بعد الخامسة والستين: أين نجحت وأين أخفقت؟ وماذا بعد؟

تاريخ النشر :

2025-10-24

التصنيف :

الفكر الحضاري

حينما أنظر إلى ما مضى من عمري بعد الخامسة والستين أجد أن حياتي بحمد الله لم تكن سدى وأن ما أنجزته في مختلف الأمر يتمناه كل إنسان سوي، يمكن البناء عليه لتثمينه أكثر ولو في وقت وجيز، ولكن أقترفت من الأخطاء وأضعت من الفرص ما لا يمكن استدراك كثير منه، وما يمكن أن تساعد التجربة في تصحيح بعضه واللحاق به بإذن الله تعالى وقوته.

1 – أين نجحت؟

أما ما نجحت فيه بحمد الله وتوفيقه ومنّه وكرمه، فمنه:

– على المستوى الشخصي:

التزمت دينيا منذ فترة الطفولة، وحفظت كتاب الله كاملا، وتحصلت على تعليم جيد، في الطب والعلوم الشرعية وعلوم الإدارة والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ونلت ما احتجته من اللغات، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ولم أكتف بالوظيف فعملت في التجارة منذ العشرينيات من عمري فأغناني الله عن غيري، ونجحت إلى الحد الآن في التوازن بين الاحتياجات الروحية والصحية والعقلية والاجتماعية، وتدربت على مهارات عديدة حتى أتقنتها كالكتابة والخطابة والقيادة وتسيير الشأن العام.

– على المستوى العائلي:

اخترت زوجتي على أساس الدين لا غير، فكانت نعمة في الدنيا والدين، نعم الزوجة ونعم مربية الأولاد، صالحة، داعية، عالمة، حافظة لكتاب الله، رزقني الله تعالى منها ثمانية أولاد، تربوا كلهم على القرآن والصلاح والعلم، تفوقوا كلهم في الدراسة وتخرجوا جميعهم من الجامعات الجزائرية، ولم يتخلف أحد منهم عن الانخراط في العمل في سبيل الله من أجل بلدهم وأمتهم والقضية الفلسطينية، اتجهوا للعمل من أجل قوت أولادهم بعرق جبينهم دون أن ينالوا أي امتياز من الدولة أو أي جهة أخرى ذات شأن، في وظيف أو سكن أو أي شيء آخر. لم أفرط في توفير ما يلزمهم من كرامة العيش، من بيت واسع أو فرص عائلية تضامنية وبيئة صالحة لهم ولأولادهم، في دينهم ودنياهم، وصنت أرحامي وحفظت ود أقاربي وجيراني. ولله الحمد والمنة

– على مستوى الشأن العام في بلدي:

انخرطت في الدعوة الإسلامية مبكرا منذ الطور المتوسط في منتصف السبعينيات على يد الشيخين الفاضلين محمد مخلوفي وأحمد بوساق، فلم أخيب بحمد الله ظنهما، وبقيت وفيا لهما وحسنة جارية لحسابهما بإذن الله، إذ ثبت على ما أخذت عنهما من القيم ورسالة الدعوة إلى الله، فكنت من مؤسسي الصحوة في المسيلة وعدد من الولايات انطلاقا من جامعة سطيف التي كانت بحق قلعة من قلاع الدعوة في الثمانينيات، تجسّدت فيها معاني التأهيل القيادي ووحدة العمل الإسلامي.

ثم تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ففُتحت لي على يديه أبواب الجهاد السياسي والأداء الاستراتيجي في البلد وعلى المستوى العالمي، فتميزت عن غيري بالمساهمة الفاعلة معه في تأصيل العمل الجمعوي، وتأسيس العمل النيابي، وفتح خط عميق ثابت للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد والتزوير الانتخابي، وساهمت بعد وفاة الشيخ محفوظ في حفظ الحركة من أن يُذهب التنازعُ ريحها، واشتغلت أثناء النزاع في تعليم الناس مهارات التخطيط والتدريب والرؤى المستقبلية.

وأثناء قيادة الحركة طورت مفهوم المقاومة السياسية وساهمت من موقع الريادة في ترسيخ النضال المشترك بين التيارات من أجل الانتقال الديمقراطي، وخضت تجربة كادت تثمر من أجل التوافق الوطني لو لا صراعات الأجنحة حول الرئيس المريض، وأنانية القوى السياسية.

ورسمت مسارا صلبا في الحركة لإدارة الوظائف المجتمعية عبر ما سميته الخط الاستراتيجي ونظرية التخصص الوظيفي مما بقيت آثاره قائمة. وأعطيت فرصة للوحدة فأنجزنا منها جزء مهما، وحققنا نتيجة انتخابية مشرفة كادت تنقلنا إلى مستوى الشراكة السياسية بدل أوهام المشاركة لو لا عتو النظام السياسي الذي أكّد مرة أخرى بأنه لا يمكن التعاون معه دون تغير موازين القوة.

وتركت بعدي حركة موحدة مؤهلة لاستكمال المهمة لو أراد من أهلتهم لقيادتها ذلك، صنعت فيها، وممن ليس فيها أجيالا من القادة، وتركت حولها مؤسسات كبيرة مؤثرة في اختصاصات عديدة.

ثم تركت العمل الحزبي وتحولت كلية لأعمّق ما كنت ابتدأته في النضال الفكري والسياسي عبرالمقالات والكتب والإنتاج السمعي البصري وعبر مختلف منصات الوسائط الاجتماعية، وفي التأهيل القيادي الشبابي، والكفاح ضد الفساد والاستبداد ومن أجل نهضة البلد ومساهمته في نهضة الأمة وتحرير فلسطين.

– على مستوى قضايا الأمة خارج البلد:

بدأ اهتمامي بشؤون الأمة في الجامعة وأنا إمام خطيب أدعو لنهضة المسلمين واستعادة مجدهم، وبدروسي في المدرسة الشرعية بمسجد جامعة سطيف ومساجد أسامة والأنصار وغيرهما بمدينة المسيلة عبر دروس الفقه الجنائي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، في الثمانينيات. ثم عبر عضويتي في مجاميع دولية أثناء رئاستي للكتلة البرلمانية وللأمانة الوطنية لحقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.

وتدرجت في العمل للقضية الفلسطينية من الدروس والمحاضرات والمقالات إلى تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع عام 2000 على إثر المصافحة المشؤومة ومحاولة دعوة ماسياس وزيارة الوفد الصحفي لدولة الكيان، ثم بعضوية مؤسسة القدس الدولية وقيادة الأمانة العامة لفرعها بالجزائر وما نتج عن ذلك من إنجازات لا تزال شاهدة، منها الوقفية الشامخة وفرع شباب من أجل القدس المستمرة بعنوان جديد، ثم أسطول الحرية عام 2010، وتدشين حملات كسر الحصار والإغاثة منذ شريان الحياة 5 وما نتج عن ذلك من مسارات نُقل عبرها المئات من الجزائريين إلى غزة، وشُيدت مشاريع عدة فيها، وتأهل على دربها العاملون لفلسطين وبني مسار دائم فاعل للعمل للقضية، إلى رئاسة هيئة المستشارين في الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين إلى أسطول الصمود عام 2025 وما فتح من آفاق مستقبلية بحول الله.

وأثناء ذلك كله اشتغلت في العمل الفكري فأسست مركز البصيرة للدراسات وما أنتجه من مجلات علمية معتمدة عديدة ترقىّ بالكتابة فيها مئات الأساتذة ولا تزال مستمرة إلى الآن، وألفت 18 كتابا في الفكر السياسي والشأن الدعوي والقضايا الدولية، وسافرت لمختلف أنحاء العالم محاضرا ومحاورا ومناظرا في المؤتمرات والندوات، ثم صرت عضوا في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، والأمين العام لمنتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حيث وفقنا لتنظيم سبعة مؤتمرات دولية مشهودة وفعاليات فكرية عديدة، وشرعت مع غيري في تطوير نظريات جديدة لتجاوز حالة الاحتباس التي تعرفها الأمة ومن ذلك مقاربات “تحدي العبور” ومشاريع “تيار الأمة” ومعاني متجددة لمفهوم ” مركزية القضية الفلسطينية” ومشاريع “التحالفات العالمية ضد الصهيونية والهيمنة الاستعمارية”.

2 – أين فشلت؟

..يتبع

 

 

د. عبد الرزاق مقري

 

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية