المقالات

صلاح الدين مقري: التنافس على الخير وقسوة القرعة

ابني صلاح الدين مناضل صادق، ومثقف شجاع، وصاحب حجة وقلم، كان متفوقا طيلة فترة دراسته إلى أن تخرج من المعهد العالي للهندسة المعمارية بالحراش، تدرج في المسؤوليات النضالية منذ صغره، من خريجي مدارس جمعية الإرشاد وكتاتيب القرآن الكريم في المسيلة، ومن قادة العمل الطلابي في الحي الجامعي بباب الزوار كعضو في مكتب المؤسسة الطلابية، ومن مؤسسي أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، وهو الآن الأمين البلدي لأمانة التنظيم في حركة مجتمع السلم بادرارية. سكنت فلسطين قلبه كما هو حال كل العائلة، كان من رفقائي في حملة من حملات كسر الحصار البرية لإغاثة أهلنا في غزة، من أكثر المناضلين فاعلية في بلديته في تجميع المساهمات لصالح فلسطين، ومن الرافضين لقتل القضية في وجدان الناس ب”سكوت القبور” أمام الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة، ورفض المسيرات والوقفات أمام السفارة الأمريكية، قبض عليه عدة مرات بسبب محاولاته الخروج، لم يسكت قلمه الفصيح في جبهات النضال الفكري والسياسي لصالح القضية الفلسطينية أبدا.

حينما قررنا المشاركة في أسطول الصمود عزم أن يكون عضوا فيه، لم أكن أريد أن يشارك من الأسرة اثنان، والحاجة إليه كبيرة في عدة مجالات، ولكنه أصر، وقال لي: ” لا أستطيع أن أفعل شيئا يُهدئ من غضبي تجاه الظلم الواقع على أهلنا في غزة، من الأعداء ومن القريبين، سوى المشاركة في الأسطول، وإن لم أذهب لا أتحكم في نفسي في ما يمكن أن أقوم به”. لم تساعدني أمه في إقناعه، إذ فصلت في الموضوع بخصوصي وخصوصه، بأنه “لا يُنهى أحدٌ عن القيام بالواجب، ولا يحدث إلا ما يريده الله، ولا يقتل سوى الأجل”.

وكانت زوجته رغم خوفها عليه تشجعه على الذهاب، تارة تدمع عينيها ولكن في كل الأحوال تصر على تشجيعه. ولكن حينما التقيت به في تونس ضمن الوفد الجزائري الكبير بقيادة الأستاذ مروان بن قطاية دعوته أن يقيم معي في نفس الحجرة فاستنأست به، وفرحت بانخراطه الكامل مع الفريق المشرف مع المايسترو المؤدب القدير زكريا شريفي .

ولكن حينما تغير شعوري وصرت أحرص أن يكون معي في هذه المهة سمعت قبيل ركوبي السفينة الجزائرية التي عُيّنت لركوبها نحو غزة، بأنه حُرم من الركوب في السفينة الجزائرية الأخرى التي كان من المفروض أن يكون فيها مع مروان وزكريا فحزنت وتأسفت كثيرا. ورغم الأسف حدث في سياق حرمان صلاح الدين من الذهاب ما يفرح له قلب المؤمن، وهو التنافس الشديد بين أعضاء الوفد السبعين الذي جاؤوا من الجزائر لركوب سفن أسطول الصمود حين تأكد بأن عدد البواخر المتاح وسعة المراكب المسموح لها بالإبحار لا يسمح بمشاركة الجميع في المهمة.لم يتنازل أغلب الأفراد فكان لا بد من إجراء القرعة، وحينما فصلت القرعة عمّ الحزن المقصيين ودمعت أعينهم، فارتفعت مقاماتهم جميعا في نفوس الجميع وتذاكرنا معا بشأنهم قوله تعالى في سورة التوبة: ((وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ – 92))، فكان ذلك شهادة لهم على مكانتهم وإن لم يتحقق لهم مرادهم، بل ثمة من ذكّر بقوله سبحانه في نفس السورة: (( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) فهم بنص القرآن الكريم وكأنهم معنا، يأخذون نفس الأجر لمن صدُقت نيته بإذن الله تعالى.

غير أن سبب إقصاء صلاح الدين ابني لم تكن القرعة العادلة، ولم يكن من المشاركين الذي قُبلوا بالصفة (الشخصيات الاعتبارية، الأطباء، الصحفيون)، ولكن الاجتهاد القيادي للقائد الفذ زكريا شريفي هو الذي فصل في أمره بكل مسؤولية وحب، إذ رأى بأنه على الشباب المسؤول في التنظيم أن يُعطي القدوة بالتنازل لغيرهم للمحافظة على الأجواء الطيبة، علاوة على أن صلاح الدين غاب أثناء القيام بالقرعة لمهمة كُلف بها، وحينما عاد ووجد بأن القرعة قد تمّت احتج على إقصائه، ولكن حين رأى الإرباك في وجوه من أنصفتهم القرعة تجنب إحداث إرباك مضاعف واضطر إلى الانسحاب وهو في غاية الحزن.لا أُخفي على الإطلاق بأنني تعاطفت كثيرا مع ابني صلاح الدين، وكرهت كثيرا أن أفتقده فلا أراه بجانبي في هذه المهمة التاريخية النبيلة، ولكن عساه يأخذ أجر الذين ذكرهم الله تعالى في الآيتين السابقتين، وأجر الصبر على عدم استفادته من القرعة، وأجر الإيثار في عدم إحزان إخوانه والله نسأله القبول من الجميع.

 د. عبد الرزاق مقري

أسطول الحرية: لبيك غزة.

وصيتي الدائمة لأفراد عائلتي وفي محاضراتي أن لا تتركوا اليأس والأسى يشل إرادتكم لما ترونه من صور الإبادة الجماعية والقتل بالقصف والجوع والعطش والأمراض وصور التشريد والإهانة والتحطيم النفسي لأهلنا في غزة، ولا تسمحوا للغضب أن يفقدكم توازنكم  أمام المشاركة  الغربية الأمريكية الكاملة في الجريمة، وما يقابلها من خذلان النخب والحكومات  في العالم العربي الإسلامي  لهؤلاء الأبطال الذين يقاومون الاحتلال ببسالة لم يعرف لها التاريخ مثالا، ولهذا الشعب الذي  يقدم التضحيات التي لا تطيقها الجبال  من أجل التمسك بأرضه وبلده.

وإنما حوّلوا الحزن والغضب إلى عمل دائم وثابت ومؤثر ومستمر لنصرة فلسطين وأهلها بما يحقق التحرير حينا، أو بعد الحين.

لقد قدم أهل غزة كل شيء، ولم يبق شيءٌ يُطلب منهم أكثر مما يقدموه، إنهم يقاتلون ويصمدون من أجل بلدهم ومن أجل الأمة العربية والإسلامية، بلدا بلدا،  ومن أجل البشرية كلها، فإن أعجزوا الصهاينة فذلك طريق التحرير، وتلك هي نهضة الأمة، وذلكم هو تحرير العالم من الأقليات الاستعمارية التي تسيطر عليه، وإن كانت الأخرى – لا قدر الله – فسلام على القدس وفلسطين إلى حين، وستعيش بلداننا، كلها دون استثناء، ذليلة تحت هيمنة “إسرائيل الكبرى”، إلى قرن مقبل سيكون “قرن المهانة”، وستشتد قبضة القوى الشيطانية المسيطرة على أرزاق الناس وعقولهم وحكامهم في العالم نحو حتف البشرية كلها.

أنا متفائل جدا بأن الطوفان حالة سننية ستنتهي في الأخير لصالح تحرير فلسطين والأمة والبشرية. إن الله قادر على تحقيق النصر دون أسباب، وهو خالق الأسباب، وإنما يبتلينا الله لنسير على خطى من اصطفاهم الله في غزة لهذه المهمة العظيمة وفق قوله تعالى في سورة محمد: ((ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) )).

إن أصناف النصرة كثيرة، ينتقل الصادقون بين أصنافها صنفا صنفا بقدر فرصهم واستطاعتهم، وإن حملات كسر الحصار لمن أعظم الأصناف، فلا هي  تهوّر ولا استعراض ولا تبذير  للمال، كما يتشدّق  به المخذّلون، إنما هو جهاد في سبيل الله فيه من الفوائد عظيمها وأكثرها نفعا للقضية.

علاوة على أنه الطريق الذي يسلكه الغاضب الحزين ليلتحق بأهل غزة، نصرة وإغاثة، سواء وصل أم لم يصل، عذرا بين يدي ربه، سواء رجع إلى أهله أم لم يرجع.

وهو كذلك النبأ العظيم الذي يفرح به المظلومون إذ يدركون أن ثمة من إخوانهم في الدين وفي الإنسانية من يكترث لحالهم ويركب المخاطر لإغاثتهم.

وهو فضيحة صارخة تعرّي الصهاينة وحلفاءهم الظالمين بين الناس أجمعين، وحجة كاشفة على المنافقين والمتخاذلين، وهو دليل على بقية باقية من الحياة في المسلمين،  ومن ضمائر  الناس في العالمين، من ركب الأسطول فسار بنفسه لمقابلة العدو لعله يصل إلى الأحبة، أو الذي فكّر ونظّم وجهّز وشرح، وروّج للخير وفرح بالمنجَز ودافع عمّن ركبوا وسهر على بعث الأساطيل حملة بعد حملة، أو دعا وشجّع من بعيد، أو على الأقل لم يثبّط ولم يلمز النشطاء ولم يتّهمهم.

إننا ونحن نستعد لركوب السفن إلى غزة، قائلين “لبيك غزة”، متوكلين على الله، نتوقع المحاسن كلها، إما أن نصل غزة ونسلِّم اليسير من مواد الإغاثة، أو يقطع طريقَنا الصهاينة فيصيبنا شيء من العدوان ثم نرحل لبلداننا أكثر عزما على العودة كما كان حالنا مع إخواني في سفينة مرمرة عام 2010 وما لحقها من محاولات أخرى مع نشطاء آخرين عديدين كان آخرها سفينة حنظلة، أو يُلقى علينا القبض ويطبق الصهاينة تهديدهم الذي أطلقوه هذه المرة بإبقائنا في السجون فننال شرف الأسر من أجل أقدس قضية، ولو كنا لذلك كارهين، سائلين الله أن يرزقنا الصبر والثبات والرضا والتحمل حتى يقضي الله ما يشاء فينا، ونساهم إلى ذلكم الحين في تعظيم متاعب الظالمين ورفع معنويات المظلومين وتحريك شبكات عالمية من النشطاء والمتعاطفين، أو أن يُعجّل الله لنا بالشهادة التي هي أسمى أمانينا كمثل السائرين على درب الدعوة إلى الله والعودة الحضارية للأمة، وتحرير فلسطين والأمة والبشرية أجمعين، ولعل دماءنا تكون وقودا لتحريك الشعوب نحو  عالم أفضل أكثر رحمة وعدلا، يكون فيه المسلمون أعزاء ظاهرين.

إن الصهاينة خاسرون في كل هذه الحالات، ولئن كانت سفن صغيرة محدودة العدد قد ألهبت مشاعر الناس وفضحت الوجه القبيح للكيان فإن الغزوة المباركة التي يخط طريقها في البحر  سفن هذا الأسطول الكبير  من شأنها  أن تقرّب سقوط الطغيان .. هكذا ينبغي أن يكون الأمر، وهذا الذي يجب على المسلمين والنشطاء والأحرار في العالم الذي يسندون الحملة ولم يركبوا السفن أن يعملوا  من أجله معنا وبعدنا.

د. عبد الرزاق مقري

التخلي عن الواجب خوفا من ضياع المكتسبات (2)

التعسق في استعمال صلح الحديبية:

يستعمل  القادة بعض القادة كثيرا أحداث صلح الحديبية في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

لقد اضطرّ رسول الله صلى عليه وسلم أن يقدم في صلح الحديبية تنازلات كبيرة للحفاظ على الدعوة واستمرار المسيرة، ومن ذلك القبول بحرية من يرتد عن الإسلام  والتحاقه بالكفار في  مكة فلا يردوه، وتسليم من يسلم ويهاجر  صوب المدينة إلى قريش.

أسلم أبو بصير ( عتبة بن أسيد) في مكة ولكن حين هاجر إلى المدينة أرسلت قريش رجلين لطلبه  فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم معهما وفق الاتفاق، وأثناء الطريق قتل أبو بصير  أحدهما وعاد إلى المدينة يتوسل رسول الله ألا يرده إلى الكفار يفتنوه عن دينه، فقال له:  (يا أبا بصير، انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا)،  و حين سمع أبو بصير المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول عنه: “ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد”. ففهم الرسالة بأن لا مُقام له في المدينة وأنه عليه أن يبحث له عن دور خارجها يكون لصالح المسلمين.

انطلق هذا البطل خارج المدينة فورا، وتمركز  على ساحل البحر الأحمر في منطقة تسمى سيف البحر، وبات كل من سمع إيحاء رسول الله لا يأتي إليه حين يُسلم بل يلتحق بأبي بصير، حتى صار جمعهم جيشا قوامه ثلاثمائة رجل يغيرون  على قوافل قريش يقتلون من فيها ويأخذون أحمالها. وممن التحق به  الصحابي الجليل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ومعه سبعون فارسا ممن أسلم بعد الحديبية، وسهيل  بن عمرو أبوه هو مفاوض قريش في الصلح، أخذ ابنه  بنفسه من بين يدي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي جندل حين استغاثه: (( اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا))،

لقد كانت هذه المبادرة الاستراتيجية، من أبي بصير وأبي جندل، التي لا تتحمل جماعة المسلمين في المدينة عبأها هي المخرج والفرج، ليس لأصحابها فقط بل للجماعة كلها ولمستقبل الإسلام.

فبعد أن تضررت قريش من فاعلية هؤلاء الشباب الأبطال الذين صنعوا مصيرهم بأيديهم، دون أخذ الإذن من الجماعة ومن الرسول القائد، جاءت تتوسل إلى رسول الله أن يُسقط ذلك البند الظالم وأن يُبقي عنده من يأتي إليه مسلما، فأرجع المصطفى عليه الصلاة والسلام أبطال جيش أبي بصير  وأبي جندل إلى الجماعة في المدينة معززين مكرمين،  ولم يصبح الناس، بما فعله هؤلاء،  يخافون من بطش قريش فكثر الوافدون على الإسلام جهارا وما هي إلا  سنتان حتى نقضت قريش الصلح فأدى ذلك إلى فتح مكة ونهاية حكم الشرك فيها.

إن العبرة الأساسية التي نستشفها من هذا الحدث في السيرة النبوية في الرد على من يريد كتم أنفاس الأتباع، خصوصا الشباب، ليكون الناس جميعا على عقليتهم ونمطهم القيادي، بدعوى المحافظة على المكتسبات، لا يملكون الفهم الصحيح للأداء الاستراتيجي، بأن يكون على يمينهم من يمكن أن يرفعوا سقف النضال والمقاومة،  دون أن يُتهموا بالمزايدة على القادة، حتى وإن لم يستشيروا في الأمر، خصوصا في زمن الإكراهات وما دامت أعمالهم تتجه إلى نصرة الإسلام وقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

إن القائد الاستراتيجي هو الذي يكون على يمينه، من الرجال والمؤسسات،  من يجب أن يرفع السقف أكثر مما تطيقه القيادة في ظرف من الظروف، كما قد  يكون على يساره من يخفّض السقف أدنى مما يصح أن تنزل إليه القيادة، ويخوض القائد الاستراتيجي معركة الكر والفر بين هاذين السقفين بما يخدم استراتيجية الجماعة والرؤى المتوسطة والبعيدة، لا استراتيجيات الأفراد وطموحاتهم. وبذلك فقط يتم المحافظة على المكتسبات. أما الجمود على نمط واحد من الأداء والمكوث في مساحة ضيقة من الفعل هو  ذلك ما يضّيع المكتسبات، هذا الذي تعلمناه من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد شرحنا هذه الأفكار في بعض كتبنا ومقالاتنا ودرّبنا عليها أجيالا قيادية وحققت نتائج محمودة بإذن الله وتوفيقه.

٢- إن مما يرد شبهة التخلي عن الواجب والتضييق على من يقوم بالواجب خوفا من ضياع المكتسبات، أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يرتبط بالتنازل على القيام بالواجب الكامل تجاهها، وإنما يرتبط كليا بالمآل الأخير لطوفان الأقصى، فلو –  لا قدر الله- تم كسر  المقاومة والسيطرة على غزة نهائيا سيعمّم التطبيع على كل البلاد العربية والإسلامية، ومخرجات المبادرة السعودية الفرنسية في الأمم المتحدة تدل عل ذلك، وإذا وقع هذا سينتقل الدور إلى الفكرة التي أسست المقاومة في كل أنحاء العالم، وسيكون الثمن الذي تدفعه الحركة الإسلامية عندئذ فادحا يجعلها تندم على التنازلات التي قدمتها وعلى تجنب الاشتباك السلمي دفاعا عن المقاومة وأهلنا في غزة.

إن المحافظة الحقيقية على المكتسبات تتحقق حينما يعرف الحكام بأن لا سقف يحكمنا بخصوص القضية الفلسطينية، وأن التخلي عنها من قبل الأنظمة سيحوّلها الى مشكلة داخلية في كل بلد.

علاوة على أن سياسة الخوف من ضياع المكتسبات أدت إلى نتائج عكسية في العديد من تجارب الإسلاميين بشكل عام. فالحركات الإسلامية التي سايرت الأنظمة المحلية والإقليمية والقوى الدولية للحفاظ على المكتسبات تراجعت وضعفت وتم السيطرة عليها وعلى مؤسساتها من قبل الاستبداد ولم تصبح آمنة على مستقبلها وتقهقر تأثيرها، وبعضها تعرضت لانشطارات وانسحابات وفتور  واسع لدى مناضليها، حدث ذلك في المغرب والجزائر وتونس واليمن والأردن، بأشكال مختلفة وبعضها مشترك، وزاد في نفس الوقت في هذه البلدان وغيرها سيطرة الاستبداد، وتضييق هوامش الحرية،  وانتشار الفساد، وتعمّق في بعضها التطبيع وفقدان السيادة لصالح الصهاينة والقوى الاستعمارية، وتواطأت كلها على خذلان غزة واكتفت بالتصريحات والبيانات والمساعدات التي بات لا يصل أكثرها، وما وصل لا يسمن ولا تغني من جوع.

 

د. عبد الرزاق مقري

التخلي عن رفع السقف في القضية الفلسطينية خوفا على المكتسبات (1)

يتخلى بعض نشطاء القضية الفلسطينية، خصوصا على مستوى الحركات الإسلامية في العالم العربي،  عن واجبات أساسية في نصرة القضية الفلسطينية، بما يتناسب مع حجم المخاطر والمأساة،  بقولهم أنهم يحافظون بذلك على مكتسبات ثابتة في بلدانهم.

فيقولون في المغرب مثلا بأنهم لا يرفعون سقف الاحتجاج ضد التطبيع ولا يستعملون الوسائل السلمية الصارمة ضد وجود السفارة الصهيونية في بلادهم للمحافظة  على البعد الديني للملكية وإمارة المؤمنين، والسماح لهم بالمسيرات الضخمة في المدن المغربية لصالح فلسطين.

ويقولون في الجزائر بأنهم يتخلون عن المسيرات والوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الأمريكية ولا ينخرطون علانية وعمليا في أسطول الحرية، ويتساهلون مع التقصير الرسمي في نصرة القضية،  وغير ذلك،  للمحافظة على الموقف الرسمي الرافض للتطبيع وتساهل السلطات مع العمل الخيري والإنساني الشعبي لصالح القضية.

وقد كانوا يقولون في الأردن، قبل حظرهم ومنعهم من التعبير،  بأنهم لا يتعاملون بصرامة مع السفارة الصهيونية، ولا يرفعون سقف احتجاجاتهم بما يتناسب مع حجم مأساة قومهم وأهلهم، ولا يزحفون سلميا نحو الحدود،  ولا يعملون على دعم تصعيد المقاومة، خصوصا في الضفة، ويتبرؤون من المتطوعين الذين يُلقى عليهم القبض بسبب المحافظة على رصيدهم التاريخي في البلاد وعلى نشاطهم في مختلف المجالات، وعلى الهوامش الشعبية المتاحة لدعم القضية الفلسطينية، ولو لا الخوف من الإطالة لتوسعت في ضرب الأمثلة في العديد من دول العالم العربي والإسلامي ( وقد يتطلب الأمر التوسع في دراسة هذا الموضوع في إطار أشمل من القضية الفلسطينية بإعداد بحث تفصيلي خاص يرصد الحقائق ويتعمق في دراسة الأسباب ويحلل النتائج ويستشرف المستقبل ويقدم الحلول والبدائل العامة والقطرية).

غير أن الرد على الحجج التي يقدمها المقصرون في القيام بالواجب سهل جدا، هم ذاتهم يعرفونه في قرارة أنفسهم، ورفض توجهاتهم موجود في النقاش الداخلي على مستوى مناضليهم، ولكن الذي يفرض التخاذل إنما هم القادة لأسباب خاصة بهم نذكرها لاحقا.

وبسبب الطبيعة التنظيمية “العسكراتية” وغلق فضاءات التعبير  بالقدر الكافي لقادة الرأي الآخر في مؤسساتهم، وبسبب ضعف البنية الفكرية القاعدية، ومخاوف الأتباع من الاستهداف ضد التنظيم وقيادته ووحدة الصف، الوهمية والحقيقية، تتجسد “نظرية القطيع” التي يصفها المتخصصون في علوم الإدارة والمنظمات وحركات الحشود وعلم النفس وعلوم الاجتماع، فيُترك بسبب ذلك كثير من الواجبات ويتم تجاوز الحق، والتواطؤ الجماعي على الخطأ.      

لو سلمنا فرضا بأن كل المكتسبات المعبر عنها مكتسبات حقيقية وثابتة وقابلة للصمود، فإن ما يدفع إلى خفض سقوف النصرة للقضية الفلسطينية بسببها يدل على ضيق الأفق، وضعف الأهلية القيادية، وقلة الكفاءة في بناء الرؤى والاستراتيجيات الشاملة، وعدم توفر المهارة في بناء فرق العمل وتوزيع الأدوار والتكامل في الأدوار، للمحافظة حقا على المكتسبات. وأخطر ما في ذلك، عند بعض القادة، ما تنطوي عليه نفسياتهم من ضعف تربوي ينم عن رفض الحق إن لم يكن تحت قيادتهم، والخوف على مواقعهم من الفعل الذي لا يُوضع فورا وبشكل مباشر في كفتهم، وبُغض من يشتغل خارج إرادتهم، والنزوع لاحتكار المشهد ونجومية الفعل، وحسد المُجدين واتهام نواياهم ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالقضية ذاتها، بل الإضرار بحركاتهم وجماعاتهم ومنظماتهم وأحزابهم وبلدانهم نفسها.

إنه من العجب فعلا أن يعتقد بعضنا، ونحن في حالة الضعف التي نحن فيها، أننا نحن مركز العالم وكل ما يحدث مما يخالف توجهاتنا وقراراتنا هو باطل يجب التحرز منه، وتعميم التوجيهات للابتعاد عنه وعدم المشاركة فيه، وإن كان في ما يحذرون منه خدمة للإسلام والأوطان والمقدسات، ولعمري إن في ذلك ما ينافي سلامة القلب، التي تجعل الإنسان يفرح بالخير وإن لم يكن له فيه مصلحة محققة، كما بينه ابن قيم في تبيان أمارات صاحب القلب السليم على لسان صاحبه حين يقول” وأسمع بالقطر ينزل في أرض ليست لي فيها سائمة فأفرح”

ولو اتبع هؤلاء هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرائقه لإدارة الصراع لأدركوا حجم أخطائهم في فرض نمطيتهم الواحدة، ففي سيرته عليه الصلاة والسلام نماذج كثيرة في استيعابه  لمختلف الفواعل المتناقضة واحتوائه المشاهد المعقدة في زمن الإكراهات وإدخالها ضمن استراتيجياته واستعمالها لتحقيق أهدافه.

ومن ذلك حوادث صلح الحديبية، التي يستعملها القادة المتخاذلون كثيرا في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

الشيخ محمد أحمد الراشد: شيخ من شيوخي ترجل

كتبت ذات يوم قائمة بخمسة شيوخ تتلمذت عليهم وأثروا في حياتي وكان لهم دور كبير في المسار الذي سلكته في طريق الدعوة إلى الله والإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهم على التوالي حسب الترتيب الزمني الذي عرفتهم فيه: الشيخ محمد مخلوفي، الشيخ أحمد بوساق، الشيخ محمد أحمد الراشد، الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ القرضاوي.

لكل من هؤلاء الأساتذة الكبار قصص معي وتأثير علي عبر الزمن. لا شك أن ثمة علماء كثر وقادة  غير هؤلاء حصلت منهم الاستفادةُ وتلقي القيم والمعارف، غير أن شيخك هو الذي تتلقى منه المنهج الذي يسطّر طريقك، والقيم التي تحدد معالمك، وما تنقله عنه لغيرك من الأجيال التالية، وما يصنع فعليا معالم شخصيتك، مما تعرفه في نفسك، سواء انتبه الناس لذلك أم لم ينتبهوا، وشيخك كذلك هو الذي يجيزك في ما أخذته عنه، والذي يبين للناس أنك تلميذه ويسعد بذلك ويعتز به. وكل هذا حقيق في ما بيني وبين هؤلاء الأفاضل الخمسة من الناس، وليس من شروط صحة العلاقة بين الشيخ وتلميذه أن لا يختلف التلميذ مع شيخه، بل إن التلميذ النجيب هو الذي يضيف على شيخه ما لم يقم به، ويستدرك على رأيه برأي مخالف يثري رصيده ويضمن له البقاء والحسنات الجارية، وما كان تطرف التقليد يوما طريق الإبداع وتطوير المناهج.

إن الحديث اليوم إنما هو عن الشيخ محمد أحمد الراشد. لقد عرفت كتب الفقيد قبل أن ألقاه، وأنا شاب في بداية العشرينيات من عمري، فلم أحتف لعقود طويلة بكتب كاحتفائي ب”المنطلق” و”العوائق” و”الرقائق”، و”نظرية صناعة الحياة”، بل لقد درسّت هذه الكتب لأعداد هائلة من الشباب، في الحلقات والملتقيات والندوات والمخيمات الصيفية عبر عقد الثمانينات كله، ولعل العديد من هؤلاء سيذكر ذلك لو قرأ هذا المقال، كما أنني أشهد أمام الله أن أول أعظم كتاب صنع فكري الاستراتيجي، مما كتبه المفكرون الكبار، هو كتاب “نظرية صناعة الحياة”. لقد كان لهذا الكتاب بالذات أثر كبير في بناء معالم شخصيتي في المجالات  الفكرية والدعوية  والاستراتيجية، بل حتى في تنظيم حياتي الشخصية، وعليه بنيت منظومتي القيادية التي عُرفت بها في الحياة الدعوية.

وحين تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه وجدته كذلك ضمن هذه المدرسة، في طريقة تفكيره واهتماماته وأولوياته وأبعاده الاستراتجية،  وقد درّس رحمه الله كتاب “المسار ” على حلقات طويلة في البليدة، وعن طريقه تعرفنا على “مجلة العين” في الفكر والدعوة، كما أنه أرسل رحمه الله  عددا من الشباب أخذوا عن الشيخ أحمد الراشد مباشرة خارج الجزائر، ورأيت بعدها حجم القرب و المحبة بنفسي بين الرجلين، حتى لكان يُقال عن الشيخ محفوظ إنه ينتمي إلى المدرسة العراقية في مجال الدعوة إلى الله.

لقد تعرفت على الشيخ محمد أحمد الراشد مباشرة في أمريكا  عام 1994 في زيارة صحبة الشيخ محفوظ نحناح للمشاركة في مؤتمر في لوس انجلس، وما إن تعرف عليّ، حتى سألني عن صلتي السلالية بعلماء “آل المقري” وأشهرهم العالم الكبير ” أبو العباس أحمد بن محمد المقري” صاحب الكتاب الشهير ” نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” فلما تأكد من الصلة من حيث أن أصل هذه العائلة العلمائية من نواحي المسيلة بمدينة “مقرة” فرح فرحا كبيرا إذ هو عليم بالأنساب ويركز كثيرا في التربية القيادية على أصول المعادن كما أخبرني بنفسه.

لقد كان المؤتمر الذي أشرت إليه مؤتمرا مهيبا كبيرا، ولكن كان الصراع فيه بين المناهج الإسلامية على أشده، وكان النقاش حول الأزمة الجزائرية يفرض نفسه على باقي الملفات، وفي الأزمات يظهر الصديق الوفي.

أخذ الشيخ محفوظ الكلمة فتحدث ببلاغة عن رأيه في ما كان يحدث في الجزائر ولم يأبه بالصخب الذي كان يقطع كلماته، ثم أخذت الكلمة أشرح موقف الحركة في إدانتها لكل أشكال التطرف محذرا من المؤامرة العظيمة عن الإسلام والحركة الإسلامية برمتها، وسط الأصوات العالية المعترضة، ولا يزال ذلك الشريط معروضا على اليوتيوب، وفي مواجهة تلك الأمواج العاتية التي كادت تعصف بنا لو لا قوة حزام المنظمين، لم يسندنا سوى عالمين من العلماء الذين كانوا حاضرين، منهما الشيخ محمد أحمد الراشد. وما كان الشيخ الراشد ليعمل ذلك حميّة ولكن قناعة عميقة بالشيخ محفوظ وتلاميذه، وقد بقي على ذلك العهد يسند الشيخ محفوظ كقائد مفكر  ألمعي من قادة ومفكري الأمة، وقد عبر عن ذلك ببلاغته المعهودة في مرثيته في الشيخ محفوظ نحناح عند وفاته رحمهما الله تعالى وأسكنهما فسيح جناته.  

منذ ذلك المؤتمر الصاخب، وذلك التعارف الدافئ العامر بالتقدير والمحبة،  نُسجت بيني وبينه علاقة خاصة وصلة بديعة، استفدت منها فوائد علمية وفكرية جليلة، وصرت أتردد عليه حيث تكون إقامته، فزرته عدة مرات في ماليزيا، والتقيته مرات في تركيا، وكُتب لي أن جالسته في مواسم الحج والعمرة رحمه الله. ولأنني كنت التهم كتبه بنهم سهُل علي أثناء النقاش معه فهم توجهاته وصرامته المعهودة أثناء عرض أفكاره.

وقد جعلني الله سببا لطبع كتبه وانتشارها في الجزائر كوسيط بينه وبين بعض الناشرين، ولو لا الصعوبات التي لم استطع التحكم فيها لدخلت كتبه كل المكتبات.

إنه لمن دواعي سروري في مسيرتي الفكرية والدعوية أن الشيخ محمد أحمد الراشد كان يصرح أنني تلميذه، وإنه لفرق كبير بين أن يَنسبَ تلميذٌ نفسه لشيخه، وبين أن يجيز الشيخُ تلميذه ويقول للناس “إنه تلميذي!”، وقد قالها مرات، منها مرة في ندوة جمعتني وإياه بالجامعة الصيفية للحركة ببومرداس عام 2004، معقبا على طرح فكري عرضته مفصِّلا لبعض أفكاره قائلا: ” لا عجب أن يكون المقري بهذا المستوى فهو تلميذي”.

ومن الآثار المباركة والحسنات الجارية التي أرجو أن يجريها الله تعالى بواسطتي للشيخ أحمد الراشد تأسيس مؤسسة أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، فهو صاحب هذا الاسم، وهو أهم شخصية فكرية ودعوية صممت معها هذا المشروع الحضاري، إضافة لعلماء ومفكرين آخرين منهم المبدع المصلح المقاوم طارق السويدان حفظه الله ورعاه، والداعية المدرب المظلوم الصابر علي الحمادي فك الله أسره، والعالم الجليل المتميز منير الغضبان رحمه الله. فقد عرضت المشروع على الشيخ الراشد أولا وناقشته معه مطولا.

ولأن الفكرة فيها هؤلاء الرجال الصالحون المصلحون النزهاء عرف المشروع طريقه ونما وسخّر الله له من يسنده ويؤطره فتخرج منه أعداد هائلة من القادة في مختلف المستويات والمجالات، في الجزائر وخارجها، وكم كان الشيخ محمد أحمد الراشد سعيدا حينما التقى بباكورة الثمرة الترجيحية في ملتقى التميز بإسطنبول عام 2015 إذ بدا لكثرة ابتساماته العريضة وأريحيته الكبيرة  بين الشباب وكأنه يعيش حلما كان في عقله لامسه في الواقع بحمد الله تعالى، وسيبقى ذلك الغرس وثماره هم حسنات جارية لأولئك المصلحين الربانيين بإذن الله تعالى والله نسأله القبول من الجميع.

غير أنه مما أسِفت له كثيرا في شأن العلاقة به، أنني اتفقت معه ذات مرة أن يأتي ليقيم في الجزائر لفترة معتبرة يشرف فيها بنفسه على تكوين طليعة من الشباب والإطارات، وكنت عندها نائب رئيس الحركة المكلف بالتخطيط والتطوير،  وتم الاتفاق نهائياً وشرعت أبحث عن الشقة التي يسكنها. وقد اتجه رحمه الله هذه الوجهة لقناعته العميقة، وفق ما أخبرني بنفسه، بصفات حميدة رآها في الإنسان الجزائري، وفي جدوى الاستثمار البشري في الحركة ورجالها، وكان ذلك في ما أذكر في حدود 2007.  ولكن جاءت الفتنة التي عصفت بالحركة بعد مؤتمر 2008 فعصفت بالمشروع، وقد حاول رحمه أن يسعى لإصلاح ذات البين ولكن تدخل آخرون فمنعوه، وبسبب انضباطه الصارم الذي يُعرف به والذي أثر كثيرا على بعض مقارباته، وعلى حياته كلها، صار متحفظا على الشأن الجزائري، ثم تغير الحال عليه هو ذاته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والخلافات التنظيمية والسياسية العميقة في الساحة السنية العراقية، وانتقال الحركات الإسلامية كلية، في العالم الإسلامي كله،  إلى الشأن السياسي، على نهج لم يكن يحبذ الكثير منه، فصار يشعر بكثير من الغربة إذ لم تصبح تلك الأشواق الفكرية المرتبطة بساحات الدعوة التي أبدع فيها عقودا من الزمن موجودة في جواره، ثم أحاط به المرض وكبر السن فنقص نشاطه، ولم تصبح لدي فرص كثيرة لألقاه، فتوفاه الله تعالى وأنا مشتاق إليه، ولو كان الأجل معلوما لذهبت لأسلم عليه قبل أن يلقى ربه. ولكن قدر الله وما شاء فعل، وبحسبه – بخصوصي – أنني أُشهد الله له أنني حسنة من حسناته، وأن فكره في طرائق تفكيري وتسيير مشاريعي بقي قائما الى هذا اليوم.

رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته وجزاه عنا وعن الدعوة والصحوة الإسلامية خير الجزاء .

 

د. عبد الرزاق مقري

المَسِيرات من أجل فلسطين: الشبهات، أسباب المنع والتخذيل، وعظمة النفع (7)

6 – شبهة: المطلوب جمع المال فقط

يتذرع  بعض النشطاء في القضية الفلسطينية بأهمية بذل المال لها لتسفيه المناشط الأخرى والإقلال من شأنها، وهو تصرف خاطئ ومضر ضررا جسيما بالقضية الفلسطينية، والمبالغة في هذا الحديث والإصرار عليه يدخل ضمن  سلوكيات التثبيط والخذلان، بقصد أو بغير قصد،  وسنعود لاحقا لشرح مختلف الأسباب التي تؤدي إلى هذا السلوك.

لا شك أن الإنفاق في سبيل الله من أعظم الطاعات والقربات، فالزكاة ركن من أركان الدين، و”الصدقة تمحو الخطايا والسئيات كما يطفئ الماء النار” كما جاء في الحديث الصحيح، وهي بركة في الصحة والرزق وتدفع عن صاحبها أنواعا كثيرة من البلاء في الدنيا وفق ما جاء في العديد من النصوص، والحضارة الإسلامية إنما بنيت أساسا بأموال أوقاف المحسنين  في كل المجالات، ومن أعظم أنواع الصدقات “ج” في سبيل الله بالمال، فهو قرين “ج” بالنفس في القرآن الكريم بل مقدم عليه في أغلب الآيات،  ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة الآية 41:  (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُم تعلمون). وفي الآية 20: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون). وقد فسر العلماء سبب ذلك في الكثير من التفاسير ومن ذلك ما بينه الألوسي رحمه الله في تفسيره لما قال: (لعل تقديم الأموال على الأنفس لِـمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً، وأتم دفعاً للحاجة، فلا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال).

ولا فرق في “ج” بالمال بين من غزا ومن جهز غازيا ومن دعم أهله، وقد بيّن رسول الله ذلك في هذا الحديث الصحيح العظيم:  (من جهَّزَ غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا). وعلى هذا كان قادة الثورة التحريرية يعّون الإنفاق على الحاضنة الاجتماعية المساندة لهم التي تلحق بها  الأضرار الكبيرة في الأرياف أهم من الإنفاق على من هم في الجبال (وكلاهما كان مطلوبا)، وعليه نؤكد بلا مواربة بأن الإنفاق على أهل غزة من أقدس الأعمال الصالحة في هذه المرحلة.

غير أن الشريعة الإسلامية لا تخضع لفهومنا الخاطئة مهما كانت نوايانا جيدة، كما لا تحكمها مرامينا السطحية أو أهواؤنا أو إكراهاتنا الشخصية وحبنا للعمل السهل الذي لا مخاطر فيه، فلا تُحدد الأولويات إلا بفهم مقاصدها، ولا ينتفع بها إلا من يفهم مرونتها.

إن الضرر الأعظم الذي يلحق أهلنا في غزة ويتسبب في قتلهم بالجوع والأمراض إنما هو الحصار، والذي يضعف أداء الم”قا&وم’ة  هو عزلهم عمّن يسندهم بالعتاد والمال والغذاء. وحتى وإن تدبرت “م” أمرها فإن الهلاك الذي يلحقه الاحتلال بحاضنتهم الشعبية يؤثر كثيرا في أدائها وسلامتها، وعليه فإن واجب الوقت بعد اشتداد الحصار هو كسره بالضغط على الكيان وعلى حلفائه الأمريكان والأوربيين  والعرب بقوافل كسر الحصار البحرية والجوية والبرية، وبالوقفات والمظاهرات ومختلف الفعاليات الاحتجاجية أما  السفارات الصهيونية والأمريكية والمصرية في العالم، وبتحريك الرأي العام بالعمل الإعلامي والسياسي وتعظيم أعداد المحتجين في الشوارع بالحد الذي تشغل فيه غزة العالم والناس جميعا أكثر من أي قضية أخرى.

لقد بين الإمام الكبير يوسف القرضاوي بأن فقه الأولويات مرتبط ب “فقه مقاصد الشريعة” فمن المتفق عليه، أن أحكام الشريعة في مجموعها معللة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هدَف الشرع إلى تحقيقها. فلا يصح في العقل ولا في الشرع ولا في أي عرف أن يكون للتحسيني الأولوية على الحاجي، ولا للحاجي على الضروري. بل للضروريات بكلياتها الأولوية المطلقة على الحاجيات والتحسينيات”

إن نجدة  الغزيين في أكلهم وشربهم ودوائهم ومسكنهم وتعليمهم  واجبة ولكن هذا الواجب لا يتحقق إلا بكسر الحصار. فكسر الحصار هو المقصد وهو مقدم في سلم الأولويات على غيره، ضمن ما تبينه قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، التي يقول بشأنها الإمام القرافي: (وعندنا وعند الجمهور، ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب لتوقف الواجب عليه)

فالمواد الإغاثية من مختلف جهات العالم مكدسة في معبر رفح، ولكن أكثرها ممنوع من الدخول إلى غزة بسبب الحصار، وما يدخل منها لا يسمن ولا يغني من جوع، فالأولى اذن هو العمل على كسر الحصار. وحينما نقول الأولى لا يعني هذا التوقف عن جمع المال والمساعدات، بل وجوبها يظل قائما في كل وقت، وإنما ما يجب بذل المال والوقت والجهد  فيه أكثر هو  كسر الحصار وتوعية الناس بالمآسي التي يتسبب فيها، وتوجيه الجماهير للاحتجاج في الشوارع لرفع معنويات المظلومين والضغط على  الظالمين من الأمريكان وعملائهم وعبيدهم من بلادنا العربية والإسلامية. 

 د. عبد الرزاق مقري

اتفاقية سيداو والحرب على الأسرة

لا يخفى على الواعين أن ثمة حربا تشنها القوى الاستعمارية ضد العالم الإسلامي لضرب أساساته التي حفظته ضد الاحتلال والتغريب والإلحاق الثقافي والحضاري .

لقد أدركت القوى الاستعمارية بأن الذي حفظ الأمة الإسلامية في مختلف أقطارها هو تمسكها بقيمها وهويتها، وأن المشكلة التي يواجهونها لتطويع العالم الإسلامي ليست الحركات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية، ولا حتى الدول، وإنما هو الإنسان المسلم ذاته بسبب تمسكه بعقيدته وانتمائه، وأن هذا الإنسان المسلم هو الذي يحكم على الحكام والأحزاب والمنظمات بمقدار انتمائهم لهويته وقيمه ودينه وليس العكس، وقد تأكد لديهم بإن إضعاف الحركات والمنظمات الإسلامية، والحكومات المحافظة، لا يعني شيئا ما دام الإنسان المسلم متمسكا بهويته، وأن هذا الإنسان المسلم سيترك الأحزاب ويقاطع المؤسسات الرسمية التي تخون قيمه وينشئ لنفسه أطرا سياسية واجتماعية أخرى تواجه التوجهات الغربية ومن يحملها بعزيمة أكبر وضراوة أشد.

لقد علمت القوى العلمانية الرأسمالية  الاستعمارية، من خلال تجربتها الطويلة في أوربا بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين، بأن تغيير الإنسان والتحكم في إرادته وتشييئه يكون من خلال كسر كل المرجعيات التي تشكل ثقافته وشخصيته سوى المرجعية الحضارية الغربية المادية الرأسمالية العالمية التي صنعوها للإنسان ضمن سياق تاريخي خاص بهم، وكانت طريقهم إلى ذلك في بلدانهم تفكيك الأسرة واحتكار صياغة المنظومات التربوية والتحكم في الإعلام وتحييد الدين وإنهاء تأثيره.

وبعد خسارتهم في السيطرة الثقافية والحضارية على العالم الإسلامي رغم الاستعمار الطويل المدمر، وعجزهم عن الحسم في المواجهة السياسية الديمقراطية أمام القوى المتمسكة بالثوابت رغم طول مرحلة التزوير الانتخابي والانقلابات الدموية التي دعموها والاستئصال والتدجين الذي حققوه، وكذا بعد  فشلهم في المواجهة المجتمعية رغم الدعم العظيم الذي قدموه للاستبداد وللنخب والقوى العلمانية المعادية للانتماء الحضاري للأمة، علموا بأن برامجهم يجب أن تتجه لتغيير الإنسان ذاته، وأنه بدل  الاستعمار المباشر والاستنزاف الطويل في المواجهة السياسية والفكرية يجب أن يضغطوا على حكام الدول العربية والإسلامية لتغيير قوانين الأسرة، والمنظومات التربوية والدينية ومنعها من أي مساهمة لتشكيل الشخصية الإسلامية الواعية الملتزمة بقيمها، المقاومة للاستعمار والظلم والفساد وتكثيف بدل ذلك برامج التفاهة والإفساد عبر مختلف وسائل الإعلام ونشر المخدرات والحفلات الصاخبة والقدوات السيئة.

تعتبر  “اتفاقية سيداو للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة”، من أخطر الاتفاقيات التي تهدف إلى تفكيك الأسرة وبناء مجتمعات تتبع مرجعية واحدة هي المرجعية العلمانية الرأسمالية الاستعمارية، وكأنها دين عالمي مقدس جديد من صنع البشر. وصدق الله تعالى إذ يقول في سورة النساء: : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).

لقد واجهت هذه الاتفاقية مقاومة شديدة من العديد من الدول تحفظت على عدد من بنودها، ومنها كثير من دول العالم الإسلامي، ولكن تحت الابتزاز والضغط، وبالنظر لضعف بعض هذه الأنظمة واهتزاز شرعيتها، وعدم قدرتها على التحصن بشعوبها، وبسبب الصراعات البينية بينها،  بدأت تتراجع عن تحفظاتها.

والذي يهمنا في هذه الاتفاقية بعدها الفلسفي المناقض للتصور الإسلامي للأسرة ومكوناتها وللمرأة وعلاقتها بالرجل.

إن المظالم المسلطة على المرأة في العالم سببها الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاقتصادية والدولية التي خلقتها الفلسفة الليبيرالية الفردانية والنظام الرأسمالي التسلطي والحروب والأزمات التي أنشأها جشع الدول الاستعمارية، ولن تستطيع اتفاقية سيداو حماية المرأة بل ستزيدها بؤسا بسبب اتجاهاتها المخالفة للفطرة الإنسانية.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران: (( وليس الذكر كالأنثى))، وقد تنوعت تفاسير المفسرين في هذه العبارة منهم من عدّها من كلام امرأة عمران ومنهم من عدّها من كلام الله كالصابوني في صفوة التفاسير والشوكاني في الفتح القدير، وهي في كل الأحوال من كلام الله، ولكنهم كلهم يتفقون أنها تعني أن الذكر والأنثى مختلفان في الخلق والدور في الحياة، ولا يصح التفضيل بينهما إلا بذكر المجال التي تفضل فيه المرأة الرجل أو الرجل المرأة.

إن المرأة في الإسلام ليست أدنى قيمة من الرجل وليست أعلى منه، وليست مساوية له ولكنها تختلف عنه، وبسبب هذا الاختلاف يقع التكامل وتنشأ الحياة البشرية وتزدهر وتستمر، وما الدمار البنيوي الذي تعيشه البشرية تحت قيادة القوى المناهضة للفطرة وديانة السوق والاستعباد الاستهلاكي وعبادة المتعة إلا بسبب الاعتداء على هذا الاختلاف في النوع والأدوار.

لقد فسّر كثير من فلاسفة الغرب المعادين للتوجهات الفردانية الليبيرالية الرأسمالية أن تفتيت الأسرة الذي وقع في الغرب هدفه  السيطرة على الإنسان فكريا بكسر مرجعية العائلة بعد كسر مرجعية الأديان، وزيادة اليد العاملة وخفض أجور العمال  بإخراج كل النساء للعمل ورفع معدلات الضرائب والاستهلاك لصالح أقليات تتحكم في ثروة العالم.

أما إذا أردنا أن نركز على المادة التي رفعت الجزائر تحفظها عنها، فإن أبعادها هو الحماية التشريعية للمرأة لتسهيل خروجها من بيتها والسفر حيث شاءت والسكن كما أرادت بغير إذن والدها وزوجها. وهي الفقرة الرابعة من المادة 15 التي “تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم”، وهذا التوجه بهذا الإطلاق غير جائز في الإسلام. فالأسرة في الإسلام مؤسسة اجتماعية تخضع للقوانين المؤسسية لكل كيان بشري منظم، أي يكون لها رئيس أو مدير أو ولي ( بغض النظر عن التسميات) يتم مشاورته في القضايا الأساسية ومنها الغياب والحضور ، ولقدسية الأسرة وأهميتها في استقرار المجتمع جعل الله لها رئيسا أبديا مبدئيا وهو الرجل وفق قوله تعالى في سورة النساء: (( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) فالرجل هو القائم على شؤون الأسرة، وسبب القوامة إنما هو التفاضل بينهم في أشياء مختلفة منها ما يكون الرجل فيها هو الأفضل فيه، كالقدرة على الحماية والكسب والنسب والإنابة ومواجهة الأزمات الخارجية، ومنها ما تكون المرأة أفضل كالقدرة على احتضان الأبناء وقوة العاطفة والتحكم في تفاصيل البيت الداخلية وغير ذلك، بالإضافة إلى الإنفاق المتعين وجوبا على الرجل دون المرأة. ولا تكون القوامة في الإسلام حكما مطلقا تسلطيا للرجل على المرأة، وإنما التشاور بين الزوجين هو من الصفات المطلقة في حياة المسلمين كقوله تعالى في سورة الشورى : (( وأمرهم شورى بينهم)) والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة لبناء الأسرة على المودة والرحمة والاحترام والتعاون والتضامن، ليس المجال للتفصيل فيها.

ومع هذا الضبط في بناء الأسرة لم يغلق الإسلام أي مجال لارتقاء المرأة كالتعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وإنما يكون ذلك بالتشاور داخل العائلة كمؤسسة ترتقي بالنظام لا بالفوضى، وفرض  قوانين عامة وشاملة في تسيير شؤون الأسرة عابرة للثقافات هو ما ينشر الفوضى وينشئ الصراع داخل الأسرة.

لا يختلف علماء الأمة بأنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها إلا ما كان في إطار الضرورة أو ما هو متفق عليه ابتداء ، عبر ما يسمى بالإذن العام الذي يمنحه الرجل للمرأة فلا يحاسبها بعده على دخولها وخروجها، أو ما يُبرم في عقد الزواج كاشتراط المرأة على زوجها أن يسمح لها بالعمل أو مواصلة الدراسة أو نشاطها الاجتماعي، أو ما هو معمول به ومتوافق عليه عرفا فلا يحتاج إلى إذن.

إنه لا يوجد في بلادنا وفي أغلب البلاد الإسلامية أي مشكلة في خروج المرأة من بيتها في إطار تفاهم عام بين الزوجين، ولا يوجد في المجتمع حالات شكوى عامة عن منع الرجل لخروج المرأة من البيت في إطار المعقول، ولا يصح التشريع للحالات الشاذة.

إن الخوف من رفع تحفظ الجزائر على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية سيداو  أن يطبق رفع التحفظ لسن تشريعات تحمي الحالات الشاذة من تمرد المرأة على الرجل وتوسيع حالات “النشوز”. ولنا مثل من الأمثلة في ما يمكن أن يحدث الجدال الواسع الذي وقع حول ارتكاز الحكومة المغربية على رفع تحفظ المغرب على هذه الفقرة من اتفاقية سيداو لعدم اشتراط الدفتر العائلي للزوجين عند الحجز للإقامة في الفنادق، إذ كثير من الأصلاء رفض ذلك  بسبب ما يتبعه من انتشار وحماية للفسق والمجون وإحراج العائلات والشخصيات المحترمة في الفنادق.

إن هذا التحول الذي وقع لدى صاحب القرار في بلادنا يدفعنا إلى الحيطة والحذر من آثار ضغوطات الدول الاستعمارية على سلامة عائلاتنا ومجتمعنا، ولا بد للقوى الفاعلة في المجتمع المرتبطة بثوابتها أن تسترجع حيويتها الحضارية وأن تخرج من الحسابات السياسية الضيقة، فإن استمرار مطاوعة النظام السياسي وهو  يزداد ضعفا وخضوعا أمام القوى الاستعمارية الدولية سيقضي عليها قبل غيرها، إذ لا وجود لها في هذا البلد إلا بالمحافظة على قيم هذا البلد واستقلاليته وسيادته، إن الفتوى بحرمة اتباع اتفاقية سيداو  معلومة وإن عدم المقاومة سيؤدي إلى تشريعات وطنية أخطر  من شأنها أن  تهدد انسجام العائلة وتفكك المجتمع وتخلق إشكالات كبرى لم تكن موجودة.

د. عبد الرزاق مقري

فوضى التجارة وأزمة الاستيراد

لم تصبح الأخطاء والأزمات  التي يعرفها عالم التجارة في بلادنا، حالات عابرة متحملة، بل صارت حالات مزمنة دائمة، الخطأ يتلوه الخطأ، والأزمة تتلوها الأزمة، أزمة السيارات، أزمة الحافلات، أزمة قطع غيار السيارات، أزمة زيت المحركات، أزمة العجلات،  أزمة الموانئ، أزمة الرحلات الجوية ، أزمة المواد الطبية، أزمة مواد البناء، أزمة مواد الجراحة العامة وجراحة الأسنان، أزمة المواد الأولية للقطاع الصناعي والفلاحي،  أزمة الحليب، أزمة البطاطا، أزمة البقوليات،  أزمة المواد الطبية ….. وأزمة مستدامة وفوضى عارمة في الاستيراد.

وفي كثير من الأحيان تَصنع هذه الأزمات التي تنشئها السلطات أزمات في المجتمع ثم يحاول المسؤولون إلصاق الأسباب بالمواطنين الذين ضغطت عليهم تلك الأزمات وجعلت بعضهم يقع في المخالفات، وما كان عليهم أن يكونوا على تلك المخالفات لو كان البلد تحكمه الكفاءة والرشد والحكمة. 

فلو تحدثت مثلا عن أزمة الاستيراد أقول  في هذا المقال ما قلته  لمسؤول في الدولة حين كنت رئيسا لحركة حمس. بيّنت له بالحجج العلمية  بأن المنع الموسع للاستيراد لا تقول به أي قاعدة في علم الاقتصاد ولا تنتهجه أي دولة في تجارب الناس.

إن منع الاستيراد لا تنتهجه الدول إلا لوقت محدد في فروع قليلة من فروع الإنتاج من أجل ترقية صناعة منتج من المنتجات أو حماية محصول محدد من محاصيل القطاع الفلاحي، بل إن التوجه الأفضل من هذا المنع المحدود في الحكومات الأكثر رشدا، أنه لا يتم منع الاستيراد ولكن تقوم الدولة بحماية خطتها الإنتاجية بالحوافز التي تمنحها للإنتاج الوطني وبالرسوم التي تفرضها على المواد المستوردة المنافسة للمنتج الوطني المحدد.

إنه لا يعقل البتة أن يُمنع الاستيراد بشكل موسع لمواد صناعية وفلاحية وتكنولوجية وحتى خدمية  لا ينتجها البلد. إن الحاكم الذي يفعل هذا يحرص على استمرار حكمه وليس على استمرار الدولة، يحرص على نفسه ولا يحرص على البلد. إنه يفعل ذلك للمحافظة على الميزان التجاري بمعزل عن أي رؤية أو خطة اقتصادية، ليحافظ على السيولة النقدية وليس على الاقتصاد الحقيقي، ليحافظ على احتياطي الصرف حتى لا يقع في التوقف عن الدفع في فترة حكمه.. دون اكتراث حقيقي بالرؤى والخطط والعمليات الاقتصادية الجادة التي تضمن توازن الميزان التجاري وميزان المدفوعات على أساس تصدير الإنتاج الوطني من الصناعة والفلاحة والخدمات،  وليس بالاعتماد بنسبة عالية جدا على تصدير المحروقات، التي توفر سيولة نقدية بالعملة الصعبة تتأثر تأثرا كبيرا بتقلبات السوق الطاقوية. 

ولا يمكن أن تنطلي على متوسط الثقافة في المجال الاقتصادي أن المقصود من التوسع في منع الاستيراد  هو حماية البلد من المديونية. لا شك أن البلد المدين ضعيف، ولكن سبب الضعف ليس المديونية ولكن العجز عن دفع الديون، إذ الدول ذات الاقتصاد المنتج تتحمل هامشا من المديونية الداخلية أو الخارجية لتحريك الإنتاج وصناعة الثروة، فما الديون عندئذ إلا رأس مال من أجل الاستثمار ولصالح ميزانيات التجهيز ، كمثل ذاك التاجر الناجح الذي يستلف من أجل الربح ثم رد الديون من أرباحه. أما إن كانت المديونية من أجل ميزانية التسيير،  كدفع أجور العمال ونحوه، فتلك هي المديونية القاتلة المدمرة للسيادة التي ينتهجها الحكام الفاشلون الفاسدون.

إن المنع الموسع للاستيراد، في غياب السلع في الأسواق يصنع أزمات متتالية وآفات متعاظمة، وأول هذه الأزمات الندرة، والندرة هي أم الآفات الاقتصادية الأخرى. ومن ذلك التضخم وارتفاع الأسعار، إذ السلعة الناقصة المطلوبة في السوق يرتفع سعرها ويعجز أغلب المستهلكين بعد مدة عن اقتنائها، وإذا انتهجت السلطات سياسة طبع النقود المزمنة الرعناء  من أجل الاستهلاك  لا يصبح ثمة قيد يوقف التضخم حتى تصبح العملة بعد فترة لا قيمة لها. ومما تصنعه الندرة كذلك التهريب، إذ التجارة كلها مغامرة، فيستغل التجار الفرصة ويغامرون لتوفير السلع عبر  شبكات التهريب، فإن طال أمد منع الاستيراد دون تطور  إنتاج السلع الممنوعة يصبح التهريب قاعدة التعامل فتضطر السلطات للتعامل معها ومحاولة تقنينها، وللتهرب من الرقابة على بيع المنتوجات محظورة الاستيراد يتوسع القطاع الموازي وينتج عنه التهرب الجبائي.

ولتوفير السلع للزبائن أو لرفع قيمتها تتطور المضاربة وتتوسع. ومن آثار منع الاستيراد الموسع انتشار الفساد وتهيكله، إذا لا تهريب بدون فساد، ولا تهرب جبائي بدون فساد، ولا مضاربة بدون فساد،  وإذا تم انتهاج سياسة رخص الاستيراد ووضعها في يد جهة محددة، تعاظم الفساد وأدى إلى صناعة عصابات ومافيا داخل الدولة تصبح مع تعاظمها مدمرة للاقتصاد الوطني، ومفسدة للحياة السياسية والاجتماعية، ومهلكة للقيم والأخلاق.

وحين تكثر هذه الآفات وتتعاظم يُحصَّنُ فيها كبار الفاسدين والمهربين والمضاربين ممن يسيّرون أمورهم بعلاقاتهم وشراكاتهم مع الموظفين الكبار  في الدولة في المستويات العليا، أو ممن يشرون رجال الأمن والقضاء ومدراء المصالح وأجهزة الرقابة في المستويات الدنيا.

إن الفوضى التي تعيشها الجزائر في مجال التجارة صنعتها الدولة ولا ضحايا لها سوى المواطنين، ولإظهار نشاط المصالح المختصة أو لابتزاز التجار  الذين يعملون في البيئة السيئة التي صنعتها الدولة يتم بين الحين والحين ضرب بعض صغار المهربين والـمضاربين والمتهربين جبائيا، والمتورطين في الفساد الصغير.

لقد رأينا فعلا كيف أن أناسا محترمين حكم عليهم بأحكام غليظة جدا من أجل عمليات تجارية خاطئة لا تستحق تلك الأحكام، وما كان لها أن تكون لو لا الأزمة التي صنعها المسؤولون، ومن أجل تصرفات إنما جعلتها البيئة الفاسدة مدانة، ولو كنا في بيئة مفتوحة سليمة لكانت تصرفات عادية، وبعض هؤلاء الذين دمرت حياتهم أصحاب شهادات عليا ومقامات اجتماعية مرموقة لا يوجد في سجلهم أي مخالفة قانونية أو أخلاقية  تذكر، وإنما هم ضحية بيئة صنعها غياب الرشد في الحكم والقرارات الخاطئة في الحكم.

إن الأبداع الذي كان مطلوبا من الحكام هو النجاح في التنمية الاقتصادية وتحقيق اقتصاد منتج يوفر السلع والخدمات التي تستطيع أن تنافس منتجات الدول الأخرى، بل تقتحم أسواقهم، وليس عرقلة الإنتاج بمنع استيراد المواد التي تحتاجها الصناعة والفلاحة في بلادنا، وليس بإرهاق المواطن بالندرة وغلاء الأسعار بالتوسع في منع الاستيراد، وليس خلق الفوضى والتهريب والمضاربة والفساد، وليس بظلم التجار بوضعهم في حالة خسران مؤكد تضطرهم لمخالفة القواعد الخاطئة المفروضة.

 د. عبد الرزاق مقري

رداءة في المطار

في كل مرة يجب أن تكون مشكلة في المطار تذكرنا بأننا على مسافة بعيدة من التطور والتحضر، وفي كل مرة أقول: “لِأصبر كغيري من المسافرين ولا داعي للتفاعل!” حتى لا يُقال بأننا نبحث عن السلبيات.

لم أكن في فترة شبابي أثناء أسفاري بهذا الهدوء. كنت دائما أحتجّ عن التأخر الطويل للرحلات، وعن تدهور الخدمات وسوء التعامل. اذكر أنني قدت مسيرة كبيرة للحجاج في مطار جدة، وكنت يومئذ نائباً في البرلمان، احتجاجا على تأخر عدة رحلات ليلا كاملا تم التخلي فيه عن الحجاج تخليا تاما، بلا أكل ولا ماء، ولا مكان للنوم، حتى أخذنا حقوقنا كلها. وفعلت ذات الشيء في رحلة عادية في مطار بدولة أجنبية أخرى، وكثيرا ما كان الناس يطلبون مني أن أتدخل، يحدث أحيانا أن يؤدي الاحتجاج إلى التلاسن مع المسؤولين في المطار أو الخطوط ولكن في  أغلب الأحيان تكون ردود الأفعال من المسؤولين جيدة، إذ أغلب الناس محترمون، ولكن فساد المنظومة هي التي تفسد الناس.

مع التقدم في السن، وبسبب حالة من السأم، وشيء من اليأس في أن تصلح أمور البلد، لم أصبح أتحمس للاحتجاج،  وأصبحت أوطّد نفسي على الصبر، لا سيما أنه لم تصبح لي أي مسؤولية نيابية أو رسمية أو حتى حزبية، فلم أصبح أشعر  بالمسؤولية تجاه غيري لما أراه  أثناء أسفاري، بالرغم من أنني أعلم في قرارة نفسي بأنه شعور شيء  وغير مقبول! ولكن الله غالب، الأمر أصبح هكذا.

ولكن في هذا اليوم بالذات حدث شيء لم أعهده حرّك فيّ الغضب وجعلني أحصي كل المظاهر الخائبة التي عشتها في المطار في نفس الرحلة.

أما الأمر الذي استفزني وأغضبني هذه الصبيحة في المطار فهو تكرار الإعلانات الصوتية بالفرنسية دون  العربية لمدة معتبرة، لم يكن هذا يحدث من قبل، أو ربما لم أكن أنتبه إليه، أو ربما حدث بسبب شخص ما على غير العادة، غضبت غضبا شديدا عن ضياع السيادة وهيبة البلد في مكان يرمز الى السيادة وهو المطار.

لا يتوقف امتعاضي من غلبة اللغة الفرنسية في شوارع عاصمة البلد على لافتات الأغلبية الساحقة من المحلات، وغياب مذهل للغة الوطنية في المحيط، دون أي اهتمام من السلطة الحاكمة ( التي لا تفهم معنى السيادة وهيبة الدولة إلا في الأمور الأمنية والتحكم في أنفاس أصحاب الرأي المخالف)، ولكن أن يكون هذا في المطار فهو لعمري أمر غير مقبول، ولو لوهلة من الزمن، وهذا دون الإشارة الى حصرية اللغة الفرنسية على لسان الموظفين في شركة الطيران الجزائرية حين يتحركون بين المسافرين ينبهونهم للتوجه للركوب وفي حديثهم مع المسافرين أثناء تقديم الطعام في الطائرة، وعن لافتات محلات المطار التي تشعرك وكأنك في فرنسا وليس الجزائر، وأسوء ما في الأمر هو تحول كثير من المسافرين إلى الحديث باللغة الفرنسية، لغة فرنسية رديئة جدا جدا!

أما عن العيوب الأخرى التي صبرت عليها مرات عديدة ولكن اذكرها اليوم بدافع ما أصابني من افتزاز بسبب قهر اللغة الفرنسية لمشاعري فمنها:

– الوقوف في طابور لم يتحرك أثناء التسجيل لأقول بلا مبالغة بأنني لم أتقدم لساعة كاملة بضع  سنتيمترات، وحين تكدس الناس في الطابور جاء أحدهم يوجّهنا إلى مكتب تسجيل آخر، وكان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك منذ البداية.

– وكإجراء اعتدت عليه، كان على الشرطي الذي يطبع الجواز أن يوقفني اكثر من المسافرين الآخرين ثم عليه أن يستشير ضابطا أعلى منه قبل الختم، لم يزعجني الانتظار فلم يكن طويلا، ولكن ما يزعجني في كل مرة هو إشعاري  وكأنني شخص خارج القانون دون جريرة اقترفتها طول حياتي بحمد الله، ولا يخفف عني هذا الشعور بالظلم سوى الأدب الجم الذي يتعامل به معي رجال الشرطة، خصوصا المسؤولون،  جزاهم الله خيرا، فالمشكلة ليست فيهم ولكن في المنظومة.

– وعند وصول وقت دخول الطائرة أخبرونا بأن الرحلة متأخرة لمدة ساعتين، وبعد الساعتين تأخرت ساعة أخرى، ويا ليتهم أعطوا المسافرين شيئا من الإكراميات والماء تطييبا لخواطرهم كما تفعل شركات الطيران في العالم حين يتسببون في التأخر.

– وحين يطول بك المقام فتقرر أن تتجه لأحد المقاهي من أجل فنجان قهوة تقابلك قارورات الخمر، فتبحث عن مقهى آخر لا يبيع الخمر، معتقدا بأنهم “ربما قد فكروا في الأقليات مثلنا ! فجعلوا لهم مكانا لشرب القهوة لا يباع فيه الخمر” فلا تجد، والغريب في الأمر هو أنني تأملت من بعيد هل هناك من يطلب الخمر من هذه الأماكن فلم يظهر لي أحد يفعل ذلك، مما جعلني أشعر بأنني ربما لست من الأقليات في المطار، والحمد لله، وسألت نفسي: حتى وإن تجاوزوا المحذور الشرعي في بلد مسلم، لماذا إذن يضعون قارورات الخمر، إنه لا يطلبها أحد!

– حين تزور أماكن الحاجة والوضوء تستغرب كيف يتدهور المكان بسرعة مقارنة بالمطارات الأخرى في العالم ولماذا لا يتم إصلاح ما يُكسر أو يتعطل بسرعة وإتقان، مع الاعتراف بأن التنظيف على قدم وساق والحمد لله.

– وعندما حان وقت الركوب غيّر الموظف تسجيل بطاقة الركوب رقم مقعدي بالقلم، فبعد أن تحركت لمكتب التسجيل ثلاث ساعات قبل الوقت لآخذ مكانا مناسبا في المقدمة حتى أتجنب الطابور عند الوصول إذا بالموظف يرجعني إلى آخر رقم في مؤخرة الطائرة، والحجة كانت أنهم غيروا الطائرة فتغيرت الأرقام، ولا أدري كيف لم يراعوا تسلسل التسجيل.

– ولا يفوتني أن أذكر بما هو معتاد كذلك وهو الانتظار الطويل عند تسلم الأمتعة في العودة وهو ما لا أراه في أغلب مطارات الدول الكثيرة التي زرتها بما جعلني أضيّق على نفسي فلا أحمل في أسفاري إلا حقيبة اليد حتى أتجنب الانتظار الطويل.

– بعد طول انتظار وفوضى تغيير أرقام المقاعد، خاصة أرقام العائلات، وبسبب التعب، وقلق الأطفال، وعدم تشغيل المكيف بدأ المسافرون يرفعون أصواتهم، وتكلمت امرأة حرة أشجع مني تقول: “اتكلموا يا ناس، لاه ساكتين!” فتكلمت امرأة أخرى: “عيطولنا للمسؤول نهدرو معاه” والغريب في الأمر أن كل من احتج نساء، كلهن نساء، لم يحتج أحد من الذكور. حاولت أن أكون رجلا حين غضب موظف الطائرة من تصاعد الاحتجاجات محذرا من تجاوز الحدود فقلت:” لا تغضب، انت بالذات عليك أن تصبر”، بمعنى اديت “زعما” دور “الرجل الحكيم” خلافا لغضب النسوة وتميزا عن سكوت الذكور.  

تمنيت لو بقيت هادئا مستسلما تاركا لحقي في المطالبة بالحقوق وتحسين الأوضاع كما هو حال أغلب الجزائريين، فلا أكتب هذا المقال ولا أحاول محاولة محتشمة تهدئة مضيف الطائرة، ولكن للأسف غلب استفزازي معنويا حالة السكوت المعتادة عن الحقوق المادية، فأرجو أن يسامحني من أزعجته بمقالي هذا! وأرجو أن يساهم هذا المقام في التحسين ولو شيئا قليلا … على كل حال هذا ما يجب أن يفعله التدافع منطقيا حين نكون أسوياء.

 

د. عبد الرزاق مقري

المَسِيرات من أجل فلسطين: الشبهات، أسباب المنع والتخذيل، وعظمة النفع (6)

5 – الدولة الجزائرية قائمة بواجبها تجاه فلسطين: الحقيقة ومعيار الحكم
كثير من القاعدين عن القيام بواجبهم تجاه المأساة الجارية في غزة والعدوان العظيم على الضفة والقضية الفلسطينية كلها، يواجهون كل من يدعو إلى رفع سقوف الدعم في مختلف جوانبه، بأن الدولة الجزائرية قائمة بواجبها كاملا خلافا – في ظنهم – لكل دول العالم! وفي محاججتهم المزهوين بها هذه لا يجدون أكثر من موقفين للجزائر يتحدثون بهما وهما عدم وجود التطبيع في بلادنا، وبعض التصريحات السياسية، وخاصة مواقف ممثل الجزائر في مجلس الأمن في العضوية المؤقتة، ويضيف بعض المكتفين بالعمل الخيري أن السلطات الجزائرية متساهلة مع المساهمين في العمل الإغاثي والإنساني المتميز في بلادنا.
لا شك أن هذه المواقف مشرفة وهي في رصيدنا جميعا كجزائريين وأسأل الله أن يتقبل من كل جزائري صادق مخلص بذل جهده على هذه المسارات الثلاثة، وصمد في المحافظة عليها، غير أن ثلاثة أمور تنسف هذا الجهد وتجعله في المراتب الدنيا من مواقف وسياسات وأفعال الدعم والنصرة، وذلك ضمن معايير موضوعية نبيُّنها بعد ذكر الأمور الثلاثة.
أما الأمر الأول فهو أن الاكتفاء بعدم التورط في التطبيع وبالمواقف السياسية والدبلوماسية الجيدة وحرية العمل الخيري لصالح سكان غزة، التي هي تقاليد راسخة في الدولة والمجتمع بالجزائر ، لا يتناسب على الإطلاق مع حجم المأساة وعمق الكارثة وخطورة المصير الذي يهدد القضية الفلسطينية ومستقبل العالم العربي والإسلامي كله. فهل يكفي الزهو بهذه الأعذار الثلاثة للتنصل من مسؤولية الخذلان تجاه الإبادة الجماعية وصور الهياكل العظمية والموت بالمجاعة؟ هل نفعت تلك المواقف وذلك البذل، على أهميتها، في وقف العدوان وإدخال المساعدات ليُقال عن الدولة الجزائرية أنها أدت ما عليها ولا يُطلب منها أن تزيد أكثر من هذا، وأنه على النخب الجزائرية وكل الشعب الجزائري أن يستريحوا وأن ينعموا بحياتهم ولا يساهموا بأي شيء فاعل آخر؟ وهل تصُدّ تلك المواقف خطر تصفية القضية الفلسطينية إذا تم كسر المقاومة وتهجير الشعب الفلسطيني، ثم السيطرة الكاملة على كل العالم العربي بعدئذ لجعله تابعا ذليلا مستدام الضعف والتخلف وربما التقسيم بلدا بلدا؟
أما الأمر الثاني هو أن الجزائر ليست وحدها في العالم التي تتميز بتلك المساهمات الثلاث، فثمة دول عربية وإسلامية أخرى غير مطبعة مع الكيان منها تونس وموريتانيا وليبيا واليمن والكويت والعراق وسوريا ولبنان، دون أن أتحدث عن دول أخرى غير هذه تطبع في السر أو لها علاقات تجارية ورياضة وثقافية دون علاقات دبلوماسية. كما أن ثمة دول أخرى تتحدث بجرأة عظيمة ضد الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة وداخل بلدانها وفي مؤسساتها الرسمية والشعبية، وبعض هذه الدول غير مطبع، وبعضها الآخر مطبع، وبالإمكان أن نجمع تصريحات من هؤلاء أشد بكثير من تصريحات المسؤولين الجزائريين، بل إن تصريحات بعض هؤلاء المسؤولين الجزائريين كانت مخيبة تجعلنا نحذر كثيرا في إمكانية صمود الموقف الرسمي الجزائري مستقبلا بخصوص المقاومة والقضية الفلسطينية عموما، خصوصا حينما يقول أحدهم أنه إذا قبل الفلسطينيون أي حل يعرض عليهم يمكننا أن نطبع مع الكيان، والخوف ها هنا أن يكون المقصود بالشعب الفلسطيني هو محمود عباس المنكر للمقاومة المسلحة، خلافا لما كانت عليه الثورة التحريرية، ومنظمة التحرير التي لا تمت بصلة بالرسالة الثورية لجبهة وجيش التحرير الوطني إلى غاية التحرير الكامل وهزيمة فرنسا.
والأمر الثالث هو أن تاريخ الجزائر أعظم بكثير من هذه المواقف الثلاثة التي يزايد بها العاجزون أو المتخاذلون، فالجزائر لم تشكلها مخططات سايكس بيكو، أو تفاهمات بين الاستعمار ونخب صنعها على عينه، وهبها الاستقلال لتكون تابعة له. لقد افتك الجزائريون استقلالهم بثورة عظيمة من أعظم ثورات التحرير ضد الاستعمار في التاريخ وقدموا في سبيل ذلك مليون ونصف من الشهداء دون الحديث عن شهداء ما قبل الثورة النوفمبرية الذين يصل بهم عدد الشهداء إلى أكثر من سبع ملايين، كما أن الاحتلال الذي واجهوه كان احتلالا استيطانيا إحلاليا كالاحتلال الذي يواجهه أشقاؤنا الفلسطينيون، فلا يوجد في الأرض من يفهم الحالة الفلسطينية كالجزائريين. علاوة على أن ثورتنا نالت دعما سخيا عظيما من أشقائنا العرب، بالمال والسلاح والمظاهرات في كل العواصم، وبالسياسة والدبلوماسية والفن وغير ذلك، فلا يمكن لمجرد منع التطبيع والمواقف السياسية والتساهل مع جمع المساعدات أن تقف أمام التاريخ وطبيعة الدولة التي بناها الكفاح الثوري، أو أن تكافئ حجم المساعدات التي استفادت منها الثورة من الأشقاء. فلا يمكن البتة أن تقارَن الجزائر نفسها بغيرها من البلدان في حجم النصرة والدعم الذي عليها أن تقدمه، والذي به تحفظ تاريخها، وتميزها وكرامتها ومكانتها.
أما عن معايير مستوى النصرة والدعم التي نحكم بها على أنفسنا ونقارن بها موقف الجزائر بالنسبة لغيرها فهي خمسة معايير.
– المعيار الأول: وهو عدم وجود تطبيع مع الكيان، والجزائر موفّقة بفضل الله في التمثل بهذا المعيار، هي وعدد من الدول الأخرى على نحو ما ذكرنا أعلاه.
– المعيار الثاني: وهو المواقف السياسية والدبلوماسية الرسمية والجزائر كذلك موفقة في هذا الجانب. والذي ساعد في إظهار الموقف المنصب الرسمي المؤقت في مجلس الأمن، ولكن ثمة من يماثلها في قوة المواقف والتصريحات والبيانات وهناك من يتجاوزها بكثير كما قلنا.
– المعيار الثالث: المساهمة المجتمعية في النصرة والدعم، وما تتميز به الجزائر في هذا الجانب هو توفر هامش حرية جيد للدعم الإنساني الشعبي، مع أن هذا الدعم يتميز بالهشاشة المؤسسية بسبب الأوضاع القانونية الصعبة، بل المستحيلة في كثير من الأحيان، للمجتمع المدني وقد يتعرض الهامش المتاح إلى مضايقات مستقبلا لأسباب مزاجية أو حسابات سياسية أو أيديولوجية أو ضغط خارجي، ولا حافظ لدوامه سوى الله. وغير هذا لا يوجد شيء استثنائي منظم يذكر في المجتمع الجزائري، فالمسيرات ممنوعة رغم ما فيها من فوائد عظيمة في رفع معنويات أشقائنا في غزة وفي إظهار الموقف الصلب تجاه الاحتلال وحلفائه الأمريكيين والغربيين بما يجعلهم يفهمون بأن مصالحهم مهددة بسبب غضبة الشعوب، كما أن العمل المنظم لدعم القضية الفلسطينية في مختلف ملفاتها الأخرى يكاد يكون منعدما بسبب التكبيل التام للمجتمع المدني والعمل المنظم بشكل عام، ولا يعتد بالأنشطة الفردية في الوسائط الاجتماعية، ولا بالبيانات وبالاجتماع داخل القاعات بالعشرات أو بضع المئات من الناس التي تقوم بها بعض الأحزاب والمنظمات والتي لا يسمع بها لا الفلسطينيون المنكوبون ولا الصهاينة ولا القوى المتحالفة معها.
– المعيار الرابع: وهو الدعم المالي المباشر للفعل المقاوم أو الإنفاق المباشر وإقامة المؤسسات الخدمية لصالح أهل غزة، وهذا الأمر غير متوفر، فقبل الطوفان كانت الجزائر تسلم مساهمتها لعباس، ولا تزيد على ذلك. فرغم تشريف حركة حماس للجزائر بتسهيل نجاح ” إعلان الجزائر للم الشمل الفلسطيني” لم يُقدّم لها أي دعم مادي ولا أي مساعدة، سواء قبل الطوفان أو بعده، سوى بعض الزيارات التي لم ترق إلى الاحتفاء الرسمي في أعلى مستوى التي نالتها حركة فتح التي خرّب قادتها المبادرة الجزائرية ( باعتراف مسؤولين جزائريين)، وكأن الذي كان مقصودا من المبادرة هو الاعتراف بالشرعية الدولية الذي طُلب منها فحسب. كما لا نكاد نجد، على الصعيد الإنساني، مؤسسة قائمة في أي مجال من المجالات شيدتها الدولة الجزائرية في غزة، خلافا لمؤسسات كثيرة ( مستشفيات، مدارس، سكنات…) ظهرت باسم دولها، ولا يُعتد ببعض المنشآت البسيطة التي أقامها محسنون جزائريون عن طريق جمعيات خيرية بميزانيات محدودة إذا قورنت بمنشآت الدول. وبعد الطوفان لم تستفد غزة المقاوِمة وغزة المنكوبة من الجزائر الرسمية، وكان السبب أن الجزائر ملتزمة بالدعم عن طريق منظمة التحرير فقط وأن المساعدات الإغاثية الرسمية المباشرة ممنوعة من الدخول بسبب غلق معبر رفح، مع العلم بأنه لو كانت ثمة إرادة يحركها حجم المأساة وخطورة التحديات لوجد المسؤولون ألف طريقة للوصول، على شاكلة الطرق التي كانت تُستعمل أثناء ثورة التحرير الجزائرية.
– المعيار الخامس: وهو ما يتعلق بالدعم العسكري بالسلاح والتكنولوجيا والخبرات لصالح المقاومة، وهذا المجال كما هو معلوم لم تقدمه سوى ايران في وقت سابق وقد انتهى الآن ولم يخلفه الذين كانوا يلومون المقاومة عن علاقتها بإيران.
حسب هذه المعايير تجد الجزائر نفسها في المستويين الأولين وشيء من المستوى الثالث، ومن حق أي جزائري أن يفتخر بهذا المستوى، خصوصا عدم التطبيع مع الكيان الذي يعبر عن توجه عام أصيل للجزائريين في الدولة والمجتمع، مع ما يكتنف هذا الموقف من مخاطر تمثلها أقليات كامنة في الداخل وضغوطات أمريكية مستقبلا، حسب ما يقع من تطورات في غزة. ولكن ليس من حق أي جزائري، داخل السلطة أو في المجتمع، أن يحتج على أي جزائري آخر يطلب رفع مستوى المناصرة وفق كل المعايير المذكورة أعلاه وحسب ما يتطابق مع قيمة الجزائر الثورية.

د. عبد الرزاق مقري

المَسِيرات من أجل فلسطين: الشبهات، أسباب المنع والتخذيل، وعظمة النفع (4)

3 – شبهة المزايدات:

هناك من لا يكتفي أن يكون متخاذلا بخصوص الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة، ومخططات تصفية القضية الفلسطينية كلها، بل يعمل على تخذيل الآخرين، فهو بمثابة تلك المرأة التي دخلت النار في قطة حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم. ومن أساليب هؤلاء أنهم يتهمون النشطاء في القضية الفلسطينية بسقوف عالية، بما يتناسب مع حجم المأساة بقدر استطاعتهم، بأنهم يزايدون على غيرهم بما يقومون به، بعضهم يتهمونهم بأن مزايداتهم سياسية حزبية، بعضهم يتهمونهم بالرياء والنوايا السيئة، وبعضهم يتهمونهم بأنهم يقصدون الإساءة لمن لا يقتنع بآرائهم ومن لا يعمل بعملهم. وهذه الاتهامات قديمة استعملها دوما الذين يعادون ثوابت الأمة باتهام المدافعين عنها بأنهم يحتكرون الإسلام ويستعملون الدين واللغة العربية للمزايدة السياسية والحزبية، ولإظهار أنفسهم بأنهم أفضل من الآخرين ولتغليط عوام الناس. وكان جوابنا المُسكت لضلالهم: “اعملوا انتم كذلك لصالح الثوابت حتى لا نحتكرها”. إن مقاصد هؤلاء المُخذّلين شتى، منهم من يعادي الثوابت ويحاربها ويريد أن لا يعمل أحد لها، ومنهم من لا يعاديها ولكن لا يلتزم بها وبالدفاع عنها، انحرافا أو عجزا أو خوفا ممن يعاديها، فينظر إلى من يعمل لها بأنه يكشفه حتى وإن كان هذا المجتهد لا يقصده البتة. وكذلك الشأن في القضية الفلسطينية، هناك من يحارب القضية الفلسطينية ومن يعادي المقاومة ومن يقودها فيحارب تبعا لذلك من يعمل لها بأساليب شتى منها الاتهام بالمزايدة، وهناك من يقصر في العمل للقضية الفلسطينية فيشكك في من يعمل لها، فإن تخلف في بذل المال لصالح القضية يشكك في من يجمع لها، وإن كان مقصرا في المقاطعة يشكك في جدواها، وإن كان مقصرا في المسيرات والوقفات أمام السفارات يشكك في أهميتها ويتهم من يقوم بها بالمزايدة. وهناك من يرغب في مناصرة القضية ولكن في الحدود السهلة المتاحة للجميع التي لا تحّمله التضحية بأي شيء، أو في إطار ما تقبل به السلطات الرسمية فقط، فإن أصرّ غيرهم على القيام بما لا يقومون به شككوا كذلك في عملهم واتهموهم بالمزايدة حتى وإن علموا في قرارة أنفسهم بأن تلك الأعمال نافعة جدا لفلسطين. لا يهمنا هنا الذين يبغضون القضية الفلسطينية والمقاومة وقادتها، من المدخليين الموالين لأنظمة الظلم والخيانة والعلمانيين المتطرفين الموالين للغرب، فهؤلاء الصراع معهم مبدئي، والصراع معهم يندرج ضمن صراع أهل الحق ضد باطلهم. ولكن الذي نوجّه لهم اللوم وندعوهم للتوبة والإنابة هم أؤلئك الذين يعلنون التزامهم بالعمل للقضية الفلسطينية ولكن يخذلّون العاملين ضمن السقوف التي لا يقدرون عليها، كالمسيرات والوقفات امام سفارات الأعداء والعملاء، فيتهمونهم بالمزايدة لا لشيء إلا للتغطية على عجزهم وكسلهم وأهوائهم وخوفهم وتقصيرهم، وتزداد حساسيتهم ويكثفون اتهام المجتهدين بالمزايدة حين يدعوهم هؤلاء إلى رفع سقف النضال من أجل القضية وركوب المخاطر من أجلها، كما يفعل أي داعية إلى الخير ضمن ما يراه خيرا، وكان يكفي أن يقول العاجزون عن المسيرات والوقفات أمام السفارات “لا نستطيع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، فالذي يحاسبهم حقا ليس الذي يدعوهم إلى الخير ولكن الله وحده هو الحسيب الرقيب الذي يعرف دون غيره مقدار الوسع وحدود الاستطاعة. كان يكفي هؤلاء أن يدعوا لمن يعمل بالمستويات العليا للاستطاعة في القضية، لعل الله يعذرهم، أو يفرحوا فقط بأعمال العاملين حتى يأخذوا معهم الأجر، ولا يتهموا الناس في النوايا التي لا يعلمها إلا الله العليم السميع البصير، كان عليهم أن يسكتوا فقط، حتى لا يأثموا!

د. عبد الرزاق مقري

المَسِيرات من أجل فلسطين: الشبهات، أسباب المنع والتخذيل، وعظمة النفع (5)

4 – شبهة “السلاح أو لا شيء”:

لا شك أن القتال في سبيل الله هو ذروة الجهاد ، وبغيره لا يكون التحرير ، ولكن ليس هو وحده المطلوب، وحين يوجب ولا يكون متاحا لا يُعفى المؤمنون من العمل في غيره لذات المقصد، أو مما يدخل في الإعداد له. قبل أن تندلع الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954 كان ثمة نضال وطني وعمل إصلاحي علني لإعداد الإنسان لأكثر من ثلاثة عقود (الإنسان الذي كان قد طحن الاستعمار إرادته بعد فشل المقاومة الشعبية)، ثم إعداد سري للثورة من 1947 إلى 1954. وحين اندلعت الثورة النوفمبرية لم تقتصر على القتال بالسلاح، بل اعتمدت على جمع المال والاشتراكات، والمسيرات والمظاهرات، والعمل السياسي والدبلوماسي، والعمل الفني والغناء والمسرح، والرياضة، وغير ذلك. وذلك شأن كل الثورات ضد الاحتلال في تاريخ البشرية. إنه من حالات التخاذل الخطيرة التي بيّنها مالك بن نبي في مسيرة النهضة وبعث الحضارة الزيادة على الشيء من أجل تمييعه وإنهاء أثره. كالذي يدعوك إلى ما ليس بيدك لكي يصرفك عمّا تقدر عليه، أو كالذي يدعوك بالبدء بالنتيجة لكي يصرفك عمّا يُحقق النتيجة. ومن هؤلاء، أولئك الذين كلما دعوتهم لعمل شيء ما لصالح القضية الفلسطينية، كالمساعدات وجمع المال، أو المقاطعة، أو العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي، أو المسيرات والوقفات، يقول لك أن كل هذا مضيعة للوقت ولا حل مع الصهاينة إلا السلاح.

وفي العادة هؤلاء ضد القضية أصلا فيكون هدفهم التثبيط وتعظيم الحمل لكي تموت القضية، أو أنهم لا يعملون شيئا للقضية فيحاولون تسكين أوجاع ضمائرهم وإعاقة أي عمل بالزيادة غير الممكنة فيه للتغطية على قعودهم وعجزهم.ولو سألت هؤلاء كيف نوصل ما تقصدونه إلى غزة، في ظل الغلق الكامل من الصهاينة والدول العربية يعجزون عن الجواب، وإذا سئلوا هل لكم اقتراحات في ذلك لا يجيبون.وثمة من هؤلاء من إذ جد الجد في ما يَدعون إليه غيرَهم تخلّفوا، ويحق فيهم ما قاله الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: 246] وأتذكر حادثة طريفة قصّها لنا الإخوة من مدينة بجنوب البلاد وقعت في بداية الثمانينات مع أحد مؤسسي وقادة الحركة رحمه الله، من الجنوب ، بالغ أحد الشباب في لومه على عدم إرساله إلى الجهاد في أفغانستان فحاك له سيناريو وهميا لكي يتوقف عن المزايدة إذ أرسل إليه ليلا أحدا يقول له بأن الشيخ محفوظ وصله حرصُك على الجهاد وهو يريدك أن تصعد فورا الى العاصمة ليرسلوك إلى أفغانستان فاضطرب الرجل وأسقط في يده وقدم ألف عذر ثم لم يعد يزايد على أحد. وإني لأظن، من خلال معرفتي ببعض من يثبطون على العمل لفلسطين بدعوى “القتال أو لا شيء” أنهم مثل صاحبنا لو ابتلوا.

والله نسأله لنا ولهم العافية.

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية