القسامية وإخوانهم في الجهاد وليست السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني؟ إن النتائج التي تحققت عظيمة تاريخية من اليوم الأول للطوفان، وهي تتعاظم قبل أن تنتهي الحرب، وحين تنتهي الحرب سيكون النصر أعظم بإذن الله، ومن تلك النتائج الانقلاب في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وضد الكيان بما لو أُنفِقت في العلاقات الدولية من أجلها ملايير الدولارات وعبر سنوات لما تحقق ذلك، ومنه الصمود الأسطوري لأهلنا في غزة رغم البلاء العظيم الذي لا تطيقه الجبال الذي أفشل مخطط التهجير، ومنه إنجازات المقاومة التي أعطت صورة بيّنة كيف يمكن أن يُهزم الجيشُ الصهيوني رغم الفارق الشاسع في المقدرات العسكرية، وتلك حجة تاريخية على عساكر الدول العربية، ومنه تفكك المجتمع الإسرائيلي وتشقق بنيته السياسية والاجتماعية والعسكرية والمؤسسية وتهتك سمعته في العالم بأسره، ومنه رجوع القضية الفلسطينية في رأس سلم أولويات الشعوب العربية والإسلامية بعد أن شغلتها عنها قضاياها الداخلية ومسار خيبات الأمل الطويلة.

ومن تلك النتائج ما نحن بصدده وهو رجوع العالم بأسره إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ضمن خيار حل الدولتين. ولكن هل يمكن لحل الدولتين أن يتحقق؟ إن الجواب على السؤال بشكل واضح وبين: “لا!” .

ولا ننفي ذلك لأسباب عقدية وأيديولوجية فحسب ولكن لأن ذلك غير ممكن من عدة أوجه منها:

1 – لن يكون حل الدولتين الذي تريده أمريكا وجزء من الشارع السياسي الإسرائيلي حاليا وبعض الدول العربية هو حل الدولتين الذي جاء في القرار العربي الذي بادرت إليه المملكة العربية السعودية عن طريق الملك عبد الله والذي صار قرارا عربيا بالإجماع في دورة الجامعة العربية بلبنان عام 2002.

لن يقبل الحلُّ الذي تسوّق له أمريكا بأن يكون للفلسطينيين السيادة على القدس الشرقية وعلى المسجد الأقصى، ولن يقبلوا بحق العودة وسيحاولون قضم الأراضي الفلسطينية ضمن حدود 67 في الضفة الغربية، وسيعملون على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وعليه سيكون القرار فاقدا للشرعية على المستوى الرسمي العربي وسيبقى الجدال والنقاش مستمرا بما لا يجعل شيئا جديدا يتحقق يضمن دوام الأمن لإسرائيل – كما يحلمون – سوى بعض الاختراقات التطبيعية التي ستبقى – إن وقعت – ممجوجة مرفوضة من قبل الشعوب كما هي الآن.

2 – حتى هذا السيناريو لحل الدولتين لن تقبل به الأغلبية في الشارع الصهيوني ومؤسساته، فإرادة هؤلاء باتت واضحة وغير مخفية فهم يريدون تهجير الشعب الفلسطيني خارج فلسطين، من غزة ومن الضفة. هم كلهم أو أغلبهم يريدون ذلك في الضفة، ولكن قطاع غزة كان يمثل جزء من الحل بالنسبة إليهم ضمن مشروع صفقة القرن بأن تضاف للقطاع سيناء ويكون ذلك هو الوطن البديل، ولكن بعد الطوفان صارت أغلبية من الإسرائيليين يريدون إخراج أهل غزة من أرضهم لكي لا يجاوروهم مستقبلا أبدا. ولو حاولت الولايات الأمريكية المتحدة فرض هذا الحل، ولو مطورا بالشكل الذي ذكرناه أعلاه، ستجد مقاومة شديدة من اليمين واليمين المتطرف، وقد تقع فوضى كبيرة في الكيان أو ما يشبه الحرب الأهلية لو سار مع أمريكا الدولة العميقة العلمانية الإسرائيلية، فيخربون بيوتهم بأيديهم.

3 – لن تقبل المقاومة الفلسطينية هذا الحل، وحتى وإن قبلت جزء من حل الدولتين، كما تعاملت مع انسحاب الكيان من غزة عام 2005 وما بعده، كجزء من فلسطين تحرر على إثر طوفان الأقصى، فإنها لن تسلم سلاحها، ولن تعترف بإسرائيل، وهذا الذي لن تقبله السلطة الفلسطينية ولا الدول العربية، ولا بطبيعة الحال الكيان والولايات الأمريكية المتحدة، فلن يكون المجتمع الفلسطيني أبدا بلا سلاح، حتى وإن كان سلاحا بسيطا، خصوصا بعد ما اتضحت جدوى الجهاد والاستشهاد، ولن يٌقبل قول قائل بأن الضريبة على المدنيين كانت عالية، فذلك هو مصير الشعوب التوّاقة للاستقلال، وفي تاريخ هذه الشعوب عبر وعظات، وستتحول آلام التضحيات إلى سعادة وسرور بعد النصر والاستقلال. فإذا كان حل الدولتين غير ممكن فما هو الحل؟ إن الحل نسوقه من زاوية دينية شرعية بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، ثم من زاوية سياسية بعد ذلك، دون أن نتناول الزاوية التاريخية التي تؤكد أحقية الفلسطينيين في أرضهم منذ غابر الزمن.

أما الخلفية الدينية فإنه يرمز إليها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس وفق ما ثبت في الأحاديث الصحيحة التي روت حوادث الإسراء والمعراج. فإن صلاته عليه الصلاة والسلام بالأنبياء تدل بأن القيادة في هذه الأرض إنما هي للإسلام فهو من يؤم الناس من مختلف الملل والنحل في هذه الأرض المباركة، فقد صح أن إبراهيم الخليل، وموسى الكليم وعيسى المسيح وغيرهم من الأنبياء تشرفوا بأن يؤمهم المصطفى الحبيب عليه وعليهم أفضل الصلاة وازكى التسليم.

إن فلسطين ليست للعرب والمسلمين وحدهم بل يكون فيها غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ولكن القيادة لهم كما كانت لنبيهم بختمه الرسالات وبصلاته بالأنبياء في المسجد والأقصى، وكذلك لأنهم هم أكثر الناس فيها منذ قرون طويلة، إذ شعوب فلسطين دخل أغلبهم الإسلام وصاروا جزء من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم. علاوة على أن أكثر من جاء من اليهود لإنشاء دولة الكيان وإدامتها جاؤوا من مختلف أنحاء العالم من أعراق مختلفة ولا ينتمي لسلالات بني إسرائيل إلا أقلية منهم، وكثير من قادتهم علمانيون ملاحدة، فلا حجة دينية لهم.

أما من الناحية السياسية فإن البديل العادل والمنطقي هو الحل الذي طبق في جنوب افريقيا بعد هزيمة البيض وإنهاء نظام الأبرتايد، فقد قامت دولة واحدة للبيض وللسود، ومن حيث أن السود هم أهل الأرض وهم الأغلبية استقرت قيادة الدولة فيهم، وصار حال البيض إلى حياة رغيدة، في ظل نظام ديمقراطي ضَمن حقوق الجميع، أفضل من حالة الصراع الدائمة التي كانوا عليها. وعلى هذا المنوال يمكن أن تقوم دولة واحدة في فلسطين يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى ضمن نظام ديمقراطي يؤمّن الجميع ويعطي حقوق الجميع ويكون للمسلمين مسجدهم الأقصى ويكون للنصارى كنيسة القيامة ولليهود معابدهم (ليس لهم معبد مشهور)، ويضمن حق العودة للفلسطينيين المهجرين وحق من أراد من اليهود أن يعود إلى بلده الأصلي الذي جاءت عائلته منه، والحق في أن تهيأ لهم ظروف الاستقبال للعيش الكريم في بلدانهم الأصلية تلك، في أمريكا وأوربا.

والمرجح أن هذا الحل سيتحول من الحل “الجنوب-افريقي” إلى الحل “الجزائري”، وذلك أن اتفاقيات ايفيان التي على اثرها استقلت الجزائر ضمنت للمستوطنين الذين جاءت عائلتهم من فرنسا ومن مختلف الدول الأوربية، وكذلك لليهود الذي كانوا في الجزائر قبل الاحتلال وصاروا فرنسيين بعد أن أعطتهم فرنسا الجنسية، أن يبقوا جميعا في الجزائر كمواطنين كاملي المواطنة، تماما كما كان الحل في جنوب افريقيا، ولكن بسبب الجرائم الفظيعة التي اقترفوها في السنوات الأخيرة من الاحتلال خافوا من البقاء وخرجوا عن بكرة أبيهم من الجزائر. فكذلك يُرجح أن في زمن التحرير في فاسطين سيخرج الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين من فلسطين بسبب الجرائم الفظيعة التي يقترفونها وسيذهبون إلى حيث يملكون جوازات سفر ثانية وثالثة وإلى بلدان أخرى بدؤوا من الآن يعدّون فيها مساكن لهم كقبرص مثلا وإسبانيا والبرتغال.

وسيرث الفلسطينيون الذين سيتمتعون بحق العودة مساكنهم، كما تمتع كثير من الجزائريين بالمساكن الفرنسية التي تركها المعمرون كاملة البنيان والأثاث.إن هذا السيناريو بات موضوع دراسة منذ سنوات عند عدد من علماء التاريخ وعلماء الاجتماع والساسة الإسرائيليين كالمؤرخ بيني موريس الذي يجزم بأن: ” هذا المكان سيتحول إلى بلد شرق أوسطي ذي أغلبية عربية .. وكل من يستطيع من اليهود سيهرب إلى أمريكا وأوربا” والسياسي المخضرم رئيس الكنيست السابق أفراهام بورغ الذي يؤكد بأن أكثر من 50% من الإسرائيليين لا يعتقدون أن أبناءهم سيعيشون في إسرائيل” ويدعو كل إسرائيلي أن يحرص أن يكون له جواز سفر ثاني، وإن كان الأول يرى أن الأمور ستنقلب ضد الإسرائيليين بفعل أعدائهم كما هو تاريخهم، حسبه، فإن الثاني يرى أن إسرائيل ستنهي نفسها بنفسها بسبب ظلمها للفلسطينيين وانقلابها على القيم الديمقراطية، حسب قوله، والمرجح أن السببين سيتظافران.

وحين يخرج أكثر اليهود من فلسطين، تماما كما يريدون إلحاقه بالفسلطينيين اليوم بمحاولة تهجيرهم إلى سيناء ودول أخرى في العالم العربي والأوربي والأمريكي، سيعيش من بقي منهم في فلسطين في أمن وأمان يتمتعون بكل حقوقهم، التي لم يضمنها لهم عبر التاريخ مثلما ضمنها لهم المسلمون استنادا إلى أسس عقيدتهم وتعاليم دينهم. هذا هو الحل الواقعي، الذي يحمل شرعية تاريخية ودينية، والذي سيفرضه الواقع السياسي، والذي سيعين على تحقيقه تطرف الإسرائيليين أنفسهم، وفق القاعدة التي أطلقها الجنرال الفيتنامي جياب حين قال: ” إن الاحتلال تلميذ غبي يكرر نفس الأخطاء” وهو الحل الذي سيفصل في أمره في الأخير المقاومة الفلسطينية.

د. عبد الرزاق مقري

أمريكا وصياغة شرق أوسط ما بعد الطوفان

معطيات كثيرة تؤشر أن الولايات الأمريكية المتحدة تسعى لتحويل نتائج طوفان الأقصى لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي وذلك برسم شرق أوسط جديد يقوم على ثلاث ركائز:

أولا – حل الدولتين: وهو الحل الذي كان قد تخلى عنه العالم بأسره، وتخلت عنه الدول العربية بتوجهها للتطبيع دون قاعدة انسحاب الكيان من كل أراضي 67 (القدس، غزة، الضفة، الجولان ..)، وهو الحل الذي ألغاه كل الساسة الإسرائيليين قبل ط..وف..ان الأق..صى، ودمره الكيان بتوسيع المستوطنات في الضفة والقدس وتهويد القدس. ولكن هذا الحل رجع بقوة وتبناه العالم بأسره من جديد وجزء من ساسة الكيان.

غير أن حل الدولتين في صورته الجديدة غير  الحل الذي اشترطه الإجماع العربي والمتوقع أن الصورة الجديدة تكون في صالح إسرائيل من خلال  مساحة جغرافية أقل، ودون حق العودة، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح وتقسيم زماني ومكاني للمسجد الأقصى.

ثانيا – التطبيع مع السعودية دون اشتراط قاعدة حدود 67 بالرغم من أن المبادرة العربية للسلام أطلقها العاهل السعودي الملك عبد الله وتبنتها الدول العربي بالإجماع في لقاء الجامعة العربية ببيروت عام 2002.

والمقصود بالتطبيع مع السعودية هو كسر الحاجز نهائيا ليلتحق بالسعودية كل العالم العربي والإسلامي وفتح كل القنوات الرسمية العربية مع الكيان وإلحاق المنطقة كلها بالمحور الغربي الأمريكي وإبعاده عن المحور الشرقي الصيني -الروسي،  وجعل دولة الكيان هي محور المشروع مجددا بضمان تفوقها العسكري والاقتصادي والعلمي.

ثالثا – ضرب كل القوى الوطنية الحية في العالم العربي والإسلامي التي ترفض الالتحاق بالمشروع أو تقاومه، وعلى رأسها حـركة حـماس فلسطين،  وكذلك كل الحركات الإسلامية مهما حاولت إظهار اعتدالها وقبولها البقاء تحت سقف الأنظمة وسيكون مجرد رفضها للتطبيع سببا لإلصاق صفة الإرهاب بها من أجل  سحقها.

هذا الذي رشح من بعض الدراسات الأمريكية وتم نشره في بعض الوسائط الإعلامية العربية ومنها سكاي نيوز العربية الإماراتية.

وعليه المعركة القائمة اليوم في فلسطين – وخصوصا في لحظات الحسم السياسي والدبلوماسي الأخيرة –  ليست معركة بين حماس والكيان وإنما هي معركة بين المشروع الغربي الصهيوني الاستعماري والعالم كله، وأرض المعركة والحسم هي فلسطين والبلاد العربية، والمعنيون بها قبل غيرهم هم الفلسطينيون ثم الشعوب العربية قبل غيرها.

إنهم يريدون أن تضيع تضحيات أهل غـ..زة والضفة، مدنيين ومجـاهدين، وإنقاذ الكيان وهو يحتضر، وتحويل نصر الأمة في الطوفان إلى هزيمة.

هذا تدبيرهم ومكرهم … لكنهم سيفشلون .. وطوبى لمن ساهم في إفشال هذا المشروع.  

عبد الرزاق مقري

الاستبداد والقابلية للاستبداد: ميزان مالك بن نبي

شاركت في حصة تعدها قناة الجزيرة الوثائقية عن كتاب “شروط النهضة” للمفكر الكبير مالك بن نبي، دفعني ذلك إلى مراجعة الكتاب فأذهلني من جديد معاصرة أفكاره، من الزاوية الحضارية، للواقع الذي تعيشه الأمة حاليا. إن في الكتاب مواضيع كثيرة يُستفاد منها لبناء منهج كامل للاستنهاض الحضاري المنشود، من حيث التطورات الحضارية الدولية، ومن حيث الفرص المتاحة، ومن حيث الشروط الواجب توفيرها للنهضة ومن حيث الوقائع والسلوكيات السلبية المعيقة لها على مستوى الأفراد والمجتمعات.

قد يكتب الكاتب المبدع عدة كتب ولكن يشتهر ببعضها فقط، إذ الأفكار التجديدية المؤثرة في الحال أو في المستقبل تظهر في عدد قليل من كتب صاحبها، وقد يكرر الكاتب الأفكار المحورية في كثير من كتبه، بالشرح تارة، أو بالتفصيل تارة، أو بالاستدراك والتطوير تارة أخرى. 

ولو راجعنا كتب الأستاذ مالك بن النبي ضمن سلسلة مشكلات الحضارة لوجدنا أن الكتاب الذي تميز به أكثر من غيره هو كتاب “شروط النهضة”، ولو حاولنا أن نعدد الأفكار الجوهرية التي تميز بها هذا الكتاب لوجدنا من أبرزها فكرة “المعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار”.

لم يكتب الأستاذ مالك عن الاستبداد والقابلية للاستبداد في ما أعلم، إذ كان همه الأكبر معالجة الظاهرة الاستعمارية في بلادنا وأثرها المدمر للإنسان الذي يُبتلى بها، لا سيما أثر الاستعمار الفرنسي في تطور الشخصية الجزائرية. غير أن العارف بطبائع الاستبداد وتأثيره في الأفراد والمجتمعات بإمكانه أن يؤكد بأنه يكفي أن تُستبدل في كتاب “شروط النهضة” كلمة “المعامل الاستعماري” بكلمة “المعامل الاستبدادي”، وكلمة “القابلية للاستعمار” بكلمة “القابلية للاستبداد” لنشعر وكأن بن نبي -رحمه الله- خاطب قرائه لتحذيرهم من الاستبداد ومن المخاطر الجسيمة لنشوء ظاهرة القابلية للاستبداد في البلدان التي يتسلط عليها حكام لا يشغلهم فيها شيء أكثر من تطوير وسائل وأدوات التحكم والسيطرة والتفرد بالحكم وقمع المخالفين واستغفال المواطنين وإلغاء دور القوانين والمؤسسات وتسخيرها للبقاء في الحكم بعيدا عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

يؤكد مالك بن نبي في حديثه عن المعامل الاستعماري بأن للإنسان بصفته عاملا أوليا للحضارة قيمتين: الأولى منهما خامة والأخرى صناعية، أو الأولى طبيعية والأخرى اجتماعية. أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته، وأن الإنسان الجزائري مزود من ذلك بأطيب زاد، وأن أحداث التاريخ تؤكد ذلك. وتماما كما هو ظن مالك بن نبي لم يبخل الزمن بإمداد البلد بعباقرة في مختلف المجالات في الأزمنة الغابرة وبعد الفتح الإسلامي وقبل الاستعمار وأثناءه، ولولا خوف الإطالة لزيّنت هذا المقال بنماذج ناصعة من هؤلاء. وقد بقيت الجزائر إلى الآن تزخر بالقادة والرموز والمتميزين في أنواع عديدة من المجالات والاختصاصات في داخل البلد رغم المحيط الصعب، ومنتشرين في كامل أنحاء الدنيا حيث يجدون فرص التطور والارتقاء. 

ثم ينتقل بن نبي في الكتاب إلى الحديث عن القيمة الثانية المتعلقة بكيفية صناعة الإنسان من خلال محيطه، أو الحالة الاجتماعية التي يصير إليها في البيئة التي ينشأ فيها، فيؤكد أن تدخل المعامل الاستعماري يؤثر في الفرد سلبيا منذ طفولته بما يمنعه من التطور، فلم يكن للجزائري تحت الاستعمار “من سبيل ليقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يقدره الاستعمار له، فهو يعيش كأن يدا خفية وتارة مرئية، تشتت معالم طريقه، وتقصي باستمرار أمامه العلامة التي تحدد هدفه، فلا يدركه أبدا”. 

وهكذا هو الاستبداد يتدخل في شؤون كل فرد في المجتمع بقدر تمدده وتحكمه، جيلا بعد جيل بقدر استمراره وبقائه، حتى ليصبحن عائقا للفرد فلا يتطور أبدا، وذلك بمنعه المنافسة الحرة وتغيير معالمها وقواعدها حسب هواه وما يضمن بقاء كرسيّه وتسلطه، فلا رجل الأعمال يعرف الطريق الموصل لنجاح مؤسسته، ولا طالب العلم يتأكد بأن جهده يضمن نيله مراتب العلماء، ولا السياسي يأمل بأن نضاله يمنحه السلطة لتطبيق برنامجه وخدمة وطنه، ولا الفنان يزدهر إبداعه بما يملك من مواهب، ولا الرياضي يرتقي منصات الفوز بمجرد مؤهلاته واجتهاده، ولا المنظمات المجتمعية ولا الأحزاب ولا المؤسسات الرسمية تتضح لها قواعد المنافسة وشروط النجاح، ويتأكد مع الزمن لدى كل ذي طموح بأن لا طموح يُصنع بلا إذعان للحاكم، ولا إنجازا ذا بال يتأكد في المجتمع سوى بما يمنحه المستبد ويسمح به، فلا قيمة للإنسان تحت الاستبداد بالخامة المتميزة التي منحها الله له ولا بالقدرات الطبيعية التي رُزِقها في أهله ومجتمعه، ولا بالمجهودات الجبارة التي يبذلها انطلاقا من قناعاته وإيمانه ليُحسِن استعمال المواد (التراب) والفرص المتاحة وليستثمر الوقت – الذي لا يتوقف – من أجل الارتقاء بذاته وصناعة الحضارة لأمته، وإنما قيمة الإنسان عند المستبدين بمدى قابليته للخضوع للاستبداد ليكون “كائنا مغلوبا على أمره” وفق توصيف بن نبي.

وبعد أن بيّن بن نبي “كيف يؤثر المعامل الاستعماري لتضييق نشاط الحياة في البلاد المستعمرة”، حتى “تكون مصبوبة في قالب ضيق، يهيئه الاستعمار في كل جزئية من جزئياته، خوفا من أن تتيح الحياة المطلقة لمواهب الإنسان مجراها الطبيعي إلى النبوغ والعبقرية” -كما يفعل الاستبداد تماما في البلاد التي يحكمها- ينتقل للحديث عن المعامل الآخر (القابلية للاستعمار) الذي “ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار، وحدد له فيها حركاته وأفكاره وحياته”، وهو لعمري توصيف متطابق مع أوصاف أولئك الذين يقبلون الاستبداد فيرضون العيش في المساحات المخنوقة التي حددها، بل يضيّقون على أنفسهم بأقل من حمى حماه، ويحاولون فهم ما يريد قبل أن يفصح عنه، فينطقون به إرضاء له دون أن يدعوهم لذلك، ويحرّمون على أنفسهم محرمات من القول والفعل والعلائق لمجرد الظن من أن اتيانها ربما يغضبه، فتصبح حركاتهم وأفكارهم وحياتهم مشروطة بمنهج المستبد.

ثم يذهب بن نبي في ذكر نماذج من التصرفات التي تمليها القابلية للاستعمار وفق المقياس الذي تقيسنا به الإدارة الاستعمارية، كالقابلية للقعود لأن الاستعمار يريدنا أن نكون بطالين بلا همة ولا نشاط ليستعملنا كيد عاملة رخيصة، أو القابلية لمحاربة أي جهد إصلاحي لتعليم الناس لأن الاستعمار يريدنا جهلة يستغلنا كيفما يشاء، أو القابلية لمحاربة الفضيلة ومحاربة من ينشرها ويدعو إليها لأن الاستعمار يريد منا انحطاط الأخلاق، أو القابلية للتشتت بسبب السياسات الانتخابية لأن الاستعمار يريدنا فاشلين اجتماعيا وأدبيا بأثر الفرقة والخلاف، أو القابلية للحياة المليئة بالأوساخ وغياب الذوق لأن الاستعمار يريدنا كذلك.

وإنه والله لذلك الذي يريده المستبدون وذاك الذي يساعده عليه من فيهم القابلية للاستبداد. يريد الاستبداد أن يكون المجتمع خاملا بلا حيوية ولا نشاط فلا نتحرك إلا بإشارته فيساعده على ذلك الحاقدون على العاملين الناشطين المجدين، ويريد الاستبداد أن نكون غافلين ساذجين غير واعين بحقائق الأمور ولا دارسين ولا مثقفين فتساعده القابلية للاستبداد بكره الفكر والعلم، والتضييق على العلماء والمفكرين الذين يُعلمون الناس وينشرون الفهم والوعي وربما يحاربونهم نيابة عن المستبد. 

ويريد الاستبداد أن تشيع التفاهة بين الناس وأن ينشغل الشباب باللهو والمجون وبكل ما يخدر فكرهم ووجدانهم، حتى لا ينشغلوا بالسياسة وشؤون الحكم، فتجد في المجتمع من يعمق القابلية للاستبداد بالدفاع عن الرذيلة ومحاربة من يدعو إلى الفضيلة والأخلاق الحميدة. 

ويريد الاستبداد أن تنحط أذواقنا وأن نغرق في الأوساخ الحسية والنفسية حتى لا تسمو أرواحنا للمعالي ولتكون الرفعة الاجتماعية لأراذل الناس ولأقلهم ذوقا في مكنوناتهم ومظاهرهم وتصرفاتهم، وليحدث انقلاب في سلم القيم في المجتمع حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، فيأمن المستبد من أن ينكر أحد منكراته، ويكون للأسف في الناس -ممن ابتلوا بداء القابلية للاستبداد- من يتفنن في شهادة الزور والتغطية على رداءة الحاكم وفساده، بل ثمة من يخدم منظومة الفساد ويلوم ويحارب من يحاربها نيابة عن الحاكم. 

ويريد المستبد أن لا يبقى في المجتمع رجال يتمتعون بالحد الأدنى من الشجاعة والمروءة والإباء، فيكون فينا قابلون للاستبداد وخادمون له من أنواع شتى، من نوع ضعاف النفوس الذين يتجنبون أولئك الرجال ويخذلونهم، خوفا من الحاكم أو تزلفا له، إلى نوع المخبرين والخائنين الذين يساعدون على تدمير كل مقاوم للمستبد ولو في إطار القوانين التي يضعها هذا الأخير بنفسه.

وكم هي فقرة الخلاصة معبرة تلك التي ختم بها مفكرنا الكبير فصل المعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار في كتابه “شروط النهضة” حين قال: “إن الاستعمار لا يتصرف في طاقتنا الاجتماعية إلا لأنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها موطن الضعف، فسخّرنا لما يريد، كصواريخ موجهة، يصيب بها من يشاء، فنحن لا نتصور إلى أي حدّ يحتال لكي يجعل منا أبواقا يتحدث فيها، وأقلاما يكتب بها، إنه يسخرنا وأقلامنا لأغراضه، يسخرنا له بعلمه وجهلنا”.

يكفي أن نغير “إن الاستعمار…” في بداية هذه الفقرة بعبارة “إن الاستبداد …” لكي يظهر التشابه الكبير بين الاستعمار والاستبداد في التأثير على بناء الأفراد والمجتمعات. 

د. عبد الرزاق مقري

ماذا يحدث بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية (3/3)

ثالثا – القضية الفلسطينية

حينما سئل الدبلوماسي الأمريكي “جوشوا هاريس” عن القضية الفلسطينية والجرائم التي يرتكبها الجيش الصهيوني بمشاركة كاملة من بلده بقي يراوغ لكي لا يُحمّل الكيانَ الغاصب وبلدَه المسؤولية ولكن مما قاله في سياق تهربه من الإجابة: “إن من بين أسباب مجيئي اليوم إجراء حوار مع شركائنا الجزائريين والاستماع لوجهة النظر الجزائرية حول كيف نتناول هدفنا المشترك – بغض النظر عن الصراع القائم – المتمثل في السماح بإنشاء دولة فلسطينية”.

لم تجر الدبلوماسية الأمريكية مشاوراتها بشأن القضية الفلسطينية بعد الحرب مع الجزائر فقط كما هو معلوم، بل إن الثقل الكبير في المشاورات هو في المشرق العربي، في بلاد الطوق مع مصر والأردن خصوصا، ومع دول الخليج وبالخصوص السعودية وقطر، أما الإمارات فهي جزء من القرار الإسرائيلي.

فالتصور الذي تريد فرضه أمريكا على الشعب الفلسطيني تجده بين الدول العربية المشرقية التي تستطيع أن تذهب معها بعيدا في رسم مشهد لا يكون إلا لصالح الكيان الصهيوني، على شكل دولة فلسطينية شكلية أدنى بكثير من مضمون حل الدولتين الذي كانت تدعو إليه الدول العربية مجتمعة، وقد كشف الرئيس المصري السيسي عن جزء من الصورة الجديدة المشوهة حين قال “دولة فلسطينية منزوعة السلاح بجنب الدولة الإسرائيلية القائمة”، ثم هناك دول عربية وإسلامية أخرى تسعى أمريكا ما استطاعت أن تُؤدَّى لصالح رؤيتها أدوارا أخرى بطرق مكشوفة أو ملتوية تحت الضغط والإغراء، ومنها قطر وتركيا والجزائر وربما حتى إيران.

إن الدعم العسكري واستعمال الفيتو في مجلس الأمن والتحركات الدبلوماسية مع مختلف الدول إنما تسعى إليها الولايات الأمريكية المتحدة لإنقاذ “دولة إسرائيل” إذ أنها شعرت بأن طوفان الأقصى هز أساسات هذا الكيان فعلا، وهي تريد إنقاذ وجود الكيان ليس من ضربات المقاومة فقط، بل من تطرف نتنياهو وحلفائه في الحكومة من أحزاب التيار الديني الذين لا يوجد بالنسبة إليهم شيء اسمه فلسطين ولو كان وجودا ضعيفا ذليلا.

إن التيار المسيطر على الأغلبية في الكنيست وعلى الحكومة الإسرائيلية لا يؤمن باتفاقيات أوسلو وهو يعمل على إنهائها رسميا، وكذلك إنهاء السلطة المنبثقة عنها في رام الله، وفي نفس الوقت هم يستميتون بشكل منهجي في تدمير أي فرصة لتجسيد “حل الدولتين” الذي يتمسك به العرب ولو ضمن حدود أقل بكثير من حدود 1967.

وهذا لا يعني أن التيار الإسرائيلي العلماني المعارض، الذي يمثل الدولة العميقة الصهيونية، يؤمن بأسلو أو بأي حق فلسطيني من غير أوسلو، وإنما الذي يهمه أن يكون في فلسطين سلطة أمنية وشرطية قوية هي التي تراقب الفلسطينيين وتلاحق المقاومة وتحمي المشاريع الثقافية التي تصنع الإنسان الفلسطيني المهادن الذي سيتخلى مع الوقت عن وجود دولته ضمن المعاناة التي لا تنتهي وفي سراديب المفاوضات التي لا تتوقف، وهذا هو المشروع الذي يسعى الأمريكيون لإعادة إحيائه، مستعينا ببعض الدول العربية ومحاولا توريط السلطة الفلسطينية فيه، وما حديث الوفد الفلسطيني في الجزائر عن الشرعية الدولية إلا مؤشر عن ذلك.

تدرك أمريكا، وهي تجتهد لإحياء العملية السياسية مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية بأن القضاء على حماس وكل قادتها مكلف جدا، وحتى وإن نجح الجيش الإسرائيلي في إضعاف المقاومة فهي تخطط (وفق قواعد عسكرية قديمة وضعها الفيلسوف سان تزو في كتابه “فن الحرب”) لترك ممر لقادة المقاومة حتى يخرجوا من المعركة مهزومين بعيدا عن الساحة الفلسطينية غير مضطرين أن يواصلوا القتال غريزيا دفاعا عن حياتهم وليس من أجل النصر، مما قد يجعل المعركة تطول وتكبر كلفتها المالية والإنسانية والدولية على الكيان وأمريكا من غير طائل.

إن هذا المشهد هو ذاته الذي تم في جوان 1982 حين اجتاح الإسرائيليون لبنان وتمكنوا من خلال تفاهمات دولية من ترحيل ياسر عرفات وقادة منظمة التحرير إلى تونس.

إن أعداء المقاومة، من عرب وعجم ومسلمين وغير مسلمين، يريدون حقا “بيع جلد الدب قبل قتله” كما يقول المثل. وكم من مرة أخطأ الأمريكيون في حساباتهم، وجروا حلفاءهم في ويلات الخطأ ، لقد أخطؤوا في فييتنام وفي العراق وأفغانستان وسيخطئون في غزة فلسطين بحول الله.لقد دخلت الولايات الأمريكية في رسم المشهد المستقبلي لإنقاذ مستقبل إسرائيل من نفسها ومن جنونها على إثر الإهانة الكبيرة التي تعرض لها قادتها في السابع من أكتوبر الماضي، ومحاولتهم استغلال فرصة الحرب والحماية التي ينعمون بها من البيت الأبيض والدول الأوربية لكي ينهوا الوجود الفلسطيني إلى الأبد، غير مدركين بأن تعجيل نهايتهم ونهاية دولتهم إنما هو في تطرفهم، وأن وجودهم على رأس الدولة المجرمة في هذه المرحلة وهذه الظروف هي هدية عظيمة للقضية الفلسطينية، وقد سبق أن بيّنا في مقالات سابقة المكتسبات الاستراتيجية الكبرى التي حققها طوفان الأقصى فلسطينيا وعربيا وعالميا بحمد الله، في وجود هذه القيادة الصهيونية الأكثر تطرفا.

غير أن العجيب في الأمر، والأمر المؤسف حقا أن الأنظمة العربية تشارك الولايات الأمريكية المتحدة في عملية الإنقاذ الكبرى التاريخية هذه، والأغرب من ذلك، وما يملأ القلب ألما أن السلطة الفلسطينية انخرطت في هذه الحسابات، فبدل أن تنخرط في المعركة أو على الأقل تسند المقاومة، ولو بالخطاب والدبلوماسية، ها هي تُظهر رأسها لتنفيذ الأجندة الدولية الأمريكية العربية الظالمة.

إنه لا يصح أن يتورط بلدنا الطاهر في هذه المهمة الدولية القذرة!لقد عرّض أعضاء الوفد الزائر لبلدنا نفسه لانتقادات لاذعة اتهمهم فيها رواد التواصل الاجتماعي من الجزائريين والفلسطينيين وغيرهم بأنهم جاؤوا لتنفيذ أجندة تفاهموا عليها في رام الله مع الدبلوماسيين الأمريكيين ومنهم آخر زائر لهم المستشار الأمريكي للأمن القومي جيك أرميا سوليفان الذي زار فلسطين المحتلة فأكد دعمه للمحتلّين الذين غصبوا الأرض ثم ذهب إلى المحتَّلين الذين فقدوا الأرض ليكلفهم بمهمة ضرب إخوانهم في الظهر وهم في جبهات القتال في غزة والضفة الغربية يواجهون تحالفا عالميا ضدهم وضد بلدهم.

إن ما تريده أمريكا والغرب من قطر قائم وواضح والقطريون يؤدونه على أحسن وجه، ودورهم في هذه المرحلة مفيد للمقاومة، في موضوع المساعدات والمفاوضات، وما يريده الأمريكان من تركيا لا ينجح كثيرا لأن تركيا تؤمن بدولتين (فلسطينية وإسرائيلية) ضعيفتين تكونان مستقبلا تحت نفوذها حين يحتدم الصراع لاحقا بين أمريكا والصين، ولكن قد تكون تركيا مفيدة الآن في الضغط على قادة حماس ليراجعوا طموحهم في تحرير كل بلدهم. أما ما تريده أمريكا من مصر والسعودية والإمارات فهو فرض الرؤية الظالمة على الفلسطينيين، ثم يأتي دور المال الخليجي لإعادة إعمار غزة والقضاء نهائيا على المقاومة وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني الغزاوي الجديد: المهين الخانع التابع.

ولا يُطلب من إيران أمريكيا في هذه الظروف سوى تجنب توسيع الحرب في الإقليم والاكتفاء بالمناوشات التي تقوم بها أذرعها في المنطقة، وهي مناوشات لا شك مفيدة للمقاومة الفلسطينية ولو على غير ما تمناه كثير من الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

فما هو الدور المطلوب من الجزائر؟ للإجابة على هذا السؤال نبدأ بالقول بأن أي حوار بين أمريكا والجزائر لن يكون لصالح فلسطين و المقاومة لأن الأمريكانيين لا يحاورون ليقبلوا آراء غيرهم، وإنما لفرض تصوراتهم بالطرق الأكثر خبثا، ومن خبثهم قبول الأشكال المخادِعة في إخراج السيناريوهات.

وربما هم يعتقدون بأن الجزائر في حاجة إليهم لكسر العزلة الدولية التي وجدت فيها نفسها بعد صدمة البريكس.

لا نعرف ماذا قال الأمريكيون للمسؤولين الجزائريين وراء الأبواب المغلقة، ونحن لسنا في بلد ينعم بالديمقراطية والشفافية ليكون لنا الحق في المطالبة بمعرفة ما قاله ويقوله المسؤولون الجزائريون، فلذلك لا ننسب لهم قولا.

ولكن لكي نفهم ما يحدث في بلدنا في هذا الشأن العظيم المتعلق بقضيتنا الفلسطينية المقدسة نحاول جمع المعلومات المتوفرة في وسائل الإعلام والتسريبات المتاحة ونقوم بتحليلها على القواعد العلمية للتحليل السياسي وعلى أساس الخبرة الطويلة ومعرفة طبائع الأمور هنا وهناك.

كنت أهمّ أن أكتب مقالا عن خبر غريب صدر في جريدة الأوراس الإلكترونية الجزائرية في 07 ديسمبر 2023 ، ولكن أحجمت عن ذلك في وقته لعدم توفر معلومات أكثر دقة في الموضوع، بالرغم من أن مجرد صدور الخبر في بلد لا تستطيع أي وسيلة إعلامية تناول مثل هذا الموضوع دون رقابة قبلية يجعلنا نعطيه كثيرا من الاهتمام.

ثم تم نشر الخبر في قناة تلفزيونية فرنسية كبيرة ومشهورة هي قناة LCI ، وبعد زيارة الوفد الفتحاوي الفلسطيني الجزائر وما تم التصريح به، مع اهتمام أمريكا بالموقف الجزائري، رأيت أن أعود لتناول الموضوع.

ذكرت جريدة الأوراس الجزائرية – نقلا عن جريدة الأخبار اللبنانية – بأن ثمة مشروعا فرنسيا-سعوديا عُرض على الجزائر مفاده أنه يمكن أن يتم تنسيق دولي لخروج قادة حماس من غزة [أي عند إقرارهم بالهزيمة] إلى الجزائر للإقامة فيها وذلك بسبب العلاقات الطيبة التي يتمتعون بها مع المسؤولين في هذا البلد، مقابل إطلاق سراح الأسرى في السجون الإسرائيلية وإدخال المساعدات على أن يتم تسيير قطاع غزة بعد الحرب من قبل قوات عربية تحت إشراف الأمم المتحدة، وفي النسخة الفرنسية بنفس الجريدة الالكترونية عُنون المقال ” الجزائر جزء من مخطط سعودي- فرنسي لإنهاء الحرب”.

أما القناة التلفزيونية الفرنسية فقد ذهبت بعيدا حيث أكدت بأن قطر أخبرت قادة حماس المقيمين عندها، وعلى رأسهم إسماعيل هنية، بأنهم لم يصبحوا مرغوبا فيهم عندها وأن مكاتبهم في الدوحة أخليت وأنهم سيتجهون إلى الجزائر وربما إلى تركيا أو إيران.

لا شك أن هذه المعلومة غير صحيحة إلى الآن ولكنها قد تكون بالون اختبار، وهو أسلوب تستعمله الأطراف المتحكمة في وسائل الإعلام عادة لكشف بعض الحقائق أو معرفة ردود أفعال الأطراف المعنية.

لم يتم تداول هذا الخبر في الرأي العام الجزائري ولم تتراجع الوسيلة الإعلامية التي نشرته ولا يمكن إلا أن نقول أن الجزائر لا يشرفها أن تدخل في هذه الترتيبات والحرب قائمة والرجال يواجهون العدو، والواجب إنما هو دعم المقاومة وصمود أهل غزة وليس تدبير حالة الهزيمة التي لم تحصل.

والحقيقة أن الذين يرتبون هذا التدبير لا يقدّرون قيمة الصمود الاسطوري الذي يبين عليه أهل غزة، ولا يعرفون المجاهدين الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني في معركة طوفان الأقصى، هؤلاء الأبطال أهل الله الذين خرجوا إما للنصر أو الشهادة، كما لا يدركون الأبعاد الربانية في معركة الأمة الجارية في أرض الرباط، وأن النصر من عند الله العزيز الحكيم.

لا يحق لنا أن نطلق حكما على هذه التسريبات، رغم حذرنا الشديد من تدبير تكون وراءه أمريكا وفرنسا والسعودية، ولكن الذي أدهشنا فعلا هو الاستقبال الأعلى درجة من الناحية البروتوكولية الذي حظي به الوفد الفلسطيني من السلطة وحركة فتح رغم تدميرهم للمبادرة الجزائرية، والأغرب في الأمر أن الوفد بيّن المهمة التي جاء من أجلها على لسان جبريل الرجوب الذي صرح بأنه يريد من الجزائر أن تسعى لتحقيق الوحدة الفلسطينية، ولكن على غير ما أمضت عليه حركة فتح في “إعلان الجزائر”، وكأنه يعتقد بأن الفصائل المقاومة في غزة في حالة ضعف وأنه يمكن أن يُفرض عليها الاعتراف بإسرائيل وفق إطار الشرعية الدولية الذي ذكره في تصريحه لدى خروجه من اللقاء مع رئيس الجمهورية وقائد الأركان والمسؤولين الكبار في الدولة الجزائرية.

وبدل أن يعلن تأييده للمقاومة وبحثه سبل نجدة أهل غزة راح يؤكد على إعادة بناء مشروع أوسلو، أو ما يشبهه، من خلال انتخابات لطالما رفضتها السلطة الفلسطينية اعتقادا منه – ربما – بأنها لن تكون لصالح حماس التي – في ظنه – ستخرج من الحرب ضعيفة بسبب الخسائر المدنية المهولة، غير مقدر للمكاسب الاستراتيجية التي حققها طوفان الأقصى قبل نهاية آخر فصوله، ومن ذلك ما أقر به بنفسه في تصريحه أمام مكتب الرئيس تبون عن التحول الإيجابي في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين. إن الذي أود أن أذكر به قادة الدولة الجزائرية المدنيين والعسكريين أن يعودوا للقيم التي أسَّست دولتنا، وهي قيم الثورة النوفمبرية، وأن يجعلوا تلك القيم والأحداث والتضحيات التي صنعتها أثناء الكفاح ضد المستعمر الفرنسي هي الحاكمة في حكمهم على القضية الفلسطينية وعلى فواعلها وفصائلها ومما أذكّر به في هذا الصدد ما يلي:

1 ‐ بالنظر لتركيز قادة فتح_السلطة على الخسائر البشرية للمز حماس وهي في أتون المعركة التاريخية طوفان الأقصى نقول لمن يسمع خطابات قادة أوسلو أن الخسائر البشرية لم تكن يوما هي المعيار الذي تم به الحكم على جيش التحرير الوطني أثناء مواجهته الاحتلال الفرنسي منذ المقاومة الشعبية إلى الثورة التحريرية، فقد وقعت مجازر فظيعة ذهب ضحيتها الملايين من الجزائريين وليس الآلاف، أغلبهم من المدنيين.

ولو كان رد الفعل الوحشي الاستعماري الفرنسي لهجومات الشمال القسنطيني التي تشبه طوفان الأقصى في أهدافها وشكلها ومضمونها هو المعيار على الحكم على قائد الهجومات زيغود يوسف لحاسبته الثورة على ذلك، ولما كان هذا اليوم عندنا هو “يوم المجاهد” الذي نحتفل به سنويا. كما أنه يمكن أن نستلهم الدرس من أن وقف الأمير عبد القادر القتال لم ينفعه حين حرص على المحافظة على دماء النساء والأطفال والشيوخ من أن يوقع فيهم الجيش الفرنسي المجرم المتوحش مجزرة إن لم يستسلم حين وجد نفسه محاصرا بين جيش السلطان المغربي والجيش الفرنسي عند الحدود المغربية الجزائرية، لقد غدر الفرنسيون بكل البنود التي تم الاتفاق عليها مع الأمير وتم الزج به في السجن في فرنسا، وتشتت بعده المقاومة الشعبية وتأجل التحرير أكثر من قرن من الزمن. فليتأمل المتأملون.

2 ‐ وبخصوص الشرعية الدولية والاعتراف بإسرائيل نذكر بأن الاستعمار الفرنسي حاول تقسيم الجزائر في مشروع ديغول عام 1959 بأن تتشكل دولة للجزائريين المسلمين ودولة للأوربيين، كما أقترح أن تبقى الصحراء تابعة لفرنسا ويرضى الجزائريون بشمالها فحسب، وفق اتفاقات لصالح الهيمنة الفرنسية، فرفض قادة الثورة الاعتراف بفرنسا على أي شبر من أرضهم وبذلوا من أجل الصحراء دماء غزيرة وواصلوا الثورة حتى حرروا البلاد كلها واحدة موحدة، فكيف يُطلب من حماس وفصائل المقاومة أن يعترفوا بإسرائيل وتقسيم بلدهم أبديا، فهل يستطيع جزائري حر أن يقترح هذا على الفلسطينيين أو يشجعهم عليه. فليعقل العاقلون.

3 ‐ وبخصوص الميل للسبق الزمني في النضال الفلسطيني أذكر بأن مصالي الحاج كان هو أب الحركة الوطنية ورمز فكرة الاستقلال، وتحت قيادته تأسست المنظمة الخاصة التي فجر رجالها الثورة، فهل شفع له ذلك بأن يبقى هو الممثل الشرعي للجزائريين حين رفض الحل الثوري الذي بادرت إليه جبهة التحرير الوطني التي أسسها أبناؤه؟ وهل استطاع فصيله “الحركة الوطنية الجزائرية” أن يثبت أمام الزخم الثوري الذي التف حوله الجزائريون؟ وعلى هذا الأساس: من يجب أن يكون الأقرب إلى الدولة الجزائرية؟ هل هي الفصائل الفلسطينية التي تسير على نهج جيش التحرير الوطني أم هي الفصائل التي تكرر الأخطاء التي وقع فيها مصالي الحاج الذي لم يتحمل أن يأتي بعده من يقود الكفاح وفضل العمل السياسي بدل الجهاد والمقاومة؟ والله كم كنت سعيدا، مرات ومرات، حينما كنت أزور بقادة حماس الفلسطينية قادة كبارا في الدولة الجزائرية حين كنت رئيسا للكتلة البرلمانية أو نائبا لرئيس المجلس الشعبي الوطني فيقول المسؤولون الجزائريون لضيوفهم أنتم أقرب إلينا بسبب خطكم الثوري، رغم علاقتنا التاريخية بفتح التي اختارت نهج المفاوضات الذي لا ينفع أبدا لإنهاء الاحتلال بدون الكفاح المسلح.

فهل ثمة شيء ما قد تغير في بلادنا؟

4 ‐ لقد كان ل”الحركة الوطنية الجزائرية” جناح عسكري أمني سمي الجيش الوطني للشعب الجزائري وانتشر أكثر باسم قائده “محمد بلونيس”، وقد كان هذا الفصيل المسلح يعتبر نفسه في هو الأولى بالثورة استنادا للزعامة التاريخية لمصالي الحاج وقيادة الحركة الوطنية الجزائرية قبل الثورة النوفمبرية، وأصبحت جبهة التحرير الوطني وجيشها هي العدو الأول لديه بدل توجيه العداء للاحتلال، وحين شعر قادة هذه القوة الأمنية والعسكرية الجزائرية المستقوين بالشرعية التاريخية بأن جبهة التحرير تسحب المصداقية والمراجعيى منهم وتنتشر بين الجزائريين تحولوا إلى الاستقواء بالاحتلال الفرنسي والتنسيق الأمني والعسكري معه فكانت نهايتهم مخزية إذ لفظهم الشعب الجزائري ولم تصبر عليهم الثورة طويلا ولم ينفعهم الاعتداد بالتاريخ.

ولم يحفظ كرامته وتاريخه منهم إلا أؤلئك المصاليين الذين التحقوا بالثورة حينما بان لهم خيانة بن لونيس، بل إن مصالي الحاج نفسه نأى بنفسه وانسحب من المشهد لما تحول ذراعه العسكري إلى ذراع للاحتلال.

على أساس هذه المعطيات الثورية التاريخية يجب على المسؤولين الجزائريين أن يساعدوا الفلسطينيين ليتحدوا ضمن رؤية الجهاد والثورة المسلحة فذلك الذي يحفظ الود بينهم ويبعد شبح الاقتتال والحسم بالقوة ميدانيا كما وقع في الجزائر حين قررت جبهة التحرير ذلك.

ولمن يريد معرفة تفاصيل هذه القضية ندله على المراجع الموثوقة، ويمكن لرئيس مجلس الأمة الحالي أن يقص ذلك إن أراد فهو من البقية الباقية من جيل المجاهدين الذين سمعنا منهم تلك الأحداث مشافهة لا دراسة فقط، بل إن عندنا من أسرنا من مجاهدي جبهة التحرير الوطني الذين قتلتهم مجموعات بن لونيس.

إن الذي بجب أن نعلمه جميعا أن كل الحلول التي تريدها الولايات الأمريكية المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحلفائهم العرب لن تجدي نفعا في ترتيب القضية الفلسطينية بدون المقاومة، فذلك وهم لن يتحقق لهم مهما ملكوا من قوة.

ثم إن أي حل يريده هؤلاء باستعمال السلطة الفلسطينية أو توريط بعض الدول العربية لن يكون إلا لصالح الكيان الصهيوني في العاجل والآجل، وأن الذي يخسر بهذه الحلول ليس الفلسطينيين فقط بل كل دولنا العربية والإسلامية وجميع شعوبنا وكل مستقبلنا.

إنه لا يمكن للولايات الأمريكية المتحدة أن تكون دولة صديقة للعرب والمسلمين بأي حال من الأحوال، فهي الدولة التي تقود الغرب كله لإضعاف أمتنا وإبقائها في حالة التخلف المستدام. وعبارة الرئيس الأمريكي بادين: ” لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها” هي عنوان للاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وتصريحه بأنه “صهيوني” وأنه لا يشترط أن يكون المرء يهوديا ليكون صهيونيا يعبر عن حالة التحام كامل كالجسد الواحد مع الدولة الصهيونية وليس مجرد تحالف بين دولتين.

إن كل مهتم بالعلاقات الدولية، مسلما كان أو غير مسلم، يعلم بأن الكيان الصهيوني هو دولة وظيفية في خدمة الغرب، بمثابة ثكنة مدججة بالسلاح في موقع متقدم في جسم الأمة العربية والإسلامية لتشتيتها ومراقبتها استخباريا في كل لحظة ومنع تطورها ووحدتها إلى أن تخضع هذه الأمة كلية فتصبح تابعة للمحور الغربي نهائيا بقيادة الكيان الإسرائيلي الذي أُسس ليُضمن تفوقُه علميا واقتصاديا وفي كل المجالات وليكون متحالفا مع نخب عربية وإسلامية مستلبة حضاريا و مرتدة عن هويتها تحظى بحياة رغيدة على حساب أغلبية شعبية تعيش تحت القهر وتغرق في الفقر. وإن ما يجعل قادة الكيان الصهيوني ولوبياتهم في كل الدول الغربية يتطاولون حتى على الإرادة الأمريكية هو شعورهم بحاجة أمريكا والغرب إليهم وإلى دولتهم من جهة، واستعداد تلك النخب العربية والإسلامية سرا وعلانية للاشتراك معهم لتصفية القضية الفلسطينية من جهة أخرى، فلذلك دخول بلدنا الجزائر ذات السمعة الطيبة في القضية الفلسطينية منذ الاستقلال وقبل طوفان الأقصى في أي رواق من هذه الأروقة المظلمة هو مجازفة كبيرة ستكون تداعياتها خطيرة على بلدنا وشعبنا ومستقبلنا، ولا يبقى عند ذلك يجمعنا بهذه السلطة.

والله ولي التوفيق.

د. عبد الرزاق مقري

ماذا يحدث بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية (2/3)

ثانيا – موضوع #الصحراء_الغربية:

تابع المهتمون النشاط الكبير للسفيرة الأمريكية إليزابيث مور أوبين في هذه الشهور الأخيرة حيث انتقلت مرتين إلى تندوف تحت غطاء البعد الإنساني وزيارة المانحين بشكل مباشر، والتقت مع القيادية في جبهة البوليزاريو السيدة العزة بيبيه التي تتولى منصب والي مخيم اللاجئين في السمارة بتندوف وأخذت معها صورة ظهرت فيها من الخلف صورة رئيس البوليزاريو ورئيس الجمهورية الصحراوية بأرض اللجوء في تندوف الجزائرية، كما كان لها لقاءات مع العديد من المسؤولين الجزائريين على رأسهم قائد الأركان السيد سعيد شنقريحة حضره كل من الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني وضباط ألوية وعمداء بوزارة الدفاع الوطني وأركان الجيش الوطني الشعبي حسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، والتقت كذلك مع السيد رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين.

كما كان للمبعوث الخاص للأمم المتحدة الدبلوماسي السويدي-الإيطالي ديمستورا زيارات مكوكية للجزائر والمغرب وموريتانيا وتندوف والعيون.

وكما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي عرضه على مجلس الأمن التقى ديمستورا مع جميع الأطراف للاستماع لآرائهم حول الحل السياسي، بما في ذلك “المنتخبين المحليين” والأعيان الصحراويين في مدينة الداخلة والعيون في الأراضي المحتلة الذين يؤيدون رؤية الحكم الذاتي المغربية.

ومن أهم المهام التي جاء من أجلها الدبلوماسي “جوشيا هاريس” إلى الجزائر، وفق ما بينه في لقائه الصحفي الذي نشرته السفارة الأمريكية في موقعها الالكتروني، مناقشة ملف الصحراء الغربية ومناقشة الحلول السياسية الواقعية في إطار مبدأ تقرير المصير.

إن الاهتمام المتصاعد للولايات الأمريكية بحل مشكل الصحراء الغربية يدل أن هذا البلد قد قرر الحسم في الموضوع، أو على الأقل عدم السماح بالانفلات في هذه المرحلة، وذلك لأسباب عديدة منها:- التوتر العسكري والأمني واستئناف القتال وإلغاء جبهة البوليزاريو اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينها وبين المغرب منذ عام 1991، واحتمال مزيد من التصعيد بما يمكن أن يؤدي إلى محاولة أحد الأطراف الحسم العسكري كأمر واقع بشكل من الأشكال.

– خوف الولايات الأمريكية المتحدة من أن تجد نفسها مضطرة للتدخل في أزمة مسلحة جديدة بالإضافة إلى تورطها في أوكرانيا وغزة دون نتائج تذكر إلى الآن، وإمكانية توسع الصراع إلى أطراف إقليمية ودولية يعقد حساباتها ويبعدها أكثر عن أولوية مواجهة الصين. – توفر فرصة لتعميق العلاقات الأمريكية الجزائرية بعد خيبة الأمل الجزائرية في دخولها لمنظمة البريكس وفتور علاقاتها نسبيا مع روسيا نتيجة لذلك، وعدم توصلها إلى علاقات اقتصادية استراتيجية مع الصين، علما بأن ثمة عناصر ثابتة لم تتزعزع في بناء العلاقات الأمريكية الجزائرية منها ما يتعلق بالأمن والشراكة في مكافحة الإرهاب وما يتعلق بالطاقة، علاوة على ثبات علاقة الجزائر المتينة مع الأوروبيين بسبب أنابيب الطاقة والتجارة والعلاقة المتميزة بين الرئيس الجزائري مع نظيره الفرنسي ماكرون.

غير أن الذي يجب الانتباه إليه هو أن المقاربة الأمريكية بقيت ذاتها بخصوص مقاربة الحل لملف الصحراء الغربية، وهي مقاربة الحكم الذاتي المغربية وقد أكد ذلك “جوشيا هاريس” بدون أي لبس في المقابلة الصحفية المشار إليها قائلا: “إن الولايات الأمريكية المتحدة تعتبر أن مقترح الحكم الذاتي المغربي مقترح جاد وواقعي وذو مصداقية ويمثل مقاربة محتملة يمكنها أن تستجيب لتطلعات الشعب الصحراوي” وهو الكلام الواضح البيّن الذي تحدثت بعكسه بعض وسائل الإعلام الجزائرية محاولة إيهام القرّاء الجزائريين بأن المسؤول الأمريكي دعم المقاربة الجزائرية الداعية إلى تطبيق قرار تقرير المصير الأممي.

وحقيقة لست أدري لماذا تستعمل بعض وسائل الإعلام الجزائرية هذا الأسلوب المربوط بحبل قصير سرعان ما يفتضح أمره وتظهر حقيقته.

وللأسف غياب النقاش الوطني في قضايا مهمة مثل هذه، واستمرار استماع الجزائريين إلى كلام واحد مكرر في وسائل الإعلام ومن قبل المتدخلين الإعلاميين يقولب العقول ويشكل غفلة كبيرة لدى الجزائريين عما يحاك عندنا وفي العالم، ولا يؤهل المواطنين للتعامل المسؤول مع التحولات والأزمات ويجعل الجميع تابعين لا رأي لهم، لا فائدة منهم للبلد من حيث أن ثمة من كبار المواطنين من يفكر بدلهم، فإذا ما ظهرت الحقيقة تقع خيبة أمل كبيرة تزيد في إحباط المواطنين كما وقع في قضية البريكس وغيرها.

والذي يجب الانتباه إليه مما يُفهم من الدمج بين المحافظة على مبدأ تقرير المصير والدفاع عن المقاربة المغربية من قبل الأمريكيين، وكتابة هذه المقاربة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر الماضي كخيار من الخيارات، وتداول الموضوع مع الصحراويين من قبل ديميستروا، يدل على أن المقصود من المحافظة على مبدأ تقرير المصير في ما يقوله الدبلوماسيون الأمريكانيون والأمميون إنما هو الدفع ليتجه تقرير المصير هذا نحو مقاربة الحكم الذاتي وأن على البوليزاريو أن يقبل ذلك وأن على الجزائر وموريتانيا المساعدة على ذلك، ولا تدل الصرامة التي يتحدث بها الأمريكان بأن ثمة خيار آخر جوهري يمكن التفكير فيه غير هذا.

وإذا علمنا أن أمريكا هي صاحبة اليد الطولى في أروقة الأمم المتحدة في هذا الموضوع وأن الدول العظمى الأخرى لا تهتم كثيرا بهذا الشأن لا يُتوقع وقوع تحول كبير في الملف يعاكس إرادة الأمريكيين.

فأمريكا كما قال “جوشيا هاريس” في مقابلته الصحفية المذكورة أعلاه: “هي حامل القلم لملف الصحراء الغربية لدى مجلس الأمن” وهو في هذا يضغط لعدم بقاء الفرقاء في المقاربات السابقة التي يقول عنها بأنها لم تحل المشكل ويوصي بالتحلي -حسب زعمه – ب”الإبداع والبراغماتية والواقعية” ويهدد تهديدا مبطنا بأن “بلده سيستعمل نفوذه للوصول إلى حل دائم يصلح للصحراويين”.

لا يهم ما نعرفه عن رأي الأمريكانيين في ملف الصحراء الغربية، فانحيازهم للأطروحة الرسمية المغربية معروف بل خيار المغرب هو خيارهم، واعتبارهم السلطة المغربية جزء تابعا وخادما في المحور الغربي غير خاف على أحد، وإنما الذي يهمنا هو ما الذي يريدونه من الجزائر، ما الذي يريدونه من بلدنا ضمن الوضع الدولي الجزائري الجديد الذي صنعته الأسباب التي ذكرناها أعلاه، وهي – مجددا – صدمة الإخفاق في الالتحاق بالبريكس وفتور العلاقة بروسيا وعدم نجاح الصينيين في الاستثمار في الجزائر بسبب البيروقراطية التي شكا منها الصينيون للعديد من السياسيين ومنه ما سمعته بنفسي في حفل أقاموه في قصر الثقافة بالجزائر العاصمة.

إن السؤال المطروح هو: هل استجدّ شيء ما في المقاربة الجزائرية في ملف الصحراء الغربية؟ وهل ستخضع السلطات الجزائرية للضغوطات أو الإغراءات الأمريكية؟ وهل ثمة حل مطروح على الجزائر يضمن مضي المقاربة المغربية مع امتيازات ما للجزائر وفق ما يمكن أن يفهم من جواب الدبلوماسي الأمريكي “جوشيا” حين سئل: ” هناك حلّان سياسيان: الاستقلال أو الحكم الذاتي.

فهل ناقشتم مع شركائكم الجزائريين إمكانية وجود حل ثالث بديل؟” فقال: “التحلي بالإبداع، البراغماتية والواقعية مطلوب، الحلول من نفس النوع التي أدّت إلى فشل المسار السياسي في السنوات الماضية لن تؤدي في الغالب إلى نتائج.

ولذلك تحدّث مجلس الأمن بكل وضوح عن ضرورة إنشاء روح الواقعية والتسوية وتوسيع مختلف الأطراف المعنية لمواقفهم”.

ما هو الجواب الرسمي الجزائري للديبلوماسي الأمريكي؟ وإن وقع التجاوب مع التوجهات الأمريكية كيف ستبرر السلطاتُ الأمرَ للجزائريين الذين طُلب منهم أن يتبنوا الخطاب الرسمي في هذا الشأن لعقود من الزمن دون أي فرصة لرأي آخر ولو في الهوامش الثانوية؟ أم أن للسلطات خطة أخرى تتحدى بها المسلمات الأمريكية التي عبر عنها “جوشيا هاريس”؟ و ما علاقة هذا أو ذاك بالانتخابات الرئاسية المرتقبة؟ ليس الوقت مناسبا لأناقش الخيارات بعمق ولكنه وقت للانتظار والتحليل والترقب، ولا بد في يوم من الأيام أن يُفتح ملف الصحراء الغربية للنقاش المجتمعي لتكون الحلول جزائرية مغاربية بلا خضوع للضغوطات أو الإغراءات الأجنبية، وبلا حسابات سلطوية أو مصالح شخصية أو فئوية وبما يحقق مصالح الشعوب وما يجسد تحقيق حلم المغرب العربي لصالح المواطنين بكل سيادة.

يتبع..

د. عبد الرزاق مقري

ماذا يحدث بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية (1/3)

لا يُسأل النظام الجزائري عما يفعل في السياسة الخارجية والدفاع وقرارات رئيس الجمهورية، وكأن في السياسة في بلدنا مستويين، مستوى المواطنين الكبار وهم أصحاب القرار في المستويات العليا في الحكم، حيث يوجد التنافس الحقيقي عن السياسات وعن الحكم، ومستوى المواطنين من الدرجة الثانية وهم النواب وقادة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وباقي السكان، فهؤلاء لا يحق لهم السؤال إلا عن قرارات الوزراء والولاة والإدارات، وحتى هؤلاء يجب أن تكون الأسئلة بتحفظ وبأساليب اعتذارية ولطيفة حتى لا ينزعج من في الطبقات العليا، أما المستويات التي يمكن مساءلة المسؤولين فيها بشدة وبلا شفقة فهم رؤساء البلديات وأعضاء المجلس الشعبي الوطني.

ولهذا السبب لا يوجد نقاش سياسي عن التحولات الكبيرة التي تعرفها السياسة الخارجية الجزائرية والتوجهات الدفاعية وما يقرره الرئيس على مستوى مجموعة أصحاب القرار الحقيقيين بخصوص العلاقات بين الجزائر والولايات الأمريكية المتحدة.

لا تكون هكذا الديمقراطية الحقة، ولا التطبيق الحقيقي لنصوص وروح النصوص الدستورية، ولا يكون هكذا التدافع النافع للبلد، ولا تكون هكذا البيئة المانعة للاستبداد، ولا يكون هكذا السبيل الذي يطور الفكر والبرامج، ولا يكون هكذا النهج الذي يصنع القادة جيلا بعد جيل.

من حق الرأي العام الجزائري أن يعرف حقيقة الزيارات المكوكية بين المسؤولين الجزائريين إلى أمريكا والأمريكان إلى الجزائر وما يقال في قضايا السياسة الخارجية والدفاعية. ويخطئ من يعتقد بأن هذه المسائل كبيرة على عقول الجزائريين أو أنها لا تهم حياتهم اليومية المنهمكين فيها جريا وراء لقمة العيش. إن قرارا واحدا مهما يتعلق بالسياسة الخارجية أو الدفاع الوطني يمكنه أن يقلب حياة المواطنين الخاصة رأسا على عقد، فلا داعي للاستماع لجدال الزبونية والانتهازية، ممن قبلوا أن يكونوا من صغار المواطنين، هؤلاء الذين لا يعجبهم أن نسائل السلطات في هذا الشأن الكبير.

في خلال شهرين ونصف زار الجزائر نائب كاتب الدولة للشؤون الخارجية، جوشيا هاريس، كما زارها زميله تود روبنسن في هذه الفترة، وتحدث قائد الأركان الجزائري السعيد شنقريحة هاتفيا مع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية وليم بيرنس، وتحادث وزير الخارجية أحمد عطاف في واشنطن مع كاتب الدولة للخارجية أنتوني بلنكن، وعقدت اجتماعات بين الطرفين الأمريكي والجزائري حول الصناعة الحربية.

ليس الغريب أن يكون لبلد ما علاقات مع بلد آخر ولكن الأسئلة التي تطرح عن السياقات وطبيعة العلاقات وأبعادها التي تشير إليها التسريبات غير الرسمية والتصريحات الرسمية. وفي هذا الإطار نركز على تحليل المقابلة الصحفية التي أجراها “جوشيا هاريس” والتي نشرتها السفارة الأمريكية في موقعها الالكتروني والتي غطّت بعض وسائل الإعلام الجزائرية الجزء الذي يتناسب مع المزاج العام الذي يراد المحافظة عليه لدى المواطن الجزائري.

تجنَّب الدبلوماسي الأمريكي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمشاركة بلده في الجريمة التاريخية المقترفة ضد أهلنا في غزة والسياسات المتبعة في الحرب القائمة لتصفية القضية الفلسطينية، ولكن الذي لفت نظري قي أجوبته الصريحة ثلاث قضايا أساسية:

أولا – مسألة التسليح وما بيّنه بأنه بالفعل باتت الجزائر تهتم باقتناء السلاح الأمريكي وأنه “عليها أن تحدد اختياراتها وأنه من المهم أن تقول لنا الجزائر ما هي احتياجاتها في الدفاع الوطني، ونحن على استعداد للحوار بين عسكريينا، فإذا كانت الصناعة العسكرية الأمريكية تمثل جوابا لما يضمن للجزائر الدفاع عن نفسها نحن مستعدون للمشاركة في هذا النقاش”. وفي هذا الشأن يجب أن ننبه بأن التحول الجذري لمنظومة السلاح في بلد ما من سلاح أجنبي إلى سلاح أجنبي آخر يمثل مجازفة كبيرة ويتطلب ميزانيات عظيمة ووقتا طويلا قد يصل إلى عشر سنوات، وقد يكون مضرا من حيث الفاعلية العسكرية والأداء العملياتي مع مرور الزمن حيث يتطلب الأمر تغيير عميق للمهارات العسكرية على مستوى أجيال من الموارد البشرية. وقد مرت مصر بهذه التجربة حين حاولت التوجه في عهد السادات إلى السلاح الأمريكي الذي باتت تشتريه وجوبا من القروض المالية السنوية التي تمنحها إياها الولايات الأمريكية المتحدة على إثر بداية العلاقات العسكرية بين البلدين عام 1976 والتي أفضت إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني عامين بعد ذلك في 17 سبتمبر عام 1978.

واللافت في الأمر أن هذا التغير في الولاء لم تزد به مصر قوة بل دخل الجيش المصري في حالة ركود وتقهقر لم ينم فيه سوى الفساد وحالات السيطرة والتحكم في الحياة والسياسية والاقتصادية، وفي الأخير تأكد لدى المصريين بأنهم لن ينالوا ما يجعل جيشهم قويا ومهيبا بالاعتماد على السلاح الأمريكي فتوجهوا إلى تنويع وارداتهم وعادوا مؤخرا إلى السلاح الاستراتيجي الروسي.

بل إن أمريكا لم تسعف حتى حلفاءها الأقربين من غير الكيان الصهيوني في ما يتعلق بالمقاتلات والأسلحة الاستراتيجية، فبعد أن تقدمت الإمارات بشراء طائرة F35 ألغيت الصفقة، كما مُنعت تركيا من شراء السلاح الاستراتيجي الأمريكي وتراجعت واردات السلاح الأمريكي إلى تركيا بنسبة أكثر من 80% منذ 2010 بالرغم من أن تركيا عضو في الحلف الأطلسي، والمشكل الأكبر فإن البلد الذي يكون مرتبطا بالمنظومة الدفاعية الأمريكية يدفع الثمن في حالة وقوعه في نزاع مسلح لا توافق عليه أمريكا إذ تمنعه عندئذ من التموين بالسلاح الذي سيحتاجه في هذه الوقت العصيب، وقد فعلت أمريكا ذاك مع العديد من الدول.

وعليه فإن تغيير منظومة التسلح من روسيا إلى أمريكا ستكون كلفته عالية على عدة مستويات، والبديل إنما في تنويع الواردات على المدى القريب مع التركيز على الدول التي لا تكون احتمالات الخلافات معها في السياسة الخارجية عميقة، ولا شك أن الولايات الأمريكية المتحدة ليست من هذه الدول – وسنعود في هذا المقال إلى الحديث عن منظومة التحالفات – أما على المستوى المتوسط والبعيد فالحل الجذري يكون في الصناعة العسكرية الوطنية وما يتطلبه ذلك من تحكم في التكنولوجية وحسن استغلال المواد الأولية والتقنيات والمهارات الصناعية والموارد البشرية العلمية والتقنية الوطنية، فهذا من أعظم ما يجعل من يحكم الجزائريين في مستوى بلد كالجزائر أم لا ، وكلنا يعلم بأن ثمة بلدان نامية تبلي في هذا المجال بلاء حسنا فلما لا نكون مثلهم.

ثانيا – موضوع الصحراء الغربية:

… يتبع

د. عبد الرزاق مقري

 

11 ديسمبر والقضية الفلسطينية (2/2)

لم نشهد في القضية الفلسطينية مظاهرات حاشدة للشعب الفلسطيني في كل فلسطين ترفع شعار الاستقلال والانتماء ولكن نقطة التشابه التي نستلهمها في أهمية الدور الشعبي في طريق تحقيق إنهاء الاحتلال الصهيوني بدايته هذا الثبات الاسطوري المدهش العظيم الذي يظهره سكان الغزة والذي لم ير الناس مثله في التاريخ، وسنشهد يوما ما مظاهرات عارمة للفلسطينيين تعلن ولاء الشعب للمقاومة وتصرخ في وجه العملاء والعالم الظالم بأنه لا حل سوى الاستقلال الكامل ل”فلسطين المسلمة”، بوصلة الإسلام والمسلمين.

لقد كانت القضية الفلسطينية تمر بمرحلة خطيرة في تاريخها منذ الاحتلال قبل طوفان الأقصى، أخذ قطاع غزة يتحول إلى وطن قائم بذاته لا ينتظر سوى أن تضاف إليه أرض سيناء لكي يتجسد مشروع صفقة القرن، وباتت الضفة يأكلها التوسع الاستيطاني ويسيطر عليها المستوطنون أكثر فأكثر ليصلوا يوما ما إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأردن وغيرها، ولم تتوقف سياسة التهويد ونهب بيوت السكان الفلسطينيين في القدس، وتوصل اليهود إلى تحقيق هدف التقسيم الزماني للمسجد الأقصى في طريقهم إلى التقسيم المكاني، وربما في غفلة من المسلمين إلى تدميره وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وأضحى الفلسطينيون في فلسطين المحتلة في الثمانية والأربعين يعيشون تحت وطأة التمييز العنصري وتدمير بناهم الاجتماعية وإفساد شبابهم.

كانت الأيام العصيبة في غزة والمواجهة المتتالية مع الكيان والتكوين التربوي المنهجي للشباب والآمال العريضة بالنصر في فلسطين ونهضة الأمة تصنع في تلك الأرض الطيبة جيلا مجاهدا لا يعيش إلا من أجل التحرير.

أدرك هذا الجيل بقدراته العقلية الفذة التي صنعتها بيئة الجهاد والاستشهاد، والتي لم نر – لهذا السبب – مثيلا لها بين المسلمين في هذا الزمن، بأن القضية الفلسطينية تتجه نحو مأزق حقيقي يجسد خطط الصهاينة والمشروع الغربي الاستعماري والعربي التطبيعي المتخاذل العميل فعزموا على قلب الطاولة على الجميع إذ لم يبق شيء تخسره فلسطين والأمة لو نجحت مخططات الأعداء تلك، فكان طوفان الأقصى هو الشبه التام لأحداث 20 أوت 1955 أثناء الثورة التحريرية الجزائرية.

كما أن أحداث 20 أوت تبعها تصعيد للعمل الثوري الجزائري استمر عدة سنوات، لن يكون طوفان الأقصى سوى مرحلة أولى لمعارك تحريرية طاحنة ليس في غزة وحدها، بل في الضفة كذلك وكل فلسطين، وكما أن رد الفعل الفرنسي كان همجيا إجراميا في حق المدنيين نحن نرى أعظم من ذلك في رد الفعل الصهيوني، وكما أن تلك العمليات التدميرية لمعنى الإنسانية لم تفلح في إخضاع الجزائريين لن تفلح مثيلاتها وما هو أفضع منها في فلسطين في كسر إرادة أهل هذه الأرض المباركة، وكما أن المشاريع السياسية الإلحاقية الديغولية لم تحقق غايتها في إفساد الشعب الجزائري لن تقدر المؤامرات الغربية والعربية على إجبار الفلسطينيين على قبول مشاريع الخضوع السياسية و التفريط في شبر من أرضهم، وكما أن احتدام المواجهة مع الاحتلال والتضحيات المقدّمة كرست مرجعية جبهة التحرير الوطني وإنهاء مرجعية مصالي الحاج، لدى الجزائريين أثناء الثورة أدت مقارعة الاحتلال الصهيوني والثمن المقدم من المقاومين والشعب الفلسطيني جنبا إلى جنب إلى تكريس مرجعية المقاومة وانهيار ما بقي من السلطة الفلسطينية في ذهن الفلسطينيين.

نحن نسمع ونرى اليوم نتنياهو السياسي يقول هو والمستوطنون اليهود المتشددون ما كان يقوله المستوطنون الفرنسيون المتشددون (وكثير منهم، ومن أشرسهم كانوا يهودا) بأن لا وجود لشيء اسمه فلسطين وأنها “إسرائيل اليهودية” فحسب، وخلاف هؤلاء مع التيار العلماني المؤسس للكيان، ومنهم قادة الجيش الصهيوني أن هذا التيار يريد العودة لحل الدولتين بتقسيمات أعقد من مشروع تقسيمات ديغول، ولكن في الأخير لن يكون ثمة إسرائيل اليهودية ولا فلسطين المقسمة، وإنما فلسطين الموحَّدة الموحِّدة المسلمة.

لقد أدى المجاهدون في الجبال والمناضلون في المدن ما كان عليهم تأديته، ولما اشتد عليهم الضغط من الجيش الفرنسي والحلف الأطلسي تحرك الشعب الجزائري بكليته يعلن التحامه الكامل مع المجاهدين وصدع بلسان واحد بأن لا سيد على فلسطين غير الشعب الفلسطيني، وهكذا ستحسم المعركة في فلسطين .. حين يتكرر 11 ديسمبر في كل مكان في فلسطين، إذ تلك هي سنة الله في الأرض التي لا تتغير ولا تتبدل … لا حسم في المعارك إلا بانخراط الشعب فيها وصدق الله تعالى إذ يقول: (( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)).

سيفعل ذلك الشعب الفلسطيني برمته، هو يفعل أكثر من ذلك في غزة، بتمسكه بأرضه ورفضه إخراجه منها إلى سيناء، رغم المآسي اليومية التي تحدث في كل لحظة وفي كل يوم بما لا تطيقه الجبال، بما لم يصبح لنا طاقة للنظر إلى صورها، من أطفال صغار يُمزقون وتبتر أطرافهم وترتعد فرائصهم لهول ما يصيبهم صابرين محتسبين، ونساء وشيوخ ومرضى وجرحى يستنجدون الأشقاء والإنسانية والعالم بأسره ولا أحد يجيب، ستصنع هذه الاستغاثة المؤلمة التي لا مجيب لها من هذا الشعب الأسطوري العظيم أجيالا من الفلسطينيين لا يعيشون إلا من استقلال بلدهم وسيُنشئ الطوفان العسكري الذي انطلق في 07 أكتوبر وعيا شاملا للإنسان الفلسطيني طوفانا بشريا هادرا في كل فلسطين ينهي أحلام ” إسرائيل اليهودية” وأحلام ” حل الدولتين” .

وما ذلك على الله بعزيز، وإنما هي دماء الشهداء التي تحدد المصير.

د. عبد الرزاق مقري

 

11 ديسمبر والقضية الفلسطينية (1/2)

كانت مظاهرات 11 ديسمبر حاسمة في طريق تحرر الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وكانت قد سبقتها  أحداث كبيرة على ثلاث مراحل: ما بين 1954 و 1955 ثم ما بين 1955 و 1958 ثم ما بين 1958 و 1960. أما المرحلة الأولى فكانت بين انطلاق الثورة في 01 نوفمبر 1954  وهجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955  التي سميت بيوم المجاهد. وقد اتسمت هذه المرحلة ببروز عبقرية مفجري الثورة الاثنين والعشرين المتمثلة في رؤية التحرير في بيان أول نوفمبر

وتحمّل مسؤولية الانطلاقة رغم الصعوبات والانشقاقات الكبيرة التي كانت تمر بها الحركة الوطنية، ورغم تغول سلطات الاحتلال على الجزائريين، وقد تبعتها خلال السنة تعقيدات تنظيمية وتعبوية وعسكرية كثيرة،  ركز فيها الاستعمار على ضرب معقل الجهاد بالأوراس ولم يكن ثمة تأييد كبير والتحام تام للشعب الجزائري بالكفاح المسلح.
ثم جاءت هجومات 20 أوت كتدبير عسكري عبقري من قبل قادة الثورة بضرب الاستعمار خلف المنطقة التي كان يركز عليها بالأوراس،  وكان هدفهم توسيع عملياتهم في يوم واحد في مدى أوسع بكثير ودفع الشعب الجزائري بواسطة ذلك إلى الانخراط الكامل في جبهة التحرير وكفاحها من أجل تحرير البلاد. فنجحت الخطة نجاحا عظيما أعطى للثورة زخما عظيما وتأييدا واسعا في الداخل والخارج استمر إلى غاية 1958 وألحق بالاستعمار خسائر لم يعد يطيقها.
في عام 1958 قرر جنرالات فرنسا والمستوطنون في الجزائر الضغط على باريس ( التي كان لهم فيها نفوذ كبير) للمجيئ بالجنرال ديغول إلى الحكم من جديد كونه، حسب هؤلاء، هو الوحيد القادر على القضاء على جيش التحرير وثورته المسلحة. استطاع ديغول بكفاءته العسكرية والسياسية أن يلحق ضررا كبير بالثوار في الجبال مدعوما بترسانة عسكرية جبارة من الحلف الأطلسي وبتضييق شديد على عبور السلاح للثوار من خلال تمتين خطي شال وموريس على الحدود مع تونس ومع المغرب، بالإضافة إلى محاولته شراء ذمم كثير من الجزائريين عبر مشروع تنموي اقتصادي واجتماعي وثقافي سُمي “مشروع قسنطينة”.
تعرض المدنيون من الشعب الجزائري في هذه المرحلة إلى حرب إبادة حقيقية في العديد من جهات الوطن حملت أسماء حربية ذات دلالات ( الشرَارة، ٩المنظار، الأحجار الكريمة، الماراثون، بروميثيوس، المحس ..) لا سيما في القرى، كما تم اعتماد التعذيب في المدن خصوصا في الجزائر العاصمة، وتشكيل المناطق المحرمة وإجبار سكان الأرياف على الإقامة في المحتشدات التي حُشر فيها أكثر من 2.5 مليون جزائري تعرضوا للويلات. كما تم تعميق وتوسيع طوابير الخونة والعملاء.
وفي  23 أكتبور  1958 عرض ديغول على المجاهدين ما سماه “سلم الشجعان” بأن يرموا السلاح ويستسلموا مقابل العفو عنهم، معتقدا بأنه قد هزمهم عسكريا بسبب الضربات الجبارة التي وجهها لهم والخسائر البشرية الكبيرة في صفوف إخوانهم المدنيين التي نتجت عن القصف العشوائي في المداشر والقرى.

لم يكن الجنرال ديغول يراقب التطورات العسكرية التي كان يعتقد بأنه يستطيع التحكم فيها رغم البطولات التي سطرها المجاهدون في الجبال والفدائيون في المدن، بقدر مراقبته لمدى ثبات الشعب الجزائري في مختلف أنحاء البلاد. وحينما تأكد لديه إصرار الجزائريين والتحامهم مع المجاهدين رغم الخسائر الكبيرة في خلال سنة واحدة أدرك بأن الحل العسكري لن ينهي المشكلة وأن فرنسا كلها تغرق في الأرض الجزائرية فبدأ يقترح الحلول سياسية التي تتوج الضربات العسكرية المدمرة التي  سلطها على المجاهدين و حواضنهم الاجتماعية من السكان العزل في القرى، ومن ذلك  المشروع الذي عرضه في 16 ديسمبر  عام 1959 الذي يقتضي حكم ذاتي جزائري متحد مع فرنسا أو تقسيم الشمال الجزائري إلى وطن للمستوطنين ووطن للجزائريين على أن يبقى الجنوب فرنسيا.

ساهمت المجازر ومنهجية التعذيب التي صنعتها الاستراتيجية العسكرية الهمجية  التي جاء بها الجنرال ديغول والتي انخرط فيها الجنرالات الفرنسيون في الجزائر في صناعة الإصرار الجزائري على القطيعة مع الاحتلال وإنهائه مهما كان الثمن ولم يركن إلى مشاريع الإغراء والإلحاق سوى فئات قليلة من الجزائريين.

وحينما أدرك ديغول ذلك رفع شعارا جديدا عنوانه “الجزائر الجزائرية” (L’Algérie Algérienne) في مقابل شعار المستوطنين “الجزائر الفرنسية” (L’Algérie Française) وفي مقابل شعار الشعب الجزائري “الجزائر المسلمة”  (L’Algérie Musulmane)، وكان هدفه خروج فرنسا عسكريا من الجزائر عبر مفاوضات مع جبهة التحرير تؤدي إلى جزائر  ملحقة بفرنسا، ولكن لكي يتحقق له ذلك ينبغي أن تكون هذه الجزائر مقطوعة عن هويتها التي صنعت ثباتها وتماسك نسيجها الثقافي والاجتماعي عبر 130 سنة والتي بها قويت على محاربة الاحتلال وهزيمته رغم الخسائر الفظيعة وهي الهوية الإسلامية الجامعة.   

وجد الجنرال ديغول نفسه يواجه جبهتين في نفس الوقت، جبهة المعمرين المتطرفين وجنرالاتهم، الذين حاولوا الانقلاب عليه، واحتشدوا يهتفون ضده حين زارهم في عين تموشنت في 09 ديسمبر 1960حيث رفعوا شعارهم الجزائر الفرنسية. وكان يعتقد بأن سلاحه ضد هؤلاء هو خضوع الجزائريين لخطته “العصا والجزرة” وأن أصحاب الأرض الأصليين سيقبلون بجزائر مجزّأة أو ملحقة ثقافيا غير أن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 أفسدت أحلامه وأحلام المعمرين في نفس الوقت، إذ اتضح له بأن القضية الجزائرية ليست قضية مجاهدين مسلحين في الجبال ولا مناضلين فدائيين في المدن وإنما هي قضية شعب بأكمله يصر على الاستقلال وأن تكون الجزائر مسلمة، فلا جزائرية دون انتماء وهوية ولا فرنسية بأي حال من الأحوال.

[غير أن خطة ديغول بقيت تعمل بعد الاستقلال، ولا زلنا نكافح ضدها إلى اليوم،  ولكن تلك قصة أخرى ليس مجال الحديث عنها في هذا المقال].

كيف نسقط هذه الأحداث ودور 11 ديسمبر في الاستقلال الجزائري على القضية الفلسطينية؟

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

هل الجزائر مع فلسطين؟ وإلى أي مدى؟ (3\3)

لم تكن مبادرة لم شمل الفلسطينيين مستغربة من الجزائر، فهي البلد التي اجتمعت فيها كل الفصائل عام 1988 لإعلان قيام الدولة الفلسطينية، كما أن إطلاقها مشروع المصالحة الفلسطينية بعد العملية التطبيعية المغربية الآثمة تصرف سياسي ذكي، غير أن ظروفا أخرى شجعت على المضي فيها، ومنها التطورات الدولية التي باتت تسير نحو التعددية القطبية والتي خفّت فيها قبضة  الولايات الأمريكية المتحدة عن المنطقة،

علاوة على أن الأمريكيين نظروا إلى المبادرة الجزائرية كفرصة لجر حماس وفصائل المقاومة إلى الاعتراف بالشرعية الدولية بحكم العلاقة الطيبة مع الجزائر وفشل مصر والدول الأخرى في ذلك من قبل. فلعل حماس تصبح، من خلال مبادرة الجزائر، عضوا في منظمة التحرير بعد أن تعترف بإسرائيل، والغريب في الأمر أن ثمة في الجزائر من اعتقد بأن حماس لن يكون لها مشكل مع قبول الشرعية الدولية، دون – ربما – الفهم بأن معنى الاعتراف بالشرعية الدولية هو الاعتراف  بالكيان الصهيوني وتسليم سلاح المقاومة للسلطة الفلسطينية. 

ولما تأكد للأمريكان بأن فصائل المقاومة لم تقبل الإمضاء في “إعلان الجزائر” على الاعتراف بالشرعية الدولية  بات الإعلان بالنسبة لهم في خبر كان، وأصبح فعلا ماضيا ناقصا لا وزن له عند الفلسطينيين في حركة فتح ومنظمة التحرير بقيادة عباس بالرغم من أنهم أمضوا عليه (لا لشيء إلا ليحفظوا ماء الوجه للجزائريين)، كما لم يصبح للمشروع قيمة عند الدول العربية المطبعة وعلى رأسها مصر. ثم في الأخير سقطت أهمية الإعلان عند الجزائريين أنفسهم إذ لم يسعوا لتثمينه بمناسبة التطورات الحاصلة، بالرغم من أن هذا المشروع هو الأقدر على وضع تصور عادل للقضية الفلسطينية بعد الحرب القائمة بإرادة الفلسطينيين وحدهم. 

كان بإمكان “إعلان الجزائر”، بالصيغة التي تم الإمضاء عليه من قبل حماس وفتح وكل الفصائل الفلسطينية، أن يحرج الإسرائيليين وليس الفلسطينيين، وذلك بأن يناقش الفلسطينيون داخل منظمة التحرير بعد أن تلتحق بها حماس والجهاد استراتيجية التحرير بما يرونه مناسبا وصالحا لقضيتهم، وفي هذا الإطار لن يكون لفصائل المقاومة ـ وفق ما سمعناه منهم ـ مشكلة في أن ينخرطوا في المشاركة السياسية وإدارة القطاع والضفة والقدس الشرقية ديمقراطيا إذا انسحب منها الإسرائيليون وفق ما يسمى ب”حل الدولتين”، ولكن دون أن يُجبَروا على الاعتراف بإسرائيل وتسليم سلاح المقاومة، وربما يتم الاتفاق على هدنة ما مع الكيان في هذا الإطار. 

إن الإحراج السياسي الذي يسببه مشروعٌ مثل هذا للإسرائليين  يتمثل في أن هذا الخيار  يستحيل الوقوع عمليا، وذلك لأن اليهود المحتلين لا يؤمنون به ولا يقبلونه وقد فعلوا عبر السنوات كل ما يجعله مستحيلا، فهم يريدون مزيدا من التوسع وليس الانسحاب من أي بقعة من فلسطين المحتلة، ولو لا طوفان الأقصى لكان العرب ذاتهم قد تركوا مبادرة حل الدولتين نهائيا، وكان يكون التَّرك نهائيا بالدوس عليه بأرجل السعوديين الذين كانوا يستعدون للتطبيع والاعتراف بالكيان دون اشتراط حل الدولتين بالرغم من أنهم هم أصحاب المبادرة كما هو معلوم، ولو لا الحادثة البطولية يوم السابع من أكتوبر لكان الأمر قد تم. 

كان من المفروض أن تمضي الجزائر في مبادرتها لدعم القضية الفلسطينية، وأن تستعين بتركيا في ذلك إذ في مقاربة هذه الأخيرة نقاط مشتركة مع مبادرة بلدنا، وربما كنا نجد مساحة مشتركة مع قطر وإيران، بدل المشاريع الجارية التي تُطبخ بين أمريكا وبعض الدول العربية، بغرض إحراج المقاومة سياسيا حتى وإن انتصرت عسكريا . وقد يكون هذا الإحراج الذي يمكن أن تصنعه الجزائر للصهاينة ومن والاهم بمبادرتها هو من مسرّعات التحرير، الذي أخذ طريقه بعد طوفان الأقصى إلى أن يتحقق قريبا بإذن الله تعالى. ولكن هل لقادتنا القوة والشجاعة والرؤية لكي ندخل في هذا المسار التاريخي الكبير؟

لقد كان بالإمكان أن يكون هذا الإعلان، منذ أن تم تخريبه من طرف السلطة الفلسطينية ومن وراءها، فرصة للجزائر لدعم المقاومة بكل الوسائل، بكل مصداقية دون أن يلومها أحد، انتقاما لشرف بلدنا الذي لم يقدره عباس ومن معه، كما أن إعلان الجزائر صار يمثل إطارا مناسبا لجميع الأطراف لو وجد قوة اقليمية أو دولية تسنده. ولكن يبدو بوضوح أن أمريكا والدول العربية لا تريد هذا الإعلان ولا شك أن التقارب الجزائري الأمريكي الحاصل لا يساعد على أن يكون للجزائر عبر الإعلان المسمى باسمها دور تستفيد منه حركة حماس وفصائل المقاومة. 

إن ما يفسر التقارب الجزائري الامريكي – الذي منطقيا لا يكون لصالح حماس –  تحولات عديدة منها خيبة الأمل في عدم دخول منظمة البريكس، والغضب من روسيا التي لم تكتف بعدم الدفاع عن الجزائر بل صرح وزير خارجيتها لافروف بكلام منقصٍ لقيمة الجزائر عند ذكره معايير اختيار الدول التي تم ضمها للبريكس، وقد ساعدت الولايات الأمريكية المتحدة الجزائر على التقارب من خلال خطوات علنية لصالح ملف الصحراء الغربية، وذلك بعد ما تم التلاعب بالمخزن المغربي وتحقيق الأهداف المسطرة بشأنه، وفي ظل تعمق أزمات هذا البلد الاقتصادية والسياسية، فلم يعد بلدا ذا سيادية يحتاج من ورطوه في التطبيع (على أساس وعد كاذب) أن يخشوا من رد فعل منه لا يخدم مصالحهم.

ومما يبين أن البعد السياسي كان حاضرا في مبادرة لم الشمل الفلسطيني أن الجزائر لم تهتم بحركة حماس التي شرّفت الجزائر في هذا الموضوع وبقيت ملتزمة بالاتفاق، فلم يُقدم لها إلى الآن أيُّ دعم خاص بها، لا سياسي ولا مالي ولا عسكري، وبقي الموقف الجزائري الرسمي أقرب لحركة فتح ولصالح منظمة التحرير التي ليست حماس عضوا فيها، وذلك رغم الفتور في العلاقة بين الجزائر وعباس الذي ربما سيعود إلى ما كان عليه في زمن بوتفليقة.

إنه لا شك أن الجزائر تراعي علاقاتها مع الولايات الأمريكية المتحدة في الشأن الفلسطيني كغيرها من الدول العربية، وأن قطار التطبيع، إن كان منطلقا دون توقف، فإن الجزائر – بالنسبة لأمريكا – ستكون محطته الأخيرة للأسباب التي شرحها لنا الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله. ولكن بالإضافة إلى ذلك، ثمة حرج عند حكامنا من الاتجاه الأيديولوجي لحركة حماس وانتمائها الإسلامي السياسي، وذلك من أعقد العقد عند الأنظمة العربية في تعاملها مع القضية الفلسطينية إذ ترى في نجاح حركة حماس الفلسطينية نجاحا للمنافس الإسلامي العنيد في بلدانهم، وربما هو نجاح كذلك لحركة حماس الجزائرية بالنسبة للنظام الجزائري. ولا تدرك هذه الأنظمة الغافلة أن تحرير فلسطين، بغض النظر من الذي سيسهم بفاعلية فيه، هو تحرير للعالم العربي والإسلامي كله، وأن المقاومة الفلسطينية تجاوزت الصراعات السياسية والأيديولوجية القائمة في بلداننا، وأنها أصبحت ظاهرة عالمية، خصوصا بعد طوفان الأقصى، ظاهرة تشمل كل الانتماءات الأيديولوجية والعرقية والدينية والمذهبية والجغرافية. 

لعل ذلك الحرج السياسي هو ما يفسر عدم التفوه باسم حماس الفلسطينية من قبل السيد رئيس الجمهورية حين قال في كلمته التي رحبنا بها جميعا “الفلسطينيون ليسو إرهابيين”، علما بأن الفلسطينيين ليسو متهمين جميعهم من قبل الدول الغربية، وإنما المتهم هو حركة حماس أساسا، والغريب أنه في الوقت الذي لا يستطيع فيه حكامنا التفوه بكلمة “حماس” الفلسطينية نجد أن رؤساء دول وساسة وشخصيات في دول أخرى مطبعة نفوا عن حركة “حماس” بذاتها تهمة الإرهاب.

والخلاصة أن الموقف الجزائري من حيث رفض التطبيع موقف متقدم بالنسبة لكثير من الدول العربية والإسلامية الأخرى، وذلك للأسباب التي ذكرناها من قبل، والتي بينها الأستاذ مهري كما كررناه أعلاه، ولكن النظام الجزائري متأخر وليس متقدما على غيره الآن، بالنسبة لكثير من الدول في العالم، وأنه لا شيء مميز قدمته السلطات الرسمية للمقاومة وللتضامن مع أهلنا في غزة إلى حد الساعة. لا شك أن ثمة مجهودات كبيرة تقوم بها بعض المؤسسات والمنظمات غير الحكومية الجزائرية، وكل ما تقوم به هذه الهيئات التي رفعت العلم الجزائري في غزة مبارك يشرف أصحابها ويدخل في رصيد الجزائر كلها، بل يرفع شيئا من الحرج عن السلطات ذاتها. غير أن الحجم العظيم للمعاناة التي يعيشها أشقاؤنا المظلومون المشردون في أرضهم في غزة، والمستوى التاريخي والمصيري للتحدي الذي تواجهه المقاومة الفلسطينية لا يستطيع إيفاء حقه سوى الدول بمواقفها الواضحة وإمكاناتها الحكومية الكبيرة، وعليه إن مسؤولية تصحيح الموقف والدور الرسمي الجزائري مسؤولية تاريخية أمام الله وأمام التاريخ. 

ثم إن مما يجب الاهتمام به في الأخير بعد نهاية الحرب هو الدعوة الدائمة لليقظة لملاحقة أي تصرف تطبيعي يصدر من أي جهة رسمية أو مجتمعية، ومنها الاختراقات التطبيعية التي نراها أحيانا على مستوى الرياضة أو التجارة أو غير ذلك، أو أي تصرف فيه غموض ويمثل خطرا على القضية الفلسطينية كالموقف المرفوض سياسيا وأخلاقيا الذي قام به وزير الشؤون الدينية بزيارته عميد مسجد باريس الذي ناصر الإسرائيليين علانية في وسائل الإعلام الفرنسية في حديثه عن طوفان الأقصى، دون مراعاة للدماء الغزيرة لأشقائنا في غزة، مما يدل بأن موجات التطبيع في الجزائر ممكنة الوقوع كما حدثت من قبل، وكما كان يمكن أن يحدث عن طريق المتسللين داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع لو لا طوفان الأقصى الذي كسّر موجتها الأخيرة في كل العالم العربي.

 فالحذر الحذر من نخب متطرفة مبغضة لهويتنا وانتمائنا ومقدساتنا، ومن اللوبيات الفرنسية والغربية، أو ربما من يهود وماسونيين استطاعوا أن يتوصلوا  إلى مواقع نفوذ في بلادنا، أو خضوعا لضغوطات خارجية، أو بسبب الطموحات الشخصية. وتمنينا لو أن السلطات سمحت بمرور قانون تجريم التطبيع في البرلمان لتطمئننا بأن هذه المرحلة آمنة بهذا الشأن ولتأمين المراحل المقبلة في المستقبل كما فعلت دول أخرى غير مطبعة، ولكن حكامنا رفضوا ذلك مما يجعل اليقظة مطلوبة أكثر.

وصدق الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني”.

د. عبد الرزاق مقري

هل الجزائر مع فلسطين؟ وإلى أي مدى؟ (2\3)

نحن لا ننكر الخصوصية التاريخية للجزائر بخصوص دعمها الكبير لفلسطين منذ القدم، فقد كتبتُ في عام 2013 كتابا بعنوان “الجزائر وفلسطين” بينت فيه مساهمات الجزائريين لنصرة فلسطين منذ مشاركتهم في تحرير المسجد الأقصى مع صلاح الدين الأيوبي ومنحهم هذا القائد الكبير الأوقاف التي لا تزال إلى اليوم باسمهم كجزائريين من مغرب الأمة الإسلامية (حارة المغاربة)،

وعن مشاركة مجاهدين جزائريين في ثورات الفلسطينيين قبل النكبة وفي حرب الثمانية والأربعين، وعن  أدوار الحركة الوطنية في عهد الاستعمار، سواء كشخصيات مثل عمر راسم والشيخ السعيد الزاهري، وأبو اليقظان، والفضيل الورتلاني، أو كهيئات ومنظمات، وخصوصا الهيئة العليا لإعانة فلسطين عام 1948 التي شاركت فيها كل الأطياف والتوجهات بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله. ثم تحدث الكتاب عن انخراط الدولة الجزائرية المستقلة في دعم الكفاح الفلسطيني مباشرة بعد الاستقلال، سواء من حيث المشاركة في حرب عام 1967 أو في الموقف والإسهام المتميز عام 1973 أو من حيث دعم حركة التحرير الفلسطينية بالسلاح (فتح) عند تأسيسها، وسياسيا ودبلوماسيا، وكيف كانت القوى المعارضة للنظام السياسي الناشئ هي كذلك مساندة لفلسطين، وضربتُ مثلا بمحمد خيضر ومحمد بودية رحمهما الله، ثم كيف تحولت قضية فلسطين إلى قضية مبدئية مركزية عند كل الجزائريين رمَز لها الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله بقوله ” الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وخصصتُ فصلا من الكتاب لمساهمتنا نحن كأشخاص وباسم حركة مجتمع السلم في نصرة القضية من المساهمات المالية التي ألزمت بها الحركة المناضلين وعائلاتهم سنويا منذ التأسيس، إلى غزوتنا في أسطول الحرية، والتنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع، والجبهة الشعبية لنصرة المقاومة والقضية الفلسطينية، ومؤسسة القدس، إلى حملات كسر الحصار المتتالية وغير ذلك.

فتاريخ الجزائر في المساهمة الجادة والفاعلة في نصرة القضية الفلسطينية، معروف لدينا، و لا تحتاج تلك المساهمات إلى تبيان لنصاعتها ووضوحها، لا يحتاج الأمر منا أن نبرر أنفسنا في القناعة بها. غير أن ثمة تحولات في الموضوع وقعت في فترة التسعينيات أخذت تدفع بالجزائر إلى الاتجاه المعاكس، بل بدأت جهات  نافذة في المجتمع والدولة تسعى خفية تارة وعلانية تارة لجر بلدنا إلى التطبيع مع الكيان.

لقد كان الضعف الذي آلت إليه الجزائر منذ الأزمة الاقتصادية في منتصف الثمانينات، ثم الصراع السياسي والفتنة الدموية التي وقعنا فيها طيلة التسعينيات هي البيئة التي صنعت التراجع في القضية الفلسطينية، تماما مثلما وقع  التراجع في مجال الحريات وفي آمال تحسين المعيشة وظروف الحياة مع تسارع واشتداد الأزمة.

 وحينما جاء بوتفليقة إلى الحكم عام  1999 كانت الجزائر تبحث عن ذاتها ولملمة جراحها وكان مطلب المصالحة الوطنية هو المطلب الذي ضحى من أجله الجميع وتنازل لتحقيقه الأحزاب والساسة الوطنيون عن طموحاتهم السياسية في قيادة وتطوير البلد، وتنازل المواطنون عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وصاحب تلك الظروف في بلادنا حدوث موجة تطبيعية كبيرة في الوطن العربي، كان نصيب الجزائر منها بين 1999 و 2000 المصافحة المشؤومة بين بوتفليقة وإيهود باراك، ومحاولة دعوة أنريكو ماسياس الصهيوني للجزائر، وزيارة الوفد الصحفي الجزائري لدولة الكيان.

غير أن انتفاضة الأقصى في فلسطين في سبتمبر 2000 على إثر دخول المجرم أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى أفسدت الحسابات في كل العالم العربي. وفي الجزائر عطل مسيرة التطبيع – قبل انتفاضة الأقصى وبعدها – حركة المجتمع  ضد التطبيع من خلال تنسيقية مناهضة التطبيع التي جمعت شخصيات وطنية مجتمعية وسياسية مهمة بعضها شارك في الحروب ضد الاحتلال الصهيوني، وكذلك الوثبة الجزائرية ضد المصافحة والوفد الصحفي، والتي كان من أبطالها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله الذي حمّل مسؤولية الاختراق التطبيعي الإعلامي السلطات الرسمية آنذاك ووجه لهم نقدا لاذعا، وقد شرفني الله أن كنت عضوا مؤسسا للتنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع آنذاك.

 وبعد تلك المحاولات  التطبيعية الفاشلة بقي صوت الجزائر خافتا بخصوص القضية وساءت العلاقة بمنظمة التحرير ورئيسها محمود عباس الذي تنكر للمساهمات السابقة للجزائر بسبب ارتمائه كلية في الجانب المصري تحت الإرادة الأمريكية. وقد كان عبد الحميد مهري يبين لنا في العديد من لقاءاتنا في الفرع الجزائري لمؤسسة القدس الدولية بأن الولايات الأمريكية المتحدة تطلب من الجزائر أن تنأى بنفسها عن الملف الفلسطيني وتتركه كلية للمصريين، مؤكدا بأنه لا يمكن أن تتوقع أمريكا والدول الغربية أن تذهب الجزائر إلى التطبيع في تلك المرحلة بسبب أن الدولة الجزائرية أسستها حرب تحريرية ضد الاحتلال وأن الروح التحررية في الدولة والمجتمع لا تزال قوية ولا يتحمل الأمر خطوات تطبيعية حاسمة، لا سيما بعد فشل المحاولة المشار إليها أعلاه، وبقي الحد المطلوب من الجزائر أمريكيا هو عدم التدخل في الملف فحسب، وذلك الذي كان.

ولكن مع مرور الزمن بدأت الرياح التطبيعية الكريهة تنبعث من داخل الدولة، وقد سمعت بنفسي مسؤولين كبارا في أواخر عهد بوتفليقة  يتحدثون بكل جرأة  عن رفضهم أن تبقى الجزائر تضحي بمصالحها من أجل فلسطين (!)، زاعمين بأنه لا يمكن أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين. ولكن برحمة الله بهذا البلد الطيب جاء الحراك الشعبي فكنس كل تلك الأصوات، فغادر الحكمَ بعضُهم، وبقي بعض آخر يكْمُن ينتظر فرصا أخرى. 

وحينما حَلّت موجةٌ تطبيعية جديدة قادتها دولة الإمارات حطت رحالَها في جوارنا بالمغرب، فكان التطبيع المغربي وتحالف المخزن مع الصهاينة سياسيا وعسكريا وأمنيا بمثابة قوة كاسحة أبعدت الجزائر عن التطبيع، مدعَّمة بالقوى الوطنية الجزائرية في الدولة والمجتمع التي لا تزال ذات تأثير كبير ضد التطبيع. وفي هذا السياق جاءت مبادرة المصالحة الوطنية التي تُوجت ب”إعلان الجزائر” خدمة للقضية الفلسطينية كدافع أصيل ولكن كذلك كمشروع سياسي يواجه التحالف المغربي الصهيوني، فإلى أي مآل ذهبت المبادرة؟ هذا ما سنبينه في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال بحول الله.

يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

هل الجزائر مع فلسطين؟ وإلى أي مدى؟ (1\3)

مقدمة قبل البدء:

إن التثمين والمدح للسلطات في الجزائر يضرب أطنابه، يسيطر على الفضائيات والمؤسسات الإعلامية وعبر الذباب الالكتروني وفي بيانات الأحزاب والمنظمات، فلا يجب على السلطات أن تقلق حينما تظهر أصوات معزولة داخل البلد،  وسط زخم المثمنين والمدّاحين، فهو صوت لا يكاد يُسمع بين هؤلاء، وفي كل الأحوال سيتولاه الذباب الالكتروني، وسيرد عليه بقسوة الطبّالون.

وخلافا لما يدّعيه الذين يحكمون على الغير “بالذي عليه أنفسهم” فلا يعملون عملا إلا بقصد المنفعة السياسية أو المادية فإن الله يعلم أن موقفنا لا نية فيه سوى محاولة أداء المهمة كاملة أمام الله وبعونه، ثم تسجيل الموقف للتاريخ لكي لا تقول الأجيال المستقبلية أن الجميع كان مقصرا في الضغط الحقيقي على النظام السياسي ليقوم بواجبه كاملا تجاه فلسطين.

وكذلك حينما تنجلي معارك طوفان الأقصى، يستطيع المرء أن ينظر إلى وجهه في المرآة فلا يشعر بالندم على ما فات مما كان يمكن القيام به.

الموضوع:

لقد كان موقف الجزائر تجاه القضية الفلسطينية  قبل طوفان الأقصى مشكورا ضمن ظروف خاصة نشرحها في الجزء الثاني من هذا المقال، ولكن بعد الطوفان لا يوجد شيء مميّز قدمته الجزائر إلى الآن للفلسطينيين في محنتهم الجارية على أرض غزة وكذا في الضفة الغربية، فلا الخطاب الرسمي بالنسبة لغيرها متقدم، ولا حديثا سمعناه من المسؤولين عن الإدانة الواضحة للولايات الأمريكية المتحدة عن تخطيطها ومشاركتها في الجريمة،  ولا الجسر الجوي الذي تم التصريح به سابقا ظهر أثناء أيام الهدنة، ولا سُمح للشعب الجزائري أن يُعبر عن غضبه من الصهاينة وحليفهم الأمريكي، وعن تضامنه مع إخوانه المظلومين، كغيره من الشعوب، ولا المواد العينية التي جمعها الهلال الأحمر وبعض الجمعيات وجدت طريقها لمن جُمعت لهم، ولا كان للجزائر دور دبلوماسي مؤثر واضح في حشد القوى الدولية لصالح أشقائنا المظلومين المقهورين، ولا حتى نقْل المرضى والجرحى إلى المستشفيات الجزائرية  قائم كما تفعل بعض الدول أخرى. ورغم ذلك ثمة في الأحزاب والشخصيات والإعلاميين والنواب من يكرر و يبالغ في التثمين والمدح والشكر للسلطة المتحكمة، ومن تجرأ من هؤلاء فقال بعد التثمين المكرر “ولكن” اعتُبر مقصرا ومتجاوزا لحدوده.

كما أن القول بأن مصر رفضت مرور المساعدات والمساهمات الجزائرية، قول لا يستر التقصير، فالمساعدات التي تعطلت مساعدات شعبية، والجسر الجوي إنما تضمنُه الدولة، وهل يعقل أن ترفض مصر الحمولات الإغاثية  الجزائرية  الرسمية، وأين هو إذن وزن دولتنا إن كان المنع المصري حقا؟ وأين هو جزاء الخدمة العظيمة التي قدمتها الجزائر بإرجاعها مصر إلى الاتحاد الافريقي بعد تعليق عضويتها على إثر الانقلاب العسكري الذي قام به ” الجنرال السيسي” على الرئيس الشرعي “الشهيد مرسي” ؟  مع أننا لم نسمع في حقيقة الأمر تصريحا رسميا بخصوص الرفض المصري للمساعدات الجزائرية لأهلنا في غزة.

ولا شك أن ما قامت به نقابتا القضاة والمحامين تحت عنوان “العدالة للشعب الفلسطيني” عمل مهم، في انتظار تجسيد مخرجاته، ولكن هذا جهد المقل، إذ مثل هذه الندوات نُظمت في العديد من الدول، ومنها الدول الغربية المتحالفة مع الكيان الصهيوني، إذ هي مبادرات تقوم بها  تحالفات منظمات حقوقية وقانونية كجهات مخولة في أي مكان في العالم وفق القانون الدولي بتقديم الشكوى لمحكمة الجنايات الدولية بخصوص جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا تتحمل الدولة  التي تتشكل فيها أي تكلفة سياسية أو تبعات قانونية بخصوصها.

ومن أتعس ما سمعنا من أنواع البروباغندا التي بلغت الآفاق، والتي لا أدري من وراءها لإظهار “البطولة” الجزائرية بطرق ساذجة تجعل الأمم تضحك عنا ما يدور من أخبار مزيفة مخجلة في الوسائط الاجتماعية بأن طيارا جزائريا استطاع أن يخادع الجيش الإسرائيلي وينزل بطائرته المحملة بالبضائع في غزة – التي لا يوجد فيها أصلا مطار – وأن بوارجنا اعترضت في عرض البحر سفينة ألمانية محملة بالسلاح متجهة للكيان الصهيوني. لقد كان من المفروض أن يقبض على مروجي هذه الأكاذيب، والغريب في الأمر أن ثمة من المثقفين وأصحاب المكانة من حدثني يستفسر عن هذه الحوادث “العظيمة” التي لم تتحدث عنها وكالات الأنباء ولا سمعنا بها في القنوات الشائعة، والتي لا يقبلها العقل تماما.

وكم كان رد أحد المفكرين الفلسطينيين الكبار  ـ كنت في تواصل معه مؤخرا ـ مفحما لشخص من النخب الجزائرية الموالية للسلطة الجزائرية حين تحدث هذا الأخير بكثير من العُجب في مناسبة من المناسبات، عن “الدور المتقدم للدولة الجزائرية في دعم القضية الفلسطينية”، إذ قال له القائد الفلسطيني: قل لي بربك ماذا قدمت الجزائر لأهل غزة وللمقاومة؟ نحن لا نرى شيئا عمليا مميزا، يمكننا أن نشكر الجزائر على عدم انسياقها للتطبيع أما عن دعمها للفلسطينيين أثناء طوفان الأقصى فلا شيء مميز بالنظر لِما يتعرض له أشقاؤهم من ظلم عظيم وما تقوم به المقاومة من دور تاريخي لتحرير فلسطين  والأمة كلها. وبالفعل كلام مثل الذي تحدث به ذلك المتحمس الجزائري الواهم لا ينفع في مثل هذه الظروف، فهو إما سذاجة أو خداع.

ومن الخداع الذي ينشر كذلك: “أنتم لا تعرفون، هناك أشياء تقوم بها الجزائر  لا تعرفونها” وهذا لعمري جريمة لا تغتفر، كيف يحاول بعض من ليسو لا في العير ولا في النفير تغليط الناس لتخفيف الضغط على النظام السياسي، فقط ليدعموا توجههم المهادن للنظام السياسي، ألا يخشى هؤلاء الله تعالى.

نحن في اتصال مباشر بالعديد من المسؤولين الفلسطينيين، من داخل غزة نفسها، وهم ينادون بأعلى صوت : “أين الجزائر؟” وقبل يوم فقط كنت في اتصال مع أحد كبار المسؤولين من داخل غزة يتوسل أن تستقبل الجزائر بعض الجرحى والمرضى، وإلى حد الآن لا استجابة.

إن المعايير التي يُقيّم بها أداء الجزائر ليست المعايير التي تُحاسَب بها الدول العربية العميلة المطبّعة، ولكن معايير تقييم أداء بلدنا بخصوص دعم القضية الفلسطينية تتعلق بدولة قامت على أساس ثورة تحريرية كبرى وتضحيات جسيمة على نحو ما هي عليه القضية الفلسطينية اليوم.

إن الأمر الذي يحتاج إلى تثمين حقا بخصوص الجزائر هو عدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولكن لقصة عدم التطبيع مسار طويل قد شرحته من قبل في بعض المداخلات وسأعود إليه في الجزء الثاني من هذا المقال بشيء من التركيز بحول الله.

 د. عبد الرزاق مقري

لقد منعت من السفر خارج الوطن

كنت قبل يومين أهم بالسفر خارج الوطن فإذا بي أخبر في موقع شرطة الحدود أنني ممنوع من الخروج، وعند مناقشتي الضابط الذي كلف بإخباري وجدته لا يعرف شيئا عن الموضوع سوى أنني ممنوع وأنه لا يعرف غير هذا.

لقد تأكد لدي بأن سبب منعي من مغادرة التراب الوطني له علاقة بالقضية الفلسطينية، وبغض النظر عن السبب وعن قضيتي الشخصية فإن هذا الإجراء الأمني المخالف للدستور والقوانين ولمبادئ الحقوق الأساسية للمواطن يدل على استخفاف السلطات بظروف ومصائر الناس، دون أي اكتراث بما قد يلحق المسافر من الأذى في مصالحه المادية والمعنوية والنفسية وربما الصحية والتعليمية وغير ذلك، وكذا مصالح من لهم علاقة به وبسفره.

وهو إجراء يدل كذلك على جرأة كبيرة في الدوس على الدستور والقوانين والأخلاق بمجرد الوهم من غير سؤال ولا حوار مع المعني وبدون أي احترام له كإنسان وكمواطن حر.

1 – أقوم بنشر الخبر بنفسي للرأي العام وملابساته وآثاره بعدما لم أفلح في حل المشكل عن طريق الاتصال بالجهات المعنية للأسف الشديد ولم أستطع استئناف سفري للوجهة التي كنت أريدها والقيام بأعمالي وفق برنامجي وتحقق الضرر الذي لحق بي.

علما بأن الخبر قد تم تداوله في عدة دوائر منذ وقوعه، وأؤكد بالمناسبة لمن يهمه الأمر بأنني لست متابعا قضائيا، وأثناء الليلة التي وقعت فيها مجزرة المستشفى الأهلي في غزة والتي خرجت على إثرها للشارع بشكل تلقائي دون تنسيق مع أحد ودعوت عبر هاتفي الناس للخروج لإظهار غضبنا كجزائريين ضد الصهاينة مثل غيرها من الشعوب في العالم أخبِرت رسميا بأنه لا توجد أي متابعة قانونية.

2 – يشرفني كثيرا أن أتعرض لهذا الاعتداء الرسمي بسبب مناصرتي للقضية الفلسطينية، وسعادتي لا توصف أنني أتحمل ضمن الملحمة التاريخية العالمية التي دشنها طوفان الأقصى هذا الجزء اليسير من الأذى الذي لا وزن له مقارنة بما يكابده أهلنا في غزة.

إن مواقفي في معارضة النظام السياسي التي تجعلهم ينتقمون مني بسببها كثيرة منذ سنوات، في مجال السياسة والحريات والاقتصاد ومكافحة الفساد، ولكن الحمد لله أن القضية التي اعتدي علي بسببها هي قضية مقدسة لا يختلف عليها الجزائريون.

3 – إن عملي للقضية الفلسطينية ليس جديدا ولا يوجد أي سبب للتحسس منه بخصوصي من قبل السلطات، فقد كنت الأمين العام لفرع مؤسسة القدس العالمية تحت رئاسة الشيخ شيبان والأستاذ عبد الحميد مهري رحمهما الله، وكنت رئيس الوفد الجزائري لأسطول الحرية وبعد خروجنا من السجن الإسرائيلي في فلسطين المحتلة بعد هجوم الجيش الصهيوني على سفينة مرمرة نقلتنا طائرة خاصة رسمية جزائرية من الأردن إلى الجزائر، وكنت رئيس الوفد الجزائري في قافلة شريان الحياة 5 الذي ضم أكثر من مائة فرد جزائري والعديد من القوافل بعد ذلك وكنت بخصوصها في اتصال دائم مع سفارتنا في مصر، وشاركت في مسيرة العودة التأسيسية الأولى في الأردن نحو الحدود الفلسطينية المحتلة، ونظمت وشاركت في مسيرات ومهرجانات لا تحصى لنصرة فلسطين في الجزائر وخارجها، وعلاقتي مع الفلسطينيين مكشوفة واضحة لا تخفى على أحد وأنا عضو في حركة جزائرية اسمها الأول “حماس” نشأت كجزء من مسيرة الأمة لتحرير فلسطين، ومن بلد اسمه الجزائر شعاره الخالد “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وأنا إذ أتعرض للأذى بسبب انخراطي في تحولات طوفان الأقصى فإن ذلك شرف لي أكثر من أي مساهمة سابقة بالنظر للتحولات التاريخية التي أنشأها هذا الطوفان المبارك، الذي كنت أستشرفه دون أي معلومات سابقة عنه، وتحدثت عن ضرورة تصعيد المقاومة لإنقاذ القضية الفلسطينية من الضياع أياما قليلة قبل وقوعه، ووقع كما كنت أتوقعه وثمة شهود على ذلك، فكيف لا أحتفي به وكان جزء من فكري ومشاعري كان متعلقا به قبل حدوثه.4 – كنت أثناء منعي من مغادرة التراب الوطني متجها إلى الدوحة وماليزيا، وكان برنامجي في الدوحة هو زيارة مجاملة وتهنئة للقائد هنية والقيادة الفلسطينية في اليوم الموالي، وبعدها القيام باتصالات لإبرام اتفاقات شراكة لعقد المؤتمر الدولي السابع لمنتدى كوالالمبور الذي سيعالج الانهيار القيمي والأخلاقي في العالم، وسيركز على انهيار القيم الأخلاقية للدول الغربية تجاه المحرقة الجارية في غزة، بمشاركة شخصيات من مختلف أنحاء العالم من المسلمين وغير المسلمين، ومن ذلك الالتقاء وفق مواعيد مضبوطة مع عدد من العلماء على رأسهم الشيخ الددو والشيخ الصلابي.

وأما في ماليزيا فكنت سألتقي مع الدكتور مهاتير رئيس منتدى كوالالمبور لمناقشة المؤتمر وقضايا المنتدى بصفتي الأمين العام، بالإضافة إلى لقاءات أخرى مهمة مع العديد من الشخصيات حول قضايا المسلمين والقضية الفلسطينية، علاوة على ندوة كنت سأقدمها عن كتابي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”.

وقد اتصل بي من كان لي معهم مواعيد للسؤال عن تأخري فلم أخبرهم بعد، وبالرغم من أن سبب منعي مخجل سأضطر لمراسلتهم بعدم قدرتي على السفر.

5 – هذا التضييق يدل على أنني أصبحت مستهدفا بشكل مباشر من النظام السياسي وقد أقدم على هذا التجاوز الظالم ضمن سياسة التحكم في الجميع المتبعة من قبل، وبغرض العزل السياسي المتعلق بالتحولات الجديدة، وبالاعتماد على حالة الركود السياسي والحقوقي العام في البلاد، وبالنظر أنه لا توجد قوة خارجية تسندني على غرار ما تفعله فرنسا وأمريكا والدول الأوربية حين يتم التضييق على أصدقائهم وحلفائهم أو عملائهم من النشطاء السياسيين الجزائريين، بل إن سبب التضييق عليّ المتعلق بالقضية الفلسطينية سيجعل هؤلاء الغربيبن يسعدون بذلك، وقد سبق لهم التحريش ضدي عبر أحد وكلائهم كما قد أبينه لاحقا، ولكن ثقتي في الله كبيرة وتوكلي عليه عظيم، وسأبقى أكافح من أجل ما أؤمن به بأنه حق ولو كنت وحدي ولا يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا والأيام دوّارة، والله سبحانه أقوى من الظالمين جميعا، وحسبنا مولانا عز وجل وهو نعم الوكيل.

وصدق الله تعالى إذ يقول: ” إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور”.

6 – إن هذا المستوى من تكميم الأفواه ومنع الحريات لم أر مثله من قبل، رغم طول سنوات النضال في العمل السياسي، فقد خرجنا في مسيرات في الشوارع منذ بداية التعددية دون ترخيص في وقت الإرهاب وفي ظروف أمنية أخطر بكثير من أي وقت، ووقع التدافع بيننا وبين رجال الأمن في الشارع، دون أي حقد ولا ضغينة، فلم يُحاسب أحد ولم يتابع أحد ولم يُمنع أحد من السفر .

لقد خرجنا للشوارع دون ترخيص في زمن زروال وبوتفليقة، ضد التزوير، ومن أجل العراق، وتضامنا مع غزة والمقاومة، وضد العهدة الرابعة، وضد الغاز الصخري وضد الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتم التصرف مع أي كان بالشكل المعمول به حاليا في هذه الفترة.

7 – لم أتوقف أنا شخصيا عن نقد بوتفليقة بأقوى العبارات، واتهمت نظامه بالفساد والفشل وتخريب البلد، وحين أغضبته مُنعت شخصيا من التلفزيون الرسمي ولم أمنع من القنوات الخاصة ولم أمنع من السفر، بل قمت بنقد القايد صالح ذاته رحمه الله، ومن قبل قمت بنقد المخابرات والجنرال توفيق، وكل تصريحاتي موثقة إلى الآن في الوسائط الاجتماعية ولم يقم أي واحد من هؤلاء الرجال الأقوياء بمنعي من السفر، ورغم انزعاجهم من توجهي السياسي كانوا جميعا يدركون بأنه ليست لي أي حسابات شخصية وأتحرك بقناعتي من تلقاء نفسي وأنهم ليسوا وطنيين أكثر مني.

8 – يجب أن نقول بكل وضوح بأن هذه المرحلة هي أكثر المراحل تضييقا للحريات، سياسيا وإعلاميا واقتصاديا ومجتمعيا، وأن هذا التضييق الذي تجاوز الحدود لا يدل على قوة السلطة الحاكمة ولكن على ضعفها، وأن البلد سيضعف معهم بتصرفاتهم هذه، وأن قمع الحريات مهما اشتدت ومهما كان ضحاياه لن يدوم، وإنما يُسجّل بأسوء الذكريات باسم أصحابه عند الله وفي التاريخ، المستبدين منهم والمناضلين والساكتين.

ملاحظة في الأخير: قال لي بعض الأصدقاء لو تمتنع عن الحديث في وسائل الإعلام أفضل.

فقلت لهم لا يوجد شيء أفضل مع النظام السياسي الجزائري، تتحدث مشكلة وتسكت مشكلة، إذا الأفضل أن أتحدث حتى يسمع الناس مني ولا يسمعون عني ولعل ذلك يساهم في وعي الناس.

وأنا مطلع على تجارب من قبلي سكتوا فقتلهم النظام السياسي سياسيا في صمت، من هؤلاء عبد الحميد مهري، منذ أن انقلبوا عليه وهو ساكت فلم ينفع صمته ومات بغيضه، وأصبح حزبه متحكما فيه من خارج مؤسساته، وبعده الشيخ محفوظ دمروا حياته السياسية منذ أن أصر على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1999، طعنوه في تاريخه وحاصروه ثم أضعفوه في الانتخابات التشريعية عام 2002، فمات بغيضه في صمت، فلم يتكلم عن أوجاعه وغضبه من النظام السياسي إلا معنا في محيطه الضيق، وكانت النتيجة أنه أصيب بالعديد من الأمراض ومات وعمره 61 عاما (أقل من السن الذي أنا فيه)، وضعف حزبه بعده وانقسم إلى عدة أجزاء، وبقي النظام السياسي، في المقابل، يكرر تجارب الفشل والفساد ويُغرق البلد في التخلف إلى أن وصل إلى الحضيض الذي ثار عليه الحراك الشعبي، وذهب سكوتهم وتضحياتهم سدا من هذه الزاوية.

وهذا النهج السياسي الذي أسلكه – ليس من اليوم فقط – بكل إيمان ومسؤولية، هو الذي نفع الحركة التي كنت على رأسها، ونفع الفعل السياسي في الجزائر.

وحتى وإن لم يكن في الوقوف مع المبدأ أي كسب مرحلي وكانت فيه تضحيات فذلك هو الصواب وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

عبد الرزاق مقري.

 

طوفان الأقصى إلى الآن: تقدير موقف (⅔)

ثانيا – تقدير الموقف إلى الآن

حينما أعلن القائد الأعلى لكتائب عز الدين القسام عن بدء عملية طوفان الأقصى يوم 07 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وجّه نداءه إلى الأمة كلها، وركز على الفلسطينيين جميعهم، في غزة والضفة الغربية والقدس وفي الأرض المحتلة سنة 48، وقصد بلدان الطوق بمصر والأردن ولبنان وسوريا، ثم المسلمين جميعا في كل بلدانهم من طنجة إلى جاكرتا.

لا أظن أن الضيف كان يعتقد بأن غزوة أكتوبر ستكون هي الحاسمة وحدها فورا في تحرير فلسطين والمسجد الأقصى، لا أظن إلا أنه أدرك بأن القضية الفلسطينية تراوح مكانها، وأن الأمة الإسلامية لا تأخذ وجهتها نحو مجدها وسؤددها واستنهاضها الحضاري، وأن الأمر يتطلب نفيرا عاما في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين وتحرير الأمة كلها، تحرير العقول والنفوس والإرادات، لينظر كل عربي ومسلم، وكل جمعية وجماعة ومنظمة وحزب ومؤسسة، وكل حكومة وكل دولة إلى الأمور على حقيقتها، بعيدا عن الأهواء والأوهام، بميزان المبادئ والمصالح الشرعية.

لا شك أن تجاوب الأمة لم يكن كما أراده قادة المقاومة، فلا الفلسطينيون في الضفة الغربية تحركوا في مجملهم لمواجهة الاحتلال وتغيير المعادلة الفلسطينية المتحكم فيها من قبل عباس وسلطته وتنسيقه الأمني، ولا تحركوا بما كان منشودا في القدس والخط الأخضر.

كما أن التحركات الشعبية في الأردن لم تتوصل إلى إجبار السلطات لإنهاء اتفاقيات وادي عربة أو الاقتراب من الحدود، ولا حدث شيء في مصر، من داخل النظام أو على المستوى الشعبي، يحرج الحكام لينهوا التطبيع الرسمي أو على الأقل يهددون بذلك، أو على أقل الواجب يفتحون معبر رفح ويتحملون مسؤولية نجدة المدنيين وإدخال المساعدات، وبقيت الساحة المصرية للأسف الشديد، من أهدأ الساحات في العالم العربي والإسلامي تجاه ما يحدث في فلسطين.

وللإنصاف يمكن أن نعتبر الدور القطري هو أهم الأدوار من الناحية الرسمية من خلال تحمل مسؤولية التغطية الإعلامية المستمرة التي تقوم بها قناة الجزيرة والتي تفضح أمام العالم كله الحقيقة الإجرامية للصهاينة وتنقل بالصور وتحليلات المختصين منجزات المقاومة، خصوصا ما يؤديه الضابط المتقاعد الشهم فايز الدويري.

وخلافا لما يقوله أصحاب الحسابات السياسية والطائفية، ما فعلته الصور التي تبثها الجزيرة – رغم ما تنشئه من ألم لا يُتحمل – ساهمت أكثر من غيرها في قلب الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وضد الاحتلال الصهيوني، وذلك مكسب استراتيجي كبير سيُحدث فرقا كبيرا في القضية لاحقا بحول الله، علاوة على ثقة المقاومة فيها في المفاوضات القائمة من أجل تبادل الأسرى.

كما لا يستهان في ما حققته الصور الفضيعة في كشف الوضاعة الأخلاقية السحيقة للمطبعين والمتخاذلين العرب، البادين والمتخفين.

أما عن “محور المقاومة” كما يسميه أصحابه فقد ظهر بأنه محور سياسي – أكثر من أي شيء آخر – لخدمة مشاريع سياسية لإيران وحزب الله، ورغم خيبة الأمل في موقف هؤلاء – بالنسبة لمن كانت توقعاتهم عالية في دخولهم المعركة – فإن ثمة وجه إيجابي في الأمر حيث بدا جليا بأن المقاومة الفلسطينية ذات قرار فلسطيني سيادي وأنها لا تتحرك إلا في إطار المصلحة الفلسطينية ورؤية التحرير.

ومؤسف أن نقول أن الأمة لا تزال بعيدة عن مفهوم وحدة المصير، وأن أجزاءها الأقرب لبعضها البعض في مقاومة الكيان الصهيوني لا تعرف مفهوم عبارة ” أكِلت يوم أكل الثور الأبيض”.

وقد بين تفرد المقاومة الفلسطينية في الانخراط الكامل في المواجهة المسلحة ضد الصهاينة في هذه الواقعة المصيرية أن من يقود المعارك التاريخية في الأمة ضد أعدائها – وليس في المعارك البينية بين المسلمين – هي طائفة مؤمنة تمثل الأغلبية السنية في الأمة، وأن القوى الشيعية التي اعتبر بعض قادتها الكبار – الذين يتوفرون على مكنة عسكرية لا يستهان بها – بأن الكيان الصهيوني هو أهون من بيت العنكبوت قد ضيعوا فرصة التموقع في الطليعة القيادية لإنهاء وجود هذا البيت الهش حسب تعبيرهم، ولن يكون لهم ذلك في المستقبل، إذ أصبح واضحا بأنه لم يصبح يُنظر إليهم لدى غالبية المسلمين إلا في مستوى القوة الثانوية المشاركة مع جسم الأمة الكبير في معركة إنهاء الاحتلال، وهم في كل الأحوال أفضل من الحكام العرب العملاء والمتخاذلين جميعهم، من حيث مساعدتهم الفعلية للمقاومة الفلسطينية طيلة السنوات بغض النظر عن مقاصدهم.

وفي كل الأحوال – وبكل صدق – يُشكر حزب الله على ما يقوم به من إشغال لجزء من القوة الإسرائيلية في جنوب لبنان، كما يُشكر الحوثيون البعيدون عن أرض المعركة على مبادراتهم ومحاولاتهم لإيذاء الاحتلال، دون الدخول في النقاش العقيم حول النوايا الذي يفضّله بعض المنشغلين بالكلام عن العمل في زمن احتدام المعركة.

وبالنسبة للأتراك فإن خيبة الأمل فيهم كبيرة كذلك، إذ لم يستجيبوا هم بدورهم لهذه الفرصة التاريخية العظيمة لإنهاء التطبيع والانخراط في حركة التاريخ المؤدية حتما إلى إنهاء الكيان، خلافا لما يريدونه ولما يُصرّون عليه بشأن حل الدولتين رغم الوضوح البيّن القطعي بأن قادة الاحتلال المتحكمين في المؤسسات الرسمية والمجتمعية الصهيونية لا يؤمنون بذلك ويعملون بشكل منهجي على الإبادة الجماعية وتهجير الفلسطينيين وبناء المستوطنات ليأخذوا فلسطين كلها، بدعم أمريكي أوربي وتواطئ خفي من بعض العرب، بما جعل المعادلة صفرية ستنتهي إما بدولة إسرائيلية واحدة أو دولة فلسطينية واحدة، وأن الشعب الذي سيبقى على الأرض الفلسطينية هو الشعب المتمسك بها الذي ليست له إلا جنسية واحدة هي الجنسبة الفلسطينية.

لقد كنت حاضرا في صبيحة اليوم السابع من أكتوبر في مؤتمر العدالة والتنمية كضيف حينما بدأت تصل أخبار الأحداث الجارية في فلسطين، وسمعت بنفسي الموقف الباهت للسيد أردوغان، ولم يتغير خطابه إلا بعد استفحال قتل النساء والأطفال في غزة وتحرك المعارضة وبعض حلفائه.

ولا شك أن تصريحاته الحالية أقوى بكثير من تصريحات كل الحكام العرب، وأجرأ وأشجع، تنم عن عِزّة شامخة وسيادة في القرار، ولكنها إلى الآن لم تتجاوز مستوى الخطاب، وكل ما تصرح به القيادة التركية بخصوص الشحنات الكبيرة للمساعدات لا ترفع تركيا إلى مستوى ما توقعته الأمة من قادتها إذ دول كثيرة تستعد لإرسال طائرات وبواخر.

ولو أرادت الحكومة التركية أن تستدرك فعلا في هذه الأيام فلترسل، أو تسمح بأسطول حرية آخر تحميه ببوارجها العسكرية لإغاثة أهل غزة والمساهمة في كسر الحصار ، أو على الأقل تسمح للبواخر بالانطلاق من موانئها، وفي العالم ناشطون غير مسلمين كثر لهم الاستعداد للتضحية بحياتهم من أجل الحرية والإنسانية، وفي العالم الإسلامي أعداد لا حصر لها من مشاريع الشهادة الذين يتوقون أن يموتوا في سبيل الله فداء لفلسطين.

ولو حدث ذلك بأعداد كبيرة من السفن والناس ثم قام جيش الاحتلال باقتراف جريمة أخرى في حقهم لزاد ذلك في تسارع انهيار هذا الكيان المجرم.

كما أن تحركات الشعوب في البلاد العربية والإسلامية الأخرى ليست بالمستوى الذي يتناسب مع أهمية وعمق وأبعاد معركة طوفان الأقصى إلى الآن، رغم اتساعها وانتشارها في العديد من الدول.

وقد تأكد، خصوصا في العالم العربي، بأن الأنظمة قد توصلت إلى تحجيم أثر القوى الحية، ومنها التيار الإسلامي.

ومن ذلك ما نراه في دول مطبّعة كان المفروض أن تكنس فيها الشعوب سفارات العدو، أو الدول غير المطبعة التي بقي الحراك فيها محدودا، كما هو الحال في الجزائر، وفق ما أراه بنفسي، إذ أغلِقت الساحات أمام المحتجين على جرائم الكيان الصهيوني، ولم يجرأ حتى النواب المحصّنون قانونا أن يقفوا وقفة احتجاج أمام السفارة الأمريكية، وبقي الطلبة في سكون مطبق في جامعاتهم، خلافا لما كنا نقوم به خلال سنوات طويلة من قبل.

إن كل هذا الوضع المزري الذي أصفه دون مواربة لا يشير إلى فشل أهداف طوفان الأقصى، بل على العكس من ذلك يؤكد الانتصار المتعاظم، إذ لو لا الطوفان لاستمر هذا المسار الموصوف الخطر على الأمة في الاتساع.

ربما لم يحقق الطوفان على الفور ما أراده “الضيف”، وذلك مراد الله، ولكن ستُحدث موجاته المتلاحقة أثرا عظيما مع الوقت بصور أخرى غير التي تمناها أبطال المقاومة، ولن يكون العالم بعد الطوفان كما كان قبله، وسنساهم في تبيين ذلك في المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة بحول الله.

إن الآثار الإيجابية العميقة التراكمية المؤكدة لمثل هذه المعارك البطولية تشهد بها مثيلاتها في ثورات الشعوب، فهي ليست عملا جنونيا غير محسوب، بل إنها عمل ثوري عاقل ومدروس، ولنا على رشده شواهد من تاريخ ثورات الشعوب ضد الاحتلال، وسعي الأمم لقومتها، وحركة التاريخ لتحرير الإنسان، ويمكن أن نضرب في ذلك مثالين، مثال من الثورة التحريرية الجزائرية ومثال من الثورة الفيتنامية.

لقد دفعت نفس الظروف التي شكلت إرادة الطوفان الفلسطيني في 07 أكتوبر 2023 قادة الثورة التحريرية الجزائرية، على رأسهم الشهيد زيغود يوسف رحمه الله، إلى القيام بعملية مشابهة في 20 أوت 1955 بعد ما لاحظوا تركيز ضربات جيش الاحتلال الفرنسي على مركز قوة الثورة في منطقة جبال الأوراس، وقلة التجاوب الشعبي في عموم الجزائر مع الاندفاعة الثورية الأولى بعد عام من اندلاعها في الأول من نوفمبر عام 1954 ، فقرروا توسيع العمليات في مناطق واسعة في قرابة مائة منطقة بين مدينة وقرية في الشمال القسطنطيني بالشرق الجزائري، استهدفوا من خلالها المنشآت والمراكز العسكرية ومزارع المعمرين وتمكنوا من السيطرة المطلقة المؤقة على العديد من المدن والقرى، وكان رد فعل سلطات الاستعمار شن حملة قتل وتوقيف وحشية لا مثيل لها أحرقت فيها قرى بكاملها برجالها ونسائها وأطفالها ودوابها، ودكتها بالمدافع جوا وبرا لعدة أيام وذهب ضحية تلك الحملة الانتقامية قرابة 12000 جزائري أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، تماما مثلما يقع اليوم في غزة، بل ثمة أعداد كبيرة من الجزائريين دفنوا أحياء بالجرافات في قبور جماعية، ومن أراد التوسع في الاطلاع أكثر فليكتب على محركات البحث عبارة “هجمات الشمال القسنطيني”.

ولكن رغم هذه التضحيات فإن النتيجة لصالح الثورة كانت عظيمة رغم الحرج الشديد والذهول الذي أصاب عموم الجزائريين في بداية الأمر إذ أدت جرأة المجاهدين التي كسرت جدار الخوف، وجرائم الاحتلال التي رسمت القطيعة التامة مع الاحتلال، إلى انخراط كامل للشعب الجزائري في كل البلاد في صف الثورة النوفمبرية المباركة، وعلى إثر ذلك تأكدت مرجعية جبهة التحرير في قيادتها الثورية وتراجع نهج المفاوضات مع الاستعمار من أجل الحقوق، وانهارت اطروحة ” الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمّرون، ودُولت القضية الجزائرية وأصبح لها أنصار في كامل المعمورة وفي داخل فرنسا ذاتها، ومنذ ذلك اليوم تسارع العد التنازلي للاحتلال الفرنسي إلى أن اندحر ستة أعوام بعد “هجومات الشمال القسنطيني” فعُدّت هذه الهجومات عند المجاهدين الجزائريين وكثير من المؤرخين الانطلاقة الثانية للثورة التحريرية، ولذلك سمي هذا اليوم بعد الاستقلال رسميا ب”يوم المجاهد” وبقينا نحتفل به إلى اليوم.

وهكذا سيكون يوم 07 أكتوبر اسمه “يوم المقاومة” في فلسطين المستقلة بحول الله.

وفي الفيتنام شن الثوار الشماليون “الفييت كونغ” في يناير 1968 هجومات بقيادة الجنرال جياب شبيهة إلى حد بعيد بهجومات طوفان الأقصى، وتُعرف تلك الهجمات باسم “هجومات تيت”، لأنها وقعت في أيام الاحتفالات برأس السنة القمرية الفيتنامية المسماة “تيت” وكان هدفها كما بينه الثوار الفيتناميون هو كسر الجمود الذي أصاب الكفاح ضد الاحتلال الأمريكي قبلها.

كان الفيتناميون الجنوبيون وحلفاؤهم الأمريكانيون منغمسين في حفلاتهم معتقدين بأنهم في هدنة ضمنية بسبب الاحتفالات لا يقع فيها القتال، فإذا بهم يفاجؤون بهجومات مسلحة كاسحة منسقة ضدهم استهدفت مائة موقع شمل المراكز والقواعد العسكرية والبعثات الدبلوماسية الأمريكية، مثلما كان الهجوم الفلسطيني بمناسبة احتفال كبير كان يقام في غلاف غزة يسمر فيه العسكريون والمعمرون.

ومثلما قام الفلسطينيون بالتمويه وإشغال الإسرائيليين بضربات صاروخية بعيدة عن المواقع المستهدفة، قام الفييت كونغ قبل الهجومات البرية بشن قصف مدفعي ضخم على منطقة خه سانة استقطب القوات الأمريكية مما ساعدهم على الانتشار في عدة مناطق واحتلالها مؤقتا.

وقد كان رد الفعل الأمريكي عنيفا جدا، خصوصا في مدينة “هوي”، اعتمد على التفوق الجوي والمدفعي وراح ضحيته 14300 مدني وجرح 24000 وأجبر 630000 على الفرار من ديارهم.

يؤكد المؤرخون بأن الجيش الأمريكي المحتل والجيش الجنوبي الفييتنامي التابع له ألحقوا ضررا كبيرا في الثوار الشماليين كاد يشل قدراتهم، ولكن تلك المعركة كانت هي بداية نهاية الوجود الأمريكي وانتصار الثورة الفيتنامية وتوحيدها للبلاد تحت راية الاستقلال.

كان الثوار الفيتناميون يتوقعون أن تقع، على إثر معارك “تيت” ثورة شعبية ضد الأمريكان وضد الحكومة الفيتنامية الجنوبية الموالية لهم، كما اعتقد المقاومون الفلسطينيون بأن طوفان الأقصى سيؤدي إلى ثورة الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني والحكومة الفلسطينية المتعاونة معها سياسيا وأمنيا، ولكن لا “هجومات تيت” نجحت في ذلك ولا الطوفان انفجر في الضفة الغربية.

ولكن الذي وقع بسبب تلك الهجومات هو الخسارة السياسية والإعلامية الكبرى للحكومة الأمريكية والتغيّر الجذري للرأي العام الأمريكي ضد التدخل في فييتنام، وقد تجند عدد كبير من الصحفيين الأمريكيين لأجل ذلك، كما كان من نتائج الهجومات انهيار معنويات الجنود الأمريكيين وانتشار المخدرات والتسكع وقلة الانضباط في صفوفهم، وكذلك توسع كراهية الفيتناميين في الجنوب ضد حكومتهم العميلة رغم عدم ثورتهم عليها، وانخراطهم الكلي في الشمال مع الثوار، وقد كانت من نتائج تلك الأحداث التخلي المفاجئ للرئيس جونسن عن الترشح لدورة موالية في عام 1968 ودخول الشك وسط المسؤولين الأمريكيين في عدالة وجود جيشهم في فييتنام وفي إمكانية بقائه هناك إلى أن حسم الأمر نهائيا بعد سبع سنوات من معركة “تيت” التاريخية باستقلال فيتنام.

يمكننا أن نقول بذكر مثالي “هجمات الشمال القسنطيني” عام 1955 في الجزائر، و”هجمات تيت” عام 1968 في فيتنام بأن التاريخ يعيد نفسه في طوفان الأقصى هذا العام 2023، وأن النتائج الإيجابية ستُكرر نفسًها بحول الله، رغم وجود العديد من الفروقات، من حيث الوضع الدولي والواقع المحلي الفلسطيني.

وهذا الذي سنتطرق إليه في المقال المقبل بإذنه سبحانه.

د. عبد الرزاق مقري

طوفان الأقصى إلى الآن: تقدير موقف (1/3)

يتضمن هذا الموضوع ثلاثة أجزاء

أولا – هل كانت معركة طوفان الأقصى ضرورية؟

ثانيا – تقدير الموقف إلى الآن.

ثالثا – ماذا تحقق من أهداف وما هي السيناريوهات الممكنة؟

أولا – هل كانت معركة طوفان الأقصى ضرورية؟

هل كانت العملية البطولية “طوفان الأقصى” ضرورية وتتطلب كل التضحيات الجسيمة التي يقدمها الشعب الفلسطيني في غزة منذ وقوعها يوم 07 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؟

لو كنا نريد للجيل الذي يسكن الأرض الفلسطينية المباركة في هذا الزمن أن يعيش مهينا تحت سيطرة الاحتلال وأن يكون مبلغ علمه تحسين ظروفه المعيشية وأن يُورّث الذل والاستكانة لجيل بعده سنقول أن هذه هذه العملية خاطئة وقد جرّت على أهل غزة الويلات وهي تنقل الويل بالتدرج إلى الضفة الغربية.

ولكن إذا كان طوفان الأقصى هو عزمة شعب أبي أراد أن يضحي بكل شيء وأن بتحمل كل المآسي والآلام من أجل تحرير بلده فذلك هو الصواب وتلك الحكمة والشجاعة والعمل الصالح الذي يكتبه الله لهم في صحائفهم ويسجله التاريخ لصالحهم.

لا تذكر الشعوب المحتلة تضحياتها الجسام بعد قهرها المحتل وإخراجه من أرضها إلا بالعزة والمجد والفخار.

فهل ندم الفيتناميون على قتلاهم في حربهم ضد فرنسا، ثم ضد أمريكا الذين بلغ تعدادهم أكثر من ثلاثة ملايين في ثمان سنوات، وجرحاهم ومفقوديهم بأضعاف ذلك؟! وهل يندم الجزائريون على المليون والنصف من الشهداء في السنوات السبع في الثورة التحريرية النوفمبرية والملايين السبع من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمفقودين طيلة سنوات الاحتلال كلها!؟

ألم تتحول تضحيات الشعوب أثناء محاربة المحتلين إلى ذكريات مجيدة تدل على ثباتهم وعظمتهم وشموخهم. والله ما الفلسطينيون إلا من هذه الشعوب الأبية، بل هم أفضل من ذلك إذ ذكر النبي الكريم ثباتهم وخلّده في حديثه الشريف في مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”.

إن الذي يفهم المآل الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية من خلال الكيد الصهيوني والغربي والخيانة العربية سيدرك بأن هذه المعركة كان لا بد منها إذ لم يبق لفلسطين وللأمة الإسلامية شيء تخسره بميزان المبادئ والمصالح الحقيقية لعموم الناس، لا بميزان المكاسب الشخصية والمصالح الذاتية.

فصفقة القرن التي فشلت سياسيا صارت تقترب إلى التجسيد الفعلي على الأرض بالأمر الواقع. ومن ذلك أن كتائب المقاومة في غزة تحولت إلى جيش دفاعي لحماية غزة وحدها، فإذا توفر الجيش والسلطة والشعب والإقليم فقد باتت غزة دولة قائمة بذاتها لا ينوي الاحتلال إعادة احتلالها أبدا وما عليه إلا أن يضيف لها جزء من سيناء ليكون ذلك هو الوطن البديل للفلسطينيين، وفي انتظار توفر شروط ذلك يبقى قطاع غزة يعاني ويلات الحصار الظالم الدائم، وحتى وإن عملت المقاومة على ضرب الصواريخ انتصارا للقدس دون تقدم بري فإنها لن تغير المعادلة إلا قليلا.

وأما الضفة الغربية فإن اتساع المستوطنات وطرد الفلسطينيين من أراضيهم وقراهم قد قضى نهائيا على حلم الأنظمة العربية في التصالح الشامل مع دولة الاحتلال إذا قبلت حل الدولتين، ومع مرور الزمن وتعمق الهوان العربي سيُحيي الصهاينة مشروع الترحيل إلى الأردن لسكان الضفة من الفلسطينيين، ومن بقي منهم سيكون كثير منهم مندمجا في المشروع الصهيوني نفسيا وفكريا وربما ثقافيا لا يفكر في بلد اسمه فلسطين مطلقا، تماما كما وقع للسكان الأصليين في الأمريكيتين، وتؤكد صعوبةُ تجذر المقاومة في عموم الشعب الفلسيطيني في الضفة الغربية خطورةَ المآل إن لم يقع ما يغير ذلك.

وأما القدس فقد طمس معالمَها الإسلامية العربية مشاريعُ التهويد المستمرة، والمسجد الأقصى – عنوان معركة الطوفان – قد توصّل المحتلون إلى فرض التقسيم الزماني الذي كان يبدو مستحيلا في سنوات مضت، والسعي إلى مرحلة التقسيم المكاني جاريا وربما التوصل يوما إلى هدمه كلية لإقامة “الهيكل” المزعوم على أنقاضه ما لم يُحدث الله أمرا.

وأما الفلسطينيون في فلسطين التاريخية المحتلة سنة 1948 فهم يعيشون ضمن نظام التمييز العنصري الأكثر قسوة ووفق مخططات إفساد الأجيال الشابة فكريا وأخلاقيا وصحيا وثقافيا، وقد يأخذون هم كذلك نصيبهم يوما ما من الترحيل إلى الأردن أو غزة وسيناء ضمن مشروع صفقة القرن.

وفي العالم العربي كان التطبيع قبل طوفان الأقصى يتسع اطّرادا وتتسارع إليه الأنظمة الحاكمة الواحدة تلو الأخرى، في السر والعلن، بين خائن عميل، أو خائف ذليل، أومنصرف عن القضية الفلسطينية قد شغله الكرسي والعرش يخاف على مصيره من شعبه، وجميعهم في صراع بيني نكد يدّخرون لبعضهم البعض ميزانيات جبارة لشراء سلاح لم يشأ أبدا أن يتجه الوجهة الصحيحة ضد الكيان الصهيوني.

إن هؤلاء الحكام المتخاذلين لا يدركون بأن غفلتهم ستعيد لليمين الإسرائيلي الحاكم رغبته في إحياء مشروع أسوء من مشروع صفقة القرن، وهو مشروع إسرائيل الكبرى فيذهب جزء كبير من بلدانهم ثم نكون جميعا- لا قدر الله – أغلبية عربية مهينة تقودها أقلية يهودية عاتية.

أما التيار الإسلامي المعول عليه لتحرير الأمة وتحقيق نهضتها فقد بات معطلا لا يقدر على التغيير، إما مهشما بالاستئصال أو مجمدا سياسيا بالإدماج في منظومات الحكم الفاسدة، أو عاجزا لا يقدر على شيء ذي تأثير فعلي في الموازين في بلدانه.

حقيقة لم يكن ثمة شيئ يخسره الفلسطينيون، أو تخسره الأمة في هذه الحلقة المفرغة التي توحّلت فيها، فكان طوفان الأقصى هو محرك المياه الراكدة المتعفنة، المحرر من الركود القاتل، الفاتح لعهد جديد، أي شيء مستجد فيه أفضل مما نحن عليه، بميزان مصير المشروع لا مصائرنا الشخصية، ولعل الطوفان يدفع بإذن الله إلى بداية نهضة الإسلام والمسلمين، وستبقى القضية الفلسطينية هي بوصلة الأمة نكون بخير ما كانت بخير، ونضل ونشقى ما شقت وضلت الطريق.

فلو ركزنا على القضية الفلسطينية فقط، لأدركنا بأن من خطط ونفذ لمعركة طوفان الأقصى كان يدرك أن القضية الفلسطينية في مأزق، في غزة والضفة والقدس وفي الداخل الفلسطيني، وأن هذه القضية المقدسة آيلة لما هو أسوء بتخطيط أمريكي صهيوني ودعم عربي كما بيناه أعلاه، وبتعطيل مهيكل لأي وثبة فلسطينية وطنية أوقومية أوإسلامية من قبل السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني مع الصهاينة.

وقد نجحت هذه الحسابات المباركة إلى نقلنا جميعا إلى وضع جديد نكون فيه أكثر حرية وطموح وإنجاز لصالح بلداننا ولصالح أمتنا، وإنها لخطوة ثابتة في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين وستثبت الأيام القادمة ذلك بإذن الله.

يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

نوفمبر وطوفان الأقصى: انطباعات وتحليلات

إنه من المفيد أن تُكثف الكتابة والإنتاج السمعي البصري في تاريخ الثورة النوفمبرية بأشكال متجددة جذابة، وذلك لسببين على الأقل، بسبب صعود أجيال جديدة مقطوعة عن السردية الشفوية للثورة التحريرية خلافا لجيل الاستقلال الذي نشأ أفراده على قصص الجهاد والاستشهاد التي استمعوا إليها مباشرة من جيل المجاهدين مباشرة، وبسبب تصاعد ثورة التحرير في فلسطين بعد معركة طوفان الأقصى لكي تستفيد المقاومة الفلسطينية من تجربتنا الثورية الخالدة.

لقد نشأ جيلنا فعلا في سنوات الاستقلال الأولى على التعلق العقلي والعاطفي الشديد بثورة نوفمبر المجيدة، لا من خلال قراءة التاريخ من الكتب ولكن بالاستماع لأحداث كانت قريبة الوقوع من صانعيها مباشرة. أذكر جيدا أيام الطفولة الجميلة التي عشناها في وسط العائلات الثورية في حي “العرقوب” العتيق بالمسيلة، وهو من معاقل الفداء والمنظمة الثورية المدنية في المنطقة، ومسقط رأس رئيس مجموعة الستة ومنسق الثورة عند اندلاعها سي محمد بوضياف، تلك الجلسات التي كنا نسمع فيها قصص بطولات المجاهدين وأخبار الظلم ومداهمات البيوت التي كان يقوم بها عسكر الاحتلال، والتعذيب البربري في مقر “لاصاص” الذي أقاموه في مفترق طرق شارعين أساسيين من الحي.

وقد أدينا في الحركة الإسلامية دورا مهما بعد ذلك في نهاية السبعينات وسنوات الثمانينات في نقل قيم الثورة للأجيال التي لحقتنا أثناء شبابنا من خلال جعل قيم نوفمبر وبيانه ركيزة أساسية في بنائنا الفكري، في خطابنا ومختلف أنشطتنا، وأذكر في هذا الإطار معرض الكتاب الإسلامي السنوي نسخة عام 1987 في جامعة سطيف الذي خصصناه لتاريخ المقاومة الجزائرية من الاحتلال إلى الاستقلال، مع التركيز على تشكل الحركة الوطنية والثورة التحريرية، وقد كان لذلك المعرض ومحاضراته التي شارك فيها مجاهدون ومثقفون إقبالا كبيرا بسبب جرأته في عرض جوانب تاريخية عن الثوار والثورة كانت مغيبة في المناهج المدرسية في عهد الحزب الواحد.

كان وعي الشباب يتشكل بعد الاستقلال على نهج قويم بخصوص القضية الفلسطينية حيث كان الموقف الرسمي متقدما جدا في مناصرة الفلسطينيين، ليس بالشعارات والتحركات السياسية فقط، بل بالدعم العسكري المباشر والمواقف الدبلوماسية القوية، وجميعنا يذكر الأصوات المنبعثة من الأثير في البرنامج الإذاعي في الإذاعة الجزائرية “صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية” والعبارة الشهيرة “حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين”، وأخبار نقل الأسلحة لحركة فتح في مراحل كفاحها الثوري، وعن مساهمة الجيش الجزائري في حرب 1967، والمشاركة والموقف البطولي لهواري بومدين بإمضاء شيك على بياض لشراء الأسلحة من الاتحاد السوفييتي، ثم إعلان الدولة الجزائرية في الجزائر في 15 نوفمبر عام 1988، وغير ذلك. فلم يكن أحد من الشباب يشكك أو يجادل في عدالة القضية وواجب مشاركة الجزائريين في تحرير كل فلسطين، بل كانت عبارة القادة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، “أن استقلال الجزائر غير مكتمل ما لم تستقل فلسطين”.

ولكن، للأسف الشديد، بدأت السموم تتسرب إلى بعض العقول، حين تراجع حضور الجزائر في الملف الفلسطيني أثناء فتنة التسعينيات، وخصوصا حين تحركت رياح التطبيع مع مجيء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، عبر ثلاث عمليات متتالية في عام واحد بين 1999 و 2000، من المصافحة المشؤومة في الرباط، إلى دعوة المغني الصهيوني انريكو ماسياس، إلى المهمة الدنيئة بإرسال وفد من الصحفيين الجزائريين لزيارة الكيان الصهيوني. وقد مثل ذلك التراجع البيّن، المخطط له، صدمة كبيرة لدى الأوفياء لقيم الثورة التحريرية والقضية الفلسطينية، من داخل النظام السياسي وفي المجتمع.

وقد كنا بحمد الله من هؤلاء، حيث سارعنا إلى تأسيس “التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع” للتصدي لذلك التوجه الرسمي، وقد انخرط في التنسيقية التي أسسناها مع عدد من الأحزاب والمنظمات، العديد من الشخصيات الوطنية والثورية، منهم الشيخ شيبان والأستاذ عبد العزيز بلخادم وغيرهما، وكنا نعقد اجتماعاتنا في مقر “الحركة الديمقراطية الجزائرية” التي أسسها الرئيس السابق أحمد بن بله، وكان منسق الحزب آنذاك الأستاذ خالد بن إسماعيل. استطاعت هذه التنسيقية التي امتدت لعدد من الولايات الكبرى أن تحقق أهدافها وقد ساعدها في ذلك انفجار انتفاضة الأقصى في آخر عام 2000 التي كسرت موجة التطبيع التي تسارعت قبلها.

لقد كانت تنسيقية مناهضة التطبيع بداية موجة كبيرة من الأعمال التي قمنا بها لصالح فلسطين، ومنها فتح فرع مؤسسة القدس بالجزائر الذي كنت بحمد الله أمينه العام وكان رئيس الفرع الشيخ شيبان ونائبه الأستاذ عبد الحميد مهري رحمهما الله، ونائب آخر السيد بوزغوب أحد الطيارين الذين شاركوا في الحرب ضد الكيان، وكان الأستاذ محمد دويبي المدير التنفيذي. وقد كان فرعنا الجزائري أنشط فروع مؤسسة القدس دوليا ومن إنجازاته مشروع “وقف القدس” الذي أشرف عليه الأستاذ جعفر شلي ولايزال هذا المَعلم شامخا إلى الآن يدر بمداخيل معتبرة لصالح فلسطين، بالإضافة إلى الحركية الشعبية الفئوية التي بعثها الفرع ومنها منظمة “شباب من أجل القدس”، و ما رسخه من بعد تنسيقي للعمل الجزائري الفلسطيني الذي كان من إنجازاته الكبرى المساهمة الجزائرية التاريخية في “اسطول الحرية” وما تبعها من حملات كسر الحصار ونقل أعداد هائلة من المتضامنين الجزائريين والجزائريات ضد الحصار إلى غزة، التي بذل فيها الشيخ أحمد الإبراهيمي، رئيس جمعية البركة،  بلاء حسنا حولته مع مرور الزمن إلى رمز عالمي للعمل الفلسطين، وكان من ثمرة ذلك التنسيق كذلك اللجنة الشعبية لدعم المقاومة ونصرة فلسطين التي احتضنتنا فيها جريدة الشروق مشكورة، ثم لاحقا تأسيس منظمة البركة من قبل عدد من نشطاء القضية على رأسهم الشيخ أحمد براهيمي وهي اليوم المنظمة الشعبية الأكثر حضورا في دعم أهلنا في غزة ومختلف الملفات الفلسطينية الأخرى.

وبالنظر لأهمية نشر الوعي الشعبي خصوصا في أوساط الشباب أصدرت كتاب “الجزائر والقضية الفلسطينية”، رصدت فيها المساهمات الجزائرية في القضية الفلسطينية منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، وذكّرت بما بذله الجزائريون وهم تحت الاحتلال، سواء على مستوى الشخصيات، كعمر راسم، والشيخ السعيد الزاهري، والشيخ إبراهيم أبو اليقظان، والشيخ الفضيل الورتلاني، ومساهمات الجزائريين في مختلف الثورات الفلسطينية إلى إعلان دولة الاحتلال،  أو كمنظمات وعلى رأسها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبر العديد من المبادرات، ومنها “الهئية العليا لإعانة فلسطين”  التي حدثني عن دورها صاحب الفكرة ذاته الشيخ عبد الرحمن شيبان والتي شارك فيها المنظمات والشخصيات من مختلف التيارات الوطنية، وقد ترأس الهيئة الشيخ البشير الإبراهيمي، وكان فرحات عباس كاتبا عاما لها، والشيخ الطيب العقبي أمينا للمال وينوبه الشيخ بيوض، وتكفلت الهيئة بتجهيز وإرسال المجاهدين للقتال في فلسطين وجمع المال وتنظيم حملات التعبئة لصالح القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى المساهمات الأخرى لكل منظمات الحركة الوطنية الأساسية، حزب الشعب الجزائري وأحباب البيان والحرية. ثم تطرقت في الكتاب إلى مساهمات الجزائريين بعد الاستقلال، سواء الشخصيات المعارضة كمحمد خيضر الذي دعم حركة فتح ماليا وفق ما هو مدون في أرشيف الأستاذ منير شفيق، أو المجاهد محمد بودة الذي انخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفلسطينية وكان منسق العلميات الخاصة للجبهة الشعبية في أوربا ومنها حادثة ميونخ الشهيرة، وقد ارتقيى شهيدا رحمه الله على يد الموصاد في فرنسا بأمر من غولدا مايير نفسها. أو السلطات الرسمية منذ عهد بن بلة وقد أشرنا إلى بعض المساهمات الحكومية أعلاه، وختمت الكتاب بمساهمات حركة مجتمع السلم منذ عهد الشيخ محفوظ نحناح والعمليات الكبيرة التي أشرفت عليها بنفسي وأشرت إليها أعلاه.

ولشعوري بحاجة ربط العلاقة بين الثورة التحريرية النوفمبرية الجزائرية والمقاومة الفلسطينية شرعت في تأليف كتاب آخر تحت عنوان ” دروب المقاومة: نضال الشعب الجزائري من الاحتلال إلى الاستقلال” وحرصت أن أسجل المقارنات مع كفاح الشعب الفلسطيني، وتشابه الاحتلالين الاستيطانيين الإحلاليين الفرنسي والإسرائيلي، وتشابه جرائم الإبادة وتدبير البنية الإنسانية للشعبين، والتشابه والفروق في أدوات النضال المسلح. وهو كتاب بدأته قبل سنوات، تتمة لبحث قدمته عن التجربة الثورية الجزائرية في مؤتمر نظمه مركز الإعلام العربي بالقاهرة في سبتمبر 2006 عن التجارب الثورية في تاريخ الدول وكيفية استفادة المقاومة الفلسطينية، ثم شُغلت عنه باهتمامات وكتابات أخرى ضاغطة فتركته بعد أن أنهيت أكثر من نصفه تقريبا. غير أن نقاشي الطويل والمتكرر مع قيادة المقاومة الفلسطينية في ظل الأزمات التي تعرفها الأمة والصعوبات التي تمر بالملف الفلسطيني جعلني أقرر العودة لإنهاء الكتاب مع التركيز أكثر على استخلاص الدروس من تجربة الثورة التحريرية بما ينفع الكفاح الفلسطيني، وقد شجعني على ذلك بعض القادة الفلسطينيين الذين شعروا بأنهم رغم دراستهم الثورة التحريرية الجزائرية لم يكونوا على علم بكثير من تفاصيل الكفاح الجزائري ضد المستعمر الفرنسي التي ذكرتها لهم، ورأوا في تدوينها وإسقاطها على الحالة الفلسطينية فائدة كبيرة، وأسأل الله تعالى أن يعينني على إنجاز ذلك.

وفي حقيقة الأمر حينما نرى ما يحدث من تضحيات جسيمة وبطولات مدهشة في طوفان الأقصى أننا لم نقدم أي شيء ذي بال، وإنما أملنا أن يعذرنا الله ويسامحنا إذ لم نستطع القيام بما يجب القيام به لضعفنا وقلة حيلتنا وأن يتقبل الله منا جهد المقل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نوفمبر وطوفان الأقصى: انطباعات وتحليلات (الجزء 2)

لعل مما يمكن الاستفادة منه في ظل معركة طوفان الأقصى القائمة اليوم هو التشابه الكبير، من حيث البواعث والآثار، مع هجوم الشمال القسنطيني، ذلك أنه بعد اندلاع الثورة التحريرية تركزت الفاعلية في الأوراس أكثر فتوجه لها جيش الاحتلال لاستئصالها، كما أن الشعب الجزائري لم يكن قد اندمج كلية وفي مختلف أنحاء الوطن مع الثورة، وكان الجدال داخل الحركة الوطنية

لم يحسم بعد بين أنصار مصالي الحاج الذي كان يفضل المفاوضات وشباب جبهة التحرير الوطني الذين اختاروا السلاح، علاوة على أن القضية الجزائرية لم تكن قد وصل زخمها إلى الساحة الدولية، فعالج الثوار الجزائريون كل هذا بعملية موجعة وشاملة ومذلة ضد الاحتلال تمثلت في الضربة القوية التي وجهت له في مواقع عدة بكل الوسائل وفي كل الاتجاهات في عدد من الولايات انطلاقا من ولاية سكيكدة تحت القيادة البطل الشهيد زيغود يوسف، سواء باستهداف الجنود ومراكز الشرطة والجيش، أو صوب المعمرين في المزارع التي أخذوها سابقا من أهلها الأصليين، فكان رد فعل الجيش الفرنسي شديد العنف في حق المدنيين من حيث أنه لم يجد أين يضرب الثوار الذين كانوا بالنسبة إليه في ذلك الوقت كالأشباح فأفرغ جام غضبه على السكان. ورغم التضحيات في صفوف المدنيين التي بلغت 12000 شهيد حققت العملية أهدافها بكسر الحصار على الأوراس وتعميم الثورة في كامل التراب الوطني وبتعمق إيمان الشعب بالثورة والتحامه بها، وحسمت تلك الجومات المرجعية الشعبية لصالح جبهة التحرير الوطني، وارتفت معنويات المجاهدين، وبدأت السلطات الاستعمارية تشعر بأن فكرة “الجزائر الفرنسية” أمام خطر وجودي، كما انتبه الأشقاء العرب إلى جدية الأحداث الثورية في الجزائر فشرعوا في دعمها بفاعلية وأخذ المعسكر الشرقي آنذاك وأحرار العالم، حتى في البلاد الغربية، يراهنون على الثورة كمعطى جديد سيساهم في إضعاف الامبريالية الغربية، فاستحق ذلك اليوم المبارك 20 أوت 1955 أن يسمى يوم المجاهد.

إن هذه المعطيات والتحولات التي نتحدث عنها هي ذاتها التي تعيشها القضية الفلسطينية، قبل طوفان الأقصى وأثناءه، وسيكون ذلك بعده بحول الله، وأرجو أن يسمى هذا اليوم يوم المقاومة. لقد كانت القضية الفلسطينية تراوح مكانها بحصار غزة مع محاولة الكيان الإسرائيلي جعل كتائب عز الدين القسام ومعها كتائب الفصائل الأخرى مجرد جيش لحماية غزة التي لا يريد الصهاينة أصلا إعادة احتلالها قبل الطوفان الذي صُب عليها يوم 7 أكتوبر، وكانت المستوطنات تتوسع في الضفة  الغربية حيث تجثم سلطة أوسلو على صدور الفلسطينيين وتشتغل لصالح الاحتلال وتخون المقاومة بواسطة التنسيق الأمني، والإعتداءات على المسجد الأقصى لا تتوقف، وتهويد القدس على قدم وساق، وفلسطينيو 48 يعيشون تحت ظل الفصل العنصري، ومنظمة التحرير تواصل ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني رغم فقدان شرعيتها باستمرار اعتمادها على المفاوضات ومعاداة فصائل المقاومة، والحكومات العربية تسارع إلى التطبيع مع الكيان، أو إلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية فلسطينية لا تعنيهم كثيرا، بل تمثل بالنسبة لبعضهم عبئا  يجب وضعه على الهامش وتسليمه للمخططات الصهيونية والغربية.

لا شك أن النضال الفلسطيني لم يتوقف منذ النكبة وما سبقها، فرغم هزيمة الجيوش العربية عام 1967، والنصر الذي لم يكتمل  في حرب اكتوبر 1973 والذي تم الالتفاف عليه بالتطبيع المصري في كامب ديفيد، واجتياح الصهاينة لبنان عام 1982 لتصفية منظمة التحرير، استطاع الفلسطينيون أن يأخذوا أمرهم بيدهم في الانتفاضة الأولى عام 1987 التي برزت فيها حركة حماس. وبعد إدخال القضية الفلسطينية في النفق المظلم لاتفاقيات أوسلو عام 1993 من أجل  القضاء على روح الانتفاضة عاود الفلسطينيون الكرة في انتفاضة الأقصى المسلحة عام 2000، ومنذ ذلك الوقت نشأ صراع كبير على مرجعية الشعب الفلسطيني بين حركة حماس ومنظمة التحرير التي  اعترفت بإسرائيل وتركت عمليا المقاومة وصارت تتآمر عليها بواسطة التنسيق الأمني، إلى أن حسم الشعب الفلسطيني في أمر المرجعية التي يفضلها بانتصار حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006. وبعد أن رفض المجتمع الدولي في زمن الأحادية الغربية نتيجة الانتخابات وكثر التآمر على فصائل المقاومة وقع الحسم العسكري الحمساوي في غزة، وعندئذ صارت المواجهة مفتوحة بين الكيان الصهيوني وكتائب عز الدين القسام من خلال الحروب العديدة التي تم فيها إذلال الاحتلال، في 2008 و 2012 و 2014 و 2021 و 2022. وبعد سلسلة هزائمه قرر الاحتلال تجنب المواجهة مع القسام والمضي في تصفية القضية الفلسطينية على النحو الذي تحدثنا عنه أعلاه، فكان رد فعل كتائب المقاومة الاشتباك معه بالصواريخ الموجهة إلى تل أبيب وغيرها، ضمن استراتيجية وحدة الساحات، بسبب العدوان على القدس ولدعم المجهود المقاوم في الضفة الغربية والقدس التي ابتكر فيه الفلسطينيون طرق الطعن والدهس رغم الاحتلال ومكائد السلطة الفلسطينية. وصار في المحصلة عنوان المعارك منذ معركة سيف القدس هو القدس والأقصى. غير أن كتائب القسام ومختلف فصائل المقاومة أدركوا بأنه بغير الهجوم المباشر على العدو لن يقع تغيير حاسم في القضية الفلسطينية فكان طوفان الأقصى الذي تفجر يوم 07 أكتوبر  2023 والذي قبل أن تنجلي المعركة قد حقق 12 هدفا على الأقل يمكن حصرهم على النحو التالي:

كسر هيبة الجيش الإسرائيلي وإظهار ضعفه وإمكانية الانتصار عليه وأنه مجرد منظمة إرهابية مجرمة لا تقدر إلا على قتل الأطفال والنساء بالقذائف والصواريخ، وهو رغم تسلحه الجبار ومشاركة أمريكا معه في الحرب لم يقدر على تحقيق أهدافه المعلنة المتمثلة في إنهاء حماس وتهجير أهل غزة بعد قرابة شهر من التدمير الشامل.

مزيد من التمزق داخل المجتمع الإسرائيلي: وهي حالة كانت قائمة قبل طوفان الأقصى وتعمقت بعده وصلت إلى التلاسن عبر وسائل الإعلام بين المجرم نتنياهو والدمويين قادة الجيش، ولأول مرة يتم توجيه النقد للقيادة السياسية والعسكرية الصهيونية أثناء الحرب، وكل المؤشرات تدل بأن نتنياهو قد انتهى سياسيا وأن المجتمع الإسرائيلي قد تصيبه اضطرابات سياسية واجتماعية عميقة بعد نهاية المعركة تزيد في تقريب نهايته.

عدم الشعور بالأمان لدى المستوطنين وسكان الكيان من اليهود، الذي يعبر عنه إفراغ غلاف غزة والشمال الفلسطيني من السكان المستوطنين، وموجة الخروج الجماعي من إسرائيل والتصريحات المتتالية لكثير من العائلات والنخب بأن لا مستقبل للعيش في إسرائيل. وقد سبق أن تحدثت عن هذا السيناريو في الجامعة الصيفية بتلمسان عام 2010 معتمدا على دراسة أوربية استشرفت أشكال نهاية دولة الكيان ومنها الخروج الجماعي للسكان اليهود الذين أكثرهم يحمل جوازات أخرى ولهم صلات وعلاقات وأسر في كثير من الدول، وأن ذلك سيحدث عندما لا يشعرون بالأمان حين يصبح ممكنا توجيه ضربات صاروخية مكثفة وفي العمق الإسرائيلي، وقد يكون ذلك من جهات غير حكومية. وهو ما نعيشه اليوم وما سيتعاظم في المستقبل بحول الله.

تكبيد العدو خسائر اقتصادية فادحة: حيث توقف عن الشغل بسبب الحرب أكثر من مليون ونصف عامل وتصل الخسائر الاقتصادية الصهيونية إلى أكثر من  38 مليار دولار ويقدر أن عجز الميزانية في آخر السنة سيتجاوز 4 بالمائة وما يوازي 3.5 من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك كثير من الدراسات والمساهمات في هذا الشأن يمكن الاطلاع عليها.

افتكاك المقاومة مركز المرجعية والمصداقية لدى الشعب الفلسطيني، وذلك وجه من أوجه التاريخ حين يعيد نفسه إذ نفس الحالة بالضبط تحققت بعد معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني ومنظمة فتح والجبهة الشعبية وفصائل أخرى عام 1968 ضد جيش الكيان الإسرائيلي حين عبر نهر الأردن للقضاء على مراكز المقاومة في الأردن ففشل في ذلك، وكانت منظمة فتح قد أبلت بلاء حسنا في هذه المعركة فنالت ثقة الشعب الفلسطيني وأقبل عليها المنخرطون فيها بأعداد كبيرة وتم الاعتراف بها من قبل كل الدول العربية والقوى الدولية المعادية للغرب، وهذا الذي يحدث بالضبط في معركة طوفان الأقصى، إذ باتت كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس، ومعها كتائب سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي هي عنوان فلسطين عند الفلسطينيين وفي الشارع العربي، بل حتى عند خصومها، ومن حق حماس بعد هذه المعركة أن تفرض أجندتها التحررية في الساحة الوطنية الفلسطينية، خصوصا بعد إفشال مبادرة “إعلان الجزائر” من أجل المصالحة الفلسطينية من قبل السلطة ومن وراءها من الدول العربية والغربية.

صناعة جيل جديد من المقاومين الذين سيعملون في سبيل الله على الانتقام لأهاليهم من النساء والأطفال الذين تم إبادتهم جماعيا في هذه المعركة، وسيكون هذا الجيل أكثر شراسة وعزيمة وتضحية ليثخن في العدو بكل الوسائل، لا سيما وأن فكرة المقاومة صارت راسخة في المجتمع الفلسطيني بنتها وربتها حركة حماس، وأعدت لها العدة ودربت عليها أعدادا كبيرة من الشباب، على أساس الفكرة الإسلامية الحصينة المحصنة، بما يمنع قتل عزائم الناس وتدجينهم بالقمع الشديد والإبادة والقتل الجماعي ثم الإلحاق الحضاري، كما حدث لليابان والألمان بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حدث من قبل للسكان الأصليين في القارة الأمريكية.

كسر موجة التطبيع: حيث تشكل ضغط شعبي وأخلاقي كبير على الدول العربية المطبعة عمّق عدم شرعيتها. والإنجاز التاريخي في هذا المجال يتمثل في كسر المد التطبيعي في المملكة العربية السعودية الذي كان يمثل خطرا عظيما على القضية الفلسطينية وعلى الأمة العربية والإسلامية كلها، وقد زاد في افتضاح أمر المطبعين طرد كولومبيا وبوليفيا السفير الإسرائيلي من بلديهما، ومن المشاريع التطبيعية الخطيرة التي تم ضعف جدوى إنجازها مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والمملكة العربية السعودية ودولة الكيان وأوربا الذي كان سيغير شكل التجارة العالمية ويمثل خطرا على مصر وقناة السويس ويجعل الصهاينة في وضع اقتصادي مركزي عالميا.

رجوع القضية الفلسطينية للساحة الشعبية العربية: من حيث أن مخططات شغل الشعوب العربية والإسلامية بنفسها ودفعها لنسيان القضية الفلسطينية انكسرت ورجعت فلسطين في مركز اهتمام الشعوب الذي عبرت عنه المظاهرات والمسيرات الضخمة والأنشطة المتنوعة التي لا تتوقف لصالح المقاومة وفلسطين في مختلف الدول العربية والإسلامية.

إفساد مخططات الدول العربية التي أرادت جعل القضية الفلسطينية على الهامش بحجج واهية تعتمد على وطنية زائفة وترديد عبارة “لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين” لأن “قادتهم متصالحون مع إسرائيل” وأنه “لا يجب أن نضحي بأوطاننا من أجل فلسطين”، وهي أفكار القلوب المريضة والعقول الصغيرة التي ألغت البعد العقدي الديني في القضية والتي لا تدرك بأن مصير كل بلد عربي ومسلم مرتبط بالقضية الفلسطينية من حيث أن الغرب لا يسمح لأي بلد في المنطقة أن يماثل أو يتفوق على الكيان الإسرائيلي في أي مجال، والطريق إلى ذلك هو منع أي دولة من دولنا من أن تنهض. علاوة على أن الأنظمة العربية استطاعت أن تتحكم في شعوبها وتخرجهم من معادلة التغيير بالقمع والتحايل والتزوير والإفساد الخلقي وبإشغالهم بلقمة العيش،  فإذا بالشارع ينفجر من جديد للتضامن مع أهل غزة ولمناصرة المقاومة ولم يستطع أغلب الحكام منع ذلك، ولهذا تعتبر الدول العربية حماس وفصائل المقاومة خطرا عليها وبعضها يتمنى سرا لو أن الكيان الإسرائيلي يستطيع القضاء عليها  لأنها هي التي أصبحت تبقي الشعوب حية مهتمة بمصيرها.

التحول الكبير في الرأي العام العالمي والغربي لصالح القضية الفلسطينية وضد دولة الكيان: ولعل من أكبر خسائر الإسرائيليين في معركة طوفان الأقصى، والأكثر إيلاما لهم انهيار روايتهم الكاذبة في صراعهم مع الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي، إذا بان جرمهم للعالم رغم تحكمهم في وسائل الإعلام في العالم وتعتيمهم الشديد على الحقيقة وملاحقة الكلمة الحرة المعبرة عن الواقع، فقد استطاعت صور الدمار وقتل الأطفال والنساء والتجويع والحرمان من الكهرباء والماء أن تنفذ إلى كل أنحاء العالم من خلال الإعلام الموازي فأحدثت صدمة في الضمير العالمي الشعبي ولدى كثير من الدول والمنظمات الدولية والشخصيات السياسية والفكرية والفنية والأدبية، وهي حالة لو أنفق عليها الفلسطينيون ملايير الدولارات في العلاقات العامة ما تمكنوا من الوصول إليها، ويدرك الكيان الصهيوني بأن داءه التاريخي هو كره الشعوب له والذي حين يبلغ مداه ينقلب عليهم بشكل دراماتيكي.

التأثير في الموقف التركي: لقد كانت تركيا تسير مطمئنة واثقة نحو رؤية خاطئة بخصوص القضية الفلسطينية، إذ كانت تعتقد أنها ستكون، ضمن رؤية قرن تركيا، هي راعية منطقة الشرق الأوسط الذي سيتجه إلى ضعف دولة الكيان وضعف الدول العربية وأن الجميع سيكون في حاجة للحماية التركية فتفرض حل الدولتين وتشرف عليه وترعاه، وهو ما شرحته في العديد من المقالات وفي بعض كتبي منها الكتاب الأخير “الحلقة المفقودة”، ثم جاء طوفان الأقصى فأرجع مسار التاريخ إلى طريقه المحتوم المتمثل في حتمية نهاية دولة الكيان، وقد تلقف أردوغان والساسة والمفكرون الأتراك الرسالة وأدركوا بأن الزمن قد يتجاوزهم ويعطي الفرصة والشرف لغيرهم فرجعوا إلى الاشتباك اللفظي مع الكيان بما لم يكونوا يرغبون فيه مطلقا، وإنما يختلف الأتراك مع الدول العربية أنهم لا يعادون حماس بل يعتقدون بأنها طرف أساسي في المستقبل وأنه يمكن ترويض قادتها لقبول حل الدولتين، وربما سيبقون على قناعتهم إلى أن تكون مفاجأتهم أكبر حين يدركون بأنهم مخطئون في تقديراتهم لمستقبل المنطقة وما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

مزيد من افتضاح أمر الدول الغربية في نظر الرأي العام العالمي ولدى قطاعات واسعة من شعوبهم، وانغماسهم أكثر في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بسبب اضطرارهم للرجوع لمنطقة الشرق الأوسط بعدما قرروا التخفف من الحضور فيها للتفرغ إلى الصين وروسيا، وقد رجعوا إلى المنطقة لشعورهم بأن ثمة خطر وجودي على دولة الكيان وأن تأمينها من خلال التطبيع وسط الأنظمة العربية أثناء انشغالهم بالصين وروسيا لم يصبح مجديا، وستكون كلفة هذا التحول الاستراتيجي المتعجل وغير المدروس أكبر في المستقبل على مستوى الانسجام الداخلي لدولهم وفي مواجهة الدول الصاعدة.

 

د. عبد الرزاق مقري

رسالة إلى رئيس الجمهورية بشأن القضية الفلسطينية (واجباتنا العشرة)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية،
عبد المجيد تبون.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

فإن عدم تطبيع الجزائر مع الكيان الصهيوني هو تحصيل حاصل بالنسبة للدولة الجزائرية، إذ دولتنا هي صنيعة حرب تحريرية من جنس الحرب التحريرية التي تقودها اليوم كتائب عز الدين القسام، الذراع السياسي لحركة المقاومة الإسلامية – حماس – مع مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية. فلو كانت الجزائر غير ذلك لكانت خائنة للعهود والانتماء والتاريخ وللسياسة الخارجية لبلادنا منذ الاستقلال وللإجماع الشعبي تجاه القضية الفلسطينية.
ورغم الموقف السياسي المشرف الذي تحافظ عليه الجزائر في الشأن الفلسطيني لا نقوم، إلى الآن، بما يجب القيام به لصالح المقاومة ولنجدة أشقائنا في غزة بما يتناسب مع عظمة الإنجاز في طوفان الأقصى، وحجم العدوان على المدنيين من قبل الصهاينة، وأهمية الموقف ومآلاته المستقبلية.
إن الجزائر تستطيع أن ترفع سقف دعمها للقضية الفلسطينية، وتملك الوسائل لذلك، لتجعل نفسها في ريادة الدول العربية. وستكبر بهذه القضية لو فعلت ويرتفع شأنها. فالعالم سيتغير، وسيتغير لصالح فلسطين، ولصالح المعسكر الذي سيكون مع المقاومة الفلسطينية.
وعليه فإني أتوجه إليك السيد الرئيس، كمواطن جزائري، ومناضل مطلع وراسخ القدم في القضية الفلسطينية بحمد الله، بهذه المطالب:
1 – خروج الجزائر من المبادرة العربية لحل الدولتين: إذ المبادرة ظالمة تشبه طلب ديغول للثوار النوفمبريين بالتخلي عن الصحراء الجزائرية، وهي مبادرة لا مستقبل لها، لا يؤمن الصهاينة أنفسهم بها.
2 – وقف تعطيل قانون تجريم التطبيع في البرلمان الجزائري: لقطع الطريق، في الحاضر والمستقبل، عن المطبعين الكامنين داخل مؤسسات الدولة، ولكم في الموقف المشين لعميد مسجد باريس المسنود والممول من الدولة الجزائرية أكبر دليل، وغيره مثله كثير.
3 – كشف الأطراف التي أفشلت مبادرتكم للمصالحة الفلسطينية للرأي العام الجزائري، وأخذ العبرة من ذلك – إن كان الهدف من المبادرة هو نصرة القضية الفلسطينية – وتوجيه الدعم المالي لحركة حماس والمقاومة، التي شرفتكم ودعمت مشروعكم ولم تخدعكم، والتي تكافح فعليا من أجل تحرير فلسطين وتضحي على الأرض كل يوم.
4 – الحراك الدبلوماسي بفاعلية أكبر، ليس لرفع العتب وتسجيل المواقف فحسب، بل بذل أقصى الجهد مع الدول الشقيقة والصديقة لوقف العدوان وإدخال المساعدات وإغاثة أهلنا في غزة.
5 – مراجعة مواقفنا الخارجية وخطابنا الرسمي وتصرفاتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية، في ظروف العدوان خصوصا، بما يظهر انزعاجنا الحقيقي من كونهم مشاركين في الجريمة، وتجنب الاستقبالات الدبلوماسية غير المناسبة في هذه المرحلة كما حدث عدة مرات في بلادنا.
6 – السماح بل تشجيع التحرك الشعبي الدائم، وعلى رأسها المسيرات الشعبية، للتعاطف مع إخواننا في غزة ولدعم المقاومة، كما يحدث في كل أنحاء العالم، لما في ذلك من آثار إيجابية لصالح فلسطين كما بات مسلما به لا يجادل في ذلك عاقل، وكذا السماح بالوقفات الاحتحاجية السلمية أمام سفارات الدول المشاركة في العدوان.
7 – تحويل المناسبات الثقافية والرياضية إلى فضاءات للتعبير عن دعم المقاومة بدل القرار الخاطئ الذي اتخذته الحكومة الجزائرية بوقفها، خصوصا المناسبات الرياضية التي تحولت إلى تظاهرات في العديد من الدول لنصرة القضية الفلسطينية.
8 – تشكيل جسر جوي للإغاثة والضغط على الحكومة المصرية لإدخال المساعدات للقطاع ولنقل المصابين إلى الجزائر من أجل العلاج، وتخصيص ميزانيات معتبرة لإعادة الإعمار بعد الحرب وبناء منشآت جزائرية في مختلف الاحتياجات في غزة كما تفعل بعض الدول الأخرى في غزة.
9 – تجنب سياسة دفع الجزائريين ليتعايشوا مع العدوان وتقبله، والعمل على بقاء ثباتهم في دعم القضية حتى النصر بحول الله، من خلال المحافظة على الأداء الجيد، على العموم، للمساجد والمؤسسات الإعلامية، وبجعل المدرسة مكانا أساسيا للوعي بطبيعة المعركة القائمة، وعن طريق تشجيع الشخصيات والمنظمات والمؤسسات المتطوعة للعمل الفلسطيني في مختلف المجالات، والسماح بجمع المال والمساعدات الشعبية وتسهيل نقلها.
10 – التخطيط والإنجاز من أجل المشاركة في تحرير المسجد الأقصى وفلسطين بمختلف الوسائل، ومنها المساهمة العسكرية على نحو ما قامت به الدول الصديقة والشقيقة لصالح الثورة الجزائرية بالأمس، وعلى نحو ما تقوم به إيران مشكورة لصالح المقاومة اليوم، وتشجيع الدول العربية والإسلامية السنية على ذلك، ليكون التحرير القادم القريب بحول الله إنجازا للأمة الإسلامية كلها.

تقبلوا مني أسمى التحيات.

عبد الرزاق مقري

محمد صلى الله عليه وسلم: هل كان يريد إنقاذ العالم؟

كل شيء كان يدل على أنه هو المختار ليكون هو النبي الخاتم، ولكن هو لم يكن يعلم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولم يكن يتطلّع للأمر، ولم يهيء نفسه أبدا ليتحمل ذلك الحمل العظيم الذي ألقِي عليه في الأربعين من عمره.

كل ما له و ما فيه وما حوله كان يؤشّر على أن لهذا المحمود المبرور شأنا عظيما في ما يستقبل من عمره، ولكن ذلك لم يكن همّه، كان همه أن يتجه إلى نفسه فينقّي دواخله، ويقيّم محيطه قبل أن يوحى إليه فيتجنب مفاسده.

كل البركات تجلّت فيه وفي حياته فلم يزده ذلك إلا تواضعا وبصيرة.

اختاره الله من أشرف الأنساب، وحملته أمه حملا ميسورا مباركا، وكان مولده نورا أضاء مشارق الأرض والمغارب.

توفي والده عبد الله بن عبد المطلب قبل ولادته وتوفيت أمه آمنه بنت وهب في السادسة من عمره وتوفي كفيله جده عبد المطلب وهو في الثامنة فتكفل الله بتربيته، فأحاطه بالبركة حيثما حل، أحبته مرضعته حليمة السعدية حبا جما، جرى الحليب في صدرها من أجله، وزاد الكلأ لأغنامها والبركة في موضع عيشها ما بقي النبي عندها، وكانت حاضنته أم أيمن بعد وفاة أمه أسعد الناس به وأكثر النساء يمنا و هناء في عيشها ما كان معها.

وسخر الله له جده عبد المطلب فكان أقرب أحفاده إلى قلبه ينافس أعمامه في المكانة في مجلسه.ومع البركة التي أحاطه الله بها سبحانه في أي موقع يكون فيه حفظه من لهو الأطفال وعبثهم، ولم يتأثر في شبابه بأي شيء من بيئة الجاهلية، بل كان ينكر أقذارها وأرجاسها، كالشرك وعبادة الأصنام وأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، والأزلام والأنصاب، واللهو والفحش والزنا والتفاخر بالأنساب وحمية الجاهلية والربا وأكل أموال الناس بالباطل.

فكانت عصمته عليه الصلاة والسلام تامة قبل بعثته.

عهد به جده قبل وفاته إلى عمه شقيق والده أبي طالب ليعتني به، وكان كثير العيال فقير الحال فناله ما نال العم وأهله من الفقر والعوز، فتعلم عليه الصلاة والسلام الاتكال على نفسه صغيرا إذ عمل في رعي الأغنام ثم في التجارة شابا، فكان نعم الراعي ونعم التاجر خلقا وأمانة ومهارة.

وفي تجارته عرفته نعمة الله عليه الغالية خديجة بن خويلد فاختارته لنفسها، توفيقا من الله لها إذ كانت أعظم امرأة تليق به، وإكراما له بها منه سبحانه إذ هي المختارة من الله للمختار.

ولما اقترب الأمد اشتد على رسول الله ضيق صدره بالجاهلية، لصفاء النفس التي جعله الله عليها فلجأ إلى غار حراء ينقطع فيه للتبتل، وهو لا يدري أنه سيكون النبي المختار، لم يرشح نفسه لشيء عظيم كالذي جاءه، لم يكن يحدّث نفسه بأنه سينقذ العالم، كان يريد أن ينقذ نفسه فقط من ضيق الجاهلية وأخلاقها وأرجاسها، فتجلت من رياضته لنفسه أخلاقه التي عرف بها قبل بعثته، التي بنت سمعته ومكانته، حتى قيل إنه “الصادق الأمين”، يقولها العبد والسيد، والغني والفقير، والقريب والبعيد، والضعيف والطاغية المتجبر، لِما عُرف عنه من ابتعادٍ عما يفسد الخلق والمروءة، وما شاع عنه مما قالته له خديجة لتهدئة روعه حين أوحي له: ((كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)).

نعم لقد خاف حين نزل عليه الوحي وذعر وارتعدت فرائصه إذ لم يكن يتوقعه، وذهب إلى تلك السيدة الكريمة زوجته مسرعا يرتعش لا يدري ما الذي أصابه “دثروني، دثروني!” “زملوني، زملوني!”، فلما أيقن عليه الصلاة والسلام، بعد الروع، بالرسالة وعلم أنها وجبت عليه، إذ قال الله له سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين)) [المائدة 67] لم يتخلف عن حملها وأدى الذي عليه حتى أنقذ العالم وكان (( رحمة للعالمين)) إذ ترك أسس إنقاذه كلما فسد بعده بالرجوع إلى كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأشهد الناس على نفسه في حجة الوداع: (( ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟)) وفي كل مرة أجابوه: (( ألا نعم، ألا نعم، ألا نعم)).

بل قبل وفاته بقليل شهد الله له بذلك بقوله سبحانه: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دينا)) [ المائدة 3]، فلا نبي بعده، بل دعاة على نهجه يعملون بعمله وفق قوله سبحانه: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:107]. والأصلح في هؤلاء الأتباع والأقرب إلى سبيله هم من هيأهم الله ليحملوا رسالة نبيهم، من أشراف القوم، من أهل المصداقية والقدوة، من أهل الصلاح الذي يعرفه الله سبحانه في داخل أنفسهم، من أبعد الناس عن الرذائل والمهالك والشبهات المفسدة للسمعة، ممن اعتمدوا على أنفسهم فعملوا ولم يتأففوا من مشاق الحياة، ممن جاؤوا للدين ليصلحوا به أنفسهم ابتداء، لا لينقذوا به العالم أولا، جاؤوا إلى الإسلام ملتجئين إليه من فساد أحوال العالم ذاته.

وحين التزموا بالإسلام وامتثلوا هديه ودرسوا ما فيه أدركوا أن الله هو الذي أمرهم بإنقاذ العالم، بتثمين ما فيه من صلاح وخير، ومحاربة وتغيير ما يشمله من الشر والأذى، بل والانتظام من أجل ذلك وفق قوله سبحانه: ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [ آل عمران 104].

من كان على هذا النهج كان نهجه نهج المصطفى عليه الصلاة والسلام، يعمل – بقدر استطاعه – من أجل الخير، كل أنواع الخير، ويأمر بالمعروف، كل أنواع المعروف، وينهى عن المنكر، كل أنواع المنكر على بصيرة وهداية.

فإن فعل هذا المتّبع ذلك فقد أدى الذي عليه، ولا يهمه هل أنقذ العالم أم لا.

وإنما يكون قد أهل نفسه لإنقاذ العالم وسعى لذلك وهو لا يريد في حقيقة الأمر سوى إنقاذ نفسه. فإن أنقذ العالم بما فعله وأمثاله، في العاجل أو الآجل، فما ذلك إلا تسخير من الله و فضل منه عز في علاه، وإن لم ينقذ العالم فلا حساب عليه في ذلك إذا أدى الذي عليه.

ولا شك أن العالم سيُنقَذ يوما ما وسيكون له في ذلك، إن عمل، أجر والثواب، وإن لم يباشر الأمر في حينه.

وإنما الشقي من جاء للدين لينقذ العالم، وهو لم ينقذ نفسه، وما جيئته للدين إلا ليرفع به شأنه، تماما كذلك الذي جاء للوطن يدعي إنقاذه، وهو لم ينقذ نفسه من الرذائل والمفاسد ظاهرها وباطنها، ذلك الذي إن لم يتحقق مقصده الخفي ويئس من ذلك يأسا مبينا كفر بالوطن، أو ربما كفر بالدين أصلا.

وهي قصة تتكرر، معاكسة لقصة النبي عليه الصلاة والسلام، قصة تتكرر كقصة أمية بن أبي الصلت، الذي كان مثل رسول الله عليه الصلاة والسلام يعتزل أعمال الجاهلية ويؤمن بالله الواحد الأحد، ولكنه كان ينتظِر أن يكون هو النبي المنتظَر، فلما يئس من ذلك باختيار الله محمدا كفر ومات كافرا.

اللهم إنا نسألك العافية.

 

د. عبد الرزاق مقري

نبذة تاريخية عن دولة الإمارات

 

أثناء البحث في خلفيات اختيار الإمارات العربية المتحدة لعضوية البريكس وجدت نفسي أغوص في تاريخ الإمارات فكتبت في هذا الشأن فقرة قدرت أنها لا تتعلق بموضوع البريكس، ومن باب توسيع الفائدة رأيت أن أنشرها في هذا المقال المستقل قبل نشر المقال عن الإمارات ضمن سلسلة “البريكس: الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية”.

 يرتبط تاريخ الإمارات بتاريخ إقليم عمان في الجزيرة العربية، لا يوجد تاريخ قديم خاص لدولة الإمارات، فلقد كانت دوما مشيخات وإمارات تابعة للتاريخ السياسي لعمان التي عرفت امبراطورية من أعرق الامبراطوريات الإسلامية بين أواسط القرن السابع عشر إلى أواسط القرن العشرين.  بلغت هذه الإمبراطورية ذروتها في النصف الأول من القرن التاسع عشر في عهد مجد البوسعيديين فشملت سواحل الخليج العربي إلى البصرة وأجزاء كبيرة من الأراضي السعودية وسواحل افريقيا الشرقية حتى ماجنكا بجزيرة مدغشقر، إلى بلاد الهند بمنطقة كوادر شرقا (تقع جنوب باكستان اليوم).

 وكان لهم أسطول بحري فرض وجوده في المحيط الهندي، ولم تتشكل حدود الإمارات الحالية إلا حديثا بعد نهاية الانتداب البريطاني سنة 1971 من مجموع المشيخات التي كانت قد انفصلت عن عمان التاريخية وأخذت تتشكل في إطار الصراع على حدود بينها بتدبير ورعاية بريطانية.

دخل الإسلام عمان التاريخية في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام شملتها حركة الردة التي قضت عليها جيوش أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في هذه المنطقة، في معركة حاسمة قرب مدينة “دبا” التابعة حاليا لإمارة الفجيرة. ازدهرت التجارة في هذه المنطقة كثيرا في العهد الأموي والعباسي بسبب موقعها البحري المهم، وقد كان لحركة التجارة المنطلقة من اقليم عمان دور كبير في نشر الإسلام في شرق افريقا وجنوب شرق آسيا تأثرا بسلوك التجار المسلمين.

 كان إقليم عمان إقليما مهما من أقاليم الدولة الإسلامية في عهودها الأولى إلى أن تفككت الدولة العباسية فتشكلت حول المشيخيات القبلية إمارات مستقلة من أشهرها إمارة بني نبهان. وعند ظهور القوى الأوربية وتوسع طموحها سيطر البرتغاليون على المنطقة لمد قرنين من الزمن، إلى أن توحدت القبائل في إقليم عمان لمحاربتهم فتشكلت دولة قوية هي دولة اليعاربة بين 1624 ـ 1741  (تشمل حاليا عمان والإمارات وقطر وأجزاء واسعة من شرق افريقيا وجزء من بلاد فارس) التي  حاربت البرتغاليين واخرجتهم من المنطقة كلها، وكانت لها علاقة وطيدة مع العثمانيين وتعاون معهم في محاربة البرتغاليين والصفوييين (إيران حاليا). استفاد الهولنديون وخصوصا البريطانيون من هزائم البرتغاليين على يد قادة عمان التاريخية فتوسع الحضور العسكري للبريطانيين واشتد نفوذهم التجاري في المنطقة وباتت تربطهم علاقات جيدة مع اليعاربة الذين أتاحوا الفرصة لحلول شركة الهند الشرقية في المنطقة، أداة الاستعمار البريطاني في شرق الكرة الأرضية. بعد ضعف اليعاربة ظهرت دولة البوسعيديين سنة 1744 التي استطاعت أن تفرض وجودها وسط قوى دولية كبيرة متصارعة (العثمانيون، الصفيون، البريطانيون، الفرنسيون)، غير أن التحالف مع البريطانيين الذي دشنه مؤسس الدولة الإمام أحمد بن سعيد للقضاء على التقدم العسكري والديني الوهابي للدولة السعودية الأولى وسع نفوذ البريطانيين، فكان لهم دور كبير لاحقا في تفتيت المنطقة ثم احتلالها بعد ذلك.

بعد وفاة أحد الحكام الأقوياء للدولة، سعيد بن سلطان بن أحمد البوسعيدي، عام 1856 اختلف ولداه (نائبه في زنجبار ونائبه في مسقط) فاحتكما إلى البريطانيين فقسموا بينهما الدولة: دولة زنجبار ودولة عمان. ولما اشتد النفوذ البحري للبريطانيين بعد انتصاراتهم في الهند واتفاقياتهم مع الصفويين في بلاد فارس ضغطوا على العمانيين لإلغاء كل علاقاتهم التجارية مع الفرنسيين والهولنديين. كما تحججوا بمحاربة القرصنة فتوغلوا في مياه الخليج للوصول إلى ما سموه “ساحل القراصنة” لفصله عن الدولة العمانية البوسعيدية، وقد شرح ذلك بالخرائط وحسب أقوال الخبراء البرنامج الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة الوثائقية في 10 أوت\اغسطس 2020 ، حيث قضوا عام 1820 على الأسطول البحري الذي أنشأه القواسمة (سلالة حكام إمارتي الشارقة ورأس الخيمة حاليا) بغرض التجارة والدفاع عن بلادهم  و فرضوا بعد ذلك على مشايخ “الساحل العماني” اتفاقيات خضوع لانتداب بريطاني غير معلن فغيروا اسم “ساحل القراصنة” إلى إمارات الساحل المتصالح، أو المهادن، أو ساحل عمان، وهذه الإمارات التي كانت تتشكل تحت الرعاية البريطانية بعيدا عن الدولة الأم “عمان العريقة”  هي نواة دولة الإمارات الحالية.

أثناء تقسيم المنطقة العربية من قبل البريطانيين والفرنسيين وفق اتفاقيات سايكس- بيكو بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الخلافة العثمانية دخلت “الإمارات المتصالحة”، تحت الانتداب البريطاني الفعلي، وبفعل الجشع الاستعماري وسيطرته على هذا الممر التجاري المهم في طريق الهند، وبسبب تراجع تجارة اللؤلؤ التي كانت مصدر رزق أساسي لسكان المنطقة عبر الزمن بالإضافة لصيد السمك، وذلك عند بروز اللؤلؤ الصناعي، دخلت المنطقة في مرحلة فقر مدقع وتخلف كبير.

رغم تراجعها في الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وخروجها من الهند (1947)، حرصت بريطانيا على البقاء في المنطقة من أجل الاستفادة من الاكتشافات الجديدة للبترول في الإمارات المتصالحة، وبدأت تعمل لهذا الغرض على بناء المؤسسات الإدارية والأمنية التي تحمي شركات التنقيب وتضمن استمرار الوجود والتأثير بعد الجلاء إن اضطرت إليه، ومن أهم ما قامت به في هذا الإطار تطوير وجودها الإداري المباشر في هذه “الإمارات المتصالحة” من خلال الحضور المباشر لمعتمدياتها التابعة لوزارة الخارجية في لندن، بعد أن كانت تتبع إدارتها في الهند، ومن خلال توحيد الجهات التي تتعامل معها بتأسيس “مجلس الإمارات المتصالحة” سنة 1952 برئاسة المعتمد السياسي البريطاني إلى أن منحت رئاسته لشيوخ الإمارات عام 1965 في إطار الانتداب الأجنبي، وقد أفلحت بريطانيا في تكوين جيل من شباب “الإمارات المتصالحة” أشرفت عليهم في بناء المؤسسات الإدارية والأمنية للدولة التي تحكم الإمارات إلى الآن، ويمكن الرجوع لمزيد من المتابعة لهذا الشأن إلى كتاب الباحثة منى محمد الحمادي تحت عنوان “بريطانيا والأوضاع الإدارية في الإمارات المتصالحة: 1947 – 1965 “.

حين غادرت بريطانيا هذه “المشيخات المهادنة” عام 1971 تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة في شكلها الحالي بمبادرة من شيخ أبو ظبي زايد بن سلطان آل نهيان ضمن دولة فدرالية ضمت ست إمارات هي أبو ظبي ودبي والشارقة والفجيرة وعجمان وأم القوين وانضمت إليها رأس الخيمة في العام التالي، وبقي الاتحاد يحافظ على علاقات متميزة مع البريطانيين، تلامس التبعية، خصوصا في المجال الاقتصادي والمالي والأمني، ورغم تسليم بريطانيا قيادة المنطقة للولايات الأمريكية المتحدة بعد أن خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية بقيت هي العقل المدبر في السياسة الغربية للمنطقة.

 كان الاتفاق أن تكون رئاسة الدولة بعد تشكيل الاتحاد بالتداول بين شيوخ الإمارات السبع غير أن شح الموارد في الإمارات الأخرى سوى أبو ظبي وحاجتها الدائمة للدعم المالي من هذه الإمارة الغنية بالنفط والتي تحتل 80%  من المساحة الإجمالية للاتحاد، أبقى الحكم عند آل نهيان إلى الآن، ولم تكن إمارة أخرى تتعامل بالندية مع أبو ظبي غير إمارة دبي التي يتولى حاكمها نيابة رئاسة الاتحاد ورئاسة الحكومة وفق ما ينص عليه الدستور التأسيسي المتوافق عليه، ولكن خصوصا بسعي حاكمها محمد بن راشد آل مكتوم للاستقلالية الاقتصادية من خلال تحويلها إلى مركز مالي كبير وعبر تطورها العمراني ونشاطها العقاري والسياحي، غير أن حالة الإفلاس الذي تعرضت لها دبي عام 2009 جعلها تسلم أمرها إلى أبو ظبي التي أقرضتها 10 مليار دولار وابتاع منها البنك المركزي الإماراتي (مقره في أبو ظبي) 10 مليار دولار أخرى.

كان اكتشاف النفط في الإمارات يمثل تحولا كبيرا في حياة الشعب الإماراتي، وكان لحكمة زايد بن سلطان آل نهيان دور كبير في ضمان التوزان بين إمارات الاتحاد، والتوازن في التعامل مع الأشقاء العرب، كما استطاع أن يتجنب الصراع مع الجوار الإيراني، رغم بؤرة التوتر مع هذه الدولة القوية التي تركتها بريطانيا بعدم تحمل مسؤوليتها كبلد انتداب تجاه إلحاق إيران الجزر  الاستراتيجية الثلاث إليها (أبو موسى، طمب الكبرى، طمب الصغرى)، بالإضافة إلى مواقفه القومية ووقوفه مع القضية الفلسطينية إلى أن توفاه الله تعالى.

ولعل تتبعنا لتاريخ تأسيس الإمارات من خلال عمليات التفكيك والتركيب التي قامت بها بريطانيا، وفق ما بيناه أعلاه، وترك سكان المنطقة في الفقر والتخلف تحت الانتداب يعيشون على الصيد وتجارة اللؤلؤ، ثم التكفل ببناء الاتحاد عبر نواة “مجلس الإمارات المتصالحة” وبناء المؤسسات الإدارية والأمنية وتأهيل كوادرها وفق ثقافتها وفي معاهدها بالنسبة لأبناء الشيوخ بعد اكتشاف البترول يشرح لنا العقلية الغربية المجافية للقضايا الدينية والقومية لدى الجيل الثاني الذي حكم البلاد بعد جيل المؤسسين المشبعين بانتماءاتهم القومية والدينية التقليدية بما لم يجرأ عليه غير هؤلاء المصنوعين على عين البريطانيين في تحالفهم مع أعداء الأمة لخلق دين جديد مع اليهود والنصارى سموه “الديانة الإبراهيمي” والتآمر  مع الصهاينة على فلسطين وضد كل القوى الوطنية والإسلامية في العالم العربي التي تسعى لتطوير بلدانها مما أدى إلى فتن عظيمة وسفك الدماء وقتل النساء والأطفال وسجن الأحرار واستباحة المحارم بكل أنواعها.

 د. عبد الرزاق مقري

أبعاد محاولة الاختراق الصهيوني في ليبيا

يبين اللقاء السري بين وزيرة الخارجية الليبية مع وزير الخارجية الإسرائيلي الذي فضح أمره هذا الأخير في وسائل الإعلام عدة حقائق منها:
أولا – الطبيعة الاستعلائية المُحتقِرة للمسؤول العربي التي يعتمدها الكيان الصهيوني أثناء محاولاته اختراق العالم العربي دون أي اعتبار لمصير من ورطه هو ذاته في الخيانة.

ثانيا – طبيعة المسؤول العربي المستلب حضاريا الذي يتجرأ على الخيانة من أجل مصالح شخصية متوهمة ولو على حساب قوانين ومصالح بلده، دون أدنى مراعاة للمشاعر والإرادة الشعبية الرافضة للتطبيع مع الكيان الغاصب.
ثالثا – طبيعة الشعب الليبي الحر الذي عبر عن رفضه لهذه الخطوة الآثمة من خلال الاحتجاجات في العديد من أنحاء ليبيا وعبر مؤسساته وأحزابه ومنظماته المدنية، بما مثل ضغطا شديدا على الحكومة للتعامل بصرامة مع الوزيرة وإقالتها والتحقيق في الموضوع وإحالتها للعدالة، وهذه الهبة الشعبية في أجواء الحرية الذي يكفلها توازن القوى في ليبيا، يدل أن التطبيع يكون مستحيلا في الدول العربية والإسلامية حين تكون الحريات والديمقراطية مكفولة للشعوب.
رابعا – لا تمثل العلاقات السرية مع المسؤول العربي بالنسبة للكيان إلا مرحلة قبل الإعلان عنها وتقدير إمكانية تحويلها إلى علاقة رسمية، إذ همه هو التطبيع ولا تطبيع دون ظهور العلاقة، وعملية نشر وزير خارجية الكيان لخبر لقائه في روما مع الوزيرة نجلاء المنقوش هي في حد ذاتها عملية اختراق لجعل التطبيع المجرّم قانونا في هذا البلد ممكنا وقابلا للإنجاز حتى وإن لم تنجح المحاولة الأولى.
خامسا – يحقق الكيان بإعلانه اللقاء مع الوزيرة هدفا مهما وهو ضرب وحدة الصف الليبي في طرابلس الرافض للتطبيع في مواجهة معسكر حفتر المنخرط في عملية التطبيع حسب أخبار متكررة من وكالة الأنبياء الإسرائيلية الرسمية ووسائل إعلام أخرى، وقد تعمد المسؤول الإسرائيلي أن يُكذّب رواية الوزيرة مؤكدا بأن اللقاء كان معدا له مسبقا على أعلى مستوى رسمي ليبي خلافا لتصريحها الذي ادعت فيه أنه كان لقاء عرضيا، مما سيكسر الثقة حتى في رئيس الوزراء الدبيبة نفسه، خصوصا بعد التسريبات التي تفيد أن التوجه التطبيعي صنع في لقاء هذا الأخير مع أمير دولة الإمارات في اللقاء الأخير بإغراءات مالية كبيرة.
سادسا – ستفتح هذه القضية ملفا قانونيا مسنودا بمواد قانونية صارمة إذ يفترض أن تسجن الوزيرة وأن يحكم عليها بثلاث سنوات سجن وفق التشريع الليبي، وهو ما سيمثل فضيحة أخرى لحكومة الطبيبة وستلاحقها المطالبة بالاستقالة، وسيقع تجاذبا سياسيا خطيرا حول هذا الموضوع قد يمثل تهديدا أمنيا آخر يزيد في تعقيد الوضع الليبي الهش.
سابعا – ولمزيد من التأزيم داخل الصف الليبي في طرابلس أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، صباح اليوم، إلى تقارير أفادت بـ”هروب المنقوش على متن طائرة حكومية إلى تركيا بمساعدة جهاز الأمن الداخلي الليبي”، إلا أن الجهاز نفى “أنباء غير مؤكدة بشأن السماح أو تسهيل سفر المنقوش”، مشيراً إلى أنها لم تمر عبر القنوات الرسمية بمنفذ مطار معيتيقة سواء الصالة العادية أو الخاصة أو الرئاسية وفق السياق المتعارف عليه. وإذا تأكد الأمر ستكون هناك مطالبات بطلبها من السلطات التركية التي ستقع في حرج كبير وفي حالة رفضها ستهتز علاقتها بجزء كبير من الشعب الليبي كان متعاطفا معها.
ثامنا – ستمثل هذه القضية إحراجا كبيرا للسلطات الجزائرية التي لا تزال تقاوم موجات التطبيع في كل العالم العربي، الذي أصبح يُكوّن لها خطرا على أمنها القومي، وليس موقفا مبدئيا متعاطفا مع القضية الفلسطينية فقط، وذلك من خلال تمركز الكيان في المغرب على الحدود الغربية الجزائرية وتحالفه مع المخزن تحالفا عسكريا وأمنيا ضد بلادنا. علاوة على محاولات الاختراق في تونس، بل في الجزائر نفسها وفق ما تم اكتشافه مؤخرا بخصوص العمل الاستخباراتي الذي قامت به الإمارات على أرضنا لصالح الكيان.
تاسعا – من مظاهر الخطر في عملية الاختراق مع الشقيقة والجارة ليبيا أنها تمت بوساطة دولة باتت قريبة جدا من الجزائر وتوطدت العلاقات الاقتصادية والتجارية معها كثيرا وهي إيطاليا، إذ صرح مسؤولو الكيان بأن وزير الخارجية الإيطالي هو من رتب وسهل اللقاء بين المسؤول الإسرائيلي والوزيرة الليببة، مما يتطلب من الجزائريين، سلطة وشعبا، الحذر الشديد من أي دولة أوربية، إذ كلها تمثل معسكرا واحدا متحالفا مع الكيان وإن اختلفت المصالح.

د. عبد الرزاق مقري

الرئيس والصحافة: مناقشة في الأفكار والأرقام

لم أتناول الشأن السياسي الوطني منذ مدة، ولم أر نقاشا سياسيا وتجاذبا في المواقف والآراء منذ فترة طويلة وكأن السياسة ماتت في بلادنا، حتى استفزني أحدهم بنقاش عابر عن بعض الانجازات التي لم تقنعني صرح بها السيد رئيس الجمهورية في لقائه الأخير مع الصحافة، فرجعت إلى متابعة الحصة كلها حتى أسمع بنفسي ما قيل فلا أكون متقوّلا هاويا أو يهوى المشاكسة لا غير.

إن أهم ما استفزني في لقاء السيد الرئيس مع الصحافة هو تصريحه بأن الناتج الإجمالي الخام للجزائر وصل مقدار 225 مليار دولار في هذه السنة (قبل نهايتها)، وقد كرر هذا الرقم وأكده عدة مرات، بل أضاف أنه يمكن أن يكون في حدود 240 إلى 250 مليار دولار، وهذا الإصرار في ذكر هذا الرقم يدل بأنها ليست هفوة لسان بل ربما يكون قد ناقشه مع مستشاريه، وهو رقم غير معقول لأننا لو سلمنا به وحسبنا نسبة النمو الاقتصادي بين هذه القيمة (ن = 225 مليار دولار) وقيمة الناتج الإجمالي الأخير (ن-1) الذي هو 191,91 مليار دولار لعام 2022 حسب الإحصائيات الرسمية وأرقام البنك الدولي فإن نمو الناتج الإجمالي الخام هو 17.24 علما بأن نمو الناتج الإجمالي الخام (PIB) يحسب كالآتي: (الناتج الإجمالي الخام ن) – ( الناتج الإجمالي الخام ن – 1) ÷ (الناتج الإجمالي الخام ن – 1) × 100.

وحينما نقول أن معدل النمو الاقتصادي للجزائر هو 17.24 % معنى ذلك أن هذا حدث عالمي تاريخي ستتحدث عنه كل وسائل الإعلام لم تحققه حتى الصين في بدايات صعودها الاقتصادي.

كما أن هذا الرقم مخالف لتوقعات الحكومة التي أعلنتها رسميا والتي مفادها أن النمو سيبلغ نسبة 4.1 % عام 2023، وهو كذلك غير منسجم مع مختلف الأرقام الأخرى الرسمية لنمو مختلف القطاعات، ولكن خصوصا غير منسجم تماما مع الحالة الاقتصادية الواقعية التي يعيشها المواطن.

والمشكل في إعلان الأرقام الخاطئة أنه ليس هذه هي المرة الأولى، فقد حدث ذلك في إعلانِ رقمٍ أدهش بعض وسائل الإعلام العالمية يتعلق بعملية استرجاع الأموال المنهوبة، وحجم السوق الموازية، وكذلك ما يتعلق بأرقام ذات اتصال بالنمو الفلاحي وبحجم المياه التي تم تحليتها وغير ذلك، وقد تم التراجع فعلا عن بعض هذه الأرقام.

ربما تكون الأخطاء بسبب الخلط بين الناتج الإجمالي الخام الحقيقي والاسمي، أو ربما هناك نية لتعظيم الأرقام لإخفاء نية المواصلة في الإصدار النقدي التي لا يرى المواطنون آثارها المدمرة في حياتهم إلا من خلال التضخم وغلاء الأسعار.

إن النتيجة الخطيرة في الوقوع في هذه الأخطاء، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة هو تشكيل حالة عدم ثقة في الخطاب الرسمي الاقتصادي لدى الرأي العام الوطني ومع المتعاملين الاقتصاديين من الخارج.

إن التنمية الاقتصادية ليست مجرد أرقام يطلقها المسؤولون، خصوصا في الدول التي لا توجد فيها رقابة حقيقية على الشأن العام، فلا أحد يجادل في أرقام قادة البلد، لا أحزاب ولا مسؤولون سابقون، ولا مجتمع مدني، ولا مراكز دراسات ولا أساتذة جامعيون، ولا صحافيون، وهي حالة تعمقت أكثر في السنوات السابقة في بلدنا، إذ لم نصبح نقرأ لأشخاص كبن بيتور، والعميري، ومقبول، وجابي، وغيرهم، كما كان الحال قبل سنوات، ودون ذكر الذين كانوا يساهمون بآرائهم، وكنا ندعوهم هم الآخرين لندواتنا، ولكن حين تحملوا مسؤولية عابرة في الدولة لم يعودوا إلى التعبير عن آرائهم بعد أن غادروا المنصب.

إن التنمية الاقتصادية الحقيقية بالنسب العالية التي يريد المسؤولون ووسائلهم الإعلامية إقناعنا بها هي تلك التي تُرى في نمو الدخل الفردي بحساب التضخم وتهاوي قيمة العملة، و تُلاحظ في بروز المؤسسات الاقتصادية الناجحة والماركات الجديدة وتطور العمران وشبكات الطرقات والهياكل القاعدية الجبارة.

وبالنسبة لدخل الفرد حين ذكّر السيد الرئيس بأن الأجور تضاعفت بنسبة 47% لم يذكر نسبة ارتفاع الأسعار في السوق، بعيدا عن أرقام التضخم الرسمية.

بإمكان أي معيل أسرة أو ربة بيت أن يذكر له نسبة ارتفاع الأسعار بكل أنواعها، أغلبها ارتفع بنسبة 100% ومنها التي ارتفعت بنسبة 300% وأكثر خلال هذه السنوات الأخيرة.

وقد تجنب الرئيس الجواب عن سؤال القدرة الشرائية مرتين، طرحه عليه ممثل جريدة الخبر الذي حاول أن يكون متميزا بطرح بعض وجهات النظر الأخرى رغم اضطراره أحيانا للإشادة بأعمال الرئيس التي طبعت تدخلات الصحفيين عموما، خلافا لما يكون عليه الإعلامي المهني عند مقابلة الضيف ولو كان مسؤولا إذ يضغ نفسه مدافعا عن الرأي الغائب.

فقد أحسن الصحفي طرح إشكالية ضعف الإنتاج الوطني وعدم بروز مؤسسات اقتصادية كبرى جديدة، وبقاء ربراب وحده متربعا على هذا العرش في القطاع الخاص، فبالفعل لو كان ثمة تطور اقتصادي لبرز في نشوء الشبكات الواسعة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولبرزت بعض المؤسسات الكبرى و”البراندات” الجديدة.

ولكن هذا لا يمكن أن يحصل، إذ لا يزال الفساد ينخر الاقتصاد الوطني، وهو يتمدد يوما بعد يوم في كل المجالات، وأنا شخصيا أعرف أمثلة صادمة عن عرقلة مستثمرين وطنيين يستجيبون للمعايير التي ذكرها السيد رئيس الجمهورية، من قبل إداريين وولاة، وأعرف نماذج ابتزها قضاة وموظفون، ومؤسسات كبيرة تكاد تتوقف عن العمل بسبب الصعوبات والضغوطات التي تتعرض لها، وقد ذكرت نماذج عن هذه الحالات لبعض المسؤولين.

وقد سمعت رئيس الجمهورية يتحدث في الحصة عن الرقمنة، وكأنه وهو الرئيس يشكو لنا عدم تحقيقها في الجزائر، ولا أحد يجهل بأن سبب عرقلة الرقمنة هي شبكات الفساد، وقد سمعت نماذج غريبة في هذا الصدد من موظفين نزهاء، ومن ذلك حالة خطيرة تتعلق برقمنة قطاع الضرائب عالجتها حين كنت رئيسا للحركة، حيث تم التعاقد منذ سنوات مع شركة اسبانية أتمت المشروع وسلمته للمعنيين وأخذت حقها بملايين الدولارات ثم وضع البرنامج في الأدراج، وقد كلفت النواب بتناول الموضوع مع رئيس الحكومة نفسه وأبدى اهتمامه بالمسألة ولكن استمر التأجيل ولا يزال قطاع الضرائب إلى الآن يتعثر للوصول إلى مستوى الرقمنة المانع للفساد، فالذي يجب أن يعلمه السيد رئيس الجمهورية أن الإرادة الشخصية والتشريع – كما تحدث عن ذلك في الحصة – ليس هو ما يحل المشكل، ولكن التدافع هو الذي يضيق على الفساد (les contre-pouvoirs) المتمثل ابتداء في الانتخابات الحرة والنزيهة التي تنتج نوابا نزهاء ومسؤولين وشجعانا، ثم حكومات بوزارات وإطارات نابعة فعلا من الإرادة الشعبية ومسؤولين يخافون الإقصاء الشعبي، ومجتمع مدني مفيد غير انتهازي، وصحافة حرة.

أما عن الاقتصاد الموازي الذي ذكره السيد رئيس الجمهورية في حديثه، فلا يمكن بتاتا أن يُحسب أداؤه في الناتج الإجمالي الخام، لأن الناتج الإجمالي الخام هو مجموع القيم المضافة التي تدخل الدائرة الاقتصادية الرسمية، والاقتصاد الموازي لا يدفع الضرائب فكيف يتم حسابه، والقطاع الموازي يجب التعامل معه لكي لا يبقى موازيا فيكون هامشيا، لا يمثل نصف الكتلة المالية التي تتحرك في السوق كما هو الحال اليوم.

الاقتصاد الموازي سرطان لا يمكن التعايش مع الحجم المدمر للاقتصاد الوطني الذي بلغه، وبدل القيام بالإصلاحات اللازمة التي تنهي الأسباب الحقيقية التي تديم وتوسع الاقتصاد الموازي، كالإصلاح البنكي والضريبي والإداري وإنهاء الفساد وابتزاز التاجر والمتعامل الاقتصادي وتوفير مختلف الخدمات التي يحتاجها المتعامل ليثق في الدولة ومؤسساتها وقوانينها فيُظهر أعماله ويدفع الضريبة التي عليه، فيرتفع الناتج الإجمالي الخام ارتفاعا حقيقيا، بدل ذلك نسمع أحيانا كلاما من بعض المسؤولين وكأنهم يشيدون بالاقتصاد الموازي.

إن رفع الأجور الذي ينفع المواطن الجزائري هو الذي تقابله وفرة في الإنتاج الوطني على مستوى السلع والخدمات التي تدفعها المؤسسات الاقتصادية الناجحة للأسواق المحلية والتي لها القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

أما رفع الأجور في الجزائر فلا علاقة له بالتنمية الاقتصادية، وإنما نتيجة الإصدار النقدي (طباعة النقود) الذي بدأه أحمد أويحيى وصادق عليه برلمان الأغلبية آنذاك ليكون لمدة خمس سنوات وبأعداد هائلة بعيدا عن كل القواعد والمعايير العلمية الاقتصادية لهذا الشأن كما شرحناه مرات عديدة في وقته، وكل المؤشرات تبين بأن هذا الإجراء المهلك للاقتصاد الوطني ولمعيشة المواطنين لا يزال مستمرا، وقد كان أحد المسؤولين شهما معنا، إذ اعترف خارج الإطار الرسمي قائلا لنا: “إن ما نبهتم إليه في مقاومتكم سياسة الإصدار النقدي كان حقا وما نعيشه اليوم من الارتفاع المطرد للأسعار وغلاء المعيشة هو ذلك الذي استشرفتموه في وقته”.

إن من أكثر التفسيرات ظلما لعقول الجزائريين هو التفسير الذي يذهب إليه السيد رئيس الجمهورية حين يطرح عليه سؤال غلاء المعيشة بإرجاعه ارتفاع الأسعار إلى المضاربة الإجرامية فحسب، إذ لا تمثل المواد التي يتم تخزينها بغرض المضاربة شيئا كبيرا بالنسبة لمختلف السلع والخدمات التي ارتفعت أسعارها، على مستوى المواد الغذائية، والمواد المنزلية والكهرومنزلية، ومواد البناء، والسيارات، وكراء المحلات والسكنات، وأسعار العقار، والمواد المدرسية وغيرها.

وحينما نتحدث عن المضاربة، ما هي آثار الحملة العاصفة التي تم إطلاقها، والتي أصابت تجار مجرمين حقيقة، ولكن مست كذلك أبرياء وفق ما جاءنا من شكاوي عائلاتهم، لم تؤثر هذه الحملة كثيرا على المستوى العام لارتفاع الأسعار. علاوة على أهمية التفريق بين المضاربة ومفهوم المخزون (stock) المؤسسي العادي بالنسبة للمواد القابلة للتخزين ضمن الحدود القانونية والمؤسسية المعقولة، إذ لا يمكن معاقبة الناس دون تشريع قانوني يمنع الظلم والفساد والابتزاز، ودون حماية استعمالهم القواعد المؤسسية المعمول بها.

كما أنه لا يمكن الاتكاء على التضخم في الأسواق العالمية لتبرير غلاء المعيشة في الجزائر، فالسكان في الدول الغنية مستاؤون من نقص الرفاه الذي تعودوه بفعل أزمة النظام الرأسمالي ذاته كما بيناه في العديد من المقالات والمداخلات، أما المواطنون في بلادنا فإن الملايين منهم يعيشون صعوبات معيشية جمة إذ الكثير من العائلات المستورة سابقا باتت تلامس مستوى الفقر، فالموظف الذي يأخذ أجرة شهرية في حدود 30.000 دج فقير فقرا مدقعا، والذي يأخذ 40.000 ليس بعيدا عنه، وبالكاد يصل الذي يأخذ 50.000 إلى حفظ توازنه المالي، أما إن كان يدفع أجرة كراء بيته، وزوجته لا تعمل، فهو في تعاسة وعوز كذلك، وليس بعيدا عنه في هذه الحالة من يأخذ 60.000 و 70.000 دج وربما أكثر. ومن أسوء ما نقله لي أحد المواطنين (لم أسمع ذلك بنفسي) أنه حينما سأل صحفي مسؤولا كبيرا عن الموظف الذي يأخذ أجرة 30.000 دج قال له: “ينافيغي” ونحن جميعا نعمل ماذا تعني هذه الكلمة الفرنسية التي عربت إلى الدارجة، أي عليه أن يجد مصدرا آخر، ولو بالرشوة أو السرقة أو غير ذلك، وصدق من قال: ” أن تعميم الرشوة وسيلة حكم في البلدان ضعيفة الأجور”.

وقبل أن نغادر الحديث عن غلاء المعيشة نؤكد ما ذهب إليه السيد رئيس الجمهورية في هذه المقابلة الإعلامية بأن الشعب لا تحركه إلا القضايا الاجتماعية، ولكنه يخطئ حين يقول بأن الشعب الجزائري راض ولم يخرج للشارع، فالشعب الجزائري خرج للشارع بالملايين في الحراك الشعبي بطريقة حضارية سلمية، وعبّر عن رفضه لطريقة إدارة البلاد، وخروجه هذا كان قبل أربع سنوات فقط، والشعوب لا تخرج للشارع في كل سنة، ولكن خروجها يخضع لحالات سننية لا يعرفها إلا الله والراسخون في العلم، وأكثر من يجهلها، في التجارب الإنسانية، هم الحكام.

إن الذي أدعم به كلام رئيس الجمهورية أنه ليست الأحزاب ولا الشخصيات السياسية من يخرج الناس للشارع، ولكن – عبر التاريخ – الحكومات هي التي تخرجهم حينما تفشل في خدمتهم وإسعادهم، ولا أظن أن رئيس الجمهورية يجهل بأن أولئك الموظفين الذين أشرت إليهم سابقا والذين ذكرت أجورهم ليسو في رغد العيش، ربما هم صابرون ولكن ليسو راضين، وهؤلاء بالملايين وليس بالآلاف ولا بعشرات الآلاف، وهؤلاء هم الطبقة الوسطى التي أشار إليها السيد الرئيس، والتي أوافقه الرأي بشأنها كونها هي صمام الأمان في البلدان فعلا. إن هؤلاء تتآكل قدراتهم الشرائية يوما بعد يوم في الجزائر، فالحذر الحذر.

إن الاقتصاد الجزائري لا يزال اقتصادا ريعيا يعتمد على الطاقة، وقد تحدثنا عن الحالة المعيشية الصعبة التي لا ينكرها أحد، أما التحسن الملحوظ في التوازنات الكبرى فسببها ارتفاع أسعار البترول والسياسات الحادة في تقليص الواردات، التي ساهمت في غلاء المعيشة وإعاقة بعض الصناعات.

إن اقتصادنا إنما يربح الوقت بالإصدار النقدي، وقد أعطاه الله فرصة أخرى بارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا.

ولا تزال الطاقة تعاني من مشاكلها الثلاثة التي أشرنا إليها في أعز مراحل البحبوحة المالية في زمن بوتفليقة رحمه الله، حين كانت العصابة تتأسس، لم يتغير شيء في إنتاج الطاقة، لم نصبح نقدر على إنتاج مليون برميل يوميا كما كنا من قبل، وتلك الاكتشافات التي تحدث عنها السيد الرئيس، تم الحديث عنها منذ سنوات، فهي كما قال الخبير في الطاقة والوزير السابق عطّار لن تكون بحجم حاسي مسعود وحاسي الرمل، فلم نر أثرا لها في الإنتاج المعلن عنه رسميا ولا أحد يتوقع ارتفاعا معتبرا في أكثر سيناريوهات الحكومية تفاؤلا، أما مشكلة الاستهلاك المحلي فإن السياسات الشعبوبة المتبعة والتي أكدها السيد الرئيس في مقابلته مع الصحافة لا تزال قائمة، لو تتواصل بهذه الوتيرة لن نجد ما نصدره في أجل منظور، وذلك بتوسيع إنتاج الكهرباء من الغاز بزيادة 150% كما ذكر الرئيس في لقائه دون مراعاة الآثار المستقبلية على قدراتنا التصديرية وعلى التوازنات المالية، ودون سياسات حازمة في الفاعلية الطاقوية، وبحديث كثير عن الطاقات المتجددة منذ 2011 بلا نتائج تذكر، وبلا اهتمام في إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية (التي باتت ربما التحولات في النيجر تتيحها).

أما الأسعار فهي الشيء الوحيد الذي يحرك المسؤول الجزائري فعليا، كما كان يقول الأستاذ بن بيتور “اقتصاد البرميل”، وهو عنصر لا نتحكم فيه، بل ليست لدينا قدرات الاستشراف في تطوراته، وقد تتراجع الأسعار في الوقت الذي نعتقد بأنها سترتفع.

ومن المؤسف حقا أن تكون الأسعار هي التي تؤثر تأثيرا فعليا على السياسات وأذكر في هذا الصدد الهلع الذي أصاب السلطات لما كانت أسعار البترول تتهاوى فأصبحت التحويلات الاجتماعية ودعم الأسعار تمثل قنبلة مميتة لهم فأطلقوا “مبادرة لم الشمل” من أجل تشكيل جبهة واحدة ترافق مراجعة سياسات الدعم وطلبوا مني تعيين من يمثلنا في اللجان الرسمية التي تدرس الموضوع، ولكن ما أن ارتفعت الأسعار بسبب الحرب طووا أمر المبادرة ولم تجتمع تلك اللجان أبدا.

ولا شك أن هذا التصرف دليل على العشوائية والسير في الشأن العام يوما بيوم دون رؤية وطنية جادة وصامدة، ولا رؤية حقيقية إلا رؤية الاعتماد على مداخيل الطاقة الأحفورية غير الدائمة.

ربما يكون إطلاق رقم الإنتاج المحلي هو أهم ما قيل في لقاء الرئيس مع الصحافة مما يثير الانتباه أكثر، ولكن يمكن مناقشة مضامين الخطاب في العديد من الأفكار المتعلقة بالقطاعات التي تم التطرق إليها والتي أتناولها في الفقرات التالية وفق الأهمية وليس وفق تسلسل ورودها في الحصة، وأكتفي في هذا المقال بتسجيل الأفكار التي أراها من وجهة نظري خاطئة وأعود في مساهمات لاحقة ما أمكن لإعطاء البدائل قطاعا قطاعا: – في ما يتعلق بالسكن، بدأ الرئيس متمسكا بالنهج القديم الذي أسسته الشعبوية الرسمية والتي تطبق في الجزائر منذ عقود دون أن تحل مشكل السكن رغم الحجم الهائل من السكنات التي تم بناؤها وتوزيعها منذ بداية التوجه والتي تتجاوز أصلا رقم حجم الطلب المتراكم منذ ذلك الحين كذلك، فرغم كل المجهودات الجبارة التي قامت بها الدولة في هذا القطاع لا تزال أزمة السكن مستمرة وتجر معها حجم عظيم من الفساد والتبذير والفوضى والبناء الرديئ وأحيانا الهش الذي عمق أزمة العمران في الجزائر، وقد أنشأ هذا الأسلوب العمراني ثقافات وعادات اجتماعية سلبية وأزمات نفسية مستعصية عقدت إدارة القطاع أكثر فأكثر.

وما قيل في الحصة من أحد الصحفيين في اللقاء عن نجاح البرامج السكنية الجديدة فإنه يجانب الصواب، إذ كيف يقال أنها نجحت ولم تقيم بعد تقييما موضوعيا من أي جهة كانت، وكيف يقال أنها نجحت والمكتتب لا يأخذ سكنه إلا بعد عشر سنوات وخمسة عشر سنة، وحين يدخلها يضطر لإعادة إصلاحها من الداخل وإذا كان حظه سيئا فمُنح سكنا في الطوابق العليا يدخل في مأساة جديدة، خاصة إذا كان في بيته مسنون أو مرضى، بسبب عدم وجود المصاعد أو اضطرابها الدائم في العديد من الأحياء، ناهيك عن عدم شفافية توزيع المواقع السكنية إذ يُحرم المكتتبون الذين يسكنون الأحياء المفضلة التي بنيت فيها سكنات عدل ويوجهون إلى أحياء أخرى بعيدة، ويؤتى بمكتتبين من أماكن بعيدة بدلهم بدون أي معايير واضحة، ناهيك عن ما يقال ويقال في خلفية هذا التوزيع غير الشفاف الذي قد نعود إليه إذا لزم الحال.

وما يقال عن برنامج عدل يقال عن البرامج الأخرى، ومن القضايا المهمة التي أثارها السيد رئيس الجمهورية بهذا الخصوص نفاذ الجيوب العقارية في العاصمة بما لا يسمح في الاستمرار في بناء سكنات البرامج الجديدة، والسؤال الذي يطرح لماذا تم اقتحام هذه الجيوب حتى نفذت، ثم حين تنفذ ولا تبقى فرصة للبناء في قلب العاصمة يطلب من الجزائريين التفهم كما تمنى رئيس الجمهورية في الحصة. وفي كل الأحوال من كان يريد أن يسكن في قلب العاصمة لن يتفهم ولن يقنعه رئيس الجمهورية ولكنه في الأخير سيقبل بالأمر الواقع حين يكون محتاجا فعلا للسكن.

إن السؤال المطروح في هذا الشأن لماذا تم إفساد الأنساق العمرانية ذات السكنات الفردية في العاصمة بإقحام بنايات شامخة في الجيوب العقارية؟ لماذا حرم السكان من المساحات الخضراء، والملاعب والمرافق وابتلي الجميع بالزحام المروري والكثافة في الفصول الدراسية، والتسبب في نمو الاضطرابات النفسية والآفات الاجتماعية ونشرها في كل مكان. لقد رأيت في الجزائر العاصمة في هذا الشأن حقا تدبيرا عمرانيا يصعب فهم خلفياته، وقد يتطلب منا الغوص أكثر في تلك الخلفيات.

وعلاوة على هذه الأخطاء التدبيرية إن محاولة جعل هذه البرامج هي أساس حل مشكل السكن خاطئ وسنتحدث عن الحلول التي نقترحها لاحقا.

لا شك أن السيد رئيس الجمهورية طرح أفكارا جيدة في العديد من الملفات، ومنها رأيه في أولوية السكة الحديدية، وأذكر أنني كنت أكرر هذا الرأي مرارا في سنوات الانبهار بالطريق السريع شرق غرب، إذ كنت أشرح مرارا بأن الدول التي تطورت اعتمدت على السكة الحديدية، وكنت أضرب المثل بألمانيا، كما بينت بأن التركيز على الطريق السريع على حساب السكة الحديدية كان بتأثير فرنسي، حيث كانت سوق السيارة الفرنسية تعرف ركودا كبيرا، خصوصا في أوربا، وأنها كانت تبحث عن منافذ سوقية أخرى، فوجدت الجزائر لقمة سائغة.

ومن تدابير لوبياتها في هذا الأمر بالإضافة إلى تشجيع الطريق السريع كان تشجيع القرض الاستهلاكي الخاص بالسيارات والذي جعل أعدادا هائلة من الموظفين يقتنون سياراتهم، ويا ليت لو كانت تلك الظروف فرصة للانتقال إلى صناعة السيارة الجزائرية بالشراكة مع شركات لها الاستعداد للانتقال من التصدير إلى الإنتاج بنسب إدماج متصاعدة، ولكن النتيجة كانت أكذوبة “سانبول” التي سميتها آنذاك ” أكذوبة القرن” في مداخلة تجاوزت مليون مشاهدة على اليوتيوب، وفي المقابل تم تدمير كل الماركات الأخرى غير الفرنسية إلى اليوم ومنها بشكل أساسي السيارة الألمانية التي كانت في رواق جيد في بلادنا، ولم تكن عليها مؤاخذات أكثر مما كان على السيارة الفرنسية التي حافظت على فرصتها إلى الآن، وأخشى أن يحدث للسيارة الإيطالية ما حدث للسيارة الألمانية.

إنني أتمنى فعلا أن تكون عزيمة الرئيس في المضي إلى إنجاز مشروع السكك الحديدية عزيمة قوية، ليس بين غار جبيلات وميناء وهران ومن أجل نقل الفوسفات إلى عنابة فقط، كما ذكر، بل لكل جهات الوطن، وقد تحدث مشكورا عن فوائد السكة الحديدية بما يكفي وبما يقيم عليه الحجة فلا داعي للرجوع لذلك، أتمنى أن لا يتم التراجع عن ذلك وأن لا نسمع مرة أخرى ما ذُكر في الحصة بأن خبراءنا قالوا أن الدراسة وحدها تدوم 30 سنة! وقد كان الجواب منقصا لمكانة هؤلاء الخبراء حيث تأكد بأنه سيتم المضي في المشروع بعد انتظار تقدير الصينيين، هؤلاء الصينيون الذين يعتمدون عادة السرعة في الدراسة وفي الإنجاز، وسيكون ذلك في مصلحة الجزائر وفي مصلحته الصين من حيث أن السكة الحديدية ستساهم في امتداد طريق الحرير إلى البحر الأبيض المتوسط قبالة الضفة الجنوبية لأوروبا.

ومن العبارات المثيرة التي أطلقها الرئيس قوله، الحجم العظيم من المياه التي قال بأنه تم تحليتها مما لا يتناسب مع المعقول، وكذلك بأنه يمكن توفير محطات تحلية مياه البحر لكل قرية على الساحل الجزائري، وأظن في هذا الصدد أن مستشاريه لم يضعوا بين يديه كلفة محطة تحلية المياه.

وبسبب الكلفة العالية لهذا الخيار لا يمكنه أن يكون هو الحل الجذري لمشكلة نقص مياه الشرب، كما أن مشاريع “النقل الكبير للمياه” (les grands transfers d’eau) عبر مساحات شاسعة في الصحراء ليست حلا للمشكلة، بسبب كلفتها، وكلفة المشاريع المرافقة كسلسلة المضخات لتجاوز إكراهات العلو، والصيانة عبر مساحات كبيرة.

وأذكر أن الأستاذ بن بيتور شرح خطأ هذه السياسات، وأكد على أن البديل هو إنشاء مدن جديدة أين توجد المياه الباطنية في الصحراء، حيث أن المدن والقرى قامت عبر التاريخ حول الماء، وقد فعل ذلك بعض الدول منها الولايات الأمريكية التي تحولت فيها بعض المناطق الصحراوية إلى جنات ومدن بهيجة عمرت بالسكان. وسنعود لاحقا كما ذكرنا في تقديم أفكار بديلة لحل مشكلة المياه عموما.

ومما يجدر الإشادة به تركيز الرئيس في قضية الأحزاب عن الوحدة الوطنية وبيان أول نوفمبر، وقد كان شعار “النوفمبرية، والنوفمبريون” هو أكثر ما تداولناه في حملتنا الانتخابية عام 2017، ثم جاء الحراك الوطني فجعل الشعار شعارا عاما لتيار عريض في الجزائر، غير أن الذي ننبه إليه أن بيان أول نوفمبر الذي دعا الرئيس إلى الالتفاف حوله يجب أن يكون منهجا عمليا يَظهر في سلوكنا الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأن تكون مرجعيته كاملة بكل مفرداتها ومنها مفردات بنده الأول: “دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وحينما نتحدث عن البعد الاجتماعي فلا يعني ما فهمتُه مما ذهب إليه الرئيس أنه التوجه الاشتراكي للدولة، وإنما هو النمط الاقتصادي الذي يقوم على التوزيع العادل للثروة والتضامن والتراحم وما يتيح للمجتمع أن يساهم في ذلك وأن يشارك في خلق الثروة بالحرية الاقتصادية وإتاحة الفرصة للكسب الحلال والتنافس النزيه ومنع ممارسات الغش والفساد والمحسوبية التي تفضل جزائريا على جزائري وتؤدي إلى تركيز الثروة عند أشخاص وجهات قليلة، وأن يكون المجتمع المدني حرا مساهما في التنمية الاقتصادية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي، مفيدا لا مستفيدا أو انتهازيا يدور حيث دار الحاكم بحثا عن المصالح الشخصية، كما أن بيان نوفمبر معناه الديمقراطية الحقة التي لا تتدخل فيها الدولة لترجيح كفة المنافسة السياسية والانتخابية لصالح حزب أو شخص أو تيار على حساب حزب أو شخص أو تيار بواسطة الانحياز الإداري والانتخابي وحتى في مجال التوظيف والترقيات وفق الانتماء كما هو جار.

ثم يكون الالتزام ببيان أول نوفمبر حين تكون المبادئ الإسلامية حاكمة حقا في قرارت الدولة وسياساتها وقوانينها ومناهجها التربوية وبرامجها الدينية والإعلامية، ولا يعني التمسك ببيان أول نوفمبر أن يُفرض على الأحزاب من قبل الدولة ولكن أن يكون الشعب هو الحاكم في من هو ممجد له فعلا وملتزم به حقا، وأن يظهر ذلك في الخطاب والسلوك السياسي للأحزاب الذي يقيّمُه المواطن بنفسه ويحكم عليه بصوته الانتخابي، ولو تحقق ذلك ستكون كل الأحزاب نوفمبرية بضغط الرأي العام وتوجهات الناخبين التي تسعى الأحزاب بطبعها لكسبها، فلا يكون تداول سلمي على السلطة إلا في إطار بيان أول نوفمبر كقاعدة جامعة لكل الجزائريين.

ومن المناسب هنا، في حديثنا عن الديمقراطية، التنبيه إلى ضرورة العمل على إزالة اللبس في العمل السياسي في من هو في السلطة ومن هو في المعارضة، ليكون رئيس الجمهورية المستقل عن الأحزاب حالة استثنائية وليست قاعدة سياسية خالدة كما هو الحال في الجزائر، لكي يظهر للجزائريين من الذي في الحكم ومن الذي في المعارضة فلا نجد رئيسا ينقد بصرامة، في اللقاء الأخير مع الصحافة، توجها عرفت به أحزاب الموالاة التي معه في الحكومة في مسألة إطلاق سراح رجال الأعمال المسجونين إذا أرجعوا ما نهبوه، فلا أحد من المتابعين يخفى عليه أن ذلك ظهر في خطاب حزبين من أحزاب الموالاة، كما أنه ليس من الديمقراطية أن يكون رئيس الجمهورية هنا هو النقابة كما قال في حديثه الأخير – حتى وإن كان قوله على سبيل المجاز – بل دوره أن يفسح المجال للحرية النقابية والمنافسة الحرة بين منظماتها في إطار القانون الواحد والممارسات الرسمية العادلة بين كل النقابات، وأن يستمع لمطالبها العادلة وأن تُحل المشاكل الاجتماعية والعمالية بالحوار القائم على المصداقية والنضالية والمصلحة الوطنية، وليس بتسخير النقابات لتكون سندا للحكام كأشخاص وتوجهات، وقد رأينا خطر ذلك، حين وُضع الاتحاد العام للعمال الجزائريين تحت إبط المسؤولين فأصبح جزءا أساسيا من العصابة، فلا نفع العمال ولا نفع البلد.

ومن جهة أخرى، فإن الالتزام ببيان أول نوفمبر معناه إعطاء الأولوية في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية إلى العالم العربي والإسلامي، فيجب أن يظهر ذلك في خطاب المسؤولين، وفي التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية، والتعاون الدولي، وفي تطوير وترقية المنظمات الدولية الإقليمية العربية والإسلامية، وإقامة وتشجيع أي مبادرة تعاون بين الأشقاء، وفي التواصل الشعبي الحر والمفتوح بين المجتمعات في إطار السياحة والتجارة والأعمال والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وغير ذلك، وخصوصا ما يتعلق بالفضاء المغاربي ومشروع وحدة المغرب العربي، وهذا الذي أراده بيان أول نوفمبر في بنده الخارجي: “تحقيق وحدة شمال إفريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.

وغير هذا وذاك مجرد ادعاء نبالغ فيه في حديثنا عن بيان أول نوفمبر، ربما لإحراج بعضنا البعض لا غير.

وفي الأخير يجب الإشادة بالتوجهات الخارجية للرئيس في لقائه مع الصحافة في عموم ما قال، فالتدخل الأجنبي في النيجر خطر على الجزائر والمنطقة فعلا، وتشجيع الحوار الداخلي والحلول التوافقية النجيرية-النجيرية هي الرأي السديد، ومساعدة الجيران والأشقاء وعلى رأسها الجزائر مقدم على تدخل قوى بعيدة عن المنطقة، خصوصا القوى الاستعمارية الفرنسية التي نهبت خيرات النيجر وتركته أفقر بلد في العالم.

وبخصوص العلاقة مع فرنسا يجدر بنا أن نناقش ما قيل في اللقاء الصحفي، لِما الاستماتة في الرغبة في تمتين العلاقة بفرنسا والإعلان عن ذلك بإلحاح، في الوقت الذي يوجد مشكل معها في أبسط قواعد اللياقة والدبلوماسية وهو برنامج الزيارة إلى باريس؟! وبخصوص اللغات من المفيد توسيع تعلم اللغة الانجليزية والفكاك من هيمنة اللغة الفرنسية التي ليست لغة علم ولا لغة تُسعِفُ المتعامل الاقتصادي أو السائح أو الفنان أو الرياضي حيثما ذهب في مختلف دول العالم، وربما نفكر كذلك في تكثيف تعلم اللغة الصينية باعتبار توسع المدى الاقتصادي ومستقبلا المدى الجيوستراتيجي للصين.

ولكن أثناء ذلك يجب الانتباه أن الأمم تنهض بلغتها الوطنية، فلا يجب الاستمرار في تهميش اللغة العربية، التي تحاصَر في التعليم، وبالمناسبة ننبه السيد رئيس الجمهورية بأن الطب لا يُدرّس باللغة العربية، كما قال في لقائه الأخير، ولكن يدرس باللغة الفرنسية.

كما أن العربية تحاصر في كثير من الإدارات التي لا تزال لغتها الرسمية اللغة الفرنسية، والعجيب في الأمر كأننا في دول داخل دولة، بعض الوزارات التزمت بقانون تعميم استعمال اللغة العربية في إدارتها مشكورة مبرورة، ووزارات أخرى لا تزال تتعامل رسميا باللغة الفرنسية، كما أن إنقاذ شرف اللغة العربية مطلوب في المحيط الذي يدنسه مواطنون وليست الدولة، كما هو الشأن مثلا في لافتات المحلات في الشوارع التي أغلبها باللغة الفرنسية، وكل زائر أجنبي يتجول في الجزائر العاصمة والكثير من المدن بإمكانه أن يشعر بأنه في فرنسا وليس الجزائر لهيمنة اللغة الفرنسية في الشوارع.

نختم مناقشتنا الأفكار والأرقام التي أدلى بها السيد رئيس الجمهورية، بالتطرق إلى موضوع عضوية الجزائر في “البريكس” التي كثر حولها النقاش دون أي فهم لطبيعة البريكس وشروط العضوية فيه، فالبريكس منظمة اقتصادية دولية لاقتصاديات صاعدة وصناعية ومنتجة لها أرقام ومؤشرات عالية في الناتج الإجمالي الخام وغيره، تريد أن تواجه مجتمعة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، بتشجيع التبادل بينها لتقوية بعضها البعض ولإنهاء تسلط الدولار الأمريكي على التبادلات المالية العالمية، وقد كررت عدة مرات في هياكل الحركة، منذ بداية الحديث عن الموضوع، بأن الجزائر لا تستطيع أن تكون عضوا في البريكس، بسبب ضعف مؤشراتها الاقتصادية خاصة الناتج الإجمالي الخام، والقدرات التكنولوجية والإنتاجية الصناعية، فهي تستطيع أن تكون قريبة من البريكس ولكن لا تستطيع أن تنال العضوية قبل أن تصبح قوة اقتصادية صاعدة فعليا وليس بالادعاء الذي يقنع السذج في بلادنا.

وفي الأخير وبعد أن عبرنا عن رأينا في ما قاله السيد رئيس الجمهورية بكل صراحة ولكن في إطار الاحترام، سيكون هناك بدون أدنى شك من سينكر عليّ نقد ما يقوله الرئيس، بخلفيات متعددة، قد يفعلها البعض بدافع التزلف للرئيس وشيعته رغبة في المحافظة على المكاسب الشخصية أو السعي لها، وبعضهم من منطلق السذاجة وقلة الزاد ممن يعتبرون أن ما يقال في “نشرة الثامنة” شيء مقدس وأن نقد الخطاب الرسمي مخالف لـ”الوطنية” أو هو خيانة لصالح “قوى أجنبية”، أو بدافع الاتهام الجاهز أنني أريد إظهار نفسي فحسب للترشح للانتخابات الرئاسية، أو ربما بدافع المنافسة الحزبية أو الشخصية بكل أنواعها بأن يجب على الناس جميعا أن يتوقفوا عن الفعل لعل العاجز الكسول الرديئ يجد مجالا للظهور في الأرض الموات.

إن هذا كله لا يهمني أبدا ولا يحركني على الإطلاق، وأنا حقا لست سعيدا أن أجد نفسي مضطرا للتعبير عن رأيي المخالف لما أعتقده خطأ في التوجهات الرسمية، وإنما أفعل ذلك قياما بالواجب كمواطن من حقه وواجبه أن يعبر عن رأيه، وباعتباري شخصية عامة تحملت مسؤوليات كبيرة، ومن ينتظر رأيي كثيرون، بل أن ثمة من أصبح يبالغ في انتقادي عن كثرة اهتمامي بالوضع الدولي مؤخرا والسكوت عن الأوضاع المحلية، وهم محقون في ذلك.

ولا أريد أن أسكت كما سكت الكثيرون، إذ لا يوجد اليوم من ينقد رئيس الجمهورية، كبشر يصيب ويخطئ، ولا يُرجى إصلاح ولا تغيير ولا تحسين ولا تطوير ولا منع للفساد في المؤسسات الرسمية والمجتمعية دون تدافع، يقول الله تعالى: “ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله، قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”، وهذا التدافع وإبداء النصيحة في السر حين يمكن ذلك وفي العلن حين يتوجب ذلك، هو الوضع الطبيعي في الحياة كمسلمين.

فقد كان من هم أفضل منا، رجالا ونساء، ينقدون من هم أفضل من حكامنا، علانية أمام الجمهور، وكذلك كمواطنين يكفل لهم الدستور التعبير عن نقد الرئيس، وكسياسيين هذا واجبهم حينما يكونون في المعارضة، أي غير معنيين بتسيير الشأن العام.

وكل ما نقوله هو آراء بشرية تحتمل الخطأ والصواب، ومن يبين لنا أخطاءنا نكون له من الشاكرين.

والحمد لله رب العالمين.

د. عبد الرزاق مقري

عاشوراء: ذكرى سقوط الفرعون

إن يوم عاشوراء يوم من أيام الله، ثبتت النصوص الشرعية لزوم ذكراه بالصيام والطاعة والعبادة، ضمن المنهج التربوي الإسلامي القائم على تكرار مناسبات الذكرى في اليوم والليلة، وفي الأسبوع، وفي مرات عديدة في السنة، حتى تبقى صلة المؤمن بالله دائمة إلى أن يصيبه الأجل فيلقى ربه وهو على ذلك.

ولأهمية يوم عاشوراء كان هو يوم الصيام الواجب على المسلمين قبل أن يصبح صيامه مندوبا بعدفرض صيام شهر رمضان، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_ قَالَت:ْ “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ”. 

غير أن الذي أود التنبيه إليه في هذا المقال، في هذه المناسبة، هو سبب تعظيم هذا اليوم، ألا وهو نجاة سيدنا موسى عليه السلام من فرعون، وصيامه هذا اليوم شكرا لله، مثلما جاء في الحديث: 

أخرج البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_ قَال:َ “قَدِمَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَال:َ مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، ونحن نصومه تعظيماً له”-. قَال:َ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم.ْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”.

فالجدير بنا، نحن المسلمين الذين بقينا على عهد سيدنا موسى وسائر الأنبياء عليهم السلام، وفق منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يكون يوم عاشوراء يوما للعبادة، ولكن كذلك يوما للتأمل في سبب تعظيم هذا اليوم، ألا وهو انتصار الحق على الباطل، ضمن أعظم قصة ورودا في القرآن الكريم، وهي قصة سيدنا موسى عليه السلام. 

إنه حقا لا توجد قصة من قصص الأنبياء احتفى بها القرآن كقصة سيدنا موسى عليه السلام، وما كان الله سبحانه أن يُفصّل في قصة سيدنا موسى لو لم يكن يريد منا أن نتأمل فيها، وإن يوم عاشوراء هو بالفعل يوم لنتدبر في تفاصيل هذه القصة وخصوصا قصة نهاية فرعون.

لقد تتبعت آيات القرآن الكريم حياة النبي موسى عليه السلام كلها، منذ ولادته إذ اضطرت أمه أن ترميه في اليم وحيدا في مهده تتهدده المخاطر، وعند نشأته في قصر فرعون، إذ عطفت عنه زوجة الطاغية، آسيا المؤمنة، فنُجّي من ظلم عظيم أصاب أمة من ذراري قومه، وعند شبابه وفتوته إذ وكز الذي هو من عدوه فقضى عليه، وإذ جمعه القدر وهو هارب من آل فرعون مع رفيقة العمر، عند ماء مدين، في مشهد عامر بمروءة الرجل الصالح وحياء المرأة العفيفة وشهامة النسيب الناصح المعين، وبعدما قفل مغادرا نسيبه النبي شعيب كان قبس النور وشرف الكلام مع رب العزة سبحانه، والتكليف بمهمة مواجهة أكبر طاغية تحدث عنه التاريخ، متسلحا بالحكمة وبيان أخيه هارون وبمعجزة اليد والعصا وباقي الآيات التسع.   

لقد كرر القرآن الكريم قصة تلك المواجهة العظيمة بين موسى وفرعون في مواقع عدة من كتاب الله بأساليب بيانية متنوعة بديعة، جعلها منهجا للمصلحين في كل زمان وهم يواجهون الظالمين في كل مكان. لقد كانت الرسالة التي كُلف بها واضحة تنقسم إلى شقين كما هي رسالة باقي الأنبياء ومن تبعهم من المصلحين، وقف الظلم ونجدة المظلومين، والإيمان بالله واتباع هديه: ((فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى )) طه، ولقد كانت تلك الرسالة تقوم في مبتدئها على اللين في القول: ((اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (43) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (44) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )) طه، وبالحوار والحجة والبيان وإظهار قوة الله في خلقه، ونعمه وآلائه وفضله : (( {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (50) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (51) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (52) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (53) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (54) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى (55) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )) طه.  

غير أن فرعون واجه النبي موسى عليه السلام كما يواجه الحاكم الظالم الداعية المصلح في كل زمان، بالكبر والمن والتشويه و الابتزاز والتهديد: (( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (19) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ))، وبسحر أعين الناس واستغفال السذج منهم، من خلال قلب الحقائق والتدليس وإيهام الناس بما يخالف الواقع: (({وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (57) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (58) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (59) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى )) طه. 

ولكي لا يَسأل أحد من المصلحين معجزةً خارقة في كفاحه ونضاله، إلا ما يقضيه الله ويريده، فلا يعتمد بعد الله إلا على الحجة والبلاغ، تأسيا بخير الأنبياء محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، بيّن الله تعالى كيف أن الخوارق لا تنفع من طَمسَ الكبرُ والظلم قلوبَهم

إذ رغم انصياع السحرة – أدوات فرعون في استغفال الناس – واتباعهم الحق، انقلب فرعون على قواعد المنافسة التي اختارها بنفسه، كما يفعل كل حاكم مستبد حين يتحكم في لعبة الحكم والسياسية فلا يربح فيها إلا هو، بالغش والتزوير والدوس على النصوص التي يكتبها لصالحه أزلامه وأعوانه.

وكما هو حال المستبدين كان عقاب السحرة التائبين شديدا لم يخففه عنهم سوى عمق الإيمان وقوة الثبات والاستخفاف بجبروت الجلاد، وهوان أمر الدنيا حين تتعلق القلوب بالآخرة: ((قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72))) طه.

غير أن كثرة من الناس بقوا يرهبون الفرعون ويطيعونه، قد استجهلهم لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، كما يقول المفسرون، لا يلقي لهم بالا، ولا يهتم بحالهم، إنما يلعب بعقولهم ليستعبدهم لا غير، فكانوا لفترة من الزمن سببا لدوام حكمه وثبات عرشه: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54))) الزخرف.

ولأن الخير وافر في كل قوم، ولأن الكلمة الطيبة تنفع حيث لا يتوقع نفعها، كان ثمة صنف آخر من الناس حول فرعون، لهم شجاعة وذكاء وكياسة في نصرة الحق وأهله، ذكر منهم القرآن مؤمن آل فرعون الذي دافع عن موسى بطريقته وخذّل عنه: ((وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)) غافر.

وبعد أن لم تنفع الكلمة الطيبة، والحجة البليغة، والنصر المبين في المنافسة، عاد موسى للكلمة الشديدة الحازمة في وجه هذا الحاكم الوقح المتسلط: (( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) )) الإسراء.

وبعد أن لم ينفع كل هذا جاء دور تسليط أنواع البلاء في الحياة والمعيشة كالقحط ونزول مستوى نهر النيل، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ومن عظم ظلم فرعون لنفسه وقومه وفسوقهم، أن كانوا يتحايلون على الله، يعلنون مراجعة أمرهم عند كل أزمة، ولكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه إذا انفرجت وعاودهم الريع: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (131) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (132) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (133) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (134) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (135) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ )) الأعراف.

ثم كان في الأخير يوم عاشوراء، اليوم الذي انقلب فيه فرعون على موسى بعد أن سمح له بقيادة قومه وحزبه، وأوشك على الخروج بهم من مصر ، فقرر فرعون ملاحقتهم مستنفرا وسائله الاتصالية في كل أنحاء البلاد، مستصغرا أمر الطائفة المعترضة على كفره وظلمه، المهاجرة خارج بلده خوفا من بطشه، مستغربا أنهم أغاضوه وفارقوه، وأن القاعدة في التعامل مع هؤلاء الذين يريدون الإصلاح الحذر ثم الحذر منهم، على قوس واحدة: (( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60)))

إن عبرا كثيرة نستشفها من هذه الملحمة العظيمة منها: 

– مقاومة الظلم والإصلاح في الأرض والدعوة إلى الإيمان بالله والتواضع للبشر مهمة الأنبياء وكل من سار على دربهم إلى يوم الدين.

– أن القاعدة الأولى في الدعوة والإصلاح اللين، غير أن الاعتقاد بأن ذلك ينفع مع المستبدين في كل الأحوال سذاجة مخالفة لمسيرة الكفاح من أجل الحق.

‐ الأفكار هي ميدان المعركة مع الطغاة، والحجة والبرهان هي أساس العملية الإصلاحية، وإن لم ينفع البلاغ والحجة والبيان مع رؤوس الاستبداد فسينفع في بيئة المعركة ذاتها وفي حشد الأنصار والأعوان، من داخل بلاط الحاكم وفي المجتمع الفسيح.  

‐ أن أساليب الطغاة والمستبدين هي ذاتها في كل وقت: الكبر، احتقار الناس، استعمال السذج، الكذب، الإغواء، قلب الحقائق، التحشيد، الغدر بالمخالفين ولو من الأقربين، الحذر والشك في الجميع، البطش، العدوان والقتل.

– لا يجب اليأس في محيط المستبدين، إذ كلمة الحق تخترق الجدر وتلج القلوب بلا إذن، وتتملك العقول بلا طلب، وتكسب المناصرين والأعوان من كل صوب وحدب، دون الحاجة إلى الاتصال بهم أو معرفتهم، فالفكرة هي الصلة بهم، ولهم أساليبهم وطرائقهم في نصرة الحق وأهله.

‐ في كل زمان أزلام للحكام يزينون لهم ظلمهم، يقتاتون من فتاتهم، ويصدقون سحرهم، يخافونهم ويرهبونهم، لا يحترمهم هؤلاء الحكام ولا يقيمون لهم وزنا، غير أن ضررهم شديد إذ يطيلون بقاء الفساد والاستبداد إلى أن يحل الدمار عليهم وعلى الجميع.

‐ لا يحل العقاب بالظالمين وأشياعهم وقومهم وبلدانهم مرة واحدة، وألوانه عديدة، منها الفرقة والقلق والاضطراب، والشك في كل شيء والرعب من كل مخالف، وكثرة الصراعات، ونشأة القوى المخالفة من وفي البلاط، والفشل في تطوير البلد وعمرانه، والقحط، واضطراب الأحوال الجوية، وغلاء المعيشة، وعدم الاستفادة من الفرص والريوع، والفتن والدماء، وقد تكون النهاية مدمرة تزول بها البلدان وتدمر العروش، ليس بالضرورة بشق البحر وغرق الفرعون كما هي قصتنا في يوم عاشوراء، ولكن في التاريخ نهايات مأساوية للاستبداد لم تتدخل فيها الخوارق من الآيات، وإنما تكون نهاية على قواعد السنن الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتغير.

ومن العبر العظمى أن على المصلحين أداء الذي عليهم، وأن الله كفيلهم وحاميهم، وأنه سيعلمهم سبحانه إن صدقوا كما علم الخضر موسى، وأن فكرتهم، إن كانت من مشكاة النبوة، محمية ومنصورة ولو جاء ذلك بعد وفاتهم.

‐ وفي قصة سيدنا موسى دليل على ذلك، إذ لم تنته معاناته بعد غرق فرعون، وإنما استمرت مع قومه إذ أغضبوه بميولهم الشركية فور نجاتهم، وانقلبوا على أخيه هارون حين ذهب هو لمناجاة ربه، فعبدوا العجل، ولما رجع بالشريعة فقضى على السامري وعجله رفضوا اتباع ما جاء به إلى أن رفع الله فوق رؤوسهم الطور، وحتى أولئك السبعون رجلا الذين لم يعبدوا العجل فاختارهم للقاء الله والاعتذار منه، اشترطوا عليه أن يروا الله جهرة بأنفسهم، إلى أن صعقهم الله فأماتهم ثم أحياهم بتوسل من موسى عليه السلام، تم كانت بعد ذاك محنة التيه أربعين سنة عقابا من الله لبني إسرائيل على عصيانهم أمر دخول البيت المقدس وجبنهم وخورهم وخوفهم الشديد من القوم الجبارين الذين كانوا في الأرض المباركة قبلهم: “قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (25) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ”. 

وعند نهاية التيه، زال معه الجيل الذي عصا الله وتمرد على نبيه واستحكم في أفراده المكر والتحايل على الحق والجدل وتعقيد الأمور على أنفسهم كقصتهم العجيبة مع البقرة، واستبدلوا الذي هو أدنى من المأكل والمشرب وشظف العيش الذي صاروا إليه بما هو خير من ريوع المن والسلوى والظل الظليل الذي كانوا فيه، وبرز جيل جديد بريئ من فساد الذمة والسريرة تحمل ذلك الشظف وعاش بلا ريع وآمن بالله وتوكل عليه فاستحق أهلية الاستخلاف ففتح الله على يديه. 

ومن الأحداث ذات العبرة في قصة موسى أن الله تعالى لم يكتب الفتح على يديه عليه السلام، رغم معاناته الطويلة، وإنما كان التتويج بأيادي جيل الشباب الذي صنعه من ذرية بني إسرائيل الذين قضوا في التيه، فكان الفتح بقيادة واحد منهم هو النبي يوشع بن نون الذي رافق موسى من قبل في السفينة في رحلة من رحلات التأهيل والتكوين التي لقي في آخرها الخضر الذي علمه الحكمة. لقد اكتفى سيدنا موسى عليه السلام في آخر عمره أن طلب قبل موته من الله تعالى أن يكون دفنه أقرب ما يكون إلى بيت المقدس، إذ يقول النبي محمد ﷺ: «دفن عند الكثيب الأحمر -على الطريق إلى القدس- فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكُم قبرَهُ». وهذا هو حال كثير من المصلحين والقادة والزعماء يصنعون الأفكار والأجيال التي تصنع النصر ولكن لا يُكتب لهم التتويج.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

 

بمناسبة الذكرى 61 لعيد الاستقلال: مشروع نجدد له العهد

سنجدد في الذكرى 61 لعيد الاستقلال، في هذا اليوم 05 جويلية 2023، العهد مجددا، في إطار الاحتفالات المطلوبة، وبعيدا عن لغة الخشب الممجوجة، لكي نفعل ما نستطيع من أجل:

– أن تكون الدولة الجزائرية قوية مزدهرة عادلة حصينة، وأن نحميها ممن يريد تدميرها و/ أو إضعافها خارجيا، وممن يريد تفتيتها وتحليلها من بعض من يسيرها من داخلها إما بسبب الفشل أو الفساد وأو العمالة، و/ أو ممن يسعى لتحويلها أو تقسيمها أو تلوينها على غير لونها من اللوبيات المجتمعية صاحبة النفوذ والتأثير المافيوية أو التابعة لثقافات ومصالح أجنبية.

– أن تضمن الحريات في هذا البلد، في الكلمة والتنظيم وتأسيس الجمعيات والأحزاب وأن يكون التنافس الحر والنزيه في الاقتصاد والسياسة والتعليم والرياضة والعمل الاجتماعي وغير ذلك، وأن تتجسد الديمقراطية الحقة، فلا إرادة فوقية خفية أو علنية، إدارية أو عسكرية أو أمنية أو مالية، تصنع الحكام خارج السيادة الشعبية الحقيقية، أو تفرض المسؤولين بالتزوير الانتخابي والتحايل على الإرادة الشعبية، وتسخير قوة الدولة وسلطة الإدارة لصالح هذا الحزب أو ذات، أو لصالح هذه الفئة أو تلك، أو لصالح هذا الشخص أو ذاك.

– أن تكون الدولة شعبية مدنية يصنع مؤسساتها الشعب ويحمي مؤسساتها الشعب، ويستفيد منها الشعب في كل أنحاء الوطن في إطار العدل والمساواة، وأن تكون كل المؤسسات فيها لصالح الشعب كله، فلا تحيز بين جزء من الشعب وجزء آخر، في إطار دولة القانون، لا على أساس عرقي أو جهوي أو فئوي، ولا على أساس الفساد وشبكات المصالح ولا في إطار اللوبيات الأيديولوجية والثقافية. أن تكون الدولة شعبية لا شعبوية يُضحك فيها على المواطنين بالإجراءات المسكنة للأوجاع والمعالِجة للأزمات اللحظية والاحتياجات الضاغطة على حساب مستقبل الشعب والبلد.

– أن تكون الدولة اجتماعية تحقق الرقي الاجتماعي واليسر في الحياة وكرامة العيش على أساس قيمة العمل والتنمية الاقتصادية وتوسيع فرص الشغل، من خلال الشبكات الممتدة للمؤسسات الاقتصادية في الفلاحة والصناعة والخدمات، التي تقوم على أساس التطور التنكتولوجي والإدارة الرشيدة، والتي يزيد عددها باطراد أكثر مما تنقص، تماما كما هي خلايا الجسم السليم، بما يؤدي إلى رفع مستوى دخل الأفراد والثروة الوطنية، وتوفير البضائع وتيسير القدرة الشرائية وتمكين كل مواطن – بدون وسائط ولا رشوة ولا “معريفة” – من أن يقتني سكنه بالإيجار المتوفر والمقدور عليه في كل مكان في الجزائر، وأن يستطيع القادر والراغب في بناء مسكنه الفردي على التوفير والاقتصاد في حياته وبالخدمات البنكية التي تتماشى مع قناعاته ومعتقداته، وأن يحصل على الخدمات الصحية الضرورية لأمنه الصحي بالمجانية الحقيقية المعتمدة على تغطية الضمان الاجتماعي لكل الأدوية والعمليات الاستكشافية والعلاجية، وأن ينعم بمختلف الخدمات في التنقل والاتصال والسياحة وغير ذلك. وأن تتاح الحرية للمجتمع ليَبني شبكاته التضامنية بعيدا عن سياسات التحكم السلطوي ليكون التضامن لصالح المواطن وليس لصالح رياء وغرور الساسة، وليكون مخفِّفا للأعباء على الدولة وليس لزيادة الأعباء عليها، وذلك من خلال التوزيع العادل للثورة الذي تبنيه مؤسسة الزكاة وشبكات الأوقاف ومختلف المؤسسات المدنية التطوعية الخادمة للإنسان ورقيه الاجتماعي. إذ هذا هو الاقتصاد الاجتماعي الذي يتماشى مع مقاصد بيان أول نوفمبر .

– أن نضمن سيادة بلدنا ودولتنا بالعدل القائم فيها والتفاف الشعب المعتز بها حولها، وبصلاح ووطنية وكفاءة المسؤولين في مؤسساتها، وبقوتها العلمية والاقتصادية وأمنها الغذائي والصحي، وبقدرتها على التعبير عن نفسها خارجيا إعلاميا وفنيا ورياضيا وسياحيا، وبالدفاع عن لغتها الوطنية فلا تنافسها لغة أجنبية في التعاملات الإدارية وفي التعليم وفي الإعلام والأسواق إذ لا سيادة لدولة تسيطرة عليها لغة أجنبية ، وبقوة جيشها المبني على العقيدة العسكرية الوطنية لحماية البلد وأمنه ومقدساته دون التّعطل والانشغال بالتدخل في التنافس السياسي، وبصناعة سلاحه، و كفاءة مخابراته وإداراته، وجاهزية وأعلى مستويات تدريب ضباطه وجنوده، وبملاحقة العملاء الذي يريدون إلحاقنا بثقافة المستعمر وخدمة مصالحه الاقتصادية والجيوستراتيجية، وبحسن اختيار وإدارة التحالفات الإقليمية والدولية، لكي تكون إرادة دولتنا مفروضة في أعماقنا الاستراتيجية وفي المحيط الإقليمي والدولي، فلا يسبقنا حول حدودنا حضور أجنبي يهدد مصالحنا ولا يُصنع العالم المستقبلي في غيابنا.

– أن تكون المبادئ الإسلامية هي الإطار الذي نعمل فيه لتحقيق كل أهدافنا النوفمبرية، فلا نسمح في التردد في ذلك، ولا نتحمل مكائد أبناء وذرية الاستعمار في التشكيك في هويتنا ومحاربة قرآننا وسنة نبينا ولغتنا وكل مقدساتنا، ولا يمكن أن يكون ثمة تشريع يصادم ديننا ولا إجراءات وتصرفات تعاكس مبادئ إسلامنا، وأن نخدم تلك المبادئ في الدراسات والاجتهاد العلمي والمجامع العلمية والفقهية وتكوين الإمام وصيانة كرامته وحقوقه ومنحه حريته في تعليم الناس الدين وتوعيتهم بمقاصده، وأن تظهر الهداية الإسلامية في التعليم وفي الأسرة والعلاقات الاجتماعية وفي الاقتصاد وفي القانون وفي العلاقات الدولية.

‐ أن نجدد حلم وحدة شمال افريقيا ضمن إطاره الطبيعي العربي الإسلامي بأن تكون بدايته النجاح في مشروع وحدة المغرب العربي، وتطهير هذا الفضاء من الصهاينة والعملاء بخطة محكمة حكيمة في التعامل مع الأشقاء المغاربة بما يحررهم من قبضة أعدائهم وأعداء الأمة والجزائر، ويضعف التوجهات الصهيونية والعاملة لصالح القوى الاستعمارية في هذا البلد ولا يقويها، وأن تكون المحبة بين الشعبين هي وقود ذلك بدل الأحقاد التي لا تخدم إلا أعداءنا وأعداء الأمة وتضعفنا كلينا، وأن نرتفع عن صراع الأنداد مع الأشقاء بالاستغلال الأمثل لمقدراتنا التي أنعم الله بها علينا، فلا يطمع أحد في منافستنا أو الكيد ضدنا فتكون الوحدة المغاربية تحصيل حاصل في أمد زمني معين. وإذا ما صلح الأمر كذلك في مصر فإن وحدة النيل ستتحقق فنكوّن معا محور شمال افريقيا بحدود 300 مليون ساكن فيكون ذلك هو طريق حل مشاكل المشرق العربي المعقدة المستعصية، وذلك هو طريق نهضة العالم العربي ثم الوحدة الإسلامية مع الدول الناهضة في العالم الإسلامي كله.

ذلك هو الاستئناف الحضاري المنشود نجد أصوله الفكرية في بيان أول نوفمبر.ولذلك تجديد العهد للعمل من أجله بمناسبة الذكرى 61 لعيد الاستقلال هو مشروع حياة، هو مشروع جيل، هو مشروع أجيال.

عبد الرزاق مقري

في ذكرى خطبة حجة الوداع

يوم الحج الأكبر يوم عظيم من أيام المسلمين أكمل الله به الدين بقوله: ((  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ))، اكتمِلت بفرضه أركان الإسلام الخمسة، وأتم الله به النعمة بفتح مكة وإحباط الأصنام فيها ثم بتحريم دخولها والطواف بالكعبة لغير المسلمين، وإنهاء وثنياتهم وعريهم وفسادهم في هذا المكان الطاهر.

وبقي هذا اليوم يتكرر يشهده الحجاج بالملايين في أعظم تجمع بشري في الأرض، يأتونه من كل حدب وصوب، من كل أنحاء الدنيا، ويتابعه المسلمون في كل أصقاعها، يحضرونه بمشاعرهم ومشاركتهم الحاج في الذكر والطاعة والدعاء وصوم يوم عرفة، ويجعلون فرحته بعد الوقفة في يوم النحر فرحة المسلمين جميعا، اتباعا لسنة المصطفى بأن يكون ذلك اليوم يوم عيدهم الأكبر، يذكرون  فيه  طاعة أبيهم إبراهيم وابنه اسماعيل لربهما، ورحمة الله بهما، عليهما السلام، بأن تكون الطاعة بالتضحية بالأنعام لا بالإنسان، يكررون المشهد في كل حي وفي كل قرية وفي كل بلد في العالم، ليكون يوم العيد يوم أكل وشرب وفرح وسرور وصلة الأرحام والتزاور والتراحم، للأغنياء المضحين والفقراء المشاركين في الأكل من الأضاحي كحق واجب على المضحي، هو من يحمل عناء البحث عن الفقير المحتاج ليكرمه ويدخل السرور على قلبه،  وكأن يوم عيد الأضحى يوم عالمي لسرور الإنسان والتواصل بين الناس ومحاربة الحرمان وسوء التغذية وتحريك سوق الماشية وتدوير المال بدل تكنيزه.

ثم إن ثمة حدث عظيم آخر من الفعاليات الكبيرة التي وقعت أيام الحج الأكبر لا نحتفل به وهو خطبة حجة الوداع، ويجدر بنا أن نفعل ذلك في كل بلاد المسلمين، منذ بداية شهر ذي الحجة، بتنظيم الملتقيات والندوات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وفي المدارس والمساجد والمعاهد، لإعلاء شأن هذه الخطبة العظيمة وتبيان فوائدها للبشرية جمعاء وشرح مقصادها ونصوصها مجملة أو موضوعا موضوعا،  مما فيها من القواعد والمعاني والتوجيهات والمواعظ المفيدة العظيمة.

لقد أنتج الغرب نصوصا في إقرار الحقوق والواجبات التي تنتظم بها حياة البشر فجعلوها عالمية، تُفرض في التشريعات الوطنية، وتدرج في المناهج التعليمية، وتنشر عبر الوسائل الإعلامية، وتفرض على كل الأمم أبعادُها الثقافية الغربية،  ونحن لدينا من النصوص ما هو أقدم واقدس وأبلغ وأشمل منها ولا نحتفي بها ولا نستفيد منها ولا نفيد منها البشرية. وأعظم هذه النصوص الإسلامية نص خطبة حجة الوداع. وهي الخطبة التي كانت قي حجته عليه الصلاة والسلام الأولى والأخيرة في السنة العاشرة للهجرة، وسميت بخطبة الوداع لاحقا لأنها جاءت قرابة ثلاثة شهور قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، وقد تميزت بأسلوبها ومضمونها، إذ كان الأسلوب مما يُدرّس اليوم ويُدرب عليه المتحدثون لجلب انتباه المستمع ( اسمعوا/ لعلي لا ألقاكم/اعقلوا قولي/ ألا هل بلغت/ فما أنتم قائلون/رفع السبابة وتكرار العبارات المفتاحية..)، وكان المضمون يتعلق بالأسس التي يستقيم عليها الاجتماع البشري بإعلان حرمة الدماء والأموال وقدسيتها كقدسية المكان والزمان الذي كان فيه في مكة  المكرمة في الشهر الحرام في عرفة وأيام الحج، وبإعلاء شأن الأمانة التي لا تستقيم الحياة إلا بالالتزام بها، وتأكيد حرمة الربا الذي اتضح جليا في كل الأزمنة وفي زماننا بشكل خاص بأنه هو سبب فساد النظام الاقتصادي العالمي واضطراب الموازين الاجتماعية وانتشار الفقر والعوز والظلم والفساد في الأرض، وأحبط صلى الله عليه وسلم أسباب الضغائن والأحقاد بوضع دماء الجاهلية، ولكي تطمئن النفوس ويثق الناس في ما يلعن أعلن قاعدة العدل ولو على النفس والأهل بأن بدأ عليه الصلاة والسلام بوضع دم وربا أهله،  كما شدد على الأخوة الإسلامية ومنع أخذ أحد شيئا من أحد من غير طيب نفس، وأنكر أشد الإنكار التقاتل وسفك الدماء، وأقر الوحدة الإنسانية بأصل الآدمية الواحد، وأن لا فرق بين الناس على أساس العرق، وأن الأكرم هو التقي، وخص المرأة بما لا يخص به غيرها في خطبته فأوصى بها خيرا وحذر من قهرها وبيّن واجبها تجاه زوجها في صيانة عرضه وغيبته، ودل على حقها عليه وأن الإنفاق واجب الزوج وأن يكون ذلك بالمعروف، وأحبط  عليه الصلاة والسلام بخطبته ما كان يسلط على المرأة من الظلم في العشرة والميراث وبالوأد وقلة تقديرها ومنع حقوقها. وحذر من التلاعب بالمفاهيم والأزمنة لتحريم الحلال وتحليل الحرام، ومن اختلاط الأنساب بسبب العهر والتبني الباطل وادعاء نسب بغير حق،  وأعلن أن أصل كل هداية وفلاح في كتاب الله  فهو الحافظ من الضلال والضياع واضطراب وجهة الأمة ما كان التمسك به ثابتا دائما.

والله نسأله أن يحيي الأمة بهذه الخطبة العظيمة.

د. عبد الرزاق مقري

الصدقة والنظام التكافلي في الإسلام

إن شهر رمضان جامع لكل الطاعات، صيامه ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو في نفس الوقت فسحة تربوية عميقة وواسعة الأثر في تقوية الأركان الأخرى في نفس المسلم، فالاشتغال بالقرآن يعمق معاني شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إذ سماعه وتلاوته يذكران بالله وبصفاته وأسمائه وبمقتضيات التوحيد كلها، وفي رمضان يتمسك الصائمون بالصلاة أكثر من أي شهر آخر فتعمر المساجد ويقبل الناس على النوافل والتراويح وقيام الليل، ولا يوجد شهر يتراحم فيه المسلمون بإطعام الطعام والإنفاق على المحتاجين كشهر الصيام، وفيه تتوافد على بيت الله الحرام حشود المعتمرين من كل حدب وصوب في مظاهر عظيمة تذكر بأيام الحج الأكبر.

وكل هذه الأجواء العبادية البديعة تؤكد أن شهر رمضان هو فعلا شهر للتذكير والتصحيح والتدريب للمحافظة على الأركان وتحصينها بأحزمة عبادية تطوعية يتعوّد عليها المؤمن لما بعد الشهر الرمضاني الفضيل.
ومن أعظم هذه الطاعات التي تشيع وتنمو في هذه المناسبة الصدقة وإطعام الطعام، وقد جاءت النصوص الصحيحة قوية تؤسس لهذا الموسم التراحمي منها الحديث الصحيح الذي وصف فيه أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ((أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ))، ومنها الحديث الحسن الصحيح الذي رواه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره، غير أنه لا ينقصُ من أجر الصائمِ شيئًا))، كما فرض الإسلام زكاة الفطر على كل صائم قادر عند انقضاء الشهر ينفقها عن كل ما تجب عليه نفقته، وفق ما ورد في الصحيحين وما تواتر عن المسلمين فعله منذ العام الأول الذي فرض فيه الصيام إلى اليوم، وهي زكاةٌ لجبر ما نقص من صيام الصائم ولإطعام المحتاج كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». بل إن ثمة مسؤولية عامة على الصائمين لصالح الفقراء والمحتاجين في ديننا، إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يتضامنوا بينهم في العيد حتى يفرح فيه وبه جميع المسلمين، فقيرهم وغنيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم )).
واتباعا لهذا الهدى تفتح أبواب الخير على مصراعيها في أيام رمضان، وتتسع سبل الخيرات، فترى محلات إفطار الصائم في كل الأحياء في كل أنحاء الدنيا، ويخرج الشباب يقابلون المسافرين لإطعامهم على الطرقات في كل مكان، وتفتح البيوت لإكرام الصائمين في كل البلدان، ويتنافس المحسنون ويتفنون في الإنفاق على مختلف المأكولات والمشروبات في موائد الإفطار في المساجد والمطاعم ودور استقبال الصائمين المتنوعة، كل هذا ضمن حركة مالية عظيمة خيرية لا يقع مثلها ولا قريبا منها في أي أمة من الأمم. فإذا أقبل العيد، يأخذ الفقراء مما فضُل عليهم، والأغنياء مما تفضل الله به عليهم، فيوصلوه بأنفسهم وبطيب خاطر للمحتاجين قبل صلاة العيد في دوران للمال نحو الفئات الهشة على نطاق عالمي بديع أدهش الدارسين الاقتصاديين والاجتماعيين من غير المسلمين.
إن ما يحدث في رمضان إنما هو تكثيف لخصيصة إسلامية فريدة في النظام الاجتماعي الإسلامي وقواعد المنظومة التكافلية ببن المسلمين بنيت على أسس متينة منها:

‐ أن المؤمنين في الإسلام إخوة برباط العقيدة وفق قوله تعالى في سورة الحجرات: ((إنما المؤمنون إخوة – 10))، يتعاملون بينهم من منطلق الولاء لبعضهم البعض وفق قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)))، بل هم كالبناء الواحد المتماسك المتناغم وفق الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا))، وهم جسد واحد تتأثر جميع أعضائه بما يصيب أي عضو منه كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)).
‐ وأن المال الذي بين يدي الإنسان إنما هو مال الله جعله سبحانه مستخلفا بين يدي العباد وفق قوله تعالى في سورة الحديد: (( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))). وأن ما يأخذه الفقير من الغني إنما هو حقه مفروض له من صاحب المال الأصلي، قال الله تعالى في سورة المعراج : ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. 24.25))، وفي سورة الإسراء: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . 26))، إذا لم يعطها الغني طواعية تؤخذ منه جبرا من الحاكم وفق قوله سبحانه في سورة التوبة: ((خُذ مِن أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكّيهِم بِها وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَاللَّـهُ سَميعٌ عَليمٌ. 103))».
‐ أقام الإسلام نظاما اجتماعيا اقتصاديا متكاملا لرعاية الفقراء والمساكين، أساسه فرض الزكاة التي قرنها الله تعالى في القرآن الكريم بإقامة الصلاة في اثنتين وثمانين آية كقوله تعالى في سورة البقرة: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ. 43)) وهي ركن من أركان الدين كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله يلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان))، والزكاة ليست مجرد صدقة عادية، بل هي منظومة كاملة اقتصادية اجتماعية هدفها الأسمى هو محاربة الفقر ومختلف آفاته ومخاطره على الفرد والمجتمع، فالله تعالى حدد مصارف الزكاة لكي لا تستعمل في غيرها في قوله تعالى في سورة التوبة: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.60)) وتُركت شروط ومواصفات كل مصرف للفقهاء والمؤسسات المتخصصة لكل عصر لتحديد ذلك، وقد تحولت الزكاة في هذا العصر في كثير من البلدان إلى مؤسسات مالية لخدمة المصارف الثمانية على أساس العلم والدراسات الاقتصادية الاجتماعية. وعلاوة على الزكاة ثمة كثير من التشريعات والابتكارات التي أنشأها الإسلام في منظومته الاجتماعية كالمواريث والأوقاف والكفارات ومختلف أنواع الصدقات.
‐ ولإجبار الله تعالى الأغنياء على الزكاة ولكي لا يخرج حق حرية التملك الذي يقره الإسلام عن مقصده حرّم الله تعالى تكنيز المال الذي لا تخرج منه الزكاة بقوله تعالى في سورة التوبة: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. 34))، فباتت الزكاة ذاتها محفزة لاستثمار المال لكي ينمو، وكلما نما استفاد منه الفقراء، ويفيد هذا المعنى ما رواه الدارقطني والبيهقي بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه قال : (( اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)).
‐ كما حرّم الله أن تبقى الدائرة المالية بين الأغنياء فقط فلا يدخلها غيرهم ولا يستفيد منها المحتاجون كما قال الله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))، ويذكر سيد قطب في تفسير هذه الآية كلاما بديعا في النظرية الاقتصادية الإسلامية والنظام الاجتماعي في الإسلام منه قوله: ” فالملكية الفردية معترف بها في هذا النظرية، ولكنها محددة بهذه القاعدة، قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، ممنوعا من التداول بين الفقراء، فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم الاجتماعي كله، وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد.”، وأهم وسيلة اعتمدها الإسلام لمنع تركيز الثروة في أيادي قليلة، بالإضافة إلى فرض الزكاة، هي تحريم الربا وجعله من الكبائر التي يمحقها الله في قوله تعالى في سورة البقرة: ((يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. 276))، ويحارب مقترفيها كما جاء في سورة البقرة: ((فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ 279 ))، بالإضافة إلى ترتيبات تشريعية أخرى فصلتها السنة النبوية منها تحريم الاحتكار والغش والفساد وغير ذلك. وهذا خلافا للنظام الرأسمالي السائد الذي وضع ثروات الكون كلها عند فئة قليلة لا تمثل 2% من سكان المعمورة فانتشر الفقر والعوز والمرض والجهل في بلدان بكاملها وأعداد هائلة من البشر في مختلف أنحاء العالم.
‐ وعلاوة على حق الزكاة جعل الله تعالى للفقراء حقوقا أخرى في أموال الأغنياء عبر الترغيب الواسع في الصدقات الذي يتكرر بشكل كبير في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، فجعل الله تعالى الصدقة شرطا لبلوغ درجة البر والصلاح وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ. 92))وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عدّ الصدقة هي دليل الإيمان والصلاح فقال في الحديث الذي رواه مسلم: (( الصدقة برهان))، ووعد الله المتصدقين بمضاعفة الأجور يوم القيامة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. 261))، وقوله في سورة الحديد: ((إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ. 18))، وقوله سبحانه في سورة البقرة: ((مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)). وجاءت السنة تؤكد ذلك في سلسلة كبيرة من الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث، الذي يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة عظيمة كافية لرسم التصور الصحيح للمال بالنسبة للمسلم، وهو ما رواه مسلم عن عبد الله بن الشخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي! مَالي! وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)).
‐ ولترغيب الميسورين في الصدقة وعدهم الله تعالى في القرآن الكريم بطرق عديدة بأنه سيبارك في أموالهم ويخلفها وينميها لهم في الدنيا، ومن ذلك قوله تعالى في سورة سبأ: ((وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. 39))، وأكدت السنة النبوية ذلك في أحاديث صحيحة كثيرة منها الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ))، ومنها الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ..)) كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فوائد كثيرة يصيبها المتصدق في حياته الدنيا ومن ذلك دفع البلاء وشفاء المريض وانشراح الصدر وعلاج داء قسوة القلب وغير ذلك.
‐ ولجعل الصدقة سلوكا عاما بين المسلمين، يتصف به الغني كثير المال، والفقير الذي لا مال له، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بأقل المتاح وفق ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة؟))، كما أن أجر المقل قد يسبق أجر المكثر وفق ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها)).
‐ وكما نظم الإسلام الزكاة بتحديد مصاريفها، فإنه نظم مختلف الصدقات ومختلف دروب الإحسان للغير بتحديد الأولويات فيها، فجعل الأهل والأرحام أولى من غيرهم ثم ما سواهم كالجار والصاحب بالجنب وابن السبيل وفق ما جاء في الآية الكريمة في سورة النساء: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36))) وفي الحديث الصحيح: (( ابدأ بنفسِك فتصدق عليها فإن فضل شيءٌ فلأهلِك فإن فضل عن أهلِك شيءٌ لذوي قرابِتك فإن فضل شيءٌ عن ذي قرابِتك فهكذا وهكذا)). وتجب الصدقة كفائيا في حق كل من يتعرض للمهلكة إن لم يأخذها، وتتعين على من يعرف حاله. وقد تجب الصدقة للبعيد في حال العدوان على المسلمين في أي بقعة من بقاع الأرض وفي حين المجاعات والنكبات، وقد حدث في عهد سيدنا عمر قحط لأهل الحجاز فأرسل إلى ولاته بالأنصار ليعينوه في تلك الضائقة فتسابقت الأقطار الإسلامية في الاستجابة إليه.
‐ ولتحقق الصدقة مقاصدها فيقبلها الله من صاحبها وينميها له، وتؤدي فعلا إلى إكرام الفقير والمسكين والمحتاج إليها، وتتسبب في الاستقرار الاجتماعي وتقلص العداوات والصراعات الطبقية فإنه يجب أن تكون بنية طيبة خالصة لله تعالى من مال طيب حلال كما جاء في قوله تعالى في سورة الإنسان: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا 8-12))، وقوله تعالى في سورة البقرة: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. 267)) وعلى نحو ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما تصدَّقَ أحدٌ بصدَقَةٍ منْ طيِّبٍ ، ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطيبَ ، إلَّا أخذَها الرحمنُ بيمينِهِ ، وإِنْ كانتْ تَمْرَةً ، فتربُو في كفِّ الرَّحمنِ حتى تَكونَ أعظمَ مِنَ الجبلِ ، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصيلَهُ)).
‐ ومن شروط وآداب الصدقة وفق هذه النصوص إكرام المتصدق عليه وعدم إشعاره بالمهانة، وعدم إذيته بالتأفف أو بأي شكل من أشكال الحديث أو التصرف وعدم المن عليه بالحال أو المقال أو الاشتراط، فإن الله قد حرم ذلك وجعله مذهبا لأجر التصدق كما قال تعالى في سورة البقرة من الآية 264: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ)). ومما أظهرته الدراسات أن المن والإذية والتعالي أثناء تقديم الصدقة يربي الحقد والضغينة عند الفقير تجاه الغني، وهو عكس المقصد الذي أراده الإسلام وهو أن يفرح المتصدق بتقديم صدقته والنظر إلى الفقير على أنه فرصة للنجاة والبركة وأن يفرح الفقير بالغني ويعدّه فرصة لكرامة العيش.
‐ ومما يساعد على القبول والأجر وكرامة الفقير تقديم الصدقة سرا، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( سبعة يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه .. فذكر الحديث، وفيه: ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه)) .وذلك هو الأصل، إلا أن يكون في إظهارها مصلحة مقدرة تقديرا شرعيا كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة: ((إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .271)).
‐ وفي الأخير لا بد أن نشير أن الإسلام يوسع في مفهوم الصدقة إلى كل أنواع البر التي يراد بها وجه الله وفيها مصلحة للمسلمين ومن ذلك ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، قالَ: تَعْدِلُ بيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قالَ: والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
والله ولي التوفيق

 

د. عبد الرزاق مقري

الشيخ أحمد بوساق: عن التعالي والتواضع

حضرت البارحة الدورة التربوية الدورية في بلدية درارية فسمعت موعظة عميقة النفع من الشيخ الفاضل والعالم الجليل أحمد بوساق المدني عن تواضع المصطفى عليه الصلاة والسلام وعن عظمة الله وضعف البشر ومصير المتكبرين. بدأ موعظته بقصة مؤثرة عن أمية بن أبي الصلت، وهو أحد زعماء ثقيف من كبار شعراء العرب، كان موحدا على الحنفية، عليما بالكتب السماوية، يسفه الشرك وعبادة الأصنام، تصف أشعاره الجنة والنار كأنه يقرأ من القرآن الكريم قبل نزوله.

غير أنه كان يتطلع أن يكون هو النبي المنتظر فلما بُعث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يؤمن به ومات كافرا، وركز الشيخ بوساق كيف أن هذا الرجل “وعى” ولم “يزك” وفق ما روي في القصة التي روتها أخته الفارعة بعد إسلامها. فلم ينفعه وعيه إذ لم تزك نفسه.

وقد علق الشيخ بوساق طويلا عن هذا النوع من الأشخاص الذين يَعُدّون أنفسهم شيئا عظيما لأسباب لا وزن لها عند الله فلا يبالي بهم الله تعالى ويفنيهم كبرهم. و كيف يحتقر هؤلاء غيرهم ممن هم في ميزان الله أفضل منهم. ثم ذكر حديثا بديعا في هذا الشأن رواه البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ : ” مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ : ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ ) ، فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ ) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ) .

وذهب شيخنا يُفصّل في هذه المعاني الراقية من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم انطلاقا من اعتراض المشركين عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس لأنه لا يليق بالرسالة ولكن لأنه ليس من علية القوم من مكة أو ثقيف وفق قوله تعالى: (( وقالوا لو لا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم))، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذاته، لم يكن يتطلع يوما من الأيام أن يكون نبيا، وإنما فوجيء بالرسالة حتى ارتعدت فرائصه، وحين خيره الله تعالى بعد البعثة بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا نبيا وفق الحديث الصحيح الذي رواه أحمد: (( جلس جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنظر إلى السماءِ فإذا ملَكٌ ينزلُ فقال جبريلُ هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبلَ الساعةِ فلما نزل قال يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا قال جبريلُ تواضعْ لربِّك يا محمدُ قال بل عبدًا رسولًا)).

حدثنا الشيخ بوساق، بتأثر كبير، كيف كان كبّار قريش يستصغرون هذا الرجل الفقير الذي لم تكن له سابقة في ندوتهم ومجالسهم، فأصبح بعد ذلك أعظم خلق الله ويُذكر اسمه مقرونا باسمه في الآذان والصلوات بين دقيقة وأخرى في هذا الكون وأنشأ أمة عظيمة هي خير الأمم مترامية الأطراف في الدنيا كلها.

وفي كلام نافع مليئ بالشواهد التي يحسنها العلماء نصحنا الشيخ بوساق أن لا يكون في قلوبنا شيء أعظم من الله، لأن الله هو الأعظم الأجل الأكبر، وأنه هو الذي يخفض ويرفع، وأن يكون سندنا عاليا أعلى من كل الأشخاص والغايات و الألقاب وأن الذي ينفعنا في الدنيا والآخرة هو تواضعنا لله وعدم تعالينا على الناس وعدم احتقارنا لأي من خلقه، وأن سند الله الوحيد هو تقواه وفق الحديث الذي ذكره في سياق كلامه جزاه الله خيرا: ((قال – صلّى الله عليه وسلم – في فضيلة التقوى – إذا جمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا فأنصتوا إلى اليوم إنما هي أعمالكم ترد عليكم أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم قلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وفلان أغنى من فلان فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ألا أين المتقون فيرفع للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلون الجنة بغير حساب)).

فيا لها من موعظة نافعة ونحن نستعد لشهر رمضان الفضيل حتى يعرف كل منا حقيقة ضعفه وهوانه على الله وافتقاره إليه سبحانه.. فلا يعتدي أحد على أحد ويشغل كل منا نفسه بما ينفعه عند ربه وما يعظّم شأنه عنده سبحانه، فمن كان الله معه – كما ذكر الشيخ بوساق – كان كل شيء معه. وأعظم ما قيل في هذا الشأن بعد كلام الله تعالى قول رسوله في حديث رواه مسلم: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)).

أحببت أن أنقل بعض معاني الدورة التربوية لتعميم الفائدة.

د. عبد الرزاق مقري

بين عامين: كيف يكون الانتقال ناجحا؟

ليست الأفراح الظاهرية والحفلات المتكلفة هي المهمة في تصرفات الإنسان حين يكون في حالة الانتقال بين عامين من عمره، كما أن اللامبالاة العاجزة والانعزال الكئيب تجاه توالي الأعوام هو لا شك صفة الإنسان السلبي الذي لا يستفيد من الوقت ولا يؤثر في الحياة.

إن الكياسة في تصرفات الإنسان، وهو يلحظ ساعات الزمن تُجهز على عام يحتضر لتصنع عاما جديدا أن يحصي أعماله وخيباته في العام المنتهي، فيفرح بما أنجزه من خير وبر وما حققه من مصالح لنفسه وأهله وبلده وأمته، ويندم عما أقترفه من معاصي، ويحزن لما ارتكبه من أخطاء ويأسف عما فاته من مكاسب وما ضيعه من فرص.

يحاول أن يقيّم أوضاع بلده، وما زاد فيه وما نقص، على معايير علمية واقعية، بعيدا عن النشرات الرسمية والخطابات الشعبوية، فيهلل لكل صالح جميل، يثمنه وينظر كيف يحفظه ويطوره، ويجزع ويغضب عن كل ما يسيئ للوطن، في حاضره ومستقبله، ويستعد لإنكار ذلك المنكر، بقدر استطاعته، لوجهه تعالى أولا، ثم مروءة ورجولة وغيرة وطنية، ثم حمية ضد ذوي الفساد والجاهلية.

كما يرمي ببصره إلى آفاق الأوضاع الإقليمية والدولية، وكيف هو حال الأمم، نزولا وصعودا، وما هو تأثير الأحداث الكبرى في السنة الحالية على مشهد السنة المقبلة، وما هو حظ بلده وأمته في الهوامش التي يفتحها التدافع الدولي.

ثم يسأل نفسه، هل يمكن لي أن أساهم في تلك التحولات لصالح الحق وضد الباطل، لنصرة الإسلام والمسلمين، ولو بالفهم وبالنية، أو بالموقف أو الفعل المقدور عليه، معتقدا بأن ثمة قضية لا تُعدمُ طريقة لخدمتها، في كل الأحوال، هي القضية الفلسطينية التي تُنصر نصرا عظيما بتراكم الأعمال الصغيرة من دعم بالقول الثابت، وبالمساهمة المالية الدائمة، والمشاركة في المناشط الناصرة، والدعاء والاستنصار بالله لها.

وبعد التقييم، ينظر الإنسان الفعّال، المهتم بتوالي الليل والنهار، وتتالي الأعوام وتعاقب الأزمان إلى السنة التي تولد بعزيمة جديدة صارمة لاستدراك ما فات وتحقيق ما يبغي وما يريد من الأعمال الصالحة ذات النفع الخاص والعام، له ولذويه، ولأبناء بلده، وللمسلمين والناس أجمعين، متوكلا على الله موقنا بعونه، متسلحا بما يملك من خبرات وقدرات، قد أحصى عيوبه ونقاط ضعفه فقرر علاجها وإزالتها، وقد درس محيطه وما فيه مما يضره في نفسه وأهدافه، من عدم اليقين الذي هو ميزة العصر الحديث، وعدم العدل والإنصاف في كل أنواع المنافسة الذي هو صفة الوقت الراهن، وصعوبة الكسب الشخصي وتعقد دروب الإصلاح والتغيير الجماعي الذي هو خصيصة الزمن الراهن، وكثرة المظالم وانتشار الشرور والفساد في كل مناحي الحياة.

غير أن ذلك الإنسان الفاعل قد رأى في نهاية السنة ما لم يره المتشائمون من فرص كبيرة تقابل تلك المخاطر، منها فرص رفع الكفاءة والمهارات في مختلف المجالات، وتطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال وسهولة الوصول إلى المعارف وتعلم اللغات، وتنوع أنماط الرزق الحلال وبروز أشكال جديدة من الاستثمارات، وتطور بديع في بناء المؤسسات وأنماط متجددة لبناء المشاريع والمؤسسات والقيادة والإدارة لا تتحكم فيها قوى الشر والبغي مهما فعلت، متهللا بالوعي المتصاعد للشعوب ضد الظلم والاستبداد، والنماذج العديدة لمصارع الظالمين، وعجز الحكام المتسلطين على ضمان سعادة شعوبهم، وخوفهم الدائم على كراسيهم رغم قوة جبروتهم، مستفيدا من النماذج الناجحة في النضال السياسي والإصلاح الاجتماعي والحكم الرشيد، في بلاد المسلمين وغير المسلمين، منشرح الصدر بتراجع قوى الاستكبار الغربي أمام صعود الأقطاب الدولية والإقليمية، عامر القلب بالفأل الجميل لمستقبل الأمة الإسلامية، الصامدة وحدها في وجه الانحرافات الأخلاقية العالمية المدمرة للفطرة الإنسانية المؤذنة بأفول الحضارة الغربية المادية، وبالظن الحسن بمستقبل زاهر للقضية الفلسطينية أمام الأزمات الرهيبة للاحتلال الصهيوني في داخل مجتمعه وفي المعركة النفسية والديمغرافية والعسكرية في مواجهة قوى المقاومة المنجزة.وبعد النظر والدراسة يتجه ذو العزيمة إلى تغيير حاله و العمل على تغيير محيطه بخطط، تجمع بين الصرامة والمرونة، عبر رسم مشهد مستقبلي لما يريد أن يكون عليه في نهاية السنة الجديدة، على أساس مشاريع عملية وأهداف قابلة للقياس يستميت في تنفيذها، أكثر الأحيان نَشِطا، وتارة أقل نشاطا وبعض الأحيان خاملا، ولكن دون انقطاع عن العمل أبدا وفق القاعدة النبوية: ” أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” فلا يسمح بتوقف السير ولو اضطرته الظروف إلى فتور لا يخرج من الطاعة، أو تريث لا يقتل العمل، على سنة المصطفى في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فمن كانت شِرَّتُه إلى سنَّتي فقد أفلح ، ومن كانت فَتْرَتُه إلى غيرِ ذلك فقد هلكَ)). وأحسن الخطط ما وُزعت أهدافها على محورين كبيرين يتفرعان على فروع أخرى أساسية.

أما المحوران فهما ما يتعلق بالرؤية الشخصية وأهداف التطوير الذاتي، وما يتعلق بالشأن العام وخدمة الغير.يندرج تحت المحور الأول خمسة مجالات أساسية في حياة الإنسان: الروح والعقل والصحة والمهنة والحياة الاجتماعية.

يقتصر أغلب الناس عادة في التخطيط السنوي على المجال المهني والمداخيل المادية، وهو لا شك أمر مهم ومؤثر في مصير الإنسان يتطلب التفكير المستمر والتخطيط المحكم والمبادرة الشجاعة واقتحام الفرص وإتقان العمل ليأتي كل عام بمزيد من التوفيق والربح للجميع، له ولمؤسسته وشركائه وزملائه، وبمزيد من الدخول التي تضمن كرامة العيش للنفس والأهل والإنفاق على الطموح وسبل الخير والمحتاجين للعون.

غير أن الحياة المادية وحدها لا تجلب السعادة، بل قد تكون وبالا على اللاهث وراءها دون توازن مع المتطلبات الأخرى.

إن النجاح الحقيقي هو تطويع النفس لتجنب ما نهى الله عنه والقيام بما أمر به، والفوز المطلق إنما هو الفوز بالجنة ورضوان الله العزيز الحكيم، فمن أعظم النصوص التي ترتبط بوقفة التأمل بين عامين ما يتعلق بالحالة الإيمانية والاستقامة السلوكية، ومن ذلك ما ورد في الحديثين الجليلين الصحيحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك.)) وقوله: ((لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ)).

فلا معنى للانتباه إلى نهاية سنة وإقبال أخرى ما لم يكن فيه محاسبة للنفس على هفواتها وإلزامها التوبة النصوح والعزم على عدم الرجوع إلى ما يفسد الدين ويجلب غضب الديان، ورسم برنامج تطوع النفس للالتزام بالأركان والواجبات على أحسن وجه، وعلى رأسها سلامة القلب وإقامة الصلاة، ثم المسارعة إلى النوافل قدر الإمكان، حتى تصبح الطاعة عادة سلسة في الحياة يأنس بها القلب وتلين لها الجوارح.

ومن أسباب ارتقاء الإنسان وصلاح دينه ودنياه ازدياده في العلم، في ما يتعلق بحسن عبادته وفهمه لدينه وما يتصل باختصاصه ومجال عمله أو وظيفته، ثم ما يتعلق بالمعارف والمهارات التي تساعده في النجاح في ما أهمه في حياته في العمل التطوعي ومختلف دروب البر والخير لخدمة أهله وبلده وأمته، ثم في كل ما يزيده فهما وحكمة وإدراكا لما يحدث حوله حتى تكون أحكامه عادلة، ومواقفه فاعلة، وأعماله محكمة.

ويكون التحصيل العلمي من خلال التعلم المنهجي الأكاديمي الذي لا سن له، ومن خلال المطالعة الدائمة والتعلم المستمر، في كل أطوار العمر بجميع الأشكال المُحصِّلة.

وما يجعل العلم يرسخ في الذهن ويتحول إلى حقيقة ماثلة، تحويله إلى سلوك عملي، ثم دفع زكاته بالتعليم والتدريس والكتابة والتأليف والمحاورة النافعة مع أهل الفكر والعلم.

فمن انتبه في آخر السنة إلى ضياع العمر دون زيادة العلم فليجعل لنفسه برنامجا تعليميا يرفع به مكانته وينمي به قدراته ويتميز به عن الأقران، وصدق الله العظيم إذ يقول: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))، وفي قوله: (( ‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)).

ولا يمكن للإنسان أن يحقق شيئا كثيرا، في الغالب، من النجاح في شؤونه المهنية، أو في حياته الدينية، أو في مدارجه العلمية، ما لم يكن سليم الجسم، خاليا من الأمراض المقعدة أو المعطلة أو المؤذية.

ومن العجائب أن المرء لا يشعر بأهمية الصحة في إنجاز مهامه وتحقيق أمانيه إلا حينما تحيط به الأمراض وتفتك به الأسقام. إنه لم يعد أحد يجهل، بسبب انتشار الثقافة الصحية، كيف يحافظ الإنسان على صحته ويضمن رشاقة جسمه ويطيل أمد قوته، من خلال الرباعية الذهبية المعلومة لدى الجميع، الأكل الصحي الخالي من المواد الضارة والقائم على التوازن الغذائي وعدم الإسراف، والحركة الدائمة للجسم من خلال الرياضة التلقائية المرتبطة بطبيعة العمل ونمط الحياة أو الرياضة المبرمجة وعلى رأسها المشي و العدْو، والتحكم في ضغوطات العمل والقلق والانفعال ومختلف الهزات والأزمات النفسية، مع الوقاية من الأمراض بالفحوصات الدورية واستكشاف الأسقام قبل استفحالها ومعالجتها بجدية واهتمام.

فمن كان مريضا في آخر السنة فليداوي نفسه، ومن كان معافا فليقوي قدراته البدنية وليتحتط لأمراض الخمول ببرنامج يحفظ به صحته على نحو ما ذكرناه يشرع فيه فورا في الأسبوع الأول من السنة الجديدة.

إن الحياة لا معنى لها ولو كان المرء ميسورا في ماله نشيطا في عباداته سليما في جسمه، إن كانت أحواله العائلية مأزومة ووشائجه الإجتماعية ممزقة.

لا يكون قد أدى واجبه ذلك الذي قيّم ما مضى وخطط لما يأتي إن لم يصارح نفسه بخصوص علاقاته بغيره، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( خيركم خيركم لأهله)) وإذ يقول: (( الدين المعاملة)) وفي قوله: (( خير الناس أنفعهم للناس))، والنصوص في ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى يجمعها قول رسول الله في حجة الوداع: (( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))، بل إن الله يغفر يوم القيامة ما بينه وبين العبد ولا يغفر للعبد ما عليه من حقوق للعباد، إلا بالصفح، أو أن يأخذوها منه في الدنيا أو يوم الحساب.

فلا يكون الإنسان قد عبَر بين عامين بسلام ما لم ينظر إلى حاله مع والديه وزوجته وأولاده وأرحامه وجيرانه وأصحابه ورفاقه، وكل من لهم عليه حق بنص شرعي أو عقد أو ميثاق، فيعالج على الفور ما يمكن معالجته ويخطط لإصلاح ما بينه وبين غيره بعزم وصدق حتى تكون بيئته الاجتماعية سليمة مستقرة هانئة نامية نافعة له ولغيره.

أما المحور الثاني المتعلق بدور الإنسان في الشأن العام وخدمة الغير فهي تبدأ بمراجعة الغايات الكبرى التي يعيش لأجلها، وما هي مكانة بلده وأمته في قلبه وفي حياته، وهل هو كائن يعيش لنفسه، لا يهمه ما يحدث حوله، غير واع بتأثير التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاقليمية والدولية على مستقبله ومستقبل أهله وأولاده.

فإن شعر بهذا التقصير المشين وهو يغادر السنة المنصرمة فليفزع إلى خطة جديدة للسنة المقبلة يعبد بها ربه بفعل الخير ونصرة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق قوله تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون)).

يؤطر فعل الخير في الشأن العام مساران متلازمان، أولهما الاهتمام بالشأن السياسي، فلا إصلاح لشؤون الناس دون صلاح السياسة وإقبال المصلحين عليها، وإنما يسعى المستبدون لإفساد السياسة وتشويه الساسة وغلق مجال الفعل السياسي ونشر اليأس في الحياة السياسية من أجل بقائهم على كراسيهم أبد الآبدين فلا ينشأ بين الناس بديل سياسي يهدد عروشهم، وأكبر حالة وعي تحدث للإنسان في بداية السنة الجديدة أن يتصالح مع السياسة على أصولها الحقة، القائمة على الصدق والرؤى السليمة والنضال والاستعداد للتضحية، البعيدة عن الفساد والظلم والانتهازية والزبونية، فينخرط في حزب قائم على تلك الأصول، أو يسنده من بعيد، أو يؤسس حزبا أو يجد لنفسه طريقة فاعلة يضمن بها موازين قوة سياسية لصالح الحق والعدل والفضيلة، ضد الفساد والفشل والاستبداد.

وعلاوة على العمل الحزبي السياسي فإن في مسارات المجتمع المدني الفسيح ما يتيح الفرصة لتحقيق الإصلاح الاجتماعي العميق وتأهيل المورد البشري الضروري للقومة والنهضة، والتطوير الاقتصادي والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي وبناء الحواضن الاجتماعية الداعمة للنهوض الحضاري والرأي العام الراسخ الضامن لديمومة انتصار الحق المبين.

قد يظهر للقارئ أن هذه الرؤية الانتقالية بين عامين صعبة وشاقة، وهي في الحقيقة ليست كذلك حين يُتحكم في الأوقات الضائعة والانشغالات التافهة، سيجد الإنسان بإتقان التخطيط والإصرار على التطوير وقتا فسيحا يعطي فيه لكل حق حقه، وتبقى له ساعات وأسابيع للمرح والمتعة والفسحة، وتكون السعادة أكثر عند تقدم العمر العامر بالإنجاز، وتكون الجائزة الكبرى والسرور الدائم في الجنات العليّة المخصصة لأصحاب الهمم العليا. والله ولي التوفيق.

 

د. عبد الرزاق مقري

رسالة لرؤساء وملوك العالم العربي

هذه رسالة وجهتها لرؤساء وملوك العالم العربي قبل انعقاد اجتماع الجامعة

الأسبوع الماضي في الجزائر أحببت أن أنشرها للرأي العام..

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السادة رؤساء وملوك الدول العربية الشقيقة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أهلا وسهلا بكم في بلدكم الجزائر، متمنيا لكم إقامة طيبة في بلد الشهداء بمناسبة ذكرى الفاتح من شهر نوفمبر شهر الجهاد والبطولات، سائلا الله تعالى أن تكلل أعمالكم في الدورة 31  للجامعة العربية بالنجاح بما يخدم بلداننا جميعا ويحقق مصالح شعوبنا.

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

يعيش العالم اليوم أحداثا كبرى على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعسكرية والأمنية تنبئ بأنه ستقع تحولات كبرى تغير وجه المعمورة، وبالرغم من الكوارث الكبرى التي تسببت فيها المنظومة الدولية الراهنة ضد الإنسان والطبيعة فإن ثمة هوامش تتاح بإمكانها أن تساهم في بروز عالم جديد متعدد الأقطاب أرحم بالعباد وبالكرة الأرضية التي نعيش فيها. وبالرغم من أن الإمكانات الكبرى الجغرافية والسكانية وعلى مستوى الموارد الكبرى التي تتمع بها الأمة العربية لم تستطع احتلال مكانة مرموقة مركزية بين الأمم تؤهلها لتكون قطبا من الأقطاب المشكلة لعالم الغد.

ورغم مؤاخذاتنا الكبيرة على أداء الجامعة العربية التي باتت تمثل رمزا من رموز خيبات الأمل التي تعيشها شعوبنا في العالم العربي فإننا في حركة مجتمع السلم نتمسك بها كإطار جامع للأوطان العربية وفرصة جاهزة لتصحيح الأداء وتحقيق الطموحات والأهداف التي تنص عليها مواثيقها لصالح الدول والشعوب.

وإنه لشرف لنا أن نستقبل أشقاءنا العرب في بلادنا، والشرف مضاعف أن يكون الاستقبال بمناسبة الفاتح من شهر نوفمبر ، ذكرى الثورة التحريرية المجيدة، التي حظيت بدعم كبير من  إخواننا في العالم العربي، ونصرة مشهودة  للمجاهدين  الجزائريين حتى تحقق لنا النصر على الاستعمار الفرنسي البغيض، وإننا لنتمنى التوفيق الكامل للدورة وأن تتوج بالنجاح البيّن،  وأن تكون دورة حاسمة في بعث حيوية هذا المجمع القومي المهم وتطويره، كما نشكر السلطات الجزائرية على المجهودات الكبيرة التي بذلتها وتبذلها في جمع البيت العربي واستضافة الاجتماع في الجزائر والتمهيد له بإنجاز مهم يتعلق بالمصالحة الفلسطينية.

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

إن العالم العربي يحتل قلب العالم، وهو همزة الوصل بين كل القارات، وبه ممرات بحرية وبرية وجوية ومضايق وقنوات وموانئ  لا غنى عنها في حركة النقل لكل الشعوب،  ويصل تعداد سكانه 423 مليون نسمة، وله موارد بشرية وطبيعية ومقدرات سياحية وفلاحية وصناعية وثقافية وحيوانية ضخمة ومتكاملة تتجاوز مجتمعة مقدرات أغلب الأمم القوية في العالم.

غير أن الفاعلية في التسيير والفساد المستشري منع الدول العربية من الصعود كما هو حال دول أخرى صعدت هي أقل منها من حيث الإمكانيات والفرص، وبقيت دولنا للأسف الشديد  تعيش أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية متعددة، يغرق كثير من شعوبها في صعوبة المعيشة والأمية والأزمات الغذائية والصحية والتعليمية والإسكانية وغيرها.   .

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

إننا نود أن يكون اجتماعكم اليوم وثبة حقيقية للإقلاع وإن ذلك ضروري وممكن إذا انطلق العمل المشترك على رؤية جديدة وعمل جاد ودؤوب وفق ما ننصح به على النحو التالي:

أولا – يمكن بدأ الإصلاحات بتطوير المنظومة الفكرية والهيكلية للجامعة نفسها بما يجعلها أكثر تمثيلا للشعوب وأكثر مرونة في معالجة المشكلات وأسرع في اتخاذ القرارات وأوسع مدى في مشاركة الأطراف وأكثر إنصافا في تحمل المسؤوليات، على أن تكون الرؤية العامة المستقبلية هو تحقيق الوحدة العربية ضمن النظريات الوظيفية والتكاملية في العلاقات الدولية.

ثانيا – ومن أبرز  مقاصد هذه النظريات  هو تشجيع تبادل المنافع البسيطة وتفضيل الاستثمار العربي مرورا بالسوق المشتركة لاحقا وفتح الحدود،  وصولا  إلى العملة الموحدة ثم إنجاز الوحدة التي تُحفظ فيها سيادة كل دولة في إطار الموقف الخارجي الموحد والدفاع المشترك والمؤسسات البرلمانية العربية المنتخبة انتخابا مباشرا،  والمؤسسات التنفيذية المركزية العربية.

– ثالثا – إن ضمان تطور أداء الجامعة العربية والسير قُدما نحو إنجاز حلم الوحدة العربية هو صيانة السيادة العربية في المؤسسات الرسمية والشعبية  وتجنب التبعية للقوى الأجنبية ونبذ وتجريم الاستعانة بالأجنبي ضد الأشقاء، وعدم تدخل الأشقاء العرب في شؤون بعضهم بعضا لإلغاء الإرادة الشعبية، أو إضعاف وإرباك الحكومات أو استغلال الخيرات خارج إطار الاتفاقيات الشفافة والعادلة.  ثم التوجه معا إلى العالم خصوصا نحو عالمنا الإسلامي الفسيح وأشقائنا في الدين الذين يحقق محورنا المشترك معهم أقوى المحاور في العالم للأسباب الحضارية والسكانية والجغرافية والطبيعية التي يزخر بها، والتوجه معا نحو إفريقيا – بدل التنافس والتصارع في أرجائها – هذه القارة الكنز  التي تتنافس عليها اليوم الأمم ونحن الأقرب إليها تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا ومن حيث المصالح.

رابعا – إن تحقيق هذا الحلم لا يمكن أن يتم دون حل الخلافات البينية والجماعية وتحريم المقاطعة وقطع العلاقات وغلق الحدود مهما كان حجم المشاكل، والسعي الحثيث والصادق والدائم لفك النزاعات بالحوار والوساطات العربية، وفي حالة استعصاء أي مشكلة يتم تجاوزها وعدم إلغاء كل أوجه التعاون الأخرى بسببها، واستعمال الوسائل العصرية لمتابعة حل تلك المشكلات المستعصية، والاستفادة من أبعادنا الروحية التي تحث على إصلاح ذات البين والأخوة الإسلامية.

خامسا – ولا يمكن تصور قيام وحدة عربية دون الموقف الموحد من القضية الفلسطينية والوقوف المشترك ضد الاحتلال الصهيوني وتجريم التطبيع ودعم المقاومة  وعدم الضغط على الفلسطينيين بغرض توريطهم مرة أخرى في المسار التفاوضي العقيم والتسويات المهلكة لأرضهم وشعبهم وللمقدسات وحق العودة،  فلا مستقبل لدولة الكيان الصهيوني؟  والقضية الرابحة مستقبلا هي قضيتنا المركزية وهي القضية الجامعة لكل الشعوب العربية والإسلامية.

سادسا  – ومما يجعل الروح تسري في الجامعة العربية فيُقرب الأشقاء لبعضهم بعضا هو إعلاء البعد الحضاري الإسلامي المشترك، فحضارتنا حضارة عالمية علمت الغرب ونقلت لحضارتهم علوم وحكمة الأمم السابقة، فكيف لا تكون لنا ملهمة للنهوض من جديد لا سيما وأن كل الحضارات تتنافس في إظهار تميزها الحضاري ولا تقبل غريبا عنها يكون في بلدانها إذا أراد المحافظة على انتمائه  – كما هي بالخصوص الحضارية الغربية –

لا شك أننا سننفع أنفسنا بديننا الإسلامي القويم لما يتضمنه من أبعاد روحية مهذِّبة وقيم إنسانية هادية وأفكار تجديدية لا تزال رائدة في مختلف المجالات الاقتصادية والقانونية والسياسية وغيرها. ويمكننا أن نفيد البشرية بحضارتنا التي تحفز على التعارف والتعايش بين الشعوب والقبائل وتنهى عن الظلم والعدوان مطلقا.

سابعا –  كما أن في تنوعنا الطبيعي والثقافي وفي طبيعة الموارد البشرية في العالم العربي الفسيح ثروة عظيمة يمكنها أن تجعل في التبادل السياحي والأدبي والفني والعلمي  والرياضي بهجة للشعوب تحبب أوطاننا العربية لنا وتشدد أواصر  الأخوة بيننا وترفع من أداء أبطالنا ومبدعينا وعلمائنا ومؤسساتنا المدنية ذات الاختصاص، لنذهب بعد ذلك معا للالتقاء الإنساني في مختلف المجالات متعاونين متآزرين وبما يجعل بلداننا قبلة سياحية واسعة متكاملة  للتمتع بخصائصها الطبيعية الخلابة،  والاستفادة الحضارية البديعة من حكمتها وعراقتها، والتبادل الاقتصادي الثقافي النافع للجميع.

وفي الأخير تقبلوا مني، السادة رؤساء وملوك الدول العربية أسمى عبارات الترحيب والتقدير .

 

د. عبد الرزاق مقري

رئيس حركة مجتمع السلم – الجزائر –

الجزائر يوم 30 أكتوبر 2022م

الموافق ل: 04 ربيع الآخر 1444هـ

عثمان سعدي رحمة الله عليه.. الشاوي المعتز بانتسابه للعروبة يترجل

إنه المجاهد والمناضل الفذ اللموشي الشاوي التبسي الحر الذي لم يغير ولم يبدل حتى توفاه الله وهو سن 92 عاما رحمه الله رحمة واسعة، إنه أحد أستاذتنا الكبار الذين ساهموا في وعينا الوطني وفهمنا لطبيعة الصراع الحضاري القائم في بلدنا.

لقد كان ثمرة من ثمار النهضة الجزائرية الباديسية حيث تخرج من معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة 1956، وكان ثوريا بتلك الروح التلقائية التي صاحبته طيلة حياته فالتحق بالثورة التحريرية منذ البداية وكان من طلائع جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها وأمينها الدائم في القاهرة أثناء الكفاح المسلح.

لم يقبل أن يبقى شيءٌ يربطه بالإدارة الاستعمارية بعد المجازر الهمجية الاستعمارية في 8 ماي 1945 فهجر المدرسة الفرنسية. ولحبه للغة القرآن منذ شبابه أخذ الإجازة في الآداب من جامعة القاهرة أثناء الثورة والماجستير عام 1979 في دمشق والدكتوراه من جامعة الجزائر عام 1986.

اشتغل رحمه الله في السلك الدبلوماسي لسنوات طويلة فاشتهر مقامَه في بلدين عربيين مهمين معروفين بدعمهما الكبير للثورة التحريرية هما العراق وسوريا فدوّن في كتابين ولع نخبها بالكفاح الجزائري في 255 قصيدة من العراق أبدع رسمها 107 شاعر وشاعرة عن بطولات وتضحيات أشقائهم الجزائريين، و199 قصيدة من سوريا خلد فيها 64 شاعرا وشاعرة روعة وأمجاد ملحمتنا النوفمبرية العظيمة.

وبعد خروجه من المهام الرسمية واصل كفاحه داخل حزب جبهة التحرير الوطني وفي المجلس الشعبي الواطني فكان عضوا في لجنة التعريب الرسمية مع عدد من الرجال الكبار الذين ندين لهم بالوجهة الإسلامية العربية التي أخذتها الجزائر على مستوى المنظومة التربوية وقانون الأسرة وتعريب التعليم، رغم النقائص الكبيرة في هذه المسارات التي تسببت ولا تزال تتسبب فيها القوى الموالية للاستعمار.

وكم هي كبيرة وتاريخية تلك اللحظة التي حكى لي عنها أحد هؤلاء الأبطال حينما أنهوا ملف التعريب ولم يبق إلا أن يُعرض لاعتماده رسميا فنزل عليهم ضباط ببذلاتهم العسكرية ( يعرفهم جيلنا باسم “ضباط فرنسا”) لمنع عرض الملف حتى أدّت المواجهة إلى التشابك بالأيدي، وكان عثمان سعدي أحد الحاضرين في المشادة التاريخية.

لقد أهله مستواه العلمي لأن يكون دفاعه عن الثوابت الوطنية على أساس أكاديمي، مما زاد في مصداقية آرائه وجعل كتبه مراجع مهمة يعتمد عليها الباحثون، ويستند عليها المناضلون أمثاله من أجل أصالة هذا الوطن ومكانة اللغة العربية فيه، ومن تلك الكتب “قضية التعريب في الجزائر: قضية شعب ضد الهيمنة الفرنكوفونية” – 1990، “معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية” – 2007، تحقيق كتاب الشيخ البشير الإبراهيمي “التراث الشعبي والشعر الملحون” – 2010، بالإضافة إلى عدد من كتب القصص والشعر والتاريخ.

بعدما خرج عثمان سعدي من مواقع المسؤولية الرسمية واصل نضاله في المجتمع، من خلال الكتاب والمقالة والمحاضرة وحضور المؤتمرات والندوات التي تنظمها الأحزاب والمنظمات المؤمنة بما يؤمن به بشأن الثوابت الوطنية، وكان من أفضل ضيوفنا في فعالياتنا الثقافية والسياسية في حركة مجتمع السلم، وكانت جمعية الدفاع عن اللغة العربية التي أسسها وترأسها هي التي اشتهر بها في ساحات الدفاع عن اللغة العربية.

لقد كان عثمان سعدي من البربر الأقحاح ولكنه آمن بأن اللغة العربية واللغة البربرية شقيقتان تنتميان إلى وعاء لساني واحد وحضارة واحدة، تماما كما كان يعتقد شيخه عبد الحميد بن باديس الصنهاحي الأمازيغي صاحب مقولة “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب” والأبطال الذي فجروا الثورة، عربيهم وأمازيغيهم، بعد أن حددوا الهدف بأن الدولة التي يقاتل الجزائريون من أجلها في سبيل الله جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، وأن الوحدة الإقليمية المنشودة هي “وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.

لقد كانت خيبة أمل عثمان سعدي كبيرة حين أدرك حجم الاختراق الاستعماري المتصاعد في أجهزة النظام السياسي وبعض هياكله الحزبية والجماهيرية، فصار معارضا صلبا لكل سياسات التفريط الرسمية في حق اللغة العربية ومنها تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية وتحدّث مسؤولين كبار بلغة المستعمر في المناسبات الرسمية ومع شعبهم، وغير ذلك من السياسات الممنهجة لدى اللوبيات الاستعمارية داخل الدولة وفي المجتمع لاستمرار الوصاية الفرنسية على الجزائر. وقد ناله رحمه الله كثيرا من التضييق والملاحقة من هؤلاء الذين استغلوا الفتن التي أصابت الجزائر لصالحهم إذ صار لهم نفوذ تجبروا به على كثير من الوطنيين الصادقين من مختلف التيارات.

وفقنا الله لحضور الصلاة عليه في مسجد حمزة بدالي ابراهيم ثم مرافقته إلى مثواه الأخير في مربع الشهداء في مقبرة العالية فرأينا نهاية جيل كامل من أمثاله سبقوه إلى رحمة الله فلم نلحظ إلا عددا قليلا ممن بقي منهم، ولم نر حضورا كبيرا للجيل الجديد الذي لم تعمل الجهات الرسمية ووسائل إعلامها على التعريف به وفتح المجال له في الفترات الأخيرة من عمره رحمه الله رحمة واسعة، ولكنه هو اليوم عند العادل الرحمن الرحيم، فأسأل الله تعالى أن يتقبل جهده وجهاده وكفاحه ونضاله وأن يجعل كل ما بذله حسنات جارية له، أما الإسلام والعربية فإنهما محفوظان بحفظ الله تعالى القائل (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) ومما يثلج الصدور بروز أجيال شبابية جديدة متمسكة بأصولها وثوابت وطنها في كل أنحاء البلاد من العرب والأمازيغ ولله الحمد والمنة.

كان عثمان سعدي رحمه يستعمل كلمة “البربر”، وهي الكلمة التي كنا نتستعملها جميعا إلى غاية نهاية الثمانينيات قبل أن تتغير وتصبح كلمة أمازيغ هي المعتمدة رسميا ثم شعبيا. ولكن كلمة ” البربر” هي الأكثر رسوخا في كتب التاريخ. احتراما لذكراه، والتزاما بالسنة بأن يدعى المرء بأحب الأسماء إليه ثبّتنا ما كان ينسب نفسه إليه، فشكرا لمن نبهنا.

 

د. عبد الرزاق مقري          

رئيس حركة مجتمع السلم

بيان السياسة العامة: عن السياسة أخيرا

أكرر مرة أخرى فأقول إن النظام الجزائري لا يؤمن ولم يؤمن يوما بالأحزاب، منذ أن فُرضت عليه التعددية بعد أحداث أكتوبر وهو يتحايل عليها، وأراه اليوم كأنه يريد فرض الرؤية الحزبية الصينية، بالوصول إلى حزب واحد، ليس بالقرار ولكن بالأمر الواقع.

من استطاع أن يُدمِج من الأحزاب يدمجها ويفقدها سيادة مؤسساتها مقابل جاه زائف وفتات لقادتها، ونصبح أمام حزب واحد في الواقع وإن تعددت أسماء الأحزاب، ومن لم يستطع إدماجه يستمر في المحاولة دون هوادة لِمَا يملكه من قوة جبّارة، ولِمَا يتوفر في الساحة من نفوس في الأحزاب جاهزة لذلك. فإن يئس بعد طول المحاولة أو تجاوز قادة الحزب الرافض للإدماج السقف المسموح به، يعمل على تهميشمهم وتقزيمهم مهما كان لهم من فضل على البلد، ومهما كانت مكانتهم، كما فعل مع الأستاذ عبد الحميد مهري والشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله في آخر مشوارهما السياسي.

غير أنه مهما حاول فرض منطق الحزب الواحد في الجزائر الحالية لن ينجح، فمن ناحية قد أصبحت التعددية متأصلة في بلادنا، و بات التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي خارج منظومة الحكم هو الأمر الواقع الذي لا يمكن استئصاله، ومن ناحية أخرى لا توجد أية مقارنة بين الحالتين الصينية والجزائرية سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

إن الحزب الشيوعي الصيني يقوم على تدافعات وتحالفات مدنية، تضمن الرقابة والتنافس الحقيقي داخل الحزب الواحد، وينص القانون الصيني صراحة على قيادة الحزب للقوات المسلحة الصينية، والجيش يلتزم بمنطق السيطرة المدنية المطلقة للحزب الشيوعي على الجيش وفق مبدأ “الحزب يقود البندقية” الذي أطلقه ماو تسي تونغ. أما في الجزائر فالحزب ثم الأحزاب مجرد أجهزة وواجهات لا علاقة لها بشؤون الدولة على الإطلاق، وحتى حينما “تنجح” في الانتخابات لا تحكم، ومنذ الاستقلال بقي الجيش هو الذي يختار الرئيس، والضباط السامون هم الذين يُسخّرون إمكانيات الدولة للفصل في الانتخابات لكي يمر مرشحهم في الانتخابات ثم يتركون له هوامش في تسيير الدولة، فإن اختلف الرئيس مع هؤلاء الضباط الذين أوصلوه للحكم فالجيش هو الذي يحسم الخلاف لصالح البذلة الخضراء.

هكذا وقع بين بن بلة وبومدين، وهكذا وقع بين الشادلي والذين اختاروه في البداية وأقالوه في النهاية، وهكذا وقع بين زروال وعصبة زملائه الضباط لما اختلف معهم، وهكذا وقع مع محمد بوضياف، وهكذا وقع مع بوتفليقة الذي جاء باتفاق مع ضباط المؤسسة وحاول الاستمرار في العهدة الخامسة تحت صغط ضباط آخرين، ثم غادر تحت ضغط هؤلآء الآخِرين بسبب الحراك الشعبي.

وعلاوة على كل ذلك، النظام الصيني نجح في التجديد ونجح في تحقيق الثروة، ونجح ليجعل الدولة قوة عظمى، فأي نجاح يُسَوِّقه النظام السياسي لكي يقبل الناسُ أن يكونوا تحت رِدائه فيدمجهم في منظومة سياسية واحدة. لو حقق النظام السياسي ما يُرضي المواطنين في احتياجاتهم المعيشية الاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى ما يتطلعون إليه من حرية وكرامة لصار احتمال ابتلاع الأحزاب ومناضليها وحواضنها الاجتماعية والشعب الجزائري كله واردا. إن الناس يغلبهم الإنجاز وما يحصل لهم من رضا حين تتحقق مصالحهم، أما الإكراه فلن يحقق شيئا مفيدا.

لقد حدد الله تعالى الاحتياجات الأساسيات في سورة قريش فجعل نعمتي القوت والأمن من أعظم النعم التي يشكر الناسُ عليها ربَّهم، ثم فصّل العلماء المسلمون تلك الاحتياجات وفق مقاصد الشريعة الخمسة، حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال، ثم زاد العلماء المتأخرون مقصد الحرية وكرامة الإنسان بالاستناد إلى ما ورد من نصوص صارمة في الكتاب والسنة عن ذلك، وقد فصلنا في برنامجنا الحلم الجزائري كل ذلك في فصل “هرم الاحتياجات”. فالنظام السياسي الذي يستطيع كسب الدعم الحقيقي من الشعب هو الذي يوفر الاحتياجات ويحقق مقاصد الحكم.

يمكننا أن نستند في محاسبة السلطة الجزائرية على مدى توفير البيئة التي تضمن احتياجات المواطنين إلى أي سلم من سلالم الاحتياجات التي وضعها العلماء المعاصرون، ومنها “هرم ماسلو” الأكثر شهرة.

يحدد ماسلو مراتب الاحتياجات فيبدأها بالاحتياحات الفيزيولوجية التي تتعلق بالغذاء والتنفس والماء والنوم والإخراج والجماع، واحتياجات الأمان التي تتعلق بالسلامة الجسدية وأمن الأموال والموارد والأمان الأسري والصحي والوظيفي، والاحتياجات الاجتماعية التي تتعلق بالعلاقات الأسرية والاجتماعية والتعلم والصداقة والمحبة، والحاجة للتقدير ومنها المكانة والهيبة والثقة والشعور بالإنجاز والاحترام المتبادل، وتحقيق الذات ومنها تحقيق الإنجازات والتطور والإبداع.

لو نفصل في مدى توفر أوغياب حاجات الناس على أساس مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية التي بنينا عليها “هرم الاحتياجات” في برنامجنا لاستطعنا أن نحدد مسؤولية الدولة على الوضع القائم بشمول ودقة، ولكن نترك ذلك حاليا لصعوبة الاتفاق على قاعدة التقييم، ونكتفي بالنظر إلى أداء السلطة الحاكمة على أساس “هرم ماسلو”، فلو حاسبنا النظام السياسي وفق هذا الهرم بدء بالاحتياجات الأدنى الأكثر ضرورة لجميع الناس، إلى أعلاها المتعلقة بالإبداع والتطوير، الذي يحققه السكان لأنفسهم حين تتوفر لهم البيئة الصالحة لذلك، سنجد أن المشكل في بلدنا يبدأ من الأسفل، على مستوى الاحتياجات الأساسية الأكثر إلحاحا، فالعدد الكبير من الجزائريين لا همّ له سوى الكفاح من أجل القوت بسبب غلاء المعيشة والبطالة والندرة، وكثير منهم ينتظرون لسنوات الطويلة لكي يحصل الواحد منهم على مسكن، يحقق فيه حاجته للزواج والاستقرار، وقد لا يحصل على السكن أبدا فيعيش في مراقد لا إنسانية أو يُذهب نصف مرتبه أو أكثر في الكراء، ولو ندقق ونفصل في أغلب ما ذكرناه عن هرم ماسلو سنجد نقائص بعضها نقائص خطيرة، كما هي الحاجة للأمن النفسي والعقلي والجسدي لما نراه من انتشار للمخدرات والمهلوسات، لا أقول في كل مدينة، بل في كل حي من الأحياء، حتى صارت مصدر استرزاق أساسي تتورط فيه شبكات إجرام لها امتداداتها داخل القضاء والأجهزة الأمنية، تدمر ملايين الجزائريين وأعدادا هائلة من العائلات والأسر وتتسبب في جرائم لا حصر لها. ولئن تم القضاء على الإرهاب في الحزائر بحمد الله فقد خلفه خوف آخر لا يقل فداحة وهو انتشار الجريمة بكل أشكالها في كل أنحاء الوطن.

و أما الحديث عن المراتب الأعلى في هرم ماسلو المتعلقة بالتقدير وتحقيق الذات فإن دور الدولة يكاد يكون غائبا في صناعة المبدعين، ولذلك عددهم قليل في بلادنا. لا شك أن الدولة الجزائرية حققت إنجازا مهما في تعميم التعليم، ولكنها لم تفعل شيئا ذا بال لصناعة المتميزين بسبب اختلال المنظومة التربوية وانتشار الفساد بكل أنواعه في إدارتها وكوادرها التعليمية، وانتهى بنا المطاف بسبب ضعف التعليم الرسمي أن التلاميذ والطلبة صاروا يهجرون أقسامهم من أجل دروس الدعم خارج المدارس.

إنه فعلا لا توجد منظومة ولا بيئة لصناعة المتميزين والمبدعين، ومن وصل من الجزائريين إلى مستوى تحقيق الذات بمواهبه وإصراره الشخصي فإنه يكون قد فعل ذلك في مواجهة تحديات ومصاعب وعراقيل لا حد لها، والعديد منهم يواصلون تحقيق طموحاتهم بالهجرة إلى بلدان أخرى تستأثر بما يحققونه لها من إنجازات.

أين نحن من الصين؟ بل أين نحن من بلدان مسلمة مثلنا؟ أين نحن من تركيا ومن ماليزيا ومن أندونيسيا مثلا؟ إن النظام السياسي لن يستطيع فرض إرادته على الجميع فيحشر الكل في حزب واحد فعليا ولو تعددت أحزابهم شكليا ، سيبقى ينمو من مَدد الانتهازيين والطفيليين فحسب، وهؤلاء سيكونون هم حتفه في الأخير.

إن نظاما لم يستطع حل مشكل المعيشة لعموم الجزائريين رغم الإمكانيات الجبارة التي توفرت لديه لا يستطيع أن يفرض أي رؤية سياسية على شعبه.

ولعدم ثقتهم في أنفسهم أخذ المسؤولون الحاليون يبالغون في التضييق على مجال الحريات حتى تجاوزوا كل من سبقهم في ذلك، بل أصبح الناس يقولون يا ليتنا نعود إلى زمن ما قبل الحراك الشعبي.

لم تعرف الساحة الإعلامية تحكما كالذي نراه إلا ما كان في زمن الحزب الواحد، فالتلفزيون الجزائري طغت عليه تغطية الأنشطة الرسمية، وصورة مختلف المؤسسات الرسمية في الإعلام العمومي في وضع يصلح أن يكون بحثا أكاديميا عن حالات سيطرة الدولة على المجتمع، كل البرامج تدور حول رأي واحد هو الرأي الرسمي. ثم تأتي الفضائيات كلها كأنها تفريعات للتلفزيون العمومي، وكأنه يحكمها مدير واحد ورئيس تحرير واحد.

وبسبب التفنن في وسائل التحكم في المؤسسات الإعلامية “الخاصة” أصبح مسؤولوها يراقبون أنفسهم بأنفسهم، وبدون أوامر من الجهات التي تراقبهم، يحاولون أن يتوقعوا رد فعل السلطات الحاكمة من أي خبر يذيعونه، أو ضيف يدعونه، أو برنامج يبثونه، إلى درجة المبالغة في التضييق على مجال حريتهم بما لم يُفرَض عليهم، ومن حاول منهم التحرر ولو نسبيا من مرض الرقابة الذاتية، تأتيه حادثة ترجعه إلى حالة الرُهاب من غضب السلطات، كحادثة ذلك الصحفي المسكين الذي نقل خبرَ إرجاع دول أوربية للتمور الجزائرية فأدخِل السجن بالرغم من أن الخبر منشور في مواقع وزارات فرنسا التي لا يتوقف الذين سجنوا الصحفي عن بسط البساط الأحمر لمسؤوليها الكبار والصغار .

وفي محاولة يائسة غير مثمرة يحاول المسؤولون عن المؤسسات الإعلامية توفير بدائل لزعماء الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية ذات الرصيد الطويل والكبير بإبراز وجوه جديدة مندمجة في المنظومة الأحادية، تتحدث في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية الحقيقية كما يشتهي الحكام المتحكمون، والغريب في الأمر أن مؤسسات إعلامية معربة ومفرنسة حملت لواء “الاستقلالية” والدفاع عن الحريات والديموقراطية لسنوات دخلت الصف وصارت جرائدها ومواقعها الالكترونية نسخا طبق الأصل لجرائد الرداءة والتزلف، بل أصبحوا يتقربون إلى الحاكم بالتحريش ضد العدد القليل من السياسيين والإعلاميين والناشطين الذين رفضوا الاندماج وبقوا ثابتين على قناعتهم بأنه لا مستقبل للجزائر دون ضمان الحقوق والحريات والديموقراطية.

أما بالنسبة لسياسة التعامل مع المجتمع المدني فلم يعرف هذا المجال حالة انحراف كما هو الحال في هذه المرحلة، سواء من حيث الاستراتيجية العامة في ما تريده السلطة من المجتمع المدني، أو على المستوى الجزئي الذي يتعلق بحقوق الإنسان الجزائري في التنظيم وخدمة طموحاته.

أما الناحية الاستراتيجية العامة التي تسير عليها السلطة فهي محاولة خلق بدائل للأحزاب القائمة وتشكيل حاضنة اجتماعية مرتبطة بها تزاحم الأحزاب في اختصاصاتها وتأهيل طبقة قيادية زبونية جديدة، وكل ذلك عن طريق تشكيل شبكة جمعيات موالية للنظام الحاكم ورجاله، وتسخير كل الوسائل الإدارية والأمنية والإعلامية والمالية للدولة، مع تشكيل هيئات جديدة تجمعت فيها كتل انتهازية رهيبة وخطيرة على الدولة قبل المجتمع لن يكون لها من هم في مجالسها إلا المنح المالية والامتيازات المادية، وإن لم تعط هي نفسها ستعطل تلك المجالس، مما يجعل النظام السياسي يضطر لمسايرتها حتى يحفظ زبائنه الطفيليين. وفي نفس الوقت، على المستوى الجزئي، التضييق الشديد في النشاط الجمعوي على المناضلين السياسيين المستقلين أو الذين ينتمون أو يُشك في انتمائهم لأحزاب سياسية، الذين يعتمد عملهم على القناعة والتطوع، خصوصا إذا كانت هذه الأحزاب أو تلك الشخصيات المستقلة معارضة للمنظومة القائمة.

وما نقوله هنا لدينا عليه أمثلة لا حصر لها على محاولات نشطاء تأسيس جمعيات باءت بالفشل، تم التعامل معهم خارج القانون من قبل مصالح وزارة الداخلية المختصة، حيث ترفض هذه الأخيرة استقبالهم، وإذا استقبلتهم بعد شهور من الإصرار على دفع ملف الاعتماد ترفض منحهم وصل الاستلام الذي يحفظ حقوقهم التي تنص عليها القوانين، وحين يودعون الملف ينتظرون، أحيانا سنوات، وإذا تم اعتمادهم، تتكرر المعاناة عند كل تجديد لهياكل الجمعية وفق ما تنص عليه القوانين. وبطبيعة الحال لا يعاني من هذا التضييق المحظوظون الموالون للحاكم أو من لهم صلات أيديولوجية أو مصلحة نافذة داخل الدولة.

حينما نرى هذه الممارسات اللاحضارية التي تنبئ عن تخلف فضيع لدى المسؤولين على هذا القطاع الاستراتيجي المهم لنهضة الأمم يزيد تقززنا واشمئزازها عندما نسمع ادعاءات المسؤولين عن المكاسب الدستورية والقانونية في مجال الحريات.

لو كان ثمة صدق في التشريع ولم يكن الحكام يتلاعبون بالنصوص من أجل تزيين الواجهة لتغليط الرأي العام الدولي والمحلي، لما وُضعت مادة في الدستور تنص على تأسيس الجمعيات بمجرد الإخبار، ثم يعطلون قانون الجمعيات الجديد الذي يحدد آلية ذلك ويبقى الوضع أسوء مما كان عليه، وقد يأتي القانون بشكل مغاير للضمانات الدستورية ويفرغها من محتواها كما تعودنا على ذلك في مراحل سابقة.

إن هذا الوضع يجب أن يتغير لأنه مضر بالبلد، من شأنه أن يتسبب في يأس وإحباط المواطنين، وفي خمول المجتمع، وفقدان البلاد المؤسسات الوسيطة الحافظة من المواجهة المباشرة بين الشعب والدولة في زمن الأزمات.

وإذا استمر هذا التضييق في مختلف المجالات قد ينتهي يوما ما إلى الانفجار، وحتى إن لم يتمرد الشعب على دولته فإن الوضع القائم لا يساهم في تشكيل جبهة داخلية قوية وصلبة أمام المخاطر الخارجية. إنه ليس تحسن مداخيل البترول والسياسات والتصريحات الشعبوية هو ما يمنع من الوصول إلى هذا الوضع الخطير المتوقع، وإنما هو الحكم الراشد وحسن استعمال الموارد البشرية والمالية

 

د. عبد الرزاق مقري

جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية الجزائرية: عن المصالحة الفلسطينية (2)

لقد علمتنا الثورة التحريرية الجزائرية أنه لا يمكن تحقيق النصر على الاحتلال دون وحدة وطنية، جبهة وطنية واحدة، وأفضل طريق للوحدة هو الحوار والمفاوضات، ولكن حين يكون الخلاف حول استراتيجية المقاومة، فلا يؤمن بها أحد الأطراف المعنية، يصبح الحديث عن الوحدة حديثا عبثيا لا يتعلق إلا بالصورة والمشهدية وكسب الموقف وربح الوقت،

وكل اتفاق وحدوي لا يقوم على أساس رفض الاحتلال ومواجهته بالقوة ثم بكل أنواع النضال لا يكتب له النجاح، ومن يتراجع عن اتفاق الوحدة عادة إنما هو الذي لا يؤمن بالمقاومة، أو حينما يبالغ هذا الأخير في تعطيلها، ولكن الوحدة ستتحقق يوما ما ما دام الحق وراءه طالب، ستتحقق بالأمر الواقع في الميدان ثم ينجز وعد الاستقلال … ولو بعد حين.

وفي هذا السياق بدل أن نحرج الفلسطينيين بدعوتهم لوحدة لا يمكن أن تتحقق، مهما كانت المحاولات والإعلانات والنوايا الطيبة، يجب أن نسألهم أولا عن موقفهم من الاحتلال وعن استراتيجية المقاومة المسلحة كأولوية في الكفاح ضد الاحتلال، كما هي تجارب البشر في تصفية الاستعمار، وعلى رأسها التجربة الجزائرية، وفي ذلك كله يجب أن يُسألوا عن سيادتهم على قرارهم.

زارني عزام الأحمد عضو قيادي بارز في حركة فتح، وممثل عباس في الإمضاء عن إعلان الجزائر للم الشمل في مكتبي ذات يوم فلامني على انحيازنا لفصيل واحد من الفصائل الفلسطينية، فأعلمته أن نشأتي وطفولتي كانت فتحاوية، نتغنى بأناشيدها ونتابع نداء صوت فلسطين في الإذاعة الوطنية ” لتحرير فلسطين كل فلسطين” ثم قلت له: ولكن حينما ظهر من تبنّى المقاومة أكثر منكم ودفع الشهداء من الأهل والأولاد ومن أنفسهم صرنا نسندهم بما نستطيع، ونحن نسند كل مقاوم فلسطيني كائنا من كان”. بدأ الأحمد يتحدث – كما هو متوقع – عن بطولات مقاومة فتح وعن سبقها وعن الرصاصة الأولى وما شابه ذلك. ولكن حينما فاجأته بسؤال استنكاري عن مسألة التنسيق الأمني، وبينت له أن التورط في هذا العمل المشين لا يليق بأصحاب الرصاصة الأولى لم يجد شيئا ذا بال يقوله لي.

لا أحد منا كجزائريين يستطيع إخفاء إعجابه بأبي عمار ياسر عرفات وبسبقه وبنضاله وصبره وثباته، ولكن رهانه على المفاوضات عبر مسار أوسلو كان وبالا على القضية الفلسطينية. ولا أحد من جيلنا يستطيع نزع التعلق العاطفي بفتح الرصاصة الأولى ولكن استمرار قادة فتح وقادة منظمة التحرير في زعمهم التمثيل الحصري للشعب الفلسطيني رغم تغير المعطيات على الأرض وفشل رهانهم على المفاوضات لا يستساغ أبدا، والعجيب أنه برغم الإجماع الفلسطيني والعربي والإسلامي على الفشل الذريع لهذه المفاوضات لا تزال قيادة فتح ومنظمة التحرير تراهن عليها، بل إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لا يتحرج في الإعلان، صراحة وبكل وضوح، بأنه لا يؤمن بالعمل المسلح ضد الاحتلال!  في مصادمة تامة للتاريخ وللأعراف السماوية والدولية وللشعب الفلسطيني ذاته، وللساحة الجهادية المتفاعلة في الضفة الغربية.. وليس غزة فقط!

لن يشفع لفتح فضلها السابق كما لم يشفع لمصالي الحاح سبقه في الدعوة للاستقلال، لن يشفع لفتح سبقها ما لم تزينه بما بدأت به فتتخلى عن أوسلو وما يشبهه في نهج المفاوضات العدمية، وإلا فإنها ستخسر كل شيء، بل ربما سيأتي اليوم الذي يتخلى فيه عنها من يدفعها إلى ما هي عليه من سياسات خاطئة، كما كانت نهاية من تورط في التنسيق الأمني مع الاحتلال الفرنسي في زمن ثورتنا المجيدة.  إن لنا في التجربة الثورية الجزائرية في ما سردناه في المقال السابق ما يؤكد فكرنا وتوجهنا حقا. إنه لا مكانة للسبق ولا للزعامة التاريخية، ولا حتى للتأييد الدولي حينما يتعلق الأمر بمقاومة الاحتلال، إنما القيادة كل القيادة، والزعامة كل الزعامة لمن يقاوم فعليا على الأرض، وكل من يتآمر على المقاوم، وينسق مع الاحتلال ضده هو خائن مهما كان تاريخه ومرتبته، ومهما كانت مبرراته، وحاشا شرفاء فتح والمنظمة أن يكونوا هكذا.

لا يعلم عزام الأحمد حين التقيته في مكتبي أن ثمة من المجاهدين من أقربائنا وجيراننا في حي العرقوب المجاهد بالمسيلة (مسقط رأس محمد بوضياف رأس مجموعة 22   الذين فجروا الثورة) من قُتل على الأيادي الآثمة لقوات (م . ب) أثناء الثورة، في سجون سلطته بسجن البراردة ومعتقل تامسة، أو في حواجزه الأمنية والعسكرية، فأنا أعلم جيدا ما معنى التنسيق الأمني مع الاحتلال. لقد كنت أسمع عن مأساة ضحايا جيش (م. ب) في شبابي بعد الاستقلال، ومن ذلك مأساة الشاب اليتيم صلاح الدين، وحيد أمه الثكلى قريب، الذي قَتل العملاءُ والده في حاجز نواحي عين الحجل بولاية المسيلة حين كشفوا انتماءه لجبهة التحرير.

وعلى هذه الخلفية لا أؤمن على الإطلاق بأنه يمكن تحقيق الوحدة بين الفلسطينيين ما دام أحد الطرفين يريد تحرير كل فلسطين ويقاتل من أجل ذلك، ويدفع الأثمان غالية، ويسير على نهج ثورتنا النوفمبرية المباركة التي رفضت التنازل عن أي شبر من الجزائر حين عرض ديغول فصل الصحراء عن الجزائر، والطرف الآخر تنازل عن قرابة 80% من بلاده ويريد تحرير الباقي بالمفاوضات مع قوة احتلال لا تعترف أصلا بوجود فلسطين ولا بعودة أهلها إلى ديارهم وتستعمل المفاوضات لمزيد من الاستيطان وتهويد القدس وحصار غزة وقصف المدنيين العزل وتصفية قادة المقاومة وتدمير الإنسان الفلسطيني وتشتيت الأمة العربية. ويزيد هذا الطرف المفاوض في تعميق الخلاف بين الأشقاء بملاحقة المقاومين وتعذيبهم في سجونه، بل وقتلهم.

إن جر حركة حماس وباقي فصائل المقاومة لكي يسيروا على نهج المبادرة العربية ويتنازلوا عن جزء عزيز من أراضيهم وديارهم جريمة لا تغتفر ولا تُمحى من التاريخ. من أراد من العرب أن يسير في ركب التطبيع مع الكيان سواء اعترف هذا الكيان المحتل بالمبادرة العربية أو قبل ذلك فذلك شأنه، وأمره عند الله وأمام التاريخ ومع الشعوب العربية والإسلامية الثابتة الصامدة، ولكن ليس من حقه أن يكون وصيا على أهل الأرض، وليس مقبولا أن يبتزهم ويستغل قلة حيلتهم وفقرهم واحتياجاتهم الأساسية وهوانهم على كبّار العالم فيدفعهم ليعترفوا بالمحتل ويتنازلوا عن حقوقهم. ومن أراد المساهمة في عمل تاريخي شريف عظيم يؤدي إلى الوحدة بين الفلسطينيين عليه أن يستبين أمر الفصائل في شأن إرادة التحرير وموقفهم من المقاومة المسلحة، وأن يسألهم عن سيادتهم على قرارهم أولا.

د. عبد الرزاق مقري

جبهة التحرير الوطني (FLN) والحركة الوطنية الجزائرية (MNA): عن المصالحة الفلسطينية

لكل زمن فكره، لكل زمن رجاله، ولكل زمن إنجازاته. وقليل من الناس من يستطيع أن يتكيف ليواكب الأزمنة المختلفة، يقولون في علم الإدارة أن 5% فقط من الناس يستطيعون التكيف مع التحولات وتجديد أنفسهم للاستمرار في الريادة.

بعد ان انتهت مرحلة المقـ.ـاومة الشعبية الجزائرية المسلحة التي واجهت الاحتـ.ـلال الفرنسي مدة سبعين سنة تقريبا، منذ دخوله سنة 1830 إلى بداية القرن العشرين خلفتها المقـ.ـاومة السياسية الوطنية التي صار دورها مواجهة مخططات فرنسة الجزائر وسلخها من انتمائها الحضاري بالتجهيل والتنصير ومحاربة اللغة العربية والتفريق العرقي، علاوة على التجويع ومختلف وسائل الإبادة والاحلال الاستيطاني بجلب سكان جدد من مختلف أنحاء أوربا.

استطاعت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن تحقق بمدارسها وبرامجها الموجهة لصناعة الإنسان نهضة عربية إسلامية جزائرية، كما حارب النخبيون قانون الأهالي وحاولوا تحسين ظروف الجزائريين دون أن يتحقق لهم ما أرادوه، وفي أوج قوة تياري الإصلاح الديني والإصلاح القانوني أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي سنة 1936، برز مصالي الحاج الذي كان نضاله قبل ذلك بين شبكات العمال الجزائريين والمغاربة في فرنسا ضمن حزب نجم شمال افريقيا.

حين برز مصالي الحاج في الجزائر كانت رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد تحققت إذ نشأ تيار كبير من الوطنيين آمنوا بمقولة الشيخ عبد الحميد بن باديس “إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد…، في لغتها، وفي أخلاقها، وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري”. وبعد هذا الإنجاز أصبح الشعب الجزائري يتطلع إلى شيء جديد: هو الاستقلال.

فهم مصالي حاجة الجزائريين فجاء يحضر المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في ملعب 20 أوت سنة 1936 بالرغم من أنه لم يكن معنيا وفرض نفسه على المنظمين. كان الحضور يتطلعون إلى ما سيقوله الزعماء الكبار الذين ألفوهم – ومنهم رمز الأمة الجزائرية عبد الحميد بن باديس – عن رحلتهم إلى فرنسا وجواب السلطة الاستعمارية في باريس عن مطالب الحقوق، فأخذ مصالي الحاج الكلمة فألهب بها مشاعر الجمهور وخرجوا به من الملعب يحملونه على أكتافهم … لقد دار الزمن لصالح مصالي الحاج.

كانت حركة واحدة، وعبارة واحدة كافيتين لتغيير مسار التاريخ. حمل الرجل حفنةً من التراب ونادى في جمهور لا يعرفونه: ” هاذي بلادنا! هاذي ارضنا! ويجب على الاستعمار أن يخرج، الاستقلال! الاستقلال!

في وقت قياسي شكل مصالي الحاج “حزب الشعب الجزائري” في أنحاء البلاد كلها، وصارت فكرة “الاستقلال” هي الفكرة الآسرة والجامعة للشعب الجزائري. وهكذا فُتح قسمٌ جديد في مدرسة الحركة الوطنية بات هو الأكثر استقطابا والأكثر تخريجا للقادة والأكثر تأثيرا في الشعب والأكثر ضغطا على الاستعمار الفرنسي، وفي الساحة الدولية.

حين اندلعت الحرب العالمية الثانية استعملت فرنسا المنهزمة أمام هتلر أعدادا كبيرة من الشعب الجزائري لاسترجاع كرامتها، وبدعم من الحلفاء أُطلِق “وعدٌ ما” بأن من حق الشعب الجزائري أن يتطلع إلى الاستقلال وأن المسألة ستناقش بعد نهاية الحرب. عند انتهاء الحرب خرج الجزائريون في يوم 8 ماي 1945 للشوارع سلميا يطالبون إنفاذ حقهم في الحرية كغنيمة من غنائم حرب طاحنة ذهب ضحيتها 60 مليون قتيل من أجل الحرية وضد العنصرية. لم يُرِدها الفرنسيون المتمسكون ب”الجزائر الفرنسية” هكذا فاقترفوا مجزرة مروعة في حق طلاب الاستقلال راح ضحيتها 45 ألف شهيد.

كانت أحداث 8 ماي 1945 حدا فاصلا بين مرحلتين: مرحلة المطالبة بالاستقلال بالوسائل السلمية ومرحلة الانتقال إلى العمل المسلح من أجل ذلك. كانت خيبة الأمل شاملة لدى كل منظمات وقادة التيار الوطني، الجمعية والاندماجيون وتيار الاستقلال، فلا بد من مبادرة تخرج الحركة الوطنية من الجمود الذي وقعت فيه، والذي لا يخدم إلا الاحتـ.ـلال. شيء طبيعي أن يكون حزب الشعب بقيادة مصالي الحاج هو المبادر فأسس المنظمة الخاصة ( أو المنظمة السرية) للإعداد للعمل المسلح، وكان عناصرها كلهم شباب. وقع ذلك في مؤتمر حزب الشعب يومي 15-16 فبراير 1947 الذي تشكلت فيه حركة انتصار الحريات الدينوقراطية كواجهة قانونية لحزب الشعب الجزائري الذي دخل السرية بعد أن تم حله من الإدارة الاستعمارية. غير أن الأحداث الداخلية للتيار الوطني كله غيرت المسارات. نشبت خلافات في كل الاتجاهات، وكان الخلاف الأشد بين مصالي الحاج وأعضاء اللجنة المركزية الذين ينتمون إلى الجيل الثاني الذي حنكه النضال والسجون واحداث الحرب العالمية فلم يصبح يقبل قرارات الزعيم دون مؤسسية. التزم شباب المنظمة الخاصة، الذين يمثل أغلبهم الجيل الثالث، الحياد وكانوا يلومون الجميع على انشغالهم بالخلافات والتخلي عن دعمهم للانتقال الفعلي إلى العمل المسلح.

في الفاتح من نوفمبر 1954 فجر الشبابُ الثورةَ وأسسوا جبهة للتحرير الوطني ودعوا كل الأحزاب والقوى الوطنية للالتحاق بها على قاعدة واحدة هي lلجـ.ـهاد المسلح من أجل تحرير الجزائر. وعلى زغردة الرصاص وعبق البارود يكون اعتماد كل أشكال النضال الأخرى، الشعبية والدبلوماسية والعمالية والطلابية والفنية والرياضية وغير ذلك.

التحق العلماء والنخبويون والمركزيون جميعا وبعض الشيوعيين، أفرادا، وحلوا كياناتهم، سوى الحزب الشيوعي الذي بقي تابعا للحزب الشيوعي الفرنسي.

غير أن المعضلة الكبرى تمثلت في أن أب فكرة الاستقلال لم يتقبل أن أبناء أبنائه يفجرون الثورة دون المرور عليه فلم يعترف بهم، ولا بثورتهم، وأسس حزبه “الحركة الوطنية الجزائرية” ليبقى يطالب بالاستقلال ولكن دون مواجهة مسلحة. لم تقبل جبهة التحرير الوطني أن يكون للثورة رأسان، ولم تراع في مصالي الحاج مكانته وسبقه إذ تخلف عن إعلان lلجـ.ـهاد ورفض الالتحاق به.

تعقّد الأمر أكثر حينما أسس رجل من أتباع مصالي المخلصين (م . ب) جيشا مسلحا لمواجهة جبهة وجيش التحرير الوطني، ثم دخل هؤلاء الوطنيون “القدماء” في تنسيق عسكري وأمني مع جيش الاحتـ.ـلال، وتورطوا في جرائم مروعة ضد إخوانهم الجزائريين، وأصبحت المواجهة المسلحة بين الطرفين شاملة في الجزائر وعلى الأرض الفرنسية ذاتها وسط المغتربين الجزائريبن . وعند ظهور الخيانة وتجليها رفض كثير من أعضاء الحركة الوطنية الجزائرية المصالية هذا الانحراف، وكثير منهم التحق بالجهة المقـ.ـاومة للاحتلال، بل حتى مصالي الحاج نفسه أصابه كثير من الحرج ودعا إلى وقف الاقتتال ولكنه لم يتخل عن حزبه ولم يلتحق بالثورة، وربما تكون صحوة مصالي الحاج المتأخرة هذه ما جعل دولة الاستقلال تمنحه الجنسية الجزائرية دون منحه جواز السفر إلى أن مرض مرض وفاته، وحين توفي رحمه الله نُقل جثمانه من فرنسا ليدفن في الجزائر، وبعد سنوات أعيد الاعتبار لمكانته الأولى في الحركة الوطنية وسميت منشآت رسمية باسمه.

لم يتوقف الخـ.ـائن ( م . ب ) عن التنسيق الأمني مع الاحتـ.ـلال وقتال المجاهدين، بل تبرأ من تبعيته لحزب مصالي الحاج، وبقي يواصل خيانته حتى لحقته الهزيمة و قُتل معزولا لم يأسف عليه أحد، حتى فرنسا التي كانت تسلحه لم تأسف عليه إذ تقول المصادر الفرنسية أنه صار عبئا عليها فتخلت عنه في آخر المطاف وانتهى به المطاف معزولا حتى داخل عشيرته.

بعد ما تجاوز الخلاف بين الأشقاء مستوى الخلاف السياسي وصارت الحركة الوطنية الجزائرية، وخصوصا ذراعها العسكري، ألعوبة في يد الاحتـ.ـلال، لم يصبح ممكنا تحقيق أي تقارب بين الطرفين. لقد بدأ الخلاف حول استراتيجية تصفية الاستعمار، بين استراتيجية المقـ.ـاومة واستراتيجية المفاوضات السياسية دون قتال، ثم تحول الخلاف إلى مواجهة مسلحة وتنسيق أمني تورط فيه الطرف الأسبق والأقدم في النضال الوطني وفق ما كان يدعيه!

لم يتوقف النزاع إلا برجوع فئة كبيرة من أعضاء وأنصار الحركة الوطنية الجزائرية المصالية إلى الموقف الوطني الصائب والسائد بين الجزائرين ثم بالحسم المسلح مع من بقي في الخيانة. ومن عبقرية الثورة التحريرية أن كثيرا من زعماء الفصائل والشخصيات، لم يساهموا في تفجير الثورة والتحقوا بها متأخرين، استطاعوا أن يجدوا لهم مكانة في صفوفها الأولى لما رجعوا إليها بصدق، بل حتى أولئك الاندماجيون الذين لم يكونوا يؤمنون بالشخصية الجزائرية المستقلة عن فرنسا صاروا قادة فيها كأمثال فرحات عباس رئيس حزب الاتحاد من أجل البيان والديموقراطية الذي وجد نفسه رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة.

لقد علمتنا الثورة التحريرية الجزائرية أنه لا يمكن تحقيق النصر على الاحتـ.ـلال دون وحدة وطنية، جبهة وطنية واحدة، وأفضل طريق للوحدة هو الحوار والمفاوضات، ولكن حين يكون الخلاف حول استراتيجية المقـ.ـاومة، فلا يؤمن بها أحد الأطراف المعنية، يصبح الحديث عن الوحدة حديثا عبثيا لا يتعلق إلا بالصورة والمشهدية وكسب الموقف وربح الوقت، وكل اتفاق وحدوي لا يقوم على أساس رفض الاحتـ.ـلال ومواجهته بالقوة ثم بكل أنواع النضال لا يكتب له النجاح، ومن يتراجع عن اتفاق الوحدة إذا وقعت إنما هو الذي لا يؤمن بالمـ.ـقاومة، ثم ستتحقق الوحدة يوما ما بالأمر الواقع في الميدان وينجز وعد الاستقلال … ولو بعد حين.

يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

بيان السياسة العامة: عن السياسة مرة أخرى

لا شك أن أهم خلل في الجانب السياسي للبلاد هو ما نراه من التحولات والانقلابات المتتالية للأوضاع داخل منظومة الحكم ذاتها. نتابعها جميعا دون أن نفهم مغزاها. ولعدم توفر الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومة صار ملايين الجزائريين يتغذّون بخصوصها من منابر اليوتيوب والوسائط الاجتماعية المختلفة التي سيطر عليها نشطاء يقيمون في الخارح يقولون أن مصادرهم من داخل المؤسسة العسكرية ومن مختلف مؤسسات الدولة. وحتى وإن لم نهتم بأخبار هؤلاء فإن القرارات الرسمية بشأن ما يحدث تجعل الحليم حيران.

حينما اهتز عرش الحكم بتأثير الحراك الشعبي فسقطت رؤوس كبيرة وبقي النظام قائما قلنا ذلك أمر طبيعي، من عادة الأنظمة الشمولية أن تضحي ببعض رموزها لتستمر في الوجود. ولكن أن تستمر الرؤوس تتساقط إلى اليوم فإن ذلك دليل على عدم استقرار النظام، وليقل المسؤولون والمساندون لهم والطامعون فيهم والخائفون منهم ما يشاؤون في تبرير هذه الظاهرة الجزائرية الخالصة، إنه عدم الاستقرار السياسي.

ولو نحسب عدد قادة أحزاب الموالاة وعدد الجنرالات وعدد الوزراء وعدد الولاة وعدد مسؤولي المؤسسات الذين سُجنوا أو هرَبوا أو هم تحت الرقابة القضائية لقلنا بأنه لم يكن أحد إذن صالحا في هذه الدولة. ماذا نقول للأجيال عن تاريخنا المعاصر حينما يتداول على قيادة المخابرات الخارجية والداخلية عدة ضباط سامين في وقت قصير، أكثرهم أقيلوا ودخلوا السجن بتهم خطيرة تجعلنا نخاف فعلا على حال دولتنا من النظام الذي يسكنها والسلطة التي تحكمها؟

نكون في فترة ما تحت سلطة ضابط سام يراقبنا ويتجسس علينا وربما يكيد لنا المكائد باسم الوطنية وتحت عنوان حماية الدولة، ثم فجأة يصبح هو المجرم وهو المتآمر على الدولة أو هو الفاسد ويدخل السجن. ولو كانت الحالة عابرة لقلنا إنما الناس بشر ولا بد أن ينحرف بعضهم، ولو كانت المناصب التي وصلوا إليها في المراتب الدنيا، التي لا تتطلب تدقيقا في سِيَرهم وسوابقهم وعلاقاتهم ومستوياتهم، ربنا نقول لا حرج في ذلك إنما هم من عموم الناس الذين فيهم الصالح والطالح.

لا يفارق عقلي خصومةٌ وقعت بيني وبين أحد الأصدقاء حول شخصية وصلت إلى مراتب عليا في الدولة، كان يريد صاحبي أن يقنعني بكل الوسائل، “المقبولة وغير المقبولة”، بأن ذلك المسؤول رجل دولة، نزيه، ومن التيار الوطني الذي يجب أن ندعم أصحابه وتكون لنا علاقة بهم، ثم فجأة يقالُ هذا الرجل من منصبه ويصبح متابعا ويدخل السجن. لست أدري ماذا يقول صاحبي بعد أن سقط صاحبه؟

لا أريد أن أحكم على أيٍّ من هؤلاء المتابَعين، إنما هي ظلمات بعضها فوق بعض، لا يستطيع الغريب عن الدار مثلنا أن يفهم ما في داخلها، أو من صعد من أهلها كيف صعد ومن نزل في ما نزل. ولكن ربما بعد هذه الحادثة سيقف صديقي على حكمة موقفنا بأن لا نقترب بأي حال من الأحوال من صراعات الأجنحة داخل السلطة، فلا نُحسب على أي منها، ولكن نواجهها كلها عند الاقتضاء لمصلحة بلدنا، وحين يُحسن أيٌّ منهم لا نتهيب أن نقول بأنه أحسن في العمل الذي أحسن فيه لا أكثر.

إن موقف الفرجة الذي تعطيه لنا أخبار الصراعات والتعيينات والإقالات، والنزول من أعلى المراتب إلى أكثر السجون عتمة، ومن أعمق غار فيها إلى أعلى شرفات الحكم لا تثير فينا الفضول كما هو حال كثير من النخب الجزائرية، ولكن تجعل قلوبنا تتقزز إلى حد التقيؤ ، وتجعل صدورنا تغلي من الغضب لما آل إليه بلدنا. لا شك أن المؤسسة العسكرية تسير بقاعدة الانضباط ولم نصل بعد إلى الخوف على وحدتها، ولكن ما هو حجم الضرر الذي أصاب أمننا ومصالحنا ما دام العديد ممن كانوا مسؤولين عن الأمن صاروا متهمين بتهديده. إنه لا ينفع أن تتعامل النخب مع المؤسسة العسكرية من منطلق الطمع أو الخوف، فيقول بعضهم لا يوجد مشكل داخل المؤسسة، فمن أخفى داءه قتله.

هذه المؤسسة مؤسستنا جميعا، وقد بينت هذه الأحداث بأن من فيها ليسو بالضرورة أكثر وطنية ممن ليسو فيها. ومن فيها وعلى رأسها بشر يصيبون ويخطئون، ويأكلون الطعام ويتنفسون ويمشون على أديم الأرض كغيرهم من ولد آدم، وهم ليسو فوق المساءلة، وإن بقيت الثغرات مفتوحة إلى هذا الحد وهذا المستوى ومتكررة في الزمن فهم ليسو في مستوى المسؤولية الملقاة عليهم. وهذا الكلام الذي أكتبه هو الكلام الوطني الحق، أقوله وأنا داخل البلد، ولا يوجد غير الله من أعتمد عليه، ولا نريد بذلك تحديا غير أن نقول ما نعتقد أنه حق وأنه مفيد.

وما يحدث في المؤسسة العسكرية يحدث مثله في المؤسسات المدنية، لم تصبح ثمة معايير معلومة يمكن أن نراقب على أساسها السلطات العمومية، يُقال بعضُ المسؤولين، ومنهم من يدخل السجن، ثم فجأة يعودون إلى المسؤوليات المركزية والمحلية العليا، بل إن فيهم من تشيع عنه تهمةُ الفساد حتى نفرح حين يُقال، ثم في مرحلة لاحقة يُعاد إلى منصبه. وهناك من نعرف نزاهتَهم واستقامتهم ولكن يُبعدون إلى الأبد.

ومن عجائب معايير التعيين في المناصب اعتلاء بلاطوهات الفضائيات فرأينا نخبا أظهروا حساسياتهم في الإعلام من الأحزاب، وبعضهم برعوا في التزلف، فصاروا وزراء ومدراء دون أي اطلاع على مستوى الكفاءة والنزاهة لديهم، فرأينا منهم من تسبب في خيبةِ أملِ من عيّنه فأقيل بعد ذلك، ومنهم من لا يزال يتسبب في خيبات الأمل، ويقع في الأخطاء المتتالية، ويظلم الإطارات ويعتدي على الضعفاء، ولا زال ثابتا في منصبه، ربما لا لشيء إلا أنه ثبت على التملق وصارت له “علاقات”!

أما أحزاب الموالاة فلا أقول عنها شيئا لأن قادتها زملاء ولكن أرجو أن يُعبّروا يوما ما علانية عن حجم التهميش وأحيانا الإهانة لبعض إطاراتهم، بما يتحدثون به في لقاءتهم المغلقة. ولكن بغض النظر عن الاحترام الذي يجب عليّ أخلاقيا أن أظهره لهم، وأن نتناصح بيننا بشأنه، حتى نبني بيئة سياسية جادة تحفظ الجزائريين من الكفر بالأحزاب والسياسة والساسة جميعهم، هم في المحصلة ضحايا النظام السياسي كذلك. كم من مرة سمعت قادة جبهة التحرير يقولون نحن لم نحكم أبدا، سمعتها من الأجيال القديمة التي اعتبرت أن الحزب الواحد كان مجرد جهاز، ولا يزال البعض من الأجيال الجديدة يعتبرونه كذلك. وبالرغم من أنني لم أقبل هذه الحجة من كبار قادة جبهة التحرير حين تعرفت عليهم أكثر في المجلس الشعبي الوطني وفي مؤسسة القدس العالمية وفي منظمة الفضاء المغاربي والعديد من المناسبات في الداخل والخارج، وفي مختلف محطات الكفاح المشترك من أجل ثوابت الأمة والوطن، فإنني لا أنكر أبدا فضل بعض كبار هؤلاء علي، حيث لا يُقدر بثمن ما استفدته من خبرتهم، وعقولهم، ومعلوماتهم، ومعاني الوطنية الصادقة التي التمستها فيهم، فهم يذكرونني بوالدي وأعمامي وأخوالي، رحمهم الله جميعا، الذين تشربت من قصص جهادهم ونضالهم، ومن استقامتهم، المعنى الحقيقي للوطنية، ولكن واسفاه! أين ذلك الجيل؟ وأين ذلك الزمن؟

ومما لاحظته في هذا الجيل أنه رغم اعتزازهم بتاريخهم النضالي في جبهة التحرير، فلم يكن لهم نفس حزبي متعصب، وبالرغم من أننا ننتمي لحزب عريق آخر كانوا يروننا امتدادا لهم. وكم تأثرت حينما لمت أحدَهم عن تراجعه عن الاهتمام بمراتب الصدارة في جبهة التحرير كضمان لخطها الوطني الأصيل، حيث قال لي: “يا سي عبد الرزاق احنا تعبنا والمشعل راه في ايديكم”، أي أنه اعتبرني امتدادا له، بسبب الانتماء الوطني المشترك، بالرغم من أني أعارض حزبه سياسيا.

إنه لا يقلقنا أبدا أن تكون جبهة التحرير حزبا سياسيا قويا، ولا أي حزب من الأحزاب الوطنية والإسلامية، فقوتها ضمان لهوية البلد والوفاء لبيان أول نوفمبر. بل لا يقلقنا أن تقوى الأحزاب العلمانية كذلك، فقوتها يدخلها التنافس الديمقراطي ويخرجها من حالة الانغلاق التي تلجأ إليها الأقليات الأيديولوجية عادة. إنما الذي يقلقنا هو ما يقوم به النظام السياسي من عمل منهجي دؤوب لإفساد الأحزاب وإضعافها وابتزازها والتآمر عليها ومحاولة استبدالها بشخصيات وأوعية اجتماعية موالية فارغة وانتهازية.

كنت في يوم من الأيام في ” جنان الميثاق” أيام جلسات الحوار مع الرئيس السابق زروال بين جبلين كبيرين، الشيخ محفوظ نحناح والأستاذ عبد الحميد مهري، أسمع حوارهما الراقي، يُسمِّي الأستاذُ مهري الشيخَ محفوظ “شيخنا” وهو أكبر منه سنا، والشيخ محفوظ، الأستاذ الجامعي ومربي طبقات قيادية متتالية والمفكر المحاضر في كل أنحاء العالم، يقول للأستاذ مهري “أستاذ الجيل”. سمعت في هذا الحوار الأستاذ مهري يقول للشيخ محفوظ: “إن النظام السياسي مخطئ حين يعتقد بأنه يخدم الدولة بعمله على إضعاف الأحزاب”. وقد تحقق استشراف الأستاذ مهري فعلا، لم تجن الدولة بإضعاف الأحزاب إلا الخراب الاقتصادي والاجتماعي والصراعات الثقافية وتكوين المافيا والعصابات.

 

..يتبع

 

د. عبد الرزاق مقري

أنصار انتخابات 12/12 والعلاقات الجزائرية الفرنسية

أعدت الحكومة على جناح السرعة النصوص التنظيمية لقانون الاستثمار على غير العادة مقارنة بالعديد من القوانين الأخرى. لا شك أن هذا أمر جيد باعتبار حاجة الجزائر الملحة للاستثمار،

غير أن اللافت هو السرعة التي أقبل بها الوفد الفرنسي للاستفادة من هذا التطور الجديد. يقال بأنه كان للفرنسيين دور خبرة مهم في بلورة قانون الاستثمار الجديد ونصوصه، وربما ها هم يأتون قبل غيرهم للاستفادة منه، لا شك أن حصول المعلومة عندهم عن الجزائر أسرع وأسهل!لم تستفد الجزائر من العلاقات المميزة مع فرنسا، فلقد امتصت خيراتِنا واستعملت أموال بترولنا لتحريك مصانعها ودعم فلاحيها وتنمية مؤسساتها الخدمية، مصانع كبرى مفلسة أنقِذت بالطلبيات الجزائرية، وبقيت تسمم أوضاعنا الثقافية، وتقف دوما ضد توجهاتنا الدولية.

ولكن رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه يبشران بأن هذه المرة ستكون انطلاقة جديدة في العلاقات مع فرنسا.

لست أدري هل ستكون لصالح الجزائر، أو على الأقل لصالح الطرفين، والله لا أظن ذلك. فرنسا دولة استعمارية تسببت في تفقير الشعوب الافريقية التي استعمرتها، وفي الوقت الذي تثور فيه هذه الشعوب عليها يقول حكامنا أن العلاقة معها في أعلى مستوياتها تاريخيا.

من يعلم؟ لعل اللوبيات الفرنسية داخل الجزائر أقوى من اللوبيات الفرنسية في الدول الافريقية! لا يوجد شيء ذو بال في الاتفاقيات التي أبرمتها رئيسة الوزراء الفرنسية “بورن” مع رئيس الوزراء الجزائري “أيمن”، أغلبها تعبير عن نوايا، سوى الاتفاقات التي تهم فرنسا فقد تم إبرامها بشكل قطعي مثل الاتفاقيات حول القطاع الفلاحي، والمدارس التعليمية، وهياكل دعم المؤسسات، وهي كلها قطاعات متخلفة في فرنسا أو استغلالية، وتحمل مخاطر جمة لاقتصادنا وثقافتنا.

أما القضايا الخلافية فتم التصرف معها وفق الإرادة الفرنسية، أي السكوت عنها، بمعنى إهمالها. نحن نتحدث هنا عن قضايا الذاكرة التي اقتصرت هذه المرة على هدية فرنسية لقِطعٍ نقدية تاريخية جزائرية هي في الأصل ملكنا، ونحن نتحدث كذلك عن ملف التأشيرات الذي سُيِّر وفق الشروط الفرنسية، أي اختيار الجزائريين المفيدين لفرنسا لدعم هجرة عقول بلادنا ورؤوس أمواله، أما التأشيرات المتعلقة بمصالح الجزائريين العاديين التي لا حد لها في فرنسا فلا ينظر لها.

دون أي اعتبار للعدد الهائل للعلاقات العائلية الجزائرية مع المقيمين من شعبنا فيها، ولا أي اهتمام بحقيقة أن الدول المستعمِرة في العالم بأسره يتوجه إليها سكان البلاد المستعمَرة التي حطمها الاستعمار وأغرقها في التخلف وسلم حكمها لأتباعه والمتأثرين به، فهؤلاء السكان لا حيلة لهم إلا أن يتوجهوا لقضاء احتياجاتهم في العمل والصحة والتعليم وغير ذلك. ونحن نتحدث كذلك عن ضرورة الاعتراف والاعتذار والتعويض الذي لن يسقط بالتقادم رغم تنازل السلطات الحالية عن ذلك.

ويمكننا أن نتحدث كذلك عن السكوت عن إيواء رأس المنظمة الانفصالية التي اعتبرها المسؤولون، أصدقاء فرنسا، منظمة إرهـ.ـابية، وكذلك السكوت المطبق عن حقيقة أن السياسة المغربية تجاه الصحراء الغربية داعمها الأول والأساسي والدائم والشرس هو فرنسا. فلست أدري، تبعا لذلك، كيف أن الحساسية تجاه المغرب شديدة منذ سنوات طويلة، وحليفها الاستراتيجي الذي يسندها في أوربا وفي افريقيا وفي العالم بأسره لا تتوجه له هذه الحساسية.

في كل الأحوال، لا يوجد شيء جديد في زيارة “بورن” ووفدها الكبير للجزائر، فهو كما يدل عليها اسمها، في التعريف القاموسي لاسم وفعل “بورن”: العلاقات “محددة” و “محدودة” بمعالم صلبة لن تتغير، وعقول النخبة الفرنسية “متصلبة” لا تتغير، وأفق العلاقات محدود.

كل ما في الأمر أننا سنفيق بعد مدة بأن فرنسا وحدها هي التي استفادت من هذه العلاقات. لم تكن العلاقات الفرنسية الجزائرية تمثل مشكلة لدينا كعلاقة بين دولتين، ولكن الذي نرفضه، والذي سنبقى نحاربه، هو علاقة التبعية والتفريط في مصالح بلدنا، وقبول تأثير اللوبيات الفرنسية، الذي كان ولا يزال مستمرا.

غير أن الشيء الذي أردت أن أقف عنده في الختام هو التذكير بأننا لم نشارك في الانتخابات الرئاسية 12/12 لأن الشعب كان لا يزال في الشارع وقررت مؤسساتنا أن لا نخون الحراك الشعبي، ولكن لم ندع لمقاطعتها لأنه في الأخير ستعود الانتخابات إلى مجراها الذي كانت عليه لأن حالة الانقسام التي كانت تجري في الشارع لم تكن تبشر بالخير.

ولكن! السؤال المطروح: ما هو شعور أفراد الكتلة الشعبية الكبيرة الذين ساندوا الانتخابات بحجة أن الدولة الجزائرية قد استقامت وأن الحكام الجدد سيقطعون “دابر فرنسا” وسينهون وصايتها علينا؟ كان الاتهام الموجه للذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات أنهم أولاد فرنسا، فماذا تقول الأغلبية الساحقة التي ساندت الرئيس وتوزعت بين كل المرشحين؟ ماذا يقولون والذين تحققت أهدافهم هم الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات واستعملوا العنف في فرنسا لمنعها؟ هل سيراجعون ما كنا نقوله لهم بكل حب وإشفاق بأن ما كانوا يعتقدونه بأن الزمن زمن نهاية النفوذ الفرنسي بإرادة رسمية فوقية وهمٌ عظيم، وحيلة خبيثة استعملتها المخابر لتفويت فرصة حقيقية للتغيير؟نحن نحترم آراء الجميع ولكن أرجو أن يكون تصريح المسؤولين بأن العلاقات الفرنسية الجزائرية قد وصلت إلى المستوى الأعلى تاريخيا، وما يرونه من فًرشٍ مستمر للبساط الأحمر لحكام فرنسا، قد أحدث هزة في العقول؟

 

د. عبد الرزاق مقري

بيان السياسة العامة: عن السياسة

يوجد في عالم السياسة ساسة يربطون مواقفهم من الأنظمة المستبدة وفق الأحوال الذي تكون عليها تلك الأنظمة من قوة أو الضعف. فإن كانت الظروف مُهلكة لتلك الأنظمة يتشجع أولئك الساسة على محاربتها وربما انتهجوا نهجا متشددا ومتعجلا لتسريع نهايتها. أما إذا كانت الرياح متجهة لصالح أشرعة المستبدين، خفظوا أصواتهم حتى تكاد تنسى، ومنهم من يتوارى ليعيش حياته بعيدا عن السياسة، ومنهم من يلتحق بالحكام الأقوياء تائبا، وربما ذليلا، وقليل منهم من يصمد ويصبر فيؤدي الذي عليه في مواجهة الفساد والفشل والاستبداد، ولو بدون نتيجة تذكر، إخلاصا لله تعالى إن كان مبعثه دينيا، أو إشفاقا على وطنه إن كان الدافع وطنيا، أو رجولة ومروءة من أجل المبدء، وقد يكون الدافع ذلك كله.

أين النقاش السياسي الذي كان يميز الحياة السياسية في بلادنا رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد في مراحل عدة سابقة؟ هل يُعقل أن تناقش السياسة العامة للحكومة في البرلمان فلا يوجد في الساحة ساسة كبار ومتخصصون متميزون يكشفون زيف ادعاء المسؤولين؟ سوى أصوات قليلة مبحوحة محاصرة، منها قادة حركة مجتمع السلم. هل صار الساسة في داخل البلاد، الذين ادعوا معارضة النظام السياسي من قبل، ينتظرون حتى يتحرك الشعب لكي يتكلموا؟ هل ينتظرون أمواج التغيير تأتي وحدها لكي يركبوها؟

لا تجود الأقدار دائما بإظهار أسرارها سريعا، قد يحدث ذلك فيُفضَح الباطلُ على العجل ولا تطول معاناة محاربيه، وقد يطول إظهار الحق وابطال الباطل فينعم الفاسدون بفسادهم دهرا طويلا، ويموت الأبطال دون التنعم بثمار كفاحهم، ولكن مهما طال الزمن ستُنصِف الأقدارُ الرجالَ، سواء الذين قضوا نحبهم أو الذين بقوا ثابتين ينتظرون ولم يبدلوا تبديلا. وهل يضيعُ أجرُ المحسنين عند الله تعالى؟ وهل ظَلم التاريخُ صانعيه يوما، فلم يضع لكل فاعل فيه وسما، بالسوء أو المجد؟

إن الله لا يضيع أجر العاملين يوم القيامة فيعطي لكلٍّ حسب جهده ويزيد من يشاء برحمته، ولكن يوزّع في كل زمن ولكل واحد بمقادير مختلفة لا يعلم حكمتها إلا هو سبحانه، ولكنها بكل تأكيد عادلة في حق صاحبها بما يَصلُح له و ما يُصلِحه. فثمة من المصلحين من يأتي بهم الله في مرحلة لا يمكن فيها تحقيق شيء سوى وقف الانهيار في أممهم، فينجحون في ذلك أيما نجاح، ولكن قليل من ينتبه إلى عظيم صنعهم. ومنهم من يجيء في مرحلة لا تتحمل سوى التطوير وإضافة لبنات أساسية لما سبق، فيؤدون المهمة بكفاءة ويتسببون في تحسين أوضاع بلدانهم ولكن لا يُكتب على أيديهم الحسم الذي يذكره الناس جميعا، وهناك من يختصهم الله بالحسم في آخر مسيرة كفاح لم يحضروا جل ما سبق منها، فيدخلون التاريخ من بابه الواسع إذ يكون الإنجاز نهائيا مدويا يشهده جميع الناس ويشهدون عليه.

إن الأمثلة في التاريخ على تنوع هذه الأرزاق المُقدّرة كثيرة، من أهمها الحسم الذي صنعه صلاح الدين الأيوبي ضمن مسار لم يطلقه هو، بل كان رائده الأول رجل أفضل منه عند العارفين، هو نور الدين زنكي، ولكن عموم الناس لا يذكرون إلا صلاح الدين الأيوبي، وذلك فضل الله في الدنيا يعطيه من يشاء.

ولو أردنا أن نسقط هذه الحقيقة السننية على تاريخ كفاح المصلحين في الجزائر والمناضلين من أجل تخليصها من الفساد والاستبداد ولغرض تطورها ونهضتها لوجدنا رجالا كُثرا على هذا المسار لا يعرف الناسُ أغلبَهم. منهم من رفض الانحراف من أول يوم حين تم فُرض الاستبداد بعد الاستعمار و تم إمضاء المناهج والتوجهات المستوردة المناقضة لعهد الشهداء وبيان أول نوفمبر، و التي أغرقت البلد في التخلف وضياع فرص الإقلاع والنهوض، ومنهم من كان له أثر في تأليف القادة وتأسيس المنظمات والأحزاب المناضلة حتى صار تأثيرهم ملموسا وإنجازاتهم شاهدة، ولكن لا أحد منهم حَسَم الأمر، فرغم كل التضحيات لا يزال نفس النظام الحاكم منذ الاستقلال يكرر نفسه ويكرر إخفاقاته، تتكرر أمامه الفرص ويكرر إهدارها بلا هوادة.

لقد كان النظام السياسي في شدة وهلع بسبب استدامة تراجع أسعار البترول واقتراب نضوب احتياطي الصرف بما جعله يشعر بوشوك حالة الإفلاس فأخذ يؤجلها بطباعة النقود والتقليص الحاد للواردات، ووقف المشاريع والتفكير في التراجع عن سياسة الدعم المعممة، فإذا به تنزل عليه فرصة من السماء سببها دماءٌ تسيل وأرواحٌ تزهق في أرض بعيدة تشهد حربا طاحنة، تبدو مزمنة، تسببت في ارتفاع أسعار البترول.

إن الأنظمة المستبدة تسكن الدول التي تحكمها كما يسكن الجان الجسد حتى يصبح انهيارها هو انهيار الدولة ذاتها، ولذلك، بقدر ما حزنا على الشعوب التي تأكلها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، سعدنا بالنّفَس الجديد الذي أُعطِي لبلدنا. غير أن نجاة البلدان ليس بالخيرات التي تنعم بها وإنما برشاد حكامها، فكم من دول غنية قوية جنى عليها حكامها رغم ثرائها، وقد بيّن العلامة عبد الرحمن بن خلدون ذلك بحديثه عن أطوار الدول وكيف تنهض بالتجرد والبسالة والتعفف وكيف تسقط بالفساد والظلم والترف، ومن أسباب سقوطها انشغال الحكام بنعيم خيراتها بدل خدمتها. وقد صدق مؤرخ الحضارات توينبي كذلك حين قال بأن الحضارات لا تسقط بسبب عدوان خارجي ولكنها تنهار من الداخل وقد أوجز بقوله: “الدول لا تموت ولكنها تنتحر”.

إننا حينما نقرأ ما ورد في بيان السياسة العامة وما نسمعه من المسؤولين في مجال مكتسبات الحريات والسياسة والديمقراطية والمؤسسات نشعر وكأنهم يتكلمون عن بلد آخر.

بعد أن تحدثنا عن الشأن الاقتصادي في المقال السابق لست أدري من أين أبدأ لأبين عكس ما يدعون في الشأن السياسي: هل من حالة اللاستقرار السياسي من داخل النظام نفسه، أم من ضعف المؤسسات، أم عن أحادية الرأي الذي وصلت إليه كل المؤسسات الإعلامية، أم عن إفساد العمل السياسي برمته، أم عن نهج التحكم والاستغلال الجاري لمنظمات المجتمع المدني، أم عن حالة الفساد المهيكل، أم عن موقع بلدنا ضمن التحولات الدولية القائمة.

يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

الشيخ القرضاوي: أنا من تلاميذه!

بدأت الصحوة الإسلامية معتدلة وسطية سلمية علمية، وبعد أن صُبّ على الدعاة القمعُ في مصر في زمن الملك فاروق، وخصوصا في زمن جمال عبد الناصر، وكذا في بعض الدول العربية، خصوصا الاشتراكية الشيوعية، بدأت تظهر توجهاتٍ ردود الأفعال المتشددة المتطرفة في من قُبض عليهم وعُذبوا وأُعدِم رفقاؤهم، والعديد من الدعاة من أهل العلم والثقافة والشهادات العليا لجؤوا إلى المملكة العربية السعودية في زمن الملك فيصل رحمه الله فكانوا هم ركائز التطور في المؤسسات التعليمية والتربوية والمؤسسات المجتمعية في هذا البلد، وبسبب طول مكوثهم فيه تأثروا بالمذهب الوهابي المتحالف رجاله آنذاك مع العرش فظهرت في كل الحركات الإسلامية مسحة سلفية في الفقه والسلوك، ولم يكن التوجه السلفي آنذاك عنيفا ولا مخاصما للعلماء والدعاة، بل كان وسطيا مساهما مساهمة كبيرة في الدعوة الإسلامية، ومن دلائل ذلك ما نُشر عن أئمته، أمثال الشيخ ابن باز والشيخ الألباني من كلام طيب عن علماء الإخوان المسلمين، كالشيخ حسن البنا والشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي رغم الاختلافات الفقهية بينهم رحمهم الله جميعا.

وفي فترة الثمانينيات وجّه العديد من علماء الوسطية والاعتدال شباب الصحوة إلى مجالات التجديد والتطوير في الفكر، والحكمة في الدعوة والمشاركة الاجتماعية ومسارات النهوض الحضاري، ونبهوا إلى ضرورة الابتعاد عن كل أنواع التقوقع والتشدد في مسائل الفكر والفقه والزي والسلوك والعلاقات ودعوا إلى نبذ الخصومات وإلى احترام أعراف الناس وما استقرت عليه المجتمعات الإسلامية من المذاهب والعادات في الإطار العام للشريعة الإسلامية. وكان من أبرز وأشهر وأعلم هؤلاء الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي رحمهما الله.

 وبفعل تأثرنا بالمسحة السلفية كان الكثير منا، كشباب، ينقد هذين العالمين الجليلين ونعتبرهما متساهلين في الدين ثم بيّنت لنا الأيام وما استزدناه من علم وتجربة عظمة هذين الرجلين وسبقهما في تحليل مشكلات الأمة وما اقترحاه لها من حلول باجتهاداتهما العلمية. وكانت بيئتنا المغاربية الجزائرية الباديسية البَنّبية خيرَ معين على نضجنا وفهم آفاق الفكر الرحيب لذانك الجبلين، كما كان لصرخة الهضيبي في كتابه “دعاة لا قضاء” جليل الأثر.

لقد كان تأثير هؤلاء العلماء والمفكرين كبيرا في الجزائر من خلال كتبهم وأشرطتهم وزيارتهم الدورية للجزائر في ملتقى الفكر الإسلامي وغيره من المناسبات، وكان دور الشيخين الغزالي والقرضاوي بليغا في ترشيد الصحوة الإسلامية الجزائرية، وكان الفضل الأول للشيخ محمد الغزالي من خلال إشرافه العلمي في جامعة الأمير عبد القادر، وبرنامجه التلفزيوني كل اثنين الذي كان من أكثر البرامج متابعة وقد صار رحمه صديقا حبيبا لعوام الناس ومثقفيهم ومسؤوليهم، ولم يكن يخفى على أحد العلاقة المميزة بين هذا المجدد الجليل ورئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد. وبعد رحيل الشيخ الغزالي خلفه الشيخ القرضاوي رحمهما الله في الجامعة، غير أنه لم يطل كثيرا كالشيخ الغزالي.

استقطبت الجامعة الإسلامية أعدادا كبيرة من إطارات الصحوة من مختلف الاختصاصات العلمية الذين سجلوا أنفسهم للدراسة فيها. كنت أريد أن أدرس العلوم الإسلامية بعد حصولي على شهادة البكالوريا في دورة 88 / 89، ضمن موجة ذلك الزمن، ولكن والدي رحمه الله أرادني أن أدرس الطب فأطعته ولم أندم على ذلك رحمه الله رحمة واسعة، ولكن بسبب شغفي بالعلوم الإسلامية درَستُها عصاميا في البداية، ثم درّستها عبر سنوات في المدرسة الشرعية بجامع أسامة بن زيد بمدينة المسيلة، ثم أسست مع إخواني مدرسة شرعية في مسجد جامعة سطيف ذاع صيتها وانتفع بها كثير من الأطباء والمهندسين وذوي الاختصاصات الأدبية، وفي كل تلك المسيرة كان علم الشيخ القرضاوي هو دليلنا الأول، فلا نطمئن لمسألة إلا إذا اطلعنا على رأيه فيها، ولا يَحسم الخلاف العلمي بيننا سوى قولِه في المسألة رحمه الله تعالى.

بعد أن تحصلت على الدكتوراه في الطب، وولجت غمار السياسة رجع لي الحنين القديم إلى الشريعة فأنفذت إرادتي وتحصلت على شهادة الماجستير في الشريعة والقانون وواصلت المسيرة مع الدكتوراه في نفس الكلية حول موضوع في الاقتصاد برؤية إسلامية، وبقي مرجعي الأول دائما في ذلك هو الشيخ القرضاوي رحمه الله تعالى.

لقد كان تعلقي بالعلماء كبيرا، وكبرت على احترامهم جميعا، فلا أخوض أبدا في الاختلافات بينهم وأرى في مواقفهم وسلوكاتهم الشخصية ما يسعه شرع الله تعالى، وإن اقتنعت بخطئهم في تصرف من تصرفاتهم، أعبر عن ذلك بأدب وأنظر إلى خلالهم الحميدة وأفضالهم الواسعة فلا يبقى لما أراه فيهم من خطأ بشري أثر، ومن منا لا يخطئ.

لقد تعلمت هذا السلوك من مخالطتي للعلماء، خصوصا أستاذي الأول في مدينة المسيلة وشيخي الدائم الدكتور أحمد بوساق، وصاحب الفضل علي المربي الأبدي الشيخ محمد مخلوفي. كما كان تأثري بأدب ورِقّة الشيخ الغزالي كبيرا، حين كنت أزوره وأستنصحه وهو في الجزائر، فتجذبني إليه أبعاده الإنسانية أكثر من علمه الغزير المتجدد، وقد كان له أثر كبير في خيارات أساسية وحاسمة في حياتي الدعوية.

أما الشيخ القرضاوي فقد نهلت من علمه وفكره وأدبه بواسطة كتبه ومحاضراته وندواته طيلة الثمانينيات، ثم كان أول لقاء مباشر به سنة 1989 في لقاء لمجلس الشورى الوطني للحركة قبل التأسيس الرسمي للحزب في إحدى الفيلات في الجزائر العاصمة، يملكها أحد رفاق الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وكنا نناقش في ذلك المجلس الرأيَ بشأن تأسيس الحزب، وكنت قدمت ورقة بهذا الخصوص في ذلك المجلس. 

كانت مؤسسة القدس منظمة دولية غير حكومية اجتمعت فيها مختلف مكونات الأمة، من سنة وشيعة ومسيحيين، ومن الإسلاميين والقوميين، فكان الشيخ القرضاوي هو رئيس المؤسسة وينوبه عالم شيعي وشخصية مسيحية وأخرى قومية.

ثم تشرفت باستقباله مع زوجته المصرية إسعاد عبد الجواد أم أولاده في بيتنا في المسيلة سنة 1990، وكانت زوجته رحمها متعبة جدا أخبَرت والدتي وزوجتي بأنها منهكة وأنها لم تصبح قادرة على تحمل أعباء السفر مع زوجها الشيخ القرضاوي رحمهما الله، ولعل ذلك هو السبب الذي دفع الشيخ القرضاوي للزواج آنذاك بامرأة ثانية تتحمل معه المشاق التي كان يكابدها في أعماله وأسفاره التي لا تتوقف.

قدم الشيخ القرضاوي أثناء زيارته لمدينة المسيلة درسا في الجامعة ودرسا في مسجد الصحوة أسامة بن زيد فجمع في مقدمة درسه بالجامع التكامل في الإسلام بين الجامع والجامعة، والدين والعلم، ثم راح يفسر سورة العصر، وكان قد قرأ بها في إمامته للمصلين في صلاة المغرب، فأبدع في التفسير أيما إبداع.

بعد أن غادر الشيخ القرضاوي الجزائر بإلحاح من عائلته بسبب مرضه، حاول الدكتور عمار طالبني، وفق ما أخبرنا به، أن يقنعه بالتعاقد سنة أخرى لرئاسة المجلس العلمي في جامعة الأمير عبد القادر فذهب إليه إلى القاهرة برئاسة وزير التعليم العالي آنذاك، فلم يفلح إذ عارض أهله سفره، ولكنه بقي يزور الجزائر بين الحين والحين بدعوات رسمية أو شعبية، وذات يوم في شهر أب/أغسطس سنة 2007 أصابته وعكة صحية شديدة فقامت الدولة الجزائرية برعايته صحيا في المستشفى العسكري بالجزائر العاصمة، وزاره في مشفته رئيس الجمهورية وعدد من المسؤولين الكبار. لم يكن مسموحا لغير الرسميين بزيارته فطلبت من أحد وزرائنا آنذاك د. إسماعيل ميمون أن يزوره ويبلغه سلامي وسلام تلامذته في الجزائر فسعد بذلك رحمه.

غير أن المشروع الأكبر الذي شرفني الله بالعمل فيه بشكل مباشر مع الشيخ القرضاوي هو مؤسسة القدس العالمية. كانت مؤسسة القدس منظمة دولية غير حكومية اجتمعت فيها مختلف مكونات الأمة، من سنة وشيعة ومسيحيين، ومن الإسلاميين والقوميين، فكان الشيخ القرضاوي هو رئيس المؤسسة وينوبه عالم شيعي وشخصية مسيحية وأخرى قومية. وكان رئيس مجلس الإدارة الشيخ فيصل مولوي من لبنان رحمه الله، والأمين العام أكرم العدلوني ذكره الله بخير، وللمؤسسة مجلس أمناء يتشكل من العديد من الشخصيات من مختلف أنحاء العالم، منهم كثير من النشطاء الجزائريين، وافتتحت المؤسسة فروعا في العديد من الدول منها الجزائر.

كنت من أكثر الأعضاء الجزائريين في مجلس الأمناء نشاطا، من حيث جمع التبرعات والاتصالات، ولعله لهذا السبب اختارني الشيخ القرضاوي لأكون أمينا عاما لفرع الجزائر وكتب لي الشيخ فيصل مولوي بذلك تكليفا كتابيا لا زلت أحتفظ به، وقد وفقني الله أن أجمع لفرعنا كفاءات عديدة من مختلف التيارات، فكان أكثر الفروع في العالم نشاطا. فأسست، وفق مخطط المؤسسة عالميا، رابطة الشباب من أجل القدس، رابطة النساء من أجل القدس، ورابطة الأئمة والدعاة من أجل القدس، ورابطة رجال الأعمال من أجل القدس. أطلق الشيخ القرضاوي آنذاك مشروع “وقف الأمة” على أن يُؤسَّس في كل بلد وقفٌ لدعم المقدسيين وتثبيتهم في أرضهم، فوعد الكثير من النشطاء بذلك في بلدانهم، غير أن الوقف الوحيد الذي تم إنجازه فعليا هو وقف الجزائر بجهود شعبية بحمد الله تعالى، وسيبقى هذا الوقف حسنة جارية للشيخ القرضاوي ولكل من ساهم في إقامته بحول الله عز وجل.

ومن مشاريع مؤسسة القدس التي ثبتت مشروع شباب من أجل القدس وكان فرع الجزائر هو أنشط الفروع، ولا يزال إلى الآن قائما باسم آخر. ومن أكبر إنجازات فرع الجزائر التوصل، من خلال رجال فضلاء في الدولة الجزائرية، إلى استضافة مؤتمر القدس الخامس أيام 26-28 مارس 2007، حضره أكثر من 200 شخصية، على رأسها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس، والقاضي الشيخ فيصل مولوي، والشيخ عكرمة صبري، والمطران عطا الله حنا، والسيد علي أكبر محتشمي، والأستاذ منير شفيق، والشيخ قاضي حسين أحمد، والشيخ حارث الضاري، والقيادات البارزة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” كلها وعدد من الشخصيات السياسية والدينية وأصحاب الفكر والرأي في عدد من الدول العربية والإسلامية.

أصبحت علاقتي بالشيخ القرضاوي تتوطد أكثر فأكثر، من خلال مؤسسة القدس، كما صرت ألتقي به في مختلف المناسبات الدعوية والفكرية والعلمية العالمية حتى صار يعتبرني من تلاميذه المخلصين رحمه الله رحمة واسعة، وقد شرفني عليه الرضوان بأن اتصل بي شخصيا سنة 2016 ليطلب مني المشاركة في ذكرى بلوغه 90 بكتابة موضوع عنه فكتبت بحثا عن علمه وفضله على الصحوة تحت عنوان “الشيخ القرضاوي إمام الثورات العربية” نُشر ضمن المجلدين الكبيرين اللذين احتويا شهادات ومقالات وبحوث تلاميذه من العلماء والساسة والدعاة من كل أنحاء العالم.

 

أسأل الله تعالى أن يديم نفعنا بعلمه وأن ينفعه بما نعمل وأن يتغمده برحمته الواسعة. آمين.

 

د. عبد الرزاق مقري

بيان السياسة العامة: مغالطات الأرقام ومؤشرات التيه التنموي

خلافا لتفاعلات الرأي العام حول مقاصد حركة مجتمع السلم من مناقشة بيان السياسة العامة فإن هدفنا الأول ليس رئيس الحكومة، فما رئيس الحكومة إلا قطعة في منظومة، والمشكلة الحقيقية هي في منظومة الحكم كله. إنه حينما تكون الماكنة كلها متهالكه لا يصبح مهما أن تسأل عن قطعة الغيار التي تبدلها، هل هي صالحة ومناسبة أم لا؟

وفي هذه الحالة كثيرا ما يتكرر تغيير القطع، فلا يدري أحد حينما تُغيّرُ القطعةُ هل كانت هي ذاتها فاسدة فعقّدت حال المنظومة أكثر، أم أنها كانت صالحة فلم ينفع صلاحها الماكنة إذ الماكنة نفسها في حالة مزرية وهي المقصودة بالتغيير وليست القطعة. فلا نريد أن نظلمه أو نظلم من كان صالحا من وزرائه،  ولكن في كل الأحوال رئيس الوزراء يتحمل المسؤولية سواء كان مناسبا لهذا المنصب السامي أم لا.

وباعتبار  أن البرلمان مسَيطر عليه بنسبة أكثر من 80% من نواب الموالاة الذين يتبعون الحكم، وليس الحكومة، فإننا سنسمع هجوما واسعا على هذه الحكومة ووزرائها من العديد من أعضاء المجموعات البرلمانية الذين تقبع أحزابها فيها ولكن في آخر المطاف سيصوتون لصالح بيان السياسة العامة، وحتى وإن أقدمت المجموعة البرلمانية المعارضة الوحيدة المتمثلة في كتلة حركة مجتمع السلم على تقديم ملتمس الرقابة للإطاحة بالحكومة فإن المشروع ستسقطه الأغلبية الساحقة التي أنتجتها انتخابات قاطعها أغلبية واسعة من الناخبين وشُوهت بإبداع تزويري جديد بيّنا دلائله وبراهينه للمسؤولين بما لا يمكن رده. وسيبقى التصويت الأخير  على بيان السياسة العامة موقفا سياسيا فارقا بين أغلبية ستقول نعم لاستمرار الوضع بكل ما يحمله من مخاطر للبلد، وأقلية معارضة شامخة مقاومة ستتحمل مسؤوليتها التاريخية مرة أخرى برفض فرض الأمر الواقع من منطلق الواجب أولا والتاريخ ثانيا،  ثم لعل الجزائريين يتذكرون يوما ما!

كان من المنطقي أن نبدأ بتقييم الوضع السياسي في تناولنا الرد على بيان السياسة العامة، ولكن باعتبار أن المنتظر أكثر   من الحكومة هو ما يتعلق بالنتائج على الصعيد الاقتصادي سنبدأ بالحديث عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وفي المقال المقبل سنتحدث عن الجانب السياسي.

وقبل ذلك لا نبد أن نشيد باحترام الشكل في عرض بيان السياسة العامة على البرلمان، إذ لأول مرة يُحترم الدستور في هذا الشأن، ومهما كانت ضآلة حجم هذا الإنجاز نفرح به، لأن من مآسينا أن حتى المكتسبات الجيدة التي تأتي بها الدساتير والقوانين والمراسيم نحرم منها بعدم تطبيقها، أو بتطبيعها بأشكال منحرفة أو متحيزة تفرغها من محتواها، ورحم الله الشيخ محفوظ رحمه حين قال عن النظام الجزائري: ” يكتبون النصوص بالأيدي ويدوسون عنها بالأرجل” أو قوله “مشكلة الجزائر في اللصوص وليس في النصوص”.

غير أننا نلوم الحكومة عن تبريراتها في المقدمة لتُعذِر نفسها مسبقا عما قد يرفعه النواب من دلائل القصور في أدائها حين تحدثت الوثيقة عن العوائق التي تسبب فيها الغلق أثناء الوباء وآثار الحرب الدائرة في أوكرانيا، ولئن كان الحديث عن أثر الوباء مقبولا، فإن التعذر بالحرب غير مقبول إذ أنتجت وضعا ماليا مريحا للدول المنتجة للطاقة، أعطى النظام السياسي نفَسًا لم يكن يحلم به، وهو فرصة سانحة لتطوير الاقتصاد بحسن استغلال زيادة المداخيل بالعملة الصعبة.

إن تقييم الخطط والسياسات والبرامج يكون سهلا حينما تكون صياغتها بأهداف وعبارات وأرقام قابلة للقياس، وذلك من مسلمات علم التخطيط ومعايير الحكم الراشد،  وهو ما لم يكن حاضرا في مخطط عمل الحكومة الذي على أساسه يتم تقديم بيان السياسة العامة وعلى أساسه يتم التقييم، ولكن كان مخطط عمل الحكومة إنشاء وجملا متراكمة تتحدث عن طموحات لا ضابط لها ولا يمكن متابعة مدى إنجازها، وكذلك – على ذات المنوال – جاء بيان السياسة العامة بمثابة وثيقة فضفاضة العبارات، بصياغات عامة يستحيل التأكد من صحتها، وما علينا إلا أن نصدق ما يقال فيها بدون أي قدرة على قياسها. و ما جاء فيها من مؤشرات رقمية فهو إما وعود مستقبلية –  كأن الوثيقة هي ذاتها برنامج جديد أو برنامج مكمل كما هو حال الأربعين مشروع قانون التي تقول الحكومة في وثيقتها بأنها ستصدر في المستقبل لمعالجة الخلل –  وإما أرقام غير ذات أو غير دقيقة أو غير ذات مصداقية.

ومن جوانب نقص المصداقية في الأرقام كونها لا ترتكز على قاعدة بيانية منشورة ومتعارف عليها كما هو حال الحكومات التي تخضع لمعايير الحكم الراشد في العالم. كيف يمكننا أن نصدق الأرقام التي يتحكم فيها عدد قليل من الأشخاص لا ندري من هم وكيف يبنون أرقامهم وعلى أي أساس.  كيف نصدق تلك المؤشرات إذا كانت أرقام الديوان الوطني للإحصاء متجمدة في موقعه الالكتروني لم تتغير منذ سنوات،  كحال مؤشر استهلاك العائلات الذي يعود إلى سنة 2011 في حين أن المطلوب حكوميا أن يتجدد كل ثلاثة أشهر، بل كحال المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المتوقفة منذ  2006. ولا نريد أن نلوم مسؤولي الديوان الوطني للإحصاء، وإن كانوا يتحملون جزء من المسؤولية،  ما دامت الجزائر لا تملك منظومة معلوماتية شفافة وفاعلة وملزمة للمؤسسات العمومية والخاصة. ولا أظن أن الجزائر لا تقدر على الانتقال إلى نظام معلوماتي عصري ينقلنا إلى مستوى الحكومة الالكترونية، فدول أقل إمكانيات منا فعلت ذلك، ولكنها الرغبة في فرض الغموض في الحكم من أجل التحكم ومنع التغيير المهدد لاستمرار الاستبداد والفساد.

حينما فُرض على الجزائر المضي إلى الهوية البيوميترية لأسباب أمنية محلية ودولية فعلت ذلك ونجحت فيه، والذي ينجح في الهوية البيوميترية يستطيع أن ينظم انتخابات إلكترونية، ويستطيع أن يوسع قاعدة البيانات في كل اتجاه. تستطيع الجزائر أن تكون لديها مؤشرات اقتصادية واجتماعية منشورة وشفافة ومحينة في كل وقت فلا نضطر أن نصدق ما يعرضه علينا الإداريون الرسميون فلا نستطيع مراجعته إذ ليس لدينا الوقت وآليات ذلك.

ولو أردنا أن نضرب أمثلة على عدم دقة الأرقام أو التجاوز في تفسيرها، فإننا سنجد على المستوى الأدنى مثالا بسيطا على التدليس والتلفيق في الأرقام التي يسهل كشفها حين تتوفر أدوات التدقيق فيها. ويتعلق الأمر  بما جاء في بيان السياسة العامة بأنه تم الإجابة على مائة بالمائة من الأسئلة الشفوية التي طرحها النواب على الحكومة وهو ما يكذبه هؤلاء مطلقا. ولعل هذا التجاوز اللأخلاقي صنعةٌ أخرى لنوع من المسؤولين في الاختصاص يتفنون في القيام بوظائف لا علاقة لها بمهمتهم لإفساد ممثلي الشعب وأحزابهم، بالتطميع تارة وبالتخويف تارة، وقد سبق لنا أن كشفنا ذلك في ندوة صحفية سابقة، وبدل أن يتم التصرف مع هذا النوع من الوجوه الرسمية لحفظ مصداقية الدولة ظهرت وجوه أخرى على شاكلتها في قطاعات وزارية أخرى للأسف الشديد.

وعلى المستوى الأعلى يمكننا أن نتحدث عن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية حسب أرقام الحكومة التي لا تتناسب مطلقا مع مستوى المعيشة التي لا تزال آخذة في التدهور، بما لا يمكن إنكاره مطلقا، ولو كان مسموحا في بلادنا بنشاط مؤسسات سبور الآراء واستطلاع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الخاصة لأمكن كشف الحقيقة بسؤال طبقة العمال الذين لا تتجاوز أجورهم 30 و 40 و 50 ألف دينار، بل أكثر من ذلك، كيف هي حياتهم وكيف باتت مرتباتهم لا يبقى منها شيء قبل نهاية شهر، وبالنسبة للبعض قبل نهاية نصف الشهر.  أما من كان دخلُهم دون ذلك فهم يكافحون من أجل المعيشة وليس من أجل الحياة الكريمة لهم ولأهلهم وأولادهم. ولفداحة ارتفاع الأسعار التي تلسع الأغلبية الساحقة من المواطنين، لم تستطع الحكومة تخفيض معدل التضخم كثيرا فبقي رسميا يلامس الرقمين، أي قرابة 10%،  والمعلوم أن التضخم حين يتجاوز الرقمين على أصحاب القرار أن ينتبهوا بأن مواطنيهم يعيشون العنت، مع أن الرقم المصرح به في بيان السياسة العامة لا يمثل حالة غلاء المعيشة الحقيقية التي يكابدها المواطن.

ولست أدري كيف يبتهج المسؤولون بالتطور الإيجابي للميزان التجاري وميزان المدفوعات ويخفون عن الناس بأن ذلك التحسن لا علاقة له بالنشاط الاقتصادي وإنما سببه التقليص الحاد للواردات وارتفاع أسعار المحروقات، أما انخفاض الواردات فهو تصرف سياسي لا علاقة له بالمنطق الاقتصادي، فهو سبب رئيسي لارتفاع الأسعار بسبب الندرة التي خلقها في الأسواق، وفي ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي والخدمات بنقص المواد الأولية التي يدفع في المحصلة فروقَها المواطنُ من جيبه في مختلف مناحي الحياة.

إنه لا يخفى على مثقف متوسط المعارف بأن إجراء منع الواردات تقوم به الحكومات لحماية ما يماثلها من إنتاج وطني لفترة محددة وليست سياسة مالية شاملة وحادة ودائمة تتعلق ببضائع تمس احتياجات أساسية أو ضرورية لا يوجد ما يشبعها محليا، وقد كانت لي فرص عديدة استمعت فيها لأصحاب مؤسسات صناعية وخدمية في مختلف المجالات وفهمت منهم الأثر السلبي عليهم وعلى زبائنهم لهذه السياسات المانعة للحرية الاقتصادية. ومما يدل على أن هذه الإجراءات سياسية ولا علاقة لها بالتدبير الاقتصادي الحكيم الاحتكارات الجديدة التي بدأت تنشأ من جديد من المحظوظين الذين يُسمح لهم بالاستيراد دون غيرهم.

ومن دلائل عدم تطور التنمية الوطنية تواضع حجم الصادرات الذي لا يزال لم يصل 5 مليار دولار، رغم الوعود العريضة التي أطلقها رئيس الجمهورية نفسه بهذا الشأن منذ وصوله لسدة الحكم قبل ثلاث سنوات، ولا يبدو أن هذا الرقم سيرتفع كثيرا عند نهاية عهدته، أي بعد سنتين تقريبا، ولقد بات واضحا بأننا  في سنة 2024 سنبقى كما نحن تحت رحمة مداخيل المحروقات.

إن المعلوم في علم الاقتصاد وفي التجارب الحكومية في العالم أن أجل نجاح التنمية وبداية تحقيق الإقلاع الاقتصادي الداخلي والتوجه إلى الأسواق العالمية هو خمس سنوات، إذا توفرت الإمكانيات وكان الحكم راشدا. وقد رأينا ذلك يتحقق في العالم الإسلامي في التجربة الماليزية والاندنوسية والتركية، ففي تركيا مثلا التي كانت سنة 1999 في حالة إفلاس انتقلت صادراتها في نهاية العهدة الأولى لحزب العدالة والتنمية بين 2002 – 2007  من 30 مليار دولار إلى 130 مليار دورلار.

إن النظام السياسي في الجزائر لم يفهم بعد بأن مصير التنمية وأمن البلد ومستقبل الأجيال مرتبط بالمؤسسة الاقتصادية التي توفر الشغل، وتنتج البضائع والسلع بما يؤدي لخفض الأسعار ونسب التضخم، وتصنع ارتفاع معدل النمو، وترفع معدل الناتج المحلي الإجمالي ( مؤشر غناء الدولة) ومعدل نصيب الفرد منه ( رفاه الأفراد)، وترفع مستوى الصادرات خارج المحروقات، وتديم استقرار الميزان التجاري وميزان المدفوعات بشكل إيجابي وآمن.

ولعدم ثقة نظام الحكم في نفسه لم يرسم لنا حلما قابلا للقياس – كما فعلت حركة مجتمع السلم في برنامجها – يعلن فيه للرأي العام ما هو الحيز الزمني الذي تستطيع  الجزائر أن تحقق فيه الأمن الغذائي وتصل المراتب التنافسبة المتقدة اقليميا ودوليا في الصناعة والخدمات، على أساس علمي تتكامل فيه الجامعات وابتكاراتها مع المؤسسات وحسن إدارتها،  ومتى تستطيع الجزائر التحرر من التبعية للمحروقات، وتصبح بضائعنا تجوب أسواق العالم، ونحن نصبح بلدا قويا مهابا يصنع أسلحته بنفسه فلا تؤثر فيه سلبا التحولات الإقليمية والدولية بل يؤثر فيها هو بحكمته ومكنته. لا نجد شيئا من هذا، فالقيادة الجزائرية لم ترسم حلما نندفع جميعا إلى تحقيقه، حكومة بعد حكومة، عهدة بعد عهد، حتى وإن تداولت الأحزاب على الحكم.

إن المجهودات الكبيرة التي يبذلها النظام السياسي لتوسيع شبكة المؤسسات ومحاولاته تحسين البيئة القانونية للأعمال لن تُرى ثمارُها إلا بتحقيق الحرية الاقتصادية الضامنة لفاعلية المؤسسات وجودة أدائها وسلعها على أساس التنافسية وعدالة الفرص. ولا يمكن تحقيق ذلك بدون القدرة على الرقابة على الشأن العام. لا يزال الغلق هو سيد الموقف في الجزائر في كل المجالات ومنها أساسا المجال الاقتصادي، لا يزال الفساد يفسد بيئة الأعمال كذلك السرطان الذي يتمدد في الجسم فتقتل الخلايا الفاسدة الخلاية السليمة حتى تقضي على الكيان كله. لا يزال التاجر والصناعي المتعفف عن الحرام يجد صعوبات كبيرة لنمو عمله رغم الكفاءة والتجربة، ولا يزال من يُشكُّ في ولائه للسلطة القائمة، أو ربما لشخص أو أشخاص في السلطة، تُعرقَل أعمالُه بكل الوسائل،  ولا تزال ذهنية تشكيل العصب المالية في محيط السلطة الحاكمة بالمحسوبية والقرارات الفوقية وسيلة من وسائل الحكم والتحكم، وما نسمعه من أخبار في هذا الصدد مرعبة ومخيفة. وأمام هذا الوضع  بتنا نرى حلمنا يتبخر  بشأن استرجاع الأموال المنهوبة التي كانت محورا أساسيا في الحملة الانتخابية لرئيس الجمهورية إذ بعد ثلاث سنوات من حكمه لم نسمع خبرا ذا بال يسعدنا برجوع أموالنا التي نهبها ” السرّاقون”. وما تم التصريح به في بيان السياسة العامة في هذا الشأن محبط حقا فهو يتحدث عن تنفيذ 49 إنابة قضائية دولية من 219 إنابة ولكن لم يخبرنا عن نتيجة هذه الإنابات وما تم تحصيله، كما لا يزال يراودنا الخوف من أن يتم التفريط في الثروة المنهوبة من خلال الصلح الجزائي مع بارونات الفساد الذي تم تشريعه في قانون المالية 2022 الذي عارضناه لغموضه وعدم جدواه ولتشجيعه تكوين عصابات جديدة. إن هذا السكون المطبق عن هذا الصلح المزعوم يمنع استعمال حق الرقابة عليه من النواب والسياسيين ووسائل الإعلام، ويدخل الريب في أبعاده وحقيقته.

إنه لو لا  الصدور العامرة باليقين والتجربة القائمة على فهم السنن لأصابنا اليأس. إن ثقتنا في الله سبحانه كبيرة بأنه يمهل ولا يهمل، وفي الشعب الجزائري بأنه سيصبر لعل القوم يعقلون، ولكن غضبته لن تتأخر حين تتراكم أسباب ذلك مرة أخرى، وسيقول ذات يوم مجددا إن لم يقع التغيير الحقيقي “كليتو البلاد يا سراقين”، ولن تسلم الجرة في كل مرة!

ثم إنه من المؤسف حقا أن تُستعمل هذه النعمة الربانية في كل مرة لإنقاذ السلطة بدل إنقاذ البلاد. لقد أطلق رئيس الجمهورية مشروعا كبيرا للم الشمل سمعنا منه بأنه يريده من أجل العمل المشترك لحل مشكلة التحويلات الاجتماعية وإعادة النظر في سياسة الدعم لكي تكون موجهة لمستحقيها، وقدمنا له رأينا بأن الحل الحقيقي هو توسع دائرة المؤسسات الاقتصادية نوعا وكما، وتناقشنا معا نقاشا إيجابيا بخصوص القطاع الموازي وقدمنا رأينا بأن الحل لا يقتصر على التدابير المالية الجزئية لتشجيع أرباب المال على إدخال أموالهم الدائرة الاقتصادية الحقيقية، ولا حتى في الصيرفة الإسلامية ( على نحو ما جاء كذلك في بيان السياسة العامة) وإنما يكمن ذلك في الحكم الراشد الذي يحفظ رجال الأعمال من جشع المسؤولين فيضطرون للتخفي وعدم الرغبة في تطوير أعمالهم حتى لا تفرض عليهم الشراكات قصريا مع أصحاب النفوذ وذويهم. كما   يكمن كذلك في التوافق الوطني القائم على الحرية والديموقراطية بما يضمن الاستقرار وثقة المواطنين، وفي مختلف الإصلاحات البنكية وفي قطاع الضرائب والجمارك وسلط الرقابة التقنية والتكوين وتطوير الموارد البشرية، فإن تحقق ذلك ستصب على البلد الاستثمارات والموارد المالية من الداخل والخارج بلا حدود، ويصبح الجزائري يوفر احتياجاته كريما بعرق جبينه وعمل يده،  فتوجّه مداخيل المحروقات عندئذ  إلى التعليم والصحة والهياكل القاعدية، ولا يصبح مع مرور الزمن ملف الدعم الاجتماعي ملفا ثقيلا يتعلق به مصير البلد.

ولكن للأسف الشديد ما أن ارتفعت أسعار المحروقات طوي الحديث عن لم الشمل وعن ملف الدعم الاجتماعي، ورجع الخطاب الرسمي إلى أنغام الشعبوية المدمرة للاقتصاد الوطني في أمد متوسط وقد يكون قريبا إذا انهارت أسعار المحروقات لسبب من الأسباب الخارجية.

ومن أغرب ما سمعته في حياتي في الخطاب الشعبوي الرسمي، بما يتناقض كلية مع أبجيات الاقتصاد قول القائل ” أننا سنزيد في أجور العمال ما دامت أسعار المحروقات زادت”، والسؤال الكبير المطروح: وإذا تراجعت أسعار المحروقات، هل سيتم تخفيض الأجور؟ ومن أخطر أنواع الشعبوية  الأخرى طريقة التعامل مع منحة البطالة إذ تُعطى المنحة دون أفق للتشغيل، خلافا لمختلف التجارب الدولية الناجحة، إذ يسجل في قوائم المستفيدين بشكل مؤقت المسجلين في قوائم طالبي الشغل. أما عندنا فإنه يعطى للبطال منحة ترتفع أكثر عند ارتفاع أسعار البترول دون أي مسؤولية على مستقبل استقرار البلاد، إذ ما الذي يهدئ هؤلاء الجزائريبن المغرر بهم إذا ما عجزت الدولة على الالتزام بهذه المنحة في أفق منظور. وبالرغم من أن سلبيات هذا الإجراء لم تتأخر في الظهور من حيث ساهم في تضخيم القطاع الموازي إذ بات كثير من العمال يطلبون من أرباب المؤسسات التي يشتغلون فيها أن يتوقفوا عن تأمينهم في  الضمان  الاجتماعي لكي يتمكنوا من الحصول على منحة البطالة، كما أن كثيرا منهم فقدوا الحماسة للتكوين المهني.

لست أدري كيف يجرؤ المسؤولون على هذه السياسة الشعبوية الخطيرة، هل تصل فتنة السلطة والاستمرار فيها إلى أن يصبح الناس لا يبصرون. إنه من العيب ومن المؤسف جدا أن يتم ستغلال فرصة ارتفاع أسعار المحروقات من أجل السلطة  بدل استعمالها لخدمة الاقتصاد الوطني.

كان الأولى، والأكثر وطنية، أن تستعمل المداخيل الجديدة من ارتفاع أسعار المحروقات لتوفير الإمكانيات المؤدية لتحسين المزج الطاقوي في بلادنا عن طريق النجاح في الاستثمار في الطاقات المتجددة التي لم يخبرنا بيان السياسة العامة عن أي نتيجة مرضية بشأنها، وبالتوجه للطاقة النووية السلمية، ولكي نطور السياسات ونملك الوسائل لتحقيق الفعالية الطاقوية في مجال العمران والنقل والصناعة وغير ذلك، حتى نخفف من التبعية للمحروقات وربما نترك شيئا منها للأجيال المستقبلية إن لم تنفذ منا في آجال متوسطة كما يخيفنا به المسؤولون الحكوميون بين الحين والحين دون أن يفعلوا شيئا لتأخير ذلك. كما يمكننا استغلال المداخيل الجديدة  لحسن استكشاف واستغلال الخيرات الأخرى التي أشار إلى بعضها بيان السياسة العامة، مع ذكرٍ بائسٍ في طريقة استغلال أحد منها، وهي الذهب، بما يجعلنا نطرح ألف سؤال، عن تاريخ ومستقبل هذا المعدن النفيس الذي تتمتع بلادنا بثالث احتياطي منه في أفريقيا حسب تقرير مجلس الذهب العالمي. وبالرغم من عدم ثقتنا في الصرامة في تطبيق القوانين، فإننا نؤكد بأن التأخر في إصدار قانون المناجم أمر غير مفهوم ولا مقبول، ولعل وجوده يوفر للمقاومين من أجل حفظ ثروة البلد ما يساعدهم على الرقابة على الشأن العام في هذا المجال.

غير أن الاستغلال الأمثل والأفضل الذي يتيحه ارتفاع أسعار المحروقات  هو تنمية شبكة المؤسسات الاقتصادية الجزائرية، كما ونوعا، وذلك بتوفير السيولة لتمويل المشاريع التنموية، ولا يكون ذلك أبدا عن طريق القطاع العام من أجل مزيد من التحكم كما تتوجه إليه الدولة وكأن المسؤولين يحنون إلى زمن الاشتراكية الستالينية التي جعلت البلد يجشو على ركبتيه، ويظهر ذلك التوجه من خلال العديد من الإجراءات والقرارات،  منها  اختي

ار إعادة هيكلة القطاع العمومي، حسب ما جاء في بيان السياسة العامة،  من خلال شركة عمومية لإنتاج العربات وتركيبها  تضم 40 مؤسسة، ضمن سياسات غامضة بشأن عام بخصوص مشكلة تركيب وصناعة السيارة في الجزائر، التي غرقت في صياغة دفتر شروط وكأن الأمر يتعلق بصناعة صاروخ عابر للقارات، بما  جعل الجزائري متوسط الحال يكاد ييأس من امتلاك سيارته، ومن كانت عنده سيارة قديمة شد  عليها بالنواجذ للغلاء الفاحش في سوق السيارات، الراكد أصلا. وفي كل الأحوال لا يزال القطاع الصناعي كله متواضعا تدل عليه مؤشرات نموه، كما يدل عدم استغلال المناطق الصناعية التي لا يوجد منها سوى 694  منطقة، وكثير منها غير مستغل وفق ما صرح به بيان السياسة العامة أنه تم استرجاع  منها 1500 هكتار.

إنما تكون الطفرة الاقتصادية من خلال القطاع الخاص على أساس نظام متجدد على المستوى البنكي والنظام المالي والجمركي وعلى مستوى الضرائب، ومراقبة الإنجاز والجودة بعيدا عن الفساد الذي لا تقهره إلا الشفافية والتنافس الحر. ومن أراد أن يتأكد فلينظر إلى اقتصادات الدول الصاعدة هل صنعت طفرتها بغير القطاع الخاص؟ ونح في كل الأحوال إلى نرى في برنامجنا أن يبقى القطاع العام يستغل في القطاعات الاستراتيجية وفي القطاعات غير المرحبة كثيرا ذات الاحتياج الاجتماعي إلى أن تثمن، ويكون الرهان الأكبر في تحريك الاقتصاد على القطاع الخاص في كل المجالات الأخرى، ويضاف إلى القطاعين القطاع التكافلي المعبر عن انتمائنا الثقافي والمحقق للتضامن وتوسيع توزيع الثروة على المواطنين.

لعل النظام السياسي مهوس بالتجربة الاشتراكية الصينية، كما هو ملاحظ في تصرفاته السياسية ( كما سنبينه لاحقا أثناء حديثنا عن الشق السياسي)، فإن كان الحنين إلى الاشتراكية والأحادية يقود إلى التجربة الصينية فعلي المسؤولين أن يعلموا  أن الصين ليس بلدا مغلقا كما يعتقده الكثير ، فهو ليس كما كان في عهد ماوتسي تونغ. صين اليوم دولة تقوم على الحزب الواحد حقيقة ولكن نظامه نظام مدني يُصنع رؤساؤه من خلال التنافس أو التوافق بين المدنيين لا غير، وتتبع لجنة الشؤون العسكرية المكتب السياسي ابتداء وآخرا،  والتدافع بين الآراء والتوجهات والمصالح داخل الحزب كبير وليست الأمور في يد مركز قوة واحد مسيطر إلى الأبد،  ولم تتطور الصين حتى غيرت نفسها من الداخل انطلاقا من النصف الثاني من السبعينات بيد رجال إصلاحيين انفتحوا على العالم وشجعوا القطاع الخاص إلى أبعد حدود واعتمدوا على التطور العلمي والإبداع الإداري حتى صارت الصين أكبر قوة اقتصادية تخدم الفكرة الرأسمالية العالمية، وقد عبر القائم بالأعمال الصيني عن السبيل الذي اتبعته الصين لتصبح قوة دولية في حفل بمناسبة ذكرى إنشاء جمهورية الصين الشعبية في سفارتها بالجزائر في ثلاث كلمات: “التجديد، ثم الغنى، ثم القوة” أي أن الصين لم تتطور حتى تجددت، أما أصحابنا فإنهم يريدون أن تتطور الجزائر دون أن تتجدد. ولست هنا بصدد التسويق للتجربة الصينية، فإنما نستفيد من تجاربها الإيجابية المدهشة ولكن لنا عليها مؤاخذات أساسية ليس المجال للحديث عنها. ولنا نموذجنا الخاص الذي يستند إلى تجربة صنعت حضارة عالمية عظيمة، وكل مآسي المنظومة الرأسمالية الحالية تدل على أهلية مشروعنا الحضاري من جديد، بشكل متجدد  يستفيد  من كل التجارب البشرية.

إن الجزائر بعيدة عن النموذج الصيني، وبعيدة كل البعد عن النماذج الناجخة العالمية القائمة، والحديث عن الانضمام إلى مجموعة البريكس مزحة كنت قد علقت عنها منذ سمعت عنها في وسائل الإعلام، فلا الناتج المحلي الخام يسمح لها بذلك، ولا المعايير العلمية والإدارية والقانونية والهيكلية وحجم الأسواق والمساهمة في التجارة العالمية تسمح لها بذلك. وأنا تعجبت حقيقة من هذا الطموح ونحن من أكثر الدول تخلفا في مجال الأنترنت سواء من حيث التدفق أو الهياكل أو النظم أو الكفاءة، أو حتى الثقافة، كيف نطمح لذلك والتجارة في العالم كلها بالدفع الالكتروني ونحن لا زلنا في مستويات متخلفة جدا، عبرت عنها وثيقة بيان السياسة العامة ذاتها التي تتحدث عن تعميم استلام 40 ألف تاجر لأجهزة الدفع في مقابل وجود مليون ونصف تاجر متحصل على سجل الكتروني ومليونين ومائتي ألف مسجل أي نسبة لا تتجاوز 2.6 %. ويدل على حالنا كذلك، بشكل مذل، ما حققه جيراننا في العالم العربي القريب والبعيد في هذا الشأن. إن مكاننا في مجموعة البركس الذي يمكن أن يقبل لأسباب جيوستراتيجية أولا قبل الاقتصاد هو العضو الملاحظ، وقد يكون ذلك مفيدا لكي نجلس في الأطراف نلاحظ كيف تتطور الأمم لعلنا نحاكيهم.

وإن مما يدل على الابتعاد عن معايير الحكم الراشد، والاعتماد على سياسة التحكم المانعة للإبداع  الاتجاه أكثر فأكثر  للمركزية المفرطة والتسيير الإداري للاقتصاد وتغييب السلطة التنفيذية لكل السلط وعدم وجود أي سبيل من سبل التحكيم العصري، فسلطات الولاة تتضخم أكثر فأكثر، وكثير من هؤلاء عاجز على اتخاذ القرارات لصالح التنمية خوفا من تهمة الفساد، أو القرارات المضرة بالتنمية لقلة الكفاءة أو النزاهة، وفي المقابل بلديات عاجزة أو تابعة أو غير ذات كفاءة، ومن كانت له الإرادة والمهارة للعمل والمبادرة لا تتوفر له الصلاحيات لذلك، ولا يبدو أنه توجد نية لإصدار قانون البلدية والولاية المؤجل دائما كما هو مذكور في بيان السياسة العامة، والخوف أنه حين يأتي يأتي لتكبيل المجالس لا لتحريرها كما هو حال النصوص التي انتُظِرت لتوفّر الحرية والحقوق والعدالة فكانت كلها لصالح السلطة التنفيذية لمزيد من الغلق والتحكم.

…. يتبع

 

د. عبد الرزاق مقري

 

بيان السياسة العامة: ” بعد الحراك: استمرار التيه”

كما هي عادتنا عند كل مناسبة للتقييم الحكومي منذ العهد السابق نقدم آراءنا وملاحظاتنا وبدائلنا.

يفعل ذلك نوابنا بكل كفاءة واقتدار من خلال الدراسة الجماعية وما يقدمه المتخصصون في أيامهم الدراسية وما تجود به اللجان القطاعية المتخصصة للحركة، وما يظهر من أداءات فردية متميزة لرجالنا في داخل البرلمان وخارجه.

وأضيف من جهتي إلى هذه الجهود المباركة أثناء تلك المناسبات سلسلة مقالات علمية سياسية واقتصادية واجتماعية كما هي العادة. لقد نشرت مقالاتي عن مواقفنا في معارضة حكومات العهد السابق ضمن كتاب أمضيته في معرض الكتاب الدولي بالجزائر تحت عنوان: ” قبل الحراك: التيه الحكومي”.

وقد كتبت في هذا العهد “الجديد” سلسلة مقالات عن مخطط عمل الحكومة الحالي وعن بعض قوانين المالية، وسأضيف إليها مقالات أخرى عن بيان السياسة العامة وأصدر الكل، بإذن الله، في كتاب يقارب النهاية تحت عنوان: ” بعد الحراك: استمرار التيه”.

وأسأل الله تعالى أن يكون كل ما أكتبه خالصا لا نريد به إلا القيام بالواجب وخدمة بلدنا وأمتنا، كما أن نقدنا للحكومة لا يعني أن كل من الحكم فاسدون أو فاشلون، أنا شخصيا أعرف كثيرا من الصادقين أصحاب الكفاءة العالية، ولكن للأسف الشديد السير العام تائه، وأرباب الفساد والرداءة تأثيرهم مسيطر، وواجبنا أن نستمر في النضال إلى أن نحقق المعنى الحقيقي للحكم الراشد الذي تتحدث عنه آثاره في حياة الناس وليس التقارير التي لا تقنع حتى أصحابها.

إن ما ورد في بيان السياسة العامة يؤكد بأن البلد يحتاج إلى التغيير ويؤكد صوابية تواجهاتنا كحزب وطني معارض ينقد وينصح ويؤهل نفسه كل يوم ليكون هو البديل، وهو نقطة الالتقاء للوطنيين الصادقين في كل مكان، أولئك الذين يمارسون السياسة من أجل خدمة البلد وإسعاد الشعب والاستئناف الحضاري للأمة، وليس من أجل الكرسي ومنافعه العابرة وجاهه الزائل.

وكما أعطتنا الأيام الحق وباركت بقاءنا في الساحة، واستمرار نضالنا، وتحقيق نتائج تؤكدها الأرقام الصماء والأوضاع المشهودة للعيان، رغم الصعوبات والتحديات، ستؤكد الأيام صوابية مواقفنا وآرائنا مرة أخرى، ليس لأننا أفضل من غيرنا استشرافا وأعلم ممن في الساحة، ولكن لأننا تحملنا مسؤولية التعبير عن مواقفنا في كل الظروف، متوكلين على الله، وعرّضنا أنفسنا لكل السهام والتآمرات من كل حدب وصوب، لم نختف و لم نتوار كما أراده خصومنا، أو كما يفعله بعض الحسّابين – من مختلف الأحزاب والتيارات – الذين رفعوا رؤسهم وقت الحراك ثم اختفوا، وبقوا يتربصون لعل الأيام تجود عليهم بمكاسب دون نضال في سائر الأيام، فتضعهم كحبة “حب الملوك فوق الكعكة المُجهّزة”.

أما نحن فقد حَسِبنا لصالح بلدنا وأمتنا وحركتنا، ولم نحسب لصالح أنفسنا وطموحاتنا، متيقنين بأن الأمر لله كله، هو الضار والنافع وحده جل في علاه. نعم نقولها بملء الفيه، لم نحسب لأنفسنا، حسبنا فقط لصالح مبادئنا وبلدنا، ونحن واثقون، في الله ثم في مناضلينا وفي شعبنا، بأن جهدنا لن يذهب سدى. لا يخيفنا اختلال موازين القوة لصالح من بيدهم الحكم أبدا.

نحن سادة دراسات علم السنن، نحن متسلحون بالعلم في عملنا السياسي، كُتبنا المفضلة هي مقدمة ابن خلدون وشروط النهضة لمالك بن نبي وما كتبه المعاصرون بمختلف اللغاة عن نهوض وسقوط الدول والأمم.

نحن نعرف كيف يصبح القوي – الذي يصل بقوته إلى أن “يتربب” فيعبده الضعفاء – كيف يضعف هو ذاته ويزول حين يتكبر فلا يصلح نفسه، ونعرف كيف يصبح الضعفاء الذين يزدريهم المتزلفون والساذجون أقوياء حين يكونون صادقين وجادين ومضحين وفاعلين، وقد يحدث ذلك بين عشية وضحاها من حيث لا يحتسبون. .. ولا يقين بذلك في معيار الزمن، إنما هي تقديرات، فلا نضيق بالدهر وتقلباته ولا نضجر. ” فإن الله هو الدهر يقلب ليله ونهاره”.

إنما علينا الجهد المتبصر، وجهدنا مستمر بحول الله، لا توقفه التحولات والتطورات، وقد عملنا لسنوات ليكون الأمر كذلك، ولا يضيع الله أجر المحسنين.

ومما يضمن استمرار هذا الجهد إلى أن يثمر فنكون في الحكم يوما ما نطبق برنامجنا لصالح البلاد والعباد، ضمن معايير ديموقراطية حقيقية وتوافق وطني صادق وفاعل، هو أن ما نقوم به، سواء على مستوى البرلمان، أو عبر الخطاب السياسي، أو في التجمعات والندوات، أو من خلال العمل الجواري، أو على مستوى العلاقات، إنما هو عمل جماعي تقوده قيادة جماعية في المكتب التنفيذي الوطني والقيادات المحلية وفي المؤسسات، كل واحد منهم في مستوى رئيس حزب سياسي، بمستوياتهم العالية، بتاريخهم، وثباتهم، وتضحياتهم، وأخلاقهم، وما أنفقوه من أوقاتهم ومن صحتهم، وما حققوه من نتائج على كل الأصعدة بعون الله وتوفيقه، حتى صارت الحركة مؤسسة كبيرة مستقرة منسجمة تسير على أصول التخطيط العصري والإدارة الاستراتيجية وفق رؤية ولجت أعماق الضمائر والنفوس، تتنقن إدارة التنوع والاختلاف في وجهات النظر ضمن لوائح وقوانين عادلة.

وحول هذه المنظومة القيادية ذات الكفاءة قاعدة نضالية في كامل التراب الوطني مضحية ومنشغلة في عمومها بالإنجاز، برهنت مرات ومرات على كامل الثقة في مسؤوليها، في إطار الحب المتبادل والتقدير الكامل، وحول هؤلاء المناضلين قاعدة شعبية وفية في كل أنحاء الوطن، هي بعد الله التي ضمنت التطور السياسي والاجتماعي للحركة وخففت عنا مظالم ومهالك التزوير الانتخابي بما جعلنا في موقع الريادة والشهادة على الناس.

نحن بحق، كما قال لي أحد المسؤولين السابقين الكبار في الدولة: حزب حكم (Un parti de gouvernement)، وسنناقش بيان السياسة العامة من هذا المنطق، من موقعنا كحزب معارض وفق ما تنص عليه الدستورية والقانونية … على ما فيها من قصور.

 

 يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

الشيخ القرضاوي رحمه الله: مشروع أمة سيكتمل

لم يكن نبيا ولكن كان من ورثة الأنبياء، لم يكن معصوما ولكن هدى الله به خلقا كثيرا، أخطأ وأصاب، ولكنّ أخطاءه تغرق في بحر صوابه. إنه الشيخ القرضاوي رحمه الله، هكذا نحسبه ولا نزكي على الله أحدا. لقد كان شمسا من شموس الأمة التي أزاح بها ظلمات الجهل والشرك، لقد كان قطبا من أقطاب صناعة حلم الانعتاق من ربقة لاستعمار والاستبداد،

لقد كان قائدا من صنّاع القادة الذين أزاحوا من النفوس الشك في إمكانية قومة الإسلام ونهضته، لقد كان مؤلفا للكتب وللرجال وصانعا للمشاريع والمؤسسات. لم يكن يريد رحمه الله من كل ما فعل إلا أن يختم حياته بالشهادة على أرض فلسطين، بأن يُقصف بصاروخ فلا يبقى شيء منه كما صرح ذاته ذات يوم، ولكن ها هو – عليه الرضوان – يموت على فراشه راضيا بقضاء الله، ولعل الله يبلغه منازل الشهداء بفضله سبحانه وإحسانه.إن الحياة بعد الشيخ القرضاوي ستستمر ومشروعه سيحمله غيره، ولئن كان العلم ينقص بقبض العلماء فإن الله سيبعث في هذه الأمة من يخلفه إذ الحلم لم يتحقق بعد، وقد بانت آماراته رغم العتمة لمن يبصر ويتبصر، والصحوة التي صنعها مع أمثاله ماضية، وستكون بعد الصحوة نهضة بإذن الله تعالى.ليس الشيخ القرضاوي رائدا من الرواد الذين صنعوا قرن الصحوة الإسلامية فحسب، بل هو باعث لحركة تجديدية لقرن مقبل ستنهض فيه الأمة العربية الإسلامية بحول الله وقوته. لقد كان رحمة الله عليه تلميذا نجيبا فاعلا مبدعا من تلاميذ الرعيل الأول للحركة الإصلاحية التي بزغت في بداية القرن الماضي، وآخر الذي قبله. ولا يُخفي الشيخ القرضاوي انتماءه لأعرق مدارسها، جماعة “الإخوان المسلمون”، ولا يتردد في ذكر فضل مؤسسها عليه الشيخ حسن البنا رحمه الله. غير أن الشيخ القرضاوي أراد أن يكون عالما للأمة كلها بكل اتجاهاتها الإصلاحية، فلم يسعه أي تنظيم، فبات بحق هو مرشد كل التنظيمات الإحيائية في كل أنحاء الدنيا دون أن يكون فيها. نشأ منذ طفولته على موائد القرآن والعلم الشرعي، وتدرج في التحصيل العلمي حتى بلغ فيه مرتبة الشرف الأولى، تخرج من الأزهر الشريف مرجعا علميا لا يشق له غبار، تسعى إليه المجامع الفقهية والجامعات الدولية ومراكز الدراسات في كل أنحاء الدنيا فلا يبلغ كمال إنجازاتها إن لم يكن مساهما فيها، لا يحتاج أن يُضاف إلى إسمه المجرد أي لقب ليُعرَّف به، بل أصبح هو المرجع الأعلى الذي تفهم به المسائل العلمية وقضايا الأمة، فهو العالم المجدد والفقيه الأصولي، والمقاصدي الأريب الأديب، الذي أضحت كتبه، بعددها ونوعها، بحرا لا شاطئ له في الفكر والعلم الشرعي وفي الدعوة والأدب والسياسة وفي مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية. غرف من بحره ملايين المسلمين عبر الأجيال، حتى صارت أعداد تلاميذه في كل أصقاع الدنيا لا تحصى، لم يَعرِف جلهم، ولكنهم يعرفونه كلهم، كان يوجههم من قريب ومن بعيد، وها هم اليوم يدعون له من كل صوب، يقيمون له صلاة الغائب في كل ساعات اليوم، حيثما طلعت الشمس على الأرض، في مشاهد متكررة معتادة عند وفاة العلماء المصلحين الذين تقهر جنائزُهم شانئيهم، ويُظهر رفعُ ذكرِهم عند وفاتهم مكانتَهم، بما يُبطل مزاعم وأراجيف من كاد لهم في حياتهم.لم يكن الشيخ القرضاوي عالم شريعة فحسب، بل عالما متبصرا بالواقع الذي يعيشه ويعيشه المسلمون وتعيشه البشرية كلها، عايش في شبابه تحولات المجتمع المصري والمجتمعات العربية في كفاحها من أجل الاستقلال، وعاش نكبة احتلال فلسطين وما قابلها من جهاد وبطولات، وما أحاط بها من مآسي وخيانات، ثم شهد قيام الدولة الوطنية العربية وفرضَ الاتجاهات العلمانية بكل أشكالها، وشهد فشَلَ أنظمتها في تحقيق التنمية وضمان الحقوق وإنجاز وعد تحرير فلسطين، إلى أن سقط المشروع القومي العلماني سنة 1967، بشقيه الاشتراكي والرأسمالي، عند هزيمة جيوشه في حرب الأيام الستة أمام جيش الاحتلال الصهيوني. وحين صارت القوى الحاملة للمشروع الحضاري الإسلامي بعدئذ هي البديل الوحيد المعروض على الشعوب كان هو من سادته ومنظريه وقادته، إلى أن جاء وعد التغيير عبر ثورات الربيع العربي، فكان دخوله المظفر ميدان التحرير بالقاهرة هو لحظة تتويجه ملكا على كل عشاق الحرية، بعد جهاد قرابة قرن من الزمن.كان يكفيه أن يتوقف عن العطاء في تلك اللحظة إذ أدى الذي عليه بالتمام والكمال ولتأخذ الأجيال بعده مسؤوليتها في المرحلة الجديدة للانتقال من قرن الصحوة في المجتمعات الإسلامية إلى قرن جديد سيكون قرن نهضة الأمة بعبور الفكرة إلى الدولة، إذ لا نهوض ولا استئناف حضاري دون مكنة الدولة ومقدّراتها.لقد سبقت الصحوة الإسلامية مجهودات فكرية وعلمية وسياسية فردية وصفت المشكلة واقترحت الحلول في إطارها العام، ومن تلك المجهودات صيحات ونداءات وتوجيهات ونظريات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. ثم جاء علماء ودعاة مجددون قعّدوا طرائق العمل وأنشؤوا التنظيمات الحاملة للمشروع والفوا رجالها وقادتها. وحينما حققت الصحوة إنجازها الدعوي في الثلث الأخير من قرنها الذي يشرف على النهاية نهض مفكرون مستشرفون يحاولون بمجهوداتهم الفردية دفع الأمة وحركاتها الإحيائية إلى المستقبل من أجل النهضة بعد الصحوة. من هؤلاء، ممن عرفتهم ودرست فكرهم أكثر من غيرهم، الشيخ محمد الغزالي والأستاذ مالك بن نبي، ولكن من أكثرهم إنتاجا وتأسيسا للمشاريع والمنظمات والمؤسسات الخادمة للنهضة كان الشيخ القرضاوي رحمه الله. كان هؤلاء السادة جميعا يحاولون توسيع آفاق الدعاة وجعلهم يضيفون إلى اهتماماتهم الدعوية والتنظيمية والفقهية، الاهتمام بعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون والفنون والسياسة والعلاقات الدولية برؤية إسلامية، مما لم يكن مدرجا في برامجهم التكوينية والتأهيلية، و كذا بناء المؤسسات الخادمة لذلك، بما يؤهل حملة المشروع الإسلامي لمرحلة مقبلة حتمية سيقابلونها حينما تطالبهم الشعوب بخدمتهم في أمور دنياهم، عبر المجالس المنتخبة والمؤسسات الحكومية، بعد أن وثقت فيهم واتبعتهم من قبل كدعاة في أمور دينهم.لن تذهب الوقفة التاريخية لزعيم الصحوة، الشيخ القرضاوي، في ميدان التحرير سُدى. إنما كانت تلك الوقفة رمزية تدل على نهاية مرحلة وولوج مرحلة جديدة، ولا شك أن لكل مرحلة جديدة أتعابها وشكوكها واضطراباتها وخلافاتها، بل أحيانا فتنها. ولكن بكل تأكيد سيعرف مشروع الاستنهاض الحضاري للأمة الذي عاش من أجله فقيدُنا التوفيق والنجاح والنصر المبين، وستقوم دول ومجموعات دولية لخدمته، وستكون لنا دول ناهضة متطورة قوية وفق برنامجه، وسينعم على مقاصده الناس بالكرامة والعدل، وستحرر فلسطين على رؤيته، وسينتهي ويزول الطغاة الجبابرة أعداء مشروع الأمة، وسيطويهم الزمن مشنّعا بذكراهم كما حصل لمن سبقهم ممن على شاكلتهم، هؤلاء الذين انقلبوا على حرية الشعوب، هؤلاء المتسببون في تأخر بلدانهم وتبعيتها لأعداء أمتهم، هؤلاء الذين ظلموا الشيخ القرضاوي ولم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة، ولم يراعوا مكانته ولا سنه، ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. كما أن التاريخ سيفضح أزلام هؤلاء من العلماء والسياسيين والإعلاميين وأشباه المثقفين الذين شاركوا في محاولة اغتيال نهجه وإنهاء أثره حيا، هؤلاء جميعا الذين يُشيدون برجال الدين من النصارى واليهود والهندوس، ويرسلون التعازي بوفاة كل أعلام الملل، ولا يعزون الأمة في إمامها، بل منهم من يتشفى ويذكر الرجل بالسوء ميتا بما ليس فيه.ولئن حاول هؤلاء جميعا قتله بالحكم عليه بالإعدام، ونجحوا في إخراجه من بلده، فإنهم لم يفلحوا في تقييده إذ بقي حرا يصدع بالحق كما كان طيلة حياته، إلى أن لزم الفراش وتوفاه الله رحمة الله عليه. سيبقى الشيخ القرضاوي شامخا في الزمن وسينصفه التاريخ وستُكتب بشأنه الكتب وتشيّد جامعات، وستسمى باسمه مؤسسات مجتمعية وحكومية، وسيُرسّخ في الآفاق أنه هو رائد الوسطية الحقة، وسلطان ميزان الاعتدال، ورمز المحبة والحلم والكرم والسماحة، والله نسأل أن يجعله في عليين مع الأنبياء والشهداء والصالحين في جنات رب العالمين.

 

د. عبد الرزاق مقري

رحلتي إلى كندا (2) – كوخ على ضفاف البحيرة

اقتصرت العلاقة مع الإخوة المسؤولين في الحركة وعموم المواطنين الذين التقيناهم من الجالية في اللقاءات والنقاشات السياسية والفكرية والاجتماعية  الممتعة والمفيدة، أما البرنامج السياحي فقد قمت به مع العائلة وكان الدليل فيه ابني  مصطفى في مونتريال وتورنتو،  وابنة أختي صفا بارك الله فيهما.

وكانت الجولة السياحية فرصة لمعرفة هذا البلد القارة من حيث طبيعته الجميلة المدهشة وعمرانه البديع الخلاب ونظامه المتقن المتميز، وفي نفس الوقت كانت مساءلتي لتاريخ كندا، عند كل معلم تاريخي أمرّ عليه أو محميةٍ طبيعية أصادفها، عن الحجم المروع لجرائم الإنسان الأبيض في حق السكان الأصليين، كما أن التعرف على الإنسان الكندي يُلقي في نفسك حيرة في التوفيق بين الوجه اللطيف المؤدب البشوش عند أغلبهم والوجه المقزز من حيث مظاهر العري والانحلال وانتشار مجموعات المثليين وسقوط أعداد هائلة من الناس في الإدمان، ترى بعضهم كالخرق الممزقة يفترشون الأرض العارية في الطرقات،  ومن الغرائب أن المارجوانة (الحشيش) تباع قانونيا في كل مكان.

ولكن في كل محطة سياحية تأخذ ألبابنا بجمالها وحسن تنظيم شأنها أتذكر أن شيئا من هذا يمكن أن يُقام في بلادنا، متعددة التضاريس الطبيعية بما يستقطب ملايين السياح، خصوصا الجزائريين الذين  يذهبون بالملايين إلى بلدان أخرى كل سنة، ولا يعرفون ما في بلدهم من جمال أخاذ بديع،  لغياب الثقافة والسياسات والخدمات والمرافق السياحية عندنا.

بدأنا برنامجنا السياحي بالعيش لمدة أسبوع في جو عائلي حصري مع شقيقتي وأولادها وزوجتي وابني في كوخ على ضفاف بحيرة في منطقة رستول. والكوخ هو ترجمة كلمة “cottage” بالإنجليزية وهو  مسكن من الخشب، بأحجام متعددة يقام بعيدا عن المدينة، وكل بحيرات كندا محاطة بأعداد هائلة من الأكواخ الجميلة المجهزة بكل مستلزمات الحياة. وللعلم كندا تحتل المرتبة الثالثة من احتياطي المياه العذبة في العالم بعد البرازيل وروسيا تمتد لثلاثة آلاف وثلاثمائة كلم مربع، وعدد البحيرات فيها يتجاوز 30000  بحيرة، وهو رقم يتجاوز  عدد بحيرات باقي العالم،   ومساحات سطوح الكثير منها  شاسعة يخيل إليك حين تقف على ساحلها الرملي أنك تقف على شاطئ البحر، منها خمسة كبرى هي بحيرة سوبريور، وبحيرة هورون، وبحيرة ميشيغان، وبحيرة أونتاريو، وبحيرة إيري، بعضها مشترك بين كندا والولايات المتحدة، وقد تقع في هذه البحيرات عواصف كعواصف البحار، وقد اطلعنا في أحد قاعات العرض على قصة مرعبة لغرق باخرة أدموند فيتزيرالد سنة 1975 على إثر عاصفة كبيرة في أعالي بحيرة سوبريور  وقد هلك في الحادث طاقم السفينة كله  المكون من 29 فردا.

ولكثرة المياه والظروف المناخية المناسبة لا تكاد تجد مكانا في كندا لا توجد فيه مساحات خضراء وأشجار متنوعة الأحجام والأنواع والأعمار ، وهو بلد تغطي غاباته أكثر من ثلاثة ملايين كلم مربع، تمثل 31,6 % من مساحته، تحتوي على محميات طبيعية شاسعة للنباتات والطيور والحيوانات.

لا يواجه السكان الكنديون أي مشكل في كسب تلك المساكن الخشبية في وسط الغابات وعلى ضفاف البحيرات، وكثير منهم يستعملها للاستجمام في فترات العطل وللصيد وللتفكر والتأمل ومراجعة الذات، وهي كذلك أماكن مناسبة لاجتماعات مجموعات العمل في دورات عملية مركزة بعيدا عن ضوضاء المدينة ومقرات الشركات والمؤسسات المختلفة الكبرى، كما يأوي إليها الكتاب والمألفون لإنهاء أعمالهم الفكرية والأدبية والعلمية في جو بديع مساعد على التخيل والإبداع، وبعضهم يستعملها كمشروع ربحي للكراء للآخرين، كالكوخ الذي سكناه الذي تملكه امرأة كبيرة السن كانت زميلة في العمل لابني مصطفى خرجت للتقاعد فمنحته له بمناسبة زيارتنا بسعر معقول جدا.

يتكون هذا الكوخ الخشبي من مبنى أساسي، مدخله مرصع بنباتات وأزهار زادَها حسنُ الترتيب نضارة،  فيه ثلاث غرف تُطل نوافذها على مناظر الأشجار الخضراء المتشابكة النّظرة والمياه الهادئة الرقراقة، وتتسلل منها أصوات الطيور الغنّاءة، والحيوانات البرية المؤنِسة،  ويتوسطه مطبخ وبهو كبير وحمام، مرتب بشكل فني جميل، ومزين بلوحات من الرسم التشكيلي ذي الألوان اللطيفة وبعض العبارات الإنجليزية المُرحّبة، وفي مختلف مساحاته قطع من الأثاث البسيط الأنيق المريح. وعند الخروج من المبنى من بابه الخلفي تجد نفسك تقف على شرفة خشبية في مكان مرتفع بالنسبة لسطح البحيرة، تمنح لك رؤيةً كاملةً على المكان الذي تسكن فيه، فترى على يمينك كوخا صغيرا مليئا بأدوات  متنوعة للإصلاحات الكهربائية والترصيصية والخشبية وغير ذلك، وآلة وساحة للشواء، وعلى يسارك تلحظ مكانا خارج البيت مُعَدا بطاولات وأرائك تُستعمل للجلوس خارج البيت بالليل، بعضه محميا بشباك مانع لدخول البعوض، إذ لا يمكن في أغلب مناطق كندا الرطبة أن تبقى خارج البيت ليلا دون حماية من البعوض، فالبعوض هو ابن شرعي لكندا، بل هو الغالب في الأجواء ليلا،  لكثرة المياه والأعشاب والبحيرات.

وحينما تنظر من الشرفة إلى الأسفل ترى سلما خشبيا طويلا ينزل مُتمَوِّجا يمينا وشمالا إلى غاية شاطئ البحيرة. وقبيل الشاطئ تجد كوخا آخر صغيرا، أقل تحصينا، للعمل والمبيت لمن لا يريد الرجوع إلى المبنى الأساسي في النهار، أو ليبيت فيه ليلا إن كان يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة  احتكاكات مباشرة محتملة بحيوانات فضولية أو جائعة. وعند الشاطئ يتيح لك جسرٌ خشبيٌ صغير الوصولَ إلى المياه العميقة للبحيرة، يُستعمل للقفز في الماء بغرض السباحة، أو الوقوف عليه من أجل صيط الأسماك، أو الجلوس الفردي للتأمل، أو الجلوس الجماعي على كراس مُعدًّةٍ لذلك،  باثنين أو ثلاثة من الأحبّاء لتجاذب أطراف الحديث، أو ببساطة للجلوس على الحافة فتُدلّي رجليك في الهواء لتجعلها تنعم بنسمات الجو الرطيب أو تلامس برودة المياه المنعشة وتترك عقلك معها يسيح في خيالات لا ضابطة لها.

وعلى جانبي الجسر ثمة أربعة قوارب صغيرة ( كاياك) للتوغل داخل البحيرة عن طريق التجديف، بغرض صيد السمك أو الرياضة أو التدبر أو المغامرة. وحين يأخذ الزائر حظِّه من البحيرة وشواغلها يتطلع إلى اكتشاف عالم الغابات فيتوغل فيها ضمن برامج رحلات المشي الجماعية أو على الدرّاجات الهوائية، أو يًختلي بنفسه ماشيا أو راكضا.

توزعت أوقاتُنا بين ذلك كله، 

لقد كانت البداية مع السباحة ولكنها لم ترقني كثيرا مقارنة مع السباحة في مياه البحر ولأنني وجدت نفسي أسبح وحدي إذ لم يشاركني أحد من المجموعة، سوى ما وجدته من متعة في القفز من على الجسر العائم التي كررتها حتى مللتها. غير أن المتعة التي لا تنسى كانت في التجديف على القوارب الصغيرة، التي تبدو للوهلة الأولى صعبة مخيفة، خاصة بالنسبة للنساء، ولكن بعد تجريبها يتحول الركوب عليها ممتعا ميسورا. توغلنا فوق المراكب مرات عديدة نحو وسط وأطراف البحيرة الشاسعة، وكانت أحسن فترات ركوب الزورق عند الشروق أو الغروب إذ تكون مناظر الطبيعة في أبهى رُوائها.

في مرة من المرات توغلت بعيدا عن الشاطئ وحدي، فاشتدت الرياح فجأة  فأخذ قاربي يهتز بقوة كأنه ضجر مني،  وتشكل تيارٌ مائي قوي جعل تجديفي بلا فائدة  فلم ترغب مركبتي إلا في طاعة اتجاه التيار المعاكس لجهة الشاطئ البعيد. ورغم الأمان الذي تمثله طبيعة صنعة الزورق غير القابل للانقلاب، وتوفر صدرية النجاة، وإتقاني السباحة منذ طفولتي، شعرت بشيء من القلق تغلبت عليه برباطة الجأش. لاحظ ابن أختي أنَس صعوبة رجوعي إلى الشاطئ فأقبل نحوي يتحدى التيار، وهو شاب قوي البنية متخصص في التدريب الرياضي، فوصل إلى جانبي بسرعة البرق، فقدم لي نصائح في كيفية التجديف التي تصلح للحالة التي كنت عليها بما أخرجني بحمد الله مما اعتقدته مأزقا غير متوقع وقعت فيه. ولكن كان الأمر يكون في كل الأحوال سهلا  حيث سينقلني التيار إلى ضفة من ضفاف البحيرة، ولو بعيدا عن الشاطئ الذي أريده، فأرجع إلى محلي ماشيا، إذ لم أكن في بحيرة من البحيرات الشاسعة الخطرة.

 أما عن اصطياد السمك فهي مهمة لم أنجح فيها هذه السنة تماما، خلافا لابني مصطفى الذي حظي ببعض الأسماك واكتفيت أنا للأسف الشديد بمسك الصنارة وأخذ بعض الصور التقطها لي الشباب، بعضها دون علمي، تظهر جانبا آخر من فوائد الصيد، سليت بها نفسي لكي لا تؤنبي عن فشلي في اقتناء ولو سمكة واحدة، ومن تلك الفوائد التدرب على الصبر، والذكر ومراجعة القرآن الكريم،  وإمكانية المطالعة أثناء انتظار  اهتزاز القصبة للمسارعة إلى جذب خيط الصيد المجدول بعد  ابتلاع السمكة الطعم،  أو لترك الخيال يطوف في مختلف أنحاء مشاغل العقل، ومحاولة البحث عن حلول فكرية لمعضلات تنتظر بعد نهاية العطلة.

و من الأعمال الدائمة في محيط الكوخ ما نشغل به أنفسنا  بما يؤنس ويمتع،  وبما يقرب المتساكنين في الرحلة إلى بعضهم بعضا، منها حفلة شواء السمك واللحم وبعض الخضر الموسمية، أو تطويع الآلة المصنوعة للشواء لتؤدي دور طهي “المحجوبة”، و في كل ليلة نجلس حول النار في مكان مصمم لذلك على شاطئ البحيرة، حُفِرت فيه حفرةٌ وُضعت فيها قصعةٌ حديديةٌ ملئت بالجمر الأسود،  ومن مكان بعيد في الأعلى مخصص لتخزين الحطب، نجلب لها بعض الأخشاب المقطعة لغرض الاحتراق .

 لقد كان مصطفى هو مهندس إشعال النار على الطريقة الهرمية الأكثر شيوعا بين تقنيات إشغال النار أثناء التخييم، ومن جماليات الحدث أنه لا يوجد في المكان نور غير نور النار،  المتفضلة علينا بدفئها في جو أخذ يبرد أكثر فأكثر بعد غروب الشمس. أما عن الحديث المتداول حول النار فهي أي حديث، المهم أن نتكلم، نتكلم عن أي شيء مفيد أو غير مفيد، تارة يكون مفيدا بذكر الله وتذكر عظمته وأفضاله ونعمه، وتارة عن شؤون العائلة وتحديات الحياة والمشاريع الفردية والجماعية، وتارة تدخلات من هذا أو ذاك لمعاكسة هذا لذاك، أحيانا تنتهي المعاكسة بالضحك وتارة تنتهي بزعل يقتضي إصلاح الوضع على عجل. ولكن أكثر  ما يتداوله المتحلقون عن النار النكت، وكنت أنا أكثر من يقصها، تارة بشكل تلقائي، وتارة تكلفا لتحفيز الآخرين، وتكون النكة لطيفة مضحكة مرة ومرة،  وتكون سامجة بلا معنى بين الحين والحين، وحين لا تكون مضحكة، يتظاهر الحضور بالضحك، ولكن يحدث أن يتجرأ أحدهم فيقول “ما تضحكش” فيضحك القوم لذلك.

ومن أمتع أيام الحياة البرية في الكوخ وحوله رحلات المشي الجماعي داخل الغابة، عبر مسارات متعددة، طويلة أو قصيرة، صعبة أو منبسطة، تعرضها عليك مخططات مديرية الغابات المعلقة في كل الأنحاء، ولم نكن نرض بغير المسالك الصعبة بما يتيحه الوقت المبرمج، وأكبر ما ينعم به المشّاء في الغابة عبر منسطاتها ومرتفعاتها ومنحدراتها السكينة النفسية الفردية، والبهجة العائلية الجماعية، أثناء السكوت الطويل تارة، والحديث الثنائي تارة، وكلما اشتد الخطو وتورط الفرد بالتوغل في أعماق الغابة يكون قد اختبر قدراته الصحية. والحمد لله على فضله، لم يسبقني الشباب في الفرقة الماشية في شيء، وكأن الستين ونيف صارت عشرينية أو ثلاثينية! وكم ذكرتني هذه الرحلة بالأيامي الخوالي في سن العشرين وقبله، في أواخر السبعينات وبداية الثمانينيات، في الطور الثانوي وبداية الجامعة، حينما كنا نخرج في رحلات برية إلى جبل المعاضيد وغاباته نتسلق الجبال ونسبح في برك الماء وننشد ونصلي وننظم المسابقات الرياضية والثقافية .. فيا له من زمن جميل غابر!

 وفي يوم آخر في الغابة في كندا كانت الرحلة على الدراجات الهوائية الجبلية ذات العجلات القوية المفلطحة كثيرة العقد والمحفوظة من الفتق والثقوب، ونظام تعليق أمامي أو مزدوج من أجل امتصاص الصدمات، ومسهلات تُضبط باليد للتحكم في السرعة أثناء المنحدرات  أو المرتفعات الحادة. والسير على الدراجة في المسالك الغابية الجبلية غير الممهدة لمسافات طويلة يمثل تحديا جادا لا يقدر عليه إلا صاحب الإصرار والمهارة والبنية القوية، لكثرة المطبات وأغصان الأشجار الصلبة المحدودبة التي تخترق الطرقات بين الحين والحين، بلا إذن ولا تنبيه، وكثرة  الالتواءات وتشابك الأغصان وحدية الصعود والنزول من هضبة إلى هضبة. والحق يقال، وبكل تواضع، أنني فاجأت نفسي وتفاجأ من كان معي في المسار معي بتفوقي على الشباب في أصعب مرتفع إذا لم أتوقف حتى بلغت القمة وتركت ورائي الشباب قد حبسهم في وسط المرتفع التعب، وأدركت عندها أهمية مواضبتي على الرياضة في حياتي العادية، ولعل أحدهم اعتقد بأنه تركني أسبقه احتراما، ولكنه مجرد ادعاء إذ رأيت بنفسي كيف كان ذلك الشاب الحبيب القوّال، بينه وبين نفسه، يلهث من التعب وأنا أتجاوزه شامخا على دراجتي.

ومما يزيد الرحلة داخل الغابة وحولها متعة وبهجة ما نراه من طيور وما يدب على الأرض، بما يجعلك تعيش في حديقة حيوانات شاسعة طبيعية مفتوحة تتعايش فيها كل المخلوقات، يعرف فيها كل أحد حدوده، وحقوقه وواجباته. أما الطيور، فهي في هذا الموئل الإحيائي الغرير خطّافة للألباب بأصنافها العديدة متنوعة الألوان والأصوات، فأما الأصوات فيا لها من تغريدات أخّاذة، تذكرك بتسبيح الكائنات لله الخالق المبدع العلي القدير، فتارة تسمع صوت الزغردة، وتارة تسمع ضجيجا بأنغام مميزة سريعة، وتارة تسمع صوتا صارما قويا مزعجا، وتارة تسمع صوتا ممتلئا كالأغاني المنخفضة المتباينة الرقيقة، وتارة يخيل إليك أنك تسمع صوت الجرس أو صوت الناي أو صوت قرع الطبول، وفي مرة من المرات حينما تتبعت مصدر صوت قرع الطبل في أعلى شجرة قديمة  طويلة رأيت لأول مرة في حياتي طائر “نقار الخشب” منهمكا في ضرب جذع الشجرة بمنقاره بحثا عن الديدان والحشرات واليرقات، لا يمل من النقر ولا يتألم رأسه من كثرة الضرب، وكأن أنسجة ليفية تضعف الصدمة بين منقاره وجمجمته، وله مخالب قوية وذيل خشن للتمسك بالغصن أثناء مقارعته، وله ريش بألوان بديعة حسب أصنافه الكثيرة، كالأنواع الزيتونية الذهبية، أو ذات الوجنة السوداء، أو النوع الرمادي، أو زغبي الريش، أوذي الرقبة الحمراء وغير ذلك.

وأثناء سيرنا بالسيارة على طريقٍ تحيط به الأشجار والمروج لمحنا غزالتين من غير النوع الذي عندنا في جنوب الجزائر، تهيأ لي أن غزلاننا أجمل وأكثر رشاقة، ومن اللافت أن الغزالتين لم تفرا من السيارة بل بقيتا ترقبها من بعيد وكأنها متعودةٌ على المشهد وآمنة على حالها، تمنيت لو كانت الغزالتين من نوع غزال “الآيل” ذات القرون الكبيرة المتشعبة إذ كندا وشمال أمريكا هي موطن الآيل الأكبر حجما في العالم فأكون قد شهدت شيئا مميزا، ولربما يكون ذلك في فرصة أخرى.

وفي مرة أخرى في هذه الرحلة رأينا أثناء انتقالنا للغابة ذئبا أمريكا (كويوتي)،  يجري بسرعة متوسطة على طريق السيارات نحو الأشجار الكثيفة ليختفي فيها، لا أدري هل خوفا من الإنسان إذ الإنسان أول تهديد لنوعه، أم سعيا وراء فريسة من الأرانب البرية أو القوارض المنتشرة التي يقتات بها عادة. حجم الكيوتي أقل من حجم الذئب الرمادي المشهور  وأكثر جمالا منه، يُمتع الرائيَ بفروه المختلط بين الرمادي والبني  والبرتقالي الداكن الذي يميل إلى الاحمرار مع خطوط سوداء طولية، ولعل العواء الذي نسمعه في الصباح الباكر أو المساء هو مصدره.

ومما رأيناه في العديد من الأماكن في رحلتنا حيوانا ثديا اسمه “الراكون”، وهي كلمة يطلقها عليه السكان الأصليون، وتعني عندهم الذي يدلك بيديه، ويسمى كذلك الراكون الغاسل لأنه يغسل طعامه بالماء قبل غسله، وله رأس عريض يشبه وجه الثعلب، وأذنان صغيرتان منتصبتان،

وجسم بحجم جسم القط السمين، يغطي بدنه فِراءٌ من الشعر البني والرمادي والأبيض، تزينه خطوط سوداء من الرأس إلى آخر الظهر. وفي مرة من المرات عبَر راكونٌ ذكرٌ مع أنثاه الطريق دون صغارهما الثلاث خوفا من المارة الراجلين، فتوقف الجميع ليسمحوا لهم بالالتحاق بوالديهما ولكن اندفع طفلان صغيران نحو هذه الحيوانات الصغيرة لإمساكها أو اللعب معها دون وعي ففرت الراكونات الصغيرة ولا ندري كيف كان مصيرها.

غير أن الحيوان المميز الذي تجده في كندا في كل مكان بكل ألوانه وأشكاله  فهو  السنجاب، ولو أردت أن تسأل نفسك ما هي الحيوانات التي ترمز  لكندا لجعلت السناجب واحدة منها، وربما أولها، فهي في الغابة والحدائق والطرقات وحول المنازل، وإذا ما منحتها شيئا من الطعام تتعود عليك وتأتي تطرق عليك باب بيتك، والسناجب من الثديات القوارض، يغطي جسمَها فراءٌ ناعم غزير ذو ألوان متعددةٍ من الأحمر  إلى البني إلى البني المائل للاحمرار  إلى الرمادي إلى الأسود، وهي تأكل كل شيء تقريبا ولكنها نباتية أكثر، تلتهم بقواطعها الحادة بذور الأشجار والخضر والفواكه وثمار المكسرات المختلفة.

وهناك حيوانات كثيرة أخرى تجدها في كل النواحي تعاملت معها وغذّيتها وأخذت معها بعض الصور  لا أقف عندها لأنها مألوفة عندنا كالأرانب البرية والبط والوز  وغيرها، ومن الحيوانات المنتشرة بأنواع عديدة في كندا الدببة، غير أنني حُرمت من رؤيتها رغم توغلي مع الشباب في غابة كُتبت تحذيرات في أماكن عديدة فيها من وجود هذا النوع من الحيوانات الخطرة، وفي وسط الغابة أخذت أصرخ مداعبا الشباب ” أيها الدب الجبان أخرج لنراك”، ولكنه لم يخرج، ولربما يكون قد أشفق علينا، أو اعتبرنا ضيوفا استحى من أن يؤذينا!  

أما عن عالم الأشجار والنباتات فقد رأينا العجب العجاب مما لا يمكن حصره من حيث الأنواع والأشكال والأحجام، كالبلوط والأرز والقيقب والدردار والجوز واللوز والبندق والتوت بمختلف أنواعه والتنوب بمختلف انواعه وأشجار مختلف الفواكه، أما النباتات والأزهار فعبثا أحاول تعدادها.

لقد وصلت إلى حالة من التعب في كتابة هذا المقال، فلا أراني أقدر على إشراك القارئ في الرحلة من حيث التفصيل أكثر!  حقا لا أستطيع المواصلة أكثر من هذا!

ولكن لا يمكن أن أغادر دون الحديث عن الشجرة التي ترمز ورقتها إلى كندا ويتوسط رسمُها علمَ دولة كندا  منذ فبراير 1965 وهي  شجرة القيقب. وشجرة القيقب توجد في كندا وأوروبا وروسيا، تصل أنواعها إلى أكثر من مائة نوع، بألوان مختلفة، ومنها القصير  الذي يبلغ 12 مترا، ومنها الطويل الذي يبلغ 30 مترا، وكل جمالها في أوراقها، خصوصا حين تتلون في فصل الخريف، وهي أوراق تنمو في أزواج، تمتد كل ورقة في اتجاه معاكس لنمو الأخرى، ويشتهر صنف منها بعسلها الذي يؤخذ منها ” شراب القيقب” أو شراب الاسفندان” وهو شراب يصنع من نسغ (عصارة) الأوعية الخشبية بفتح ثقوب في الجذور والجذوع توضع فيها أنابيب يتدفق من خلالها الشراب إلى الآنية المتصلة بها. وهذا الشراب مفيد جدا للصحة حيث يحتوي على مواد مضادة للأكسدة تنفع في منع تصلب الشرايين وسلامة القلب ولرفع مستوى المناعة، ويتكون من نسبة عالية من الفيتامين ب النافعة للتمثيل الغذائي، ومن العديد من المعادن المهمة كالبوتاسيوم والمنغانزيوم والكالسيوم، ويستعمل كبديل صحي جيد  للسكر الأبيض بالنسبة لمرضى السكري. ولكن شراب القيقب مشهور أكثر في المجال السياحي إذ يوضع في قارورات زجاجية جميلة بعضها على شكل ورقة شجرة القيقب تباع في المطارات والحدائق وصالات المعارض ومختلف المُركبات السياحية، وكل أجنبي سائح يريد تقديم هدية فإن من الأشياء الأولى التي يفكر فيها شراب ( أو عسل) القيقب.

وفي الأخير أرجو أنني قد أشركت القارئ بهذه المحطة من رحلتي إلى كندا، وقد بقيت محطات أخرى كثيرة مفيدة، رأيتها في تورنتو أو أوتاوا أو مونتريال، علاوة على ما كنت أنوي كتابته في تاريخ كندا وما حدث من أحداث وحشية اقترفها الإنجليز والفرنسيون في حق السكان الأصليين في هذا البلد،  لن أستطيع بكل تأكيد التفصيل فيها هذه الأيام حيث أن العطلة انتهت وعدت إلى ضغوطات الأنشطة والأعمال التي تنتظرني في المجال الفكري والعلمي والسياسي والاجتماعي والعديد من فضاءات المجتمع المدني في الداخل والخارج ولن يكون لدي الوقت لذلك، ولكن الوعد قائم بالرجوع إلى كل تلك التفاصيل، بغرض إنشاء أدب السياحة الفكرية والسياسية والترفيهية، ونقل التجارب وإمتاع الناس، والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

د. عبد الرزاق مقري

رحلتي إلى كندا

1 – لقاءات الأحبة

لم يحدث  أن غبت عن الوطن لمدة طويلة كما هي رحلتي التي انتهت اليوم إلى كندا، لا شك أن اقتراب نهاية عهدتي في هياكل الحركة تقتضي مني التخفف من المسؤوليات قبل الأوان ليكون الانتقال سلسا في موعده لمصلحة الحركة ومصلحة الجميع، غير أن ثمة أسباب أخرى كثيرة اقتضت هذا الغياب الطويل، منها المسؤولية تجاه جاليتنا الجزائرية التي حملتنا إياها النتيجة الانتخابية التشريعية الأخيرة خارج الوطن حيث صرنا القوة السياسية الأولى بحصولنا على ثلاثة مقاعد من ثمانية، فاقتضى ذلك الاتصال بحاضنتنا خصوصا، وعموم الجزائريين عموما، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، للاستماع لانشغالاتهم ومزيد من التأطير وأخذ الحكمة والخبرة من الرصيد الوطني العظيم المتناثر في مختلف البلدان.

 وكانت الزيارة كذلك لأسباب عائلية، بنفس الدرجة من الأهمية، لزيارة أختي وأولادها في غربتهم الموحشة بعد وفاة زوجها الأخ العزيز يوسف موسود، وكذلك زيارة ابني مصطفى المقيم في كندا والذي لم يتيسر له السفر إلى البلد في الفترة الأخيرة بسبب ظروف عمله.

 وعلاوة على كل ذلك حينما يزور المرء بلدا مثل كندا، بشساعته وجمال طبيعته، وتنوع تضاريسه، وتجربته في بلوغ أعلى مستوى التطور، وتاريخه المشحون بالأحداث المأساوية الاستعمارية الكبرى، فإن المرء المهتم بدراسة أحوال الأمم يهمه أن يقف عند مختلف المناظر والمشاهد والمعالم التاريخية لهذا البلد ليستلهم منها الدروس ويسجل عليها ملاحظاته.

لقد كانت البداية في مونتريال  بلقاء مفتوح مع الجمهور في قاعة عمومية بين نائبي الحركة عن الجالية، د. عبد الوهاب يعقوبي والسيد إبراهيم دخينات، حيث عرضا ما يقومان به من أنشطة لصالح الجزائريين خارج الوطن من نقل لاهتماماتهم ومعاناتهم. لا شك أن كل أحد من الحضور قد تمتع بما أظهره د. عبد الوهاب من تحكم وعلم بالمواضيع المطروحة وعن آليات حلها والقوانين المتعلقة بها وكيف تتعامل الدول الأخرى حيالها والخطوات التي تم اتخاذها من حيث الاتصالات والوساطات مع الجهات الحكومية وعلى مستوى التشريع والعلاقات، وما كان لعمل الجالية أن يتطور لو لا الخبرة وحجم العلاقات والمعارف والتجارب التي يتمتع بها الأستاذ إبراهيم، وقد حضرت جانبا من النقاش فشعرت بكثير من الفخر  بممثلينا في البرلمان والتكامل بينهم، كما سعدت كثيرا بالصراحة والقوة والكفاءة التي أظهرها الحضور في عرض المشاكل المتعددة والمتنوعة التي يعاني منها الجزائريون في كندا، كعينة لمتاعب أهلنا في بلاد الغربة.

 لقد كنت أعرف الكثير  عن تلك المشاكل حين كنت الأمين الوطني للجالية في المكتب التنفيذي الوطني بين سنتي 1991 و1998، ولكنني اندهشت لتفاقمها وتعقدها مع مرور الزمن، وقد سعدت كثيرا بالوعي الذي أبان عنه العديد من المتدخلين والمتدخلات، بخصوص التطورات الحاصلة وخصوصيات البلد الذي يعيشون فيه  وعن استعدادهم للقيام بواجباتهم تجاه بلدهم انطلاقا من أماكن إقامتهم. وعند نهاية النقاش قدمت للحضور كلمة مختصرة عن رؤية الحركة للنهضة بالبلد في مختلف الجوانب وعن العوائق المانعة لذلك وعما نقوم به من أعمال للإصلاح السياسي والاجتماعي وشعرت في مختتم اللقاء بأننا أدخلنا كثيرا من السرور على الحضور، عبّرت عنه الأجواء اللطيفة الطيبة والأحاديث الجانبية المفيدة في أروقة المركز العمومي الذي تم فيه اللقاء.

 وعلاوة على الأشخاص الطيبين الذين تعرفت عليهم لأول مرة، سعدت كثيرا باللقاء بإخوة أفاضل من الجالية أعرفهم منذ سنوات طويلة عاد بي الزمن لرؤيتهم إلى ملاحم كبيرة خضناها معا خارج الوطن في زمن فتنة التسعينيات خارج البلاد، كما عادت بي الذاكرة لتلك الجولات المارتونية التي قمت بها مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في مختلف بلدان العالم دفاعا عن منهجنا وبلدنا وما تعرضنا له من تهديدات جمة، بعضها لا يزال محفوظا بالصورة والصوت كشهادات على التاريخ، نرجو أن تشهد علينا عند الله تعالى إذ قد نبهنا وحذرنا من المخاطر التي وقعت قبل وقوعها،  ودعونا إلى كل أنواع البر والخير فلم يُسمع لنا، ولعل تلك التسجيلات تبقى شاهدة كذلك في وجه المنكرين والجاحدين والمتحاملين.

 وبعد لقاء مونتريال كانت فرص أخرى للقاءات وزيارات إضافية مع الجزائريين في العاصمة الكندية أوتاوا حيث نظمنا لقاءين آخرين مع الجزائريين الأول في المركز الإسلامي ابن رشد والثاني في المركز الإسلامي “السلام”، كما كانت لي فرصة للقاء منسق مكتب الحركة في كندا بتورونتو  الدكتور نصر الدين بنعايشة وزيارته في بيته والتعرف على أهله وأولاده الأفاضل.

في كل اللقاءات التي أقمناها مع الجالية كان  الحديث عن المعاناة يتجدد، في كل مكان، بأشكال متعددة، حتى لكأنه يخيل إليك أنه لا توجد جالية غاضبة على أوضاعها في علاقتها بحكوماتها كما هي الجالية الجزائرية، أو يصيبك إحساس أن ثمة من المسؤولين في الدولة الجزائرية من يتعمد إيذاء مواطنينا في الخارج وإبعادهم جسديا ومعنويا عن بلدهم، خصوصا ما  يتعلق بغلاء تكلفة تذاكر السفر  عبر الخطوط الجوية الجزائرية. وكم كان  مؤثرا حديث أحد الإطارات الجزائرية في لقاء جانبي عن حرمان أولاده من زيارة بلدهم الأصلي لسنوات طويلة بسبب أن رحلة عائلية واحدة إلى الجزائر تقضي على مدخراته لسنوات طويلة، والغريب في الأمر أنه رغم العجز في خدمة مصالح سكاننا في الخارج بقي المسؤولون الجزائريون متعالين وغير مبالين بتنظيم الناس أنفسهم للدفاع عن مصالحهم والمحافظة على هويتهم والتضامن بينهم، عبر المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات المدنية والمنظمات ذات الاختصاص،  بل بقي المسؤولون الجزائريون، منذ عرفناهم إلى اليوم، يتهيبون ويشكّون في كل مبادرة تنظيمية للجزائريين في الخارج، خلافا لبلدان أخرى جارة أو شقيقة عرف حكامها كيف يتواصلون مع مواطنيهم في كل البلدان، بمختلف تياراتهم، حتى جعلوهم رافدا لقوة بلدهم، فتغلبوا على الجزائر في كثير من الاستحقاقات بقدرتهم هذه على حشد مواردهم البشرية بالتواضع لهم وقبول التنوع في أفكارهم وقناعاتهم. وأنا في هذا الشأن شاهد فاعل، قديما في زمن الشيخ محفوظ رحمه الله، وحاليا بصفتي رئيسا للحركة، إذ عرضنا على السلطات الجزائرية التعاون خارج البلد لمصلحة البلد فلم يأبهوا لذلك، ولا يزالون إلى اليوم على نفس نهج الاستعلاء والتكبر والانغلاق، لا يسمعون النصيحة ولا تهمهم أفكار الآخرين، ولا يحبون من يريد خدمة البلد، ولا يرغبون إلا في التابعين الذين يقبلون أن يتحولوا إلى مُخبِرين أمنيين بدل مبدعين أحرار، ولو لا واجب التحفظ لحكيت قصصا غريبة في هذا الشأن. وقد أخبررني عبد الوهاب عن أحداث عديدة وقعت له مع دبلوماسيين متكبرين رديئين.

ولكن حتى لا نعمم فنظلم الناس، لا بد أن نشهد أن  هناك شخصيات سوية وخلوقة في السلك الدبلوماسي الجزائري يتمتعون بالكفاءة، رأينا منهم التواضع في التعامل ولهم آثار إيجابية في القنصليات والسفارات التي يشرفون عليها، وقد حضرت جزء من مداخلة القنصل العام في كندا أثناء اللقاء الذي نظمناه في مونتريال فكان متواضعا في مداخلته ناصحا للحضور  مستعدا للتعامل مع مشاكل الجزائريبن، وقد سبق لي أن التقيته في ماليزيا حين كان قنصلا هناك.

غير  أن الصورة العامة لحال الجالية غير مُرض، والمسؤولون الجزائريون لم يقوموا إلى الآن بما يخدم مصالح الجزائريين في الخارج، بالرغم من أن الحلول المقترحة معقولة، وكثير منها قابل للإنجاز، ونحن كحركة لم نفرط في تقديم الاقتراحات العملية، سواء المدرجة في برنامجنا ” الحلم الجزائري” أو عبر ما تقدمه كتلتنا البرلمانية ونوابنا عن الجالية، عبر  المبادرات التشريعية، والأسئلة الكتابية والشفوية، والعلاقات والاتصالات. والحمد لله نحن فخورون بما يقدمونه، وذلك جزء من عاجل بشرى الحركة.

ومن الجوانب الإيجابية التي سعدنا بها كثيرا في لقاءاتنا بأفراد الجالية المستويات العلمية والمهنية العالية التي يمثلونها، إذا التقينا وتعرفنا، حيث ما ذهبنا في هذا البلد الفسيح، على دكاترة كبار في مختلف الاختصاصات لهم مكانة مرموقة في الدوائر البحثية والجامعية والخدمية والصناعية، وأصحاب أخلاق عالية وسمت مرموق، كثير منهم تحصلوا قديما على منح دراسية من الجزائر، ولمّا لم يجدوا كيف يفيدوا بلدهم بعلمهم بقوا، أو رجعوا، إلى كندا، فهم يخدمون استمرار نهضة هذا البلد الأجنبي، ولا يستفيد منهم بلدهم في شيء.

لا شك أن هذه الحالة عامة في مختلف البلدان التي هاجرت، ولا تزال، تهاجر إليها الأدمغة الجزائرية إذ لم تجد التقدير والاحترام وفرص الارتقاء في موطنها الأصلي، ولا غرو أن هذه الظاهرة هي مظهر من مظاهر التخلف التي أشار إليها مالك بن نبي حينما بيّن في كتابه ” شروط النهضة”  بأن مشكلتنا ليست في عدم امتلاك الصاروخ، والمستويات التكنولوجية العالية،   ولكن مشكلتنا في غياب النظام وفقدان القيم الإنسانية الحضارية، مشكلتنا في الإنسان العاجز “رجل القلة” أو ” إنسان النصف” الذي لا يمشي في التاريخ، الإنسان الرديئ الكسول، المُعقّد، الذي لا يؤمن بنفسه وقيمه، الإنسان صاحب القابلية للاستعمار. ولنا أن نتصور لو يصلح حال بلدنا حين يتولاه في كل المستويات مبدعون مجدون فاعلون متحضرون، كيف يمكننا عندئذ استغلال هذه الطاقات الجبارة بما يجعلها ترقى بعلمها ماديا ومعنويا ويرقى بها البلد، وبما يجعلنا نوجه التكنولوجيا نحونا لنأخذ حظنا منها، كما فعلت أمم أخرى كسبت الحكم الراشد أولا فاستقطبت العلماء وكسبت التكنولوجيا بعدئذ.

ومما أعجبني في اللقاء بالجالية صراحة النقاش وذكر بعضهم مؤاخذاتهم على الحركة، خصوصا في الجانب السياسي، لا سيما ما يتعلق بالعلاقة بالنظام السياسي في فترات سابقة، وأثناء الحراك الشعبي،  مما أتاح لي فرصة الاسترسال في شرح رؤى الحركة وتبيين مواقفها في مختلف القضايا، خصوصا في لقاءات أوتاوا، ولم أجد في حقيقة الأمر صعوبة كبيرة في إقناع الحضور ممن ناقشت معهم هذه الأمور، في مختلف الشؤون السياسية وتطورات الحراك الشعبي، فرأيت بعضهم يتحول وجهه، من بداية النقاش إلى نهايته،  من حالة العبوس والنظرات المريبة  إلى حالة الانشراح والابتسامات العريضة، وأستطيع أن اقول بأنني رجعت من كندا بصداقات جزائرية جديدة أعتز بها.

ومن أهم الزيارات لأحبتنا المقيمين في كندا زيارة عائلة أخينا علي سعدي رحمه الله تعالى، الذي كان قد توفي قبل قرابة ثلاث سنوات وكتبت بشأنه مرثية ذكرت فيها فضله ومناقبه، وقد التقيت في بيت الفقيد بزوجته وبعض أولادها ووالدتها ووالدها سي عبد الحميد، وتمت الزيارة بفضل الدكتور فؤاد صاحب الفضل بربط علاقة الشيخ محفوظ نحناح بسي عبد الحميد في نهاية الثمانينيات، ثم أصبح سي عبد الحميد صديقا مقربا من الشيخ محفوظ نحناح رحمه يزوره أثناء إقامته الطويلة في السعودية بمناسبة الحج والعمرة، وقد أتيحت لي الفرصة أن أتعرف عليه وألتقيه صحبة الشيخ رحمه الله هناك. وقد فرحت بي الأسرة الكريمة جزاهم الله خيرا، وذكرنا كثيرا من معارفنا المشتركة وعن أوضاع البلد، وسي عبد الحميد رجل فاضل صاحب مكانة، وداعية مثابر على فعل الخير، قام بتشييد مسجد في بجاية مسقط رأسه، ومسجد في بلد آسوي بعيد كمركز إسلامي للدعوة اهتدى عن طريقه عدد من ساكنة ذلك البلد. وقد خرجت سعيدا من عندهم لما وفقني الله إليه من قيام للواجب وفاءً لأخي وصديقي العزيز علي سعدي رحمه الله.

وحينما رأيت أثر وجود سي عبد الحميد وزوجته على ابنتهما وأولادهما، وعمق التأثر والعاطفة الفياضة بينهما وما رأيته مثل ذلك في زيارتي لشقيقتي وأبنائها، حمدت الله على نعمة الإسلام وإعلائه شأن الأرحام وما أودعه في مجتمعاتنا من تراحم وتضامن.

لقد كان الفضل في نجاح الزيارة العائلية لابني مصطفى بحسن إعدادها وتنظيمها وإنفاقه عليها، ولا غرابة أن يفعل ذلك برا بوالديه وصلة رحم ووفاء لعمته وزوجها الفقيد اللذين احتضناه من أول يوم نزل فيه كندا بعد تخرجه من الجامعة الجزائرية، إذ توسطا له في أول شغل له في محطة لبيع الوقود، ثم اشتغل في المطعم الذي كسبه يوسف رحمه إلى أن استطاع التسجيل في الجامعة من أجل تكوين مهني قريب من اختصاصه الجامعي في الجزائر،  وواصل مساره المهني من وظيفة إلى وظيفة إلى أن استقر في وظيفة جيدة في تورنتو، فجزاه الله خيرا من شاب ملتزم خلوق منفق كريم.

لقد كنت اعرف التزام الأخ يوسف قبل أن أصاهره، وعرفته أثناء حياته صهرا مؤمنا وقافا عند حدود الله، وبالطبع أعرف أختي منذ طفولتي اذا كنا قريبين لبعضنا البعض كثيرا وانخرطت معي في الدعوة الإسلامية منذ نعومة أظافرها، وكانت من الزمرة الأولى من المحجبات في بلدة المسيلة، فأكد لي ما رأيته من التزام للأولاد والتفافهم حول والدتهم، وتضامن بينهم حقيقة حفظ الله لعمل وأجر المحسنين وفق قوله الله تعالى في سورة الكهف: ((  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)))، وقوله في سورة الكهف كذلك عن حفظ ذرية الصالحين بعد مماتهم: (( وكان أبوهما صالحا))، وإني لأرجو أن تتحقق رحمته سبحانه في هذه العائلة فيلحق الله الذرية بمكانة الآباء الصالحين عنده ولو كانت الذرية دون فضل الآباء إن هم اتبعوهم في الإيمان وفق ما بينه سبحانه في سورة الطور: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21))).

ما شعرت به أثناء زيارتي لبيت أخي علي، هو ذاته ما شعرت به أثناء وجودي في بيت شقيقتي مع أبنائها، آثار للحزن عميقة وطيف الفقيد يحوم بالبيت في كل مكان، ولكنهما بيتان عامران بالصبر والإيمان بحمد الله، ومن حظ زوجة الشيخ علي حضور والديها معها يشاركانها آلامها ويقفان معها في محنتها، ويواسيان الأولاد لكي يكلموا حياتهم بصبر وعزيمة، ولذات السبب بقيت والدتي مع ابنتها – شقيقتي –  أكثر من نصف عام بعد الوفاة لإعانتها والأولاد على الصبر  والتحمل رغم مرض الوالدة والمشقة الشديدة للسفر عليها، ومن أهم أسباب بقائي الطويل نسبيا في كندا في حقيقة الأمر  استكمال هذا الواجب، وقد حققتُ بفضل الله الهدف إذ خففت على الأخت الكريمة من حالة الحزن القاتل والانعزال المدمر  وأسأل الله أن يتم لها والأولاد بخير.

يتبع في مقالات مقبلة نتحدث بحول الله عن عدد من المحطات السياحية وما استلهمناه من فوائد وعبر.

د. عبد الرزاق مقري

الاستبداد والاندماجيون الجدد

داء الاندماجية حقيقة اجتماعية تتكرر في كل الأزمنة، تتشكل في أزمنة الاستعمار بدافع القابلية للاستعمار وفق النظرية البنّابية، وتطفو على السطح في حقب الاستبداد تصممها “القابلية للاستبداد” على نحو ما نراه في ظل أنظمة ما بعد الاستقلال.

لقد كان الاندماجيون في زمن الاستعمار يتطلعون إلى أن يصبحوا فرنسيين بتمام المواطنة الفرنسية فتركوا الانتماء لوطنهم وتاريخهم، وراحوا يتوسلون بكل الأسباب للمحتلين ليمنحوهم الحقوق التي تُمنح للمعمرين وليخرجوا من مرتبة “الأهالي” في القانون الفرنسي. وبعد سنوات طويلة أدركوا بأن فرنسا تستعملهم لتشتيت الصف الوطني ولا تعطيهم شيئا، بل تحتقرهم، وحين انفجرت الثورة التحريرية التحق بعضهم بها وغسلوا تاريخهم بمسيرتهم النضالية الجديدة ودخلوا التاريخ بإنابتهم إلى الله واتباعهم بوصَلة الوطن. ولكن منهم من بقي يؤمن بفرنسا بالرغم من أنها لم تؤمن بهم مطلقا حتى وهي تخرج من الجزائر تجر أذيال الهزيمة.

إن هذا الذي حصل في الجزائر إبان الاستعمار حصل في كثير من البلدان التي احتُلت من قبل قوى أجنبية في تكرارٍ للتاريخ لا يتوقف، ذلك أن التاريخ يكرر نفسه رغمًا عنه إذ هو محكوم بسنن اجتماعية لا تتغير ولا تتبدل تحكم المجتمعات الإنسانية كلها، تماما كما هي القوانين الكونية التي تحكم الكون كله.

ومن هذه الظواهر السننية: سنة “#القابلية_للاستبداد” التي تفسر حالة النخب التي تنزع للاندماج في الأنظمة الفاسدة المستبدة حيثما وُجدت، في كل مجتمع، بشكل متكرر كتكرار التاريخ نفسه. ومن هؤلاء الاندماجيين الجدد في عصرنا الحالي، ما نراه في بلادنا الجزائر وفي مختلف البلدان العربية، من نخب لا هم لها سوى الالتحاق بمنظومات الاستبداد الغالبة، بتِعلّة أخلاقية كاذبة أو خاطئة، بعضها منبعها السذاجة، وبعضها مصدرها خوف أو طمع النفسيات الضعيفة، وبعضها هو الفساد عينه.

يتصرف الاندماجيون تجاه الاستبداد كما يتصرف الاندماجيون تجاه الاحتلال. إنهم نخب من خارج النظام السياسي يشعرون بالتهميش والظلم، وربما القهر. ليس هؤلاء الاندماجيون من عصبة الحكم ولا من خاصته، وربما ليسو حتى من أعوانه، فيرغبون في الاندماج فيه لينالوا نفس الفرص والحقوق التي يتمتع بها من هم في صلب الحكم.

لا يؤمن هؤلاء الاندماجيون بأن النضال السياسي مجدي في كسب الحقوق، ويعتقدون أن الحاكمَ متغلبٌ إلى الأبد، وأنه لا توجد فرص للتغيير مطلقا، وأن الأولى اغتنام الهوامش التي يتيحها المستبد والعمل على الارتقاء في المصالح وفق القواعد التي يضعها الاستبداد بنفسه. غير أن السنن تتكرر في كل مرة، فلا يعطي الحاكم المستبد شيئا ذا بال لهؤلاء، كما لا يعطي المستعمر شيئا “للأهالي”. ولكثرة هؤلاء الاندماجيين يخطف الحاكم المستبد، بين الحين والحين، واحدا منهم ليُلبِسه النياشين الرسمية في مراتب دنيا من الحكم حتى يُبقي غيرَه ممن هو على طبعه على الطمع الأبدي بأنه ربما هو كذلك سيصل!

إن خُلق الاستبداد هو ذات خلق الاستعمار في كل مكان وزمان، يتصف صاحبُه بكل صفات التكبر والاستعلاء واحتقار من هم ليسو منه – خصوصا من يتزلف له – ويغتر بوسائل القوة والإكراه حتى يتربّبَ فلا يرى في الكون غير نفسه، وتكون النتيجة أن يُغَلَّف على عقله، حتى يصبح غبيا في أحكامه وتصوراته، مهما كانت شهاداته وتراكم تجاربه، فلا يرى حقا غير ما يراه هو حقا، وحين يعطي للاندماجيين ما يعطيهم ينظر إليهم بنظرة الاحتقار مهما اضطرته إكراهات استغلالهم لمدحهم وإطرائهم.

إن منهج الاندماجية منهج شائع في الساحة السياسية في كل البلاد العربية، ومنها المغرب والجزائر، وهو منهج ابتلي به التيار الوطني أولا فدمَّر أحزابا وطنية عريقة وجعلها خِرقا يمسح بها المستبدون كل مساوئهم حتى انتهى دورها في الأمة، كما ابتلي بها التيار العلماني إذ أسقط رموزَهم ومراجعهم في مهاوي الطفيلية والزبونية حتى جعلهم أضحوكة في ما يزعمه هؤلاء بشأن ما ادعوه من بطولة زائفة في النضال من أجل الديموقراطية ومعارضة الحكام. ثم جاء الدور على الإسلاميين فبرز منهم من تفنن في محاولات الاندماج في الاستبداد حتى صاروا سادة ورموزا في التزلف والانتهازية.

إن ما رأيناه من انهيارات قيمية وأخلاقية عند بعض رموز الحركة الإسلامية في المغرب مؤخرا هو شيء مما نقوله في هذا السياق عن الاندماجيين.

لا نُعمم ولا نلغي فضل أصحاب الفضل حينما يخطئون ونسأل الله أن يثبتنا جميعا فلا أحد يأمن على نفسه، ولا نستهين بصعوبة المواجهة مع الاستبداد وتعقيداتها ومتطلباتها، غير أن النصيحة واجبة حتى لا يُصبح الخطأ مصنعا لأخطاء على منواله.

وبخصوص الانهيارات التي وقعت في مسألة التحشيد “بالنفس والمال” للزحف على تندوف وإنكار وجود موريتانيا فإني لا أرى فيها – لفضاعتها – سوى الرغبة في نيل رضا الحاكم من أجل الاندماج في نظامه، طمعا في شيء ما عنده، لا ندري ما هو، أو خوفا مما قد يعاقب به المستبدُ من يخالفه.

يحاول أولئك الإسلاميون أن يغطوا على ضعفهم النفسي والفكري بتأصيلات شرعية مقاصدية فيلحقوا بالإسلام وبمشروع الاستنهاض الحضاري للأمة ضررا كبيرا، من حيث سمعته وتوهجه الشعبي ووحدة العاملين له ومعنويات الساعين إليه، بل صاروا خطرا لفرط تعنتهم، والإصرار على عدم الرجوع على أخطائهم نذر حرب وخطرا على وحدة الأمة ذاتها.

ومن أغرب ما لوحظ في المحنة الأخيرة المتعلقة بخطأ الشيخ الريسوني – غفر الله له وأقال عثرته- هو تجند النخب الاندماجية في البلدين للحديث عن الاستعداد للحرب وكأننا نتحدث عن شعبين عدوين لا حرج أن تسيل دماؤهم في مواجهة مسلحة تدمرهم جميعا تماما وفق ما تقتضيه خطط الصهاينة والقوى الاستعمارية. وما تلك المواقف المتبادلة – في حقيقة الأمر – إلا تزلفا للحاكم هنا وهناك.

كان بإمكان الريسوني أن يئد الفتنة التي صنعها بجملتين قصيرتين يقدم فيهما اعتذارا واضحا للجزائر وموريتانيا بدل التوسع في التبريرات التي اختلق فيها كلاما جديدا، بعيدا عما قاله، نصا وروحا، بما يزيد في كسر مصداقيته ومكانته، وبما يحوله من مشروع “رجل أمة” و”رجل مستقبل” إلى مشروع رجل لتجزئة الأمة، ومشروع رجل قابع في التاريخ، لا ليستلهم من التاريخ حكمه وسننه، بل ليغرق في خرائطه المتحولة وليعتز بسلطان ظالم اعتدى على جيرانه في القرن السابع عشر بدل أن يسعى إلى وحدة مغاربية عصرية بالرضا والتعاون والتكامل.

إنني لا أجد غرابة في ما أبان عليه الشيخ الريسوني، فقد رأيت رجالا مثله في بلادي وبلاد أخرى وهبهم الله من العلم والمكانة في نفوس الناس في بادئ أمرهم ما يجعل جاههم بين الناس أعلى من جاه الحكام والسلاطين، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا من المتزلفين الباحثين عن رضا مسؤولين سياسيين أقل شأنا منهم، لا خلاق لهم ولا نجاح في خدمة البلاد والعباد، فنزلت مراتبهم عند الخلق، بما يضر مشروعهم الإسلامي الحضاري، لو لا أن الله غني عن العالمين يقيض لخدمة الإسلام غيرهم ممن هم أفضل وأعز وأكرم. ونسأل الله أن يقيل عثراتنا جميعا، وأن يستخدمنا دوما، ولا يستبدلنا أبدا.

غير أنني والله لقد حزنت كثيرا ، لهذه السقطة وما تبعها من إصرار، كما يحزن كل مؤمن يعرف حجم البلاء المتعلق بكسر المرجعيات وسقوط قيمة العلماء في الأمة. لا سيما وأن الشيخ الريسوني كان من العلماء المجدين في العلم الواعدين في تجديد المرجعية الشرعية في الأمة، لو لم يصر ويستكبر فلم يعتذر، أو على الأقل لم يبرر ، حتى لأنه جعل سبب استقالته من رئاسة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين أن يبقى حرا في آرائه. وأي آراء هي تلك الآراء؟ إنه والله لمبرر مخيف يدل على أن الرجل سيبقى في صراع مع الخرائط الجغرافية المتضاربة البائدة، بدل السعي للوحدة والتقريب بين الإخوة.

إن الأزمة في حقيقة الأمر أزمة منهج قبل أن تكون أزمة أشخاص، إنها أزمة ” الاندماجية الجديدة” التي حلت في أوساط من كان يُرجى منهم الصبر على مكاره التغيير والإصلاح في المجتمع ولبناء دول مؤهلة لصناعة النهضة. أزمة منهج تجلت في ردود أفعال الإسلاميين التحشيدية بعبارات الحرب والاقتتال في الجزائر وفي المغرب كلاهما.

إنها أزمة منهج يتبعه هؤلاء النخب من الإسلاميين الذين باتوا حريصين على السلطة والتقرب من السلطة أكثر من حرصهم على الدولة وتشييد الدولة، منهج يُضيّع الدول التي يريدون حمايتها كما يدّعون، أو التمكين لمشروعهم داخلها كما يقصدون، أو بالحرص على السلطة لأنفسهم لا لمشروعهم بالنسبة لبعضهم وفق ما يٌضمرون.

إن هؤلاء جميعا، مهما كانت دوافعهم، نبيلة أو سقيمة، بيّنة أو دفينة، قد أفسد مشروعَهم حرصُهم على السلطة وإرضاءُ السلطان، وهم في ذلك لا يعرفون الفرق الذي شرحه ابن خلدون بين “مفهوم الملك” الذي هو عنده الدولة، وكان في زمنه يؤخذ بالغلبة، و”مفهوم الرئاسة” الذي هو عنده مجرد وظيفة. أي أنهم لا يفرقون بين مفهوم الجاه الزائل والمنصب العابر الذي تمنح الأنظمةُ بعضَ فتاته و مفهوم الحكم المكين الذي إن صلح صلح البلد كله و لا شرعية له في العصر الحديث إلا بالاختيار الحر للشعب.

إن حرص الاندماجيين الجدد على السلطة، دون رؤية ولا شراكة ولا تأثير فيها نحو نهضة بلدهم وكرامة الإنسان فيه، من شأنه أن يعطل الفكرة ويضيّع المشروع ويضر بالبلد ويمعن في تكبيل الحريات، ولن يُرفع التعطيلُ الذي يتسببون فيه ما لم تتحقق الكفاية بغيرهم، كما ونوعا. وحتى هؤلاء الاندماجيون الجدد من “المصلحين الإسلاميين” ستخيب آمالهم في حسن ظنهم في الاستبداد في آخر المطاف، كما خابت آمال الاندماجيين من الوطنيين في حسن ظنهم بالاستعمار، فمنهم من يعود إلى رشده، كحال فرحات عباس، ومنهم من يستمر في الخضوع للاستبداد حتى تسجل أسماؤهم في قوائم الخزي في التاريخ، كأؤلئك الذين استمروا في الانهيار مع الاستعمار.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

الريسوني يستدعي الحرب؟!

في سقطة لن تمحى من التاريخ ولن تنساها الأجيال وسيكون وزرها عند الله أعظم لو ينبني عليها عمل، فيأتي من حكام المغرب من يستعمل هذه الفتوى التي أطلقها “رئيس اتحاد العلماء المسلمين” على الهواء ليجر المغاربة إلى تخطي الحدود مع الجزائر ليحتلوا جزءً من أرضها فتسيل الدماء من الطرفين، وتدخل المنطقة في حـ.رب مدمرة لا تنتهي.

لم يُظهِر الريسوني بسالةً في مواجهة انحرافات حكامه المتعددة والمتكررة كهذه الشجاعة الكبيرة التي أبان عليها في عدوانه على الجزائر، ولا أراه سوى رجل أرهبه الخوف من مولاه بسبب إعلان رفضه المحتشم لتطبيع علاقة بلاده مع الكـ.يان ص المحتل فأراد تقديم عربون الولاء على حساب دماء الأشقاء المسلمين الجزائريين والمغاربة.

لا شك أن هذا “الناطق باسم العلم والعلماء!” لم يكن واعيا أو غير مبال بالأبعاد السياسية والاجتماعية لسقطته المدوية هذه. لا شك أن لعبة التوازن – التي لا يحسنها – على خيوط السياسة الرقيقة التي لعبها أودت مصداقيته، تماما مثلما يحدث لكثير من المشايخ حينما تغلبهم إكراهات السياسة فلا يحسنون السكوت.. وحاشا مشايخ آخرين سادة في السياسة وسادة في الشريعة.

لا يخفى على أحد موقف الريسوني من قضية الصحراء الغربية، وذلك رأيه، ولا أحد يلومه عليه، والآراء في الموضوع متعددة بأبعادها التاريخية والسياسية والقانونية والدولية والواقعية، والنقاش والحوار يسع كل الآراء، والحجة غلّابة، ما لم تنحرف المواقف إلى الإضرار بالغير أو إلى العمالة أو العدوان أو فتنة المسلمين.

وما قاله الريسوني هو العدوان ذاته، وهي شرارة أُطلقت في زمن يعج بالفتنة، دوليا وأقليميا، في أرض سكنها أشرس عدو للأمة، فباتت كالبرميل الذي لا ينتظر إلا الصاعق الذي يُلهب النار. فهل رشّح الريسوني نفسه ليكون ذلك الصاعق أو صاعقا من تلك الصواعق؟لقد صدق رسول الله صلى عليه وسلم حين قال في الحديث المتفق عليه: ((إنَّ الْعَبْد لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ)). وهل الحروب إلا طلقات لسان قبل طلقات الرصاص.

وما دام قد دعا هذا العالم الشرعي إلى الحرب بين الأشقاء كان الأولى له أن يدعو إلى حرب ضد العدو ص الغاصـ.ب الذي حط رحاله في بلاده، كان الأولى له أن يدعو إلى مسيرات خضراء أو حمراء أو صفراء أو بيضاء أو سوداء .. بأي لون شاء .. يقودها بنفسه في مختلف ساحات المغرب، لا تنخفض راياتها حتى يتراجع أميره ومولاه وسيده عن سياسات التطبيع المدمرة للمغرب وللجزائر ولموريتانيا ولفلسطين ولكل المنطقة ولكل العالم العربي والإسلامي.

ويا ليته دعا كذلك إلى “الجهاد بالنفس والمال” – كما قال بشأن تندوف الجزائرية – ليتجه ملايين المغاربة إلى تحرير سبتة ومليلية المغربيتين اللتين لا زالتا تحت الاحتلال الإسباني. تلك هي مسيرات الشرف! أما المسيرات لغزو الجزائر واقتلاع أرض تندوف من جغرافيتها فما هي إلا فتنة عمياء وضع نفسه على رأسها والعياذ بالله.

أما من حيث التحقيق العلمي حول “الامبراطورية المغربية العظمى” التي يريد بناءها بأوهام الفتنة فلست أدري من أي مرحلة من مراحل التاريخ يريد أن يبدأ؟ وما هي الدولة من الدول التي تعاقبت على المنطقة التي يؤقت على زمنها حدود الزمن الراهن؟ وأية جغرافية من الجغرافية المتحركة بين دول المنطقة عبر القرون الغابرة يريد تثبيتها؟ هل هي الدولة الحمادية (1014-1152) “الجزائرية” التي وصلت في أقصى اتجاهها غربا إلى مدينة فاس، وأبعد من فاس، فنقول فاس جزائرية، أم نحسب كذلك أنّ وجدة وتاوريرت وفجيج جزائرية لأنها كانت تابعة للجزائر في أحد أزمة الدولة الزيانية “الجزائرية” (1235-1554)، أم هو زمن الدولة الجزائرية في زمن الإيالة (1515-1832) حينما صار وادي ملوية هو الحاجز الطبيعي الذي اعترفت الدولة السعدية (المغرب حاليا) بأنه هو الحدود الجغرافية بين البلدين فنقول بأن كل المدن المغربية الموجودة شرق وادي ملوية جزائرية حاليا.

إن الدماء الجزائرية التي سالت في الغرب الجزائري في مواجهة الإسبان من جهة والدولة السعدية (المغرب حاليا) من جهة أخرى كثيرة، إذ لم يتوان حكام الجزائر في العهد العثماني من إرسال الجيوش تلو الجيوش للمحافظة على حدود الدولة غربا إلى غاية وادي ملوية، وقد أثمرت تلك العزائم فثبّتت الحدود وكانت مدن كوجدة وغرسيف وفجيج يدفع أهلها الضرائب لحكام الإيالة الجزائرية.

والغريب في ماقاله الريسوني في قضية الحدود أنه يؤمن بخريطة علال الفاسي التي تتسع ليس إلى بشار وتندوف فقط، بل إلى أدرار والأغواط وعين صالح، مما يجعلنا نفهم قول من يقول من الجزائريين بأن سكوتنا على أطماع المغرب في الصحراء الغربية سيجعل حكام هذا البلد وبعض نخبه (ومنهم الريسوني) يطمعون في التوسع داخل الغرب الجزائري، وأي حالة ضعف تصيب بلادنا لا قدر الله سيأتينا وقتها البلاء من جيراننا على غرب بلادنا بالمغرب.

لست أدري كيف يقول الريسوني هذا الكلام وهو يعرف أن توسع الدولة العلوية في جنوب الغرب الجزائري كان عدوانا على الجزائر في منتصف القرن السابع عشر في زمن محمد بن الشريف السجلماسي العلوي حين كانت الجزائر تمر بحالة ضعف، ولم يقبل باشا الجزائر آنذاك هذا العدوان فأرسل له السفراء والرسائل ومما جاء فيها: “لقد خرقت على الإيالة العثمانية جلباب صورها الجدير من وجدة الأبلق إلى حدود الجريد” ” نحن جئناك لتعمل معنا شريعة جدك وتقف عند حدك، فما كان جدك يحارب المسلمين، ولا يأمر بنهب المستضعفين ولا بالغارة على الضعفاء والمساكين”، وقد اعترف الشريف بسوء عمله ووعد عن الكف ولكنه لم يف .. وانتقم الله من هذا الرجل الظلوم الشديد فقتله أخوه الرشيد في قتال بينهم.

إننا والله لا نقول هذا الكلام لنستعمل التاريخ فنطالب للجزائر من المغرب ما هو كائن من الأراضي في هذا البلد الشقيق شرق وادي ملوية، فنكون مثل الريسوني نستعمل الخرائط المتحركة عبر الزمن الغابر لإشعال نار الفتنة في الزمن الحالي، إنما نريد وحدة مغاربية بالتراضي وفق نظرية التكامل في العلاقات الدولية كما فعلت أمم أخرى أقل تجانسا منا.

غير أني والله لأرى هذا الريسوني قد بات أميرا من أمراء الحروب القذرة المعطِّلة لوحدة الأمة ونهضتها باستدعاء مَلكه إليها بقوله: “المغرب مستعد إذا دعا جلالة الملك للجهاد بالنفس والمال .. إذا دعا بأي شكل، بالمال، لمسيرة إلى تندوف، العلماء والدعاة مستعدون للمسيرة إلى تندوف، ليس إلى الصحراء فقط بل إلى تندوف”.

والله إني لأراه واحدا من أولئك المغامرين العلويين في زمن محمد بن الشريف الذين أغاروا على ضعفاء القبائل الفقيرة المتناثرة في الحدود الغربية الجنوبية الجزائرية، فكانت الحصيلة إراقة دماء لا حد لها من الشعبين المسلمين، ثم كانت النتيجة في آخر المطاف أن الأرض رجعت لأصحابها بفضل الله تعالى العادل الحق وبفضل دماء الشهداء الأبرار.

والغريب في الأمر كذلك أنه يتحدث عن الحدود الموروثة عن الاستعمار، وسلطانه عبد الحفيظ العلوي هو الذي أمضى معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب بالحدود الحالية. وهذا الاستعمار ذاته – الذي حرص على الأرث الحقيقي للحدود الجغرافية للإيالة الجزائرية – هو الذي حاول غدر الجزائر في حدودها المعلومة تاريخيا وجغرافيا بالتنازل قبيل الاستقلال للرجل الشريف حقا “السلطان محمد الخامس” مقابل التوقف عن دعم الثورة الجزائرية فلم يجد عنده مبتغاه.

والغريب في الأمر كذلك أن الريسوني يجهل أن الدول التي اتفقت على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار هي الدول التي اجتمعت في مؤتمر باندونغ عام 1955 لمناهضة الاستعمار، وهي كذلك الدول الافريقية التي حاربت شعوبها الاحتلال حين دعت في أول اجتماع لمنظمة الوحدة الافريقية عام 1963 إلى احترام الحدود التي أُخِذت من الاستعمار لتجنب استدامة النزاعات الحدودية.

وأغرب ما في الأمر في كل ما قاله الريسوني هو استدراكه بعد عدوانه اللفظي على موريتانيا الشقيقة حيث صرح أنه ما دام المغرب قد اعترف بحدود موريتانيا فنترك الأمر للتاريخ، وجهل أو تجاهل أنه تم ترسيم الحدود الجزائرية المغربية بشكل نهائي كذلك بموجب اتفاقية ثنائية وقّع عليها الجانبان بتاريخ 15 جوان 1972 وتم التصديق عليها من مجلس النواب المغربي وتم تبادل وثائق التصديق بين وزيري خارجية البلدين يوم 14 ماي 1989.

وفي الأخير : إذا كان ثمة حقيقة واحدة تغنينا عن كل الاعتبارات القانونية والتاريخية التي أشرت إليها – والتي كان ينبغي أن يقف أمامها الريسوني بإجلال واحترام فلا تحدثه نفسه الأمارة بالسوء بما تلفظ به من كلام مشين منشئ للفتنة والعداوة – هي تلك الدماء الغزيرة التي قدمها الجزائريون في المقاومة الشعبية والثورة التحريرية النوفمبرية وكل أنواع التضحيات في كل شبر من بلادهم من أجل نيل استقلالها وافتكاك أرضهم كاملة كما هي اليوم من الاستعمار الفرنسي، وضمن هذه الأراضي أراضي الجنوب العزيز الذي استمرت الثورة التحريرية سنتين أخريين من أجله بعد عام 1960 حينما هُزم ديغول فحاول الخروج من الجزائر دون الصحراء.

على علماء الأمة أن ينكروا استدعاء الحرب – بين دولتين مسلمتين شقيقتين – الذي تورط فيه الريسوني، وعليه أن يستقيل من رئاسة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين أو أن يقيلوه!

 

د. عبد الرزاق مقري

الهجرة: الفكرة الدينية والاستنهاض الحضاري للأمة

“الفكرة دينية” عبارة شهيرة للفيلسوف الجزائري الكبير مالك بن نبي استعملها في بعض كتبه وبشكل أساسي في كتاب ” شروط النهضة”  أثناء  شرحه سبل التوصل إلى الاستئناف الحضاري للمسلمين بعد حالة الخمول والتقهقر والتخلف التي هم عليها منذ قرون، معتبرا أن لا انبعاث للحضارة إلا على أساس ديني، مستأنسا في قناعته بدراسة التاريخ ومؤكدا ما ذهب إليه غيره قبله  من الفلاسفة وعلماء العلوم التاريخية والاجتماعية الكبار الذين أجمعوا أن نشأة كل الحضارات التي عرفتها البشرية إنما أساسها الدين.

حينما يتطرق المؤرخون إلى الحضارة التي عرفها المسلمون يسمونها الحضارة الإسلامية نسبة إلى دينهم. وذلك هو فعلا ما سجله التاريخ إذ بزغت الفكرة المنشئة للحضارة في غار حراء ببداية نزول القرآن الكريم، وبعد أن صارت الفكرة حالة اجتماعية في جزيرة العرب بحثت لها عن أرض تقيم فيها دولتها فكانت يثرب هي المأوى، وكان يوم الهجرة الذي نعيش ذكراه هو منطلق تأسيس الدولة ثم صار تاريخ المسلمين كله يُؤقّت وفق هذا اليوم العظيم، وكان ذلك اليوم هو أول يوم لنهضة العرب بكيان سياسي جديد ذي رؤية عالمية صنعت حضارة إنسانية اندمجت فيها وساهمت في قيادتها أعراق كثيرة عبر قرون طويلة من الزمن.

تعودت أن أكتب في كل عام مقالا بمناسبة ذكرى هجرة المصطفى صلى عليه وسلم من مكة إلى مدينة أُبرِز فيه كل مرة ملمحا جديدا من ملامح ذلك اليوم العظيم، وقد اخترت هذه السنة أن أتحدث عن البعد الديني في صناعة الحضارة الإسلامية انطلاقا من يومِط قيام دولة المسلمين في يثرب بعد الهجرة،  ولعلني أضيف بعض البَيّنات التي تؤكد دور الدين في قيام الحضارة، ولأضع، في مقابل ذلك، الفكرة العلمانية في حيزها التاريخي الأوربي ضمن مسار قيام وسقوط الحضارات.

إن الهجرة النبوية الشريفة هي الدليل القاطع على مركزية الدين في بناء الدولة ونهضة العرب ونشأة الحضارة الإسلامية وشذوذ ما يُنكِر ذلك من الأفكار في عالم السياسة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي  أمرنا الله أن نتأسى به وأن يكون قدوتنا  وفق قوله سبحانه وتعالى: (( ولكم في رسول الله أسوة حسنة))، تصرف عند وصوله المدينة كرجل سياسي يبني دولة حديثة بإعلانه “وثيقة المدينة” التي تُعد وثيقة دستورية كاملة الأركان بالمصطلح العصري، حددت الحقوق ومعنى المواطنة لسكان دولته الحديثة، من كان منهم مسلما ومن كان على غير عقيدة الإسلام، ومن خلال تحديد بناء المسجد كمقر لحكومته، وبواسطة إرساء مفهوم الأخوة كوشيجة أساسية بين السكان جميعا، وكذلك من خلال تدشين سوق جديدة بديلة عن السوق التقليدية التي يسيطر عليها اليهود وفق رؤية اقتصادية حديثة للدولة الناشئة.

لقد كانت الهجرة النبوية هي الخطوة التاريخية التي انتقلت فيها الفكرة الدينية الإسلامية من التَّمثُل بها لدى الأشخاص المؤمنين بها والمناصرين لها، ومن الحالة الاجتماعية التي صارت إليها في مكة ثم في المدينة إلى الكيان السياسي الذي حوّلها إلى قوانين وإجراءات ومسؤوليات، وعلاقات سلم وحرب ومعاهدات، وَحَّدت سكان الجزيرة العربية وصنعت لهم مصيرا جديدا، ثم اتجهت في حياته عليه الصلاة والسلام إلى خارح الجزيرة لتعلن عن عالميتها ورؤيتها الخارجية المستقبلية من خلال الرسائل الموجهة إلى ملوك الدنيا في ذلك الوقت (ملوك الحبشة والبحرين وعمان واليمن ومصر والروم واليمامة والغساسنة وفارس)  و من خلال الألوية التي عقدها (مؤتة وتبوك وبعث أسامة) لصد الاعتداءات التي بدأتها جيوش الروم، الأمة الأقوى حينئذ المتهَيِّبة من الأمة الإسلامية الصاعدة.

بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام انشغل المسلمون بحروب الردة فكانت تلك الحروب الأهلية مناورات عسكرية شاملة بحق، بالذخيرة الحية كما يُقال اليوم،  تشكلت من خلالها جيوش المسلمين التي باشرت الفتوحات الإسلامية في كل أنحاء العالم القديم ابتداء بقضائها المبكر على الدولة المتداعية في فارس في عهد الفاروق رضي الله عنه، والانخراط في المواجهة الطويلة مع الامبراطورية الرومانية البيزنطية إلى أن أسقط محمد الفاتح عاصمتها القسطنطينية في القرن الخامس عشر.

لقد كانت الفكرة الدينية التي بزغت في غار حراء بمكة وأقامت الدولة في المدينة هي الروح الدافعة لتلك الفتوحات، وهي المُنشئة للنهضة العلمية التي جعلت المسلمين يهتمون بالإبداعات الحضارية للأمم السابقة في البلاد التي فتحتها واحتكت بها، فترجموا علومها وزرعوا فيها الروح الدينية وأخضعوا معارفها للمقاصد الشرعية الإسلامية وزادوا عليها ابداعاتهم وابتكاراتهم في مختلف الفنون والعلوم عبر الصروح الجامعية التي يدرس فيها الطلبة من مختلف الأجناس والأعراق بلسان عربي مبين فأهدوا للبشرية  أسمى حضارة إنسانية عرفها التاريخ وأكثرها رحمة بالخلق ومن أطولها استغراقا في الزمن.

لقد كان يوم الهجرة هو اللبنة الأولى لصرح الحضارة الإسلامية والأساس الأول للمنظومة القيمية للدولة الإسلامية، ثم اكتملت صياغة النموذج السياسي والاجتماعي في عهد الراشدين، ثم انطلقت الثورة الحضارية العلمية  في زمن الأمويين ووصلت إلى ألَقِها في العهد الذهبي في زمن العباسيين في القرن التاسع الميلادي، ثم تحقق فيها ما قضاه الله في الناس من سنة التداول وفق قوله تعالى ((وتلك الأيام نداولها بين الناس)) فكان سقوط بغداد على يد المغول في منتصف القرن الثالث عشر أمارة الانحدار نحو الأفول إلى أن انطفأت الحضارة الإسلامية في حدود القرنين الخامس عشر والسادس عشر تزامنا مع عصر امبراطوريات البارود الإسلامية (الدولة العثمانية، الدولة الصفوية، دولة مغول الهند) التي استطاعت واحدة منها، وهي الدولة العثمانية، أن تفتك اعتراف علماء الأمة بأنها هي الأجدر بأخذ لقب الخلافة الإسلامية في عهد سليم الأول بعد إنهائه دولة المماليك، الراعية للخلافة العباسية الصورية. 

وكان العثمانيون هم الأجدر بذلك حقا إذ على أيديهم تحققت نبوة فتح القسطنطينية ومن خلالهم استمرت الفتوحات في اتجاه الغرب المسيحي الذي لم يتوقف عن التحرش بالمسلمين منذ  معارك مؤتة وتبوك وبعث أسامة في بداية القرن السابع الميلادي التي كان سببها تحرشات الروم بالمسلمين للقضاء على الدين الجديد قبل استفحال أمره – كما زعموا – وفق ما تذكره كتب السير والتاريخ.

لقد عظُم شأن الأتراك كحاملي لواء الإسلام قرابة ستة قرون، من أول القرن الثالث عشر إلى بدايات القرن العشرين، غير أن تميزهم انحصر في الجوانب القانونية والإدارية والعسكرية ولم يسهموا كثيرا في الجوانب الحضارية العلمية، فكان حالهم كحال الامبراطورية الرومانية إذ دامت بالقوة الإدارية والعسكرية وكانت في الجوانب العلمية والفلسفية عالة على الحضارة الإغريقية. بلغ أوج القوة العسكرية للأتراك عند فتح القسطنطينية سنة 1453م وبدأت في التراجع بعد فشل حصار فيينا سنة 1683م، وفي تلك الفترة كان يظهر للمطّلع على الأحداث التاريخية دو تأمل أن ثمة تماثلا في القوة بين العثمانيين وملوك أوربا، غير أن المتمعّن في وقائع التاريخ يدرك أن المسلمين بقيادة الأتراك كانوا في زمن الأفول الحضاري وكان الأوروبيون في مرحلة النهضة الحضارية. كما أن المسلمين في زمن سقوطهم كانوا يبتعدون عن دينهم وكان الأوربيون في زمن نهوضهم، يجددون تمسكهم بدينهم كما سنبينه لاحقا.

سقطت الدولة الإسلامية في بداية القرن العشرين عند إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية سنة 1924 بعد أن أفَلت الحضارةُ الإسلامية أربعة قرون من قبل. وقد كانت الفكرة الدينية هي صانعة الحضارة في الأمة الإسلامية في منشئها المشحون بالقيم والقوة الروحية في الدولة والمجتمع في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وحين غلبت العصبية العشائرية مرجعية الشورى الشرعية في الحكم، وصار الحكم لمن غلب منذ عهد الأمويين، ظلت الفكرة الدينية متجذرة في المجتمع، تتحصن بالعلماء العاملين المجاهدين الذين وإن كانوا قد أفتوا بشرعية الحاكم المتغلب تجنبا لاستمرار الفتنة بين المسلمين قد قادوا المجتمع لمنع السلطان من أن يفارق القرآن عبر شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنتج تاريخ المسلمين حكاما صالحين مصلحين وحكاما فاسدين فرض عليهم الجو الإسلامي الغالب بين الناس الالتزام   بأحكام الإسلام في السياسة والحكم بشكل عام، كما قاد علماء الدين النهضة الإسلامية بأنفسهم ببعث حركة الأوقاف التي أطّرت الثورة العلمية الإسلامية ومنحتها استقلاليتها من الناحية المادية واتجاهاتها العلمية بتأسيس الجامعات والإنفاق على الطلبة والأساتذة وأدوات التعليم،  وببروز العلماء الموسوعيين في الشريعة والطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغير ذلك من العلوم، فبقي الوحي والعقل مجتمعان يضمنان استمرار الحضارة في كل مجالاتها، إلى أن انغمس المجتمع الإسلامي ذاته في الشهوات وأصابه الخمول وتسربت إليه اتجاهات القدرية والقبورية فلم يصبح للحكم الإسلامي حاضنة اجتماعية خالصة، تسنده أو تحرصه أو تردعه، فدالت الأيام على دولة الإسلام فسقطت بتآمر اليهود والنصارى، وتحالف النفاق والعمالة والجهالة من المسلمين، وحل محلها الدولة العلمانية التي ربطت مصيرها بقوى الاستعمار فاستدام التخلف وطال أمده.

إن المتمعن في تاريخ الحضارة الإسلامية يلحظ تطورها بين النهوض والفتور والسقوط بقدر قربها أو بعدها عن الدين. كما أن الشعوب التي احتوتها الحضارة الإسلامية من عرب وعجم لم يكن لمجملها في يوم من الأيام شأن في التاريخ بغير الإسلام، خصوصا الشعوب العربية والتركية التي تداولت الخلافة الإسلامية العالمية.

لم تشمل الحضارة الإسلامية دولة واحدة، بل تعاقبت عليها دول كثيرة من عرب وعجم، وقد خضعت كل تلك الدول إلى نظرية التداول التي أبدعها ابن خلدون حين حدد مراحلها الخمس وأجيالها الثلاثة، وكان الجيل الأول بعد النبوة يُخضعُ مطلبَ العصبية، الضرورية لاستقرار الدولة الناشئة،  للفكرة الدينية المنشئة للحضارة الخالدة،  فكان الجيل الأول – مؤسس الدولة – على نحو ما قاله ابن خلدون جيل البداوة والبسالة والشجاعة والتقشف والاكتفاء بالضروري من العيش في أحوالهم، يشتركون جميعا  في المجد، لم يغرهم ما بُسط لهم من ملك وعز ورفاه عبر الفتوحات التي أطلقوها، يتمسكون بالفكرة الدينية ويمثلونها أحسن تمثيل، ثم جاء مَن بعدهم فانتقلوا بالدولة  إلى الحضارة وإحكام الصنائع والإبداع في العلوم باسم الدين فكانت لهم في البداية قوة وازدهار وهيبة ثم جاء من انشغل بالتفنن بملذات الحضارة والانشغال بمنتجاتها بدل الزيادة فيها فبلغ الترف فيهم غايته فنسوا تضحيات جيل التأسيس وظنوا أن النعيم مخصوص لهم من السماء ففسدت أخلاقهم وطباعهم وانسلخوا عن هدي دينهم وانقلب التناصر بينهم إلى تنافر وتترسوا بالجند والعسكر، لا ليزيدوا في الفتح والملك ولا ليقهروا به طالب ملكهم من الخارج، ولكن ليتصدوا إلى بني قومهم ممن لم يعجبهم حال أمرائهم، ثم استعانوا بالموالي ثم بأطراف خارجية على بعضهم بعضا فكانت النهاية. ولعل مما ساهم  في إطالة حضارة الإسلام ودوام سلطانه تداول العصبيات والأعراق على الحكم باسم الإسلام وفق نظرية التداول الخلدونية، فكانت كل دولة حديثة تجدد أمر الأمة وتحمل على عاتقها عز الإسلام ومجده وتُوسِّع جغرافية الإسلام وتزيد في عدد معتنقيه وحجم موارده وخيراته ثم تشيخ وتُهزم وتسقط داخل إطار الأمة، وكان كل قادة دولة حديثة يبررون  طلب الملك لإزالة الظلم والفساد وحين يُمَكَّنون  يحاولون فعل أحسن مما فعل من قبلهم حتى كانت النهاية في آخر عهد الدولة العثمانية بكثرة الخَبث في الداخل والتنكر التام للدين من فئات من المسلمين وبتصاعد قوة الأمم الغربية الصاعدة الساعية لإزالة حكم الإسلام واستعمار بلاده، وحينما جاء الرجل الصالح عبد الحميد الثاني للحكم كان سهم الانحدار قد بلغ القاع فلم يكن تحويل اتجاهه نحو الأعلى ممكنا.

ولو ننظر إلى أمر الحضارة الإسلامية بشكل أوسع بغض النظر عن الدول التي تداولت فيها لفهمنا علاقة الدين بنهوضها وسقوطها وفق البيان الذي رسمه مالك بن نبي عن تداول الحضارات في كتابه “شروط النهضة ” حيث يعتبر أن المرحلة الأولى في كل حضارة هي مرحلة الروح التي تضمن نشأتها، ثم تعقبُها مرحلة العقل التي تصنع منتجاتِها، ثم تليها مرحلة الغريزة التي تتسبب في نهايتها.

يضع مالك لشروط النهضة ثلاثة عناصر: التراب ( ويقصد بها الإمكانيات المادية الطبيعية) والوقت والإنسان، ولكن لكي تتفاعل هذه العناصر الثلاثة بشكل إيجابي ولكي تكون مؤهلة لصناعة النهضة يجب أن توفر مركبٌ (catalyseur) أساسي يتدخال بينها وهو مركب “الفكرة الدينية”. ويعتبر مالك بن نبي أن الفكرة الدينية عملت عملها في أجواء المدينة بعد الهجرة النبوية الشريفة،  ولكن  تغير حالها بعد ذلك في أجواء معركة صفين التي نقلت الأمة من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض ثم كانت نهاية الحضارة الإسلامية مع إنسان ما بعد الموحدين حيث انتشر الخمول والعجز في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر.

يؤكد فطاحلة علم التاريخ والاجتماع و تداول الحضارت ، ابتداء من  ابن خلدون – مؤسسه الأول – الذي يقول :” أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها”  إلى  علمائه الكبار وفلاسفته المشهورين، أمثال توينبي الذي يعتبر أن : التفسير النهائي للتاريخ تفسير ديني في جوهره”  والمؤرخ الفرنسي فرانسوا جيزو والفيلسوف كسرلنج الذي يعتبر “أن الروح المسيحية ومبدأها الأخلاقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوربا سيادتها التاريخية” ،  إلى فيلسوف الأمة مالك بن نبي صاحب نظرية ” مركب الفكرة الدينية”  أنه لا نشوء للحضارات بغير الباعث الديني. ويمكننا أن نضيف فنقول أن تأثير الدين في الحضارات بعد نشوئها من حيث عدلها ونفعها للإنسان ومن حيث طول وجودها مرتبط بصحة الفكرة الدينية ذاتها. فلما كانت الفكرة الدينية الإسلامية مصدرها الوحي الصحيح المحفوظ من التحريف استطاعت أن  تصنع حضارة إنسانية عالمية أدمجت كل الأعراق والأجناس في قيادتها منذ لحظتها الأولى، وحين نُقلت إلى الناس عبر الفتوحات والدعاة تركتهم أحرارا في اعتناقها، وكانت الفكرة الإسلامية هي الدافعة للتفكر في النفس وفي ملكوت السماوات والأرض،  وهي التي جعلت العلم والتعلم من أزكى العبادات كما جعلت التعلم طريقا للإيمان. ولهذه الدوافع الإيمانية لم يستقل العلم عن الإيمان في الإسلام أبدا، ولم يجاف العقلُ الوحيَ مطلقا،  بل على العكس من ذلك توقف  العطاء العلمي وفتُرت الحضارة حين ضعُف الإيمان وانغمس المجتمع في الملذات. وحين حوربت الفكرة الدينية في الدولة غرقت الأمة كلها في التخلف.

قد يجادل البعضُ بأن الحضارة الغربية نشأت على غير دين وأنها إنما لمعت حين انفصلت عن الدين من خلال الفكرة العلمانية، وهذا تفكير خاطئ يخالف حقائق التاريخ التي تؤكد بأن الحضارة الغربية نشأت على أساس الديانة المسيحية، وأن الانفصام النكد بين العلم والإيمان، وبين السياسة والدين، طرأ لاحقا في وقت مبكر بسبب انحراف الفكرة الدينية المسيحية وهذا الذي سنُبيّنه في المقال المقبل بحول الله. 

 

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى التأسيس.. بعض المعلومات للأجيال

قمنا في الندوة التي نظمت بمناسبة الذكرى 19 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله بتكريم الحاج لخضر بكار، كمبادرة أولى لتكريم المؤسسين الأحياء منهم والأموات رحمهم الله تعالى. والحاج بكار أهل لأن يُكرم، فهو من أبرز وأهم المؤسسين لحركة المجتمع الإسلامي (حركة مجتمع السلم حاليا)،

وكان مساندا للشيخ محفوظ بالرأي والمعلومات وبعلاقاته الممتدة مع رموز الثورة التحريرية والقادة السياسيين الكبار الذين كانوا مع هواري بومدين، كما دعمه بالمال والإمكانيات المادية حيث كان المقر الوطني الأول للحركة – ولسنوات عديدة – ملكا له في بلكور، وهو المقر الذي اتُّخذ فيه قرار تأسيس الحزب بعد نقاش بيننا صعب ومعقد غادر على إثره الحركةَ رجالٌ أفاضل من المؤسسين التاريخيين.

حينما زرت الحاج بكار لأخبره عن نيتنا لتكريمه تأثر كثيرا وأخذ يقص لي بعض القصص المفيدة والمؤثرة عن علاقاته وأعماله مع الشيخ محفوظ والعديد من الأشخاص الذين كان على علاقة بهم، وعن رأيه وتقييمه لكثير من التحولات التي عرفتها الحركة، ومن أبرز ما حدثني عنه بعض الإجراءات التفصيلية في ملف التأسيس الذي سُلم للداخلية. سلمني بعد ذلك وصل تأسيس الحركة والقائمة الإسمية للأعضاء المؤسسين، وتعود أهمية الوثيقة أنها مكتوبة بخط الشيخ بوسليماني كما أخبرني.

طلب مني الحاج بكار أن أعلق القائمة في المقر ورأيت مفيدا أن أنشر الوصل والقائمة لإعلاء شأن السابقين خاصة الذين تحملوا عبء قرار تأسيس الحزب في مواجهة النقد اللاذع من داخل الصف وخارجه والتهديات الكبيرة تجاه الموقف في ذلك الوقت وهي فرصة للتذكير ببعض تفاصيل تأسيس الحركة قانونيا.

بعد تأسيس الحركة أصبحت – كحزب سياسي قانوني- هي الواجهة العلنية للجماعة (بعدما كانت جمعية الإرشاد والإصلاح هي الواجهة القانونية). بقيت الجماعة تعمل في السر ( كما كانت كل الحركات السياسية في زمن الحزب الواحد) ولكن بعد سنوات قليلة تمت عملية التكييف والدمج للخروج نهائيا للعلن، وقد تم اختيار كلمة “حركة” بدل كلمة “حزب” لنبقى في دائرة المهمة الإصلاحية والاستنهاض الحضاري فكريا وسياسيا ومجتمعيا، كما نحن عليه إلى الآن بحمد الله، وقد خضنا الانتخابات الرئاسية سنة 1995 بهيكل مدمج واحد كما نحن عليه الآن مع التطويرات الهيكلية مرحلة بعد مرحلة.

كان الشيخ بوسليماني هو رئيس لجنة إعداد إجراءات التكييف ودمج الجماعة مع الحزب وقد تشرفت أن أكون معه في اللجنة وكانت النقاشات التي خضناها في الموضوع هي بداية اهتمامي الفكري بالتطوير الهيكلي والإداري للحركة الإسلامية والذي عرف تقدما مميزا في السنوات الأخيرة.

وللتذكير أسس الشيخ محفوظ نحناح جماعته في ولاية البليدة وكان موقع قدمه في العاصمة في بلدية المَدنية أولا، وبعد أن دخل السجن توقف نمو انتشار جماعته لصالح جماعات إسلامية أخرى، وبعد خروجه من السجن سنة 1981 استأنف نشاطه بحيوية كبيرة فالتحق به أنصار كثر من مختلف الولايات كانوا قد أسسوا أنفسهم على أساس الفكرة دون أن تكون لهم علاقة بالشيخ محفوظ نحناح، ولكن الحتقوا بجماعته على خلفية الفكرة التي كان يحملها والمنهج الذي كان يتبعه وبسبب شخصيته الجذابة وبيانه المؤثر، وضمن سياقات تاريخية عملت لصالحه، ولم تكتمل عشرية الثمانينات حتى صارت جماعته الأقوى والأظهر في الجزائر.

سبق لي أن تحدثت عن كثير من تفاصيل هذه المسيرة سنة 2016 في سلسلة برنامج مراجعات على قناة الحوار اللندنية مع الأستاذ عزام التميمي حفظه الله، ولكن كان حديثي ضمن إطار عام فقط، وقد أعود في وقت لاحق ( أو في وقت قريب إذا تطلب الأمر ذلك) لأكتب مزيدا من التفاصيل وأدلي بشهادتي عن التأسيس والمؤسسين في الولايات التي نشطت فيها في النصف الثاني من السبعينات وعقد الثمانينات، خصوصا في ولاية المسيلة ثم ولاية سطيف وولاية برج بوعريريج وولاية بجاية وكيف تعرفنا على الشيخ محفوظ نحناح رحمه، وعلاقتي بالعمل الإسلامي في مختلف الجامعات والولايات آنذاك، وكيف كانت العلاقة مع الشيخ محفوظ وكيف تطورت، ومن وجدناه معه وكيف كانت جماعته وكيف تطورت، وكيف كانت الجماعات الإسلامية الأخرى وكيف كانت العلاقة بينها.

اقترح علينا أحد الأفاضل أن ننظم لقاء عاما للمؤسسين على المستوى المحلي، وربما نطلب من هؤلاء الأفاضل أن يكتبوا حقيقة ما عاشوه في فترة التأسيس، كل في بلديته وولايته وكيف التحقوا بجماعة الشيخ محفوظ، حتى لا نستأثر نحن، المعروفين، بكتابة تاريخ الحركة الإسلامية في بلادنا. وسيكون في ذلك فائدة للأجيال المستقبلية، ضمن تطورات جارية ولاحقة سيتغير فيها كل شيء.

 

د. عبد الرزاق مقري

في الذكرى 12 لأسطول الحرية

مرت البارحة الذكرى 12 لملحمة أسطول الحرية، وكان أسطول الحرية محاولة تاريخية لكسر الحصار على قطاع غزة من خلال توجيه عدد من السفن المحملة بالبضائع من مواد غذائية وأدوية ومواد بناء ولعب أطفال وغيرها نحو غزة بمشاركة قرابة 700 ناشط من أكثر من 40 دولة من مختلف أنحاء العالم.

وقد كان الوفد الجزائري من 31 فردا هو الأكثر عددا بعد الأتراك، وشاركنا بسفينة محملة بالبضائع هي الأكبر بعد سفينة مرمرة، كما ساهمنا في اقتناء سفينة أخرى للركاب.

شرفني الله تعالى بأن كنت عضوا في اللجنة التابعة لحركة غزة الحرة الدولية التي خططت للحملة رفقة منظمة الإغاثة التركية، وكان معي في اللجنة الشيخ أحمد الإبراهيمي، وبعد ذلك توليت رئاسة الوفد الجزائري الذي ضم أفاضل الناس من النساء والرجال والشباب، من القادة الأخ العزيز محمد ذويبي الأمين العام السابق لحركة النهضة الذي أصيب في عينه أثناء الهجوم علينا، ومن الشباب النائب الحالي عز الدين زحوف الذي صنع لنفسه مكانة مرموقة في الحراك الشعبي ثم في العمل النيابي، وكذا ابني مصطفى مقري الذي سلط عليه الصهاينة أذى شديدا، واستطاع تهريب كثير من المواد الإعلامية ذات الفائدة الكبيرة في رقائق دسها في أماكن خفية في ثيابه، وقد أظهر الوفد كله بسالة وشجاعة أشادت بها الوفود الأخرى في محاولات صد ركوب جنود lلاحتلال السفينة ولم يترك الجزائريون مكانهم حين هجم الجيش الصـهيوني على السفينة حتى ألقي القبض على الجميع وتم تكبيل أيدينا واقتيادنا إلى سجن بئر السبع وللعلم تم الهجوم على القافلة فجر يوم 31 ماي 2010 حيث اقتحمت قوات خاصة تابعة للبحرية lلإسرائيلية في المياه الدولية فجر الاثنين كبرى سفن القافلة “مافي مرمرة” التي كانت تحمل 581 متضامنًا أغلبهم من الأتراك ومن حركة غزة الحرة – كان ضمنهم الوفد الجزائري كله – حقق أسطول الحرية نتائج كبيرة في تحويل الرأي العام العالمي لصالح غـزة والقضية الفلسـطينية ودعم ثبات الفسطينيين وزاد في عزيمة النشطاء وإطلاق زخم كبير لقوافل كسر lلحصار البرية، ومحاولات أخرى بَحرية، كانت الجزائر حاضرة فيها، ابتداء من قافلة شريان الحياة 5 التي شاركنا فيها بعشرات النشطاء وبأربعين سيارة إسعاف وحمولات كبيرة من مختلف البضائع، ثم وجهنا أكثر من 40 قافلة أخرى بحمد الله، ولا تزال مجهودات دعم القضية lلفلسـ.طينية قائمة بمختلف الأشكال.

كُتبت كثير من الإسهامات والكتب وأشعر بكثير من التفريط في عدم تدوين تفاصيل هذه الغزوة العظيمة التي كنا فاعلين فيها وليس مجرد متابعين وكاتبين عنها، ونسأل الله أن يعيننا على الاستدراك وأن يتقبل من الجميع.

د. عبد الرزاق مقري

علامات التوفيق في رمضان

رمضان .. أحلى وأمتع وأنفع الشهور. ربح فيه المجدون المحظوظون، وإن للظفر ببركته وخيره وفضله لعلامات بديعة وأمارات جليلة تظهر في حال الصائم بعد رمضان.

أول ذلك حال الشعور النفسي بالراحة والطمأنينة والسكينة، وامتلاء القلب بالرحمة والعطف والرقة، والشعور بالقرب من الله تعالى، وانجذاب النفس للخير وحب المؤمنين، ثم الإدراك العقلي بعدم أهمية أي شيء ما لم يكن موصولا برضوان الله ونصرة الدين وخدمة المسلمين، الأقرب فالأقرب على نهج المصطفى الأمين. ثم النفور من المعصية ومما يقرب من فساد الدين والفتن والفسوق والعصيان، ثم رسوخ أساسيات الطاعة والعبادة في السلوك اليومي كعادات متأصلة لا يأتي عليها الزمن ولا يفتها ولا يزعزعها بإذن الله، والمسارعة بقدر الإمكان في الاستزادة في ذلك بعون الله، مع التوبة والإنابة السريعة بعد كل كبوة، إذ دوام الحال الواحد من المحال، وإنما العبرة في أغلب ما يستقر فيه الحال، إلى أن يأتي رمضان المقبل بحول الله فيعيد المؤمن الكرة لترميم ما فسد من طبعه والتزود من أجل الارتقاء في مدارج السالكين أكثر وأكثر. ومن قبَضه الله عز وجل قبل ذلك وهو على ذلك قُبِض على خير عظيم. ولا يأْس ولا قنوط لمن لم يحظَ بوافر تلك النعم الظاهرة في شهر رمضان، فلا أحد يدري من المقبول، كثير العبادة أم قليلها، ورب عمل قليل تعظمه النية، وفرص الإنابة قائمة في كل لحظة وفي كل حين، فرب شهر رمضان هو رب سائر الشهور والأيام. والله نسأله أن يطيل أعمارنا، من جدّ منا ومن قصّر، حتى ندرك شهر رمضان المقبل فننال فيه جميعا أعلى وأفضل وأجل ما يُدرك المؤمن من الخير والبر والرحمة والرزق والصحة والعافية والهناء، وندعوه عز وجل أن لا يدركنا الشهر المقبل إلا وقد بات حال أوطاننا وأمتنا على أحسن حال، ولعلنا نرى فتحا عظيما في فلسطين. آمين.

 

عبد الرزاق مقري

التدين الصحيح

التدين الصحيح هو أن تسلم النيّات والمقاصد لتكون لله، وأن يعمر القلب بحبه سبحانه وحب رسوله والمؤمنين وبالخوف منه عز وجل والرجاء فيه وحسن الظن به، وأن يتحقق الإيمان بالغيب ويصح الاعتقاد على نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهو خلو الفؤاد من كل أنواع الشرك الكبير والكفر والنفاق، وكل أنواع الشرك الصغير، كالرياء، والحلف بغير الله واعتقاد النفع والضرر عند غيره عز وجل، و سلامة الصدر من الآثام القلبية كالحقد والحسد والكبر والشحناء والبغضاء، وهو مع ذلك اجتناب معاصي الجوارح كلها، والتوبة الدائمة عند كل تقصير، والالتزام بأركان الإسلام الخمسة جميعها، كلما وجبت وحان وقتها، وجعل الصلاة منها محور الحياة وبوصلة الاهتداء، ثم المسارعة لمختلف الطاعات والعبادات على طريق الوِلاية والرضوان بقدر الاستطاعة والإمكان، مع بذل الحقوق للغير والعدل في الناس، قريبهم وبعيدهم، ومع الحيوانات وسائر الدواب و كل مكونات المحيط، وحسن الخُلق، وعدم الظلم والعدوان، واجتناب المحرمات في المعاملات كالربا والرشا والنهب والغصب والغش والتزوير والتدليس والسرقة والضرر والفساد أو الإعانة على ذلك، مع تعلم المعلوم من الدين بالضرورة أو سؤال أهل العلم في ما يجب من أمر الدين، وإتقان العمل وحفظ الأمانة، والصدق في القول والعمل، والاستزادة في العلم بقدر المستطاع، والسعي لفهم الحياة والقوانين والسنن الاجتماعية والتدبر والتذكر في الآلاء، والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق المقاصد والضوابط الشرعية المعتبرة، المعلومة عند العلماء الصالحين المصلحين، والاهتمام بالشأن العام وإصلاح الأوطان والمساهمة في نموها وتطورها وازدهارها وفق الاستطاعة والمقدور عليه، ومقاومة الظلم وانتهاك الحقوق وموالاة الله ورسوله والمؤمنين دون غيرهم، وحب الخير للبشرية جمعاء، والحب في الله والبغض فيه، والسعي لإسعاد المسلمين وتوحيدهم ونهضتهم وارتقائهم الحضاري، وتخليصهم من الاحتلال والعدوان، والمساهمة في نصرة فلسطين إلى أن يتحقق النصر والتحرير.

 

د. عبد الرزاق مقري

غزوة بدر ننصر الله كما يريد لا كما نريد

حينما يقرأ المؤمن القرآن بتدبر تمر عليه آيات وكأنه يقرأها لأول مرة، ويستنبط منها من المعاني والعظات ما لم يدركه من قبل، وربما لم يقرأها في أي تفسير. فالقرآن ثابت في لفظه وفي معانيه اللغوية العربية، وأحكامه القطعية الدلالية وما فسره رسول الله صلى عليه وسلم في الحديث صحيح وما أجمع عليه العلماء. غير أن معانيه، في إطار ذلك تتجدد، وفق النوازل المتجددة وأحوال الناس المتتالية عبر الأزمنة والأمكنة، بل يجد كل فرد فيه ما يؤنسه ويقوده ويوجهه حسب كل مرحلة من مراحل حياته.
وكذلك هي السيرة النبوية، ليست حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم قصصا جامدة تُتلى وتحفظ للبركة أو المتعة، أو تفهم فهما تقليديا جامدا بل هي منهاج للحياة، ومفاتيح لفتح الأبواب المستعصية، و قصص نموذجية للقياس عليها والتأسي بها في مختلف مناحي الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال الله تعالى: (( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)الأحزاب)). وقوله : (( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .. 157 الأعراف)). والأمر بالتأسي برسول الله موجه للمسلمين إلى قيام الساعة، فلا شك عندئذ أن كل الأمم والأفراد، عبر الأزمنة والأمكنة، سينتفعون من حياته عليه الصلاة والسلام في حياتهم كأفراد وجماعات، في القضايا الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية، والسياسية، والدولية وغيرها.
لقد درستُ السيرة النبوية في وقت مبكر من حياتي، ودرَّستُها مرتين في الثمانينات في مسجد الجامعة بسطيف وفي بعض مساجد بلدية المسيلة، ومع ذلك لا تتوقف المعاني الجديدة التي تخطر ببالي كلما تناولت نصا من نصوصها حسب الأحوال والأوضاع التي أمر بها، وكأنني أطلع عليه لأول مرة.
فلو أراد مُطّلع على السيرة النبوية، منخرطٌ في الكفاح على منوال كفاح رسول الله أن يكتب كتابه في السيرة النبوية لأخرج للمسلمين، ربما، نسخة جديدة فيها من المعاني ما لم يتناولها غيره،
فلو تحدثنا عن غزوة بدر فقط لأمكن كتابة كتاب خاص بها لما فيها من عبر وحكم وملح وعظات لا تتوقف.
وقد رأيت أن أتطرق، بمناسبة ذكرى غزوة بدر هذه السنة إلى جانب واحد من محطاتها المفيدة المشوقة، وهي المحطة التي وصفها الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الانفال في قوله تعالى: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)).
تتحدث هذه الآية عن وضعية صعبة ومعقدة وخطيرة وقع فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم، حيث أن رسول الله حاول اعتراض قافلة قريش وهي متجهة إلى الشام ليسترجع المسلمون شيئا من أموالهم التي صادرها المشركون في مكة غير أنه حينما وصل مكانا يسمى (ذا العشيرة) وجد العير قد فاتته منذ أيام، وبقي يترقب رجوعها وهو في المدينة إلى أن علم بأنها في طريقها من الشام إلى مكة محملة بأموال وبضائع كثيرة.
لم يدع رسول الله إلى النفير العام وجعل الخروج معه في هذه المهمة على الخيار، ولم ينكر على من لم يخرجوا. ولما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين لملاقاته أرسل رجلا معه اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري ليسرع إلى قريش فيخبرهم بأن أموالهم في خطر وغيّر وجهة العير نحو الساحل البحري. أعدت قريش العدة وخرجت بجل بطونها وزعمائها يقودهم أبو جهل ومعه نحو ألف وثلاثمائة مقاتل، ومائة فارس، وستمائة درع وجمال كثيرة. وعندما تأكد أبو سفيان من نجاة القافلة أرسل إلى قريش يدعوهم إلى الرجوع فلم يجيبوه وعزموا على القتال حيث أدركوا أن تهديد قوافلهم يمثل خطرا على اقتصادهم فلا بد من استئصال شأفة المسلمين حتى لا يقدرون على ذلك في مقدم الأيام.
حين علم الصحابة بقدوم جيش عظيم إليهم خارج ديارهم، اشتد الأمر على بعضهم وخافوا هذا اللقاء الدامي الذي لم يكن في الحسبان، فهم لم يخرجوا بسلاح الحرب إذ لم تكن معهم إلا سيفوهم التي تكفي لاعتراض عير قريش فحسب، وكان عددهم بنحو ثلث عدد جيش الكفار في حدود بضعة عشر وثلاثمائة رجل، ولم يكن معهم إلا فارسان. فأنزل الله الآيات السابقة ليعالج الموقف ويؤكد حقيقة لزم على المسلمين أن يتمثلوها إلى يوم الدين وهي أن الله تعالى هو من يقدر كيف تكون تفاصيل مناصرة الدين، وما على المسلمين إلا تسديد نواياهم، وإعداد ما استطاعوا من العدة، وأن يتأهبوا دوما للجهاد والكفاح ولو في أسوء الظروف.
لم يكن في بيعة العقبة الثانية ما يلزم الأنصار بالقتال خارج ديارهم إذ عاهدوا رسول الله على نصرته في يثرب، فتقصّدهم رسول الله في المشورة حيث لم يكتف بظهور إصرار المهاجرين على القتال حتى تكلم سعد ابن معاذ حامل لواء الأنصار في الغزوة قائلا:
((إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحرَ لأخَضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَاد لفعلنا – رواه مسلم)) فعزم نبي الله صلى الله عليه وسلم عندئذ على لقاء العدو قائلا: «سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)).
إن الآيات التي نزلت في هذا الشأن لم تكن تقصد قادة وأبطال المهاجرين والأنصار، ولكن كانت موجهة إلى صنف من المسلمين موجودين في كل زمن، لا يرغبون في العمل لصالح دينهم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكفاح من أجل أوطانهم وقضاياهم إلا إذا لم يكن ثمة خطر، ويكبر عليهم دوما الفرق في القوة بينهم وبين أعدائهم أو خصومهم، وبعضهم يُكثر الإرجاف والجدال في صفوف المؤمنين العازمين على الكفاح في الظروف الصعبة، باتهامهم بالتهور تارة، وقلة الحكمة تارة. وإن هي في حقيقة الأمر إلا نفوسهم الضعيفة وعزائمهم المنكسرة وهممهم الهابطة، أو حرصهم على الدنيا بالمحافظة على مكاسبهم الشخصية وطموحاتهم المَخفية، بالرغم من أن المعارك التي يخوضونها في هذا الزمن سلمية ضمن منهج سلمي وسطي لا خطر داهم عليهم في أرواحهم وأموالهم كما كان حال الصحابة الذين رهبوا القتال فنزلت فيهم الآيات تلومهم وتصحح معتقدهم وتقوّم نفوسهم. ولو نظر هؤلاء الذين يشترطون على الله في ظروف المواجهة إلى سِيَر الكبار والعظماء لرأوا بأن حياتهم كلها محاطة بالمخاطر وأنهم لم يصنعوا التاريخ إلا بخوض غمار المصاعب والأهوال، وما جُعلت الجنة إلا محفوفة بالمكاره.
لا شك أن المسلمين مطالبون بأن يسألوا الله العافية وأن لا يتمنوا لقاء الكريهة ولكنه سبحانه طلب منهم، في نفس الوقت، أن يثبتوا إذا اختار لهم غير ما يريدون في حياتهم النضالية، فليس من التوكل على الله وليس من توقيره والحياء منه أن يشترط المؤمن على الله ظروفا مخصوصة لكي يقوم بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا بيّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قائلا: (( لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا )).
ومن صبر وثبت فإن وعد الله بالنصر قائم إلى يوم القيامة، النصر في الدنيا والفوز يوم القيامة. يقول الله تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) غافر)).

د. عبد الرزاق مقري

رمضان: نغير العادات لنثبت على الطاعات

إن رمضان هو شهر الخير والبركات، من كان قبله مجدّا وكانت الطاعات والعبادات في حياته عادات يزداد فيه فضلا حتى يكون عمره كله في البر والتقى والأعمال الصالحات، ومن أقبل عليه رمضان وكان من قبل مقصرا، فليغتنم مِنحَ الشهر الكريم وأجواءَه، لكي يغير عاداته فتتغير بعده حياته.

إنما حياة الإنسان عاداته، فمن تعود الخير سهُل عليه فعله، ومن تعود الشر غلب الرّان على قلبه، وبات اقتراف الآثام عنوان حياته. ومن ألف العجز والكسل صعُب عليه النهوض للمعالي، ولو لم يكن من الآثمين، واستغرق أجله في التوافه والاهتمامات الدونية، والرغبات الصغيرة، ويظل الارتفاع بهمته كمن يصعد الجبال الشاهقة، فلا يحظى بمكانة بين السابقين السابقين.

ولا يكون الإنسان هكذا أو هكذا أو هكذا إلا بما تعوّده وألف عمله.

لقد جعل الله شهر رمضان فرصة لتغيير العادات، فهو دورة تربوية سنوية دبّرها المدبر سبحانه لنصحح مسارنا ونغير حالنا، وذلك وفق منح ربانية وتشريعات إلهية منها الذي يلي:

١ – تصفيد الشياطين وترك المؤمن بينه وبين نفسه الأمارة بالسوء فحسب حتى يسهل عليه التحكم فيها، فلا تعينها عليه وسوسة الشيطان. فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ) رواه البخاري (3277) ، ومسلم (1079).

وفي رواية لمسلم: ( وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)

٢ – تحديد الهدف من الصيام، وهو تقوى الله، بما يجعل الصائم يحاسب نفسه أثناء ليله ونهاره هل هو يقترب نحو الهدف أم لا، إذ قال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة 183))). والتقوى حالة قلبية يصفّى فيها الفؤاد من النوايا السيئة وأنواع الشرك الصغير والكبير، والحسد والأحقاد، وسائر الآفات المعلومة لدى الله تعالى المخفية عن الناس، وما تكون عليه الجوارح من إقبال على الطاعات وابتعاد عن المعاصي والموبقات.

٣ – اختيار رمضان ليكون شهر القرآن وتوجيه المؤمنين فيه إلى الانشغال بآي الذكر الحكيم، إذ تدبُّر القرآن في التلاوة والتراويح والقيام هو بالنسبة للمؤمن بمثابة المراجعة الشاملة لنفسه وحالها وحقيقتها، بعرضها، مرة في السنة على الأقل، على الهداية القرآنية الموجهة للناس حتى يبين لهم الحق من الباطل ويفرقوا بين ما ينفعهم وما يضرهم، يقول عز وجل: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)).

٤ – التحذير الشديد من فساد الصيام باقتراف الموبقات والمعاصي وتشديد العقوبة عليها في رمضان. عن أبي هريرة رضي الله عنه، ((مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) أخرجه البخاري.

٥ – الترغيب في المسارعة في العبادات وسائر القربات وتعظيم الأجر والثواب في ما يقوم به الصائم. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل عمل أبن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) [أخرجه مسلم 2760]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه [البخاري 38، ومسلم 1817]

٦ – جعل رمضان شهرا اجتماعيا للأنس والمودة والتضامن، وللتآزر المتبادل بين المؤمنين على الطاعات، بالإقبال الكبير على الصلوات في المساجد والتراويح والقيام وحلقات الذكر والمواعظ، والتنافس على الصدقات وإطعام الصائم، والاجتماع العائلي على موائد الإفطار، فيكون ذلك الجو العام دافعا على الخير للجميع، مشجعا للأضعف غير المتعود على العبادات، قاهرا للمتمرد الأجرء على الموبقات.

٧ – جعل المؤمنين جميعا، فقيرهم وغنيهم، ينخرطون في عملية تضامن عالمية، هي الأكبر والأشمل في تاريخ البشرية وإلى يوم القيامة، وهي زكاة الفطر التي يجبر بها الله ما نقص من الطاعات ويزكي بها ما صلح من الأعمال، وينزل بها الرحمة في قلوب ومجتمع المؤمنين،

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين” (رواه البخاري ومسلم).

٨ – جعل الله شهر رمضان شهر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو شهر غزوة الفرقان، غزوة بدر، التي غير الله بها مجرى التاريخ وانتقل الإسلام بها من حالة الدفاع إلى الغزو والفتوحات، ثم معارك حاسمة أخرى في التاريخ الإسلامي ومنها فتح مكة، القادسية، فتح عمورية، فتح الأندلس، معركة الزلاقة، عين جالوت، ومنها كذلك حرب أكتوبر. بما يجعل المؤمن يدرك بأن رمضان هو شهر لنصرة الإسلام وبما يدفعه إلى التأمل في حقيقة ما يقوم به لصالح دينه وأمته.

إن كل هذا التدبير الرباني في شهر واحد جدير بأن يغير حياة المؤمن الصائم لو أدرك معانيه والتقط خيطه الرحيم واتبع سبيله، فاغتم تصفيد الشياطين ليتسلط على نفسه فيعوّدها كره المعاصي وتجنبها، وحب الطاعات والإقبال عليها، مركزا على الهدف الأوحد بأن يخرج من الشهر وقد صار مؤمنا تقيا، مستعينا بتطييب قلبه بقراءة القرآن وتدبره، يعلق قلبه بالمساجد، يأنس بصحبة المؤمنين ويتقوى بهم في التراويح والجماعات، يأنس بالخلاوات مع ربه، وقيام الليل في سربه ومع أهله، يعوّد لسانه على ذكر الله ذكرا كثيرا قائما وقاعدا وعلى جنبه، يسعى لأن يكون لطيفا بأهله مسامحا غيره، مشفقا على الفقراء والمساكين والمحتاجين، يبذل من ماله، معسرا كان أو ميسرا، موقنا بأن ما يقدمه من خيرٍ الله يخلفه، يكثر الدعاء لنفسه وأهله وبلده وأمته، ولفلسطين لعل الفتح والتحرير يكون قريبا إذ لاحت أماراته، ينخرط بما يستطيع في فعل الخير العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة المصلحين في ما يبذلونه.

إن الثبات بعد شهر الصيام، ومواصلة الطريق على النهج الرمضاني العام في سائر الشهور يتحقق لو تحولت الاستقامة إلى عادة، وأكبر الخسران أن يكون الإقبال على الطاعات في رمضان مجرد طفرة طارئة عابرة يدفع إليها الجو العام ويساعد عليها تصفيد الشياطين. فلنسدد المقصد في هذا اليوم الأول من الشهر ولنعزم على تغيير أنفسنا إلى الأبد والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى الحراك: كلمات للتاريخ وأخرى للمستقبل

عبر الحراك الشعبي الجزائري عن رفض شعبي عارم للنظام السياسي بكل تفاصيله، ولكن لم يكن يوم 22 فبراير 2019 الذي نعيش ذكراه الثالثة هو اليوم الذي كره فيه الجزائريون منظومة الحكم فجأة، بل كان اللحظة التي اجتمعت فيها زوايا الأمل المكسورة عبر سنوات عديدة تعيسة فصارت في يوم واحد بساطا واسعا شمل بلدا شاسعا بحجم الجزائر.

كان الجزائريون في مجملهم ساخطين عن وضعهم، يعبر كل منهم عن حنقه في زاوية خاصة به أو بأصحابه أو مجموعته أو حزبه، لا يكاد أحد يكمل قصته حتى يغلبه الأسى وغياب الأمل فيسكت أو يتوارى ثم كان يوم 22 فبراير فتحدث الجزائريون بصوت واحد متعدد الألوان، لم يضق لون بلون، بل صارت الألوان مجتمعة فسيفساء جميلة أبهرت العالم، وأعجزت الحاكم المتجبر المراوغ.يخطئ من يعتقد بأن الشعب ثار من تلقاء نفسه، كأن طيفا زار الناس في المنام كلفهم بالمسير لتوّهم.

لقد كان الاحتقان يُصنع يوما بعد يوم، تغذيه أشياء عديدة متناقضة في طبعها متعاضدة في فعلها. كان فساد النظام السياسي وفشله هو العامل الأساسي لصناعة الاحتقان، إذ حين يكون الحكام عادلين خادمين لشعوبهم لا يضرهم من ينازعهم الحكم، وحين يفسدون ويفرطون يسهل كشفهم.

ثم كان دور المعارضة التي تحملت مسؤولية كشف التجبر والفساد الذي بلغ عنان السماء وواجهته بلا توقف لسنوات، خصوصا منذ جريمة العهدة الرابعة سنة 2014 قبيل ظهور الانهيارات الاقتصادية وانكشاف الخيانة التامة للوطن، لا سيما حين وحّدت جبهتها عبر تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، فشعر الشعب بأن ثمة أمل يُصنع.

لن ينفع المتسكعين في هوامش السياسة، الركّابين للفرص في لحظاتها الأخيرة، قولُهم أن المعارضة لم يكن لها دور في بناء الاحتقان الذي صنع الحراك الشعبي. إن تلك الحملات السياسية المركزة التي قادتها التنسيقية، من ندوات وتجمعات ومسيرات وتدخلات إعلامية، هي من أبرز ما ساهم في توعية المواطنين وتشجيعهم وتجرئتهم على الوقوف في وجه النظام السياسي.

ومما أعطى للمعارضة مصداقيتها تحقق استشرافاتها قبل أن يَبِين كل شيء بعد انهيار أسعار النفط سنة 2016 واتضاح حجم الفساد حين اقترب أوان إفلاس البلاد. غير أن ثمة سببا آخر يضاف لأسباب الاحتقان، وهو صراعات الأجنحة من داخل النظام السياسي في ظل هشاشة موقع الرئاسة في الدولة، حيث بات القوم يضرب بعضهم بعضا بتحريك أدواتهم في المجتمع وفي المؤسسات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والشخصيات التابعة لهم.

إن القاعدة المرسومة في علم الاجتماع أن قيام الثورات وانفجار الشارع يتطلب بلوغ الاحتقان الشعبي ذروته حتى يصبح كالبرميل القابل للانفجار، ثم تكون حادثة ما تؤدي دور الصاعق فينفجر البرميل. لقد كانت العهدة الخامسة لرئيس مريض مقعد لا يراه أحد، ضاعت في عهدته أموال طائلة لم تستفد منها سوى عصابته واقتصاديات دول أجنبية على رأسها فرنسا، هي صانعة ذروة الاحتقان. فمن أشعل الفتيل لينفجر البرميل؟ حينما يصل الاحتقان إلى الذروة ينفجر الوضع لأي سبب من الأسباب، ويكون ذلك السبب بمثابة الصاعق الذي يُشعل الشرارة المُفجّرة. قد تكون الشرارة حدثا عرضيا، أو عزمة جهة معارضة تركب الخطر وتقتحم الشارع، وقد يكون مُشعّل الفتيل جهة من جهات الحكم المتصارعة، أو يكون الأمر تدبيرا خارجيا.

كل هذا ممكنٌ بالنسبة لحراكنا الشعبي الجزائري، ولكن الذي رأيناه بأعيننا هو أن الذين تنادوا للخروج عبر الوسائط الاجتماعية والاتصالات المباشرة في الأحياء كانوا جزائريين، فعلوا ما كانت تفعله تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، خصوصا في مواجهة العهدة الرابعة والغاز الصخري، دون نتيجة إذ لم يكن الاحتقان قد بلغ مداه القابل للانفجار قبل العهدة الخامسة.

ومهما يكن من أسباب مباشرة فجرت الشارع، ومهما يكن حجم دور هذا المعطى أو ذاك فإن شرعية الثورة الشعبية السلمية كانت كاملة ومصداقيتها تامة، فالذي صنع أسبابها العميقة غير المباشرة هو فساد وتجبر النظام السياسي، لا سيما حينما رفض ذلك النظام المغرور دعوات الحوار للانتقال الديمقراطي فأوجب حينئذ الثورة عليه سلميا بنفسه.

لقد كانت حركة مجتمع السلم حاضرة بفاعلية في الحراك الشعبي، عبر إرسال التعليمات المكتوبة لمناضليها بالاستعداد للخروج للشارع قبل يوم الجمعة، وعبر خطاب مرئي مسموع في ندوة صحفية أياما قليلة قبل الحراك وبنزول رئيسها وقادتها في أول جمعة، وبقائها في الحراك إلى نهايته، بانسجام مع المواطنين وبإعجاز للكائدين.

ولئن كان حضور الحركة وقادتها مسجلا في التاريخ تشهد به التسجيلات والشهادات لمن تهمه هذه التجربة الجزائرية الفذة، فإن دورها الأعمق هو تشكيلها الوعي قبل الحراك، مع شركائها السياسيين، حيث كانت محورا أساسيا للتنسيقية وفي الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تعج به المواقع الالكترونية والوسائط الاجتماعية لمن أراد من الباحثين دراسة دورها وتسجيله في كتب العلم وفي التاريخ لتستفيد منه الأجيال، إذ لا يبقى من الأحداث إلا ما تم القيام به فعلا لا ما تتحدث به الألسنة دون مستندات دراسية فعلية.

وأهم من ذلك محاولتها إنقاذ الموقف قبيل الحراك بمبادرة التوافق الوطني لتحقيق انتقال ديمقراطي متوافق عليه يعبر عن روح مشروع التنسيقية من قبل، يهدف إلى القيام بإصلاحات عميقة قبل تنظيم الانتخابات باستغلال حالة الضعف التي كان عليها الرئيس واغتنام ضعف النظام السياسي تحت وطأة صراع الأجنحة المحتدم على الرئاسة بعد بوتفليقة، وكاد الحلم أن يتحقق لصالح العباد والبلاد لو لا تدميره من جهات صلبة في النظام السياسي، ولو لا الالتقاء الموضوعي ضده بين الأجنحة المتصارعة وبدعم شبكات الحسد البغيضة والغباء المنحط. ثم عادت الحركة مع شركاء آخرين إلى مشروع توافقي من أجل ضمان بناء مسار انتقال وطني صحيح في أيام الحراك هو ملتقى الحوار الوطني في عين بنيان، دون تحقيق نتيجة للأسف الشديد.

لقد آن الأوان، في الذكرى الثالثة للحراك، لنقول بكل وضوح بأن الحراك تم إجهاضه للأسف الشديد في ما يتعلق بأهدافه الملموسه القابلة للقياس، ولم يبق منه إلا روحه التي ستظل تسري في الجسم الجزائري إلى أن تنتقم ذات يوم ممن عمل على إزهاقها.

إن الذين أجهضوا الحراك صنفين من الناس، تحت كل صنف أشكال وألوان. أما الصنف الأول فمنهم الذين أرادوا استغلاله لتكون نتائجه لهم وحدهم ضمن رؤى أيديولوجية علمانية متشددة، بعضهم في “المعارضة” وبعضهم يمثلون قطبا من أقطاب الحكم المتهارشة، ومنهم الذين بقيت الخلفيات السياسية التاريخية الانتقامية تتحكم فيهم، دون أي اعتبار لأهمية الحرية والانتقال الديمقراطي الحقيقي الذي يكون في مصلحة الجميع، أما الصنف الثاني فهم أولئك الذين أرادوا إنهاء الحراك قبل تحقيق أهدافه لأسباب ساذجة سربها لهم أقطاب في الحكم لاستعمالهم في تشتيت الحراك، وفي الأخير انتبهوا لسذاجتهم بعد فوات الأوان حين أدركوا أن خصومهم العلمانيين هم من استفاد من أعمالهم.

لم يكن الحراك ليتحمل الصراع الأيديولوجي، أو أنانيات هؤلاء وهؤلاء، ما كان له من دور إلا أن يوفر ميزان قوة لصالح تجسيد الإرادة الشعبية عبر انتقال ديمقراطي تفاوضي تتحمل الطبقة والشخصيات السياسية إدارته بنجاح كما حدث في دول كثيرة وُفقت ثوراتُها الشعبية.

ولكن للأسف الشديد لم يحدث هذا وكانت النتيجة العودة إلى المسارات الانتخابية المتحكم فيها ليعيد النظام السياسي إنتاج نفسه بنفس المشاهد ونفس الآليات ونفس المخرجات، بل صرنا اليوم إلى أسوء مما كنا عليه. عاد الطارئون على السياسية إلى بيوتهم بعد تعثر الحراك ولم يصبح يُسمع لهم حس، وعاد الانتهازيون إلى مواقعهم وتصرفاتهم، وعادت قوى التشدد السياسي والأيديولوجي إلى النعيق من بعيد، دون أي وجود في الميدان ودون أية فاعلية سوى نشر الأحقاد والأباطيل وتشتيت صفوف الراغبين في التغيير. ولكن، في مقابل ذلك، عادت الأحزاب الجادة والشخصيات المحترمة إلى الكفاح العصيب من جديد، لخلق ظروف التغيير مرة أخرى في مستقبل قريب بحول الله، وهي لا شك موفقة بعونه سبحانه في سيرها ومسيرها وستكون أكثر فاعلية باستفادتها من دراسة أسباب إخفاق الحراك.

إن الشيء الإيجابي في حراكنا الشعبي في ذكراه الثالثة هو ثباته على سلميته وعدم تورطه في الفتنة والدماء، وهذا الذي يعطيه الفرصة ليُطل على الجزائريين من جديد. ذلك أن السنن الاجتماعية المثبّتة في تاريخ البشر والمسجلة في العلوم الاجتماعية أن ثورة الناس إن لم تنجح وكانت دموية لن تعود إلا بعد ثلاثين سنة على الأقل إن دامت أو تكررت أسبابها، أي بعد أن يخرج الجيل الذي قام بالثورة أو تحمل أعباءها القاسية من الفعل بكامله، ويظهر جيل شاب جديد لا يحمل جراحات الصدام السابق يكون أجرء على المطالبة بحقوقه.

أما إن لم تكن المحاولة السابقة دموية شديدة العواقب على الجيل الذي قام بها يستطيع نفس الجيل العودة للثورة من أجل حقوقه في أي وقت تكون أسباب الثورة قائمة.تمنينا أن يستفيد النظام السياسي القائم من تلك الأحداث العظيمة التاريخية التي شرّفت الجزائر والجزائريين وأن يكون قد قدّر واحترم أولئك الملايين من المواطنين الذين بقيت خطواتهم تقرع طرقات الجزائر العاصمة وغيرها من أنحاء البلاد قرابة سنتين، ولكن لم يفعل وبقي يتحايل على أهداف الحراك الشعبي حتى أفرغه من محتواه، ولذلك إن رجع الجزائريون إلى الشارع ذات يوم فإن الذي أرجعهم هو النظام السياسي ذاته حيث هو من ينتج أسبابه العميقة دوما.

غير أنه لا بد للقادة الحكماء الأذكياء في المعارضة أن يمنعوا تكرار التجربة الفاشلة المانعة لتمثيل وتجسيد الإرادة الشعبية الحقة عندئذ، وأن يقفوا في وجه مشتتي الصفوف إذا اجتمعت وممزقي الأمل إن لاح، قادة من أصحاب البذل والعطاء، الذين يعملون أكثر مما يتكلمون، ممن هم على صلة مباشرة ودائمة مع المواطنين في ولاياتهم وبلدياتهم وأحيائهم. قادة قادرون على صناعة المستقبل بالاستفادة من تجارب التاريخ.

 

د. عبد الرزاق مقري

عقلية التحكم عند الحاكم في الجزائر

يسأل كثير من الناس لماذا بقيت الجزائر متخلفة ولم تحقق نهضتها رغم الإمكانيات الضخمة التي توفرت لها بالنظر للموارد الطبيعية الوافرة والخصائص الجغرافية المتميزة، ورغم المكانة الكبرى التي حظيت بها بسبب سمعة ثورتها الكبرى ووقوفها الطويل مع الشعوب التواقة للتحرر.

إن السبب هو، في المجمل، الذهنية الأحادية والنظرة الفوقية الأبوية والنزعة السلطوية لدى الحكام وما يتبعها من حرص على الجاه والمنافع. غير أن ثمة، على الخصوص، صفة انبثقت عن كل هذا، صفة موجودة عند كل الحكام المستبدين، ولكنها مضخمة جدا عند حكام بلادنا. إنها عقلية “التحكم”، الرغبة في التحكم المطلق في كل شيء.

قد يكون الحاكم مستبدا، ولكنه لا ينزع بالضرورة إلى التحكم المطلق في الغير إن كان قويا، يثق في نفسه، وعنده حد مقبول من الكفاءة والقدرة على كسب تقدير واحترام مخالفيه، فيترك هوامش من المجتمع تتحرك بحرية حتى يتطور البلد، ويجد فيه الناس أملا للعيش الكريم ولو بعد حين.

ولكن حينما يكون المستبد ضعيفا لا يثق في نفسه، يصبح يخاف من كل شيء ومن الجميع فينزع إلى عقلية ” التحكم”.إن عقلية التحكم تصبح مدمرة لكل أساسات المجتمع والدولة إذا تحولت إلى ظاهرة مرضية لدى الحاكم يستعملها كأداة أساسية للحكم. لا يصلح معها اقتصاد ولا سياسة ولا اجتماع ولا ثقافة ولا فن ولا رياضة ولا جوار ولا مكانة دولية، وأخطر ما فيها انغلاق الأفق وفقدان الأمل في المستقبل لدى المواطنين.

لقد رأينا في زمان مضى في الجزائر ظاهرة خوف الحاكم من المخالف، أما اليوم فإن خوف الحاكم صار من المجهول الذي لا يُعرف توجهه. وحينما يكون الأمر هكذا لا يمكن لشيء أن يتطور في البلاد. لقد تم التحكم اليوم كلية بمخرجات الشأن السياسي وفرضت موازين قوة حامية للنظام السياسي بشأنه، بواسطة المنظومة الدستورية والقانونية التي فرضت بالأمر بالواقع، وبالتزوير الانتخابي الذي صار مجال الإبداع الأعظم لدى الحكام وأعوانهم وأحزابهم ومنظماتهم وإطاراتهم.

وبسبب الرغبة في التحكم في الموازين السياسية أبديا توسعت مجالات التحكم في كل المجالات الحيوية والثانوية في الجزائر. فلو ضربنا المثل بالمجال الاقتصادي لوجدنا أن سبب صعوبة تطوره، رغم وضوح منظومات ومجالات التطوير فيه ورغم ما تحقق من إنجازات على صعيد البرامج، هو عقلية ” التحكم”. يكفي أن ندرك بأن الجزائر لا تستطيع النهوض دون عدد معتبر من المؤسسات ذات الإنتاج والجودة والنوعية في مختلف المجالات الفلاحية والصناعية والخدمية، وأن الوصول إلى هذه الحالة النوعية والعددية في كل أنحاء الوطن مستحيل بوجود عقلية ” التحكم” لكي ندرك خطورة عقلية ” التحكم” على الاقتصاد الوطني.

ذلك أن المسؤول الجزائري لن يسمح لرجل أعمال أن يكبر إن لم يكن يعرفه تمام المعرفة، على صعيد أفكاره وميولاته وانتماءاته السياسية.

لا يكفي في الجزائر أن يُشكّ في رجل الأعمال بأنه معارض سياسي ليتم تحطيمه أو عرقلته، يكفي أن لا يكون معروفا فقط لكي يحدث له ذلك. يستطيع أن يكون المعارض، أو المشتبه فيه بهذا الشأن، تاجرا صغيرا في حي أو حارة، ولكن لا يستطيع أن يكبر أبدا. ربما الاستثناء في مسار التاجر صاحب الانتماء الفكري أو السياسي هو حينما يتورط بالانتماء لشبكات الفساد، والزبونية، أو شبكات الأيديولوجيات الممكّنة التي تجاوزت قوتها قدرة الدولة على التحكم وصارت هي كذلك جزء من الحكم منخرطة في صراعات الأجنحة القائمة ومشاركة في توسيع عقلية التحكم!

إنه حينما يصبح التاجر ورجل الأعمال حالة اقتصادية يُعرف عند الدولة بمدى احترامه للقانون والالتزام الضريبي ونفع التنمية فحسب، دون النظر إلى انتمائه، عندئد يمكن أن تنبت المؤسسات الاقتصادية في كل أنحاء الوطن وجهاته فتساهم في توفير الشغل للناس وفي غنى الدولة ورفاه المجتمع. إنه لا مجال للتنمية دون حرية اقتصادية في إطار قوانين المنافسة الحرة العادلة.

وحينما نفهم هذا نفهم لماذا قامت السلطات بتلك الإجراءات الضريبية الجنونية التي تجاوزت كيفياتها ومقادريرها كل المعقول، على المواد البسيطة التي يشتريها المواطنون عبر قنوات التجارة الإلكترونية، بما أنشأ ردود أفعال واسعة في الشبكات الاجتماعية صاحبتها أساليب سخرية “مُضحِكة” جعلت السلطات ” مَضحَكة” بين الناس. إنها عقلية “التحكم”، لم يتقبل الحكام أن يتحرر الجزائريون في البيع والشراء عبر قنوات الأنترنت فأرادوا قطع الطريق على الجميع برسوم عالية جعلت الجزائري يشتري ما يريد عبر الأنترنت مرتين، بل عليه أن يدفع ثمن الهدية المجانية التي تأتيه من قريب أو صديق. ولو كان تبرير السلطات بمنع المضاربات والغش صادقا لأبدعوا إجراء قانونيا وضريبيا عادلا لا يعطل حركة التجارة والتعاملات الالكترونية ولا يضر بكل المواطنين على السواء.

إنها عقلية التحكم لا غير.وما يصيب الاقتصاد يصيب كل شيء، لا يستطيع جزائري أن يكون قويا ومبدعا وناجحا ومتألقا، في أي مجال من المجالات، ما لم يكن معروفا عند السلطات بأنه شخص بلا فكر حر ولا تفكير مستقل ولا يمكن أن يكون معترضا على النظام الحاكم وتوجهاته بأي حال من الأحوال، في الحين أو في المستقبل.

إن أي رجل أعمال، أو عالم، أو سياسي، أو ناشط اجتماعي، أو إعلامي، أو فنان، أو رياضي، لا مستقبل له، ولا يمكن أن يكبر ويشتهر ويزدهر ويقوى أو يدوم مجده في الجزائر ما لم يُعرِّف نفسه للنظام الجزائري بأنه تابع أو تافه .. وهيهات للتابع أو التافه أن يكبر!

 

د. عبد الرزاق مقري 

الفقر في الجزائر وجدل الانتهازيين والعدميين

جدال عقيم قائم هذه الأيام بين الانتهازيين والعدميين حول الوضع الاقتصادي الجزائري بمناسبة صدور قرار البنك الدولي الأخير.الانتهازيون الذين ربطوا مصيرهم بثقافة “الشيتة” يدافعون عن رؤية السلطة الحاكمة التي لا تتحمل أي نقد لها وتعتبر أي تقرير سلبي لأدائها مؤامرة خارجية ومن ينقدها منقوص أو فاقد الوطنية وهي لا تدرك أين تتجه بالبلاد.

والعدميون الذين لا برنامج لهم سوى انتظار سقوط النظام، ولا هم لهم سوى تخوين وتسفيه كل من يخالفهم، يعتقدون أن مؤشرات البنك الدولي انتصار لهم وهم لا يدركون أين يتجه البلد برمته، سلطته ومعارضته، وحكامه وشعبه.

إننا لسنا في حاجة أن نحلل أرقام البنك الدولي لنعلم أن هامش الفقر يتسع يوما بعد يوم في الجزائر. من منا لا يعرف ما أكدته مؤشرات الديوان الوطني للإحصاء بأن معدل البطالة يتجه ليصبح برقمين؟ وأن معدل أجور أغلب العمال الجزائريين هو في حدود 40000 دج؟ ومن منا لا يعرف بأنه لم يصبح البطال فقط هو الفقير؟

بل إن عموم العمال الجزائريين هؤلاء أصبحوا فقراء بحكم انهيار أسعار الدينار وغلاء المعيشة، وهؤلاء أعدادهم بالملايين.

إن المعضلة اليوم تجاوزت النقاش حول توجيه الدعم الاجتماعي للفقراء، فأصبح المشكل هو تعريف من هو الفقير، لأن أغلب الأجراء الذين يأخذون 40000 دج شهريا، و أقل (أو ربما أكثر إذا كان معها مشكل السكن)، أصبحوا محتاجين وأن إزالة الدعم سيتضرر منه هؤلاء الذين لا يُعتبرون فقراء عند الحكومة.إن الذين استشاطوا غضبا ( أو تظاهروا بذلك!) من تقرير البنك الدولي، عليهم أن لا يهتموا بالدول التي يقولون أنها فقيرة ولم تذكر في التقرير ( والتقرير خاص بالجزائر)، عليهم أن يخافوا من أن تتجه الجزائر لتصبح مثل هذه الدول التي ذكروها.

إن فبركة الأرقام أو إخراجها عن سياقها، التي يشتغل عليها الانتهازيون، لن تغني في إخفاء صورة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه الجزائر، لقد عبر عنه السيد رئيس الجمهورية بنفسه في آخر لقاء له مع الصحافة، كما أن الخبراء الجزائريين أنفسهم يؤكدون بأن وضعنا خطير، ويكفي لمن يريد تقارير جزائرية أن يطلع على المقال العلمي الرصين المعتدل الذي نشره البروفيسور الخبير عبد الرحمن مبتول قبل يومين في وسائل الإعلام حيث ختمه بأن “الجزائر لا تزال هي سونطراك، وسونطراك لا تزال هي الجزائر”، وأن السنة المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب الكارثة.ولكن، هل الانهيار هو قدرنا؟ بكل تأكيد ليس ذلك قدرا مقدورا، نعم ليس قدرنا أن ننهار وندخل في أزمات لا نخرج منها، نستطيع أن نكون دولة قوية وبلدا مزدهرا وشعبا كريما، هذا الذي تقوله حركة مجتمع السلم وهذا الذي لا يعجب العدميين أن نقوله.

لقد عرضت حركة مجتمع السلم الحل بشكل واضح فبينت مرات ومرات بأن لا حل سوى التنمية الاقتصادية التي تقوم على أساس المؤسسة الاقتصادية بالقدر الكافي والمستوى المطلوب في مختلف المجالات على نحو شرحناه بالتفصيل في برنامجنا ومداخلاتنا، بما يوفر الشغل وينتج الثورة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال توفير بيئة سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية تقوم على أساس دولة القانون والحرية والعدالة والشفافية والمحاسبة والرقابة على الشأن العام بعيدا عن سياسات التحكم والسيطرة وعقلية “ما أريكم إلا ما أرى”.

– ليست قاعدة الحل في المعالجات المالية بين الواردات والصادرات لمكافحة عجز الميزان التجاري دون أداء اقتصادي ناجح. وليس الحل في تخفيض قيمة العملة لمواجهة تراجع مداخيل المحروقات دون قدرة على التصدير المكافئ خارج المحروقات، بما يتسبب في تهاوي القدرة الشرائية للمواطن.- إن الحل في عدم السماح للفساد أن يعيد تشكيل نفسه، كما نراه يفعل في العديد من القطاعات والمجالات، ولا يمكن للفساد أن ينكسر نهائيا دون ضمان الحريات ووجود أحزاب قوية تعتمد بعد الله على الشعب وحده في بناء نفسها وضمان مستقبلها، ومجتمع مدني حقيقي في خدمة المجتمع فعلا، ومؤسسات إعلامية حرة، وقضاء سيد ومستقل.

– وللوصول إلى ذلك اقترحت حركة مجتمع السلم مشروع “التوافق الوطني” الذي تشترك فيه القوى السياسية في القرار والبرامج وفي تحمل الأعباء من أجل تحقيق القدر المطلوب من الشفافية ورشاد الحكم، ولضمان الاستقرار الذي يساعد الحكومة على تنفيذ مخططات وقرارات التنمية الضرورية للإقلاع، و تشجيع الاستثمار وجلب رؤوس الأموال الضرورية لذلك، وبما يمنح الوقت اللازم لظهور ثمار التنمية.

وبالرغم من أن هذا المشروع حورب من العديد من القوى المتناقضة فيما بينها (التي كان أسوءها التي لا تعيش إلا بثقافة التحكم أو بممارسات الانتهازية أو ثقافة العدمية) ، لا تزال حركة مجتمع السلم تؤمن، وهي في المعارضة، بأهمية التوافق على المشترك الوطني.

إنه لا يوجد حل سوى هذا، وهو الحل الذي سيعود إليه الجميع، وكلما تأخر زادت احتمالات الانهيار ، وهي الاحتمالات التي ستكون مهلكة للجميع، حكاما ومحكومين، وستكون مهلكة بكل تأكيد لشبكات الانتهازية، لأنها فضلت مصالحها على مصلحة الوطن وساهمت في تسارع التهاوي، وستكون مدمرة لشبكات العدمية لأنها لم تقدم في الوقت المتاح ما ينفع البلاد، وربما ساهمت في الانهيار لا قدر الله.

عبد الرزاق مقري

فلسفة الزبر الانتخابي وسياسة كسر الرجال

”أنا شاب من شباب حركة مجتمع السلم  بقيت أناضل 17 سنة داخل هذا الحزب السياسي المرخص، أحسب نفسي مواطنا صالحا أقوم بواجباتي المهنية والأسرية والاجتماعية على أحسن حال ما استطعت، لم أقترف في حياتي مخالفة وعشت حياة عادية كأي مواطن جزائري محترم، لم تقع لي مشكلة مع الدولة سوى مرة واحدة كتبت منشورا عن الرئيس بوتفليقة أيام مجده فاستدعاني الأمن وسوّد لي محضرا دون أن  أُقدم للعدالة، كنت منتخبا محليا في المجلس الشعبي الولائي وشاركت في الحراك الشعبي بفاعلية دون الدخول في الاستقطاب الذي أفسده لاحقا. بسبب نشاطي وفاعليتي في المجلس الشعبي الولائي قدمني أعضاء الحركة في بلديتي للترشح في المجلس الشعبي البلدي فرحبت بذلك، ظنا مني بأن المرحلة مرحلة الشباب، كما يقول دائما السيد رئيس الجمهورية، وأن حركة مجتمع السلم تريد كذلك تجديد منتخبيها بفئات شبابية مثلي … ولكن فوجئت بمنعي من الترشح من طرف السلطة بسبب أني أهدد الأمن العام!”

 صُعقت لهذا القرار، ليس لأنني منعت من الترشح في هذه الانتخابات ولكن بسبب هذه التهمة الباطلة التي ستفسد سمعتي وتؤثر على حياتي المهنية وعلاقاتي الاجتماعية، كما أنها قد تعدم مستقبلي السياسي .. فحسبي الله ونعم الوكيل “

هذه شكوى مؤلمة، محزنة، مفزعة من شاب تعرض للزبر في هذه الانتخابات. وحالات كسر الرجال مثل هذه أصبحت لا تحصى ولا تعد، وأنا صرت أفكر حقيقة لتأليف كتاب بشأنها سيبقى شهادة تلعن هؤلاء الذين ظلموا الرجال وكسروهم، وتلاحقهم ولو بعد حين.

ظننا أنه لا أشنع مما حصل في الانتخابات التشريعية السابقة فإذا بالذي يحدث في الانتخابات المحلية أفدح وأفظع، وتجاوز كل المعقول.  شكاوى وشهادات كثيرة سمعتها  هذه الأيام  من رجال أفاضل آخرين. ومن ذلك اتهام دكتور يشتغل في أعماله  مع جهات نظامية سيادية وزُبر بحجة العلاقة مع المال الفاسد، وشاب كشّاف فقير سمع بإسقاطه من القائمة فجاء لا يسأل إلا عن شيء واحد. لماذا؟ فلما قيل له: “العلاقة بالمال الفاسد!” انهار –  ولعله بكى –  ويقول والله إني لعاجز على شراء الحفّاظات والحليب لابني الرضيع فكيف اتهم بالمال الفاسد؟! وشخص آخر كان من شباب الحراك مع شباب آخرين، فترشح هو مع الحركة وأصدقاؤه ترشحوا مع حزب من أحزاب السلطة، فأسقط هو بحجة تهديد الأمن العام وأبقوا على أصدقائه الذين ترشحوا في حزب الموالاة، وشخص اتهموه بكل أنواع الفساد ظلما وزورا فقال: ” ولكن لماذا لم يلقوا علي القبض؟ لماذا لم يقدموني للعدالة؟ كيف أصبح بين عشية وضحاها فاسدا؟ أين هي العدالة؟ أين هي دولة القانون؟ لماذا يصبح المرء متهما لما يترشح للانتخابات؟ وأخذ يدعو على من ظلمه حتى علمت بأنهم والله هالكون.

علاوة على منتخبين محليين أخذوا البراءة في أحكام العدالة في قضايا التسيير ومع ذلك أسقطوهم بذات القضايا.  ومنتخبون آخرون كانوا طوال عهدتهم السابقة محل تقدير واحترام عند الشعب وعند السلطات المحلية، أبعِدوا رغم ما أظهروه من  الكفاءة والنزاهة،  ولفقوا لهم من أجل ذلك قبليا قضايا في العدالة ليس عليهم فيها أي حكم فأسقطوهم بها.

لقد أصبحت الانتخابات عملية شاقة صعبة خطيرة، حتى أصبح لدينا اليقين بأن النظام السياسي يريد إما كسرنا بها أو إخراجنا منها فنقرر عدم المشاركة فيها بأنفسنا.

وبالنسبة للتوقيعات التي كانت في عهد بوتفليقة من أكبر عمليات الغش والتزوير فلا يدري أحد من جمع التوقيعات ومن لم يجمع، كيف يُعقل أن يُطلب من الجزائريين أن يصوتوا مرتين، المرة الأولى علانية بالإمضاء وبصمة الأصبع في التوقيعات، والثانية في المعازل في يوم الانتخاب الرسمي، والأعداد المطلوبة من التوقيعات أكثر من عدد الجزائريين الذين يصوتون. وحينما تنجح الحركة في رفع التحدي وتحقق المطلوب تُسقط التوقيعات بأساليب عدة، من أكثرها افتضاحا أن تسقط أعداد كبيرة بحجة عدم تسجيل أصحابها في القوائم الانتخابية وبين أيديهم بطاقات الناخب خاصتهم، وقد شاركوا في كل الانتخابات السابقة، أو أن يَمنعوا ممثلينا من السبق في وضع التوقيعات حتى تأتي قوائم أحزابهم و”مستقليهم” هي الأولى في الإيداع ثم يقال لنا هناك إمضاءات مكررة ومن يأتي الأخير هو من تسقط إمضاءاته….

إنها والله حرب باردة حقيقية! … بوسائل غير متكافئة!

ومن جهة أخرى يحاول النظام السياسي التغطية على أهدافه الاقصائية قبل يوم الانتخابات بالقول بأنه أسقط من قوائم أحزابه و” مستقليه” أعدادا كبيرة من المرشحين المتهمين بالفساد. أؤكد أولا أن مرشحينا الذين نحتج عليهم  ليسو فاسدين وإنما المقصود بإسقاطهم هو إضعاف القوة التنافسية لقوائمنا، وبعد ذلك أجزم أن قوائم أحزابه و”مستقليه” لا خوف عليها لأنه سيتكفل بنجاحها بالتزوير يوم الانتخاب، كما هي العادة،  مهما كان المرشحين فيها، وإنما المتضرر بالزبر هو حركة مجتمع السلم التي لا قوة لها بعد الله إلا عناصرها القوية التي تقدمها لحكم الشعب، فإن أسقطوها تكون الضربة قاصمة.

تأملت في موضوع الزبر العام الذي أفسد العملية الانتخابية والسياسية كما لم يكن في أي مرحلة من المراحل السابقة في التاريخ السياسي الجزائري فتأكد لدي بأن النظام السياسي الفعلي في الجزائر نادم على التعددية وهو يريد القضاء عليها بالتدرج بطرق ذكية. ربما يكون هدفه المبطن  أن يجعل الأحزاب كلها، في المحصلة، حزبا واحدا هو حزب الدولة، بل بالأحرى أجهزة من أجهزة الدولة. ومن رفض ذلك يروض أو يكسر كما يفعل بنا في حركة مجتمع السلم.

والإبداع الماكر الغادر الجديد الذي توصلوا إليه يتمثل في  أن يحسموا الأمر قبل يوم الانتخابات فيضمنوا الأغلبية في المجالس دون أي خوف من المفاجأة في الانتخابات، سواء ممن يعارضهم أو حتى ممن يسير في فلكهم. إنهم  يتوجهون إلى أن يصنعوا القوائم كلها بقراراتهم لا بقرارات الأحزاب، من خلال مادة قانونية ظالمة، هي المادة 184 من القانون العضوي للانتخابات المناقضة لكل الأعراف الدستورية في العالم والمخالفة لكل مواثيق حقوق الإنسان المتعارف عليها في الشرائع السماوية والأرضية، هذه المادة القانونية  التي صار يُظلم بواسطتها الناس وتُفسد حياتهم ويتهمون بلا بينة ولا جريرة ولا حكم قضائي.

وبالعودة  لزبر العديد من الأسماء في قوائم أحزابهم و”مستقليهم” فإن التأمل في الموضوع يوصل إلى أن ذلك يدخل ضمن  الاستراتيجية التالية:

– من كان فاسدا معلوم الفساد مبغوضا عليه من الشعب لا يسمحون له بالترشح في قوائم أحزابهم حتى لا يحرجهم وحتى لا يضطروا للتزوير له تزويرا يُكشف أمره.

– يعملون على إسقاط أي شخص له شعبية كبيرة ومعروف بالنزاهة والكفاءة من قوائمنا لأي سبب تافه، وإن لم يجدوا شيئا يستندون عليه يخلقون له سببا.

– إذا ترشح في قوائم أحزابهم و” مستقليهم” شخص معروف بمعارضته للنظام ومن الوجوه البارزة في الحراك الشعبي، ويقدّرون بأنه يمكن إدماجه والسيطرة عليه،  يقبلونه ويرحبون به ولا يسقطونه.

– إذا ترشح في قوائمنا شخص معروف بمعارضته للنظام ومن الوجوه البارزة في الحراك الشعبي يسقطونه بحجة تهديد الأمن العام.

– وإن لم تكف كل هذه السياسات يحققون ما يريدون بالتزوير الانتخابي.

يتأكد من خلال هذه الاستراتيجية بأن النظام السياسي يريد القضاء على التعددية الحزبية، وقد أصبح عمليا هو من يقوم بعملية الترشيح. وأكاد أجزم أنه يأمل لو يعود للحزب الواحد كما كان، و ربما يكون مولعا بنمط الحزب الواحد الصيني الذي لا يعرفون عن خصوصيته سوى شكله. سأعود لأشرح في مقال لاحق الفروقات التاريخية والمعطيات الاجتماعية والأبعاد السياسية  التي لا تسمح لهم أبدا باعتماد نظام الحزب الواحد من جديد، ولكن أقول لهذا النظام بوضوح بأن مشكلته مع الشعب وليس مع الأحزاب، وأن تترسه بمنطق القوة والتحكم يعميه عن رؤية الحقيقية، وأنه سيأتي اليوم الذي يتضح له ذلك مجددا … وعندئذ “ولات حين مناص”.

دعونا في آخر هذا المقال لا نهتم بالتيه الذي يسير فيه هذا النظام السياسي، لأختم بمواساة ذاك الشاب المظلوم وعن طريقه كل المظلومين في قوائمنا لأقول له: ” لا تحزن فإن الشيخ محفوظ نفسه أسقطوا اسمه من قائمة المرشحين، ولفقوا له تهمة باطلة وأنهوا مشواره السياسي إلى الأبد بقرارهم الظالم رغم كل الذي قدمه للبلد والدولة ولاستقرار المجتمع الجزائري،  فكيف تطمح يا بني أن يرحموك من بعده وأنت تسير على دربه، وعندك في الحركة قادة أفنوا أعمارهم في النضال لم يحققوا ما يطمحون إليه في الشأن السياسي ويريد النظام السياسي قتلهم سياسيا كما فعلوا مع الشيخ محفوظ رحمه الله  ولا يزال هؤلاء القادة  ثابتين لم يبدلوا ولم يغيروا.

يا بني! إن رجال هذا النظام السياسي توارثوا عقلية التسلط والفكر الأحادي،  فهم يعادون الأحزاب ولا يعتبرونها جزء من الدولة، ومن برز من الشخصيات الحزبية مثلك يحاولون إدماجه وإلحاقه بهم فإن اختار الوفاء لحزبه ومؤسساته وقيادته يعملون على كسره، إن هؤلاء يتبعون منهجا استبداديا ظالما يرتكز على القوة.

إنهم، يا بني يعانون من أزمة الشرعية الديمقراطية، وأزمة شرعية الإنجاز،  وأزمة شرعية الأخلاق، فيُعوِّضون عجزهم ذلك بمنطق القوة والتحكم … فاصبر إنك شاب وإن غدا لناظره قريب!”

وللذين سيقولون لنا لماذا إذن تشاركون في الانتخابات حين يقرأون مقالي هذا،  نقول لهم: نحن على خطى رجال الحركة الوطنية، نحن على نهح مصطفى بن بولعيد الذي كان يترشح في انتخابات المجالس المحلية التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية، وبعد كل تزوير يعاودون المشاركة، ونحن على خطى زيغود يوسف الذي حينما أكتشف الاستعمار نضاله من أجل استقلال الجزائر قبيل اندلاع الثورة نُشر اسمه في وسائل الإعلام كسجين تحت صفة ” عضو مجلس بلدي”.

إن طرائقنا السلمية لتحقيق التغيير في الجزائر كثيرة، وما المشاركة في الانتخابات إلا واحدة منها، نركز عليها حين وقتها وحين تمثل هوامش حقيقية لصالح البلد، ونشتغل بغيرها حين لا يكون وقتها وحين تصبح افرازاتها لا تمثل لنا أي هامش للمساهمة في الإصلاح وخدمة البلد.

 

د. عبد الرزاق مقري 

الأئمة والحرّاقة والحكومة

لقد حاول خطيب الجمعة أن يكون معتدلا ضمن مساحات الحرية المتاحة في المساجد، بل أقول أنه تجاوز الحدود المتاحة، وأخشى عليه أن يُعاقَب. ومع ذلك نهض أحد المصلين بعد الصلاة يصيح بأعلى صوته محتجا على خطبة الإمام، ومما فُهم من كلامه المتلعثم: “عيشوا وحدكم!”، “كولوا وحدكم!” اسكنوا وحدكم!” “هاذي ماهيش خطبة!”. 

لقد كنت أنا كذلك منزعجا جدا من الإمام في ما كان يقوله في الخطبة الأولى، ليس لأن ما كان يقوله مجانبا كله للصواب، لقد كان محقا في تنبيه الناس إلى مخاطر “الحرقة” ودعوتهم للصبر، ولكن كنت أخشى أن مع مبالغته في التشديد على الشباب “الحرّاق” ووضعهم أمام مصير أخروي مرعب أن يسكت على من تسبب في مصيرهم الدنوي المفزع. ولكن حينما استدرك ببعض الكلمات عن مسؤولية الحكومة قلت لقد أدى الذي عليه، وبالشيء القليل الذي شهد به، مشكورا، عرّض نفسه للعقوبة من وزراة الشؤون الدينية المأمورة، وتجاوز  منهجا منتشرا في المساجد، يروق الحكام،  يجعل المسؤولية كلها على الرعية ولا يحمّل المسؤول أية مسؤولية عن مسؤوليته، بل يدعو الناس لقبول القمع ولو أخذ الحاكم أموالهم وضرب بالسياط ظهورهم، في تعسف منكر في انتقاء النصوص وتفسيرها.

ولكن ذلك المصلي الثائر لم يقبل  محاولة اعتدال الخطيب البطولية في تناوله لهذا الموضوع الاجتماعي السياسي الخطير، لم يقتنع بميزان النصيحة الخفيفة للحاكم والإدانة الشديدة للحراقة الذي وزن به الإمام المسألة، فلربما عند صاحب ذلك الصوت المبحوح المحتج على الإمام واحد من أهله  قد فُقد إلى الأبد، أو لا يزال في عرض البحر تترنح به مركبة الموت، أو قد وصل إلى الشاطئ الآخر ولكن لا تَعرِف أمُّه كيف مبيته ولا مصيره في بلاد الناس. يخيل إليك وأنت تسمع ذلك المصلي الحزين الغاضب كأنه يريد أن يبكي.

يعلم الله أنني تعاطفت شيئا ما مع ذلك الإمام الذي الذي قال كلمة حق، بقدر استطاعته، مجازفا باستقراره المهني أمام  وزارة في خدمة جمهورية التحكم. ولكن تعاطفي مع ذلك المصلي الغاضب كان أكثر وأكثر، فهو من يمثل نبض الشعب حقا، صرخته المعبرة عن أسى الذين يغامرون بأرواحهم في مراكب الموت تُسقِط كل الأرقام الزائفة التي يقدمها المسؤولون عن الوضع الاقتصادي الاجتماعي في الجزائر .

أذكر يوما كنت في حوار مع رائد النهضة الماليزية ومُلهمِ رواد الحضارة في العالم الإسلامي الدكتور مهاتير محمد، نتحدث عن أوضاع العالم الإسلامي فحدثني بأسى بليغ عن الدول الإسلامية التي يموت أهلها في البحار فرارا من بلدانهم إلى بلاد أعدائهم، قال لي: ” إنه لعَيبٌ وعار على حكام هذه البلدان”، هكذا فهمها رجل دولة تقلد المسؤولية ديمقراطيا لخدمة شعبه وإسعاد مواطنيه.

فعلا إنه لعيب وعار على حكامنا أن تعلن السلطات الإسبانية ذات يوم بأنه قد وصلها خلال أربع وعشرين ساعة أكثر من  1000 حراق جزائري  عبر 80 قاربا للهجرة غير الشرعية، والأمر مستمر لا يريد التوقف،  وشيء مفزع حقا أن تصبح “الحرقة” مشروع البطّال غير المتعلم والجامعي والمرأة والرجل، والشاب والكهل والطفل، بل مشروع عائلات بأكملها.

إن الهجرة الشرعية ليست تعبيرا عن ضيق في العيش فحسب، بل هي أكثر من ذلك، هي  مؤشر على انقطاع الأمل كلية، وانهيار للثقة في مستقبل البلد. ومما يدل على ذلك أن الجزائريين توقفوا عن الهجرة غير الشرعية في بدايات الحراك الشعبي، لأن الحراك أعطاهم الأمل بأن الأمور ستتغير، ولكن حينما أدركوا بأن الأمور قد رجعت لما كانت عليه، وتصدّر المشهد من جديد نفس الرموز والأحزاب والممارسات والموازين ورجعت جحافل المزورين والزبونية والانتهازية، لم يصبروا على ضيق المعيشة وصعوبات الحياة التي يرونها كل يوم تتعاظم، بل أصبح  القادم أسوء في اعتقادهم، فباتت المغامرة بالنفس من أجل احتمال ضئيل بتحسن الحال ما وراء البحر أفضل من الموت البطيئ المؤكد في البلد، حسب ظنهم.

ليست الهجرة السرية ظاهرة اجتماعية فحسب بل هي ظاهرة سياسية بامتياز، أبلغ من كل حديث وأوضح من كل بيان في توضيح فشل حكام البلدان التي يحدث فيها هذا. ومما يزيد أهمية هذا العمل أن هذا الموقف السياسي البليغ لا علاقة له بساسة يمكن اتهامهم بأنهم يصارعون من أجل الكرسي، أو أنهم مرتبطون بقوى أجنبية. إنهم أناس من عموم الشعب أبعد ما يكون عن السياسة، يغامرون بأنفسهم لأجل أنفسهم ولكنهم يرسلون لنا جميعا رسائل تجعلنا نستحي ونخجل سلطة ومعارضة. يخجل الجميع حقا أمام هذه الصورة المشينة عن بلادنا وهذا الوضع الإنساني المأساوي لمواطنينا،  تخجلُ الأجيال المتعاقبة على نفس الحكم منذ قرابة ستين سنة لأنهم فشلوا في خدمة البلد وضيعوا الفرص تلو الفرص، وأغلقوا كل آفاق الإصلاح والتغيير أمام الناس، وتخجل الأجيال التي عارضت هذا الحكم  منذ الاستقلال إلى اليوم لأنهم عجزوا جميعا على تحقيق التداول لتخليص البلد من هذه المنظومة التي تفرض نفسها بالتحكم والسيطرة والتزوير .

تمنيت لو أن “الحراقة” توقفوا عن المغامرة بحياتهم في عرض البحار وبذلوا التضحيات وخاضوا المغامرات من أجل التغيير داخل بلدهم، فأعانوا الثابتين على هذا الطريق ممن يثقون بهم، أو سلكوا طرقا سياسية جديدة خاصة بهم يخلصون بها البلد من الأسباب التي تجعل الناس يركبون مراكب الموت، لعلنا  نصبح يوما ما بلدا جاذبا يتمنى الناس من سائر البلدان العيش فيه.

 

د. عبد الرزاق مقري

الدرس البليغ لكل الإسلاميين: العدالة والتنمية المغربي نموذجا

حينما ترأس حزب العدالة والتنمية المغربي الحكومة سنة 2011 في أجواء الربيع العربي كتبت مقالا حذرت من الحالة التي وصل إليها هذا الحزب الصديق في الانتخابات التشريعية في هذه الانتخابات التشريعية الأخيرة سنة 2021.

اعتبر قادة “البيجيدي” ومناضلوه في ذلك الوقت أنهم أحدثوا اختراقا كبيرا في الشأن السياسي كإسلاميين، وكانوا لا شك محقين في ذلك. واعتقدوا آنذاك، ومعهم الكثير من الملاحظين في العالم العربي أن الحالة المغربية تمثل استثناء حيث وقع التغيير “الفعلي” دون الحاجة إلى ثورة شعبية عاصفة، وأخذ البعض يبالغ في الإطراء على حكمة ملك المغرب المغربي محمد السادس.

ما نبهت إليه يومذاك كان ينبع من واقع تجربتنا في الجزائر وملاحظاتنا لكثير من التجارب، أن الحكمة الملكية التي يتحدثون عنها ما هي إلا تدبير اتجه إليه الحاكم المطلق في المغرب بتوجيه ونصائح غربية فرنسية أمريكية لتجاوز فورة الربيع العربي. كان لدى الملك محمد السادس العديد من الأحزاب القريبة من القصر، منها التجمع الوطني للأحرار (الحزب الأول في الانتخابات الأخيرة) الذي أسسه أحمد عصمان سنة 1978 (صهر الملك الحسن الثاني وزوج عمة الملك الحالي محمد السادس) ويرأسه حاليا رجل الأعمال عزيز أخنوش (رئيس الوزراء المرتقب المعروف بعدائه للإسلاميين وللحجاب في المؤسسات الرسمية ورئيس وفد مغربي في مؤتمر الماسونية بأثينا سنة 2008)، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه صديق الملك محمد السادس فؤاد عالي الهمة (مهندس ملف التطبيع مع الملك قبل كشفه للحكومة) سنة 2008 بتدبير ملكي لمواجهة صعود الإسلاميين المتمثل حزبيا في حزب العدالة والتنمية، وقد كان يُعدُّ ليكتسح الانتخابات التشريعية سنة 2011.

غير أن معطيات الربيع العربي غيرت المشهد والواقع والموازين، وأمام موجة العنفوان الشعبي الذي كان يملأ شوارع المدن المغربية لم يكن لدى النظام قدرات اقتصادية ومالية تسمح له باستيعاب الشارع كما وقع في الجزائر، ولم يكن بإمكانه انتهاج نهج القمع البوليسي الشامل الذي قد يؤدي إلى انفلات لا تقبله الدول الأوربية المهددة دوما بالهجرة من وعن طريق المغرب.

وجد الملك نفسه في حالة عجز أمام قوى معارضة إسلامية ويسارية صلبة وشديدة المراس لها تأثير كبير على الشارع، فكانت الحيلة أن يُفسح المجال، بعدم التزوير، لحزب العدالة والتنمية للتقدم الانتخابي وتشكيل الحكومة فيقتنع الناس بأن التغيير بالصندوق ممكن ولا داعي للثورة، ويجعل الملك بينه وبين الشعب حزبا إسلاميا بهذه الخطة، إن نجح في التنمية وإرضاء الناس سيعود الفضل للملك أولا وإن فشل فإن سقوطه في وقت لاحق سيكون طبيعيا ويعود الملك إلى ورقته الأولى ” الأصالة والمعاصرة” أو أي حزب من أحزاب البلاط.

علم الملك بمتابعته لخطاب الإسلاميين وعن طريق استخباراته أن حزب العدالة والتنمية له قابلية للبقاء تحت السقف المحدد من القصر.

كانت البداية جيدة بالنسبة للبيجيدي بعد نجاحه في انتخابات نوفمبر 2011 التي حاز فيها المرتبة الأولى بنسبة 27.08 % (107 مقعدا في مجلس النواب من 395) تحت قيادة عبد الإله بنكيران سواء في مجال التنمية حيث أبلى الحزب بلاء حسنا وفق الظروف الاقتصادية الصعبة للمغرب وما هو متاح له من هوامش القرار والصلاحيات، أو ما يتعلق بمستوى النزاهة لدى أفراده، وكان للوزن القيادي لبنكيران أثر في استمرار هيبة الحزب واستمرار صعوده رغم تماهيه مع المخزن والعجز التام لفعل أي شيء تجاه امبراطورية الفساد في القصر المسيطرة على البلاد كلها بل السكوت عن ذلك والتعايش معه.

أحس الملك ومن ينصحه من الخلف بأن شخصية بنكيران قد تهدد خطة استيعاب الحزب وتمام تدجينه، بل أصبحت رمزية بنكيران وكاريزميته تنازع رمزية الملك عند الشعب لِما تمتّع به عبد الإله من شعبية واسعة عند بسطاء المغاربة، فكان قرار الملك إسقاط بنكيران بعدم السماح له بتشكيل الحكومة على إثر الانتخابات التشيرعية سنة 2016 التي فاز فيها الحزب بالمرتبة الأولى مجددا (125 مقعدا في مجلس النواب) ، وذلك من خلال التحكم في الأحزاب الناجحة الأخرى لكي تمتنع عن الانضمام للتحالف الجديد حتى يقدم الحزب الفائز بالمرتبة الأولى شخصا آخر لقيادة الحكومة غير بنكيران، وكان العثماني هو الشخص المعين كما كان متوقعا، بعد احتباس في المفاوضات دام خمسة أشهر.

حاول بنكيران المقاومة داخل حزبه ولكن المؤسسية غلبته فلم يتم التضامن معه بشأن رئاسة الحكومة ولم يُسمح له بالاستمرار في الأمانة العامة لعهدة ثالثة برفض إخوانه فتح العهدات في مؤتمرهم وجاء بدله غريمه وصديقه العثماني لرئاسة الأمانة العامة.

بقي بنكيران داخل الحزب يُظهر بين الحين والحين عدم رضاه على أداء رئيس الوزراء الجديد في قضايا أساسية، وأدى هذا التحول إلى رجّة داخلية وبروز خلافات واستقطاب غير مسبوق غذته التحولات اللاحقة.

كانت العهدة الثانية لحزب العدالة والتنمية في الحكومة والأولى للعثماني في قيادتها، صعبة ومعقده على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاقليمية والدولية، تراجع فيها بريق الحزب وأصبح الملك يتوغل أكثر فأكثر في العلاقة والتبعية للقوى العربية والدولية الأكثر عداوة وحقدا على التيار الإسلامي، وبعد تجاوز مخاطر هبة الربيع العربي لم يصبح ظهور علاقة الملك بأصدقائه وأتباعه من نخب المال والأعمال وأباطرة الفساد تمثل خطرا على النظام، ولم تصبح الحاجة قائمة لحزب إسلامي مبدئي يخفي عدم رضاه على فساد الدولة ويظهر الولاء والتبعية للملك فآن الأوان لوضعه على المحك حتى يفقد كل عذريته وهو في الحكم أو يخرج منه قبل نهاية عهدته الحكومية الثانية.

لقد كان السيناريو المفضل أن يخرج هذا الجسم الغريب في الدولة من الحكم بخسارة انتخابية مدوية بعد نهاية الحاجة إليه، وكانت الخطة ثلاثية الأبعاد: أولا أن تمرر باسمه كل الموبقات التي يكرهها الشعب المغربي وتناقض مبادئ الحزب الإسلامي ويحتاجها القصر وهي ثلاث قضايا أساسية، التطبيع مع الكيان الصهيوني بإمضاء العثماني نفسه نيابة عن كل أفراد حزبه، فرنسة التعليم، وتقنين إنتاج المخدرات ” القنب الهندي” علاوة على تنازلات فرعية أخرى كثيرة، ثانيا أن يُسلط عليه التشويه وحملات الشيطنة في ما هو مخطئ فيه وما هو مظلوم والتعتيم على كل إنجازاته في الحكومة بترسانة إعلامية عظيمة ممولة من رجال الأعمال داخليا والأطراف المعادية خارجيا، ثالثا التلاعبات الانتخابية التي تعمق خسارته إن خسر، كما وقع فعليا، وتفرض خسارته إن صمد انتخابيا.

لقد كانت نتيجة الخسارة مدوية وعميقة أبعدته عن حالة التراجع العادي للأحزاب التي تسيّر الحكومات في وضع اقتصادي صعب، وحرمته من الموقع التداولي في الديمقراطيات العريقة كحزب معارض في المرتبة الثانية أو الثالثة، يمكنه أن يعود للحكم بشكل طبيعي وغير مستغرب.

لقد حل في المرتبة الثامنة ب12 مقعدا في مجلس النواب بما لا يسمح له حتى بتشكيل مجموعة برلمانية.

إن هذه الخسارة تعد انتصارا لمنهج الإدماج في التعامل مع الإسلاميين من أجل إضعافهم وإنهائهم شعبيا والتخلص منهم في الأخير كمشروع بديل لأنظمة الحكم في العالم العربي، مع إمكانية إبقائهم في المشهد السياسي ضعافا لتزيينه وشرعنة “ديمقراطية الواجهة”.

إن منهج الإدماج في التعامل مع الإسلاميين منهج مؤطر أمريكيا من قبل الديمقراطيين خصوصا ومن أغلب الدول الأوربية، ومطبق منذ القدم في الكويت واليمن والأردن، وأخذ هذا التوجه أهمية كبيرة في المغرب العربي بعد الربيع العربي لاعتبارات يطول شرحها.

وهو منهج يقابل خيار الاستئصال الذي لا يقبل أن يستفيد الإسلاميون بأي موقع في الساحة السياسية، ويعتبر أن أي شبر يحوزه هؤلاء بالمشاركة السياسية يتقوون به فيصعب إنهاء وجودهم من ساحات الشأن العام، وهو منهج اليمين الأمريكي المتشدد الذي أفرز الظاهرة “الترامبية”، وعدد من التيارات المتطرفة في أوربا وخاصة في فرنسا، وهو مطبق في العالم العربي في دول الخليج وفي مصر حاليا، وفي العراق وسوريا وتونس سابقا.

لا أظن أن الملك فكر في أمر إنهاء الإسلاميين سياسيا وحده، أعتقد جازما بأنه شُجّع من جهات عربية معلومة ذات توجه استئصالي لتسريع الأمر وعدم ترك أي فرصة قريبة لحزب العدالة والتنمية ليصحح أخطاءه. فالملك يحتاج إلى أموال عربية كبيرة يواجه بها مشاكله الداخلية والخارحية، وقد يحصل عليها فعلا الآن بعد التخلص من حزب العدالة والتنمية.

غير أن هؤلاء وحليفهم الملك ورجال الأعمال في الداخل المغربي سينفقون أموالهم ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، فالحركة الإسلامية في المغرب متجذرة ولها ركائز قوة أخرى كثيرة غير العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية ذاته له إمكانات بشرية وهيكلية وفكرية كبيرة ومتنوعة تسمح له بالاستدراك إذا اعترف بأخطائه وجدد نفسه، مع التنبيه بأن بنكيران الذي طلب من العثماني الاستقالة لن يستطيع أن يكون البديل إن لم يكن هو ذاته ضمن موضوع التجديد، إذ لا يختلف فكريا مطلقا مع العثماني في أبرز القضايا الفكرية والسياسية التي أضعفت الحزب.

وإذ أقول هذا فإني أشبه أمرهم بأمر حركة مجتمع السلم في الجزائر التي لم تستطع الوقوف بعد عثراتها والرجوع للصدارة والتحرر من التبعية العقيمة للنظام السياسي وإبراز أجيال قيادية جديدة وتحقيق نتائج جيدة في الانتخابات التشريعية السابقة رغم التزوير إلا بمجهود تجديدي شامل في الفكر والسياسة والعمل الاجتماعي استهدف كبار قادة الحزب السابقين الذين كان عدد منهم يتصارعون بينهم، ليس على أساس فكري تجديدي، بل من يكون منهم أقرب إلى السلطة.

ولا تزال حركة حمس إلى الآن تكافح للتخلص من أخطاء الماضي ولم تصل بعد إلى التجديد الكامل المؤهل للريادة والاستنهاض الحضاري حيث أنها تأخرت كثيرا قبل الانطلاق في هذه المسيرة التجديدية التاريخية، وكلما بدأ حزب العدالة والتنمية المغربي سريعا بعد النكسة كلما كان الاستدراك أقرب.

لقد نصحت العديد من قادة حزب العدالة والتنمية ليعتقوا أنفسهم من فخ التطبيع ولو أدى بهم الحال إلى الخروج من الحكومة و قلت ما مفاده أن الانتخابات التشريعية قريبة وستكون لكم حظوة كبيرة عند الناخبين لو استقلتم من الحكومة بسبب التطبيع الذي أريد لكم أن تكونوا أنتم من يمضيه ويتصدره، وحتى إن تعرضتم للتزوير الانتخابي فستكون خسارتكم مشرفة، وأنكم إن صممتم على الفعل المشين ستدفعون الثمن في الانتخابات المقبلة بمذلة.

للأسف الشديد حصل الذي خشيته، ولم ينفعهم حتى استغلال رمزية حماس الفلسطينية وقائدها المجاهد أبو العبد هنية ووفده المرموق حين استقدموهم لزيارتهم (في وقت غير مناسب بالنسبة للقضية الفلسطينية) طمعا في معالجة الأثر الشعبي السلبي على مصيرهم الانتخابي … وفي الأخير انتقمت فلسطين وخسر حزب العدالة والتنمية.

قد تكون خسارة حزب العدالة والتنمية بهذا الشكل الموجع سببا لاستفاقة الحركة الإسلامية كلها وليس هذا الحزب فقط، هذا الحزب الذي عوِّل عليه كثيرا في تقديم نموذج ناجح يتسم بالديمومة والتطور المتصاعد.

إن هذا الدرسَ البليغ درسٌ لكل حركات المشاركة السياسية الحكومية العقيمة التي باتت تزيد في عمر الأنظمة الفاسدة الفاشلة العميلة في كل العالم العربي، من حيث أرادت هذه الحركات الإسلامية بالنسبة لبعضها، ومن حيث لم ترد بالنسبة لأغلبها.

إن سبب خسارة حزب العدالة والتنمية ليس أداؤه بل منهجه، هو ذلك المنهج الذي يدور حول عبارات أضحت فارغة تنتمي للغة الخشب مثل التنازل من “أجل الوطن”، “سلامة الدولة”، ” استقرار الوطن”، “حماية الديمقراطية”، “المصلحة العامة”، “قطع الطريق على العلمانيين”، “دفع المفاسد أولى من جلب المصالح”..الخ. لقد أظهر هذا المنهج المتبع من مختلف الحركات الإسلامية التي تُحشر كلُّها من طرف خصومها في “جماعة الأخوان المسلمين” ليسهل ضربها بأنه منهج تجاوزه الزمن وأصبح يحقق عكس مقاصده المعلنة إذ كل الأنظمة التي يتنازل لها قادة التيار الإسلامي تشتغل بشكل منهجي ضد تلك المقاصد، وما قبولهم لمشاركة الإسلاميين في التسيير الحكومي إلا لضرب ذات المقاصد، وبمساهمة هؤلاء الإسلاميين.

ومما عقد مسيرة هؤلاء القادة السياسيين الذين جاؤوا من حركات دعوية إحيائية إصلاحية أن طول اتباع منهج المشاركة العقيمة أنتج قيادات صار لها نفوذ في مؤسسات أحزابهم ألفوا امتيازات الحكم وأهبّته ووجاهته وخدماته وعيشه الهانئ، وصار لبعضهم أصدقاء وعلاقات ووشائج شخصية مع نخب الفساد وأعداء المشروع في الحكم، فلم تصبح لهم القدرة على اتخاذ قرار مغادرة هذا الواقع المألوف، وركوب مخاطر المعارضة وإغضاب الحكام، بل منهم من أصبح هو ذاته فاسدا ويسعى لاستغلال حزبه والانتفاع بمنهج المشاركة لمصلحته الشخصية، على هامش جسمهم الكبير الذي أضحى عاجزا على التصرف تجاه هذه الحالات الشاذة.

وزاد في ابتعادهم عن أهدافهم الإحيائية الأصلية انغماسهم كليا في السياسة دون أن يوجدوا لمشروهم مؤسسات ومشاريع ومسالك لإصلاح المجتمع وخدمته والتأثير فيه والاستفادة منه لإعلاء شأن المعروف وحطّ رؤوس مختلف المناكر.

ومن أخطر ما توصل إليه هذا الواقع أن هؤلاء صاروا يفتون لأنفسهم ويغلّطون أتباعهم بليّ النصوص وابتكار توجهات فكرية يلحقونها ب “فقه المقاصد” من غير وجه حق، ومن أغرب ما أجيب به قادة حماس حين سألوا قادة حزب العدالة والتنمية عن سبب التنازل في مسألة التطبيع قولهم ” إنها إكراهات الحكم!” فما هي إلا شهور قليلة حتى سقطوا من الحكم سقوطا سريعا مذهلا، ولم يخف الصهاينة الذين طبعوا معهم ابتهاجهم بصعود أصدقائهم المغاربة المطبعين الأصليين في هذه الانتخابات الأخيرة، وسقوط الإسلاميين الملحَقين بالتطبيع خلافا لمبادئهم.

لقد بدأ سقوط منهج المشاركة العقيم منذ سنوات، وهو في حالة تسارع مع الأحداث المتتالية والمتسارعة في تونس والمغرب ومن قبل في الجزائر ومن قبل في دول المشرق العربي، ولعل خسارة العدالة والتنمية هي الصدمة التي تدفع للتفكير في الخروج نهائيا من هذا المنهج ليتخفف الإسلاميون عن أنفسهم من ثقل مسؤولية “التازل من أجل الدولة واستقرار الوطن وتحقيق الديمقراطية” – كما يقولون – فلا يجعلوا لأنفسهم سقفا في الكفاح من أجل الحريات والتغيير الفعلي للواقع البئيس الذي يعيشه عالمنا العربي، الذي لا سبب له سوى الأنظمة الفاسدة الفاشلة العميلة التي يتنازلون لها لأجل مجرد قبولهم في الساحة السياسية دون فاعلية لتغيير واقع الأوطان والأمة والشعوب، فإما أن يكونوا في الحكم مشاركين فعليا وفق حجمهم الانتخابي في انتخابات حقيقية حرة ونزيهة أو ممكنين بواسطة الإرادة الشعبية من أجل تطبيق برامجهم لنهضة بلدانهم، أو يكونوا في المعارضة يعملون ما بوسعهم من أجل التغيير، ولو طال بهم الزمن، فلا يضعهم المستبدون بينهم وبين الشعب، وليبحثوا لأنفسهم عن طرق عصرية جديدة غير مألوفة للنضال السياسي، بين التوجهات الإصلاحية والتوجهات الثورية السلمية، يضعفوا بها الأنظمة الفاسدة دون صدام معها ما أمكن، ويسألوا العافية من الله وحده، حتى تعتدل موازين القوة لصالح التغيير الفعلي بمشاركة الأنظمة القائمة أو ضدها أو لإنهائها، بالتحالف مع قوى المجتمع المتعددة وفواعل السنن الغلابة.

إن فعلوا ذلك لن ينفع لإنهائهم لا نهج الإدماج ولا نهج الاستئصال، لأن المواجهة المباشرة عندئذ ستكون بين الأنظمة والشعب، فما هم إلا جزء من الشعب.

وإن كانوا غير قادرين على المواجهة وسط الشعب، أو اشترطوا على الله لأنفسهم عدم التعرض لأي خطر، فليخرجوا من السياسة ويكتفوا بالعمل في المجتمع، أو يبقوا في بيوتهم وليتركوا المواجهة بين الشعب والأنظمة الفاسدة فسيجد الشعب طريقه في يوم من الأيام.

د. عبد الرزاق مقري

أفغانستان: أفول الإمبراطورية الأمريكية وفرص الأمم الحية

هناك مقولة مشهورة للجنرال الفيتنامي فون ناوين جياب مفادها: “الاستعمار تلميذ غبي لا يفهم الدرس”.

هذه المقولة تتجلى في صور خروج الجنود الأمريكيين العاجل من أفغانستان ومعهم آلاف من العملاء الأفغان العسكريين والمدنيين، متكررة لما حدث للجيش الأمريكي وهو خارج من فيتنام، وما حدث للجيش الفرنسي وهو ينقل جنوده ومعهم مئات الآلاف من الأوربيين المدنيين، والعملاء الجزائريين الفارين بجلودهم.

إن الصورة الخضراء بالتصوير الليلي لآخر عسكري أمريكي يغادر أرض الأفغان معبرة جدا وهي تطوف على كل وسائل الإعلام العالمية، إنها صورة تدل على مصير الاحتلال الأجنبي مهما طال الزمن، وهي بالإضافة إلى ذلك تدل على بداية أفول الإمبراطورية الأمريكية وبداية بروز عالم جديد يكون للأمم الأخرى الحيّة حظ للصعود وصناعة المجد.

لم يُخف الرئيس الأمريكي بايدن خسائر بلده وهو يقنع مواطنيه بضرورة التسليم بالهزيمة قائلا: “لا يمكن أن نكسب الحرب في أفغانستان” بل كرر مقولة مأثورة عن أفغانستان: “إنها مقبرة الغزاة”.

أخبرنا الأمريكان أنفسهم بأنهم خسروا الكثير على مدى قرابة 20 عاما، حيث وصل عدد قتلى الجيش الأميركي في أفغانستان 2448 جنديا، حتى أبريل 2021، كما قُتل خلال ذات الفترة نحو 3846 من المتعاقدين الأميركيين، ووصل عدد الإصابات إلى 20660 من الجنود أثناء القتال، وبلغت الخسائر البشرية من عناصر الدول الحليفة وحلف الناتو 1144 قتيلا. وعلى المستوى المادي بين “مشروع تكاليف الحرب” في جامعة براون ألأمريكية أن الولايات الأمريكية المتحدة أنفقت تريليوني دولار، وعلى حد تعبير وكالة “أسوشييتد برس”، فإن الولايات المتحدة كانت تقترض الأموال لتغطية تكاليف حرب أفغانستان، ما يشير إلى أن أجيالا من الأميركيين سيُثقل كاهلها لسداد تكلفتها، وحسب تقديرات أمريكية مختصة من المتوقع أن تصل تقديرات فوائد قروض الولايات المتحدة من أجل الحرب بحلول سنة 2050 إلى 6.5 تريليون دولار. وهذا علاوة على الخسائر الأفغانية في الحرب التي وصلت إلى مقتل قرابة 66 ألف أفغاني من الجيش والشرطة، و111 ألف مدني على الأقل وفق بعثة الأمم المتحدة، علاوة على عمال الإغاثة والصحفيين.

حينما قررت أمريكا غزو أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بنت قرارها على تِعلّة كاذبة تتعلق بملاحقة الإرهاب الذي صنعته ووظفته استخباراتها، وإنما كان الهدف الحقيقي خيرات أفغانستان وممرات الطاقة والتمركز في وسط آسيا لمراقبة الصين وروسيا عن قرب.

كانت هذه الحرب خاسرة منذ بداياتها أمام شعب مصر على قتال المحتل كعادته، تمظهر في هذه الفترة في ظاهرة طالبان، وكانت الهزيمة قد حلت بأمريكا قبل مجيئ بايدن، ولكن الرؤساء من قبله كانوا يخفونها، طمعا في إعداد وضع سياسي تابع لهم بعد خروجهم، يخفف عنهم وطأة الاعتراف بالهزيمة، ويحقق لهم، ربما، مكاسب بعدية. يقول الصحفي في الواشنطن بوست كريغ وايتلوك: “تظهر المقابلات والوثائق، التي لم ينشر منها الكثير سابقا، كيف أخفقت إدارة الرؤساء جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب الحقيقة لعقدين، كانوا يخسرون الحرب ببطء رغم دعمهم لها بصورة جارفة، وبدلا من الاعتراف اختار القادة السياسيون والعسكريون دفن أخطائهم وترك الحرب تمضي على غير هدى”.

لقد كان كل رئيس من رؤساء أمريكا يعلم بأنهم انهزموا في أفغانستان، كما انهزموا من قبل في فيتنام وفي العراق. ولكن كان كل رئيس يترك خزي إعلان الهزيمة للرئيس الذي يأتي بعده. وحينما جاء بايدن للحكم وجد أمريكا مريضة قد فقدت سلطتها على العالم، في داخلها تحول التنوع الذي كان يمثل ثراء في الحلم الأمريكي إلى كابوس مزعج، وإلى صراعات داخلية وتمزق عرقي بات يهدد استقرار أمريكا ويجرها إلى الأسفل، وزادت أزمة الرأسمالية المالية من توتير الجبهات الاجتماعية وتعميق الفروق في الشعب الواحد، وصارت القدرات المالية اللامحدودة غير قادرة على الإنفاق على التوسع الامبراطوري العالمي – وكأننا نعيش العهد الأخير للامبراطورية الرومانية وما شابهها عبر التاريخ – وظهرت قوى دولية وإقليمية جديدة تزاحم النفوذ الأمريكي في كثير من أرجاء العالم، وتغلبه في كثير من الأحيان.

أعطى أوباما سنة 2014 وهما بأن أمريكا ستخرج من أطول حرب في تاريخها بطريقة مسؤولة، وأن قواته تقوم بمهام غير قتالية، وأعلن ترمب صراحة بأن أمريكا لا بد أن تخرج من أفغانستان ودشن بنفسه المفاوضات مع طالبان، ولكن لم يستطع الجيش الأمريكي في حكميهما التوقف عن القتل في صفوف الأفغان، بالضربات الجوية التي لم تقض في الغالب إلا على الأطفال والنساء، كما أن توابيت الجنود الأمريكيين لم تتوقف عن السفر نحو مثواها الأخير في بلادها.

حاول بايدن دعم المفاوضات مع طالبان ليتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأفغاني أشرف غني ليكون خروج أمريكا بعد إنجاز سياسي كبير ربما يُختَم بحفل في العاصمة الأفغانية تُقدِم فيه الأطراف الأفغانية المتصارعة الشكر لأمريكا، ويطوِي قائدٌ عسكري أمريكي علم بلاده ضمن مراسيم العظمة والموسيقى العسكرية الاستعلائية الهوليودية، ولكن ذلك لم يحدث!

كانت طموحات أشرف غني كبيرة في البقاء في الحكم مع إمكانية إشراك طالبان في الحكومة مشاركة شكلية بعد تسليم سلاحها، فرفع سقوف اشتراطاته، غير أن سوء تقديره لحاجة أمريكا إليه أسقطه من شرفات غروره.

أعلن بايدن صراحة قرفه من هذه الرئيس الذي صنعوا له دولة وأنفقوا عليه مليارات الدولارات ودربوا جيشه وحموا قصره. لم يدرك أشرف غني بأن أمريكا تريد الفرار بجلدها وأن كل ما تريده منه أن يوفر لها خروجا آمنا وربما مشرفا، فلما اعتقد بأن أمريكا ستبقى رغما عنها لحماية مصالحها فسدت كل حساباته.

كل الدراسات وتقارير مراكز الاستشراف كانت تشير إلى اقتراب خروج نهائي لأمريكا، ولكن أشرف لم يقرأها هكذا، فما إن تأكد من حوله بأن أمريكا قررت الخروج تهاوت دولته التي كان يسيرها بالفساد والمناورات، واتضح بأنه لا رابط من عقيدة دينية أو قومية أو وطنية تجمع من في الإدارة والجيش من الأفغان، فاستسلم أغلبهم لطالبان والتحقوا بهم، وترك الخدمة كثيرهم، وفر بعضهم إلى المطار رابطا مصيره بالمحتل، والتجأ بعضهم إلى وادي بانشير موقع الصداع القديم الجديد لطالبان.

لقد تصرف أشرف غني ومن معه كتصرف المستوطنين الأوربيين و”الحركى” (الخونة) الجزائريين حينما رفضوا قرار ديغول الخروج من فرنسا بعدما أدرك هزيمة بلاده فقرر التفاوض على استقلال الجزائر، حاولوا المقاومة وتحولوا إلى كيانات إرهابية عبر المنظمة المسلحة الخاصة وفي الأخير خسروا كل شيء إذ خرجوا عن بكرة أبيهم من الجزائر وخسرت معهم فرنسا لأنهم حرموها من خروج هادئ تزين به صورتها في العالم، أو ربما يبقون في الجزائر كقوى شعبية كبيرة تديم فرنسا بهم وجودا جزئيا على الأرض.

مثّل خروج أمريكا من أفغانستان وجها من وجوه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المتخوفة من الصعود الثابت والشامل للصين في الريادة العالمية، والعودة الصارمة لروسيا. كانت أمريكا تتمنى لو يكون خروجها محسوبا فتترك من يضمن مصالحها ويديم وجودا بالوكالة خالصا لها في قلب آسيا الوسطى لمواجهة غريميها الصين وروسيا ولكن ذلك لم يحدث، ولم تصبح حجة بايدن أمام النخب الأمريكية مقبولة بأن أمريكا خرجت من أفغانستان حتى لا تُستنزف في مواجهة المخاطر الجديدة، إذ قال له قومه لقد سلّمتَ أفغانستان للإسلاميين والصين وروسيا وإيران وباكستان وربما تركيا. ولا أخاله إلا قد حفظ ما يمكن المحافظة عليه بقراره الشجاع، ضمن حالة صراع محمومة بين الأمم لكسب صداقة سادة أفغانستان الجدد بالنظر للأهمية الاستراتيجية لهذا البلد، والرسائل الإيجابية التي أرسلها قادة طالبان إلى العالم والشروع في التفاوض المباشر مع دول جوار، إضافة إلى استمرار التفاوض مع قوة الاحتلال المغادرة.

حين جاءت أمريكا بعساكرها لمنطقة الشرق الأوسط كان خصمها الأول هو الخطر الأخضر، أو الحضارة الإسلامية على حد قول صامويل هنتنتن في دراسته الشهيرة “صدام الحضارات” وكان صعود الحركات الإسلامية في الحياة الاجتماعية والثقافية، وفي الانتخابات في العديد من الدول الإسلامية والعربية هاجسا لأمريكا تخشى أن يغير الأنظمة التابعة لها في العالم الإسلامي والعربي، لم تنجح أمريكا في التحكم في صعود الهوية السياسية الإسلامية في عدد من بلاد العجم، بشكل أو بآخر، ولكنها نجحت في ذلك، إلى الآن، في العالم العربي بدعم حلفائها الأوربيين وعملائها العرب.

لم تنتبه أمريكا كثيرا، أثناء صراعها من أجل الحفاظ على الأمر الواقع في المنطقة العربية خدمة لمصالحها وحماية الكيان الصهيوني، لصعود الصين العظيم اقتصاديا وعبر مشاريعها الاستراتيجية الدولية الكبرى، وانتماءاتها الكونفوشيوسية، ونموذجها الأيديولوجي البديل، رغم تحذيرات العديد من الكتّاب ومراكز الدراسات الأمريكية، كما فوجئت بعودة روسيا بقوميتها السلافية وحضارتها المسيحية الأرثذكسية الشرقية وباستحضار أمجادها القيصرية، وكوابيسها السوفياتية. وفي نفس الوقت خرج عن الطوق، أو تحاول ذلك، قوى إقليمية إسلامية حيّة وطَموحة، كتركيا وإيران وباكستان وماليزيا، كما أصبحت حليفتها أوربا مثقلة بالأزمات الاقتصادية والتمزقات الاجتماعية تبحث عن مصيرها بعد ظهور أماراة الأفول الأمريكي، بل إن الربيب الصهيوني صار يقيم أحلافا جديدة في المحيط العربي دون إذنها، وتتوجه أموال الشبكات المالية اليهودية العالمية للاستثمار في بلاد الحزب الشيوعي الصيني أكثر من ذي قبل.

لا يعني هذا الحديث أن أمريكا ستسقط فورا، ليس هذا شأن الامبراطوريات، وإنما هو حال الدول الضعيفة الهزيلة التي تسقط فجأة كالثمرة المارقة المثقلة بالعفن من عرفها. إن أفول أمريكا هو الأفول الامبرطوري الذي بدأ كي لا يتوقف عبر مراحل من الزمن.

لقد أحسن بول كينيدي الوصف – وغيره كثير من الكتاب – في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى” حين شبه أمريكا بما أصاب دولا عظمى قبلها، توسعت كثيرا فاضطرت للإنفاق أكثر من طاقتها للحفاظ على وجودها ونفوذها فكانت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية سببا في تراجعها إلى أن أصبحت دولا عادية وخلَفها في الريادة الدولية، أو شاركها، غيرها.

حين ننظر إلى المؤشرات الاقتصادية وحدها، نرى بما هو قابل للقياس بأن أمريكا تتراجع في ميدان السباق الدولي، سواء ما تعلق بمعدلات النمو، ونصيبها في الإنتاج العالمي، وحصتها في التجارة الدولية، وقوتها التنافسية، ووضع الإنتاجية، وحجم النفقات، ومستويات الادخار، وتقلبات قيمة الدولار والثقة فيه كوسيلة للتبادل العالمي، كل ذلك في تراجع مستمر، خصوصا في مواجهة الصين التي قررت أن تكون القوة الاقتصادية الأولى سنة 2030، و ربما القوة العسكرية الأولى سنة 2040. وحتى وإن لم تكن هي كذلك وحدها، سيكون مجموع القوى الحية الصاعدة في منظمة دول شنغهاي للتعاون هي من يقضي على الهيمنة الأمريكية نهائيا، خصوصا حين تطبق هذه الأمم فعليا قرارها بالتخلي عن الدولار الأمريكي في التعاملات المالية بينها.

للأسف الشديدة هذه الفراغات الشديدة التي تركها التراجع الأمريكي لا توجد فيها دولة واحدة من العالم العربي، لا توجد فيها دولة واحدة من هذه الدول الخائبة، رغم مقدراتها الهائلة من حيث الموارد الحضارية والطبيعية والبشرية والجيوستراتيجية. والغريب في أمر هؤلاء الفاشلين الفاسدين، وحلفائهم من النخب المستلبة، أن أكثرهم حزن لانتصار طالبان وهزيمة أمريكا في أفغانستان أكثر من حزن الرئيس الأمريكي بايدن نفسه. لقد حزن هؤلاء لأنهم تعودوا مهنة الحاجب الحارس على المصالح الأمريكية في بلدانهم، وحين لم يصبح لأمريكا مصالح كبرى عندهم تركتهم ينتحبون. لم يفهم هؤلاء أبدا أن هذه الهزيمة الأمريكية في أفغانستان هي فرصة لمن كان حيا من الأمم إذ هي حالة رمزية تدل مرة أخرى بأن أمريكا لم تصبح قادرة على منع صناعة النجاح والنموذج في أي دولة في العالم.

حين قرر صاحب القرار الأمريكي الخروج من أفغانستان لم يستشر حلفاءه الأوربيين ولم يأبه بعبيده المنفصلين عن هويتهم ووطنيتهم في أفغانستان وفي البلاد العربية والإسلامية. غير أن الأوربيين فهموا الدرس فورا فاجتمعوا في لقاء غير رسمي لوزراء الدفاع الأوربي في الثاني من شهر سبتمبر ناقشوا فيه مشروع قوة دفاعية مشتركة ليعتمدوا على أنفسهم على إثر أحداث أفغانستان فقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي جوزيف بوريك في الاجتماع قولا معبرا عن كل ما نقوله في هذا المقال: “هناك أحيانا أحداث تُحفز التاريخ وتُحدث انطلاقة، وأعتقد أن أفغانستان واحدة من هذه الحالات” وقال: “نطمح إلى تقديم الخطة للاتحاد خلال الأشهر المقبلة وأحداث أفغانستان عجلت بالأمر، الحاجة لدفاع أوروبي أكثر قوة باتت جلية أكثر من ذي قبل”.

أما حكامنا في العالم العربي كله فإن مستواهم الحضاري، وحالتهم النفسية والفكرية والأخلاقية، لم تؤهلهم لفهم ما فهمته الأمم الحية الصاعدة إزاء الأفول الأمريكي، وما فهمه الأوربيون حلفاء أمريكا، بل ما فهمه الصهاينة أنفسهم، وبقوا في تيههم يتنافس بعضهم على دعم بني صهيون بالتطبيع والخيانة علهم يتقربون بدولة الكيان إلى أمريكا التي باتت منشغلة بنفسها، يواصلون الصراعات بينهم ويغذون العداوات، يشغلون مواطنيهم بالأوهام والخلافات والأزمات وخيبات الأمل وقطع آفاق المستقبل، مواطنيهم، لا هم لهم سوى كسر المعارضين، ولو في إطار القانون، و تحجيم الحركات الإصلاحية صاحبة مشروع إحياء الأمة، لا تشتغل عقولهم إلا من أجل ضمان نصاب البقاء في الحكم.

فاللهم اهدهم يا رب، وإن هديتهم فصلحوا وأصلحوا فاجعلنا عونا لهم وخذ منا وزد لهم ليقووا على الخير، وإن لم يكونوا أهلا للهداية فاللهم أرحنا منهم بما شئت، ولا تجعل لهم علينا سلطانا واجعل الصالحين منا هم الوارثين، واجعلنا من هؤلاء الصالحين المصلحين ..آمين.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

عن قطع العلاقات مع المغرب

إن الدولة المغربية تأتي في الصنف الأول ضمن الدول العربية التي أضاعت سيادتها، فهي دولة وظيفية لا تملك قرارها، تشتغل لصالح فرنسا والكيان الصهيوني ضمن المحور الغربي والمظلة الأمريكية الأعلى.

والمغرب بلد ضعيف بدون مقدرات يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية لم تستطع، أو لم ترد، دول المحور الذي ينتمي إليه إخراجه  منه، ويسعى نظامه لإشغال الرأي العام المغربي بإدخال الجزائر عنوة في موضوع ملف الصحراء الغربية، بالرغم من أن الحالة الراهنة هي ذاتها التي كانت زمن التقارب الجزائري المغربي أثناء حكم الشادلي والحسن الثاني، حينما اتفق البلدان على تحسين العلاقات ثم الشروع في تأسيس مشروع المغرب العربي دون اشتراط الاتفاق على ملف الصحراء، أي التقارب بين البلدين وترك موضوع الصحراء الغربية جانبا عند الأمم المتحدة. فالذي غير سياسته هو المخزن في زمن محمد السادس وليس الجزائر. وللضغط على الجزائر وجرها إلى واقع جديد اتجه المغرب إلى سياسة عدائية جديدة متصاعدة في ملفات خطيرة جدا خصوصا موضوع جلب الكيان الصهيوني إلى المنطقة رسميا بعد ما كان موجودا فعليا قبل فترة طويلة وتطبيع العلاقة الدبلوماسية علنيا ودعمه لإدخاله كعضو مراقب في الاتحاد الافريقي، وكذلك دعم تنظيم ” الماك” الانفصالي المرتبط علانية بالكيان الصهيوني والوصول بلا مواربة وبكل خسة إلى الدعوة الرسمية من قبل الممثل الدائم للمغرب في الأمم المتحدة إلى إقامة “دولة القبايل” في الجزائر، علاوة على الحرب القائمة من خلال التصدير الإجرامي للمخدرات إلى الجزائر، علما بأن المغرب من أبرز البلدان تصديرا  للعالم  القنب الهندي (الكيف أو الحشيش) مثلها مثل أفغانستان  وقدد قرر الترسيم القانوني لزراعته وإنتاجه.

رغم كل هذا يُعتبر قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب قرارا متسرعا كان يفترض مشاورة الشركاء السياسيين في الموالاة وفي المعارضة بشأنه – كما تفعل الدول الديمقراطية في مثل هذه الأمور  الهامة ذات الأثر المتعدي – لو كان النظام السياسي الجزائري يؤمن حقيقة بالأحزاب والوجود الطبيعي والمفيد للمعارضة.

إن حركة مجتمع السلم، على سبيل المثال، ليست جهازا ملحقا بالحكومة عليه أن يؤيد ويشرح موقفها. وبالإضافة إلى ذلك فإن قطع العلاقات مع بلد شقيق، مهما كانت عدوانية نظامه على بلادنا، ليس بالأمر الهيمن، وقد حدث أن بلدان في حالة حرب ولا تقطع العلاقات وتترك مجالا للديبلوماسية.

ولئن كانت العلاقات السياسية والاقتصادية مقطوعة فعليا بين البلدين منذ سنوات، لم يكن الأمر يتطلب تعميق آثار الأزمة على المستوى الاجتماعي بين الشعبين للترابط الوثيق بين الناس العاديين العابر للحدود وللسياسة بين البلدين،  وعلى المستوى المعنوي في الساحة العربية كلها، التي ضجر سكانها من التشتت والضعف الذي هم فيه. كان يمكن تخفيض مستوى التمثيل كرسالة للنظام المغربي وحلفائه، مع أخذ كل الاحتياطات الصارمة لمنع الاختراق الصهيوني عن طريق المغرب، بسبب أن التطبيع المغربي هو الأخطر في العالم العربي بسبب بعده الاجتماعي.

وإذا كان السبب المباشر  لقطع العلاقات هو دعم منظمة الماك الانفصالية فإن فرنسا تأوي رأس هذا التنظيم وتوفر له الحماية والدعم، وعناصره الأشرس والأكثر تطرفا موجودين على أرض هذا البلد، وإذا كانت الخلفية هي التطبيع الرسمي فإن دولة الإمارات هي عرابته عند العرب ومشجعته وداعمته في منطقتنا، كما أن أكبر عراب للكيان الصهيوني في أفريقيا هي فرنسا، وما الدولة المغربية في هذا الموضوع وفي هذه الساحة إلا خادمة لأسيادها، وما ابتهاج مدير مكتب وكالة الأنباء المغربية (الرسمية) بعضوية الكيان في الاتحاد الافريقي الا رجع صدى للابتهاج الصهيوفرنسي،  علاوة على أن مصائبنا الثقافية والاقتصادية الأكبر تأتينا دائما من فرنسا ولوبياتها، وقد نبين لاحقا بالأمثلة الساطعة كيف نجت المصالح الفرنسية من موجة الحراك الشعبي، بل زادت، بالرغم بأن فضائحها هي التي سلط عليها الحراكيون الأصلاء الضوء بالأدلة والعبارات الأكثر وضوحا أثناء الحراك الشعبي، ويجب أن نتذكر ذلك الشعار الذي زلزل شوارع العاصمة في جمعاته الأولى “ماكانش الخامسة يا ولاد فرانسا” .

وفي الأخير يجب أن نقولها بكل صراحة بأن الجزائر كانت قادرة على الريادة المغاربية بالتفوق والتميز في مختلف الجوانب، خاصة في الجانب الاقتصادي بما يمنع المغرب من أن يتحول إلى وكيل للصهاينة وقوى الاستعمار  كما هو الآن، وكان للجزائر كل الإمكانيات لذلك لو لا فساد العصابة التي جعلتنا بلدا ضعيفا يطمع نظام المخزن العميل في الاستثمار في ظروفنا الصعبة لتغيير الحدود الراسخة في العلاقة بين البلدين رغم مشكلة الصحراء الغربية.

ومع الفرص الضائعة نقول  بأن الحل الجذري في العلاقة مع المغرب، في حالة انسداد الأفق وعدم القدرة على حل المشكل بالحوار، هو التفوق والارتفاع عن الندية ولا يزال الأمر ممكنا.

إن الحل لمشكلة المغرب هو نهضة الجزائر على كل الأصدعة وخاصة على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي  وبتمتين الجبهة الشعبية على أسس ديمقراطية حقيقية وليس بالاعتماد على أصوات الانتهازية، الأكثر ابتهاجا بقطع العلاقة مع المغرب من النظام السياسي نفسه.

وفي حالة استمرار النظام المغربي في غيّه أحسن طريقة لتجاوزه مغاربيا ليس قطع العلاقات ولكن القدرة على إعانة الأشقاء التوانسة والليبيين لحل مشاكلهم والسعي لتحقيق وحدة المغرب العربي بدون المغرب – فلا مغرب عربي أبدا دون الجزائر-  إلى أن يعود إلى وضعية ما قبل التطبيع  ويترك دعم الحركة الانفصالية على الأقل، مع ضرورة الاهتمام بالعمق الافريقي، والمساهمة في محاصرة المخططات الفرنسية والمغربية والصهيونية الدعائية للجزائر وفلسطين  في هذا العمق الاستراتيجي، وعدم الثقة في أي تنسيق مع فرنسا في الساحل لأنها هي المسؤولة عن كل مآسي الأفارقة كما يقول المثقفون الأفارقة أنفسهم.

ويكون الوجود الفاعل في أفريقيا بالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء القدماء ذوي الثقل الأفريقي والتعاون مع القوى الدولية الصاعدة المهتمة بأفريقيا.

د. عبد الرزاق مقري

دلالات نهاية الاحتلال في أفغانستان

حين ذكّر جو بايدن رئيس الولايات الأمريكية المتحدة بالكلمة المشهورة: “أفغانستان مقبرة الغزاة” كان ذلك في سياق تبريره للشعب الأمريكي أسباب قراره الخروج من أفغانستان. لا يستطيع أحد أن يسحب هذه الخصيصة  من الشعب الأفغاني المجاهد، إذ أن تاريخه عامر عبر العصور فعلا بمقارعته بجلد وصبر لكثير من قوى الاحتلال، والتغلب عليها.

غير أن هذه الميزة هي ميزة أي شعب لم تبتلعه الحضارة الغالبة ثقافيا وفكريا ووجدانيا. فالاستعمار الفرنسي، مثلا، بقي أكثر من قرن في الجزائر،  ولكن حينما حافظ على هويته وأصالته قاوم سبعين سنة بالسلاح، ثم قرابة نصف قرن ثقافيا وسياسيا ثم أخرج الاستعمار بالثورة النوفمبرية المباركة. وكم هو الشبه كبير في تلك الصور التي بينت خروج الجنود الأمريكييين ومعهم الأعداد المكدسة  من الأفغان الذين ربطوا مصيرهم بالاحتلال، مع صور  جيوش الاستعمار الفرنسي  مدحورة، وذلك الهروب السريع المذل لمئات الآلاف من المستوطنين،  ومن “الحركى” الجزائريين الذين باعوا ضمائرهم للاستعمار ووثقوا به.

لا شك أن المسألة الأفغانية معقدة، للأهمية الاستراتيجية لأفغانستان، ولا شك أن ثمة لعبة دولية ما خلف الأحداث، ولكن المؤكد أن الشعب الأفغاني نال استقلاله بالسلاح، وما تم من اتفاقيات دولية لا نعلمها شأن أفغاني،  و الحكم على كل شيء في وقته عند ظهوره. فالشعب الجزائري لم ينتبه إلى التنازلات التي قدمت للاستعمار الفرنسي في اتفاقيات إيفيان إلا بعد عقود من الاستعمار، ولا زال النقاش قائما حول الموضوع ولا ندري بدقة أبعاد تلك التنازلات وآثارها على جزائر ما بعد الاستقلال. فقضية أفغانستان في أصلها ومبتدئها قضية تصفية استعمار لا يسع كل حر إلا أن يباركها، وما هو آت نحاول فهمه معا من خلال ما نتحصل عليه من معلومات ويكتبه المحللون ومراكز الدراسات، وهذه مساهمة منا عبر المحاور الآتية:

أولا – الأطراف الفاعلة.

ثانيا – النتائج والدلالات .

ثالثا – المآلات والواجبات.

وسندقق في هذه المحاور عبر عدة نقاط تحت كل محور.

أولا – الأطراف الفاعلة:

1 – حركة طالبان:

حركة طالبان حركة أفغانية، التعرف عليها والحكم عليها يكون وفق بيئتها وظروف نشأتها، ولا يوجد سبب لاعتبارها حركة إرهابية، فإن كان السبب هو منهجها الفكري فثمة حركات إسلامية أخرى موالية للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي هي على منهجها الفكري من حيث التشدد، وإن كان السبب هو حمل السلاح فإن وجود الاحتلال في أي بلاد هو ما يعطي الشرعية لاستعمال السلاح، ولا ننسى أن فرنسا كانت تسمي المجاهدين الجزائريين إرهابيين.

نشأت حركة طالبان سنة 1994  في ولاية قندهار على الحدود مع باكستان على يد الملا محمد عمر مجاهد (1959-2013)، وتسمى طالبان لأنها نشأت وسط طلبة المدارس الدينية وأغلب أفرادها من البشتون الذين يمثلون  38% من الشعب الأفغاني البالغ عدده 39 مليون نسمة. يذهب المتابعون إلى تفسيرات كثيرة  لظهورها المفاجئ عند النشأة، فثمة من يقول أن المخابرات الباكستانية هي وراء تأسيسها، بدعم أمريكي سعودي،  لمواجهة شاه مسعود ورباني القويين آنذاك واللذين ينتميان للحركة الإسلامية ذات المنهج الوسطي، وهناك من يذهب عكس ذلك فيقول أن فكرة تأسيس طالبان تعود لمبادرة من المولوي فضل الرحمن أمير جمعية العلماء المسلمين الباكستانيين، حين كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية للبرلمان الباكستاني، بالتشاور مع برهان الدين رباني وعبد رب الرسول سياف لمواجهة قوات حكمتيار  آنذاك العدو اللدود لشاه مسعود. وثمة رواية طالبان على لسان مؤسسها الملا عمر الذي صرح بأنه فكر في جمع طلبة المدارس لتأسيس الجماعة حين كان طالبا من أجل الحد من الفساد الذي استشرى، وضياع الأمن بسبب انتشار السلاح.

ومها كانت خلفيات تأسيس هذه الجماعة فإن الظروف التي كانت عليها أفغانستان تساعد على بروز حركة مخَلِّصة، قوية وغير متورطة في المآسي التي كان يشكو منها الشعب الأفغاني. 

كانت الحرب الأهلية قبيل ظهور طالبان تدمر كل شيء في أفغانستان، ولم تنجح أي وساطة في التوفيق بين الفصائل المتقاتلة على الحكم بعد خروج الروس، إذ قُتل فيها أكثر من 40 ألفا، وعدد هائل من الجرحى والمعطوبين، وخسائر مادية عظيمة، وكانت البلاد في فوضى عارمة، مجزأة بين الجماعات الأقوى، فحكومة رباني وشاه مسعود تسيطر على 7 ولايات في شمال ووسط أفغانستان، ويسيطر القائد الشيوعي رشيد دستم على 6 ولايات في الشمال، و”شورى ننجهار” تحكم 3 ولايات في الشرق، وإسماعيل خان في غرب البلاد، وباقي الولايات متروكة لنفسها بدون أي حكم. وقد أدت هذه الفوضى إلى ظهور نظام اجتماعي واقتصادي إجرامي مدمر للبلاد حول بعض أمراء الحرب الذين تعاظمت ثرواتهم بسبب السيطرة على تجارة المعادن والسلاح والسيطرة على الخدمات الإدارية، وفي مقابل ذلك بقي الشعب الأفغاني يزداد فقرا. أضحت الرذائل التي يمقتها الضمير الجمعي الأفغاني، ضمن هذه الظروف،  تنتشر كالهشيم وأضحت مخططات  الاستعمار السوفياتي لإفساد السكان من أجل السيطرة عليهم تتجسد أكثر من زمن وجوده، لا سيما وسط الجهات الذي يحكمها دستم فلا يستطيع أحد معالجتها. ولم تكف هذه المصائب المنصبة على الشعب الأفغاني حتى وجد نفسه، في ظل الانفلات الأمني، تحت سيطرة عصابات تجارة المخدرات والسرقة والاختطاف والابتزاز وأخذ الإتاوات من التجار لتجنب العدوان، والاقتتال في الشوارع أحيانا يروح ضحيته المارة الأبرياء.   

إن كل هذه الظروف هي التي جعلت الشعب الأفغاني يتطلع إلى مخَلِّص، فلما ظهرت قوة ذات بنية صلبة تعتمد على عدد كبير من طلاب المدارس الدينية غير متورطة في مآسي الشعب الأفغاني، بل تعلن أنها جاءت لتخلصه منه، وعلى أساس ديني، كان طبيعيا أن يحتفي بها هذا الشعب المسلم المظلوم وينصرها ويسندها. لقد كنا جميعا في ذلك الوقت نتوجس من صعود طالبان السريع، ولكنْ فهمُنا للظروف التي نشأت فيها، وانكسار كل  المشاريع الإصلاحية ومنها مشاريع التيار الإسلامي الذي نعرفه جعلنا نُنَسّب موقفنا منها ونتمنى لها التوفيق والعمل بما يشرف الإسلام ويخدم الأفغان.

بعد أن نجحت طالبان في مسح وجود كل القوى المتصارعة دخلت كابول منتصرة سنة 1996 وحكمت أفغانستان كلها إلى غاية 2001 ثم أسقطتها الولايات الأمريكية المتحدة بذريعة مكافحة الإرهاب وأصبحت أفغانستان بلدا محتلا من جديد ، وسنعود للحديث عن هذه الذريعة حين نتحدث عن طرف الولايات الأمريكية المتحدة.

أثناء حكمها حققت طالبان جملة من الإنجازات وأخفقت في أخرى، أمّا ما نجحت فيه فمنه تحقيق الوحدة الترابية لأفغانستان، وإنشاء نظام قضائي وإداري واحد، القضاء على الفساد السياسي والمالي، ووقف زحف الفساد الأخلاقي،  ملاحقة تجارة المخدرات وحرق حقولها، جمع الأسلحة وإنهاء نفوذ أمراء الحرب. وأما ما اخفقت فيه فهو كله مرتبط بمنهجها، ولا يمكن اتهام قادتها قي مقاصدهم أبدا، فهم كأشخاص بقوا بعيدين عن الفساد ومختلف أنواع الانحرافات الشخصية، ولكن كحركة تسبب لهم منهجهم في مشاكل كبيرة حين حكموا،  فهم حركة لا تؤمن بالتنظيم الحديث وبالمؤسسية العصرية، إنما تسير بتأثير قادتها، والأمير هو وحده صاحب القرار  إذ الشورى عندهم معلمة وليست ملزمة، أي أن الشورى موجودة في مؤسسات إدارية تقليدية بسيطة ولكن الأمير يستنير بها ولا يُلزم فيها  بشيئ، ومجال الاجتهاد خارج ما تعلموه في مذهبهم الفقهي ليس محببا عندهم ولا يملكون أدواته، ثم حرمهم تشددهم المذهبي وانغلاقهم عن المحيط الخارجي  من أن يستفيدوا من غيرهم. وحينما حكموا أفغانستان في السنتين اللتين تمكنوا فيهما سيّروا الحكم، بكل تعقيداته، بعزائم منهجهم في الجماعة، فظهرت عيوبهم وبان قصورهم في مواضيع حساسة كقضايا المرأة والتعليم والحريات والتنمية والعلاقات الدولة،  وأعطوا في المجمل صورة غير جيدة للمشروع الإسلامي في الحكم.  

وأما عن رجوعهم المباغت للحكم  في هذا الشهر فأكاد أجزم بأنهم ليسو أفضل موجود في أفغانستان في شأن السياسة والإدارة وشنشنات المفكرين والمتحدثين وأرباب التنظيمات، ولكن كانوا فقط في المكان المناسب حين  فشلت ترتيبات الأمريكان وحلفائهم وعملائهم ورجع الفساد والظلم والجريمة وتعمقت العمالة ضمن ما سنشرحه لاحقا، وغابت الحركات الإسلامية العريقة التي كان لها الفضل في دحر جيش الاتحاد السوفياتي عن الفعل. لقد اصطفى  الله ” الطالبانيون”  ليكونوا الوارثين بسبب صبرهم وجهادهم واستقامتهم. ومهما كانت الأسباب المباشرة وغير المباشرة والترتيبات التي قام بها هؤلاء هؤلاء ( التي سنشرحها في حلقة مقبلة)  هم اليوم في الحكم  وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأما المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله فإن مدخلاته كثيرة، ومن أهم مدخلاته: ماذا سيكون عليه الطالبان في إدارة الانتقال السياسي وكيف سيكون حالهم في الحكم. لا شك أن كثيرا من تصريحاتهم مشجعة جدا وتدل بأن ثمة مراجعات ولكن الواقع على الأرض وتفاعلات المدخلات الأخرى هو ما سيحكم على التجربة من جديد.

د. عبدالرزاق مقري

في ذكرى 20 أوت 1956: عن مؤتمر الصومام

اختارت مجموعةُ 22 الستةَ التاريخيين لتحضير تفجير الثورة وقسموا مناطق البلاد بينهم: مصطفى بن بولعيد (مسؤول المنطقة الأولى)، ديدوش مراد (المنطقة الثانية) ، كريم بلقاسم (المنطقة الثالثة)، رابح بيطاط (المنطقة الرابعة) العربي بن مهيدي (المنطقة الخامسة)، محمد بوضياف (المنسق العام)، بالإضافة إلى القادة التاريخيين الذين كانوا في مصر وهم بن بلة، آيت أحمد وخيضر.

وكان في حساب هؤلاء الأبطال أن يعقدوا اجتماعا سنة بعد الانطلاقة للتقييم والتنظيم، غير أن الصعوبات الكبيرة التي واجهتتها الثورة في سنتها الأولى لم يسمح بذلك. وبعد أن غيرت هجومات الشمال القسنطيني الموازين وحققت الأهداف الكبرى التي ذكرناها في المقال السابق، وبعد أن التف الشعب بمجمله بالثورة والتحق المركزيون ومختلف منظمات وشخصيات الحركة الوطنية من خارج حزب الشعب بالجبهة، أصبحت مسألة عقد مؤتمر عام لتنظيم الثورة مسألة حيوية لمواصلة الكفاح على أسس مؤسسية وتنظيمات وقواعد إدارية وعسكرية ورؤية سياسية وديبلوماسية واضحة، ومتفق عليها.

تم اختيار يوم 20 أوت تيمنا بمناسبة هجومات الشمال القسنطيني ولاعتبار المؤتمر في حد ذاته نتيجة لتلك المعارك التاريخية المباركة. ومن المشاكل التي واجهت مؤتمر الصومام تفكك المنظومة القيادية المسؤولة عن الثورة عند انطلاقها، فمصطفى بن بولعيد استشهد والمنطقة الأولى التي كان يرأسها تعيش أزمة كبيرة، ومحمد بوضياف سافر إلى فرنسا، وقيادات مهمة كانت خارج الوطن في مصر على غرار بن بلة وآيت أحمد وخيضر.

كانت الفكرة الأولى أن ينظم المؤتمر الجامع في المنطقة الثانية بالشرق الجزائري حتى يسهل التحاق القادة الذين في الخارج عبر الحدود مع تونس، ولكن حينما تأكد عدم حضورهم تحول اللقاء إلى أعالي وادي الصومام (إفري أوزلاڤن)، في وسط البلاد لتسهيل حضور المناطق الأخرى وبسبب تحصيناتها الجغرافية وإمكانية الانسحاب بأمان إلى غابة أكفادو.

كُلف العربي بن مهيدي برئاسة المؤتمر لمكانته وحكمته وباعتباره واحد من مجموعة الستة، وعبان رمضان مساعدا وكاتبا للمجهودات الكبيرة التي بذلها لتحضير المؤتمر . حضر هذا الاجتماع التاريخي قادة بابرزين على غرار زيغود يوسف ولخضر بن طوبال وكريم بلقاسم، وأعمر أوعمران، وسليمان دهيليس، وعلي خوجة، وعلي ملاح، ومحمدي السعيد، وعبد الحفيظ أمقران وغيرهم. وكلف عميروش بحماية المؤتمر باعتباره مسؤولا في المنطقة الثالثة التي يقع فيها المؤتمر

استطاع المؤتمر أن يتوصل إلى نتائج تنظيمية وسياسية كبرى سمحت للثورة أن تكون في مستوى الزخم الذي وصلت إليه، وأن تعطي رسالة للخارج بأن الثورة متحكمة على الأرض ولا يمكن استئصالها وأنها مستعدة ومؤهلة للتفاوض في كيفية إنهاء الاحتلال. ومن القرارات المهمة التي انتهى إليها الاجتماع تأسيس المجلس الوطني للثورة الجزائرية ولجنة التنسيق والتنفيذ، وتوحيد قيادات جيش التحرير وهيكلة صفوفه، وتجديد التقسيم الجغرافي للوطن من مناطق إلى ولايات مع إضافة ولاية سادسة للجنوب الكبير، وتأسيس جهاز القضاء وتوجيه وتنظيم النضال المدني والمنظمات الشعبية على مستوى العمال والطلبة وفدرالية الخارج. واتخذ المؤتمر قرارين كبيرين تسببا في خلافات شديدة وهو أولوية السياسي على العسكري، وأولوية الداخل على الخارج، علاوة على صياغة لغوية في الوثيقة تسببت في شكوك خطيرة وأدت إلى انقسامات كبيرة بين الجزائريين تتعلق بهوية الدولة حيث أكد المؤتمر بأن الدولة المنشودة ستكون جمهورية ديمقراطية واجتماعية وليست ملكية أو ثيوقراطية بائدة، ولم تذكر عبارة ضمن إطار المبادئ الإسلامية التي كانت في بيان أول نوفمبر.

مباشرة بعد انتهاء مؤتمر الصومام بدأت الخلافات بشأنه، ثم اختفت هذه الخلافات مع أصحابها من جيل المجاهدين وبقيت على مستوى المثقفين والمهتمين، وبشكل غريب انتقلت هذه الخلافات إلى أجيال الاستقلال من عموم المواطنين في أجواء الحراك الشعبي وضمن حالة الاستقطاب الكبيرة التي حدثت.

كانت أسباب الاعتراضات في صفوف المجاهدين متنوعة، بدأت بالشك في قصة “البغلة” التي هربت بالوثائق ووقعت في أيادي الاستعمار، إذ لم يصدقها البعض واعتبروها خيانة حدثت، واعتبرت قيادات مهمة من منطقة الأوراس التي لم يحضر ممثلوها أن المؤتمر إهانة للمنطقة الأولى وخيانة لرجالها، وصرح عمار بن عودة بأن المؤتمر خرج عن مبادئ أول نوفمبر وأنه اتجه اتجاهات شيوعية ولائكية، واتجه بن بلة لنفس الاتجاه، وهناك من اعتبر المؤسسات المنبثقة عن المؤتمر انقلاب على القيادة الشرعية التاريخية على غرار ما صرح به أحمد محساس، وهناك ممن حضر المؤتمر وكان عضوا في مؤسساته ثم طعن في قراراته وتوجهاته على غرار بن طوبال والشهيد زيغود يوسف، حسب ما ذكر في بعض المراجع والشهادات.

لم تؤثر هذه الاختلافات في مسار الثورة وغلبت ديناميتها مجمل الخلافات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية، بل لم تؤثر حتى على سمعة الثورة عند الشعب الجزائري وفي الخارج حتى تحقق الاستقلال. ثم أسكت الصراع على السلطة غداة الاستقلال هذه الخلافات وأصبح الفرز بين المجاهدين على نحو آخر .

وإذا أردنا أن ندقق في الاختلافات بموضوعية سنجدها ذات طابع شخصي في الغالب، أثرت فيها الظروف والتكوين والصراعات والخلفيات التي كان عليها القادة المؤثرون، دون إغفال الأبعاد الأيديولوجية التي تضمنتها بعض النصوص التي قد تكون من تأثيرات بعض الكتاب اليساريين الذين التحقوا بالثورة كأفراد بعد أن رفض حزبهم حل نفسه كما فعلت الجمعية واتحاد البيان الجزائري، وكان منهم مقررون في المؤتمر.

ولكن، مع كل هذا، لو كانت ثمة فرص للحوار بين المجاهدين ثم بين جيل الاستقلال المهتمين بتاريخ الثورة ونصوصها لما كان ثمة سبب للصراع والتشتت ولما أتيحت فرصة للمتطرفين للتركيز على جوانب الخلاف على حساب ما يجمع الجزائريين ويضمن الميراث الأصيل للثورة.

ومن الملاحظات التي يمكن أن نسجلها حين نقيم مؤتمر الصومام بموضوعية ما يلي:

– لا يوجد تناقض ولا صراع بين بيان أول نوفمبر ومؤتمر الصومام، فبيان أول نوفمبر رؤية أبدية خالدة تتجاوز الحيز الزمني للثورة يبقى السعي لتجسيد كل بنوده ما بقي نوفمبريون أصلاء في الجزائر يكافحون من أجل ذلك، وسيبقى بيان نوفمبر هو المرجع الجامع للجزائررين ولو بعد قرون، كما هي الوثائق المؤسسة “للثورة المجيدة” في بريطانيا، و”الثورة الأمريكية” و”الثورة الفرنسية” التي تزال مرجعيات ثابتة في بلدانها، في حين أن مؤتمر الصومام هو مؤتمر لتنظيم الثورة ينتهي دوره مع انتهاء الحيز الزمني للثورة وقيام الدولة الجزائرية المستقلة. ومحاسبة القائمين على الدولة عن وفائهم للثورة يكون على أساس رؤية الثورة في بيان أول نوفمبر وليس على أساس تنظيماتها في مؤتمر الصومام التي انتهت بانتهاء الثورة.

– حتى إن توقفنا عند الشكوك الأيديولوجية واعتبرنا نزع كلمة ” ضمن إطار المبادئ الإسلامية” عمل مقصود من البعض لا يمكن أن نتهم رئيس المؤتمر العربي بن مهيدي الرجل المتدين ابن جمعية العلماء بذلك، كما لا يمكن أن نتهم زيغود زيغود تلميذ ابن باديس وابن الكتاتيب، أو أن نتهم محمدي السعيد بذلك كذلك وهو الذي كام يخاصم بتشدد من أجل الإسلام. علاوة على أن وثيقة الصومام أكدت على المشترك الحضاري واللغوي لشمال أفريقيا، وهو أمر لا يعجب العلمانيين الصوماميين المتشددين الذين يرفضون الحضارة العربية الإسلامية. وفي كل الأحوال لا يمكن اعتبار وثائق الصومام حاكمة على بيان أول نوفمبر الذي كان وبقي محل إجماع، ولم يقع حوله خلاف مثل مؤتمر الصومام، ولم يكن ثمة شخص في مؤتمر الصومام شكك في بيان أول نوفمبر.

– لو نبتعد عن خلفيات الأشخاص الذين كتبوا النصوص لا نجد تناقضا بين مفهوم الدولة المدنية ورفض الدولة الثيوقراطية التي يتحدث عنها المتحمسون لمؤتمر الصومام وعبارة ” ضمن إطار المبادئ الإسلامية” التي يتمسك بها من يريدون المحافظة على أصالة الثورة وأهدافها، لأنه ببساطة لا يوجد في الإسلام ثيوقراطية. والعلمانيون الذين يتحصنون بمؤتمر الصومام لإثبات أيديولوجيتهم متأثرون بتاريخ الصراع بين الكنيسة والفلاسفة في القرون الوسطى وفي عصر النهضة وعهد الثورة الصناعية في أوربا، ولا يعرفون شيئا عن الإسلام وحضارته بسبب ثقافتهم الغربية، أو متحاملون مأجورون، وإقناعهم أو إفحافهم لا أسهل منه. فلا داعي للدخول في صراع معهم حول مؤتمر الصومام ولكن الأفضل جرهم إلى ساحة النقاش الفكري.

– أما الحكم على مبدأ “أولوية الداخل على الخارج والسياسي على العسكري” فيجب أن يكون نسبيا وأن يحضر فيه الصراع الذي كان بين القادة. فلا أتصور أن عبارة أولوية الداخل على الخارج تتعلق برؤية سياسية لما بعد الثورة يقصد بها دولة الاستقلال، لا أعتقد أن هذه هي الخلفية، لأنه كيف يمكن الحديث عن أولوية الداخل على الخارج حين نتحدث عن دولة؟ وإنما كانوا يقصدون أنهم لا يقبلون إملاءات القيادات التاريخية التي كانت خارج الوطن ومنهم بوضياف وبن بلة وآية أحمد وخيضر، ونصاب الحق في هذا أن القاعدة صحيحة بالتجريد، ولكن لا يمكن إنكار فضل القادة المفجرين للثورة خاصة محمد بوضياف الذي كان رئيس اللجنة الثورية للوحدة والعمل قبل اجتماع مجموعة 22، وهو الذي انتخبته هذه المجموعة ليكون على رأس مجموعة الستة وهو الذي تم انتخابه منسقا عاما للثورة بين قيادات المناطق وبين الداخل والخارج. فالبرغم من أن وثائق الصومام نصت على مبدأ القيادة الجماعية كان ينبغي إعطاء اعتبار خاص للقادة التاريخيين وذكرهم في الوثائق.

– وبخصوص أولوية السياسي على العسكري فهي مشكلة وقعت في أغلب الثورات المسلحة عند مختلف الشعوب، حيث كان تأثير العسكري هو دائما الغالب في المواجهات المسلحة مع العدو، ولكن يضل المبدأ صحيحا من حيث آليات اتخاذ القرار والتمثيل السياسي للثورة، ولو احترمت لجنة التنسيق والعمل ثم الحكومة المؤقتة الأولى والثانية، أو ربما لو كانت هذه الهيئة في مستوى المنتظر منها، لما وقعت الأزمات الكبرى التي عاشتها الجزائر قبيل الاستقلال وبعده. وفي كل الأحوال إن التنصيص على هذه القاعدة أثناء الثورة من المجاهدين أنفسهم يعطي مصداقية وقوة وشرعية لمن كافح ويكافح من أحل مدنية الدولة الجزائرية في الشكل والمضمون، وفي النصوص والحقيقة على الواقع، لأنه لا يوجد أي سبب ليكون الحكم عسكريا بعد الاستقلال وإلا يمكننا أن نقول بأننا متخلفون عن المستوى الراقي الذي وصلت إليه الثورة وقادة الثورة.
وفي الأخير يمكننا أن نخلص إلى أن مؤتمر الصومام حدث تاريخي ومنعطف حاسم نظم في وقته، بعد نجاح تعميم الثورة على إثر هجومات الشمال القسنطيني، ولو لم يحدث لدخلت الثورة في فوضى كبيرة ولما حققت اختراقاتها الكبرى عسكريا ومدنيا ودبلوماسيا، وأما ما يتعلق بأسباب الخلافات الأيديولوجية فيمكن تجاوزها، واعتراض قادة المنطقة الأولى على عدم تمثيلهم يتفهم مهما كانت الوضعية التي كانوا عليها بعد وفاة بن بولعيد رحمه الله، وما يتعلق بأولوية الداخل على الخارج فقد طواها الزمن، والنظام الذي تم اختياره للثورة يبقى للتاريخ، وأولوية السياسي على العسكري مسألة كفاح ضمن سياقات جديدة يُستأنس فيها بنصوص مؤتمر الصومام.

 

د. عبد الرزاق مقري

20 أوت 1955: الأحداث والعبر

لو أردنا أن نحصي أيام الثورة العظمى ومآثرها الكبرى لما كفت مجلدات ضخمة لكثرة الوقائع البطولية في كل ولاية، بل في كل قرية ودشرة، ولست أدري أين وصلت وزارة المجاهدين في مشروع توثيق شهادات الشهود على إحداثيات الثورة الذي انطلق منذ كان عدد كبير منهم أحياء.

غير أني بعد طول اهتمامي بتاريخ الثورة، وما سمعته من المجاهدين منذ طفولتي وما قرأت عنه وكتبت فيه أرى أن ثمة ثلاثة تواريخ تسبق غيرها في الأهمية وهي: الانطلاقة في 01 نوفمبر 1954، هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، الانتفاضة الشعبية الكبرى في 11 ديسمبر 1960 إلى أن جاء يوم الاستقلال الأغر المعلن عنه يوم 05 جويلية 1962.

وفي هذه المناسبة المباركة لهجومات 20 أوت نسترجع الأحداث ونقف عند العبر والعظات .

جاءت أحداث 20 أوت بعد قرابة سنة من اندلاع الثورة، وقد وصلت في تلك المرحلة إلى نقطة الانعطاف، إما تثبيت هبة نوفمبر وتأكيد الإنجازات أو انكسار المسار وقبر الثورة والعودة إلى هيمنة الاستعمار والشك في الذات.

كانت الثورة قد حققت إنجازات مهمة منها بدايات تأطير الشعب ضمن اهياكلها المدنية لضمان احتضان الثوار وجمع الاشتراكات وتوعية الجماهير، وتأسيس بعض المنظمات كاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين (جويلية 1955)، ونقل الثورة على الأرض الفرنسية بتأسيس فيدرالية جبهة التحرير هناك (ديسمبر 1955)، وعلى الصعيد الخارجي توطت الصلة مع الأشقاء والأصدقاء، وتحقق اختراق دبلوماسي كبير بتسجيل القضية الجزائرية في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا (24 أبريل 1955) للدول التي أسست منظمة عدم الانحياز.

غير أن الثورة واجهت ردة فعل غاية في العنف والهمجية من جيش الاحتلال ضد المجاهدين والمدنيين لترهيب الجزائريين معنويا وإيهام الداخل والخارج بأن فرنسا لا تزال قوة كاسحة تتحكم في الأوضاع، فنزلت للجزائر تعزيزات عسكرية غير مسبوقة وعمد الاحتلال إلى القيام بعمليات تمشيطية واسعة، خاصة في الأوراس، ظنا منه بأن الثورة معزولة في مهد انطلاقها، ولكسر شوكة المجاهدين استهدف القادة فألقِي القبض على بعض مفجري الجهاد كمصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط واستشهد قائد المنطقة الثانية ديدوش مراد.

لم تكن هجومات 20 أوت أعمالا بطولية بلا أهداف، بل ما حققته من نتائج أظهر عبقرية الثورة الجزائرية وأنها ظاهرة عالمية رائدة في تاريخ الثورات الكبرى في تاريخ البشرية.

تم اختيار يوم 20 أوت للتضامن مع الأشقاء المغاربة بمناسبة ذكرى نفي السلطان محمد الخامس بالمغرب لإظهار البعد المغاربي للثورة، وكان ثمة بعد إقليمي وعالمي لإشعار الدنيا بأن ثمة شعب قد كسر أغلاله وأنه هو السيد على الأرض، وحتى تصل رائحة البارود وعمق دماء الشهداء إلى الأشقاء في العالم العربي والإسلامي فينتبهوا بأن ثمة شعب عربي مسلم في الجزائر تحت الاحتلال يقاوم بشهامة نادرة فتقوى عزائمهم لدعم كفاحه، وليدرك الأحرار في العالم بأسره بأن عشقهم للحرية له قصة مشوقة في أرض الجزائر فيضغطوا على حكوماتهم الاستعمارية أو المترددة، ولتدخل المقاومة الجزائرية في اللعبة الدولية فتراهن عليها دول المعسكر الشرقي لإرهاق الرأسمالية الامبريالية، وسيساعد ذلك كله في كسب معركة الأخلاق عالميا، وعلى ساحة الدبلوماسية في محافلها .

ولتحقيق ذلك كله يجب إذلال فرنسا عسكريا في الميدان على أرض الجزائر، حتى تفقد أملها كلية في الرجوع بالقضية إلى ما قبل نوفمبر، وأن محاولات خلق القوة الثالثة المندمجة التي سعى إليها الحاكم الجديد جاك سوستال آنذاك أحلام زائلة، فكانت العمليات شاملة عبر ثلاثة أيام في ما يقارب 39 هدفا بين عمليات فدائية ضد العدو، وتصفية الخونة والعملاء، وحرق مزارع المعمرين، وعلاوة على ذلك إنهاء مساحات التماس مع الإدارة الفرنسية في المجالس المحلية التي كانت تزورها ضد مرشحي الحركة الوطنية، بدعوة من استطاعوا افتكاك مقاعدهم بالانسحاب والالتحاق بالثورة بعد مرور قرابة سنة من اندلاعها، إذ لم يبق من حل مع الاستعمار بعد رسوخ نهج الجهاد في نفوس الجزائريين إلا حل واحد ولا شيء معه: إنه البارود.

وبالفعل اندمج الشعب الجزائري قاطبة في الثورة، وأدركت الأقلية العميلة “الحركى” حقيقة مصير الخيانة، وانتهى تردد أحزاب وشخصيات الحركة الوطنية فاندمجوا مع إخوانهم في الكفاح وصار للجزائر جبهة واحدة موحدة، وتصدع الرأي العام الفرنسي تجاه القضية الجزائرية، وارتفعت معنويات ونخب الأشقاء في العالم العربي والإسلامي، وسُجلت القضية الجزائرية في الجلسة العاشرة للأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1956.

ولهذا كله نقول بأن معارك 20 أوت 1955 فاصلة في تاريخ الثورة تشتمل على دروس عظيمة في النضال والتضحية والسياسة والدبلوماسية والعمل الشعبي، وفي مسائل التخطيط والقيادة والإدارة والتنظيم والاتصال والتواصل. وقبل ذلك كله في الصدق مع الله وحسن التوكل عليه والوطنية الحقة والأخوة والوحدة والتعاون والتضامن.

فكيف يمكن لشعب وهبه الله هذا الكنز العظيم وهذه المرجعيات الخالدة أن يُضيّع معالمه وأن يتفرق ويشك في هويته وتاريخه، وأن يلعب الاستعمار ببعض نخبه بعد قرابة ستين سنة من الاستقلال وبعد هذه التضحيات العظيمة.

إن هذه الذكرى من أيام الله سبحانه، التي نذكره فيها ونشكره، ونعاهده على الوفاء لثورة نوفمبر ولعهدها وبيانها ودماء شهدائها.

والحمد لله رب العالمين.

د. عبد الرزاق مقري

منطقة القبائل وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حينما نرى ذلك المشهد الهمجي في الأربعاء ناث إيراثن والتواطؤ العام على القتل نشعر بأنه وضع غير طبيعي انهار فيه الضمير الجمعي ولم يصبح في المنطقة، على الأقل في مثل تلك اللحظات،  حس اجتماعي للنهي عن ما هو منكر في الفطرة البشرية، ووفق التشريعات الدينية أو القانونية، بغض النظر عن حيثيات القضية، سواء كانت الجريمة عنصرية، أو جريمة همجية لأسباب ودوافع سادية بربرية تتجاوز  مسألة حرق الغابات.

كيف يصل مجتمع ما إلى هذه الحالة المفزعة، الخطيرة على سلامة الأفراد والمجتمعات؟  حاولنا أن نعالج الأمر سياسيا وقد نعود إلى ذلك، ونحاول عبر هذه الأسطر أن نساهم في المعالجة من زاوية شرعية إسلامية،  وأقول من البداية حتى لا يؤل حديثنا بأن الأمر لا يتعلق بمجتمع يسكن فيه هذا العرق السكاني أو ذاك، إنما هي حالة سننية تعطي نفس المخرجات حينما تخضع لنفس المدخلات.

حينما نرى مناكر عظمى تقترف في منطقة ما ولا يوجد من يستطيع أن يرفع صوته لينكرها معنى ذلك أن الضمير الجمعي قد انهار، وسبب شيوع المنكر وانتصاره واهتزاز حصانة المجتمع هو، في ديننا،  سقوط شعيرة  من أكبر الشعائر الدينية الإسلامية،  وهي شعيرة التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونتيجة انهيار شعيرة الأمر بالمعروف والنهي هو ضياع الدنيا والدين،  والمحصلة النهائية معروفة لدى المسلمين: إنه الدمار والعياذ بالله، يقول الله تعالى: (( وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ))، وقوله تعالى: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (*) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) سورة المائدة: 79،78

   وفي الحديث الشريف عَنْ حُذيفةَ ، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ رواه الترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ.

لا شك أن الخوف من الله وابتغاء الأجر هو أساس قيام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أن صلاح أمر  المجتمعات في أمور دنياهم يمكن أن يتحقق، ولو كانوا غير مسلمين  لو حافظوا على ضميرهم الجمعي بالثقافة المجتمعية المناسبة وتحقيق التدافع في إطار القانون. فحينما قال الله تعالى: (( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) )) وحينما قال:   (((  ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الروم:41 ))، تحدث عن الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم. ولهذا السبب نجد كثيرا من المجتمعات غير المسلمة منعوا الفساد واللاعقاب فصاروا مجتمعات مستقرة وقوية، ومجتمعات أخرى مسلمة وغير مسلمة تسلط فيها الفسدة، وأفلت الظالمون من العقاب، فسلط الله عليها كل أنواع العذاب.

إن العقاب بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واللاعقاب أنواعه كثيرة  على نحو ما ذكره الله تعالى في الآية السابقة المتعلقة بشيوع الفساد في البر والبحر، وفي قوله سبحانه: ((  قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته زينب رضي الله عنها: ((أنهلك وفينا الصالحون . قال نعم إن كثر الخبث)). رواه مسلم .

   ومن أنواع العقاب  الفتن الداخلية والأزمات وتسلط الحكام الظالمين والأمراض والكوارث الطبيعية وغير ذلك، وقد تكون بعض الأزمات تنبيها للتوبة، ويتأكد العذاب في الأمم حين لا يبقى من ينكر المنكر نهائيا أو لا تتحقق الكفاية منه حتى يظهر الفساد ويغلب.

وإن لم يتم الاستدراك في منطقة القبائل سيصل الحال إلى نقطة اللارجوع ولا يمكن معالجة الأمر أبدا، بل سيبتلع الفساد والمنكر أعدادا كبيرة من ضعفاء الناس، الذين ينخرطون في شيع وعصب وجماعات ليسو منها في الأصل دون ن يشعروا،  وتبدأ مسيرة الانخراط بالجبن وإيثار العافية، ثم ينتقل السكوت إلى تبرير المناكر، والذي هو في حقيقة الأمر تبرير مواقف هؤلاء الضعفاء المتخاذلة، ومما لاحظناه في منطقة القبائل مؤخرا أن كثيرا من  الجرائم الخطيرة أصبحت تبرر ، ولا تكاد تسمع لها  إنكارا ومن ذلك:

– عدم انكار استضافة زعيم  تنظيم  انفصالي عميل لدول أجنبية وللصهاينة  داخل احدى المؤسسات الرسمية (جامعة تيزي وزو)  لتقديم محاضرة عند بعد للطلبة وتبرير ذلك، في الوقت لا يستطيع أي مسؤول سياسي معارض في إطار القانون أن يضع قدمه محاضرا في أي جامعة.

– عدم انكار ما يهدد الوحدة الوطنية  من استعراضات  انفصالية علنية وبحضور رايات الانفصاليين العملاء والاجتهاد الدائم في تبرير ترك هذا السلوك يتمادى، ويتم التهجم بقسوة، في نفس الوقت،  على القوى السياسية الوطنية بلا هوادة لأي رأي سياسي أو فكري مخالف لخيارات التيار المهيمن في المنطقة.

-عدم انكار إنزال العلم الوطني داخل إحدى الثانويات واستبداله بعلم انفصالي.

– عدم انكار جريمة ذبح امام مسجد في محرابه وتقديم تأويلات لصالح الجاني.

– عدم انكار التعدي على حرمة المساجد وعدم محاسبة  من تفاخر  عبر الوسائط الاجتماعية بببث الاغاني فيها. 

– … الخ

ومن العجب العجاب أن حتى جريمة القتل الجماعي لشاب عين مليلة لم ينكرها رؤوس التيار العلماني المتطرف الذين يلاحقون خصومهم أيديولوجيا على أبسط الهفوات، ويصنعون لهم هفوات كثيرة باطلا وزورا.

ليس هذا الصنف من الناس بالطبع من يهمنا، فهم جزء أصيل في الأزمة، ولكن يهمنا النخب الوطنية والإسلامية في المنطقة، وكذا المواطن الجزائري البسيط فيها، كيف يصل بهم الحال أن يصبحوا  يبررون للمطرفين وللمجرمين، ومن غرائب مبررات التبرير  قول من يقول:  “يجب السكوت لكي لا تكون فتنة” تماما كما هو حال أولئك الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص لهم في الجهاد في سبيل الله، فلا يخرجون معه لمواجهة أحزاب وعصب الضلال،  فقال عنهم الله تعالى:  (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) التوبة 49، فأي فتنة أعظم من أن يُسكت عن هؤلاء الفسدة فيسيطرون على منطقة بكاملها في البلاد كما نراه الآن يتحقق شيئا فشيئا.

حينما يصل التبرير  إلى هذا الحد معنى ذلك أن آخر مراتب الإنكار تلاشت وفق الميزان الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم في الصحيح.

إنه لا يطمع عاقل أن تخلو بلدية أو ولاية أو جهة، أو أي مكان في العالم من الفساد والمفسدين كلية، ولكن المطلوب أن تُرفع شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون الضمير الجمعي سليما، فلا يضر أن تكون بعض الضمائر الفردية منحطة. المطلوب أن يرفع المعروف رأسه ويتوارى المنكر فيخشى أن يظهر، لا خوفا من القانون فقط بل قبل ذلك من المجتمع الصالح المحصن بالخير الذي يتعاون فيه الناس على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان كما قال الله تعالى: ((  وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )).

و لا بد أن نذكر بأن المسؤولية عن إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر عليها هي مسؤولية الفرد والمجتمع والدولة، فالنصيحة شرط من شروط الإيمان كما قال الله تعالى: ((  الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))، 

والقول الفصل في الأخير أنه  لا يمكن لمؤمن أن يجامل أحدا على الباطل ولو كان من أقرب أقربائه ومن عشيرته وعرقه كما بينت هذه الآية الكاشفة الصارمة الواضحة؛

 لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)

صدق الله العظيم

 

د. عبد الرزاق مقري

التطرف العرقي وصناعة التوحش

كل الانتماءات يمكنها أن تتطرف وتنتقل من مستوى من التطرف إلى مستوى أشد حتى تبلغ مرحلة التوحش، رأينا هذا عبر التاريخ في مختلف الانتماءات الدينية، وفي الانتماءات الأيديلوجية اليمينية واليسارية، وفي الانتماءات العرقية العنصرية بكل أنواعها، وحتى الانتماءات السياسية المتمركزة حول الرغبة في السلطة والنفوذ لا غير. وفي الجزائر رأينا كيف وصلت جرائم “الجيا” وأخواتها في التسعينيات إلى حالات من التوحش مذهلة، سابقة للتوحش الذي رآه العالم مع “داعش” والثقافة الداعشية، بدأت بالخطاب وانتهت بالمجازر في حق النساء والأطفال.

وأغلب حالات التوحش في تاريخ البشرية وصلت إلى هذا المستوى المفزع لما تدخلت فيها وأججتها واستعملتها الأبعاد السياسية والأمنية ومقاصد السيطرة والنفوذ بين قوى سياسية متصارعة على الحكم، وقوى دولية متصارعة على المصالح والسيطرة على العالم.

لقد رأينا في الأسبوع الفارط في مدينة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو حالة من التوحش مثلتها الصور المفزعة عن الإعدام الجماعي للشاب جمال بن إسماعيل  وحرق وتشويه جثته. فاجأت هذه الجريمة الشنعاء كثيرا من الجزائريين والمتابعين في العالم. ولكن هذه الحادثة المتوحشة البربرية لم تفاجئ أهل العلم وأصحاب الاطلاع على التحولات النفسية والاجتماعية التي تحدث للشعوب.

تعرف منطقة القبائل منذ مدة شحنا عنصريا مدروسا وممنهجا تحركه  أقلية من سكان المنطقة في الداخل،  وقوى من الخارج، وتغذيه ردود الأفعال المتقابلة المتطرفة.  وقد صنع هذا الشحن عند كثير من المواطنين البسطاء في المنطقة حالة من الاستعلاء العرقي، والشعور بالمظلومية الموهومة المعاكسة للواقع بين الجزائريين تماما. انتقل الشحن من مجرد خطاب،  يطلقه البعض عمدا وقناعة، والبعض يطلقه امّعة وتقليدا، وبعضه يكون جادا وبعضه مجرد لغو، ثم تحول الخطاب إلى تحشيد، فوجد الخطاب والتحشيد سكوتا عن إنكار المنكر من قبل الأغلبية الصامتة من الصالحين والطيبين في المنطقة، وضعفا وتخليا عن المسؤولية من قبل الدولة، فاشتد الخطاب وتعاظم الحشد حتى ابتلع كثيرا من المساحات الرخوة وكسّر الصخور  القليلة المقاومة للباطل في المنطقة، فكان الانتقال للتوحش تلقائيا ومباشرا، وما حدث في قضية  الشاب جمال رحمه الله وتشويهه قد يزداد اتساعا وتوحشا في المنطقة وقد ينتقل بفعل الانتقام والثأر لمناطق أخرى، بشكل أو بآخر،  إن لم يتم معالجة هذه الحادثة بالذات بالطرق الشرعية المتعلقة بالصلح والدية لرأب الصدع الاجتماعي،  وبالطرق القانونية الرسمية للتحقيق في حيثيات وأبعاد الحادثة ولمعاقبة المباشرين للجريمة  ومختلف المسؤولين عنها.

وستستمر الأزمة وتنتج أشكالا أخرى من التوحش إذا استمر السكوت عن المنكر من الأغلبية الصامتة الخائفة أو التائهة، وإن استمر غياب الدولة في المنطقة، وإن لم يتم معالجة أزمات الجزائر كلها من قبل النظام السياسي بالطرق التي تحقق الرضا الاجتماعي وتبني الثقة بين مكوناته، وتعلي من قيمة المواطن والشراكة المجتمعية وتجسد الإرادة الشعبية الفعلية الحقيقية التي تسمح بالرقابة على الشأن العام وبإمضاء العدالة وهيبة القانون أمام الجميع، وترك الطرق الفاشلة الضعيفة السائدة التي تحاول إظهار القوة والتحكم .. وهي غير ذلك.

إن لم تتجه الجزائر  إلى معايير الرشد رسميا وشعبيا فلا يستغربن أحد عندئذ أن نرى البلد تنقل يوما ما، والعياذ بالله،   إلى حرب أهلية، تسفك فيها دماء كثيرة، وتهدد وحدة البلاد،  تغذيها أطراف دولية معروفة … حفظ الله بلادنا من كل سوء.

 

د. عبد الرزاق مقري

الهجرة إلى الحرية

نحتفل كل سنة بيوم الهجرة كحالة دينية، غير أنها مع ذلك حالة أخلاقية وسياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية.

– فهي حالة أخلاقية لأن محمدا وصحبه رفضوا العيش تحت الذل والمهانة والضيم والظلم ولم تكن تنقصهم الشجاعة لينتقموا لأنفسهم فيحولوها حربا أهلية، بين الأفراد والأسر والقبائل، لا تضع أوزارها أبدا، كما كان حال العرب قبل الإسلام، ولكنهم رفضوا أن تُسفك الدماء بين الأهل والأقارب وأبناء الوطن الواحد على اختلاف معتقداتهم فيخسر الجميع وتتعطل الرسالة التي مقصدها أن تتجاوز قريش لتكون رحمة للعالمين. فكَفوا أيديهم وأقاموا الصلاة كما أمرهم ربهم وبحثوا عن آفاق أخرى يتنفسون فيها عبق الحرية.

– وهي حالة سياسية لأن الهدف منها هو إقامة دولة يحملها مجتمع مؤمن برسالة الإسلام وملتزم بها، ويتفاعل فيها الأفراد على أسس قانونية تعلن فيها الحقوق والواجبات من أول يوم وفق ما فعله رسول الله صلى عليه وسلم بإعلان وثيقة الصحيفة، وتحدد العلاقات وتضبط المصالح وترسم قواعد الحرب والسلم مع المحيط الخارجي على أساس العلاقات بين الدول والكيانات السياسية، وحرية التنقل وحرية المعتقد وحرية التجارة ولم تكن الغزوات وفتح مكة وإنهاء جيوب الشرك والغدر ثم الفتوحات الإسلامية إلا على هذه الأسس.

– وهي حالة اقتصادية واجتماعية لأنها حررت الاقتصاد والمبادرة وأجازت الملكية الخاصة ووضحت طرق التملك المشروعة ومجدت العمل والكسب، وشجعت المنافسة ووضعت موازين العدالة فيها، وأعلت من شأن المصلحة العامة وأنهت التحكم والاحتكار وانتقلت من النمط التجاري المهيمن لتتوسع إلى نمط الاقتصاد الطبيعي المبني على الفلاحة إلى أنواع من الصناعات والتطور العمراني بحسب التطور البشري آنذاك، وألغت قواعد الاستغلال الربوي وتحكم الأقليات في الثروة والتكنيز وظلم الأجراء، وبنت مسارا لإنهاء العبودية ووضعت قواعد للتضامن الاجتماعي وتدوير المال على أوسع نطاق ومحاربة الفقر والتوزيع العادل للثروة.

فهي بالمجمل حالة حضارة شاملة فكانت مكة هي البيئة الصعبة التي بُني فيها نموذج الإنسان المسلم، وكانت الهجرة هي التي صنعت المجتمع المسلم ثم الدولة المسلمة ثم نهضة العرب ثم حضارة المسلمين بكل أعراقهم ولكل الشعوب التي وصلت إليها الفتوحات.

فالهجرة هي قبل كل شيء رحلة نحو الحرية، ليكون مقصدها الحرية لصالح الرسالة التي نقلها المهاجرون الأبرار في قلوبهم وعقولهم وعلى أساسها استقبلهم الأنصار الأخيار، في بيوتهم ورحالهم.

لقد علمتنا الهجرة النبوية أن الإيمان يستطيع أن يستقر في القلب فلا يطلع عليه أحد، وبإمكان المرء أن يعبد الله في بيته، أو يلتزم بخاصة نفسه فلا تزعج عبادتُه أحدا، فقد كان الموحدون والحنفيون قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبدون الله عبادة تختلف عن عبادة الأوثان في جزيرة العرب فلم ينزعج منهم أحد، ولكن إذا كان مقصد الرسالة قومة شعب وبناء حضارة فلا يكون ذلك بدون الحرية.

ومهما اختلفت الظروف في كيفية تحقيق هذا المقصد العظيم لنهضة أوطاننا والاستئناف الحضاري لأمتنا فإن أي مسعى دون استحقاق الحرية التي تفتح آفاق الإصلاح الحقيقي والتغيير المنشود وتسمح بتشييد الأوطان وتكفُل إنهاء هيمنة زمر الرداءة والفساد والعمالة وصناع التخلف لن يكون له أثر في صناعة الحضارة. نعم .. لن يكون لأي عمل إصلاحي تحت سقف التحكم والسيطرة والاستبداد والغش والتزييف ومنع الحريات والحقوق أثر في تغيير أوضاع بلداننا .. مهما كثرت وتنوعت أعمالنا .. بلا حرية.

قد يكون من الصعب افتكاك الحرية مع المحافظة على استقرار المجتمع واجتناب الاقتتال داخله على ما كان من أهداف الهجرة، وقد لا يكون ثمة وطن يهاجر إليه عشاق الحرية ليعودوا إلى أوطانهم الأصلية منصورين مظفرين لاختلاف الظروف والأحوال، وقد تكون الهجرة إلى داخل الوطن، مهما كانت الصعوبات، أنفع للمقصد والرسالة.

لكن في كل الأحوال يجب أن تكون الهجرة إلى الحرية هي مقصد كل مكافح من أجل نهضة وطنه، سواء كانت هجرته إلى خارج الوطن أو كانت الهجرة في الداخل من الوطن إلى الوطن .. لا تفريط في الحرية مهما كانت الصعاب وحيثما كانت الصعاب.. وذلك هو الإبداع الذي يحافظ على المقصد مع تغير الوسائل من خطة إلى خطة، ومن حال إلى حال، ومن أسلوب إلى أسلوب، ومن خطاب إلى خطاب، ومن حلف إلى الحلف ومن عمل إلى آخر ضمن المتاح من الظروف وما يسمح به شرع الله سبحانه والمروءة والأخلاق … المهم أن يكون المقصد هو الحرية وأن تكون الغاية هي نهضة الوطن واستئناف حضارة الإسلام. وأن نكون غدا مع قائد المهاجرين والأنصار الحبيب المصطفى في جنات رب العالمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

 

د. عبد الرزاق مقري

المخزن وتجاوز الخطوط الحمراء: عن الجذور والأبعاد والموقف

أبان نظام المخزن على وجهه الحقيقي، وعلى تورطه القديم في دعم الفتن ورعاية المجموعات الانفصالية في الجزائر المحروسة.

ولست أدري كيف يشبّه قضية الصحراء الغربية العادلة من الناحية التاريخية والإنسانية والأخلاقية ومن حيث القانون الدولي بوضع داخلي للجزائر الواحدة الموحِّدة الموحَّدة بتحريك نعرات هامشية، جذورها استعمارية استُعمل فيها بعد الاستقلال عملاء منبوذون من سكان منطقة القبائل ذاتها، كانت تكون قد انتهت لو لا سوء التدبير والاستعمال المغرض للتنوع الجزائري من قبل نظام استبدادي جزائري مغرور بلا نزاهة ولا كفاءة.

لقد كانت الصحراء الغربية بلدا مستعمرا من طرف الاسبان ولم يقاتل المغاربة من أجل استقلالها أبدا، وإنما وهبها الغرب (أمريكا وفرنسا واسبانيا) للحسن الثاني ضمن الحرب الباردة لتكون الصحراء تابعة للمعسكر الرأسمالي الامبريالي في مواجهة المعسكر الاشتراكي الذي انتمت إليه الجزائر بعد الاستقلال.

ولو كانت الصحراء مغربية فعلا لما عرض الحسن الثاني لبومدين تقسيمها مع الجزائر، ثم قسِّمت فعلا مع موريتانيا حيث أخذ المغرب المنطقة النافعة، ثم انسحبت موريتانيا من اللعبة لاحقا. وإذا كان المخزن يُرجع تبعية الصحراء إلى وجودها ضمن دول قديمة تضم مساحات من عدة دول حالية فإلى أين ينتهي هذا الطموح التوسعي: هل يبدأ من دولة الأدارسة أم المرابطين أم الموحدين أم الوطاسيين أم السعديين أم العلويين.

وإذ سلمنا بأن المغرب يعتبر الصحراء الغربية جزء من الدولة العلوية أو أي من هذه الدول التي كانت عاصمتها في أقليم المغرب الحالي فبإمكانه أن يطمع عندئذ في جزء كبير من الغرب الجزائري وأن يذهب بعيدا فيتجه جنوبا إلى حدود نهر السنغال بل يطمع في أجزاء كبيرة من النيجر ومالي.

وبهذا المنطق بإمكان الجزائر أن تطمع باسم الدولة الحمادية – كأول دولة جزائرية مستقلة بعد انفصالها عن الفاطميين – في أغلب الإقليم التونسي الحالي الذي كان يتبعها، كما يمكن لتونس أن تطمع باسم الدولة الحفصية في الشرق الجزائري كله بحكم انتسابه لها آنذاك، كما يمكن للجزائر أن تطمع باسم الدولة الزيانية التي كانت تمثل المغرب الأوسط وعاصمتها تلمسان في أجزاء من دولة المغرب الحالية إلى حدود وادي ملوية فيكون لها جزء من مدينة جرسيف وتكون مدينة وجدة وتاوريرت وفجيج تابعة للجزائر كذلك..

بل بإمكان الجزائريين أن يطالبوا باسم دولة الأمير عبد القادر بالمغرب كله بحكم أن الأمير من سلالة الأدارسة التي حكمت المغرب قديما في زمن الفاطميين في شمال افريقيا والأمويين في الأندلس، وقد نال الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة تأييدا شعبيا مغربيا عظيما أثناء حربه ضد فرنسا أعطاه شرعية السيطرة على حكم المغرب لو أراد ذلك، علما بأنه على أساس هذه الخشية نكل سلطان فاس عبد الرحمن العلوي بالعديد من رجال بلاطه بسبب تعاطفهم مع الأمير ثم إلى عدو للأمير ذاته ففتك بأكبر قادته غدرا وتحالف مع الفرنسيين ضده وكان من الأسباب المباشرة لنهاية دولة الأمير عبد القادر ومقاومته.

إن الاعتماد على الجغرافية التاريخية، والتحولات السلالية السياسية، للمنطقة مخطط فتنة عظيمة تحركها القوى الاستعمارية، لا تنتهي أبدا لو بدأت، ينفذها نظام مغربي عاجز على تحقيق التنمية وإسعاد شعبه فيشغلهم بأحلام شيطانية لا تورث إلا الدمار للجميع.

إن اعتبار الحدود الموروثة عن الاستعمار هي حدود الدول الحالية اعتبار منطقي وشرعي يقوم على أساس تاريخي رسخته الدماء التي قدمتها الشعوب ضد الاحتلال، وعلى أساس القانون الدولي المعترف به من المنظمات الدولية والحكومات التي تحترم هذا القانون وتحترم إرادة الشعوب.

وفي هذا الإطار الحديث عن استقلال القبائل عن بلدهم الجزائر الذي قدموا من أجله دماءهم مع غيرهم من الجزائريين من مختلف الأعراق حديث خبيث وراءه نوازع كيدية خطيرة.

وبما أن بصيرة حكام المخزن قد عَمت فتجاوزوا الخطوط الحمراء رسميا عليهم أن يفهموا مغزى وقف القتال من زعماء منطقة القبائل للالتحاق بجبهات المواجهة ضد الأطماع المغربية في حرب الرمال سنة 1963.

ثم لا أدري ما هي مرجعية نظام المخزن حين يتكلم ممثله في الأمم المتحدة عن القبائل في مؤتمر حركة عدم الانحياز، هل هو كريم بلقاسم أم عميروش أم آيت أحمد أم محند أولحاج أم عبان رمضان، هؤلاء جميعا هم ممن صاغ استقلال الجزائر واحِدة موحّدة مع إخوانهم من كل الأعراق الجزائرية التي وحدتها الأخوة الإسلامية، وثبتت الدماء وحدتهم الوطنية، واستمرت الثورة سنتين إضافيتين من أجل أن يكون الاستقلال بهذه الخريطة الجزائرية التي كانت تمثل الدولة الجزائرية القوية المسيطرة على البحر الأبيض المتوسط في عهد الإيالة من 1515 إلى أن ضعفت فاحتلت سنة 1830 من قبل الاستعمار الفرنسي وتم استرجاعها بالثورة التحريرية النوفمبرية كاملة وكان الثمن مليون ونصف شهيد، بل كان الثمن بإضافة شهداء كل المقاومات الشعبية أكثر من ستة ملايين .

أي شبه بين هذا التاريخ المشرف الذي وحّد الجزائريين وبين الرغبات التوسعية التي تستأسد اليوم على شعب طيب مسالم في الصحراء الغربية، وقد يصنع غدا أزمات أخرى مع كل دول المنطقة خدمة لمخططات استعمارية غربية صهيونية في حال ضعف قد يطرأ على أي من هذه الدول.

لهذه الأسباب كلها يجب الثبات على اعتبار قضية الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار تحل بتقرير المصير كما تنص عليه مقررات الأمم المتحدة، وذلك على أساس مبدئي ثم من أجل حماية بلدنا مما يمكن أن يحدث مستقبلا مع جوار لا يتحكم في قراره ولا يمكن توقع تصرفاته، تماما كما رأينا في هذا التصريح الخطير للسفير الممثل الدائم لدى المملكة المغربية.

وأما عن حديث بعض السذج بتفضيل وحدة المسلمين على التشتت لإعطاء الشرعية للاحتلال المغربي للصحراء الغربية فهذا لا ينطلي على من يعرف مخططات الاستعمار ودوله الوظيفية من بني جلدتنا ومن هم على ديننا ويتكلمون لغتنا.

غير أن الذي يجب أن نؤكد عليه في ختام هذا المقال أن من أسباب تفاقم الأزمة مع نظام المخزن الفاقد للسيادة هو ضعف النظام السياسي الجزائري وتعمق أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتراجع تأثيره في الساحة الدولية بسبب الفساد المتجذر والرداءة وعدم قبول التعاون مع القوى الوطنية الصادقة التي لا تقبل الخضوع لأي شكل من أشكال الطمع والابتزاز على حساب الوطن، واستمرار اعتماد هذا النظام بدل ذلك على شبكات الزبونية والانتهازية التي تغير ولاءاتها حسب تغير الرياح وتمنح خدماتها لكل متغلب.

إن #الجزائر، رغم كل الأزمات، لا تزال بخير، وإن طمع نظام المخزن في خلافاتنا وبعض جوانب ضعفنا للتأليب علينا، واستغلال عملاء الانفصال والخونة في منطقة القبائل وغيرها، فهو مخطئ، وهو لا يعرف طينة الجزائريين، وهو بتجاوزه للخطوط الحمراء يساعدنا وحدة الجزائريين التي لا نفرط فيها أبدا رغم أزماتنا، ويعجل بفنائه وتخلص الشعب المغربي منه قبل أي تحول مهم آخر في المنطقة.

 

د. عبد الرزاق مقري

عيد الاستقلال: نعمة تشكر وفرص ضائعة

في هذا اليوم تمر 59 سنة على استقلال الجزائر، والاستقلال نعمة عظيمة يُحمد عليها الله تعالى، ويشكر عليها الشهداء والمجاهدون الذين فجروها وحاربوا الاستعمار البغيض حتى دحروه وأخرجوه. واستقلال الجزائر ليس كاستقلال الدول المستعمرة الأخرى،

كثير من الدول التي استُعمرت، خصوصا التي ابتليت بالاستعمار الفرنسي، ضيعت هويتها كلية واندمج كل سكانها في ثقافة المستعمر بعد الاستقلال وأصبحوا يسيرون في فلكها وانتقلوا تقريبا من نظام الاستعمار المباشر إلى نظام الحماية الاستعمارية. أما الجزائر فإن الانتماء الوطني على نهج ما قرره القادة المؤسسون في بيان أول نوفمبر بقي قويا غالبا على المستوى الشعبي ومقاوما على المستوى الرسمي. وذلك بالرغم من أن الاستعمار الفرنسي أفلح في ترك وإنشاء طوابير من المستلبين والعملاء داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع  الذين انصهروا في ثقافة المستعمر وصاروا خداما لمصالحه، بل بعضهم أصبح سلاحا للابتزاز وضرب الاستقرار والوحدة الوطنية كلما مرت اللغة والثقافة والمصالح الاستعمارية بمصاعب جدية. إن هذه النعمة على نقصها تتطلب حقيقة شكر الله ليل نهار، ومهما قدمنا من المدح والتبجيل للشهداء، والمجاهدين الصادقين الثابتين لن نوفهم حقهم، وسيبقى حقهم العادل الكامل عند الله يوم القيامة.

غير أن مدة تسع وخمسين سنة طويلة جدا بالنسبة لانتظار نهضة البلد وازدهاره وتقدمه وتطوره وتحقيق استحقاق التنمية ورغد العيش للمواطنين منذ الانفصال عن الاستعمار إلى اليوم.

إن الفرص الضائعة لتحقيق الإقلاع كثيرة ومتكررة، وسببها كلها واحد: الهيمنة والاستبداد والفوقية والأبوية وعقلية التحكم باستعمال أدوات الإكراه العظيمة التي تملكها الدولة.

لقد كانت الفرصة الضائعة الأولى والأهم غداة الاستقلال حينما تغلبت قوة السلاح التي ملكتها قيادة الأركان باسم الثورة على الحكومة المؤقتة وقادة الداخل الذين كانوا يقودون الثورة، ثم إبعاد وتصفية كل شركاء السلاح بعد ذلك. ثم كانت الفرصة الثانية الأكبر في 05 أكتوبر 1988 حين اتضح إفلاس خيار الحزب الواحد والأيديولوجية الاشتراكية المفروضة، حيث تم التآمر على الانتقال الديمقراطي بمختلف أنواع الدسائس وحينما لم تفلح تم إلغاء الانتخابات الشرعية سنة 1991 التي كان من الممكن أن تصحح كل الاختلالات وتعالج كل نوازع التطرف عند الجميع كما حدث في تجارب مماثلة في العالم. ثم كانت الفرصة الثالثة الأوضح التي بدأت بتزوير انتخابات 1995 التي عبر فيها الجزائريون من خلال مشاركة انتخابية قياسية على استعدادهم للتعامل مع الخيار المؤسسي فتم تزوير الانتخابات وتكررت ذات الفرصة بمشاركة انتخابية مقبولة جدا في الانتخابات التشريعية والمحلية سنة 1997 ولكنها زورت هي الأخرى بشكل أفضع أدى إلى إحباط عام لدى الجزائريين. ثم جاءت فرصة رابعة متميزة، قبل فيها زعماء الوطن كلهم إحياء الأمل بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 فمُنع أكثرهم حظا من الترشح واضطر جميعهم إلى الانسحاب من الترشح حينما اتضحت ألاعيب التزوير مسبقا. وبعد ذلك أصبحت كل الانتخابات من 2002 إلى 2017 مواعيد للمقاومة السياسية بالنسبة لبعض الجزائريين ومواعيد لإظهار الرفض بالمقاطعة بالنسبة للبعض الآخر.

لقد كانت النتيجة الإجمالية لهذا العبث الطويل المتجدد هو تبديد ثروات البلد، وتقوية اقتصاد الاستعمار القديم، والفساد المعمم، وسيطرة عصابة لا تؤمن بالوطن رغم تشدقها بالوطنية، لا ضمير ولا أخلاق لها تحكمت في كل مفاصل الدولة وأخضعت لها الإدارة والمؤسسة العسكرية والأمنية والقضاء والمؤسسات الإعلامية وأغلب الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. وفي ظل حكم هذه العصابة تأخرت الجزائر عن ركب التطور وتحولت من دولة ريعية وافرة المداخيل إلى دولة تطبع الأوراق النقدية دون رصيد من ذهب أو إنتاج لتبقي نظام الحكم مستمرا ولو على حساب مصير الدولة والمجتمع مستقبلا، في نفس الوقت الذي تطورت فيه بلدان في أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية كانت أقل منا اقتصاديا وعلى مستوى الهياكل والموارد. أمام هذا الإفلاس لم يصبح التشدق والغرور والمن الذي غُدر به الشعب الجزائري لسنوات طويلة مقبولا عند الأجيال الجديدة كمكتسبات التعليم (الذي يتدهور أكثر فأكثر)  والصحة (التي تعاني الأزمات وتدفع بالقادرين إلى التطبب في بلدان أخرى)،  وبعض الهياكل وإنجازات البحبوحة المالية (التي أنفق فيها أضعاف وأضعاف ما تستحقه تلك الإنجازات)، لم يصبح  هذا الحديث الممجوج عن الإنجازات مقبولا عند الأجيال الجديدة المطلعة على ما يحدث في العالم الإسلامي الذي ننتمي إليه  كتركيا وماليزيا وإندونيسيا وإيران وباكستان وغيرها، أو الدول التي كانت ضمن النمط الاشتراكي مثلنا كالصين والفيتنام وبولونيا وأثيوبيا والبرازيل، أو حتى بعد الدول التي كانت غاية في الفقر والتخلف والأزمات كبوتسوانا وروندا وغيرها. لقد نجحت كل هذه الدول وأخفقت الجزائر رغم إمكاناتها العظيمة. وحتى الدول التي بقيت على نمط الحزب الواحد كالصين والفيتنام استطاعت أن تطور توجهاتها السياسية ببناء تدافع الأفكار والمصالح والانتخابات الحقيقية ضمن الحزب الواحد أفضل بكثير من ديمقراطية الواجهة والتعددية الشكلية التي بقيت تنخر في بلادنا جسم المجتمع والدولة وتدمر الكفاءات وتطحن الشخصيات والأحزاب والمنظمات ذات الكفاءة والنزاهة التي لا تقبل السير في ركب الزبونية والانتهازية.

ثم كانت الفرصة الأخيرة الأقوى والأبرز التي سمع بها وأشاد بها العالم بأسره، وهي فرصة الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 التي استطاعت أن تفضح العصابة وتوقف استغوالها وأن تدخل جزء منهم السجون، ولكن سرعان ما اتضح بأنها فرصة تتجه نحو الضياع مرة أخرى، رغم زخم ثورة الشارع السلمية العظيمة التي تجاوز المشاركون فيها خمسة عشر مليون متظاهر صمدوا أكثر من سنة. لقد تم فعليا قتل هذه الفرصة إذ رجعت الجزائر إلى عهد التزوير الانتخابي وهيمنة القوى المتغلبة وشبكات الزبونية، ومرة أخرى تكون الضحية هي تطوير وتنمية البلد وتحسين معيشة المواطنين التي يطمع النظام السياسي أن يضفي بها على نفسه الشرعية المنقوصة التي بقي يعاني منها، متناسيا بأنه لا نجاح في المجال الاقتصادي دون بسط الثقة في المجتمع والتي لا طريق لها سوى الرؤية السياسية التوافقية المجنِّدة لكل الطاقات على أساس الشرعية الانتخابية التامة.

لقد بقيت مجهودات التنمية تدور في حلقة مفرغة إلى الآن تدل عليها المؤشرات المعلنة رسميا كانكماش النمو الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة التي تدور في حدود 13 % في 2020، والتي بلغت 23 % عند خريجي الجامعات، و27 % وسط الشباب، وكعجز الموازنة الذي تجاوز 24 مليار دولار، وانخفاض قيمة الدينار ب 20% .

مع ارتفاع كبير لأسعار المواد الاستهلاكية وأزمات الأسواق المتعددة كأزمة الحليب وأزمة الزيت، وأزمة الماء، وأزمة السيولة، وأزمة سوق السيارات، وعدم قدرة برامج السكن الواسعة على حل أزمة السكن، مع تصاعد الاضطرابات الموضعية والإضرابات، وكل هذا في ظل ضخامة التحويلات الاجتماعية ودعم الأسعار التي لن تكون ممكنة في آجال قريبة بسبب نفاذ الريع حيث احتياطي الصرف في حدود 42 مليار دولار دون القدرة على رفعه كما تم الوعد به خلال سنة، علما بأن السبب الجوهري لأزمة مداخيل المحروقات ليست الأسعار كما يعتقد البعض ولكن بسبب تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي.  وكل هذا دون أي رؤية سياسية مستقبلية جامعة ولا أي أفق لانفجار عدد المؤسسات الاقتصادية في الفلاحة والصناعة والخدمات في آجال قريبة أو متوسطة بما يحررنا من التبعية للمحروقات، ومما يزيد في المخاوف اللجوء مرة أخرى إلى طباعة النقود  ابتداء من شهر جويلية رغم تعهد السلطات بالتوقف عن هذه الآفة التي ستقضي على ما تبقى من القدرة الشرائية بارتفاع معدلات التضخم، ثم في الأخير العودة إلى المديونية مجبرين مهما كانت التصريحات الشعبوية بعكس ذلك، ضمن ظروف اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية صعبة ستكون المديونية فيها هي عنوان نهاية السيادة لا قدر الله.

لقد كانت الانتخابات التشريعية في 12 جوان هي الفرصة الأخيرة المعبرة عن مرحلة ما بعد الحراك ولكن للأسف الشديد كانت هي الضربة الأخيرة للقضاء على مشروع التوافق الوطني من أجل رؤية سياسية واقتصادية تنقذ ما يمكن إنقاذه، ونخشى أن ندرك في السنة المقبلة الذكرى الستين ويكون الوهم قد تأكد أكثر بأن المقصود في الرؤية السياسية والاقتصادية الرسمية إنما هو استهلاك ما تبقى من احتياطي الصرف وما فضل في مختلف الصناديق ثم تُترك الجزائر إلى مصير أكثر خطورة نسأل الله تعالى فيه العافية .

ولكن … مهما كانت هذه الفرص الضائعة منذ 05 جويلية 1962 سيبقى الأمل معقودا على الشباب الذين نحتفل بعيدهم بمناسبة عيد الاستقلال لمواصلة النضال من أجل خلق فرص أخرى تعتمد على القدرات البشرية والعبقرية الجزائرية التي ستتفجر يوما ما حينما تتوفر الحرية السياسية والاقتصادية التامة التي يُستكمل بها الاستقلال في الجوانب المنقوصة مما نص عليه بيان أول نوفمبر “دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”.

د. عبد الرزاق مقري

القضية الفلسطينية: دعم مستمر حتى التحرير (حركة مجتمع السلم نموذجا)

سندخل ابتداء من نهار غد الحملة الانتخابية، وستكون فلسطين حاضرة في قلوبنا وأفكارنا، وستكون في كل الأحوال ضمن مخططاتنا مهما كانت مآلات الانتخابات.

 وإذ نفعل ذلك فإنما هو استمرار لخطنا الثابت تجاه القضية منذ نشأتنا كأشخاص ونشأة حركتنا. فالحركة لم تتوقف عن دعم  القضية الفلسطينية بكل الوسائل الممكنة، فهي تعتبرها القضية المركزية في الأمة، وفي هذا المقال سنتطرق إلى بعض مساهماتنا لا للمزايدة السياسية فهو أمر غير مقبول في هذه الأمر ومنقص للأجر، وإنما المقصود هو تطمين المحبين، وتشجيع غيرنا بالإنجازات العملية، بل ربما صناعة بيئة تنافسية لخدمة فلسطين، ولصناعة مراجع تاريخية مدونة للمحافظة على الذاكرة على نحو ما قمت به بتأليف كتابي” الجزائر والقضية الفلسطينية”

وكذلك  لكسر حجة المثبطين، الذين يسمع لهم بعض السذج فينا وفق قول الله تعالى: ((وفيكم سماعون لهم))،  بزعمهم أننا نكتفي بالكلام ولا نفعل شيئا عمليا لفلسطين، مع أن مناصرة فلسطين مطلوب بأضعف الإيمان ولو بالتعلق القلبي فقط والدعاء في السر والعلن،  والمناصرة بالبيان، وفي كل الأحوال مهما فعلنا لفلسطين لن نوفها حقها حتى تستقل وتطرد المحتل، ونرجو أن يسامحنا الله سبحانه لما نبينه من أعمال في هذا المقال ويكتب حديثنا ضمن قوله عز وجل: ((إن تبدو الصدقات فنعم هي)) وأن يغفر لنا تقصيرنا:

سياسة أصيلة قديمة

1 – منذ أن تأسست حركة مجتمع السلم اعتبرت القضية الفلسطينية القضية المركزية في الأمة العربية والإسلامية، وبنت موقفها على قاعدة دينية معلومة تجمع كل المسلمين، وقاعدة استراتيجية تتعلق بخطر الكيان على الأمة كلها، وأساس وطني متعلق بالتاريخ الخاص بغدر اليه#ود للجزائر والجزائريين منذ أن دخل الاحتلال الفرنسي بلادنا، وبعد إنساني لما يفعله الكيان من احتلال للأرض وجرائم في حق الإنسان الفلسطيني نشترك فيه مع الأحرار في العالم. وقد شرحت هذه الأبعاد في كثير من المقالات والمداخلات الإعلامية ودونتها في كتابي الجزائر وفلسطين.

وقد كان للشيخ محفوظ الدور الأساس لبناء الفكر وشحن الأفئدة في الحركة لصالح القضية الفلسطينية كقضية مركزية، وكان متّبعا في ذلك نهج الحركة الوطنية في الجزائر بكل أطيافها التي أسست اللجان ونظمت الدعم وأرسلت الرجال للجهاد في فلسطين رغم وجودها تحت الاحتلال، ومتأسّيا بالدعوة الإسلامية في العالم التي لا يخفى على أحد مساهمتها في جبهات القتال في فلسطين وثباتها على نصرة القضية إلى حد صارت هي العدو الأول للكيان يحاربها هو والدول الراعية له والأنظمة العربية العميلة بسبب ذلك في كل أنحاء العالم.

 لقد كان الشيخ محفوظ رحمه الله يجتهد كثيرا لعدم مصادمة الأنظمة والقوى الدولية ليوفر البيئة المناسبة لخدمة مشروعه إلا في القضية الفلسطينية فكان صارما لا يتنازل عن أي شيء بخصوصها، وأذكر ذات اليوم كنت معه في مؤتمر في أمريكا سنة 1993 فعُقد اجتماع مع أكاديميين أمريكيين حضره العديد من الشخصيات الإسلامية فلم يكن أحد أبلغ وأقوى وأوضح في الدفاع عن فلسطين كالشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى فعبر الضيوف الأمريكان في المؤتمر عن تقديرهم الكبير له، ونال إعجاب من حضر من المسلمين حتى دمعت أعين بعضهم، وبالإضافة للدعم الإعلامي والسياسي والمالي بقيت الحركة منذ التأسيس الرسمي وقبله تأخذ عن كل فرد من أفراد عائلات المناضلين مساهمة مالية رمزية لفلسطين وتنظم المهرجانات الكبرى لمناصرة القضية.

وكل ما سنقوله في الفقرات التالية هو إنجاز متراكم لهذا التوجه نسأل الله تعالى أن يكون حسنات جارية للشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني رحمهما الله ولنا ولكل من واصل الطريق على نهج دعم القضية الفلسطينية ومن طوروا هذا السبيل النبيل المشرف بلا تردد ولا حسابات.

مسيرات تلو مسيرات

2- يقول البعض تكتفون بالتصريحات والوقفات والاجتماعات في القاعات لمناصرة فلسطين ولا تنظمون المسيرات الكبرى في الشوارع، وهذا كلام مجانب للحقيقة والصواب لأن أي وسيلة يستعملها أي إنسان مهما كانت بسيطة لمناصرة فلسطين فهي مفيدة. مفيدة للفلسطينيين معنويا حتى نشعرهم بالتعاطف الواسع معهم، ومفيدة لضرب معنويات العدو وأعوانه وحلفائه حين يعلمون بأن حجم الرفض والعداء لهم واسع.

 ثم ثانيا نحن لم نكتف بالتصريحات سواء اليوم أو من قبل. طلبنا من مناضلينا المشاركة بقوة في الحراك ورفع الأعلام الفلسطينية فيه دعما للفلسطينيين في هذه المواجهة الأخيرة في شهر ماي 2021 ولكن القمع كان شديدا وقد أدنا ذلك بوضوح .

أما من قبل فقد نظمنا وشاركنا في عدة مسيرات من أجل فلسطين منها المسيرة التي لم تكن مرخصة للتنديد بالعدوان على غزة سنة 2014.

بل شاركنا في مسيرة عظيمة على الحدود بين الأردن وفلسطين ضمن المسيرة العالمية نحو القدس في 30 مارس 2012 التي تم فيها منع المشاركين الاقتراب من السياج الحدودي.

مسيرة في الجزائر العاصمة نصرة للقدس وفلسطين  للتنديد بقرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني (08 ديسمبر 2017):

 

أسطول الحرية وشرف المواجهة

2- بالنسبة لمن يقول مناصرة فلسطين لا تكون إلا بالقتال المباشر معهم فتلك مزايدة لا تقوم على منطق وعقل، ومن يقول هذا هو ذاته لا يفعلها، فالشعوب المحتلة تعتمد على ذاتها لتحرير أرضها، وحينما نتحدث عن الثورة الجزائرية فالذين قاتلوا الفرنسيين هم الجزائريون ولكن لو لا دعم أشقائنا العرب والمسلمين وأحرار العالم ما كان الاستقلال يكون ربما في سبع سنوات من الجهاد.

 وقد يتمكن بعض الآحاد من غير أبناء البلد من أن يندمجوا مع المقاومين مباشرة كما وقع في الجزائر، وكما فعل بعض الجزائريين الذين التحقوا بجبهات القتال في فلسطين في مختلف المراحل منذ بدايات الاحتلال.

ولو لم تكن الحدود مغلقة لاتجه بعضنا للقتال مع الفلسطينيين كما فعل أجدادنا وأبناؤنا. ونحن نعتبر أن المشاركة في أسطول الحرية في ماي 2010 كان من هذا القبيل حيث قدت وفدا جزائريا من ثلاثين مناضلا  كان هو الأكبر بعد الأتراك، أغلبهم من حركة مجتمع السلم منهم ابني مصطفى، وقد نظم هذه الحملة اللجنة الدولية لكسر الحصار التي كنا من أعضائها الفاعلين، وكان ذلك بالتعاون مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، وبمشاركة نشطاء من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الملل والتوجهات، ولم تكن مساهمتنا بأنفسنا فقط بل كذلك بسفينة محملة بالمساعدات رفع عليها العلم الجزائري كانت هي الأكبر بعد سفينة مرمرة، وحين وصلت القافلة البحرية أعالي البحار تمت محاصرتنا من قبل جيش الكيان فقاومنا صعودهم السفينة بما نملك من عصي وحجارة وغير ذلك، وبعد أن سيطروا على السفينة باستعمال السلاح وإطلاق الرصاص الحي علينا فقتل تسعة أتراك وجرح العديد، منهم الأستاذ محمد ذويبي من الوفد الجزائري الذي أصيب في عينه، تم تقييد أيدينا من الخلف والتحقيق المطول معنا في مراكز الاستجواب واقتادونا بعد ذلك إلى سجونهم في داخل فلسطين ولم يطلق سراحنا إلا بضغوطات دولية كبيرة.

وقد صنعت أحداث قافلة الحرية ضجة دولية كبيرة وتحولا حاسما لصالح القضية في العالم، وتفاعل معها الجزائريون بشكل استثنائي، وأشيع خلال غيابنا بأنني استشهدت وتوجه الناس لبيت الوالدة في المسيلة وبيتي في العاصمة للتعزية طوال نهار ذلك اليوم. وعند رجوعنا حظينا باستقبال رسمي وشعبي كبيرين حيث أرسلت لنا السلطات طائرة خاصة أرجعتنا للوطن من الأردن بعد خروجنا من السجن ووجدنا أمواجا بشرية شعبية كبيرة في استقبالنا ليلا في مطار هواري بومدين.

استقبال المشاركين بعد عودتهم في المطار:

كما حاولنا كذلك تنظيم أسطول آخر من اليونان فمنعنا وذهبت إلى أثينا رفقة الشيخ أحمد الإبراهيمي للإشراف المباشر على الحملة ولكن اضطرت اليونان للتراجع تحت ضغط الكيان والدول الغربية، بل أرسل الكيان رجال استخباراته إلى الفندق الذي كان يسكنه الناشطون وتم الاعتداء على بعضهم جسديا في بعض أزقة أثينا، وحاولنا مرات أخرى شارك فيها قياديون آخرون من الحركة منهم الأستاذ النائب حمدادوش والأستاذة النائب ضوايفية ولم تكتمل الرحلات بسبب المنع.

 

كسر الهرولة ومناهضة التطبيع

4  – حينما ارتفعت موجة التطبيع قبل انتفاضة الأقصى في العالم العربي وتزعمها في الجزائر النظام البوتفليقي من خلال مصافحة إيهود باراك رئيس الوزراء الصهيوني ودعوة المغني الصهـيوني أنريكو ماسياس الداعم للكيان وصهر الموسيقار ريمون الذي أعدمته الثورة لتآمره مع جيش الاحتلال على قتل الشهيد خزندار رحمه الله، وزيارة الوفد الصحفي إلى فلسطين المحتلة بالتنسيق مع الكيان قمنا بتأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع وكنا كعادتنا أصحاب الدور المحوري فيها ودخل فيها شخصيات كبيرة كالشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله والسيد عبد العزيز  بلخادم والسيد خالد بن اسماعيل وكذلك العديد من المجاهدين خاصة الذين ساهموا في الحرب ضد الكيان سنة 67 وحروب الاستنزاف.

ومن نتائج هذه التنسيقية إسقاط زيارة المغني أنريكو ماسياس الذي هددنا برجمه بالحجارة في المطار لو حط رجليه في الجزائر، وتبخيص توجهات التطبيع التي قضت عليها انتفاضة الأقصى، وأذكر أن أحدهم وقد أصبح مسؤولا كبيرا في الدولة قال لي في ذلك الوقت إنك تضر بمستقبلك السياسي فإظهار عدائك للكيان.. وبسبب الموقف الرسمي الإيجابي من التطبيع لم تتشكل منظمات جزائرية مناهضة للتطبيع، ولم نشهد محاولات خطيرة كالتي رأيناها في بداية العهدة الأولى لبوتفليقة، غير أن الحذر بقي مستمرا وملاحقة أية حالة ضعف معزولة قائمة سواء على مستوى الرياضة أو الفن أو بعض التصرفات الرسمية المعزولة وقد أصدرنا بخصوص هذه الحالات عددا من التصريحات والبيانات.

مؤسسة القدس الدولية وفرعنا المُنجِز

5 – من أكبر الإنجازات التي قام بها رجال حركة مجتمع السلم المساهمة في تأسيس مؤسسة القدس العالمية التي تعد أكبر مؤسسة تعمل لصالح القدس وفلسطين ضمت كل أطياف العالم العربي والإسلامي من قوى شعبية ورسمية ومسلمين ومسيحيين وشيعة وسنة وإسلاميين ويساريين وليبيراليين، برئاسة فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وثلاثة نواب للرئيس هم: معالي الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وسماحة حجة الإسلام السيد علي أكبر محتشمي، ومعالي الأستاذ ميشيل إده، والدكتور محمد مسعود الشابي (أميناً للسر).  فكنا من أعضاء مجلس أمنائها منذ مؤتمرها الأول في لبنان في جانفي 2001، وأصبح فرع الجزائر أهم فرع من فروعها في العالم وقد تشرفت برئاسة الأمانة العامة للفرع وتمكنا من فتح عدة روابط جزائرية منها رابطة رجال أعمال من أجل القدس ورابطة شباب من أجل القدس ورابطة نساء من أجل القدس، ومن بين الروابط التي ثبتت وتطورت وأصبح لها فروع في العديد من الولايات رابطة شباب من أجل القدس التي تخصصت في توعية وتكوين الأطفال والشباب في المعارف الفلسطينية والمقدسية ولم يضاهيها في الإنجاز أية رابطة شبابية في الدول الأخرى، ثم أصبحت الآن مؤسسة جزائرية معتمدة قائمة بذاتها تواصل نشاطها بفاعلية كبيرة، كما استطاعت رابطة رجال أعمال من أجل القدس بقيادة الأستاذ جعفر شلي أن تنجز  مشروع الوقفية لصالح القدس ضمن المشاريع التي أطلقت في أحد مؤتمرات مؤسسة القدس ولا يزال ريع هذه الوقفية يصل بحمد الله القدس و المقدسيين بشكل دائم يساهم في تثبيتهم ودعمهم.

 وقد تمكن فرع مؤسسة القدس أن يجمع مختلف أطياف المجتمع الجزائري من إعلاميين ويساريين ومنظمات مجتمع مدني متنوعة وقوى سياسية معارضة ومن الموالاة وتوصلنا في الأخير إلى توسيع وتطوير هيكلية الفرع تحت رعاية جمعية العلماء وقيادة شخصيات كبيرة مرموقة برئاسة الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله رئيس جمعية العلماء ونيابة الأستاذ عبد الحميد مهري عضو الحكومة المؤقتة أثناء الاحتلال والأمين العام السابق لجهة التحرير، والأستاذ محمد الطاهر بوزغوب من التجمع الوطني وهو طيار سابق شارك في حرب 67 و73 ضد الكيان، وبقيت متشرفا معهم بقيادة الأمانة العامة مع الأستاذ محمد ذويبي من حركة النهضة كمدير تنفيذي وأفاضل آخرين من مختلف التيارات، وقد تمكنا بعد هذا التطوير الهيكلي وتوسيع التمثيل من استضافة المؤتمر الخامس لمؤسسة القدس برعاية رسمية رئاسية كاملة وقد كان مؤتمرا مهيبا حضرته أكثر من مائتي شخصية من مختلف أنحاء العالم ووفد كبير من القيادات الفلسطينية وأبرز وجوه المقاومة منهم الأستاذ خالد مشعل والشهيد سعيد محمد صيام رحمه الله.

قوافل الإغاثة ومدرسة تنشئة النشطاء

6 – وعلى مستوى حملات كسر الحصار وقوافل الإغاثة أشرفنا في إطار الحركة على إرسال ثلاثين قافلة دخلت غزة محملة بدعم كبير للفلسطينيين من مساهمات الجزائريين، وكانت أول قافلة كبيرة شاركنا فيها قافلة شريان الحياة 5 بتنظيم اللجنة الدولية لكسر الحصار بقيادة رمزية من السياسي البريطاني جورج غلوي ومشاركة مناضلين من مختلف أنحاء العالم وشخصيات دولية عديدة وكنت من أعضاء الهيئة القيادية للقافلة ووصل عدد المشاركين قرابة 400 مشارك كان أكثر من ربعهم جزائريون (117) وكان وفدنا يرافقه أكثر من نصف عدد المراكب المحملة بالمساعدات منها 40 سيارة إسعاف جزائرية.

 وقبل أن ندخل إلى غزة بقينا في اللاذقية بسوريا أكثر من عشرين يوما ننتظر الإذن المصري بالعبور.

مكنتنا هذه الرحلة التاريخية الكبيرة من معرفة الأوضاع في غزة والحوار مع القادة الفلسطينيين على رأسهم القائد أبو العبد هنية من الاطلاع على الواقع على الأرض وتحديد الاحتياجات بدقة.

بعدها صار عملنا لدعم أهلنا في غزة وكسر الحصار أكثر تنظيما حيث أصبحت لنا شراكة دائمة مع هيئة أميال من الابتسامات التي يقودها عصام أبو يوسف فتمكنا من خلال ذلك من إرسال أكثر من ألف جزائري إلى غزة عبر أكثر من 30 حملة وبرزت في هذه المسيرة قيادات جزائرية  فذة في النضال من أجل فلسطين على رأسهم الشيخ أحمد الإبراهيمي رفيقي في تنظيم أسطول الحرية وشريان الحياة حيث أصبح بعد ذلك هو الشخص المحوري في القوافل وحشد الدعم الجزائري بشكل منظم ومؤسسي ودائم تشارك فيه شبكة واسعة من النشطاء من كل الولايات كثير منهم ممن وضع رجله في الأرض المباركة ضمن القوافل العديدة، وقد توصل هذا الجهد  إلى إيصال دعم كبير للغزاويين، ثم تحول الدعم المباشر إلى إقامة مشاريع وقفية تم إنجازها فعليا في مختلف المجالات الإغاثية والتعليمية والصحية والسكنية والدينية والثقافية والاقتصادية التنموية. صنعت الحركة بهذا العمل المنظم الكبير ثقافة عامة ونشرت مهارات أساسية في العمل الفلسطيني فأكمل الإنجاز منظمات مجتمع مدني ساهم رجال الحركة في تأسيسها، على رأس هذه المنظمة جمعية البركة للعمل الخيري والإنساني، وقررت الحركة عندئذ التراجع عن البروز اللافت والسيطرة على المشهد الريادي في هذا الشأن الإغاثي في إطار توجهها نحو التخصص الوظيفي لتجنب الحساسيات السياسية ولتوسيع جبهة المناصرة خدمة للقضية الفلسطينية، وقد بقيت تساهم في ريادة النضال السياسي والإعلامي والدبلوماسي لصالح فلسطين.

 فنسأل أن يتقبل هذا الجهد ويجعله في ميزان الحسنات وأن ينفع إخواننا في فلسطين وأن يرفع به مقام الجزائر والجزائريين.

النضال السياسي الفلسطيني

7 – أما في المجال  السياسي والإعلامي والدبلوماسي ومناهضة التطبيع باسم الحركة فلم يفتر نشاطنا أبدا، لا نتوقف عن الوقوف العلني والصارم مع المقاومة ومناهضة الصهيونية والتوعية بالحق الفلسطيني وفضح التطبيع والمطبعين وجرائم الاحتلال عبر البيانات والندوات والتجمعات والمسيرات والمقالات والتغريدات والمنشورات والكتب والمقابلات الإعلامية، ولو أردنا عرض تقارير ما قمنا به في هذا الشأن لما كفته المجلدات الورقية والإلكترونية ويكفي أن يتجه الباحث عن مساهماتنا إلى محركات البحث الالكترونية ويكتب العبارات المفتاحية المتعلقة بما كتبناه وصرحنا به وقمنا به بشأن القضية الفلسطينية ليُعرض أمامه  كميات هائلة من التقارير والتغطيات الإعلامية.

كانت جهودنا في كثير من الأحيان باسم الحركة، ولكن كنا نحرص دائما على العمل الجماعي السياسي لتوسيع جبهة المناصرة فساهمنا في  تشكيل اللجان الشعبية لمناهضة التطبيع، ومناهضة الصه#يونية ودعم المقاومة وتعبئة الناس للقضية وإغاثة المظلومين والمشردين والمعاقين وأسر الشهداء، وكان للدبلوماسية الشعبية حضور لافت ودائم لدعم القضية من خلال برامج الزيارات التي نظمناها لقادة ح#ماس مع الجهات الرسمية الجزائرية، كاللقاءات العديدة مع رؤساء البرلمان بغرفتيه، ورؤساء الحكومات والوزراء، والكتل البرلمانية والأحزاب والمنظمات المدنية، وكذلك عبر ما نقوم به نحن بأنفسنا من دعم لفلسطين مع سفراء الدول المعتمدين في الجزائر في اللقاءات التي ننظمها معهم لهذا الغرض، خصوصا أثناء أي عدوان صهيوني، أو في زيارتهم لنا ضمن الأنشطة الدبلوماسية العادية، بالإضافة إلى لقاءاتنا الدولية خارج الجزائر في المؤتمرات التي ندعى لها من مراكز الدراسات والمنظمات الغربية الحكومية وغير الحكومية، ومن خلال أنشطتنا الريادية في المنظمات الإسلامية المناصرة لفلسطين خارج الوطن، كمنظمة ائتلاف المنظمات العاملة لفلسطين ومؤتمرات الرواد ومؤسسة القدس ومنتدى كوالالمبور  وغيرها.

وبالرغم من ارتباط أغلب أنشطتنا بالجهات الفلسطينية المقاومة على رأسها حماس بسبب القناعة المشتركة بأنه لا حل مع الاحتلال إلا المقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها المقاومة المسلحة التي ورثناها عن الثورة التحريرية الجزائرية فإننا نحاول أن نحافظ على العلاقة الطيبة مع السلطة الفلسطينية والفصائل المنضوية في منظمة التحرير، ورغم خلافتا الشديدة مع مشاريع التسوية وعلى رأسها مشروع أوسلو واعتراضنا على التنسيق الأمني الذي نعتبره خيانة بالجملة، نحافظ على التواصل مع السفارة الفلسطينية والتعامل باحترام معها، وحينما يكون السفير الفلسطيني وموظفي السفارة الفلسطينية في الجزائر محترمين ومتفهمين ولا يحملون عداء للمقاومة تتحسن العلاقة كثيرا معهم وبعضهم أصبحوا أصدقاء لنا، وفي كل الأحوال لم نتوقف عن إبداء النصيحة للفلسطينيين في كيفيات المحافظة وتطوير أشكال المقاومة وحل مشكل الخلاف الفلسطيني وإنجاز مشروع الوحدة على قاعدة المقاومة والتحرير.

 

د. عبد الرزاق مقري

ردا على الذين يقولون تدافعون عن فلسطين لكي تتحرر وتسكتون عن ظلم الحكام وقمعهم للمعارضين

يقولون تدافعون عن #فلسطين لكي تتحرر وتسكتون عن ظلم الحكام وقمعهم للمعارضين، والذين يقولون هذا يعلمون أنهم يكذبون، لا نجيب العملاء المباشرين الذين يشتغلون لصالح الكيان الصهيوني وأعوانه في الغرب أو عملائه عند العرب لأن الحديث معهم لا يفيد، إنما نتحدث لمن يمكن أن ينفع معهم الكلام فيصبحوا إيجابيين في التعامل مع القضية الفلسطينية ويوجهوا جهدهم لتوسيع جبهة المناصرة من أي جهة كانت لصالح فلسطين والمسجد الأقصى.

نقول لهؤلاء:

– كل ما يقوله البعض بأننا لا ندين الانتهاكات والاعتقالات كذب وافتراء ونية هؤلاء سيئة لأن بياناتنا واضحة منشورة آخرها هذا البيان:

– من يظن أنه علينا أن نتخصص فقط في متابعة الانتهاكات وإصدار بيانات يومية بشأنها فهو يطالبنا بما لم يطالب به غيرنا، ويريدنا أن نتحول إلى منظمة حقوقية هذا هو اختصاصها، في حين أن الحزب له أدوار عدة من بينها رصد الانتهاكات وإدانتها، وفي هذا الإطار نحن الحزب الذي يتذكر الجزائريين تنظيمه للمسيرات ضد التزوير وضد قانون معاقبة الصحفي وغير ذلك :  

– نحن نتفهم أن البعض يحاسبنا على حجمنا وقوتنا وفاعليتنا وحين لا يجدنا معه في مشاريعه يشعر بالضعف والاغتراب وعدم الثقة بالنفس، ولكن نحن لا نشتغل لبرامج غيرنا والذي يريدنا أن نعمل معا عليه أن يستشيرنا لا أن يقرر ثم يتوقع أن نتبعه وحينما لا نكون معه يُخوننا. نحن سادة العمل المشترك وسيبقى التاريخ شاهدا أننا بذلنا المستحيل لمعارضة النظام السياسي برؤى موحدة ولكن لم نجد الشركاء الذين ينخرطون في ذلك بجدية وفاعلية وبدون خلفية وقد صرحت بتفاصيل تلك المبادرات وكتبت بشأنها كتابا مفصلا.

– نحن في الحراك من اللحظة الأولى ولا زلنا نؤمن بالحراك الشعبي كوسيلة من وسائل التغيير، وشاركنا فيه دون تصدره للمحافظة عليه ولا زلنا نشارك فيه بطريقتنا التي نراها نافعة. وقد أردناها أن يكون وسيلة حاسمة في البداية فلم تكن كذلك بسبب الصراعات والمؤامرات التي حيكت ضده من الأطراف المتصارعة في السلطة والمعارضة، ولكن  بالرغم من أنه لم يصبح قادرا على الحسم الآن فهو لا يزال في رأينا جزء من مسارات التغيير وقد يتجه نحو الحسم إذا عبث النظام بالانتخابات مجددا فأفرزت نفس مخرجات المرحلة السابقة ولو بأشكال جديدة.

وباعتبار أن الحراك لم يصبح وحده كافيا للتغيير كما كنا نأمل في بدايته لا نرى تعارضا بينه وبين المشاركة في الانتخابات.

– الذين يجرمون الانتخابات ويعادون من يشارك فيها عندهم فكر دكتاتوري تسلطي مثلهم مثل النظام السياسي، فهم لا يصبرون على الآراء المخالفة، وهم ليس لهم علم بحقائق التاريخ والفكر السياسي الأصيل، إذ أن زعماء الحركة الوطنية أنفسهم شاركوا في الانتخابات التي تديرها وتزورها الإدارة الاستعمارية أثناء تحضير الثورة وسنة كاملة أثناء الثورة، ولم يخرجوا من المجالس المنتخبة إلا سنة بعد أن استحكمت الثورة عند الشعب ووصلت إلى نقطة اللارجوع. فالذين يريدون حشرنا في الحراك فقط أفقهم ضيق وصدورهم ضائقة .

–  لم تتوقف الحركة عن الكفاح من أجل الحريات من قبل التأسيس الرسمي للحركة ومؤسس الحركة دخل السجن في السبعينيات وواجه النظام الاشتراكي بصرامة وأظهر الزمن صدقية منهجه، وفي التسعينيات لم نكن نوافق الجبهة الإسلامية للإنقاذ في منهجها – وهذا حقنا – ولكن قمنا بإدانة إلغاء الانتخابات التي نجحت فيها وبحلها ببيانات شاهدة موجودة على هاذين الرابطين:

– حين شاركت الحركة في الحكومة شاركت على أساس نجاحها في الانتخابات ولم يتفضل عليها النظام السياسي، بل أخذت جزء من حقها فقط إذ كان المفروض أن تسير هي الحكومة، وهي فعلت ذلك لمصلحة البلد وليس لمصلحة النظام السياسي فلا هو كان يريد الخير للحركة ورجالها ولا الحركة كانت تثق فيه، وإنما كانت هناك مساحة مشتركة بينهما تتعلق بالوطن قبل كل شيء، وأثناء ذلك كانت لا تسكت عن الانحرافات فقيل عنها – رجل في السلطة ورجل في المعارضة – وهي قد أطلقت مبادرة فساد قف وهي في السلطة، ومداخلاتي في البرلمان وفي وسائل الإعلام بهذا الخصوص مدونة ويكفي كتابة “مقري عبد الرزاق على جوجل أو يوتيوب فستخرج عشرات التصريحات في ذلك، وحين أدركنا أننا لا نستطيع التغيير من الداخل كلية خرجنا من الحكومة بإرادتنا في وقت كانت خزائن الدولة مليئة بالأموال وبعد أن فاتت موجة الربيع العربي بسنة.

– مضى على خروجنا من الحكومة عقد من الزمن، فنحن في المعارضة لمدة عهدتين ولا يزال البعض يتحدث عن مشاركتنا في الحكومة، في حين أن الأحزاب – عند العقلاء الأقوياء- يكفي أن تخرج من الحكومة لتكون في اليوم الموالي معارضة. ولم نكن معارضين في العشر السنوات الماضية فقط بل كنا في ريادة المعارضة، وقمنا بكل ما تقوم به المعارضة في البرلمان، وفي الإعلام، وفي العمل الجواري في الأحياء مع المواطنين، وفي التجمعات والندوات والمحاضرات فلم نترك وسيلة تستعملها الأحزاب لم نستعملها.

–  لم يبق شيء لم نفعله مما تفعله الأحزاب في مواجهة الاستبداد، لم يبق إلا شيء واحد لم نفعله وهو حمل السلاح في وجه هذا النظام وهذا ليس منهجنا فنحن نؤمن بحمل السلاح في وجه المحتل الص#هي$وني فقط، نحن نؤمن بالعمل السلمي لا غير، وضحينا تضحيات كبيرة لتثبيت العمل السلمي في الفكر السياسي في بلادنا وخارج بلادنا.

– أما ما يقال عن استفادتنا من السلطة وأخذنا لأثمان على مواقفنا السياسية فأصحاب هذا الادعاء هم أنفسهم لا يصدقون أنفسهم، فلا أدري ما هي هذه المواقف التي تعجب السلطة حتى تجازينا عنها.

نحن في صراع مكشوف معها منذ خرجنا من الحكومة سنة 2012 وكل محاولات إرجاعنا للحكومة بغير انتخابات لتحييدنا لم تفلح، والرأي العام يعلم تفاصيل ذلك، كما أن كل مواقفنا كانت مخالفة لإرادة السلطة سواء ما تعلق بموقعنا ضد العهدة الرابعة وخروجنا للشارع لمواجهتها، أو تنسيقنا مع الأحزاب في مشروع الحريات والانتقال الديمقراطي، أو فضحنا للواقع الاقتصادي وإخبار الرأي العام بمآلاته قبل ظهور حقيقة الأزمة، أو مواقفنا في البرلمان ضد قوانين المالية والتدابير المرهقة لمعيشة المواطنين، ومشاريعنا الإصلاحية المتعددة كمشروع التوافق أو الإصلاحات قبل الانتخابات، أو مشاركتنا في الحراك، أو دورنا في ملتقى عين بنيان، أو موقفنا من الدستور أو موقفنا من قانون الانتخابات أو ما يتعلق بالضرر الكبير الذي لحقنا في مسألة الترشيحات.

– ومع ذلك نبقى نتحدى الجميع أن يذكروا شيئا أو شبهة تديننا في عملنا السياسي أو في ذمتنا المالية وأخلاقنا بعيدا عن الكذب والأراجيف، نتحدى أي كان أن يأتي بدليل يستطيع أن يتماسك ولا نستطيع أن نرد عليه.

حركة مجتمع السلم حركة رسالية وطنية، تصيب وتخطئ، ولكن لا يوجد ما يدينها مما يفقد مصداقيتها ولذلك تعمل بعزيمة وفاعلية لصالح البلد، ولذلك حافظت على رصيدها النضالي والشعبي في كامل التراب الوطني، وعملها لفلسطين جزء من برنامجها سنتحدث عما قامت وتقوم به في هذا الشأن.

 

د. عبد الرزاق مقري 

 

حديث عن المرأة مع فرنسيات في مدينة لومان الفرنسية

يوم الثامن من شهر مارس لكل سنة هو يوم الحديث عن حرية المرأة ونضالها من أجل أخذ حقوقها، ومن ذلك حقوقها في التصويت وفي الشغل والحرية الاقتصادية وغير ذلك. وبهذه المناسبة تذكرت مناقشة بيني وبين نساء فرنسيات على هامش مؤتمر نظمته جريدة لوموند دبلوماتيك (le monde diplomatique) في ديسمبر سنة  1993  بمدينة لومان (le mans) في فرنسا ضمن ملتقيات ” مفترق طرق الفكر” (carrefours de la pensé) شارك فيه عدد كبير من المفكرين الغربيين المعروفين والسياسيين الجزائريين.

كنت الممثل الوحيد للتيار الإسلامي في الملتقى وقد ساهمت بموضوع باللغة الفرنسية نشر في كتاب الملتقى الذي أشرف عليه مدير الجريدة ألان قراش (Alain Gresh )، وحينما عرف بعض النساء المشاركات بانتمائي الفكري تحلّقن حولي في فترة استراحة  في فناء دار الثقافة التي عقد فيها الملتقى، وكانت أسئلتهن كلها عن الإسلام والمرأة بخلفيات خاطئة معتقدات أن ما يقع على المرأة من تجاوز في حقوقها في العالم الإسلامي سببه الإسلام ذاته. فكانت الفرصة سانحة لي لأعطيهن الصورة الحقيقية لوضع المرأة في ديننا ومعتقداتنا ولأبين لهن بأن ما يقع من تجاوز في حقوق المرأة في بعض نواحي العالم الإسلامي هو بعض التقاليد والعادات وليس الإسلام، وأن تلك التقاليد هي ذاتها متناقضة مع المبادئ والنصوص الإسلامية، وأن القوانين الصارمة في حماية النساء في الغرب ذاته لم تمنع من أن تكون أكبر نسب العنف ضد المرأة من حيث عدد الحالات وشدة قسوتها هي في الغرب ذاته. لم أعتمد أسلوبا دفاعيا تبريريا كما هي حالتنا أحيانا في محاججة هجمات الغربيين وأتباعهم، بادرتهن بطريقة جريئة تثبت بالدليل تخلف مجتمعاتهن عن الإسلام في منح حقوق المرأة، بحكم معرفتي بتاريخ الغرب وواقعه. توسعت  في حديثي معهن في المقارنة الزمنية لفترات تمتع المرأة بالحقوق الأساسية بين التاريخ الإسلامي والتاريخ الأوربي، ومما ركزت عليه الحقوق السياسية والاقتصادية. سألتهن عن تاريخ منح المرأة حقها في الانتخاب واختيار الحاكم ونقده، ثم ذكّرتهن بتأخر هذا الحق إلى غاية منتصف القرن العشرين الميلادي وأبعد من ذلك، حيث أن المرأة صار لها الحق في الانتخاب في فرنسا مثلا سنة 1944، وفي إيطاليا سنة 1945، وفي اسبانيا سنة 1931، وفي بلجيكا سنة 1948، وفي سويسرا سنة 1971، ثم أخبرتهن بأن المرأة في الإسلام أصبح لها الحق في مبايعة الحاكم مثلها مثل الرجال منذ البعثة النبوية في بداية القرن السابع  الميلادي (حيث يذكر الله تعالى ذلك في آخر سورة  الممتحنة)، وكان لهن الحق في التعبير عن آرائهن السياسية في قضايا أساسية في التشريع المتعلق بالشأن العام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين  فقصصت لهن على سبيل المثال كيف أن امرأة نهضت من بين الرجال والنساء تعترض على سيدنا عمر بن الخطاب في مسألة تشريعية تتعلق بالمهور همّ رضي الله عنه أن يجعلها ماضية على الجميع.

 ثم انتقلت بهن، وهن في حالة انتباه شديد، إلى الحقوق الاقتصادية فسألتهن عن تواريخ السماح للمرأة الغربية بأن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن أهلها وزوجها ومتى استطاعت أن تملك حسابا جاريا خاصا بها، وعددت لهن بعض التواريخ ليعلمن بأن ذلك كان في وقت قريب كذلك مقارنة بالإسلام، حيث أنه سمح للمرأة الفرنسية المتزوجة أن تكون لها ذمة مالية محدودة سنة 1907 وفي إيطاليا سنة 1919 على سبيل المثال، ثم كان الفتح الكبير بالنسبة لكل النساء في فرنسا في 13 جويلية 1965 حيث سمح للمرأة مطلقا أن يكون لها حساب جار واستقلالية مالية. ثم فاجأتهن بإخبارهن بأن هذه الحقوق كانت مضمونة للمرأة المسلمة منذ 14 قرنا بنصوص الشريعة الإسلامية التي تؤكد بأن الذمة المالية للمرأة محفوظة ولا يصح لغيرها التصرف في مالها ولو كان والدها أو زوجها، بل إن الزوجة الغنية لزوج فقير ليست مجبرة على الإنفاق على الأسرة حيث ذلك واجب الزوج، وأن الزوج الفقير لا يستطيع أخذ شيء من مال زوجته إلا برضاها، وإن تعسّف وظلم تستطيع أن تتوجه للقاضي لينصفها. أظهرت تلك النساء الفرنسيات حالة كبيرة من التعجب والإعجاب ولكنهن كن يبحثن عن ثغرات في التصور الإسلامي لحقوق المرأة ويسألن عن الأمور الأكثر تعقيدا ومن ذلك سؤالهن عن تعدد الزوجات والسماح بالزواج بأربع نساء في نفس الوقت. لا يخفى على أحد بأن جواز التعدد هو مباح في الإسلام وليس واجبا ولا مندوبا ولا تشجع عليه الشريعة الإسلامية، وهو لا يمثل حالة شائعة في المجتمعات الإسلامية وقد يكون حلا لحالات أو أزمات اجتماعية أو واقيا من انحرافات مدمرة للأسرة. غير أنني لم استعمل كل هذه الحجج التي لا تتناسب مع الثقافة والواقع الغربي، فبادرتهن بسؤال جريئ يتعلق بواقعهن فقلت لهن: “لو سألتكن سؤالا جريئا هل ستجبنني بصراحة تامة؟” فلما شعرتُ باهتمامهن بما أقوله سألتهن: ” ألا تعتقدن بأن المجتمع الفرنسي هو حقيقة مجتمع تعددي” Ne pensez vous pas que la Société Française est vraiment une société polygame?” تعجبن كثيرا من السؤال فرحت أشرح لهن قائلا: ” أليست الخيانة الزوجية هي القاعدة تقريبا عندكم، وهي في الغالب رجالية؟” . ضحك بعضهن بلا تحفظ قأضفت قائلا: “من الضحية عندكم حين يمر الرجل على عدة نساء دون أي ضابط قانوني؟ أليست تلك النساء اللواتي يرميهن الرجل كل مرة بعد قضاء وطره ولا أحد ينجدهن؟ أليس أولئك الأطفال الذين ينشؤون دون اعتراف أبوي في كثير من الأحيان؟ أليست النساء هن اللواتي يبقين يتحملن  عبء تربية هؤلاء الأولاد أو تحمل تأنيب الضمير بالتخلي عليهم بأشكال متعددة؟ أليست هذه القصص شائعة جدا عندكم في فرنسا وفي الغرب عموما؟ خيّمت حالة من الحرج عند هؤلاء النساء الفرنسيات ولكنهن أكدن صحة ما أقول. وعندئذ أخبرتهن بأن الإسلام أراد تنظيم هذه الحالة الاجتماعية بتحميل الرجل الذي يريد الارتباط بغير زوجته مسؤولية قانونية علنية بعقدٍ مدني وشهود من أجل حفظ كرامة وحقوق المرأة التي يعدد بها، وكرامة وحقوق الأطفال الذين ينشؤون من هذا التعدد، كما حدد الإسلام عدد المرات التي يكرر فيها هذا الرجل الزواج حتى يمنع عبث الرجال فلا يحرّفون الزواج عن أهدافه الأصلية المقدسة الذي يسميه الله تعالى “ميثاقا غليظا”. لم يكن أتوقع أن يكون التأثر على النحو الذي رأيته في ذلك الجمع النسوي الذي يكون في حدود سبع نساء من مختلف الأعمار. ولكن تعجبي الكبير كان من امرأة من تلك النساء جزائرية الأصل، هي الوحيدة التي كانت تلبس لباسا فاضحا مزعجا، غضَبت من التأثر الإيجابي للنساء الفرنسيات وحاولت دون جدوى تعكير الأجواء مدّعية بأن والدها إمام وهي لا توافقني الرأي.

 

د. عبد الرزاق مقري 

 

كلام متداخل في السياسة : نعم ولكن؟

أثير نقاش لدى بعض المهتمين بالشأن السياسي حول إعلان جاهزيتنا لخوض غمار الانتخابات، ويقولون أنه يجب تأجيل الانتخابات وأن الأولوية للتغيير والإصلاح السياسي ،

ولكن السؤال المحير هو لماذا لم يساعدنا هؤلاء حينما دعونا قبل الحراك إلى ” الإصلاحات قبل الانتخابات”؟ وإلى تغيير الدستور وقانون الانتخابات وإنشاء لجنة وطنية مستقلة لتنظيم الانتخابات، وكل هذا بالحوار  وبالتوافق الوطني ولو اضطرّنا الأمر إلى تأجيل الانتخابات من ستة أشهر إلى سنة؟ مع منع العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وتمديد عهدته، ورفض فرض شخصية أخرى بدله من داخل سرايا الحكم دون توافق، كما أعلنا عنه في وقته ونشرنا وثائقه وتقاريره بأسماء المعنيين من السلطة والمعارضة، وكذلك لماذا لم يسند هؤلاء ملتقى الحوار في عين بنيان من أجل ضمان مسار إصلاحات ومسار انتخابي متفق عليه؟

لقد علمتنا التجربة بأن كثيرا من المواقف في شأننا السياسي أساسها الأنانية والحسابات الشخصية والحزبية والجهوية والفئوية والمصلحية، والقليل بيننا من يثق في اختيار الشعب الجزائري ويجتهد للمصلحة العامة حقيقة.

نحن جاهزون، في حركة مجتمع السلم، في أي وقت للحوار الجاد والتوافق الوطني الصادق ولكن لسنا ساجذين ولن ننتظر الأوهام، ونحن جاهزون فعليا للمنافسة الانتخابية. ونقول للجميع:

نعم للحريات، نعم للتغيير والإصلاح السياسي، نعم لضمانات نزاهة الانتخابات، نعم لتمدين العمل السياسي، نعم لحرية الإعلام، نعم لحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، نعم لاستقلالية القضاء، نعم لحرية المظاهرات والمسيرات،  نعم لإطلاق سراح سجناء الرأي، نعم لميزان قوة سياسي لصالح التغيير، نعم لحماية البلد من التدخلات الأجنبية، نعم لحماية الاقتصاد من الفساد وتبديد الثروة وخدمة مصالح الأجانب واللوبيات المهيمنة… نعم للحوار حول كل هذا… ولكن كيف يمكن بناء مؤسسات شرعية وقوية وذات مصداقية تضمن كل هذا بدون انتخابات تجسد الإرادة الشعبية؟ هل سنظل ننتظر ظهور أحزاب قادرة على المنافسة حتى ننظم انتخابات؟ انتخابات تبقى تؤجل بلا رؤية ولا اتفاق حتى نخرج من الإطار الدستوري وننتقل من الشرعية المنقوصة إلى غياب الشرعية كليه ثم نضيع جميعا؟ لمصلحة من هذا؟ أليس هذا لمصلحة النظام السياسي ولمصلحة الأقليات النافذة؟ ألم يُظهر الوضع الذي وصلنا إليه  فشل المرحلة الانتقالية التي جاءت بعد إلغاء الانتخابات سنة 1992؟ ألم نستفد من فشل المؤسسات التي أقيمت بالتعيين؟ ثم ألم تخدعنا الأوهام بأن هناك من ينزل من السماء لحماية الوطن وحماية ثوابته وحماية الإرادة الشعبية ويعفينا نحن من التضحية والنضال السياسي؟ ألم نجد أنفسنا أمام الأمر الواقع الذي نضطر للتعامل معه حين تركنا المشاركة السياسية ضمن المتاح؟ ألم يحن الوقت لنفهم بأن السياسة في الأخير هي ما يتحقق فعليا في مسار المقاومة السياسية السلمية الهادفة، إما جذريا أو على مراحل بما تتيحه الظروف وعزائم الرحال؟  إما عن  طريق  الشارع برؤى وطنية سلمية هادفة أو عن طريق الانتخابات مهما كانت هوامشها المتاحة؟ ألم ندرك أن أن أسوء السياسيين هم الذين يتكلمون كثيرا ولكن لا يفعلون شيئا سوى الكلام والخصومات المعيقة الفارغة؟ نعم نحن جاهزون للتعاون مع من يعمل ويحترم الغير وله الاستعداد للتنازل ولكن في نفس الوقت نحن جاهزون لرفع التحديات قياما بالواجب ثم ثقة بأنفسنا.

 

د. عبد الرزاق مقري.

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية