يُعدّ مالك بن نبي من أبرز المفكرين الذين اهتموا بموضوع الحضارة ورؤية الاستنهاض الحضاري في العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين. وقد أعددت وقدمت برنامجا مرئيا من خمس وعشرين حلقة عن رؤى مالك بن نبي في مسألة الحضارة تحت عنوان ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور: مع بن نبي”[1]، ثم حولت البرنامج إلى كتاب تحت عنوان “مع ابن نبي: شروط النهضة” ، ونقدم هاهنا مختصرا عن رؤيته في مسائل الحضارة.
لم يكتف بن نبي بتقييم وتحليل ونقد حالة التخلف التي يعرفها المسلمون، منذ مرحلة ما بعد الموحدين، وفق توقيت الأفول الحضاري الذي وضعه واشتهر به، بل قدّم مشروعًا فكريًا متكاملاً لفهم وتتبع نشوء الحضارات وأفولها. وقد مثّل مشروعه الفكري استجابة جادة للتحديات التي واجهتها المجتمعات الإسلامية بعد فترة الاستعمار. لم تخل أفكار بن نبي من تأثره بتجربته الشخصية في الجزائر، ومعارفه الواسعة عن الفلسفة وعلم الكلام في التاريخ الإسلامي، كما كان لاطلاعه الواسع والعميق على الفكر الغربي أثر كبير في إسهاماته الفكرية.
يؤكد مالك بن نبي في مقاربته الحضارية على البون الشاسع بين المجتمعات التي تصنع المنتجات الحضارية من منطلق أهليتها الحضارية واعتمادها في نشأة حضارتها على قيمها التي أودعتها في كل منتجاتها، والمجتمعات التي تكدس المنتجات الحضارية، وتستهلكها بنهم، هي والقيم التي بداخلها، إذ لم يكن لها أي دور في إنتاج تلك المنتجات الحضارية.
وقد ابتكر في هذا السياق تعريفًا علميا للحضارة يعتمد على المقاربة التركيبية، فهو يعدّ المنتجات المادية والتقدم التقني منتج تلقائي للصيرورة الحضارية، ولا علاقة لذلك بالنشأة الحضارية التي لا تكون إلا من خلال التفاعل المحكم والفعّال بين ثلاثة عناصر “الإنسان، التراب، والوقت” حين يدخل عليها المعامل الديني، أو ما يسميه بالفكرة الدينية. وقد عبّر عن ذلك في معادلته الشهيرة: الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت + الفكرة الدينية[2].
تعكس هذه المعادلة رؤيته الشاملة في أنه لا يُكتفى بالنظر في دراسة الحضارات إلى زاوية قوتها المادية وما تتيحه منتجاتها من رفاه للإنسان، ولكن يُنظر أولا إلى القيم الروحية والأفكار الإنسانية المرتبطة بالوحي التي صاحبتها أثناء النشأة، وأخيرا إلى حال المنظومة القيمية التي هي عليها أثناء قوتها وألقها. فالفكرة الدينية في معادلة بن نبي تمثل القوة الدافعة للارتقاء الإنساني، والدليل الموجِّه لكل إنسان في كيفية تثمين الموارد المادية المتوفرة في كل مكان، والموارد الزمنية السائرة في حياة البشر كلهم، والتي لا تنفذ إلا بنفاذ الحياة. فلا تقدم حقيقي ما لم تكن الفكرة الدينية هي روحه، من حيث أنها تمثل المحرك الداخلي الذي يفعّل الإنسان ويمنحه المعنى الحقيقي للوجود، ويقوده نحو العمل والتأثير والتغيير.
لا تبزغ الحضارة، عند مالك بن نبي، إلا من فكرة مركزية تغير الإنسان من داخله، وهو كثيرا مع يكرر الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾[3]، فالفكرة التي تغير الإنسان تغيرا جذريا هي الفكرة الدينية إذ هي التي تعيد تشكيل وعي الإنسان، وتعطيه طاقة روحية عظيمة تهوّن عليه المتاعب والمخاطر، وتمنحه تصورًا للكون والحياة والمصير، وتؤسس لتعاقد أخلاقي بين الفرد والمجتمع، وتوجّه الطاقات نحو مشروع نهضوي مشترك.
وقد مثّل لذلك ببعثة النبي محمد ﷺ، التي اعتبرها نقطة تحوّل حضاري كبرى، إذ لم تكن فقط حدثًا دينيًا منعزلة عن الحياة، بل لحظة تأسيسية لحضارة جديدة بُنيت على قاعدة من الإيمان والوعي والعمل. فالتغيير بدأ من إعادة بناء الإنسان، ثم امتدّ ليشمل النظام الاجتماعي والسياسي والعلمي. وحتى حينما يتحدث عن تاريخ الحضارة الغربية فإنه يعود بأصلها إلى النهضة الكاثوليكية الكارولنجية الجرمانية في القرن التاسع الميلادي، وما الانفصال القائم اليوم بين القيم المسيحية والحضارة الغربية في رأيه إلا تعبير عن مرحلة متأخرة في حياة هذه الحضارة.
يشدّد بن نبي على أن الإنسان هو جوهر العملية الحضارية، ويقدم أوصافا دقيقة للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ونقيضه. فبقدر ما يُشِيد بظاهرة البطولة في تاريخ الرجال الذين ينهضون للدفاع عن حريتهم وثقافتهم وقيمهم، وبدورهم في المحافظة على مصير قضاياهم، فهو يعدّ كثيرا من تلك البطولات في التاريخ ملاحم كملاحم الأوديسا والإلياذة لا توجّه الشعوب نحو مشروع حضاري جماعي بأهداف طموحة وواقعية محددة لا تزول بذهاب الأبطال، وينفي الأهلية الحضارية من جهة أخرى على الإنسان العاجز والكسول، والذي يسميه “رجل القلة” من حيث أنه لا يثق في نفسه، وحيثما توجهه – في أي عمل يريده – يبقى في منتصف الطريق، فهو مشلول الإرادة، عبء على الحضارة لا منشئ لها.
إنما الإنسان المؤهل لصناعة الحضارة، عند مالك بن نبي، هو ذلك الإنسان الواعي المبادر الواثق في نفسه، المتشبع بقيم دينه وثقافته، فشتّان عنده بين “الإنسان الفاعل” الذي يثور على واقعه البئيس ليحوله وفق رؤية حضارية تتوافق مع قيمه، و”الإنسان السلبي” الذي يستهلك منتجات الغير ويعيش في حالة من الكسل الذهني والتقليد.
قسّم مالك بن نبي مسار الحضارة إلى ثلاث مراحل متعاقبة[4]:
يشبِه هذا النموذج في بعض أوجهه فكرة الأطوار الخمسة والأجيال الثلاثة التي يقدمها ابن خلدون في شرح “دورة الحضارة” وقيام وسقوط الدول، ويمكن أن نجعل ما ذكره ابن خلدون عن العدل والخلال الحميدة وأثر الدين في ضمان قوة الدول واستمرارها وتوسعها قريب مما تحدث عنه بن نبي في أثر الروح في نشأة الحضارة، غير أن بن نبي يقدم أطروحة أكثر وضوحا في هذا الشأن.
يرى بن نبي أن أزمة المجتمعات الإسلامية ليست في الموارد أو الإمكانيات، فهو يؤكد بأن الخليقة كلها تعيش على نفس الأرض، وتتعامل مع نفس التراب، والزمن متوفر بوفرة كبيرة لكل الناس، بل المشكلة في الإنسان وفي طريقة تفكيره ومقارباته الثقافية. ويفرّق بين “الثقافة الحية” التي تبني الإنسان والمجتمع، و”الثقافة التكديسية” التي تملأ الأذهان بالمعلومات والمظاهر دون رابط عضوي بينها.
إن بناء الحضارة – وفقًا له – يفرض على الإنسان أن يغير ما بنفسه، بأن يَحدث له تغييرٌ جوهري في بنيته الذهنية والنفسية، ف”يمشي في التاريخ” بنظرة مستقبلية ثاقبة تنطلق من قيمه وأبعاده القيمية والدينية، وذلك ـ كما يقول ـ حين تسجل الفكر في الأنفس ـ فتتغير علاقته بالموارد المادية والزمنية، بما يجعله منشئا لحضارة هي حضارته، وتصبح علاقاته بالحضارة الغربية الغالبة حضارة إيجابية ذات نفع متبادل، بفهم عميق لفلستها وخصوصياتها، دون تقليد أجوف أو تبعية مارقة، بل يتطلع ليرتفع بسموه الإيماني والأخلاقي وبقيمه الإنسانية الإسلامية فوق سطح تلك الحضارة المادية ليرويها ويحييها بعد أن جعلتها المادية والفردانية بلا معني، في حالة جدب أخلاقي يكاد ينهيها، فتكون انطلاقة دورة حضارية جديدة، روحها الوحي القرآني.
طرح مالك بن نبي مفهومًا بالغ الأهمية لفهم أسباب التخلف في العالم الإسلامي، هو “القابلية للاستعمار”، والذي يعني استعدادًا نفسيًا وفكريًا في المجتمعات المتخلفة لتقبّل التبعية والهيمنة[5]. لا يرجع بن نبي هذه القابلية إلى عوامل خارجية فقط، بل يرى أنها ناتجة عن تراكم تاريخي من الانحطاط الفكري، والانفصال عن الفكرة الدافعة، وفقدان المشروع الجماعي.ويُعدّ مفهوم “القابلية للاستعمار” من أكثر المفاهيم التي نبه إليها حتى صارت أيقونة أخرى يُعرّف بها، وهو مفهوم يتضمن من العبقرية والتجديد ما يساعد على فهم أسباب تخلف المسلمين ومعاناتهم، فهو لا يُحمِّل المحتلَ وحده مسؤولية الاستعمار والتخلف الذي يعاني منه المسلمون، بل يكشف أسبابه الداخلية ويوجه المسلمين إلى النظر إلى عيوب كبيرة فيهم، كالنفسية الانهزامية، وعدم الثقة في النفس، والانفصال عن الثقافة الدافعة للعمل، وغياب المشروع الحضاري، وفساد الأذواق، وانطفاء الإرادة، وما يسود العالم الإسلامي من “فوضى في الميادين الفكرية والخلقية أو في ميادين السياسة كنتيجة لذلك الخليط من الأفكار الميتة، تلك البقايا غير المصفاة ، ومن الأفكار المستعارة”[6]. فالتحرر – في رأيه –لا يبدأ من الجغرافيا بل من الإنسان نفسه، من وعيه بذاته، واسترجاع حريته الداخلية.
وقد ساهم هذا المفهوم في نشوء حركة فكرية في العالم العربي والإسلامي، تغوص في أسباب التخلف، تمقت خطاب التبرير وتشجع على النقد الذاتي، تحرر الإنسان من التواكل و”الانتظارية” والاعتماد على المخلص الخارجي، لمواجهة الاستعمار ومخلفاته بإصلاح الذات. فقد بيّن رحمه الله أن الاستعمار لم يكن فقط غزوًا عسكريًا، بل منظومة فكرية وثقافية هدفت إلى إعادة تشكيل الإنسان المستعمَر، ومسْخ هويته، وإدخاله في دائرة التبعية الدائمة، حتى ظل هو ذاته يقبل الاستعمار ويخضع له، وبات واضحا عندئذ أن مقاومة هذا الاستعمار لا تكون فقط بالسلاح، بل بإعادة تشكيل الإنسان من الداخل، وبناء هويته التي تجعله يعتز بنفسه وبلده وينتبه إلى مهاوي الحضارة الغربية رغم غلبتها.
ويؤكد في سياق ذلك أنه رغم الإقرار بتفوّق الغرب المستعمِر علميا وتقنيا، فإن حضارته الغربية التي يريد فرضها بقيمها على المستعمَر قد بلغت مرحلة الغريزة، وإنما يريد الانتقاص من أفكارنا لكي لا نتفطن لمظاهر أفوله، ولهذا يحذّر من أن استنساخ هذا النموذج، دون وعي ببنيته وأزماته، قد يؤدي إلى اغتراب داخلي وتعمق في التخلف من جديد، وبعد أن يتحدث عن الفوضى التي يعيشها العالم الغربي، في كتابه وجهة العالم الإسلامي، يقول: “فإن العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده، بل لا يمكنه في كل حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة”[7] ويشترط لذلك فاعلية الأفكار والحذر من قتل الاستعمار لأفكارنا، مبينا ذلك في كتابه “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”: “فإن المشكلة التي تعترضنا ذات وجهين، لأنه يجب ان نعطي لأفكارنا أقصى ما يمكن من الفاعلية، ومن ناحية أخرى، ما الوسائل التي يستخدمها الاستعمار لينقص ما يسكن من فاعلية أفكارنا؟”[8].
في كتابه الشهير “شروط النهضة”، يضع بن نبي معالم أساسية لصياغة مشروع حضاري إسلامي جديد، من أهمها[9] : تحرير الفكر من الخرافة والجمود والتقليد، استعادة مركزية الفكرة الدينية بوصفها دافعًا للعمل والبناء، نشر ثقافة الانضباط والعلم والعمل واستغلال الموارد، تجويد الأذواق والحس الجمالي، إعادة النظر في الوظيفة السياسية وسلوكيات الساسة، التأسيس لعلاقة عقلانية بين الإنسان والعلم والسلطة، إعادة الاعتبار للزمن كعنصر أساسي في المعادلة الحضارية. فمن شأن هذه المعالم، حسب بن نبي، أن تجعل المسلم قادرا على إعادة بناء نموذجه الحضاري الخاص، واستلهام القيم العالمية المشتركة ضمن رؤية إسلامية أصيلة، بالاعتماد على عناصر قوته الذاتية. فلا ينبهر بالحضارة الغربية العطشاء، بل يستطيع أن ينفعها بإعادتها إلى الرواء من نهر القيم الذي يملك المسلمون منابعه لو ارتفعوا بقيمهم فوق سطح الحضارة الغربية.
إن فكر مالك بن نبي لا يزال حيًّا وملهمًا، لأنه لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يفتح أفق التفكير، ويدفع القارئ إلى مراجعة ذاته وتاريخ أمّته، والسعي لصياغة مشروع حضاري يعيد للإنسان المسلم دوره الفاعل في التاريخ. فقد جمع بين عمق التحليل ووضوح الفكرة، ودمج بين الروحي والمادي في صياغة رؤية متكاملة للنهضة، تجعل من الإنسان نقطة الانطلاق، ومن الفكرة الدينية مصدر الدفع، ومن الثقافة ميدان البناء.
للأسف الشديد عرف مالك بن نبي نفس مصير عبد الرحمن ابن خلدون وربما أكثر، حيث تعرض للتضييق الشديد في فرنسا أثناء دراسته بسبب نشاطه الفكري بين الطلبة، ومُنع من العمل حتى اضطر إلى الشغل في مهن بسيطة من أجل لقمة العيش في بلدية “درو” بفرنسا، ودرّس للمهاجرين في مارسيليا. ولما اكتشف المستشرق ماسينيون عبقريته وقدراته الفذة حاول أن يدمجه في دوائره الاستشارقية مع عدد من المثقفين العرب الآخرين، ولما رأى أن ابن نبي يقاومه فكريا بمستوى متميّز ومؤثر تسبب في أذيته وإيذاء زوجته.
كان تأثر مالك بن نبي بالشيخ عبد الحميد بن باديس كبيرا في السنوات العشر الأولى من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد عدّه رائد النهضة الجزائرية بلا منازع، بسبب دوره الأساسي في الجزائر في إصلاح النفوس وإعداد الأجيال التي تنهي الاستعمار. غير أنه رغم هذا الإعجاب الكبير بابن باديس تشكلت جفوة كبيرة بينه وبين قادة الجمعية حين انتقدهم بسبب مشاركتهم في وفد المطالبة بالحقوق ومحاورة الحكومة الفرنسية جنبا إلى جنب مع السياسيين الجزائريين دعاة الإدماج في فترة الاحتلال الفرنسي، وأصبح، على إثر ذلك، يشعر بأنه يهمش من قبل شركاء العمل الإصلاحي في بلاده. كما تعامل معه جزء معتبر من الحركات الإسلامية الجزائرية، لاحقا بعد الاستقلال، بجفاء كذلك بسبب أنها لم تنسجم مع خطابه في أبعاده الحضارية واكتفائها بالبعد العقائدي في الصراع، وتركيزها على البعد الشرعي في تكوينها دون مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وتكتلات المصالح وتنوع الأفكار، فحُرمت من أفكاره لعقود طويلة، ولم تنتبه إليها إلا حينما تعمّقت في الممارسة السياسية. ولكن نرى اليوم أن فكر بن نبي يعود إلى الساحة ضمن التحولات والتحديات الجديدة، وقد استفادت منه دول، كتركيا وماليزيا، وصارت أعماله الفكرية محل اهتمام ودراسة في الجامعات والمؤتمرات ومراكز الدراسات.
[1] ـ نشر على اليوتيوب في مارس 2024 بشهر رمضان.
[2] مالك بن نبي، مشكلات الحضارة: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص45.
[3]ـ سورة الرعد، الآية 11.
[4] مالك بن نبي، مرجع سابق، ص 66.
[5] شروط النهضة، ص152.
[6] مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصابور شاهين، دار الفكر، دمشق، 2002، ص81.
[7]ـ مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص .138
[8] مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة، دار الفكر، 1981، ص19.
[9] عبد الرزاق مقري، مع بن نبي: شروط النهضة، دار الخلدونية، الجزائر. وانظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص106–128.
يُعدّ عبد الرحمن بن خلدون من أعظم مفكري الحضارة الإسلامية، ومؤسّس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع من خلال نظريته في العمران البشري. جمع بين التجربة السياسية والنظر العقلي، ففسّر نشوء الدول والحضارات وسقوطها وفق سننٍ اجتماعيةٍ ثابتة. اشتهر بنظريته في الأطوار الخمسة للدولة[1] والأجيال الثلاثة[2] التي تنتقل من القوة إلى الضعف، وبمقولته الخالدة “الظلم مؤذن بخراب العمران[3]“التي تُعبّر عن فهمه العميق للعلاقة بين العدل ودوام الملك. ورأى أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب[4] في لباسه وعاداته وفكره، لأنّ الغالب يملك سطوة النموذج والمثال. وفي الاقتصاد، حذّر من فساد الأسواق حين ينافس الحكامُ التجار، واعتبر أن الجباية والترف من علامات انهيار الدول. لقد أقام ابن خلدون فكرًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وصاغ رؤية خالدة في دورة العمران الإنساني لا تزال صالحة لتفسير سنن الحضارة عبر العصور.
لقد اهتم كثير من العلماء بمسألة الدائرة الحضارية للأمم، وبقضية نهوض وسقوط الحضارات، من خلال علم التاريخ القديم والحديث، ولكن يعدّ عبد الرحمن بن خلدون المرجع المؤسس لهذا العلم في البشرية جمعاء.
لقد كان ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، إذ لم يكتف بسرد الوقائع التاريخية كما فعل من قبلَه، بل استخرج منها قواعد السنن الاجتماعية ليفهم الناس أسباب الرقي والتدهور البشري، وقيام وسقوط الدول. فهو يقول في تعريف التاريخ: “في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيَّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتؤدِّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمَّروا في الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق”[5].
حينما تحدث ابن خلدون عن الحضارة، لم يكن المصطلح دقيقًا كما هو اليوم. فقد تناول مفاهيم الدولة، والعمران، والحضارة بشكل متداخل، إلى درجة يُخيّل معها لغير المتخصص أنه يتحدث عن موضوع واحد وأنه يقصد بالحضارة المرحلة الأخيرة في عمر الدولة.
وهذا أمر شائع عند المفكرين الذين يكتبون بزخم فكري، حيث يكون التركيز على المعنى العميق أكثر من تدقيق الألفاظ، خاصة حين لا تتاح لهم فرصة مراجعة مصطلحاتهم أو عرضها في حلقات علمية. لكن بالتدقيق في استعمالاته، نفهم بوضوح الترابط بين المفاهيم الثلاثة. فابن خلدون يرى أن “مقصد العصبية هو الدولة، وغاية الدولة هو العمران، ونهاية العمران هو الحضارة”[6]. فالدولة عنده لا تقوم إلا بعصبية قوية تطلب المُلك، وتغلب العصبيات الأخرى، وخاصةً إذا كانت العصبية الحاكمة قد ضعفت. وحين يستقر المُلك للعصبية الغالبة، يتجه أصحابها إلى تأسيس العمران وتنميته في شؤون الحياة كافة، وهو ما نسمّيه اليوم “النهضة”. يتطور العمران إلى أن يبلغ مستوىً عال من التقدّم الثقافي والاجتماعي والفني، فتنشأ الحضارة التي يراها ابن خلدون في بعدها الاجتماعي والسياسي بأنها قمة العمران والتحكم في الصنائع وأعلى درجات التطور الاجتماعي، وفي بعدها الشخصي بأنها: “تفنّن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش وسائر عوائد المنزل وأحواله”. فإذا أخذت الدولة في الترف وصار ذلك سمة عامة فيها، فسرعان ما ينهار ما شُيّد، ويبدأ الهرم يدبّ في أوصالها، إذ الترف يفسد الأخلاق ويُميت الهمم، ويجلب العجز عن الكسب والمعاش. فإذا رسخ ذلك في النفوس وصار خُلقًا وغريزة، ضعفت الدولة عن الدفاع وسقطت الهيبة، وبدأت في طريق الانقراض..
إن التأمل في أسباب سقوط ونهوض الدول والحضارات، ودراسة ما ذهب إليه العديد من العلماء والمفكرين في تناولهم للموضوع يؤكد أن ما ذهب إليه ابن خلدون يسهم أكثر في فهم أحوال الدول والحضارات. وقد حاولت إسقاط ما توصلت إليه في هذا الشأن في برنامجي “تحدي العبور[7]“، حيث شرحت أن نهوض وسقوط المنظمات والدول والأمم والحضارات يكون على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة يحملها شخص يُقنع بها مجموعة من الأشخاص حوله فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته، ثم يتوصل هؤلاء الأشخاص ومن تبعهم إلى نشر الفكرة في المجتمع بالدعوة إليها وتأسيس تنظيمات ومؤسسات مختلفة ومراكز تأثير تديم نشاطهم وتعمق أثرهم حتى ترسخ الفكرة في المجتمع وتستحكم في مختلف مستوياته وشرائحه، بل يصبح لها أنصار وربما أتباع داخل مؤسسات الحكم، إلى أن تتجاوز في انتشارها وتأثيرها الأشخاص والتنظيمات التي أنشأتها أو دعت إليها، فتنتقل الفكرة ورجالها إلى الدولة، فإن كانت الفكرة صحيحة وأصحابها ذوي قوة وكفاءة تستقر في الدولة ويطول أمدها فتحقق نهضة شاملة في مختلف المجالات الضرورية والحاجية والتحسينية، إلى أن تبلغ منتجات النهضة مستوى عاليا من الرقي والوفرة فتطلبها الأمم الأخرى وتحرص على اقتنائها والتوصل إلى إنتاجها بالمحاكاة والتعلم خارج الإطار الإقليمي لتلك الدولة الناهضة فتتحول نهضة تلك الأمة إلى مستوى الحضارة العالمية”.
يشير ابن خلدون عبر فقرات متناثرة في المقدمة إلى ما يدعم هذا المسار، بأسلوب ومفردات واقعه وزمانه، وبما أن السنن الاجتماعية هي قوانين لا تتغير ولا تتبدل مثلها مثل القوانين الكونية فإن التعمق في شأن السياسة والتحولات الاجتماعية، نظريا وعمليا، يؤدي إلى نفس النتيجة في كل عصر وإنما الذي يتغير هو قواعد العمل السياسي وأدواته ونظمه، وكذا المؤثرات الجديدة وطرائق التدافع الاجتماعي.
يعتبر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الكتاب الأول من الباب الأول أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان مدني بطبعه[8]، فهو في حاجة إلى غيره من البشر لاكتمال حاجته من الغذاء والمدافعة وما تقوم به حياته على العموم، وهذه الحياة المدنية تنشأ عنها واقعات العمران البشري أو أحوال الاجتماع الإنساني التي تتطلب التنظيم الضروري لاستقامة واستمرار الحياة البشرية، فاهتدى إلى ضرورة قيام الملك ( بمعنى الحكم) قبل صنّاع نظرية العقد الاجتماعي بقرون من الزمن عند المفكرين الغربيين، أمثال توماس هوبس وجان جاك روسو وجون لوك، على ما بينهم من اختلاف في الموضوع.
لقد أكد ابن خلدون في الفصل السابع عشر “أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض”[9]، ويؤكد أن الهدف من الملك هو تحقيق مصالح العمران، ويؤكد على موضوع البيعة السياسية ويقاربها في شكلها المتعلق بالمصافحة، ومضمونها المتعلق بالقبول والرضا، بحالة بيع السلع والبضائع، ويعتبر أن التسليم لمُكنة الحاكم يقابلها تكفّله بشؤون الناس، أي أن السلطة تقابلها المسؤولية، فيؤكد أن “من حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك”[10]، ويفصل طويلا في موانع الملك كالظلم والترف في الداخل والعجز عن المقاومة والمطالبة والذلة والانقياد إلى الغير وغير ذلك، ويشرح بكثير من التفاصيل الخلال الحميدة المؤهلة للحكم وعلى رأسها العدل.
ولئن كان ابن خلدون قد اتجه في طريقة الوصول إلى الحكم الوجهة الشائعة في زمانه في كل الأمصار والملل، عبر الغلبة والمدافعة بالقوة على أساس العصبية، فإنه قد أدان تهييج الناس لحمل السلاح على الحاكم المتمكن، خصوصا حين تكون تلك الفتنة باسم الدين ولو كان دعاتها من أصلح الناس، وأكد بأن النجاح في المطالبة بالحكم من عصبية خارج الحكم لا تكون إلا في فترة تكون العصبة الحاكمة في ضعف وتلاش، وقد بينت التجربة صدقية هذه الوجهة الخلدونية، من أن مسألة التنافس على الحكم تحكمها ظواهر سننية، وأن من يظفر بها هو من وضع نفسه في المكان المناسب عند تفاعل تلك الظواهر[11].
فلا يتصور الوصول الفعلي للحكم، مثلا، من خلال الانتخابات فحسب، بل إنما يحسم في ذلك موازين القوة القائمة التي تدخل فيها أشكال كثيرة من القوة الصلبة والناعمة، وحتى الدول العريقة في الديموقراطية تخضع لهذه القاعدة، فالأحزاب المتداولة فيها على السلطة تمثل قوة أشمل مما تكسبه من الأصوات في يوم الانتخابات في كل الأمم. ولئن كان مفهوم العصبية المؤهلة للحكم قد تغير إلى حد كبير فإن مؤداه لا يزال قائما، بأشكال حديثة، وقد شرحت ذلك وذكرت نماذج من العصب المستحدثة في مبحث “العصب المتجددة” في كتابي “الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”[12].
ورغم الآراء غير المنصفة ومحاولات المؤسسات التعليمية والعلمية الغربية التقليل من المكانة العلمية لإسهامات ابن خلدون في هذا المجال، يبقى هو سيد هذا العلم بلا منازع، وعلى فكره وعلمه تتلمذ كثير من الفلاسفة الغربيين.
وثمة علماء وفلاسفة كبار أقروا بتميّز ابن خلدون وبفضله على البشرية في علم العمران البشري وفلسفة التاريخ وأسس نهوض وسقوط الحضارات البشرية. ومن أشهر هؤلاء أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) الذي يُعتبر من أكبر المؤرخين الذين تعمقوا في دراسة الحضارات في موسوعته “دراسة التاريخ”، وأكثر فلاسفة التاريخ إنصافا لابن خلدون حيث ذكر ابنَ خلدون في مواقع عدة في كتابه ومما قاله عنه: “لقد وضع ابن خلدون فلسفة للتاريخ هي بدون مجاملة أعظم عمل من نوعه ابتدعه العقل في أي زمان أو مكان”[13].
وممن أشاد بمكانة ابن خلدون كذلك المستشرق الانجليزي ر.أ. نيكولسون(Reynold A. Nicholson)، الذي قال عنه: “لم يسبقه أحد إلى اكتشاف الأسباب الخفية للوقائع، أو إلى عرض الأسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الأحداث، أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والانحدار”[14]
ويقول بخصوصه المؤرخ والكيميائي الأمريكي البلجيكي جورج سارتون (George Sarton)، الذي له فضل كبير في تأسيس علم تاريخ العلوم كعلم مستقل: ” لم يكن فحسب أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخا كعملاق بين قبيلة من الأقزام، بل كان من أوائل فلاسفة التاريخ سابقا لمكيافيلي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”[15]، كما وصفه روبرت فلنت في كتابه الضخم “تاريخ فلسفة التاريخ”: “أنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجبا مثيلاً له في فلسفة التاريخ …. أما كباحث نظري في التاريخ فليس له مثيل في أي عصر أو قطر… لم يكن أفلاطون أو أرسطو أو سان أوغسطين أنداداً له ولا يستحق غيرهم أن يذكر الى جانبه… لقد كان فريداً ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التاريخ… لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ولكنه وحده الذي أستخدمها”[16]، ويقول وِل ديورانت عن مقدمة ابن خلدون: ” أنها تشكل واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي الفلسفة، فهي إنتاج حديث إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في القرون الوسطى”، ويتعجب ديورانت، في كتابه “قصة الحضارة”، من المستوى العلمي الراقي الذي كان عليه المسلمون، في الوقت الذي كانت أوربا في عمومها تعيش في ظلمات الجهل. ويمكن الرجوع إلى كتاب “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” للكاتب “ساطع الحصري”[17] للاطلاع على زخم كبير من الشهادات عالية القيمة لعلماء ومفكرين كبار وفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد الغربيين منذ تم اكتشاف المقدمة في عشرينيات القرن التاسع عشر، أكدوا كلهم سبق ابن خلدون في تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد[18]
لم يجد ابن خلدون اهتماما بفكره في محيطه، رغم الحاجة الملحة إليه. فقد كانت حالة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المغرب العربي سببا في غياب العقليات والأوعية العلمية والفكرية القادرة على استيعاب عبقريته،فلم يسهم التراث البديع لابن خلدون في التقدم العقلي أو الاجتماعي للعالم الإسلامي بالشكل الكافي، لأن “هذا التراث في ذلـك العصر كان يمثل فكرة لاصلة لها إطلاقاً بالوسط الاجتماعي. فلم يجد لمقدمته موطئ قدم سوى في آسيا الوسطى، في بلاط تيمورلنك في القرن الرابع عشر”[19]. وهناك تعرّف عليه الأتراك في البلاط، فقاموا بترجمة المقدمة وكتاب التاريخ إلى اللغة التركية، ثم تشكل في تركيا تيار خلدوني انبثقت عنه عدة مدارس، من أبرز رموزها حاجي خليفة الذي عاش بين عامي 1774 و1856. وقد تبنت الدولة العثمانية توجهات هذا التيار، فترسخت عندها رؤية خلدونية واضحة.
ثم تعرف العالم الغربي على ابن خلدون بعد أن اهتم به الفلاسفة الألمان عبر اللغة الألمانية. وكان أول من كتب عن المقدمة بالألمانية ثم الفرنسية المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر الذي عاش بين عامي 1774 و1856، وذلك عام 1822 أثناء بحوثه في التاريخ العثماني، إذ تعجب من احتفاء المثقفين والسياسيين الأتراك بفكر ابن خلدون. وبعد ذلك تعرف عليه باقي المستشرقين، وسمي حينئذ بمنتسكيو العرب. وفي منتصف القرن التاسع عشر تُرجمت المقدمة إلى مختلف اللغات الأوروبية، واتسع حضورها في الدوائر الفكرية الغربية.
أما في العالم العربي فلم يُلتفت إلى المقدمة إلا بعد اكتشاف قيمتها من قبل الفلاسفة والمستشرقين الأوروبيين. ومع ذلك لم يستفد العرب منها في الشأن العام إلى اليوم، خلافا للأوروبيين الذين ما تزال دولهم تهتم بها وتستند إلى قوانينها العمرانية. وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون عام 2019 إلى أنه يستلهم من ابن خلدون في الجانب الاقتصادي، في دلالة على عمق تأثير هذا التراث في الفكر السياسي والاقتصادي الغربي.
[1] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص 343.
[2] المقدمة، مرجع سابق، ص 335.
[3] المقدمة، مرجع سابق، ص 477.
[4] المقدمة، مرجع سابق، ص 283.
[5] ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص81.
[6] تحليل من سياقات متعددة في المقدمة.
[7] عرضت البرنامج على اليوتيوب في شهر رمضان عام 2020، ثم توسعت فيه وحولته إلى كتاب باقتراح من د. علي الصلابي، فنشر عن دار الخلدونية بالجزائر عام 2023، ثم عن دار الأصالة بتركيا في نفس السنة باسم الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وقدم له الشيوخ الأفاضل راشد الغنوشي، وعلي الصلابي، والقرة داغي.
[8] المقدمة، مرجع سابق، ص 137.
[9] المقدمة، مرجع سابق، ص 272.
[10] المقدمة، مرجع سابق، ص 277.
[11] عبد الرزاق مقري، الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، دار الأصالة، تركيا، 2023، ص76.
[12] ـ عبد الرزاق مقري، مرجع سابق، 76.
[13] جمعة علم الدين، فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، الهيئة المصرية لصناعة الكتاب، القاهرة، 1991، ص 21.
[14] Reynold A. Nicholson, A Literary History of the Arabs, Charles Scibner’s Sons, New York, 1907, p438. voir: archive.org
[15] أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، بيروت، 1975، ص 134.
[16] نفس المرجع، ص 134.
[17] ساطع الحصري، دراسات عن مقدمة ابن خلدون، دار المعارف، مصر، 1953، ص .249
[18] تم نشر كتابة “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” عام 1953 وصدرت طبعة جديدة عن مؤسسة هنداوي عام 2021 وهي نسخة معروضة الكترونيا للتحميل مجانا في موقع مؤسسة هنداوي: https://www.hindawi.org/books/92914940/
[19] مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصابور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق، 2000، ص 47.
contact@abderrazakmakri.com