المقالات

حينما نتأمل في ما ذكرناه في المقال السابق المتعلق بالأحداث الكبرى التي سبقت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ندرك بأن المطلوب من صاحب الرسالة بذل الجهد لنشر دعوته وركوب كل المخاطر للتمكين لفكرته. فهذا المصطفى المجتبى المؤيد بالوحي قد عمل في السر ثلاث سنوات لبناء القاعدة الصلبة التي يشيد  عليها المشروع، وتقوم عليها الدعوة،  وتنطلق منها الرسالة، ثم خرج للعلن يصدع بما أمره الله مدة سبع سنوات، فلقي هو ومن آمن معه من الصد والإيذاء ما يجعل من يقرأ  قول الله في نبيه: (( إلا تنصروه فقد نصره )) التوبة 40، ((إنّا كفيناك المستهزئين)) الحجر 95، ((إن شانئك هو الأبتر)) الكوثر 3 ، يفقه بأن الوعد بالنصر لا يعفي من الابتلاء على الطريق، حتى وإن كان المعني هو خير خلق الله أجمعين الذي قرن الله  واجب توقيره سبحانه بتوقيره عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقال: (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) الفتح:8-9. ورفع الله ذكره  وشهد الله بالخُلق العظيم بين خلقه.

وحين اشتد عليه الكرب وزاد عليه القهر والصد، في السنة العاشرة بعد البعثة، راح يعرض نفسه على القبائل خارج مكة من غير قريش، فوجد من الأذى عند ثقيف في الطائف ما تزعزعت له الجبال حتى كاد الملَك المتصرف فيها من قبل الله أن يطبق عليهم الأخشبين، وتَتابع إنكار القبائل لحديثه ودعوته،  تصديقا منهم لخذلان قومه له،  ولِما يُروّجه عليه عمُّه “أبو لهب” من الأكاذيب والأراجيف.  وحتى حينما استمال القبيلتين الكبيرتين في السنة الحادية عشرة من البعثة قبيلتي  ” بنو عامر” و “بنو شيبان” اشترط  قادتها شروطا تخالف أمر ربه – كما بيناه سابقا – فتركهم. 

ولئن كان العجب كبيرا أن يبذل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك الجهد فلا يفلح في أي مسلك سلكه في دعوة تلك القبائل كلها، فإن العجب الأكبر أن الظروف التي فتحت له يثرب لم يكن له فيها يد ولا سابق جهد سوى لقائه مع ستة من شباب الخزرج في مكة لم يكونوا ضمن الخطة والبرنامج.

بعد أن غادر رسول الله صلى عليه وسلم، مع صاحبه أبي بكر  زعماء بني شيبان، التقى دون سابق ترتيب ستة من الخزرج بمكان يسمى العقبة،  فلم يجعله لقاؤه السابق مع قبيلة عظيمة وقادة كبار يزهد في الحديث مع  ستة من شباب يثرب ليعرض عليهم دعوته. سألهم رسول الله صلى الله عليه عن قبيلتهم وعما بينهم وبين اليهود من أحلاف، سؤال من يعرف ما يدور في بلاد بعيدة عن بلاده. غير أنه لم يسألهم هو، أو أبو بكر، عن مكنتهم أو قدرتهم على حمله ونصرته، كما كان قد فعل مع القبائل قبلهم، وإنما اكتفى بأن “شرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعضهم: تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا”الرحيق المختوم/ المباركفوري، رجع هؤلاء الشباب إلى قومهم في يثرب فدعوهم فأجابهم كثيرون، وفي العام الموالي، في السنة الثانية عشرة، أقبل على  رسول الله في نفس المكان بمكة اثنا عشر رجلا ، اثنان من الأوس والبقية من الخزرج منهم خمسة من الستة الأول.

 بايع هؤلاء المحظوظون  رسول الله، بيعة العقبة الأولى، وكانت  بيعةٌ لا شيء  فيها عن الجهاد والأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، سميت بيعة النساء ( على ما كانت عليه بيعة النساء لاحقا)،  ورَد نصُّها عن عبادة بن الصامت في الحديث الذي رواه البخاري: (( تعالوا: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فأمره الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال:  فبايعناه  على ذلك)). وكأنّ رسول الله غيّر الخطة، حين أعرضت القبائل الكبرى وقادتها العظام عنه، فبات يبحث عن تشكيل وضع اجتماعي يمثل  حاضنة خاصة بالدعوة، تأتمر بأمره، قد قطعت علائقها مع أعراف الجاهلية بالقناعة الشخصية والالتزام الطوعي بتعاليم الهدي الجديد، والاتباع المستنير غير المشروط، وبالاتفاق مع قادة محليين على فروع صغيرة من القبيلتين الكبيرتين الأوس والخزرج.

بعد أن عاهد الاثنا عشر رجلا رجعوا إلى أهلهم ليكملوا البناء وفق الرؤية الجديدة يرافقهم سفير رسول الله الشاب مصعب بن عمير ( ومعه في روايات ابن أم مكتوم) ليعلمهم شرائع الإسلام ويرشدهم في حركة الدعوة وتهيئة البيئة لبناء الدولة، التي رجع هدفها في خطة المصطفى في السنة الموالية في العام الثالث عشر  من البعثة.

جاء في السنة الثالثة عشر إلى مكة  ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من يثرب قد أسلموا، يقصدون الحج مع قومهم المشركين، واتفقوا مع رسول الله على أن يلتقوا به سرا في ظلام الليل بشعب العقبة في أوسط أيام التشريق، يبحثون معه إنهاء مرحلة القهر والطرد وما كان يكابده رسول الله من قومه في مكة،  فكانت بيعة العقبة الثانية، التي دخل فيها العهد على الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان نص البيعة على نحو ما رواه الإمام أحمد عن جابر قال: ((على ما نبايعك يا رسول الله))،  فقال: (( على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة))، وفي رواية عن ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت زاد: ((ألا ننازع الأمر أهله)).

إن أمر هذه البنود في البيعة لعظيم، ولذلك استوثق بضعة رجال من القوم قبل أن يبسطوا أيديهم، هم عمّ النبي العباس بن عبد المطلب، وهو على دين قومه لم يسلم بعد،  أراد التأكد من جدية أهل يثرب حتى يطمئن بنو هاشم على ابنهم، واثنان من الرعيل الأول الذين أسلموا في يثرب، هما العباس بن عبادة حرص على أن يعلم القوم أنهم “سيحاربون الأحمر والأسود من الناس” إن حملوا رسول الله إلى رحالهم، وأسعد بن زرارة نبههم على أن في إخراج النبي من مكة “فراق العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف”.

لم يكن الأمر يتعلق بدعوة عادية، ولكنه عهدٌ على بناء دولة وبعث أمة ستواجه الأمم كلها برسالتها، وبعد أن عُلمت بنود البيعة، واستعد الناس لتحمّل الأعباء وركوب المخاطر، وعلموا أن المقابل الجنة قالوا: (( فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها))، فصاروا هم الأنصار ودُونت صفتُهم بهذا الاسم العظيم في القرآن والسنة.

إن المتأمل في توالي الأحداث بين السنة العاشرة والثالثة عشرة بعد البعثة يدرك أن الله قد جازى نبيه على خذلان قومه ورفض القبائل الأخرى لدعوته، بعد أن استفرغ الجهد كله في تبليغهم رسالته، طاعةً لمولاه وثقة فيه بأنه لن يخذله،  مصداقا لقوله سبحانه:  ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) المائدة 67، فأكرمه سبحانه بحدثين  عظيمين منه وحده، بحوله وقوته، لا قبل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهما، أولاهما في السماء مع الملائكة والأنبياء، والثانية في الأرض بين الناس في يثرب.

أما الأولى فهي حادثة الإسراء والمعراج، بين السنة الحادية عشرة والسنة الثانية عشرة،   التي ربط فيها الله تعالى التهيئة للهجرة من مكة إلى المدينة لإقامة دولة الإسلام، بالإسراء برسول الله من المسجد الحرام بمكة  إلى المسجد  الأقصى بالقدس،  حيث صلى بالأنبياء، ثم بالمعراج إلى السماء حيث رأى آيات الله الكبرى،   ليبقى الربط بين المساجد الثلاثة ربطا أبديا، يشهد عليه أهل السماء،   يدل على إمامة رسول الله للعالمين في الدنيا وفي يوم الدين.

أما الثانية فهي الأحداث الكبرى في يثرب التي كانت تتهيأ من تلقاء نفسها لتلتقي بالهجرة النبوية، كحالة سننية، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حيالها في المكان المناسب، ولم يكن له في حدوثها أي دور.  وهي معركة بعاث، بين الأوس والخزرج،  التي صنعت نتائجها الفرصة التي أحسن رسول الله استغلالها منذ أن التقى بالخزارجة الستة.

لم  تتوقف الحروب بين الأوس والخزرج منذ مائة وأربعين سنة، وكانت معركة بعاث آخر المعارك،  انتصر فيها الأوس على غير العادة لتحالفهم مع يهود بني النضير وبني قريظة، وهلك في الحرب زعماء الحيين، منهم عمرو بن النعمان زعيم الخزرج، وحضير بن السماك زعيم الأوس. وقد فهمت السيدة عائشة من ذلك تدبير الله لتهيئة الأمر لرسول الله فقالت في ما ورد في صحيح البخاري:   (( كانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا، قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في دُخُولِهِمْ في الإسْلَامِ)) .

أراد اليهود اغتنام الفرصة لاستئصال شأفة الخزرج، وشرعوا يلاحقون فلول المنهزمين، فلم يطاوعهم الأوس لعلمهم بخطورة استفراد اليهود بالقوة في يثرب، وقالوا قولتهم : “يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب”. وبعد الفراغ الذي خلّفته الحرب الضروس  في مختلف المجالات في يثرب، بما يهيئ الظروف لليهود وحدهم،  اتفق رجال من الطرفين  على الصلح واجتمعوا على عبد الله بن أبي بن سلول كما لم يجتمعوا على أحد منهم من قبل،  لقربه من الأوس وعلاقته باليهود، ولكونه خزرجيا عارض الحرب ولم يشارك فيها، وقبيل الهجرة كانوا يعدون له الخرز ليتوجوه عليهم ملكا.   

غير أن أولئك الذين كانوا يسعون لإعادة بناء المنظومة من الأعلى على أعراف ومعتقدات السابقين، لم يدركوا بأن شبابهم، ومنهم أبناء الزعماء الذين قتلوا في بعاث منهم أسيد بن حضير بن السماك،  قد صنعوا واقعا جديدا صار يفرض نفسه من الأسفل، منذ التقاء الستة برسول الله، فبيعة العقبة الأولى ثم العقبة الثانية.

ولما آن أوان الهجرة ودخول محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام المدينة، في العام الثالث عشر من البعثة، يوم الجمعة 12 ربيع الأول، ما يوافق 27 سبتمبر عام 622 ميلادية على عمر يناهز الثالث والخمسين، كانت الفرصة قد ضاعت من عبد الله بن أبي ومن بقي يتبعه من المشاركين، وحين رأى هؤلاء بأن الإسلام قد غلب في المدينة دون حرب ولا اتفاق مع زعيم من الزعماء، وأن إعادة الأمر على ما يرجونه بحرب أو اتفاق غير ممكن، وأن ثمة دولة ناشئة قوية صلبة لا تُغلب، أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ونشأت ظاهرة سياسية واجتماعية وعقائدية غير مسبوقة في بلاد العرب هي ظاهرة النفاق، فصل القرآن في إظهار خصائصها وحذر منها المؤمنين إلى يوم الدين.

ومما يمكن قوله في الأخير أن بناء الدولة كان مشروعا قائما في رسالة  رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثته، حاول أن يحمله معه قومه في مكة فأرادوا له الملك دون الرسالة ثم حاربوه على تمسكه بالفكرة والرسالة، ثم سعى ليتكفل بنصرته قبيلةٌ من غير أهله من أولي القوة والمنعة بين العرب، منهم ثقيف التي أخرجته من الطائف بالحجارة والأذى، ومنهم من أعرض عنه وعيّبه لإعراض قومه عنه، ومنهم الذين قبلوه ولكن اشترطوا عليها شروطا لا يقبلها الله ورسوله، كبني عامر وبني شيبان، إلى أن جاءه من أكرمهم الله به فدخلوا به مدينتهم بعد قرابة سنتين من الحوار والعهود والدعوة والإعداد، وكانت المحصلة ثلاث عشرة سنة، من المسير نحو المدينة، ثلاث سنوات في السر وسبع سنوات في العلن، منها ثلاث سنوات مفاوضات سرية مع القبائل.

وبعد الهجرة شرع رسول الله في بناء دعائم الدولة، ابتدأها بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتمتين الجبهة الداخلية، وبناء المسجد للعبادة والتعليم والقضاء والقيادة، والوثيقة الدستورية لتبيان الحقوق والواجبات وطبيعة الدولة، ثم السوق لتسكين النموذج الاقتصادي الاجتماعي الجديد.      

  

   د. عبد الرزاق مقري

لا يوجد بلد عربي يتمتع بمساحة معتبرة غير مهدد بتفكيك الدولة الوطنية: الجزائر مهددة، المغرب مهدد، ليبيا مهددة، مصر مهددة، السودان مهدد ( مرة أخرى)، السعودية مهددة، العراق مهدد، سوريا مهددة، الأردن مهدد، أما الدول الصغيرة فهي مهددة بالابتلاع . إنها كلها مهددة، ونحن على أعتاب سايكس بيكو جديد، لا قدّر الله، والخرائط الجديدة لبعض الدول مرسومة، وبعضها معلن. وكل حكام هذه البلدان لا يُقصّرون في إخافة شعوبهم من هذه المخاطر، وكل حاكم يوهم شعبه بأن بلده هو البلد الوحيد المهدد، لما يملكه – بزعمه – من خصائص لا توجد عند غيره! وكل الأحزاب والمنظمات التي تريد التقرب من أصحاب القرار يتفنون في تكرار الخطاب الرسمي بخصوص موضوع التهديد. وكل من يريد أن يقول كلمة في نقد أو نصح الحكام في ما يحفظ البلدان حقا من التهديد، أو يعبر عن وجهة نظر أخرى يُرفع في وجهه – من السلطة والأحزاب والأقربين – هذا الشعار: “خطر تفكيك الدولة الوطنية”، وربما يُتّهم بأنه متواطئ مع القوى الأجنبية التي تهدد الدولة الوطنية.وإذا سألت: من الذي يهدد الدولة الوطنية؟فالسمفونية جاهزة: هي قوى خارجية متربصة بالوطن، ولا أحد يعطيك جوابا شافيا كافيا عن سؤال: من هي بالضبط هذه القوى الأجنبية؟ وتارة يتم التلميح إلى قوى هي الأقرب في الواقع لمن بيدهم الحكم، وتتمتع – وأزلامها – بامتيازات لا يعطيها لهم إلا الحاكم، ولا يوجد من يُلاحَق ويُضطهد في هذا الوطن المهدد أكثر ممن يخاصم تلك القوى الخارجية، فعليا، فكريا وسياسيا وبشكل علني. أما إذا سألت عن حال الجبهة الداخلية وعن التحصينات الوطنية: ما الذي، وكيف، ومن الذي، جعلها تضعف إلى الحد الذي جعل الخطر وشيكا؟يقال لك عليك أن تسكت وتلغي رأيك وآمالك وتصطف وراء الحاكم، فلا رواية في زمن التهديد سوى رواية الحاكم! إن وقوع الدول تحت التهديد مسألة قديمة قدم وجود الدول، لا توجد دولة ليست مهددة في التاريخ، ولم تتوقف الخرائط عن التحرك والتغير عبر الزمن، وفي كل زمن يوجد غالبٌ يُغيّر الخرائط لصالحه ومغلوبٌ تتغير على حسابه. فالسؤال الأهم كيف تكون غالبا وكيف تكون مغلوبا؟ إن التهديدات الخارجية حقيقية، وهي طبيعية، والتصدي الجماعي لها واجب،. ولكن: والله الذي لا إلا هو : إنه لا يوجد من خطر يهدد البلدان سوى خطر الاستبداد فيها.كنت دائما أقول في زمن العهد البوتفليقي بأنه لا خطر على البلاد غير النظام السياسي، وكان الكثير يعدُّون حديثي راديكالية، حتى جاء ” الحراك الشعبي المبارك” فأكد جميع من كان يتهمني مقولتي، ثم ظننا أن البلاد ستقوى بعد الحراك فتسقط على أسوارها كل التهديدات الخارجية فإذا بذات السمفونية تعود، وعلى الجميع أن يسكت فلا حديث غير حديث الحاكم وأعوانه وأزلامه. للأسف الشديد حين تُمارس السياسة بلا فكر ولا علم، ويتصدر المشاهد العقول البسيطة أو المحكومة بالأهواء المقودة بالانتهازية تغيب الحقائق وتتوارى المعايير الحقة التي ثبتها العلماء في الحكم على الأحداث والظواهر. إنه لا يوجد عالم من العلماء الكبار الذين درسوا تاريخ ومجتمعات الدول والأمم والحضارات منذ فجر التاريخ إلى الزمن الراهن لم يتوصل إلى النتيجة الحاسمة: إنما تتهاوى الدول والأمم والحضارات من الداخل. بإمكاني أن أستحضر قانون الأطوار الخمسة والأجيال الثلاثة للعلامة العظيم عبد الرحمن بن خلدون في رسمه مسارات قيام الدولة وأفولها، وحديثه عن “جيل الهدامين” في قصور الحكم الذي يُجهزون على الدولة. وبإمكاني أن أتحدث عن المراحل الثلاث ( مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة) للمفكر الفذ مالك بن نبي وكيف تسقط الحضارات حين يقود البلدان نخب القلة العاجزون الذين تقودهم غرائزهم، وباستطاعتي أن أذكر توصيف ويل ديورانت الموسوعي للدول والحضارات التي تغلبها قوى أخرى من الخارج وتبتلعها لما تتآكل من الداخل ، ولكن سأكتفي بتلخيص مفيد لفكرة المؤرخ والفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير أرنولد توينبي، التي تتفرع عن عبارته المشهورة “لا تُقتل الحضارات بعدوان خارجي ولكنها تنتحر انتحارا”
يتبع ….

د. عبد الرزاق مقري

يفسر توينبي نشوء الحضارات من خلال نظريته المشهورة “التحدي والاستجابة”، حيث اعتبر أن الإنسان والأمم والشعوب تتجاوب مع التحديات الخارجية إما بالانكفاء على الذات والتسلح بالماضي وتقاليد السابقين فتضعف وتنضوي، أو تعترف بحقيقة التحدي وتواجهه للتغلب عليه بالإبداع إلى أن تصبح أقوى منه، فتنشأ الحضارات في أي شعب حين يقبل أفراده التحدي، وتسقط حين تتوقف الاستجابة التلقائية للتحديات المستجدة.

ويؤكد أن الاستجابة للتحدي تكون عبر فئة قليلة إبداعية من داخل المجتمع الذي يواجه التحدي يسميها “الأقلية الخلاّقة” (creative minority)، وهي طبقة قيادية ملهمة تتوصل إلى تقديم الإجابات المناسبة للمشاكل والأزمات التي تعترض بلدانهم ثم تتبعهم الأغلبية عن طريق القدرة على المحاكاة (Faculty of mimesis) التي تمثل السبيل الغالب في عملية الانقياد الاجتماعي، وهو ما يمكن أن نسمية “أثر القدوة في صناعة التيارات الاجتماعية”، و في ذات السياق يوضّح أن التأثير الذي تصنعه “الأقلية الخلّاقة” ليس تأثيرا ماديا، ولكن له طبيعة روحية وفكرية عميقة تصنع قوة داخلية خفية جبارة تدفع للإبداع والتفاعل النشط مع المحيط الخارجي.  

ويرى توينبي أن الحضارة تبقى تنمو وتتوسع ما دام ثمة تواتر في بروز “أقلية خلاقة” من قيادة روحية أو نخب ملهمة في كل مرحلة من مراحل الدورة الحضارية تستجيب للتحديات المتتالية، بغرض إعادة بناء الداخل وفق استجابات حضارية جديدة لا تعتمد على الإكراه والتكرار والتقليد، ولكن على المحاكاة المجتمعية الإيجابية التي تضمن توسع المشاركة في البناء الحضاري.

ويبدأ التراجع الحضاري، عنده، حينما تُفقَد النخب المبدعة، وتغيب الطبقات القيادية الملهمة القادرة على الاستجابة للتحولات والتحديات المستجدة ويطفو على المشهد القيادي أقلية مسيطرة، ضمن ما يسميه استبدال “الأقلية الخلاقة” (Creative Minority) التي كانت تتبعها الأغلبية بقناعة، ب ا”لأقلية المسيطرة” (Dominant Minority) ، التي تتشبث بالسلطة والانتفاع بالمزايا الحضارية السابقة دون إبداع وتعمل على فرض نفسها بالقوة بدل الإلهام، وفرض اتباع الناس لها دون استحقاق. فينتج عن ذلك انسحاب الأغلبية وتوقف ظاهرة “المحاكاة الحيوية” (Mimesis)، وبداية بروز فئة من المنشقين (Schismatics) تحاول البحث عن حلول للتحديات، ومنها تحدي مواجهة النخب الحاكمة المهيمنة، فإن كانت تلك الفئة المعارضة مبدعة ومُجددة تتوصل إلى الاستجابة للتحديات  وتؤول الأمور إليها وينبعث فجر  جديد من قلب تلك الحضارة، وإلا يتجه المجتمع نحو الصراعات، التي تعالجها “الأقلية المسيطرة” بالقوة والعسكرة والانضباط القسري، والشوفينية الجوفاء، والاعتماد على  الدين  كطقوس خالية من أي أثر روحي أصيل، وتحويل الطاقة الدينية إلى مؤسسة تابعة لا أثر لها في الفعل الحضاري، و مختلف المؤسسات إلى قشور مؤسسية فارغة غير منتجة.

يؤكد توينبي بأن الحضارات لا تُقتل (من الخارج) ولكنها تنتحر (من الداخل)، ويبدأ التراجع من المركز وليس الأطراف وذلك بتوقف الإبداع لدى النخب، وانطفاء أنوار القيم المؤسسة للحضارة، وانتشار الظلم والقمع، والصراعات والانشقاقات وتشكُّل مجموعات داخلية (Internal Proletariat ( تابعة، سلبية ومهمّشة، ومُقلدة، وغير مشاركة في الفعل الحضاري، ومجوعات خارجية (External Proletariat) على هامش الحضارة تتسم بالفقر والتخلف والحسد والحقد على القوى المهيمنة الظالمة. وفي مرحلة نهاية الدورة الحضارية تحاول الأقلية المتحكمة فرض نموذج سياسي مركزي (Universal State)، يستعمل فيه القانون والمؤسسات لضبط المجتمع، والشرعية القسرية بدل الإقناع والتأثير وشرعية الإبداع والإنجاز، والحفاظ على الاستقرار الشكلي بهيبة الدولة والهالة المؤسسية لمنع التمرد والانقسام، مستشهدا بأمثلة من الحضارات والدول القديمة في فترات انحطاطها، كالإمبراطورية الرومانية، وأسرة الهان الصينية، والخلافة العباسية في بغداد، والامبراطورية المغولية بعد تشكلها. ويؤكد بأنه حين تفشل الدولة المهيمنة عن بعث المعاني الأخلاقية والإبداعية وعن تقديم أي مشروع إنساني، تظهر ملاذات روحية للجماهير غير رسمية، تملأ الفراغ المعنوي الذي تتركه النخبة المتكلسة والدولة المسيطرة، يبحث الناس من خلالها عن معاني روحية قدرية يتشبثون بها أثناء مرحلة الانهيار وعجز الدولة عن تحقيق المعنى رغم قدرتها على التحكم والسيطرة، ويمكن لهذا الملجأ الروحي الجديد أو المتجدد أن يكون بديلا خلاقا للدولة المسيطرة  إذا اعتمد الإبداع والتجديد القيمي فتكون حاضنة الانبعاث الحضاري، أو يزيد الدولة القائمة تكلسا وجمودا ويساهم أكثر في الأفول ونهاية الروح الحضارية. ويضرب المثل في هذا الشأن بالديانة المسيحية بعد انهيار روما، وبروز الصوفية الإسلامية في أواخر العهد العباسي، والبوذية في حضارات شرق آسيا.   

إن التحديات التي تجذب الجزائر نحو الأسفل كثيرة ومتنوعة، مثلها مثل الدول العربية الأخرى، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودولية، سجلتُها في كتاب لم يصدر بعد عنوانه ” ما بعد الحراك” سأنشر بعض فصوله في الأسابيع المقبلة بحول الله،  يقابل كتاب سابق صدر لي بعنوان “ما قبل الحراك: في التيه الحكومي وعن البدائل المنشودة”.

للأسف الشديد  لم تجد هذه التحديات الكبيرة قيادة خلاّقة (Creative Minority) تبدع في الاستجابة لها. ومع استدامة التحديات وعدم رفعها، منذ عقود من الزمن، صارت مشاكلنا معقدة ومهيكلة، تجاوز إمكان حلها الحدود الطبيعية للإبداع. وبسبب غياب القدوات السياسية، لم ينشأ في الجزائر تيار يميل لمحاكاة القادة محاكاة عاقلة مبنية على الثقة (Faculty of mimesis)، ونشأ في المقابل أقلية مسيطرة على الحكم ((Dominant Minority) متشبثة بالسلطة وامتيازات ومنافع الحكم، تستعمل القوانين واللوائح والمساطر والمؤسسات للسيطرة على الجمهور، ومع تعمق السيطرة نشأت مجموعات شعبية ونخب مجتمعية تدور في فلك الحكم  لجأت إلى دوائر الأمان والاستسلام والتقليد الأعمى لخطاب وتصرفات الحاكم والخضوع والرضا بالعيش في إطار الحد الأدني من ظروف الحياة، وما تتيحه السلطات من هوامش ضيقة في مجال الحريات والحركة الاقتصادية والفعل الاجتماعي ضمن حالة عجز كامل عن المشاركة في أي فعل حضاري (Internal Proletariat (، يقابلها فئات شعبية عريضة وطبقات واسعة من النخب انسحبت  من المشاركة  في قضايا الشأن العام وصناعة المستقبل، انكفأت على نفسها تعبر في الدوائر الضيقة المحلية عن سخطها من ظروفها المعيشية الصعبة وعن أحقادها على النخب الحاكمة ومن يساندها. وكنتيجة حتمية برزت مجموعات معارضة لنظام الحكم (Schismatics) متعددة المشارب والتوجهات، أغلبها يعمل خارج الإطار الرسمي. ولم تجد السلطات الحاكمة من حل لمواجهة هذه الأوضاع سوى فرض نمط الحكم المركزي المتشدد القائم على التحكم والسيطرة.

لا يدري إلى أين سينهي هذا الوضع، هل سيبرز من القوى المعارضة أقلية خلاقة جديدة، تحمل مشاريع إبداعية جادة، تصنع تيارا شعبيا متأثرا برؤية المرجعيات الجديدة فيبزغ فجرها ونقيم دولة قوية من الداخل تقهر كل التهديدات الخارجية، أم أن الأقلية المسيطرة ستواصل جرنا إلى الأسفل في غفلة تامة من الأغلبية التابعة النائمة، فيكون انتحارنا داخليا، ونفكك دولتنا الوطنية بأيدينا، ونسقط بإرادتنا جميعا بين يدي القوى الخارجية.    

د. عبد الرزاق مقري

تابعت العديد من التعليقات في الوسائط الاجتماعية عن المسيرات من أجل فلسطين فأحصيت عددا من الأفكار المضللة والشبهات المخادعة بشأنها، متشابهة في العديد من الدول العربية، مصدرها الذباب الإلكتروني للأنظمة العربية المستبدة والخلايا الإلكترونية الصهيونية الذكية، التي تبني مفاتيح خطاب لكل شكل من أشكال الدعم بأساليب معقدة ومتناقضة، ويعينهم في نشرها ويضيف عليها المتخاذلون والمخذّلون والسذج من المسلمين، من حيث دروا أم لم يدروا ، ومن ذلك قولهم: “المسيرات عمل غير قانوني ويجب طلب الرخصة، لا فائدة من المسيرات في دعم القضية الفلسطينية، الصراخ في الشوارع لا يحرر فلسطين، المسيرات تؤدي إلى الانفلات الأمني، المسيرات مزايدات سياسية من تجار القضية الفلسطينية، السلاح وحده هو الحل، جمع المال والإغاثة فقط المطلوب، لكل بلد ظروفه وأولوياته في دعم القضية، موقف الدولة جيد، بلدنا موقفه جيد من القضية فلماذا المسيرات، نترك التعبير في المسيرات لنحافظ على المتاح …” إن كل هذه الشبهات أفكار مضللة نرد عليها واحدة واحدة في المحور الأول، ثم نتطرق في المحور الثاني إلى الأسباب الحقيقية التي تجعل السلطات الرسمية تمنع المسيرات والخلفيات التي تدفع بالمتخاذلين والمخذّلين والسذج لضرب عزائم الأبطال الذين يواجهون المخاطر في الخروج للشوارع تعبيرا عن غضبهم مما يحدث من قهر وتجويع وإبادة لأشقائنا في غزة، وفي المحور الثالث نبين الفوائد الإستراتيجية العظيمة للمسيرات في الشوارع والوقفات أمام السفارات.

أولا – الرد على الشبهات:
يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

في الهجرة النبوية عبر وعظات لا تنقطع، في مختلف المجالات، في العقيدة والإيمان، والأخلاق والدعوة والتربية، والإدارة والتخطيط، والأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وفي الشؤون السياسية والقضايا العسكرية والعلاقات الخارجية وغير ذلك، وكما في كل عام أركز على ملمح من ملامح هذا الحدث التاريخي العظيم في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام أتناول هذا العام مسألة إقامة الدولة كجزء مهم في رسالة الإسلام، التي جاء النبي محمد بن عبد الله يبلغ مجملها عن ربه ويشيد تفاصيلها بسنته وهديه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

لقد كان بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم للدولة، على أساس الفكرة والرسالة التي جاء بها، جزء أصيلا في مشروعه الحضاري الإسلامي الإنساني العظيم، حاول عليه الصلاة والسلام وضع حجر أساسها  في قريش، ثم في الطائف، فالعديد من القبائل، إلى استقر به المطاف في يثرب عبر الهجرة النبوية العظيمة.

قضى عليه الصلاة والسلام السنوات الثلاث الأولى من البعثة يُعدُّ الصفوة من القادة الذين اعتمد عليهم في تبليغ دعوته وبعث أمته وبناء دولته، ثم أمره الله تعالى أن يصدع بما يؤمر، فخرج للعلن يوافي الناس في موسم الحج  “يتبع الحجاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه سأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة” الواقدي.

رغم الصد العظيم الذي لقيه وهو وأصحابه من قريش قدِر  بعون الله على مواصلة دعوته، مستأنسا بحماية عمه أبو طالب ومن ورائه قبيلته بنو هاشم، ومعتمدا على ما كان يجده من سكينة وسند من زوجته خديجة رضي الله عنها.

عندما كثر أتباعه عرض عليه كبّار قريش الملك على أن يترك رسالته فأبى، إذ هو مأمور بتبليغ ما أنزل إليه والتمكين لأمر الله لا لنفسه ولإعلاء كلمة الله، لا ليبحث عن المجد لأهله وعشيرته، ووعده الله تعالى إن فعل ذلك أن ينصره وأن يجعل الكافرين إلى تباب وضلال، فقال له سبحانه في سورة المائدة : (( يا  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67))) .

عكس المصطفى عليه الصلاة والسلام ما عُرِض عليه من المشركين فوعدهم بأنهم إن هم حملوا الفكرة سادوا بها العرب والعجم، فأعرضوا عنه وتمسكوا بشركهم ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي الظالم.

فلما كانت السنة العاشرة توفي عمه وزوجته، فسمي ذلك العام عام الحزن، ولقي منذئذ  من قريش تصعيدا شديدا في القسوة والإيذاء.

حين أدرك النبي الأكرم بأن مكة لم تصبح أرضا صالحة لحمل الدعوة، ولا لبناء الدولة،  بدأ يفكر بما لم تكن مكة تسمح به أبدا، وهو البحث عمن ينصره لدى القبائل القوية خارج مكة، وتغيّر خطابه في مخاطبة هؤلاء، فبعدما كان يكتفي بالقول لهم: (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) أصبح يدعوهم إلى حمايته و نصره في مواجهة إنكار مكة وصدها وتهديداتها، وكان في ذلك يتخير القبائل القوية، ذات العدد والشوكة والمنعة، التي تقدر على تحمل أعباء الدعوة والنصرة وبناء الدولة.

كانت وجهته الأولى الطائف، ذهب إليها قليلا بعد وفاة عمه وزوجته في العام العاشر من بعثته، مع مولاه زيد بن حارثة، وقد اختارها صلى الله عليه وسلم لأهمية موقعها الاستراتيجي  إذ كانت مركزا تجاريا معتبرا وفي طريق الخط التجاري الذي تمر عليه قوافل قريش، وقريبة من مكة، ولكثافة وطبيعة سكانها حيث كانت من أهم قبائل  جزيرة العرب، تسكنها قبيلة ثقيف ذات الكثافة السكانية العالية، وذات الهيبة والمكنة بين العرب والندية بين الناس لقريش في مكة.

غير أن أهلها صدوه وضربوه وأدموا رفيقه زيد وخرج منها يحمل في نفسه همّين، هم الصد والعدوان، وهمّ العودة إلى مكة بعد أن حاول الاستعانة بقوة من خارجها، ولو لا أن أجاره المطعم بن عدي، أحد كبارها، لما استطاع دخولها أو لربما قتل فيها.

رفض رسول الله أن يبقى قابعا في مكة يعيش تحت سقف حُكْمها، وجهل قادتها، رغم ما أصابه في الطائف، فرسالته للعرب كلهم وللناس كافة مصداقا لقوله تعالى في سورة سبأ: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )) الآية 28 ، فراح يواصل اتصاله بالقبائل، يدعو بدعوته العامة للقبائل عامة، ويخص أقواها وأقدرها على حمله بدعوتها إلى نصرته.

لم يكن يعاني من أهله في مكة بسبب الإيذاء والصد فقط بل كانوا كذلك  عبئا كبيرا عليه في دعوة القبائل الذين يُقبل زعماؤها على مكة لأغراض التجارة وعند وفودهم وجهة مكة في موسم الحج، لقد كان أبو جهل وعمه أبو طالب يتداولون على تبخيسه ونشر الشائعات الكاذبة عليه وهو يتحدث مع الناس من غير القرشيين.

جاء في كتب السيرة أنه  كان عليه الصلاة والسلام كلما قال للناس: “يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة”  يقول عمه أبو لهب من ورائه : “لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب” ، فيرد عليه المدعوون بأقبح الرد ويؤذونه قائلين : “قومك بك أعلم”.

ورغم كثرة القبائل التي اتصل بها  لم يستجب له أي منها، ومنها القبائل التي ذكرها المقريزي وغيره، غسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة، وقيس بن الخطيم، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع.

حتَّم عدوان الطائف وملاحقة أهله له أثناء مقابلة الناس، واشتداد إيذائهم له بعد وفاة عمه أن يعود، ابتداء من السنة الحادية عشرة،  إلى السريّة من جديد، فصار يذهب إلى القبائل إلى أماكنهم ليلا، ويأخذ معه أبي بكر الصديق، أعرف الناس بالأنساب ومضارب القبائل وخصائصها وإمكاناتها، حتى يكون مقصده “غرر الناس، ووجوه القبائل”، وأشدهم بأسا وأكثرهم عددا وأصبرهم على الحرب وجلدا عند الكريهة.

رغم الإعراض العام الذي لقيه من عموم القبائل تأثرا بأراجيف قريش وبخذلان أهله، كانت السنة الحادية عشرة من بعثته حاسمة إذ استجابت له ثلاث قبائل، اثنان منها لم تفلح المفاوضات معهم والثالثة أنعم الله عليها فحظيت برسول الله ودعوته.

أما القبيلة فالأولى فهي قبيلة بني عامر بن صعصعة، من أقوى القبائل العربية، على شاكلة قريش وخزاعة، لم تخضع لسلطان ملك من الملوك ولم يأخذ منها حاكم أتاوى، وكانت مُخاصِمة لأهل الطائف فلعلها ترد الفعل بحمل رسول الله نكاية فيهم.

كادت المحاولة مع بني عامر أن تنجح، إذ ظن أحد كبارهم، بَيحرَة بن فراس أنه ” سيأكل العرب بمحمد عليه الصلاة والسلام” فقال له: “أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثمَّ أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ لله يضعه حيث يشاء، فقال له: أَفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونَك، فإذا أظهرك الله: كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه” فتركهم صاحب الرسالة المصطفى المجتبى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

 

وأما القبيلة الثانية فهي قبيلة بني شيبان، الساكنة في شرق شمال الجزيرة على تخوم الفرس. دل أبو بكر الصديق على شأنهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، من أحسنهم أخلاقا وأعقلهم قادة وأكثرهم عددا وأشدهم بأسا، وكان المجلس معهم من أطيب المجالس، والحديث معهم من أحكم ما يقوله السادة والأعيان، فطلبوا من رسول الله أن يشرح لهم إلى ما يدعو الناس، فأبلغهم الرسالة وقرأ عليهم ما  تيسر من  القرآن فاستحسنوا حديثه، وأظهروا قبولهم اتباعه دون أن يشترطوا عليهم شرطا كما فعل بنو عامر.

 تعهدوا له بنصرته على قومه، ولكنهم طلبوا إعفاءهم لو تعلق الأمر بالفرس. تحدث كبارهم وكان آخرهم المثنى بن حارثة الشيباني ( بطل فتوحات بلاد فارس لاحقا) فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفق ما جاء في سيرة ابن هشام: “إنَّما نزلنا بين صريين، أحدهما: اليمامة، والآخر: السَّمامة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذان الصَّريان؟ قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأمَّا ما كان من أنهار كسرى، فذنبٌ صاحبه غير مغفورٍ، وعذره غير مقبولٍ، وإنَّا إنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى، ألا نحدث حدثاً، ولا نُؤوي مُحدثاً، وإنِّي أرى هذا الأمر الَّذي تدعونا إليه يا أخا قريش! مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نُؤويك وننصرك ممَّا يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسأتم في الردِّ إذ أفصحتم بالصِّدق، وإنَّ دين الله – عزَّ وجلَّ – لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتَّى يورِّثكم الله تعالى أرضهم، وديارهم، ويفرشكم نساءهم …”

رغم العرض المغري تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وواصل طريقه يبحث على من سيتشرّف بإيوائه وتوفير الظروف له لبناء دولته.

كانت هذه الجهة المشرَّفة التي قبلته هي يثرب المباركة، وكانت البداية مباشرة بعد فراغه من الحديث مع زعماء بني شيبان، حيث التقى بستة شبان ، كان يمكن أن لا يأبه بهم لصغر سنهم وخلوهم من مقام الزعامة في أهلهم، تعرف عليهم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فأحدث شيئا في قلوبهم تواءم مع أحداث عظيمة كانت تجري في يثرب لا شأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بها.

كانت يثرب تتشكل من ثلاث قوى أساسية: قبيلة الخزرج وكانت الأكثر عددا، وقبيلة الأوس وكانت أقل عددا ولكنها تسكن الأراضي الأكثر خصوبة، وكان بين القبيلتين شنآن وغارات لا تتوقف منذ مائة سنة، وكانوا إذّاك يستعدون لحرب طاحنة أشد فتكا مما سبقها، والقوة الثالثة هم اليهود المحصنون في قلاعهم، المستكفون بحقولهم، المستقوون بأموالهم، المتعالون بتوراتهم المحرفة، وادعائهم قرب ظهور نبي فيهم …

 

.. يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

 

 

 

 

 

كانت سقوف أهداف الكيان وأمريكا عالية جدا في بداية حرب 12 يوما: تدمير البرنامج النووي ووقف منظومة الصواريخ، تغيير النظام.
كانت هذه الحرب بين دولة واحدة وحلف صهيوني غربي علني فيه أقوى دولة في العالم ومع ذلك لم تتحقق الأهداف.
ثمة ما يؤشر بأن الضربات المتبادلة في الأخير كانت ترتيبات وتفاهمات، ولكن في كل الأحوال انتهت الحرب ولم تتحقق الأهداف الأساسية للكيان رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها إيران، والأهم والأهم والأهم: إسرائيل ضُربت في قلبها وكبريائها لأول مرة في تاريخها، ويرى شعبها ( الذي هرب كثير منهم الى الخارج ) ذلك الدمار غير المسبوق.
إن هذه الصورة هي مشهد مصغّر كامل كيف ستكون النهاية قريبا بحول الله.
استراتيجيا : الكاسب هي إيران، والجدال في امريكا وبين الصهاينة حول سؤال هل هزمت إيران أم لا؟ يشرح ذلك.
لو رفعت إيران الراية البيضاء لكانت الخسارة لفلسطين ( بالرغم من أن إيران لم تدخل هذه الحرب من أجل فلسطين) ، ولأمتنا و للعالم كله.
كانت الصين وروسيا حريصين على وقف الحرب في المستوى الذي وصلت اليه لأنهما يعلمان أن أمريكا لم تكسب الحرب، وهذا أمر مهم لهما، وأمريكا والصين وروسيا ثلاثتهم لم يكونوا يرغبون أن تنهار “إسرائيل” لأنه لو طالت الحرب لكانت دولة الكيان هي أول من ينهار.

 

د. عبد الرزاق مقري

ملاحظة: لم تسمح لي الظروف المختلفة ان أكتب مقالا جديدا بمناسبة ذكرى وفاة محفوظ نحناح هذه السنة فذهبت إلى نشر هذا المقال القديم الذي هو  جزء من بحث قدمته في ملتقى الشيخ محفوظ نحناح  في إسطنبول نظمه مكتب الحركة في تركيا يوم 25 جوان 2022  تحت عنوان: “ثنائية المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية” وسيصدر البحث في كتيب في الأيام المقبلة بحول الله.

ولد الشيخ محفوظ في 27 جانفي سنة 1942 وتوفي في 19 جوان 2003. نشأ في بيئة الحركة الوطنية وتحت تأثير الحركة الإصلاحية الباديسية، ووافقه اندلاع الثورة التحريرية وهو شاب في مقتبل العمر فشارك في الجهد النضالي في مدينة البليدة ونواحيها رفقة أقرانه وأصحابه على رأسهم الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله. وبعد الاستقلال انخرط في العمل الدعوي والسياسي لاستكمال عهد الشهداء والمجاهدين ومواصلة مسيرة الإصلاح الاجتماعي فأسس جماعته الإسلامية – جماعة الموحدين – وأظهر معارضته الصارمة للتوجه العلماني الاشتراكي الذي سار عليه الرئيس هواري بومدين، ومن مواقفه الشهيرة رسالته ذائعة الصيت ” إلى أين يا بومدين؟” ضد التوجه الأحادي والأيديولوجية اليسارية. ألقي القبض على الشيخ محفوظ وبعض رفاقه سنة 1975 وقضى في السجن خمس سنوات. وفي فترة الثمانينات ركز جهده على العمل الدعوي وتوسيع دعوته إلى مختلف أنحاء الوطن، وانتهج في الشأن السياسي خطابا وطنيا  ونهجا معتدلا في معارضة نظام الشادلي بن جديد الذي انتهج نهجا أكثر انفتاحا من سابقه، فصارت جماعة الشيخ محفوظ الأكثر قوة وانتشارا في مختلف أنحاء الجزائر.
بعد التحول إلى التعددية السياسية سنة 1989 التي جاءت بها أحداث 5 أكتوبر 1988  حاول الشيخ محفوظ نحناح أن يجسد مقاربته التجديدية لخلق تيار سياسي جديد ” إسلامي وطني” مبني على التقارب بين التيارين الإسلامي والوطني اللذين يجتمعان على أرضية بيان نوفمبر ، والذي جسدته مبادرة “التحالف الوطني الإسلامي”،  والتعاون على نهضة الوطن بين  النظام السياسي المتحكم على المستوى الرسمي والمعارضة الإسلامية القوية في الساحة الشعبية،  رغم الاختلافات السياسية بينهما، عبر تأسيس نظام سياسي ديموقراطي جديد.

غير أن الاستقطاب السياسي الشديد الذي فرض نفسه في أجواء الانتخابات المحلية والتشريعية بين 1990 – بداية 1991، ومخاطر الحرب الأهلية التي تلت ذلك، خصوصا بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أدى بالشيخ محفوظ نحناح إلى تغيير أولوياته، وتسخير جماعته وحزبه الناشئ إلى البحث عن سبل توقيف سيل الدماء والمحافظة على التماسك الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية، ولو على حساب المصلحة الحزبية وركوب المخاطر وما يهدد مصيره ووجوده، فكان موقفه واضحا ضد إلغاء الانتخابات من جهة وضد  استعمال العنف في العمل السياسي مهما كانت الأسباب من جهة أخرى، واستعمل مكانته وقربه من كل التيارات وعلاقاته مع القوى الرسمية وقوى المعارضة لتحقيق المصالحة الوطنية من خلال الحوار ، فأطلق بالاستعانة برجاله ورفقائه عدة مشاريع في هذا الصدد منها: مبادرة المصالحة الوطنية، مبادرة السبعة، مجموعة السبعة + 1، مبادرة السلام الوطني، مبادرة الصلح الوطني. وبعد فشل كل مبادرات التوافق التي أطلقها الشيخ محفوظ أو أطلقتها الجهات المتصارعة، كمبادرة العقد الوطني التي أطلقتها المعارضة، أو مبادرة الندوة الوطنية التي أطلقتها السلطة اختار رحمه الله الرجوع إلى الشعب والدخول في مسار انتخابي الجديد سنة 1995 والذي قاطعته المعارضة في البداية ثم التحق به جلها ابتداء من سنة 1997.
لقد كانت ضريبة إدانة الإرهاب والعنف الذي انتهجته الجماعات المسلحة من جهة وسياسات الهيمنة وأساليب العنف المختلفة التي انتهجتها السلطة من جهة أخرى كبيرة حيث قتل في صفوف الحركة في حدود 400 من أعضائها على رأسهم الشيخ محمد بوسليماني، وتعرض الشيخ محفوظ نحناح نفسه لمحاولةالاغتيال، كما بات رحمه الله المستهدف الأول للتيارات العلمانية المحسوبة على المعارضة وامتداداتها القوية داخل النظام السياسي.
بعد أن قاد الشيخ محفوظ حزبه نحو المشاركة في المسار الانتخابي تغيرت أولوياته، إذ أصبح يرى بأن مشاركته في مؤسسات الدولة هو الأنسب لمصلحة الوطن وللمشروع النهضوي الإسلامي الذي يحمله، فأطلق مقاربة فكرية جديدة تدعو إلى التفريق بين الدولة والسلطة، فيكون الحزب خادما للدولة بالضرورة وفي كل الأحوال، ولكن قد يكون مشاركا في السلطة أو معارضا لها حسب مقتضيات كل مرحلة وما يكون أنفع للبلد والدولة، وفي ذات الاتجاه قام الشيخ محفوظ ببلورة العديد من المفاهيم واهتم بكثير من القضايا الفكرية التي لا تزال الحركة تسير عليها وتطوِّرها مثل الوسطية والاعتدال،  مفهوم الشورى والديموقراطية، المشاركة السياسية، قضايا التنمية والتطور، التعايش، الاحترام المتبادل،  المجتمع المدني، الحريات وحقوق الإنسان، حوار الحضارات، توسيع قاعدة الحكم، التداول السلمي على السلطة، حقوق الأقليات ..
لقد مثل بقاء الدولة بالنسبة للشيخ محفوظ نحناح عنوان بقاء البلد وضامن وحدته وسلامة أهله، وهو ما يُبقي فرصة الاستدراك والإصلاح والنهضة قائمة، وكان يعتقد رحمه الله أن بسقوط الدولة تضيع الوحدة الوطنية وتحل الفتنة والاقتتال والضعف والهوان والسقوط التام في مخططات القوى الأجنبية المعادية للأمة الإسلامية، وعلى هذا الأساس لم يكن يرى الشيخ محفوظ نحناح من حرج في أن يضحي بمصلحة حزبه، وبمكانته وفرصه السياسية خدمة للدولة الجزائرية والمصلحة الوطنية.
غير أن رجال النظام السياسي الذين سكنوا الدولة لم يكونوا في مستوى هذا الأفق العالي للشيخ محفوظ  فتعاملوا معه رحمه الله ومع حزبه وفق مصلحة النظام السياسي وليس مصلحة الدولة، ووفق مصالحهم الشخصية وليس وفق المصلحة الوطنية. فزوروا عليه الانتخابات الرئاسية سنة 1995  التي أظهرت شعبيته العارمة التي كان عليها قبل التعددية الحزبية عبر المهرجانات الضخمة ونتائج الصناديق الانتخابية التي تم قلبها ومصادرتها بالقوة فحرموه وحرموا البلد من قيادته للجزائر نحو نهضتها ، ثم زوروا الانتخابات التشريعية سنة 1997 فحرموه وحرموا البلد من قيادة الحكومة لاستدراك جرم تزوير الانتخابات الرئاسية، ثم زوروا الانتخابات المحلية تزويرا شاملا، وفي سنة  1999 منعوه أصلا من الترشح للانتخابات الرئاسية.
كان بإمكان الشيخ محفوظ نحناح أن يقود قطاعات شعبية واسعة للثورة الشعبية ضد النظام السياسي الذي لم يراع تضحياته وتضحيات حزبه، وحرَمه من حقه، الذي أخذه بإرادة الشعب،  في تسيير البلاد وإنجاز مشروع المصالحة الوطنية وتحقيق النهضة الوطنية وفق ما رسمه في كتابه: ” الجزائر المنشودة” وعبر خطاباته ومصطلحاته السياسية التي أثرى بها القاموس السياسي الجزائري. لم يتجه رحمه الوجهة المتشددة للدفاع عن حقوقه الضائعة حفاظا على البلد، وحقنا لدماء الجزائريين،  ورحمة بالجزائريين المثقلين بأوزار الفتنة التي طال مداها، وإيثارا للمصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية والحزبية.
رغم استئثاره بالحكم وسيطرته على مقاليده كلها، لم يستطع النظام السياسي خدمة البلد، ولم يستفد من تضحيات الرجال الوطنيين الذي بذلوا أنفسهم من أجل إيقاف الفتنة، سواء الشيخ محفوظ ورجال الحركة أو غيرهم، من داخل الدولة وخارجها، فبقيت الجزائر تنتج أزماتها، أزمة بعد أزمة جراء سياسات التزوير الانتخابي والفساد والهيمنة،  و أحيانا كثيرة خدمة للمصالح الأجنبية على حساب المصلحة الوطنية.
لقد أيقن الشيخ محفوظ نحناح رحمه بعد إقصائه المشين من المشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 بأنه لا يوجد شريك له في الطرف الرسمي، وأن النظام السياسي متجه بالبلد إلى ما لا يحمد عقباه، فبدأ يفكر في تغيير سياسته في التعامل مع النظام السياسي، فأخذ يُحدّث المقربين منه بخطاب غير معهود عنه في رأيه وموقفه من النظام السياسي، وبدأ ينظّر لمرحلة جديدة عبر كتاب جديد لم يكتمل ولم يصدر عنوانه ” الدولة وأنماط المعارضة”، لعله كان يبحث من خلاله سبلا جديدة للتعامل مع نظام سياسي استغل الفتنة واستعملها لإعادة إنتاج نفسه، سبلا  لا تؤدي إلى الصدام المباشر مع السلطة الحاكمة وما ينجر عن ذلك من زيادة التوتر في بلد مأزوم ومشتت، ولكن في نفس الوقت بما لا يجعل المسؤولين  يتصرفون في البلد كما يشاؤون دون أن يكون ثمة من يعارضهم ويمنعهم من الإضرار بالدولة وبالبلد. لم يتمكن الشيخ محفوظ نحناح من استكمال بناء منهجه الجديد وتوفي رحمه الله حزين القلب معلول الجسد ولكنهترك وراءه حركة كبيرة باتت محل تقدير واحترام جسدت الخطالقويم في التعامل مع ” ثنائية المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية” وفق ما نسير به الحركة اليوم بعده، استطاعت بعد مرحلة اضطراب، عادة ما تَحقّ بالمنظمات بعد وفاة المؤسس، أن تجيب عن سؤال: وماذا بعد؟ إذ انتقلت إلى المعارضة السياسية وفق نفس النهج القائم على التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية، بما كان يأمله الشيخ محفوظ ويحدث به ولم يطل به العمر ليجسده

لقد استطاعت الطبقات القيادية التي خلّفها الشيخ محفوظ نحناح، التي سارت على نهج المقاومة السياسية، أن تثمن التضحيات التي قدمها رحمه الله، وأن تحول ما ضاع من مصالح حزبية في سبيل المصلحة الوطنية إلى مكتسبات حزبية ووطنية معتبرة ومن ذلك:

– ارتفاع سمعة الحركة ورمزيتها ومصداقيتها لدى الجماهير وفي نفوس النخب السياسية والفكرية والاجتماعية، في المجتمع والدولة، لِما أبانت عليه من جدية ونزاهة وما قدمته من برامج واقتراحات ومبادرات، وبسبب شجاعتها في مواجهة الفساد والرداءة والاعتداء على الحريات، والتزامها أثناء ذلك بالاعتدال والحرص على الاجتماع والتوافق الوطني.

– استقرار الحركة وانتهاء عهد الصراعات الداخلية التي لم تتوقف منذ التأسيس الرسمي، سمحت بالانشغال بالعمل وتوجيه الطاقة لانتشار الهيكلي حيث حقق في ذلك نموا بالضعف، والانفتاح على الطاقات الجديدة حيث أقبل على الحركة موارد بشرية متنوعة خصوصا الأجيال الجديدة من الشباب بأعداد هائلة، وترشح في قوائمنا كفايات وشخصيات مؤهلة وذات سمت أخلاقي  تمثل في حدود 70% من منتخبينا، وامتدت علاقاتنا الخارجية وتمثيلنا وتأثيرها في المنظمات الدولية إلى آفاق لم ندركها منذ التأسيس.

– ما طورته الحركة من أفكار وبرامج خصوصا على مستوى النهج السياسي الذي يرتكز على دراسة السنن الاجتماعية ومقاربة ” المكان المناسب” بتجنب الصدام من جهة ورفض الاحتواء والذوبان من جهة أخرى ومحاولة الاستشراف، والتعامل، بقدر الإمكان،  مع المدخلات السننية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدولية.  والتنظير والتجسيد الميداني لمقاربة التمييز بين السياسي والدعوي بما يؤهل لبناء حزب سياسي عصري همه نهضة الوطن وتحقيق التنمية من خلال الانتخابات والمدافعة السياسية السلمية دون التفريط في مختلف الوظائف الاستراتيجية الأخرى.

– ابتكار أنماط تسيير جديدة ضمن مقاربة ” التخصص الوظيفي” بتوجيه المناضلين إلى العمل الجمعوي والعمل في مؤسسات المجتمع المدني على مستوى الشباب والنساء ومختلف الشرائح والاحتياجات المجتمعية، وإحياء وترقية الوظائف الاستراتيجية الحضارية دون إثقال كاهل الحزب بإدارة تلك الوظائف وقد حققت الحركة في هذا المضمار نتائج كبيرة بحمد الله تعالى.

– وبالنسبة للنتائج الرقمية على الصعيد الشعبي فإن الحركة قاربت النتائج الانتخابية التشريعية الأعلى التي حققتها سنة 1997 من حيث عدد المقاعد والرتبة في البرلمان، مع التفوق على نتائج  تلك السنة من حيث الرتبة الحزبية اذ احتلت الحركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات في 26 ولاية وتأتي بعدها جبهة التحرير التي احتلت المرتبة الأولى في 12 ولاية فقط ثم تأتي بعد جبهة التحرير باقي الأحزاب تباعا، مع فروق جوهرية في الظروف المحيطة ببين الانتخابات في تلك المرحلة وفي الانتخابات الأخيرة حيث كانت الحركة موحدة في انتخابات 1997 ولا ينافسها في محيطها الأقرب غيرها كما هو حاصل اليوم . أما بالنسبة للانتخابات المحلية فقد عادت الحركة إلى النتيجة الأعلى التي حققتها سنة 2007  من حيث عدد البلديات التي تسيرها في حدود مائة بلدية مع التميز في الانتخابات الأخيرة  بتسيير بلديات حضرية كبيرة كبلدية وهران وبلدية عناية وغيرهما . مع فرق جوهري بين المرحلتين حيث لم يكن يشترط للترشح سنة 2007 جمع توقيعات المواطنين في البلديات للتمكن من الترشح كما هو الحال في الانتخابات الأخيرة.

– وكل هذا مع استمرار حالة التزوير الانتخابي التي لولاها لكانت الحركة هي من يسير الحكومة اليوم، وقد قمت بنفسي بشرح البراهين الساطعة عن التزوير لمسؤولين كبار لم يستطيعوا رد تلك الحجج.

 

د. عبد الرزاق مقري

أكتب مرة أخرى في شأن الحرب القائمة بين إيران والصهاينة وأساهم مع غيري في ضبط البوصلة ومعالجة حالة الهيجان الذي تفتق لدى العديد من الأفاضل ضد إيران، بالتشفي والحملات الإعلامية، بما يجعلهم – دون شعور منهم – ضمن البروباغندا الصهيونية في إدارة عدوانها ضد إيران.

ومما يمكن أن أُذَكِّر به مجددًا ما يلي:

أولًا – الرأي في الحرب القائمة بين الصهاينة وإيران كان مبنيًا عند عدد من العلماء والمفكرين والقادة على قناعات سابقة في مسألة الطائفية، القائمة على الدراسات الشرعية والحضارية والفهم الصحيح للأحداث التاريخية في الأمة والتحولات الجارية في العالم. ومع وقوع الحرب وتطور آثارها أصبح هذا الرأي معبرًا عنه أكثر ومجاهرًا به من المجاميع العلمية والفكرية والسياسية المقدَّرة في الأمة، كالأزهر، والموقف الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والإخوان المسلمون وكل الحركات الإسلامية والإصلاحية، بل حتى الدول السنية قاطبة (سواء كانت صادقة في هذا أم لا). فالأمة في المجمل منحازة لإيران في شرق العالم الإسلامي وغربه، ولم يخالف هذا الاتجاه سوى إخواننا السوريين واليمنيين وبعض العراقيين وبعض النخب من الاتجاهات الإسلامية والعلمانية.

ثانيًا – المواقف المعادية لإيران في زمن الحرب محكومة عند كثير من أصحابها بظروف العدوان الذي وقع على أهلنا في هذه الدول الثلاث، وذلك أمر مفهوم ومقدَّر، ولكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون حاكمًا على الأمة كلها، ولا يجب أن تؤثر فينا اعتراضات واحتجاجات إخواننا وأخواتنا (وأكثرهم من سوريا) مهما كان حبنا لهم وتضامننا معهم، ومهما كان قربهم منا والنفع المتبادل بيننا وبينهم، فالحق أعز منهم ومنا ومن أهلنا وأبنائنا.

ثالثًا – إن المواقف المعادية لإيران في الحرب القائمة متأثرة بهذه الحالات الخاصة فلا ينظر أصحابها إلى المخاطر العدائية التي تهدد الأمة كلها بنفس الدرجة، فهي تركز بالمجمل على الخطر “الإيراني الشيعي” أكثر من تركيزها على الخطر الغربي الصهيوني الاستعماري الذي لا يحتل ثلاث دول فقط، على حد قولهم، بل يسيطر على دول العالم الغربي كله وباتت تأخذ من حكامها الجزية جهارًا نهارًا، وخلفية الحملات ضد إيران هي مرافعة منحازة لإقناع المتابعين بعدم مساندة إيران في هذه الحرب دون النظر إلى مآلات وتبعات انهزامها على الأمة.

رابعًا – الذين يُخرجون الشيعة من الإسلام تكفيريون، يخالفون رأي جمهور العلماء وما ذهب إليه عموم علماء السلف والخلف، وهم مع ذلك يؤججون مشاعر الطائفية عند عموم الشيعة ويظلمون شعبًا بكامله في إيران مع ما فيه من تنوع، ويسجلون على أنفسهم موقفًا مشينًا لن ينساه التاريخ. فيتهمون الإيرانيين بأنهم مجوس، وهذا انحراف عن جادة الشرع، وتارة فرس، ولا عيب في أن يكون المسلم فارسيًا، فالفرس أول الشركاء مع العرب في انبعاث الحضارة الإسلامية العظيمة، والذين شيعوا إيران ليسوا فارسيين، بل حكام الدولة الصفوية الأتراك، وعلماء الشيعة العرب.

خامسًا – حتى وإن اختلفنا في التصنيف والحكم على المشروعين الإيراني والصهيوني، فإن الأمر اليوم يتعلق بحرب قائمة، والواجب النظر إلى مآلاتها نظرة شرعية مقاصدية واعية. إنه لا يختلف عاقلان بأن هزيمة إيران تعني التحكم الكلي في المنطقة وتمكين الصهاينة والأمريكان والغرب من رقابنا ونهاية القضية الفلسطينية، وتسلط الاستبداد والعمالة والتطبيع، بل معنى ذلك تحكم المشروع الغربي الصهيوني في العالم بأسره لقرن مقبل، فأي عقل هذا الذي لا ينظر إلى المآل، ويفرض علينا أن لا ننظر إلى المسألة إلا من زاوية ما وقع سابقًا في سوريا واليمن والعراق.

سادسًا – إن موقف الانحياز إلى إيران في هذه الحرب موقف شرعي قبل أن يكون سياسيًا، ونحن بكل تأكيد لا نفرق بين السياسة والشرع، وإلا كنا علمانيين متصارعين على السلطة لا غير.

وثمة قواعد أصولية كثيرة توجب الوقوف مع إيران رغم وجوب معارضتها والوقوف ضدها في القضايا الأخرى المشار إليها، ومنها قاعدة “انفكاك الجهة” التي تعني أن الفعل الواحد قد يكون له جهتان مختلفتان، بحيث يمكن أن يكون مأمورًا به من جهة، ومنهيًا عنه من جهة أخرى، دون أن يكون هناك تلازم بين الجهتين بحيث يستحيل اجتماعهما.

كما أن القرآن الكريم وجه المؤمنين لابتهاج بانتصار الروم على الفرس، وفسر كثير من المفسرين بأن ذلك نصر من الله للروم، بالرغم من أن العداء الأبدي بين المسلمين وغيرهم، هو العداء مع الروم، فقد بدأ ببعث الجيوش لمحاربتهم قبل غيرهم منذ بعث أسامة وغزوة مؤتة وتبوك، إلى يوم الملحمة الكبرى في آخر الزمان، وما بينهما من أحداث كبرى في التاريخ. كما أن الانتصار على البويهيين لم يكن إلا بنهوض دولة سنية قوية وليس بالحروب الكلامية الطائفية كالتي يؤججها بعضنا اليوم، وقبل ذلك تعاون العلماء مع البويهيين في محاربة الروم على نحو ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير وغيره. وأما سقوط الدولة الفاطمية فقد كانت بدايته نجدة نور الدين زنكي للوزير العبيدي الفاطمي شاور ضد الصليبيين وخصومه المتحالفين مع الفرنجة، وقبل أن يحكم صلاح الدين مصر صار هو الوزير لدى الخليفة الفاطمي العبيدي، ولم ينهِ الدولة الفاطمية إلا بعد عملية إصلاحية عظيمة مسنودة بالشوكة السلطانية، وليس بالعجز والكسل ومهادنة الاستبداد العلماني في بلادنا العربية والحروب الكلامية بين الشيعة والسنة.


وبناءً على كل هذا فإن الأولوية في العمل هي إقامة الدولة المسلمة الراشدية (أو على الأقل أن تكون مثل الدول السلجوقية أو الزنكية أو الأيوبية أو العثمانية، التي يذكر أمجادها المعادون لإيران، وهي لا شك مجيدة على ما فيها من ابتعاد عن حكم الراشدين)، وليس المعارك الطائفية داخل مجتمعاتنا بما لا يزيدنا إلا ضعفًا ومهانة. إن هذا الحماس ضد إيران والشيعة المبثوث في مواقف الطائفيين أو المكلومين من ظلمهم، يجب أن يتوجه أولًا لإقامة الدولة المسلمة المستقيمة على شرع الله، وإنهاء تلك الدول السنية العلمانية العميلة التي تخذل فلسطين وتتآمر عليها وتحاصر غزة، والتي يقبع تحت سلطتها ويأتمر بأمرها بعض الإسلاميين الذين يهجمون على إيران في هذه الحرب.

سابعًا – إن الذين يتكلمون عن المآسي التي حدثت في سوريا واليمن والعراق لا يفرقون بينها ولا يغوصون في أسبابها ولا يحملون المسؤولية إلا للجهات المسنودة من إيران، فاحتلال العراق كان بتحالف استعماري أغلب دوله من السنة، فمصر والدول الخليجية السنية هي كذلك التي سلمت العراق مع الأمريكان إلى الإيرانيين، والخذلان والتآمر الذي تعرض له العراقيون من الدول السنية سبب رئيسي لضعفهم، ولهذا السبب انخرط السنة في العراق في العملية السياسية التي يتحكم فيها الشيعة، وبعض القوى السنية اليوم هي حليفة للقوى الشيعية وهم مع إيران في الحرب القائمة. وأما اليمن فإن المؤامرة الكبرى التي وقعت ضد اليمنيين (شوافع وزيديين) هي من السعودية والإمارات، وخطأ بعض الذين يحملون على إيران في حربها ضد الصهاينة أنهم عجزوا عن معالجة المشكلة اليمنية في بداياتها بالحوار الوطني الداخلي، وكان الأمر ممكنًا على ما ذكره لنا من نثق بهم من الفلسطينيين، فهم الذين لعب بهم السعوديون وحاربهم الإماراتيون، وفككوا قوتهم ومزقوا شملهم وضربوا وحدتهم، وقد صاروا اليوم سجناء تحت سلطة السعودية لا يستطيعون مخالفتها في شيء، فهم ضحايا خياراتهم الخاطئة.

وما الحوثيون إلا منتج من منتجات سياسة علي عبد الله صالح والسعوديين المكرة، لم يكن لهم شأن من قبل البتة، فالأرضية التي سمحت بدخول الإيرانيين في اليمن صنعها السعوديون والإماراتيون وغفلة أحبائنا. أما القضية السورية، الجرح الدامي والمظلمة التاريخية العظيمة، فإن للدول السنية مسؤولية كبيرة في خذلان وتفتت المقاومة السنية، غير أنه ما يلفت الانتباه في القضية السورية هو سكوت الذين يريدوننا أن لا نُسند إيران في حربها ضد الصهاينة على أحمد الشرع في حواره وتكتيكاته ومهادنته للروس، وتغاضيهم عن التعاون السوري الروسي القائم والتفاهمات التي وقعت معهم بخصوص وجودهم وبقاء قاعدتهم العسكرية، وكذلك تفاهمات الحكومة السورية الجديدة مع ترامب والتنازلات التي قُدمت من أجل رفع العقوبات. أليست روسيا هي صاحبة البراميل المتفجرة والقتل الجماعي للسوريين؟ أليست أيديهم ملطخة بدماء أطفال غزة؟ فإن قيل إن تلك سياسة شرعية، فلماذا لا تنطبق على الإيرانيين؟

ثامنًا – لا أريد أن أتوغل كثيرًا في ذكر الشواهد الكثيرة من التاريخ الدالة على أن المآسي التي وقعت في سوريا والعراق واليمن هي شأن سياسي أُستُعمل فيه الدين، ولو كنا صادقين لكان اعتراضنا على الأنظمة التي تنتمي إلى العالم السني لا يقل صرامة عن اعتراضنا على إيران، فالذي يعمل على مسخ الدين ونشر الفساد والإلحاد والمجون، ويسلم البلد للاستعمار الأمريكي الغربي، ويعطي الجزية للأمريكان، ويحاصر غزة ويتحالف مع الصهاينة ضد فلسطين، هي الدول السنية وخاصة العربية، تلك الأنظمة التي يسعى كثير منا للتقرب منها ومهادنتها وتجنب معاداتها والسعي إلى نصحها بالتي هي أحسن، بالرغم من أن التجارب المتكررة دلت بأنه لا مجال لتحقيق ذلك، واسأل في ذلك به خبيرًا، وبعضها أبان عن مروق عن الدين بواح ومجون لا حد له وعمالة غير مسبوقة في التاريخ.

تاسعاً – وبالإضافة إلى كل ذلك يجب أن ننتبه بأن المشروع الإيراني التوسعي انتهى بالضعف الشديد الذي أصاب الجناح الذي يمثله، منذ بضع سنوات، ونحن الآن في مفترق الطرق: إما أن ندخل على الشأن الإيراني بالدعم والنجدة كما فعل نور الدين زنكي وشيركوه وصلاح الدين مع الفاطميين لنجعلها في دائرة الأمة، وتركيا تستطيع أن تفعل ذلك لو أرادت ولو استجابت لنصائحنا، على شاكلة ما عليه في هذا الشأن باكستان، نوعًا ما، أو نسلمها للمشروع الغربي الصهيوني إن انهزمت، أو نجعلها إذا خرجت من الحرب سالمة ترتمي في أحضان المشروع الروسي والصيني وهي تحمل أحقادًا عظيمة ضد من خذلها من المسلمين.

وفي الخاتمة أقول لأصحاب المواقف المتشددة ضد إيران، بأن رأيي هو وجهة نظر بكل تأكيد، ولكني موقن به أن دعم إيران في الحرب القائمة هو العمل الصالح الذي نتقرب به إلى الله، ولا يمنعنا من ذلك إلا التعصب الطائفي، الذي قد يكون خفيًا لا ينتبه إليه صاحبه، أو التأثر العاطفي حين لا تلجمه نظرات العقول ومقاصد الشرع العظيم، أو عدم إدراك المآلات والتداعيات، أو المصالح والولاءات التي نسجتها الظروف من حولنا.

لا شك أن معرفة الحق واتباعه ليس بالأمر الهين، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأى الغيب رأي العين، كان يدعو في أشرف الأوقات في افتتاح قيام الليل بهذا الدعاء: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).

فكيف بنا نحن الذين اُمْتُحِنَّا بالغيب؟!

فالله سبحانه، نسأله أن تمنّ علينا بمعرفة الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن تكرمنا بمعرفة الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
آمين,

د. عبد الرزاق مقري

ما إن اندلعت الحرب بين جمهورية إيران الإسلامية ودولة الكيان حتى اندلعت معها معركة كلامية حامية الوطيس في العالم الإسلامي، وذهب الناس في هذا الأمر ثلاثة مذاهب، منهم من اندفع بلا تردد يدعم إيران، وهم غالبية المسلمين من عموم الناس وكثير من النخب نشرح توجهاتهم في آخر المقال، ومنهم من وقف مع الصهاينة متمنيا هلاك إيران وهلاك المقاومة الفلسطينية بعدها وكل ما يمت بصلة لقوى الإحياء الحضاري للأمة، وهم عملاء الكيان وأمريكا من الحكام والساسة والعلماء والنخب المستلبة حضاريا المنخرطة في المشروع المارق المسمى “البراهمية” والتطبيع و بناء ما يسمونه ” الشرق الأوسط” على ما يريده الاستعمار الغربي الصهيوني، وهناك فئة ثالثة اختلط عليها الأمر، يريد أصحابها هلاك الكيان ومعه هلاك إيران، ولم يتبين لهم ما هي الكفة التي يريدونها أن ترجح، كلما ابتهج المسلمون بالضربات الموجعة التي توجهها إيران للكيان ينزعجون خوفا من أن يكون في ذلك نصر للإيرانيين، وكلما توجهت الضربات المؤلمة لإيران يُخفون ابتهاجهم خوفا من أن يُتهموا بأنهم يساندون الكيان، فترتفع أصواتهم بالدعاء: “اللهم أضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين” في حالة انتظارية غير مجدية وعجز شديد من فعل أي شيء يسلم به المؤمنون، و ينهض به المسلمون بعد أن “يفني الظالمون بعضهم بعضا”! ومن هؤلاء من لا يمكن لومهم، وهم الذين اكتووا بعدوان وإجرام القوى والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، في سوريا والعراق واليمن، إذ مآسيهم المحلية لا تسمح لهم بالارتفاع إلى النظرات الكلية، وأي منا قد يكون له نفس الموقف لو مر  بتجربتهم المفزعة، ولكن ثمة آخرون على ذات الموقف من النخب السياسية والعلمائية، بعضهم طيبون متوقفون عندما وصلت إليه دراساتهم الشرعية والتاريخية لا يقبلون النقاش بخلافها، وبعضهم صادقون سذج ينقصهم الفهم والاطلاع على القضايا الجيوستراتيجية والتدافعات الحضارية العالمية، وما يُرسم من خرائط جيوسياسية مستقبلية، وبعضهم يحكمهم النَّفس الطائفي، بتأثير من توجهاتهم السلفية أو بيئتهم السياسية والاجتماعية والفكرية.

إن المتمعن  في تطورات الحرب الإيرانية الصهيونية يفهم بسهولة بأنها مصيرية ليس للكيان وحده بل لإيران وفلسطين والأمة الإسلامية قاطبة والعالم كله، ولا يمكن لصاحب رسالة أن يكون حياديا بشأنها، وما يساعد على فهم ذلك أبعاد عديدة منها:   

الأبعاد السننية الربانية:

يعلم عدد من قادة المقاومة وقادة التيار الإسلامي بأنني لم أكن من المتفاجئين بطوفان الأقصى، فقد وصفته لهم كما وقع ودعوت  إليه دون أن أسميه ودون أن أعرف ما سيكون اسبوعاً قبل وقوعه، والذين حدثتهم بتفاصيل ما يجب أن يكون بشأن القضية الفلسطينية وواقع الأمة الإسلامية قبل السابع من أكتوبر بعضهم استشهد وبعضهم لا يزال على قيد الحياة،  يشهدون بما ناقشته معهم بهذا الخصوص.

كنت أقول لهؤلاء بأن الأمة وحركاتها الإصلاحية قد خسرت كل شيء بخصوص مشروعها الحضاري، ففلسطين في طريق التصفية في كل ملفاتها، والحركات الإحيائية خرجت من الفعل، فهي إما مستأصلة من قبل الاستبداد أو قابعة تحت سقوفه،  وبعض قادتها قبلوا الاندماج في بيئة الاستبداد خوفا منه أو طمعا في ما يمنحه لهم من مصالح، ولو كانت مجرد اعتراف بوجودهم ووجاهة شخصية في بيئتهم ، ولا بد حيال ذلك من قلب الطاولة على الجميع لإعادة بناء التوازنات،  ولا يكون ذلك إلا بعمل مقاوم في فلسطين غير مسبوق، يفسد مخططات تصفية القضية ويحرك العالم العربي والإسلامي ويبعث مشروع الاستنهاض الحضاري من جديد، ويربك الهيمنة الأمريكية الغربية الظالمة.

وحينما حدث طوفان الأقصى، قلت  في أسبوعه الأول بأننا نعيش ” حالة سننية”، من الحالات التي تأتي في زمن يتغول فيه الظلم إلى درجة التربّب ويستكين المظلوم ويستسلم، فتغير تلك الحالة الموازين فتكسر الظالمين وتظهر ضعفهم، وتعطي في المقابل فرصة للمظلومين لعلهم ينتفضون ليدافعوا عن أنفسهم وعن قضاياهم.

إن الحرب الإيرانية الصهيونية هي نتيجة من نتائج الطوفان وإفرازاته، تماما كما هي الأحداث التي وقعت في سوريا، وما يحدث في العالم من تحولات عميقة على مستوى الرأي العام والتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية في العالم، علاوة على الصمود الذي يتجاوز المعقول لدى الشعب الغزاوي، وبطولات المقاومة الخارقة.

فطوفان الأقصى لم يأت كمعركة عادية مع الكيان، ولكنه تحول سنني يحرك الأحداث الكبرى في فلسطين وإقليميا ودوليا نحو  نهاية الكيان ونهضة الأمة الإسلامية. وضمن هذا المآل يجب وضع الحرب القائمة بين إيران والكيان، فهي حرب مباركة من بركة فلسطين وطوفان الأقصى، ولا يمكن أن تنتهي إلا لصالح المسلمين، كل المسلمين بكل طوائفهم التي تنتمي لملة المصطفى عليه الصلاة والسلام .. مهما كانت الخسائر التي يتكبدها الإيرانيون.

التحولات الداخلية الإيرانية:

لا يدرك الغارقون في الفكر الطائفي ما وقع من تحولات عميقة في إيران قبل حدوث الطوفان،  حيث أن مشروع المقاومة الذي اعتُقد أن الإيرانيين كانوا يأخذون منه شرعية كبيرة  للتمدد في المنطقة قد انكسر وتراجع داخل إيران ذاتها، وقد عبّر عنه صعود الإصلاحيين المفاجئ في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي اضطرّ المرشد العام إلى التأقلم معه كأمر واقع.  والإصلاحيون تيار قوي سياسيا، تسنده شبكة “البازاريون” الذين يتحكمون في جزء كبير من التجارة والاقتصاد الإيراني، ومعه شبكة كبيرة من المفكرين ونشطاء المجتمع المدني، يتفقون كلهم على مخطط انكفاء إيران على نفسها، والعمل لكي تتحول إلى دولة ذات مشروع قومي، على النمط التركي، صاعدة اقتصاديا وعلميا وعسكريا غير منخرطة في المواجهات الإقليمية، ومتحالفة مع القوى الدولية الصاعدة.

لقد أدرك المحافظون خسارتهم داخل إيران فحاولوا حماية خط المقاومة خارجيا من التحولات الجارية داخل دولتهم،  ولكنهم فشلوا في ذلك بسبب الاختراقات الداخلية التي قضت على السليماني وكانت سببا رئيسيا في الخسائر التي تكبدها حزب الله في حربه ضد الكيان  دفاعا عن غزة، وخصوصا عند استشهاد زعيمه نصر الله، الذي كان زعيما روحيا لخط المقاومة الذي يسنده المحافظون كله.

لقد كانت نتائج المواجهة في لبنان لصالح التيار الإصلاحي لو تركهم الأمريكان والصهاينة في حالهم، ولكن لم يكن لهذه القوى الاستعمارية أن تسمح بنهضة إيران دون أن تنزع مخالبها وسيادتها – ولو قررت الانكفاء على نفسها –   فلا بد من إخضاعها بالقوة  لكي تكون بعد هزيمتها دولة تابعة بلا سيادة كما هو شأن الدول العربية في العالم السني.

لقد دفعت السياسة الأمريكية والعدوان الصهيوني إيران إلى اجتماع  كل قواها ونسيان خلافاتها لتدافع عن نفسها، ولكي تفشل  العدوان والمخططات الأمريكية. ولو تضامنت الدول والشعوب السنية مع إيران لثبّتت مشروع رجوع إيران إلى حجمها في الأمة والانكفاء على نفسها كجزء من العالم الإسلامي وقوة المسلمين، بما يسمح بالتعايش والتحالف معها لصالح الإسلام والمسلمين،  ولكن الخيانات التي وجدتها من الدول التي تشارك في  اعتراض صواريخها سيكرر تجربة التصلب الإيراني بعد بدء الحرب ضدها من قبل صدام حسين المسنود آنذاك من الدول الخليجية، وذلك الذي يعمل كثير من الواعين حضاريا الصادقين في مواقفهم على منعه بالعمل لوجه الله تعالى لتكون الأمة الإسلامية كلها إلى جنب إيران ضد الصهاينة.

لا شك أن إيران ستتلقى في الحرب القائمة ضربات موجعة وستتكبد خسائر عظيمة لن تتعافى منها بسهولة ولكن يجب عليها أن تُفشل أهداف العدوان المتمثل في وقف برنامجها النووي وتدمير صواريخها الباليستية وتدمير دولتها، ولكي لا تُسلّمَ إيرانُ بعد ذلك كلها إلى نخب علمانية عميلة للأمريكان والصهاينة فتكون أشد على العرب والمسلمين وعلى فلسطين من الأنظمة العربية الخائنة لله ورسوله والمؤمنين المشاركة في حصار غزة والتآمر على المقاومة. وأنا أتعجب حقيقة من بعض من يحسن الحديث عن فقه الأولويات والمقاصد والقواعد الشرعية، خصوصا قاعدة انفكاك الجهة، كيف يعميهم التعصب فلا يبصرون المآل لو انتصر المخطط الأمريكي الصهيوني في إيران، أتعجب حقيقة كيف يجهلون وقوف علماء كبار من المذاهب السنية مع حكام روافض في بعض حروبهم ضد الروم، وتشجيعهم على قتالهم، ذكرهم بذلك ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” الجزء الحادي عشر ، كالفقيه أبو بكر الرازي الحنفي، وأبو الحسن علي بن عيسى وابن دقاق في دعمهم للحاكم البويهي باختيار عز الدولة بن معز الدولة مؤسس الدولة البويهية الشيعية التي احتلت بغداد وتسلطنت على الخلافة العباسية.

لو استطاع الكيان أن يدمر قوة الرد الإيراني من الضربة الأولى لحقق الأهداف المعلنة مبكرا،  ولكن تلقيه ضربات صاروخية إيرانية متتالية في العمق الإسرائيلي وتدمير عدد كبير من المقرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتدمير هائل للبنايات والمؤسسات العلمية والاقتصادية، كما لم يحدث منذ تأسيس الكيان، قد يتيح لها هامشا للأمان في مواجهة الحلف العالمي الصهيوني الغربي العربي ضدها بما يجعلها تستمر كدولة تحاول بناء نفسها من جديد بعد الحرب.

إن طاقة الصمود متوفرة عند الإيرانيين أكبر مما لدى الإسرائليين، وذلك بسبب فروق مهمة لصالح إيران تتعلق بالجغرافيا وعدد السكان، وخبرة واستعدادات تحمل أعباء الحرب ومشاهد النار والدمار  والقتل في المدن والقرى الصهيونية . مع حسبان التطور المهم الذي وقع في صعوبة التدخل الأمريكي المباشر لصالح الكيان، وما يتعلق بتوريد السلاح والمعدات لصالح ايران من قوى شقيقة وصديقة لأسباب جيوستراتيجية.

التحولات الجيوستراتيجية الإقليمية والدولية.

لم يكن العالم أقرب إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة كما هو الحال مع هذه الحرب الإيرانية الإسرائيلية، فرغم أبعادها العدائية المعلومة بين البلدين يمكننا القول أنها تحولت إلى حرب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، بين أمريكا والغرب من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، وهي تطورات في صالح إيران ولا شك، وسيجعل ذلك أمريكا تراجع دعمها المباشر للكيان خوفا من أن تتورط في حرب عالمية تضعف الرؤية الاقتصادية التي يؤمن بها رئيسها ترامب وتورطها في حرب برية ستخسرها من جديد كما خسرت في الصومال وأفغانستان والعراق من قبل. غير أن الغياب الإسلامي العربي في هذه المواجهة وقوة اللوبيات الصهيونية في الصين وروسيا لصالح الكيان يجعل تفاؤلنا نسبيا.

لقد انخرطت إيران منذ سنوات ضمن المحور الصيني الروسي المعادي لأمريكا، وقد تم إدماجها  في منظمة البريكس وهي منظمة تعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي في مواجهة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وتم إلحاقها كذلك بمنظمة شنغهاي، وهي منظمة أمنية تأسست لمواجهة القوى الأمنية العسكرية الغربية الأمريكية، فصارت الصين وروسيا أقرب إلى إيران من أي دولة عربية وإسلامية أخرى، وقد قدمت إيران لروسيا مساعدات عسكرية معتبرة في حربها مع أوكرانيا ولا يمكن لروسيا أن تغفل عن أهمية مساعدة إيران بشكل ما  في مواجهة العدوان الاسرائيلي الذي هو عدوان أمريكي بالأصالة، كما أن هزيمة إيران وسقوطها في حضن المعسكر الغربي يمثل خطرا على خطوط التوريد الصينية و مشروع الطريق  والحرير ويضعف رؤية الصين للتحول من الأحادية القطبية الدولية الأمريكية إلى التعددية  القطبية الدولية التي تنتهي فيها الهيمنة الأمريكية على العالم.

ومما يجب ملاحظته التطور المهم الذي حدث في السياسة الخارجية الباكستانية، من ناحية أن باكستان أدركت بأنها تتعرض لتهديدات كبيرة من دولتين حليفتين للولايات الأمريكية المتحدة، هما الهند التي تجرّأت على انتهاك الأجواء الباكستانية وقصف مواقع في داخلها وقتل عدد من السكان، والكيان الصهيونى الذي صرح زعيمه المجرم نتنياهو بأنه بعد إنهاء الدور الإيراني سيتجهون إلى إنهاء دور باكستان وتدمير سلاحها النووي.  

لقد أدى هذا الإدراك الباكستاني إلى تعميق تقاربها التقليدي مع الصين في مواجهة الخصم الهندي القديم المشترك، والاعتماد على السلاح الصيني ضد السلاح الأمريكي الأوربي الذي تملكه الهند، وذلك رغم علاقاتها الوطيدة مع الولايات الأمريكية المتحدة. وضمن هذه التحالفات الجديدة ضد الهيمنة الأمريكية أظهرت باكستان علانية تأييدها لإيران وباتت الأخبار التي تفيد بوجود عمليات توريد السلاح والمعدات الحربية من الصين وروسيا عن طريق باكستان غير خافية عن المتابعين، وذلك لا شك سيعين إيران على صمودها في مواجهة الجبهة الداخلية الإسرائيلية المتداعية.

إن هذه التحولات الإقليمية والدولية توفر هوامش مهمة وفرصا ثمينة لنهضة المسلمين، وستتعزز هذه الهوامش والفرص لو خرجت إيران سالمة من هذه الحرب القاسية، ولا نقول هذا من منطلق  العاطفة والاندفاع ما دامت إيران تواجه إسرائيل على نحو ما هو عليه كثير من المساندين لإيران دون النظر إلى أخطائها الجسيمة ومشاركتها المباشرة في جرائم المليشيات الشيعية في سوريا مثلا، ولا نقوله بدافع التقارب الفكري والسياسي والمصلحي مع إيران كما هو حال بعض من نعرفهم في العالم العربي،  ولكنه رأي طائفة من الواقفين معها على أساس رؤية شرعية حضارية كبيرة تقوم على المسلمات التالية:

– تعاضد المسلمين ونصرة بعضهم بعضا واجب شرعي لا تقف أمامه التوجهات الطائفية التكفيرية، وشيعة إيران مسلمون عند جمهور العلماء، ولا عبرة بغلاة الشيعة المارقين عن الدين عندهم الذين هم أقلية، على نحو ما هم عليه أقلية غلاة السنة التكفيريين عندنا،  وما وقع من ظلم وعدوان إيراني على أهلنا في سوريا والعراق واليمن هي جرائم سياسية وقع مثلها في التاريخ من كل المذاهب، ويوجد مثلها في عصرنا الحديث على يد حكام مستبدين من السنة، وإنما يُستعمل الدين والمذهبية عند هؤلاء وهؤلاء لأغراض السلطوية. ورغم  تفهمنا لمواقف من وقع عليهم العدوان في سوريا والعراق واليمن، وضرورة جبر خواطرهم وضمان حقوقهم،  لا يجب على قادة الأمة وعلمائها أن يقفوا عند تلك الأحداث بما يجعلنا ندمر بعضنا بعضا داخليا في مواجهة عدو يريد الشر بنا جميعا، بكل طوائفنا،  ويسعى لجعلنا جميعا تحت سيادته وإرادته،  وإنهاء ديننا وحضارتنا إلى الأبد.   

– إن انتصار ايران في الحرب القائمة، أو خروجها على الأقل سالمة،  هو  انتصار لفلسطين، وفيه خلاص أهلنا في غزة مما يتعرضون إليه من ظلم عظيم وعدوان بلغت همجيته عنان السماء.

– إن انتصار إيران هو هزيمة للاستبداد في عالمنا العربي والإسلامي المساند للكيان والمشارك في حصار غزة.

– إن انتصار إيران هو هزيمة للولايات الأمريكية المتحدة وحلفائها الأوربيين الذين هم سبب كل بلائنا، كما أن ذلك سيساعد على انتقال العالم إلى التعددية القطبية التي تمنحنا هوامش واسعة لنهضة عالمنا الإسلامي.

وعلى أساس كل ذلك إن المشروع الذي يشتغل عليه الذين يساندون إيران انطلاقا من رؤية الاستنهاض الحضاري للأمة يرون أن حل مآسي الأمة لا يكون بمحاربة إيران وإشعال نيران الطائفية، فإن في ذلك مصلحة القوى الصهيونية الغربية الاستعمارية الغاشمة،  وإنما الحل  بنهضة الدول السنية وخروجها من التبعية واسترجاع سيادتها وتحقيق وحدتها، ولو وقع ذلك ستُنسّب إيران طموحها وتأخذ مكانها الطبيعي كأقلية  في الأمة وجزء منها، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ذلك يطول استحضارها، وهذا الذي يعمل عليه زمرة من القادة في العالم الإسلامي ، ليس على الصعيد النظري فقط، بل على الصعيد الميداني كذلك، وقد يبدو هذا الحلم جنونا، ولكن صدق من قال: ” أحلام اليوم حقائق الغد” والله المسدد والموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. عبد الرزاق مقري

اختار نشطاء الحرية من كل أنحاء الدنيا أن يتوجهوا إلى غزة براً وبحرا لكسر جدار الصمت الرسمي في العالم، وتماشيا مع الموجة الشعبية العالمية المتصاعدة ضد الاحتلال بغرض كسر الحصار ووقف آلة الإجرام الصهيونية ونجدة الفلسطينيين الذي يُقتلون بالقصف والتجويع وكل أدوات القتل والإبادة الجماعية.

انطلقت قافلة الصمود البرية تحمل مئات النشطاء من المغرب العربي، وللجزائر حضور متميز بقرابة مائتي ناشط يقودهم سادة أفاضل، سجلهم حافل بالتضحية من أجل فلسطين، من بينهم البطل الشاب مروان بن قطاية رئيس الـ تنسيقية الشعبية الجزائرية لنصرة فلسطين ، والشيخ المجاهد يحيى ساري رئيس المبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة، سيتجمعون في تونس حيث تلتقي آلاف النفوس المحاربة للظلم من كل أنحاء العالم، ثم يدلفون نحو ليبيا فمصر  حيث يلقون بنشطاء من مختلف الدول في رفح، يحاكون في أيام الحج الأكبر إقبال المؤمنين من كل نواحي الدنيا على المناسك يتضرعون إلى الله أن يحمي أهل غزة وينصر المكافحين من أجل تحرير بلدهم وأن يهلك المجرمين الظالمين وينهي عهدهم. أؤلئك يحجون إلى البيت الحرام  محرمين ملبين، وأؤلئك يحجون إلى غزة رمز الإباء والعزة، والله نسأله أن يتقبل من هؤلاء وهؤلاء.

ومن ميناء “كاتانيا” بجزيرة صقلية الإيطالية انطلقت في نفس الفترة سفينة “مادلين” ، وعلى متنها 12 ناشطًا دوليًا، بينهم الناشطة البيئية السويدية غريتا تونبرغ، والممثلة الفرنسية الفلسطينية وعضوة البرلمان الأوروبي ريما حسن، والممثل الإيرلندي ليام كانينغهام، بالإضافة إلى نشطاء من دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا وتركيا والبرازيل.   تحمل السفينة كميات رمزية من المساعدات الإنسانية، تشمل حليب الأطفال، الدقيق، الأرز، الحفاضات، والمستلزمات الطبية، ضمن عملية نضالية دولية تهدف إلى تسليط الضوء على المجاعة الشاملة التي يسلطها جيش الاحتلال الغاشم على أهلنا في غزة.

ستمتحن القافلة البرية موقف أنظمة الدول العربية التي ينطلق منها ويمر عليها النشطاء، وستبين بأن الشعوب مستعدة للتضحية ومواجهة الإجرام الص&هي”ني  بكل ما تملك لنجدة أهلنا في فلسطين لو تَركت الدول بينها وبينهم، وإن نجحت رحلة الآلاف من الناس هذه، ستُتكرر القوافل بالملايين نحو غزة بإذن الله.

أما القافلة البحرية التي تصنعها سفينة “مادلين” فهي السفينة السادسة والثلاثين ضمن جهود تحالف أسطول الحرية عبر السنوات، وستكون هذه السفينة في مواجهة مباشرة مع جيش الاحتلال، الذي بدأ قادته يتوعدونها بالمنع في المياه الدولية أو قرصنتها واقتيادها إلى ميناء أسدود وحبس من على متنها. وسيؤدي هذا العدوان إلى وضع الكيان وقادته في أسوء صورة في الرأي العام العالمي مما سيُعجّل بنهايته بحول الله، إذ تبدأ نهاية الاحتلال دائما بانهيار سرديته وملازمة البشاعة شكله.

تذكرني هذه الأجواء بغزوة سفينة مرمرة وأخواتها ( ثمان سفن أخرى صغيرة)، ضمن أسطول الحرية الذي انطلق من تركيا وموانئ أوربية أخرى، وتعرض للهجوم الإجرامي من الجيش الص&هي”وني في يوم 31 مايو 2010 فقتل تسعة من الأتراك، وجرح 26 ناشطا من مختلف الجنسيات، منهم الأخ العزيز محمد الذويبي الذي أصيب في عينه اليمنى، وقد تعرض  في أيام هذه الذكرى الخامسة عشر  للعدوان إلى مضاعفات جديدة في عينه اضطرّ بسببها إلى إجراء عملية جراحية جديدة عليها. لقد كان أخي محمد رفيقي في الزنزانة بسجن من السجون التي حَشرنا فيها المعتدون على سفينتنا بعد إلقاء القبض علينا ظلما في المياه الدولية.

شارك في غزوة أسطول الحرية في عام 2010 قرابة نحو 750 ناشطا من 50 دولة، منهم النواب والصحفيون والقادة السياسيون والقانونيون وأصحاب الجوائز العالمية للسلام، وكانت المشاركة الجزائرية لافتة في سفينة مرمرة لا تخطئها العين ولا تنساها الأفئدة.

إن المشاركة الفاعلة للجزائر، في القافلة البرية هذه المرة كذلك ليست غريبة على بلدنا العامر بالرجال الأبطال الأحرار، فلقد كان لأسلافهم، قبل 15 عاما، المساهمة الأبرز  في أسطول الحرية الشهير ضمن الوفود العربية والإسلامية، إذ كان وفدنا أكبر الوفود بعد الأتراك، وكانت مساهمتنا بأكبر  سفينة بعد سفينة مرمرة معبأة بأطنان من  المساعدات قدمها الشعب الجزائري من مختلف الولايات أثناء تطوافنا عليهم في كل البلاد لتحضير الغزوة التي تمت بنجاح كامل بحمد الله ودخلت التاريخ من بابه الواسع.

قلت لأعضاء الوفد الجزائري في أسطول الحرية  أثناء اجتماعنا الأسبوع الماضي لتأسيس “مؤسسة أسطول الحرية – الجزائر” : “لقد اصطفاكم الله بأن تكونوا جزء من تلك الغزوة المبكّرة المباركة التي رسمت مسارا مستمرا للقوافل البرية والبحرية، وباتت علامة فارقة في التاريخ، باركها الله بدماء شهدائها وجرحاها، وهزت العالم هزا ضد إجرام الص&ها”ينة، ولعلي أشبهكم – بإذن الله – بالبدريين الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “افعلوا ما شئتم فقد غفر الله لكم”، “ما بينكم وبين ذلك إلا أن تخلصوا النية لله تعالى وتواصلوا كفاحكم ونضالكم من أجل تحرير فلسطين”. 

وما هذه القوافل المتتالية، التي، نحن ومن معنا، دوما جزء منها،  إلا استمرار لجهود المناضلين الأحرار في العالم،  بكل الوسائل، على هذا الدرب المنير . نسأل القبول والتوفيق.

عبد الرزاق مقري

 

يشعر الإنسان بكثير  من الطمأنينة حين يكون موقفه في قضية متطابقا مع موقف بلده، رسميا وشعبيا، وذلك هو شأني مع دولة الإمارات. 

كانت بلاد الإمارات وجهة كريمة لدي في زمن الشيخ زايد رحمه الله، فقد كان لي فيها أهل وأصدقاء، سكنها صهري  لأغراض التجارة فترة من الزمن، وكان فيها مَعلما في مجاله، وعنوان استقامة وبركة  لدى التجار، وكنت أزوره بين الحين والحين لألقى شقيقتي الحبيبة حفظها الله وأولادها، إلى أن تركها رحمه الله رحمة واسعة إلى بلد آخر حين ساءت أمور البلد، كما حاولت أنا ذاتي ولوج عالم الأعمال بها مع بعض الزملاء التجار، وحققت أرباحا ولكن لم أستمر لكثرة انشغالي بقضايا أخرى عديدة، وكان لي بهذا البلد الطيب إخوان أجلاء وقامات سامقة في مجال العلم والفكر  والدعوة، كلهم اليوم مسجونين ظلما وزورا وبعضهم غادر بلده مكرها مهاجرا الى بلاد أخرى. 

ثم حكم البلاد ظالمٌ محارب لله ورسوله وأمة الإسلام، قرر وأزلامه معاداتنا وإيذاءنا كتيار إسلامي، بالرغم من أننا لم نفعل له شيئا ولم نسئ له ولا لأهله وبلده، وقد  كنت من بين أهدافه التي  بذل ماله الوسخ لضربها. 

زارني ذات يوم صحفي معروف وأستاذ دكتور في كلية العلوم السياسية توفاه الله رحمه الله،  ليحذرني من أمر ما له علاقة به. قال لي “لقد وجّهت لي دعوة من الإمارات لمناسبة وهمية وكان الموعد في ملعب رياضي، وهناك التقيت بمسؤولين إماراتيين، شكروني على ما أكتبه في نقد الإسلاميين وطلبوا مني أن أركز على ضرب عبد الرزاق مقري وحركته مقابل منحٍ مالية مجزية” ثم أخبرني بأنه رفض ذلك بحكم الصداقة التي بيننا، ولكن حذرني بأنه أعطاهم أسماء ثلاثة صحفيين شباب في الجزائر  قال لهم ” يمكن أن يقبلوا التعامل معكم”

لم آخذ ما قاله لي هذا الصحفي الصديق على محمل الجد، خصوصا أنني تعجبت لقوله، كيف يرفض التعامل معهم لإيذائي ويقترح لهم آخرين يقومون بالدور، ولكن حدث أمران جعلاني أتذكر ما قاله وأصدقه. يتعلق الأمر الأول بالشيخ راشد الغنوشي فك الله أسره، ويتعلق الأمر الثاني بصحفي  شاب له علاقة بالإمارات – قد يكون من أولئك الثلاثة الذين حذرني منهم صديقنا – استهدفني بقسوة وقذارة انكشف أمره  في المحكمة.  

أخبرني أحد قادة حركة النهضة الكبار  ( أتحفظ على ذكر اسمه لأنني لم أستشره) بأنه وجّهت له دعوة من مركز دراسات لإلقاء محاضرة بالإمارات، استضافوه في فندق فخم لم ير مثله حسب قوله، دلت مظاهر الفساد فيه أنه مصيدة للرجال وقد يكون الرجل عالما بقذارة من دعوه فأخذ معه زوجته. حين التقى بمضيفيه تأكد بأن سبب دعوته  لم تكن المحاضرة وإنما وضعوا بين يديه على الطاولة شيكا فارغا ليملأه بما شاء،  قال لي قلت لهم: “ما سبب هذا السخاء الكبير” فقالوا له بصراحة ودون حياء: “لقد لاحظنا أنك غير متفق مع الشيخ راشد الغنوشي ونحن نريد أن ندعمك في ذلك”، قال لي: “دفعت الشيك في اتجاههم على الطاولة  رافضا الإغراء وقلت لهم “أنا أنقد الشيخ راشد داخل حركة النهضة وفي تونس وأنتم لا شأن لكم بهذا” ثم وجد نفسه بعد محاولتهم الفاشلة يحاضر في قاعة صغيرة بها عشرة أشخاص جزم أنهم كلهم من رجال المخابرات. 

وأما الحادثة الثانية فهي مع صحفي شاب كتب سلسلة مقالات في جريدة العين الإلكترونية الإماراتية كلها كذب وافتراءات، منها أنني هرّبت أموالا إلى تونس لأسلمها للشيخ راشد الغنوشي وأنني آخذ أموالا طائلة من قطر والإمارات لضرب الجزائر. رفعت على المعني دعوى قضائية، كما هي السياسة التي اعتمدتها أثناء رئاستي للحركة وهي أن أقاضي كل هذا النوع من الدجالين والكذابين، وقد فزت في القضايا التي رفعتها في المحاكم ضدهم كلها بحمد الله. 

اقترحت على هذا الشاب، وعلى محاميه أن يتراجع كتابيا عما كتبه ويعترف بأنه كان يفتري لأسحب القضية – بناء على قضية أخرى قبلها كسبتها التزم الطرف المعتدي بالاعتذار علانية في وسائل الإعلام – فرفض معتقدا بأنه سيكون محميا ويغلبني في المحكمة، ولكن حين افتضح أمره وصدر الحكم ضده أربك إرباكا شديدا إذ لم يستطع تقديم أي دليل وعُدّ اتهامه أنه إهانه للأجهزة الأمنية التي تكون قد عجزت على كشف هذا الأمر الجلل لو كان حقيقيا. عندئذ اعترف أمام القاضي بأنه لم يكن هو من يكتب تلك المقالات ولكن كانت تُكتب باسمه من غرفة التحرير الإماراتية، وفي آخر الجلسة أعطى القاضي الكلمة لوكيل الجمهورية فمسح به الأرض وقال له: ” أنت تتهم رجلا محترما في حين أنك أنت الذي ثبت في حقك العمل مع دولة الإمارات”. 

هذه هي دولة الإمارات التي تريد أن تُخضع الجزائر بدسائسها الماكرة وأموالها العفنة، فإذا بها تجد نفسها أمام جدار قوي متين تتآزر فيه الجهات الرسمية مع القوى الشعبية ولا تكاد تجد عميلا واحدا لها يرفع رأسه في بلادنا، والله نسأله أن يديم حماية بلدنا، وأن يحمي الإمارات ذاتها والأمة العربية والإسلامية كلها والبشرية قاطبة، من هؤلاء الحكام المغرورين التافهين الذين لا مجد لهم ولا إنجاز لهم سوى بمال غزير أتاهم من الله ليفتنهم به في الدنيا ويفنيهم به لاحقا بحوله سبحانه غير مأسوف عليهم، ويعذبهم به في الآخرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

سبق للعلاقات الجزائرية الفرنسية أن عرفت توترات عدة مرات منذ الاستقلال، ثمّ عادت المياه إلى مجاريها  المفضلة في كلّ مرة،  حتى شبّهها بعض الذين يتفننون في إيذائنا بأنّها “علاقة زوجين يتناوشان كثيرا ثم يعودان إلى بعضهما البعض، ومن يتدخل بينهما يندم على ذلك”.
لا شكّ أنّ التوتر في المرحلة الراهنة بلغ حدّا غير مسبوق، ولكن بلا شك ستعود الأمور إلى مسارها المبجل ويتأكد أمان المصالح الفرنسية كما كان عليه، ومن يستهين بقوة اللوبيات الفرنسية وشبكات الفساد الخادم لفرنسا وتأثير الفرونكوفيليين المتطوعين لخدمة المصالح الفرنسية في بلادنا مخطئ.
إنّ الضجة القائمة والظواهر الصوتية المكرِّرة، دون وعي -كما العادة- لتوجهات رسمية  قررت الدخول في معارك كلامية مع فرنسا لا تعبّر البتة عن إرادة حقيقية لقطع دابر الامتيازات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تحظى بها دولة الاستعمار  في بلدنا،   مازالت لغة المستعمر سيدة في تعاملات  العديد من الوزارات والمديريات ومختلف المؤسسات الرسمية، وهي لغة الاتصال السائدة عند كثير من المسؤولين، وماتزال العلاقات الاقتصادية التجارية والمالية مع فرنسا في المراتب الأولى بين الدول، وما تزال لغة المستعمر مفضلة في المؤسسات التعليمية في العديد من الشُّعب رغم تدحرج اللّغة الفرنسية في هذا المجال دوليا، ولم تُزعزِعْ التصريحات النارية لشبكات الفاعلين في المعركة القائمة وضعَ لافتات المحلات التي تهيمن عليها اللّغة الفرنسية، بل إنّ الأمر زاد عمّا كان عليه في سنوات سابقة فباتت بعض المؤسسات الرسمية الكبرى تشترط لمن يتعامل معها لنيل الصفقات أن تكون اللغة المستعملة في الملف اللغة الفرنسية حصرا (وقد صدمت حقا حين أظهر لي أحدهم نموذجا عن ذلك لمؤسسة جزائرية عريقة). والأغرب من كلّ هذا أن الجهات الرسمية والأحزاب الموالية هي التي تعطل إلى اليوم مشروع قانون تجريم الاستعمار في البرلمان الجزائري.
إنّنا لا نحتاج إلى الضجيج الإعلامي والتصريحات النارية من المسؤولين، أو من شبكات الزبونية التي تضبط بوصلتها دوما وفق ما يريده الحاكم، وتدور مع إرادته حيثما دار وكأنّه هو القرآن المنزل من الله تعالى.
إنّنا نحتاج إلى رؤية وطنية واضحة وخطط وإجراءات هادئة تنفذ فعليا، ولو بالتدرج المتصاعد، دون الحاجة لتهييج العواطف بلا فائدة تذكر.
إنّنا نحتاج أوّلا أن نعلم أنّ مشكلتنا مع الدولة الفرنسية ليست مع اليمين المتطرف فقط كما يحاول الذين يريدون استعمالنا في المعركة القائمة لإبقاء فرصة العودة إلى العلاقة الحميمية مع فرنسا قائمة. لقد كانت مشكلتنا سابقا مع اليسار التقليدي، وعرفت حدّا يشبه حالة اليوم في زمن “فرانسوا ميتيران”، وبقي هذا التيار الذي يمثّل البيت الأصلي للصهيونية الفرنسية هو العدو اللّدود للجزائر، ومن يعرف تاريخ هذا التيار وكيف تشكل يفهم ما نقول. ومشكلتنا اليوم  مع من يسمون أنفسهم “تيار الوسط” بزعامة إيمانويل ماكرون هي المشكلة الحقيقية ، ولم ينكر وجودنا كأمّة ولم يؤذ ذاكرتنا كما فعل هذا الرئيس الفرنسي.
لقد حاول المسؤولون الكبار في الدولة الجزائرية أن يزيّنوا لنا صورة الرئيس الفرنسي “ماكرون” ووصفوه لنا بأنه شاب ذو نوايا طيبة ويريد أن يفتح صفحة جديدة مع الجزائر، وأنه لا علاقة له بأفكار “الجزائر الفرنسية” التي يحملها اليمين المتطرف، وأنّ أصحاب تلك الأفكار هم الذين يضغطون عليه.
لقد نبهت في مقال نشرته بضعة أسابيع بعد صعود “ماكرون” للرئاسة في عهدته الأولى، ونصحت بعض المسؤولين مباشرة بأنّ هذا الرجل هو الأخطر من بين الساسة الفرنسيين، وبينت بالدلائل بأنه صنيعة الصهيونية والماسونية والمؤسسة المالية العالمية الاستعمارية، وشرحت كيف اِلتقطه “جاك أتالي” أحد أهرامات الصهيونية الفرنسية من الجامعة ووضعه في “بنك روتشيلد” ثم ضمّه إلى لجنته – “لجنة أتالي” من أجل النمو الاقتصادي الفرنسي -، وعرّفه إلى الرئيس اليميني ” نيكولاس ساركوزي” ثم إلى الرئيس اليساري “فرانسوا هولاند” ثم تمّ دعمه ليصل الى مراتب عليا ووزارات مهمة في الدولة الفرنسية، إلى أن تمّ ترشيحه لرئاسة الجمهورية في وقت عرفت فيها فرنسا أزمة اقتصادية واجتماعية كبيرة أدّت إلى توجه بيّن إلى التشدد نحو اليمين ونحو اليسار حتى في الأحزاب التقليدية، كان من الممكن أن يؤدي إلى صعود رئيس للجمهورية من اليمين أو اليسار لا تتحكم فيه الصهيونية العالمية،  مما صنع فراغا كبيرا في “الوسط” بين اليمين واليسار اِستغله مساندو “ماكرون” بتسخير كل وسائل الإعلام الثقيلة لتلميعه وإيهام الشعب الفرنسي -خاصة الأقليات- بأنّ الحل عنده.
لقد شرحت اللعبة في ذلك المقال ( مايزال منشورا)  وتنبأت بأن “ماكرون” لن يحل مشكلة فرنسا، ووقع ذلك فعلا بخروج الفرنسيين البيض الى الشوارع ضمن اِنتفاضة أصحاب “السترات الصفراء” التي لم يوقفها سوى وباء كورونا.
لم يجد الساسة الفرنسيون، على اختلاف توجهاتهم لحلّ مشاكلهم الاقتصادية سوى اِستنزاف خيرات المستعمرات الفرنسية القديمة، كما هي عادتهم، ومنها الجزائر التي رأينا كيف سُخرت بحبوحتها المالية في العهدة البوتفليقية لإنقاذ العديد من المؤسسات الفرنسية المفلسة.
وللأسف في الوقت الذي تنتفض فيه إفريقيا ضد ذلك الاستغلال والهيمنة، ما زلنا في بلادنا نكتفي بالتصريحات والضجيج الإعلامي.
ليس المطلوب أن ندخل في حرب مع فرنسا، بأيّ شكل من أشكال الحروب -إلا في حالة العدوان- ولا أن نقطع العلاقات معها، ولكن ما ينبغي فعله هو العمل بصمت وفق الرؤية والإجراءات التالية:
تمرير قانون تجريم الاستعمار في البرلمان.
اِسترجاع الأرشيف ورفات الشهداء وخرائط الألغام والوثائق والمعلومات المتعلقة بالتجارب النووية والكيمياوية وكل ما يتعلق بملف الذاكرة.
تقنين مسألة اعتراف فرنسا بجرائمها والاعتذار عن ذلك والتعويض عن الضرر كما فعلت دول أخرى مع مستعمراتها القديمة وكما تطلب فرنسا ذلك من غيرها، ثم ترك هذا المطلب يتفاعل تلقائيا دون صخب وفق تطورات موازين القوة دوليا.
إنهاء الهيمنة الثقافية الفرنسية في التعليم وإنهاء اِستعمال اللغة الفرنسية في المراسلات والخطاب والتعاملات الرسمية  وكأنّها لغة رسمية فعلية.
وقف تجميد قانون تعميم اِستعمال اللغة العربية.
إنهاء الاشتباك المفتعل بين اللغة العربية والأمازيغية، ومنع أي جهة خارجية لاستعمال التنوع السكاني في الجزائر، وتعميق أواصر الأخوة والمحبة بين الجزائريين بمختلف أعراقهم، وتجريم أي خطاب عنصري أو مؤجّج للفتنة، والتعامل مع كل السكان ونواحي البلد في إطار العدل والمساواة والتضامن. 
معالجة الهيمنة الثقافية الفرنسية في المحيط وتقنين الاستعمال الأبرز للّغة الوطنية دستوريا  في لافتات المحلات والمؤسسات.
منع أي اِمتياز خاص لفرنسا في النشاط الاقتصادي ومراجعة صفقات الامتياز القائمة كلّها.
ضبط معايير محددة لضمان سلامة وكرامة وحقوق الجزائريين المقيمين في فرنسا وتمكينهم من المساهمة في خدمة بلدهم واِرتقائهم فيه في مختلف المجالات.
توجيه مكونات الجالية الجزائرية في فرنسا، لا سيما المجنسين، لينظّموا أنفسهم ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا حتى يكونوا فاعلين مؤثرين قادرين على حماية قيمهم ومصالحهم وخدمة بلدهم الأصلي كما هو حال العديد من جاليات مختلف الدول في أنحاء العالم ( la Diaspora).
بناء قوة ناعمة جزائرية داخل التراب الفرنسي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية وغير ذلك ضمن إطار القوانين الفرنسية.
تطوير جهاز الاستخبارات والمقدرات الاستشرافية الأمنية لحماية المصالح الجزائرية من المخططات العدائية الفرنسية القائمة والمحتملة.
بناء التحالفات مع الدول الواعية التي تدافع عن نفسها  ضد تهديدات المستعمر القديم المختلفة. 
التعامل الدبلوماسي المعمول به دوليا مع الأزمات دون صخب ولا ضجيج، من التنبيه إلى اِستدعاء السفير الفرنسي للجزائر، إلى سحب السفير الجزائري في فرنسا، إلى خفض التمثيل، إلى مراجعة الاتفاقيات، إلى قطع العلاقات، إلى التطور الإيجابي في الاتجاه المعاكس حسب التطور الإيجابي للعلاقات. 
والانتهاء إلى تثبيت العلاقات مع فرنسا كعلاقة عادية غير عدائية ما لم تتعرض الجزائر للعدوان ولا مفضّلة كما هي العلاقة مع الدول الشقيقة والصديقة،  تقوم على أساس المصالح المشتركة، و لا تقبل التطور  الإيجابي إلا بعد تجسيد كل النقاط السابقة وبقدر تحقّق المصالح الجزائرية. 
وأثناء تجسيد هذه الرؤية؛ الالتزام بالرزانة الرسمية وعلى مستوى النخب وتجنّب التصريحات والهيجان الكلامي والمعارك الهامشية والتركيز على الفعل والإنجاز.

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية