المقالات

يستطيع أي أحد أن يخالف الدكتور بلغيث في الأطروحات التي قدّمها في القناة الإماراتية، وفي توقيت حديثه، ولا شك أن حديثه في موضوع حساس لقناة إماراتية خطأ  إذ لا همّ لحكام الإمارات إلا تدمير الأمة الإسلامية وهم يستغلون أي رأي لتغذية ما يفرق المسلمين، غير أنه لا يوجد أي شيء في ما قاله يستدعي شيطنته وإلقاء  القبض عليه، لا سيما أن للرجل مكانته العلمية، وسمته الوطني.

إن الخروج من الإطار العلمي إلى التهارش السياسي بشأن اختيار  كلمة “أمازيغ” أو “بربر” في تسمية المكونات السكانية، وحول أصل الأمازيغ أو البربر  هل هم عرب أو غير ذلك لغو لا وزن له، والانقسام على أساس ذلك أمارة من أمارات التخلف، والتوجه إلى فضاء القضاء ما لم تكن ثمة إساءة للسكان بهذا الخصوص لا مبرر  له. فالذي ينتقد اسم “زيد” كاسمٍ دون الإساءة لمن يحمل الاسم لم يسئ لأحد، حتى وإن كان مخطئًا لتعرضه للاسم ذاته. وأنا شخصيا أشهد أن الكلمة التي كانت شائعة حين كنا في الجامعة في بداية الثمانينيات كانت “البربر” ولم تكن ” الأمازيغ” والدليل على ذلك أن الحركة التي كانت تعمل من أجل الحقوق الثقافية كانت تسمى “الحركة الثقافية البربرية” – MCB – وبعد أن ظهرت كلمة “الأمازيغية” ثمة من تقبلها وثمة من لم يتقبلها وذهب الناس في ذلك مذاهب وتأويلات شتى، وليست العبرة في الأسماء ولكن في حقيقة المسميات، فقد يكون “زيدا” رجلا طيبا وقد يكون سيئا.

لم  يقل بلغيث شيئا جديدا البتة، كل ما تطرق إليه هو موضوع نقاش علمي وثقافي قديم كُتبت فيه الكتب والمقالات والبحوث بلا  حد ولا عدد، منها ما يؤيده ومنها ما يعارضه، والتصريحات التي أساءت لعناصر الهوية الأخرى الإسلام والعربية كثيرة، وثمة من فعل ذلك وهو مبجل مقرب في وسائل الإعلام ولدى السلطات.

إن بيان التلفزيون الجزائري وتحريك القضاء لوقف دكتور بلغيث سيؤجج الاحتقان الهوياتي ولا يهدئ الأوضاع.

وعجيب ما اطّلعت عليه في بيان لأحد الأشخاص البارزين  في رده على الدكتور بلغيث ببيان رسمي إذ ذكر الهوية العربية والأمازيغية ولم يذكر الإسلام الذي يجمعنا.

والأخطر أن  سياسية معروفة نفت هويتنا العربية في ردها على دكتور بلغيث ودعت إلى الانسحاب من الجامعة العربية

إن ما يجب الانتباه إليه أن الصراع حول قضايا الهوية أمر طارئ في تاريخ الجزائريين أنشأه الاستعمار الفرنسي وغذاه أزلامه الكامنون في مفاصل الدولة للمحافظة على نفوذهم  واستعمله الاستبداد بشكل عام لإلهاء الجزائريين عن قضايا أساسية تتعلق بحرياتهم وبمصيرهم ومستقبلهم.

أيها الجزائريون إنكم جميعا إخوة كما قال الله تعالى: (( إنما المؤمنون إخوة)) وإن العلاج الحقيقي لقضايا الهوية هو التزام الجميع بتعاليم ديننا الحنيف.

والآيات والأحاديث المؤسسة لإبطال التفاخر بالأعراق والأنساب كثيرة منها  ما جاء في خطبة المصطفى عليه الصلاة والسلام مما ورد في سنن الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -كبرها وفخرها- وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}

 

د. عبد الرزاق مقري

لا شك أنّ الحالة الديمقراطية في السنغال متقدمة على دول أفريقية كثيرة، وعلى كل الـدول في العالم العربي، فالتعددية الحزبية عريقة، وهوامش الحرية واسعة، والمجتمع المدني حرّ ونشيط، والتداول السلمي على السلطة تحقق فعليًا عدة مرات بين الموالاة والمعارضة، غير أن التغيير الذي حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في 24 مارس/آذار 2024 مختلف عن المنافسات السابقة، وقد حرصت في زيارتي إلى دكار بعد الانتخابات أن أدرس التجربة عبر الاستماع المباشر والنقاش مع الفاعلين السنغاليين من الناطقين باللغتين: العربية والفرنسية، وذلك بغرض الاستفادة من التجربة في نماذجنا السياسية والاجتماعية المستعصية على الديمقراطية في بلادنا العربية.

 

تيار شبابي جارف

لقد كان التدافع السياسي في السنغال يجري في المراحل السابقة ضمن منظومة سياسية واقتصادية وثقافية واحدة، تدور في فلك الهيمنة الغربية الفرنسية، رغم الفروقات التي تظهر بها هذه القوى والشخصيات السياسية المتنافسة أو تلك، خلافًا للتغيير الذي حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي يمكن إدراجه ضمن الصحوة الأفريقية العامة ضد التبعية للقوى الاستعمارية. غير أن السنغال اختارت الاعتماد على رصيدها الديمقراطي بدل اللجوء إلى الانقلابات العسكرية، كما حدث في عدد من دول غرب أفريقيا.

 

إن من ميزات التغيير الحاصل في السنغال، أنه جاء ضمن تيار شعبي شبابي جارف فرض نفسه على التوازنات القائمة، قدم نفسه عبر خطاب راديكالي بسيط وواضح كبديل لحالة الفساد المستشري والفشل في تحقيق التنمية والتبعية للقوى الخارجية، وكضامن للهوية الإسلامية السنغالية المدرجة على هامش الشأن العام من قبل النظام العلماني المتحكم.

 

لم يكن قادةُ التغيير الذين نجحوا في الانتخابات من المنظمات الدينية والحركات الإسلامية، ولكن كثيرًا منهم نشؤُوا في فضائها العام ويعدّون من ثمارها، ومنهم قائد المعارضة عثمان سونكو الذي كان عضوًا نشطًا في جمعية الطلبة والتلامذة المسلمين أثناء دراسته الجامعية وبقي قريبًا من مختلف الجمعيات والمنظمات الإسلامية، فكان قريبًا من الطريقة المريدية، ومن جماعة عباد الرحمن، واتحاد العلماء والدعاة، ويحضر الحلقات المسجديّة إلى أن انخرط في العمل النقابي والسياسي فأخذ وجهة تختلف عن العمل الإسلامي التقليدي.

حيث ركّز على التيار بدل التنظيم، وعلى الاتصال الجماهيري المباشر والتحكم في وسائل الاتصال الحديثة، وعرْض البدائل عبر المقالات والمبادرات، وتوسيع شبكة العلاقات والتحالفات، وحتى حينما أسس حزبه “الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة – باستيف” عام 2014 جعله أشبه إلى الشبكة منه إلى الحزب، ينخرط فيه من يجتمعون في رؤية التغيير وأهدافه، ويتنوّعون فيما سوى ذلك، ويضبط التوجهات قادة مقتدرون من خلال التأثير وليس عبر المواقع التنظيمية.

 

دور إيجابي

لم تكن الموجة التغييرية التي قادها عثمان سونكو، صاحب الخمسين سنة من العمر، بلا ثمن، فقد تعرّض لمضايقات كثيرة، حيث فُتحت له قضايا كيدية عديدة في المحاكم وتم سجنه بحجة تهديد الأمن العام. وتحسبًا لعدم السماح له بالترشح للانتخابات الرئاسية، قدّم إلى جانب ملفه ملفَّ صديقه وأمين عام الحزب ورفيق دربه في النضال النقابي ثم الحزبي باسيرو ديوماي فاي صاحب الأربع والأربعين سنة من العمر، الذي فاز في الانتخابات الرئاسية، باسم التيار الذي مثّلاه.

 

لم يكن باسيرو أقل شكيمة وشجاعة، أو أقل كفاءة في نقد النظام الحاكم وتقديم البدائل، فيرجع له الفضل في إدارة شؤون الحزب، وفي الخطاب التغييري الواضح، وهو – مثل سونكو – ذو خلفية مالية اقتصادية وقانونية، وقد تعرفا على بعضهما بعضًا في الإدارة العامة للضرائب وفي نقابة اتحاد الوكلاء الضريبيين التي أسسها سونكو عام 2005 والتي كان لها فضل كبير في تعرية الفساد ورجاله، ودخلا السجن معًا وترشحا من داخل السجن معًا كمرشحين مستقلين بعد حل حزبهما باستيف، وها هو باسيرو، الرئيس المنتخب، يعيّن صاحبه وصاحب الفضل عليه، سونكو، رئيسًا للحكومة لينتقلا معًا من تحدي العبور بأفكارهما نحو الدولة إلى خدمة الشعب السنغالي بها.

 

لقد كان للتيارات الدينية والمنظمات الإسلامية دور إيجابي في خفض التوتر بين الرئيس السابق ماكي سال، والمعارضة بقيادة سونكو وباسيرو، وقد أدت وساطةُ قادَتِها إلى إطلاق سراح الرجلين من السجن، ولكن كان أكثر هؤلاء القادة الصوفيين والإسلاميين مع الرئيس السابق ماكي سال قبل الاحتدام الانتخابي – تمامًا كما هو حال الميل إلى السلطة الذي بات ملازمًا لأغلب الحركات الإسلامية الوسطية – إلى أن غلبتهم قواعدهم، خصوصًا على مستوى الشرائح الشبابية وبشكل أخصّ في طوبى عاصمة الطريقة المريدية، ثم بيّنت النتيجة الانتخابية التاريخية التي حسمت في الدور الأول لصالح المرشح الشاب المحمول من التيار الشعبي ما لم يكن يتوقّعه قادة التيار الإسلامي.

 

لقد فرضت الدولة العلمانية عبر عقود من الزمن أن يكون التنافس على السلطة بين الأحزاب والنخب العلمانية فقط، ولم يستطع قادة التيار الإسلامي بناء رؤية سياسية جماعية لفرض توجهاتهم الإسلامية ديمقراطيًا رغم حضورهم الشعبي القوي، عبر طرقهم الصوفية ومنظماتهم الدعوية والثقافية والاجتماعية وغيرها، كما لم تكن محاولة بعضهم الحزبية ناجحة عبر حزب الإصلاح من أجل التنمية الاجتماعية.

 

التحرر من التبعية

ولكن ها هي أفكارهم وتطلعاتهم يتبنّاها تيار شعبي عريض يقوده قادة مقتدرون تأثروا بهم، يمثلون أفكارَهم ولكن لا يمثلون جماعاتهم ومنظماتهم، يمثلون أفكارهم التي عبّر عنها باسيرو، وسونكو وأنصارهما في المنافسة الانتخابية، من حيث الدفاع عن الإسلام وخدمة اللغة العربية، وفي موضوع السيادة والتطلع إلى التحرر من التبعية الثقافية والاقتصادية للقوى الاستعمارية، وعلى رأسها فرنسا، وفي محاربة الفساد، وصيانة الحريات، وفي الحرص على تحقيق التنمية وتحسين الظروف المعيشية لعموم السنغاليين، وربما في القضية الفلسطينية.

إن التحدي اليوم كبير أمام باسيرو وسونكو، للنجاح في هذه التحديات الستة: (الإسلام، السيادة، الحريات، إنهاء الفساد، التنمية، القضية الفلسطينية)، كما أن التحدي كبير على الحركات الإسلامية في السنغال لتنظيم أنفسهم على أساس رؤية مشتركة تقوم على الأسس الستة المذكورة للتعامل مع النظام الجديد القريب إليهم، الذي بات يستوعب عددًا كبيرًا من إطاراتهم وشبابهم في الحزب الحاكم الجديد ومؤسسات الدولة، فلعلهم يقدمون مقاربة جديدة للتيار الإسلامي في البلاد العربية، الذي طالت معاناته مع الاستبداد، فلم يفلح في العبور بالفكرة إلى الدولة، فباتت قواه وأحزابه محبوسة بين الصدام والاستئصال مع الأنظمة الاستبدادية، أو التبعية والاندماج فيها، أو قلة التأثير والفاعلية.

 

د. عبد الرزاق مقري

لا يمكن فهم كيف ضاعت فرصة الحراك الشعبي دون فهم الأسباب والظروف التي أنشأته، والفواعل السياسية والاجتماعية التي حركته. لم يكن الحراك طفرة مفاجئة نزلت من السماء بلا مقدمات ومسببات، ولكن كان ثمة مسار تراكمي أدى إليه.

حينما كانت أسعار البترول قد بلغت حدا غير مسبوق (تجاوز حد المائة دولار في عام 2008 إلى أن بدأ يتجه إلى الانهيار منذ نهاية عام 2014) كانت معارضة بوتفليقة كمن يسبح ضد التيار، إذ ساهمت البحبوحة المالية في تضخيم فقعات الزبونية والانتهازية، وباتت الشخصيات والمؤسسات الطامعة في الريع تتوالد، ولم يكن ينبه إلى أن الجزائريين كانوا يعيشون وهما كبيرا إلا عدد  قليل من السياسيين، بعضهم يعتمد على خبرته السياسية أو معارضته المبدئية، أو انتباهه إلى تعاظم شبكات الفساد في كل المستويات، وبعضهم يعتمد على الدراسات الاقتصادية والاستشرافات المستقبلية الدالة على انفجار حتمي للفقاعة المالية، وبعضهم يجمع بين هذا وذاك. وقد كنا بحمد الله ممن نبه الجزائريين إلى الخداع الكبير والهشاشة الاقتصادية وتعاظم منظومة الفساد، وتنبأنا بانهيار المنظومة، ومقالاتنا وفيديوهات تصريحاتنا لا تزال منشورة.

لقد فهمنا التفاهمات والتحالفات التي جاءت ببوتفليقة في وقت مبكر، وعلمنا من هي خاصته ومن هم خصومه داخل المنظومة، وكيف مر من العهدة الأولى إلى الثانية المتفق عليها بين من أتوا به، وكيف تفرقوا عند العهدة الثالثة وكيف بدأ الشرخ يتسع بينهم عند العهدة الرابعة. لم تكن العهدة الخامسة هي القطرة الأولى التي أفاضت الكأس، بل كانت قبلها العهدة الرابعة. لقد كانت العهدة الرابعة هي عهدة النزول نحو الهاوية، لذلك عارضناها وخرجنا إلى الشارع  احتجاجاً عليها.

 لقد تأكد ظننا بأن هذه العهدة ستُدخل البلد في وضع خطير جدا، اجتمعت فيها الأزمة المالية بسبب انهيار أسعار البترول، وتحلل السلطة حول الرئيس المريض، وتعاظم صراع الأجنحة، والاحتقان الاجتماعي،  وتحكم  رجال الأعمال المستفيدين والمال الفاسد والفساد المعمم. وفي آخر العهدة بات منصب الرئاسة شاغرا فعليا والصراع على أشده بين أقطاب المؤسسة الأمنية والعسكرية في البلاد، من يملأ الفراغ ومن يتحكم في مسار الاستخلاف، وظل شقيق الرئيس حلقة الوصل وتعلّة الحكم وقابض الأختام.

في ظل هذه الظروف المعقدة استطاعت المعارضة أن تتكتل في تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي ثم في اجتماع لم يعرف له مثيل منذ الاستقلال في  مازفران، وقد كان لنشاطها وتحليلاتها ومشاريعها دور أساسي في تشكيل الوعي لدى الجماهير بما أدى لاحقا إلى الحراك الشعبي الكبير.

تسبب صدود السلطة عن المعارضة ورفضها الحوار معها من أجل الانتقال الديمقراطي إلى تفكك جبهة المعارضين ثم اختلفت وجهتهم بشأن الانتخابات التشريعية 2017، وتوجهت أحزابهم الأساسية إلى المشاركة من أجل البقاء في الساحة السياسية بمنطق محاولة الإصلاح من الداخل وترقب فرص أخرى للتغيير. وفي  2018 تأكد لدينا في حركة مجتمع السلم بأن تحلل السلطة قد بلغ مداه وأن الرئاسة في حالة ضعف شديد وأن تلك هي الفرصة للعودة لفكرة الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه عبر مشروع جديد سميناه التوافق الوطني.

عندما بدأنا بالدعوة الى مبادرة التوافق تفاجأنا بقبول سريع من الرئاسة للحوار، وبعد الحوار مع أحزاب المولاة ثم بعض الشخصيات الوزارية المقربة من الرئيس توصلنا إلى الحوار مباشرة مع الرئاسة في مقرها بزرالدة فتأكد لدينا بأن الرئيس وعائلته لا يريدون العهدة الخمسة وإنما يبحثون عن مخرج آمن يحفظهم، وأنهم تحت ضغط شديد ممن يريدون فرض العهدة الخامسة على الرئيس وقد أُخبِرنا بمن هم أولئك.

لقد كانت تلك الظروف فرصة تاريخية لتحقق الانتقال الديمقراطي على نحو ما وقع في عدد من الدول التي نجحت فيها الديمقراطية بعد حالة ضعف في الحكم أدى الى ميزان قوة مناسب للحوار والتفاوض مع المعارضة. وبالفعل قبلت الرئاسة الورقة  التي عرضناها عليهم كاملة دون أي تغيير، بما يقتضي تغيير الدستور للتحول نحو نظام برلماني أو شبه رئاسي بصلاحيات كبيرة للبرلمان ورئيس الوزراء الذي ينجح حزبه، علاوة على تغيير قانون الانتخابات وتشكيل هيئة وطنية لتنظيم الانتخابات بالتشاور الكامل مع المعارضة، ولم نكن نحتاج إلا لستة أشهر أو سنة لتحقيق كل ذلك لتُنظم عندئذ انتخابات رئاسية لا يترشح فيها الرئيس بوتفليقة وقد تكون معها انتخابات تشريعية متزامنة.

لقد كانت والله فرصة عظيمة، ولم يكن مطلوبا سوى أن تقبل المعارضة بهذا الانتقال السلس وقد كلفت بالاتصال بهم، وأن تقبل قيادة الأركان الخطة وكلف شقيق الرئيس بالاتصال، وإني لأشهد أمام الله  أن المعارضة ليست هي من ضيع الفرصة وإنما رفضُ المخطط الذي اقترحناه و قبلت به الرئاسة  جاء من داخل نظام الحكم، إذ بُلِّغت رسميا في مقر الرئاسة بأن القرار قد اتخذ بالمرور للعهدة الخامسة – خلافا لرغبة الرئيس المريض الفاقد للأهلية – وأنها ستمرر بلا عناء! وكأن الرسائل التي جاءتهم من خنشلة ومن خراطة والعديد من جهات الوطن لم تنبههم.

بعد يأسنا من تحقيق التوافق الوطني قررنا الترشح للانتخابات الرئاسية وأعلنا عن ذلك في 26 جانفي 2019  وكان يدفعنا الى هذا الخيار ما كنا نخشاه من تآمر من جهات عديدة من داخل الحكم وجهات أيديولوجية  على تنظيم استخلاف لبوتفليقة حتى وإن رشح هذا الأخير نفسه، ثم جاء الحراك فتأجلت الانتخابات.

 عندما ُأعلن عن ترشح الرئيس تعمّق الاحتقان بشكل متسارع، وساعد في تضخمه قوى من داخل النظام السياسي ممن كانوا يتصارعون مع مهندسي العهدة الخامسة المسيطرين على الرئاسة.

لقد كانت الأسباب المشكلة للاحتقان كثيرة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولكن شعور الجزائريين بالهوان أمام الشعوب أن يرأسهم لعهدة جديدة  رئيس غائب لمدة عهدة كاملة سابقة هو الصاعق الذي فجر البرميل.

لقد كنا في حركة مجتمع السلم  أدرى من غيرنا من حالة الضياع التي كانت فيها الدولة. وبعد فشل محاولتنا لتحقيق انتقال ديمقراطي تاريخي على أساس تحول كان جاريا لميزان القوة يعفي بلدنا من مخاطر المواجهة أدركنا بأن الثورة وشيكة،  بنا أو بغيرنا،  فشرعنا في تحضير أنفسنا لها بتعميمٍ لكل هياكلنا بأن يستجيبوا  لدعوة النزول للشارع يوم 22 فبراير، وفي يوم الجمعة الأولى نزلنا ضمن مجموعة قيادية في الساعة الأولى، وكان بعض مناضلينا من الجرحى الأوائل، وطلائع المقبوض عليهم، ومنهم  ابني الذي أصيب في وجهه بشذية كادت تصيب عينه.

قررنا في الحركة أن نشارك في الحراك ولكن لا نتصدر الجموع لكي نحفظ الفرصة من الصراع الحزبي، ولكن كنا ندرك  أن تلك الجموع الهادرة في الشوارع لن تحقق إنجازا إن لم تجتمع القوى السياسية والاجتماعية على رؤية جماعية قائدة، لذلك رجعنا لأقطاب تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي لنستأنف التنسيق، وقلت لرئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية آنذاك بأنكم كنتم تقولون “لا معنى للانتقال الديمقراطي دون النزول للشارع، وحا نحن الآن جميعا في الشارع فلما لا نعود لمشروع مازفران والانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه؟” فقال لي: “لا ننسق إلا مع من يعملون من أجل القطيعة”، وقد اتضح بعد ذلك بأنها كانت رغبة لاحتكار الحراك بسبب حاضنتهم الاجتماعية الكبيرة في الجزائر العاصمة التي تمركزت في ساحات البريد المركزي (خلافا لضعفهم الشعبي في أغلب ولايات الوطن الأخرى) . فكان ذلك الموقف وتلك التصرفات السياسية بداية تفكك الحراك وضياع الفرصة الشعبية العامة.

لم نتوقف عن الحوار والبحث عن المساحات المشتركة مع الأحزاب والمنظمات، وكان اجتماع ” المنتدى الوطني للحوار” في عين البنيان فرصة أخرى ضائعة إذ رغم نجاحه في جمع أعداد هائلة من الأحزاب والجمعيات من مختلف التيارات لم يستطع جمع كلمة المعارضة، بسبب غياب أحزاب التيار العلماني، وبسبب عدم الاهتمام به من قبل السلطات التي تحكمت في الأوضاع بعد حالات الاضطراب في الأسابيع الأولى.

إن الأطراف التي لم تهتم بالملتقى الوطني للحوار، من المعارضة العلمانية والقوة الصلبة في السلطة،  هي التي تسببت في ضياع فرصة تحقيق نتائج الحراك لصالح الجزائر وكل الجزائريين . لقد كان كل طرف من هاذين الطرفين يسعى لاحتوائه  وحده لأسباب سياسية وأيديولوجية. وكان كل طرف من الطرفين، علاوة على ذلك، يتهيب من التيار الإسلامي أكثر من الآخر، ويعمل كلاهما على وضعه في الزاوية المهملة بالرغم من أنه  يمثل الأغلبية الانتخابية المعبر عنها في كل انتخابات لو لا المنع والتزوير الانتخابي. وكان الإسلاميون ذاتهم متفرقين يخاصم بعضهم بعضا حتى داخل الحراك، وبعضهم يستعد أن يُركب ويخدم مشروع غيره من أجل الانتقام أو مصالح حزبية أو شخصية ضيقة للأسف الشديد. فلم تكن المعطيات، لهذه الأسباب وغيرها، مشجعة لتحقق المأمول من الهبة الشعبية. 

ومن غرائب الأحداث أن الجهة التي فرضت العهدة الخامسة داخل السلطة ( وأنا شاهد أمام الله على ذلك)  وتهجمت على الجماهير في الحراك بنعتهم “شرذمة” هي ذاتها التي تبنته بعد ذلك وضغطت على بوتفليقة لكي يستقيل. لقد أدركت هذه الجهة بأن ثمة جناح آخر من السلطة يستثمر في الحراك وله قدرة على تجنيد  بعض قادة الأحزاب والجمعيات وخصوصا أحزاب التيار العلماني المتمركز شعبيا في ساحات البريد المركزي، فسبقته في تبني الحراك، ولم يكن أحد من هؤلاء أوهؤلاء صادقا في تحقيق المطالب الديمقراطية للحراك، وإنما كانت “لعبة سلطة ونفوذ” أدت  إلى كسر العظام بينهم في الأخير، ولا تزال التدافعات قائمة إلى الآن، ولم يكن رفضنا لاقتراح مرحلة انتقالية يقودها اليامين زروال التي جاء إليها بعض رؤساء المعارضة متحمسين في لقاء تنسيقي عُقد في مقر أحد الأحزاب بزرالدة إلا لعلمنا بتلك اللعبة.

 اشتد الصراع بين الأطراف المتصارعة داخل الحراك، واقحم فيه الصراع العرقي بشكل مقيت أنشأ عداوة جاهلية  بين الجزائريين لم يعرفوها من قبل، وبدل حل كل المشاكل وازالة مخاوف مختلف الأطراف بالحريات والديمقراطية ودولة القانون، أدى الصراع في الحراك إلى تحكم النظام السياسي من جديد في الأوضاع، وفي وقت مبكر قبل كرونا بات واضحا بأن الاستقطاب الشديد داخل وحول الحراك قد ضيّع الفرصة.

رغم تراجع حماس مناضلينا في المشاركة في الحراك  بسبب الاستقطاب بقينا نحافظ على التزامنا بالحضور كل جمعة، وحينما قُرّر تنظيم الانتخابات الرئاسية في 12/12/2019 رُجّح قرار عدم المشاركة بسبب استمرار بقاء الناس في الشارع وللنّأي بالنفس من أن يُسجّل في تاريخنا بأننا كنا من المتسببين في وقف حراك الجزائريين من أجل الحريات، وبقي الاختلاف في الرأي مستمرا طويلا بيننا، هل كان رأينا سديدا أم لا؟

ولكن مهما يكن من أمر لم نتسبب أبدا في تفريق الناس في الحراك، ولا كنا مسؤولين عن الاستقطاب الذي حصل، ومهما كانت خسارة عدم مشاركتنا في الانتخابات الرئاسية فلن يُكتب علينا التاريخ بأننا ممن تسبب في وقف تلك الهبة الشعبية التاريخية،  إلى أن جاءت كورونا فأعطت غطاءً أخلاقيا لمن بقي وفيا دون فاعلية ليتوقف دون تأنيب الضمير .

وفي المحصلة لم ينجح أحد من كل المكونات السياسية، ولئن اعتُقد بأن الجهة التي فرضت العهدة الخامسة ثم انقلبت عليها بسبب الحراك هي التي نجحت  فقد دارت عليها الدائرة من بعد، ومن كان في الشارع وفي أروقة الحكم يواجهها صار إلى أضعف ما يتصور في تاريخه، وبقيت البلاد كلها تترنح فلم ينجح بضياع فرصة الحراك أحد في البلاد، وتشكل لدى قطاعات واسعة، حتى عند المتحزبين بأن الإصلاح من الداخل أمر مستحيل، وأن بقاء العمل السياسي تحت سقوف التحكم السلطوي ما هو إلا تفاهمات ضمنية بين مكونات الساحة السياسية محصلتها لصالح الأشخاص وليس لصالح البلد ونهضته. ولكن لا ندري لعل الحراك صنع ثقافة عامة كامنة سيصطلح بها العمل السياسي ولو بعد حين، لعل تلك الثقافة تنشئ تيارا شعبيا عاما  يُبدع طرقا سلمية غير تقليدية للتغيير لصالح الجزائر وكل الجزائريين.  

 

د. عبد الرزاق مقري

حمل الحراك الشعبي في الجزائر آمالا عريضة للتغيير ، واعتقد مئات الآلاف في مسيراتهم اليومية الأسبوعية أنهم قد ابتكروا طريقة حضارية لم يسبقهم إليها أحد في التغيير. لقد ظنوا بأن مسيراتهم السلمية النظيفة العامرة بالابتسامات، الخالية من العبارات الحادة، ومن الأصوات العالية، والنظرات الغاضبة، والسّير جنبا إلى جنب بجل المدن الجزائرية في مواكب متنوعة، فردية وعائلية ورجالية ونسائية، من كل التيارات والتوجهات، بدون هتافات حزبية ولا لافتات أيديولوجية ستقنع أصحاب القرار في البلاد بأن وقت التغيير قد قدِم بعد أكثر من ستين سنة من الأحادية الحزبية ثم الديمقراطية الصورية، ولا مجال للتأجيل.

لقد اعتقدوا بأن أعدادهم العظيمة وسلوكهم الراقي سيكون كافيا للتغيير والانتقال الديمقراطي ولتحويل وجهة الجزائر من الفساد والفشل والاستبداد إلى الشفافية والفاعلية والعدالة والتطور والازدهار بسلاسة ولمصلحة الجميع.

انطلق الحراك العظيم يوم 22 فبراير 2019 واستمر قرابة سنة ونصف، وأخذ يتراجع بشكل متدرّج إلى أن توقّف نهائيًا بسبب كورونا ولكن، رغم هذه المسيرات السلمية الاحتجاجية الأطول في تاريخ الجزائر وفي تاريخ  أغلب شعوب العالم لم يحقق الحراك الشعبي أهدافه، سوى إسقاط العهدة الخامسة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، التي لم تكن في حقيقة الأمر  سوى السبب المباشر لاندلاع الحراك، لم يتحقق شيء من الأسباب العميقة التي صنعت الاحتقان المتراكم.

إن الحالات والمظاهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت شائعة قبل الحراك بقيت مستمرة بعده إلى الآن، وأشياء أخرى مؤسفة زادت. لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية إذ لا زلنا نقبع تحت التبعية للجباية البترولية، ولم يعطنا فسحة من الزمن إلا ارتفاع أسعار المحروقات لأسباب خارجية ليست قابلة للدوام، وكان التوجه الرسمي أثناء تدهور الأسعار قبيل الحرب في أوكرانيا نحو مراجعة سياسة التحويلات الاجتماعية ومراجعة سياسة الدعم، وعند أول ارتفاع لمداخيل البترول تم التراجع عن ذلك والعودة المكثفة لسياسات شعبوية سنرى آثارها السيئة لاحقا حتما، ومع ذلك استمرّت الأحوال المعيشية للمواطنين متعثرة، وبالنسبة للبعض مستحيلة.

لقد بقي الشعب الجزائري، يعاني معانات ثقيلة، يعتمد الفقراء على المساعدات والتضامن العائلي، وتكابد الطبقة الوسطى  لحفظ التوازن المالي الأسري، ورغم المجهودات الكبيرة والقوانين المشجعة لم ينشأ نسيج صناعي فعلي ينتج البضائع الجزائرية ويوفر فرص الشغل للناس، وخصوصا الشباب، ولم يتحقق اكتفاء ذاتي في المنتجات الغذائية والصيدلانية، ورغم التوزيع المكثف للسكنات في مواسم محددة معلومة بقيت أزمة الإسكان مستمرة، وما يوزع يكتنفه كثير مما يمكن أن يقال.

وفي مجال الخدمات تعمقت أزمة التعليم، ونخر الفساد مختلف مستوياته الإدارية ومكوناتها البشرية، وهجر أعداد كبيرة من المتعلمين الأقسام الدراسية النظامية نحو التعليم الموازي وبرامج الدعم الذي بات هو الأصل، ولم تتحول الجزائر إلى قبلة سياحية رغم المقدرات العظيمة، ولم تتطور المنظومة البنكية والمصرفية، وظلت مستشفياتنا تسير  بأنماطها الرديئة القديمة تهجرها الكفاءات الطبية العالية، نحو قطاع خاص فوضوي أو إلى دول أخرى، ضمن هجرات العقول لتأخذ بلدان أخرى عوائد  استثماراتنا البشرية. وفي السياسة الخارجية باتت الجزائر جزيرة معزولة لا تعرف كيف تحل مشاكلها مع أغلب جيرانها.

لم يتوقف الفساد البتة بل توسعت شبكاته إلى مختلف المجالات والمستويات، ولا زال الفساد مع استحالة التدافع والرقابة على الشأن العام وسياسات تمكين الرداءة الموالية والإدارة المتكلسة وغياب الإبداع وتهميش الكفاءة هو ما يسبب في التعثر المستدام المذكور. والذي أقوله هاهنا أقوله، يعلم الله، بدون أي شغف فلم يبق للسياسة في بلدنا طعم، ولا لأنني أريد النيل من جهة أو من أحد، أو أخدم طموحا أو بغية خفية، وإنما هو الضمير فحسب.

إنه علاوة  على كل ما ذُكر مما بقي من سلبيات بعد الحراك،  ثمة مظاهر سيئة ومدمرة تنامت في الجزائر بعد الحراك الشعبي وهو ما يتعلق بمجال الحريات. لقد كنا في زمن بوتفليقة نقول ما نشاء، بل كان معارضوه يقولون فيه هو ذاته ما يتجاوز حدود المعقول، ولم تكن في عهده المتابعات وملاحقة المدونين وسجن المعارضين والمنع من السفر سلوكيات شائعة.

لقد كنت أرفع السقف ضد بوتفليقة إلى أبعد الحدود، إلى حد أن البعض اتهمني بالراديكالية، وثمة من نصحني بقوله: ” احذر من إذا قال فعل” والغريب أن هؤلاء هرعوا إلى الحراك ضد بوتفليقة حين تأكد اقتراب نهايته.

لقد كنت اتَّهم العهد السابق للحراك  بأنه عهد الفساد والفشل وأن ذلك النظام   هو الخطر الوحيد على البلد، وخرجنا الى الشوارع بلا إذن قانوني ضد العهدة الرابعة، وضد الغاز الصخري، ومن أجل فلسطين، وضمن أنشطة تنسيقية الانتقال الديمقراطي، ولم أُمنع البتة من الحديث ومن المشاركة في القنوات الفضائية، كما لم يُمنع غيري من الشخصيات السياسية الحزبية والمستقلة، وكانت السياسة المتبعة في عهد بوتفليقة هو تكليف قوى موالية لمواجهتنا سياسيا وإعلاميا، وكان بعضهم من إطارات وقيادات أحزابنا متطوعين لذلك، لم يكن بوتفليقة يمنعنا ولكن كان يفعل ذلك. خلافا لما نعيشه الآن من غلق واعتقال ومتابعات قضائية في وجوه المخالفين الجادين والمعارضين الذين لا يُلزمون أنفسهم بسقوف محددة سياسيا. وكم هو صغير ذلك التصرف الذي حدث لي قبل شهر تقريبا، حين فاجأني على غير العادة صحفي من فضائية جزائرية مشهورة دعاني لحوار معه في القناة. قلت في نفسي ربما تصرف هذا الصحفي دون مراجعة للمسؤولين فتوجهت له بعد نهاية الحصة قائلا” هل أنت متأكد بأنك ستستطيع بث هذه الحصة” فقال: “لا توجد مشكلة، لا يوجد في ما قلت ما يمنع بثها”، لم يكن يعلم صديقي بأن سياسة الغلق لا تتعلق بما يقول السياسي المعارض حقيقة فحسب، بل في ظهوره في وسائل الإعلام”، لم أشأ أن أذكر الصحفي باسمه والقناة ذاتها لأنه طلب مني التريث، ولكن هذا التصرف لا يدل على نجابةِ من كان وراءه في زمن توجد فيه طرق إعلامية كثيرة تتيح ظهورا أكثر انتشارا.

لقد وصل التضييق على المخالفين والمعارضين في هذه المرحلة حدا جعل الأحزاب والمؤسسات الإعلامية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني تضع لنفسها محددات ذاتية، أو ما يسمى بالرقابة الذاتية، فعرف الجميع الخطاب المسموح به وسقف النقد المتحمل، فلا يجرؤ أحد على تجاوزه، فرجعنا إلى زمان قديم غابر يسمى فيه الخطاب ” لغة الخشب”، أي الخطاب غير الناقل للمعاني والأفكار، والمواقف التي لا تصنع التدافع الضروري لمنع الفساد والاستبداد والتي لا تؤدي إلى الإصلاح والتغيير وصناعة موازين القوة الضرورية لبقاء الحياة السياسية واستمرار الأمل في التغيير. تماما كما هو الخشب المانع لنقل الكهرباء.

لقد تطلّب تجاوز خطاب “لغة الخشب” نضال عقود طويلة صنع قادةً وزعماء أصحاب مواقف وفكر ورأي وشجاعة، وهيّأ لبروز حياة سياسية حقيقية في البلاد رغم هيمنة الحزب الواحد ومخاطر التحول السياسي الخطير في التسعينات إلى غاية الحراك الشعبي، ثم ها نحن بعد الحراك نعود إلى مرحلة “موت السياسة” وشيوع “لغة الخشب” وغياب يكاد يكون كليا لرجال الفكر والسياسة والمواقف،  الذين تحرك مواقفهم وتصريحاتهم وأفعالهم الأحداث.

إنه لجدير بنا ونحن في الذكرى السادسة للحراك الشعبي أن نطرح على أنفسنا السؤال: كيف حدث هذا؟ ومن المسؤول عن ضياع تلك الفرصة العظيمة.

شاء الله تعالى أن أكون حاضرا في تفاصيل الأجواء التي صنعت الحراك الشعبي وأثناءه وشهدت على الأسباب التي جعلته يتوقف وكيف أنه لم يحقق أهدافه، وما أقدمه في هذا المقال هو تقرير مختصر عما عرفته وأعرفه، متوخيا في ما أقول الصدق والحق، مدركا حقيقة شناعة قول الزور في ديننا وفي القيم الإنسانية السوية. ولم أكن مهتما بكتابة شيء ما عن الذكرى السادسة للحراك حتى رأيت غيري قد كتب، وبعضهم لم يكن مؤيدا في الحراك في مبتدئه، وبعضهم لم  يكن محقا ولا مصيبا في ما كتب، فلا بد لي أن أقدم شهادتي راجيا من الله تعالى أن يكون ذلك مصداقا لقوله: (( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه))

.. يتبع

د. عبد الرزاق مقري

حظي المقال السابق “الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” الذي نشر في موقع عربي 21 الأسبوع الماضي باهتمام المتابعين، ووردت بخصوصه تعليقات كثيرة تردد فيها السؤال عن الحل، وعدّ بعضها بأن ما ورد في المقال هو بمثابة “مراجعة فكرية أو تراجع عن خط سياسي سابق لحركة مجتمع السلم كنت أحد المسؤولين عنه، بل قدت الحركة به”.

رأيت من المفيد أن أكتب جزء ثانيا للمقال أتفاعل فيه مع هذه الأسئلة والاهتمامات والانتقادات المشروعة، لا سيما أنها صيغت بأساليب محترمة وذات مضمون فكري.

وقبل التطرق الى الموضوع الأهم المتعلق بتصورات الحل، أود أن أؤكّد بأن تناولي لمثل هذه المواضيع لا يتعلق ببلد معيّن أو حركة من الحركات الإسلامية بذاتها، بل هي دراسات وأفكار ومراجعات تتعلق بتجربة الحركة  الإسلامية بمجملها، وأنا أحاضر في هذا المقاربات في العديد من الدول، في الندوات الحضورية والافتراضية. لا شك أن مسيرتي في حركة مجتمع السلم تمثل قاعدة ارتكاز في التجربة، ولكن لا تتعلق بها وحدها، فهي تشملها وتتجاوزها من حيث اطلاعي العميق، النظري والعملي، على كل التجارب في مختلف الدول.

أما ما ذكر أن  هذه الأفكار  هي بمثابة مراجعات عن توجهات سابقة، فإن ذلك أمرا مطلوبا لا مِثلب فيه، فالعقول الراشدة هي العقول القادرة على التطور والمراجعة بحسب ما تتطلبه تطورات البيئات والتحديات والمتطلبات، لا سيما وأننا في أجل مائة سنة على تأسيس الحركة الإسلامية ولا شيء يبقى من أفكار مائة سنة ماضية سوى الثوابت العقائدية والأخلاقية والنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة العابرة للأزمنة والأمكنة، والقليل مما بينت التجربة وتوافق المسلمون على استمرار صلاحه. واهتمامي بالتطور الفكري في مناهج الحركات الإسلامية لم يبدأ بمقال ” الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” بل كتبت في ذلك كتبا مشهورة منها كتاب “الحركات الإسلامية: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الذي صدر في 2015 وقمت فيه بتقييم تجربة حركة مجتمع السلم منذ التأسيس الى تاريخ نشر الكتاب، وكتاب “البيت الحمسي” الأول في 2013، والثاني في 2018، ثم الكتاب المهم الذي نضجت فيه المراجعات والذي صدر في 2023  قبل خروجي من هياكل الحركة بأكثر  من سنة ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” والذي لا أتوقف عن تقديم مضامينه خارج بلادي. علاوة على المشاركات الإعلامية الكثيرة في هذا الشأن منها مشاركي في سبع عشرة حلقة من برنامج قناة الحوار “مراجعات” في 2016

وأود أن أسجل هنا بأن ثمة حدثين مهمين دفعا بي إلى مراجعات عميقة، أولهما في 1997 بعد صدمة تأسيس النظام السياسي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي والتزوير له تزويرا شاملا في الانتخابات المحلية والتشريعية، حيث ثبت لي أن الرؤية السياسية للشيخ  محفوظ نحناح رحمه لم تصبح قائمة، حيث كان رحمه الله يعتقد – كما سمعته بنفسي منه ودأب عليه العمل –  بأن المؤسسة العسكرية ستقدّر نهجه الوطني وسمته المعتدل وشعبيته القوية التي أكدتها الانتخابات الرئاسية عام 1995 وتقبل أن يكون بديلا على أساس ديمقراطي لجبهة التحرير الوطني والجبهة الإسلامية للإنقاذ فيكون هو محور بناء تحالف وطني يقود البلد  لمصلحة الجميع. ولكن عكس ذلك كله حدث وكانت رسالة النظام السياسي له واضحة بأنك “لست أنت البديل!” و”بديلنا نصنعه بأيدينا ولو بالقوة وبالتزوير”، و”إن أردت أن تكون على الهامش فمرحبا بك”. لم أخف قناعتي عن الشيخ محفوظ نحناح إذ أفصحت  له  عن رأيي بأنه لا بد من تغيير النهج السياسي والابتعاد عن السلطات الحاكمة والتحول إلى معارضة وطنية واضحة، والاستثمار في مؤسسات المجتمع المدني، وكتبت له في ذلك عام 1997  مذكرة نشرتها في عدة مناسبات منها كتاب ” مبادرات لحل الأزمات”، وبقيتُ على هذا الرأي إلى اليوم، بل كلما مر الزمن تأكدت التوجهات التسلطية غير الديمقراطية للحكم،  وطورت مقاربات تلك المذكرة – التي هي منبع أفكاري السياسية والاستراتيجية – عبر العديد من المساهمات منها الكتب التي ذكرتها أعلاه.

أما الحدث الثاني فهو فشل المفاوضات بيني وبين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على اثر النتائج الجيدة التي حققناها في الانتخابات التشريعية عام 2021، حيث بذلنا مجهودا كبيرا لتحقيق تلك النتيجة، رغم التزوير والعزوف الانتخابي،  حتى نكون مؤهلين للانتقال من مرحلة المشاركة السياسية التي نكون بها في واجهة الحكم إلى مرحلة الشراكة الفعلية في الحكم وفق نتائج الانتخابات.

  كنا نعتقد أن الحراك الشعبي سيحدث تغييرا مهما في أفكار والسلوكيات السياسية للحكام في الجزائر ليقبلوا منطق الشراكة في الحكم مع القوى السياسية المتجذرة في المجتمع الجزائري، ولكن الخطاب الذي واجهنا به رئيس الجمهورية هو ذات الخطاب الذي كان مع من قبله، بأن يختاروا هم لنا وزراءنا ولا دور لنا سوى الترشيح، ولا حظ لنا في البرنامج ولا علاقة لنا بالمواقع المهمة في الدولة.

لقد أكد لي هذا الحدث بأن العمل السياسي التقليدي في الجزائر  ميؤوس منه وأن العمل الحزبي لن يؤدي وحده إلى التغيير أبدا،  وأن سيرورة الانتخابات المعهودة ستبقى شكلية لا تساهم إلا في تثبيت ديمقراطية الواجهة.

لقد مثل فشل المحاولة  صدمة كبيرة لي أكّدت بأن سقف المعارضة السياسية الذي نحن عليه غير  مناسب لتجنيد الجماهير وصقل إرادة المناضلين من أجل التغيير، وقد صارحت المسؤولين الذين كانوا حولي في قيادة الحركة، و الذين بوّأتهم  بنفسي مواقع المسؤولية العليا فيها،  عدة مرات بأن سقف المعارضة السياسية الذي نحن عليه ليس سقفي وإنما هو سقفٌ توافقي تحريت فيه احترام نفسياتهم و ميولاتهم السياسية، وكذلك أهمية الانسجام ببننا.

لم يكن باستطاعتي المضي أكثر في تنفيذ الأفكار التي دونتها  في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، رغم النتائج الإيجابية التي حققها هذا التوجه في إطاره عام، ولم يكن ضمن خياري إحداث تحول ثوري داخل الحركة لتجسيد فكرة مسارات التغيير الثلاثية الواردة في الكتاب، بسبب بقاء سنتين فقط على نهاية عهدتي، وبسبب الملل الذي شعرت به لطول بقائي في هذه المسارات التقليدية دون نتيجة حاسمة،  فقررت أن أغادر الهياكل طامعا في أن الأجيال التي من بعدي سيكون لديها الوقت لتفهم يوما ما حالة الاحتباس التي فيها العمل السياسي في الجزائر فتتحمس أكثر لكتابة التاريخ بواسطة العمل الحزبي وصناعة ما لم استطع صناعته بنفسي،  وقد تركت لهم المقاربات التجديدية مكتوبة مؤصلة،  واعتقدت أنه سيسعني – من جهتي – الفضاء الفسيح في المجتمع وعلى المستوى الدولي لأواصل النضال الحر دون أي قيد تنظيمي، وأن عملي سيصب في المحصلة لصالح الحركة، وأننا سنصنع معا في الأخير، بشكل تكاملي، نموذجا جديدا ومنهجا متجددا تستفيد منه الحركة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

 لا يجهل أحد  أن التعاون مع الحركة التي مارست فيها الوظيفة القيادية لعقود طويلة  لم يتحقق، لأسباب نضعها عنده سبحانه ونتركها للتاريخ، ولكن مساهمتي في نشر الأفكار لا تتوقف ولا يحدها الزمان والمكان بحمد لله، راجيا من الله القبول، وأن تثمر في يوم من الأيام في أي مكان كان.

لم يصبح يهمني أن أعارض مناهج التغيير التي تسير عليها التيارات الإسلامية غير الإخوانية، فقد بينت الأحداث بأن المناهج  ليست من الثوابت، وإنما المآلات هي الحاكمة فثمة من كان يسمَّى إرهابيا صار رئيسا لدولة تتنافس الدول للاتصال به وتتباهى الشخصيات السياسية والفكرية، الرجالية والنسائية، المحلية والدولية،  التي كانت تعارضه لأخذ الصور معه،  بل إن بعض الدول التي كان يقاتلها صارت تعقد معه الاتفاقيات.

 غير أنني من جهتي لا زلت أؤمن بالمنهج السلمي في التغيير، ولا زلت أؤمن بأن المشاركة في الانتخابات لا تزال مفيدة في التدافع إن كانت ضمن استراتيجية المقاومة السياسية و السقوف المرتفعة والمنافسة الفعلية على السلطة الفعلية، وإن لم تكن وحدها التي يشتغل عليها القادة المناضلون، بعيدا عن سجون المصالح المعنوية والمادية الشخصية الضيقة. وكم كنت أضرب المثل بقادة الحركة الوطنية حين كانوا يشاركون في الانتخابات المزورة التي تنظمها الإدارة الفرنسية وهم في ذات الوقت يعدون للثورة.

بالرغم من أنني لم أكن راضيا عن السقوف السياسية التي كنت عليها وأنا على رأس حركة مجتمع السلم، وأعترف بذلك دون حرج، ولكن أقدّر بأنني استطعت أن أطبق المعالم الكبرى للمنهج الجديد الذي لم أغادر القيادة حتى صغته في مجمله في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، ولو أتيحت له الفرص ليواصل التجسيد لكان ربما جديرا بأن يصنع نهضة الحركة والبلد ويساهم في نهضة الأمة.

 ولذلك جوابي على من يقولون و”ما الحل؟” في تعليقهم عن الجزء الأول من مقال “الحركات الإسلامية واضطراب المناهج” هو أن يعودوا إلى كتابي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”، خصوصا الفصل الثاني منه.

 يتضمن الفصل الأول – تحدي العبور –  مضامين فكرية كثيرة عن التحديات الجديدة التي تواجهها الحركات الإسلامية وتمنعها من العبور بالفكرة الإسلامية الى الدولة لتنتقل من مرحلة الصحوة إلى مرحلة النهضة، والتي يجب التجديد فيها. ويتضمن الفصل الثالث – مواضيع العبور – المواضيع ومفاتيح الملفات الكبرى التي تحكم بها الحركات الإسلامية إن وصلت للدولة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية وفي العلاقات الدولية. 

أما الفصل الثاني – مسار العبور – فهو الجواب عن سؤال “ما الحل؟” وقد بينت فيه بأن العبور بالفكرة من المجتمع حيث صنعت الصحوة، إلى الدولة لكي تتحقق النهضة ثم الإقلاع الحضاري، يتم عبر ثلاثة مسارات أساسية.

أولها المسار التنظيمي والإداري وما يلزم ذلك من تطوير وتجديد في المنظومات التنظيمية والإدارية والموارد البشرية، لا سيما القيادية منها، على مستوى الفكر والعلوم والمعارف، وعلى مستوى التربية والأخلاق والسلوك، وعلى مستوى الكفاءة والمهارات، وعلى مستوى الإنجاز والفاعلية.

 وثانيها المسار الاستراتيجي وما يتعلق بصناعة القوة الناعمة في إطار قانوني يقوم على المبادرة والنضال  في المجتمع على المستوى الدعوي والاجتماعي والفني والإعلامي والمالي والنقابي والشبابي والنسوي، وغير ذلك، بواسطة شبكات المجتمع المدني الواسعة،  وعبر ما سميته بنظرية ” قطع الحبل السري” للتفريق بين اللجان والأمانات المحلية والمركزية للأحزاب التي تشبه الأعضاء الملتصقة بالجسم من جهة، والمؤسسات المجتمعية التي تشبه الأولاد والذرية من جهة أخرى، والتي يكون نجاحها باستقلالها العضوي عن الجسم مع الاجتماع في الرؤية والرسالة، ولا ضمان في نجاح الأمر سوى وحدة الفكرة وأخلاق الصدق والوفاء والمروءة والمقاصد المشتركة والقدوة والأهلية القيادية الجاذبة وذات التأثير.  وذلك ما يمثل مقاربة “التخصص الوظيفي” لصالح الفكرة الإسلامية في المجتمع بغض النظر عن الأحزاب التي تحملها، بما يضمن مستقبلا توفر رأي عام عميق يجسد الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ضمن المشروع الحضاري الإسلامي الواحد، على نحو مازعي عليه الأحزاب في الغرب التي تتداول ضمن المشروع الحضاري الغربي، المسيحي اليهودي، الواحد.

إنه لو قلّدت مختلف قوى الإصلاح والتغيير في العالم الإسلامي  فكرة الخط  الاستراتيجي والتخصص الوظيفي فذلك ما يصنع قوة المجتمع وحماية أصالته، ولا يمكن لأي سلطة ظالمة أن توقف مدها إذ أنها لن تستطيع أن تبرر ضربها لعدم ارتباطها عضويا بالأحزاب، إلا أن تقرر تلك السلطات غلق المجتمع كله، وقتل المبادرة في المجتمع كلية، بما يجعل الأمر ينقلب عليها عاجلا أم آجلا. 

أما مسار العبور الثالث فهو المسار السياسي، ويمكن إيجاز التفاصيل الكثيرة التي وردت في هذا الفصل من الكتاب  بالقول أن شرط الوجوب لهذا المسار وجود قيادة عازمة على التغيير ولا أشواق لديها في عملها أعلى من تحقيق التغيير إرضاء لله تعالى وخدمة لأوطانها وأمتها، ذات كفاءة وصدق ومصداقية، تثق في الله ثم في نفسها و في المؤمنين، تؤمن بأن التأييد الحقيقي هو الذي يكون من الله ومن الشعب مصداقا لقوله تعالى (( هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين))،  لا تشعر بأي عقدة تجاه النظام السياسي، لا تخافه ولا تطمع فيه، ولا تحرص على إرضائه أو تحقيق الاعتراف منه بوجودها، تعمل الصواب فحسب، تعتمد المنهج السلمي وتعلن عن حب الوطن لأنها تؤمن بذلك، لا تنافق في الأمر ولا تزايد  إلى حد السماجة ولغة الخشب، خطابها قوي مبني على العلم وكشف الفساد والرداءة بلا تشخيص ولا سباب ولا انتقام، تؤثر العافية كما جاء في الحديث الصحيح،  ولكنها تستعد لتقديم كل التضخيات، ولو بالنفس،  كما جاء في حديث صحيح  آخر: “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله”، يتمحور عملها السياسي كله حول النضال من أجل تغيير موازين القوة لصالح المجتمع ولصالح فكرتها وأهدافها، وتتجنب أي سلوك سياسي يعين الاستبداد ويزيد في عمره.

أما العبور العملي للفكرة فهو عبر ثلاثة معابر، منفردة أو متوازية: أوله المعبر الديمقراطي الانتخابي بشرط نضال الأحزاب بلا هوادة لجعل الديمقراطية حقيقية والحريات مصونة والانتخابات غير مزورة، وتُقدّم في طريق ذلك أنفس التضحيات، لا تقبل التزوير وتندد به مهما كان مصدره والمستفيد منه والمتضرر به، وتؤهل تلك الأحزاب نفسها لتكون بديلا حقيقيا عبر ما يسمى في الدول الديمقراطية ب ” حكومة الظل” أو ما نسميه نحن ” اللجان القطاعية المتخصصة” ببرامج ناضجة وموارد بشرية جاهزة للحكم. وبغير  هذا النوع من النضال تصبح المشاركة في الانتخابات خدمة مجانية للاستبداد ومساهمة فاعلة في استمراره. وقد بينت التجارب البشرية  بأن النضال الجاد والتضحيات الجسام من أجل الانتقال الديمقراطي يمكن أن تجسد الديمقراطية والانتخابات النزيهة والتداول على السلطة. 

والمعبر السياسي الثاني هو التحالفات مع قوى أخرى تريد التغيير، سواء قوى من داخل النظام السياسي أو من خارجه، وهذا المعبر لا يمكن أن ينفتح دون توفر الحركات الإسلامية على القوة والنفوذ بما يجعل القوى الأخرى تطمع في التحالف معها، وذلك عبر تجذرها في المجتمع وتسلحها بأسباب القوة المتنوعة والمتعددة، وعلى رأس تلك الأنواع قوة الفكر وجاذبيتها وصلاحيتها وأهليتها للحكم، وتعاطف أصحاب النفوذ في الدولة والمجتمع مع الفكرة ورجالها. وهذا نهج حقق نجاحات كثيرة، في العصر الحالي، وهو النهج الذي رسّخه المصطفى عليه الصلاة والسلام وسار عليه إلى أن أقام دولته في المدينة.

والمعبر السياسي الثالث، وهو الثورات السلمية الشعبية، التي تَحقق التغيير بواسطتها في العديد من الدول، ولا يمكن للحركات الإسلامية أن تتحول إلى أحزاب حقيقية، تتماثل مع المعايير الطبيعية العالمية للأحزاب إلا إذا آمنت إيمانا كاملا بالتغيير السلمي عن طريق الشارع، وهو حق ديمقراطي ثابت دون حاجة للترخيص تؤكده القوانين والدساتير، ولكن تتهرب  منه بعض الحركات الإسلامية إرضاء للحكام وخوفا من المواجهة. وحينما تتهرب الحركات الإسلامية من النضال بقيادة الشارع فهي تفتح المجال لسيناريوهات خطيرة، ذلك أن ثورات الشارع حالة سننية لا تستشير أحدا حين تقبل، وإنما تستجيب لشروط وظواهر سياسية واقتصادية واجتماعية وتدافعات محلية ودولية، إذا حلّت بسببها حركة الشارع، فهي حالة احتقان تشكلها عوامل سننية  تفجرها صواعق قد تكون غير متوقعة تماما. والحركات الجادة هي التي لها القدرة على استشراف التحولات، وعلى قيادتها إذا وقعت ولو بدون قناعة بها أو مشاركة في تحريكها، وعلى تقديم البدائل التي تحل المشاكل التي تسببت فيها وتمنع تعقيداتها وانفلاتاتها.

إن عدم تدرب الحركات الإسلامية على قيادة حركة الشارع، وعدم فهم لغة الشارع والحديث بها، سيتيح الفرصة لأربعة سيناريوهات إذا خرج الناس يطالبون بحقوقهم من تلقاء أنفسهم ودون قيادة واعية وذات خبرة، إما احتواء النظام السياسي القائم للمشهد وتسخيره للاستمرار في السيطرة ضد إرادة الشعوب ومصالحهم، أو استغلال التحول الشعبي من طرف قوى سياسية وأيديولوجية معارضة للنظام السياسي القائم وأسوء منه، أو استعمال قوى أجنبية أ استعمارية لحركة الشارع للتدخل والتآمر على البلد، أو حدوث فوضى عارمة لا قيادة تضبطها أو فتنة عمياء والعياذ بالله.

إن أفكار التغيير هذه التي أصلناها في كتاب تحدي العبور والاستنهاض الحضاري ليست نظريات وتخيّلات بعيدة عن الواقع، فقد جرّبناها ووضعناها على محك التجربة في حركة مجتمع السلم بين 2013 – 2023، وحققت نتائج جيدة على مسارات العبور الثلاثة، إذ حققنا إنجازات معتبرة في بناء المؤسسات وفق نظرية ” قطع الحبل السري” ومقاربة ” التخصص الوظيفي”، وتوصلنا إلى نتيجة انتخابية جيدة على المسار الانتخابي و ناضلنا من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي وساهمنا في في تجسيد مفهوم لغة الشارع التي أسقطت العهدة الخامسة، وأخرجنا موارد بشرية فاعلة ومتعلمة و ذات أخلاق ومهارات  هي اليوم منتشرة في مختلف الهياكل والمؤسسات محليا ومركزيا وفي الخارج.

غير أن ما بذلناه بما يكفي لبناء النموذج وتصديره، لم يكن كافيا لتحقيق التغيير المنشود،  وبقي يتطلب استمرارا وتطويرا وتصعيدا أكثر على مستوى المسارات الثلاثة والمعابر الثلاث. ولئن أخطأَت حساباتي في مواصلة تجسيد المنهج على مستوى الحركة بعد خروجي من هياكلها، فإني على يقين بأن الله سيسخر له من يحقق الطموحات عبر تيار عام في الأمة أرى تشكله قد بدأ يلوح في الأفق، كان طوفان الأقصى المسرّع إليه.   

 

د. عبد الرزاق مقري

حققت حركة الاخوان المسلمين نجاحا كبيرا في ساحات الدعوة إلى الله، وقد أكرمها الله تعالى بأن اختارها لتُرجع الأمة إلى الفهم الصحيح للدين والالتزام العام بالشعائر حتى صنعت صحوة عامة في العالم الإسلامي تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تجاوزت الظواهر التنظيمية التي أسستها.

وحين أصبح للحركات الإسلامية ذات الخلفية الإخوانية حواضن اجتماعية واسعة في كل البلدان العربية وكثير من البلدان الإسلامية بات طبيعيا أن تتحول من الحالة الدعوية إلى الحالة السياسية. غير أنه حين وقع لها هذا التحول بعد قرابة مائة سنة من تشكلها أرادت أن تسيّر شأنها السياسي بنفس خلفيات تسيير الشأن الدعوي، المبني على النصوص الشرعية الموجهة للين والرفق والتسامح والتنازل والطيبة فحسب.

لم تنتبه الحركات الإسلامية بأن العمل السياسي ساحة صراع بلا رحمة مع قوى محلية ودولية ترى فيها نقيضها وتريد محوها من الوجود أو تحجيمها أو تسخيرها لصالحها، وأن هذا الصراع يتطلب حسن استعمال النصوص الشرعية التي توجه للدهاء والحذر والشجاعة والفداء والإعداد والمواجهة.

اعتمد السواد الأعظم من الإسلاميين، الممثلين للفكر الراهن للإخوان المسلمين، على انتهاج ما سموه استراتيجية التطمين للنخب الحاكمة محليا وللنظام الدولي خارجيا، واعتمدوا على الدخول المتدرج للمؤسسات الرسمية عبر ما يسمى باستراتيجية المشاركة والمسار الانتخابي، وقدموا تنازلات كبيرة للأنظمة من أجل ما يسمى باستراتيجية المحافظة على المكتسبات، وبعد عقود طويلة من التجربة لا هم طمأنوا من أرادوا تطمينهم، ولا هم توصلوا لمواقع ذات شأن في المؤسسات الرسمية، وما بقي من مكتسباتهم سوى هياكل حزبية ومقرات وأنشطة تحت سقوف محدودة، ووجاهة اجتماعية لبعض قادتهم، ومنافع مادية لآخرين، وعدد محدود من النواب والمنتخبين المحليين، ومشاركات في انتخابات متحكم في نتائجها لن تغير الوضع، ضمن استراتيجياتهم هذه، ولو بقوا يشاركون فيها مائة سنة مقبلة.
وحتى حين حملتهم الشعوب الى مواقع متقدمة في المؤسسات الرسمية بعد ثورات شعبية لم يكن لهم دور في إطلاقها ضيعوا الفرصة بذهنياتهم الإصلاحية الدعوية، فتم استئصال بعض تجاربهم ودخل الرعب في التجارب الأخرى فقبلت التدجين والإدماج والإلحاق بالمنظومات الحاكمة، وبالغت بعض هذه الحركات الإسلامية الاندماجية في إظهار اندماجها حتى تورطت في التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى أن ضعفت وترهلت بعد إنجاز المهمة البائسة، وتطوعت أخرى للدفاع عن السياسات الاستبدادية والانقلابية للأنظمة، بل الوقوف في وجه قوى سياسية أو اجتماعية أخرى معارضة، وبعضها تفنن أكثر من أحزاب الموالاة في تكرار سردية الأنظمة المصمَّمَة لشل إرادة الشعوب كالتخويف من الخارج وتخوين من ينقد قادة الدول من ملوك ورؤساء، كما شارك بعضها في إحباط الحقوق السياسية الثابتة، حتى المنصوص عليها في المنظومات الدستورية والقانونية، كالاحتجاج الجماعي والمسيرات وغير ذلك
مما سموه لغة الشارع، وكأن الشارع لم يكن في تاريخ النضال السياسي حلبة القادة السياسيين الكبار التي كسروا فيها غرور الظالمين.

كان يجب على هذه الحركات الإسلامية ذات الخبرة الدعوية أن تجدد فكرها وخطابها ومعارفها ومنظوماتها القيادية والإدارية والتربويّة بما يتناسب مع حتمية التجديد الذي تدعو إليه النصوص الشرعية بما يتناسب مع الصيرورة التاريخية لمدة قرن من الزمن، وبدل ذلك استغرقت في اعتماد فكر وخطاب وأدوات المؤسسين السابقين الذين نجحوا نجاحا كبيرا لاحتياجات زمانهم. وكانت نتيجة ذلك أن حل فيها الضعف والتراجع والصراعات والانشقاقات ومغادرة أصحاب الكفاءات وتحول بعضها إلى أجهزة تتحرك ولا تنتج، همها الأكبر ضبط الشأن الداخلي في ما يشبه الثكنات العسكرية التي تسيطر فيها ذهنيات تنظيمية تقود بوسائل التربيط والتحكم ولو على حساب الرسالة والرؤية والأهداف الفعلية للتغيير والإصلاح، وهي ذهنيات تشبه إلى حد كبير الذهنية الأمنية للسلطات الحاكمة التي لا يهمها سوى المحافظة على النظام السياسي ولو على حساب الدولة والمجتمع والتطور والازدهار.

لقد أدى عجز الحركات الإسلامية ذات الخلفية الدعوية الإخوانية في العبور من مرحلة الصحوة في المجتمع إلى مرحلة النهضة التي تصنعها الدول إلى تَصاعد شعور عام عند الجماهير بأنه لا يمكن التعويل على هذه الحركات في إنهاء ظلم وفساد الأنظمة الحاكمة وقوى النظام الدولي، بل إن قطاعات واسعة من الجماهير باتت تعتقد بأن قادة ورموز هذه الحركات مستفيدة من الوضع القائم، وأنها مكتفية بما تحققه من مصالح لأفرادها في البرلمانات والمجالس المنتخبة والمناصب الرسمية.

ومما زاد في مصاعب هذه الحركات الإسلامية الوديعة والمسالمة الباحثة عن اعتراف القوى الحاكمة المحلية والدولية بها أن مقابل إخفاقاتها السياسية تحققت نجاحات سياسية لقوى إسلامية مسلحة، لم تكن مقبولة ولم يكن يهمها أن يُعترف بها، وصلت إلى الحكم في افغانستان وسوريا، علاوة على ما أحدثه طوفان الأقصى من تحولات عميقة في العقول، خصوصا لدى الشباب، كيف أن فئة قليلة محاصرة تستطيع أن تعجز جيوشا فتّاكة حين يتوفر لديها الإيمان والإرادة والإعداد.

لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى التغيير بواسطة السلاح، فليس هذا نهجنا منذ التأسيس، إلا أن يكون ضد الاحتلال كما هو الحال البارحة في الجزائر واليوم في فلسطين. غير أن ثمة مجالات للشدة واسعة في النهج السلمي السياسي، على نحو ما وقع في السنغال إذ تجاوز التيار الشعبي ذو الخلفية الإسلامية الحركات الإسلامية التقليدية المسالمة وهو اليوم في الحكم، وقد درسنا هذه التجربة في مقال سابق.

لا زلنا ندين العنف والإكراه في العمل السياسي، للوصول للحكم ولكن كذلك للبقاء فيه كما كنا نقول في حركة مجتمع السلم في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، أي أن العنف مدان من القوى الراغبة للوصول للحكم، ويُدان كذلك استعمال وسائل الشدة والإكراه التي تحتكرها الدولة لتكميم الأفواه وتخويف المنافسين وسجن المعارضين.
إن ثمة مجالات واسعة في العمل السياسي تتيحها الدساتير والقوانين في العديد من الدول العربية تحرم المعارضة الإسلامية التقليدية نفسها منها بغرض إظهار حسن السلوك أمام الأنظمة الاستبدادية، ولن ينفعها ذلك في المحصلة البتة، وإنني لأذكر حوارا بيني وبين زعيم سياسي إسلامي عربي مرموق قلت له: “لماذا يُتاح لك هامش من الحرية بمقدارٍ ما، وأنت لا تستعمل سوى مقدار أقل من ذلك بكثير” فقال لي: “لا أريد أن نعود للسجون” وفي الأخير عاد هو وأصحابه للسجون، أطلق الله سراحهم وأكرمهم ورفع قدرهم بما بذلوا طول حياتهم، وكان ذلك الشيخُ يظن كذلك أنه بليونته الدائمة وتنازلاته الكبيرة يحمي الديمقراطية ويحافظ على المكتسبات، فلا الديمقراطية حُفظت ولا المكتسبات بقيت.

إن في مناهج التغيير ثوابت ومتغيرات، ومبادئ ووسائل، والذي يبقى هي الثوابت والمبادئ، ولا يمكن للمتغيرات والوسائل أن تكون دينا متبعا جيلا بعد جيل. أما الثوابت والمبادئ فهي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يكون كفائيا ما أدى إلى حد إقامة المعروف وإنهاء المنكر، ويظل عينيا ما لم يصل مقدار الجهد المبذول فيه إلى تحقيق ذلك الحد، ولا شك أن أعظم أنواع المعروف والمنكرات منوط بمسائل الحكم المتعدية بالشمول والاتساع في المكان والزمان.

وثمة قاعدة ذهبية بفقه الإنكار يجهلها أو يتجاهلها كثير من الإسلاميين المهادنين، وهي القاعدة التي وضعها المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، فالميزان في الإنكار هنا خفي بين المرء وربه لا يطلع عليه غيرهما وهو حد الاستطاعة، فمن فقد نصاب الاستطاعة التي يقدّر حدها الله تعالى فلا حرج عليه، ولكن ثمة حد أدنى لا يُعذر فيه أحد وهو الإنكار بالقلب. إذ يسع الساسة حين تفلت منهم الاستطاعة الفعلية والقولية أن يسكتوا، فإن نطقوا في تبرير منكرات الحكام والدفاع عنهم ومحاربة من ينكر منكراتهم كائنا من كان، فذلك الدليل الملموس على أن قلوبهم لم تصبح تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، وأن دوافعهم للعمل السياسي ليست ابتغاء مرضاة الله ولا مصلحة أمة وأوطان.

إن ثمة نهج سياسي سلمي يكفي لإنهاء الاستبداد، يتحمل فيه المناضل السياسي المتاعب ويقدم التضحيات في حدود الاستطاعة وهو المقاومة السياسية، التي لا تصادم الأنظمة صداما مباشرا ولكن لا تندمج فيها ولا تساعدها على الاستمرار والبقاء، وهو نهج سياسي يعتمد سياسة الكر والفر، والظهور والكمون، والحذق والحذر والشدة واللين، وقوة الحجة والقدرة على التعبئة والتأثير، من أجل إرهاق الأنظمة الظالمة المتحكمة ضمن مقصد أعلى وهو تغيير موازين القوة بما يؤدي إلى إنهاء الفساد وتحرير البلاد من الاستبداد، حتى تتحرك الكفاءات وتستعمل المقدرات لخدمة الأوطان ونهضة الأمة وتحرير فلسطين. فلا يتعلق الأمر بنتائج انتخابية تزيد أو تنقص بما لا يؤثر البتة في الموازين، وإنما يتعلق الأمر بما يحقق الإصلاح والتغيير الذي يسمح يوما بالتداول المنشود بعيدا عن ديمقراطيات الواجهة.

قد يقول قائل إن ذلك كلام نظري لا يعتد به، وما هو كذلك، إذ العبرة في القيام بالواجب لا في النتائج، ثم هو منهج مجرب أظهر بدايات نتائجه، فقد جرّبناه في حركة مجتمع السلم لمدة عشر سنوات وحقق ثماره في تحريك الساحة السياسية عبر تحالفات سياسية واجتماعية ثبتت ثلاث سنوات ساهمت في توعية الرأي العام وانطلاق الحراك الشعبي الذي رغم إجهاضه سيؤتي ثماره. كما حقق هذا النهج نتائج انتخابية جيدة لصالح الحركة وحافظ على مكتسباتها الاجتماعية وزاد فيها أضعافا، وأخرج جيلا من الشباب قادر على مواصلة المشوار ومعالجة النكسات الكبرى ومواجهة التحديات الكبار ولو بعد حين، بما يعيد الاعتبار للمكتسبات من أجل استئناف المسيرة، وما ذلك على الله بعزيز فإنه لا يضيع أجر المحسنين، ولا يواجه التحديات الكبار سوى الكبار.

د. عبد الرزاق مقري

بدأت الحديث عن الوضع السوري في مقال سابق بعد زحف المعارضة المسلحة وقبل سقوط دمشق، وشرحنا أسباب عدم دعم إيران للنظام على نحو ما كان عليه سابقا، وركزنا على التحولات الداخلية لهذا البلد، ثم تطرقنا بعد سقوط دمشق إلى الموقف الروسي وأسباب تراجعه عن نجدة آل الأسد، ونكمل الحديث في هذا المقال الطويل بالتطرق إلى الموقف التركي، وعلاقة الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى بالموضوع من خلال ما لدينا من معلومات، كثير منها معلوم للجميع، ومن خلال تحليل هذه المعلومات، لنركز في الأخير على تحديد الجهات الرابحة والجهات الإقليمية  والدولية الخاسرة في الوضع الجديد في سوريا. وقد نعود في مقال آخر إلى الحديث  عن الجهة السورية المنتصرة، من هي، وما الذي يميزها عن التيار الإسلامي العام، وما هو الموقف الصحيح منها، وما هي المآلات المتوقعة للحالة السورية والمنطقة برمتها.

لا توجد دولة يهمها ما كان يحدث في سوريا قبل الحسم مثل الدولة التركية، ذلك أن  التطورات الداخلية السورية باتت مؤثرة تأثيرا بليغا  في الوضع الداخلي التركي، سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وفي السياسة الخارجية التركية، وذلك من زاويتين. الزاوية الأولى تتعلق  بهجرة الملايين من السوريين إلى الأراضي التركية، طوعيا خوفا من الاضطهاد، أو بسبب التهجير القسري. والزاوية الثانية تتعلق  باستحواذ قوى “سورية الديمقراطية الكردية” (التي يسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) على مساحات واسعة في شمال شرق سوريا بدعم أمريكي بتعلّة قتال مسلحي “داعش”  الذين تخترقهم وتستخدمهم العديد من مخابرات الدول الإقليمية والدولية وعلى رأسها الأمريكان، وكذلك عبر مفاهمات معقدة بين الحين والحين مع الروس والنظام السوري لمواجهة النفوذ التركي.

تسبب مكوث قرابة أربعة ملايين مهاجر سوري في تركيا بشكل رسمي، وقرابة ثلاثة ملايين بشكل غير رسمي  (ينتظرون تسوية أوضاعهم أو لمحاولة المرور إلى دول أخرى)،  في صعود موجة كبيرة من الحساسية من الأجنبي وبروز موجات عنصرية استُغلت أسوء استغلال في المنافسة الانتخابية أضرت بحزب العدالة والتنمية التركي كثيرا، وساهمت في خسارته للعديد من المجالس البلدية، في الانتخابات الأخيرة. كما أن تحول مناطق واسعة على الحدود السورية تشمل أجزاء من محافظات الحسكة والرقة وحلب و‌دير الزور إلى إدارة ذاتية تحكمها القوى السورية الديمقراطية (قسد) يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي التركي من حيث أن هذه الإدارة الذاتية أخذت تُستعمل كقاعدة خلفية لحزب العمال الكردستاني الذي تأسس لإنشاء دولة كردية  في المنطقة كلها ويعتمد العمل المسلح في تركيا.

بعد أن ظهر للعالم وكأن بشار الأسد قد استتب له الأمر وأن مختلف القوى المعارضة السياسية والمسلحة غير قادرة على الإطاحة به، وأن الجزء الشمالي الذي دخله الأتراك عسكريا لم يكن كافيا لعودة السوريين ورآه الكثير من هؤلاء السوريين أنه لجوء في محتشدات في أرضهم، غيّر أردوغان توجهاته تجاه بشار ولم يعد  يُظهر إنكارا لشرعيته  واتجه بشكل علني لطلب الحوار معه من أجل أن يقبل رجوع أعداد كبيرة من السوريين اللاجئين في تركيا إلى بلدهم وأن يقدم ضمانات لعدم قمعهم حتى يتشجعوا على العودة، واتجه إلى معالجة الخطر الكردي بتفاهمات بين مختلف الأطراف.

استعان أردوغان لطلب الحوار مع بشار الأسد بالروس، وأظهر الروس تجاوبا لذلك وحاولوا إقناع بشار بالأمر، ولكن لم يعر هذا الأخير اعتباراً لخطوة الرئيس التركي، واشترط خروج الأتراك من الأراضي التي دخلوها في الشمال  عسكريا لكي يحاور، خلافا لقبوله بالوجود الروسي والإيراني على الأراضي السورية، بل حتى بالوجود الأمريكي من حيث التفاهمات التي كانت تبرم بينه وبين الأكراد.  كما عدّ اللاجئين السوريين الذين هجّرهم أنهم غير سوريين لأنهم خرجوا بلا قانون ـ حسبه.

في هذه الأثناء كانت المعارضة المسلحة في إدلب تعد نفسها، عسكريا ومدنيا، لتملك القدرة على رد العدوان المتكرر عليها من قبل النظام، خلافا لتفاهمات استانا، حتى أخذ منهم 30% من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها، مع أمل دائم يحدوهم لإسقاط النظام السوري الظالم إذا أتيحت الفرصة، وإنهاء السيطرة الطائفية على أغلبية البلد السنية ووقف معاناة السجناء وتبيان وضع المفقودين. غير أن الأتراك كانوا متوجسين من أي عمل عسكري ضد النظام، وقد يكون ذلك التوجس حسب ما سمعنا من بعضهم، أن تكون الخطوة غير محسوبة وتؤدي بدعم روسي وإيراني إلى السيطرة على إدلب وكل الشمال السوري فتتجه موجة أخرى من اللاجئين إلى تركيا يكون فيها حتف تركيا كلها، وإسقاط أردوغان وحزبه من الحكم بطريقة دراماتيكية.

اتجهت الأمور بعكس مخاوف الأتراك، فساهمت ظروف كثيرة إلى تحريك العملية العسكرية ضد النظام السوري، منها ما شرحناه بخصوص التحولات الداخلية في إيران، ووضعها الجديد في المواجهة مع الكيان الصهيوني، ومنها الضربات التي تلقاها حزب الله وما وقع له من خذلان من قبل نظام بشار الأسد بعدم قبول توجيه أي ضربات صاروخية من الداخل السوري على القوات الصهيونية في الجولان السوري المحتل رغم الضربات المتتالية التي وجهتها هذه القوات لسوريا أثناء الحرب القائمة ـ خلافا لما كان على الجبهة العراقية واليمنية ـ وما رشح من معلومات عن نشاط استخباراتي سوري ضد حزب الله ذاته.

يضاف إلى ذلك وضع الروس في حربهم بأوكرانيا وخوفهم من التوغل في جبهة أخرى في سوريا تكون بمثابة الفخ الذي يجعلهم يخسرون الحرب في الجبهتين، وكذلك التقارب التركي الروسي الإيراني بسبب التداخل الاقتصادي و التهديد المشترك الذي يأتيهم من الوجود الأمريكي عن طريق الجبهة الكردية ومواقع المعارضة السورية في الجنوب السوري الموالية لبعض الدول العربية وللأمريكان، والذي كان من ثماره من قبل مسار آستانة من أجل حفظ التوتر بعد 2015، مما ساعد على إقامة شبه دولة في إدلب تقودها هيئة تحرير الشام.

كل هذه الظروف شجعت المعارضة السورية المسلحة على اتخاذ قرار رد العدوان، وكان اسم المعركة “رد العدوان” مؤشرا على أنها معركة جزئية لوقف اعتداءات الجيش السوري النظامي على مناطق وقف التصعيد وفق تفاهمات أستانا، مع أنه قد يكون الاسم للتمويه على معركة تحريرية شاملة.

كان الكثير، بما فيها الأتراك، يعتقد أن معركة رد العدوان إن نجحت ستتوقف عند حلب، وحلب مهمة للأتراك، والمساحة المحررة وصولا إليها ستكون كافية بالنسبة إليهم لعودة جزء كبير من اللاجئين وتوسيع الإدارة الذاتية المستقلة المتمركزة في إدلب، بعد رفض بشار الأسد الحوار معهم، وسيمثل ذلك كذلك إحاطة استراتيجية جيدة في مواجهة الخطر الكردي في الشمال الشرقي،  فلا غرابة أن يمدوا يد العون للمعارضة السورية.

غير أن الانهيار السريع  للجيش النظامي السوري دفع قوات المعارضة الى مواصلة زحفها إلى غاية دمشق. لم تكن المؤسسات الأمنية التركية متحمسة  لاستمرار زحف المعارضة إلى دمشق ولكن أردوغان تجاوز حسابات أجهزته وكسر حالة التردد بتشجيعه المعارضة على ما كانت مقدمة عليه، ووفر لها الحماية بالعمل الدبلوماسي في أستانا 2 بقطر، ثم كان فرار بشار الأسد بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية عهد حكمه وحكم عائلته.

إن ما أدى إلى سقوط نظام بشار الأسد هو الانهيار السريع لجيشه،  وأسباب الانهيار  منطقية مفهومة، فهو لم يصمد في بداية الثورة الشعبية السورية إلا بتدخل إيران وحزب الله في البداية، ولم يسمح هذا التدخل إلا بتوازن القوى ولم يحسم الأمر لصالح بشار إلا بتدخل الطيران الروسي، ولم تسع أو تسمح أي قوة إقليمية أو دولية آنذاك بأن تتسلح المعارضة السورية بالسلاح المضاد للطائرات كما كان الحال في زمن الحرب ضد الروس في أفغانستان. لقد كان التدخل الروسي حاسما في إضعاف المعارضة بل تحول الطيران الروسي والبراميل المتفجرة النظامية إلى أهوال مدمرة ضد المدنيين في الحواضن الاجتماعية التي اعُتقد أنها موالية للمعارضة.

أظهرت الأحداث أنه لا يمكن لنظام عائلة الأسد أن يثبت بغير الدعم الإيراني والروسي، فهو نظام طائفي يعتمد على الطائفة العلوية النصيرية التي لا تمثل سوى 10 إلى 15 % من سكان سوريا، ولم يعرف نعيم الحكم من الطائفة العلوية سوى النخب الحاكمة التي دفعت بباقي مكونات الطائفة إلى الفقر حتى لا يكون لهم من مجال للاسترزاق غير الجيش والأسلاك الأمنية فيبقوا أبديا في خدمة عائلة الأسد والمقربين منها. وحيث أن 80 % من السكان من السنة لا تصلح الخدمة العسكرية الإلزامية أن تكون سندا لنظام طائفي ذي أقلية.  وإذا كان الهروب إلى لبنان ومختلف دول العالم بأعداد هائلة لدى المطلوبين للخدمة الإلزامية من الذين لا يقدرون على دفع بدل المال المنصوص عليه في القانون فكيف يُستغرب أن يكون الهروب جماعيا من قبل المجندين إلزاميا  حين يشعرون بأن زمن الخلاص ممن يُكرههم على قتال أهلهم وفي مواجهات يُقتلون فيها لمقصد غير نبيل.

كثير من الكلام قيل عن لعبة أمريكية إسرائيلية تكون قد حيكت مع الأتراك والمعارضة للزحف على دمشق وإسقاط نظام بشار وضرب محور المقاومة وطوفان الأقصى. ثمة معطى واحد يكفي لإلغاء هذه التخّيلات، وهو هل أعطت الولايات الأمريكية المتحدة الأمر لروسيا لكي لا تتدخل من أجل إنقاذ بشار، أم أن دولة الكيان هي التي طلبت من إيران أن تتوقف عن نجدة الرئيس السوري الهارب وتسحب قواتها من الأراضي السورية. ثم ألم تكن تفاهمات أستانا بين تركيا وروسيا وإيران هي التي مهدّت لبقاء هيئة تحرير الشام في إدلب وإعداد العدة لمعركة رد العدوان ثم تحرير دمشق؟ أين أمريكا في كل هذا؟ ألم يعلم كثير من قادتهم والمحللين في مراكز الدراسات أن العمليات التي أدت إلى إسقاط الأسد كانت مفاجئة وسريعة وغير متوقعة؟

لو وقع هجوم المعارضة السورية على دمشق في وقت المواجهة بين حزب الله والكيان الإسرائيلي لقلنا بأنها طعنة في الظهر ، أما وقد كان  ذلك بعد أن قرر حزب الله وقف القتال بإرادته دون اشتراط وقف العدوان الاسرائيلي على غزة فلا  معنى في التشكيك في موقف فئة مظلومة لم تضع السلاح على كاهلها مدة 14 سنة، كانت هي الأخرى متهمة بالإرهاب مثلها مثل حزب الله وحركة حماس. ثم كيف يمكن للولايات الأمريكية المتحدة أن تقبل بصناعة وضع جديد يهدد حليفها الكردي المسيطر على أهم آبار النفط السورية، ويضع السجون الستة وعشرين التي يقبع فيها عشرات الآلاف من عناصر داعش خارج سيطرتها، علما بأن تلك السجون التي تسيرها قوى “قسد” تحت إشراف أمريكي هي بمثابة سلاح فتاك في يد من يسيطر عليها، وقد تتحول إلى سيل من البلاء الشديد على سكان المنطقة كلها، لو فتحت السجون بقدرة قادر على مصراعيها ليكون ضمن السجناء وحوشٌ صُنعوا من أجل خلق الفتنة وقلب الأمور على رأسها إن لم يمش الحكام الجدد لسوريا وفق ما يريده حكام أمريكا.

ولتقريب المعاني وتشكيل التصورات الأقرب إلى الحقيقة، نختم المقال بوضع قائمة عن الرابحين والخاسرين من الوضع الجديد في تركيا إذا استقرت الأوضاع للمعارضة المنتصرة التي صارت هي السلطة الحاكمة، وذلك على النحو التالي:

 

الرابحون الآن وفي المستقبل

ـ الرابح الأساسي هو الشعب السوري، فلا رابح أكثر منه إذ انفتح الأفق أمامه فجأة بعد أن انقطعت أسباب الأمل عنده وهو مهجّرٌ بالملايين في أصقاع الأرض، قد أخرِج من دياره وأخِذت أملاكه، ما من أحد من أفراده إلا وعنده من أقربائه أو جيرانه من قد قتل بالإعدام في السجون وميدانيا أو تحت التعذيب، أو حرة، أما أو بنتا أو أختا أو زوجة، قد اغتصبت وولدت في سجنها أولاداً من زبانيتها الملاعين. ومهما كانت السيناريوهات المستقبلية فلن تكون عذابات الشعب السوري كالتي سلطها عليه النظام المجرم لآل الأسد التي بانت قصصها المرعبة بعد فتح السجون كما لم تر البشرية مثلها أبدا. وكل المؤشرات تدل بأن هذا الشعب المظلوم سيذوق طعم الحرية وينعم بالعيش المشترك في إطار القانون، وأن إبداعات رجل الشام ستبهر العالم في مجالات العلم والاقتصاد والتجارة.

ـ والرابح الثاني في الحاضر والمستقبل هي المعارضة السورية التي انتصرت على النظام السوري. وقد جمع الله لهذه المعارضة عدة أسباب يسرت لها سبل التمكين خلافا لتجارب الإسلاميين الآخرين بعد ثورات الربيع العربي ومنها:

 

ـ أن هذه المعارضة لم ينقطع أمرها بعد كسر زحفها من قبل الإيرانيين والروس وضمن أجواء الثورات المضادة، فقد بقيت تُراكم تجاربها العسكرية والمدنية في الأراضي التي تحت سلطتها حتى أقامت دولة صغيرة في إدلب تعداد سكانها قرابة أربعة ملايين ساكن، أكثر عددا من العديد من الدول المعترف بها في الأمم المتحدة، أقامت فيها كليات عسكرية وأمنية، وصناعة سلاح وتعليم، ومؤسسات خدمية رسمية، واقتصاد حقق نجاحات أفضل من اقتصاد النظام السوري آنذاك.

ـ أن هذه المعارضة بقيت مسلحة تحافظ على هدف تحرير كل سوريا من قبضة عائلة الأسد، تعد العدة دون توقف، وقد كانت المعارضة المسلحة في إدلب بقيادة هيئة تحرير الشام وزعامة أحمد الشرع أكثر جدية وفاعلية من غيرها، ومن إنجازاتها أنها  استطاعت أن توحد العديد من الفصائل الأخرى تحت قيادتها.

ـ أن لها ظهيرا خارجيا قويا، تتشابك بينها وبينه المصالح، وهي الدولة التركية التي وجدت في هذه المعارضة القوة التي تنهي معها أزمة اللاجئيين السوريين في تركيا، وتتحالف معها لإنهاء الخطر الانفصالي الكردي على حدودها. وهي دولة تتعدد جوانب قوتها التي يمكن أن تسخرها لصالح حكام دمشق الجدد، ومنها القوة العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، علاوة على التقارب الثقافي الإسلامي.

ـ أن هذه المعارضة تحلّت بكثير من المرونة والحكمة وأقامت مراجعات عميقة في فكرها القديم، طبقت فحواها أثناء حكمها في إدلب، وتوسعت فيها بعد انتصارها على النظام السابق.

ـ أن الدول العربية وجدت نفسها مجبرة على التعامل معها خوفا من أن تستفرد بها تركيا، وأن تتحول سوريا كلها الى تهديد لها خصوصا الدول ذات الحدود المشتركة والقريبة.

ـ أن الانفلات العام، في حال فشل التحول السياسي، لن يكون لصالح أي دولة من دول المنطقة، بل لن يكون لصالح القوى الإقليمية والدولية المحيطة المحيطة بسوريا. 

وكل هذه العناصر الإيجابية إن هي إلا توفيقات سننية ربانية سخرها الله لسوريا ولهذه القوى الإسلامية المنتصرة ضمن التحولات السننية الكبرى التي أجراها الله بطوفان الأقصى. إن كل الذي قام به أولئك السوريون المظفّرون أنهم أعدوا العدة بالقدر الذي يستطيعون كما أمرهم الله، فسخر لهم ظروفا أخرى أكثر بكثير من قدراتهم، فهم يمثلون حقا “نظرية المكان المناسب” حيث وضعوا أنفسهم في المكان الذي وجدتهم فيه التحولات السننية في طريقها فحملتهم.

ـ أما الرابح الثالث اليوم وغدا: فهي تركيا حيث أنها وجدت الطريقة التي حلت بها مشكل اللاجئين السوريين على أرضها إذ سيعودون إلى أرضهم آمنين معززين مكرمين، وستحل مشكل القوى الكردية الموالية للأمريكان في إطار الشرعية بالتعاون مع الحكومة السورية. وسيكون لها الحظ الأوفر في الشراكة الاقتصادية،  في إعادة الإعمار والاستثمار والأسواق والموارد، وستحظى بميزات كبيرة في الجوانب الجيوستراتيجية والدبلوماسية  فلن ينسى الشعب السوري ما قدمته لهم تركيا أردوغان سواء كلاجئين بالملايين أو كدعمٍ بأشكال عدة لثورتهم الموفّقة.

ـ وستكون قطر من الرابحين الحاليين وفي المستقبل إذ بقيت في الجامعة العربية ثابتة في إدانة النظام السوري المنهار والتحفظ على عودته للمنتظم العربي رغم عدم عرقلتها الإجماع العربي بهذا الخصوص، وسارعت منذ اللحظة الأولى للاعتراف بالمسؤولين الجدد، وكانت أول طائرة حطت بمطار دمشق طائرة قطرية، وباكورة الوعود بالدعم الإنساني والاقتصادي قطرية، ولا يخفي  المسؤولون السوريون الجدد امتنانهم وشكرهم لقطر، ولذلك قد يكون لهذا البلد حظوة  كبيرة تجاه الفرص الاقتصادية والسياسية ومجالات أخرى.

ـ الأمة العربية والإسلامية وذلك من عدة زوايا، ومنه أن نجاح الثورة السورية يعطي دفعة أمل في التغيير والتخلص من الاستبداد. وبما أن الاستبداد هو السبب الرئيسي في التخلف الذي تعيشه الأمة، وهو الباعث للهوان وضياع السيادة والتبعية للقوى الاستعمارية، وهو الخلفية الجوهرية للفساد وضياع فرص التنمية وتعطيل الفاعلية والإبداع والتنافس على النجاح والتميز الفردي والجماعي، فإن أي حدث يعيد الأمل في التغيير يكون لصالح العرب والمسلمين، لا سيما في ظل انغلاق الأفق الذي يعرفه العالم العربي وتحكم الأنظمة التسلطية كما لم يحدث من قبل، وانهيار قوى المقاومة السياسية والمجتمعية والاستسلام للأمر الواقع، وقد بيّن الخذلان العام الذي أحاط بطوفان الأقصى خطورة الاستبداد ودوره في التفريط في فلسطين.

ومن جهة أخرى ستكون الأمة الإسلامية مستفيدة في الحين وفي المستقبل من نجاح الثورة السورية، لأن بلاد الشام أرض مباركة، باركها المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث عديدة منها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة”، وعليه حين يتقهقر الفاسدون والظالمون في بلاد الشام، التي منها سوريا وفلسطين، وتكون  الصدارة والقيادة والنصر للصالحين تكون الأمة كلها في أمان.  وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح: “عليك بالشام فإنها خيرة الله في أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده”، فإذا أمنت الشام وتوجه إليها خيرته سبحانه لإقامة أمر الله وصناعة الخير ودعم نهضة الأمة وسؤددها معنى ذلك أننا نعيش تحقق نبوة الحبيب الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وقد علّمنا التاريخ أن مسار بناء مجد الأمة يمر بالشام، فرسول الله صلى الله عليه لم يرسل من جيوشٍ في حياته خارج جزيرة العرب سوى لبلاد الشام، عبر غزوة مؤتة، وتبوك وبعث أسامة، وأول الجيوش التي تحركت بعد وفاته ونهاية حروب الردة هي الجيوش الأربعة التي أرسلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه الى بلاد الشام، ولم يتحرك خليفة المسلمين عمر بن الخطاب لاستلام مفاتيح بلدة فتحت سوى فلسطين أرض الإسراء في بلاد الشام. وعليه حينما تتحرك الملاحم السننية لصالح الفكرة الإسلامية في بلاد الشام معنى ذلك أن الأمة تسير نحو الخير بإذن الله تعالى. ذلك الذي بينته استراتيجية نور الدين زنكي باتجاهه إلى الشام في طريقه لتحرير القدس، ولم يحقق صلاح الدين الحلم إلا بعد توحيد مصر والشام. كما أن تاريخ غير المسلمين بيّن أن من حطّ رحاله في الشام، من قادة الإمبراطوريات الكبرى، فُتحت له الدنيا كلها.

 

المستفيدون حاليا الخاسرون غدا

تنطبق هذه الحالة بالذات على الكيان الصهيوني، ذلك أن ضعف الدولة السورية على حدود فلسطين المحتلة وفقدان إيران وحزب الله نفوذهما في سوريا هو لا شك في صالح دولة الكيان، ولكن المستقبل مرعب حسب ما  الاستراتيجيون الإسرائيليون أنفسهم، وعبّر  عنه بعض هؤلاء بوضوح في وسائل الإعلام،  وكذلك هذا الذي يدل عليه مسارعة جيش الاحتلال لتوسيع احتلاله للجولان والتقدم في الأراضي السورية. إن المستقبل قاتم في سوريا بالنسبة للإسرائليين في كل الأحوال، لو فشل التحول السياسي واتجهت سوريا نحو الفوضى والاحتراب على نحو ما وقع في اليمن وليبيا مثلا، سيمثل ذلك خطرا على الكيان إذ ستتحول الأرض السورية الى موقع انطلاق حر للمقاومة ضد الاحتلال وسيمكن لأي قوة معادية للكيان أو توجه له ضربات صاروخية وتتوجه نحوه عمليات دون ضابط ولا رقيب.

وإذا نجح التحول السياسي وبُنيت دولة سورية قوية  يقودها ساسة ذوو خلفية إسلامية فإن الكيان  لن يأمن على نفسه أبدا. كما أن الإسرائيليين يرون أن استبدال النفوذ الإيراني في سوريا بالنفوذ التركي خطر استراتيجي كبير على المدى البعيد، بل دعا بعض قادة الاحتلال ومفكروه الى الاستعداد لحرب مقبلة مع تركيا. علاوة على أن المكسب الكبير الذي سيُجمع السوريون عليه بعد إزاحة النظام القمعي الاستبداديّ هو الحرية، وأي مجتمع مسلم حر لن يكون لصالح الاسرائيليين.

إنه لا أحد يطلب من القيادة السورية الجديدة أن تدخل في مواجهة مع الكيان الصهيونى في هذه المرحلة، وذلك أمر بديهي، وواجبها الأساسي اليوم هو بناء سوريا القوية لصالح السوريين  وضمن رؤية مستقبلية لتحرير الأراضي المحتلة وتحرير فلسطين، ومهما كانت الضغوطات التي ستمارس عليها فلن تتورط في السياسات التطبيعية، وذلك بسبب خلفيتها الإسلامية الجهادية وبسبب أن المقاومة المجتمعية ستكون عظيمة ضد التطبيع،  وأن خطوة آثمة مثل هذه ستعطي لفلول النظام  مبررات أخلاقية للمقاومة ومحاولة الرجوع، كما ستواجه هذه المحاولة بصد كبير من الفلسطينيين ذوي الأعداد الهائلة في سوريا، خصوصا أولئك الذين قاتلوا مع المعارضة وحُشدوا في السجون وتعرضوا للتعذيب الشديد ولم يرجع لهم أمل الحياة إلا بانهيار النظام وفتح السجون عليهم. وفي كل الأحوال هذا الاحتمال مستبعد ولا يتصور.

ـ الغرب والولايات الأمريكية المتحدة: تمثل سوريا بالنسبة لكل القوى الإقليمية والدولية أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي المنبسط المؤدي إلى كل القارات والدول المهمة في المنطقة، وكممر حيوي للطاقة والمسالك البرية والبحرية التجارية. ولا شك أن امتداد النفوذ التركي إلى سوريا وقلب العالم العربي ليس في صالح الولايات الأمريكية المتحدة، كما أن تهديد تحالفها مع منظمة ( قسد) الكردية يقلقها، ووضع يد النظام السوري الجديد بدعم تركي على السجون التي يقبع فيها عناصر منظمة داعش يفوت عليها فرص المناورة والابتزاز باسم الإرهاب، خصوصا أن استعمال المعالجة الفكرية باسم الإسلام التي يقدر عليها الحكام الجدد قد تحول أعدادا كبيرة من مسجوني داعش لصالح الوضع الإسلامي الجديد.

ويضاف إلى ذلك أن التفاهمات التركية السورية الروسية بخصوص إمكانية بقاء قاعدة طرطوس وإعادة بناء علاقة سوريا بروسيا بما يلغي التبعية ولكن يحافظ على المصالح الروسية وبما يحقق التوازن مع الولايات الأمريكية وأوربا لن يرضى عنه هؤلاء ولكن لن يستطيعوا معارضته من حيث أنه مسألة سيادية، ولن يتجه الغرب إلى خسارة كل شيء في سوريا أبدا وإنما سيضغطون بالقدر الذي يوصل إلى التوازن وليس السيطرة.

علاوة على أن وجود نظام سياسي بخلفية إسلامية على حدود الدول العربية الموالية للأمريكان موجع كثيرا للسياسات الأمريكية. وسقوط ورقة التحشيد الطائفي في سوريا ليس لصالح استراتيجيات صناعة الأزمات والتفريق بين المسلمين التي يحسن لعبها الأمريكان والدول الأوروبية.

وما يقال عن الولايات الأمريكية المتحدة يقال عن الدول الأوروبية، ويضاف إليها  خطورة الجوار الجغرافي، والحساسية الثقافية والسياسية  المفرطة في أوروبا اللائكية من الوجود السياسي الإسلامي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ومسألة اللاجئين السوريين في أوربا كيف يكون مصيرهم، وما طبيعة العلاقة التي ستربطهم ببلدهم المتجه إسلاميا، من بقي منهم في أوربا، خصوصا الأجيال القادمة.       

 

المتضررون اليوم الرابحون غدا

 محور المقاومة: لا شك أن محور المقاومة قد تضرر في الفترة الراهنة،  في فلسطين أولا، حيث أن إيران وحلفاءها، خصوصا حزب الله، كانوا يمثلون دعما استراتيجيا متصلا من حيث المد بالمال والسلاح، وتوحيد ساحات المواجهة مع الكيان الصهيوني، وسيكون تقليص هوامش المناورة لديهم بسبب خروجهم من سوريا، مؤثرا على إعادة البناء الفوري لما ضاع من المقدرات العسكرية والقيادية في غزة، وقد تتجه المقاومة في غزة إلى فقدان الظهير الخارجي المتمثل في إيران وحزب الله، بسبب ما أصابهما من ضرر في المواجهة وبسبب التحولات الداخلية في إيران نحو سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية، التي عمقها الخروج من سوريا،  والتوجه نحو تحالفات دولية مع روسيا وربما الصين بعيدا عن القضية الفلسطينية، والتحولات السياسية في لبنان بانتخاب رئيس يريد أن يجعل السلاح محتكرا لدى الجيش. غير أن ما خسرته المقاومة الفلسطينية سيخسر مثله الكيان الصهيونى في سوريا على نحو ما ذكرناه أعلاه، علاوة أن المتوقع أن هامش العمل والإعداد في سوريا الجديدة قد يكون أفضل لصالح فلسطين، على الأقل على المستوى الشعبي في مختلف القضايا المدنية. والمدد مستقبلا – على الحدود المباشرة مع فلسطين المحتلة –  لن يكون من إيران فقط بل من العالم الإسلامي كله.

أما المقاومة في لبنان فقد خسرت كثيرا حقا،  فعلاوة على  اغتيال رمزها الأهم حسن نصر الله، وطبقة قيادية عريضة في كتيبة الرضوان والمجلس العسكري، والأضرار الكبيرة في حاضنته الاجتماعية، وفي التحولات في الموازين السياسية في لبنان  لغير صالحه، فإن تغيّر الأوضاع في سوريا سيحرمه من سرعة ترميم خسائره،  غير أن مساهمته في المعركة ستبقى تشّرفه عبر الأجيال.

 

وباعتبار أنه أعجز الجيش الإسرائيلي من أن يدخل لبنان وينهي وجوده المسلح ويدمر بنيته فإنه في المحصلة منتصر وسيبقى رقما صعبا في لبنان، وسيجعله ابتعاده عن التغييرات السياسية الجارية متخففا من تبعات الشأن الحكومي وفي أي انتخابات مقبلة سيكرر فوزه من خلال استمرار احتضان طائفته له وما يمكن أن يأخذه من دعم من القوى الانتخابية المؤمنة بالمقاومة، وإذا ما أصلح صورته عند عموم أهل السنة وعالج ذكريات السوريين عن تورطه في ما صُب عليهم من بلاء، وصار انتماؤه للمقاومة ضمن رؤية عامة للأمة فإنه لن يُحرم من الإيجابيات التي ستستفيد منها المقاومة الفلسطينية، وسيكون طوفان الأقصى هو بداية مشروع عام لتحرير فلسطين تشارك فيه كل الطوائف والأعراق في العالم الإسلامي بإذن الله تعالى.

 

الخاسرون حاليا والخاسرون غدا

ـ إيران وحلفاؤها: لا أستطيع أن أقول أن إيران ومشروعها وحلفاءها  قد خسروا اليوم كلية، فقد نالوا شرف دعم المقاومة كما لم يفعله غيرهم، ولا يصح أن نقيّم ذلك على أساس مقاصدهم، فمرحبا في منطق الصراع والحروب بكل داعم ومناصر لقضية ولو كان في ذلك مصلحته، هذه هي الحياة وهذا هو تاريخ البشر. ولكن من الناحية الجيوستراتيجية خسرت إيران مكانتها ونفوذها في سوريا ولن تسترجعه في مستقبل الأيام. وكم من مرة قلت لبعض الإخوة  السوريين حين كنا نحاول ثنيهم عن التشكيك في نوايا إيران وحزب الله بشأن دخولهم معركة طوفان الأقصى، بأن مشاركة إخواننا الشيعة في الملحمة التاريخية شرف كبير لهم، وهي مشاركة تمثل قمة مراحل مشروعهم في المنطقة، ولكن المشروع سيخرج بعد المعركة ضعيفا قد ضيع قيادة محور المقاومة لصالح المقاومة الفلسطينية، من حيث أن حركة حماس لم تستشر أحدا في انطلاق طوفان الأقصى فوضعت قادة المشروع الشيعي في خيارين كلاهما صعب، إن لم يشاركوا  في طوفان الأقصى يخسرون القيمة الأخلاقية التي ربطوا بها مشروعهم المقاوم، وإن شاركوا سيكون الثمن باهضا في زمن تخلى فيه خصومهم في المنطقة عن دعم المقاومة وأهل غزة وتركوهم وحدهم في مواجهة التحالف الصهيوني الغربي دون أمل في أن تتدخل الصين أو روسيا لصالحهم في معركة ليست من أولوياتهما وتُناقض توجهاتهما الحضارية وتصادم علاقتهما مع اللوبيات الصهيونية. وعلاوة على ذلك ساهمت الخسائر التي تكبدتها إيران في لبنان وعلى أرضها في دعم التيار السياسي والمالي في الداخل الإيراني الذي يريد الانكفاء على الذات وفق ما شرحناه سابقا، وقد يكون في ذلك فرصة لبناء دولة قوية لصالح الإيرانيين وتكون جزء مهما في الأمة.

ـ الأنظمة العربية: قبل قرابة سنة ونصف اتفق العرب على إعادة الاعتبار للنظام السوري، وأعادوا له العضوية  في اجتماع الجامعة العربية في مايو 2023،  ظنا منهم بأن المسألة حسمت نهائيا لصالحه ولا داعي للنظر في الجرائم العظيمة التي اقترفها، من تهجير لنصف الشعب السوري وقتل وسجن وتعذيب مئات الآلاف منه، ولم يستشرف أحد من حكام العرب أن نهاية النظام النظام السوري كانت قريبة، وأن بشار الأسد قد خسر حين ساندوه وأنه سيفر بجلده إلى روسيا بعيدا عنهم . لقد خسروا بذلك اللحظة الراهنة، ورغم التحول السريع في الموقف واتفاق أغلبهم على الاعتراف بالسلطة الجديدة وإحضار وزير الخارجية الجديد في لقاء وزراء الخارجية يوم 12 يناير الحالي بالمملكة العربية السعودية فإن الحكام العرب خسروا الرهان، وأثبتت الأيام أن إرادة الشعوب التي حاربوها من خلال ثورتهم المضادة قادرة على التجلي من جديد وأن نجاح الثورة السورية سيكون ملهما في مختلف الدول العربية.

 

إن سبب مسارعة الدول العربية للاعتراف بالسلطة الجديدة له عدة أسباب منها منافسة تركيا في النفوذ في سوريا، وملأ الفراغ الذي تركته إيران بنفسها، ولتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية، ولتأمين حدودها، ومحاولة خدمة المصالح الأمريكية والصهيونية  بالنسبة لبعضها بالمناولة. وثمة سبب آخر مهم وهو أن المشروع الإسلامي المنتصر في سوريا لا ينتمي لتيار الإخوان المسلمين، يمكن اختراقه وتحويله، حسب ظنهم، خلافا  للعدو الإخواني  اللدود للنظام السياسي العربي، الذي يعرض نفسه البديل الحضاري الشامل والجاهز العابر للدول، والذي رغم انكساره وقبول أغلب تنظيماته السياسية العيش تحت سقوف الأنظمة لا يزال يمثل البعبع المخيف القادر على استغلال أي تحول مستقبل في البلاد العربية، كما فعل مع الربيع العربي الذي لم يكن المبادر لإطلاقه.

غير أن التكيف السريع للأنظمة العربية  مع الوضع السوري لن يجعلها تتحكم في الأمر بخلفية السيطرة ومنع نقل التجربة ومنافسة تركيا. تركيا لن تترك سوريا تفلت من حساباتها وسياساتها، لأسباب موضوعية ذكرناها ومنها مشكلة الهجرة والمشكل الكردي، علاوة على المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية الجديدة، ومكانتها في سوريا غير قابلة للمنافسة لأسباب تتعلق بالسبق، وبالعلاقات المتينة مع النظام الجديد، وبالجغرافيا وبالمقدرات الاقتصادية والعسكرية الكبيرة، وبالحليف والرافد المالي والإعلامي القطري.  كما أن منع نقل التجربة، كفكرة وليس بالضرورة من الناحية الكيفية، أمر غير متاح. فالله تعالى غني عن أن يربط التمكين للدين  بالإخوان المسلمين، وحتى بمنهجهم، وهم قد أكرمهم الله طيلة تضحيات قرن كامل من الزمن ببعث صحوة إسلامية في العالم الإسلامي وكل أنحاء الدنيا، وما يأتي بعده ثمرة منه، وهذا حسبهم، ولئن لم يكتب الله تمكين فكرتهم في الدوائر الرسمية فليس شأنهم ولكن شأن الله تعالى القادر الوهاب الرزاق، الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، كما أن الأفق أمامهم ليس مغلقا إن جددوا أنفسهم، أو بعض منهم، بما يتناسب مع التحولات السننية القادمة، التي منها طوفان الأقصى الذي خرج من رحالهم.

ومع كل الذي قلناه، فإن الفرصة متاحة للأنظمة العربية لتراجع نفسها حتى تكون جزء من نهضة الشام، الذي منه تحرير فلسطين، إن أرادت ذلك ووفقها الله إليه. وفي هذا المضمار ثمة ثلاثة أنظمة العربية  يصعب عليها التكيف لأسباب مختلفة، أولها النظام الإماراتي الذي تزعّم الثورات المضادة وأنفق فيها أموالا طائلة واقترف فيها الموبقات فلا يتصور تراجعه، وكل ما سيظهره من تأقلم هو نفاق من أجل الإفساد.  والنظام المصري الذي يحمل عقدة الانقلاب العسكري ولا يزال في سجونه عشرات الآلاف من المظلومين والمقهورين، ولكن قد يحدث تحول من داخل النظام نفسه بسبب عمق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، بما يجعل المصريين يفهمون أهمية المحور المصري السوري الذي كان له دور عظيم في التحولات التاريخية الكبرى لصالح الإسلام والمسلمين ومن ذلك القضية الفلسطينية. والنظام العربي الثالث الذي تعامل بالرفض مع التحولات في سوريا هو النظام الجزائري، والذي دفعه لذلك هو العلاقة التقليدية بين الجزائر وسوريا في محور الممانعة والاعتقاد الراسخ عند كثير من أصحاب القرار في الجزائر بأنها لعبة أمريكية تركية صهيونية، دون الاستعداد للتعمق في دراسة الأوضاع. علاوة على الحضور المرضي في العقل الرسمي لأزمة التسعينيات، وتشبيه هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع بالجبهة الإسلامية للإنقاذ وللجماعات الإسلامية المسلحة، خصوصا وأن حكومة إدلب كانت تسمى حكومة الإنقاذ، وأن أحمد الشرع نفسه كان عضوا في جماعات موصوفة بالإرهاب، دون أي استعداد لملاحظة خصوصيات التجربة السورية وقادتها، وخصوصيات الأوضاع الإقليمية والدولية المحيطة.

ولكن لن تجد قد تتجاوز الجزائر صعوبة التكيف بسبب البعد الجغرافي للخطر “المتوقع”،  وبسبب أهمية المعطى السكاني من حيث العدد الكبير للسوريين من أصل جزائري الذين سكنوا سوريا عبر هجرات كثيرة منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في سنوات 1837، 1849, 1854, 1861, 1864, 187, 1871, 1874, 1911 عقب المقاومات الشعبية وما أعقبها من قمع وتهجير من قبل القوى الاستعمارية، وقد وصل عددهم في الخمسينات الى مليون ونصف وكان منهم رئيسا للجمهورية والعديد من المسؤولين والكتاب والفنانين وبإمكان هذا المعطى السكاني  أن يكون  همزة وصل لمصلحة البلدين لو أتعبت سياسة حكيمة  في الموضوع من قبل النظام الجزائري.

 

د. عبد الرزاق مقري

لم يكن يوسف ندا رجلا عاديا منذ شبابه إلى أن وافته المنية وعمره 93 سنة، التحق بجماعة (الاخوان المسلمون) وعمره 17 سنة عام 1947 وارتبط اسمه بشبكات الجهاد ضد الاحتلال البريطاني في مصر عام 1951، كانت حياته الطلابية في كلية الزراعة عامرة بالعمل الدعوي والكفاح ضد الاستبداد في إطار اتحاد طلبة الكلية ففصل من الجامعة وشطب اسمه من سجلات الطلاب، وتم سجنه لمدة عامين بين 1954-1956 في عهد جمال عبد الناصر، ثم عاد للجامعة ليكمل دراسته عام 1959،  وبسبب شدة التضييق قرر الهجرة خارج مصر فاتجهت حياته إلى مجالين عظيمين نجح فيهما نجاحا باهرا، أولهما مجال المال والأعمال الذي تعلم أصوله في بيئته العائلية حيث كان والده من التجار والصناعيين المصريين  ، برع الاستاذ يوسف ندا في هذا المجال حتى صار علما فيه،  حقق في مسيرته نجاحات مبهرة من خلال العديد من المؤسسات  العالمية التي أسسها وأدارها، كما ساهم مساهمة كبيرة في تطوير  النظرية الاقتصادية الإسلامية في الفضاء العملي، من خلال إشرافه الفني ومساهمته المالية في تأسيس ” بنك فيصل الإسلامي المصري” بطلب من  الأمير  محمد بن فيصل، ومن خلال تأسيسه لبنك التقوى المشهور الذي ارتبط اسمه به، والذي كان نموذجا ناجحا للصيرفة الإسلامية والتمويل الشرعي حيث عرف البنك ازدهارا كبيرا لسنوات بعد بدايته عام 1988 قبل أن يوجّه له الاستكبار العالمي  الغربي سهامه، فاتهم بتمويل الإرهاب من قبل الرئيس جورج بوش نفسه، وأغلق البنك بعد أحداث 11 سبتمبر وجمدت أموال مجموعة التقوى ومجموعة ندا،  ووضع ندا تحت الإقامة الجبرية في سويسرا. وبالرغم من عدم إثبات أي تهمة من التهم التي وجهّت إليه وتمت تبرئته قضائيا في بلدي إقامته سويسرا وإيطاليا  وأعلنت الخارجية السويسرية عام 2009 شطب اسمه على مستوى مجلس الأمن الدولي  من قائمة داعمي الارهاب لم تُسقط الولايات الأمريكية المتحدة اسمه من “القائمة السوداء “، الى غاية  2015 حين رفع التجميد عن شركاته وأمواله، بعد ان اصابها ضرر  كبير رفض طلبه للتعويض عليه، وقد تسبب هذا الظلم في ضياع أموال المودعين الأبرياء. وبسبب انتمائه للحركة الإسلامية اتهمته العديد من الدول، دون أي دليل، بتمويل الجماعات والأحزاب الإسلامية المعارضة، ومن ذلك اتهامه بتمويل الجبهة السلامية للإنقاذ الجزائرية.

‎والمجال الثاني الذي برع فيه الاستاذ يوسف ندا مجال العلاقات الدولية حيث كان مفتاحا اساسياً في العلاقات الدولية لجماعة الاخوان المسلمين، وساهم في حل العديد من الأزمات بين الدول، ومن ذلك أزمة الرهائن الأمريكان في ايران أثناء الثورة الإيرانية، التي كان للجزائر الدور الحاسم فيها، وتوسط بين السعودية وايران والسعودية واليمن، وحاول رحمه الله التوسط بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ والسلطة الجزائرية حيث زار قادة جبهة الإنقاذ في السجن والتقى مع المسؤولين الجزائريين، وقد كانت تلك المبادرة بطلب من الشيخ محفوظ نحناح رحمه، علما بأنه كانت بين هاذين القائدين المتميزين علاقة وطيدة ومحبة خاصة، وكان الأستاذ يوسف ندا من مراجعنا في العلاقات الدولية.

‎وبدل أن تستثمر السلطات المصرية في قدرات هذا القائد الفذ، في المجال الاقتصادي والعلاقات الدولية، وفي خبرته وحكمته وتجربته، لاحقه حسني مبارك – كما هو شأن الأنظمة الاستبدادية مع الشخصيات القوية والمتميزة   – وأحاله إلى المحكمة العسكرية الاستثنائية وحُكم عليه غيابيا عام 2008 بعشر سنوات سجنا، وألغي الحكم بعد قيام ثورة يناير  2011 .

‎لقد تشرفتُ بالتعرف على هذا الرجل الفذ واستفدت منه، وكان يستبشر خيرا بي بحمد الله، وعلمت منه عن علاقاته المتميزة بالجزائر على المستوى الرسمي وبعض الفاعلين في المجتمع وعن مشاريعه التجارية، وكانت له رؤية حصيفة في كيفية النهوض بالاقتصاد الجزائري، وطلب مني أن أتوسط له في بعض المشاريع المفيدة للبلاد، ولكن للأسف الشديد لم نتمكن من ذلك، كما هو الحال مع أغلب الوساطات التي قمنا بها منذ عهد الشيخ محفوظ رحمه الله الذي تعلمنا منه أهمية جلب الاستثمار للجزائر، ولو  أكتب ما قمت به من محاولات في هذا الشأن لألفت مدونة، يفهم من خلالها القارئ صعوبة الاستثمار في الجزائر، والحساسية المفرطة تجاه المستثمر العربي، خصوصا إذا كان معروفا بالتزامه أو بعلاقته بالحركة الاسلامية.

لقد كان آخر لقاء لي بالأستاذ يوسف ندا في بيته قبل بضعة سنين بدعوة منه في بيته الجميل  في كمبونيا الإيطالية وهي بلدة بديعة ذات عراقة تاريخيّة بمقاطعة كومو في منطقة لومبارديا، تقع على شاطئ الجنوب الشرقي لبحيرة لوغانو على شريط ضيق من الأراضي الإيطالية محاطة من كل جانب بسويسرا . وقد مررت على الاستاذ ابوبكر قدودة ليرافقني اليه لمعرفته بالمكان وعلاقته بالرجل، ورافقنا في الرحلة الاستاذ إبراهيم شعباني وكانت الرحلة مؤنسة عظيمة الفائدة مع ذلك الرجل الاستثنائي رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وعوضنا الله فيه بجيل من امثاله في الظروف الاستثنائية التي نمر بها.

وأوجه بالمناسبة تعازينا لأهله وأولاده وكل محبيه.

‎إنا لله وأنا اليه راجعون.

 

د . عبد الرزاق مقري

 

بدأنا مقالنا الأول عن سوريا  بعنوان “تطور الوضع في سوريا : الواقع والمآل”، فكانت الأحداث أسرع منّا إذ تهاوى النظام السوري بشكل سريع ومذهل، بما يجعلنا نغير العنوان ليصبح : “سقوط النظام السوري: الأبعاد والمآل”. وقد قصدنا فهم خلفيات السقوط السريع من خلال اِستحضار مختلف التطوّرات الحاصلة على مستوى القوى الإقليمية والدولية ذات العلاقة، فبدأنا الحديث عن إيران ووضّحنا التحولات الداخلية والخارجية التي جعلت هذا البلد يُحجم عن نجدة حليفه السوري بشار الأسد، وسنتناول في هذا المقال الخلفيات التي أدّت إلى تحوّل الموقف الروسي وتخليه عن النظام الذي أنقذه من قبل من السقوط، وفي مقالات مقبلة سنتطرق إلى تطورات وخلفيات الموقف التركي، ثم سياسات وطبيعة الموقف الأمريكي والإسرائيلي من الأحداث، ثم نتحول إلى الحديث عن مكوّنات قوى المعارضة وخلفياتها الأيديولوجية وعلاقاتها مع القوى الأجنبية، لنخلص في الأخير لدراسة السيناريوهات المحتملة للشأن السوري والقضية الفلسطينية والمنطقة كلها. 

2 – روسيا: 

لقد كان للتدخل الروسي في الأحداث في سوريا دور أساسي في حسم الصراع المسلّح لصالح نظام بشار الأسد ضد فصائل المعارضة المسلحة، منذ 30 سبتمبر / أيلول 2015، وكانت حجّة الروس حينذاك محاربة الإرهاب،  ثم اعتبرت أن لوجودها الطويل في سوريا طابعا شرعيا على أساس أنّ قواتها حطّت رحالها في الأرض السورية بطلب من الدولة السورية “الشرعية”. وقد استغلت هذا الوجود القانوني لتوسيع قاعدتي حميميم وطرطوس ليتجاوز وجودها في سوريا الأزمة السورية إلى حماية مصالحها في المنطقة كلّها وكلّ الفضاء الجغرافي المطلّ على البحر الأبيض المتوسط. 

غير أنّها لم تكن تجهل تناقص المصالح وصراع الإرادات الدولية في بلاد الشام، فما إن أنهت وجود القوى المسلحة في شرق حلب بقوة نارية جبارة ذهب ضحيتها كثير من المدنيين الأبرياء؛ قتلا وتهجيرا، حتى اِتجهت إلى الاِتصالات الدبلوماسية من خلال مسار أستانا مع تركيا وإيران. 

اِكتفت ترتيبات مسار أستانا بالاِتفاق على خفض  التصعيد، وهو ما نقل القضيّة السورية نوعا ما إلى ما بعد بيان جنيف 2012 الذي بني عليه قرار مجلس الأمن 2254 في 2015 المدعوم من أمريكا، والذي اِقترح مشروعا سياسيا كاملا يقوم على تغيير الدستور وبناء نظام سياسي جديد يستوعب كلّ الطوائف وإجراء اِنتخابات حرة ونزيهة. 

لقد كان لروسيا دور كبير في تعطيل المسار السياسي، مدعومة بإيران، ثم زاد البعد عن الحلّ السياسي محاولات تركيا فتح صفحة جديدة مع النظام السوري من أجل حلّ مشكلاتها المتعلقة بالمهاجرين والأكراد، وحين اِنفتحت الدول العربية على بشار الأسد من جديد اِنغلق الأفق السياسي كلية وظنّ بشار بأنّه حسم الأمر نهائيا، رغم بقاء هذه الدول متمسكة بالحلّ في إطار ذات القرار الأممي.

لا شك أنّ قرار مجلس الأمن كان على الهوى الأمريكي ممّا أفقد الثقة فيه عند العديد من الأطراف ولكن لم يُعرض أي بديل له من داعمي النظام، أو الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، سوى ما صرح به وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في مايو 2023 بأنّ “بلده سيطبق ما يهمه من مضامين القرار 2254”!

ولكن بعد كلّ هذه المجهودات لحماية النظام السوري ظهر الموقف الروسي اتجاه التطورات الجديدة باهتا، بشكل مفاجئ وغير مفهوم لدى الكثيرين. وقد بدا عدم الاِهتمام واضحا من الوهلة الأولى عبر طريقة تناول وسائل الإعلام الروسية للأحداث، حيث لم تتحرك البروباغاندا الروسية المعهودة، واِكتفى مذيعو القنوات ووسائل الإعلام الأخرى  بنقل الأخبار ، واِهتم المحلّلون بتقديم التحليلات والتفسيرات فحسب. ثم جاءت تصريحات المسؤولين فأكّدت بأنّ بشار  بات بلا دعم فعلي من صديقه بوتين.

اِكتفى المتحدث باسم الكرملين بالتصريح في اليوم الثاني من هجوم المعارضة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني بدعوة “السلطات السورية إلى اِستعادة النظام الدستوري بسرعة” مصرحا بأنّ “روسيا تقوم باتصالات مناسبة وتحليل الوضع” وأنّها “ستسعى لتحقيق الاِستقرار في سوريا”، ومؤكدا بأنّ “روسيا قادرة على تقديم المساعدة للنظام السوري اِعتمادا على تقييم الوضع ميدانيا”. وقد تكون هذه التصريحات مؤشرا على أنّ الأمر لا يتعلق بعدم القدرة على تقديم المساعدة وإنّما ثمة توجه آخر يستند على دراسة تطورات الوضع الميداني. 

لا شكّ أنّ هذه التصريحات قد اُلتقطت من قادة الجيش النظامي فعلموا أنّه لا يمكنهم الاِعتماد لا على إيران كما بيّنا سابقا ولا على روسيا، ممّا جعلت معنوياتهم تنهار وصفوفهم تتفكك وأخذوا بالفرار من جبهات القتال. ويمكننا أن نقول بأنّه لم يصرح أي مسؤول دولي تصريحا مهينا للنظام السوري المتهالك ، كما كان تصريح مسؤول روسي مقرّب من الكرملين، وفق ما نقلته وكالة بلومبرغ، الذي قال فيه: “إنّ روسيا لا تملك خطّة لإنقاذ بشار الأسد ولا ترى إمكانية لإيجاد واحدة، طالما اِستمر الجيش في التخلي عن مواقعه”، وحينما دعت السفارة الروسية رعاياها إلى مغادرة دمشق كانت اللعبة قد أغلقت على حليف الأمس.

سارعت كلّ من روسيا وتركيا وإيران إلى الاِجتماع لمناقشة إمكانية تخفيض التصعيد وفق مسار أستانا، ولا شكّ أنّ ما جمعهم هو خوفهم من التدخلات الأمريكية، إذ أشار جميعهم إلى القوى الكردية الحليفة للأمريكيين، بل إنّ لافروف أشار إلى مصلحة الإسرائيليين في تغيير الوضع في سوريا. ثم اِلتحق بهذا الثلاثي مجموعة الدول العربية الخمس، ودخل الجميع في النقاش للعودة إلى القرار 2254، غير أن الذين كانوا في الميدان لم يمهلوا أحدا ودخلوا دمشق وأسقطوا الطرف الذي كان يطلب منه دوليا أن يدخل في المفاوضات من أجل تطبيق القرار، وبعد فرار الأسد لم يبق إلا طرف واحد وهو الطرف المنتصر، ولم يبق شيء يناقَش عن مستقبل سوريا سوى مع هؤلاء. 

لا شكّ أن اِنشغال الروس بالحرب  مع أوكرانيا يمثّل سببا رئيسا في إحجامهم عن التورط مجددا في المواجهة المسلحة في سوريا، وقد يكون بوتن قد أحسّ بأنّه يراد اِستدراجه في جبهة أخرى تستنزفه. غير أنّ  ثمة أسبابا أخرى بالغة الأهمية أثرت في موقف  تراجع الطرف الروسي عن دعم النظام السوري، سوى بعض الطلعات الجوية القليلة غير ذات الجدوى. 

إنّ جذور ذلك قد تعود إلى تغيّر الموقف التركي ورغبته في الحوار مع بشار الأسد لحلّ مشكلة اللّاجئيين والتوصّل إلى تفاهمات بخصوص الملف الكردي، وقد عُقد بهذا الشأن لقاءات رسمية عالية المستوى بين المسؤولين الأتراك والروس، واِتصل بوتن نفسه  ببشار الأسد بهذا الخصوص فرأى تصلبا كبيرا منه. 

وعلاوة على ذلك بات ثمة تفهّم كبير من القيادة الروسية لحاجة الأتراك للتدخّل المباشر في سوريا بغرض كبح جماح منظمة قوات سوريا الديمقراطية الكردية المسنودة والمسلحة والمحمية من الخصم المشترك؛ الولايات الأمريكية المتحدة. كما أن التداخل العميق للمصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية، بين تركيا وروسيا ساعد على تحقيق الاِستقرار في الخطوط الدبلوماسية بين البلدين، ومن ذلك تجنب الاشتباك بين الطرفين بأيّ شكل من الأشكال مهما كانت الصعوبات وحل المشاكل المعقدة وتضارب المصالح بالاِتصالات الاستخباراتية والدبلوماسية. 

ثمّ إنّ ثمة مصلحة مشتركة أخرى بين البلدين، وهو الرغبة الثنائية في تحجيم الدور الإيراني في سوريا، حيث أنّ روسيا كانت دائما تعتبر بأنّ إيران هي البلد الوحيد الذي ينافسها فعليا، سياسيا واِقتصاديا، في سوريا ومع النظام السوري ويُعقّد عليها تحكمها في الأوضاع في المنطقة، وقد بين هذا الامتعاض الروسي ما كان يتداوله محللون سياسيون في القنوات الروسية في نقد النظام السوري، واِتهمه البعض أنه يلعب على حبلين. 

ومن جهة أخرى ظلت البرودة في العلاقات بين إيران وتركيا ثابتة رغم الحوار القائم بينهما، ولم يكن أردوغان ينظر إلى تعنت بشار الأسد في الدخول في الحوار إلّا من زاوية أنّه مسنود في موقفه من إيران. وبسبب التطورات الداخلية والخارجية التي حكمت الوضع الإيراني أصبح إخراج إيران من اللّعبة ممكنا، وقد ساعد على ذلك شعور عدد من الدول العربية بأنّ اِنفتاحهم على الأسد كرئيس دولة عربية لم يبعده عن إيران وأنّ مصانع المهلوسات (الكبتاجون) في سوريا التي اِشتهرت بها عائلة بشار والمقربين منه أصبح ترويجها في الدول العربية بمثابة حرب ضدهم. 

وكلّ هذه الاعتبارات تأخذ كثيرا من المصداقية؛ الأخبارُ التي تؤكّد على أنّ تفاهمات روسية تركية كانت قد تمت قبل الهجوم تضمن مصالح روسيا، وخصوصا على مستوى القاعدة العسكرية في حميميم وطرطوس. وممّا يساعد على قبول هذه الأخبار أن المعارضة لم تتعرض للوجود الروسي بأيّ شكل من الأشكال، وأنّه خلافا للقوى الإيرانية وحزب الله اِلتزمت التشكيلات العسكرية والأمنية بدون إجراءات اِستثنائية مواقعها، رغم المشاركة الروسية الكبيرة في ما لحق الشعب السوري من بلاء عظيم.

ولا يمكن من وجه آخر إغفال اِلتزام روسيا بحماية الكيان الصهيونىّ من خلفيات تراجع روسيا عن حماية النظام السوري، فهي لا يهمها أن تعجز إيران عن اِستعمال الأراضي السورية لدعم حزب الله ونقل السلاح إليه، إن كانت تضمن مصالحها. 

وفي كلّ الأحوال، لا يعتقد أنّ روسيا كانت تريد أن يحدث اِنهيار تام للنظام السياسي، وإنّما كانت تريد تغيير شيء من الواقع على الأرض لصالح المعارضة وتركيا لكي يقبل الجلوس على الطاولة بخصوص ضمانات سلامة اللاجئين عند عودتهم وحلّ معضلة علاقته المشبوهة مع القوى الكردية الموالية لأمريكا، ولكنّ الأقدار شاءت غير ذلك، ولم يكن ثمّة من يستطيع وقف زحف قوى المعارضة نحو دمشق حين أتيحت لها الفرصة.

 د. عبد الرزاق مقري

زيارة قونيا كانت مؤنسة ومفيدة، راجعنا فيها التاريخ في زيارتنا لمتحف جميل شرح لنا الدليلُ مختلف الحقب التاريخية من عهد الحيثيين إلى عهد البيزنطيين إلى عهد السلاجقة الأتراك الذين اتخذوها عاصمة  لهم حين تمكنوا من شرق الأناضول بعد معركة ملازكرد التاريخية التي قهروا فيها البيزنطيين، ثم عهد العثمانيين. كما زرنا مساجدها العريقة منها مسجد علاء الدين كيقباد  الذي  بني في 1235، وهي مساجد تتميز بالبساطة وغياب الزخرفة خلافا للنمط العثماني لاحقا، كما اطلعنا على تراثها الإسلامي الكبير حيث كانت محجة العلماء والعباد والزهاد،وتعرف قونيا بسمتها الإسلامي وانتشار مظاهر التدين في مجمل أماكنها خلافا لإسطنبول على سبيل المثال، كما شعرنا بكثير من الدفء والترحاب والمودة في لقائنا بالناس واهتمام كبير بالقضية الفلسطينية لديهم. 

لم تخرج هذه البلدية من قيادة حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه، ويعد رئيس بلديتها من أنجح رؤساء بلديات تركيا، بل هو رئيس الاتحاد العالمي لرؤساء البلديات في العالم، وحين تطّلع على إنجازاته تتأكد بأنه يستحق ذلك فعلا،  من حيث حسن تسيير  المخططات التنموية للدولة ومن حيث إبداعاته ولمساته في مختلف المجالات،  سواء  تطوير الطابع الفلاحي الأصلي للبلدية كونها المصدر الأول لكثير من المنتجات الفلاحية في تركيا، أو تطوير  الصناعة في مختلف المجالات  حتى صارت منتجات قونية الصناعية تصدر  إلى 130 دولة،  وكذا تطوير مجال الخدمات ومن ذلك أنه أضاف  إلى المقدرات السياحية  الطبيعية الخلابة، والتاريخية الأخّاذة،   والمتعلقة بالأحياء الشعبية النظيفة و المنظمة، والصناعات التقليدية الجميلة،  مشاريع سياحية صناعية رائعة مثل المتاحف البديعة العديدة والحدائق التي منها حديقة الفراشات التي تعد أكبر حديقة فراشات  في العالم يرى فيها السائح عجائب وغرائب، ومتحف مينيا تورك  الذي ينافس مثيله في إسطنبول والذي ترى فيها مجسمات صغيرة لمعالم تاريخية تمثل كل التاريخ التركي وتاريخ المنطقة، علاوة على مضمار للدراجات الهوائية هو الثاني طولا بعد مضمار الدانمارك، وكذا السياحة الدينية إذ تعد قونية محجة الطرائق الصوفية فهي المكان الذي استقر فيه جلال الدين الرومي الزاهد الصوفي والشاعر المعروف، الذي تنسب اليه الطريقة المولوية، وفي زيارتنا لمكان دفنه رأينا افتتان نساء ورجال شياب وشباب به، مع أن بعض سكان قونية شرحوا لنا بأن المولية بقيت تمثل طابعا فلكلوريا في قونيا أكثر منها التزاما بمعتقدات الطريقة، واكدوا لنا أن قونية لم تحد عن خصوصيتها الإسلامية الصحيحة حتى في زمن العتو اللائكي، وما يؤكد ذلك ما يحكى من قصة عجيبة عن اتاترك الذي كره هذه البلدة بسبب سمتها الديني، وأنه ذات يوم وجد عددا من العلماء  مجتمعين في مسجد من مساجد المدينة ( لا يزال قائمًا وقمنا بزيارته)  فحشدهم في قطار كان يقل الأبقار وعند وصوله إلى مكان توقفه حوّل الأبقار للذبح والعلماء للإعدام، وثمة في حدود  المدينة القديمة وضع أتتاترك لنفسه تمثالا يعطي فيه المدينة بظهره فسرها أهل قونية أنه يعبر بذلك عن خصومته لهم. 

وقد رأينا  السمت الأخلاقي الراقي لأهل قونيا  في استقبالنا في مختلف المواقع وفي أماكن المحاضرات التي قدمتها، في معهد الدراسات المقدسية، وفي جامعة نجم الدين أربكان، وفي مقر مؤسسة الإنسان والحضارة، الذين رفعونا فوق رؤوسهم جزاهم الله خيرا، وفي زيارتنا لقناة “قون تيفي” التي اكرمنا مديرها وصحافيوها وكوادرها أيما إكرام بارك الله فيهم. 

وكانت الزيارة ممتعة بمتعة الصحبة، مع نور الإسلام وزياد ومحمد، أبنائي وإخواني وعضدي وسندي، رفع الله مقامهم في الدنيا والآخرة ومع الدكتور عبد الجليل منظم الزيارة ودليلنا في السياحة ومفتاحنا في المحاضرات والعلاقات، الشاب الفاضل الخلوق الطيب  المثقف، وفقه الله وأعطاه ما يصلحه في الدنيا والآخرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

حاول الاحتلال الصهيوني وقادة الولايات الأمريكية المتحدة وطوابير العمالة إظهار اتفاق وقف إطلاق النار بأنه هزيمة للمقاومة وأن طوفان الأقصى كله آيل للانكسار، وقد أثر خطاب هذه القوى الظالمة في معنويات كثير من مناصري الحق الفلسطيني وداعمي المقاومة، كما جاء هذا التحول على هوى المتخاذلين والمخذلين الذين يريدون الرجوع إلى دوائرهم الآمنة فلا تنغص عليهم الحالة الفلسطينية الملتهبة وصور المآسي السكانية في غزة حياة الدعة والهدوء المألوفة.

من يعتقد بأن المعركة قد انتهت فهو واهم، سيبقى طوفان الأقصى يظهر عجائبه، وما هذه الهدنة إلا وجه من وجوه هذه الظاهرة العجيبة، ولعل أعظم درس نستشفه من المواجهة المسلحة بين جيش الكيان وحزب الله، أننا أمام صورة جديدة واضحة بيّنة لحقيقة الجيش الإسرائيلي، وما يمكن أن يحدث له حينما يحكم البلاد العربية والإسلامية حكام سادة أشاوس يمثلون حقيقةً شعوبهم، فهذا الجيش الإسرائيلي  الذي هزم البارحة ستة جيوش عربية واحتل كامل فلسطين وسيناء والجولان في ستة أيام لم يستطع بعد سنة كاملة أن يحتل أكثر من كيلومترين من جنوب لبنان، ورغم الضربات المباغتة التي وجهها لحزب الله فقضى بها على طبقة قيادية كاملة من وحدة الرضوان والمجلس الجهادي وعلى رأسها الأمين العام، والرجل التاريخيّ الرمز حسن نصر الله، ظلت البلدات المحتلة التي يسكنها الاسرائيليون تتلقى القصف الصاروخيّ، ألحق ببعضها أضرارا جسيمة، كبلدة المطلة  وكريات شمونة والمنارة، بل إن تل أبيب نفسها لم تأمن، وحين تتحدث وسائل الإعلام بأن الهرع إلى الملاجئ يصل إلى أربعة ملايين فهذا يبين حجم مأساة الإسرائيليين لمدة أكثر من سنة.

إن الاسرائيليين فهموا بأنهم تورطوا في الحرب في لبنان، وأنها ستكون حرب استنزاف مدمرة لهم ولمستقبلهم، وأنه لا يمكن أبدا تحقيق أهداف الحرب المعلنة المتعلقة بنزع سلاح حزب الله وكسر خط المقاومة في لبنان، فقبلوا وقف إطلاق النار واعتمدوا على الولايات الأمريكية المتحدة لتحقق لهم مكاسب شكلية تحفظ لهم ماء الوجه، كمسألة خروج حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان وعدم السماح لحزب الله بالتسلح وصناعة السلاح.

 فحزب الله رغم الخذلان الكبير الذي تعرض له من قبل الطابور الخامس اللبناني وضغط الحواضن الاجتماعية التي لا تناصره، والأوضاع الصعبة لحاضنته التي شردت في اللجوء،  بقي جزء أساسيا من منظومة الدولة، وهو جزء من الجيش الذي سينتشر في لبنان، واللاجئون الذين سيعودون إلى مساكنهم في الحدود مع فلسطين كثير منهم هم منه وله، علاوة على أنه حظي بتأييد كبير رسمي وشعبي من القوى السنية التي قاتل بعضها معه، فهو قد خرج بمكانة معتبرة وسيجد الطرق المناسبة لإعادة بناء ما خسره في الحرب.

غير أنه لا يمكن أن نقول بأن حزب الله خرج منتصرا مظفرا في هذه الحرب، إذ الهدف الأساسي الذي اندفع من أجله للمواجهة قد توقف، وهو مناصرة غزة ووحدة الساحات. لا شك أنه أعطانا صورة واضحة لضعف الجيش الاسرائيلي ومنهجا متكاملا في كيفية هزيمته وإنهاء وجود الاحتلال  من الأراضي الفلسطينية  في مستقبل غير بعيد ولكن الضربات القاسية التي تلقاها والضغوطات الخارجية ومخاطر الانفلات الداخلي ضده ألجأه إلى قبول وقف القتال في لبنان دون أن يتوقف في غزة. وهو في كل الأحوال مشكور مبرور على النصرة التي منحها، والتضحيات الجسيمة التي قدمها مختارا بتلقاء نفسه دون أن يستشار في إطلاق طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر من السنة الماضية.

وإذا ما سألنا عن مصير غزة وهي تواجه مصيرها وحدها فإن أول ما نقوله أن لها الله العزيز الجبار المتكبر، ولسان حال مجاهديها وسكانها هو قول الله تعالى في سورة آل عمران: ((  الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)))، ثم إن الطريقة التي دخل بها حزب الله الحرب شغلت الاسرائيليين ولكنها لم تكن حاسمة في وقف العدوان على غزة، إذ أن حسابات حزب الله واستراتيجياته وتكتيكاته الحربية في البداية لم تكن على النحو الذي آلت إليه في الأخير إلى درجة أنه فرض وقف الحرب على لبنان، فلو دخل بكل قوته منذ البداية كانت الأمور تكون مختلفة ومؤثرة في مسار الحرب على غزة. وعليه فإنّ سُكونَ جبهة لبنان لن يؤثر دراماتيكيا على الأوضاع في جبهة فلسطين في غزة والضفة، ولا توجد جريمة لم يقترفها الصهاينة لتحقيق أهدافهم ضد حماس وحاضنته، فعلوا من الجرائم ما لا تتحمله الجبال، فما حرروا الأسرى ولا أنهوا المقاومة، ولا فرضوا قوة عميلة تسير القطاع،  فماذا عساهم أن يفعلوا أكثر مما فعلوا، فالمسألة مسألة  ثبات ورباطة جأش ومواصلة استنزاف العدو ولو بوتيرة أقل مما كانت عليه، بما يجعل بقاء جيش الكيان في غزة مكلفا يوما بعد يوم.

والأهم من تفسيرات الخنوع والخذلان الذي يسارع إليه ضعاف النفوس في أمتنا، وبدل حالة الإحباط والبقاء في مشاعر الإشفاق  تجاه أهلنا في غزة فإن الواجب أن تهب الأمة قاطبة لنصرة غزة وتغطية الفراغ الذي سيتركه حزب الله، وهذا الحديث يتجه أكثر إلى الذين أغرقونا في خطاب الطائفية ضد حزب الله، ها هو الحزب قد توارى عن معمعة الحرب فأرونا بطولاتكم وخذوا خشبة سباق التتابع (على نحو ما قاله القائد أسامة لأحدهم)!

أما تهديدات بايدن فهي من جنس جرائمه السابقة في حلفه مع الكيان في عدوانهما على أهلنا في فلسطين، أما قوله وقول وزير خارجيته وعدد من المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض بأن وقف الحرب في لبنان هو للتفرغ لحماس فهو شرف لحماس وتأكيد للعالمين بأن معركة الشرف إنما هي في فلسطين وأن أشراف الأمة هم أبطال المقاومة الفلسطينية قبل غيرهم. وفوق ذلك سيسعى بايدن  ذاته بدعم من خليفته ترامب لإبرام صفقة أخرى مع حماس قبل رحيله، وما حديثه بأن لدى حماس خيار واحد هو تسليم الرهائن إلا  هراء لا طائل منه، وقد أعطته المقاومة الجواب فورا بأنهم ثابتون على مطالبهم لوقف القتال، وأيم الله قد صدقوا! هل يمكن أن ترفع الراية البيضاء بعد كل تلك التضحيات الجسام في وجه جيش بدأ ضعفه بينا في لبنان وفلسطين. فإن تم الاتفاق على وقف القتال في غزة قبل مغادرة بايدن  بما يحقق مطالب الفلسطينيين  فهو ذاك ولله الحمد، فإذا لم يتم ذلك فإن مجيء ترامب قد يكون أضمن لنهاية العدوان، ذلك أن الديمقراطيين محكومون بالمؤسسية والتأثير العميق باللوبيات،  والمؤسسية لها قدرة على الصبر والمثابرة، أما ترامب قد يظهر منه عنف أشد في البداية ولكن إذا رأى الثبات والصمود لدى الفلسطينيين فإن ذهنيته التجارية ستدفعه للتفاوض من أجل وقف القتال ليفي بوعده الانتخابي وليوقف نزيف الخسائر المادية لبلده دعما لإسرائيل،  وليتفرغ لأشياء أخرى تهمه أكثر على الجبهة الصينية، والحرب في أركرانيا. أما إن قامت القوى الحية في الأمة بواجبها لتحريك الشعوب في كل البلدان في الساحات وبمحاصرة السفارات الأمريكية على سبيل المثال، وربما تسرب أعداد من المقاتلين الشباب إلى ساحات المعركة ضد الكيان وبروز أمارات على تحول طوفان الأقصى إلى طوفان الأمة فإن دفع الرئيس الأمريكي المقبل لوقف التوتر سيكون مؤكدا.

إن مسؤولية الأمة بعد توقف الحرب في لبنان  صارت كبيرة جدا، لقد كشف دخول حزب الله الحرب ومن ورائه ايران حالة الخذلان في باقي الأمة الإسلامية في عالم السنة، ونأي إيران وحلفائها بالنفس عن الحرب سيكشف هذا الخذلان أكثر إن لم تتحرك الأمة بحكوماتها وقواها الحية لنصرة غزة والضفة، لا سيما أن تحولات كبيرة في الداخل الإيراني ستدفع إيران للانشغال بنفسها، فرئيس الجمهورية الجديد ينتمي لتيار يؤمن بالتخفف من التبعات الخارجية والتركيز على بناء الذات وهو تيار قوي يحمله “البزاريون” الذين يسيطرون على جزء معتبر من القطاع الخاص في الاقتصاد الإيراني، ولا غرابة أن يكون هذا التيار قد شارك مع الأمريكان في مفاوضات وقف إطلاق النار، وسيكون ذلك سبيلا مناسبا لإعادة مناقشة الملف النووي بعد عودة ترامب لتجنب التهديدات التي أطلقها بايدن ونتانياهو بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار. أما الجناح الإيراني القوي المرتبط بالحرس الثوري والمرشد الأعلى فقد تلقى ضربات موجعة بعد وفاة قاسم سليمان والرئيس السابق، وخصوصا بعد مقتل حسن نصر الله الذي كان يمثل ركيزة أساسية في الرؤية الثورية ضد الاحتلال الصهيوني في المنطقة، وسيتطلب رجوعه للفعل والتأثير وقتا ثمينا.

إن الزمن إذن هو زمن عالم السنة، ولئن وقع الاستبدال بالإيرانيين وحلفائهم إلى غاية اليوم فإن الاستبدال هذه المرة سيكون من داخل عالم السنة بتيار عام في الأمة يغير كل الموازين لصالح فلسطين ولصالح الإسلام والمسلمين والبشرية جمعاء.

د. عبد الرزاق مقري

حينما نقول بأن اللحاق الحضاري ممكن إذا ما توفر الإنسان المؤهل والمنظومة الاجتماعية والإدارية المناسبة لبناء الحضارة عبر تحويل اهتمامنا من تكديس منتجات الحضارة القائمة إلى تقليدها ثم صناعة مثلها أو أفضل منها، يُطرح سؤال البون الشاسع بين المستوى الذي عليه الحضارة الغربية وحالة التخلف التي تعرفها مجتمعاتنا العربية الإسلامية.

لقد تناول الأستاذ مالك بن نبي هذا التحدي وهونه بتنبيه قرائه إلى حالة التسارع الحضاري التي باتت تتيحه تطورات العلوم الطبيعية وأثرها على الدراسات الاجتماعية وضرب في هذا الإطار مثالا يتعلق بـ”الكيمياء الحيوية” و”الديناميكية الخاصة”، وكيف أصبح الفرق مذهلا بين الفترة الزمنية التي يأخذها تحلل نصف غرام من الأورانيوم في حالته الطبيعية والتي يأخذها بفعل التطور العلمي في المخبر، وضرب أمثلة في الحياة الاجتماعية بالدول التي كانت في طريق صناعة نهضتها في أواخر الأربعينيات، مثل اليابان وروسيا والصين، حينما خطط قادتها للتعامل مع المنتجات الحضارية بمنطق البناء، لا بمنطق التكديس.

وقد بينت الأيام كيف صنعت المعجزة اليابانية من ركام الدمار الذي حل بها في الحرب العالمية الثانية عام 1945 إلى قمة تطورها عام 1973، وكيف صارت في وقت سريع حالة بارزة في ريادة الحضارة العصرية، وكذلك كيف انتقلت الصين من كونها دولة من أفقر دول العالم في الستينيات إلى مصنع العالم وأكبر قوة علمية واقتصادية تنافس الولايات الأميركية المتحدة في الريادة، وهي التي لم تبدأ خطتها النهضوية الحاسمة إلا في منتصف السبعينيات، وللأسف الشديد لم يعش الأستاذ مالك بن نبي ليرى أن ثمة دولا مسلمة وضعت رجلها في طريق النهضة الحضارية، وفق معايير التسارع التي تحدث عنها، منها إندونيسيا وتركيا وماليزيا وباكستان وإيران.

إن التفاعلات التي أنشأتها حركة الإصلاح في العالم الإسلامي والتجارب والمحاولات التي تظهر هنا وهناك مهما كانت معوقاتها، وتعثرها في الزمن والمكان، هي كما يقول مالك بن نبي “بادرة الحضارة” أو بلغة علم الإلهيات (مرحلة إرهاص)، يوجه فيها العالم الإسلامي جهوده الاجتماعية، هادفا إلى تحصيل حضارة.

إن سبب صعوبات العبور الحضاري هو أن النموذج الذي تريده الأمة ليس نموذج الحضارة الغربية الرأسمالية المادية المهيمن، الذي تسير عليه كل الأمم في هذا الكون، حتى تلك الأمم التي تنافس الغرب على الريادة، بل إن الدول الإسلامية الناهضة التي أشرنا إليها أعلاه، هي ذاتها لم تبلور نموذجا حضاريا إسلاميا خاصا بالأمة يساهم في إنقاذ العالم من ظلم وفساد الحضارة الغربية المهيمنة، فكل النهاض الملحوظ في الأمم غير الغربية ليس انبعاث حضارات جديدة، وإنما هي نسخ أخرى صاعدة للحضارة الغربية.

غير أن ما حققته بعض الدول الإسلامية ضمن مسار الحضارة الغربية هي خطوات جيدة نحو صناعة القوة وضمان السيادة، بما يعطي الحرية والإمكان لبلورة النماذج التي تزرع فيها روح الحضارة الإسلامية لاحقا، لكي تكون استئنافا فعليا للحضارة الإسلامية.

إن بناء الحضارة مسار، وليس تحولا جذريا في وقت محدد من الأوقات، يبين الأستاذ مالك بن نبي ذلك بقوله إن “القاعدة في علم الاجتماع ليست -كنظيرتها في علم الرياضة- حدا فاصلا بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، ولكنها مجرد توجيه عام يمكن به تجنب الأغلاط الفاحشة، إذ لا يمكن أن يوجد حد دقيق بين حضارة تتكون وبين حضارة تكونت فعلا”. ومما يؤكد قول بن نبي أن الحضارة الإسلامية الأولى لم تصنع نموذجها المتميز فورا بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة، فقد بقيت اللغات الفارسية واليونانية والقبطية هي لغة العلم و بقي الدينار البيزنطي عملة التعامل إلى عهد عبد الملك بن مروان عام 74 هجريا.

وإنما المأمول أن التحول في الاستئناف المرتقب يكون أسرع من ذلك بفعل التطور العلمي المذهل كما بيناه سابقا. ومهما يكن التحول الحضاري سريعا أو متثاقلا، فإنه لن يسمى حضارة إسلامية إن لم تكن روحه الإسلام، مثلما بينه العالم الجليل الفاضل بن عاشور في كتابه الرائع “روح الحضارة الإسلامية” أو مثلما أكده الأستاذ مالك بن نبي في قوله: “وإنه لتفكير سديد ذلك الذي يرى أن تكوين الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية إنما يكون في الظروف والشروط نفسها التي ولدت فيها الحضارة الأولى، عن عقيدة قوية، ولسان يستمد من سحر القرآن تأثيره، ليذكر الناس بحضارة الإسلام في عصوره الزاهرة”، وكذلك وفق ما قال الإمام مالك بن أنس قبله “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”.

لم يشأ مالك بن نبي أن يترك الحديث عن نشوء الحضارة ضمن التوجيهات والأبعاد العقائدية فحسب، بل أبدع نموذجا علميا ذاع صيته وأصبح من الأفكار الأساسية التي عرف بها، انطلاقا من فكرة “البناء بدل التكديس”، وهو أن أي منتج حضاري -وضرب مثال المصباح- إنما يصنع من جهد إنسان يحسن استعمال مكونات التراب ضمن فترة زمنية يعرف فيه قيمة الوقت ويتقن استغلاله، لتكون الحضارة في المجمل= إنسان + تراب + وقت. ولا يمكن حسب هذا النموذج، ووفق ما يراه بن نبي، أن تحل مشكلة الحضارة ما لم تحل مشكلة الإنسان الذي هو محور الحضارة، ومشكلة الوقت الذي هو حيز الحضارة، ومشكلة التراب الذي فيه المكونات المادية لمنتجات الحضارة.

غير أن بن نبي يسأل بعد وضعه هذه المعادلة: لماذا لا تصنع الحضارة تلقائيا بالرغم من أن العناصر الثلاثة المذكورة متوفرة لدى كل الشعوب وفي كل وقت، فيجيب بضرب مثال تكوين الماء، من حيث إنه لا يمكن أن يتكون الماء تلقائيا من الهيدروجين والأكسجين الموجودين في الطبيعة منفصلين، ما لم يتدخل في المعادلة مركب ما، ويقيس على ذلك أن للحضارة مركبا خاصا بها هو الذي يحدث التفاعل بين الإنسان والتراب والوقت لكي تنشأ الحضارة، ويتمثل هذا المركب في الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ. سنفحص هذه العناصر أكثر في الحلقات المقبلة بحول الله.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية