المقالات

يُعدّ مالك بن نبي من أبرز المفكرين الذين اهتموا بموضوع الحضارة ورؤية الاستنهاض الحضاري في العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين. وقد أعددت وقدمت برنامجا مرئيا من خمس وعشرين حلقة عن رؤى مالك بن نبي في مسألة الحضارة تحت عنوان ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور: مع بن نبي”[1]، ثم حولت البرنامج إلى كتاب تحت عنوان “مع ابن نبي: شروط النهضة” ، ونقدم هاهنا مختصرا عن رؤيته في مسائل الحضارة.

لم يكتف بن نبي بتقييم وتحليل ونقد حالة التخلف التي يعرفها المسلمون، منذ مرحلة ما بعد الموحدين، وفق توقيت الأفول الحضاري الذي وضعه واشتهر به، بل قدّم مشروعًا فكريًا متكاملاً لفهم وتتبع نشوء الحضارات وأفولها. وقد مثّل مشروعه الفكري استجابة جادة للتحديات التي واجهتها المجتمعات الإسلامية بعد فترة الاستعمار. لم تخل أفكار بن نبي من تأثره بتجربته الشخصية في الجزائر، ومعارفه الواسعة عن الفلسفة وعلم الكلام في التاريخ الإسلامي، كما كان لاطلاعه الواسع والعميق على الفكر الغربي أثر كبير في إسهاماته الفكرية.

يؤكد مالك بن نبي في مقاربته الحضارية على البون الشاسع بين المجتمعات التي تصنع المنتجات الحضارية من منطلق أهليتها الحضارية واعتمادها في نشأة حضارتها على قيمها التي أودعتها في كل منتجاتها، والمجتمعات التي تكدس المنتجات الحضارية، وتستهلكها بنهم، هي والقيم التي بداخلها، إذ لم يكن لها أي دور في إنتاج تلك المنتجات الحضارية.

وقد ابتكر في هذا السياق تعريفًا علميا للحضارة يعتمد على المقاربة التركيبية، فهو يعدّ المنتجات المادية والتقدم التقني منتج تلقائي للصيرورة الحضارية، ولا علاقة لذلك بالنشأة الحضارية التي لا تكون إلا من خلال التفاعل المحكم والفعّال بين ثلاثة عناصر “الإنسان، التراب، والوقت” حين يدخل عليها المعامل الديني، أو ما يسميه بالفكرة الدينية. وقد عبّر عن ذلك في معادلته الشهيرة: الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت + الفكرة الدينية[2].

تعكس هذه المعادلة رؤيته الشاملة في أنه لا يُكتفى بالنظر في دراسة الحضارات إلى زاوية قوتها المادية وما تتيحه منتجاتها من رفاه للإنسان، ولكن يُنظر أولا إلى القيم الروحية والأفكار الإنسانية المرتبطة بالوحي التي صاحبتها أثناء النشأة، وأخيرا إلى حال المنظومة القيمية التي هي عليها أثناء قوتها وألقها. فالفكرة الدينية في معادلة بن نبي تمثل القوة الدافعة للارتقاء الإنساني، والدليل الموجِّه لكل إنسان في كيفية تثمين الموارد المادية المتوفرة في كل مكان، والموارد الزمنية السائرة في حياة البشر كلهم، والتي لا تنفذ إلا بنفاذ الحياة. فلا تقدم حقيقي ما لم تكن الفكرة الدينية هي روحه، من حيث أنها تمثل المحرك الداخلي الذي يفعّل الإنسان ويمنحه المعنى الحقيقي للوجود، ويقوده نحو العمل والتأثير والتغيير.

لا تبزغ الحضارة، عند مالك بن نبي، إلا من فكرة مركزية تغير الإنسان من داخله، وهو كثيرا مع يكرر الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾[3]، فالفكرة التي تغير الإنسان تغيرا جذريا هي الفكرة الدينية إذ هي التي تعيد تشكيل وعي الإنسان، وتعطيه طاقة روحية عظيمة تهوّن عليه المتاعب والمخاطر، وتمنحه تصورًا للكون والحياة والمصير، وتؤسس لتعاقد أخلاقي بين الفرد والمجتمع، وتوجّه الطاقات نحو مشروع نهضوي مشترك.

وقد مثّل لذلك ببعثة النبي محمد ﷺ، التي اعتبرها نقطة تحوّل حضاري كبرى، إذ لم تكن فقط حدثًا دينيًا منعزلة عن الحياة، بل لحظة تأسيسية لحضارة جديدة بُنيت على قاعدة من الإيمان والوعي والعمل. فالتغيير بدأ من إعادة بناء الإنسان، ثم امتدّ ليشمل النظام الاجتماعي والسياسي والعلمي. وحتى حينما يتحدث عن تاريخ الحضارة الغربية فإنه يعود بأصلها إلى النهضة الكاثوليكية الكارولنجية الجرمانية في القرن التاسع الميلادي، وما الانفصال القائم اليوم بين القيم المسيحية والحضارة الغربية في رأيه إلا تعبير عن مرحلة متأخرة في حياة هذه الحضارة.

يشدّد بن نبي على أن الإنسان هو جوهر العملية الحضارية، ويقدم أوصافا دقيقة للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ونقيضه. فبقدر ما يُشِيد بظاهرة البطولة في تاريخ الرجال الذين ينهضون للدفاع عن حريتهم وثقافتهم وقيمهم، وبدورهم في المحافظة على مصير قضاياهم، فهو يعدّ كثيرا من تلك البطولات في التاريخ ملاحم كملاحم الأوديسا والإلياذة لا توجّه الشعوب نحو مشروع حضاري جماعي بأهداف طموحة وواقعية محددة لا تزول بذهاب الأبطال، وينفي الأهلية الحضارية من جهة أخرى على الإنسان العاجز والكسول، والذي يسميه “رجل القلة” من حيث أنه لا يثق في نفسه، وحيثما توجهه – في أي عمل يريده – يبقى في منتصف الطريق، فهو مشلول الإرادة، عبء على الحضارة لا منشئ لها.

إنما الإنسان المؤهل لصناعة الحضارة، عند مالك بن نبي، هو ذلك الإنسان الواعي المبادر الواثق في نفسه، المتشبع بقيم دينه وثقافته، فشتّان عنده بين “الإنسان الفاعل” الذي يثور على واقعه البئيس ليحوله وفق رؤية حضارية تتوافق مع قيمه، و”الإنسان السلبي” الذي يستهلك منتجات الغير ويعيش في حالة من الكسل الذهني والتقليد.

قسّم مالك بن نبي مسار الحضارة إلى ثلاث مراحل متعاقبة[4]:

  • مرحلة الروح: وفيها تُولد الفكرة المركزية، ويكون الإنسان مفعمًا بالحافز الروحي الذي يدفعه إلى الفعل والعمل والتضحية.
  • مرحلة العقل: وهي مرحلة التنظيم والبناء، حيث تبدأ المؤسسات بالتشكّل، وتنمو المعارف، وتتبلور النظم السياسية والعلمية.
  • مرحلة الغريزة: وهي مرحلة الانحدار، حين تضعف الفكرة المركزية، وتسود النزعات المادية، ويصبح الإنسان خاضعًا للغرائز والاستهلاك.

يشبِه هذا النموذج في بعض أوجهه فكرة الأطوار الخمسة والأجيال الثلاثة التي يقدمها ابن خلدون في شرح “دورة الحضارة” وقيام وسقوط الدول، ويمكن أن نجعل ما ذكره ابن خلدون عن العدل والخلال الحميدة وأثر الدين في ضمان قوة الدول واستمرارها وتوسعها قريب مما تحدث عنه بن نبي في أثر الروح في نشأة الحضارة، غير أن بن نبي يقدم أطروحة أكثر وضوحا في هذا الشأن.

يرى بن نبي أن أزمة المجتمعات الإسلامية ليست في الموارد أو الإمكانيات، فهو يؤكد بأن الخليقة كلها تعيش على نفس الأرض، وتتعامل مع نفس التراب، والزمن متوفر بوفرة كبيرة لكل الناس، بل المشكلة في الإنسان وفي طريقة تفكيره ومقارباته الثقافية. ويفرّق بين “الثقافة الحية” التي تبني الإنسان والمجتمع، و”الثقافة التكديسية” التي تملأ الأذهان بالمعلومات والمظاهر دون رابط عضوي بينها.

إن بناء الحضارة – وفقًا له – يفرض على الإنسان أن يغير ما بنفسه، بأن يَحدث له تغييرٌ جوهري في بنيته الذهنية والنفسية، ف”يمشي في التاريخ” بنظرة مستقبلية ثاقبة تنطلق من قيمه وأبعاده القيمية والدينية، وذلك ـ كما يقول ـ حين تسجل الفكر في الأنفس ـ فتتغير علاقته بالموارد المادية والزمنية، بما يجعله منشئا لحضارة هي حضارته، وتصبح علاقاته بالحضارة الغربية الغالبة حضارة إيجابية ذات نفع متبادل، بفهم عميق لفلستها وخصوصياتها، دون تقليد أجوف أو تبعية مارقة، بل يتطلع ليرتفع بسموه الإيماني والأخلاقي وبقيمه الإنسانية الإسلامية فوق سطح  تلك الحضارة المادية ليرويها ويحييها بعد أن جعلتها المادية والفردانية بلا معني، في حالة جدب أخلاقي يكاد ينهيها، فتكون انطلاقة دورة حضارية جديدة، روحها الوحي القرآني.

طرح مالك بن نبي مفهومًا بالغ الأهمية لفهم أسباب التخلف في العالم الإسلامي، هو “القابلية للاستعمار”، والذي يعني استعدادًا نفسيًا وفكريًا في المجتمعات المتخلفة لتقبّل التبعية والهيمنة[5]. لا يرجع بن نبي هذه القابلية إلى عوامل خارجية فقط، بل يرى أنها ناتجة عن تراكم تاريخي من الانحطاط الفكري، والانفصال عن الفكرة الدافعة، وفقدان المشروع الجماعي.ويُعدّ مفهوم “القابلية للاستعمار” من أكثر المفاهيم التي نبه إليها حتى صارت أيقونة أخرى يُعرّف بها، وهو مفهوم يتضمن من العبقرية والتجديد ما يساعد على فهم أسباب تخلف المسلمين ومعاناتهم، فهو لا يُحمِّل المحتلَ وحده مسؤولية الاستعمار والتخلف الذي يعاني منه المسلمون، بل يكشف أسبابه الداخلية ويوجه المسلمين إلى النظر إلى عيوب كبيرة فيهم، كالنفسية الانهزامية، وعدم الثقة في النفس، والانفصال عن الثقافة الدافعة للعمل، وغياب المشروع الحضاري، وفساد الأذواق، وانطفاء الإرادة، وما يسود العالم الإسلامي من “فوضى في الميادين الفكرية والخلقية أو في ميادين السياسة كنتيجة لذلك الخليط من الأفكار الميتة، تلك البقايا غير المصفاة ، ومن الأفكار المستعارة”[6]. فالتحرر – في رأيه –لا يبدأ من الجغرافيا بل من الإنسان نفسه، من وعيه بذاته، واسترجاع حريته الداخلية.

وقد ساهم هذا المفهوم في نشوء حركة فكرية في العالم العربي والإسلامي، تغوص في أسباب التخلف، تمقت خطاب التبرير وتشجع على النقد الذاتي، تحرر الإنسان من التواكل و”الانتظارية” والاعتماد على المخلص الخارجي، لمواجهة الاستعمار ومخلفاته بإصلاح الذات. فقد بيّن رحمه الله أن الاستعمار لم يكن فقط غزوًا عسكريًا، بل منظومة فكرية وثقافية هدفت إلى إعادة تشكيل الإنسان المستعمَر، ومسْخ هويته، وإدخاله في دائرة التبعية الدائمة، حتى ظل هو ذاته يقبل الاستعمار ويخضع له، وبات واضحا عندئذ أن مقاومة هذا الاستعمار لا تكون فقط بالسلاح، بل بإعادة تشكيل الإنسان من الداخل، وبناء هويته التي تجعله يعتز بنفسه وبلده وينتبه إلى مهاوي الحضارة الغربية رغم غلبتها.

ويؤكد في سياق ذلك أنه رغم الإقرار بتفوّق الغرب المستعمِر علميا وتقنيا، فإن حضارته الغربية التي يريد فرضها بقيمها على المستعمَر قد بلغت مرحلة الغريزة، وإنما يريد الانتقاص من أفكارنا لكي لا نتفطن لمظاهر أفوله،  ولهذا يحذّر من أن استنساخ هذا النموذج، دون وعي ببنيته وأزماته، قد يؤدي إلى اغتراب داخلي وتعمق في التخلف من جديد، وبعد أن يتحدث عن الفوضى التي يعيشها العالم الغربي، في كتابه وجهة العالم الإسلامي، يقول: “فإن العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده، بل لا يمكنه في كل حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة”[7] ويشترط لذلك فاعلية الأفكار والحذر من قتل الاستعمار لأفكارنا، مبينا ذلك في كتابه “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”: “فإن المشكلة التي تعترضنا ذات وجهين، لأنه يجب ان نعطي لأفكارنا أقصى ما يمكن من الفاعلية، ومن ناحية أخرى، ما الوسائل التي يستخدمها الاستعمار لينقص ما يسكن من فاعلية أفكارنا؟”[8].

في كتابه الشهير “شروط النهضة”، يضع بن نبي معالم أساسية لصياغة مشروع حضاري إسلامي جديد، من أهمها[9] : تحرير الفكر من الخرافة والجمود والتقليد، استعادة مركزية الفكرة الدينية بوصفها دافعًا للعمل والبناء، نشر ثقافة الانضباط والعلم والعمل واستغلال الموارد، تجويد الأذواق والحس الجمالي، إعادة النظر في الوظيفة السياسية وسلوكيات الساسة، التأسيس لعلاقة عقلانية بين الإنسان والعلم والسلطة، إعادة الاعتبار للزمن كعنصر أساسي في المعادلة الحضارية. فمن شأن هذه المعالم، حسب بن نبي، أن تجعل المسلم قادرا على إعادة بناء نموذجه الحضاري الخاص، واستلهام القيم العالمية المشتركة ضمن رؤية إسلامية أصيلة، بالاعتماد على عناصر قوته الذاتية. فلا ينبهر بالحضارة الغربية العطشاء، بل يستطيع أن ينفعها بإعادتها إلى الرواء من نهر القيم الذي يملك المسلمون منابعه لو ارتفعوا بقيمهم فوق سطح الحضارة الغربية.

إن فكر مالك بن نبي لا يزال حيًّا وملهمًا، لأنه لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يفتح أفق التفكير، ويدفع القارئ إلى مراجعة ذاته وتاريخ أمّته، والسعي لصياغة مشروع حضاري يعيد للإنسان المسلم دوره الفاعل في التاريخ. فقد جمع بين عمق التحليل ووضوح الفكرة، ودمج بين الروحي والمادي في صياغة رؤية متكاملة للنهضة، تجعل من الإنسان نقطة الانطلاق، ومن الفكرة الدينية مصدر الدفع، ومن الثقافة ميدان البناء.

للأسف الشديد عرف مالك بن نبي نفس مصير عبد الرحمن ابن خلدون وربما أكثر، حيث تعرض للتضييق الشديد في فرنسا أثناء دراسته بسبب نشاطه الفكري بين الطلبة، ومُنع من العمل حتى اضطر إلى الشغل في مهن بسيطة من أجل لقمة العيش في بلدية “درو” بفرنسا، ودرّس للمهاجرين في مارسيليا. ولما اكتشف المستشرق ماسينيون عبقريته وقدراته الفذة حاول أن يدمجه في دوائره الاستشارقية مع عدد من المثقفين العرب الآخرين، ولما رأى أن ابن نبي يقاومه فكريا بمستوى متميّز ومؤثر تسبب في أذيته وإيذاء زوجته.

كان تأثر مالك بن نبي بالشيخ عبد الحميد بن باديس كبيرا في السنوات العشر الأولى من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد عدّه رائد النهضة الجزائرية بلا منازع، بسبب دوره الأساسي في الجزائر في إصلاح النفوس وإعداد الأجيال التي تنهي الاستعمار. غير أنه رغم هذا الإعجاب الكبير بابن باديس تشكلت جفوة كبيرة بينه وبين قادة الجمعية حين انتقدهم بسبب مشاركتهم في وفد المطالبة بالحقوق ومحاورة الحكومة الفرنسية جنبا إلى جنب مع السياسيين الجزائريين دعاة الإدماج في فترة الاحتلال الفرنسي، وأصبح، على إثر ذلك، يشعر بأنه يهمش من قبل شركاء العمل الإصلاحي في بلاده. كما تعامل معه جزء معتبر من الحركات الإسلامية الجزائرية، لاحقا بعد الاستقلال، بجفاء كذلك بسبب أنها لم تنسجم مع خطابه في أبعاده الحضارية واكتفائها بالبعد العقائدي في الصراع، وتركيزها على البعد الشرعي في تكوينها دون مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وتكتلات المصالح وتنوع الأفكار، فحُرمت من أفكاره لعقود طويلة، ولم تنتبه إليها إلا حينما تعمّقت في الممارسة السياسية. ولكن نرى اليوم أن فكر بن نبي يعود إلى الساحة ضمن التحولات والتحديات الجديدة، وقد استفادت منه دول، كتركيا وماليزيا، وصارت أعماله الفكرية محل اهتمام ودراسة في الجامعات والمؤتمرات ومراكز الدراسات.

 

[1] ـ نشر على اليوتيوب في مارس 2024 بشهر رمضان.

[2] مالك بن نبي، مشكلات الحضارة: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص45.

[3]ـ سورة الرعد، الآية 11.

[4] مالك بن نبي، مرجع سابق، ص 66.

[5] شروط النهضة، ص152.

[6] مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصابور شاهين، دار الفكر، دمشق، 2002، ص81.

[7]ـ مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص .138

[8] مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة، دار الفكر، 1981، ص19.

[9] عبد الرزاق مقري، مع بن نبي: شروط النهضة، دار الخلدونية، الجزائر. وانظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص106–128.

لا شك أن كل إنسان سوي له تعلق بقطره، وبلدته وقريته وعائلته أكثر من الأماكن الأخرى في الدنيا، فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعلق خاص بمكة باعتبارها مسقط رأسه،  وقد خاطبها صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن ابن عباس، فقال: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ.) . كما أحب المدينة، باعتبارها البلدة التي نصرته وأقام فيها،  وبنى فيها دولته،  فجعلها ثاني الحرمين كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن عبّاد بن تميم عن عمه أن رسول الله  عليه الصلاة والسلام قال: “إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا “، ووالى أهلها الذين نصروه فقال: لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار واديا أوشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار)). ونحن  نتعلق ببلدنا ونحبه لأنه مسقط رأسنا وفيه نشأنا وأفضاله علينا لا حد لها، والتضحيات من أجل استقلاله عظيمة، إذ حدوده في شرقه وغربه وشماله وجنوبه رسمته دماء الشهداء، لم تخط خريطته أقلام المحتلين، فلا مزية لأحد، بعد الله، على استقلاله وتمام حدوده سوى دماء الشهداء وفداء المجاهدين، والجزائريون في التعلق بوطنهم متساوون. 

غير أن القطرية أذا تحولت إلى شوفينية تصبح أداة تدمير للوطن وأهله، والشوفينية (le chauvinisme ) بالتعريف القاموسي: هي “تحول الولاء المحمود للوطن والقوم والعائلة إلى انحراف عنصري  وعدم الاهتمام بالغير وكسر وشائج الإنسانية المختلفة،  والشعور بالغرور والاستعلاء والعمل على ازدراء الآخرين والتعالي عليهم “. وهذا الذي أصبحنا نسمعه من بعض بني وطننا، وكأن العقل والرزانة والحكمة غابت كلية، وكأن حب الوطن شرطه الانفصال عن كل الوشائج التي تربطنا بالآخرين، ولو كانوا من قومنا وذوي ديننا وعقيدتنا. 

والمشكلة أن هذا الشعور تمدد إلى القضية الفلسطينية ذاتها فأصبحنا نسمع بعض الناس في بلادنا يقولون: “لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”، “مشاكلنا تكفينا”، “لا نغامر بمصالح بلدنا من أجل فلسطين”، “نحن بعيدون على فلسطين جغرافيا”، “نخشى من الحصار أو أن تصيبنا المصائب من أجل فلسطين”. 

يأتينا في كل سنة، بمناسبة الإسراء والمعراج،  ما يفنّد هذا الاتجاه المنحرف فيذكرنا بطبيعة علاقتنا بفلسطين، لينتبه الناس في هذه الذكرى بأن ما يجمعنا بفلسطين يتجاوز الحدود الجغرافية لبلداننا ويرفعنا إلى آفاق علوية مشدودة بحبال العقيدة والدين، التي حين نكون في قبورنا لا يسألنا الله إلا عنها،  إذ في هذا اليوم أسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة  إلى بيت المقدس، لتُربط العلاقة الأبدية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى بنص قرآني خالد، يضفي فيه الله تعالى  على هذه البقعة الطاهرة وعلى ما ومن حولها بركة أبدية،   فيقول سبحانه في سورة الإسراء : (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) [سورة الإسراء.1]. 

إنه لا يمكن لمسلم  يزعم أنه يؤمن بالقرآن الكريم والسنة النبوية أن يتجاهل سورة الإسراء وأن لا يقف عند حادثة الإسراء والمعراج متدبرا متأملا، متشوقا أن يزور المسجد الأقصى ذات يوم ليصلي فيه محررا، مستعدا للتضحية الدائمة من أجله، وأن يكون ذلك جزء من وطنيته. 

غير أن طبيعة القضية الفلسطينية وتشعباتها لا تدعنا نكتفي بالذكرى الدينية، بمناسبة الإسراء والمعراج، على أهميتها المركزية، فلو أردنا أن نركز هذه السنة على تحديات القطرية الشوفينية في مناصرة القضية، سنتذكر بالمناسبة كيف أن الدولة الصهيونية لا تهم الإسرائيليين المحتلين لفلسطين فقط بل هي قضية الدول الغربية كلها،  وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة.   فلنتأمل  في هذا البعد الدولي لدولة الاحتلال، هل يصح أن يقابل ببعد قطري ضيق؟ ثم لنتدبر في أسباب هذا التحالف العالمي المناصر لهذا الاحتلال الغاشم، أليس السبب هو أن يكون الصهيانة حراسا للمصالح الغربية التي لا تضمن إلا باستمرار تخلفنا وضعفنا وتشتتنا؟ هل يطمع قطرٌ من الأقطار حول فلسطين وفي أطراف الأمة أن يهنأ ويستقر ويزدهر بوجود هذا الكيان؟ ألا يفهم أحدنا بأن أولئك الأبطال الذين يقاومون، لا يفعلون ذلك من أجل بلدهم فقط بل من أمتنا كلها وأقطارنا كلها؟ وأن أولئك المشردين الذين يموتون بالقصف وبالجوع والبرد يضحون من أجلنا جميعا؟ 

ثم لننظر إلى الذين استسلموا وطبّعوا، هل هنئوا؟ هل احترمهم الصهاينة؟ هل توقف ابتزاز الأمريكيين لهم؟ ألا ننظر إلى حالهم كيف يسوء، من زاوية أو أخرى، يوما بعد يوم؟

ثم لننظر إلى البعد العقائدي الجامع الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، كيف يحتمون جميعا على أساس عقائدي كوني، باتوا يصرّحون به جهارا نهارا، ونريد نحن أن نغلق على أنفسنا في أقطارنا؟ ألا نفهم قوله تعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) [سورة البقرة:120]. 

وإن كان ثمة من يعتقد بأن الخلاص في خفظ الرأس أمام اليهود   والنصارى فإنه واهم، فهم لن يرضوا إلا باتباع ملتهم، و بالاستسلام التام، الذي معناه خدمة مصالحهم على حساب مصالح الوطن. وإن رضي بعضنا بهذا، من أجل مصالح شخصية أو أيديولوجية،  فهل يطمع أن يتحقق له بهذا الاستقرار؟  كيف يتحقق ذلك وفي بلداننا شعوب أبية ونخب مضحية؟ كل ما يفعله هؤلاء المستسلمون أنه بدل التحصن بعد الله ببعضنا البعض في مواجهة هؤلاء الظلمة ينقلون المعركة إلى صفنا الداخلي  ليفتن بعضنا بعضا حتى نضعف جميعا. 

ولنتأمل في البعد التاريخي كذلك، ما الذي جعل أبي مدين الغوث ينتقل برجاله من الجزائر إلى فلسطين فيخلّدوا وجودنا في حارة المغاربة بالوقف الذي منحهم إياه صلاح الدين الأيوبي نظير جهادهم وبطولاتهم وتميزهم في التضحية والفداء؟ أليست هذه هي طبيعة المغاربة وطبيعة الجزائريين ومن تبعهم بإحسان في جمعية العلماء والحركة الوطنية وفي دولة الاستقلال إلى يومنا هذا؟  فكيف يطمع بعض الضعفاء أن يغيّروا فكر  وعقيدة شعوبنا ومؤسساتنا؟ 

وفي الأخير، لنذكّر الذين يقولون نخشى من الحصار وأن يصبنا السوء لو بقينا ندعم فلسطين بقوله تعالى: (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ)) [ المائدة: 52]، وسياق الآية، كما يقول المفسرون، أن الله تعالى يخبر عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: “فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح “مكة”- وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم. 

ألا نرى التشابه ؟ 

وقد رأينا في مرات عديدة موجات تطبيعية عالية، كما حدث في بداية سنة 2000،  رفع فيها أصحاب القلوب المريضة رؤوسهم واستغلوا فرصة استضعاف شديدة للفلسطينيين والعالم الإسلامي، ثم تغيرت الأمور وارتفع شأن القضية الفلسطينية  وافتضح أمر المطبعين وأخذوا يبررون مواقفهم، ويحاولون الظهور بخدمة القضية، وهو أمر سيتحقق لا محالة في آخر طوفان الأقصى، وقد بدأته شعوب من غير المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وما هذا الهيجان الذي يخشاه بعض  الناس في سلوك نتنياهو وترمب إلا إرهاصات النهاية، نهاية الظلم والعدوان بحول الله .. ((وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ..)).

 

د. عبد الرزاق مقري

يُعدّ عبد الرحمن بن خلدون من أعظم مفكري الحضارة الإسلامية، ومؤسّس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع من خلال نظريته في العمران البشري. جمع بين التجربة السياسية والنظر العقلي، ففسّر نشوء الدول والحضارات وسقوطها وفق سننٍ اجتماعيةٍ ثابتة. اشتهر بنظريته في الأطوار الخمسة للدولة[1] والأجيال الثلاثة[2] التي تنتقل من القوة إلى الضعف، وبمقولته الخالدة “الظلم مؤذن بخراب العمران[3]“التي تُعبّر عن فهمه العميق للعلاقة بين العدل ودوام الملك. ورأى أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب[4] في لباسه وعاداته وفكره، لأنّ الغالب يملك سطوة النموذج والمثال. وفي الاقتصاد، حذّر من فساد الأسواق حين ينافس الحكامُ التجار، واعتبر أن الجباية والترف من علامات انهيار الدول. لقد أقام ابن خلدون فكرًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وصاغ رؤية خالدة في دورة العمران الإنساني لا تزال صالحة لتفسير سنن الحضارة عبر العصور.

لقد اهتم كثير من العلماء بمسألة الدائرة الحضارية للأمم، وبقضية نهوض وسقوط الحضارات، من خلال علم التاريخ القديم والحديث، ولكن يعدّ عبد الرحمن بن خلدون المرجع المؤسس لهذا العلم في البشرية جمعاء.

لقد كان ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، إذ لم يكتف بسرد الوقائع التاريخية كما فعل من قبلَه، بل استخرج منها قواعد السنن الاجتماعية ليفهم الناس أسباب الرقي والتدهور البشري، وقيام وسقوط الدول. فهو يقول في تعريف التاريخ: “في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيَّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتؤدِّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمَّروا في الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق”[5].

حينما تحدث ابن خلدون عن الحضارة، لم يكن المصطلح دقيقًا كما هو اليوم. فقد تناول مفاهيم الدولة، والعمران، والحضارة بشكل متداخل، إلى درجة يُخيّل معها لغير المتخصص أنه يتحدث عن موضوع واحد وأنه يقصد بالحضارة المرحلة الأخيرة في عمر الدولة.

وهذا أمر شائع عند المفكرين الذين يكتبون بزخم فكري، حيث يكون التركيز على المعنى العميق أكثر من تدقيق الألفاظ، خاصة حين لا تتاح لهم فرصة مراجعة مصطلحاتهم أو عرضها في حلقات علمية. لكن بالتدقيق في استعمالاته، نفهم بوضوح الترابط بين المفاهيم الثلاثة. فابن خلدون يرى أن “مقصد العصبية هو الدولة، وغاية الدولة هو العمران، ونهاية العمران هو الحضارة”[6]. فالدولة عنده لا تقوم إلا بعصبية قوية تطلب المُلك، وتغلب العصبيات الأخرى، وخاصةً إذا كانت العصبية الحاكمة قد ضعفت. وحين يستقر المُلك للعصبية الغالبة، يتجه أصحابها إلى تأسيس العمران وتنميته في شؤون الحياة كافة، وهو ما نسمّيه اليوم “النهضة”. يتطور العمران إلى أن يبلغ مستوىً عال من التقدّم الثقافي والاجتماعي والفني، فتنشأ الحضارة التي يراها ابن خلدون في بعدها الاجتماعي والسياسي بأنها قمة العمران والتحكم في الصنائع وأعلى درجات التطور الاجتماعي، وفي بعدها الشخصي بأنها: “تفنّن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش وسائر عوائد المنزل وأحواله”. فإذا أخذت الدولة في الترف وصار ذلك سمة عامة فيها، فسرعان ما ينهار ما شُيّد، ويبدأ الهرم يدبّ في أوصالها، إذ الترف يفسد الأخلاق ويُميت الهمم، ويجلب العجز عن الكسب والمعاش. فإذا رسخ ذلك في النفوس وصار خُلقًا وغريزة، ضعفت الدولة عن الدفاع وسقطت الهيبة، وبدأت في طريق الانقراض..

إن التأمل في أسباب سقوط ونهوض الدول والحضارات، ودراسة ما ذهب إليه العديد من العلماء والمفكرين في تناولهم للموضوع يؤكد أن ما ذهب إليه ابن خلدون يسهم أكثر في فهم أحوال الدول والحضارات. وقد حاولت إسقاط ما توصلت إليه في هذا الشأن في برنامجي “تحدي العبور[7]“، حيث شرحت أن نهوض وسقوط المنظمات والدول والأمم والحضارات يكون على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة يحملها شخص يُقنع بها مجموعة من الأشخاص حوله فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته، ثم يتوصل هؤلاء الأشخاص ومن تبعهم إلى نشر الفكرة في المجتمع بالدعوة إليها وتأسيس تنظيمات ومؤسسات مختلفة ومراكز تأثير تديم نشاطهم وتعمق أثرهم حتى ترسخ الفكرة في المجتمع وتستحكم في مختلف مستوياته وشرائحه، بل يصبح لها أنصار وربما أتباع داخل مؤسسات الحكم، إلى أن تتجاوز في انتشارها وتأثيرها الأشخاص والتنظيمات التي أنشأتها أو دعت إليها، فتنتقل الفكرة ورجالها إلى الدولة، فإن كانت الفكرة صحيحة وأصحابها ذوي قوة وكفاءة تستقر في الدولة ويطول أمدها فتحقق نهضة شاملة في مختلف المجالات الضرورية والحاجية والتحسينية، إلى أن تبلغ منتجات النهضة مستوى عاليا من الرقي والوفرة فتطلبها الأمم الأخرى وتحرص على اقتنائها والتوصل إلى إنتاجها بالمحاكاة والتعلم خارج الإطار الإقليمي لتلك الدولة الناهضة فتتحول نهضة تلك الأمة إلى مستوى الحضارة العالمية”.

يشير ابن خلدون عبر فقرات متناثرة في المقدمة إلى ما يدعم هذا المسار، بأسلوب ومفردات واقعه وزمانه، وبما أن السنن الاجتماعية هي قوانين لا تتغير ولا تتبدل مثلها مثل القوانين الكونية فإن التعمق في شأن السياسة والتحولات الاجتماعية، نظريا وعمليا، يؤدي إلى نفس النتيجة في كل عصر وإنما الذي يتغير هو قواعد العمل السياسي وأدواته ونظمه، وكذا المؤثرات الجديدة وطرائق التدافع الاجتماعي.

يعتبر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الكتاب الأول من الباب الأول  أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان مدني بطبعه[8]، فهو في حاجة إلى غيره من البشر لاكتمال حاجته من الغذاء والمدافعة وما تقوم به حياته على العموم، وهذه الحياة المدنية تنشأ عنها  واقعات العمران البشري أو أحوال الاجتماع الإنساني التي تتطلب التنظيم الضروري لاستقامة واستمرار الحياة البشرية، فاهتدى إلى ضرورة قيام الملك ( بمعنى الحكم) قبل صنّاع نظرية العقد الاجتماعي بقرون من الزمن عند المفكرين الغربيين، أمثال توماس هوبس وجان جاك روسو وجون لوك، على ما بينهم من اختلاف في الموضوع.

لقد أكد ابن خلدون  في الفصل السابع عشر “أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض”[9]، ويؤكد أن الهدف من الملك هو تحقيق مصالح العمران، ويؤكد على موضوع البيعة السياسية ويقاربها في شكلها المتعلق بالمصافحة، ومضمونها المتعلق بالقبول والرضا، بحالة بيع السلع والبضائع، ويعتبر أن التسليم لمُكنة الحاكم يقابلها تكفّله بشؤون الناس، أي أن السلطة تقابلها المسؤولية، فيؤكد أن “من حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة  لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك”[10]، ويفصل طويلا في موانع الملك كالظلم والترف في الداخل والعجز عن المقاومة والمطالبة والذلة والانقياد إلى الغير وغير ذلك، ويشرح بكثير من التفاصيل الخلال الحميدة المؤهلة للحكم وعلى رأسها العدل.

ولئن كان ابن خلدون قد اتجه في طريقة الوصول إلى الحكم الوجهة الشائعة في زمانه في كل الأمصار والملل، عبر الغلبة والمدافعة بالقوة على أساس العصبية، فإنه قد أدان تهييج الناس لحمل السلاح على الحاكم المتمكن، خصوصا حين تكون تلك الفتنة باسم الدين ولو كان دعاتها من أصلح الناس، وأكد بأن النجاح في المطالبة بالحكم من عصبية خارج الحكم لا تكون إلا في فترة تكون العصبة الحاكمة في ضعف وتلاش، وقد بينت التجربة صدقية هذه الوجهة الخلدونية، من أن مسألة التنافس على الحكم تحكمها ظواهر سننية، وأن من يظفر بها هو من وضع نفسه في المكان المناسب عند تفاعل تلك الظواهر[11].

فلا يتصور الوصول الفعلي للحكم، مثلا، من خلال الانتخابات فحسب، بل إنما يحسم في ذلك موازين القوة القائمة التي تدخل فيها أشكال كثيرة من القوة الصلبة والناعمة، وحتى الدول العريقة في الديموقراطية تخضع لهذه القاعدة، فالأحزاب المتداولة فيها على السلطة تمثل قوة أشمل مما تكسبه من الأصوات في يوم الانتخابات في كل الأمم. ولئن كان مفهوم العصبية المؤهلة للحكم قد تغير إلى حد كبير فإن مؤداه لا يزال قائما، بأشكال حديثة، وقد شرحت ذلك وذكرت نماذج من العصب المستحدثة في مبحث “العصب المتجددة” في كتابي “الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”[12].

ورغم الآراء غير المنصفة ومحاولات المؤسسات التعليمية والعلمية الغربية التقليل من المكانة العلمية لإسهامات ابن خلدون في هذا المجال، يبقى هو سيد هذا العلم بلا منازع، وعلى فكره وعلمه تتلمذ كثير من الفلاسفة الغربيين.

وثمة علماء وفلاسفة كبار أقروا بتميّز ابن خلدون وبفضله على البشرية في علم العمران البشري وفلسفة التاريخ وأسس نهوض وسقوط الحضارات البشرية. ومن أشهر هؤلاء أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) الذي يُعتبر من أكبر المؤرخين الذين تعمقوا في دراسة الحضارات في موسوعته “دراسة التاريخ”، وأكثر فلاسفة التاريخ إنصافا لابن خلدون حيث ذكر ابنَ خلدون في مواقع عدة في كتابه ومما قاله عنه: “لقد وضع ابن خلدون فلسفة للتاريخ هي بدون مجاملة أعظم عمل من نوعه ابتدعه العقل في أي زمان أو مكان”[13].

وممن أشاد بمكانة ابن خلدون كذلك المستشرق الانجليزي ر.أ. نيكولسون(Reynold A. Nicholson)، الذي قال عنه: “لم يسبقه أحد إلى اكتشاف الأسباب الخفية للوقائع، أو إلى عرض الأسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الأحداث، أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والانحدار”[14]

ويقول بخصوصه المؤرخ والكيميائي الأمريكي البلجيكي جورج سارتون (George Sarton)، الذي له فضل كبير في تأسيس علم تاريخ العلوم كعلم مستقل: ” لم يكن فحسب أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخا كعملاق بين قبيلة من الأقزام، بل كان من أوائل فلاسفة التاريخ سابقا لمكيافيلي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”[15]، كما وصفه روبرت فلنت في كتابه الضخم “تاريخ فلسفة التاريخ”: “أنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجبا مثيلاً له في فلسفة التاريخ …. أما كباحث نظري في التاريخ فليس له مثيل في أي عصر أو قطر… لم يكن أفلاطون أو أرسطو أو سان أوغسطين أنداداً له ولا يستحق غيرهم أن يذكر الى جانبه… لقد كان فريداً ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التاريخ… لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ولكنه وحده الذي أستخدمها”[16]، ويقول وِل ديورانت عن مقدمة ابن خلدون: ” أنها تشكل واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي الفلسفة، فهي إنتاج حديث إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في القرون الوسطى”، ويتعجب ديورانت، في كتابه “قصة الحضارة”، من المستوى العلمي الراقي الذي كان عليه المسلمون، في الوقت الذي كانت أوربا في عمومها تعيش في ظلمات الجهل. ويمكن الرجوع إلى كتاب “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” للكاتب “ساطع الحصري”[17] للاطلاع على زخم كبير من الشهادات عالية القيمة لعلماء ومفكرين كبار وفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد الغربيين منذ تم اكتشاف المقدمة في عشرينيات القرن التاسع عشر، أكدوا كلهم سبق ابن خلدون في تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد[18]

لم يجد ابن خلدون اهتماما بفكره في محيطه، رغم الحاجة الملحة إليه. فقد كانت حالة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المغرب العربي سببا في غياب العقليات والأوعية العلمية والفكرية القادرة على استيعاب عبقريته،فلم يسهم التراث البديع لابن خلدون في التقدم العقلي أو الاجتماعي للعالم الإسلامي بالشكل الكافي، لأن “هذا التراث في ذلـك العصر كان يمثل فكرة لاصلة لها إطلاقاً بالوسط الاجتماعي. فلم يجد لمقدمته موطئ قدم سوى في آسيا الوسطى، في بلاط تيمورلنك في القرن الرابع عشر”[19]. وهناك تعرّف عليه الأتراك في البلاط، فقاموا بترجمة المقدمة وكتاب التاريخ إلى اللغة التركية، ثم تشكل في تركيا تيار خلدوني انبثقت عنه عدة مدارس، من أبرز رموزها حاجي خليفة الذي عاش بين عامي 1774 و1856. وقد تبنت الدولة العثمانية توجهات هذا التيار، فترسخت عندها رؤية خلدونية واضحة.

ثم تعرف العالم الغربي على ابن خلدون بعد أن اهتم به الفلاسفة الألمان عبر اللغة الألمانية. وكان أول من كتب عن المقدمة بالألمانية ثم الفرنسية المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر الذي عاش بين عامي 1774 و1856، وذلك عام 1822 أثناء بحوثه في التاريخ العثماني، إذ تعجب من احتفاء المثقفين والسياسيين الأتراك بفكر ابن خلدون. وبعد ذلك تعرف عليه باقي المستشرقين، وسمي حينئذ بمنتسكيو العرب. وفي منتصف القرن التاسع عشر تُرجمت المقدمة إلى مختلف اللغات الأوروبية، واتسع حضورها في الدوائر الفكرية الغربية.

أما في العالم العربي فلم يُلتفت إلى المقدمة إلا بعد اكتشاف قيمتها من قبل الفلاسفة والمستشرقين الأوروبيين. ومع ذلك لم يستفد العرب منها في الشأن العام إلى اليوم، خلافا للأوروبيين الذين ما تزال دولهم تهتم بها وتستند إلى قوانينها العمرانية. وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون عام 2019 إلى أنه يستلهم من ابن خلدون في الجانب الاقتصادي، في دلالة على عمق تأثير هذا التراث في الفكر السياسي والاقتصادي الغربي.

 

[1] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص 343.

[2] المقدمة، مرجع سابق، ص 335.

[3] المقدمة، مرجع سابق، ص 477.

[4] المقدمة، مرجع سابق، ص 283.

[5] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص81.

[6]  تحليل من سياقات متعددة في المقدمة.

[7]  عرضت البرنامج على اليوتيوب في شهر رمضان عام 2020، ثم توسعت فيه وحولته إلى كتاب باقتراح من د. علي الصلابي، فنشر عن دار الخلدونية بالجزائر عام 2023، ثم عن دار الأصالة بتركيا في نفس السنة باسم الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وقدم له الشيوخ الأفاضل راشد الغنوشي، وعلي الصلابي، والقرة داغي.

[8] المقدمة، مرجع سابق، ص 137.

[9] المقدمة، مرجع سابق، ص 272.

[10] المقدمة، مرجع سابق، ص 277.

[11] عبد الرزاق مقري، الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، دار الأصالة، تركيا، 2023، ص76.

[12] ـ عبد الرزاق مقري، مرجع سابق، 76.

[13] جمعة علم الدين، فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، الهيئة المصرية لصناعة الكتاب، القاهرة، 1991، ص 21.

[14] Reynold A. Nicholson, A Literary History of the Arabs, Charles Scibner’s Sons, New York, 1907, p438. voir: archive.org

[15] أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، بيروت، 1975، ص 134.

[16] نفس المرجع، ص 134.

[17] ساطع الحصري، دراسات عن مقدمة ابن خلدون، دار المعارف، مصر، 1953، ص .249

[18] تم نشر كتابة “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” عام 1953 وصدرت طبعة جديدة عن مؤسسة هنداوي عام 2021 وهي نسخة معروضة الكترونيا للتحميل مجانا في موقع مؤسسة هنداوي: https://www.hindawi.org/books/92914940/

[19] مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصابور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق، 2000، ص 47.

إن المعلوم في فلسفة التربية والتكوين وتسيير الأفراد والمجتمعات أن العقوبة هي آخر العلاج، فقبلها يجب معالجة البيئة المتسببة في ما يوصف بأنه خطأ،  والمشجعة على المخالفة، والتوجه نحو النصيحة والتوعية والتربية والتكوين،  وعندما تحل العقوبة تكون عندئذ رحمة، يجب أن تقدر بقدرها ولا تتجاوز حدها، وإذا تجاوزت حدها معنى ذلك أنها تحولت إلى حقد و انتقام وليست رحمة وتقويما. 

إن القسوة والإسراف في العقوبة يدلان على أن صاحب السوط الغليظ غير قادر على توفير بيئة الصلاح وتقليل الأخطاء، وغير موفق في التوعية والتربية، وغير متحكم في من هم تحت سلطته، وأن العلاقة القائمة والمشاعر المتبادلة بين الطرفين علاقة أحقاد وانتقام.

حينما نرى بلدا تغلظ فيه العقوبات في مخالفات لا تستحق كل تلك القسوة هذا يعني أن ثمة شعورا رسميا بأن الشعب في حالة عصيان وأنه غير مهتم بالخطب والمطالب الحكومية، وهذا الشعور هو في حد ذاته إقرار بمفقدان السيطرة على المجتمع وأن ثمة اتفاقا مجتمعيا على عدم التعاون وأن أدوات التوجيه والتوعية والتكوين في الدولة غير فاعلة، والقوى المدنية الوسيطة منهارة، فلا المؤسسات التعليمية تعمل، ولا المساجد والهيئات الدينية تؤثر، ولا وسائل الإعلام تشتغل في التوعية، ولا الأحزاب والمنظمات المجتمعية تكوّن وتساهم في قيادة المجتمع، ولا ثمة شخصيات، حكومية أو مجتمعية، ذات قدوة تُسمع، ولا ممثلو الشعب لهم تأثير على مجريات الأمور. والأهم أنه يصعب أن تجد من يقول للحاكم هذا خطأ وأن طريقة العلاج بخلاف ما تقرره.

الكل يذعن ظاهريا للحاكم، والكثير منهم يتملق له، ومشغول بخدمة مصالحه.

 

د. عبد الرزاق مقري.

إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

كنا نعلم بأنه ارتقى رحمه الله ، ولكن الاستماع لنعيه ممن خلفه جعلنا نشعر وكأنه ارتقى للتو، وذلك لمكانته في قلوبنا.

سيبقى أيقونة كبن مهيدي وشي غيفارا، حاول الاستعمار الفرنسي إنهاء بن مهيدي بقتله غدرا وتشويهه فخلدوه، وحاولت أمريكا إهانة شي غيفارا ميتا بعد غدره فخلدوه، وكذلك سيكون حذيفة، سيقى نموذجا وعنوانا ورمزا عالميا مهما حاول الكيان والأمريكان والمنافقون طمس نوره.

أما هو، وكل الأبطال الذين نعاهم قبله ونُعوا من قبل من خلفه، فقد فاز، وقد فازوا، فهم شهداء أحياء عند الله يرزقون، وإنما الأمر الجلل يتعلق بنا نحن، ما الذي فعلنا وما الذي نحن فاعلوه في هذه المعركة المفصلية التاريخية.

إن ما ذكره خليفته الذي  سُمِّي هو الآخر بلقبه يرفع هممنا ويشد عزائمنا ويطمئننا بأنهم لن يسلموا سبب عزهم وشرفهم وما يحرسون به شرفهم ومقدساتهم، وأن الجيل من القادة فيهم يخلف الجيل وأنهم ماضون حتى النصر.

لقد شكر خليفته أهل غزة على ثباتهم الأسطوري الذي قهر  والنخب كل مخططات المحتلين والمنافقين والمخذلين، وشكر الشعوب والنخب التي تحركت وبذلت،  وشكر  الذين تحركوا في مختلف المحافل، وشكر إخوان الصفاء، وشكر الذين ركبوا البحر في أساطيل الحرية، ثم حمّل الجميع المسؤولية، المسؤولية تجاه الشعب الصامد الذي يعاني البرد والجوع والتشريد، تجاه الصامدين في مواقعهم.

إن ثمة أقواما من قومنا المسلمين ينتمون للملثم رحمه الله، بذلوا أقصى ما يستطيعون في مختلف دروب الدعم والنصرة في مختلف القارات، من حقهم أن يبكوا عنه وأن يعتزوا به، وثمة من يجب أن يخجلوا عند ما يذكر هؤلاء الأبطال، لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأنهم قصّروا وبعضهم تخاذل وخذّل، العديد منهم لم تصبح القضية قضيتهم المركزية، بل باتت عبئا عليهم، يتمنون أن تتوقف المعركة ولو بالهزيمة لكي يتوقف الحرج الذي هم فيه.

نسأل الله تعالى أن يُثبّت الصامدين وأن يتقبل منهم، وأن يفيق المقصرون، وأن يدرك الجميع بأن هلاك تلك الطائفة المرابطة حول ثغر عسقلان هو هلاك كل البلاد العربية الإسلامية، بل دمار العالم، وكل موقع يغلب فيه التخاذل سيصله دمار العدوان الهمجي.

 

د. عبد الرزاق مقري.

 

طرحت على نفسي السؤال التالي: ما الذي يخسره خائن البلاد مهني بنزع الجنسية الجزائرية عنه؟ فوجدت أنه عكس ذلك مستفيدٌ، كيف ذلك؟

هذا الخائن هو أصلا اصبح لا يعتبر نفسه جزائريا، بل يريد أن يأخذ جزء من الجزائر سمّاها جمهورية القبائل. ونزع الجنسية الجزائرية عنه يضمن له “الإفلات من العقاب” إذ عدم كونه جزائريا لا يعطي الحق للجزائر بأن تطالب بجلبه للعدالة ومحاكمته على خيانته، وكونه يحمل الجنسية الفرنسية فقط عندئذ، يعطي كامل الحق لفرنسا لحمايته، وفي ذلك مصلحة كبيرة له. وهو هانئ محمي في مكانه في فرنسا سيبقى يتربص بنا، فإذا مر بلدنا – لا قدّر الله – بأوضاع صعبة جدا طمع في أن يستغل الفرصة لتحقيق مطمعه البائس.

والأخطر من كل ذلك، أن أي معتوه أو خائن غيره يريد نيل الحظوة في فرنسا ينتقل إليها ويدعو إلى تشكيل جمهورية وهمية في جزء من بلدنا آلعزيز ليأخذ الجنسية الفرنسية ويترك بإرادته الجنسية الجزائرية قبل أن تسحب منه ويسير على نهج خونة الماك، فيكثر المتربصون ببلادنا.

إنه حقا لا يحتفي بجنسيته الجزائرية إلا الوطنيون الخلص الذين يحلمون بوطن قوي موحد مزدهر  ظاهر بين الأمم، وقد يعارضون أي سلطة حاكمة من أجل هدفهم النبيل ذاك .. وقد يجدون جنسيتهم الجزائرية العزيزة عليهم مهددة بسبب معارضتهم السياسية النبيلة تلك.

هذا هو الوعي الذي يجب أن يفشو بين الناس، لله وللوطن وهذا هو الوعي الذي أخشى أن ندفع الثمن من أجله.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

إن نزع الجنسية ليس أمرا عاديا، ولا حالة بسيطة يتم التعامل معها بالطريقة التي وردت في مشروع القانون. والتصويت بالإجماع في المجلس الشعبي الوطني رغم إسقاط تعديلات أساسية ومهمة عرضها بعض النواب يؤكد موت السياسة في بلادنا. وما سمعته من بعض النواب في تبرير التصويت خوفا من أن يتهموا بالتعاطف مع “الماك” و “رشاد” يبين بأن الساحة السياسية تراجعت فيها الحكمة السياسية، ولم يصبح الحوار ومقابلة الرأي بالرأي  الآخر حتى داخل المجموعة الوطنية ممكنا، ولم تعد المسؤولية الوطنية والشجاعة النضالية أمرا شائعا بما يحفظ من خطر أحادية الرأي  على البلاد .

إن قانون نزع الجنسية، بإجراءات إدارية، وعبارات فضفاضة يمكن استعمالها بتعسف كبير أجل شأنا بكثير من أن يكون سببه شطحات سياسية لأفراد لا ينالون تأييد حتى عائلاتهم، ولا يرتقون لهذا المستوى العالي من التشريع العام الذي يحكم بلدا بكامله.

إن الإجراءات التي كان يجب المسارعة إليها ضد خيانة الماك هي الملاحقة القضائية الدولية، ومعالجة المظاهر المتفشية في البيئة الداخلية  التي صنعت هذه الانحرافات، والحرص على رص الجبهة الداخلية بالعدل وترقية المواطنة وتوفير التنمية وضمان الحقوق، وفي كل الأحوال كان يمكن أن يكون القانون موجها حصريا للحالة التي يقال بأنه بسببها شرّع هذا القانون.

إن الجنسية انتماء راسخ وجذور  عميقة وحق أصيل لا يُمنح بمزية ولا ينزع بقرار، ولا يصح أن يتحول إلى حق هش تتدافعه الأهوال السياسية، و قانون نزعها الذي تم المصادقة عليه يتضمن موادا قد تستعمل لاحقا ضد معارضين سياسيين وطنيين، والقانون لا يتعلق بمرحلة ما قد يقدم الحاكم فيها الضمانات اللفظية، ولكنه يتعلق بتشريع يستغرق في الزمن، وإسقاط التعديلات التي توفر الضمانات القانونية يؤكد المخاوف المستقبلية.

 

د. عبد الرزاق مقري

الابتهاج الكبير الذي عبر عنه تيار واسع من الجزائريين على إثر إطلاق سراح د. بلغيث يدل أننا نعيش حالة احتقان وأننا في حاجة إلى مبادرات مماثلة تساهم في الانفراج السياسي، خصوصا في ظل الظروف الاجتماعية الصعبة وبالنظر للأوضاع الخارجية التي تهدد البلد.  

إن الحديث بين الجزائريين كثير  بخصوص المحبوسين ظلما أو تعسفا، وعن الذين عوقبوا بمحكوميات قاسية لا تتناسب مع مستوى وطبيعة مخالفاتهم، وعن الحالات الإنسانية في السجون.

ومن هؤلاء سجناء الرأي الذين لم يتسع صدر المسؤولين لتحمل آرائهم الصريحة التي عبروا عنها بكل شجاعة داخل بلدهم،  وسجناء الحراك الشعبي المبارك الذين واصلوا كفاحهم من أجل تحقيق باقي أهداف الحراك فبات يُنظر إليهم كتهديد دائم على النظام العام، وسجناء منشورات الوسائط الاجتماعية، خصوصا الشباب الذين أرادوا الاهتمام بالشأن العام كوسيلة عملية لبناء حياة سياسية حقيقية تصحح فيها الأخطاء بالنصيحة والتكوين وليس بالعقوبة القاسية، وحتى سجناء تهم المضاربة الذين حكم على كثير منهم بأحكام قاسية وطويلة جدا لا تتناسب البتة مع الخطأ الذي اقترفوه، ومنهم من وقع ضحية صدفة غير مناسبة أو سوء فهم، ومنهم شرفاء دمرت حياتهم بسبب سلع  قيمتها زهيدة جدا، ومنهم كذلك سجناء التسعينيات الذين هرموا في السجون وفنيت أجسادهم وهم أحياء ولا يضر أن يكملوا حياتهم بين أهليهم، لا سيما أن أحكام بعضهم تطلبت مراجعات لم تحدث وفق ما أخبرني به بعض المحامين. 

إننا في حاجة إلى خطوات أساسية تنزل الرحمة في بلادنا ونعالج بها أوضاعنا منها: 

أولا : إطلاق سراح السجناء من الأصناف المذكورة أعلاه [الذين لم نذكر أسماءهم حتى لا ننسى بعضهم] والتوجه نحو مصالحة وطنية شاملة وتدشين حوار وطني جاد لوضع قواعد العمل السياسي الشريف والنزيه الذي يكون في خدمة البلد والصالح العام.  

 ثانيا – إقامة العدل وبناء الثقة بين الشعب والمؤسسة القضائية، وإعمال قواعد المصداقية في القضاء والرحمة في المقاضاة ومنها قاعدة “استقلالية القضاء”، وقاعدة “قرينة البراءة”، وقاعدة “الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة”، وقاعدة “ادفعوا الحدود بالشبهات”، وقاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”، وقاعدة “عدم القسوة”، وقاعدة “المساواة أمام القانون”، وقاعدة “الحياد والنزاهة”، وقاعدة “الظروف المخففة”، وقاعدة ” السرعة في التقاضي”، وقاعدة “العلنية والوجاهة”، وقاعدة “السيرة الجليلة للمتهم” وغير ذلك   .. وكذا عدم التعسف في حبس الناس احتياطيا . 

ثالثا  – توفير الحريات واعتبار أن التدافع السياسي  سبب رئيسي لمنع الظلم والفساد،  وأن عدم الضيق بالنقد – ولو كان خاطئا- والعفو عند المقدرة من دلائل قوة النظام السياسي. 

رابعا  – الانتباه بأن معاقبة السياسين وأصحاب الآراء وجعلهم في نفس مكانة المجرمين والفاسدين وتجار المخدرات – وربما أقل شأنا من ذلك – طريق مؤكد لتدمير المجتمع وكسر سلم القيم لدى المواطنين. 

خامسا – تشجيع الكسب الحلال والمساواة في الفرص وتحسين بيئة الأعمال ونشر الثقة في السوق والطمأنينة  لدى المتعاملين الاقتصاديين وضمان ظروف التطور  الفعلي واللامحدود  للقطاع الخاص كطرف أساسي لنهضة البلد ولتحسين ظروف معيشة المواطنين.   

سادسا – تحرير المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية من التبعية للسلطة الحاكمة وللأحزاب السياسية ومن سطوة المال السياسي، واعتماد نظام الأوقاف المستقلة التي لا تخضع إلا للقانون والمحمية به،  وتحرير المبادرة لمساهمة القوى المجتمعية التطوعية في التنمية الثقافية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي. 

سابعا – تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد المخاطر الحقيقية التي تهدد البلد ومنها: الفساد واستغلال السلطة في مختلف المستويات/ تجارة المخدرات والزحف الرهيب لأخطر أصنافها الى بلادنا/ الجهوية والمحسوبية وخطاب الكراهية/ دعاة تفتيت الوحدة الوطنية/ التحرشات الخارجية والتآمر الغربي الصهيوني وحلفاؤه من عالمنا العربي والإسلامي.

 

د. عبد الرزاق مقري.

لم يكن لذلك الخائن الذي باع وطنه وتنكر لقومه  أن يرفع صوته لو لا الرعاية الفرنسية والاحتضان الصهيوني، وما كان له أن ينحرف كل هذا الانحراف لو لا خلفيته  الثقافية المعادية لمكونات الهوية الوطنية، تلك المكونات  التي وحدت الشعب الجزائري قرونا من الزمن ومكنته من الصمود ضد الاحتلال الفرنسي وكل مخططات التمزيق.

إن التنديد بخيانة الشخص الخائن ومن معه لا تكفي لحفظ البلد منه، فما هو إلا أداة من أدوات الاستعمار ومكائد الصهيونية، وهو يعلن عن خيانته ولا يهمه التنديد به وبفعله، 

لهذا لا بد من الاحتياط لمكائد أكبر يحيكها من يحركه، فما الخطوة المفلسة التي أعلن عنها إلا  الجزء العلني من المخطط. إن الذين يستعملونه

سيدفعون إلى إضعاف متدرج للجزائر، دولة ومجتمعا، ليصبح ما لا يُتصور إنجازه ممكنا.

والخطة المعاكسة ينبغي أن تكون على المحاور التالية:

– الصرامة في ملاحقة رأس الفتنة ومن معه والضغط الشديد على فرنسا لتسليمه من خلال الاتصالات الثنائية أو عبر الإنتربول، والاستعانة بوساطة دول أخرى .

– الصرامة في الموقف من الدولة التي تأويه وتحميه وتموله، ومعاقبتها اقتصاديا وثقافيا والوقوف في وجه من يخدم مصالحها في بلادنا.

– الحذر من الاختراق الصهيوني عبر أمثال هؤلاء من المتخفين واتخاذ الخطوات الاستباقية في  مواجهة التمدد الصهيوني. 

– تثمين المواقف الوطنية التي صرّح بها أبناء الجزائر في منطقة القبائل من الشخصيات والأحزاب والمنظمات ضد الخيانة المعلن عنها من باريس

– العمل على تقوية البلد اقتصاديا وعلميا وعسكريا لتيئيس أصحاب المخططات التي تهدد الوحدة الوطنية.

– ترقية مكونات الهوية الوطنية وإعلاء معاني الأخوة الإسلامية الجامعة لكل المذاهب والأعراق في البلاد.

– ترسيخ معاني المواطنة الحافظة  للوطنية، وتمسك الجزائريين ببلدهم مهما كانت الصعوبات، وذلك بنشر العدل وصيانة الكرامة وتوفير الحريات والمساواة في الفرص ومنع الظلم والامتيازات المحصلة بالفساد واستغلال السلطة في كل المستويات.

د.عبد الرزاق مقري

 

لقد انتصرت الجزائر بعد ثبات دام 130 سنة من الاحتلال الفرنسي الغاشم خاضت فيه مقاومة شعبية مسلحة بطولية لمدة سبعة عقود تقريبا، ومقاومة ثقافية وسياسية واجتماعية لأكثر من خمسة عقود، وحربا تحريرية نهائية مظفرة لأكثر من سبع سنين. وكان انتصارها حاسما بتحرير الأرض والسيادة والهوية. وبعد خروج الاحتلال من أراضينا بقي هذا الأخير يواصل حربه ضدنا في موضوع السيادة والهوية. 

والغريب في الأمر أن الذين يباشرون استمرار معركة السيادة والهوية بعد خروج الاستعمار من الأرض ليست دولة الاحتلال فحسب، بل معها طابور من بني جلدتنا، وكأن أولئك الذين صوتوا في الاستفتاء ضد استقلال بلادهم عام 1962 قد فرّخوا، وبعد أن كانوا لا يظهرون وجوههم تراهم اليوم يجاهرون بأنفسهم وبمواقفهم. 

ومن مظاهر استمرار معركة الهوية النقاش الغريب الذي ظهر هذه السنة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960 حول شعارات ” الجزائر الفرنسية”، “الجزائر الجزائرية”، “الجزائر المسلمة”. 

من المفروض أن هذا النقاش قد انتهى مع خروج الاستعمار، وأننا معتزون باستقلال أرضنا، وبسيادتنا في  بلدنا على قرارنا وثرواتنا، وبهويتنا وكينونتنا، وأننا منشغلون بالبناء والتشييد والتطوير. ولكن للأسف الشديد لم يقبل الخاسرون في معركة التحرير هزيمتهم، ولا يريدوننا أن ننشغل بنهضة وطننا فيرجعوننا إلى الصراع حول ملفات حسمت بصمود الشعب وفرقعة البارود. 

لا أدري هل يعتمدون على نسيان الأجيال  وانشغال الحزائريين بحياتهم اليومية وضغوطات الواقع ليخلقوا سردية جديدة منافية لوقائع التاريخ، ام أنهم استأنسوا في أنفسهم قوة [وهمية] جعلتهم يتجرأون  على ذلك. من من الجزائريين لا يعرف بأن عبارة “الجزائر الجزائرية” هي عبارة أطلقها ديغول في مواجهة عبارة ” الجزائر المسلمة” التي كان يتمسك بها الجزائريون في وجه مخططاته وفي كفاحهم من أجل الاستقلال من جهة، وفي مواجهة “الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمرون وضباط الجيش الفرنسي في الجزائر  لعدم الاعتراف بالهزيمة وضد توجه ديغول للمفاوضات مع جبهة التحرير من جهة أخرى. 

لقد اختلق ديغول شعار “الجزائر الجزائرية” لسببين رئيسين، أما السبب الأول هو أنه لم يكن يريد أن تكون للجزائر هوية، حتى يسهل إلحاقها لاحقا ضمن الدائرة الاستعمارية بعد الاستقلال،  لأنه حين يُسأل الجزائريون عن هويتهم سيقولون مباشرة: “نحن مسلمون”. وديغول مثله مثل القيادات الاستعمارية منذ بداية الاحتلال يعتقد بأن الإسلام هو وحده الذي منع من إدماج الجزائريين أو مسخ هويتهم، كما حدث لكثير من الشعوب المستعمرة في الأمريكيتين وفي أفريقيا. والسبب الثاني أنه كان يريد أن يبقى الأوربيون، الذين كان يبلغ تعدادهم قرابة المليون، في الجزائر  بعد الاستقلال ليضمنوا استمرار المصالح والهوية الفرنسية، ولكي لا يلتحقوا بفرنسا بحقدهم الشديد عليه بسبب هزيمته ورضوخه لإرادة الجزائريين في الاستقلال . وبما أن الأوربيين في الجزائر كانوا يسمون الجزائريين “مسلمو الجزائر” (les musulmans d’Algérie)، فإن الجامع بين الأوربيين المسيحيين والجزائريين المسلمين الذي يشجع الأوربيين على البقاء في الجزائر هو أن تكون “الجزائر الجزائرية”. غير أن الشعب الجزائري لم يقبل شعار ديغول ومخططه فرفع في مظاهرات 11 ديسمبر شعار ” الجزائر المسلمة”. 

علاوة على أنه لا يوجد في العالم بلد يعرّف نفسه بتكرار اسمه، وإنما يضاف إلى الاسم صفة ترمز إلى الهوية أو الجغرافيا فلم نسمع مثلا تعريفا على شاكلة “امريكا الأمريكية” أو “فرنسا الفرنسية”، أو “ألمانيا الألمانية” أو “الصين الصينية” أو ” روسيا الروسية” وإنما يضاف تعريف للاسم فيقال مثلا ” فرنسا الأوربية” ، أو يقال “الصين الكونفوشيوسية” أو “روسيا السلافية” أو ” الارثذكسية” أو “الدول الغربية المسيحية-اليهودية”، وهو التوجه الذي يريد الكيان فرضه من خلال شعار ” إسرائيل الي@ودية”، وهذه التصنيفات مشهورة في الكتب المتخصصة في الجيوبوليتيك أو الدراسات الحضارية.

وحين نتحدث عن الجزائر ، فلو قلنا “الجزائر الجزائرية” لا نكون قد عرفناها، بل نكون قد عزلناها جغرافيا وحضاريا ومصلحيا. ولكن حين نقول “الجزائر المسلمة” فقد أفهمنا من يسمعنا من هي الجزائر، فهي بلد ينتمي للعالم الإسلامي والحضارة الإسلامية، والأغلبية الساحقة لشعبها مسلمون.

وعليه يجب أن ننتبه، بأنه حينما لا يستطيع أذناب الاستعمار أن يقولوا ” الجزائر الفرنسية” أو “الجزائر الأوربية” بسبب أنهم سيفضحون أنفسهم عندئذ، ولأن الفرنسيين والأوربيين يحتقرونهم ولا يقبلونهم ضمن هويتهم، فهم يحاولون أن يجعلوا الجزائر بلا هوية ليسهل بعدها بيعها بثمن بخس إلى أسيادهم. 

 

د. عبد الرزاق مقري

اعبر عن رأيي السياسي حين يدعوني ضميري لذلك، لا غير، ولا يهمني إلا رضوان المولى سبحانه، ومصلحة بلدي وسلامة دولتي وخدمة أمتي، أسعى أن يكون تناولي لأي حدث بالمهنية اللازمة، واللغة المدروسة المناسبة، لا أمتهن لغة الخشب ولا أقول لكي لا أعبّر، ولا ترتعش يدي وأنا أكتب، ولا يتلعثم لساني وأنا أتكلم، ولله الحمد والمنة وحده.

لا أبحث في الحياة الشخصية للمشتغلين في الشأن العام بل أنقد السياسات والقرارات والتصرفات التي أراها تضر بلدي. حين أعارض لا أغادر بلدي، وإن خرجت منه في إطار نشاطي الدولي أو لضرورات شخصية أعود إليه مهما كانت المخاطر.

أنا راض بما منحني الله من سمعة طيبة عند الناس، وما أحاطني الله به من تقدير لخطي السياسي وتوجهي الفكري ومواقفي، ألمس ذلك بحمد الله حيثما ذهبت. 

وفي المقابل ثمة من يتهجم علي ممن ليسو معروفين البتة، أو من شبكات الانتهازية والزبونية المصنوعين والمأمورين، أو الذين يودون التقرب من الحكام بضرب الشرفاء من المعارضين.

وأنا بشر أخطئ وأصيب وأقبل النصيحة والحوار،  ولكن في كل الأحوال لا أبدد رصيدي لغايات صغيرة أبدا، وأنا لست “حيوانا سياسيا” لا تهمني إلا المنافسة السياسة وامتهان المعارضة من أجل المعارضة، فكثير من وقتي في التأليف ضمن مشاريع بحثية عديدة ستنشر عند نهايتها في وقتها، أو في قيادة مشاريع حضارية استراتيجية في بلدي أو خارج الوطن، وأنا في هذه الفترة ضمن برنامج في ثلاث دول ألقي المحاضرات والدروس والندوات لنشر أفكاري ومناصرة القضية وقيادة مؤسسات معتبرة بحمد الله، وسأعود إلى البلد بإذنه تعالى ضمن ذات الرسالة والرؤية. 

ليتأكد الجميع، مع هذا، بأنه لا يستطيع أحد أن يمنعني من التدافع السياسي في بلدي أو أن تكون لي رؤية سياسية وطموح سياسي، أو  أن يخرجني من الساحة السياسية ما لم اختر ذلك بنفسي، أو أن أؤيد هذا أو أعارض ذاك بما يمليه علي فهمي للمصلحة الشرعية وخير البلد.

أنا أناضل في بلدي من أجل مبادئي والتمكين لرؤيتي التي سميتها “الحلم الجزائري”  رغم علمي بأنه لا توجد فرصة، وأن من بيدهم الأمر لهم كامل القدرة على كسر أي طموح وتحريك فواعل كثيرة لإلغاء المنافسة، وجعلها مأمونة لهم وحدهم باستعمال وسائل الدولة وبتسخير البعيدين والقريبين، فمن عبر عن رأيه المخالف من أجل المناصب والطموحات الانتخابية في الجزائر كمن يحرث في الماء، ولكن من فعل ذلك من أجل الإصلاح والتغيير فسيصلح  الأمر ويتغير الوضع بأي شكل من الأشكال، بحول الله. وستتاح الفرص لأجيال بعدنا تكون من حسناتنا الجارية.

أنا لم أتغير، هكذا كنت من قبل وهكذا أنا، بل زادت قناعتي بخطي بعد تجربة عملية طويلة أكّدت بما صار قطعيا وثابتا بأن إقناع الناس بالتغيير  من داخل مؤسسات الدولة لم يصبح مجديا مطلقا وحصر  العملية السياسية  في الانتخابات والبرلمانات لا يثمر أبدا.

لقد ساهمت بجد وإخلاص عبر مسيرتي الطويلة في الحوار والبحث عن المساحات المشتركة منذ مجموعة السبعة في وقت الشيخ محفوظ إلى مشروع الانتقال الديمقراطي ومبادرة التوافق الوطني، وبنيت شبكة علاقات مع المسؤولين في الدولة لا يعلم مداها إلا الله، فنصحت المسؤولين سرا في مختلف مؤسسات الدولة، وعبرت لهم عن آرائي بحضرتهم دون مواربة، وتحدثت علانية باللين والشدة، وصدحت بالحق،  في مختلف العهد الرئاسية منذ دخلت البرلمان عام 1997 وبعد أن غادرته عام 2007 ، وتسجيلات اليوتيوب ومقالات ومنشورات الوسائط الأخرى شاهدة فلا يقولن أحد بأنه لدي حسابات مع زيد أو عمرو، فلا يعز علي أحد أمام ما أراه حقا كائنا من كان، في إطار المصداقية والمسؤولية.

لقد كنت على نهجي الذي أنا عليه  منذ عهد الشيخ محفوظ رحمه الله، وقدمت له مذكرة في ذلك وقتها هي نواة مخططات البيت الحمسي وتحدي العبور، وحينما قلت في التلفزيون الجزائري وأنا أدافع عنه – أنزل الله عليه شآبيب رحمته – بأننا لن ندخل تحت البرنوس التزمت بذلك ولم أدخله أبدا، وهكذا كنت في وقت الشيخ بوجرة فلم أندمج في الرؤية الغالبة آنذاك مطلقا، وحين اقتنعت بأن بقاءنا في الحكومة مضر بالحركة وبالبلد ناضلت مع إخوة آخرين داخل المؤسسات حتى خرجنا من الحكومة، وحين قُدتُ الحركة – وقد ساهمت الظروف الخارجية في تغيير الذهنيات آنذاك – قدتها بذات الرؤية فحققنا إنجازات لا ينكرها، أو يتراجع عن الإشادة بها، إلا عليل القلب، سواء في الجانب السياسي أو الاستراتيجي أو على مستوى استقرار الحركة وتحقيق الوحدة ورجوع أعداد كبيرة من القادة والمناضلين منذ حركة الانشقاق الأولى والثانية في وقت الشيخ محفوظ إلى موجات الفتن التي جاءت بعده. وبعد خروجي من قيادة الحركة بقيت وفيا لما عشت من أجله باسمي الشخصي لا أمثل حزبا ولا هيئة ولا شخصا ولا جهة معلومة أو خفية، سوى التيار الشعبي العام الذي يجد نفسه في أفكاري ومواقفي وأجد نفسي في تطلعاته حيثما كان. فكيف أتغيّر أو أغيّر  وأنا في السن الذي أنا فيه.

إن المنهج الذي سرت عليه طيلة حياتي أنتج إنجازات كبيرة في مختلف المجالات والاختصاصات، وعبر فترات عديدة، ولا يُغيَّرُ المنهج الناجح المفيد للصالح العام، إلا من غيره  من أجل المصالح الشخصية .. وانا بحمد الله لا تعلق لي بأي مصلحة شخصية، فأنا حر طليق  مستمر في كفاحي ونضالي على ما أنا عليه، مهما كانت الصعوبات .. سواء تحققت النتائج المنشودة أم لم تتحقق.

والله أسأله الثبات  والقبول والتوفيق والحفظ والصون، لي ولكل مناضل صادق من أجل الحق.

آمين

 

د. عبد الرزاق مقري

– لو تم إطلاق سراح بوعلام صنصال دون تدخل أجنبي بعد الاتهامات الخطيرة التي اتهم بها (ومع وجود سجناء سياسيين لا  يلتفت إليهم)  لكانت مصيبة، أما إطلاق سراحه بعد التدخل الأجنبي فالمصيبة أعظم.

– التدخل الألماني هو مجرد مناولة للفرنسيين في هذه القضية، فرئيس المخابرات الخارجية  الفرنسية أكد يوم 11 نوفمبر، وفق جريدة “لوموند”، بأنهم جاءتهم إشارات من الطرف الجزائري تفيد أنهم  يريدون استئناف الحوار وأن شروط فرنسا معروفة ومنها إطلاق سراح السجينين بوعلام صنصال والصحفي الفرنسي كريستوف”، كما أن هذا التدخل الألماني  يساهم في رفع الحرج عن الجزائريين لكي لا يظهروا بأنهم خضعوا للشروط الفرنسية.

– إطلاق سراح صنصال بتدخل أجنبي يعني أن اتهامات الخيانة المصرح بها رسميا لها حماية أجنبية وأن استعمال الحق الدستوري في المعارضة السياسية أو في التعبير الفكري والعلمي المخالف للتوجه الرسمي جريمة لا يوجد من يشفع لأصحابها، على غرار ما وقع للصحفي عبد الوكيل بلام  والدكتور محمد بلغيث وغيرهما من السجناء السياسيين.

– حين يُطلق صنصال  كناشط عمل لفائدة مصالح  أجنبية ضد الجزائر ، وصاحب تصريحات خطيرة في ملفات خارجية، ويبقى في السجون أصحاب الاتجاه الوطني والإسلامي المعروفين بصدق ولائهم لبلدهم وأمتهم  معنى ذلك أن الأقليات المشبوهة ذات نفوذ حاسم في البلد وأن الأغلبية في بلادنا لا وزن لها. وللتذكير : “اتهم صنصال في تصريح رسمي بأنه “خائن لا يعرف أباه قال أن  نصف الجزائر ملك لدولة أخرى”. وذلك ردا على قوله بأن ثمة مدنا مغربية أعطتها فرنسا للجزائر، كما صرّح سابقا بعظمة لسانه تصريحا تابعه الملايين على اليوتيوب بأنه كان وسيطا لضبط موعد بين الإسرائلين والرئيس زروال ووزيره للصناعة في منتدى ديفوس عام 1997. ثم لما لم ينجح في ذلك التقى – وهو إطار في وزارة الصناعة – مع الإسرائيليين دون علم وزير الصناعة.

– حين يُطلق سراح صنصال الذي اتهم بالخيانة، وحين يُصرح السيد وزير الداخلية بأنه تغاضى عن فساد متكرر لرئيس بلدية بسبب سنه “سبعين سنة”، ويبقى في السجن محمد بلغيث الذي هو كذلك في سن سبعين سنة، وعبد الوكيل بلام بسبب شدة تصريحاته السياسية المعارضة، وحين يتعرض المعارضون السياسيون الشرفاء إلى مختلف أنواع التضييق والتشويه  والحصار الإعلامي معنى ذلك أن الجريمة والخيانة في بلادنا هي المعارضة الفكرية والسياسية (المشروعة دستوريا وفي الأعراف الدولية)، ومؤدى ذلك أننا نعيش انقلابا في سلم القيم وأن المعروف صار منكرا والمنكر صار معروفا. وهذا لا يبشر بالخير من ناحية السنن الاجتماعية

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية