الأحزاب الإسلامية: أحزاب سياسية أم مجموعات مصالح؟

تاريخ النشر :

2024-05-12

التصنيف :

الحركات الإسلامية

عزمني أحد قادة التيار الإسلامي في بلد عزيز من بلاد العالم إلإسلامي، كانت بيني وبينه سابقا مساهمات جليلة في خدمة الفكرة والقضية الفلسطينية، فقضيت معه نصف يوم كامل غمرني فيه بالتقدير والكرم الجميل جزاه الله خيرا إلى أن أوصلني إلى المطار للعودة إلى بلدي، فكان الوقت كافيا جدا لنقاش فكري عميق، إذ هو رجل على قدر كبير من العلم والأدب.

 

كنت أعلم قبل لقائه بأنه ممن تسكنه القناعة بأهمية الاقتراب من الأنظمة الحاكمة، ولكن للمحبة المتبادلة بيننا ولخلقه ولمكانته عندي ولانتفاء الخلفيات الشخصية بيننا علمت أن النقاش معه سيكون مفيدا لكلينا.

 

لا أريد أن أعرض ما دار بيني وبينه من نقاش، استحضرنا فيه التاريخ والفكر والسياسة والأدب والذكريات الجميلة، ولكن شدني تبريره الذي بدا منطقيا لأهمية الاقتراب من الأنظمة الحاكمة مع ما يمكن أن يعاب عنها من فساد وعجز في تحقيق التنمية أو حتى بعض الظلم والاستبداد، وهو أن تهدئة العلاقات مع الأنظمة ودعمها السياسي يتيح الفرص لتوظيف وترقية أبناء التيار الإسلامي المحرومين من ذلك ظلما بسبب انتمائهم، وكذلك لحماية العديد من المؤسسات التي تبذل جهدا كبيرا في إصلاح المجتمع.

 

لقد سبق لي أن سمعت مثل هذا التبرير من أشخاص آخرين ولكن لم أتأثر بكلامهم لعدم ثقتي بخلفياتهم ولأن العديد منهم أتيحت لهم فرص فلم يقدموا شيئا ذا بال لغيرهم ولا لصالح المؤسسات العاملة في الإصلاح الاجتماعي، عكس ما قدمه غيرهم ممن لم يكونوا على وفاق مع الأنظمة الحاكمة، ولكن مكانة الرجل الذي أتحدث عنه وأسلوب حديثه الهادئ والمفعم بالعاطفة أثر فيّ وجعلني أفكر بعمق في ما قاله ولم أجبه إلا بعد سرد طويل لحججه، ولكن ما قلته له أثر فيه هو كذلك ورأيت أثر حديثي في ملامح وجهه جليا، إذ قلت له “أليس دور رجل السياسة في الحزب أن يكون همه توفير الظروف في بلده لتُعطى الفرص لكل أفراد الشعب وليس لأفراد حزبه وحركته والقريبين منه فقط؟ أليس من أدوار الحزب أن يكافح من أجل تحقيق العدالة واحترام القانون لتصان حقوق كل المؤسسات والهيئات التي تعمل لصالح المجتمع؟”

 

افترقنا والتأثير متبادل بيننا، وكما وعدته فكرت طويلا في هذه المعضلة، فعلمت أن ما قلته له حق ولا بد أن يكون في البلاد من يكافح الاستبداد والفساد بلا هوادة وأن ينافس على الحكم بالطرق والأدوات السلمية ليقدم البديل من حيث البرامج والرجال بما يصلح البلد كله ويغير حال مجمل المواطنين بقدر الإمكان، حتى وإن أدى ذلك الى توتر العلاقات مع الحكام، والتأصيل الشرعي لذلك حاضر في نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك، ويكفي أن نستذكر في الإطار العام سورة العصر التي يؤكد فيها الله تعالى بأن الخسران مؤكد في الناس ما لم يؤمنوا بالله ويعملوا صالحا وما لم يتواصوا بالحق، وبالصبر على المكاره والأذى الذي يحصل حتما على هذا الطريق، وفي الإطار الخاص المتعلق بالحكام ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في البرء من النفاق: “إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عَرَفَ بَرِئ، ومن أنكر سَلِم، ولكنْ مَنْ رضي وتابع” وغير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة في الموضوع، وفي التجارب البشرية تضحيات عظيمة، في تاريخ المسلمين وغير المسلمين، لأبطال غيروا التاريخ بوقوفهم في وجه الاستبداد، ولكن في نفس الوقت هناك مقاصد ومصالح عظيمة تحققها المؤسسات التي تعمل في إطار الإصلاح الاجتماعي تضيع أو تضعف إذا استهدفها الاستبداد، وحجج هؤلاء تدور حول فقه المقاصد والمآلات، وفتاوى ترك الإنكار الذي يؤدي إلى منكر أكبر منه، وهي فتاوى يقرها أهل العلم في موقعها وليس عوام الناس، فما العمل؟

 

لقد أرجعني التفكير العميق في هذه المعضلة التي يقع فيها الإسلاميون بين واجباتهم كأحزاب سياسية أسست من أجل التغيير من جهة، وواجباتهم كحركات إصلاحية اجتماعية من جهة أخرى، فتأكد لدي أن الأحزاب الإسلامية تؤدي دورين متناقضين لا ينسجمان معا، خصوصا في ظل حكم الأنظمة الاستبدادية، وأنها حتما ستضحي بدور من الدورين إن أصرت على جمعهما معا. إن أصرت على خدمة أفرادها والتمكين لعناصرها في مختلف المواقع وحماية مؤسساتها الاجتماعية ستضيّع دورها في التغيير والإصلاح السياسي العام فتسكت عن أخطاء الحاكم وضعفه وانحرافه فتتحول إلى أحزاب متواطئة مع منظومات الفساد والفشل والتخلف، ويكون حالها كحال من ورد فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَقُولُونَ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ، يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ كَمَا تَقَاحَمُ القِرَدَةُ))، ثم تفقد مصداقيتها مع مرور الزمن وتكون نهايتها أسوء ما يكون، وقد رأينا هذا المآل عن بعضها في العالم العربي والإسلامي، وإن أصرت على واجب مواجهة الإستبداد وقول الحق لا تخشى في الله لومة لائم ستضيع كثير من مكتسباتها على جبهة الإصلاح الاجتماعي.

 

لقد راجعت مطالعاتي السابقة في علم السياسة وعلم الاجتماع لحل هذه المعضلة فوجدت أن التجربة البشرية حلت هذه المعضلة من حيث التفريق بين الحزب السياسي ومجموعات المصالح، فهل الحركات الإسلامية السياسية أحزاب سياسية (Des Partis Politiques) أم مجموعات مصالح (Des Groupes D’Intérêt )؟ سنبين في المقال المقبل التعريفات القاموسية للأحزاب ومجموعات المصالح وأدوارها والفروق بينها، ثم نحاول إسقاط الأبعاد العلمية على واقع الحركات الإسلامية وتأثير حالة التضاد بين الأدوار التي تعيشها على مستقبلها ومستقبل مشروعها.

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية