إن محاولة الكُبّار إدماج أصحاب الأفكار والمشاريع في منظوماتهم التسلطية دون أفكارهم ومشاريعهم قديمة كقدم الإسلام، فذلك الذي أراده زعماء دار الندوة في مكة حين عرضوا على رسول الله الملك على أن يترك ما كان يدعوهم إليه من الهداية فرفض عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وواصل طريق مقاومة قريش وأحلافها وإعداد العدة التي أُمر بها إلى أن صادفته السنن الغلابة فغلب بها.
وهي محاولة قديمة في الجزائر كذلك، منذ عهد الاستعمار وتوجهاته العنصرية من خلال برلمان “الأنديجين” الجزائريين إلى أن قضت الثورة على عبث الفرنسيين.
من يعتقد من الإسلاميين الذين يشتغلون في هذا الزمن في البلدان التي تتاح فيها هوامش العمل السياسي بأن انتقال الفكرة الإسلامية إلى الدولة لتحقيق نهضة الأوطان والاستئناف الحضاري للأمة يكون بسخاء من الأنظمة في العالم العربي فهو واهم. إن هؤلاء الحكام حينما يفسحون المجال للمساحات المحدودة من العمل السياسي إنما يريدون إدماج بعض إطارات التيار الإسلامي في منظومتهم لتسخير النزهاء منهم كتقنوقراط مفيدين لتحريك قطاعات محددة بعيدا عن السلطة، أو لإفساد ضعاف النفوس منهم ليكونوا معاول لتدمير الفكرة والمشروع، أما الفكرة الإسلامية فإن لهم تجاهها عقد مركبة لا يسمحون لها بالعبور أبدا، وتتمثل عقدهم فيما يلي:
⁃ هم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة قوية وحاضرة بعمق في المجتمعات الإسلامية وأن من يحملها – كائنا من كان – مؤهل للوصول إلى الحكم وإحداث التغيير وهم متشبثون بالسلطة ومتعها وغوايتها فلا يقبلون أي فكرة تنافس على الحكم، سواء كانت إسلامية أو غيرها.
⁃ هؤلاء الحكام لهم تكوين علماني – سواء أعلنوا ذلك أم أخفوه – ولهم حساسية مفرطة من وجود الإسلام في الساحة السياسية، ويظهر ذلك بوضوح في تصرفاتهم وخطابهم وفي تحرشاتهم بالمتدينين الذين يؤمنون بالدور الحضاري للإسلام.
⁃ ليست لهم ثقافة إسلامية وليست لهم معارف كافية للدور الحضاري للإسلام، كما أنهم ليست لهم معرفة كافية بتاريخ الحضارة الغربية وتطورات علاقاتها بالدين، وأبعاد ذلك، ورغم هذا الجهل المركب والفراغ المعرفي الكبير هم مستكبرون، كحال العائل المستكبر – ليست لهم قابلية للاستفادة من غيرهم.
⁃ كثير منهم فاسدون ويستغلون السلطة لصالح عائلاتهم وعصبهم وشبكاتهم على حساب أوطانهم، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة جادة أساس وجودها مُدَافَعة الفساد وتحقيق المصلحة العامة، فلذلك لا يتقبلون – هم وعصبهم – من يسعى لتطهير البلدان من الفساد بصدق وفاعلية، وهم في هذا كحال من قال: ((وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون))سورة الأعراف آية:٨٢
⁃ كثير منهم يخضعون للإرادة الخارجية، مهما كانت أساليبهم المخادعة للشعوب في هذا الشأن، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية فكرة سيادية لا تقبل المساومة لصالح الأجانب من أجل الكرسي على حساب المصالح الحقيقية للبلاد والعباد.
⁃ هم على العموم أنظمة فاشلة، لم تنجح في تحقيق التنمية وتطور الأوطان، وهم يعلمون بأن الفكرة الإسلامية قادرة على تحقيق نهضة البلدان وهي الشرط الأساسي للاستئناف الحضاري للأمة الإسلامية حين يحملها قادة جادون وأكفاء ونزهاء يمشون في التاريخ على نحو ما بينه علماء التاريخ والعمران والحضارة من المسلمين وغير المسلمين، ولذلك هم يعتقدون بأن الفكرة الإسلامية إذا وصلت للحكم سيطول وجودها فيه بسبب نجاحها وخدمة الناس، فلا يمكن أن تُعطى لها الفرصة. وهم في هذا متحالفون مع قوى الاستعمار المعادية بالأصالة لعودة الإسلام للحكم بخلفيات تاريخيّة وحضارية ومصلحية.
لكل هذا، لا يتوقع أن تمنح الأنظمة الحاكمة في بلادنا للإسلاميين الفرصة ليكونوا شركاء في الحكم بالكلام المعسول والمنمق والمدح لشخوصهم والوعود الواهمة، فقد جربنا هذا الطريق ورأينا آثاره المدمرة، ولم نتعاف إلا بعد أن تجنبناه، وأسوء ما في الأمر حين يتسلل الخوف أو الطمع أو الفساد للقادة، أو يدفعهم ضعفُهم وعدمُ الثقة في أنفسهم ليكونوا ألعوبة في يد الحكام.
إن ما يريده الحكام أن يأخذ بعضُ الإسلاميين بعضَ المناصب كأشخاصٍ ليندمجوا في منظومة الحكم دون فكرتهم.
إنه لا توجد وسيلة لانتقال الفكرة إلى الحكم إلا بميزان قوة يسمح بذلك، فيقبل الحكام الشراكة أو التداول لأسباب مختلفة تتعلق في آخر المطاف بميزان القوة. فإن اشتغل الإسلاميون بالوصول إلى الحكم، واستعجلوا المناصب أكثر من اهتمامهم بصناعة ميزان قوة يجعلهم فعلا أقوياء وأقدر على خدمة فكرتهم وبلدهم ولو بعد حين – في إطار فهم تطورات السنن – فما هم في هذه الحالة إلا نخب تشتغل من أجل الجاه أو الرياء أو المصلحة الخاصة، أو المجد الشخصي وقد دلت التجربة بأن عاقبة هذا المسار مخزية.
ومن هذا المنطلق على القادة الإسلاميين الاندماجيين الجدد أن يصارحوا أنفسهم ومناضليهم ومجتمعاتهم: ماذا يريدون؟ الفكرة أم السلطة ولو على حساب الفكرة؟ إذا كانوا يريدون الفكرة فعليهم بالصبر والإعداد وطول النفس فإن دور الفكرة سيأتي حتما، فإن لم يحدث ذلك في وقتهم فلا يفسدوا على من يأتي بعدهم، وأمارات النجاح التي خضناها في تجربتنا التي لم تكتمل بعد في السنوات العشر الماضية في حركة مجتمع السلم بالجزائر تدل على ذلك. فإن استعجلوا وأرادوا السلطة فعليهم أن يعلنوا بأنهم تركوا الفكرة والمشروع وأن أحزابهم صارت تجمعات مصالح تتنافس على السلطة ضمن منظومة الحكم السائدة مثلما هي أغلب الأحزاب، ولا حرج عليهم في ذلك، فهناك أحزاب وطنية محافظة فيها قادة متدينون كأشخاص ولكن همهم السلطة ولا يعملون للفكرة والمشروع الإسلامي، وهؤلاء أقرب إلى النجاة مع الله، إذ لم يخادعوه سبحانه، وأكثر مصداقية عند الناس إذ هم واضحون في توجهاتهم. إنما الذي تكون عاقبته وخيمة الذي يخدع الفكرة التي يدّعي حملها، حدث ذلك بشكل مدهش في الجزائر وخارج الجزائر، فما اتعس من يكرر التجارب الفاشلة.
د. عبد الرزاق مقري
كثير من الحديث في العالم الإسلامي، وخصوصًا العربي، يقال عن الرد الإيراني على العدوان الصهيوني على قنصليتها في سوريا بين من يؤيده ويعتبره بطولة وشجاعة وقوة وندية وانخراطًا حقيقيًا في دعم غزة ومسيرة التحرير، وأن الرد محدود عن قصد وقد حقق أهدافه في بناء التوازن وإظهار إيران كقوة إقليمية قادرة على الوصول إلى المناطق الإسرائيلية في الأرض المحتلة، وأن تهديداتها للأميركان أجبرت هؤلاء على عدم موافقة حليفها الصهيوني على ضرب إيران.
وبين متهم ومشكك بأن الرد مسرحية تم حبكها مع الأميركان والصهاينة؛ لصرف النظر عن جرائم الاحتلال في غزة، وإعادة ترميم خسائرها على مستوى الرأي العام العالمي، وأنه رد ضعيف لم يُصب الإسرائيليين بأي أذى، وأن كل الذي حققه هو إعادة بناء التحالف الغربي لدعم الكيان دون حرج من ردود أفعال القوى الرسمية والشعبية في البلاد الغربية وغيرها التي كانت تعارض ذلك، وشل الديناميكية الرسمية التي تشكلت لصالح فلسطين في بعض الدول في العالم، ومنها دول أوروبية، وعلى مستوى المنظمات الدولية.
كما أن إيران بهذا الرد تريد إلغاء الريادة الفلسطينية في مواجهة الصهاينة التي أخذتها باستحقاق في “طوفان الأقصى”، وأنها في المحصلة تخدم مشروعها المذهبي و/القومي في المنطقة لا أكثر، وأنها تستغل القضية الفلسطينية دون أن تقدم الدعم الكافي في المعركة القائمة، وأن تصرفها معزول لم يسنده حلفاؤها الدوليون، وقد تكون العاقبة عليها وخيمة.
تباين وتشتت
إن هذا التباين الواسع في الآراء يدل على أن الأمة الإسلامية مشتتة وغير موحدة حول مشروع واحد لنهضتها العامة، وتحرير فلسطين واستنهاضها الحضاري، وفرض وجودها في مواجهة المشروع الصهيوني الغربي الذي يستهدفها، ويمكن أن نرد على أقوال المهللين للرد الإيراني والمشككين فيه بميزان العدل، على النحو التالي:
– من حق أي دولة أن ترد على أي دولة أخرى أو كيان ينتهك سيادتها بشكل مباشر في أراضيها أو في تمثِيلياتها الدبلوماسية الرسمية من سفارات وقنصليات وغيرها خارج أراضيها، ولا أحد يستطيع أن يدين إيران على ما قامت به، بل إن القانون الدولي يتيح لها ذلك.
– لا تستطيع إيران ألا ترد ولو لم ترد لبقيت سمعتها في الحضيض ولكان رد فعلها مناقضًا لخطابها وتهديداتها للكيان وللسّقف المرتفع في إظهار قوتها لشعبها وللرأي العام.
– القول؛ إن الرد حقق أهدافه أو لم يحققها مسألة نسبية، وإن ما يبين ذلك النتائج السياسية وليست الميدانية في هذه المواجهة المحدودة، والتقييم سابق لأوانه قبل رؤية رد الفعل الصهيوني، ومدى قدرة إيران على تصعيد ضرباتها عندئذ، وحجم الأضرار المتبادلة على المستوى العسكري والدبلوماسي، وعلى مستوى الجبهة الداخلية في الطرفين.
– في حالة عدم الرد الإسرائيلي على الضربات الإيرانية بالأمس، تكون كفة الإنجاز لصالح إيران رغم محدودية الضرر الذي أصاب الكيان؛ من حيث إنها أظهرت للعالم فعليًا بأنها قوة إقليمية تستطيع أن تدافع عن نفسها، وأن تصل إلى أي بلد في المنطقة دون أن تخشى أي ردّ فعل ضدها.
– القول؛ إنّ الرد ضعيف لم يصب الكيان بأي أذى، صحيحٌ، وهو أمر لا شك مخيب للأمل لكثير من الفلسطينيين ولِمناصري القضية الفلسطينية والمتعاطفين والغاضبين مما أصاب أهلنا في غزة، ولا ندري هل هو فعل عسكري ضعيف فعلًا، أم هي خيارات إستراتيجية إيرانية تتعلق بإعادة الاعتبار ولِعدم الرغبة في توسيع المواجهة، ولا ندري ما هي طبيعة وحجم التنسيق مع المقاومة الفلسطينية لكي تبقى مركزية المواجهة في فلسطين؟، والمرجح أنه خيار إستراتيجي مرحلي.
– القول؛ إن إيران لها القدرة على التأثير في القرار الأميركي؛ لعدم انخراطها في المواجهة ضدها إلى الجانب الإسرائيلي، يمثل نصف الحقيقة؛ إذ إنّ أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، ودولًا أوروبية أخرى انخرطت في صد الهجوم الإيراني، واعتراض الصواريخ الإيرانية وطائراتها المسيرة، ولكن في مقابل ذلك، أعلنت عدم مشاركتها في الهجوم على إيران؛ لأنها تعلم فعلًا أن إيران تستطيع إلحاق ضرر كبير بقواعدها العسكرية وبوارجها في المنطقة، ومن جهة أخرى لا ترغب أميركا في توسيع الحرب والدخول في مواجهة عسكرية في الظروف الانتخابية القائمة في أميركا، ولأن ذلك سيكون في صالح أعدائها ومنافسيها الدوليين الروس والصينيين.
– القول؛ إن دخول إيران في المواجهة المباشرة يضر بـ “طوفان الأقصى” وإنجازات المقاومة وبِالتعاطف الكبير في الرأي العام العالمي الذي تشكّل لصالح أهل غزة والقضية الفلسطينية، وأنه يخدم نتنياهو والجيش الإسرائيلي العالق في غزة، قولٌ فيه كثير من الصدقية، خصوصًا في المرحلة الراهنة التي يلفظ فيها العدوان أنفاسه الأخيرة سواء على المستوى الأمني والعسكري وعلى مستوى جبهته الداخلية أو في الرأي العام العالمي. ولكن هذا قدر مقدور لا ندري كيف ستكون آثاره الأخيرة على مصير معركة “طوفان الأقصى”، والأصوب والله أعلم لو كان الرد موضعيًا لهدف محدد داخل فلسطين المحتلة.
– الجزم بأن ما يحدث سيناريو محبوك بالتنسيق بين الإسرائيليين والإيرانيين؛ لإنقاذ نتنياهو من ورطته ولضرب المشروع السني المتمحور حول المقاومة الفلسطينية، قولٌ سخيف مبني على الظنون والأوهام والبعد الطائفي “وكرد فعل عاطفي مفهوم كذلك على المظالم التي لحقت بكثير من السنة في العراق وسوريا من قبل إيران وحلفائها”، دون إدراك طبيعة المواجهة بين المشروع الإيراني الشيعي والمشروع الصهيوني.
استدراج وتمنيات
– ولكن في نفس الوقت يمكن الجزم بأن نتنياهو نجح في استدراج إيران للدخول في المعركة؛ لكسر الحصار الذي يشتد حوله في الحكومة وعلى مستوى الشارع الإسرائيلي، وعلى المستوى الدولي، وما سيلي من ردود أفعال متبادلة ومستوى المواجهة ونتائجها، هو الذي سيحدد من الرابح والخاسر.
– لا شك أن ثمة في العالم العربي والإسلامي من يتمنى أن تؤدي هذه المواجهة إلى تدمير إيران ولو كان ذلك لصالح إسرائيل، وضد التوازن الدولي لصالح الغرب، بل هناك من سينخرط في المعركة ضدها إراديًا أو بتكليف من أميركا، وقد يتشكل تحالف غربي تنخرط فيه بعض الدول الإسلامية والعربية ضد إيران إذا اتسعت المواجهة، ولكن سيكون مع إيرانَ، الصينُ وروسيا والعديد من الدول المعادية للهيمنة الأميركية، غير أن دعم هذه الدول سيقتصر على المستوى الدبلوماسي والإعلامي، وربما توريد السلاح، وفي كل الأحوال وبالنظر لأسباب قيام الحروب الكبرى في التاريخ، وخصوصًا الحربين العالميتين: الأولى والثانية، يمكننا أن نقول؛ إننا على أعتاب حرب عالمية، ولكن المانع الأساسي لوقوع هذه الحرب في المرحلة الراهنة، هو عدم رغبة الأميركيين فيها؛ لعدم الاستعداد لها، خصوصًا على مستوى الداخل الأميركي، وخوفًا من عدم القدرة على الحسم السريع على نحو ما يقع في الحرب الأوكرانية، ومن التورط في حالة استنزاف تكون في مصلحة الصين وروسيا.
– القول؛ إن إيران صاحبة مشروع مذهبي أو قومي، وإنها تخدم مشروعها ومصالحها باستعمال القضية الفلسطينية قولٌ سخيف كذلك، إذ لا يوجد عيب في أن يكون لأي دولة مشروع قومي يقوم على الدين أو على المذهب، ولكن العيب في ظلم وعدوانية المشروع على الغير. وإن أكبر مشروع عدواني يقوم على استعمال البعد الديني والثقافي والحضاري هو المشروع الصهيوني الغربي.
ريادة ومصداقية
– وإذا كان المشروع القومي و/أو المذهبي الإيراني يقوم على التقاطع مع كفاح الفلسطينيين؛ لتحرير فلسطين فمرحبًا به. وإنما العيب كل العيب هو على الدول العربية التي لا تملك أي مشروع سوى مشروع السلطة ومتعها ومصالحها الشخصية والعائلية والتي لم تحقق إنجازًا ذا بال لا لشعوبها ولا للقضية الفلسطينية، والتي بَانَ ضعف ومهانة بعضها، وتآمر البعض الآخر في “طوفان الأقصى”.
وفي الأخير؛ أذكر بما كتبته في العديد من المقالات والمحاضرات وأدرجته في بعض كتبي ونبهت به مسؤولين كبارًا في دول عربية على أعلى مستوى، وذكرته لقيادة حماس ومنهم أبو العبد هنية بأن تقاعس الدول السنية العربية وغير العربية في دعم المقاومة – سواء بسبب العداء السياسي والمصلحي والأيديولوجي، أو بسبب الخوف على العروش من أميركا و/ أو إسرائيل، أو الطمع في أخذ القوة ودوام الملك منها، أو بسبب السذاجة والضعف وقلة الفهم والإدراك للمعطيات الدولية بشأن التسويات السلمية ووهْم حل الدولتين ” الذي بات أمرًا مستحيل التحقق من داخل الكيان بما يشبه الإجماع لديهم” – سيضع أهل السنة ضد السياقات السننيّة وحركة التاريخ، وسيجعل إيران في مدار المسار التاريخي السليم المؤدي حتمًا إلى التحرير ونهاية الكيان.
إن عدم قيام الدول السنية بالواجب تجاه تحرير فلسطين، والتخلي عن المقاومة، سيجعلان هذه الأخيرة تتوافق حتميًا مع المشروع الإيراني سواء كان مشروعًا قوميًا أو مذهبيًا، ولا عيب عندئذ في ذلك لا على المقاومة الفلسطينية ولا على إيران، وإذا تحقق التحرير من قبل هذا المحور المقاوم أو تحققت إنجازات كبيرة في طريق ذلك فستوضع إيران في المخيال الإسلامي والعربي في موقع الريادة والمصداقية والقدوة، وسيكون لها أنصار أكثر فأكثر في البلاد الإسلامية، وسيتيح لها ذلك التمدد داخل بعض البلاد العربية.
وسنجد أنفسنا في حروب طائفية مدمرة للأمة لا نهاية لها تغذيها الدول الغربية، إذ لن تستطيع إيران حسمها نهائيًا لصالحها؛ بسبب كونها أقلية لا تستطيع ابتلاع الجسم السني الكبير، كما لا تستطيع الدول العربية والإسلامية السنية الحسم لصالحها؛ بسبب تفرقها وفقدان سيادتها وتبعية بعضها للإرادة الخارجية، ولكن ستصمد بعض دولها القوية في مواجهة المشروع الإيراني.
السيناريو الأسوأ
وفي المحصلة ستكون معركة طائفية طويلة المدى تبعد الأمة عن نهوضها الحضاري، وهو السيناريو الأسوأ الذي يجب اجتنابه، ولا يكون اجتنابه أبدًا بالعداء الطائفي، ولكن يكون ذلك بالقومة السنية وتحقيق نهضة العالم السني، والتحرر من الاستبداد والتبعية للمخططات الخارجية، وبالدعم التام للمقاومة، وبالتحالف الإسلامي السني الشيعي؛ من أجل تحرير فلسطين والاستئناف الحضاري للأمة كلها، بكل أعراقها وطوائفها.
وبداية ذلك، هو شعور الحكام بأن مصلحتهم كحكام ومصلحة دولهم ومصلحة شعوبهم في هذه الرؤية التي نصفها هنا، وتحدثنا عنها مرات عديدة قبل الطوفان، وأن المشروع الصهيوني الغربي لن يكون وفيًا لهم أبدًا، ولن يكون رحيمًا بهم، وأنه لن يسمح لهم بتحقيق أي نجاح أثناء حكمهم؛ لأنه يستهدف دولهم، ويسعى لإضعاف وتحطيم بلدانهم وتقسيمها من خلالهم؛ حتى لا تكون قوية وسيدة بعد التغيير الحتمي القادم جراء فشلهم وفسادهم وظلمهم.
وسيبقى يضحي بهم ويستبدلهم بعد استخدامهم في كل مرة بحكام آخرين؛ لأنه يعلم أن ثورة الشعوب ضدهم حتمية، وقد تحققت هذه السيناريوهات عدة مرات، وآخرها في الربيع العربي، حيث تم التخلي عن كل الحكام العرب في تلك المرحلة وأُتِي بحكام آخرين أكثر تبعية من السابقين.
والإيمان بضرورة نهضة السنة وتحقيق التوازن السني الشيعي ووحدة الهدف والتصور في القضية الفلسطينية، يجب أن تكون حالة شعبية تشتغل من أجلها مختلف الجماعات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الشعبية والشخصيات والنخب؛ لتفويت الفرصة على الحكام في عالم السنة الذين يريدون استدامة بقائهم بفزاعة إيران، ولمنع التجنيد الإيراني للطوائف الشيعية في البلاد السنية ومتعددة الطوائف؛ لضرب وحدة بلدانهم وإضعافها بالمشاريع الطائفية العدائية، والتركيز على التغيير والإصلاح بالطرق السلمية لصالح بلدانهم، ونشر روح الوحدة الإسلامية، وجعل القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للجميع.
ويمكننا القول اليوم بعد “طوفان الأقصى”؛ إن رؤية وحدة الهدف والتصور تجاه القضية الفلسطينية باتت أمرًا مقنعًا أكثر من أي وقت مضى، من حيث ظهور السبيل المؤدي إلى نهاية الكيان اليهودي بأيديهم وأيدي المؤمنين.
لقد بات كثير من المفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين يصرحون بدون تحفظ بأن دولتهم ستسقط من الداخل بأيدي الإسرائيليين أنفسهم، ويعدّون نتنياهو المعول الأساسي لتدمير دولتهم، وأن النهاية ستكون على يده وعلى أيدي حلفائه، وما يقوله هؤلاء هو تكرار لأحداث تاريخ اليهود المتكررة عبر الأزمنة، وهو ما تؤكده القاعدة القرآنية التي حددها الله تعالى في قوله سبحانه: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين).
ولئن لم تكن هذه الأبعاد السننية التاريخية القرآنية غير واضحة قبل سنوات فقد باتت حقائق واقعية ملموسة بشهادة الخبراء، خصوصًا بعد “طوفان الأقصى”. وبدل الاصطفاف وراء المشروع الصهيوني الغربي ضد إيران في المواجهة التي اندلعت بينها وبين الكيان، على الدول الإسلامية أن تنخرط في المعركة لصالح إيران والمقاومة الفلسطينية، ولا يطلب منها بالضرورة أن يكون تدخلها عسكريًا، فلو قررت إنهاء التطبيع فقط وشرعت في إغاثة الشعب الفلسطيني وإدخال المساعدات ودعم المقاومة، وإطلاق إرادة الشعوب للعمل من أجل ذلك، وتقديم السند الدبلوماسي لصالح إيران، لكان ذلك كافيًا، قبل الدخول في رؤية القومة السنية الشاملة التي تحدثنا عنها في مناسبات عديدة سابقة.
د. عبد الرزاق مقري
يقول مالك بن نبي عن العام الذي ولد فيه: ” من ولد بالجزائر 1905 أتي في فترة يتصل فيها وعيُه بالماضي المتمثل في أواخر شهوده، وبالمستقبل المتمثل في أوائل صائغيه، فكان لي حين ولدت تلك السنة الحظَّ الممتاز الذي يتيح لي أن أقوم بدور الشاهد على تلك الحِقبة من الزمان“.
تعرض بن نبي كغيره من الجزائريين لآثار الظلم الاستعماري الذي حول سكان البلد المحتل إلى كتلة بشرية يقتلها الجهل والفقر والخمول والسلبية، بما وضعهم في نقيض الحضارة، ولكن كان رحمه الله من تلك الفئة الوطنية التي لم تخضع للمعامل الاستعماري، فجد منذ صغره واجتهد، متنقلا للدراسة في طفولته بين قسنطينة وتبسة، أين أخذ في الكتّاب حظه من حفظ القرآن وقواعد اللغة، وتعلم في المدرسة الابتدائية مبادئ اللغة والثقافة الفرنسية، ولكنّ الأثر الذي صقل شخصيتَه كان في قسنطينة عاصمة الحركة الإصلاحية التي انتقل إليها ليكمل دراسته الثانوية.
لقد شهد مالك بن نبي في شبابه التحولاتِ الكبيرةَ التي تلت نهايةَ المقاومة الشعبية المسلحة وبدايةَ حركةٍ سياسية ثقافية غيرِ منظمة ضد الإدماج تزعمها الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر، كما وقف على تفاصيل التحول إلى العمل الوطني المنظم، فتعلق كثيرا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين واعتبرها هي الحل العملي الذي يجسد التوجهات الإصلاحية النظرية الرائجة في بداية القرن العشرين.
انتقل في شبابه إلى فرنسا للتعليم الجامعي محاولا التخصص في ما يحبه ويتقنه في معهد الدراسات الشرقية، لكن الفرنسيين حرموه من ذلك، فدرس الهندسة الكهربائية فساهمت ثقافتُه المزدوجةُ ونشاطُه في الأوساط المغاربية وعلاقاتُه بالساحات الفلسفية الأوربية في بناء قدراته الفكرية الفذة. وحينما ظهر تميّزُه حاول المستشرق المشهور لويس ماسينيون إدماجه ضمن النخب الجزائرية المفرنسة التي يرعاها، فلما رفض ألحق به أذى كثيرا، وحين ظهرت قدراتُه على التأثير في النخب المستعمَرة المستسلمة للاستعمار لاحقه الأمن الفرنسي في قوته وحياته الشخصية حتى باتت أوضاعه شاقةً ومضطربةً، وقد نشر عمر المسقاوي ـ أحد مترجمي كتبه ـ وثائق من الأرشيف الوطني الفرنسي في كتاب له بين فيه تفاصيل ملاحقة من قبل المخابرات الفرنسية.
شعر مالك بن نبي بأنه وحيدٌ في معركة الأفكار التي كان يخوضها ضد الاستعمار أثناء وجوده في فرنسا، ومما قاله في مذكراته: ” .. ما أثار حفيظتي أكثر فأكثر أنني كنت وحيدا ولم أر طالبا عربيا مسلما يخاطب هذا العالم من حوله بروح من التأمل” ومما قاله عن النخبة الجزائرية: “أنها يئست من مستقبل العروبة والإسلام في الجزائر بعد أن فشلت كل الثورات التي قام بها الجزائريون منذ قرن لإخراج الفرنسيين منها“.
لقد كانت نظرة مالك تجاه الأداء السياسي للأحزاب الجزائرية في الجزائر ناقدةً ومتشائمة حيث اعتبرها تتوسل الحقوق عند الفرنسيين دون أن تكون لها نظرةٌ شاملة في كيفية إنهاء الاستعمار من داخل النفوس وبالارتفاع إلى المستوى الحضاري الذي يجعله ينجلي من البلاد وتنجلي معه القابليةُ للاستعمار. وقد تسبب موقفه المعارض لمشاركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في المؤتمر الإسلامي عام 1936 إلى اضطراب علاقته مع بعض علماء الجمعية رغم تعلقه الشديد بها.
أمام خيبات الأمل وحالة العزلة التي كان يشعر بها لم يجد وسيلةً مؤثرة يساهم بها في محاربة الاستعمار وإدارته وأجهزته الأمنية والنخب الجزائرية الموالية له والنفوس الضعيفة المستسلمة أفضل من الفكر والكتابة والتأليف فتوالت مؤلفاته التي صنعت شخصيته، وقد حاول ـ وفق شهادة المجاهد رابح مشهود ـ أن يلتحق بالثوار في الجبل لكتابة تاريخ الثورة ولكن القيادة رفضت حفاظا عليه.
وكما هو حال المفكرين والعلماء الكبار لا تشتهر كل كتبهم بل يُعرفون ببعضها، وهي الكتب التي احتوت أفكارَهم الأساسية، ومن أهم الكتب التي عُرف بها مالك بن نبي كتاب ” الظاهرة القرآنية” الذي ألفه عام 1946 وكتاب “شروط النهضة” عام 1949 الذي قال عنه ماسينيون: “أما هذا الكتاب فخطر حقيقي على الاستعمار”، وكتاب “وجهة العالم الإسلامي” عام 1954، وكتاب “الفكرة الآفروآسيوية” عام 1956 ، وكتاب “مشكلة الثقافة” عام 1958، وكتاب “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” عام 1959. كتب بن نبي هذه الكتب ضمن سلسلة ” مشكلات الحضارة” باللغة الفرنسية. وباعتبار أن أفكاره كانت موجهة للعالم العربي والإسلامي فقد حرص على أن تترجم إلى اللغة العربية.
ولتعلقه بالعالم العربي والإسلامي وبسبب ملاحقات الاستعمار له هاجر إلى المشرق واختلط بالحركة الفكرية العربية وتأثر بها وأثر فيها، وهناك بدأ يشجع وينظّر لتحالفات الشرق في مواجهة الاستعمار الغربي فألف كتاب ” الفكرة الآفروآسيوية” عام 1956 وأهدى نسخة منها لجمال عبد الناصر وسافر إلى الصين حيت التقى ماو تسي تنغ، وكان من قبل قد التقى بغاندي في فرنسا. كما اهتم بالتفكير في تحقيق وحدة العالم الإسلامي على أسس عصرية فكتب كتاب “فكرة كمنويلث إسلامي”، وكان يؤمن كثيرا بأهمية تحالف العرب مع العالم الآسياوي.
عاد مالك بن نبي إلى الجزائر عام 1963 معتقدا بأنه سيجد البيئة التي يجسد فيها أفكاره من أجل صناعة نموذج عملي للنهضة في بلاده بالتعاون مع السلطات، فتولى بعض المناصب الحكومية في عهد بن بلة منها مستشار التعليم العالي ومدير جامعة الجزائر، ولكن اضطرته ضغوطات بعض التيارات المعادية لفكره الإسلامي أن يستقيل عام 1967. وتأكد لديه ما كان دائما يؤمن به بأن المشكلة الأساسية التي تمنع النهضة والاستنهاض الحضاري هي مشكلة الأفكار فحول كل نضاله إلى نشر أفكاره في أوساط الشباب عبر الندوات التي كان ينظمها في بيته وفي الجامعات والمنتديات، كما ألف عدة كتب في تلك المرحلة تتعلق بالموضوع منها على الخصوص كتاب ” مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” عام 1970 ، وكتاب “من أجل التغيير” وهو عبارة عن مقالات كتبها في الستينات قيّم فيها الفرص التي ضيعتها البلاد التي نالت استقلالها بسبب شلل الأفكار.
لم يشعر مالك بن نبي بالراحة ولم ينل الترحيب اللازم بمنجزاته في حياته في بلده، وفي 31 أكتوبر 1973 عن عمر يناهز 68 عاما، توفي رحمه وهو يحمل هموما كثيرة، غير أن الله سبحانه أنصفه فانتشر فكره بعد مماته في كل أصقاع الدنيا وترجمت كتبه إلى العديد من اللغات، فبلغ بها مقام العلماء الكبار الذين تميزوا في الدراسات التاريخية والاجتماعية و أسباب سقوط ونهوض الأمم، أمثال ابن خلدون وتوينبي وديورانت وغيرهم، واعتمدتها العديد من الجامعات واستفادت منها قصص نجاح كبيرة في ماليزيا وتركيا وغيرها.
لقد استشرف كيف يكون مصيره ومصير أفكاره في كتابه ” شروط النهضة” حين قال في الأنشودة الرمزية التي افتتح بها الكتاب حيث قال: “وها هم أؤلاء قد جملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة” وحين قال ” ابذر يا أخي الزارع من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك، في الخطوط التي تتناءى عنك .. في عمق المستقبل“.
د. عبد الرزاق مقري
Malik Bennabi, que Dieu lui fasse miséricorde, souligne l’importance du point à partir duquel l’histoire commence la construction d’une civilisation, et il considère que l’une des conditions de la renaissance est que l’homme reconnaisse ce moment historique et en fasse le début du changement fondamentale dans l’histoire, de sa propre vie, de sa nation et de la condition humaine en générale. C’est ce genre d’événements qui permet à la Oumma de sortir du complexe d’infériorité et d’avancer vers l’histoire.
Il est certain que le déluge d’Al-Aqsa constitue un de ces moments décisifs dans notre histoire en tant que Oumma islamique, et spécifiquement dans l’histoire de la question palestinienne, comme il aura un impact majeur sur le changement du monde.
Il faut bien souligner qu’avant le déluge la situation de la nation islamique, et de la question palestinienne en particulier, étaient à un stade critique, nous pouvons dire sans hésitation que « Tou changement radicale sera dans notre intérêt », notamment après toutes les tentatives de réformes politiques et sociales sans issues, pour rendre nos pays développés où les gens prospérèrent dans un environnement de justice, de liberté, et de dignité humaine.
La question palestinienne, elle même, était en situation de stagnation et de blocage dans ses différents dossiers:
⁃ La perpetualité du siège de Gaza avec tout le lot de souffrance qui s’en suit.
⁃ les brigades d’Al-Aqsa se sont transformées en armée de Gaza seulement, et ce du moment qu’il n’y’avait pas de possibilité de libérer un autre centimètre de la terre de Palestine.
⁃ l’expansion des colonies dans la Cisjordanie avait mis fin à toute possibilité d’établir la prétendue solution à deux États.
⁃ La partition temporelle entre juifs et musulmans dans la mosquée Al-Aqsa s’était manifestement concrétisé, et le passage forcé vers la partition spatiale était en préparation, et le détruire plus tard, à Dieu ne plaise, en serait la conséquence si le marasme Arabe et musulman allait continuer.
⁃ Les Palestiniens à l’intérieur de la Ligne Verte vivaient et vivent toujours dans une sorte d’apartheid sous le régime coloniale sioniste.
⁃ Et enfin le rythme de la normalisation et de l’abandon collectif arabe de la question palestinienne était dans son extrême accélération, notamment avec la normalisation qui était imminente avec l’Arabie Saoudite, et qui serait suivie en cas de sa concrétisation par la normalisation de tout les pays du monde musulman .
Face à toutes ces graves dérives, restait-il quelque chose qui nous fasse craindre les conséquences d’une escalade de la résistance ?
Le déluge d’Al-Aqsa est une situation sunnanite qui profite à la Palestine, à la Oumma islamique et à l’humanité.
Si nous énumérons les gains stratégiques que le déluge d’Al-Aqsa a obtenus jusqu’à présent, nous serons certains que le déluge d’Al-Aqsa était un fait sunnainite béni qui s’est produit par la bienveillance d’Allah.
Le déluge d’Al-aqsa est un de ces fait historique et cosmiques qui dépasse la capacité de perception des humains qu’Allah initie lorsque l’injustice s’impose sur la Terre et que l’échelle des valeurs se bouleverse, le bien se transforme en mal et Le mal en bien, et ce, afin de punir les oppresseurs et mettre sous épreuve les opprimés.
Quant aux oppresseurs, Dieu Tout-Puissant les a déjà punis par le déluge d’Al-Aqsa, avant la fin de la bataille, et il les a mis dans une tourmente qu’ils n’avaient jamais connu auparavant, notamment :
– La profonde déstabilisation du récit erroné utilisé pour la création et le maintien de l’état sioniste et l’attention particulièrement manifestée dans le monde qui en a découlé, notamment en occident au profit des juifs , et l’amalgame fabriqué de toute pièce entre les juifs et l’état d’Israel.
– L’image de l’entité israélienne s’est beaucoup détériorée dans l’opinion publique internationale, passant d’une entité offerte à un peuple opprimé soumis au génocide dans le passé et aujourd’hui assiégé par ses voisins arabes, à une entité injuste et criminelle poursuivie par la Cour internationale de la justice, et dans la conscience humaine pour ses crimes génocidaires , et boudé par de nombreux pays, dont certains sont des gouvernements occidentaux.
– L’éveil d’une grande partie de la population des pays occidentaux, en particulier de la jeunesse, concernant l’hypocrisie de leurs dirigeants et la grande tromperie dont ils ont été victimes dans leur compréhension du monde sous l’influence des médias contrôlés par les lobbies sionistes, et ceux qui les soutiennent.
– La chute du mythe de la supériorité des renseignements israéliens le jour du 7 octobre, et l’humiliation de l’armée sioniste, que l’on croyait invincible, à cause de son incapacité totale à atteindre aucun des objectifs déclarés dans sa guerre contre Gaza et les civiles palestiniens, dont la majorité des victimes sont des enfants et des femmes.
– L’approfondissement du déchirement de la société israélienne et des contradictions de sa classe politique, comme si nous voyons devant nous la concrétisation de la parole d’Allah Tout-Puissant dans le Coran à propos des enfants d’Israël : « Vous pensez qu’ils sont tous unis, alors que leurs cœurs sont divers», et même La Maison Blanche s’est inscrite dans la ligne de ces divergences pour tenter de faire pencher la balance en faveur du mouvement laïc proche d’elle qui a fondé l’État sioniste après le désaccord croissant avec Netanyahu et ses alliés du mouvement religieux gouvernemental.
– Le retour du discours sur la prétendue solution à deux États sur la scène internationale après qu’elle ait été presque complètement enfouie sous la terre, une solution qui n’a jamais abouti à travers les longues années du processus des négociations.
– la déstabilisation des nouvelles priorités stratégiques internationales des américains de faire baisser leur présence au moyens orient afin de faire face essentiellement à la Chine, croyant que la region allait se stabiliser définitivement pour L’intérêt d’Israel par le processus accéléré de la normalisation, notamment avec l’Arabie saoudite.
– Le déluge d’Al-Aqsa a créé un grand éveil des conscience populaire aux États-Unis d’Amérique, ce qui a créé une pression sur le Parti démocrate au pouvoir et a conduit à l’émergence de graves désaccords au sein de celui-ci et dans les institutions de l’État. – La société américaine était déjà en train de se diriger vers l’incertitude dans la vie politique avec la montée de Trump et le déluge a entraîné une forte baisse de la popularité de Biden en raison de ses positions dans la guerre contre Gaza. Et de toute façons que ce soit Trump qui gagne ou Biden, la vie politique connaîtra des développements majeurs qui accentueront le perte de vitesse des États-Unis d’Amérique sur la scène internationale.
Les opprimés.
Quant aux opprimés, ils se divisent en deux groupes face à ce phénomène sunnainite :
– 1 – Le premier groupe est constitué de ceux qui étaient en harmonie avec ce grand événement historique, ceux qui étaient responsable de son déclenchement, et ceux qui l’ont soutenu et à leur tête se trouvent les héros de la résistance Palestinienne qui se sont bien préparés, et se sont mis à l’endroit approprié de l’histoire et des fait sunnanique dont les règles ne changent jamais.
Le déluge d’Al-Aqsa a montré comment l’armée israélienne peut être humiliée vaincue et désorientée par les moyens des plus simples en comparaison avec ses moyens gigantesques lorsque c’est les hommes de la foie qui font face à l’ennemi , ceux là qui ne craignent pas la mort et qui prennent au sérieux la préparation de la confrontation.
Les héros de la résistance palestinienne sont déjà victorieux dans au moins douze batailles jusqu’à présent, avant la fin de la guerre:
– Ils ont réussi l’opération historique du 7 octobre, qui a stupéfié le monde, et qui laissée l’ennemi abasourdi ne comprenant pas ce qui lui est arrivé.
– Ils ont réussi dans l’affrontement terrestre, rendant l’armée d’occupation incapable d’atteindre aucun objectif, tuant ses soldats et officiers et détruisant ses véhicules de guerres de la façon jamais vue au cours de toute son existence depuis l’occupation.
– Ils ont réussi à faire échouer le plan de déplacement massif de la population grâce à la fermeté des Gazaouis à rester dans leur patrie malgré la tragédie qui a dépassé toutes les limites de l’endurance humaine.
– Ils ont réussi à préserver les prisonniers et à les traiter conformément à la morale islamique et aux lois internationales, ruinant ainsi les plans qui œuvraient à salir les résistants et qui ont été réfutés par les prisonniers israéliens eux-mêmes après leur libération dans le cadre de la trêve conclue.
– Ils ont réussi à gérer les négociations et à ne pas être affectés par les pressions criminelles israéliennes et américaines et par les pressions de certains pays arabes.
– Ils ont réussi à maintenir l’unité des factions participant au déluge et à gérer le front intérieur à Gaza.
– Ils ont réussi à gérer les relations avec les parties palestiniennes qui se cachent et coopèrent avec les pays arabes et occidentaux pour liquider la résistance et à ne pas s’impliquer dans le conflit avec eux, tant souhaité par les Israéliens.
– Ils ont réussi à annuler les plans d’après-guerre des Israéliens et des Américains qui tentaient de remplacer le gouvernement de Gaza avec des chefs de tribus et certains éléments employés par les renseignements israéliens et ceux de l’Autorité palestinienne.
– Ils ont réussi à maintenir les relations avec les régimes arabes et leurs dirigeants malgré leur connaissance des mauvaises intentions de nombre d’entre eux et la contribution de certains d’entre eux aux tentatives de liquidation définitive de la résistance.
– Ils ont réussi leur performance médiatique grâce aux interventions d’Abu Ubaida, devenu une icône mondiale, et grâce aux interventions de divers porte-parole palestiniens dans les médias et grâce aux grands efforts déployés au niveau des réseaux sociaux pour informer l’opinion publique mondiale de la réalité du terrain et des événements.
– Ils ont réussi à gérer les alliances avec l’axe de la résistance en termes d’opérations, de positions et de discours.
– ls ont réussi leur travail diplomatique, en tirant profit des contradictions et des conflits d’intérêts à l’échelle internationale , et en usant intelligemment les décisions des institutions internationales.
Quant aux doutes soulevés par les incapables et les mauvais intentionnés , ils sont tous rejetés, dont quatre soupçons fondamentaux, comme suit :
– Quant aux pertes humaines, existe-t-il une occupation dans l’histoire qui n’a pas massacré ceux qui lui résistaient ? En Algérie, par exemple, le colonialisme français a tué un million et demi d’Algériens en sept ans, au cours de la guerre de révolution entre 1954 et 1962, à raison de plus de deux cent mille chaque année pendant sept ans, et lorsque l’Algérie a obtenu son indépendance, ces sacrifices sont restés dans la mémoire des Algériens et entre les nations comme un honneur pour le pays et le tout peuple, et tous ced martyrs seront des intercesseurs pour leurs familles, si Dieu le veut, pour le Paradis, et les blessés et ceux qui ont perdu leurs familles, leurs proches et leurs biens seront récompensé tôt ou tard ici bas et à l’au delà inchallah.
– Quant à la destruction complète de Gaza, il y a des pays qui sont sortis de la guerre complètement détruits. Cepandant ils ont en fait un défi pour leur renaissance, tel que l’Allemagne, le Japon et la Corée du Sud. Et tout les peuples musulmans seront à côté des palestiniens si les gouvernants seront à la hauteur de la responsabilité vis à vis de nos frères soumis à l’injustice.
Les palestiniens sont bien conscient qu’une vie d’honneur dans des tentes au -dessus des décombres de leurs maisons est plus propice à la poursuite de la résistance et plus digne et meilleure que la vie dans des villes huppées construites pour faire égarer les Palestiniens afin qu’ils abandonnent leur cause sacré, tel que voulu par certains autres Palestiniens soumis et engagés dans les projets de reddition.
– Quant aux allégations qui prétendent que le déluge d’Al-Aqsa a donné aux Israéliens le prétexte pour occuper à nouveau Gaza, d’abord la bataille n’est pas encore terminée et puis Gaza se trouvait dans une situation de prison à ciel ouvert semblable à la colonisation, sans que les israéliens n’en paye le prix de subvenir aux besoins du peuple colonisé en tant que force d’occupation conformément au droit international.
– Quant à leur affirmation selon laquelle le déluge d’Al-Aqsa mettra fin à l’autorité du Hamas sur Gaza, le lendemain de la guerre n’est pas encore arrivée, et même si cela se produit, il pourrait être bénéfique pour la résistance en réduisant ses obligations de subsistance envers la population et en se consacrant entièrement à la résistance dans la logique d’une guérilla globale dans toute la Palestine, en tenant compte, bien entendu, des leçons de la guerre en cours.
– 2 – Quant au deuxième groupe d’opprimés, ce sont ceux qui se sont retrouvés en contradiction avec cet événement capital de l’histoire:
– Le déluge d’Al-Aqsa a démontré la réalité de l’impuissance des régimes dans le monde arabe et musulman et mis l’asservissement de certains d’entre eux en exergue, et cet échec et cette trahison vont accroître l’effondrement de la légitimité de ces dirigeants qui n’ont jamais réussi à assurer ni la dignité de leur peuple en termes de conditions de vie ou au niveau de la liberté et de la démocratie ni en ce qui concerne le droit palestiniens et La Défense d’Al-aqsa,lieu saint de l’islam.
Il ne fait aucun doute que l’isolement populaire de ces régimes, qui s’est accru avec le déluge d’Al-Aqsa, la fragilité du front intérieur et la montée des tensions à leur encontre, augmenteront leur faiblesse et leur incapacité à résister aux crises attendues dans ce monde caractérisé par l’incertitude et les tensions.
– Le déluge d’Al-Aqsa a également révélé l’état de vide sociétal et l’absence d’institutions, d’organisations et de leaders capables de faire pression sur les autorités en place en faveur de la cause palestinienne ou de mobiliser les peuples au delà des limites imposées par les régimes d’une façon proportionnée au changement historique qui est en cours en Palestine.
Tout Cela provoquera sans aucun doute un choc intellectuel et émotionnel majeur, et des questions pressantes seront soulevées quant à la faisabilité des politiques et approches de soumission à la tyrannie des gouvernants qui participe à l’étouffement des palestiniens ou qui les livrent à leur sort entre les mains des bourreaux sionistes et Américains.
Par les questions que le déluge posera à la Oumma, il constituera un élan civilisationnel qui produira de nouvelles idées, tendances et modèles de leadership au profit de la Palestine et de la nation musulmane.
En conclusion, le déluge d’Al-Aqsa a marqué une nouvelle phase dans laquelle le vrai visage haineux de l’entité sioniste a été exposée au grand jour, et l’hypocrisie américaine est devenue évidente. Il a également contribué à l’accélération de l’acheminement vers une situation nouvelle de multipolarité internationale, il a démontré une autre fois l’incapacité des régimes arabes et a exposé et approfondi leur illégitimité.
De toute évidence, le déluge a ravivé la valeur de la résistance, du jihad, du martyre et des grands sacrifices de la Oumma comme prix à payer pour la gloire et la dignité et la fierté, et a fait du peuple de Gaza, ses moudjahidines et ses habitants courageux et héroïques, un modèle pratique pour tout cela. Il a surtout souligné que l’unité de la Oumma dans toute sa diversité, se fait principalement autour d’une question centrale et fondamentale, qui n’est autre que la question palestinienne.
Le déluge à révélé de manière claire que les régimes défaillants et injustes sont une raison de la perpétuation de l’occupation sioniste et de l’éternisation du retard de nos pays , comme il ouvert de grandes opportunités pour l’émergence de meilleures idées, approches et systèmes de leadership pour parvenir à une renaissance de notre Oumma et de notre civilisation.
*Phénomènes sunnanites: Des principes et des lois et des règles systématisées par Allah le tout puissant pour gérer la vie des humains dans leurs sociétés pour leur bien et dont la connaissance et la rencontre par les hommes nécessite beaucoup de savoir et de guidance.
إن خسارة حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات المحلية التركية وأن يكون الحزب البديل حزبا علمانيا متشددا خسارة كبيرة للأمة، غير أني توقعت هذه الخسارة كمآل باتت شواهده واضحة، وذلك في كتابي الأخير “الحلقة المفقودة في التجربة التركية” الذي أمضيته في معرض الكتاب الدولي الأخير في الجزائر، والذي بيّنت فيه الثغرات التي يمكن أن تسبب نهاية ريادة التجربة الأردوغانية في تركيا على رأسها ثغرة غياب الفكرة الدينية في المشروع [وقد تحدثت عن ذلك من قبل في كتابي ” الدولة المدنية: رؤية إسلامية” عام 2013]، وكذلك خطأ الرؤية المتبعة في القضية الفلسطينية.
لا شك أن خسارة حزب العدالة والتنمية الانتخابات بعد نجاح غير منقطع منذ 22 عام حدث كبير في تركيا وفي خارجها، وثمة جملة من الدروس يمكن تسجيلها على السريع [ومن أراد التعمق فليرجع إلى كتاب الحلقة المفقودة] ومن ذلك ما يلي:
أولا – أن الديمقراطية التركية ديمقراطية حقيقية، يمكن أن يخسر فيها رهان رئيس الجمهورية وحزبه، وهي حالة غير موجودة عندنا في العالم العربي حيث لا يتصور مطلقا أن يحدث فيها تداول على السلطة.
ثانيا – أردوغان دخل التاريخ من بابه العالي قبل الانتخابات للإنجازات العظيمة التي قدمها لبلده، فخسارة حزبه الانتخابات تزيد في قيمته ولا تنقصها، فهو يخسر الانتخابات ويعترف بالخسارة بالرغم من أنه نقل بلده من حالة الإفلاس التي كانت عليها قبل مجيئه للحكم إلى بلد متطور وقوي ومزدهر وسيد ولاعب إقليمي أساسي يتعامل بالندية مع الدول العظمى وعلى رأسها أمريكا، وهي حالة معكوسة في بلداننا العربية، إذ رغم الفشل في تحقيق التنمية وصعوبات المعيشة وضعف التأثير الدولي وتبعية البعض عندنا يفرضُ الحكامُ أنفسَهم على الشعب بسياسات التحكم والخداع والتزوير والانقلابات.
ثالثا – بيَّنت نتيجة الانتخابات التركية بأن خدمة الناس وتحسين معيشتهم لا تكفي وحدها في الأمان الانتخابي، فيكفي أن ينقص شيء قليل من الرفاه لدى الناخب المرتبط بالحزب ماديا فقط فينقلب عليه. ولذلك فإن أي حزب يحتاج كتلة أيديولوجية تثبت معه في الأزمنة الشديدة خصوصا حين تكون النتائج متقاربة كما هو حال تركيا. وحزب العدالة والتنمية ذهب بعيدا في علمانيته وارتباطه بالإرث الكمالي ولم يُحدث تغييرا مهما في المجتمع في اتجاه ارتباط الناس بالفكرة الدينية التي هي أساس الحضارة كما يقول علماء التاريخ والحضارات من المسلمين مثل ابن خلدون وابن نبي ومن غير المسلمين مثل ديورانت وتوينبي وغيرهم وهذا الذي بينته في كتابي ما قبل الأخير “الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” وفي آخر برنامج رمضاني “شروط النهضة وتحدي العبور”.
رابعا – بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي تُعدّ القضية الفلسطينية سببا حاسما في النتائج من حيث أن جزء كبيرا من الناخبين المتدينين الأتراك لم يصوتوا على حزب العدالة والتنمية، واتهموه بالتقاعس في نصرة سكان غزة وبسبب ما تم ترويجه من أخبار عن السماح بنقل السلاح والسلع والبضائع لدولة الكيان في الوقت الذي يُباد فيه أهل غزة جماعيًا بالقصف والجوع، وقد استفاد حزب “الرفاه من جديد” الذي يرأسه محمد علي فاتح ابن نجم الدين أربكان رحمه الله من أصوات هؤلاء وفاجأ الجميع بحصوله على المرتبة الثالثة، ولو تحالف مع حزب العدالة والتنمية لحافظ هذا الأخير على الصدارة في العديد من البلديات، وقد صرح فاتح أربكان بأن القضية الفلسطينية هي سبب خسارة حزب العدالة والتنمية، وهذا ما أكدناه بتصريحنا “فلسطين خافضة رافعة”.
خامسا – يُعد فتور كثير من الناخبين العرب والمسلمين أصحاب الجنسية التركية من حيث التصويت وأصحاب الإقامات من حيث التجنيد الانتخابي في هذه الانتخابات سببا آخر للتراجع، وذلك للتضييق الشديد الذي باتوا يتعرضون إليه من قبل الأجهزة الحكومية في قضايا الإقامة والسكن واستقرار وضعهم القانوني وغير ذلك، خصوصا بعد تولي حزب الحركة القومية – حليف أردوغان – إدارة شؤون الهجرة. وهم رغم قلة عددهم كان لهم تأثير نسبي في الانتخابات السابقة بسبب حدية وتقارب الأرقام الانتخابية.
سادسا – إن حزب العدالة والتنمية يستطيع أن يعود إلى الصدارة إذا عدّل سياساته المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبِمكانة ” الفكرة الدينية” في مشروعه إذا كان مشروعُه حضاريا. وذلك من حيث الوجوب الشرعي والحتمية التاريخية، ومن حيث المصلحة السياسية التي ترتبط بوجود كتلة ثابتة متدينة من الأتراك تتوق إلى الرجعة الحضارية الإسلامية لتركيا ومُرتبطة بفلسطين ارتباطا عقائديا، علاوة على أن غريمه حزب الشعب وأعداءه اللدودين في الغرب ينافسونه على أساس ارتباطه تاريخيا بالفكرة الإسلامية حين كان تحت قيادة الزعيم الراحل نجم الدين أربكان، ولبعض الإنجازات التي حققها على مستوى البعد الديني، “كحرية ارتداء الحجاب”، و”فتح مسجد آيا صوفيا”، واحتضانه اللاجئين العرب، خصوصا السوريين، وكذلك بسبب التوجهات السيادية التي انتهجها.
سابعا – قد يعود حزب العدالة والتنمية للصدارة من جديد إذا استطاع أن يجذب إليه زخما شبابيا من الناخبين الذين لم يشهدوا الفرق بين مرحلة ما قبل أردوغان وبعده من حيث التطور الذي تحقق، وإذا جدد منظومته القيادية على أساس حضاري أولا ولم يعتمد على روابط المصالح والولاءات حصريا، في الحزب وفي الانتخابات التشريعية المقبلة، وإذا تم التوافق داخليا على شخصية محورية كارزمية تخلف أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، تستطيع هزيمة مرشح حزب الشعب أكرم إمام أوغلو الصاعد نجمه في تركيا.
ثامنا – إن أمان العودة الحضارية لتركيا في أحضان الأمة الإسلامية، وتجنب استقرار الحكم من جديد عند العلمانيين المتشددين المعارضين للانتماء الإسلامي لتركيا والمبغضين لتقارب تركيا مع العالم العربي، يكون حينما ينضبط الرأي العام التركي ويستقر في خياراته لصالح الأمة الإسلامية وقضاياها المقدسة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وقد يتجسد ذلك بالتداول الديمقراطي على السلطة بين الأحزاب التي تحمل فكرة الأمة، والتي تفضل التحالفات في إطار العالم العربي والإسلامي أولا. وبفعل الحتمية السننية لا يستطيع حزب واحد ضمان الريادة ضمن الخيار الديمقراطي، وعليه قد يكون صعود حزب الرفاه الجديد هو البديل المستقبلي.
ولا يكفي البعد السياسي وحده لضمان التوجه الحضاري الإسلامي التركي، بل لا بد من مشروع إصلاحي اجتماعي شامل تقوم به شخصيات علمية وفكرية وشبكة منظمات مجتمع مدني واسعة في مختلف المجالات التربوية والدعوية والاجتماعية والفنية والثقافية وغير ذلك، وذلك نسميه البعد الاستراتيجي في مجهودات الاستنهاض الحضاري، وذلك يتيح إصلاح الوضع الداخلي لحزب العدالة والتنمية ويعطي فرصًا كبيرة لمن يجتمع معهم في المشروع حتى وإن خالفوه سياسيا، وذلك نصحنا به الأتراك مرات عديدة.
د. عبد الرزاق مقري
كانت محاولة فرض العهدة الخامسة هي الشرارة التي أطلقت الحراك الشعبي، غير أن الشرارة لا يمكن أن تحدث انفجارا ما لم يكن ثمة تكديس لمواد قابلة لذلك، والذي جعل العهدة الخامسة تفجر الشارع هو ذلك الاحتقان الشديد الذي كان في المجتمع الجزائري، والذي عبرت عنه توترات شعبية عديدة في مختلف أنحاء الوطن قبيل الحراك، من أبرزها توترات خنشلة وخرّاطة.
إن الأسباب التي صنعت الاحتقان كثيرة أهمها الفساد المالي الذي بلغ احجاما فلكية غير مسبوقة صنعتها البحبوحة المالية التي نتجت عن الاستغلال المفرط للمواد النفطية الاحفورية وارتفاع أسعار البترول، وقد تحول الفساد إلى مؤسسة رسمية صنعت أولغاركية مدنية هي أقرب إلى الكليبتوكراسيا تحكمت في مؤسسات الدولة كلها، وجعلت مركز الحكم في الجزائر يتحول بالتدرج من الحكم العسكري إلى حكم المال.
لقد كانت الأرقام التي رُصدت للتنمية خيالية وكان الترويج لها من زبائن النظام والطبقات الانتهازية في الأحزاب والمجتمع المدني ولدى الشخصيات عظيما حتى يخيل لك أن الجزائر ستصبح دولة عظيمة من الدول الصاعدة، وكانت الأصوات التي تدين الفساد وتستشرف الانهيار تعدُّ راديكالية وخائنة للوطن. ولم تكن المؤسسات الرسمية والمجتمعية قادرة على تصحيح الوضع بسبب التزوير الانتخابي الذي أنتج مجالس منتخبة موالية لمن زورها، وجعل السلطة التنفيذية مهيمنة على كل السلطات، والقضاء تابعا يسير بتعليمات سادة الحكم الجدد المرفّهين، والمجتمع المدني مجرد شبكات انتهازية في غالبها، والمؤسسات الإعلامية أبواقا للبروباغندا في أكثرها.
غير أن انهيار أسعار النفط بين 2014 و 2016 فضحت الأوهام وكشفت السحر وعندما بدأت الأحوال المعيشية تتراجع بسبب التضخم وانهيار أسعار الدينار بدأت مطالب الانتقال الديمقراطي تتصاعد ومشاريع الإصلاح الدستوري ووقف التزوير الانتخابي وتجسيد الإرادة الشعبية وتحقيق الحرية الإعلامية والمجتمع المدني تتزاحم، وأخذت الحيوية السياسية والحزبية تتأكد فحقق ذلك كله وعيا شعبيا عاما عبر بقوة ووضوح عن الاحتقان الشديد في المجتمع حتى إذا ما جاءت محاولة فرض العهدة الخامسة تدفق السيل من كل حدب وصوب.
كانت المطالب الشعبية في الحراك سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية فلبث الناس بالملايين في الشارع لمدة أكثر من سنة إلى أن توقف لأسباب عديدة غير مباشرة وسبب مباشر ارتبط بوباء كورونا.
لم يحقق الحراك الإجماع بين النخب في كيفية تسييره ولم يتوافق النشطاء السياسيون المعارضون في كيفية استثماره وتوقيفه، واستطاع النظام السياسي الالتفاف عليه، كما هي عادته في فرص أخرى مشابهة، وأعاد بناء نفسه بنفس القواعد السابقة ورجع مركز السلطة حيث كان قبل ظهور طبقة الأوليغارشية المالية بل أشد من ذلك، ورغم الإشادات الرسمية الكبيرة ب”الحراك الشعبي المبارك” وإعطائه طابعا رسميا، رجعت الأمور إلى حالة ” ديمقراطية الواجهة” من خلال التزوير الانتخابي الذي عاد بأشكال جديدة في الانتخابات التشريعية والمحلية السابقتين، ورجع الفساد في مختلف المستويات والمجالات بدون أي قدرة على محاربته لذات الأسباب المذكورة أعلاه قبل الحراك، وتراجعت هوامش الحريات في الساحة الإعلامية والسياسية، ورجع تجريم المخالفين وتخوينهم والتضييق عليهم، وكدنا نسقط مبكرا في الاحتقان الاجتماعي الشعبي بسبب تراجع أسعار البترول قبل الحرب في أوكرانيا، ولما ارتفعت أسعار البترول بسبب الحرب رجعنا إلى السياسات الشعبوية والتسيير السياسي للاقتصاد بما يخدم الحكم والحكام والمواسم الانتخابية وليس الدولة والوطن ومواسم الهناء والرفاه للمواطنين، وأخذنا نضيع فرص التنمية من جديد ونُديم الصعوبات المعيشية لأعداد كبيرة من الجزائريين في الطبقة الوسطى، وفي الطبقات الهشة.
ومن أسوء المظاهر التي برزت ولم تكن حاضرة ما قبل الحراك هو التحكم المطلق في الطبقة السياسية وفي المجتمع وموت السياسة في بلادنا الذي يظهره ترهل الطبقة الحزبية والإعلامية وفي المجتمع المدني بما جعل الجميع لا يصدر سياسيا إلا وفق ما يرضي الحاكم أو على الأقل بما لا يغضبه، وهذا الذي نراه مثلا في عدم بروز جرأة في الطبقة السياسية على التقييم الموضوعي لنتائج الحراك الشعبي في ذكراه الخامسة، وهي حالة مخيفة إذ أن التوقف عن النهي عن المنكر وعن الصدع بالحق من إرهاصات موت المجتمعات وتوقف الإبداع وتنامي الرداءة والفساد ثم يكون بعد ذلك الاستبدال، أو الانفلات التام والعياذ بالله.
د. عبد الرزاق مقري
لم يكثر الحديث عن حل الدولتين كما هو الحال منذ طوفان الأقصى، وخصوصا بعد أن أعجزت المقاومة الباسلة وصمود أهل غزة قادة الاحتلال وجيشهم وحلفاءهم عن تحقيق أي هدف أعلنوا عنه منذ بداية العدوان.
لم ينفع نهج المفاوضات ولا مسيرة الاستسلام للإرادة الصهيونية الأمريكية الغربية في فرض حل الدولتين الذي حلم به مشروع أوسلو ودعا إليه الإجماع العربي في دورة 2002 للجامعة العربية، بل تخلت عنه حتى الدول العربية التي اصطفت في طابور التطبيع دون اشتراط هذا الحل.
ولكن ما إن فعلت المقاومة فعلتها في طوفان الأقصى بلغة الرصاص والجهاد والاستشهاد حتى أصبح العالم كله يلهث وراء هذا الحل ويخطط له بإجماع دولي غير مسبوق لما بعد الحرب القائمة.
فلم تكن الحجة بأنه لا حل مع الاحتلال سوى خيار السلاح قائمة كما هي اليوم على إثر نتائج طوفان الأقصى العظيمة.
فلست أدري ما الذي يقوله محمود عباس وحكام العرب والمنكرون للحل العسكري في الكفاح ضد الاحتلال الصهيوني؟ ما الذي يقوله هؤلاء، في أنفسهم وفي الحديث بينهم، وقد توجه إليهم العالم بأسره يطمئنهم بأن لا حل للقضية الفلسطينية سوى حل الدوليتين بعد طوفان الأقصى؟ ما الذي يقوله هؤلاء والذي جاءهم بهذه النتيجة حركة حماس وكتائبها القسامية وإخوانهم في الجهاد وليست السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني؟ إن النتائج التي تحققت عظيمة تاريخية من اليوم الأول للطوفان، وهي تتعاظم قبل أن تنتهي الحرب، وحين تنتهي الحرب سيكون النصر أعظم بإذن الله، ومن تلك النتائج الانقلاب في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وضد الكيان بما لو أُنفِقت في العلاقات الدولية من أجلها ملايير الدولارات وعبر سنوات لما تحقق ذلك، ومنه الصمود الأسطوري لأهلنا في غزة رغم البلاء العظيم الذي لا تطيقه الجبال الذي أفشل مخطط التهجير، ومنه إنجازات المقاومة التي أعطت صورة بيّنة كيف يمكن أن يُهزم الجيشُ الصهيوني رغم الفارق الشاسع في المقدرات العسكرية، وتلك حجة تاريخية على عساكر الدول العربية، ومنه تفكك المجتمع الإسرائيلي وتشقق بنيته السياسية والاجتماعية والعسكرية والمؤسسية وتهتك سمعته في العالم بأسره، ومنه رجوع القضية الفلسطينية في رأس سلم أولويات الشعوب العربية والإسلامية بعد أن شغلتها عنها قضاياها الداخلية ومسار خيبات الأمل الطويلة.
ومن تلك النتائج ما نحن بصدده وهو رجوع العالم بأسره إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ضمن خيار حل الدولتين. ولكن هل يمكن لحل الدولتين أن يتحقق؟ إن الجواب على السؤال بشكل واضح وبين: “لا!” .
ولا ننفي ذلك لأسباب عقدية وأيديولوجية فحسب ولكن لأن ذلك غير ممكن من عدة أوجه منها:
1 – لن يكون حل الدولتين الذي تريده أمريكا وجزء من الشارع السياسي الإسرائيلي حاليا وبعض الدول العربية هو حل الدولتين الذي جاء في القرار العربي الذي بادرت إليه المملكة العربية السعودية عن طريق الملك عبد الله والذي صار قرارا عربيا بالإجماع في دورة الجامعة العربية بلبنان عام 2002.
لن يقبل الحلُّ الذي تسوّق له أمريكا بأن يكون للفلسطينيين السيادة على القدس الشرقية وعلى المسجد الأقصى، ولن يقبلوا بحق العودة وسيحاولون قضم الأراضي الفلسطينية ضمن حدود 67 في الضفة الغربية، وسيعملون على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وعليه سيكون القرار فاقدا للشرعية على المستوى الرسمي العربي وسيبقى الجدال والنقاش مستمرا بما لا يجعل شيئا جديدا يتحقق يضمن دوام الأمن لإسرائيل – كما يحلمون – سوى بعض الاختراقات التطبيعية التي ستبقى – إن وقعت – ممجوجة مرفوضة من قبل الشعوب كما هي الآن.
2 – حتى هذا السيناريو لحل الدولتين لن تقبل به الأغلبية في الشارع الصهيوني ومؤسساته، فإرادة هؤلاء باتت واضحة وغير مخفية فهم يريدون تهجير الشعب الفلسطيني خارج فلسطين، من غزة ومن الضفة. هم كلهم أو أغلبهم يريدون ذلك في الضفة، ولكن قطاع غزة كان يمثل جزء من الحل بالنسبة إليهم ضمن مشروع صفقة القرن بأن تضاف للقطاع سيناء ويكون ذلك هو الوطن البديل، ولكن بعد الطوفان صارت أغلبية من الإسرائيليين يريدون إخراج أهل غزة من أرضهم لكي لا يجاوروهم مستقبلا أبدا. ولو حاولت الولايات الأمريكية المتحدة فرض هذا الحل، ولو مطورا بالشكل الذي ذكرناه أعلاه، ستجد مقاومة شديدة من اليمين واليمين المتطرف، وقد تقع فوضى كبيرة في الكيان أو ما يشبه الحرب الأهلية لو سار مع أمريكا الدولة العميقة العلمانية الإسرائيلية، فيخربون بيوتهم بأيديهم.
3 – لن تقبل المقاومة الفلسطينية هذا الحل، وحتى وإن قبلت جزء من حل الدولتين، كما تعاملت مع انسحاب الكيان من غزة عام 2005 وما بعده، كجزء من فلسطين تحرر على إثر طوفان الأقصى، فإنها لن تسلم سلاحها، ولن تعترف بإسرائيل، وهذا الذي لن تقبله السلطة الفلسطينية ولا الدول العربية، ولا بطبيعة الحال الكيان والولايات الأمريكية المتحدة، فلن يكون المجتمع الفلسطيني أبدا بلا سلاح، حتى وإن كان سلاحا بسيطا، خصوصا بعد ما اتضحت جدوى الجهاد والاستشهاد، ولن يٌقبل قول قائل بأن الضريبة على المدنيين كانت عالية، فذلك هو مصير الشعوب التوّاقة للاستقلال، وفي تاريخ هذه الشعوب عبر وعظات، وستتحول آلام التضحيات إلى سعادة وسرور بعد النصر والاستقلال. فإذا كان حل الدولتين غير ممكن فما هو الحل؟ إن الحل نسوقه من زاوية دينية شرعية بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، ثم من زاوية سياسية بعد ذلك، دون أن نتناول الزاوية التاريخية التي تؤكد أحقية الفلسطينيين في أرضهم منذ غابر الزمن.
أما الخلفية الدينية فإنه يرمز إليها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس وفق ما ثبت في الأحاديث الصحيحة التي روت حوادث الإسراء والمعراج. فإن صلاته عليه الصلاة والسلام بالأنبياء تدل بأن القيادة في هذه الأرض إنما هي للإسلام فهو من يؤم الناس من مختلف الملل والنحل في هذه الأرض المباركة، فقد صح أن إبراهيم الخليل، وموسى الكليم وعيسى المسيح وغيرهم من الأنبياء تشرفوا بأن يؤمهم المصطفى الحبيب عليه وعليهم أفضل الصلاة وازكى التسليم.
إن فلسطين ليست للعرب والمسلمين وحدهم بل يكون فيها غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ولكن القيادة لهم كما كانت لنبيهم بختمه الرسالات وبصلاته بالأنبياء في المسجد والأقصى، وكذلك لأنهم هم أكثر الناس فيها منذ قرون طويلة، إذ شعوب فلسطين دخل أغلبهم الإسلام وصاروا جزء من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم. علاوة على أن أكثر من جاء من اليهود لإنشاء دولة الكيان وإدامتها جاؤوا من مختلف أنحاء العالم من أعراق مختلفة ولا ينتمي لسلالات بني إسرائيل إلا أقلية منهم، وكثير من قادتهم علمانيون ملاحدة، فلا حجة دينية لهم.
أما من الناحية السياسية فإن البديل العادل والمنطقي هو الحل الذي طبق في جنوب افريقيا بعد هزيمة البيض وإنهاء نظام الأبرتايد، فقد قامت دولة واحدة للبيض وللسود، ومن حيث أن السود هم أهل الأرض وهم الأغلبية استقرت قيادة الدولة فيهم، وصار حال البيض إلى حياة رغيدة، في ظل نظام ديمقراطي ضَمن حقوق الجميع، أفضل من حالة الصراع الدائمة التي كانوا عليها. وعلى هذا المنوال يمكن أن تقوم دولة واحدة في فلسطين يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى ضمن نظام ديمقراطي يؤمّن الجميع ويعطي حقوق الجميع ويكون للمسلمين مسجدهم الأقصى ويكون للنصارى كنيسة القيامة ولليهود معابدهم (ليس لهم معبد مشهور)، ويضمن حق العودة للفلسطينيين المهجرين وحق من أراد من اليهود أن يعود إلى بلده الأصلي الذي جاءت عائلته منه، والحق في أن تهيأ لهم ظروف الاستقبال للعيش الكريم في بلدانهم الأصلية تلك، في أمريكا وأوربا.
والمرجح أن هذا الحل سيتحول من الحل “الجنوب-افريقي” إلى الحل “الجزائري”، وذلك أن اتفاقيات ايفيان التي على اثرها استقلت الجزائر ضمنت للمستوطنين الذين جاءت عائلتهم من فرنسا ومن مختلف الدول الأوربية، وكذلك لليهود الذي كانوا في الجزائر قبل الاحتلال وصاروا فرنسيين بعد أن أعطتهم فرنسا الجنسية، أن يبقوا جميعا في الجزائر كمواطنين كاملي المواطنة، تماما كما كان الحل في جنوب افريقيا، ولكن بسبب الجرائم الفظيعة التي اقترفوها في السنوات الأخيرة من الاحتلال خافوا من البقاء وخرجوا عن بكرة أبيهم من الجزائر. فكذلك يُرجح أن في زمن التحرير في فاسطين سيخرج الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين من فلسطين بسبب الجرائم الفظيعة التي يقترفونها وسيذهبون إلى حيث يملكون جوازات سفر ثانية وثالثة وإلى بلدان أخرى بدؤوا من الآن يعدّون فيها مساكن لهم كقبرص مثلا وإسبانيا والبرتغال.
وسيرث الفلسطينيون الذين سيتمتعون بحق العودة مساكنهم، كما تمتع كثير من الجزائريين بالمساكن الفرنسية التي تركها المعمرون كاملة البنيان والأثاث.إن هذا السيناريو بات موضوع دراسة منذ سنوات عند عدد من علماء التاريخ وعلماء الاجتماع والساسة الإسرائيليين كالمؤرخ بيني موريس الذي يجزم بأن: ” هذا المكان سيتحول إلى بلد شرق أوسطي ذي أغلبية عربية .. وكل من يستطيع من اليهود سيهرب إلى أمريكا وأوربا” والسياسي المخضرم رئيس الكنيست السابق أفراهام بورغ الذي يؤكد بأن أكثر من 50% من الإسرائيليين لا يعتقدون أن أبناءهم سيعيشون في إسرائيل” ويدعو كل إسرائيلي أن يحرص أن يكون له جواز سفر ثاني، وإن كان الأول يرى أن الأمور ستنقلب ضد الإسرائيليين بفعل أعدائهم كما هو تاريخهم، حسبه، فإن الثاني يرى أن إسرائيل ستنهي نفسها بنفسها بسبب ظلمها للفلسطينيين وانقلابها على القيم الديمقراطية، حسب قوله، والمرجح أن السببين سيتظافران.
وحين يخرج أكثر اليهود من فلسطين، تماما كما يريدون إلحاقه بالفسلطينيين اليوم بمحاولة تهجيرهم إلى سيناء ودول أخرى في العالم العربي والأوربي والأمريكي، سيعيش من بقي منهم في فلسطين في أمن وأمان يتمتعون بكل حقوقهم، التي لم يضمنها لهم عبر التاريخ مثلما ضمنها لهم المسلمون استنادا إلى أسس عقيدتهم وتعاليم دينهم. هذا هو الحل الواقعي، الذي يحمل شرعية تاريخية ودينية، والذي سيفرضه الواقع السياسي، والذي سيعين على تحقيقه تطرف الإسرائيليين أنفسهم، وفق القاعدة التي أطلقها الجنرال الفيتنامي جياب حين قال: ” إن الاحتلال تلميذ غبي يكرر نفس الأخطاء” وهو الحل الذي سيفصل في أمره في الأخير المقاومة الفلسطينية.
د. عبد الرزاق مقري
معطيات كثيرة تؤشر أن الولايات الأمريكية المتحدة تسعى لتحويل نتائج طوفان الأقصى لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي وذلك برسم شرق أوسط جديد يقوم على ثلاث ركائز:
أولا – حل الدولتين: وهو الحل الذي كان قد تخلى عنه العالم بأسره، وتخلت عنه الدول العربية بتوجهها للتطبيع دون قاعدة انسحاب الكيان من كل أراضي 67 (القدس، غزة، الضفة، الجولان ..)، وهو الحل الذي ألغاه كل الساسة الإسرائيليين قبل ط..وف..ان الأق..صى، ودمره الكيان بتوسيع المستوطنات في الضفة والقدس وتهويد القدس. ولكن هذا الحل رجع بقوة وتبناه العالم بأسره من جديد وجزء من ساسة الكيان.
غير أن حل الدولتين في صورته الجديدة غير الحل الذي اشترطه الإجماع العربي والمتوقع أن الصورة الجديدة تكون في صالح إسرائيل من خلال مساحة جغرافية أقل، ودون حق العودة، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح وتقسيم زماني ومكاني للمسجد الأقصى.
ثانيا – التطبيع مع السعودية دون اشتراط قاعدة حدود 67 بالرغم من أن المبادرة العربية للسلام أطلقها العاهل السعودي الملك عبد الله وتبنتها الدول العربي بالإجماع في لقاء الجامعة العربية ببيروت عام 2002.
والمقصود بالتطبيع مع السعودية هو كسر الحاجز نهائيا ليلتحق بالسعودية كل العالم العربي والإسلامي وفتح كل القنوات الرسمية العربية مع الكيان وإلحاق المنطقة كلها بالمحور الغربي الأمريكي وإبعاده عن المحور الشرقي الصيني -الروسي، وجعل دولة الكيان هي محور المشروع مجددا بضمان تفوقها العسكري والاقتصادي والعلمي.
ثالثا – ضرب كل القوى الوطنية الحية في العالم العربي والإسلامي التي ترفض الالتحاق بالمشروع أو تقاومه، وعلى رأسها حـركة حـماس فلسطين، وكذلك كل الحركات الإسلامية مهما حاولت إظهار اعتدالها وقبولها البقاء تحت سقف الأنظمة وسيكون مجرد رفضها للتطبيع سببا لإلصاق صفة الإرهاب بها من أجل سحقها.
هذا الذي رشح من بعض الدراسات الأمريكية وتم نشره في بعض الوسائط الإعلامية العربية ومنها سكاي نيوز العربية الإماراتية.
وعليه المعركة القائمة اليوم في فلسطين – وخصوصا في لحظات الحسم السياسي والدبلوماسي الأخيرة – ليست معركة بين حماس والكيان وإنما هي معركة بين المشروع الغربي الصهيوني الاستعماري والعالم كله، وأرض المعركة والحسم هي فلسطين والبلاد العربية، والمعنيون بها قبل غيرهم هم الفلسطينيون ثم الشعوب العربية قبل غيرها.
إنهم يريدون أن تضيع تضحيات أهل غـ..زة والضفة، مدنيين ومجـاهدين، وإنقاذ الكيان وهو يحتضر، وتحويل نصر الأمة في الطوفان إلى هزيمة.
هذا تدبيرهم ومكرهم … لكنهم سيفشلون .. وطوبى لمن ساهم في إفشال هذا المشروع.
عبد الرزاق مقري
شاركت في حصة تعدها قناة الجزيرة الوثائقية عن كتاب “شروط النهضة” للمفكر الكبير مالك بن نبي، دفعني ذلك إلى مراجعة الكتاب فأذهلني من جديد معاصرة أفكاره، من الزاوية الحضارية، للواقع الذي تعيشه الأمة حاليا. إن في الكتاب مواضيع كثيرة يُستفاد منها لبناء منهج كامل للاستنهاض الحضاري المنشود، من حيث التطورات الحضارية الدولية، ومن حيث الفرص المتاحة، ومن حيث الشروط الواجب توفيرها للنهضة ومن حيث الوقائع والسلوكيات السلبية المعيقة لها على مستوى الأفراد والمجتمعات.
قد يكتب الكاتب المبدع عدة كتب ولكن يشتهر ببعضها فقط، إذ الأفكار التجديدية المؤثرة في الحال أو في المستقبل تظهر في عدد قليل من كتب صاحبها، وقد يكرر الكاتب الأفكار المحورية في كثير من كتبه، بالشرح تارة، أو بالتفصيل تارة، أو بالاستدراك والتطوير تارة أخرى.
ولو راجعنا كتب الأستاذ مالك بن النبي ضمن سلسلة مشكلات الحضارة لوجدنا أن الكتاب الذي تميز به أكثر من غيره هو كتاب “شروط النهضة”، ولو حاولنا أن نعدد الأفكار الجوهرية التي تميز بها هذا الكتاب لوجدنا من أبرزها فكرة “المعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار”.
لم يكتب الأستاذ مالك عن الاستبداد والقابلية للاستبداد في ما أعلم، إذ كان همه الأكبر معالجة الظاهرة الاستعمارية في بلادنا وأثرها المدمر للإنسان الذي يُبتلى بها، لا سيما أثر الاستعمار الفرنسي في تطور الشخصية الجزائرية. غير أن العارف بطبائع الاستبداد وتأثيره في الأفراد والمجتمعات بإمكانه أن يؤكد بأنه يكفي أن تُستبدل في كتاب “شروط النهضة” كلمة “المعامل الاستعماري” بكلمة “المعامل الاستبدادي”، وكلمة “القابلية للاستعمار” بكلمة “القابلية للاستبداد” لنشعر وكأن بن نبي -رحمه الله- خاطب قرائه لتحذيرهم من الاستبداد ومن المخاطر الجسيمة لنشوء ظاهرة القابلية للاستبداد في البلدان التي يتسلط عليها حكام لا يشغلهم فيها شيء أكثر من تطوير وسائل وأدوات التحكم والسيطرة والتفرد بالحكم وقمع المخالفين واستغفال المواطنين وإلغاء دور القوانين والمؤسسات وتسخيرها للبقاء في الحكم بعيدا عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
يؤكد مالك بن نبي في حديثه عن المعامل الاستعماري بأن للإنسان بصفته عاملا أوليا للحضارة قيمتين: الأولى منهما خامة والأخرى صناعية، أو الأولى طبيعية والأخرى اجتماعية. أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته، وأن الإنسان الجزائري مزود من ذلك بأطيب زاد، وأن أحداث التاريخ تؤكد ذلك. وتماما كما هو ظن مالك بن نبي لم يبخل الزمن بإمداد البلد بعباقرة في مختلف المجالات في الأزمنة الغابرة وبعد الفتح الإسلامي وقبل الاستعمار وأثناءه، ولولا خوف الإطالة لزيّنت هذا المقال بنماذج ناصعة من هؤلاء. وقد بقيت الجزائر إلى الآن تزخر بالقادة والرموز والمتميزين في أنواع عديدة من المجالات والاختصاصات في داخل البلد رغم المحيط الصعب، ومنتشرين في كامل أنحاء الدنيا حيث يجدون فرص التطور والارتقاء.
ثم ينتقل بن نبي في الكتاب إلى الحديث عن القيمة الثانية المتعلقة بكيفية صناعة الإنسان من خلال محيطه، أو الحالة الاجتماعية التي يصير إليها في البيئة التي ينشأ فيها، فيؤكد أن تدخل المعامل الاستعماري يؤثر في الفرد سلبيا منذ طفولته بما يمنعه من التطور، فلم يكن للجزائري تحت الاستعمار “من سبيل ليقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يقدره الاستعمار له، فهو يعيش كأن يدا خفية وتارة مرئية، تشتت معالم طريقه، وتقصي باستمرار أمامه العلامة التي تحدد هدفه، فلا يدركه أبدا”.
وهكذا هو الاستبداد يتدخل في شؤون كل فرد في المجتمع بقدر تمدده وتحكمه، جيلا بعد جيل بقدر استمراره وبقائه، حتى ليصبحن عائقا للفرد فلا يتطور أبدا، وذلك بمنعه المنافسة الحرة وتغيير معالمها وقواعدها حسب هواه وما يضمن بقاء كرسيّه وتسلطه، فلا رجل الأعمال يعرف الطريق الموصل لنجاح مؤسسته، ولا طالب العلم يتأكد بأن جهده يضمن نيله مراتب العلماء، ولا السياسي يأمل بأن نضاله يمنحه السلطة لتطبيق برنامجه وخدمة وطنه، ولا الفنان يزدهر إبداعه بما يملك من مواهب، ولا الرياضي يرتقي منصات الفوز بمجرد مؤهلاته واجتهاده، ولا المنظمات المجتمعية ولا الأحزاب ولا المؤسسات الرسمية تتضح لها قواعد المنافسة وشروط النجاح، ويتأكد مع الزمن لدى كل ذي طموح بأن لا طموح يُصنع بلا إذعان للحاكم، ولا إنجازا ذا بال يتأكد في المجتمع سوى بما يمنحه المستبد ويسمح به، فلا قيمة للإنسان تحت الاستبداد بالخامة المتميزة التي منحها الله له ولا بالقدرات الطبيعية التي رُزِقها في أهله ومجتمعه، ولا بالمجهودات الجبارة التي يبذلها انطلاقا من قناعاته وإيمانه ليُحسِن استعمال المواد (التراب) والفرص المتاحة وليستثمر الوقت – الذي لا يتوقف – من أجل الارتقاء بذاته وصناعة الحضارة لأمته، وإنما قيمة الإنسان عند المستبدين بمدى قابليته للخضوع للاستبداد ليكون “كائنا مغلوبا على أمره” وفق توصيف بن نبي.
وبعد أن بيّن بن نبي “كيف يؤثر المعامل الاستعماري لتضييق نشاط الحياة في البلاد المستعمرة”، حتى “تكون مصبوبة في قالب ضيق، يهيئه الاستعمار في كل جزئية من جزئياته، خوفا من أن تتيح الحياة المطلقة لمواهب الإنسان مجراها الطبيعي إلى النبوغ والعبقرية” -كما يفعل الاستبداد تماما في البلاد التي يحكمها- ينتقل للحديث عن المعامل الآخر (القابلية للاستعمار) الذي “ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار، وحدد له فيها حركاته وأفكاره وحياته”، وهو لعمري توصيف متطابق مع أوصاف أولئك الذين يقبلون الاستبداد فيرضون العيش في المساحات المخنوقة التي حددها، بل يضيّقون على أنفسهم بأقل من حمى حماه، ويحاولون فهم ما يريد قبل أن يفصح عنه، فينطقون به إرضاء له دون أن يدعوهم لذلك، ويحرّمون على أنفسهم محرمات من القول والفعل والعلائق لمجرد الظن من أن اتيانها ربما يغضبه، فتصبح حركاتهم وأفكارهم وحياتهم مشروطة بمنهج المستبد.
ثم يذهب بن نبي في ذكر نماذج من التصرفات التي تمليها القابلية للاستعمار وفق المقياس الذي تقيسنا به الإدارة الاستعمارية، كالقابلية للقعود لأن الاستعمار يريدنا أن نكون بطالين بلا همة ولا نشاط ليستعملنا كيد عاملة رخيصة، أو القابلية لمحاربة أي جهد إصلاحي لتعليم الناس لأن الاستعمار يريدنا جهلة يستغلنا كيفما يشاء، أو القابلية لمحاربة الفضيلة ومحاربة من ينشرها ويدعو إليها لأن الاستعمار يريد منا انحطاط الأخلاق، أو القابلية للتشتت بسبب السياسات الانتخابية لأن الاستعمار يريدنا فاشلين اجتماعيا وأدبيا بأثر الفرقة والخلاف، أو القابلية للحياة المليئة بالأوساخ وغياب الذوق لأن الاستعمار يريدنا كذلك.
وإنه والله لذلك الذي يريده المستبدون وذاك الذي يساعده عليه من فيهم القابلية للاستبداد. يريد الاستبداد أن يكون المجتمع خاملا بلا حيوية ولا نشاط فلا نتحرك إلا بإشارته فيساعده على ذلك الحاقدون على العاملين الناشطين المجدين، ويريد الاستبداد أن نكون غافلين ساذجين غير واعين بحقائق الأمور ولا دارسين ولا مثقفين فتساعده القابلية للاستبداد بكره الفكر والعلم، والتضييق على العلماء والمفكرين الذين يُعلمون الناس وينشرون الفهم والوعي وربما يحاربونهم نيابة عن المستبد.
ويريد الاستبداد أن تشيع التفاهة بين الناس وأن ينشغل الشباب باللهو والمجون وبكل ما يخدر فكرهم ووجدانهم، حتى لا ينشغلوا بالسياسة وشؤون الحكم، فتجد في المجتمع من يعمق القابلية للاستبداد بالدفاع عن الرذيلة ومحاربة من يدعو إلى الفضيلة والأخلاق الحميدة.
ويريد الاستبداد أن تنحط أذواقنا وأن نغرق في الأوساخ الحسية والنفسية حتى لا تسمو أرواحنا للمعالي ولتكون الرفعة الاجتماعية لأراذل الناس ولأقلهم ذوقا في مكنوناتهم ومظاهرهم وتصرفاتهم، وليحدث انقلاب في سلم القيم في المجتمع حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، فيأمن المستبد من أن ينكر أحد منكراته، ويكون للأسف في الناس -ممن ابتلوا بداء القابلية للاستبداد- من يتفنن في شهادة الزور والتغطية على رداءة الحاكم وفساده، بل ثمة من يخدم منظومة الفساد ويلوم ويحارب من يحاربها نيابة عن الحاكم.
ويريد المستبد أن لا يبقى في المجتمع رجال يتمتعون بالحد الأدنى من الشجاعة والمروءة والإباء، فيكون فينا قابلون للاستبداد وخادمون له من أنواع شتى، من نوع ضعاف النفوس الذين يتجنبون أولئك الرجال ويخذلونهم، خوفا من الحاكم أو تزلفا له، إلى نوع المخبرين والخائنين الذين يساعدون على تدمير كل مقاوم للمستبد ولو في إطار القوانين التي يضعها هذا الأخير بنفسه.
وكم هي فقرة الخلاصة معبرة تلك التي ختم بها مفكرنا الكبير فصل المعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار في كتابه “شروط النهضة” حين قال: “إن الاستعمار لا يتصرف في طاقتنا الاجتماعية إلا لأنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها موطن الضعف، فسخّرنا لما يريد، كصواريخ موجهة، يصيب بها من يشاء، فنحن لا نتصور إلى أي حدّ يحتال لكي يجعل منا أبواقا يتحدث فيها، وأقلاما يكتب بها، إنه يسخرنا وأقلامنا لأغراضه، يسخرنا له بعلمه وجهلنا”.
يكفي أن نغير “إن الاستعمار…” في بداية هذه الفقرة بعبارة “إن الاستبداد …” لكي يظهر التشابه الكبير بين الاستعمار والاستبداد في التأثير على بناء الأفراد والمجتمعات.
د. عبد الرزاق مقري
ثالثا – القضية الفلسطينية
حينما سئل الدبلوماسي الأمريكي “جوشوا هاريس” عن القضية الفلسطينية والجرائم التي يرتكبها الجيش الصهيوني بمشاركة كاملة من بلده بقي يراوغ لكي لا يُحمّل الكيانَ الغاصب وبلدَه المسؤولية ولكن مما قاله في سياق تهربه من الإجابة: “إن من بين أسباب مجيئي اليوم إجراء حوار مع شركائنا الجزائريين والاستماع لوجهة النظر الجزائرية حول كيف نتناول هدفنا المشترك – بغض النظر عن الصراع القائم – المتمثل في السماح بإنشاء دولة فلسطينية”.
لم تجر الدبلوماسية الأمريكية مشاوراتها بشأن القضية الفلسطينية بعد الحرب مع الجزائر فقط كما هو معلوم، بل إن الثقل الكبير في المشاورات هو في المشرق العربي، في بلاد الطوق مع مصر والأردن خصوصا، ومع دول الخليج وبالخصوص السعودية وقطر، أما الإمارات فهي جزء من القرار الإسرائيلي.
فالتصور الذي تريد فرضه أمريكا على الشعب الفلسطيني تجده بين الدول العربية المشرقية التي تستطيع أن تذهب معها بعيدا في رسم مشهد لا يكون إلا لصالح الكيان الصهيوني، على شكل دولة فلسطينية شكلية أدنى بكثير من مضمون حل الدولتين الذي كانت تدعو إليه الدول العربية مجتمعة، وقد كشف الرئيس المصري السيسي عن جزء من الصورة الجديدة المشوهة حين قال “دولة فلسطينية منزوعة السلاح بجنب الدولة الإسرائيلية القائمة”، ثم هناك دول عربية وإسلامية أخرى تسعى أمريكا ما استطاعت أن تُؤدَّى لصالح رؤيتها أدوارا أخرى بطرق مكشوفة أو ملتوية تحت الضغط والإغراء، ومنها قطر وتركيا والجزائر وربما حتى إيران.
إن الدعم العسكري واستعمال الفيتو في مجلس الأمن والتحركات الدبلوماسية مع مختلف الدول إنما تسعى إليها الولايات الأمريكية المتحدة لإنقاذ “دولة إسرائيل” إذ أنها شعرت بأن طوفان الأقصى هز أساسات هذا الكيان فعلا، وهي تريد إنقاذ وجود الكيان ليس من ضربات المقاومة فقط، بل من تطرف نتنياهو وحلفائه في الحكومة من أحزاب التيار الديني الذين لا يوجد بالنسبة إليهم شيء اسمه فلسطين ولو كان وجودا ضعيفا ذليلا.
إن التيار المسيطر على الأغلبية في الكنيست وعلى الحكومة الإسرائيلية لا يؤمن باتفاقيات أوسلو وهو يعمل على إنهائها رسميا، وكذلك إنهاء السلطة المنبثقة عنها في رام الله، وفي نفس الوقت هم يستميتون بشكل منهجي في تدمير أي فرصة لتجسيد “حل الدولتين” الذي يتمسك به العرب ولو ضمن حدود أقل بكثير من حدود 1967.
وهذا لا يعني أن التيار الإسرائيلي العلماني المعارض، الذي يمثل الدولة العميقة الصهيونية، يؤمن بأسلو أو بأي حق فلسطيني من غير أوسلو، وإنما الذي يهمه أن يكون في فلسطين سلطة أمنية وشرطية قوية هي التي تراقب الفلسطينيين وتلاحق المقاومة وتحمي المشاريع الثقافية التي تصنع الإنسان الفلسطيني المهادن الذي سيتخلى مع الوقت عن وجود دولته ضمن المعاناة التي لا تنتهي وفي سراديب المفاوضات التي لا تتوقف، وهذا هو المشروع الذي يسعى الأمريكيون لإعادة إحيائه، مستعينا ببعض الدول العربية ومحاولا توريط السلطة الفلسطينية فيه، وما حديث الوفد الفلسطيني في الجزائر عن الشرعية الدولية إلا مؤشر عن ذلك.
تدرك أمريكا، وهي تجتهد لإحياء العملية السياسية مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية بأن القضاء على حماس وكل قادتها مكلف جدا، وحتى وإن نجح الجيش الإسرائيلي في إضعاف المقاومة فهي تخطط (وفق قواعد عسكرية قديمة وضعها الفيلسوف سان تزو في كتابه “فن الحرب”) لترك ممر لقادة المقاومة حتى يخرجوا من المعركة مهزومين بعيدا عن الساحة الفلسطينية غير مضطرين أن يواصلوا القتال غريزيا دفاعا عن حياتهم وليس من أجل النصر، مما قد يجعل المعركة تطول وتكبر كلفتها المالية والإنسانية والدولية على الكيان وأمريكا من غير طائل.
إن هذا المشهد هو ذاته الذي تم في جوان 1982 حين اجتاح الإسرائيليون لبنان وتمكنوا من خلال تفاهمات دولية من ترحيل ياسر عرفات وقادة منظمة التحرير إلى تونس.
إن أعداء المقاومة، من عرب وعجم ومسلمين وغير مسلمين، يريدون حقا “بيع جلد الدب قبل قتله” كما يقول المثل. وكم من مرة أخطأ الأمريكيون في حساباتهم، وجروا حلفاءهم في ويلات الخطأ ، لقد أخطؤوا في فييتنام وفي العراق وأفغانستان وسيخطئون في غزة فلسطين بحول الله.لقد دخلت الولايات الأمريكية في رسم المشهد المستقبلي لإنقاذ مستقبل إسرائيل من نفسها ومن جنونها على إثر الإهانة الكبيرة التي تعرض لها قادتها في السابع من أكتوبر الماضي، ومحاولتهم استغلال فرصة الحرب والحماية التي ينعمون بها من البيت الأبيض والدول الأوربية لكي ينهوا الوجود الفلسطيني إلى الأبد، غير مدركين بأن تعجيل نهايتهم ونهاية دولتهم إنما هو في تطرفهم، وأن وجودهم على رأس الدولة المجرمة في هذه المرحلة وهذه الظروف هي هدية عظيمة للقضية الفلسطينية، وقد سبق أن بيّنا في مقالات سابقة المكتسبات الاستراتيجية الكبرى التي حققها طوفان الأقصى فلسطينيا وعربيا وعالميا بحمد الله، في وجود هذه القيادة الصهيونية الأكثر تطرفا.
غير أن العجيب في الأمر، والأمر المؤسف حقا أن الأنظمة العربية تشارك الولايات الأمريكية المتحدة في عملية الإنقاذ الكبرى التاريخية هذه، والأغرب من ذلك، وما يملأ القلب ألما أن السلطة الفلسطينية انخرطت في هذه الحسابات، فبدل أن تنخرط في المعركة أو على الأقل تسند المقاومة، ولو بالخطاب والدبلوماسية، ها هي تُظهر رأسها لتنفيذ الأجندة الدولية الأمريكية العربية الظالمة.
إنه لا يصح أن يتورط بلدنا الطاهر في هذه المهمة الدولية القذرة!لقد عرّض أعضاء الوفد الزائر لبلدنا نفسه لانتقادات لاذعة اتهمهم فيها رواد التواصل الاجتماعي من الجزائريين والفلسطينيين وغيرهم بأنهم جاؤوا لتنفيذ أجندة تفاهموا عليها في رام الله مع الدبلوماسيين الأمريكيين ومنهم آخر زائر لهم المستشار الأمريكي للأمن القومي جيك أرميا سوليفان الذي زار فلسطين المحتلة فأكد دعمه للمحتلّين الذين غصبوا الأرض ثم ذهب إلى المحتَّلين الذين فقدوا الأرض ليكلفهم بمهمة ضرب إخوانهم في الظهر وهم في جبهات القتال في غزة والضفة الغربية يواجهون تحالفا عالميا ضدهم وضد بلدهم.
إن ما تريده أمريكا والغرب من قطر قائم وواضح والقطريون يؤدونه على أحسن وجه، ودورهم في هذه المرحلة مفيد للمقاومة، في موضوع المساعدات والمفاوضات، وما يريده الأمريكان من تركيا لا ينجح كثيرا لأن تركيا تؤمن بدولتين (فلسطينية وإسرائيلية) ضعيفتين تكونان مستقبلا تحت نفوذها حين يحتدم الصراع لاحقا بين أمريكا والصين، ولكن قد تكون تركيا مفيدة الآن في الضغط على قادة حماس ليراجعوا طموحهم في تحرير كل بلدهم. أما ما تريده أمريكا من مصر والسعودية والإمارات فهو فرض الرؤية الظالمة على الفلسطينيين، ثم يأتي دور المال الخليجي لإعادة إعمار غزة والقضاء نهائيا على المقاومة وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني الغزاوي الجديد: المهين الخانع التابع.
ولا يُطلب من إيران أمريكيا في هذه الظروف سوى تجنب توسيع الحرب في الإقليم والاكتفاء بالمناوشات التي تقوم بها أذرعها في المنطقة، وهي مناوشات لا شك مفيدة للمقاومة الفلسطينية ولو على غير ما تمناه كثير من الفلسطينيين والعرب والمسلمين.
فما هو الدور المطلوب من الجزائر؟ للإجابة على هذا السؤال نبدأ بالقول بأن أي حوار بين أمريكا والجزائر لن يكون لصالح فلسطين و المقاومة لأن الأمريكانيين لا يحاورون ليقبلوا آراء غيرهم، وإنما لفرض تصوراتهم بالطرق الأكثر خبثا، ومن خبثهم قبول الأشكال المخادِعة في إخراج السيناريوهات.
وربما هم يعتقدون بأن الجزائر في حاجة إليهم لكسر العزلة الدولية التي وجدت فيها نفسها بعد صدمة البريكس.
لا نعرف ماذا قال الأمريكيون للمسؤولين الجزائريين وراء الأبواب المغلقة، ونحن لسنا في بلد ينعم بالديمقراطية والشفافية ليكون لنا الحق في المطالبة بمعرفة ما قاله ويقوله المسؤولون الجزائريون، فلذلك لا ننسب لهم قولا.
ولكن لكي نفهم ما يحدث في بلدنا في هذا الشأن العظيم المتعلق بقضيتنا الفلسطينية المقدسة نحاول جمع المعلومات المتوفرة في وسائل الإعلام والتسريبات المتاحة ونقوم بتحليلها على القواعد العلمية للتحليل السياسي وعلى أساس الخبرة الطويلة ومعرفة طبائع الأمور هنا وهناك.
كنت أهمّ أن أكتب مقالا عن خبر غريب صدر في جريدة الأوراس الإلكترونية الجزائرية في 07 ديسمبر 2023 ، ولكن أحجمت عن ذلك في وقته لعدم توفر معلومات أكثر دقة في الموضوع، بالرغم من أن مجرد صدور الخبر في بلد لا تستطيع أي وسيلة إعلامية تناول مثل هذا الموضوع دون رقابة قبلية يجعلنا نعطيه كثيرا من الاهتمام.
ثم تم نشر الخبر في قناة تلفزيونية فرنسية كبيرة ومشهورة هي قناة LCI ، وبعد زيارة الوفد الفتحاوي الفلسطيني الجزائر وما تم التصريح به، مع اهتمام أمريكا بالموقف الجزائري، رأيت أن أعود لتناول الموضوع.
ذكرت جريدة الأوراس الجزائرية – نقلا عن جريدة الأخبار اللبنانية – بأن ثمة مشروعا فرنسيا-سعوديا عُرض على الجزائر مفاده أنه يمكن أن يتم تنسيق دولي لخروج قادة حماس من غزة [أي عند إقرارهم بالهزيمة] إلى الجزائر للإقامة فيها وذلك بسبب العلاقات الطيبة التي يتمتعون بها مع المسؤولين في هذا البلد، مقابل إطلاق سراح الأسرى في السجون الإسرائيلية وإدخال المساعدات على أن يتم تسيير قطاع غزة بعد الحرب من قبل قوات عربية تحت إشراف الأمم المتحدة، وفي النسخة الفرنسية بنفس الجريدة الالكترونية عُنون المقال ” الجزائر جزء من مخطط سعودي- فرنسي لإنهاء الحرب”.
أما القناة التلفزيونية الفرنسية فقد ذهبت بعيدا حيث أكدت بأن قطر أخبرت قادة حماس المقيمين عندها، وعلى رأسهم إسماعيل هنية، بأنهم لم يصبحوا مرغوبا فيهم عندها وأن مكاتبهم في الدوحة أخليت وأنهم سيتجهون إلى الجزائر وربما إلى تركيا أو إيران.
لا شك أن هذه المعلومة غير صحيحة إلى الآن ولكنها قد تكون بالون اختبار، وهو أسلوب تستعمله الأطراف المتحكمة في وسائل الإعلام عادة لكشف بعض الحقائق أو معرفة ردود أفعال الأطراف المعنية.
لم يتم تداول هذا الخبر في الرأي العام الجزائري ولم تتراجع الوسيلة الإعلامية التي نشرته ولا يمكن إلا أن نقول أن الجزائر لا يشرفها أن تدخل في هذه الترتيبات والحرب قائمة والرجال يواجهون العدو، والواجب إنما هو دعم المقاومة وصمود أهل غزة وليس تدبير حالة الهزيمة التي لم تحصل.
والحقيقة أن الذين يرتبون هذا التدبير لا يقدّرون قيمة الصمود الاسطوري الذي يبين عليه أهل غزة، ولا يعرفون المجاهدين الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني في معركة طوفان الأقصى، هؤلاء الأبطال أهل الله الذين خرجوا إما للنصر أو الشهادة، كما لا يدركون الأبعاد الربانية في معركة الأمة الجارية في أرض الرباط، وأن النصر من عند الله العزيز الحكيم.
لا يحق لنا أن نطلق حكما على هذه التسريبات، رغم حذرنا الشديد من تدبير تكون وراءه أمريكا وفرنسا والسعودية، ولكن الذي أدهشنا فعلا هو الاستقبال الأعلى درجة من الناحية البروتوكولية الذي حظي به الوفد الفلسطيني من السلطة وحركة فتح رغم تدميرهم للمبادرة الجزائرية، والأغرب في الأمر أن الوفد بيّن المهمة التي جاء من أجلها على لسان جبريل الرجوب الذي صرح بأنه يريد من الجزائر أن تسعى لتحقيق الوحدة الفلسطينية، ولكن على غير ما أمضت عليه حركة فتح في “إعلان الجزائر”، وكأنه يعتقد بأن الفصائل المقاومة في غزة في حالة ضعف وأنه يمكن أن يُفرض عليها الاعتراف بإسرائيل وفق إطار الشرعية الدولية الذي ذكره في تصريحه لدى خروجه من اللقاء مع رئيس الجمهورية وقائد الأركان والمسؤولين الكبار في الدولة الجزائرية.
وبدل أن يعلن تأييده للمقاومة وبحثه سبل نجدة أهل غزة راح يؤكد على إعادة بناء مشروع أوسلو، أو ما يشبهه، من خلال انتخابات لطالما رفضتها السلطة الفلسطينية اعتقادا منه – ربما – بأنها لن تكون لصالح حماس التي – في ظنه – ستخرج من الحرب ضعيفة بسبب الخسائر المدنية المهولة، غير مقدر للمكاسب الاستراتيجية التي حققها طوفان الأقصى قبل نهاية آخر فصوله، ومن ذلك ما أقر به بنفسه في تصريحه أمام مكتب الرئيس تبون عن التحول الإيجابي في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين. إن الذي أود أن أذكر به قادة الدولة الجزائرية المدنيين والعسكريين أن يعودوا للقيم التي أسَّست دولتنا، وهي قيم الثورة النوفمبرية، وأن يجعلوا تلك القيم والأحداث والتضحيات التي صنعتها أثناء الكفاح ضد المستعمر الفرنسي هي الحاكمة في حكمهم على القضية الفلسطينية وعلى فواعلها وفصائلها ومما أذكّر به في هذا الصدد ما يلي:
1 ‐ بالنظر لتركيز قادة فتح_السلطة على الخسائر البشرية للمز حماس وهي في أتون المعركة التاريخية طوفان الأقصى نقول لمن يسمع خطابات قادة أوسلو أن الخسائر البشرية لم تكن يوما هي المعيار الذي تم به الحكم على جيش التحرير الوطني أثناء مواجهته الاحتلال الفرنسي منذ المقاومة الشعبية إلى الثورة التحريرية، فقد وقعت مجازر فظيعة ذهب ضحيتها الملايين من الجزائريين وليس الآلاف، أغلبهم من المدنيين.
ولو كان رد الفعل الوحشي الاستعماري الفرنسي لهجومات الشمال القسنطيني التي تشبه طوفان الأقصى في أهدافها وشكلها ومضمونها هو المعيار على الحكم على قائد الهجومات زيغود يوسف لحاسبته الثورة على ذلك، ولما كان هذا اليوم عندنا هو “يوم المجاهد” الذي نحتفل به سنويا. كما أنه يمكن أن نستلهم الدرس من أن وقف الأمير عبد القادر القتال لم ينفعه حين حرص على المحافظة على دماء النساء والأطفال والشيوخ من أن يوقع فيهم الجيش الفرنسي المجرم المتوحش مجزرة إن لم يستسلم حين وجد نفسه محاصرا بين جيش السلطان المغربي والجيش الفرنسي عند الحدود المغربية الجزائرية، لقد غدر الفرنسيون بكل البنود التي تم الاتفاق عليها مع الأمير وتم الزج به في السجن في فرنسا، وتشتت بعده المقاومة الشعبية وتأجل التحرير أكثر من قرن من الزمن. فليتأمل المتأملون.
2 ‐ وبخصوص الشرعية الدولية والاعتراف بإسرائيل نذكر بأن الاستعمار الفرنسي حاول تقسيم الجزائر في مشروع ديغول عام 1959 بأن تتشكل دولة للجزائريين المسلمين ودولة للأوربيين، كما أقترح أن تبقى الصحراء تابعة لفرنسا ويرضى الجزائريون بشمالها فحسب، وفق اتفاقات لصالح الهيمنة الفرنسية، فرفض قادة الثورة الاعتراف بفرنسا على أي شبر من أرضهم وبذلوا من أجل الصحراء دماء غزيرة وواصلوا الثورة حتى حرروا البلاد كلها واحدة موحدة، فكيف يُطلب من حماس وفصائل المقاومة أن يعترفوا بإسرائيل وتقسيم بلدهم أبديا، فهل يستطيع جزائري حر أن يقترح هذا على الفلسطينيين أو يشجعهم عليه. فليعقل العاقلون.
3 ‐ وبخصوص الميل للسبق الزمني في النضال الفلسطيني أذكر بأن مصالي الحاج كان هو أب الحركة الوطنية ورمز فكرة الاستقلال، وتحت قيادته تأسست المنظمة الخاصة التي فجر رجالها الثورة، فهل شفع له ذلك بأن يبقى هو الممثل الشرعي للجزائريين حين رفض الحل الثوري الذي بادرت إليه جبهة التحرير الوطني التي أسسها أبناؤه؟ وهل استطاع فصيله “الحركة الوطنية الجزائرية” أن يثبت أمام الزخم الثوري الذي التف حوله الجزائريون؟ وعلى هذا الأساس: من يجب أن يكون الأقرب إلى الدولة الجزائرية؟ هل هي الفصائل الفلسطينية التي تسير على نهج جيش التحرير الوطني أم هي الفصائل التي تكرر الأخطاء التي وقع فيها مصالي الحاج الذي لم يتحمل أن يأتي بعده من يقود الكفاح وفضل العمل السياسي بدل الجهاد والمقاومة؟ والله كم كنت سعيدا، مرات ومرات، حينما كنت أزور بقادة حماس الفلسطينية قادة كبارا في الدولة الجزائرية حين كنت رئيسا للكتلة البرلمانية أو نائبا لرئيس المجلس الشعبي الوطني فيقول المسؤولون الجزائريون لضيوفهم أنتم أقرب إلينا بسبب خطكم الثوري، رغم علاقتنا التاريخية بفتح التي اختارت نهج المفاوضات الذي لا ينفع أبدا لإنهاء الاحتلال بدون الكفاح المسلح.
فهل ثمة شيء ما قد تغير في بلادنا؟
4 ‐ لقد كان ل”الحركة الوطنية الجزائرية” جناح عسكري أمني سمي الجيش الوطني للشعب الجزائري وانتشر أكثر باسم قائده “محمد بلونيس”، وقد كان هذا الفصيل المسلح يعتبر نفسه في هو الأولى بالثورة استنادا للزعامة التاريخية لمصالي الحاج وقيادة الحركة الوطنية الجزائرية قبل الثورة النوفمبرية، وأصبحت جبهة التحرير الوطني وجيشها هي العدو الأول لديه بدل توجيه العداء للاحتلال، وحين شعر قادة هذه القوة الأمنية والعسكرية الجزائرية المستقوين بالشرعية التاريخية بأن جبهة التحرير تسحب المصداقية والمراجعيى منهم وتنتشر بين الجزائريين تحولوا إلى الاستقواء بالاحتلال الفرنسي والتنسيق الأمني والعسكري معه فكانت نهايتهم مخزية إذ لفظهم الشعب الجزائري ولم تصبر عليهم الثورة طويلا ولم ينفعهم الاعتداد بالتاريخ.
ولم يحفظ كرامته وتاريخه منهم إلا أؤلئك المصاليين الذين التحقوا بالثورة حينما بان لهم خيانة بن لونيس، بل إن مصالي الحاج نفسه نأى بنفسه وانسحب من المشهد لما تحول ذراعه العسكري إلى ذراع للاحتلال.
على أساس هذه المعطيات الثورية التاريخية يجب على المسؤولين الجزائريين أن يساعدوا الفلسطينيين ليتحدوا ضمن رؤية الجهاد والثورة المسلحة فذلك الذي يحفظ الود بينهم ويبعد شبح الاقتتال والحسم بالقوة ميدانيا كما وقع في الجزائر حين قررت جبهة التحرير ذلك.
ولمن يريد معرفة تفاصيل هذه القضية ندله على المراجع الموثوقة، ويمكن لرئيس مجلس الأمة الحالي أن يقص ذلك إن أراد فهو من البقية الباقية من جيل المجاهدين الذين سمعنا منهم تلك الأحداث مشافهة لا دراسة فقط، بل إن عندنا من أسرنا من مجاهدي جبهة التحرير الوطني الذين قتلتهم مجموعات بن لونيس.
إن الذي بجب أن نعلمه جميعا أن كل الحلول التي تريدها الولايات الأمريكية المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحلفائهم العرب لن تجدي نفعا في ترتيب القضية الفلسطينية بدون المقاومة، فذلك وهم لن يتحقق لهم مهما ملكوا من قوة.
ثم إن أي حل يريده هؤلاء باستعمال السلطة الفلسطينية أو توريط بعض الدول العربية لن يكون إلا لصالح الكيان الصهيوني في العاجل والآجل، وأن الذي يخسر بهذه الحلول ليس الفلسطينيين فقط بل كل دولنا العربية والإسلامية وجميع شعوبنا وكل مستقبلنا.
إنه لا يمكن للولايات الأمريكية المتحدة أن تكون دولة صديقة للعرب والمسلمين بأي حال من الأحوال، فهي الدولة التي تقود الغرب كله لإضعاف أمتنا وإبقائها في حالة التخلف المستدام. وعبارة الرئيس الأمريكي بادين: ” لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها” هي عنوان للاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وتصريحه بأنه “صهيوني” وأنه لا يشترط أن يكون المرء يهوديا ليكون صهيونيا يعبر عن حالة التحام كامل كالجسد الواحد مع الدولة الصهيونية وليس مجرد تحالف بين دولتين.
إن كل مهتم بالعلاقات الدولية، مسلما كان أو غير مسلم، يعلم بأن الكيان الصهيوني هو دولة وظيفية في خدمة الغرب، بمثابة ثكنة مدججة بالسلاح في موقع متقدم في جسم الأمة العربية والإسلامية لتشتيتها ومراقبتها استخباريا في كل لحظة ومنع تطورها ووحدتها إلى أن تخضع هذه الأمة كلية فتصبح تابعة للمحور الغربي نهائيا بقيادة الكيان الإسرائيلي الذي أُسس ليُضمن تفوقُه علميا واقتصاديا وفي كل المجالات وليكون متحالفا مع نخب عربية وإسلامية مستلبة حضاريا و مرتدة عن هويتها تحظى بحياة رغيدة على حساب أغلبية شعبية تعيش تحت القهر وتغرق في الفقر. وإن ما يجعل قادة الكيان الصهيوني ولوبياتهم في كل الدول الغربية يتطاولون حتى على الإرادة الأمريكية هو شعورهم بحاجة أمريكا والغرب إليهم وإلى دولتهم من جهة، واستعداد تلك النخب العربية والإسلامية سرا وعلانية للاشتراك معهم لتصفية القضية الفلسطينية من جهة أخرى، فلذلك دخول بلدنا الجزائر ذات السمعة الطيبة في القضية الفلسطينية منذ الاستقلال وقبل طوفان الأقصى في أي رواق من هذه الأروقة المظلمة هو مجازفة كبيرة ستكون تداعياتها خطيرة على بلدنا وشعبنا ومستقبلنا، ولا يبقى عند ذلك يجمعنا بهذه السلطة.
والله ولي التوفيق.
د. عبد الرزاق مقري
ثانيا – موضوع #الصحراء_الغربية:
تابع المهتمون النشاط الكبير للسفيرة الأمريكية إليزابيث مور أوبين في هذه الشهور الأخيرة حيث انتقلت مرتين إلى تندوف تحت غطاء البعد الإنساني وزيارة المانحين بشكل مباشر، والتقت مع القيادية في جبهة البوليزاريو السيدة العزة بيبيه التي تتولى منصب والي مخيم اللاجئين في السمارة بتندوف وأخذت معها صورة ظهرت فيها من الخلف صورة رئيس البوليزاريو ورئيس الجمهورية الصحراوية بأرض اللجوء في تندوف الجزائرية، كما كان لها لقاءات مع العديد من المسؤولين الجزائريين على رأسهم قائد الأركان السيد سعيد شنقريحة حضره كل من الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني وضباط ألوية وعمداء بوزارة الدفاع الوطني وأركان الجيش الوطني الشعبي حسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، والتقت كذلك مع السيد رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين.
كما كان للمبعوث الخاص للأمم المتحدة الدبلوماسي السويدي-الإيطالي ديمستورا زيارات مكوكية للجزائر والمغرب وموريتانيا وتندوف والعيون.
وكما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي عرضه على مجلس الأمن التقى ديمستورا مع جميع الأطراف للاستماع لآرائهم حول الحل السياسي، بما في ذلك “المنتخبين المحليين” والأعيان الصحراويين في مدينة الداخلة والعيون في الأراضي المحتلة الذين يؤيدون رؤية الحكم الذاتي المغربية.
ومن أهم المهام التي جاء من أجلها الدبلوماسي “جوشيا هاريس” إلى الجزائر، وفق ما بينه في لقائه الصحفي الذي نشرته السفارة الأمريكية في موقعها الالكتروني، مناقشة ملف الصحراء الغربية ومناقشة الحلول السياسية الواقعية في إطار مبدأ تقرير المصير.
إن الاهتمام المتصاعد للولايات الأمريكية بحل مشكل الصحراء الغربية يدل أن هذا البلد قد قرر الحسم في الموضوع، أو على الأقل عدم السماح بالانفلات في هذه المرحلة، وذلك لأسباب عديدة منها:- التوتر العسكري والأمني واستئناف القتال وإلغاء جبهة البوليزاريو اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينها وبين المغرب منذ عام 1991، واحتمال مزيد من التصعيد بما يمكن أن يؤدي إلى محاولة أحد الأطراف الحسم العسكري كأمر واقع بشكل من الأشكال.
– خوف الولايات الأمريكية المتحدة من أن تجد نفسها مضطرة للتدخل في أزمة مسلحة جديدة بالإضافة إلى تورطها في أوكرانيا وغزة دون نتائج تذكر إلى الآن، وإمكانية توسع الصراع إلى أطراف إقليمية ودولية يعقد حساباتها ويبعدها أكثر عن أولوية مواجهة الصين. – توفر فرصة لتعميق العلاقات الأمريكية الجزائرية بعد خيبة الأمل الجزائرية في دخولها لمنظمة البريكس وفتور علاقاتها نسبيا مع روسيا نتيجة لذلك، وعدم توصلها إلى علاقات اقتصادية استراتيجية مع الصين، علما بأن ثمة عناصر ثابتة لم تتزعزع في بناء العلاقات الأمريكية الجزائرية منها ما يتعلق بالأمن والشراكة في مكافحة الإرهاب وما يتعلق بالطاقة، علاوة على ثبات علاقة الجزائر المتينة مع الأوروبيين بسبب أنابيب الطاقة والتجارة والعلاقة المتميزة بين الرئيس الجزائري مع نظيره الفرنسي ماكرون.
غير أن الذي يجب الانتباه إليه هو أن المقاربة الأمريكية بقيت ذاتها بخصوص مقاربة الحل لملف الصحراء الغربية، وهي مقاربة الحكم الذاتي المغربية وقد أكد ذلك “جوشيا هاريس” بدون أي لبس في المقابلة الصحفية المشار إليها قائلا: “إن الولايات الأمريكية المتحدة تعتبر أن مقترح الحكم الذاتي المغربي مقترح جاد وواقعي وذو مصداقية ويمثل مقاربة محتملة يمكنها أن تستجيب لتطلعات الشعب الصحراوي” وهو الكلام الواضح البيّن الذي تحدثت بعكسه بعض وسائل الإعلام الجزائرية محاولة إيهام القرّاء الجزائريين بأن المسؤول الأمريكي دعم المقاربة الجزائرية الداعية إلى تطبيق قرار تقرير المصير الأممي.
وحقيقة لست أدري لماذا تستعمل بعض وسائل الإعلام الجزائرية هذا الأسلوب المربوط بحبل قصير سرعان ما يفتضح أمره وتظهر حقيقته.
وللأسف غياب النقاش الوطني في قضايا مهمة مثل هذه، واستمرار استماع الجزائريين إلى كلام واحد مكرر في وسائل الإعلام ومن قبل المتدخلين الإعلاميين يقولب العقول ويشكل غفلة كبيرة لدى الجزائريين عما يحاك عندنا وفي العالم، ولا يؤهل المواطنين للتعامل المسؤول مع التحولات والأزمات ويجعل الجميع تابعين لا رأي لهم، لا فائدة منهم للبلد من حيث أن ثمة من كبار المواطنين من يفكر بدلهم، فإذا ما ظهرت الحقيقة تقع خيبة أمل كبيرة تزيد في إحباط المواطنين كما وقع في قضية البريكس وغيرها.
والذي يجب الانتباه إليه مما يُفهم من الدمج بين المحافظة على مبدأ تقرير المصير والدفاع عن المقاربة المغربية من قبل الأمريكيين، وكتابة هذه المقاربة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر الماضي كخيار من الخيارات، وتداول الموضوع مع الصحراويين من قبل ديميستروا، يدل على أن المقصود من المحافظة على مبدأ تقرير المصير في ما يقوله الدبلوماسيون الأمريكانيون والأمميون إنما هو الدفع ليتجه تقرير المصير هذا نحو مقاربة الحكم الذاتي وأن على البوليزاريو أن يقبل ذلك وأن على الجزائر وموريتانيا المساعدة على ذلك، ولا تدل الصرامة التي يتحدث بها الأمريكان بأن ثمة خيار آخر جوهري يمكن التفكير فيه غير هذا.
وإذا علمنا أن أمريكا هي صاحبة اليد الطولى في أروقة الأمم المتحدة في هذا الموضوع وأن الدول العظمى الأخرى لا تهتم كثيرا بهذا الشأن لا يُتوقع وقوع تحول كبير في الملف يعاكس إرادة الأمريكيين.
فأمريكا كما قال “جوشيا هاريس” في مقابلته الصحفية المذكورة أعلاه: “هي حامل القلم لملف الصحراء الغربية لدى مجلس الأمن” وهو في هذا يضغط لعدم بقاء الفرقاء في المقاربات السابقة التي يقول عنها بأنها لم تحل المشكل ويوصي بالتحلي -حسب زعمه – ب”الإبداع والبراغماتية والواقعية” ويهدد تهديدا مبطنا بأن “بلده سيستعمل نفوذه للوصول إلى حل دائم يصلح للصحراويين”.
لا يهم ما نعرفه عن رأي الأمريكانيين في ملف الصحراء الغربية، فانحيازهم للأطروحة الرسمية المغربية معروف بل خيار المغرب هو خيارهم، واعتبارهم السلطة المغربية جزء تابعا وخادما في المحور الغربي غير خاف على أحد، وإنما الذي يهمنا هو ما الذي يريدونه من الجزائر، ما الذي يريدونه من بلدنا ضمن الوضع الدولي الجزائري الجديد الذي صنعته الأسباب التي ذكرناها أعلاه، وهي – مجددا – صدمة الإخفاق في الالتحاق بالبريكس وفتور العلاقة بروسيا وعدم نجاح الصينيين في الاستثمار في الجزائر بسبب البيروقراطية التي شكا منها الصينيون للعديد من السياسيين ومنه ما سمعته بنفسي في حفل أقاموه في قصر الثقافة بالجزائر العاصمة.
إن السؤال المطروح هو: هل استجدّ شيء ما في المقاربة الجزائرية في ملف الصحراء الغربية؟ وهل ستخضع السلطات الجزائرية للضغوطات أو الإغراءات الأمريكية؟ وهل ثمة حل مطروح على الجزائر يضمن مضي المقاربة المغربية مع امتيازات ما للجزائر وفق ما يمكن أن يفهم من جواب الدبلوماسي الأمريكي “جوشيا” حين سئل: ” هناك حلّان سياسيان: الاستقلال أو الحكم الذاتي.
فهل ناقشتم مع شركائكم الجزائريين إمكانية وجود حل ثالث بديل؟” فقال: “التحلي بالإبداع، البراغماتية والواقعية مطلوب، الحلول من نفس النوع التي أدّت إلى فشل المسار السياسي في السنوات الماضية لن تؤدي في الغالب إلى نتائج.
ولذلك تحدّث مجلس الأمن بكل وضوح عن ضرورة إنشاء روح الواقعية والتسوية وتوسيع مختلف الأطراف المعنية لمواقفهم”.
ما هو الجواب الرسمي الجزائري للديبلوماسي الأمريكي؟ وإن وقع التجاوب مع التوجهات الأمريكية كيف ستبرر السلطاتُ الأمرَ للجزائريين الذين طُلب منهم أن يتبنوا الخطاب الرسمي في هذا الشأن لعقود من الزمن دون أي فرصة لرأي آخر ولو في الهوامش الثانوية؟ أم أن للسلطات خطة أخرى تتحدى بها المسلمات الأمريكية التي عبر عنها “جوشيا هاريس”؟ و ما علاقة هذا أو ذاك بالانتخابات الرئاسية المرتقبة؟ ليس الوقت مناسبا لأناقش الخيارات بعمق ولكنه وقت للانتظار والتحليل والترقب، ولا بد في يوم من الأيام أن يُفتح ملف الصحراء الغربية للنقاش المجتمعي لتكون الحلول جزائرية مغاربية بلا خضوع للضغوطات أو الإغراءات الأجنبية، وبلا حسابات سلطوية أو مصالح شخصية أو فئوية وبما يحقق مصالح الشعوب وما يجسد تحقيق حلم المغرب العربي لصالح المواطنين بكل سيادة.
يتبع..
د. عبد الرزاق مقري
لا يُسأل النظام الجزائري عما يفعل في السياسة الخارجية والدفاع وقرارات رئيس الجمهورية، وكأن في السياسة في بلدنا مستويين، مستوى المواطنين الكبار وهم أصحاب القرار في المستويات العليا في الحكم، حيث يوجد التنافس الحقيقي عن السياسات وعن الحكم، ومستوى المواطنين من الدرجة الثانية وهم النواب وقادة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وباقي السكان، فهؤلاء لا يحق لهم السؤال إلا عن قرارات الوزراء والولاة والإدارات، وحتى هؤلاء يجب أن تكون الأسئلة بتحفظ وبأساليب اعتذارية ولطيفة حتى لا ينزعج من في الطبقات العليا، أما المستويات التي يمكن مساءلة المسؤولين فيها بشدة وبلا شفقة فهم رؤساء البلديات وأعضاء المجلس الشعبي الوطني.
ولهذا السبب لا يوجد نقاش سياسي عن التحولات الكبيرة التي تعرفها السياسة الخارجية الجزائرية والتوجهات الدفاعية وما يقرره الرئيس على مستوى مجموعة أصحاب القرار الحقيقيين بخصوص العلاقات بين الجزائر والولايات الأمريكية المتحدة.
لا تكون هكذا الديمقراطية الحقة، ولا التطبيق الحقيقي لنصوص وروح النصوص الدستورية، ولا يكون هكذا التدافع النافع للبلد، ولا تكون هكذا البيئة المانعة للاستبداد، ولا يكون هكذا السبيل الذي يطور الفكر والبرامج، ولا يكون هكذا النهج الذي يصنع القادة جيلا بعد جيل.
من حق الرأي العام الجزائري أن يعرف حقيقة الزيارات المكوكية بين المسؤولين الجزائريين إلى أمريكا والأمريكان إلى الجزائر وما يقال في قضايا السياسة الخارجية والدفاعية. ويخطئ من يعتقد بأن هذه المسائل كبيرة على عقول الجزائريين أو أنها لا تهم حياتهم اليومية المنهمكين فيها جريا وراء لقمة العيش. إن قرارا واحدا مهما يتعلق بالسياسة الخارجية أو الدفاع الوطني يمكنه أن يقلب حياة المواطنين الخاصة رأسا على عقد، فلا داعي للاستماع لجدال الزبونية والانتهازية، ممن قبلوا أن يكونوا من صغار المواطنين، هؤلاء الذين لا يعجبهم أن نسائل السلطات في هذا الشأن الكبير.
في خلال شهرين ونصف زار الجزائر نائب كاتب الدولة للشؤون الخارجية، جوشيا هاريس، كما زارها زميله تود روبنسن في هذه الفترة، وتحدث قائد الأركان الجزائري السعيد شنقريحة هاتفيا مع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية وليم بيرنس، وتحادث وزير الخارجية أحمد عطاف في واشنطن مع كاتب الدولة للخارجية أنتوني بلنكن، وعقدت اجتماعات بين الطرفين الأمريكي والجزائري حول الصناعة الحربية.
ليس الغريب أن يكون لبلد ما علاقات مع بلد آخر ولكن الأسئلة التي تطرح عن السياقات وطبيعة العلاقات وأبعادها التي تشير إليها التسريبات غير الرسمية والتصريحات الرسمية. وفي هذا الإطار نركز على تحليل المقابلة الصحفية التي أجراها “جوشيا هاريس” والتي نشرتها السفارة الأمريكية في موقعها الالكتروني والتي غطّت بعض وسائل الإعلام الجزائرية الجزء الذي يتناسب مع المزاج العام الذي يراد المحافظة عليه لدى المواطن الجزائري.
تجنَّب الدبلوماسي الأمريكي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمشاركة بلده في الجريمة التاريخية المقترفة ضد أهلنا في غزة والسياسات المتبعة في الحرب القائمة لتصفية القضية الفلسطينية، ولكن الذي لفت نظري قي أجوبته الصريحة ثلاث قضايا أساسية:
أولا – مسألة التسليح وما بيّنه بأنه بالفعل باتت الجزائر تهتم باقتناء السلاح الأمريكي وأنه “عليها أن تحدد اختياراتها وأنه من المهم أن تقول لنا الجزائر ما هي احتياجاتها في الدفاع الوطني، ونحن على استعداد للحوار بين عسكريينا، فإذا كانت الصناعة العسكرية الأمريكية تمثل جوابا لما يضمن للجزائر الدفاع عن نفسها نحن مستعدون للمشاركة في هذا النقاش”. وفي هذا الشأن يجب أن ننبه بأن التحول الجذري لمنظومة السلاح في بلد ما من سلاح أجنبي إلى سلاح أجنبي آخر يمثل مجازفة كبيرة ويتطلب ميزانيات عظيمة ووقتا طويلا قد يصل إلى عشر سنوات، وقد يكون مضرا من حيث الفاعلية العسكرية والأداء العملياتي مع مرور الزمن حيث يتطلب الأمر تغيير عميق للمهارات العسكرية على مستوى أجيال من الموارد البشرية. وقد مرت مصر بهذه التجربة حين حاولت التوجه في عهد السادات إلى السلاح الأمريكي الذي باتت تشتريه وجوبا من القروض المالية السنوية التي تمنحها إياها الولايات الأمريكية المتحدة على إثر بداية العلاقات العسكرية بين البلدين عام 1976 والتي أفضت إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني عامين بعد ذلك في 17 سبتمبر عام 1978.
واللافت في الأمر أن هذا التغير في الولاء لم تزد به مصر قوة بل دخل الجيش المصري في حالة ركود وتقهقر لم ينم فيه سوى الفساد وحالات السيطرة والتحكم في الحياة والسياسية والاقتصادية، وفي الأخير تأكد لدى المصريين بأنهم لن ينالوا ما يجعل جيشهم قويا ومهيبا بالاعتماد على السلاح الأمريكي فتوجهوا إلى تنويع وارداتهم وعادوا مؤخرا إلى السلاح الاستراتيجي الروسي.
بل إن أمريكا لم تسعف حتى حلفاءها الأقربين من غير الكيان الصهيوني في ما يتعلق بالمقاتلات والأسلحة الاستراتيجية، فبعد أن تقدمت الإمارات بشراء طائرة F35 ألغيت الصفقة، كما مُنعت تركيا من شراء السلاح الاستراتيجي الأمريكي وتراجعت واردات السلاح الأمريكي إلى تركيا بنسبة أكثر من 80% منذ 2010 بالرغم من أن تركيا عضو في الحلف الأطلسي، والمشكل الأكبر فإن البلد الذي يكون مرتبطا بالمنظومة الدفاعية الأمريكية يدفع الثمن في حالة وقوعه في نزاع مسلح لا توافق عليه أمريكا إذ تمنعه عندئذ من التموين بالسلاح الذي سيحتاجه في هذه الوقت العصيب، وقد فعلت أمريكا ذاك مع العديد من الدول.
وعليه فإن تغيير منظومة التسلح من روسيا إلى أمريكا ستكون كلفته عالية على عدة مستويات، والبديل إنما في تنويع الواردات على المدى القريب مع التركيز على الدول التي لا تكون احتمالات الخلافات معها في السياسة الخارجية عميقة، ولا شك أن الولايات الأمريكية المتحدة ليست من هذه الدول – وسنعود في هذا المقال إلى الحديث عن منظومة التحالفات – أما على المستوى المتوسط والبعيد فالحل الجذري يكون في الصناعة العسكرية الوطنية وما يتطلبه ذلك من تحكم في التكنولوجية وحسن استغلال المواد الأولية والتقنيات والمهارات الصناعية والموارد البشرية العلمية والتقنية الوطنية، فهذا من أعظم ما يجعل من يحكم الجزائريين في مستوى بلد كالجزائر أم لا ، وكلنا يعلم بأن ثمة بلدان نامية تبلي في هذا المجال بلاء حسنا فلما لا نكون مثلهم.
ثانيا – موضوع الصحراء الغربية:
… يتبع
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com