فتح العهدات سنة 2008 خطيئة سياسية كبيرة على كل من ساهم فيها أن يندم على ذلك. والحمد لله أنني وأغلب أفراد الحركة البسطاء لم نكن من هؤﻻء وليس الوقت لذكر تفاصيل ما وقع في هذا الأمر. وأذكر الرأي العام أن الحركة في ذلك الوقت كانت مشلولة بسبب مؤامرة الانشقاقات والاختراقات التي تعرضت لها والتي تعافت منها بفضل الله وخرجت منها أكثر قوة وتجربة وحكمة.
يقول البعض أننا ساهمنا في فتح العهدات سنة 2008، كلام مفهوم، غير أن الذين كانوا وراء ذلك هم اﻵن خارج الحركة وبعضهم لا يزال مع بوتفليقة وبعضهم لا يزال يؤمن باستمرار اللعبة القديمة. والمناضلون البسطاء الذين كانوا وﻻ يزالون من الشعب الجزائري البسيط وكانوا يرفضون هذه الخيارات هم أصحاب القرار اليوم في حركة مجتمع السلم من خﻻل مؤسساتهم الصلبة المستقلة ذات السيادة، ونتحدى الجميع أن يعطينا حزبا آخر أفسد خطة دمجه أو إضعافه عبر مؤامرات كبيرة استمرت سنوات طويلة وخرج بعد ذلك قويا. انظروا لغيرنا، من غيرنا أفسد هذه الخطط وظل شامخا يكافح من أجل الجزائر ﻻ يخشى في الله لومة ﻻئم، لا تزال اﻷساليب السابقة تستعمل معنا إلى الآن لتثنينا عن توجهنا الجديد ولم تفلح بفضل الله تعالى. من كان صادقا في البحث عن المصلحة العامة وخدمة الوطن عليه أن ينظر إلى هذه الحركة أنها أداة كبيرة لهذا البر وهذا الخير ويتعاون معها لتحقيق ذلك، وﻻ يفهم هذا الكﻻم إﻻ الصادقون العاقلون. إن التعاطف المتعاظم الذي نشعر به كل يوم من مختلف شرائح المجتمع ومن الوطنيين الصادقين في مختلف مؤسسات الدولة لهو من عاجل بشرانا. فلله الحمد والمنة.
عبد الرزاق مقري
إن مصادقة المجلس التأسيسي في بلد الغنوشي على الوثيقة الدستورية التي صاغها التونسيون بالتوافق بينهم هي الصورة النموذجية لنجاح الانتقال الديمقراطي الذي جاءت به ثورات الربيع العربي. لقد بينت حالة الابتهاج العام داخل المجلس التأسيسي، والتصافح بل والتعانق بين المتشاحنين سياسيا وأيديولوجيا بأن قلب وروح وعقل الثورات العربية هو في تونس الخضراء. إنه النموذج الذي سيوقف، مع مرور الزمن، تغول وإجرام الثورة المضادة في مصر، ويصحح الانحرافات الثورية في ليبيا، ويكسر التآمر الطائفي والإقليمي والدولي في سوريا، ويمنع السرقة المنظمة للثورة في اليمن، ويثبت ويسدد الإصلاحات في المغرب. كما أن هذا النموذج هو الذي سيساعد على نقل رياح الإصلاح والتغيير الذي يريده الجزائريون في بلدهم، وهو الذي سيبتلع حبال السحر في الخليج، و يفضح المكر الخفي والدسيسة الحاقدة التي تُصنع هناك.
لقد كتبت في جريدة الشروق في مقال تحت عنوان : تونس بوصلة النهضة العربية القادمة” ضمن سلسلة: ” مقال المقام” في جريدة الشروق بعد الانتخابات البرلمانية التونسية في 23 أكتوبر 2011 ما يلي ” ليس مستغربا أن تبرز التوجهات السياسية الإسلامية كقوة أولى في أي انتخابات تكون حرة ونزيهة في الوطن العربي مثل ما حدث في تونس مع حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي. ولكن ليس هذا الذي يجعل تونس هي بوصلة النهضة العربية القادمة وقبلة الثوار الجديدة، إنما الذي يجعلها كذلك أنها نجحت في تحدي الانتخابات مهما كان الفائز فيها. ولا يظهر شيء يوحي بحدوث نكسة بعدها، كما حدث في الجزائر. فالحزب الفائز حزب كامل النضج مستقيم المنهج وسطي التوجه، وفي نفس الوقت غير مسلوب الإرادة وقادر على الدفاع عن مكتسباته، يُحسِن أن يكون في المعارضة كما يحسن أن يكون في السلطة. والأحزاب المنافسة مهما كان توجهها ليست استئصالية ولا تدعو لإلغاء الديمقراطية باسم الديمقراطية، وهي ليست وليدة السلطة ومخابر صنع القرار الخفية. والجيش ليس له أحزاب وكيانات سياسية يفضلها ويراهن عليها ويتمظهر بها”.
ولا زلت أقول أن التجربة التونسية ستكون هي النموذج لنجاح مسار التغيير في العالم العربي، وكنت شبهت تونس في مقال آخر بأن هذا البلد هو مخبر النهضة العربية. تماما مثلما هو حال المخابر التي يُجرَّب فيها الإبداع ويُجسد فيها الابتكارُ ويصممُ فيها النموذجُ التقريبيُ، فإذا ما نجحت التجربة في المخبر تُدفع للمصانع لكي تصبح منتجا صناعيا مطلوبا تتنافس عليه الأسواق.
اجتمع لتونس كثير من الأسباب تؤهلها لنجاح التحول الديموقراطي وبناء منظومة سياسية في العالم العربي عصرية ووفية لهويتها، فهي علاوة على أهلية الأحزاب والمجتمع المدني المتنافسة في داخلها لا تمثل دولة بأهمية مصر والجزائر، مثلا، لكي تخشى منها الدول الغربية فتعمل على التحكم في مستقبلها ومصيرها، وهي مجتمع قليل السكان ويحوز أهله على قدر جيد من الوعي والثقافة، وهي دولة لا وجود فيها لنظام عسكري قوي في دواليب الحكم لا يسمح بقيام تحولات لا يتحكم فيها.
إن عدم تدخل العسكر والأجهزة الأمنية هو الذي سمح للأحزاب أن تتحاور وتتوصل إلى ما وصلت إليه. غير أنه مهما تعددت أسباب هذا التحول الناجح لا يمكن أن نقر له بسبب أرقى مما قدمته حركة النهضة من حسن تدبير، وعلو تفكير، ودقة تقييم، وكفاءة اتصال، وبراعة تفاوض، ومن قوة في الحجة والتعبئة والتمسك بالحدود الدنيا التي لو وصل تنازلها إلى أدنى منها لما بقي للتوافق الذي حصل من معنى، ولما حمل معه حظوظا وفيرة للتماسك والنجاح في المستقبل. لقد فهمت حركة النهضة في تونس ما لم يفهمه غيرها من الإسلاميين في بلدان الربيع العربي. لقد فهمت حركة النهضة بأن المكسب الأعظم من الربيع العربي هو رياح الحرية التي جاء بها وليس ما كسبته من نجاحات انتخابية بعد سقوط الدكتاتورية. ومهما تكن نتيجة الانتخابات التشريعية التي ستقام في ظل هذا الدستور الجديد فستكون حركة النهضة هي الناجحة. لو فازت في الانتخابات، وهذا هو المرجح، ستكون أقدر على إدارة الشأن العام وعلى بناء تحالفات أوسع في ظل بيئة محلية ودولية مرحبة، ولو تراجعت ستكون القوة الأولى في المعارضة وسيمكنها ذلك من بناء نفسها بتركيزها على الخطوط الاستراتيجية الهادئة بعيدة المدى، ومعالجة الخطوط السياسية الساخنة العاجلة بأريحية تامة، مما يؤهلها للتمكين الحقيقي في انتخابات لاحقة ما بقيت الحرية قائمة.
لا تزال التجربة محفوفة بالمخاطر غير أن اجتياز عقبات بالحجم الذي عرفته تونس في السنتين الماضيتين يبشر بأن الطريق سالك، وأن قاصد الحقل مدركه، وأن القوم سيسعدون بالثمار، وأن للجيران نصيبا وافرا من الغلة.
د. عبد الرزاق مقري.
((وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) البقرة 143
نسمي شق التطرف الموالي للنظام بلا فكر ولا رؤية : شق التطرف أ
ونسمي شق التطرف المعارض للنظام بلا فكر ولا رؤية: شق التطرف ب
ثانيا: حديثنا هذه المرة لشق التطرف أ: من عيوب هذا النوع من الموالين أنهم لا يعرفون الفرق بين الدولة والنظام فبالنسبة إليهم كل من يعارض نظام الحكم هو ضد الدولة الجزائرية وضد مؤسسة الجيش الوطني الشعبي وبالتالي هو خائن وغير وطني وربما عميل لقوى أجنبية، وهي حيلة يستعملها المستبدون منذ زمن طويل للهيمنة على الحكم والتفرد بالسلطة وقمع المخالفين إلى الأبد، ويستعملون في ذلك أجهزتهم الأمنية وإعلامهم التابع و”المستقل !” ويستخدمون المنتفعين والمتزلفين والسذج والجبناء والأغبياء من السكان. استعملت هذه الحيلة في بداية التسعينيات حينما اهتزت أركان الوطن ودخل في فتنة عظيمة وأصبحت الدماء تسيل في الطرقات والرؤوس تعلق على الأعمدة فوقف كثير من الوطنيين الصادقين مع الوطن ومع مؤسسات الدولة ولم ينتبهوا (أو ربما لم يكن لهم خيار) بأن النظام الذي يسكن الدولة كان يستغل الأحداث ويستغلهم ويستغل الوطن. وفعلا حينما انجلت الفتنة انجلت على وضع سياسي متعفن تحكّم فيه النافذون في السلطة على مقدرات الوطن وجعلوا الفساد وبناء شبكاته المالية هو قاعدة الحكم.
هذه المرة لن تنطلي الحيلة، الخطر اليوم هو الفساد ولوبيات المال الوسخ وليس الإرهاب. لقد صار الإرهاب أداة تستعمله كل أجهزة الاستخبارات العالمية، ولا يخفى على من يملك الحد الأدنى من الثقافة السياسية بأنه حيث يوجد البترول والغاز توجد القاعدة وغيرها من المجموعات المسلحة وحيث توجد القاعدة وغيرها من المجموعات المسلحة يوجد البترول والغاز، وكل تلك الصور للملتحين ولأشكالهم ولباسهم ولخطابهم الديني مما يصور لنا في قنوات التلفزيون لا تقنعنا في شيء حتى وإن كان بعض أصحابها حقيقيين. وبغض النظر عن خلفيات وأبعاد الحرب على مالي والعدوان على محطة الغاز في عين أم الناس التي سنكتب فيها مقالا يوضح الأمر، نحن نقف مع جنودنا في المؤسسة العسكرية الجزائرية ونفتخر بقوة الجيش الجزائري الذي نعرف أهميته وقوته أكثر مما يعرفه المتزلفون، ولكن نحن نعترض على من يضعف مصداقيته باستعماله في المنافسة السياسية في زمن الانتخابات ومن يريد اليوم توريطه في حرب تزتنزفه وتزتنزف مقدرات الوطن بلا فائدة ولصالح الأطماع الأجنبية ولمصلحة مجموعات مصالح جزائرية. والحديث السياسي الذي يجب التركيز عليه ليس فقط الإنجاز الذي حققه الجيش الوطني الشعبي بتحرير الرهائن مع الإلحاح الشديد على الشفافية في تناول الموضوع وإظهار الحقائق كما وقعت والسماح للإعلاميين للوصول للمعلومة وفق المعايير الديمقراطية الحقة، ولكن كذلك وخصوصا كيف تم الاختراق؟ وكيف مرت هذه المجموعات الإرهابية؟ وكيف مررت السلاح؟ وكيف استطاعت أخذ كل هؤلاء الرهائن؟ ولماذا لم يحاسب أحد على هذا؟ هذا هو معنى حبنا للوطن الذي نريده أن يكون آمنا شامخا مزدهرا متطورا متآخيا متراحما لا ألعوبة في يد الفاسدين والمتعطشين للسلطة.
د. عبد الرزاق مقري
من السذاجة اعتبار حزب ما، مهما كانت قوة أو ضعف هذا الحزب، يقدر على مواجهة نظام الحكم بإدارته وإعلامه وجيشه وأمنه وأحزابه وأزلامه وزبانيته. إن المواجهة هي دائما بين الشعب ونظام الحكم، فإن كان النظام عادلا خادما لتطلعات الشعب ضامنا لكرامته محافظا على سيادته وانتمائه ينال رضا الشعب ولا يستطيع أي حزب أن يزعزعزه، إلا ان نكون في نظام ديمقراطي فيعد حزب ما بتقديم الأفضل ويقنع الناخبين فيحل محل الجزب الذي يحكم بسلاسة ورضا وأمان ضمن الانتخابات الحرة والنزيهة. وأما حينما يكون نظام الحكم فاشلا فاسدا مضيعا للأمانة مهدرا للسيادة مضيقا على الحرية والأرزاق يسأم الشعب أغلب الشعب منه ويتمنى نهايته و ينشأ من الشعب عندئذ شخصيات وأحزاب تكافح لإظهار الفشل وفضح الفساد وتستعد للصبر والتضحية من أجل ذلك إلى أن يقتنع الشعب بنضالها ويصدق مقاصدها فليتحم معها ويأتي عندئذ زمن التغيير. فإن لم ينهض في الشعب من يقوده تطول المعاناة إلى أن يفحش الفساد والفشل لدى الحكام حتى تتحلل الدولة ويتشتت المجتمع فيكون الانهيار غالي الثمن وتكون الفتنة عمياء تطحن الجميع.
أما نحن فقد اخترنا أن نصدع بالحق وأن نقاوم ، وأن نقاوم، وأن نقاوم، غير مدعين أننا نحن الشعب أو أننا نتحدث باسم الشعب، فإن استطعنا أن نقنع الشعب فيسكون التغيير مفيدا نافعا للجميع، ونحن إذ نفعل ذلك لا نريد جزاء ولا شكورا وإنما نقوم بالواجب الذي يمليه علينا ديننا وضميرنا.
د. عبد الرزاق مقري.
شاركت البارحة يوم السبت 30\11\2013 في ندوة نظمتها الأمانة الوطنية للمرأة وشؤون الأسرة بالمقر الوطني بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، فشعرت فيها بكثير من السعادة لما رأيت من اجتماع كفاءات نسوية أصيلة، من عضوات الحركة وغيرهن، وطرحٍ علمي راق من الأساتذة والأستاذات فتأكد مرة أخرى بأن هذه الأمة يمكنها أن تكون رحمة للعالمين لو قادها دينها وساسها الصالحون والصالحات فيها. وقد قدمت في الندوة كلمة افتتاحية من وحي المناسبة فأردت أن أدون بعض الأفكار التي عرضتها في الندوة في مقالين متتاليين.
مقدمة:
صادقت الأمم المتحدة في 20 ديسمبر 1993م على الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة وفي 17 ديسمبر1999م قررت أن تجعل يوم 25 نوفمبر من كل سنة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة وهو القرار 54/134 الذي دعا فيه هذا المنتظم الدولي الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى تنظيم نشاطات ترفع من وعي الناس حول الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في العالم والسبل الكفيلة لإنهائها. وبغض النظر عن السبب المباشر الذي دفع إلى هذا القرار وهو التظاهرات التي نظمتها بعض المنظمات النسوية للتذكير باغتيال الناشطات السياسيات ( الأخوات ميرابال) في جمهورية الدومينيكان في 25 نوفمبر سنة 1960 على يد الدكتاتور رافييل تروخيلو والمطالبة بجعل هذا اليوم يوما عالميا للتنديد بالعنف ضد المرأة فإن أسباب اهتمام الأمم المتحدة بهذه القضية يعود إلى انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة في هذا العصر رغم التقدم الكبير الذي أحرزته في مجال الحقوق والحريات.
ويمكننا أن نساهم في هذه الحملة من وجهة نظر إسلامية بالتذكير بنداءات الشريعة الإسلامية للرفق بالمرأة وذكر مقامها في الإسلام، كما نناقش بهذه المناسبة الخلفيات الأيديولوجية التي تحملها النداءات الدولية للحد من هذه الظاهرة الموجودة فعلا في مختلف المجتمعات ومنها المجتمعات الإسلامية ونقدم الرؤية الإسلامية بخصوصها.
العنف ضد المرأة: حقيقة موجودة.
تشير الدراسات التي قامت بها الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية وغير الحكومية أن العنف ضد المرأة ليس حوادث معزولة ولكنه ظاهرة عالمية منتشرة في مختلف أنحاء العالم، ويكفي أن نطلع على الإحصائيات التالية المنشورة في موقع “حملة المين العام بان كي مون: اتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة”:
– أكثر أشكال العنف الذي تتعرض له المرأة شيوعاً على نطاق العالم هو العنف البدني الذي يلحقه بها العشير. وتتعرض امرأة واحدة على الأقل من بين ثلاث نساء في المتوسط للضرب أو لممارسة الجنس قسراً أو للإيذاء على نحو آخر من قبل العشير خلال فترة حياتها.
النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 15-44 عاماً يزيد خطر تعرضهن للاغتصاب والعنف المنزلي عن خطر تعرضهن للسرطان وحوادث السيارات والحرب والملاريا، وذلك وفقاً لبيانات البنك الدولي.
– تشير عدة دراسات استقصائية عالمية إلى أن نصف جميع النساء اللائي يقضين نحبهن بسبب القتل إنما يقتلهن أزواجهن أو عشرائهن الحاليون أو السابقون. ففي استراليا وإسرائيل وجنوب أفريقيا وكندا والولايات المتحدة، تتراوح نسبة الإناث اللائي قتلن على أيدي عشرائهن 40-70% من بين ضحايا جرائم القتل، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وفي كولومبيا، أُفيد بأن امرأة واحدة تتعرض للقتل بواسطة عشيرها الحالي أو السابق كل ستة أيام. وقد اختُطفت مئات النساء أو اغتصبن أو قتلن في ثيوداد خواريث، بالمكسيك، والمنطقة المحيطة بها على مدى فترة 10 سنوات.
– يقدر أن امرأة واحدة من بين خمس نساء على نطاق العالم ستصبح ضحية للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب خلال فترة حياتها.
وترد البلاغات عن العنف المرتكب ضد المرأة في أثناء الصراعات المسلحة أو بعدها في جميع مناطق الحرب دولية أو غير دولية. وقد تم اغتصاب عدد يتراوح بين 000 250 و 000 500 امرأة خلال الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا عام 1994؛ بينما اغتُصب ما يتراوح بين 000 20 و000 50 امرأة خلال الصراع في البوسنة في أوائل التسعينات.
– وتشير التقديرات إلى أن عدد الذين يجري تهريبهم سنوياً إلى أوضاع منها البغاء أو السخرة أو الرق أو العبودية يتراوح بين 000 500 ومليوني شخص، معظمهم من النساء والأطفال.
– وتشير عبارة تشويه الأعضاء التناسلية للأنثى (ختان الإناث) إلى عدة أنواع من عمليات البتر التقليدية المترسخة الجذور التي تجرى للنساء والبنات. ويقدر أن ما يزيد على 130 مليون فتاة وامرأة ممن لازلن على قيد الحياة اليوم قد تعرضن للختان، وذلك بصفة رئيسية في أفريقيا وبعض بلاد الشرق الأوسط، وأن مليوني فتاة معرضات لهذا التشويه في كل عام. وفي نيسان/أبريل 2006، كان 15 بلداً من بين 28 بلداً أفريقيا يشيع فيها ختان الإناث قد جعلته من الجرائم التي يعاقب عليها القانون الجنائي.
– وتواجه كثير من النساء أشكالاً متعددة من التمييز وزيادة في خطر العنف. ويزيد احتمال تعرض نساء الشعوب الأصلية في كندا للموت نتيجة للعنف خمسة أضعاف عن غيرهن من النساء في نفس العمر. أما في أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا، فما زال ما يزيد على نصف النساء المعوقات يتعرضن للإيذاء البدني، مقارنة بثلث عدد النساء غير المعوقات.
– وتتعرض المرأة للتحرش الجنسي طوال حياتها. وقد أبلغت نسبة تتراوح بين 40 إلى 50 في المائة من النساء في الاتحاد الأوروبي عن تعرضهن لبعض أشكال التحرش الجنسي في مكان العمل. وفي ملاوي، أفادت 50 في المائة من بنات المدارس اللائي أجريت عليهن دراسة استقصائية بتعرضهن للتحرش الجنسي في المدرسة.
وقبل أن نتحدث عن نظرة الإسلام للمرأة نسجل الملاحظات التالية على هذه الإحصائيات:
1 ـ بقدر ما تحقق للمرأة من حقوق وحريات في العالم وفق النظرة الغربية في العصر الحديث بقدر ما ازداد العنف الموجه ضدها.
2 ـ لم يسبق أن وصل العنف في تاريخ البشرية ضد المرأة بهذا الاتساع والكثافة والشدة.
3 ـ أكثر أنواع العنف الذي تتعرض له المرأة هو العنف البدني وهو أكثر انتشارا في البلدان الغربية أين حققت المرأة أعلى درجات التحرر والاستقلالية.
4 ـ العنف الموجه ضد المرأة هو في كثير من الأحوال جزء من العنف المستشري في هذا الزمن المعاصر بين البشر بشكل عام.
5 ـ حينما يتعلق الأمر بالعنف ضد المرأة في المحيط الأسري فإن كل أفراد الأسرة معنيون به ويعتبر الأطفال من أكثر ضحاياه.
6 ـ في الوقت الذي تخلصت فيه البشرية من الرق والعبودية اللذين عرفتهما في قرون خلت عاد نوع آخر من الرق وهو بيع الأطفال والنساء ضمن شبكات الاتجار بالبشر والدعارة.
7 ـ أكثر من يتسبب في شبكات الاتجار بالبشر الدول الغربية في أمريكا وأوربة حيث يوجه الرقيق الذي يُشترى في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا ومنطقة الكاريبي إلى تلك الدول” المتحضرة”!
8 ـ رغم التزايد المعتبر لحالات العنف ضد المرأة في العالم العربي والإسلامي بسبب الانهيارات الأخلاقية والجهل فإنه لا يزال هامشيا بسبب ثبات القيم والمعتقدات الدينية في أوساط شرائح واسعة من الناس، ويعود وجود العنف ضد المرأة في البلدان الإسلامية للتقاليد والعادات المحلية التي تتجاوز الانتماء الديني كمسألة ختان الأطفال في بعض الدول الإفريقية والآسيوية.
9 ـ يعتبر الاغتصاب والتحرش الجنسي أحد منتجات الانهيارات الأخلاقية وشيوع التعري والإباحية والاختلاط غير المنضبط بين الذكور والإناث، ومؤثرات التهييج الجنسي عبر مختلف وسائل الإعلام.
10 ـ من بين أهم أسباب العنف ضد المرأة النظرة الدونية، واعتبارها جسدا للمتعة وعدم اعتبار خصائصها الإنسانية وملكاتها العقلية.
11 ـ العنف ضد المرأة هو جزء من المأساة التي يعرفها أكثر سكان الأرض مثل الفقر والأمراض والمخاطر البيئية التي تعود كلها إلى انتشار المادية والفردانية وانهيار القيم والأخلاق والابتعاد عن الهدي الإلهي، ولا تعتمد الأمم المتحدة في محاربة هذه الظواهر إلا بإصدار النصوص والاتفاقيات والتوجيه نحو التشريعات في مختلف الدول، ولا تعترف بالأبعاد الروحية والمفاهيم الدينية كجزء أساسي من الحل لكل هذه الآفات.
12 ـ كثير من الأفكار والحلول التي تقترحها مواثيق الأمم المتحدة تزيد من تفاقم مشكل العنف ضد المرأة ومنها كسر قواعد البنيان الأسري، وجعل المرأة والرجل في مواجهة بعضهما بعضا بدل التكامل بينهما بالإضافة إلى كثير من الاقتراحات الصادمة لقيم الشعوب ومعتقداتهم نعود إليها في المقال الثاني.
نظرة الإسلام للمرأة:
أ ـ في القرآن الكريم:
حينما نتذكر حالة المرأة قبل الإسلام سواء عند العرب أو عند الشعوب والأمم الأخرى يتبين لنا ة بأن أول ثورة كونية سجلها التاريخ لصالح المرأة هي ما جاء به الإسلام لتحريرها وتكريمها وإعلاء شأنها. فقد حدد القرآن تصورا جديدا في العلاقة بين المرأة والرجل لم يكن حاضرا في الحضارات والملل والنحل قبل البعثة النبوية.
لقد كان القرآن صارما ضد النظرة الدونية التي كانت عند المجتمع تجاه المرأة إلى حد الحزن والتشاؤم والشعور بالهوان أمام الناس حينما يخبر أحدهم أنه ولدت له أنثى، ومنهم من يدفعهم غيُّه لوأدها وتغيبها من الوجود، فقبحهم الله لهذا السلوك وسفه نظرتهم وحكمهم أيما تسفيه فقال تعال: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) النحل: 58-59
وبين القرآن في مقابل ذلك أن التكريم الإنساني هو لبني آدم كلهم، إناثا وذكرانا، قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) سورة الإسراء الآية 70.
كما أن الاستخلاف في الأرض هو عام للمرأة والرجل سواء بسواء قال تعالى: (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) سورة البقرة الآية 30.
وأن أمانة هذا الاستخلاف هي للإنسان بصفته إنسانا ذكرا كان أم أنثى: ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)) سورة الأحزاب الآية 72.
وأن هذا الاستخلاف في الأرض لن يتأتى إلا بمشاركة الجنسين وأن لا فرق على أساس الجنس بينهما بل إن الأكرم هو الأكثر وفاء للأمانة التي حملاها: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) سورة الحجرات الآية 13.
وأن النفس البشرية نفس واحدة وأن الرسالة الإلهية موجهة لهذه النفس بشقيها الذكري والأنثوي: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)). سورة النساء الآية 1.
وأن حرمة هذه النفس حرمة واحدة سواء كان امرأة أو رجل: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ )) سورة المائدة الآية 32.
وأن مهمة هذا الإنسان حينما يؤمن هي مهمة واحدة سواء كان مؤمنا أو مؤمنة يقومان بها معا في تناصر وتعاضد وتعاون: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) سورة التوبة الآية 71.
وأن هذه المهام متكاملة مهما تنوعت وهو تنوع يؤدي للمودة والتراحم وليس التضاد والتنافر: ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الروم الآية 21.
وأن النجاح في هذه المهام يستحق نفس الجزاء للمرأة والرجل على سواء: ((وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)) سورة النساء الآية 141.
ب ـ في السنة النبوية
ثم جاءت السنة النبوية فركزت على ضرورة إكرام المرأة بإلحاح شديد يتناسب مع الحالة المزرية التي كانت عليها المرأة قبل بعثته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وعلى منهاج القرآن حدد الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم طبيعة علاقة المرأة بالرجل فجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد عن أم سليم بنت ملحان أن: (( النساء شقائق الرجال)) أي أنهن الشق الآخر للإنسان، مثيلات للرجل كما هو شق أي كائن لشقه الآخر في أساس الخلقة والطبيعة مهما تنوعت وظائف هذا الشق وذاك. وأي انتهاك لشق من الشقين هو أذى للكائن كله، وأي سلامة لشق من هاذين الشقين هو سلامة للكائن كله.
وحينما خاطب رسول الله الناس في حجة الوداع، التي حدد فيها المبادئ العامة التي يقوم على أساسها المجتمع الصالح ومنها حقوق المرأة، كانت هذه الخطبة في هذه الحجة بمثابة مؤتمر تاريخي حضره مائة ألف شخص صدر فيه أول إعلان عالمي مكتوب ضَمَن حقوق المرأة إلى الأبد قرونا قبل كل الإعلانات العالمية الأخرى. ومما جاء في هذه الخطبة بخصوص النساء: (( ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم .. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً )) أخرجه الترمذي وابن ماجه. والحكمة في الصيغة التي ذكر بها الحديث قوله (( استوصوا)) أي أن قضية حقوق المرأة يجب أن تكون شغلا دائما يقوم به الناس إلى يوم الدين، يوصي بعضهم بعضا بحقوق المرأة والإحسان لها، وليس يوما أو أياما في السنة كما تدعو إليه الأمم المتحدة.
وبشكل عام اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المرأة معرضة للاضطهاد وهضم حقها من قبل الرجل والمجتمع بسبب ضعفها فبين انزعاجه من ذلك وعدم قبوله له فقال في الحديث الذي رواه أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: ((إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة)) أخرجه ابن ماجة وأحمد.
ولم يكتف رسول الله بهذا الإعلان العام وبهذا التنبيه الصارم فراح يفصل الحق لكل حالة تكون عليها المرأة، أُمّا أو زوجة أو أختا أو ابنتا أو قريبة أو إمراة ضعيفة بين الرجال.
فكانت المرأة في وصايا النبوة أن تكون الأولى بحسن الصحبة حينما تكون أما، وليس ذلك إلا للأم، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (( أمك ))، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أمك )) ، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أمك ))، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أبوك )).
وإذا كانت زوجة فلا ينال الرجل الخيرية بين الناس إلا بقدر إحسانه لزوجته ولطفه بها، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجة عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) وفي رواية: ((إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله)). والحكمة في الحديث أن الخيرية تشهد بها الزوجة ذاتها، وهو أمر في نفسها تشعر به حقيقة حينما يكون زوجها أهلا لهذا الشعور، كما أن الحديث يستعمل كلمة اللطف وهي كلمة رقيقة تنبئ عن خلق رفيع وقد استعمل رسول الله هنا أسلوب ذكر الخاص بعد العام للتأكيد على فضل الخاص.
أما إذا كانت أختا أو ابنتا فقد جاءت أحاديث كثيرة تعلي من شأن من أحسن لأخته أو ابنته، ولم يُذكر في السنة النبوية شيء عن تخصيص الإحسان للأخ والابن إلا من باب الإحسان العام للأهل وذوي الأرحام، بل حذر من تفضيل البنين على البنات وهو توجيه يدل على حالة اجتماعية سيئة جاء الإسلام ليصححها:
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا ، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ )) وفي رواية (( فَقَالَ : مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ )) أخرجه بخاري ومسلم.
ومن ألطف ما ورد في السنة النبوية الحديث الذي أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة عن عقبة ابن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات)).
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: (( من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن فله الجنة) (رواه الترمذي.
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن فله الجنة))، وفي رواية قال: (( ثلاث أخوات أو ثلاث بنات أو بنتان أو أختان )) رواه أبوداود.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من أنفق على ابنتين أو أختين أو ذواتي قرابة يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما الله من فضله عز وجل أو يكفيهما كانتا له سترا من النار)) رواه أحمد.
د. عبد الرزاق مقري
كان من الممكن أن تتحول الجزائر بعد الاستقلال إلى بلد ديمقراطي من الطراز العالي بسبب التنوع السياسي والتعددية الفكرية والتعايش البديع والتجربة العريقة والقيادات الفذة التي أنتجتها الحركة الوطنية الجزائرية، غير أن حسم الصراع على السلطة باستعمال القوة العسكرية منذ الساعات الأولى للاستقلال فوّت الفرصة على أجيال الجزائريين إلى اليوم.
إن من إبداعات الثورة التحريرية المباركة ومفاخرها أنها أسست نظاما استخباراتيا محكما وفاعلا، ساعد كثيرا على إدارة الصراع مع المستعمر لصالح الثوار، ومؤسسة عسكرية قوية وعصرية وذات مصداقية لا تزال هي أساس وحدة البلاد. غير أن هذه الإنجاز المؤسسي الثوري الكبير لم يبق حياديا يعمل لصالح البلد فحسب بل استُعمل في الصراع على السلطة قبيل وبعد الاستقلال. ما إن وصل بومدين إلى المكانة والقوة إبّان الثورة التحريرية حتى راح يسارع الخطى للانقضاض على الحكم في الجزائر المستقلة. وقد بين الطاهر الزبيري ذلك بوضوح حين نقل في مذكراته تلك العبارة التي أسرّها الهواري باللغة الفرنسية لفريقه ((il faut viser le pouvoir)). لم يكن بومدين صاحب تاريخ عريق في الثورة التحريرية جعله يشعر بأحقية استلام الحكم وإنما الذي استهواه هو تمكنه من القوة العسكرية وتحكمه في جهاز الاستخبارات الذي استلمه من ولي نعمته وصاحب الفضل عليه عبد الحفيظ بوصوف مؤسس الجهاز ومبدعه.استطاع بومدين أن يقنع الوجه السياسي البارز أحمد بن بلة بالتحالف من أجل الإطاحة بالحكومة الجزائرية المؤقتة وباقي الوجوه السياسية التاريخية الأخرى. وحين استتب لهما الأمر نشب الصراع بينهما فحُسم لصالح القوة العسكرية التي كان يتحكم فيها بومدين وفريقه. منذ ذلك الحين أصبحت المؤسسة العسكرية هي جوهر وأساس نظام الحكم في الجزائر مع تغيرات في الشكل وأشكال التوازنات بين رئاسة الجمهورية والجيش من فترة إلى أخرى.
كانت الفترة البومدينية (من جوان 1965 إلى ديسمبر 1978) هي فترة الارتباط الكلي بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية ضمن تبعية مطلقة لرئيس الجمهورية. لهذا السبب لم تقدر التعددية السياسية والحزبية أن تجد لها مكانا في البلد. وحتى الحزب الواحد المتمثل في جبهة التحرير الوطني صار جهازا إداريا لا علاقة له بالوظيفة السياسية سوى ما تعلق بالتعبئة الجماهيرية لصالح مخططات وبرامج الرئاسة.
بعد وفاة الرئيس بومدين (27 ديسمبر 1978) عادت المؤسسة العسكرية للواجهة وكانت هي الطرف الوحيد الذي فصل في مستقبل الحكم حيث فصل القادة العسكريون آنذاك في الصراع على الاستخلاف بين عبد العزيز بوتفليقة المقرب من بومدين ووزير خارجيته، ومحمد الصالح يحياوي منسق الحزب. واختاروا عسكريا غير معروف في الأوساط الشعبية هو الشاذلي بن جديد. مع مرور الزمن استطاع الشاذلي بن جديد أن يتحرر من مزيّة الذين جاؤوا به للحكم وصار رئيس الجمهورية مرة أخرى هو الحاكم الأول، ولكن ضمن أسلوب أقل صلابة وأكثر انفتاحا من سابقه.
عمل الشاذلي بن جديد على حل المشاكل الكبيرة التي عرفتها البلاد في أواخر الثمانينيات من خلال الانفتاح السياسي والتمهيد للتعددية الحزبية. غير أن هذا المسعى هو الذي قضى عليه حينما أراد أن يتمسك به ضمن قطبية ثنائية متصارعة أشد الصراع لم يقدر على تكييفها. بعد أن احتدمت المواجهة وبلغت أوجها حُسمت شعبيا لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ. غير أن الكلمة الأخيرة كانت للجبهة المعارضة للحزب الفائز، إذ دفع عدد من ضباط المؤسسة العسكرية الشاذلي بن جديد إلى الاستقالة، ثم أقدموا على توقيف وإلغاء المسار الانتخابي وحل جبهة الإنقاذ بحجة أن هذه الأخيرة تريد الوصول إلى السلطة بالصندوق ثم تلغي الاختيار الديمقراطي على حد قولهم.
أصبحت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بعد إلغاء الانتخابات هي صاحبة الموقف وسيدة القرار، غير أنه لا بد للبلد من واجهة سياسية ذات مصداقية تُغطي على موقف إلغاء انتخابات ديمقراطية وحل الحزب الفائز وإدخال الآلاف للسجون والمحتشدات فوقع
الخيار على زعيم كبير من زعماء الثورة التحريرية هو محمد بوضياف. طُلب من هذا الأخير أن يكون رئيسا للدولة (جانفي 1992) من خلال ترأسه لهيئة رئاسية جديدة هي المجلس الأعلى للدول. غير أن الخيار لم يكن مناسبا لأن زعيما كمحمد بوضياف لا يقبل أن يكون تابعا لمجموعة من العسكريين والمدنيين، يعتبر نفسه صاحب فضل عليهم، وعارض النظام الذي أوجدهم لسنوات طويلة. حاول بوضياف أن يفرض نفسه في معادلة الحكم فدافع عن صلاحياته وبدأ يمهد لتأسيس حزب بديل وأصبحت أخبار الصراع في أعلى هرم الدولة متداولة بين الجميع وكانت نهاية الأمر اغتيال بوضياف في ظروف غامضة أمام الملإ وعلى المباشر.
بعد مقتل بوضياف (في 29 جوان 1992) ترأس المجلس الأعلى للدولة علي كافي قائد الناحية العسكرية الثالثة أثناء الثورة التحريرية (19 جويلية 1992) ثم كُلف وزير الدفاع الجنرال اليمين زروال برئاسة الدولة مؤقتا ثم أصبح رئيسا منتخبا في أول انتخابات رئاسية تعددية مثيرة للجدل سنة 1995، فانسجمت هذه المرة هيأة الرئاسة ضمن محيط الأسرة العسكرية. لم يدم هذا الانسجام طويلا حيث اندلع صراع شديد داخل سرايا الحكم نفسه تحدثت عنه وسائل الإعلام كثيرا، وكانت خلفية الصراع اختلافات في طرق تسيير الأزمة وحول الريع والمواقع وقضايا أيديولوجية. لم يطل زروال كثيرا في الحكم فبعد أن انزاح صديقه ومستشاره الشخصي الجنرال السابق محمد بتشين الذي كان في قلب ذلك الصراع، قدم استقالته وغادر السلطة بهدوء.
أحس العسكريون مرة أخرى بالحاجة لوجه سياسي قوي لاستقرار شؤون الحكم ورفع حالة الحرج دوليا فوقع الخيار على عبد العزيز بوتفليقة. وبعد الفشل في إقناعه في المحاولة الأولى سنة 1994 لأسباب تتعلق بالصلاحيات تم الاتفاق معه سنة 1999 ونظمت انتخابات رئاسية آمنة كان الفوز فيها مؤكدا بعد انسحاب المترشحين الستة الآخرين ذوي الأوزان الثقيلة. وبعد منع المرحوم الشيخ محفوظ نحناح من الترشح لها لأسباب تعسفية حتى لا يحصل الاضطرار للتزوير كما وقع في انتخابات الرئاسة سنة 1995.
أظهر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ البداية رغبته في أخذ صلاحياته كاملة. ودخل في خصومات خطابية علنية مع العسكريين فوصف إلغاء انتخابات 1991 بالعنف واتهم ضباطا دون أن يسميهم بالفساد، مما أدى إلى نشوب صراعات خفية بين الطرفين من مظاهرها استقالة قائد الأركان محمد العماري. غير أن العارفين بشؤون لعبة التوازنات داخل الحكم يدركون بأنه وقع في الأخير ضبط التوازن بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية التي يمثل قلبها وعقلها ومركز قوتها المؤسسة الأمنية العسكرية، حيث عرف كل طرف بأن محاولة تجاوز أي من الطرفين للطرف الآخر تكون كلفته عالية على كل الأصعدة فتقرَّر التعايش ولكن ضمن قاعدة “التوازن غير المستقر” الذي يبقى عرضة للطوارئ وعوائد الزمن.
تُظهر هذه التحولات بأن مكان تولية الحكم ودائرة اتخاذ القرار في النظام الجزائري هما في أعلى نقطة في هرم السلطة ويدار الحكم بشكل جماعي بين الضباط الكبار أصحاب النفوذ. ولكن إذا حصل أن تقلد منصب رئاسة الجمهورية رجل قوي تضطرب الأمور ثم تصير إلى إحدى السيناريوهات:
ـ تصبح الرئاسة والمؤسسة العسكرية في يد رجل واحد كما وقع مع هواري بومدين.
ـ يسيطر رئيس الجمهورية على الأمور ولكن لا يستطيع أن يفرض رؤيته وفق ما يريد كما حدث مع الشاذلي بن جديد.
ـ يقع الصدام وتنتهي الأمور بشكل دراماتيكي معلوم كما وقع مع بن بلة، أو غير مفهوم كما وقع مع محمد بوضياف.
ـ يقع توازن غير مستقر وتفاهم ضمني على التعايش بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية كما هو الحال إلى هذا اليوم.
د. عبد الرزاق مقري
منذ أن اندلعت الثورات العربية والسؤال يتكرر ألف مرة لدى الكثيرين، هل ستصيب هذه التحولاتُ الجذريةُ الجزائرَ أم لا؟ ولبحث هذا الموضوع لا بد من التوقف عند الأسباب العامة التي ساهمت في قلب الأوضاع في هذه المنطقة من العالم التي يئس بشأنها كثير من المهتمين بأمور السياسة والحكم في السنوات الأخيرة من إمكانية إصلاحها وتغيير الأوضاع فيها. ثم يجدر بنا أن نبحث لهذا الغرض عن أوجه التشابه والتقارب مع الشأن الجزائري ثم عن خصوصيات هذا البلد ثم عن ديناميكية العناصر المشكلة للوضع لمحاولة فهم طبيعة التطور في المدى المنظور.
يعلم الجميع بأن الشرارة الأولى لكل هذا الحراك انطلقت من تونس ثم امتد الفتيل المشتعل إلى مصر فوجد فيها برميلا عظيما من البارود يتهيّأ للانفجار. وحينما نجحت ثورة 25 يناير في إسقاط مبارك زُلزلت عروش الأنظمة العربية كلها وتشققت سقوفها فصارت في حالة من الهلع والإرباك عجلت بانتقال ارتدادات الزلزال من بلد إلى آخر. ولو تتبعنا تفاصيل الأسباب المباشرة لهذه الأحداث لقدرنا على تنقيح المناط، كما يقول الأصوليون، وتخليصه من شبهة المؤامرة الداخلية أو الخارجية، إذ لا يتصور أن أحدا أمر البوعزيزي مثلا أن يحرق نفسه أو أن قوى خفية أوحت للقذافي أو صالح أو لمحافظ درعا وزبانية سيدي جابر بالإسكندرية أن يهينوا كرامة مواطنيهم ويسفكوا دماءهم حتى يثور الناس عليهم. كما أن لا أحد يستوعب أن هذه الجرائم التي اقترفها الحكام وأعوانهم هي وحدها المفسرة للشجاعة والنجدة الشعبية الحديثة في مواجهة ظلم سُلطانيٍّ قديم.
إن الأسباب الحقيقية لصراخ الشعوب قائمة منذ القدم وهي متشابهة من طنجة إلى عدن، غير أن الذي أطلق المارد من عقاله هو علم الناس بأن صُداحهم صار يبلغ الآفاق، وأن قتل المعارضين لم يعد ممكنا إخفاؤه وبقاؤه بلا عقاب. فالذي يجب العناية به إذن هو استحضار الأسباب الداخلية العميقة التي دفعت للثورة والتي يمكن حصرها في ثلاثة أسباب متواجدة في كل بلد عربي بدرجات متفاوتة، وهي الفشل في تحقيق التنمية والتوزيع العادل للثروة، وانتشار الفساد في كل مفاصل الحكم، وغلق مجال الحريات واستحالة تغيير الأوضاع بواسطة الصندوق
إن هذه الأدواء كلها موجودة في الجزائر، منها ما هو أكثر ومنها ما هو أقل. فالفشل في تحقيق التنمية ثابت لا ينكره أحد. فرغم إنفاق أموال طائلة على التنمية، تصلح لنهضة قارة بكاملها وليس وطن واحد، بقيت الجزائر بلدا عاطلا عن الإنتاج لا يعيش إلا على الريوع، مأكلُ أهلِه ودواؤُهم ومسكنُهم وطرقُهم وغيرُها إنما هي ممّا وهبه الله له من المحروقات، لم تأت به عبقرية هذا الحاكم أو ذاك، ولو توقفت هذه النعمة أو تعثرت لوُجدت صعوبةٌ جمة في دفع أجور العمال بله أن ترفع أجورهم. وأما عن الفساد فلو اعتبرنا ما تنشره وسائل الإعلام الوطنية فقط لأدهشتنا حال هذا الوطن كيف صار عرضة لكل من له سلطة وجاه، فإذا سمعنا وصدّقنا القصص التي يحكيها سرا من عايشوا الفساد وعرفوا أباطرته، فإن اليأس يأكل أحشاءنا ويقضي على آمالنا لولا الثقة بالله وحفظه لهذا الوطن، ويكفينا خجلا وخوفا من خطورة الفساد على استقرار البلاد المرتبة التي عليها الجزائر في تقرير منظمة الشفافية الدولية، حيث وضعتنا قريبا من الصومال وميانمار! وأما عن الديموقراطية وهوامش الحرية التي يتغنّى بها من يحسن الظن بالحكام فإنها ديموقراطية بلا أفق وهوامش عقيمة لا تلد، حيث إن المقصود بالديموقراطية هي فرصة التداول على الحكم بين مختلف القوى والألوان السياسية، وليس تدويره من داخل الخزانة الواحدة، أو »تلقيمه« قصد إدامته وتزيينه، كما أن الديموقراطية هي إمكانية محاسبة الحاكم واستبداله بالإرادة الشعبية إذا فسد أو عجز، وهذا أمر غير متاح في هذا البلد الذي لم يتغير فيه نظام الحكم منذ خمسين سنة رغم الإخفاقات والفضائح المتتالية، فلو كنا في بلد فيه حرية وديموقراطية حقا لتغيرت المعطيات الانتخابية والموازين السياسية ولو لمرة واحدة بعد هذا الزمن الطويل من الحكم، أو بعد الفضائح الكبيرة والعديدة التي عرفها الوطن والتي يكفي لفضيحة “الخليفة” وحدها مثلا أن تزلزل أكثر العروش عتوّا وصلابة
لا يوجد إذن ما يجعل الجزائر متميزة عن غيرها من الدول العربية الأخرى في حديثنا عن أسباب هبوب رياح التغيير. غير أن ثمة مكابح خاصة تمنع من انطلاق هبّات التبديل في هذا البلد، مكابح يعرفها نظام الحكم ويستغلها أحسن استغلال في إدامة أمره وتأجيل حتفه، وأول هذه الخصوصيات هي حالة التخدير الذهني التي أصابت عقول الجزائريين الذين عاشوا فتنة التسعينيات ورأى كثير منهم جريان الدماء وتبعثر الأشلاء في الطرقات، فهم لا يريدون العودة إلى هذا المآل مهما حملت لهم قصص الجيران من آمال، قد أصابهم الخوف والهلع من أية دعوة جادة مهما كانت نبيلة وسلمية لمعارضة الحكام. ثم ثمة خصوصية ثانية وهي قدرة نظام الحكم على شراء السلم ومواجهة الاضطرابات الاجتماعية في مختلف المؤسسات والولايات بواسطة الثروة المالية الكبيرة التي في خزنته، وأما خصوصيته الثالثة فهي البيئة السياسية التي صنعها باقتدار، حيث لم يترك في هذا البلد جهة معينة تقول أنا هو النظام وأنا هو المسؤول عن هذا الوطن تتجه إليه الأصابع وربما الحشود إذا أرادت التغيير. ومع هذا أغلق اللعبة كلها بالتحكم الكامل في الوسائط المجتمعية من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام، ثم منح للجميع هامشا من الحرية يقول فيه من أراد أن يقول ما يقول ولكنه يفعل هو ما يريد.
يخطئ من يعتقد بأن هذه الكوابح سيطول فعلها أمدا طويلا، فالثروة المالية البترولية التي هي أهم هذه الكوابح معرضة للتوقف عن العمل ليس بسبب أنها ثروة غير متجددة في المدى المتوسط كما هو معلوم لدى الجميع، ولكن لأنها مع ذلك ذات قيمة نسبية مهددة في أي لحظة من اللحظات بسبب خطورة الأزمات الاقتصادية العالمية وما يتعلق بتراجع الدولار وأثره على المداخيل الجزائرية ونسب التضخم العالمية وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق الخارجية وتزايد فاتورة الاستيراد المطردة علاوة على ما لا نعلمه عن المخاطر التي تهدد السندات الجزائرية المودعة بلا شفافية في البنوك الأمريكية وأثر النهب والفساد والتبذير على الاقتصاد الوطني والفشل في مجال الاستثمار وبناء المؤسسات الاقتصادية المنتجة التي وحدها توفر مناصب شغل حقيقية ودائمة وتساعد على التوزيع العادل للثروة. أما عن كابح التخدير الذهني فإن الزمن سيتلفه بكل تأكيد لأن الشباب القادم لم يعش أحداث المأساة الوطنية ولا يعرفها، ولن يفهمنا أبدا حينما ندعوه للصبر على الفساد والفشل خوفا مما عشناه نحن ولم يعشه هو. وأما عن هوامش الحرية والديموقراطية وتحكم النظام الحاكم في المجتمع المدني والطبقة السياسية فإن الأمر لن يدوم لأن جيلا جديدا من السياسيين والناشطين الاجتماعيين والمفكرين والمثقفين سيظهر متأثرا بما سيراه من تطور سياسي واجتماعي وفكري حقيقي سيقع لا محالة في بلاد عربية أخرى في السنوات القليلة المقبلة، ولن يُصبح ممكنا إقناع هذا الجيل عندئذ بما يُحكى لنا من أن الجزائر أفضل من البلاد العربية الأخرى في الحرية والديموقراطية.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com