المقالات

من طبائع الاستعمار، كما هو الاستبداد، أن يُحول الخيرَ في الأفراد والمجتمعات إلى نقيضه، إن شعر بأن ذلك الخيرَ يُضعف سطوتَه أو يقوضُ وجودَه، وهكذا فعل الاستعمار الفرنسي بالحركات الصوفية التي قاد شيوخُها المقاوماتِ الشعبيةَ بدوافعَ الدين والشرف والبطولةِ لمدة سبعين عاما تقريبا أثناء توغله في الجزائر لاحتلالها كلها. فبعد هزيمته لكل المقاومات الشعبية استطاع بأساليبَ القمع وشراء الذمم ونشر الجهل والفقر والتدمير المنهجي للبنيات النفسية والاجتماعية أن يحول جلَّ تلك الصُّروح الدينية لتعليم القرآن وعلوم الشريعة إلى مؤسسات تعمّقُ الوثنية الدينية في المجتمعْ “حيث تذهب، كما يقول مالك بن نبي، الأرواح الكاسدةُ لالتماس البركات، ولاقتناء الحروز ذات الخوارق والمعجزات“، وكذلك لحضور زردة الولائم ورقصات الغفلة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتَربط السُّكانَ بالخرافات والمعتقدات الفاسدة، وتبني بينهم وبين المستعمر علاقة الخضوع والاستسلامْ، باعتباره قدرا مقدورا من الله يجب الرضا به وعدم مغالبته، وكانت النتيجة هجودا عميقا في ليلٍ مظلم كاد أن يُلحق مصير الجزائر بمصير الهنود الحمر بأمريكا لو لا هبةُ رجال الإصلاح.

سجل الأستاذ مالك بن نبي هذه الهبة قائلا: “غير أنه ما إن سطع نور الفكرة الإصلاحية الباديسية حتى تحطم ذلك المعبد وخمدت نيران أهل الزردة” وأتيح للإصلاح أن يمسك مقاليد النهضة الجزائرية بنشر الإيجابية والتدارس المستمر لأسباب الاستعمار واستمراره، وكان المنهج هو إصلاحَ الذات من داخلها وفق شعار الجمعية (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) والاعتزازَ بالهوية العربية الإسلامية والانفصالَ الشعوري لمصير الوطن عن مسار الاحتلال وثقافته ونظمه وقوانينه، وكانت الوسيلةُ المثلى مدارس التعليم التي شبهها مالك بن نبي بمدارس النهضة العلمية المسيحية الأوربية في عهد شارلمان التي كانت حسب بن نبي ـ أصل الثورة العلمية الغربية ـ علاوة على تحسين أذواق الناس بالأدب الهادف والفن الملتزم ومحاربةِ الانحرافات الخُلقية فيهم ورفعِ مستوياتهم العقلية في نوادي الحوار الداخلي البعيد عن مظاهر العجب والرياء والتباهي.

غير أن مالك بن نبي سجّل بمرارة كبيرةٍ التحول الذي وقع لجمعية العلماء المسلمين حين اعتقد قادتها بأن الخلاص من الملاحقات والتضييقات، وأحيانا الاغتيالات، التي اتجه إليها الاستعمار حين تفطن لأثر العمل الإصلاحي في نفوس الجزائريين، يكون باللجوء للسياسيين الذين يسعون للمطالبة بالحقوق، وبعضِهم بالاندماج، ولا يهمهم استمرارُ الاحتلال. لقد كان نقد بن نبي للجمعية مُكلّفا له في علاقته ببعض رجالها رغم حسن الظن بها وتعلقه بها من قبل ومن بعد.

 قد يكون ابن نبي قد بالغ في اختيار تلك العبارات الشديدة في حق الجمعية، كعبارة “مركب النقص” الذي شعر به العلماء المصلحون ـ حسبه ـ إزاء قادة السياسة حين مالؤوهم وسايروهم ظنا  منهم بأنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة“، قد تكون العبارةٌ شديدةَ، وغير مناسبة، حيث لم تتخل الجمعية عن فكرتها ووسائلها ولم تنخرط بذاتها في الوثنية السياسية التي حاربها بن نبي حربا شعواء، وإنما ظنت أن المطالبةَ بالحقوق كفيلةٌ بحماية مدارسها ومنجزاتها الحضارية، فضاعت الفرصة الحضارية بأن أخَذت منها فكرةُ الاستقلال التي جاء بها بعدها حزب الشعب المبادرةَ إذ لم تسبق الجمعية، بسبب ذهنيتها الإصلاحية، بنقل الشعب الذي صنعته إلى الثورة المسلحة في وقت صارت شروطُها حاضرةً تنقاد لكل من يطلبها. 

إن ما عابه بن نبي عن جمعية العلماء المسلمين، على فضلها وإنجازها العظيم، هو ما يمكن أن يعاب اليوم على الحركات الإحيائية الإسلامية  من حيث أنها تحولت بشكل يكاد يكون كليا إلى العمل الحزبي الانتخابي وابتعدت كثيرا عن وظائف  مجتمعية استراتيجية لإصلاح الفرد والمجتمع وفق ما كانت عليه، بما يؤهلها فعلا للريادة الحضارية ويجعل انتقال الفكرة إلى الدولة آمنا صانعا لنهضة الأوطان، وحين أرهقتها في الشأن الحزبي المضايقات والتزوير والانقلابات صار كثير منها يقبل بالاندماج في منظومات الحكم والرضا بالهوامش الضيقة من أجل البقاء في الساحة  والمحافظة على المكتسبات لا غير، دون أي أفق للتغيير، وبلا جهود جادة في المقاومة السياسية لتكون المنافسةُ الانتخابية ذات جدوى حمالةً للتداول بالأفكار ولو بعد حين،  وصار الخوفُ على الهياكل والنظم والمكاسب السياسية والمقامات الاجتماعية مقدما على الخوف على الفكرة، وحين غابت الفكرة أو تراجع الاهتمام بها تحولت تلك المكتسبات إلى أوثان لا ينفع التعلق بها ولا يضر، وقد يضر و لا ينفع.

“إن من سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم”، هكذا كان بن نبي رحمه الله يقول ، فقد كان ينظر إلى أؤلئك الناشطين في الساحة السياسية، المطالبين بالحقوق، قبل الثورة، أنهم لا يساهمون إلا في تجسيد الفكرة الاستعمارية وإطالة أمد الاستعمار، إذ كانوا يسيرون وراء سراب الانتخابات ويقودون الجماهير بالوعود الكاذبة لأخذ الحقوق التي لن يحققوها أبدا من الاستعمار، حتى حولوا الحكومة الاستعمارية إلى مقام “الوثن الأكبر” الذي يُعتقد فيه النفعُ والضرر ويُرتجى وحدَه لإصلاح الأحوال، وحوْله أوثانٌ صغيرة تتوسل بها الجماهير للوصول لرضا الوثن الأكبر، وذلك أن عملهم السياسي لم يكن يقوم على فكرة إصلاحية تقود تلك الجماهير للقيام بالواجبات التي يستحقون بها النهضة، من خلال إصلاح أنفسهم ومجتمعاتهم ليصبح الفرد ـ كما يقول بن نبي ” قادرا على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديرا بأن تُحترم كرامتُه، لكي يرتفع عنه طابع “القابلية للاستعمار”، ومن ثم لن يقبل حكومةً استعمارية تنهب ماله وتمتص دمه، فكأنما بتغيير نفسه قد غير وضع حاكميه تلقائيا إلى الوضع الذي يرتضيه“. 

وكما هي الظاهرة الاستعمارية تكون ظاهرة الاستبداد، إذ يعمل المستبدون دوما على إفراغ الساحة الاجتماعية والسياسية من تدافع الأفكار حتى لا يكون الرأي إلا رأيَهم، على قول فرعون “ما أريكم إلا ما أرى”، فإذا غابت الأفكار نُصبت الأوثان، فيكون المستبّد وثنا يُعبد من دون الله، ويصبح في ذهن زبنائه وكثير من رعاياه، من حيث دروا أو لم يدروا، هو الرازق وهو المانع وهو الرافع وهو الخافض وهو المنتقم وهو القاهر، يتنافس العالِم والجاهل، والغني والفقير، والإمام والمأموم في التقرب منه أو في تجنب سَخطه، فيُكثروا في سبيل ذلك الإشادةَ بإنجازاته الوهمية، وإذا ما رأى رأيا صفقوا  لرأيه الحصيف، وإن تراجع عن ذات الرأي هللوا هم ذاتُهم لحكمته البليغة. ثم تُرسم المؤسسات الحكومية والمجتمعية على منواله، في كل مؤسسة تنشأ أوثان صغيرة، يُعظَّمُ قادتُها وقراراتهم وتُعظّمُ نظمُها وتنظيماتُها دون أي تجديد ودون أي اعتبار لمقام الأفكار. 

ليس العيب في الانتخابات فقد اعتمدها مفجرو الثورة النوفمبرية وهم يعدون للثورة، وإنما العيب في اعتبارها هي المخرج. وليس العيب في المؤسسات والتنظيمات، فهي ضرورية للإنجاز، وإنما عيبها أن تتحول إلى وثن، ولا إبراهيم لها ليبقيها وسيلةً بكسره بمعوله الوثن. 

د. عبد الرزاق مقري

شيء مؤسف أن يوصف الإسلاميون  في معرض المدح أن لهم دورا وظيفيا لإنجاح “العرس الانتخابي” وخدمة الدولة أمام القوى الخارجية بمشاركتهم في الانتخابات، وأن من دلائل وطنيتهم أنهم يدركون أن الظروف الإقليمية والدولية  لا تسمح لهم أن يكونوا في صدارة النتائج الانتخابية لقيادة البلاد، وأن اقتحامهم المنافسة الانتخابية هو في حد ذاته دليل على ديمقراطيتهم، فيَسعدون بهذا، ويكررون ما  يقال عنهم في ذلك بابتهاج كبير، ويشاركون غيرهم ما يُكتب عنهم في هذا الشأن في مختلف الوسائط الاجتماعية ليؤكدوا بلسان الحال أنهم فعلا كذلك. حتى ليقول القائل إنها والله لعاهة كبيرة، وكأنها المازوخية! 

بل ثمة من قال لي – عجبا – أن الهوامش السياسة التي يتمتع بها الإسلاميون في الجزائر، إلى حد المنافسة على رئاسة الجمهورية هي أفضل مما مُنح لغيرهم في البلاد العربية، حتى وإن كان الوصول الفعلي إلى الرئاسة أمرا مستحيلا، وما قول ذلك القائل وما مثله إلا للزيادة في المنّ وبناء العقد النفسية والتيئيس من الحاضر والمستقبل. 

 ينسى من يعتقد ذلك الاعتقاد ويصدقه أن الحركة الإسلامية تسلمت رئاسة الحكومة في تونس والمغرب من قبل، ووصلت إلى رئاسة الجمهورية في مصر، والمجلس الرئاسي في اليمن، وفي كل هذه التجارب وصل الإسلاميون بالإرادة الشعبية وليس بالمنح السلطانية. وهذا أمر يستحيل أن يقبله النظام السياسي الجزائري إلى يوم الدين بعد أن أنقلب على نتيجة الانتخابات التشريعية في جانفي 1992 رغم إعلانه هو ذاته بأنها كانت حرة ونزيهة. 

والعقلية والثقافة التي انقلبت على التجارب الناجحة في الأقطار الأخرى ، أو أفسدتها، هي التي انقلبت على الانتخابات التشريعية في التسعينيات في الجزائر وهي التي تحدد لهم السقف الذي لا يمكن أن يتجاوزوه، ما لم تتغير  الموازين، وستبقى تفعل ذلك بالتزوير والتضييق والترويض الشرطي إلى أن يقبل الإسلاميون أنهم ليسوا بديلا وأن يرضوا بما يُمنح لهم، إلى أن يصبح ذلك هو حظهم الحقيقي أو أقل من ذلك في الإرادة الشعبية والحالة الاجتماعية، فتتحقق ما يسمى بالديمقراطية الآمنة التي يخسر فيها الإسلاميون بالصندوق دون الاضطرار للتزوير.   

وستبقى الحركة الإسلامية في العالم العربي بين منهجي الاستئصال أو الإدماج ما لم تنتهج نهجا جديدا، عنوانه المقاومة السياسية السلمية، التي تتوازى في الرؤية والفكر – مع الفارق في الطبيعة والمكان والظرف –  مع نهج المقاومة الفلسطينية ضد البطش الإسرائيلي وداعميه في العالم بأسره،  أو وفق ما ذكره روجي غارودي في استراتيجية محاربة النظام الرأسمالي العالمي الظالم المهيمن من خلال نهج حرب العصابات السلمية لإرهاق هذه المنظومات الاستبدادية الظالمة الفاشلة  دون الدخول في صدام مباشر معها، والتحالف مع سنن التغيير الغلابة، ضمن نظرية المكان المناسب الذي نظّرنا له في كتاب تحدي العبور، في الوقت والمكان الذي يريده الله  ويختاره.

وهذا النهج هو ما جرّبناه في حركة مجتمع السلم بين 2013-2023 وجعل الحركة تتجه من جديد نحو الصعود، في مختلف المجالات، غير أن الصعود لم يكتمل بعد، لأنه لا نجاح في التاريخ في نهضة الجماعات والأمم والدول دون استمرار السير دون تردد في الرؤية عبر فترة طويلة من الزمن. وفي كل الأحوال لن تنتظر السنن الجارية منذ طوفان الأقصى حركة مجتمع السلم أو غيرها، والأرجح أنه سيكون التحول تيارا جارفا يفيض فيه التنور فلا تسير فيه إلا الفلك المعدّة لذلك، إذ قد ينصر الله دينه وأمة نبيه ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى بقوم ليسوا مثلنا ولا يشبهوننا في شيء، والله نسأله أن يجعلنا ممن يركب فلك النجاة الواصل إلى المقصد، لا مبدلين ولا مغيرين.   

إن القول المتكرر بأن الوقت ليس مناسبا للإسلاميين هو الكلام الذي قيل للشيخ محفوظ، وعلى أساسه زوروا عليه الانتخابات الرئاسية عام 1995 ومنعوه من الترشيح عام 1999، وتوفي ولم يحن وقته رحمه الله،  وقلبه مليء بالحزن من الظلم العظيم الذي سُلّط عليه وعلى حزبه، وبقي النظام السياسي وأدواته المباشرة وغير المباشرة، يقولون لقادة الحركة إلى اليوم  ذات الكلام: “الظروف لا تسمح أن تكونوا في الصدارة”، وسيبقون يقولون هذا الكلام المنوّم الملغي للرسالة والرؤية التي نشأت على أساسها الحركات الإسلامية إلى يوم الدين ما لم تتغير الموازين، وما لم يكن ثمة من يناضل لتغيير الموازين.

ولو تعاملنا مع هؤلاء الذين يغالبون القدر في صد الطريق عن كل من يريد ممارسة السياسة على أصولها، وليس ضمن الأدوار الوظيفية الحمقاء، أن المشكلة ليست في متى تصل  هذه الحركة السياسية إلى الحكم  أو تلك، ولكن المشكلة أن تغيب الديمقراطية ويستمر التحكم والهيمنة والعجز عن تحقيق نهضة البلد، وأن يبقى نفس النظام، المسؤول عن كل هذا، يحكم لأكثر من ستين سنة.  لو كان ذلك هو توجه كل التيارات والأحزاب السياسية في الجزائر قبل أن تموت مع موت السياسة الواحدة تلو الأخرى، بعيدا عن النزعة الشخصية والحزبية الأنانية، على نحو ما كانت عليه فكرة تنسيقية الانتقال الديمقراطي في بدايتها لسهل أمر التغيير، ولتوقف تدوير السلطة بدل التداول عليها كما كان يقول الشيخ محفوظ رحمه الله، ولْتأتي الديمقراطية بغير واجهات النظام السياسي المتكررة، لعل الفرصة تُعطى لمن هو أفضل وأقدر. غير أنه حينما تشيع الممارسات الوظيفية التي لا تزيد إلا في عمر الوضع القائم لا بد أن يكون التفكير من خارج الصندوق.  

من العيب والعار أن يقال عن الإسلاميين بأنهم “وطنيون” و”ديمقراطيون” لأنهم قبلوا قواعد اللعبة التي تفرضها الأنظمة غير الديمقراطية والتي فشلت عبر عقود طويلة في تحقيق نهضة الأوطان.

إن الوطنية الحقة هو أن يؤمن الإسلاميون بأنهم هم الأقدر على خدمة الأوطان، وأنهم هم البديل السلمي العلمي الحضاري للأنظمة التي فشلت في رفع البلدان التي تتسلط عليها إلى مصاف الدول المتطورة، وأنهم قادرون على تكرار التجارب النهضوية التي تحققت في بلدان إسلامية كنا في الثمانينات أفضل منها، كنموذج ماليزيا. كما أن الإسلاميين لن ينالوا الصفة الديمقراطية ما لم يناضلوا من أجل الحريات والديمقراطية وما لم يضحوا من أجل ذلك، حتى وإن جاءت بغيرهم. وأنهم هم الأقدر على مواجهة المخاطر الخارجية برشاد الحكم وقوة المجتمع وكرامة الإنسان.  

إن كل شهادة تزكية تأتي من الأنظمة الاستبدادية الانقلابية، أو المزورة للإرادة الشعبية أو المانعة للحريات الإعلامية والسياسية وفي فضاءات المجتمع المدني هي شهادات كيدية لاستيعاب القادة وتنويمهم وجعلهم يعيشون في غرورهم دون دراية بما يُكاد لهم ولمشروعهم ولجعلهم يضرب بعضهم بعضا و”يقتل” بعضهم بعضا سياسيا ومعنويا وإعلاميا، بل لمحو بعضهم بعضا من الساحة. ولا ينبئك مثل عليم و/أو خبير.  

إن استعجال الإسلاميين وحده هو الذي يجعلهم يخضعون لمكائد التدجين السلطوي من أجل مصالح حزبية وشخصية ضد مصالح البلد والأمة والمشروع، أو يجعلهم يدخلون في صدام مباشر مع الأنظمة فيُستأصلون.

إن صعوبة المهمة وكثرة الصد لا تبرر هذا النوع من الاستعجال أو ذاك، بل الواجب هو ابتكار الطرق الجديدة التي تغير ميزان القوة لصالح المجتمع وضد مصالح الأنظمة المتغلبة المستبدة في الدولة، إن في هذا الطريق مصلحة الوطن، كل مصلحة الوطن، وفي ذلك قواعد سياسية تهدي إلى السير السديد منها:

– الرؤية والمنهج هو تحقيق نهضة الوطن والاستئناف الحضاري للأمة وتحرير فلسطين 

المصلحة العامة مقدمة على المصالح الشخصية والحزبية.

– التغيير تجريه سنن اجتماعية لا تتغير ولا تتبدل، لا يعلم آجالها إلا الله، ولكن استشرفها، واعمل وضحّ لتكون في المكان المناسب حين يأتي أوانها.

– الاستبداد نوعان: استبداد خشن واستبداد ناعم، وكلاهما مميت، الاستبداد الخشن يضرب الجسد لتخرج الروح، والاستبداد الناعم يُخرج الروح دون ضرب الجسد.

– إن لم تستطع إضعاف الاستبداد فلا تقويه.

– أضعف الإيمان في وجه الاستبداد ألا يقبله القلب، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان. 

– المقاومة أن تدافع الفعل المعاكس المضر لتضعف أثره ولو لم تقدر على إنهائه. 

– المقاومة السياسة هي الصمود في وجه الاستبداد والعمل على إرهاقه بالكر والفر الى أن تنهيه السنن فيكون المقاومُ الصامد هو البديل.    

– سبب المخاطر الخارجية الاستبداد، والمخاطر الخارجية تعلّة المستبدين لإضعاف الوطنيين المعارضين. 

– لا أثر للمخاطر الخارجية إلا بضعف الدولة، وسبب ضعف الدولة من يحكمها. 

– لا تقوى الدولة إلا بقوة المجتمع، ولا جبهة شعبية داخلية قوية إلا بالحرية وكرامة الإنسان، وغير ذلك انتهازية وزبونية وخداع … ولغة خشب.

– الاستبداد ليس قدرا مقدورا، كل الشعوب التي ضحت لإنهائه نجحت.

– الاستبداد ليس قدرا مقدورا ومن شك في ذلك فلينظر إلى خسائر الكيان دوليا وفي الميدان بعد الطوفان. 

– الاستبداد يرضى على من يساعده على البقاء، بالدعم المباشر أو غير المباشر أو بفعل لا شيء، ويحارب من يُضعفه، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبمنع المقاوم للاستبداد من فعل أي شيء مفيد. 

– أعداء الاستبداد هم أهل الفكر والفطنة الواعون بخلفيات الأمور وأبعاد الأحداث، وهم المجدون المنجزون المؤثرون في مجتمعاتهم، وهم الذين يصنعون التوازن في الأوطان بين الدولة والمجتمع. 

– من أدوات الاستبداد قتل الكفايات الواعية المناضلة، ومن أدواته القابلية للاستبداد التي تساعده على قتل الكفايات.

– الاستبداد يحب الكفايات الشخصية والجماعية بكل أنواعها، ولكن ليبتلعها تحت سلطته. 

– يسهل على الاستبداد ابتلاع الأشخاص لصالح مشروعه، مهما كانت كفاءتهم ونزاهتهم، ولكن يصعب عليه ابتلاع المنظمات والجماعات، فإن نجح في ذلك لا حد لسعادته.  

– لا تربط زمن التغيير بشخصك ولا حتى بجيلك، إن فعلت ذلك ستضحي بفرص التغيير من أجل إنجازات صغيرة لصالحك.     

– إن تحقق الإنجاز بعد رحيلك، وكان لك فيه بصمة، فسيرتفع أجرك ويسجل التاريخ ذكرك.

– الناجحون هم المنجزون الذين تبقى آثارهم، لا الذين يكثرون الحركة ويتطاولون في الحديث ولا يتركون شيئا وراءهم. 

– لن تكون وطنيا بلغة الخشب، وتكرار مصطلحات المستبدين، بل بالتضحية من أجل الوطن، لتخليصه من المستبدين

– لكل مرحلة زمانها وإنجازاتها والعيب كل العيب في الرسوب أو الرجوع الى الوراء.  

– الإستبداد كله شر، وبكل أنواعه لا يأتي بخير.

– لا نهضة ولا تنمية ولا تطور بدون إبداع ولا إبداع دون منافسة عادلة ولا منافسة عادلة دون حرية

– يمكنك أن تحاور الاستبداد، بل أحيانا واجبك أن تحاور، ولكن للدفاع عن رؤيتك لا لتندمج في رؤية الآخر.

د. عبد الرزاق مقري

  

بدأ مالك بن نبي حديثه عن السياسة والفكرة في كتابه شروط النهضة بعبارة جميلة فقال: “إن الكلمة لمن روح القدس، إنها تُسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعيّة، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقرّ معانيها فيه لتحوّله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، فالكلمة ـ يطلقها إنسان ـ تستطيع أن تكون عاملًا من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف تغيّر الأوضاع العالمية”.

 

أوهام السياسة

وقد ضرب مالك بن نبي المثل في أثر الفكرة في بلده بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقال: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات بن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم، حتى أُشرِب الشعب في قلبه نزعة التغيير، وأصبحت أحاديثه تتخذها شرعة ومنهاجًا، وهكذا استيقظ المعْنَى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب”.

 

ثم تجاوزت اليقظةُ الجمعيةَ ذاتَها، وكانت ثورةُ نوفمبر/تشرين الثاني من ثمارها الزكيّة. وكان نوفمبرُ قبل الثورة كلمةً في البيان الأول من هذا الشهر من عام 1954. بيانٌ دعت أهدافه إلى الاستقلال ضمن الحرية والتضامن الاجتماعي والمبادئ الإسلامية، وإلى تحقيق وحدة الأمة من الشمال الأفريقي، إلى إطاره الطبيعي العربي الإسلامي، ولا تزال المسيرةُ لم تكتمل، فهي مستمرة تتطاول على مكائد الاستعمار وأذنابه.

 

إن كل تلك الحركات الإحيائية عملت على أساس أن تكوينَ الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية، إنما يكون في الظروف والشروط نفسِها التي وُلدت فيها الحضارة الأولى، في بيئة المدينة المنورة، على حد قول بن نبي. فإن بقيت الفكرة تصنع تلك الظروف فلا بدّ للحضارة أن تبزغ من جديد، فإن تبعت الفكرةَ السياساتُ والمؤسسات والأطرُ والهياكلُ والمناهجُ، ولم تغادرها أبدًا مهما كانت الصعوبات والتحديات، بلغت – بإذن الله – مبلغها نحو بزوغ فجر جديد.

غير أن بن نبي عاب على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – التي رأى أنها نهضت بالمجتمع الجزائري في عقد واحد من الزمن فقط بين 1925 إلى 1936 وهيأته فرديًا واجتماعيًا لينعتق من الاستعمار – أنها قد نزلت إلى أوهام السياسة على غير فكرتها، حينما انخرطت في مطالب الاستعمار بالإصلاحات والحقوق في المؤتمر الإسلامي عام 1936، مع نخب سياسية ليست لها فكرة حضارية ولا وجهة ثقافية، ولا تريد من الاستعمار إلا أن يحسّن ظروفها.

 

اغتيال الإصلاح

لم يتّهم بن نبي جمعية العلماء في مقاصد قادتها، مُبدِيًا أسفَه على زلة العلماء التي كانت زلة نزيهة، لما توافر فيها من النية الطاهرة والقصد البريء، كما قال، وذلك حين سمحوا عام 1936 بسقوط الفكرة الإصلاحية في حبائل الوعود التي بذلتها الحكومة الفرنسية اليسارية بغير حساب، وهي تعمل في الحقيقة على اغتيال الإصلاح.

 

ويمكننا أن نأخذ في الوقت الحالي على الحركات الإحيائيّة في التيار الإسلامي، التي أحيت الأمة وصنعت صحوة شعوبها في آخر القرن الماضي نفس المآخذ التي أسف لها بن نبي عن جمعيّة العلماء المسلمين في أواخر الثلاثينيات، إذ بدل أن تنتقل  تلك الحركات إلى معامع السياسة بفكرتها، صار الكثير منها ينافس على الانتقال من مساحات الدعوة في المُجتمع إلى مؤسَّسات الدولة الحديثة بدون الفكرة التي تميزها، وصار مبلغ علم قادتها أن يُسمح لهم بهوامشَ في الوجود السياسي ضمن عملية ديمقراطية مغشوشة لا يوصل سقفُها المتدني إلى التغيير، ولو بقوا في العمل على ذات المنوال مائة سنة مقبلة.

 

وضمن هذا المنظور السياسي البراغماتي الجديد صار الوجه البارز ـ وربما الوحيد ـ لتلك الحركات هو الوجه الحزبي المندمج في المنظومة الفكرية الحضارية الغربية المهيمنة في بلداننا وفي العالم بأسره، وفي أحسن الأحوال وجه أحزابٍ مُحَافظةٍ تهتم بمظاهر الهوية وقوانين الأحوال الشخصية دون مشاريع جادة لعبور الفكرة إلى مستوى العودة الحضارية للأمة الإسلامية.

 

“علم الأفكار”

لقد برزت أصواتٌ خدّاعة بعد هيمنة الرأسمالية العالمية تدعو القوى الإسلامية إلى ترك “الأيديولوجية” والاهتمام بمصالح الناس فحسب في الممارسة السياسية، وما تلك الدعوة إلا لإزاحة كلّ الأيديولوجيات لتبقى أيديولوجيةٌ واحدةٌ مهيمنةٌ هي أيديولوجية الرأسمالية التي ضيعت مصالح غالبية سكان المعمورة لصالح فئات قليلة سيطرت على أغلب خيرات الأرض.

 

وإذا كان معنى كلمة “الأيديولوجية” هو “علم الأفكار”، كيف يُتصور ألا تكون الفكرة قبل السياسة؟. لقد أدى تجريم علم الأفكار إلى أن صارت الأحزابُ في العالم كلُّها متقاربةً في مساحة سُميت ظلمًا الوسط أو “الوسطية”، ببرامج متشابهة، يختارها الناخبون في الظاهر، ولكن تتحكم فيها قوى غير معلنة ولا مسؤولة هي القوى المالية والعسكرية والشركات الكبرى ولوبيات الأقليات الممكّنة.

 

تأخذ القوى الخفيةُ السلطةَ الحقيقية وتتهالك القوى الحزبيةُ البارزةُ على فتات المقاعد البرلمانية والوزارات والمصالح، فلا تسمع في النقاش السياسي شيئًا عن الأفكار والتوجهات الحضارية، وكيف تصان الكرامةُ الإنسانية، ولا تسمع شئيًا عن طبيعة الدولة المنشودة، ولا عن الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية المناقضة لأيديولوجية السوق، وبرامج إطلاقِ الغريزة المحبطة للفضيلة، وأما أزمات الشعوب فعلاجها الوعود الانتخابية، أو تعميق الأزمات لوضع طموحات الناس في مستوياتها المتدنية.

إن ابتعاد المصلحين عن فكرتهم، بعد أن تطول بهم الطريق، يُضيِّع منهم المبادرة فيأخذها الأكثر جسارة منهم، ولو بدون أفكار حضارية فيطول شقاء الأمة، في إطار الدولة الحديثة التي صارت تشقى تحت سلطتِها الدُّغماتيةِ كلّ البشرية.

 

لا شيء يجب أن يحافظ عليه قادة حركات الإحياء الإسلامي أكثر من الفكرة التي أسستهم، والتي وحدها تتناسب مع قواعد المجتمع الذي نَبتُوا فيه وإلا صارت أحاديثُهم جوفاء بلا مضمون مهما تنمّقت، وصدق بن نبي إذ يقول: ” ومن الواضح أن السياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه، لا تستطيع إلا أن تكوّن دولة تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها”. ولعل صدمة “الطوفان” تصلح الأوضاع.

 

د. عبد الرزاق مقري

لم يكن ُيتصور  بضعة أشهر  قبل الاحتجاجات الشعبية في جانفي 2011 وثورات الربيع العربي بأن الحركة ستراجع توجهاتها السياسية الاندماجية في منظومة الحكم، لقد كاد الارتباط بالحكم أن يتحول إلى عقيدة سياسية لا تتزعزع، والمشاركة في الحكومة حتمية لا تتبدل، وكانّها بصمة وراثية ذات حمض نووي ريبوزي راسخ لا يتغير،   رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالحركة في رمزيتها واستقرارها جراء ذلك المنهج، ورغم التقييم السلبي الرسمي الذي قدمه رئيس الحركة الشيخ أبو جرة عن التحالف الرئاسي، ورغم تحول الحركة إلى نوع من “الربيب” بين شقيقين أصليين لرب الأسرة، يشترك في غرم العائلة ولا حظ له في الغنم. 

لقد كانت الأصوات المعارضة لذلك التوجه مبحوحة داخل الحركة لا يُسمع لها ولا يُعتد بها، وقد كنتُ ضمن تلك الفئة المعارضة، قد أصابني اليأس في القدرة على فعل شيء ما من داخل الحركة وأخبرت بعض القريبين مني بأن آخر عهدي بهياكل الحركة سيكون بمناسبة المؤتمر الرابع في 2013. غير أنني كتبت ورقة طويلة في ذلك الوقت عرضتها في المكتب التنفيذي الوطني إبراء للذمة، بينت فيها موقفي من الاستمرار في الارتباط بالسلطة عبر المشاركة الهزيلة في الحكومة، المضرة بالحركة والبلاد، ورؤيتي التي تصلح البلاد والحركة.

فإذا بالأوضاع تنقلب رأسا على عقب بعد الاحتجاجات الشعبية في الجزائر والعالم العربي، ويصبح المناضلون يرون أنفسهم بأنهم في الجانب الخاطئ من التاريخ، فيشكلون تيارا جارفا  يريد رؤية متجددة وقيادة جديدة تمكّن من العودة بالحركة إلى أحضان الشعب ومقاومة الفساد والاستبداد، فتجسدت نظرية المكان المناسب عند التحولات السننية، إذ اتجهت أنظارهم إلى الشخص الذي ثبت في الدعوة إلى ذلك الهدف فلم يتغير ولم يتبدل، فكان التقاءٌ بالقدر، لي وللحركة، لم يكن أحد قد خطط له أو سعى إليه، وتلك هي المرحلة الخامسة، أو الطور الخامس من أطوار تطور المنهج. 

جاءني أحد المسؤلين في الحركة مبتهجا ذات يوم ينقل لي ما سمعه من مسؤول كبير سابق في الحركة في جلسة استشارة في لجنة تحضير المؤتمر السابق من: “أن ثمة مشروعين في تاريخ الحركة، مشروع الشيخ محفوظ الشيخ محفوظ نحناح ومشروع الدكتور عبد الرزاق مقري”، وكان هذا المسؤول السابق والحالي في الحركة يقول، هو وغيره من بعض المسؤولين السابقين والحاليين،  بأن فترة رئاسة دكتور مقري هي بمثابة تأسيس ثان للحركة.  

لم يكن هذا قولي، ولم أسع أن أناقش مع أحد من القائلين أو المعترضين على هذا القول، فما مرحلتي في ظني إلا مرحلة من مراحل تطوير منهج الحركة، ولم يكن يهمني سوى التجديد الفكري لدى الأفراد والإنجاز في الميدان،  ولكن يبدو أنني وإن نجحت في تحقيق إنجازات في الميدان فأنا لم أفلح في تغيير القناعات في الأفكار، وإذا لم يتحقق تغيير الأفكار فإن الإنجازات ستعود حتما على أصلها بالإبطاال، ما لم تنتقم الأفكار في ظرف مناسب لاحق.   

لقد كان حرصي الكبير في قيادتي للحركة أن يقود الفكرُ الإنجازَ، فمنذ أن رأيت أن ثمة تيارا جارفا يتجه إليّ لم أشأ أن تكون رئاستي للحركة مبنية على رد فعل للربيع العربي يقوم على حالة عاطفية انتهازية، لا سيما أن الخروج من الحكومة جاء بعد نقاش دام سنة كاملة بين 2011 -2012 بعد الاحتجاجات، وقرابة ثمانية أشهر من انتظار تجسيد الإصلاحات التي وعد بها  الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله في 15 أفريل 2011 ولم تتجسد. 

ولذلك رجعت إلى الأفكار التي كنت أناضل بها، لا سيما الوثيقة التي سلمتها للشيخ محفوظ عام 1997 والتي اشرت إليها في المقال السابق،   فطورت كل تلك الأفكار ضمن رؤية شاملة للتجديد  في كتاب دخلت به المؤتمر الخامس عام 2013 تحت عنوان ” البيت الحمسي” يتناسب مع شعار المؤتمر ” حركة تتجدد، وطن ينهض”  وفي ما دونته في كتابي “الحركة الإسلامية في الجزائر: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الذي صدر عن دار الخلدونية عام 2015 ثم  كتاب آخر دخلت به المؤتمر السابع، لعهدتي الثانية، عام 2018 (بعد المؤتمر السابع مؤتمر الوحدة)، تحت عنوان “البيت الحمسي 2 ” وختمت عهدتي الثانية بكتاب يعبر عن رؤية شاملة للعمل الإسلامي في العالم العربي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” الذي لقي بحمد الله  قبولا كبيرا لدى العلماء والمفكرين واعتمده الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بعد تحكيمه من لجنة من خيار أهل العلم والفكر واعتمدته بعض الحركات الإسلامية في مناهجها التكوينية، علاوة على كثير من النصوص التي قدمتها طيلة العهدتين بمناسبة مجالس الشورى ولقاءات الهياكل والملتقيات والجامعات الصيفية التي جمعت جزء منها  في كتابين، الأول: ” وثائق في الفكر والسياسة والدعوة” صدر عام 2015، والثاني: “أفكار وسياسات: من نصوص العهدة 2013-2018” صدر عام 2018. 

 

لا شك أنه لكل طور من أطوار الحركة الخمسة  نجاحاتها وإخفاقاتها، أما النجاحات في الطور الخامس  فقد كانت بارزة ظاهرة ثمنها المؤتمر السابق بتصويت يفيد الإجماع وثبّتَ محاورَها الكبرى نظريا في الوثائق التي صادق عليها للمرحلة التي تليه، وكان الظن أن هذه المرحلة الجديدة ستكون وفية لتلك النجاحات، ومن تلك الإنجازات : 

– الإنجازات الأخلاقية والقيمية: لا أزعم أننا حققنا نجاحات حاسمة في هذا الجانب كما سأبين أدناه ولكن حاولنا أن نشكل في الحركة اتجاها عاما منافيا للانتهازية السياسية ويرفض استغلال الحركة للطموحات  الشخصية، وعملنا على أن يقوم سلم القيم والقدوة على الاستقامة والتعفف والإنجاز، وكان العمل جادا على رفع قيم التضحية و الشجاعة والوفاء والتجرد وأصبحت ساحة الحركة والنقاشات الدائرة فيها لخدمة الوطن والأمة والقضية الفلسطينية، وأصبح الفرد يفكر داخل الحركة ماذا يعطي لها وليس ما يأخذ منها، وظل من نحسبه كذلك، والله وكيل الجميع، هو الذي يتقدم في الصف ويظهر في المشهد!      

– الإنجازات الدراسية و الفكرية :  إذ أصبحت الحركة تعتمد على مؤسسات التفكير المتخصصة وبات خطابها السياسي والاقتصادي خطابا علميا مقنعا، وظلت برامجها الانتخابية والتخصصية في مستوى قيادة الدولة  تنتجها  لجان قطاعية متخصصة، ويثني عليها رؤساء حكومات ووزراء وعلماء وأكاديميون.  وعلى المستوى الفكري نظّرنا لعلاقة الدعوي بالسياسي المطروحة للنقاش بإلحاح في الساحة الفكرية الإسلامية وابتكرنا في هذا الشأن مقاربة التخصص الوظيفي و طبقناها بما أضفى فاعلية أكبر في الوظيفة السياسية والوظائف الأخرى الدعوية والاجتماعية وغيرها، فاستوعب هذا التدبير طاقات وكفايات كثيرة وفعّل قدرات بشرية كانت خاملة وأحيا وظائف استراتيجية، كما وضعنا قواعد الانتقال من المشاركة السياسية إلى الشراكة على أساس ميزان القوة – وإن لم نحقق ذلك بسبب اختطاف الحراك الشعبي – واخرجنا الكفاح السياسي من حتمية ثنائية الصدام أو الاندماج إلى الآفاق الرحبة للمقاومة السياسية، وبلورنا رؤى الانتقال الديمقراطي والتأهيل القيادي والاستنهاض الحضاري، وغير ذلك من ورشات النقاش الفكري الواسعة،  و أصبحت الحركة ورجالها ومنتجاتها  وتوجهاتها السياسية والإدارية ومشاريعها ومؤسساتها بحمد الله  من أهم مصادر التطوير والتجديد في الحركة الإسلامية والإصلاحية في  العالم العربي والإسلامي. 

– الإنجازات التنظيمية واستحقاقات الوحدة حيث عرفت الحركة استقرارا كاملا طيلة عهدتَي الطور الخامس، فلم تعرف الحركة صراعات ولا انشقاقات، خلافا للأطوار الأربعة السابقة، بل تم تحقيق الوحدة مع جهتين مهتمين كانتا قد غادرتا الحركة من قبل، وهما جبهة التغيير وطبقة واسعة من القادة والمسؤلين والمناضلين كانوا قد غادروا الحركة على عدة مراحل منذ التسعينات. كما تم تنمية الموارد البشرية من حيث الكم والنوع، فبرز في الحركة جيلين قيادين جديدين هم من يقود الحركة اليوم محليا ومركزيا، وتم التركيز أكثر على الشباب فهم اليوم في مواقع قيادية أساسية في الهياكل والإدارة والمؤسسات.

– الإنجازات الشورية والديمقراطية حيث أننا انتبهنا بأن الشورى الحقيقية والديمقراطية الحقة هي التي توفر التعبير عن الرأي والرأي الآخر في النقاش أثناء مرحلة صناعة القرار في المشاورات والمداولات المختلفة وأثناء اتخاذ القرار في مؤسسات اتخاذ القرار، وأن المشاورات التي تقيمها الحركة   في مختلف القضايا شكلية يسيطر عليها التنظيم وقادته بما يؤدي إلى تعارض المصالح، وفق المصطلحات العلمية الإدارية المعبرة عن ذلك، وتكون النتيجة حتما لمن يتحكم في التنظيم والمشاورات إذ رأيه هو وحده ما يُشرح ويسوق له باحتكار استخدام وسائل الحركة، وهذا سبب رئيسي للصراعات والانشقاقات والفتور وخسران الكفاءات،  فابتكرنا طرائق جديدة تضمن حضور الرأي المخالف ومن ذلك: دعوة رؤوس الرأي المخالف إلى المكتب التنفيذي الوطني وتقديم آرائهم والدفاع عنها متى شاؤوا وطبقنا ذلك فعليا، واتفقنا مع رؤساء مجلس الشورى الوطني المتتالين  بأن لا يُحدد الوقت لرؤوس الرأي المخالف والقادة السابقين أثناء تدخلاتهم وطبقنا ذلك، وشكلنا هيئة استشارية عليا يُضمن فيها حضور الآراء المختلفة بشكل متوازن كان حضور أصحاب الرأي الآخر قويا ومكثفا، بالإضافة إلى المجالس الاستشارية المتخصصة الشبابية والنسوية ومجلس المؤسسات واللجان القطاعية. وحاولنا أن ننظم مسألة التنافس الداخلي على المناصب لإنهاء عهد الكولسة الخفية والعلنية، ولتكون الحملات الانتخابية الداخلية شفافة يُسمح لكل المرشحين الاتصال بالهياكل التنظيمية والمناضلين باستعمال وسائل الحركة بالعدل والمساواة، فاقترحنا لائحة تنظم ذلك للمؤتمر السابع عام 2018 ولكن للأسف الشديد أسقطها من كان يُفترض أن يستفيد منها، ثم حاولنا الرجوع إليها في المؤتمر الثامن ألأخير فلم نفلح بسبب عدم توفر السند اللائحي ولكن وضعنا هذا السند في قوانيننا بما يسمح بالمنافسة الشفافة والعادلة لاحقا. 

– الإنجازات السياسية: إذ ارتفعت رمزية الحركة بعد ما تضررت صورتها بسبب التوجهات السياسية السابقة، خصوصا بسبب التورط في فتح العهدات ودعم بوتفليقة عدة مرات، وبسبب الانشقاقات والصراعات الداخلية، فبات يُنظر   إلى الحركة  ورموزها بتقدير واحترام، وتجدّدَ الأمل فيها. وقد تجلى ذلك في نتيجة الانتخابات التشريعية والمحلية، حيث نجحنا في بلديات كبرى كانت محرمة علينا سابقا، منها وهران وعنابة، وحصلنا على نتائج في الانتخابات التشريعية الأخيرة تقارب نتائج زمن الألق السياسي في بداية التعددية، وذلك رغم العزوف الانتخابي،  ولم تفلح محاولات التقليص من أهمية النتيجة الانتخابية بإبراز تراجع الكتلة الناخبة للحركة من قبل خصوم خطنا السياسي التقليديين من داخل الحركة آنذاك، والتي بات يرددها بلا أخلاق اليوم خصومٌ جدد  كانوا بالأمس معنا في هذا الشأن خلافا لما يدّعونه اليوم. ويخفي هؤلاء وهؤلاء أن تراجع الكتل الناخبة هو على الأحزاب كلها وليس الحركة فقط، وأن سبب العزوف الانتخابي هو النظام السياسي (الذي يسندونه) من خلال  التزوير المستدام للانتخابات، وأن الحزب الذي يستطيع أن يفرض نفسه ضد العزوف وضد التزوير وضد المرجفين ويحقق المرتبة الحزبية الثانية بعدد النواب يستحق التقدير والثناء وليس الهمز واللمز.    

– الإنجازات المؤسسية المجتمعية حيث رجعت المؤسسة الاجتماعية إلى استقرارها وكثير من نشاطها وفاعليتها، وأرجعنا النقابة الطلابية إلى حضنها الأصلي، وأضفنا من خلال نظرية التخصص الوظيفي  أربع أضعاف تلك المؤسسات بعضها صار جزء أساسيا من المشهد الوطني، وبعضها بلغ العالمية، وأحيينا بفضل الله كثيرا من وظائف المنهج وصار للمؤسسات التي يقودها رجالنا حظ وافر في خدمة القرآن والدعوة والقضية الفلسطينية وخدمات المجتمع.

– الإنجازات على صعيد العلاقات الداخلية إذ استطاعت الحركة أن تفرض نفسها في المشهد وأن تفعّل الساحة السياسية لعدة سنوات لخدمة رؤية الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه وبناء ميزان قوة يسمح بتحقيق التوافق الوطني والشراكة السياسية في القرار من أجل نهضة البلاد والمساهمة في نهضة الأمة، فكانت الطرف الأساسي في بناء التنسيقية الوطنية للانتقال الديمقراطي  والاجتماعات التاريخية في مزفران مع كل أطراف المعارضة، وعادت لنفس الرؤية في مبادرة التوافق الوطني وكادت أن تحقق به انتقالا ديمقراطيا حقيقيا من خلال مفاوضاتها مع الرئاسة البوتفليقية في فترة ضعفها الشديد لو لا إحباط المحاولة من جهة قوية في السلطة لصالح العهدة الخامسة فأدت تلك الحركية الجماعية الدؤوبة إلى حالة وعي عامة فجّرت بشكل غير مباشر الحراك الشعبي. لقد صنعت هذه الحركية الدائمة في العلاقات مكانة معتبرة للحركة وقادتها وظلت أبواب الحوار مفتوحة لنا في كل الاتجاهات، في المعارضة وفي السلطة، ولِجناها بكل ثقة وإيمان بأفكارنا ومشاريعنا، وكنا في كل تلك الحوارات نرفع حركتنا بقوة حجتنا،  ولم  نتحدث وراء الأبواب المغلقة – آنذاك – إلا في ما ينفع بلدنا ولا نتورط في التآمر ضد أحد، قريبا كان أم بعيدا، ولو وجد أحد في ما كنا نقوله سعيا لمصلحة شخصية أو تآمرا على أحد أو على جهة ما لأسمعوا العالم بها. 

– الإنجازات في العلاقات الخارجية: كما سبق أن قلنا تسببت حالة الصراع والخلافات داخل الحركة إلى عزلها عزلة تامة دوليا، ولكن استطعنا أن نعود بقوة منذ أسطول الحرية، ثم طورنا علاقاتنا حتى أصبحنا جزء أساسيا في المشهد الإسلامي العالمي، ومع أحرار العالم، سواء في المساهمات الفكرية والإعلامية  أو المشاركة وقيادة المنظمات الدولية الفاعلة، كما وصلت مؤسساتنا المتخصصة إلى مستوى النمذجة و الريادة الدولية خصوصا في مجال التأهيل القيادي الشبابي وفي القضية الفلسطينية

أما عن الإخفاقات فيمكن تصنيفها وفق ما يلي:

– بالرغم من أن العمل السياسي  ضمن تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي كان جماعيا فإننا لا بد أن نتحمل نصيبنا من المسؤولية في عدم تحويل هذه التنسيقية إلى قوة جماعية ضاغطة على السلطة تؤثر في ميزان القوة من أجل التحول الديمقراطي، وبالرغم من أننا بادرنا باسم الحركة إلى إحيائها مباشرة بعد اندلاع الحراك الشعبي ولم نجد تجاوبا من الشركاء فإنه من الواجب الإقرار بفشلنا جميعا كطبقة سياسية في تشكيل قيادة مشتركة للحراك الشعبي تمنع تفتيته ايديولوجيا ثم استيعابه من طرف السلطة كما تم فعلا. وكانت مبادرة ملتقى الحوار الوطني بعين البنيان أثناء الحراك مبادرة فاشلة أخرى. ولما أخذنا المبادرة وحدنا قبل الحراك عبر مشروع التوافق الوطني عجزنا على الاستشراف بأن الرئاسة لم تكن ضعيفة فقط، بل لم تصبح تزن شيئا فأضعنا وقتنا في الحوار معها و عرّضنا أنفسنا للمخاطر إذ كانت القوة متمركزة كلية لدى قيادة الأركان، وهي التي فرضت العهدة الخامسة. غير أن المحاولة التي قمنا بها إنما كانت عملا صالحا نرجو ثوابها من الله تعالى،  أقمنا بها الحجة أمامه سبحانه و على الجميع، وسيبين التاريخ أن المبادرة التي قدمناها بكل صدق ومهنية هي  الوحيدة التي كانت ستحقق الانتقال الديمقراطي ونهضة البلد لم تم اعتمادها ودعمها. 

– ويبدو من خلال التطورات الجارية في الحركة بعد المؤتمر الأخير بأن الإخفاق الكبير التي اتسم به الطور الخامس هو الإخفاق في تغيير القناعات لدى قيادات الحركة، وأن التوجه للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد خارجيا، وضد الانتهازية داخليا، الذي وقع بين المؤتمرين السادس والثامن كان أكثره ردة فعل لأحداث الربيع العربي ثم تجاوبا غير مُكلِف مع حالة الضعف التي عرفها النظام البوتفليقي والتأثر بالحراك الشعبي الذي أزاحه، وربما بالنسبة للبعض للمحافظة على المواقع، ولم يكن قناعة عميقة عامة تعين على التضحية إلى غاية تحقيق الهدف ولو طال الزمن، وهو أمر يتطلب تعمقا في الدراسة نعود إليه لاحقا. كما اتضح كذلك بأن القناعة بالتخصص الوظيفي بقيت سطحية والتراجع الفعلي عن مكتسباتها بات ممكنا وسهل المنال. وعليه يمكن لأي دارس محايد أن يقول بأن التحولات العميقة التي وقعت في هذا الطور بقيت تمثل رؤية شخصية لرئيس الحركة قد أخذت تتبدد فور مغادرته موقع القيادة، وقد عبر الشيخ أبو جرة عن ذلك بوضوح حين عبر عن سعادته في مجلس الشورى الأخير بعودة الحركة إلى نهجه الذي كانت عليه قبل عشر سنوات. 

– وحينما نرى تراجع العمل الحزبي ومستوى الأنماط القيادية و زيادة شيوع الآفات السياسية وتحولها إلى خلق عام في الطبقة السياسية كالانتهازية السياسية والزبونية والتزلف واللؤم والغدر والتدليس والكذب والفجور في الخصومة وخلف الوعود ونقض العهود  وتقديم النفعيين على أفاضل الناس، بشكل عام،  علاوة على استمرار الفساد في مختلف مستويات المؤسسات الرسمية والمجتمعية ورسوخ السيطرة والتحكم وغلق هوامش الحريات أكثر من أي وقت مضى  نقول بأن مساهماتنا في أخلقة العمل السياسي وتثمين جدوى العمل الحزبي في التغيير لم تحقق النتائج التي كانت أجيال من السياسيين الصادقين تضحي من أجلها،    كما أننا لم نتوصل داخل الحركة إلى ترسيخ قيمة االثقة بالنفس والاستعلاء الإيمانيّ وقدرتنا على أن نكون قدوة و بديلا لغيرنا بأخلاقنا وفكرنا وبرامجنا وتاريخنا وحضورنا، رغم وجود هذه المعاني في الوثائق، ولم يصبح الانتقال الديمقراطي قناعة تتطلب التضحية والتعرض إليها وفق التحولات السننية، ولم تصبح رؤية السعي إلى الشراكة السياسية سوى اسماً مغلفا للعودة الى المشاركة السياسية التي تسببت في مختلف أعطاب الحركة. 

د. عبد الرزاق مقري

 

لقد كانت المرحلة الرابعة هي تلك التي دشنها المؤتمر الثالث الذي جاء بعد وفاة الشيخ محفوظ رحمه الله وحمل شعار “نحو طور جديد”، حُسم فيه الأمر  لصالح التغيير  حيث كان يُعتقد بأن الرأي الذي كان يتصاعد داخل الحركة ضد النهج السياسي الذي جعلنا نؤيد بوتفليقة رغم إقصاء مرشحنا عام 1999، وجعلنا نتراجع في  الانتخابات التشريعية عام 2002 ، ونخسر كثيرا من وجودنا الدعوي وخصائصنا التربوية [وفق ما بينه ملتقى داخلي لا تزال وثائقه وخلاصاته بحوزتي] سيجد في القيادة الجديدة ما يجسد التغيير المنشود. 

غير أن  المؤتمر اتسم بتوتر شديد فُتح فيه المجال لطور الصراعات والانشقاقات، ولو لا حفظ الله لتحقق فينا قول الله تعالى: ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”، فلم تصبح  من أولوية لدى أغلبية مناضلي الحركة والعديد من قياداتها سوى حفظ الحركة من الاندثار، وقد كان للمؤسسات ضمن شعار المرحلة “من التأسيس إلى المؤسسة” الذي رفعه رئيس الحركة الشيخ أبو جرة سلطاني دور كبير في تمكين الحركة من الاستمرار رغم التصدعات الكبرى،  كما كان لمحاولات إشغال الحركة عن الفتن والاحتقان الداخلي المتواصل  بالعمل والإنجاز من خلال نشر ثقافة التخطيط ورفع مستوى مهارات المسؤولين المحليين، وإتاحة الفرصة لطبقات قيادية جديدة والزيارات المكوكية لرئيس وقيادات الحركة لمختلف الولايات دور كبير في صيانة الحركة من الجمود والترهل. 

غير أن تجدد الصراع على رئاسة الحركة في المؤتمر الرابع عام 2008 أسس للانقسام وخروج جزء معتبر من القيادات والإطارات من الحركة، وتأسيس حزب جديد.

لم يكن في فترة الصراع المتواصل مجال لاستكمال التطوير  الداخلي الذي تم الشروع فيه عبر خطط ورؤى ومجهودات واعدة، وتدريب أجيال من القادة المحليين على المهارات اللازمة للتطوير، بل توسعت الخلافات إلى المؤسسة الاجتماعية والشبابية والطلابية، وضُرب الحصار على الحركة في علاقاتها الدولية، بسبب تورط بعض الأفاضل في خلافاتنا من خارج البلاد، بطرق غير موفقة ولا حكيمة زادت في الشرخ القائم، وقد أصاب هؤلاء لاحقا ما أصابنا من الصراع والانشقاقات للأسف الشديد، والله نسأل أن يفك كرب المكروب منهم، وأن يرحم من توفاه الله، وأن يجمعنا جميعا في جنات النعيم.  

ومن أخطر ما أصاب الحركة في ظل أزماتها المتتالية الغفلة عن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الوطن،  وعدم الانتباه إلى أن ثمة عصابة تتشكل داخل النظام السياسي، تعمل على تحويل مركز السلطة من العسكر إلى رجال الأعمال، وقد أدى الصراع الداخلي في الحركة إلى تنافس الطرفين على الاقتراب من السلطة الحاكمة للاستقواء بها، أو على الأقل تجنب عدم انحيازها للطرف الآخر، ومن الخطايا التي ألجأ إليها ذلك الصراع الداخلي والتي لم يغفرها الرأي العام إلى الآن مشاركة الطرفين في فتح العهدات للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة واتفاقهما التلقائي على ذلك رغم اختلافهما الشديد، علما بأنه كانت ثمة أصوات داخل الحركة ترفض التورط في فتح العهدات ولكن لم يكن يسمع لها.  

لا شك أن ثمة إيجابيات مهمة حققتها الحركة  في طورها الرابع بعهدتيه وأهمها أنها حافظت على ذاتها ولم ينهها الخلاف كما كان يراد منه، حيث قيل آنذاك ب”أن ثلاثة أشهر ستكون كافية لسحب البساط من تحت أرجلها”،  واسترجعت المبادرة السياسية بعودتها إلى مرتبتها الثالثة في الانتخابات التشريعية عام 2007  وحاولت ترقية الائتلاف الحكومي الذي كان في وقت الشيخ محفوظ إلى تحالف الرئاسي، كما حاولت جمع كلمة جزء من التيار الإسلامي سياسيا عبر تكتل الجزائر الخضراء عام 2012، بالرغم من أن مكسبها من ذلك التكتل لم يكن مرضيا  على مستوى عدد النواب والانتشار في الولايات وتسبب لها في أزمات تنظيمية كبيرة، واستطاعت كذلك استرجاع مكانتها الدولية، خصوصا بعد المشاركة الفاعلة في أسطول الحرية الذي قال عنه رئيس الحركة السابق الشيخ أبو جرة سلطاني: “كنا نريد أن نشارك في أسطول الحرية لفك الحصار عن غزة فإذا به يفك الحصار عن حركة مجتمع السلم”، وبالفعل أخذت علاقاتنا الخارجية تتوسع بشكل مطرد بعد أسطول الحرية.

غير أن  الخسائر على الخط الاستراتيجي كانت معتبرة من حيث الصراعات الكبيرة التي خرجت للعلن ووصلت إلى المحاكم في المؤسسة الاجتماعيّة وتراجع أداء هذه الأخيرة وتأثيرها، وكذلك تراجع قوة وتأثير المؤسسة الطلابية والخروج النهائي من القيادة في المؤسسة الشبابية، ومن ذلك ابتعاد طبقة قيادية واسعة من المؤسستين الأخيرتين عن الحركة وتحول العديد منهم إلى إطارات في المواقع الإدارية الرسمية. مع أن الحركة عملت في هذه المرحلة على استدراك الخسائر التي وقعت في هذه القطاعات من خلال تأسيس منظمتين شبابيتين استوعبتا عددا غير قليل من الشباب، وثبتت إحداهما إلى اليوم وأمدت الحركة والمجتمع برموز قيادية شبابية فاعلة في مستويات ومجالات عدة بحمد الله.  

قامت الحركة بتقييم شامل للتحالف الرئاسي قدمه رئيس الحركة آنذاك في اجتماع رسمي بحضور  عبد العزيز بلخادم وأويحيى أكد فيه أن لا بندا من بنود التحالف تم احترامه، واستمر التقييم داخل مؤسسات الحركة، وقد قُدمت ورقتان في ماي 2011 لمجلس الشورى الوطني، الأولى بينت خسائر الحركة بمشاركتها في الحكومة وورقة تؤكد على منافع المشاركة، وكان التوجه في المجلس جارفا ضد البقاء في التحالف، وتقرر على إثر ذلك فك الارتباط بالتحالف سياسيا والبقاء في الحكومة الى غاية معرفة مدى جدية السلطة في الإصلاحات التي وعد بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على إثر  الاحتجاجات الشعبية في الجزائر في جانفي 2011 وانتفاضات الربيع العربي، وفي الأخير قرر مجلس الشورى، ستة أشهر بعد قرار فك الارتباط مع التحالف الرئاسي، الخروج من الحكومة، وكان ذلك في جانفي 2012 بتصويت 134 عضوا مقابل 35 كانوا يريدون البقاء فيها. وأحدث هذا القرار رجة أخرى إذ قرر  الوزير عمر غول وعدد من إطارات الحركة الانفصال وتأسيس حزب جديد، وبالرغم من أن هذا الانشقاق الثاني لم يؤثر كثيرا في هياكل الحركة فقد ألحق ضررا كبيرا بمعنويات المناضلين وسمعة الحركة. 

لا شك أن احتجاجات الربيع العربي واحتجاجات جانفي 2011 في الجزائر كانت سببا رئيسيا في تغيير المزاج العام لمناضلي حركة مجتمع السلم إذ شعروا بأنهم في المكان الخطأ من التاريخ فسارعوا الى التصحيح والاستدراك ثم جاء المؤتمر الخامس في ماي 2013 فرسم هذا التوجه الجديد ودعا إلى نهج متجدد تحت عنوان ” وطن ينهض، حركة تتجدد” واختار القيادة المناسبة لهذا الطور الخامس الجديد.      

يتبع: المرحلة الخامسة: وطن ينهض، حركة تتجدد. 

في تطورات متتالية وسريعة منذ 27 نوفمبر / تشرين الثاني الماضي حققت المعارضة السورية تقدما عسكريا كبيرا في الشمال الغربي للبلاد يقدر إلى حد الآن بحدود 22 ٪؜ من الأراضي، سيطرت فيها على محاور استراتيجية ومدن مهمة منها حلب إدلب وحماة وعدة مطارات وكليات عسكرية وثكنات عسكرية وعدد كبير من العتاد العسكري.
بدا هذا التقدم السريع والواسع مفاجئا لكثير من المراقبين، وبات السؤال المتكرر الذي يُطرح هو أين سيصل توسع المعارضة على حساب النظام السوري وما هي آثار ذلك على المنطقة، ويلح المنخرطون والمساندون لطوفان الأقصى والحرب ضد الكيان ما هو مآل ذلك بالنسبة للقضية الفلسطينية.
سنحاول أن نفهم خلفيات هذه التحولات المهمة من خلال تتبع أوضاع الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة وأهدافها ومكاسبها وخسائرها. ولكن قبل ذلك لا بد أن نؤكد مسألة مبدئية وهي أن النظام السوري نظام مجرم أوغل في دماء السوريين وهجّر الملايين منهم وسلم البلد للأجانب وأدخل سوريا كلها في مأساة عظيمة، وكان بإمكانه أن يحل الأزمة التي انفجرت في ظروف الثورات الشعبية العربية في 2011 عبر الحوار السياسي والحلول السلمية، لا سيما وأنه دُعي إلى ذلك من قوى المقاومة فرفض واختار القمع والإجرام. وفي كل الأحوال لا يمكن لحاكم فعل في شعبه مثلما فعل بشار الأسد في السوريين أن يستتب له الملك طويلا، ونهايته ستكون مؤكدة سواء في هذه الأحداث أو لاحقا، وأن السكان الذين ظلمهم وهجّرهم من حقهم استرجاع بلداتهم ومنازلهم وإنهاء غربتهم وتشردهم .
إن من أهم أسباب الانتصارات العسكرية التي حققتها المعارضة هو الانهيار السريع للجيش السوري في مواقع الاشتباك ، إذ ما إن تأكد ضباط وجنود هذا الجيش بعدم التدخل القوي لروسيا وإيران و حزب الله لنجدتهم حتى تركوا مواقعهم وعتادهم وفروا إلى الخطوط الأكثر أمنا. وقد أكد هذا الضعف والانهيار بأن النظام كان في طريقه إلى الزوال في وجه الانتفاضات الشعبية السورية، وأن الذين كانوا يديرون المعركة ضد الشعب السوري إنما هو الجيش الروسي والجيش الإيراني ومقاتلو حزب الله، وقد تحولت المعركة في الأرض السورية إلى معركة بالوكالة بين عدة مشاريع : المشروع الغربي الأمريكي الصهيوني، المشروع الروسي، المشروع الإيراني، المشروع التركي. فصار الوضع معقدا بمثابة الفتنة العمياء التي تذر الحليم حيران.
لا نريد أن نتطرق إلى طبيعة هذه الحرب الإقليمية، بل العالمية، بين مختلف المشاريع ولكن نحاول فهم ما يحدث في الوضع الراهن من خلال تطور أوضاع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وذلك على النحو التالي:
١ – إيران: ربما يعتبر أهم تطور في المنطقة، كان له أثر على الأحداث القائمة حاليا في سوريا، هو تراجع المشروع الإيراني. ولا يُعزى هذا التراجع فورا إلى الحرب مع الكيان الصهيوني، والضربات التي تلقاها حزب الله، فقد بينت الضربات الصاروخية المكثفة التي وجهتها إيران لدولة الكيان بأن لها القدرة على الفعل، ولو رغبت في توجيه ضربات صاروخية للمعارضة السورية أثناء تقدمها لفعلت. ولكن ثمة تطورات أعمق تسكن في الداخل الإيراني، حيث أن طول الحصار المضروب على هذا البلد، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية، دفعت الى صعود التوجه الذي يريد إحداث تغييرات في السياسة الخارجية الإيرانية ليصبح هذا البلد بلدا عاديا يهتم بشؤونه الداخلية وحل أزماته الاقتصادية من خلال إنهاء الحصار والتصالح مع المحيط الخارجي، ويساند هذا التيار الإصلاحيون المعروفون في الشأن السياسي، و”البزاريون” وهم معروفون في الشأن الاقتصادي كطبقة قوية من رجال الأعمال الذين ساندوا الثورة في عهد الخميني ثم باتوا الآن يبحثون عن بيئة أعمال أفضل، وقد تُوّج هذا الصعود في الانتخابات الرئاسية السابقة على حساب المحافظين القريبين من المرشد الأعلى والحرس الثوري.
تعود هذه الخلافات إلى سنوات عديدة سابقة، وتعتبر فترة الرئيس محمد خاتمي محطة مهمة في بروز هذه الصراعات، وقد اطلع الرأي العام على رسالة صارمة وجهها نفر من قادة الحرس الثور، منهم قاسم سليماني، إلى خاتمي يحذرونه فيها من تساهله مع مظاهرات الطلاب في يوليو / جويلية 1999، وبقي الخلاف يتصاعد إلى أن بلغ أشده في الفترة الأخيرة.
عندما تهيكل الخلاف وأخذ طابعا أمنيا توجه الحرس الثوري، خصوصا في عهد قاسم سليماني، إلى فصل قوى المقاومة عن التحولات السياسية داخل إيران، وبدأ يجهز ويدرب القوى الشيعية في مختلف البلدان، خصوصا سوريا والعراق ولبنان واليمن، لكي تحافظ على قدراتها العملياتية مهما كانت الظروف في الداخل الإيراني. غير أن الخلاف بلغ أشده في السنوات الأخيرة ووصل الى حد بات الاتهام يتداول داخل الشبكات المساندة لمحور المقاومة بأن مقتل قاسم السليماني والرئيس الإيراني السابق ومن كان معه في الطائرة التي سقطت، وكذا إسماعيل هنية ونصر الله كان بتخابر داخلي من قوى تريد إخراج إيران من الصراع، خصوصا الوضع الذي وجدت نفسها فيه بعد طوفان الأقصى دون أن تخطط الدولة الإيرانية لذلك.
لا يتوقع أن تكون المواجهة بين التيارين سهلة، فالتيار الاصلاحي ومن على شاكلته يستفيد من التطورات الإقليمية والدولية، وعلى قوته الاقتصادية، والتمركز المؤسسي ويستند على أغلبية شعبية لا تحكمها الأيديولوجية الصلبة، والتيار المحافظ يملك قوة عسكرية جبارة، وتتجه الشرعية الدينية لصالحه، وله قوة اقتصادية وكتلة مالية كبيرة، ولأنصاره جلد وصبر كبيرين، وهو يستطيع أن يحدث انقلاباً بالقوة لو لا التطورات العميقة في المحيط.
أما عن حزب الله فهو غير قادر على العودة الى المغامرة التي تورط فيها سابقا، من جهة أنه في وضع صعب بالنظر للخسائر التي تلقاها في مواجهته مع الكيان، ومن جهة أن المشروع كله في تراجع كبير والحلفاء الذين احتاجوا اليه سابقا غير راغبين في النجدة العسكرية لبشار الأسد إلى حد الآن، ومن جهة أنه ربما لا يرغب في افساد صورته مرة أخرى بعد أن رمم الكثير منها في انخراطه في طوفان الأقصى نصرة لأهل غزة، ومن جهة أن الأمر لم يصبح مجديا أمام الانهيارات الكبيرة للجيش السوري وهو يرى أن تدخلاته السابقة ذهب مفعولها هباء منثورا.
ضمن هذه التطورات الداخلية، لم يتم نجدة بشار الأسد من قبل ايران بشكل مباشر وقوي، ليس لأن إيران ليس لها القدرة، ولكن لأن القرار السياسي غير موجود، أو ربما غير متفق عليه، بسبب الكلفة الكبيرة المتوقعة، لا سيما أن التدخل الإيراني هذه المرة قد يجلب المواجهة المباشرة مع قوة إقليمية لها مصالح حيوية هي تركيا، والموقف الروسي غير واضح لحد الساعة، فالأفضل لإيران البحث عن حلول دبلوماسية من خلال مسار أستانا مع روسيا وتركيا.
٢ – روسيا
… يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

إذا اردنا ان ندرس تطورات المنهج الذي حكم حركة مجتمع السلم، بمناسبة ذكرى تأسيسها في 29 ماي 1991، فإننا سنضطر إلى تقسيم تاريخ الحركة إلى خمس مراحل، أو خمسة أطوار: ثلاثة قبل التأسيس الرسمي واثنان بعده. أما قبل التأسيس فإن الحركة قد تعرّف عليها الجزائريون في مرحلتها الأولى في سبعينات القرن الماضي كجماعة ذات معارضة راديكالية لنظام الحزب الواحد  والنهج الاشتراكي الرسمي، وقد وصل المنهج الحدّي لتلك المعارضة إلى استعمال العنف عبر الحادثة التي سميت ب”قطع أعمدة الهاتف”، وقد سبق تلك الأحداث خطاب شديد اللهجة عبر خطب نارية للشيخ محفوظ نحناح رحمه لا تزال  بعض تسجيلاتها متوفرة، وبيانات قوية  العبارات كالبيان المشهور تحت عنوان ” إلى أين يا بومدين؟”، انتهت هذه المرحلة بسجن الشيخ محفوظ رحمه الله والعديد من إخوانه وتشتيت جماعته.

أثناء سجنه نشطت جماعات أخرى في الجامعات، أهمها جماعة الجزأرة التي كان يرأسها د. بن شيكو ثم د. بوجلخة، وجماعة الشيخ عبد الله جاب الله التي عرفت في ذلك الوقت بأنها الجماعة التي تمثل الإخوان المسلمين فكرا وتنظيما.

بعد إطلاق سراح الشيخ محفوظ نحناح سنة 1981 دخلت جماعته في المرحلة الثانية من تاريخها، وهي المرحلة التي تبلور فيه منهج جديد عبر المراجعات التي قام بها الشيخ رحمه الله في السجن، وأساسها الابتعاد نهائياً عن المنهج العنفي لفظا وسلوكا والاعتماد على الخطاب الدعوي الهادي أكثر من الخطاب السياسي الصادم مع المحافظة على خطاب سياسي يعتمد شعار الحركة الإسلامية المركزي آنذاك “الإسلام هو الحل” ويستهدف نقد المناهج المستوردة وعلى رأسها العلمانية والاشتراكية، ولهذا السبب لم يكن الشيخ محفوظ في صدارة الاحتجاجات الكبرى كأحداث الجامعة المركزية عام 1982 وأحداث 5 أكتوبر 1988 رغم الوجود الفعلي للعديد من قادة وأفراد جماعته فيها، واستطاع الشيخ محفوظ أن يتجاوز كل تحديات عشرية الثمانينيات ليكون في أواخرها أهم زعيم سياسي وتكون جماعته أكبر جماعة في الجزائر وقد ساعده على ذلك عدة معطيات منها شخصيته الجذابة وسمته وقدراته الخطابية الفذة، النهج الجديد الذي انتهجه الشاذلي بن جديد القائم على الانفتاح السياسي وبدايات التراجع عن النهج الاشتراكي والذي كان يحتاج بشأنه إلى بروز  جهة معتدلة في التيار الإسلامي، وارتباط الشيخ محفوظ بالاخوان المسلمين الذين كان يمثل منهجهم ومشروعهم وتاريخهم وتضحياتهم نوعا من المرجعية التي تفرض نفسها على شباب الصحوة الإسلامية يرتبطون بها بشكل تلقائي أكثر من غيرها، وكتيار قبل الارتباط بالتنظيم،  مما جعل العديد من الشباب وإطارات الحركة الإسلامية الذين انتظموا في جماعة الشيخ عبد الله جاب الله يتركونه لصالح الشيخ محفوظ لمّا اختلف الرجلان وعُلم بأن الشيخ محفوظ هو من يمثل “الاخوان المسلمون”.

وكذلك التحق بالشيخ نحناح رحمه الله بسبب “الإخوان المسلمون” كثير من رموز وقادة الحركة الإسلامية، وعدد من التنظيمات المحلية ومن مجاميع إسلامية مختلفة خصوصا بعد فشل مساعي الوحدة بين فصائل التيار الإسلامي التي دعا اليها بعض الدعاة بين 1983-1987. وبقي الانتماء للإخوان المسلمين صمام أمان لوحدة جماعة الشيخ محفوظ – بالإضافة إلى شخصيته – إلى أن تراجعت أهمية تلك المرجعية لأسباب عديدة ليس المجال للتفصيل فيها، خصوصا بعد التحول إلى المرحلة الحزبية، فأخذت الاختلافات ثم الانشقاقات تظهر في جسم الجماعة.

مع تغيير الدستور والتوجه نحو التعددية الحزبية دخلت جماعة الشيخ محفوظ نحناح مرحلتها الثالثة، بتأسيس الحزب رسميا في 29 ماي 19991 الذي نتذكر مناسبته في هذا المقال، وكان الدخول عسيرا ليس عليه فقط، بل على الجماعات الإسلامية الثلاث المنظمة المتقاربة فكريا التي لم توفق في تحقيق الوحدة بينها (الشيخ محفوظ/ الجزأرة/ عبد الله جاب الله)، والتي تجاوزها تيار 5 أكتوبر ولم تسبق لتأسيس حزب إسلامي فأدّى ذلك إلى سيطرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج على الساحة السياسية.

تسبب هذا التأخر من قبل هذه الجماعات المنظمة في الاستشراف وفي التعامل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية التي تلت انهيار أسعار البترول ابتداء من 1986، وتعمّق الفساد في نظام الحزب الواحد، ثم البرسترويكا  فانهيار الاتحاد السوفياتي بين  1987 و 1990 وتراجع زمن الأحادية عالميا إلى ضياع المبادرة والريادة، وأصبحت السياسات والتوجهات والتصريحات هي من أجل الاستدراك واسترجاع المبادرة والمساهمة في المحافظة على نصاعة المشروع وتفويت الفرصة على العلمانيين لاستغلال الظروف وغطاء محاربة الإهاب للإجهاز على كل مرجعية إسلامية في الشأن العام، وكذا من أجل إخراج البلاد من الأزمة.

وقد كان نهج الشيخ محفوظ نحناح أكثر وضوحا من خلال سرعة وقوة المبادرات من أجل الحوار والمصالحة الوطنية، [وقد سجلتُ تلك المبادرات في برنامج مراجعات مع قناة الحوار اللندنية وفي كتابي مبادرات لحل الأزمات]، وخطاب التميز عن التشدد، ثم العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة عبر العودة للمسار الانتخابي وبداية تجسيد نهج المشاركة الحكومية، ومحاولة بلورة خطاب وطني لتطمين النظام السياسي وتحسين  العلاقة بالمؤسسة العسكرية ومجاهدي حرب التحرير، وكل من له تأثير في القرار السياسي.

أدى هذا النهج إلى نجاحات معتبرة على المستوى الاستراتيجي من حيث المساهمة في وقف سيل الدماء والمحافظة على الدولة وحماية المشروع والحركة الإسلامية وأمن المناضلين وعائلاتهم، وتوفير الفرصة لاستمرار الوجود والعمل، والانتقال للمستقبل بأقل التكاليف وفي أحسن ما يمكن من الظروف، غير أن الإخفاق على المستوى السياسي كان ملازما للمسيرة خلافا للأهداف التي رسمها الشيخ محفوظ وسَمِعتُها منه شخصيا وهو أن ينال دعم المؤسسة العسكرية، تأسياً بتجربة الشيخ حسن الترابي الذي كان نجمه صاعدا في ذلك الوقت، ويكون بديلا لجبهة التحرير التي خرجت للمعارضة مع الأستاذ الكبير عبد الحميد مهري رحمه الله والجبهة الإسلامية التي لم يكن ممكنا التفاهم بينها وبين العسكر، أو على الأقل تجسيد فكرة التحالف الوطني الإسلامي على المستوى الرسمي بعد ما تمت الدعوة إليه باسم جمعية الإرشاد والإصلاح قبل تأسيس الحزب عام 1990.

لقد كانت الخسارة في الانتخابات التشريعية في جانفي 1991 منطقية بسبب السبق الذي استفادت منه جبهة الإنقاذ، ولكن النجاح الكبير والشعبية الهائلة التي ظهرت لصالح الشيخ محفوظ وحزبه في الانتخابات الرئاسية عام 1995 أخافت العسكر وأصحاب القرار.

لم ينفع المنهج التطميني الذي انتهجه الشيخ محفوظ فأُعطيت له الرسالة من قبل النظام السياسي  بأن “بديلنا لست أنت بل نصنعه صناعةً بأيدينا”، فكان تغيير الدستور  عام 1996 لمنع الشيخ محفوظ من الترشح مرة أخرى للانتخابات الرئاسية مدى الحياة، وذلك بسبب قدرته على المنافسة وقيادة البلد، وتغيير  اسم الحزب بنزع كلمة “الإسلامي” ليتحول من “حركة المجتمع الإسلامي – حماس” إلى “حركة مجتمع السلم – حمس”، وإعاقة الحركة بما اعتقده نظام الحكم بأنه عناصر قوة لصالحها، ثم كان تأسيس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” والتزوير له في الانتخابات التشريعية والمحلية عام 1997، وبعد ذلك منع النحناح رحمه الله وأسكنه فسيح جناته من الترشح عام 1999 وإهانته وضربه في تاريخه وسمعته، ثم جاءت الانتخابات التشريعية عام 2002 فتمت معاقبته عن إصراره على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1999  بما اضطرّهم إلى منعه من ذلك تعسفا مما زاد في ضرب مصداقية الانتخابات بالإضافة إلى ما أصابها من خدش في مصداقيتها بعد انسحاب المرشحين الستة، فوضعوا الحركة في تلك الانتخابات التشريعية في المرتبة الرابعة بعد حركة الإصلاح التي أسسها الشيخ عبد الله جاب الله بعد خروجه من حركة النهضة، مع أن ما سهل على النظام إخفاء مكره وقلة وفائه التراجع الشعبي الفعلي الذي أصاب الحركة بسبب تحولها السريع والمفاجئ من معارض لبوتفليقة إلى مساند له في الانتخابات الرئاسية عام 1999. ولا يعني ما نقوله هنا أن حركة الإصلاح تم تقديمها على الحركة بدعم من السلطة، فقد كان تقدمها منطقيا، ولكن المقصود أن الحركة عوقبت بالتزوير ضدها كما هي العادة،  وأنه لو كانت  جزء من السلطة لزورت لها كما تفعل مع أحزاب الموالاة التي تنقذ دوما بالتزوير.

لا يمكن الجدال بأن الكثير من المكاسب الاستراتيجية غطت عن الخسائر السياسية، ومن أهمها البقاء في ساحة المعركة ضد التوجهات العلمانية المعادية للمشروع الوطني الإسلامي، ولكن لا يمكن الجدال كذلك بأن التيار العلماني ألحق بخططنا خسائر كبيرة، ومن ذلك إضعاف التيار الوطني ذاته داخل الدولة، علما بأن المكتسبات الحضارية العربية الإسلامية تحققت في زمن الحزب الواحد بأيدي رجال التيار الوطني وليس في زمن التعددية الحزبية، ومن ذلك قانون الأسرة، والمنظومة التربوية الأصيلة، والتعريب. غير أن الرجال الذين حققوا تلك الإنجازات عبر صراع مرير مع ما كان يسمى “حزب فرانسا” في ذلك الوقت أبعِدوا عن النفوذ داخل الدولة، واستفرد رجال التيار العلماني الذين كانوا يواجهونهم بالقرار، خصوصا داخل المؤسسة العسكرية، ووجدت حركة مجتمع السلم نفسها قريبة من هؤلاء الرجال العلمانيين، رغم تصريح زعيمهم خالد نزار صراحة في مذكراته المنشورة بأن خططهم كانت تستهدف في ظل الأزمة ضرب التيار الإسلامي المتشدد منه والمعتدل.

كما أن الخطر على المنظومة التربوية صار ملموسا من خلال إنشاء لجنة بنزاغو، والتمكين في وزارة التربية والتعليم لتياره، ولو لا المقاومة التي أظهرها رجال التيار الوطني، كأمثال علي بن محمد وعبد القادر فوضيل وعبد الحميد مهري، وتحالفهم في المجتمع مع التيار الإسلامي لكانت الخسائر عظيمة في وقت مبكر. علاوة على التحرش المستمر بقانون الأسرة، والتراجعات الكبيرة في مسيرة التعريب، وفي الاهتمام بالقضية الفلسطينية.   

علم الشيخ محفوظ نحناح بأن النهج السياسي التشاركي مع نظام سياسي مستبد، غير وفي وغير نزيه لن ينفع الحركة فبدأ يبحث عن نهج جديد، وأصبحت أسمع منه – كما سمع غيري – في جلسات خاصة كلاما عن النظام السياسي كان يمنعنا أن نفكر فيه أصلا، وأخذ ينظّر لتوجه جديد في المنهج في كتاب بدأ في تأليفه تحت عنوان ” الدولة وأنماط المعارضة” ولكن فاجأته الوفاة واختفت مسودة الكتاب بشكل غريب.

توفي الشيخ وقد حقق إنجازات استراتيجية جعلت نهجه مدرسة كاملة الأركان، وستبقى تلك الإنجازات التي اشرت إليها – رغم الخسائر المذكورة –  شاهدة له ينالها أجرها وهو في قبره، ولكن كان الأمر يتطلب القيام بمراجعات في النهج السياسي تكمّل المنهج وتزينه ولكن لم يسعفه الأجل رحمه الله، ووجدت الحركة نفسها بعده في مرحلة  رابعة من تاريخها تعمق فيها نهج المشاركة الحكومية، بل تحول إلى منهج اندماجي تام في النظام السياسي رغم التململ  الذي بات واضحا في صفوف الحركة، بل كان يوشك أن يتفجر في وجه الشيخ محفوظ على نحو ما وقع له في لقاء وطني شهير ببومرداس.

لقد كنت من شركاء المسيرة ومن صانعي أبعادها الاستراتيجية ولكن أصبحت غير موافق على الشق السياسي في المنهج في وقت مبكر في زمن الشيخ محفوظ  منذ عام  1997 بعد أن باتت فكرة التحالف مع التيار الوطني وهْما وصار قادة المؤسسة العسكرية [الذين اعتُبر قادتهم في زمن الحراك الشعبي جزء من العصابة ] هم الخطر الأول على مشروعنا وفاعليتنا، وكنت أعبر عن رأيي المخالف بكل حرية، وقد ظهر ذلك للرأي العام لأول مرة عند رفضي التصويت على برنامج أويحيى الحكومي عام 1997 عند رفضه إدخال تعديلاتنا [وتعديلات جبهة التحرير حين كان قادة التيار الوطني الأصلاء هم من يقودها]، وذلك بالرغم  من أنني كنت رئيس الكتلة البرلمانية، كما سميتُ المشاركة الحكومية  “مشاركة عبثية” في أحد الحوارات في جريدة الخبر  في حياة الشيخ محفوظ رحمه الله، وقد قدمت له آنذاك، عام 1997، ورقة حذرت فيها من عواقب ذلك النهج واستشرفت الآفاق المستقبلية في أجل زمني أكدته الثورات العربية وقدمت رؤية بديلة هي التي طبقتُها لاحقا كما سأبينه أدناه.

تابع.. المرحلة الرابعة: “نحو طور جديد”

 د. عبد الرزاق مقري

شرف البطولة وحدودها في فكر مالك بن نبي

 

4 ـ الفكرة قبل السياسة.

 

بدأ مالك بن نبي حديثه عن السياسة والفكرة في كتابه شروط النهضة بعبارة جميلة فقال” “إن الكلمة لمن روح القدس، إنها تُسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، فالكلمة ـ يطلقها إنسان ـ تستطيع أن تكون عاملا من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف تغير الأوضاع العالمية“. ما أصدق هذه العبارة، ألم تصنع كلمات أحمد ياسين جيلا من الرجال والنساء صار القرآن والسنة فكرتَهم ورسالتهم في الحياة وتحولوا بها إلى ظاهرة اجتماعية راسخة تجرأت على الظلم، بالبصيرة والإعداد والتخطيط والبطولة، فغيروا في طوفان الأقصى الأوضاع العالمية وأقر أعداؤهم المتحالفون ضدهم من كل الدول الغربية بأن هؤلاء فكرة، والفكرة لا يهزمها الرصاص المصبوب ولا السيوف الحديدية.

وقبل أحمد ياسين كان الأصل في جماعة الإخوان المسلمون إذ صنع معلم الأطفال الشيخ حسن البنا رجالا أكملوا المسيرة بعد اغتياله شهيدا وضرب جماعته فتحولت إلى فكرة سارت في الأمة كما تسير الروح في الجسد، فتجاوزت التنظيمات والجماعات، وصارت حالة عالمية تتحالف الدول العظمى ودولُها الوظيفيةُ لقتلها فلا يستطيعون. وقد ضرب مالك بن نبي المثل في أثر الفكرة في بلده بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقال: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات بن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونيتين بالنوم، حتى أُشرِب الشعب في قلبه نزعة التغيير، وأصبحت أحاديثه تتخذها شرعة ومنهاجا، وهكذا استيقظ المعْنَى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب” ثم تجاوزت اليقظةُ الجمعيةَ ذاتَها، وكانت ثورةُ نوفمبرَ من ثمارها الزكية. وكانت نوفمبرُ قبل الثورة كلمةً في البيان الأول من الشهر ترنو إلى الاستقلال ضمن الحرية والتضامن الاجتماعي والمبادئ الإسلامية لتحقق وحدة الأمة من الشمال الافريقي إلى إطاره الطبيعي العربي الإسلامي، ولا تزال المسيرةُ مستمرةً تتطاول فوق مكائد الاستعمار وأذنابه. 

إن كل تلك الحركات الإحيائية عملت على أساس أن تكوينَ الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية إنما يكون في الظروف والشروط نفسِها التي وُلدت فيها الحضارة الأولى، في بيئة المدينة المنورة، على حد قول بن نبي. فإن بقيت الفكرة تصنع تلك الظروف لا بد للحضارة أن تبزغ من جديد، فإن تبعت الفكرةَ السياساتُ والمؤسسات والأطرُ والهياكلُ والمناهجُ، ولم تغادرها أبدا مهما كانت الصعوبات والتحديات بلغت بإذن الله مبلغها نحو بزور فجر جديد. غير أن بن نبي عاب على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي رأى أنها نهضت بالمجتمع الجزائري في عقد واحد من الزمن فقط بين 1925 إلى 1936 وهيأته فرديا واجتماعيا لينعتق من الاستعمار، قد نزلت إلى أوهام السياسية على غير فكرتها حينما انخرطت في مطالب الاستعمار بالإصلاحات والحقوق في المؤتمر الإسلامي عام 1936، مع نخب سياسية ليست لها فكرة حضارية ولا وجهة ثقافية، ولا يريدون من الاستعمار إلا أن يحسّن ظروفهم.

 لم يتهم بن نبي جمعية العلماء في مقاصد قادتها، مُبدِيا أسفَه على زلة العلماء التي كانت زلة نزيهة، لما توافر فيها من النية الطاهرة والقصد البريء ـ كما قال ـ وذلك حين سمحوا عام 1936 بسقوط الفكرة الإصلاحية في حبائل الوعود التي بذلتها  الحكومة الفرنسية اليسارية  بغير حساب وهي تعمل في الحقيقة على اغتيال الإصلاح.

ويمكننا أن نعيب في الوقت الحالي على الحركات الإحيائية في التيار الإسلامي، التي أحيت الأمة وصنعت صحوة شعوبها في آخر القرن الماضي نفس المعايب التي أسف لها ابن نبي عن جمعية العلماء المسلمين في أواخر الثلاثينات، إذ بدل أن تنتقل  تلك الحركات إلى معامع السياسة بفكرتها صار الكثير منها ينافس على الانتقال من مساحات الدعوة في المجتمع إلى مؤسسات الدولة الحديثة بدون الفكرة التي تميزها، وصار مبلغ علم قادتها أن يُسمح لهم بهوامشَ في الوجود السياسي ضمن عملية ديمقراطية مغشوشة لا يوصل سقفُها المتدني إلى التغيير ولو بقوا في العمل على ذات المنوال مائة سنة مقبلة.

 وضمن هذا المنظور السياسي البراغماتي الجديد صار الوجه البارز ـ وربما الوحيد ـ لتلك الحركات هو الوجه الحزبي المندمج في المنظومة الفكرية الحضارية الغربية المهيمنة في بلداننا وفي العالم بأسره، وفي أحسن الأحوال وجه أحزابٍ محَافظةٍ تهتم بمظاهر الهوية وقوانين الأحوال الشخصية دون مشاريع جادة لعبور الفكرة إلى مستوى العودة الحضارية للأمة الإسلامية.

 

لقد برزت أصواتٌ خدّاعة بعد هيمنة الرأسمالية العالمية تدعو القوى الإسلامية إلى ترك “الأيديولوجية” والاهتمام بمصالح الناس فحسب في الممارسة السياسية، وما تلك الدعوة إلا لقتل كل الأيديولوجيات لتبقى أيديولوجيةٌ واحدةٌ مهيمنةٌ هي أيديلوجية الرأسمالية العلمانية المادية التي تدين بها القوى المتغلبة التي ضيعت مصالح غالبية سكان المعمورة لصالح فئات قليلة سيطرت على أغلب خيرات الأرض. وإذا كان معنى كلمة “الأيديولوجية” هو “علم الأفكار”، كيف يُتصور أن لا تكون الفكرة قبل السياسة. لقد أدى تجريم علم الأفكار أن صارت الأحزابُ في العالم كلُّها متقاربةً في مساحة سُميت ظلما الوسط أو ” الوسطية”، ببرامج متشابهة، يختارها الناخبون في الظاهر ولكن تتحكم فيها قوى غير معلنة ولا مسؤولة هي القوى المالية والعسكرية والشركات الكبرى ولوبيات الأقليات الممكّنة. 

تأخذ القوى الخفيةُ السلطةَ الحقيقية وتتهالك القوى الحزبيةُ البارزةُ على فتات المقاعد البرلمانية والوزارات والمصالح، فلا تسمع في النقاش السياسي شيئا عن الأفكار والتوجهات الحضارية وكيف تصان الكرامةُ الإنسانية، ولا تسمع شئيا عن طبيعة الدولة البديلة المنشودة وعلى عن الرؤى الاقتصادية والاجتماعية  والثقافية المناقضة لديانة السوق، وبرامج إطلاقِ الغريزة المحبطة للفضيلة التي لا شك ستدول بها الحضارة الغربية، وأما أزمات الشعوب فعلاجها الوعود الانتخابية والتدليس والخداع أو تعميق الأزمات لوضع طموحات الناس في مستوياتها المتدنية.

إن ابتعاد المصلحين عن فكرتهم، بعد ان تطول بهم الطريق، يُضيِّع منهم المبادرة فيأخذها الأكثر جسارة منهم، ولو بدون أفكار حضارية فيطول شقاء الأمة، في إطار الدولة الحديثة التي صارت تشقى تحت سلطتِها الدُّغماتيةِ كلَّ البشرية. لا شيء يجب أن يحافظ عليه قادة حركات الإحياء الإسلامي أكثر من الفكرة التي أسستهم، والتي وحدها تتناسب مع قواعد المجتمع الذي نَبتُوا فيه وإلا صارت أحاديثُهم جوفاء بلا مضمون مهما تنمقت، وصدق بن نبي إذ يقول: ” ومن الواضح أن السياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه، لا تستطيع إلا أن تكوّن دولة تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها“. ولعل صدمة الطوفان تصلح الأوضاع.

د. هبد الرزاق مقري

    

عزمني أحد قادة التيار الإسلامي في بلد عزيز من بلاد العالم إلإسلامي، كانت بيني وبينه سابقا مساهمات جليلة في خدمة الفكرة والقضية الفلسطينية، فقضيت معه نصف يوم كامل غمرني فيه بالتقدير والكرم الجميل جزاه الله خيرا إلى أن أوصلني إلى المطار للعودة إلى بلدي، فكان الوقت كافيا جدا لنقاش فكري عميق، إذ هو رجل على قدر كبير من العلم والأدب.

 

كنت أعلم قبل لقائه بأنه ممن تسكنه القناعة بأهمية الاقتراب من الأنظمة الحاكمة، ولكن للمحبة المتبادلة بيننا ولخلقه ولمكانته عندي ولانتفاء الخلفيات الشخصية بيننا علمت أن النقاش معه سيكون مفيدا لكلينا.

 

لا أريد أن أعرض ما دار بيني وبينه من نقاش، استحضرنا فيه التاريخ والفكر والسياسة والأدب والذكريات الجميلة، ولكن شدني تبريره الذي بدا منطقيا لأهمية الاقتراب من الأنظمة الحاكمة مع ما يمكن أن يعاب عنها من فساد وعجز في تحقيق التنمية أو حتى بعض الظلم والاستبداد، وهو أن تهدئة العلاقات مع الأنظمة ودعمها السياسي يتيح الفرص لتوظيف وترقية أبناء التيار الإسلامي المحرومين من ذلك ظلما بسبب انتمائهم، وكذلك لحماية العديد من المؤسسات التي تبذل جهدا كبيرا في إصلاح المجتمع.

 

لقد سبق لي أن سمعت مثل هذا التبرير من أشخاص آخرين ولكن لم أتأثر بكلامهم لعدم ثقتي بخلفياتهم ولأن العديد منهم أتيحت لهم فرص فلم يقدموا شيئا ذا بال لغيرهم ولا لصالح المؤسسات العاملة في الإصلاح الاجتماعي، عكس ما قدمه غيرهم ممن لم يكونوا على وفاق مع الأنظمة الحاكمة، ولكن مكانة الرجل الذي أتحدث عنه وأسلوب حديثه الهادئ والمفعم بالعاطفة أثر فيّ وجعلني أفكر بعمق في ما قاله ولم أجبه إلا بعد سرد طويل لحججه، ولكن ما قلته له أثر فيه هو كذلك ورأيت أثر حديثي في ملامح وجهه جليا، إذ قلت له “أليس دور رجل السياسة في الحزب أن يكون همه توفير الظروف في بلده لتُعطى الفرص لكل أفراد الشعب وليس لأفراد حزبه وحركته والقريبين منه فقط؟ أليس من أدوار الحزب أن يكافح من أجل تحقيق العدالة واحترام القانون لتصان حقوق كل المؤسسات والهيئات التي تعمل لصالح المجتمع؟”

 

افترقنا والتأثير متبادل بيننا، وكما وعدته فكرت طويلا في هذه المعضلة، فعلمت أن ما قلته له حق ولا بد أن يكون في البلاد من يكافح الاستبداد والفساد بلا هوادة وأن ينافس على الحكم بالطرق والأدوات السلمية ليقدم البديل من حيث البرامج والرجال بما يصلح البلد كله ويغير حال مجمل المواطنين بقدر الإمكان، حتى وإن أدى ذلك الى توتر العلاقات مع الحكام، والتأصيل الشرعي لذلك حاضر في نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك، ويكفي أن نستذكر في الإطار العام سورة العصر التي يؤكد فيها الله تعالى بأن الخسران مؤكد في الناس ما لم يؤمنوا بالله ويعملوا صالحا وما لم يتواصوا بالحق، وبالصبر على المكاره والأذى الذي يحصل حتما على هذا الطريق، وفي الإطار الخاص المتعلق بالحكام ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في البرء من النفاق: “إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عَرَفَ بَرِئ، ومن أنكر سَلِم، ولكنْ مَنْ رضي وتابع” وغير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة في الموضوع، وفي التجارب البشرية تضحيات عظيمة، في تاريخ المسلمين وغير المسلمين، لأبطال غيروا التاريخ بوقوفهم في وجه الاستبداد، ولكن في نفس الوقت هناك مقاصد ومصالح عظيمة تحققها المؤسسات التي تعمل في إطار الإصلاح الاجتماعي تضيع أو تضعف إذا استهدفها الاستبداد، وحجج هؤلاء تدور حول فقه المقاصد والمآلات، وفتاوى ترك الإنكار الذي يؤدي إلى منكر أكبر منه، وهي فتاوى يقرها أهل العلم في موقعها وليس عوام الناس، فما العمل؟

 

لقد أرجعني التفكير العميق في هذه المعضلة التي يقع فيها الإسلاميون بين واجباتهم كأحزاب سياسية أسست من أجل التغيير من جهة، وواجباتهم كحركات إصلاحية اجتماعية من جهة أخرى، فتأكد لدي أن الأحزاب الإسلامية تؤدي دورين متناقضين لا ينسجمان معا، خصوصا في ظل حكم الأنظمة الاستبدادية، وأنها حتما ستضحي بدور من الدورين إن أصرت على جمعهما معا. إن أصرت على خدمة أفرادها والتمكين لعناصرها في مختلف المواقع وحماية مؤسساتها الاجتماعية ستضيّع دورها في التغيير والإصلاح السياسي العام فتسكت عن أخطاء الحاكم وضعفه وانحرافه فتتحول إلى أحزاب متواطئة مع منظومات الفساد والفشل والتخلف، ويكون حالها كحال من ورد فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَقُولُونَ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ، يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ كَمَا تَقَاحَمُ القِرَدَةُ))، ثم تفقد مصداقيتها مع مرور الزمن وتكون نهايتها أسوء ما يكون، وقد رأينا هذا المآل عن بعضها في العالم العربي والإسلامي، وإن أصرت على واجب مواجهة الإستبداد وقول الحق لا تخشى في الله لومة لائم ستضيع كثير من مكتسباتها على جبهة الإصلاح الاجتماعي.

 

لقد راجعت مطالعاتي السابقة في علم السياسة وعلم الاجتماع لحل هذه المعضلة فوجدت أن التجربة البشرية حلت هذه المعضلة من حيث التفريق بين الحزب السياسي ومجموعات المصالح، فهل الحركات الإسلامية السياسية أحزاب سياسية (Des Partis Politiques) أم مجموعات مصالح (Des Groupes D’Intérêt )؟ سنبين في المقال المقبل التعريفات القاموسية للأحزاب ومجموعات المصالح وأدوارها والفروق بينها، ثم نحاول إسقاط الأبعاد العلمية على واقع الحركات الإسلامية وتأثير حالة التضاد بين الأدوار التي تعيشها على مستقبلها ومستقبل مشروعها.

د. عبد الرزاق مقري

يؤكد الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله – على النقطة التي ينطلق منها التاريخ نحو تشييد الحضارة، ويعتبر أنّ من شروط النهضة أن يعرف الإنسان هذه اللحظة التاريخية فيجعلها هي التحول الأساسي في حياته وحياةِ أمته لتغيير أوضاعه والخروج من عقدة النقص والانطلاق نحو صناعة التاريخ.

وإني لأجزم أن “طوفان الأقصى” لحظةٌ تاريخية حاسمة في تاريخ القضية الفلسطينية، ومصيرِ الأمة الإسلامية، بل سيكون له تأثيرٌ كبير في تغيير العالم.

لقد كانت الأوضاع في الأمة الإسلامية، والقضية الفلسطينية بالذات في أسوأ حالها، يمكن أن نصفها بقولنا “لم يبقَ شيء نخسره” وأي تحول جذري سيكون في مصلحتنا بعد أن فشلت كل محاولات الإصلاح السياسي والاجتماعي – خصوصًا بعد الثورات المضادة – في جعل بلداننا متطورة ومزدهرة يعمّها العدل والحرية وكرامة الإنسان ورفاه العيش والمكانة بين الأمم، وباتت القضية الفلسطينية تراوح مكانها من حيث حصار غزة وتحول المقاومة فيها إلى جيش خاص بها لا يقدر على تحرير شبر آخر من فلسطين، ومن حيث أن توسع الاستيطان كان قد أنهى أي فرصة لإقامة حل الدولتين المزعوم.

وكان التقسيم الزماني في المسجد الأقصى قد نجح، وذلك في انتظار الانتقال إلى مرحلة التقسيم المكاني، ثم تدميره لاحقًا – لا قدر الله – لو استمر الانهيار. كما ظل الفلسطينيون في داخل الخط الأخضر يعيشون تحت نظام الفصل العنصري، وتسارعت وتيرة التطبيع والتخلي الجماعي العربي عن القضية، وكان التخطيط جاريًا لضمّ السعودية إلى اتفاقات التطبيع؛ لتكون هذه الخطوة بمثابة “رصاصة الرحمة” للحق الفلسطيني في زعمهم، والانتصار التاريخي الأعظم للمجرم نتنياهو.

فهل بقي أمام كل هذه الخسائر الخطيرة الجارية من شيء نخاف عليه، ويجعلنا نتهيّب من تبعات تصعيد المقاومة؟

سُنة الله في الظالمين والمظلومين

لو نعدد المكاسب الإستراتيجية التي حققها “طوفان الأقصى” إلى الآن، لتأكد لدينا أنه حالة سننية مباركة جرَت على عين الله تتجاوز إرادة البشر، كتلك التحولات الكونية الاجتماعية التي يمضيها الله – تعالى- حين يُطبِق الظلمُ على الأرض، ويصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، لكي يعذِّب الظالمين ويرحم المظلومين ويبتليهم.

أما الظالمون فقد عذبهم الله – تعالى – بـ”طوفان الأقصى”، قبل أن تنتهي المعركة، عذابًا لم يعرفوه من قبلُ، ومن ذلك:

– سقوط الرواية الصهيونية الكاذبة وانتباه شرائح واسعة في العالم، وخصوصًا في العالم الغربي، إلى الحق الفلسطيني وعدالة قضيته.

– انقلاب صورة الكيان الإسرائيلي في الرأي العام الدولي من كيان أُهدِي لشعب مظلوم، تعرض للإبادة من قبلُ، ومحاصرٍ من جيرانه العرب اليوم، إلى كيان ظالم ومجرم مُتَابع من محكمة العدل الدولية، والضمير الإنساني بجرائم الإبادة الجماعية، ومنبوذٍ عند كثير من الدول، بعضها حكومات غربية.

– انتباه أعدادٍ هائلة من سكان الدول الغربية، خصوصًا الشباب، إلى نفاق حكامهم والخداع الكبير الذي كانوا واقعين فيه، في فهم العالم تحت تأثير وسائل الإعلام المتحكم فيها من اللوبيات الصهيونية والمساندة لها والمتعاونة معها.

– سقوطُ أسطورة تفوق الاستخبارات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإذلال الجيش الصهيوني الذي اعتُقد بأنه لا يقهر، وذلك من خلال عجزه التام عن تحقيق أي هدف من أهدافه المعلنة في عدوانه على غزة، سوى قتل المدنيين الأطفال والنساء.

تعمق انقسام المجتمع الإسرائيلي وتجلي تناقضات طبقته السياسية بشكل مدهش وفق قوله تعالى عن بني إسرائيل :

– “تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى”، ودخول قادة البيت الأبيض على خط هذه الاختلافات؛ لمحاولة ترجيح كفة التيار العلماني القريب منهم، المؤسس للدولة الصهيونية بعد تعاظم الاختلاف مع نتنياهو وحلفائه في التيار الديني الحكومي.

– رجوع الاهتمام بحل الدولتين المزعوم في الساحة الدولية، بعدما كاد يُعدم نهائيًا في العالم كله، ومن العرب أنفسهم، وهو الحل الذي عجز مسار المفاوضات عن تحقيقه عبر سنوات طويلة.

– إفساد خطة القادة الأميركيين في تغيير أولويات السياسة الخارجية، بعدما ساد الاعتقاد أن الشعوب العربية في نوم عميق، وأن القضية الفلسطينية قد تم التخلي عنها من قبل الحكام العرب أنفسهم، وأن مصير إسرائيل مضمون في المنطقة من خلال موجة التطبيع الكبيرة قبل “الطوفان”، وعلى هذا الأساس اعتقد الأميركيون أنه يمكن التفرغ للخطر الصيني والروسي والدول الصاعدة الأخرى المتفلتة من القبضة الأميركية، فإذا بهم يجدون أنفسهم يعودون إلى المنطقة مكرهين، تاركين خصومهم الدوليين يرتّبون لمستقبل تنتهي فيه الهيمنة الأميركية.

– تسبب “طوفان الأقصى” في إنشاء حالة وعي شعبي كبير في الولايات المتحدة الأميركية ضغَط على الحزب الديمقراطي الحاكم، وأدّى إلى بروز خلافات شديدة في داخله وفي مؤسسات الدولة، كما أدى إلى مزيد من اللااستقرار الذي كان يتجه إليه المجتمع الأميركي، بسبب حالة اللايقين في الحياة السياسية أمام صعود ترامب من جديد، وتراجع شعبية بايدن جراء مواقفه في الحرب على غزة. وسواء فاز ترامب أم بايدن ستعرف الحياة السياسية تطورات كبيرة تزيد في تراجع الولايات المتحدة الأميركية في الساحة الدولية.

صنفان من المظلومين

أمّا المظلومون فقد انقسموا أمام هذه الظاهرة السننية إلى صنفين:

الصنف الأول: هم الذين انسجموا مع التحول السنني لـ”طوفان الأقصى”، وكانوا ممن صنعوه وأيّدوه وساروا فعليًا معه، وعلى رأسهم أبطال المقاومة والشعب الفلسطيني في غزة الذين أعدوا واستعدوا ووضعوا أنفسهم في المكان المناسب للالتقاء مع سنة الله في خلقه التي لا تتغير ولا تتبدل، فأعطوا الدليل الواضح البين بأنه يمكن قهر الجيش الإسرائيلي وإذلاله وإرباك دولة الكيان بأبسط الوسائل، حين يتم إعداد الإنسان المؤمن الذي لا يخشى الموت، وقد انتصروا في اثنتي عشرة معركة على الأقل إلى الآن، هي:

– نجحوا في العملية التاريخية يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي دوخت العالم، ولم يستوعب العدو حقيقتها إلى الآن، وباتت نموذجًا في الحروب تدرسها المعاهد العسكرية.

– نجحوا في المواجهة البرية، فأعجزوا جيش الاحتلال عن أن يحقق أي هدف، وأوقعوا القتل في جنوده وضباطه والتدمير لآلياته بما لم يرَه طيلة وجوده منذ بداية الاحتلال.

– نجحوا في إفساد خطة التهجير؛ بسبب ثبات أهل غزة، رغم المأساة التي تجاوزت كل حدود التحمل البشري.

– نجحوا في المحافظة على الأسرى وطريقة التعامل معهم وفق الأخلاق الإسلامية والقوانين الدولية، بما أفسد مخططات التشويه التي دحضها الأسرى الإسرائيليون أنفسهم، بعد إطلاق سراحهم في الهدنة التي تم التوصل إليها.

– نجحوا في إدارة المفاوضات وعدم التأثر بالضغوطات الإجرامية الإسرائيلية والأميركية وضغوطات بعض الدول العربية.

– نجحوا في المحافظة على وحدة صف الفصائل المشاركة في “الطوفان”، وفي إدارة الجبهة الداخلية في غزة.

– نجحوا في إدارة العلاقة وعدم التورط فيما يريده الإسرائيليون من صراع ـ يكون في صالحهم أثناء الحرب ـ مع الجهات الفلسطينية المتربصة والمتعاونة مع الدول العربية والغربية لتصفية المقاومة.

– نجحوا في إبطال مخططات الإسرائيليين والأميركيين لما بعد الحرب، ومحاولة تعويض الحكومة في غزة بالعشائر، وبعض العملاء الذين اشتغلت عليهم المخابرات الإسرائيلية ومخابرات السلطة الفلسطينية.

– نجحوا في المحافظة على العلاقة مع الأنظمة العربية وحكامها، رغم علمهم بالنيّات السيئة للعديد منهم، ومساهمة بعضهم في محاولات تصفية المقاومة نهائيًا.

– نجحوا في الأداء الإعلامي من خلال تدخلات “أبو عبيدة” الذي تحوّل إلى رمز عالمي، وعبر تدخلات مختلف المتحدثين الإعلاميين، وبواسطة المجهودات الكبيرة القائمة على مستوى الوسائط الاجتماعية للتأثير في الرأي العام العالمي.

– نجحوا في إدارة التحالفات مع محور المقاومة من الناحية العملياتية وفي المواقف والخطاب.

– نجحوا في العمل الدبلوماسي والاستفادة من التناقضات وصراعات المصالح وفي التعامل مع المواقف الدولية والقرارات الإيجابية أو المخففة.

شبهات المرجفين

وعن الشبهات التي يطرحها الضعفاء والمرجفون فإنها كلها مردودة، ومنها أربع شبهات أساسية:

– أما الخسائر البشرية، فهل يوجد احتلال في التاريخ لم يقتل بالجملة من يقاومونه، ففي الجزائر مثلا قَتل الاستعمار الفرنسي مليونًا ونصف المليون جزائري في سبع سنوات بمعدل أكثر من مائتي ألف كل سنة، وحين استقلت الجزائر بقيت تلك التضحيات تصنع شرف البلاد وأهلها بين الأمم عقودًا من الزمن، وكل أولئك الشهداء سيكونون شفعاء لأهلهم بحول الله، وسيعوّض اللهُ الجرحى ومن فقدوا ذويهم وأحباءهم وأملاكهم بالأجر الوفير يوم القيامة، وفي الدنيا حين تستقل فلسطين على نحو ما تقومه به وزارة المجاهدين في الجزائر إلى الآن لصالح المجاهدين والمعطوبين والأسر الثورية الذين يسمون: “ذوو الحقوق”.

– أما تدمير غزة كلية، فإن دولًا خرجت من الحروب لا يوجد فيها حجر قائم على حجر، فكان ذلك تحديًا لها لبلوغ نهضتها، مثل: ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، ولو أنفق العرب شيئًا زهيدًا من كنوز الأرض التي وهببها الله لهم، مما يبذرونه ويمنحونه للأجانب بسخاء، لبُنيت به بلدان، وليس مدينة غزة فقط، ولتم تعويض كل المتضررين. وإن أحجم الحكام فليتركوا الشعوب المسلمة تتكفل بالأشقاء الفلسطينيين، فهي قادرة على جمع ما يلزم لإعادة إعمار غزة وتعويض كل من تضرر. كما أن بقاء أهل غزة على أرضهم هو مجدهم. وحياة الشرف في الخيام فوق الأنقاض أدعى لاستمرار المقاومة، وأفضل من الحياة في مدن راقية تُبنى كرشوة للفلسطينيين لكي يتنازلوا عن قضيتهم ومقدساتهم، على نحو ما بات يروق لبعض الفلسطينيين الذين انخرطوا في مشاريع الاستسلام.

– وأما قولهم إن “طوفان الأقصى” أعطى ذريعة للإسرائيليين لاحتلال غزة من جديد، فإن المعركة لم تنتهِ بعد وغزة كانت في وضع لا فرق بينه وبين الاحتلال سِوى أن دولة الكيان تخففت من التزاماتها تجاه السكان كدولة احتلال وفق القانون الدولي، إذ جعلت العالم والدول العربية هم مَن ينفقون على احتياجات الغزيين بدلها.

– وأما قولهم؛ إن “طوفان الأقصى” سيُنهي سلطة حماس على غزة، فإن اليوم الموالي بعد الحرب لم يصل بعد، وحتى ولو حدث هذا فقد يكون في ذلك خيرٌ بأن تتخفف حماس من التزاماتها المعيشية تجاه السكان وتتفرغ كلية للمقاومة ضمن منطق حرب العصابات الشاملة في كل فلسطين، مع الأخذ بعين الاعتبار الدروس من الحرب القائمة من حيث بطولات المقاومة وإنجازاتها وخسائرها وتجاه من ساندها ووقف معها، وتجاه من خذلها، وتجاه من تآمر عليها وغدرَها.

الصنف الثاني من المظلومين

أما الصنف الثاني من المظلومين: فهم الذين وجدتهم هذه الحالة السننية الطوفانية وهم على هامش التاريخ، وبعضهم كره الله انبعاثهم، ومن ذلك:

بيّن طوفان الأقصى حقيقة تخاذل الأنظمة العربية والإسلامية وعمالة بعضها بدون أي قدرة على إخفاء ذلك، وسيزيد هذا التقاعس والخيانة في انهيار شرعية هؤلاء الحكام الذين لم ينجحوا أبدًا في توفير الكرامة لشعوبهم من ناحية الظروف المعيشية، أو على مستوى الحريات والديمقراطية، أو فيما يتعلق بهويتهم وانتمائهم ومقدساتهم.

ولا شك أن الانحصار الشعبي لهذه الأنظمة – الذي زاد مع “طوفان الأقصى” وهشاشة الجبهة الداخلية والاحتقان المتصاعد ضدهم – سيزيد في ضعفهم وعدم قدرتهم على الصمود أمام الأزمات المتوقعة في هذا العالم الذي يتسم بالاضطراب والتقلبات.

 

كما كشف “طوفان الأقصى” حالة الفراغ المجتمعي وغياب المؤسسات والمنظمات والقيادات القادرة على الضغط على السلطات الحاكمة لصالح القضية الفلسطينية أو لتعبئة الشعوب المحتقنة، خارج سقوف الأنظمة بما يتناسب مع التحول التاريخي الجاري في فلسطين. وسيُحدث ذلك ولا شك هزةً فكرية ووجدانية كبيرة، وستُطرح تساؤلات كبيرة عن جدوى السياسات والمناهج المهادنة والفاشلة التي اتبعتها الحركات الإحيائية من أجل الإصلاح والتغيير حين انتقلت من الدعوة إلى السياسة، وكذلك عن عدم قدرتها ـ في المجمل ـ على المساهمة الفاعلة في مجهودات تحرير فلسطين ونهضة الأمة وأوطانها. وستكون هذه الحالة، بادرة حضارية تفرز أفكارًا وتوجهات وأنماطًا قيادية جديدة لصالح فلسطين وقومة المسلمين.

وفي المحصلة، إن “طوفان الأقصى” رسم مرحلة جديدة صار فيها الكيان الصهيوني مكشوفًا عالميًا، وبات النفاق الأميركي بيّن لا يمكن إخفاؤه، كما ساهم في تغيّر الموازين الدولية نحو التعددية القطبية الدولية التي ستمنح هوامش معتبرة للمسلمين، وزاد انكشاف عجز الأنظمة العربية، وزاد في تعميق لا شرعيتها وفضح بشكل جلي تآمر بعضها على القضية الفلسطينية

 

رفع “طوفان الأقصى” كذلك من قيمة المقاومة والجهاد والاستشهاد والتضحيات الجسام في الأمة كسبب لمجدها وعزها، وصنع من سكان غزة بمجاهديها وسكانها الأبطال الأشاوس نموذجًا عمليًا لذلك، ونبّه إلى أن وحدة الأمة بكل طوائفها ومذاهبها واتجاهاتها إنما هو حول قضية مركزية أساسية هي القضية الفلسطينية، وفي ظل الجهاد والتضحيات من أجلها، وكشف بشكل بين ما من شأنه أن يُنهي الجدال حول المناهج السياسية داخل حركات الإحياء الإسلامي بأن مهادنة الأنظمة الفاشلة والظالمة سبب في إدامة الاحتلال الصهيوني وديمومة تخلف الأوطان، وأعطى الفرص الكبيرة لظهور أفكار ومناهج ومنظومات قيادية أفضل لتحقيق النهضة والاستئناف الحضاري.

 

د. عبد الرزاق مقري

إن محاولة الكُبّار إدماج أصحاب الأفكار والمشاريع في منظوماتهم التسلطية دون أفكارهم ومشاريعهم قديمة كقدم الإسلام، فذلك الذي أراده زعماء دار الندوة في مكة حين عرضوا على رسول الله الملك على أن يترك ما كان يدعوهم إليه من الهداية فرفض عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وواصل طريق مقاومة قريش وأحلافها  وإعداد العدة التي أُمر بها إلى أن صادفته السنن الغلابة فغلب بها.

وهي محاولة قديمة في الجزائر كذلك، منذ عهد الاستعمار  وتوجهاته العنصرية من خلال برلمان “الأنديجين” الجزائريين إلى أن قضت الثورة على عبث الفرنسيين.

من يعتقد من الإسلاميين الذين يشتغلون في هذا الزمن في البلدان التي تتاح فيها هوامش العمل السياسي بأن انتقال الفكرة الإسلامية إلى الدولة لتحقيق نهضة الأوطان والاستئناف الحضاري للأمة يكون بسخاء من الأنظمة في العالم العربي فهو واهم. إن هؤلاء الحكام حينما يفسحون المجال للمساحات المحدودة من العمل السياسي إنما يريدون إدماج بعض إطارات التيار الإسلامي في منظومتهم لتسخير النزهاء منهم كتقنوقراط مفيدين لتحريك قطاعات محددة بعيدا عن السلطة، أو لإفساد ضعاف النفوس منهم ليكونوا معاول لتدمير الفكرة والمشروع، أما الفكرة الإسلامية فإن لهم تجاهها عقد مركبة لا يسمحون لها بالعبور أبدا، وتتمثل عقدهم فيما يلي:

⁃ هم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة قوية وحاضرة بعمق في المجتمعات الإسلامية وأن من يحملها – كائنا من كان – مؤهل للوصول إلى الحكم وإحداث التغيير وهم متشبثون بالسلطة ومتعها وغوايتها فلا يقبلون أي فكرة تنافس على الحكم، سواء كانت إسلامية أو غيرها.

⁃ هؤلاء الحكام لهم تكوين علماني – سواء أعلنوا ذلك أم أخفوه – ولهم حساسية مفرطة من وجود الإسلام في الساحة السياسية، ويظهر ذلك بوضوح في تصرفاتهم وخطابهم وفي تحرشاتهم بالمتدينين الذين يؤمنون بالدور الحضاري للإسلام.

⁃ ليست لهم ثقافة إسلامية وليست لهم معارف كافية للدور الحضاري للإسلام، كما أنهم ليست لهم معرفة كافية بتاريخ الحضارة الغربية وتطورات علاقاتها بالدين، وأبعاد ذلك، ورغم هذا الجهل المركب والفراغ المعرفي الكبير  هم مستكبرون، كحال العائل المستكبر –  ليست لهم قابلية للاستفادة من غيرهم.

⁃ كثير منهم فاسدون ويستغلون السلطة لصالح عائلاتهم وعصبهم وشبكاتهم على حساب أوطانهم، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة جادة أساس وجودها مُدَافَعة الفساد وتحقيق المصلحة العامة، فلذلك لا يتقبلون – هم وعصبهم – من يسعى لتطهير البلدان من الفساد بصدق وفاعلية، وهم في هذا كحال من قال: ((وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون))سورة الأعراف آية:٨٢

⁃ كثير منهم يخضعون للإرادة الخارجية، مهما كانت أساليبهم المخادعة للشعوب في هذا الشأن، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة سيادية لا تقبل المساومة لصالح الأجانب من أجل الكرسي على حساب المصالح الحقيقية للبلاد والعباد.

⁃ هم على العموم أنظمة فاشلة، لم تنجح في تحقيق التنمية وتطور الأوطان، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية قادرة على تحقيق نهضة البلدان  وهي الشرط الأساسي للاستئناف الحضاري للأمة الإسلامية حين يحملها قادة جادون وأكفاء ونزهاء يمشون في التاريخ على نحو ما بينه علماء التاريخ والعمران والحضارة من المسلمين وغير المسلمين، ولذلك هم يعتقدون بأن الفكرة الإسلامية إذا وصلت للحكم سيطول وجودها فيه بسبب نجاحها وخدمة الناس، فلا يمكن أن تُعطى لها الفرصة. وهم في هذا متحالفون مع قوى الاستعمار المعادية بالأصالة لعودة الإسلام للحكم بخلفيات تاريخيّة وحضارية ومصلحية.

لكل هذا، لا يتوقع أن تمنح الأنظمة الحاكمة في بلادنا للإسلاميين الفرصة ليكونوا شركاء في الحكم بالكلام المعسول والمنمق والمدح لشخوصهم والوعود الواهمة، فقد جربنا هذا الطريق ورأينا آثاره المدمرة، ولم نتعاف إلا بعد أن تجنبناه، وأسوء ما في الأمر حين يتسلل الخوف أو الطمع أو الفساد للقادة، أو يدفعهم ضعفُهم وعدمُ الثقة في أنفسهم ليكونوا ألعوبة في يد الحكام.

إن ما يريده الحكام أن يأخذ بعضُ الإسلاميين بعضَ المناصب كأشخاصٍ ليندمجوا في منظومة  الحكم دون فكرتهم.

إنه لا توجد وسيلة لانتقال الفكرة إلى الحكم إلا بميزان قوة يسمح بذلك، فيقبل الحكام الشراكة أو التداول لأسباب مختلفة تتعلق في آخر المطاف بميزان القوة. فإن اشتغل الإسلاميون بالوصول إلى الحكم، واستعجلوا المناصب أكثر من اهتمامهم بصناعة ميزان قوة يجعلهم فعلا أقوياء وأقدر على خدمة فكرتهم وبلدهم ولو بعد حين – في إطار فهم تطورات السنن – فما هم في هذه الحالة إلا نخب تشتغل من أجل الجاه  أو الرياء أو المصلحة الخاصة، أو المجد الشخصي وقد دلت التجربة بأن عاقبة هذا المسار مخزية.

ومن هذا المنطلق على القادة الإسلاميين الاندماجيين الجدد أن يصارحوا أنفسهم ومناضليهم ومجتمعاتهم: ماذا يريدون؟ الفكرة أم السلطة ولو على حساب الفكرة؟ إذا كانوا يريدون الفكرة فعليهم بالصبر والإعداد وطول النفس فإن دور الفكرة سيأتي حتما، فإن لم يحدث ذلك في وقتهم فلا يفسدوا على من يأتي بعدهم،  وأمارات النجاح التي خضناها في تجربتنا التي لم تكتمل بعد في السنوات العشر الماضية في حركة مجتمع السلم بالجزائر تدل على ذلك. فإن استعجلوا وأرادوا السلطة فعليهم أن يعلنوا بأنهم تركوا الفكرة والمشروع وأن أحزابهم صارت تجمعات مصالح تتنافس على السلطة ضمن منظومة الحكم السائدة مثلما هي أغلب الأحزاب، ولا حرج عليهم في ذلك، فهناك أحزاب وطنية محافظة فيها قادة متدينون كأشخاص ولكن همهم السلطة ولا يعملون للفكرة والمشروع الإسلامي، وهؤلاء أقرب إلى النجاة مع الله، إذ لم يخادعوه سبحانه، وأكثر مصداقية عند الناس إذ هم واضحون في توجهاتهم. إنما الذي تكون عاقبته وخيمة الذي يخدع الفكرة التي يدّعي حملها، حدث ذلك بشكل مدهش في الجزائر وخارج الجزائر، فما اتعس من يكرر التجارب الفاشلة.

د. عبد الرزاق مقري

كثير من الحديث في العالم الإسلامي، وخصوصًا العربي، يقال عن الرد الإيراني على العدوان الصهيوني على قنصليتها في سوريا بين من يؤيده ويعتبره بطولة وشجاعة وقوة وندية وانخراطًا حقيقيًا في دعم غزة ومسيرة التحرير، وأن الرد محدود عن قصد وقد حقق أهدافه في بناء التوازن وإظهار إيران كقوة إقليمية قادرة على الوصول إلى المناطق الإسرائيلية في الأرض المحتلة، وأن تهديداتها للأميركان أجبرت هؤلاء على عدم موافقة حليفها الصهيوني على ضرب إيران.

وبين متهم ومشكك بأن الرد مسرحية تم حبكها مع الأميركان والصهاينة؛ لصرف النظر عن جرائم الاحتلال في غزة، وإعادة ترميم خسائرها على مستوى الرأي العام العالمي، وأنه رد ضعيف لم يُصب الإسرائيليين بأي أذى، وأن كل الذي حققه هو إعادة بناء التحالف الغربي لدعم الكيان دون حرج من ردود أفعال القوى الرسمية والشعبية في البلاد الغربية وغيرها التي كانت تعارض ذلك، وشل الديناميكية الرسمية التي تشكلت لصالح فلسطين في بعض الدول في العالم، ومنها دول أوروبية، وعلى مستوى المنظمات الدولية.

 

كما أن إيران بهذا الرد تريد إلغاء الريادة الفلسطينية في مواجهة الصهاينة التي أخذتها باستحقاق في “طوفان الأقصى”، وأنها في المحصلة تخدم مشروعها المذهبي و/القومي في المنطقة لا أكثر، وأنها تستغل القضية الفلسطينية دون أن تقدم الدعم الكافي في المعركة القائمة، وأن تصرفها معزول لم يسنده حلفاؤها الدوليون، وقد تكون العاقبة عليها وخيمة.

 

تباين وتشتت

إن هذا التباين الواسع في الآراء يدل على أن الأمة الإسلامية مشتتة وغير موحدة حول مشروع واحد لنهضتها العامة، وتحرير فلسطين واستنهاضها الحضاري، وفرض وجودها في مواجهة المشروع الصهيوني الغربي الذي يستهدفها، ويمكن أن نرد على أقوال المهللين للرد الإيراني والمشككين فيه بميزان العدل، على النحو التالي:

– من حق أي دولة أن ترد على أي دولة أخرى أو كيان ينتهك سيادتها بشكل مباشر في أراضيها أو في تمثِيلياتها الدبلوماسية الرسمية من سفارات وقنصليات وغيرها خارج أراضيها، ولا أحد يستطيع أن يدين إيران على ما قامت به، بل إن القانون الدولي يتيح لها ذلك.

– لا تستطيع إيران ألا ترد ولو لم ترد لبقيت سمعتها في الحضيض ولكان رد فعلها مناقضًا لخطابها وتهديداتها للكيان وللسّقف المرتفع في إظهار قوتها لشعبها وللرأي العام.

– القول؛ إن الرد حقق أهدافه أو لم يحققها مسألة نسبية، وإن ما يبين ذلك النتائج السياسية وليست الميدانية في هذه المواجهة المحدودة، والتقييم سابق لأوانه قبل رؤية رد الفعل الصهيوني، ومدى قدرة إيران على تصعيد ضرباتها عندئذ، وحجم الأضرار المتبادلة على المستوى العسكري والدبلوماسي، وعلى مستوى الجبهة الداخلية في الطرفين.

– في حالة عدم الرد الإسرائيلي على الضربات الإيرانية بالأمس، تكون كفة الإنجاز لصالح إيران رغم محدودية الضرر الذي أصاب الكيان؛ من حيث إنها أظهرت للعالم فعليًا بأنها قوة إقليمية تستطيع أن تدافع عن نفسها، وأن تصل إلى أي بلد في المنطقة دون أن تخشى أي ردّ فعل ضدها.

– القول؛ إنّ الرد ضعيف لم يصب الكيان بأي أذى، صحيحٌ، وهو أمر لا شك مخيب للأمل لكثير من الفلسطينيين ولِمناصري القضية الفلسطينية والمتعاطفين والغاضبين مما أصاب أهلنا في غزة، ولا ندري هل هو فعل عسكري ضعيف فعلًا، أم هي خيارات إستراتيجية إيرانية تتعلق بإعادة الاعتبار ولِعدم الرغبة في توسيع المواجهة، ولا ندري ما هي طبيعة وحجم التنسيق مع المقاومة الفلسطينية لكي تبقى مركزية المواجهة في فلسطين؟، والمرجح أنه خيار إستراتيجي مرحلي.

القول؛ إن إيران لها القدرة على التأثير في القرار الأميركي؛ لعدم انخراطها في المواجهة ضدها إلى الجانب الإسرائيلي، يمثل نصف الحقيقة؛ إذ إنّ أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، ودولًا أوروبية أخرى انخرطت في صد الهجوم الإيراني، واعتراض الصواريخ الإيرانية وطائراتها المسيرة، ولكن في مقابل ذلك، أعلنت عدم مشاركتها في الهجوم على إيران؛ لأنها تعلم فعلًا أن إيران تستطيع إلحاق ضرر كبير بقواعدها العسكرية وبوارجها في المنطقة، ومن جهة أخرى لا ترغب أميركا في توسيع الحرب والدخول في مواجهة عسكرية في الظروف الانتخابية القائمة في أميركا، ولأن ذلك سيكون في صالح أعدائها ومنافسيها الدوليين الروس والصينيين.

– القول؛ إن دخول إيران في المواجهة المباشرة يضر بـ “طوفان الأقصى” وإنجازات المقاومة وبِالتعاطف الكبير في الرأي العام العالمي الذي تشكّل لصالح أهل غزة والقضية الفلسطينية، وأنه يخدم نتنياهو والجيش الإسرائيلي العالق في غزة، قولٌ فيه كثير من الصدقية، خصوصًا في المرحلة الراهنة التي يلفظ فيها العدوان أنفاسه الأخيرة سواء على المستوى الأمني والعسكري وعلى مستوى جبهته الداخلية أو في الرأي العام العالمي. ولكن هذا قدر مقدور لا ندري كيف ستكون آثاره الأخيرة على مصير معركة “طوفان الأقصى”، والأصوب والله أعلم لو كان الرد موضعيًا لهدف محدد داخل فلسطين المحتلة.

– الجزم بأن ما يحدث سيناريو محبوك بالتنسيق بين الإسرائيليين والإيرانيين؛ لإنقاذ نتنياهو من ورطته ولضرب المشروع السني المتمحور حول المقاومة الفلسطينية، قولٌ سخيف مبني على الظنون والأوهام والبعد الطائفي “وكرد فعل عاطفي مفهوم كذلك على المظالم التي لحقت بكثير من السنة في العراق وسوريا من قبل إيران وحلفائها”، دون إدراك طبيعة المواجهة بين المشروع الإيراني الشيعي والمشروع الصهيوني.

استدراج وتمنيات

– ولكن في نفس الوقت يمكن الجزم بأن نتنياهو نجح في استدراج إيران للدخول في المعركة؛ لكسر الحصار الذي يشتد حوله في الحكومة وعلى مستوى الشارع الإسرائيلي، وعلى المستوى الدولي، وما سيلي من ردود أفعال متبادلة ومستوى المواجهة ونتائجها، هو الذي سيحدد من الرابح والخاسر.

– لا شك أن ثمة في العالم العربي والإسلامي من يتمنى أن تؤدي هذه المواجهة إلى تدمير إيران ولو كان ذلك لصالح إسرائيل، وضد التوازن الدولي لصالح الغرب، بل هناك من سينخرط في المعركة ضدها إراديًا أو بتكليف من أميركا، وقد يتشكل تحالف غربي تنخرط فيه بعض الدول الإسلامية والعربية ضد إيران إذا اتسعت المواجهة، ولكن سيكون مع إيرانَ، الصينُ وروسيا والعديد من الدول المعادية للهيمنة الأميركية، غير أن دعم هذه الدول سيقتصر على المستوى الدبلوماسي والإعلامي، وربما توريد السلاح، وفي كل الأحوال وبالنظر لأسباب قيام الحروب الكبرى في التاريخ، وخصوصًا الحربين العالميتين: الأولى والثانية، يمكننا أن نقول؛ إننا على أعتاب حرب عالمية، ولكن المانع الأساسي لوقوع هذه الحرب في المرحلة الراهنة، هو عدم رغبة الأميركيين فيها؛ لعدم الاستعداد لها، خصوصًا على مستوى الداخل الأميركي، وخوفًا من عدم القدرة على الحسم السريع على نحو ما يقع في الحرب الأوكرانية، ومن التورط في حالة استنزاف تكون في مصلحة الصين وروسيا.

– القول؛ إن إيران صاحبة مشروع مذهبي أو قومي، وإنها تخدم مشروعها ومصالحها باستعمال القضية الفلسطينية قولٌ سخيف كذلك، إذ لا يوجد عيب في أن يكون لأي دولة مشروع قومي يقوم على الدين أو على المذهب، ولكن العيب في ظلم وعدوانية المشروع على الغير. وإن أكبر مشروع عدواني يقوم على استعمال البعد الديني والثقافي والحضاري هو المشروع الصهيوني الغربي.

ريادة ومصداقية

– وإذا كان المشروع القومي و/أو المذهبي الإيراني يقوم على التقاطع مع كفاح الفلسطينيين؛ لتحرير فلسطين فمرحبًا به. وإنما العيب كل العيب هو على الدول العربية التي لا تملك أي مشروع سوى مشروع السلطة ومتعها ومصالحها الشخصية والعائلية والتي لم تحقق إنجازًا ذا بال لا لشعوبها ولا للقضية الفلسطينية، والتي بَانَ ضعف ومهانة بعضها، وتآمر البعض الآخر في “طوفان الأقصى”.

وفي الأخير؛ أذكر بما كتبته في العديد من المقالات والمحاضرات وأدرجته في بعض كتبي ونبهت به مسؤولين كبارًا في دول عربية على أعلى مستوى، وذكرته لقيادة حماس ومنهم أبو العبد هنية بأن تقاعس الدول السنية العربية وغير العربية في دعم المقاومة – سواء بسبب العداء السياسي والمصلحي والأيديولوجي، أو بسبب الخوف على العروش من أميركا و/ أو إسرائيل، أو الطمع في أخذ القوة ودوام الملك منها، أو بسبب السذاجة والضعف وقلة الفهم والإدراك للمعطيات الدولية بشأن التسويات السلمية ووهْم حل الدولتين ” الذي بات أمرًا مستحيل التحقق من داخل الكيان بما يشبه الإجماع لديهم” – سيضع أهل السنة ضد السياقات السننيّة وحركة التاريخ، وسيجعل إيران في مدار المسار التاريخي السليم المؤدي حتمًا إلى التحرير ونهاية الكيان.

 

إن عدم قيام الدول السنية بالواجب تجاه تحرير فلسطين، والتخلي عن المقاومة، سيجعلان هذه الأخيرة تتوافق حتميًا مع المشروع الإيراني سواء كان مشروعًا قوميًا أو مذهبيًا، ولا عيب عندئذ في ذلك لا على المقاومة الفلسطينية ولا على إيران، وإذا تحقق التحرير من قبل هذا المحور المقاوم أو تحققت إنجازات كبيرة في طريق ذلك فستوضع إيران في المخيال الإسلامي والعربي في موقع الريادة والمصداقية والقدوة، وسيكون لها أنصار أكثر فأكثر في البلاد الإسلامية، وسيتيح لها ذلك التمدد داخل بعض البلاد العربية.

 

وسنجد أنفسنا في حروب طائفية مدمرة للأمة لا نهاية لها تغذيها الدول الغربية، إذ لن تستطيع إيران حسمها نهائيًا لصالحها؛ بسبب كونها أقلية لا تستطيع ابتلاع الجسم السني الكبير، كما لا تستطيع الدول العربية والإسلامية السنية الحسم لصالحها؛ بسبب تفرقها وفقدان سيادتها وتبعية بعضها للإرادة الخارجية، ولكن ستصمد بعض دولها القوية في مواجهة المشروع الإيراني.

 

السيناريو الأسوأ

وفي المحصلة ستكون معركة طائفية طويلة المدى تبعد الأمة عن نهوضها الحضاري، وهو السيناريو الأسوأ الذي يجب اجتنابه، ولا يكون اجتنابه أبدًا بالعداء الطائفي، ولكن يكون ذلك بالقومة السنية وتحقيق نهضة العالم السني، والتحرر من الاستبداد والتبعية للمخططات الخارجية، وبالدعم التام للمقاومة، وبالتحالف الإسلامي السني الشيعي؛ من أجل تحرير فلسطين والاستئناف الحضاري للأمة كلها، بكل أعراقها وطوائفها.

وبداية ذلك، هو شعور الحكام بأن مصلحتهم كحكام ومصلحة دولهم ومصلحة شعوبهم في هذه الرؤية التي نصفها هنا، وتحدثنا عنها مرات عديدة قبل الطوفان، وأن المشروع الصهيوني الغربي لن يكون وفيًا لهم أبدًا، ولن يكون رحيمًا بهم، وأنه لن يسمح لهم بتحقيق أي نجاح أثناء حكمهم؛ لأنه يستهدف دولهم، ويسعى لإضعاف وتحطيم بلدانهم وتقسيمها من خلالهم؛ حتى لا تكون قوية وسيدة بعد التغيير الحتمي القادم جراء فشلهم وفسادهم وظلمهم.

 

وسيبقى يضحي بهم ويستبدلهم بعد استخدامهم في كل مرة بحكام آخرين؛ لأنه يعلم أن ثورة الشعوب ضدهم حتمية، وقد تحققت هذه السيناريوهات عدة مرات، وآخرها في الربيع العربي، حيث تم التخلي عن كل الحكام العرب في تلك المرحلة وأُتِي بحكام آخرين أكثر تبعية من السابقين.

 

والإيمان بضرورة نهضة السنة وتحقيق التوازن السني الشيعي ووحدة الهدف والتصور في القضية الفلسطينية، يجب أن تكون حالة شعبية تشتغل من أجلها مختلف الجماعات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الشعبية والشخصيات والنخب؛ لتفويت الفرصة على الحكام في عالم السنة الذين يريدون استدامة بقائهم بفزاعة إيران، ولمنع التجنيد الإيراني للطوائف الشيعية في البلاد السنية ومتعددة الطوائف؛ لضرب وحدة بلدانهم وإضعافها بالمشاريع الطائفية العدائية، والتركيز على التغيير والإصلاح بالطرق السلمية لصالح بلدانهم، ونشر روح الوحدة الإسلامية، وجعل القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للجميع.

 

ويمكننا القول اليوم بعد “طوفان الأقصى”؛ إن رؤية وحدة الهدف والتصور تجاه القضية الفلسطينية باتت أمرًا مقنعًا أكثر من أي وقت مضى، من حيث ظهور السبيل المؤدي إلى نهاية الكيان اليهودي بأيديهم وأيدي المؤمنين.

 

لقد بات كثير من المفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين يصرحون بدون تحفظ بأن دولتهم ستسقط من الداخل بأيدي الإسرائيليين أنفسهم، ويعدّون نتنياهو المعول الأساسي لتدمير دولتهم، وأن النهاية ستكون على يده وعلى أيدي حلفائه، وما يقوله هؤلاء هو تكرار لأحداث تاريخ اليهود المتكررة عبر الأزمنة، وهو ما تؤكده القاعدة القرآنية التي حددها الله تعالى في قوله سبحانه: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين).

 

ولئن لم تكن هذه الأبعاد السننية التاريخية القرآنية غير واضحة قبل سنوات فقد باتت حقائق واقعية ملموسة بشهادة الخبراء، خصوصًا بعد “طوفان الأقصى”. وبدل الاصطفاف وراء المشروع الصهيوني الغربي ضد إيران في المواجهة التي اندلعت بينها وبين الكيان، على الدول الإسلامية أن تنخرط في المعركة لصالح إيران والمقاومة الفلسطينية، ولا يطلب منها بالضرورة أن يكون تدخلها عسكريًا، فلو قررت إنهاء التطبيع فقط وشرعت في إغاثة الشعب الفلسطيني وإدخال المساعدات ودعم المقاومة، وإطلاق إرادة الشعوب للعمل من أجل ذلك، وتقديم السند الدبلوماسي لصالح إيران، لكان ذلك كافيًا، قبل الدخول في رؤية القومة السنية الشاملة التي تحدثنا عنها في مناسبات عديدة سابقة.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية