المقالات

11 ديسمبر والقضية الفلسطينية (1/2)

كانت مظاهرات 11 ديسمبر حاسمة في طريق تحرر الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وكانت قد سبقتها  أحداث كبيرة على ثلاث مراحل: ما بين 1954 و 1955 ثم ما بين 1955 و 1958 ثم ما بين 1958 و 1960. أما المرحلة الأولى فكانت بين انطلاق الثورة في 01 نوفمبر 1954  وهجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955  التي سميت بيوم المجاهد. وقد اتسمت هذه المرحلة ببروز عبقرية مفجري الثورة الاثنين والعشرين المتمثلة في رؤية التحرير في بيان أول نوفمبر

وتحمّل مسؤولية الانطلاقة رغم الصعوبات والانشقاقات الكبيرة التي كانت تمر بها الحركة الوطنية، ورغم تغول سلطات الاحتلال على الجزائريين، وقد تبعتها خلال السنة تعقيدات تنظيمية وتعبوية وعسكرية كثيرة،  ركز فيها الاستعمار على ضرب معقل الجهاد بالأوراس ولم يكن ثمة تأييد كبير والتحام تام للشعب الجزائري بالكفاح المسلح.
ثم جاءت هجومات 20 أوت كتدبير عسكري عبقري من قبل قادة الثورة بضرب الاستعمار خلف المنطقة التي كان يركز عليها بالأوراس،  وكان هدفهم توسيع عملياتهم في يوم واحد في مدى أوسع بكثير ودفع الشعب الجزائري بواسطة ذلك إلى الانخراط الكامل في جبهة التحرير وكفاحها من أجل تحرير البلاد. فنجحت الخطة نجاحا عظيما أعطى للثورة زخما عظيما وتأييدا واسعا في الداخل والخارج استمر إلى غاية 1958 وألحق بالاستعمار خسائر لم يعد يطيقها.
في عام 1958 قرر جنرالات فرنسا والمستوطنون في الجزائر الضغط على باريس ( التي كان لهم فيها نفوذ كبير) للمجيئ بالجنرال ديغول إلى الحكم من جديد كونه، حسب هؤلاء، هو الوحيد القادر على القضاء على جيش التحرير وثورته المسلحة. استطاع ديغول بكفاءته العسكرية والسياسية أن يلحق ضررا كبير بالثوار في الجبال مدعوما بترسانة عسكرية جبارة من الحلف الأطلسي وبتضييق شديد على عبور السلاح للثوار من خلال تمتين خطي شال وموريس على الحدود مع تونس ومع المغرب، بالإضافة إلى محاولته شراء ذمم كثير من الجزائريين عبر مشروع تنموي اقتصادي واجتماعي وثقافي سُمي “مشروع قسنطينة”.
تعرض المدنيون من الشعب الجزائري في هذه المرحلة إلى حرب إبادة حقيقية في العديد من جهات الوطن حملت أسماء حربية ذات دلالات ( الشرَارة، ٩المنظار، الأحجار الكريمة، الماراثون، بروميثيوس، المحس ..) لا سيما في القرى، كما تم اعتماد التعذيب في المدن خصوصا في الجزائر العاصمة، وتشكيل المناطق المحرمة وإجبار سكان الأرياف على الإقامة في المحتشدات التي حُشر فيها أكثر من 2.5 مليون جزائري تعرضوا للويلات. كما تم تعميق وتوسيع طوابير الخونة والعملاء.
وفي  23 أكتبور  1958 عرض ديغول على المجاهدين ما سماه “سلم الشجعان” بأن يرموا السلاح ويستسلموا مقابل العفو عنهم، معتقدا بأنه قد هزمهم عسكريا بسبب الضربات الجبارة التي وجهها لهم والخسائر البشرية الكبيرة في صفوف إخوانهم المدنيين التي نتجت عن القصف العشوائي في المداشر والقرى.

لم يكن الجنرال ديغول يراقب التطورات العسكرية التي كان يعتقد بأنه يستطيع التحكم فيها رغم البطولات التي سطرها المجاهدون في الجبال والفدائيون في المدن، بقدر مراقبته لمدى ثبات الشعب الجزائري في مختلف أنحاء البلاد. وحينما تأكد لديه إصرار الجزائريين والتحامهم مع المجاهدين رغم الخسائر الكبيرة في خلال سنة واحدة أدرك بأن الحل العسكري لن ينهي المشكلة وأن فرنسا كلها تغرق في الأرض الجزائرية فبدأ يقترح الحلول سياسية التي تتوج الضربات العسكرية المدمرة التي  سلطها على المجاهدين و حواضنهم الاجتماعية من السكان العزل في القرى، ومن ذلك  المشروع الذي عرضه في 16 ديسمبر  عام 1959 الذي يقتضي حكم ذاتي جزائري متحد مع فرنسا أو تقسيم الشمال الجزائري إلى وطن للمستوطنين ووطن للجزائريين على أن يبقى الجنوب فرنسيا.

ساهمت المجازر ومنهجية التعذيب التي صنعتها الاستراتيجية العسكرية الهمجية  التي جاء بها الجنرال ديغول والتي انخرط فيها الجنرالات الفرنسيون في الجزائر في صناعة الإصرار الجزائري على القطيعة مع الاحتلال وإنهائه مهما كان الثمن ولم يركن إلى مشاريع الإغراء والإلحاق سوى فئات قليلة من الجزائريين.

وحينما أدرك ديغول ذلك رفع شعارا جديدا عنوانه “الجزائر الجزائرية” (L’Algérie Algérienne) في مقابل شعار المستوطنين “الجزائر الفرنسية” (L’Algérie Française) وفي مقابل شعار الشعب الجزائري “الجزائر المسلمة”  (L’Algérie Musulmane)، وكان هدفه خروج فرنسا عسكريا من الجزائر عبر مفاوضات مع جبهة التحرير تؤدي إلى جزائر  ملحقة بفرنسا، ولكن لكي يتحقق له ذلك ينبغي أن تكون هذه الجزائر مقطوعة عن هويتها التي صنعت ثباتها وتماسك نسيجها الثقافي والاجتماعي عبر 130 سنة والتي بها قويت على محاربة الاحتلال وهزيمته رغم الخسائر الفظيعة وهي الهوية الإسلامية الجامعة.   

وجد الجنرال ديغول نفسه يواجه جبهتين في نفس الوقت، جبهة المعمرين المتطرفين وجنرالاتهم، الذين حاولوا الانقلاب عليه، واحتشدوا يهتفون ضده حين زارهم في عين تموشنت في 09 ديسمبر 1960حيث رفعوا شعارهم الجزائر الفرنسية. وكان يعتقد بأن سلاحه ضد هؤلاء هو خضوع الجزائريين لخطته “العصا والجزرة” وأن أصحاب الأرض الأصليين سيقبلون بجزائر مجزّأة أو ملحقة ثقافيا غير أن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 أفسدت أحلامه وأحلام المعمرين في نفس الوقت، إذ اتضح له بأن القضية الجزائرية ليست قضية مجاهدين مسلحين في الجبال ولا مناضلين فدائيين في المدن وإنما هي قضية شعب بأكمله يصر على الاستقلال وأن تكون الجزائر مسلمة، فلا جزائرية دون انتماء وهوية ولا فرنسية بأي حال من الأحوال.

[غير أن خطة ديغول بقيت تعمل بعد الاستقلال، ولا زلنا نكافح ضدها إلى اليوم،  ولكن تلك قصة أخرى ليس مجال الحديث عنها في هذا المقال].

كيف نسقط هذه الأحداث ودور 11 ديسمبر في الاستقلال الجزائري على القضية الفلسطينية؟

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

11 ديسمبر والقضية الفلسطينية (2/2)

لم نشهد في القضية الفلسطينية مظاهرات حاشدة للشعب الفلسطيني في كل فلسطين ترفع شعار الاستقلال والانتماء ولكن نقطة التشابه التي نستلهمها في أهمية الدور الشعبي في طريق تحقيق إنهاء الاحتلال الصهيوني بدايته هذا الثبات الاسطوري المدهش العظيم الذي يظهره سكان الغزة والذي لم ير الناس مثله في التاريخ، وسنشهد يوما ما مظاهرات عارمة للفلسطينيين تعلن ولاء الشعب للمقاومة وتصرخ في وجه العملاء والعالم الظالم بأنه لا حل سوى الاستقلال الكامل ل”فلسطين المسلمة”، بوصلة الإسلام والمسلمين.

لقد كانت القضية الفلسطينية تمر بمرحلة خطيرة في تاريخها منذ الاحتلال قبل طوفان الأقصى، أخذ قطاع غزة يتحول إلى وطن قائم بذاته لا ينتظر سوى أن تضاف إليه أرض سيناء لكي يتجسد مشروع صفقة القرن، وباتت الضفة يأكلها التوسع الاستيطاني ويسيطر عليها المستوطنون أكثر فأكثر ليصلوا يوما ما إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأردن وغيرها، ولم تتوقف سياسة التهويد ونهب بيوت السكان الفلسطينيين في القدس، وتوصل اليهود إلى تحقيق هدف التقسيم الزماني للمسجد الأقصى في طريقهم إلى التقسيم المكاني، وربما في غفلة من المسلمين إلى تدميره وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وأضحى الفلسطينيون في فلسطين المحتلة في الثمانية والأربعين يعيشون تحت وطأة التمييز العنصري وتدمير بناهم الاجتماعية وإفساد شبابهم.

كانت الأيام العصيبة في غزة والمواجهة المتتالية مع الكيان والتكوين التربوي المنهجي للشباب والآمال العريضة بالنصر في فلسطين ونهضة الأمة تصنع في تلك الأرض الطيبة جيلا مجاهدا لا يعيش إلا من أجل التحرير.

أدرك هذا الجيل بقدراته العقلية الفذة التي صنعتها بيئة الجهاد والاستشهاد، والتي لم نر – لهذا السبب – مثيلا لها بين المسلمين في هذا الزمن، بأن القضية الفلسطينية تتجه نحو مأزق حقيقي يجسد خطط الصهاينة والمشروع الغربي الاستعماري والعربي التطبيعي المتخاذل العميل فعزموا على قلب الطاولة على الجميع إذ لم يبق شيء تخسره فلسطين والأمة لو نجحت مخططات الأعداء تلك، فكان طوفان الأقصى هو الشبه التام لأحداث 20 أوت 1955 أثناء الثورة التحريرية الجزائرية.

كما أن أحداث 20 أوت تبعها تصعيد للعمل الثوري الجزائري استمر عدة سنوات، لن يكون طوفان الأقصى سوى مرحلة أولى لمعارك تحريرية طاحنة ليس في غزة وحدها، بل في الضفة كذلك وكل فلسطين، وكما أن رد الفعل الفرنسي كان همجيا إجراميا في حق المدنيين نحن نرى أعظم من ذلك في رد الفعل الصهيوني، وكما أن تلك العمليات التدميرية لمعنى الإنسانية لم تفلح في إخضاع الجزائريين لن تفلح مثيلاتها وما هو أفضع منها في فلسطين في كسر إرادة أهل هذه الأرض المباركة، وكما أن المشاريع السياسية الإلحاقية الديغولية لم تحقق غايتها في إفساد الشعب الجزائري لن تقدر المؤامرات الغربية والعربية على إجبار الفلسطينيين على قبول مشاريع الخضوع السياسية و التفريط في شبر من أرضهم، وكما أن احتدام المواجهة مع الاحتلال والتضحيات المقدّمة كرست مرجعية جبهة التحرير الوطني وإنهاء مرجعية مصالي الحاج، لدى الجزائريين أثناء الثورة أدت مقارعة الاحتلال الصهيوني والثمن المقدم من المقاومين والشعب الفلسطيني جنبا إلى جنب إلى تكريس مرجعية المقاومة وانهيار ما بقي من السلطة الفلسطينية في ذهن الفلسطينيين.

نحن نسمع ونرى اليوم نتنياهو السياسي يقول هو والمستوطنون اليهود المتشددون ما كان يقوله المستوطنون الفرنسيون المتشددون (وكثير منهم، ومن أشرسهم كانوا يهودا) بأن لا وجود لشيء اسمه فلسطين وأنها “إسرائيل اليهودية” فحسب، وخلاف هؤلاء مع التيار العلماني المؤسس للكيان، ومنهم قادة الجيش الصهيوني أن هذا التيار يريد العودة لحل الدولتين بتقسيمات أعقد من مشروع تقسيمات ديغول، ولكن في الأخير لن يكون ثمة إسرائيل اليهودية ولا فلسطين المقسمة، وإنما فلسطين الموحَّدة الموحِّدة المسلمة.

لقد أدى المجاهدون في الجبال والمناضلون في المدن ما كان عليهم تأديته، ولما اشتد عليهم الضغط من الجيش الفرنسي والحلف الأطلسي تحرك الشعب الجزائري بكليته يعلن التحامه الكامل مع المجاهدين وصدع بلسان واحد بأن لا سيد على فلسطين غير الشعب الفلسطيني، وهكذا ستحسم المعركة في فلسطين .. حين يتكرر 11 ديسمبر في كل مكان في فلسطين، إذ تلك هي سنة الله في الأرض التي لا تتغير ولا تتبدل … لا حسم في المعارك إلا بانخراط الشعب فيها وصدق الله تعالى إذ يقول: (( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)).

سيفعل ذلك الشعب الفلسطيني برمته، هو يفعل أكثر من ذلك في غزة، بتمسكه بأرضه ورفضه إخراجه منها إلى سيناء، رغم المآسي اليومية التي تحدث في كل لحظة وفي كل يوم بما لا تطيقه الجبال، بما لم يصبح لنا طاقة للنظر إلى صورها، من أطفال صغار يُمزقون وتبتر أطرافهم وترتعد فرائصهم لهول ما يصيبهم صابرين محتسبين، ونساء وشيوخ ومرضى وجرحى يستنجدون الأشقاء والإنسانية والعالم بأسره ولا أحد يجيب، ستصنع هذه الاستغاثة المؤلمة التي لا مجيب لها من هذا الشعب الأسطوري العظيم أجيالا من الفلسطينيين لا يعيشون إلا من استقلال بلدهم وسيُنشئ الطوفان العسكري الذي انطلق في 07 أكتوبر وعيا شاملا للإنسان الفلسطيني طوفانا بشريا هادرا في كل فلسطين ينهي أحلام ” إسرائيل اليهودية” وأحلام ” حل الدولتين” .

وما ذلك على الله بعزيز، وإنما هي دماء الشهداء التي تحدد المصير.

د. عبد الرزاق مقري

 

هل الجزائر مع فلسطين؟ وإلى أي مدى؟ (3\3)

لم تكن مبادرة لم شمل الفلسطينيين مستغربة من الجزائر، فهي البلد التي اجتمعت فيها كل الفصائل عام 1988 لإعلان قيام الدولة الفلسطينية، كما أن إطلاقها مشروع المصالحة الفلسطينية بعد العملية التطبيعية المغربية الآثمة تصرف سياسي ذكي، غير أن ظروفا أخرى شجعت على المضي فيها، ومنها التطورات الدولية التي باتت تسير نحو التعددية القطبية والتي خفّت فيها قبضة  الولايات الأمريكية المتحدة عن المنطقة،

علاوة على أن الأمريكيين نظروا إلى المبادرة الجزائرية كفرصة لجر حماس وفصائل المقاومة إلى الاعتراف بالشرعية الدولية بحكم العلاقة الطيبة مع الجزائر وفشل مصر والدول الأخرى في ذلك من قبل. فلعل حماس تصبح، من خلال مبادرة الجزائر، عضوا في منظمة التحرير بعد أن تعترف بإسرائيل، والغريب في الأمر أن ثمة في الجزائر من اعتقد بأن حماس لن يكون لها مشكل مع قبول الشرعية الدولية، دون – ربما – الفهم بأن معنى الاعتراف بالشرعية الدولية هو الاعتراف  بالكيان الصهيوني وتسليم سلاح المقاومة للسلطة الفلسطينية. 

ولما تأكد للأمريكان بأن فصائل المقاومة لم تقبل الإمضاء في “إعلان الجزائر” على الاعتراف بالشرعية الدولية  بات الإعلان بالنسبة لهم في خبر كان، وأصبح فعلا ماضيا ناقصا لا وزن له عند الفلسطينيين في حركة فتح ومنظمة التحرير بقيادة عباس بالرغم من أنهم أمضوا عليه (لا لشيء إلا ليحفظوا ماء الوجه للجزائريين)، كما لم يصبح للمشروع قيمة عند الدول العربية المطبعة وعلى رأسها مصر. ثم في الأخير سقطت أهمية الإعلان عند الجزائريين أنفسهم إذ لم يسعوا لتثمينه بمناسبة التطورات الحاصلة، بالرغم من أن هذا المشروع هو الأقدر على وضع تصور عادل للقضية الفلسطينية بعد الحرب القائمة بإرادة الفلسطينيين وحدهم. 

كان بإمكان “إعلان الجزائر”، بالصيغة التي تم الإمضاء عليه من قبل حماس وفتح وكل الفصائل الفلسطينية، أن يحرج الإسرائيليين وليس الفلسطينيين، وذلك بأن يناقش الفلسطينيون داخل منظمة التحرير بعد أن تلتحق بها حماس والجهاد استراتيجية التحرير بما يرونه مناسبا وصالحا لقضيتهم، وفي هذا الإطار لن يكون لفصائل المقاومة ـ وفق ما سمعناه منهم ـ مشكلة في أن ينخرطوا في المشاركة السياسية وإدارة القطاع والضفة والقدس الشرقية ديمقراطيا إذا انسحب منها الإسرائيليون وفق ما يسمى ب”حل الدولتين”، ولكن دون أن يُجبَروا على الاعتراف بإسرائيل وتسليم سلاح المقاومة، وربما يتم الاتفاق على هدنة ما مع الكيان في هذا الإطار. 

إن الإحراج السياسي الذي يسببه مشروعٌ مثل هذا للإسرائليين  يتمثل في أن هذا الخيار  يستحيل الوقوع عمليا، وذلك لأن اليهود المحتلين لا يؤمنون به ولا يقبلونه وقد فعلوا عبر السنوات كل ما يجعله مستحيلا، فهم يريدون مزيدا من التوسع وليس الانسحاب من أي بقعة من فلسطين المحتلة، ولو لا طوفان الأقصى لكان العرب ذاتهم قد تركوا مبادرة حل الدولتين نهائيا، وكان يكون التَّرك نهائيا بالدوس عليه بأرجل السعوديين الذين كانوا يستعدون للتطبيع والاعتراف بالكيان دون اشتراط حل الدولتين بالرغم من أنهم هم أصحاب المبادرة كما هو معلوم، ولو لا الحادثة البطولية يوم السابع من أكتوبر لكان الأمر قد تم. 

كان من المفروض أن تمضي الجزائر في مبادرتها لدعم القضية الفلسطينية، وأن تستعين بتركيا في ذلك إذ في مقاربة هذه الأخيرة نقاط مشتركة مع مبادرة بلدنا، وربما كنا نجد مساحة مشتركة مع قطر وإيران، بدل المشاريع الجارية التي تُطبخ بين أمريكا وبعض الدول العربية، بغرض إحراج المقاومة سياسيا حتى وإن انتصرت عسكريا . وقد يكون هذا الإحراج الذي يمكن أن تصنعه الجزائر للصهاينة ومن والاهم بمبادرتها هو من مسرّعات التحرير، الذي أخذ طريقه بعد طوفان الأقصى إلى أن يتحقق قريبا بإذن الله تعالى. ولكن هل لقادتنا القوة والشجاعة والرؤية لكي ندخل في هذا المسار التاريخي الكبير؟

لقد كان بالإمكان أن يكون هذا الإعلان، منذ أن تم تخريبه من طرف السلطة الفلسطينية ومن وراءها، فرصة للجزائر لدعم المقاومة بكل الوسائل، بكل مصداقية دون أن يلومها أحد، انتقاما لشرف بلدنا الذي لم يقدره عباس ومن معه، كما أن إعلان الجزائر صار يمثل إطارا مناسبا لجميع الأطراف لو وجد قوة اقليمية أو دولية تسنده. ولكن يبدو بوضوح أن أمريكا والدول العربية لا تريد هذا الإعلان ولا شك أن التقارب الجزائري الأمريكي الحاصل لا يساعد على أن يكون للجزائر عبر الإعلان المسمى باسمها دور تستفيد منه حركة حماس وفصائل المقاومة. 

إن ما يفسر التقارب الجزائري الامريكي – الذي منطقيا لا يكون لصالح حماس –  تحولات عديدة منها خيبة الأمل في عدم دخول منظمة البريكس، والغضب من روسيا التي لم تكتف بعدم الدفاع عن الجزائر بل صرح وزير خارجيتها لافروف بكلام منقصٍ لقيمة الجزائر عند ذكره معايير اختيار الدول التي تم ضمها للبريكس، وقد ساعدت الولايات الأمريكية المتحدة الجزائر على التقارب من خلال خطوات علنية لصالح ملف الصحراء الغربية، وذلك بعد ما تم التلاعب بالمخزن المغربي وتحقيق الأهداف المسطرة بشأنه، وفي ظل تعمق أزمات هذا البلد الاقتصادية والسياسية، فلم يعد بلدا ذا سيادية يحتاج من ورطوه في التطبيع (على أساس وعد كاذب) أن يخشوا من رد فعل منه لا يخدم مصالحهم.

ومما يبين أن البعد السياسي كان حاضرا في مبادرة لم الشمل الفلسطيني أن الجزائر لم تهتم بحركة حماس التي شرّفت الجزائر في هذا الموضوع وبقيت ملتزمة بالاتفاق، فلم يُقدم لها إلى الآن أيُّ دعم خاص بها، لا سياسي ولا مالي ولا عسكري، وبقي الموقف الجزائري الرسمي أقرب لحركة فتح ولصالح منظمة التحرير التي ليست حماس عضوا فيها، وذلك رغم الفتور في العلاقة بين الجزائر وعباس الذي ربما سيعود إلى ما كان عليه في زمن بوتفليقة.

إنه لا شك أن الجزائر تراعي علاقاتها مع الولايات الأمريكية المتحدة في الشأن الفلسطيني كغيرها من الدول العربية، وأن قطار التطبيع، إن كان منطلقا دون توقف، فإن الجزائر – بالنسبة لأمريكا – ستكون محطته الأخيرة للأسباب التي شرحها لنا الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله. ولكن بالإضافة إلى ذلك، ثمة حرج عند حكامنا من الاتجاه الأيديولوجي لحركة حماس وانتمائها الإسلامي السياسي، وذلك من أعقد العقد عند الأنظمة العربية في تعاملها مع القضية الفلسطينية إذ ترى في نجاح حركة حماس الفلسطينية نجاحا للمنافس الإسلامي العنيد في بلدانهم، وربما هو نجاح كذلك لحركة حماس الجزائرية بالنسبة للنظام الجزائري. ولا تدرك هذه الأنظمة الغافلة أن تحرير فلسطين، بغض النظر من الذي سيسهم بفاعلية فيه، هو تحرير للعالم العربي والإسلامي كله، وأن المقاومة الفلسطينية تجاوزت الصراعات السياسية والأيديولوجية القائمة في بلداننا، وأنها أصبحت ظاهرة عالمية، خصوصا بعد طوفان الأقصى، ظاهرة تشمل كل الانتماءات الأيديولوجية والعرقية والدينية والمذهبية والجغرافية. 

لعل ذلك الحرج السياسي هو ما يفسر عدم التفوه باسم حماس الفلسطينية من قبل السيد رئيس الجمهورية حين قال في كلمته التي رحبنا بها جميعا “الفلسطينيون ليسو إرهابيين”، علما بأن الفلسطينيين ليسو متهمين جميعهم من قبل الدول الغربية، وإنما المتهم هو حركة حماس أساسا، والغريب أنه في الوقت الذي لا يستطيع فيه حكامنا التفوه بكلمة “حماس” الفلسطينية نجد أن رؤساء دول وساسة وشخصيات في دول أخرى مطبعة نفوا عن حركة “حماس” بذاتها تهمة الإرهاب.

والخلاصة أن الموقف الجزائري من حيث رفض التطبيع موقف متقدم بالنسبة لكثير من الدول العربية والإسلامية الأخرى، وذلك للأسباب التي ذكرناها من قبل، والتي بينها الأستاذ مهري كما كررناه أعلاه، ولكن النظام الجزائري متأخر وليس متقدما على غيره الآن، بالنسبة لكثير من الدول في العالم، وأنه لا شيء مميز قدمته السلطات الرسمية للمقاومة وللتضامن مع أهلنا في غزة إلى حد الساعة. لا شك أن ثمة مجهودات كبيرة تقوم بها بعض المؤسسات والمنظمات غير الحكومية الجزائرية، وكل ما تقوم به هذه الهيئات التي رفعت العلم الجزائري في غزة مبارك يشرف أصحابها ويدخل في رصيد الجزائر كلها، بل يرفع شيئا من الحرج عن السلطات ذاتها. غير أن الحجم العظيم للمعاناة التي يعيشها أشقاؤنا المظلومون المشردون في أرضهم في غزة، والمستوى التاريخي والمصيري للتحدي الذي تواجهه المقاومة الفلسطينية لا يستطيع إيفاء حقه سوى الدول بمواقفها الواضحة وإمكاناتها الحكومية الكبيرة، وعليه إن مسؤولية تصحيح الموقف والدور الرسمي الجزائري مسؤولية تاريخية أمام الله وأمام التاريخ. 

ثم إن مما يجب الاهتمام به في الأخير بعد نهاية الحرب هو الدعوة الدائمة لليقظة لملاحقة أي تصرف تطبيعي يصدر من أي جهة رسمية أو مجتمعية، ومنها الاختراقات التطبيعية التي نراها أحيانا على مستوى الرياضة أو التجارة أو غير ذلك، أو أي تصرف فيه غموض ويمثل خطرا على القضية الفلسطينية كالموقف المرفوض سياسيا وأخلاقيا الذي قام به وزير الشؤون الدينية بزيارته عميد مسجد باريس الذي ناصر الإسرائيليين علانية في وسائل الإعلام الفرنسية في حديثه عن طوفان الأقصى، دون مراعاة للدماء الغزيرة لأشقائنا في غزة، مما يدل بأن موجات التطبيع في الجزائر ممكنة الوقوع كما حدثت من قبل، وكما كان يمكن أن يحدث عن طريق المتسللين داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع لو لا طوفان الأقصى الذي كسّر موجتها الأخيرة في كل العالم العربي.

 فالحذر الحذر من نخب متطرفة مبغضة لهويتنا وانتمائنا ومقدساتنا، ومن اللوبيات الفرنسية والغربية، أو ربما من يهود وماسونيين استطاعوا أن يتوصلوا  إلى مواقع نفوذ في بلادنا، أو خضوعا لضغوطات خارجية، أو بسبب الطموحات الشخصية. وتمنينا لو أن السلطات سمحت بمرور قانون تجريم التطبيع في البرلمان لتطمئننا بأن هذه المرحلة آمنة بهذا الشأن ولتأمين المراحل المقبلة في المستقبل كما فعلت دول أخرى غير مطبعة، ولكن حكامنا رفضوا ذلك مما يجعل اليقظة مطلوبة أكثر.

وصدق الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني”.

د. عبد الرزاق مقري

هل الجزائر مع فلسطين؟ وإلى أي مدى؟ (2\3)

نحن لا ننكر الخصوصية التاريخية للجزائر بخصوص دعمها الكبير لفلسطين منذ القدم، فقد كتبتُ في عام 2013 كتابا بعنوان “الجزائر وفلسطين” بينت فيه مساهمات الجزائريين لنصرة فلسطين منذ مشاركتهم في تحرير المسجد الأقصى مع صلاح الدين الأيوبي ومنحهم هذا القائد الكبير الأوقاف التي لا تزال إلى اليوم باسمهم كجزائريين من مغرب الأمة الإسلامية (حارة المغاربة)،

وعن مشاركة مجاهدين جزائريين في ثورات الفلسطينيين قبل النكبة وفي حرب الثمانية والأربعين، وعن  أدوار الحركة الوطنية في عهد الاستعمار، سواء كشخصيات مثل عمر راسم والشيخ السعيد الزاهري، وأبو اليقظان، والفضيل الورتلاني، أو كهيئات ومنظمات، وخصوصا الهيئة العليا لإعانة فلسطين عام 1948 التي شاركت فيها كل الأطياف والتوجهات بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله. ثم تحدث الكتاب عن انخراط الدولة الجزائرية المستقلة في دعم الكفاح الفلسطيني مباشرة بعد الاستقلال، سواء من حيث المشاركة في حرب عام 1967 أو في الموقف والإسهام المتميز عام 1973 أو من حيث دعم حركة التحرير الفلسطينية بالسلاح (فتح) عند تأسيسها، وسياسيا ودبلوماسيا، وكيف كانت القوى المعارضة للنظام السياسي الناشئ هي كذلك مساندة لفلسطين، وضربتُ مثلا بمحمد خيضر ومحمد بودية رحمهما الله، ثم كيف تحولت قضية فلسطين إلى قضية مبدئية مركزية عند كل الجزائريين رمَز لها الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله بقوله ” الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وخصصتُ فصلا من الكتاب لمساهمتنا نحن كأشخاص وباسم حركة مجتمع السلم في نصرة القضية من المساهمات المالية التي ألزمت بها الحركة المناضلين وعائلاتهم سنويا منذ التأسيس، إلى غزوتنا في أسطول الحرية، والتنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع، والجبهة الشعبية لنصرة المقاومة والقضية الفلسطينية، ومؤسسة القدس، إلى حملات كسر الحصار المتتالية وغير ذلك.

فتاريخ الجزائر في المساهمة الجادة والفاعلة في نصرة القضية الفلسطينية، معروف لدينا، و لا تحتاج تلك المساهمات إلى تبيان لنصاعتها ووضوحها، لا يحتاج الأمر منا أن نبرر أنفسنا في القناعة بها. غير أن ثمة تحولات في الموضوع وقعت في فترة التسعينيات أخذت تدفع بالجزائر إلى الاتجاه المعاكس، بل بدأت جهات  نافذة في المجتمع والدولة تسعى خفية تارة وعلانية تارة لجر بلدنا إلى التطبيع مع الكيان.

لقد كان الضعف الذي آلت إليه الجزائر منذ الأزمة الاقتصادية في منتصف الثمانينات، ثم الصراع السياسي والفتنة الدموية التي وقعنا فيها طيلة التسعينيات هي البيئة التي صنعت التراجع في القضية الفلسطينية، تماما مثلما وقع  التراجع في مجال الحريات وفي آمال تحسين المعيشة وظروف الحياة مع تسارع واشتداد الأزمة.

 وحينما جاء بوتفليقة إلى الحكم عام  1999 كانت الجزائر تبحث عن ذاتها ولملمة جراحها وكان مطلب المصالحة الوطنية هو المطلب الذي ضحى من أجله الجميع وتنازل لتحقيقه الأحزاب والساسة الوطنيون عن طموحاتهم السياسية في قيادة وتطوير البلد، وتنازل المواطنون عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وصاحب تلك الظروف في بلادنا حدوث موجة تطبيعية كبيرة في الوطن العربي، كان نصيب الجزائر منها بين 1999 و 2000 المصافحة المشؤومة بين بوتفليقة وإيهود باراك، ومحاولة دعوة أنريكو ماسياس الصهيوني للجزائر، وزيارة الوفد الصحفي الجزائري لدولة الكيان.

غير أن انتفاضة الأقصى في فلسطين في سبتمبر 2000 على إثر دخول المجرم أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى أفسدت الحسابات في كل العالم العربي. وفي الجزائر عطل مسيرة التطبيع – قبل انتفاضة الأقصى وبعدها – حركة المجتمع  ضد التطبيع من خلال تنسيقية مناهضة التطبيع التي جمعت شخصيات وطنية مجتمعية وسياسية مهمة بعضها شارك في الحروب ضد الاحتلال الصهيوني، وكذلك الوثبة الجزائرية ضد المصافحة والوفد الصحفي، والتي كان من أبطالها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله الذي حمّل مسؤولية الاختراق التطبيعي الإعلامي السلطات الرسمية آنذاك ووجه لهم نقدا لاذعا، وقد شرفني الله أن كنت عضوا مؤسسا للتنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع آنذاك.

 وبعد تلك المحاولات  التطبيعية الفاشلة بقي صوت الجزائر خافتا بخصوص القضية وساءت العلاقة بمنظمة التحرير ورئيسها محمود عباس الذي تنكر للمساهمات السابقة للجزائر بسبب ارتمائه كلية في الجانب المصري تحت الإرادة الأمريكية. وقد كان عبد الحميد مهري يبين لنا في العديد من لقاءاتنا في الفرع الجزائري لمؤسسة القدس الدولية بأن الولايات الأمريكية المتحدة تطلب من الجزائر أن تنأى بنفسها عن الملف الفلسطيني وتتركه كلية للمصريين، مؤكدا بأنه لا يمكن أن تتوقع أمريكا والدول الغربية أن تذهب الجزائر إلى التطبيع في تلك المرحلة بسبب أن الدولة الجزائرية أسستها حرب تحريرية ضد الاحتلال وأن الروح التحررية في الدولة والمجتمع لا تزال قوية ولا يتحمل الأمر خطوات تطبيعية حاسمة، لا سيما بعد فشل المحاولة المشار إليها أعلاه، وبقي الحد المطلوب من الجزائر أمريكيا هو عدم التدخل في الملف فحسب، وذلك الذي كان.

ولكن مع مرور الزمن بدأت الرياح التطبيعية الكريهة تنبعث من داخل الدولة، وقد سمعت بنفسي مسؤولين كبارا في أواخر عهد بوتفليقة  يتحدثون بكل جرأة  عن رفضهم أن تبقى الجزائر تضحي بمصالحها من أجل فلسطين (!)، زاعمين بأنه لا يمكن أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين. ولكن برحمة الله بهذا البلد الطيب جاء الحراك الشعبي فكنس كل تلك الأصوات، فغادر الحكمَ بعضُهم، وبقي بعض آخر يكْمُن ينتظر فرصا أخرى. 

وحينما حَلّت موجةٌ تطبيعية جديدة قادتها دولة الإمارات حطت رحالَها في جوارنا بالمغرب، فكان التطبيع المغربي وتحالف المخزن مع الصهاينة سياسيا وعسكريا وأمنيا بمثابة قوة كاسحة أبعدت الجزائر عن التطبيع، مدعَّمة بالقوى الوطنية الجزائرية في الدولة والمجتمع التي لا تزال ذات تأثير كبير ضد التطبيع. وفي هذا السياق جاءت مبادرة المصالحة الوطنية التي تُوجت ب”إعلان الجزائر” خدمة للقضية الفلسطينية كدافع أصيل ولكن كذلك كمشروع سياسي يواجه التحالف المغربي الصهيوني، فإلى أي مآل ذهبت المبادرة؟ هذا ما سنبينه في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال بحول الله.

يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

هل الجزائر مع فلسطين؟ وإلى أي مدى؟ (1\3)

مقدمة قبل البدء:

إن التثمين والمدح للسلطات في الجزائر يضرب أطنابه، يسيطر على الفضائيات والمؤسسات الإعلامية وعبر الذباب الالكتروني وفي بيانات الأحزاب والمنظمات، فلا يجب على السلطات أن تقلق حينما تظهر أصوات معزولة داخل البلد،  وسط زخم المثمنين والمدّاحين، فهو صوت لا يكاد يُسمع بين هؤلاء، وفي كل الأحوال سيتولاه الذباب الالكتروني، وسيرد عليه بقسوة الطبّالون.

وخلافا لما يدّعيه الذين يحكمون على الغير “بالذي عليه أنفسهم” فلا يعملون عملا إلا بقصد المنفعة السياسية أو المادية فإن الله يعلم أن موقفنا لا نية فيه سوى محاولة أداء المهمة كاملة أمام الله وبعونه، ثم تسجيل الموقف للتاريخ لكي لا تقول الأجيال المستقبلية أن الجميع كان مقصرا في الضغط الحقيقي على النظام السياسي ليقوم بواجبه كاملا تجاه فلسطين.

وكذلك حينما تنجلي معارك طوفان الأقصى، يستطيع المرء أن ينظر إلى وجهه في المرآة فلا يشعر بالندم على ما فات مما كان يمكن القيام به.

الموضوع:

لقد كان موقف الجزائر تجاه القضية الفلسطينية  قبل طوفان الأقصى مشكورا ضمن ظروف خاصة نشرحها في الجزء الثاني من هذا المقال، ولكن بعد الطوفان لا يوجد شيء مميّز قدمته الجزائر إلى الآن للفلسطينيين في محنتهم الجارية على أرض غزة وكذا في الضفة الغربية، فلا الخطاب الرسمي بالنسبة لغيرها متقدم، ولا حديثا سمعناه من المسؤولين عن الإدانة الواضحة للولايات الأمريكية المتحدة عن تخطيطها ومشاركتها في الجريمة،  ولا الجسر الجوي الذي تم التصريح به سابقا ظهر أثناء أيام الهدنة، ولا سُمح للشعب الجزائري أن يُعبر عن غضبه من الصهاينة وحليفهم الأمريكي، وعن تضامنه مع إخوانه المظلومين، كغيره من الشعوب، ولا المواد العينية التي جمعها الهلال الأحمر وبعض الجمعيات وجدت طريقها لمن جُمعت لهم، ولا كان للجزائر دور دبلوماسي مؤثر واضح في حشد القوى الدولية لصالح أشقائنا المظلومين المقهورين، ولا حتى نقْل المرضى والجرحى إلى المستشفيات الجزائرية  قائم كما تفعل بعض الدول أخرى. ورغم ذلك ثمة في الأحزاب والشخصيات والإعلاميين والنواب من يكرر و يبالغ في التثمين والمدح والشكر للسلطة المتحكمة، ومن تجرأ من هؤلاء فقال بعد التثمين المكرر “ولكن” اعتُبر مقصرا ومتجاوزا لحدوده.

كما أن القول بأن مصر رفضت مرور المساعدات والمساهمات الجزائرية، قول لا يستر التقصير، فالمساعدات التي تعطلت مساعدات شعبية، والجسر الجوي إنما تضمنُه الدولة، وهل يعقل أن ترفض مصر الحمولات الإغاثية  الجزائرية  الرسمية، وأين هو إذن وزن دولتنا إن كان المنع المصري حقا؟ وأين هو جزاء الخدمة العظيمة التي قدمتها الجزائر بإرجاعها مصر إلى الاتحاد الافريقي بعد تعليق عضويتها على إثر الانقلاب العسكري الذي قام به ” الجنرال السيسي” على الرئيس الشرعي “الشهيد مرسي” ؟  مع أننا لم نسمع في حقيقة الأمر تصريحا رسميا بخصوص الرفض المصري للمساعدات الجزائرية لأهلنا في غزة.

ولا شك أن ما قامت به نقابتا القضاة والمحامين تحت عنوان “العدالة للشعب الفلسطيني” عمل مهم، في انتظار تجسيد مخرجاته، ولكن هذا جهد المقل، إذ مثل هذه الندوات نُظمت في العديد من الدول، ومنها الدول الغربية المتحالفة مع الكيان الصهيوني، إذ هي مبادرات تقوم بها  تحالفات منظمات حقوقية وقانونية كجهات مخولة في أي مكان في العالم وفق القانون الدولي بتقديم الشكوى لمحكمة الجنايات الدولية بخصوص جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا تتحمل الدولة  التي تتشكل فيها أي تكلفة سياسية أو تبعات قانونية بخصوصها.

ومن أتعس ما سمعنا من أنواع البروباغندا التي بلغت الآفاق، والتي لا أدري من وراءها لإظهار “البطولة” الجزائرية بطرق ساذجة تجعل الأمم تضحك عنا ما يدور من أخبار مزيفة مخجلة في الوسائط الاجتماعية بأن طيارا جزائريا استطاع أن يخادع الجيش الإسرائيلي وينزل بطائرته المحملة بالبضائع في غزة – التي لا يوجد فيها أصلا مطار – وأن بوارجنا اعترضت في عرض البحر سفينة ألمانية محملة بالسلاح متجهة للكيان الصهيوني. لقد كان من المفروض أن يقبض على مروجي هذه الأكاذيب، والغريب في الأمر أن ثمة من المثقفين وأصحاب المكانة من حدثني يستفسر عن هذه الحوادث “العظيمة” التي لم تتحدث عنها وكالات الأنباء ولا سمعنا بها في القنوات الشائعة، والتي لا يقبلها العقل تماما.

وكم كان رد أحد المفكرين الفلسطينيين الكبار  ـ كنت في تواصل معه مؤخرا ـ مفحما لشخص من النخب الجزائرية الموالية للسلطة الجزائرية حين تحدث هذا الأخير بكثير من العُجب في مناسبة من المناسبات، عن “الدور المتقدم للدولة الجزائرية في دعم القضية الفلسطينية”، إذ قال له القائد الفلسطيني: قل لي بربك ماذا قدمت الجزائر لأهل غزة وللمقاومة؟ نحن لا نرى شيئا عمليا مميزا، يمكننا أن نشكر الجزائر على عدم انسياقها للتطبيع أما عن دعمها للفلسطينيين أثناء طوفان الأقصى فلا شيء مميز بالنظر لِما يتعرض له أشقاؤهم من ظلم عظيم وما تقوم به المقاومة من دور تاريخي لتحرير فلسطين  والأمة كلها. وبالفعل كلام مثل الذي تحدث به ذلك المتحمس الجزائري الواهم لا ينفع في مثل هذه الظروف، فهو إما سذاجة أو خداع.

ومن الخداع الذي ينشر كذلك: “أنتم لا تعرفون، هناك أشياء تقوم بها الجزائر  لا تعرفونها” وهذا لعمري جريمة لا تغتفر، كيف يحاول بعض من ليسو لا في العير ولا في النفير تغليط الناس لتخفيف الضغط على النظام السياسي، فقط ليدعموا توجههم المهادن للنظام السياسي، ألا يخشى هؤلاء الله تعالى.

نحن في اتصال مباشر بالعديد من المسؤولين الفلسطينيين، من داخل غزة نفسها، وهم ينادون بأعلى صوت : “أين الجزائر؟” وقبل يوم فقط كنت في اتصال مع أحد كبار المسؤولين من داخل غزة يتوسل أن تستقبل الجزائر بعض الجرحى والمرضى، وإلى حد الآن لا استجابة.

إن المعايير التي يُقيّم بها أداء الجزائر ليست المعايير التي تُحاسَب بها الدول العربية العميلة المطبّعة، ولكن معايير تقييم أداء بلدنا بخصوص دعم القضية الفلسطينية تتعلق بدولة قامت على أساس ثورة تحريرية كبرى وتضحيات جسيمة على نحو ما هي عليه القضية الفلسطينية اليوم.

إن الأمر الذي يحتاج إلى تثمين حقا بخصوص الجزائر هو عدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولكن لقصة عدم التطبيع مسار طويل قد شرحته من قبل في بعض المداخلات وسأعود إليه في الجزء الثاني من هذا المقال بشيء من التركيز بحول الله.

 د. عبد الرزاق مقري

لقد منعت من السفر خارج الوطن

كنت قبل يومين أهم بالسفر خارج الوطن فإذا بي أخبر في موقع شرطة الحدود أنني ممنوع من الخروج، وعند مناقشتي الضابط الذي كلف بإخباري وجدته لا يعرف شيئا عن الموضوع سوى أنني ممنوع وأنه لا يعرف غير هذا.

لقد تأكد لدي بأن سبب منعي من مغادرة التراب الوطني له علاقة بالقضية الفلسطينية، وبغض النظر عن السبب وعن قضيتي الشخصية فإن هذا الإجراء الأمني المخالف للدستور والقوانين ولمبادئ الحقوق الأساسية للمواطن يدل على استخفاف السلطات بظروف ومصائر الناس، دون أي اكتراث بما قد يلحق المسافر من الأذى في مصالحه المادية والمعنوية والنفسية وربما الصحية والتعليمية وغير ذلك، وكذا مصالح من لهم علاقة به وبسفره.

وهو إجراء يدل كذلك على جرأة كبيرة في الدوس على الدستور والقوانين والأخلاق بمجرد الوهم من غير سؤال ولا حوار مع المعني وبدون أي احترام له كإنسان وكمواطن حر.

1 – أقوم بنشر الخبر بنفسي للرأي العام وملابساته وآثاره بعدما لم أفلح في حل المشكل عن طريق الاتصال بالجهات المعنية للأسف الشديد ولم أستطع استئناف سفري للوجهة التي كنت أريدها والقيام بأعمالي وفق برنامجي وتحقق الضرر الذي لحق بي.

علما بأن الخبر قد تم تداوله في عدة دوائر منذ وقوعه، وأؤكد بالمناسبة لمن يهمه الأمر بأنني لست متابعا قضائيا، وأثناء الليلة التي وقعت فيها مجزرة المستشفى الأهلي في غزة والتي خرجت على إثرها للشارع بشكل تلقائي دون تنسيق مع أحد ودعوت عبر هاتفي الناس للخروج لإظهار غضبنا كجزائريين ضد الصهاينة مثل غيرها من الشعوب في العالم أخبِرت رسميا بأنه لا توجد أي متابعة قانونية.

2 – يشرفني كثيرا أن أتعرض لهذا الاعتداء الرسمي بسبب مناصرتي للقضية الفلسطينية، وسعادتي لا توصف أنني أتحمل ضمن الملحمة التاريخية العالمية التي دشنها طوفان الأقصى هذا الجزء اليسير من الأذى الذي لا وزن له مقارنة بما يكابده أهلنا في غزة.

إن مواقفي في معارضة النظام السياسي التي تجعلهم ينتقمون مني بسببها كثيرة منذ سنوات، في مجال السياسة والحريات والاقتصاد ومكافحة الفساد، ولكن الحمد لله أن القضية التي اعتدي علي بسببها هي قضية مقدسة لا يختلف عليها الجزائريون.

3 – إن عملي للقضية الفلسطينية ليس جديدا ولا يوجد أي سبب للتحسس منه بخصوصي من قبل السلطات، فقد كنت الأمين العام لفرع مؤسسة القدس العالمية تحت رئاسة الشيخ شيبان والأستاذ عبد الحميد مهري رحمهما الله، وكنت رئيس الوفد الجزائري لأسطول الحرية وبعد خروجنا من السجن الإسرائيلي في فلسطين المحتلة بعد هجوم الجيش الصهيوني على سفينة مرمرة نقلتنا طائرة خاصة رسمية جزائرية من الأردن إلى الجزائر، وكنت رئيس الوفد الجزائري في قافلة شريان الحياة 5 الذي ضم أكثر من مائة فرد جزائري والعديد من القوافل بعد ذلك وكنت بخصوصها في اتصال دائم مع سفارتنا في مصر، وشاركت في مسيرة العودة التأسيسية الأولى في الأردن نحو الحدود الفلسطينية المحتلة، ونظمت وشاركت في مسيرات ومهرجانات لا تحصى لنصرة فلسطين في الجزائر وخارجها، وعلاقتي مع الفلسطينيين مكشوفة واضحة لا تخفى على أحد وأنا عضو في حركة جزائرية اسمها الأول “حماس” نشأت كجزء من مسيرة الأمة لتحرير فلسطين، ومن بلد اسمه الجزائر شعاره الخالد “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وأنا إذ أتعرض للأذى بسبب انخراطي في تحولات طوفان الأقصى فإن ذلك شرف لي أكثر من أي مساهمة سابقة بالنظر للتحولات التاريخية التي أنشأها هذا الطوفان المبارك، الذي كنت أستشرفه دون أي معلومات سابقة عنه، وتحدثت عن ضرورة تصعيد المقاومة لإنقاذ القضية الفلسطينية من الضياع أياما قليلة قبل وقوعه، ووقع كما كنت أتوقعه وثمة شهود على ذلك، فكيف لا أحتفي به وكان جزء من فكري ومشاعري كان متعلقا به قبل حدوثه.4 – كنت أثناء منعي من مغادرة التراب الوطني متجها إلى الدوحة وماليزيا، وكان برنامجي في الدوحة هو زيارة مجاملة وتهنئة للقائد هنية والقيادة الفلسطينية في اليوم الموالي، وبعدها القيام باتصالات لإبرام اتفاقات شراكة لعقد المؤتمر الدولي السابع لمنتدى كوالالمبور الذي سيعالج الانهيار القيمي والأخلاقي في العالم، وسيركز على انهيار القيم الأخلاقية للدول الغربية تجاه المحرقة الجارية في غزة، بمشاركة شخصيات من مختلف أنحاء العالم من المسلمين وغير المسلمين، ومن ذلك الالتقاء وفق مواعيد مضبوطة مع عدد من العلماء على رأسهم الشيخ الددو والشيخ الصلابي.

وأما في ماليزيا فكنت سألتقي مع الدكتور مهاتير رئيس منتدى كوالالمبور لمناقشة المؤتمر وقضايا المنتدى بصفتي الأمين العام، بالإضافة إلى لقاءات أخرى مهمة مع العديد من الشخصيات حول قضايا المسلمين والقضية الفلسطينية، علاوة على ندوة كنت سأقدمها عن كتابي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”.

وقد اتصل بي من كان لي معهم مواعيد للسؤال عن تأخري فلم أخبرهم بعد، وبالرغم من أن سبب منعي مخجل سأضطر لمراسلتهم بعدم قدرتي على السفر.

5 – هذا التضييق يدل على أنني أصبحت مستهدفا بشكل مباشر من النظام السياسي وقد أقدم على هذا التجاوز الظالم ضمن سياسة التحكم في الجميع المتبعة من قبل، وبغرض العزل السياسي المتعلق بالتحولات الجديدة، وبالاعتماد على حالة الركود السياسي والحقوقي العام في البلاد، وبالنظر أنه لا توجد قوة خارجية تسندني على غرار ما تفعله فرنسا وأمريكا والدول الأوربية حين يتم التضييق على أصدقائهم وحلفائهم أو عملائهم من النشطاء السياسيين الجزائريين، بل إن سبب التضييق عليّ المتعلق بالقضية الفلسطينية سيجعل هؤلاء الغربيبن يسعدون بذلك، وقد سبق لهم التحريش ضدي عبر أحد وكلائهم كما قد أبينه لاحقا، ولكن ثقتي في الله كبيرة وتوكلي عليه عظيم، وسأبقى أكافح من أجل ما أؤمن به بأنه حق ولو كنت وحدي ولا يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا والأيام دوّارة، والله سبحانه أقوى من الظالمين جميعا، وحسبنا مولانا عز وجل وهو نعم الوكيل.

وصدق الله تعالى إذ يقول: ” إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور”.

6 – إن هذا المستوى من تكميم الأفواه ومنع الحريات لم أر مثله من قبل، رغم طول سنوات النضال في العمل السياسي، فقد خرجنا في مسيرات في الشوارع منذ بداية التعددية دون ترخيص في وقت الإرهاب وفي ظروف أمنية أخطر بكثير من أي وقت، ووقع التدافع بيننا وبين رجال الأمن في الشارع، دون أي حقد ولا ضغينة، فلم يُحاسب أحد ولم يتابع أحد ولم يُمنع أحد من السفر .

لقد خرجنا للشوارع دون ترخيص في زمن زروال وبوتفليقة، ضد التزوير، ومن أجل العراق، وتضامنا مع غزة والمقاومة، وضد العهدة الرابعة، وضد الغاز الصخري وضد الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتم التصرف مع أي كان بالشكل المعمول به حاليا في هذه الفترة.

7 – لم أتوقف أنا شخصيا عن نقد بوتفليقة بأقوى العبارات، واتهمت نظامه بالفساد والفشل وتخريب البلد، وحين أغضبته مُنعت شخصيا من التلفزيون الرسمي ولم أمنع من القنوات الخاصة ولم أمنع من السفر، بل قمت بنقد القايد صالح ذاته رحمه الله، ومن قبل قمت بنقد المخابرات والجنرال توفيق، وكل تصريحاتي موثقة إلى الآن في الوسائط الاجتماعية ولم يقم أي واحد من هؤلاء الرجال الأقوياء بمنعي من السفر، ورغم انزعاجهم من توجهي السياسي كانوا جميعا يدركون بأنه ليست لي أي حسابات شخصية وأتحرك بقناعتي من تلقاء نفسي وأنهم ليسوا وطنيين أكثر مني.

8 – يجب أن نقول بكل وضوح بأن هذه المرحلة هي أكثر المراحل تضييقا للحريات، سياسيا وإعلاميا واقتصاديا ومجتمعيا، وأن هذا التضييق الذي تجاوز الحدود لا يدل على قوة السلطة الحاكمة ولكن على ضعفها، وأن البلد سيضعف معهم بتصرفاتهم هذه، وأن قمع الحريات مهما اشتدت ومهما كان ضحاياه لن يدوم، وإنما يُسجّل بأسوء الذكريات باسم أصحابه عند الله وفي التاريخ، المستبدين منهم والمناضلين والساكتين.

ملاحظة في الأخير: قال لي بعض الأصدقاء لو تمتنع عن الحديث في وسائل الإعلام أفضل.

فقلت لهم لا يوجد شيء أفضل مع النظام السياسي الجزائري، تتحدث مشكلة وتسكت مشكلة، إذا الأفضل أن أتحدث حتى يسمع الناس مني ولا يسمعون عني ولعل ذلك يساهم في وعي الناس.

وأنا مطلع على تجارب من قبلي سكتوا فقتلهم النظام السياسي سياسيا في صمت، من هؤلاء عبد الحميد مهري، منذ أن انقلبوا عليه وهو ساكت فلم ينفع صمته ومات بغيضه، وأصبح حزبه متحكما فيه من خارج مؤسساته، وبعده الشيخ محفوظ دمروا حياته السياسية منذ أن أصر على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1999، طعنوه في تاريخه وحاصروه ثم أضعفوه في الانتخابات التشريعية عام 2002، فمات بغيضه في صمت، فلم يتكلم عن أوجاعه وغضبه من النظام السياسي إلا معنا في محيطه الضيق، وكانت النتيجة أنه أصيب بالعديد من الأمراض ومات وعمره 61 عاما (أقل من السن الذي أنا فيه)، وضعف حزبه بعده وانقسم إلى عدة أجزاء، وبقي النظام السياسي، في المقابل، يكرر تجارب الفشل والفساد ويُغرق البلد في التخلف إلى أن وصل إلى الحضيض الذي ثار عليه الحراك الشعبي، وذهب سكوتهم وتضحياتهم سدا من هذه الزاوية.

وهذا النهج السياسي الذي أسلكه – ليس من اليوم فقط – بكل إيمان ومسؤولية، هو الذي نفع الحركة التي كنت على رأسها، ونفع الفعل السياسي في الجزائر.

وحتى وإن لم يكن في الوقوف مع المبدأ أي كسب مرحلي وكانت فيه تضحيات فذلك هو الصواب وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

عبد الرزاق مقري.

 

طوفان الأقصى إلى الآن: تقدير موقف (⅔)

ثانيا – تقدير الموقف إلى الآن

حينما أعلن القائد الأعلى لكتائب عز الدين القسام عن بدء عملية طوفان الأقصى يوم 07 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وجّه نداءه إلى الأمة كلها، وركز على الفلسطينيين جميعهم، في غزة والضفة الغربية والقدس وفي الأرض المحتلة سنة 48، وقصد بلدان الطوق بمصر والأردن ولبنان وسوريا، ثم المسلمين جميعا في كل بلدانهم من طنجة إلى جاكرتا.

لا أظن أن الضيف كان يعتقد بأن غزوة أكتوبر ستكون هي الحاسمة وحدها فورا في تحرير فلسطين والمسجد الأقصى، لا أظن إلا أنه أدرك بأن القضية الفلسطينية تراوح مكانها، وأن الأمة الإسلامية لا تأخذ وجهتها نحو مجدها وسؤددها واستنهاضها الحضاري، وأن الأمر يتطلب نفيرا عاما في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين وتحرير الأمة كلها، تحرير العقول والنفوس والإرادات، لينظر كل عربي ومسلم، وكل جمعية وجماعة ومنظمة وحزب ومؤسسة، وكل حكومة وكل دولة إلى الأمور على حقيقتها، بعيدا عن الأهواء والأوهام، بميزان المبادئ والمصالح الشرعية.

لا شك أن تجاوب الأمة لم يكن كما أراده قادة المقاومة، فلا الفلسطينيون في الضفة الغربية تحركوا في مجملهم لمواجهة الاحتلال وتغيير المعادلة الفلسطينية المتحكم فيها من قبل عباس وسلطته وتنسيقه الأمني، ولا تحركوا بما كان منشودا في القدس والخط الأخضر.

كما أن التحركات الشعبية في الأردن لم تتوصل إلى إجبار السلطات لإنهاء اتفاقيات وادي عربة أو الاقتراب من الحدود، ولا حدث شيء في مصر، من داخل النظام أو على المستوى الشعبي، يحرج الحكام لينهوا التطبيع الرسمي أو على الأقل يهددون بذلك، أو على أقل الواجب يفتحون معبر رفح ويتحملون مسؤولية نجدة المدنيين وإدخال المساعدات، وبقيت الساحة المصرية للأسف الشديد، من أهدأ الساحات في العالم العربي والإسلامي تجاه ما يحدث في فلسطين.

وللإنصاف يمكن أن نعتبر الدور القطري هو أهم الأدوار من الناحية الرسمية من خلال تحمل مسؤولية التغطية الإعلامية المستمرة التي تقوم بها قناة الجزيرة والتي تفضح أمام العالم كله الحقيقة الإجرامية للصهاينة وتنقل بالصور وتحليلات المختصين منجزات المقاومة، خصوصا ما يؤديه الضابط المتقاعد الشهم فايز الدويري.

وخلافا لما يقوله أصحاب الحسابات السياسية والطائفية، ما فعلته الصور التي تبثها الجزيرة – رغم ما تنشئه من ألم لا يُتحمل – ساهمت أكثر من غيرها في قلب الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وضد الاحتلال الصهيوني، وذلك مكسب استراتيجي كبير سيُحدث فرقا كبيرا في القضية لاحقا بحول الله، علاوة على ثقة المقاومة فيها في المفاوضات القائمة من أجل تبادل الأسرى.

كما لا يستهان في ما حققته الصور الفضيعة في كشف الوضاعة الأخلاقية السحيقة للمطبعين والمتخاذلين العرب، البادين والمتخفين.

أما عن “محور المقاومة” كما يسميه أصحابه فقد ظهر بأنه محور سياسي – أكثر من أي شيء آخر – لخدمة مشاريع سياسية لإيران وحزب الله، ورغم خيبة الأمل في موقف هؤلاء – بالنسبة لمن كانت توقعاتهم عالية في دخولهم المعركة – فإن ثمة وجه إيجابي في الأمر حيث بدا جليا بأن المقاومة الفلسطينية ذات قرار فلسطيني سيادي وأنها لا تتحرك إلا في إطار المصلحة الفلسطينية ورؤية التحرير.

ومؤسف أن نقول أن الأمة لا تزال بعيدة عن مفهوم وحدة المصير، وأن أجزاءها الأقرب لبعضها البعض في مقاومة الكيان الصهيوني لا تعرف مفهوم عبارة ” أكِلت يوم أكل الثور الأبيض”.

وقد بين تفرد المقاومة الفلسطينية في الانخراط الكامل في المواجهة المسلحة ضد الصهاينة في هذه الواقعة المصيرية أن من يقود المعارك التاريخية في الأمة ضد أعدائها – وليس في المعارك البينية بين المسلمين – هي طائفة مؤمنة تمثل الأغلبية السنية في الأمة، وأن القوى الشيعية التي اعتبر بعض قادتها الكبار – الذين يتوفرون على مكنة عسكرية لا يستهان بها – بأن الكيان الصهيوني هو أهون من بيت العنكبوت قد ضيعوا فرصة التموقع في الطليعة القيادية لإنهاء وجود هذا البيت الهش حسب تعبيرهم، ولن يكون لهم ذلك في المستقبل، إذ أصبح واضحا بأنه لم يصبح يُنظر إليهم لدى غالبية المسلمين إلا في مستوى القوة الثانوية المشاركة مع جسم الأمة الكبير في معركة إنهاء الاحتلال، وهم في كل الأحوال أفضل من الحكام العرب العملاء والمتخاذلين جميعهم، من حيث مساعدتهم الفعلية للمقاومة الفلسطينية طيلة السنوات بغض النظر عن مقاصدهم.

وفي كل الأحوال – وبكل صدق – يُشكر حزب الله على ما يقوم به من إشغال لجزء من القوة الإسرائيلية في جنوب لبنان، كما يُشكر الحوثيون البعيدون عن أرض المعركة على مبادراتهم ومحاولاتهم لإيذاء الاحتلال، دون الدخول في النقاش العقيم حول النوايا الذي يفضّله بعض المنشغلين بالكلام عن العمل في زمن احتدام المعركة.

وبالنسبة للأتراك فإن خيبة الأمل فيهم كبيرة كذلك، إذ لم يستجيبوا هم بدورهم لهذه الفرصة التاريخية العظيمة لإنهاء التطبيع والانخراط في حركة التاريخ المؤدية حتما إلى إنهاء الكيان، خلافا لما يريدونه ولما يُصرّون عليه بشأن حل الدولتين رغم الوضوح البيّن القطعي بأن قادة الاحتلال المتحكمين في المؤسسات الرسمية والمجتمعية الصهيونية لا يؤمنون بذلك ويعملون بشكل منهجي على الإبادة الجماعية وتهجير الفلسطينيين وبناء المستوطنات ليأخذوا فلسطين كلها، بدعم أمريكي أوربي وتواطئ خفي من بعض العرب، بما جعل المعادلة صفرية ستنتهي إما بدولة إسرائيلية واحدة أو دولة فلسطينية واحدة، وأن الشعب الذي سيبقى على الأرض الفلسطينية هو الشعب المتمسك بها الذي ليست له إلا جنسية واحدة هي الجنسبة الفلسطينية.

لقد كنت حاضرا في صبيحة اليوم السابع من أكتوبر في مؤتمر العدالة والتنمية كضيف حينما بدأت تصل أخبار الأحداث الجارية في فلسطين، وسمعت بنفسي الموقف الباهت للسيد أردوغان، ولم يتغير خطابه إلا بعد استفحال قتل النساء والأطفال في غزة وتحرك المعارضة وبعض حلفائه.

ولا شك أن تصريحاته الحالية أقوى بكثير من تصريحات كل الحكام العرب، وأجرأ وأشجع، تنم عن عِزّة شامخة وسيادة في القرار، ولكنها إلى الآن لم تتجاوز مستوى الخطاب، وكل ما تصرح به القيادة التركية بخصوص الشحنات الكبيرة للمساعدات لا ترفع تركيا إلى مستوى ما توقعته الأمة من قادتها إذ دول كثيرة تستعد لإرسال طائرات وبواخر.

ولو أرادت الحكومة التركية أن تستدرك فعلا في هذه الأيام فلترسل، أو تسمح بأسطول حرية آخر تحميه ببوارجها العسكرية لإغاثة أهل غزة والمساهمة في كسر الحصار ، أو على الأقل تسمح للبواخر بالانطلاق من موانئها، وفي العالم ناشطون غير مسلمين كثر لهم الاستعداد للتضحية بحياتهم من أجل الحرية والإنسانية، وفي العالم الإسلامي أعداد لا حصر لها من مشاريع الشهادة الذين يتوقون أن يموتوا في سبيل الله فداء لفلسطين.

ولو حدث ذلك بأعداد كبيرة من السفن والناس ثم قام جيش الاحتلال باقتراف جريمة أخرى في حقهم لزاد ذلك في تسارع انهيار هذا الكيان المجرم.

كما أن تحركات الشعوب في البلاد العربية والإسلامية الأخرى ليست بالمستوى الذي يتناسب مع أهمية وعمق وأبعاد معركة طوفان الأقصى إلى الآن، رغم اتساعها وانتشارها في العديد من الدول.

وقد تأكد، خصوصا في العالم العربي، بأن الأنظمة قد توصلت إلى تحجيم أثر القوى الحية، ومنها التيار الإسلامي.

ومن ذلك ما نراه في دول مطبّعة كان المفروض أن تكنس فيها الشعوب سفارات العدو، أو الدول غير المطبعة التي بقي الحراك فيها محدودا، كما هو الحال في الجزائر، وفق ما أراه بنفسي، إذ أغلِقت الساحات أمام المحتجين على جرائم الكيان الصهيوني، ولم يجرأ حتى النواب المحصّنون قانونا أن يقفوا وقفة احتجاج أمام السفارة الأمريكية، وبقي الطلبة في سكون مطبق في جامعاتهم، خلافا لما كنا نقوم به خلال سنوات طويلة من قبل.

إن كل هذا الوضع المزري الذي أصفه دون مواربة لا يشير إلى فشل أهداف طوفان الأقصى، بل على العكس من ذلك يؤكد الانتصار المتعاظم، إذ لو لا الطوفان لاستمر هذا المسار الموصوف الخطر على الأمة في الاتساع.

ربما لم يحقق الطوفان على الفور ما أراده “الضيف”، وذلك مراد الله، ولكن ستُحدث موجاته المتلاحقة أثرا عظيما مع الوقت بصور أخرى غير التي تمناها أبطال المقاومة، ولن يكون العالم بعد الطوفان كما كان قبله، وسنساهم في تبيين ذلك في المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة بحول الله.

إن الآثار الإيجابية العميقة التراكمية المؤكدة لمثل هذه المعارك البطولية تشهد بها مثيلاتها في ثورات الشعوب، فهي ليست عملا جنونيا غير محسوب، بل إنها عمل ثوري عاقل ومدروس، ولنا على رشده شواهد من تاريخ ثورات الشعوب ضد الاحتلال، وسعي الأمم لقومتها، وحركة التاريخ لتحرير الإنسان، ويمكن أن نضرب في ذلك مثالين، مثال من الثورة التحريرية الجزائرية ومثال من الثورة الفيتنامية.

لقد دفعت نفس الظروف التي شكلت إرادة الطوفان الفلسطيني في 07 أكتوبر 2023 قادة الثورة التحريرية الجزائرية، على رأسهم الشهيد زيغود يوسف رحمه الله، إلى القيام بعملية مشابهة في 20 أوت 1955 بعد ما لاحظوا تركيز ضربات جيش الاحتلال الفرنسي على مركز قوة الثورة في منطقة جبال الأوراس، وقلة التجاوب الشعبي في عموم الجزائر مع الاندفاعة الثورية الأولى بعد عام من اندلاعها في الأول من نوفمبر عام 1954 ، فقرروا توسيع العمليات في مناطق واسعة في قرابة مائة منطقة بين مدينة وقرية في الشمال القسطنطيني بالشرق الجزائري، استهدفوا من خلالها المنشآت والمراكز العسكرية ومزارع المعمرين وتمكنوا من السيطرة المطلقة المؤقة على العديد من المدن والقرى، وكان رد فعل سلطات الاستعمار شن حملة قتل وتوقيف وحشية لا مثيل لها أحرقت فيها قرى بكاملها برجالها ونسائها وأطفالها ودوابها، ودكتها بالمدافع جوا وبرا لعدة أيام وذهب ضحية تلك الحملة الانتقامية قرابة 12000 جزائري أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، تماما مثلما يقع اليوم في غزة، بل ثمة أعداد كبيرة من الجزائريين دفنوا أحياء بالجرافات في قبور جماعية، ومن أراد التوسع في الاطلاع أكثر فليكتب على محركات البحث عبارة “هجمات الشمال القسنطيني”.

ولكن رغم هذه التضحيات فإن النتيجة لصالح الثورة كانت عظيمة رغم الحرج الشديد والذهول الذي أصاب عموم الجزائريين في بداية الأمر إذ أدت جرأة المجاهدين التي كسرت جدار الخوف، وجرائم الاحتلال التي رسمت القطيعة التامة مع الاحتلال، إلى انخراط كامل للشعب الجزائري في كل البلاد في صف الثورة النوفمبرية المباركة، وعلى إثر ذلك تأكدت مرجعية جبهة التحرير في قيادتها الثورية وتراجع نهج المفاوضات مع الاستعمار من أجل الحقوق، وانهارت اطروحة ” الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمّرون، ودُولت القضية الجزائرية وأصبح لها أنصار في كامل المعمورة وفي داخل فرنسا ذاتها، ومنذ ذلك اليوم تسارع العد التنازلي للاحتلال الفرنسي إلى أن اندحر ستة أعوام بعد “هجومات الشمال القسنطيني” فعُدّت هذه الهجومات عند المجاهدين الجزائريين وكثير من المؤرخين الانطلاقة الثانية للثورة التحريرية، ولذلك سمي هذا اليوم بعد الاستقلال رسميا ب”يوم المجاهد” وبقينا نحتفل به إلى اليوم.

وهكذا سيكون يوم 07 أكتوبر اسمه “يوم المقاومة” في فلسطين المستقلة بحول الله.

وفي الفيتنام شن الثوار الشماليون “الفييت كونغ” في يناير 1968 هجومات بقيادة الجنرال جياب شبيهة إلى حد بعيد بهجومات طوفان الأقصى، وتُعرف تلك الهجمات باسم “هجومات تيت”، لأنها وقعت في أيام الاحتفالات برأس السنة القمرية الفيتنامية المسماة “تيت” وكان هدفها كما بينه الثوار الفيتناميون هو كسر الجمود الذي أصاب الكفاح ضد الاحتلال الأمريكي قبلها.

كان الفيتناميون الجنوبيون وحلفاؤهم الأمريكانيون منغمسين في حفلاتهم معتقدين بأنهم في هدنة ضمنية بسبب الاحتفالات لا يقع فيها القتال، فإذا بهم يفاجؤون بهجومات مسلحة كاسحة منسقة ضدهم استهدفت مائة موقع شمل المراكز والقواعد العسكرية والبعثات الدبلوماسية الأمريكية، مثلما كان الهجوم الفلسطيني بمناسبة احتفال كبير كان يقام في غلاف غزة يسمر فيه العسكريون والمعمرون.

ومثلما قام الفلسطينيون بالتمويه وإشغال الإسرائيليين بضربات صاروخية بعيدة عن المواقع المستهدفة، قام الفييت كونغ قبل الهجومات البرية بشن قصف مدفعي ضخم على منطقة خه سانة استقطب القوات الأمريكية مما ساعدهم على الانتشار في عدة مناطق واحتلالها مؤقتا.

وقد كان رد الفعل الأمريكي عنيفا جدا، خصوصا في مدينة “هوي”، اعتمد على التفوق الجوي والمدفعي وراح ضحيته 14300 مدني وجرح 24000 وأجبر 630000 على الفرار من ديارهم.

يؤكد المؤرخون بأن الجيش الأمريكي المحتل والجيش الجنوبي الفييتنامي التابع له ألحقوا ضررا كبيرا في الثوار الشماليين كاد يشل قدراتهم، ولكن تلك المعركة كانت هي بداية نهاية الوجود الأمريكي وانتصار الثورة الفيتنامية وتوحيدها للبلاد تحت راية الاستقلال.

كان الثوار الفيتناميون يتوقعون أن تقع، على إثر معارك “تيت” ثورة شعبية ضد الأمريكان وضد الحكومة الفيتنامية الجنوبية الموالية لهم، كما اعتقد المقاومون الفلسطينيون بأن طوفان الأقصى سيؤدي إلى ثورة الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني والحكومة الفلسطينية المتعاونة معها سياسيا وأمنيا، ولكن لا “هجومات تيت” نجحت في ذلك ولا الطوفان انفجر في الضفة الغربية.

ولكن الذي وقع بسبب تلك الهجومات هو الخسارة السياسية والإعلامية الكبرى للحكومة الأمريكية والتغيّر الجذري للرأي العام الأمريكي ضد التدخل في فييتنام، وقد تجند عدد كبير من الصحفيين الأمريكيين لأجل ذلك، كما كان من نتائج الهجومات انهيار معنويات الجنود الأمريكيين وانتشار المخدرات والتسكع وقلة الانضباط في صفوفهم، وكذلك توسع كراهية الفيتناميين في الجنوب ضد حكومتهم العميلة رغم عدم ثورتهم عليها، وانخراطهم الكلي في الشمال مع الثوار، وقد كانت من نتائج تلك الأحداث التخلي المفاجئ للرئيس جونسن عن الترشح لدورة موالية في عام 1968 ودخول الشك وسط المسؤولين الأمريكيين في عدالة وجود جيشهم في فييتنام وفي إمكانية بقائه هناك إلى أن حسم الأمر نهائيا بعد سبع سنوات من معركة “تيت” التاريخية باستقلال فيتنام.

يمكننا أن نقول بذكر مثالي “هجمات الشمال القسنطيني” عام 1955 في الجزائر، و”هجمات تيت” عام 1968 في فيتنام بأن التاريخ يعيد نفسه في طوفان الأقصى هذا العام 2023، وأن النتائج الإيجابية ستُكرر نفسًها بحول الله، رغم وجود العديد من الفروقات، من حيث الوضع الدولي والواقع المحلي الفلسطيني.

وهذا الذي سنتطرق إليه في المقال المقبل بإذنه سبحانه.

د. عبد الرزاق مقري

طوفان الأقصى إلى الآن: تقدير موقف (1/3)

يتضمن هذا الموضوع ثلاثة أجزاء

أولا – هل كانت معركة طوفان الأقصى ضرورية؟

ثانيا – تقدير الموقف إلى الآن.

ثالثا – ماذا تحقق من أهداف وما هي السيناريوهات الممكنة؟

أولا – هل كانت معركة طوفان الأقصى ضرورية؟

هل كانت العملية البطولية “طوفان الأقصى” ضرورية وتتطلب كل التضحيات الجسيمة التي يقدمها الشعب الفلسطيني في غزة منذ وقوعها يوم 07 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؟

لو كنا نريد للجيل الذي يسكن الأرض الفلسطينية المباركة في هذا الزمن أن يعيش مهينا تحت سيطرة الاحتلال وأن يكون مبلغ علمه تحسين ظروفه المعيشية وأن يُورّث الذل والاستكانة لجيل بعده سنقول أن هذه هذه العملية خاطئة وقد جرّت على أهل غزة الويلات وهي تنقل الويل بالتدرج إلى الضفة الغربية.

ولكن إذا كان طوفان الأقصى هو عزمة شعب أبي أراد أن يضحي بكل شيء وأن بتحمل كل المآسي والآلام من أجل تحرير بلده فذلك هو الصواب وتلك الحكمة والشجاعة والعمل الصالح الذي يكتبه الله لهم في صحائفهم ويسجله التاريخ لصالحهم.

لا تذكر الشعوب المحتلة تضحياتها الجسام بعد قهرها المحتل وإخراجه من أرضها إلا بالعزة والمجد والفخار.

فهل ندم الفيتناميون على قتلاهم في حربهم ضد فرنسا، ثم ضد أمريكا الذين بلغ تعدادهم أكثر من ثلاثة ملايين في ثمان سنوات، وجرحاهم ومفقوديهم بأضعاف ذلك؟! وهل يندم الجزائريون على المليون والنصف من الشهداء في السنوات السبع في الثورة التحريرية النوفمبرية والملايين السبع من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمفقودين طيلة سنوات الاحتلال كلها!؟

ألم تتحول تضحيات الشعوب أثناء محاربة المحتلين إلى ذكريات مجيدة تدل على ثباتهم وعظمتهم وشموخهم. والله ما الفلسطينيون إلا من هذه الشعوب الأبية، بل هم أفضل من ذلك إذ ذكر النبي الكريم ثباتهم وخلّده في حديثه الشريف في مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”.

إن الذي يفهم المآل الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية من خلال الكيد الصهيوني والغربي والخيانة العربية سيدرك بأن هذه المعركة كان لا بد منها إذ لم يبق لفلسطين وللأمة الإسلامية شيء تخسره بميزان المبادئ والمصالح الحقيقية لعموم الناس، لا بميزان المكاسب الشخصية والمصالح الذاتية.

فصفقة القرن التي فشلت سياسيا صارت تقترب إلى التجسيد الفعلي على الأرض بالأمر الواقع. ومن ذلك أن كتائب المقاومة في غزة تحولت إلى جيش دفاعي لحماية غزة وحدها، فإذا توفر الجيش والسلطة والشعب والإقليم فقد باتت غزة دولة قائمة بذاتها لا ينوي الاحتلال إعادة احتلالها أبدا وما عليه إلا أن يضيف لها جزء من سيناء ليكون ذلك هو الوطن البديل للفلسطينيين، وفي انتظار توفر شروط ذلك يبقى قطاع غزة يعاني ويلات الحصار الظالم الدائم، وحتى وإن عملت المقاومة على ضرب الصواريخ انتصارا للقدس دون تقدم بري فإنها لن تغير المعادلة إلا قليلا.

وأما الضفة الغربية فإن اتساع المستوطنات وطرد الفلسطينيين من أراضيهم وقراهم قد قضى نهائيا على حلم الأنظمة العربية في التصالح الشامل مع دولة الاحتلال إذا قبلت حل الدولتين، ومع مرور الزمن وتعمق الهوان العربي سيُحيي الصهاينة مشروع الترحيل إلى الأردن لسكان الضفة من الفلسطينيين، ومن بقي منهم سيكون كثير منهم مندمجا في المشروع الصهيوني نفسيا وفكريا وربما ثقافيا لا يفكر في بلد اسمه فلسطين مطلقا، تماما كما وقع للسكان الأصليين في الأمريكيتين، وتؤكد صعوبةُ تجذر المقاومة في عموم الشعب الفلسيطيني في الضفة الغربية خطورةَ المآل إن لم يقع ما يغير ذلك.

وأما القدس فقد طمس معالمَها الإسلامية العربية مشاريعُ التهويد المستمرة، والمسجد الأقصى – عنوان معركة الطوفان – قد توصّل المحتلون إلى فرض التقسيم الزماني الذي كان يبدو مستحيلا في سنوات مضت، والسعي إلى مرحلة التقسيم المكاني جاريا وربما التوصل يوما إلى هدمه كلية لإقامة “الهيكل” المزعوم على أنقاضه ما لم يُحدث الله أمرا.

وأما الفلسطينيون في فلسطين التاريخية المحتلة سنة 1948 فهم يعيشون ضمن نظام التمييز العنصري الأكثر قسوة ووفق مخططات إفساد الأجيال الشابة فكريا وأخلاقيا وصحيا وثقافيا، وقد يأخذون هم كذلك نصيبهم يوما ما من الترحيل إلى الأردن أو غزة وسيناء ضمن مشروع صفقة القرن.

وفي العالم العربي كان التطبيع قبل طوفان الأقصى يتسع اطّرادا وتتسارع إليه الأنظمة الحاكمة الواحدة تلو الأخرى، في السر والعلن، بين خائن عميل، أو خائف ذليل، أومنصرف عن القضية الفلسطينية قد شغله الكرسي والعرش يخاف على مصيره من شعبه، وجميعهم في صراع بيني نكد يدّخرون لبعضهم البعض ميزانيات جبارة لشراء سلاح لم يشأ أبدا أن يتجه الوجهة الصحيحة ضد الكيان الصهيوني.

إن هؤلاء الحكام المتخاذلين لا يدركون بأن غفلتهم ستعيد لليمين الإسرائيلي الحاكم رغبته في إحياء مشروع أسوء من مشروع صفقة القرن، وهو مشروع إسرائيل الكبرى فيذهب جزء كبير من بلدانهم ثم نكون جميعا- لا قدر الله – أغلبية عربية مهينة تقودها أقلية يهودية عاتية.

أما التيار الإسلامي المعول عليه لتحرير الأمة وتحقيق نهضتها فقد بات معطلا لا يقدر على التغيير، إما مهشما بالاستئصال أو مجمدا سياسيا بالإدماج في منظومات الحكم الفاسدة، أو عاجزا لا يقدر على شيء ذي تأثير فعلي في الموازين في بلدانه.

حقيقة لم يكن ثمة شيئ يخسره الفلسطينيون، أو تخسره الأمة في هذه الحلقة المفرغة التي توحّلت فيها، فكان طوفان الأقصى هو محرك المياه الراكدة المتعفنة، المحرر من الركود القاتل، الفاتح لعهد جديد، أي شيء مستجد فيه أفضل مما نحن عليه، بميزان مصير المشروع لا مصائرنا الشخصية، ولعل الطوفان يدفع بإذن الله إلى بداية نهضة الإسلام والمسلمين، وستبقى القضية الفلسطينية هي بوصلة الأمة نكون بخير ما كانت بخير، ونضل ونشقى ما شقت وضلت الطريق.

فلو ركزنا على القضية الفلسطينية فقط، لأدركنا بأن من خطط ونفذ لمعركة طوفان الأقصى كان يدرك أن القضية الفلسطينية في مأزق، في غزة والضفة والقدس وفي الداخل الفلسطيني، وأن هذه القضية المقدسة آيلة لما هو أسوء بتخطيط أمريكي صهيوني ودعم عربي كما بيناه أعلاه، وبتعطيل مهيكل لأي وثبة فلسطينية وطنية أوقومية أوإسلامية من قبل السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني مع الصهاينة.

وقد نجحت هذه الحسابات المباركة إلى نقلنا جميعا إلى وضع جديد نكون فيه أكثر حرية وطموح وإنجاز لصالح بلداننا ولصالح أمتنا، وإنها لخطوة ثابتة في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين وستثبت الأيام القادمة ذلك بإذن الله.

يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

نوفمبر وطوفان الأقصى: انطباعات وتحليلات (الجزء 2)

لعل مما يمكن الاستفادة منه في ظل معركة طوفان الأقصى القائمة اليوم هو التشابه الكبير، من حيث البواعث والآثار، مع هجوم الشمال القسنطيني، ذلك أنه بعد اندلاع الثورة التحريرية تركزت الفاعلية في الأوراس أكثر فتوجه لها جيش الاحتلال لاستئصالها، كما أن الشعب الجزائري لم يكن قد اندمج كلية وفي مختلف أنحاء الوطن مع الثورة، وكان الجدال داخل الحركة الوطنية

لم يحسم بعد بين أنصار مصالي الحاج الذي كان يفضل المفاوضات وشباب جبهة التحرير الوطني الذين اختاروا السلاح، علاوة على أن القضية الجزائرية لم تكن قد وصل زخمها إلى الساحة الدولية، فعالج الثوار الجزائريون كل هذا بعملية موجعة وشاملة ومذلة ضد الاحتلال تمثلت في الضربة القوية التي وجهت له في مواقع عدة بكل الوسائل وفي كل الاتجاهات في عدد من الولايات انطلاقا من ولاية سكيكدة تحت القيادة البطل الشهيد زيغود يوسف، سواء باستهداف الجنود ومراكز الشرطة والجيش، أو صوب المعمرين في المزارع التي أخذوها سابقا من أهلها الأصليين، فكان رد فعل الجيش الفرنسي شديد العنف في حق المدنيين من حيث أنه لم يجد أين يضرب الثوار الذين كانوا بالنسبة إليه في ذلك الوقت كالأشباح فأفرغ جام غضبه على السكان. ورغم التضحيات في صفوف المدنيين التي بلغت 12000 شهيد حققت العملية أهدافها بكسر الحصار على الأوراس وتعميم الثورة في كامل التراب الوطني وبتعمق إيمان الشعب بالثورة والتحامه بها، وحسمت تلك الجومات المرجعية الشعبية لصالح جبهة التحرير الوطني، وارتفت معنويات المجاهدين، وبدأت السلطات الاستعمارية تشعر بأن فكرة “الجزائر الفرنسية” أمام خطر وجودي، كما انتبه الأشقاء العرب إلى جدية الأحداث الثورية في الجزائر فشرعوا في دعمها بفاعلية وأخذ المعسكر الشرقي آنذاك وأحرار العالم، حتى في البلاد الغربية، يراهنون على الثورة كمعطى جديد سيساهم في إضعاف الامبريالية الغربية، فاستحق ذلك اليوم المبارك 20 أوت 1955 أن يسمى يوم المجاهد.

إن هذه المعطيات والتحولات التي نتحدث عنها هي ذاتها التي تعيشها القضية الفلسطينية، قبل طوفان الأقصى وأثناءه، وسيكون ذلك بعده بحول الله، وأرجو أن يسمى هذا اليوم يوم المقاومة. لقد كانت القضية الفلسطينية تراوح مكانها بحصار غزة مع محاولة الكيان الإسرائيلي جعل كتائب عز الدين القسام ومعها كتائب الفصائل الأخرى مجرد جيش لحماية غزة التي لا يريد الصهاينة أصلا إعادة احتلالها قبل الطوفان الذي صُب عليها يوم 7 أكتوبر، وكانت المستوطنات تتوسع في الضفة  الغربية حيث تجثم سلطة أوسلو على صدور الفلسطينيين وتشتغل لصالح الاحتلال وتخون المقاومة بواسطة التنسيق الأمني، والإعتداءات على المسجد الأقصى لا تتوقف، وتهويد القدس على قدم وساق، وفلسطينيو 48 يعيشون تحت ظل الفصل العنصري، ومنظمة التحرير تواصل ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني رغم فقدان شرعيتها باستمرار اعتمادها على المفاوضات ومعاداة فصائل المقاومة، والحكومات العربية تسارع إلى التطبيع مع الكيان، أو إلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية فلسطينية لا تعنيهم كثيرا، بل تمثل بالنسبة لبعضهم عبئا  يجب وضعه على الهامش وتسليمه للمخططات الصهيونية والغربية.

لا شك أن النضال الفلسطيني لم يتوقف منذ النكبة وما سبقها، فرغم هزيمة الجيوش العربية عام 1967، والنصر الذي لم يكتمل  في حرب اكتوبر 1973 والذي تم الالتفاف عليه بالتطبيع المصري في كامب ديفيد، واجتياح الصهاينة لبنان عام 1982 لتصفية منظمة التحرير، استطاع الفلسطينيون أن يأخذوا أمرهم بيدهم في الانتفاضة الأولى عام 1987 التي برزت فيها حركة حماس. وبعد إدخال القضية الفلسطينية في النفق المظلم لاتفاقيات أوسلو عام 1993 من أجل  القضاء على روح الانتفاضة عاود الفلسطينيون الكرة في انتفاضة الأقصى المسلحة عام 2000، ومنذ ذلك الوقت نشأ صراع كبير على مرجعية الشعب الفلسطيني بين حركة حماس ومنظمة التحرير التي  اعترفت بإسرائيل وتركت عمليا المقاومة وصارت تتآمر عليها بواسطة التنسيق الأمني، إلى أن حسم الشعب الفلسطيني في أمر المرجعية التي يفضلها بانتصار حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006. وبعد أن رفض المجتمع الدولي في زمن الأحادية الغربية نتيجة الانتخابات وكثر التآمر على فصائل المقاومة وقع الحسم العسكري الحمساوي في غزة، وعندئذ صارت المواجهة مفتوحة بين الكيان الصهيوني وكتائب عز الدين القسام من خلال الحروب العديدة التي تم فيها إذلال الاحتلال، في 2008 و 2012 و 2014 و 2021 و 2022. وبعد سلسلة هزائمه قرر الاحتلال تجنب المواجهة مع القسام والمضي في تصفية القضية الفلسطينية على النحو الذي تحدثنا عنه أعلاه، فكان رد فعل كتائب المقاومة الاشتباك معه بالصواريخ الموجهة إلى تل أبيب وغيرها، ضمن استراتيجية وحدة الساحات، بسبب العدوان على القدس ولدعم المجهود المقاوم في الضفة الغربية والقدس التي ابتكر فيه الفلسطينيون طرق الطعن والدهس رغم الاحتلال ومكائد السلطة الفلسطينية. وصار في المحصلة عنوان المعارك منذ معركة سيف القدس هو القدس والأقصى. غير أن كتائب القسام ومختلف فصائل المقاومة أدركوا بأنه بغير الهجوم المباشر على العدو لن يقع تغيير حاسم في القضية الفلسطينية فكان طوفان الأقصى الذي تفجر يوم 07 أكتوبر  2023 والذي قبل أن تنجلي المعركة قد حقق 12 هدفا على الأقل يمكن حصرهم على النحو التالي:

كسر هيبة الجيش الإسرائيلي وإظهار ضعفه وإمكانية الانتصار عليه وأنه مجرد منظمة إرهابية مجرمة لا تقدر إلا على قتل الأطفال والنساء بالقذائف والصواريخ، وهو رغم تسلحه الجبار ومشاركة أمريكا معه في الحرب لم يقدر على تحقيق أهدافه المعلنة المتمثلة في إنهاء حماس وتهجير أهل غزة بعد قرابة شهر من التدمير الشامل.

مزيد من التمزق داخل المجتمع الإسرائيلي: وهي حالة كانت قائمة قبل طوفان الأقصى وتعمقت بعده وصلت إلى التلاسن عبر وسائل الإعلام بين المجرم نتنياهو والدمويين قادة الجيش، ولأول مرة يتم توجيه النقد للقيادة السياسية والعسكرية الصهيونية أثناء الحرب، وكل المؤشرات تدل بأن نتنياهو قد انتهى سياسيا وأن المجتمع الإسرائيلي قد تصيبه اضطرابات سياسية واجتماعية عميقة بعد نهاية المعركة تزيد في تقريب نهايته.

عدم الشعور بالأمان لدى المستوطنين وسكان الكيان من اليهود، الذي يعبر عنه إفراغ غلاف غزة والشمال الفلسطيني من السكان المستوطنين، وموجة الخروج الجماعي من إسرائيل والتصريحات المتتالية لكثير من العائلات والنخب بأن لا مستقبل للعيش في إسرائيل. وقد سبق أن تحدثت عن هذا السيناريو في الجامعة الصيفية بتلمسان عام 2010 معتمدا على دراسة أوربية استشرفت أشكال نهاية دولة الكيان ومنها الخروج الجماعي للسكان اليهود الذين أكثرهم يحمل جوازات أخرى ولهم صلات وعلاقات وأسر في كثير من الدول، وأن ذلك سيحدث عندما لا يشعرون بالأمان حين يصبح ممكنا توجيه ضربات صاروخية مكثفة وفي العمق الإسرائيلي، وقد يكون ذلك من جهات غير حكومية. وهو ما نعيشه اليوم وما سيتعاظم في المستقبل بحول الله.

تكبيد العدو خسائر اقتصادية فادحة: حيث توقف عن الشغل بسبب الحرب أكثر من مليون ونصف عامل وتصل الخسائر الاقتصادية الصهيونية إلى أكثر من  38 مليار دولار ويقدر أن عجز الميزانية في آخر السنة سيتجاوز 4 بالمائة وما يوازي 3.5 من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك كثير من الدراسات والمساهمات في هذا الشأن يمكن الاطلاع عليها.

افتكاك المقاومة مركز المرجعية والمصداقية لدى الشعب الفلسطيني، وذلك وجه من أوجه التاريخ حين يعيد نفسه إذ نفس الحالة بالضبط تحققت بعد معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني ومنظمة فتح والجبهة الشعبية وفصائل أخرى عام 1968 ضد جيش الكيان الإسرائيلي حين عبر نهر الأردن للقضاء على مراكز المقاومة في الأردن ففشل في ذلك، وكانت منظمة فتح قد أبلت بلاء حسنا في هذه المعركة فنالت ثقة الشعب الفلسطيني وأقبل عليها المنخرطون فيها بأعداد كبيرة وتم الاعتراف بها من قبل كل الدول العربية والقوى الدولية المعادية للغرب، وهذا الذي يحدث بالضبط في معركة طوفان الأقصى، إذ باتت كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس، ومعها كتائب سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي هي عنوان فلسطين عند الفلسطينيين وفي الشارع العربي، بل حتى عند خصومها، ومن حق حماس بعد هذه المعركة أن تفرض أجندتها التحررية في الساحة الوطنية الفلسطينية، خصوصا بعد إفشال مبادرة “إعلان الجزائر” من أجل المصالحة الفلسطينية من قبل السلطة ومن وراءها من الدول العربية والغربية.

صناعة جيل جديد من المقاومين الذين سيعملون في سبيل الله على الانتقام لأهاليهم من النساء والأطفال الذين تم إبادتهم جماعيا في هذه المعركة، وسيكون هذا الجيل أكثر شراسة وعزيمة وتضحية ليثخن في العدو بكل الوسائل، لا سيما وأن فكرة المقاومة صارت راسخة في المجتمع الفلسطيني بنتها وربتها حركة حماس، وأعدت لها العدة ودربت عليها أعدادا كبيرة من الشباب، على أساس الفكرة الإسلامية الحصينة المحصنة، بما يمنع قتل عزائم الناس وتدجينهم بالقمع الشديد والإبادة والقتل الجماعي ثم الإلحاق الحضاري، كما حدث لليابان والألمان بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حدث من قبل للسكان الأصليين في القارة الأمريكية.

كسر موجة التطبيع: حيث تشكل ضغط شعبي وأخلاقي كبير على الدول العربية المطبعة عمّق عدم شرعيتها. والإنجاز التاريخي في هذا المجال يتمثل في كسر المد التطبيعي في المملكة العربية السعودية الذي كان يمثل خطرا عظيما على القضية الفلسطينية وعلى الأمة العربية والإسلامية كلها، وقد زاد في افتضاح أمر المطبعين طرد كولومبيا وبوليفيا السفير الإسرائيلي من بلديهما، ومن المشاريع التطبيعية الخطيرة التي تم ضعف جدوى إنجازها مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والمملكة العربية السعودية ودولة الكيان وأوربا الذي كان سيغير شكل التجارة العالمية ويمثل خطرا على مصر وقناة السويس ويجعل الصهاينة في وضع اقتصادي مركزي عالميا.

رجوع القضية الفلسطينية للساحة الشعبية العربية: من حيث أن مخططات شغل الشعوب العربية والإسلامية بنفسها ودفعها لنسيان القضية الفلسطينية انكسرت ورجعت فلسطين في مركز اهتمام الشعوب الذي عبرت عنه المظاهرات والمسيرات الضخمة والأنشطة المتنوعة التي لا تتوقف لصالح المقاومة وفلسطين في مختلف الدول العربية والإسلامية.

إفساد مخططات الدول العربية التي أرادت جعل القضية الفلسطينية على الهامش بحجج واهية تعتمد على وطنية زائفة وترديد عبارة “لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين” لأن “قادتهم متصالحون مع إسرائيل” وأنه “لا يجب أن نضحي بأوطاننا من أجل فلسطين”، وهي أفكار القلوب المريضة والعقول الصغيرة التي ألغت البعد العقدي الديني في القضية والتي لا تدرك بأن مصير كل بلد عربي ومسلم مرتبط بالقضية الفلسطينية من حيث أن الغرب لا يسمح لأي بلد في المنطقة أن يماثل أو يتفوق على الكيان الإسرائيلي في أي مجال، والطريق إلى ذلك هو منع أي دولة من دولنا من أن تنهض. علاوة على أن الأنظمة العربية استطاعت أن تتحكم في شعوبها وتخرجهم من معادلة التغيير بالقمع والتحايل والتزوير والإفساد الخلقي وبإشغالهم بلقمة العيش،  فإذا بالشارع ينفجر من جديد للتضامن مع أهل غزة ولمناصرة المقاومة ولم يستطع أغلب الحكام منع ذلك، ولهذا تعتبر الدول العربية حماس وفصائل المقاومة خطرا عليها وبعضها يتمنى سرا لو أن الكيان الإسرائيلي يستطيع القضاء عليها  لأنها هي التي أصبحت تبقي الشعوب حية مهتمة بمصيرها.

التحول الكبير في الرأي العام العالمي والغربي لصالح القضية الفلسطينية وضد دولة الكيان: ولعل من أكبر خسائر الإسرائيليين في معركة طوفان الأقصى، والأكثر إيلاما لهم انهيار روايتهم الكاذبة في صراعهم مع الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي، إذا بان جرمهم للعالم رغم تحكمهم في وسائل الإعلام في العالم وتعتيمهم الشديد على الحقيقة وملاحقة الكلمة الحرة المعبرة عن الواقع، فقد استطاعت صور الدمار وقتل الأطفال والنساء والتجويع والحرمان من الكهرباء والماء أن تنفذ إلى كل أنحاء العالم من خلال الإعلام الموازي فأحدثت صدمة في الضمير العالمي الشعبي ولدى كثير من الدول والمنظمات الدولية والشخصيات السياسية والفكرية والفنية والأدبية، وهي حالة لو أنفق عليها الفلسطينيون ملايير الدولارات في العلاقات العامة ما تمكنوا من الوصول إليها، ويدرك الكيان الصهيوني بأن داءه التاريخي هو كره الشعوب له والذي حين يبلغ مداه ينقلب عليهم بشكل دراماتيكي.

التأثير في الموقف التركي: لقد كانت تركيا تسير مطمئنة واثقة نحو رؤية خاطئة بخصوص القضية الفلسطينية، إذ كانت تعتقد أنها ستكون، ضمن رؤية قرن تركيا، هي راعية منطقة الشرق الأوسط الذي سيتجه إلى ضعف دولة الكيان وضعف الدول العربية وأن الجميع سيكون في حاجة للحماية التركية فتفرض حل الدولتين وتشرف عليه وترعاه، وهو ما شرحته في العديد من المقالات وفي بعض كتبي منها الكتاب الأخير “الحلقة المفقودة”، ثم جاء طوفان الأقصى فأرجع مسار التاريخ إلى طريقه المحتوم المتمثل في حتمية نهاية دولة الكيان، وقد تلقف أردوغان والساسة والمفكرون الأتراك الرسالة وأدركوا بأن الزمن قد يتجاوزهم ويعطي الفرصة والشرف لغيرهم فرجعوا إلى الاشتباك اللفظي مع الكيان بما لم يكونوا يرغبون فيه مطلقا، وإنما يختلف الأتراك مع الدول العربية أنهم لا يعادون حماس بل يعتقدون بأنها طرف أساسي في المستقبل وأنه يمكن ترويض قادتها لقبول حل الدولتين، وربما سيبقون على قناعتهم إلى أن تكون مفاجأتهم أكبر حين يدركون بأنهم مخطئون في تقديراتهم لمستقبل المنطقة وما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

مزيد من افتضاح أمر الدول الغربية في نظر الرأي العام العالمي ولدى قطاعات واسعة من شعوبهم، وانغماسهم أكثر في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بسبب اضطرارهم للرجوع لمنطقة الشرق الأوسط بعدما قرروا التخفف من الحضور فيها للتفرغ إلى الصين وروسيا، وقد رجعوا إلى المنطقة لشعورهم بأن ثمة خطر وجودي على دولة الكيان وأن تأمينها من خلال التطبيع وسط الأنظمة العربية أثناء انشغالهم بالصين وروسيا لم يصبح مجديا، وستكون كلفة هذا التحول الاستراتيجي المتعجل وغير المدروس أكبر في المستقبل على مستوى الانسجام الداخلي لدولهم وفي مواجهة الدول الصاعدة.

 

د. عبد الرزاق مقري

نوفمبر وطوفان الأقصى: انطباعات وتحليلات

إنه من المفيد أن تُكثف الكتابة والإنتاج السمعي البصري في تاريخ الثورة النوفمبرية بأشكال متجددة جذابة، وذلك لسببين على الأقل، بسبب صعود أجيال جديدة مقطوعة عن السردية الشفوية للثورة التحريرية خلافا لجيل الاستقلال الذي نشأ أفراده على قصص الجهاد والاستشهاد التي استمعوا إليها مباشرة من جيل المجاهدين مباشرة، وبسبب تصاعد ثورة التحرير في فلسطين بعد معركة طوفان الأقصى لكي تستفيد المقاومة الفلسطينية من تجربتنا الثورية الخالدة.

لقد نشأ جيلنا فعلا في سنوات الاستقلال الأولى على التعلق العقلي والعاطفي الشديد بثورة نوفمبر المجيدة، لا من خلال قراءة التاريخ من الكتب ولكن بالاستماع لأحداث كانت قريبة الوقوع من صانعيها مباشرة. أذكر جيدا أيام الطفولة الجميلة التي عشناها في وسط العائلات الثورية في حي “العرقوب” العتيق بالمسيلة، وهو من معاقل الفداء والمنظمة الثورية المدنية في المنطقة، ومسقط رأس رئيس مجموعة الستة ومنسق الثورة عند اندلاعها سي محمد بوضياف، تلك الجلسات التي كنا نسمع فيها قصص بطولات المجاهدين وأخبار الظلم ومداهمات البيوت التي كان يقوم بها عسكر الاحتلال، والتعذيب البربري في مقر “لاصاص” الذي أقاموه في مفترق طرق شارعين أساسيين من الحي.

وقد أدينا في الحركة الإسلامية دورا مهما بعد ذلك في نهاية السبعينات وسنوات الثمانينات في نقل قيم الثورة للأجيال التي لحقتنا أثناء شبابنا من خلال جعل قيم نوفمبر وبيانه ركيزة أساسية في بنائنا الفكري، في خطابنا ومختلف أنشطتنا، وأذكر في هذا الإطار معرض الكتاب الإسلامي السنوي نسخة عام 1987 في جامعة سطيف الذي خصصناه لتاريخ المقاومة الجزائرية من الاحتلال إلى الاستقلال، مع التركيز على تشكل الحركة الوطنية والثورة التحريرية، وقد كان لذلك المعرض ومحاضراته التي شارك فيها مجاهدون ومثقفون إقبالا كبيرا بسبب جرأته في عرض جوانب تاريخية عن الثوار والثورة كانت مغيبة في المناهج المدرسية في عهد الحزب الواحد.

كان وعي الشباب يتشكل بعد الاستقلال على نهج قويم بخصوص القضية الفلسطينية حيث كان الموقف الرسمي متقدما جدا في مناصرة الفلسطينيين، ليس بالشعارات والتحركات السياسية فقط، بل بالدعم العسكري المباشر والمواقف الدبلوماسية القوية، وجميعنا يذكر الأصوات المنبعثة من الأثير في البرنامج الإذاعي في الإذاعة الجزائرية “صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية” والعبارة الشهيرة “حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين”، وأخبار نقل الأسلحة لحركة فتح في مراحل كفاحها الثوري، وعن مساهمة الجيش الجزائري في حرب 1967، والمشاركة والموقف البطولي لهواري بومدين بإمضاء شيك على بياض لشراء الأسلحة من الاتحاد السوفييتي، ثم إعلان الدولة الجزائرية في الجزائر في 15 نوفمبر عام 1988، وغير ذلك. فلم يكن أحد من الشباب يشكك أو يجادل في عدالة القضية وواجب مشاركة الجزائريين في تحرير كل فلسطين، بل كانت عبارة القادة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، “أن استقلال الجزائر غير مكتمل ما لم تستقل فلسطين”.

ولكن، للأسف الشديد، بدأت السموم تتسرب إلى بعض العقول، حين تراجع حضور الجزائر في الملف الفلسطيني أثناء فتنة التسعينيات، وخصوصا حين تحركت رياح التطبيع مع مجيء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، عبر ثلاث عمليات متتالية في عام واحد بين 1999 و 2000، من المصافحة المشؤومة في الرباط، إلى دعوة المغني الصهيوني انريكو ماسياس، إلى المهمة الدنيئة بإرسال وفد من الصحفيين الجزائريين لزيارة الكيان الصهيوني. وقد مثل ذلك التراجع البيّن، المخطط له، صدمة كبيرة لدى الأوفياء لقيم الثورة التحريرية والقضية الفلسطينية، من داخل النظام السياسي وفي المجتمع.

وقد كنا بحمد الله من هؤلاء، حيث سارعنا إلى تأسيس “التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع” للتصدي لذلك التوجه الرسمي، وقد انخرط في التنسيقية التي أسسناها مع عدد من الأحزاب والمنظمات، العديد من الشخصيات الوطنية والثورية، منهم الشيخ شيبان والأستاذ عبد العزيز بلخادم وغيرهما، وكنا نعقد اجتماعاتنا في مقر “الحركة الديمقراطية الجزائرية” التي أسسها الرئيس السابق أحمد بن بله، وكان منسق الحزب آنذاك الأستاذ خالد بن إسماعيل. استطاعت هذه التنسيقية التي امتدت لعدد من الولايات الكبرى أن تحقق أهدافها وقد ساعدها في ذلك انفجار انتفاضة الأقصى في آخر عام 2000 التي كسرت موجة التطبيع التي تسارعت قبلها.

لقد كانت تنسيقية مناهضة التطبيع بداية موجة كبيرة من الأعمال التي قمنا بها لصالح فلسطين، ومنها فتح فرع مؤسسة القدس بالجزائر الذي كنت بحمد الله أمينه العام وكان رئيس الفرع الشيخ شيبان ونائبه الأستاذ عبد الحميد مهري رحمهما الله، ونائب آخر السيد بوزغوب أحد الطيارين الذين شاركوا في الحرب ضد الكيان، وكان الأستاذ محمد دويبي المدير التنفيذي. وقد كان فرعنا الجزائري أنشط فروع مؤسسة القدس دوليا ومن إنجازاته مشروع “وقف القدس” الذي أشرف عليه الأستاذ جعفر شلي ولايزال هذا المَعلم شامخا إلى الآن يدر بمداخيل معتبرة لصالح فلسطين، بالإضافة إلى الحركية الشعبية الفئوية التي بعثها الفرع ومنها منظمة “شباب من أجل القدس”، و ما رسخه من بعد تنسيقي للعمل الجزائري الفلسطيني الذي كان من إنجازاته الكبرى المساهمة الجزائرية التاريخية في “اسطول الحرية” وما تبعها من حملات كسر الحصار ونقل أعداد هائلة من المتضامنين الجزائريين والجزائريات ضد الحصار إلى غزة، التي بذل فيها الشيخ أحمد الإبراهيمي، رئيس جمعية البركة،  بلاء حسنا حولته مع مرور الزمن إلى رمز عالمي للعمل الفلسطين، وكان من ثمرة ذلك التنسيق كذلك اللجنة الشعبية لدعم المقاومة ونصرة فلسطين التي احتضنتنا فيها جريدة الشروق مشكورة، ثم لاحقا تأسيس منظمة البركة من قبل عدد من نشطاء القضية على رأسهم الشيخ أحمد براهيمي وهي اليوم المنظمة الشعبية الأكثر حضورا في دعم أهلنا في غزة ومختلف الملفات الفلسطينية الأخرى.

وبالنظر لأهمية نشر الوعي الشعبي خصوصا في أوساط الشباب أصدرت كتاب “الجزائر والقضية الفلسطينية”، رصدت فيها المساهمات الجزائرية في القضية الفلسطينية منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، وذكّرت بما بذله الجزائريون وهم تحت الاحتلال، سواء على مستوى الشخصيات، كعمر راسم، والشيخ السعيد الزاهري، والشيخ إبراهيم أبو اليقظان، والشيخ الفضيل الورتلاني، ومساهمات الجزائريين في مختلف الثورات الفلسطينية إلى إعلان دولة الاحتلال،  أو كمنظمات وعلى رأسها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبر العديد من المبادرات، ومنها “الهئية العليا لإعانة فلسطين”  التي حدثني عن دورها صاحب الفكرة ذاته الشيخ عبد الرحمن شيبان والتي شارك فيها المنظمات والشخصيات من مختلف التيارات الوطنية، وقد ترأس الهيئة الشيخ البشير الإبراهيمي، وكان فرحات عباس كاتبا عاما لها، والشيخ الطيب العقبي أمينا للمال وينوبه الشيخ بيوض، وتكفلت الهيئة بتجهيز وإرسال المجاهدين للقتال في فلسطين وجمع المال وتنظيم حملات التعبئة لصالح القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى المساهمات الأخرى لكل منظمات الحركة الوطنية الأساسية، حزب الشعب الجزائري وأحباب البيان والحرية. ثم تطرقت في الكتاب إلى مساهمات الجزائريين بعد الاستقلال، سواء الشخصيات المعارضة كمحمد خيضر الذي دعم حركة فتح ماليا وفق ما هو مدون في أرشيف الأستاذ منير شفيق، أو المجاهد محمد بودة الذي انخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفلسطينية وكان منسق العلميات الخاصة للجبهة الشعبية في أوربا ومنها حادثة ميونخ الشهيرة، وقد ارتقيى شهيدا رحمه الله على يد الموصاد في فرنسا بأمر من غولدا مايير نفسها. أو السلطات الرسمية منذ عهد بن بلة وقد أشرنا إلى بعض المساهمات الحكومية أعلاه، وختمت الكتاب بمساهمات حركة مجتمع السلم منذ عهد الشيخ محفوظ نحناح والعمليات الكبيرة التي أشرفت عليها بنفسي وأشرت إليها أعلاه.

ولشعوري بحاجة ربط العلاقة بين الثورة التحريرية النوفمبرية الجزائرية والمقاومة الفلسطينية شرعت في تأليف كتاب آخر تحت عنوان ” دروب المقاومة: نضال الشعب الجزائري من الاحتلال إلى الاستقلال” وحرصت أن أسجل المقارنات مع كفاح الشعب الفلسطيني، وتشابه الاحتلالين الاستيطانيين الإحلاليين الفرنسي والإسرائيلي، وتشابه جرائم الإبادة وتدبير البنية الإنسانية للشعبين، والتشابه والفروق في أدوات النضال المسلح. وهو كتاب بدأته قبل سنوات، تتمة لبحث قدمته عن التجربة الثورية الجزائرية في مؤتمر نظمه مركز الإعلام العربي بالقاهرة في سبتمبر 2006 عن التجارب الثورية في تاريخ الدول وكيفية استفادة المقاومة الفلسطينية، ثم شُغلت عنه باهتمامات وكتابات أخرى ضاغطة فتركته بعد أن أنهيت أكثر من نصفه تقريبا. غير أن نقاشي الطويل والمتكرر مع قيادة المقاومة الفلسطينية في ظل الأزمات التي تعرفها الأمة والصعوبات التي تمر بالملف الفلسطيني جعلني أقرر العودة لإنهاء الكتاب مع التركيز أكثر على استخلاص الدروس من تجربة الثورة التحريرية بما ينفع الكفاح الفلسطيني، وقد شجعني على ذلك بعض القادة الفلسطينيين الذين شعروا بأنهم رغم دراستهم الثورة التحريرية الجزائرية لم يكونوا على علم بكثير من تفاصيل الكفاح الجزائري ضد المستعمر الفرنسي التي ذكرتها لهم، ورأوا في تدوينها وإسقاطها على الحالة الفلسطينية فائدة كبيرة، وأسأل الله تعالى أن يعينني على إنجاز ذلك.

وفي حقيقة الأمر حينما نرى ما يحدث من تضحيات جسيمة وبطولات مدهشة في طوفان الأقصى أننا لم نقدم أي شيء ذي بال، وإنما أملنا أن يعذرنا الله ويسامحنا إذ لم نستطع القيام بما يجب القيام به لضعفنا وقلة حيلتنا وأن يتقبل الله منا جهد المقل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

رسالة إلى رئيس الجمهورية بشأن القضية الفلسطينية (واجباتنا العشرة)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية،
عبد المجيد تبون.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

فإن عدم تطبيع الجزائر مع الكيان الصهيوني هو تحصيل حاصل بالنسبة للدولة الجزائرية، إذ دولتنا هي صنيعة حرب تحريرية من جنس الحرب التحريرية التي تقودها اليوم كتائب عز الدين القسام، الذراع السياسي لحركة المقاومة الإسلامية – حماس – مع مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية. فلو كانت الجزائر غير ذلك لكانت خائنة للعهود والانتماء والتاريخ وللسياسة الخارجية لبلادنا منذ الاستقلال وللإجماع الشعبي تجاه القضية الفلسطينية.
ورغم الموقف السياسي المشرف الذي تحافظ عليه الجزائر في الشأن الفلسطيني لا نقوم، إلى الآن، بما يجب القيام به لصالح المقاومة ولنجدة أشقائنا في غزة بما يتناسب مع عظمة الإنجاز في طوفان الأقصى، وحجم العدوان على المدنيين من قبل الصهاينة، وأهمية الموقف ومآلاته المستقبلية.
إن الجزائر تستطيع أن ترفع سقف دعمها للقضية الفلسطينية، وتملك الوسائل لذلك، لتجعل نفسها في ريادة الدول العربية. وستكبر بهذه القضية لو فعلت ويرتفع شأنها. فالعالم سيتغير، وسيتغير لصالح فلسطين، ولصالح المعسكر الذي سيكون مع المقاومة الفلسطينية.
وعليه فإني أتوجه إليك السيد الرئيس، كمواطن جزائري، ومناضل مطلع وراسخ القدم في القضية الفلسطينية بحمد الله، بهذه المطالب:
1 – خروج الجزائر من المبادرة العربية لحل الدولتين: إذ المبادرة ظالمة تشبه طلب ديغول للثوار النوفمبريين بالتخلي عن الصحراء الجزائرية، وهي مبادرة لا مستقبل لها، لا يؤمن الصهاينة أنفسهم بها.
2 – وقف تعطيل قانون تجريم التطبيع في البرلمان الجزائري: لقطع الطريق، في الحاضر والمستقبل، عن المطبعين الكامنين داخل مؤسسات الدولة، ولكم في الموقف المشين لعميد مسجد باريس المسنود والممول من الدولة الجزائرية أكبر دليل، وغيره مثله كثير.
3 – كشف الأطراف التي أفشلت مبادرتكم للمصالحة الفلسطينية للرأي العام الجزائري، وأخذ العبرة من ذلك – إن كان الهدف من المبادرة هو نصرة القضية الفلسطينية – وتوجيه الدعم المالي لحركة حماس والمقاومة، التي شرفتكم ودعمت مشروعكم ولم تخدعكم، والتي تكافح فعليا من أجل تحرير فلسطين وتضحي على الأرض كل يوم.
4 – الحراك الدبلوماسي بفاعلية أكبر، ليس لرفع العتب وتسجيل المواقف فحسب، بل بذل أقصى الجهد مع الدول الشقيقة والصديقة لوقف العدوان وإدخال المساعدات وإغاثة أهلنا في غزة.
5 – مراجعة مواقفنا الخارجية وخطابنا الرسمي وتصرفاتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية، في ظروف العدوان خصوصا، بما يظهر انزعاجنا الحقيقي من كونهم مشاركين في الجريمة، وتجنب الاستقبالات الدبلوماسية غير المناسبة في هذه المرحلة كما حدث عدة مرات في بلادنا.
6 – السماح بل تشجيع التحرك الشعبي الدائم، وعلى رأسها المسيرات الشعبية، للتعاطف مع إخواننا في غزة ولدعم المقاومة، كما يحدث في كل أنحاء العالم، لما في ذلك من آثار إيجابية لصالح فلسطين كما بات مسلما به لا يجادل في ذلك عاقل، وكذا السماح بالوقفات الاحتحاجية السلمية أمام سفارات الدول المشاركة في العدوان.
7 – تحويل المناسبات الثقافية والرياضية إلى فضاءات للتعبير عن دعم المقاومة بدل القرار الخاطئ الذي اتخذته الحكومة الجزائرية بوقفها، خصوصا المناسبات الرياضية التي تحولت إلى تظاهرات في العديد من الدول لنصرة القضية الفلسطينية.
8 – تشكيل جسر جوي للإغاثة والضغط على الحكومة المصرية لإدخال المساعدات للقطاع ولنقل المصابين إلى الجزائر من أجل العلاج، وتخصيص ميزانيات معتبرة لإعادة الإعمار بعد الحرب وبناء منشآت جزائرية في مختلف الاحتياجات في غزة كما تفعل بعض الدول الأخرى في غزة.
9 – تجنب سياسة دفع الجزائريين ليتعايشوا مع العدوان وتقبله، والعمل على بقاء ثباتهم في دعم القضية حتى النصر بحول الله، من خلال المحافظة على الأداء الجيد، على العموم، للمساجد والمؤسسات الإعلامية، وبجعل المدرسة مكانا أساسيا للوعي بطبيعة المعركة القائمة، وعن طريق تشجيع الشخصيات والمنظمات والمؤسسات المتطوعة للعمل الفلسطيني في مختلف المجالات، والسماح بجمع المال والمساعدات الشعبية وتسهيل نقلها.
10 – التخطيط والإنجاز من أجل المشاركة في تحرير المسجد الأقصى وفلسطين بمختلف الوسائل، ومنها المساهمة العسكرية على نحو ما قامت به الدول الصديقة والشقيقة لصالح الثورة الجزائرية بالأمس، وعلى نحو ما تقوم به إيران مشكورة لصالح المقاومة اليوم، وتشجيع الدول العربية والإسلامية السنية على ذلك، ليكون التحرير القادم القريب بحول الله إنجازا للأمة الإسلامية كلها.

تقبلوا مني أسمى التحيات.

عبد الرزاق مقري

واجباتنا تجاه طوفان الأقصى

تمر القضية الفلسطينية بتحول تاريخي كبير أحدثته المقاومة الفلسطينية بإنجازها البطولي غير المسبوق، بالانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم من أجل التحرير. ولإخفاء حالة الإذلال والهزيمة التي تعرض لها يقوم جيش الاحتلال بتدمير هائل للمباني على رؤوس المدنيين، ويحشد حشودا غير مسبوقة للهجوم البري على غزة، ويجد أثناء ذلك دعما كاملا من الدول الأوربية وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة، وكل المؤشرات تدل على أن جيوشا أخرى أمريكية وأوربية ستشارك في المعركة، وكأنها معركة الأحزاب من جديد.
لقد أدى أبطال المقاومة الذي عليهم، ولا يزالون، وهم وكل سكان غزة يواجهون أياما عصيبة تتطلب من الأمة أن تشاركهم المعركة وأن تكون في حلفهم وبجانبهم، كل من موقعه، وذلك على النحو التالي:
أولا – الحكومات
– دعم المقاومة وصمودها بكل الوسائل، ومنها الوسائل العسكرية، لكي يكون طوفان الأقصى خطوة أساسية نحو تحرير فلسطين، واقتطاع ميزانيات خاصة لدعم الشعب الفلسطيني في القطاع في مواجهته البطولية للاحتلال ولتمكين مؤسساته الخدمية من مواصلة عملها، وإمداده بما يحتاجه من الطاقة والكهرباء.
– الإغاثة الفورية لقطاع غزة واعتبارها منطقة سكانية منكوبة جراء الحرب الظالمة الموجهة ضد المدنيين، وذلك بمختلف الوسائل الطبية والإغاثية ودعم عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا من تحت الركام، وبناء مستشفيات ميدانية وتسهيل نقل الجرحى إلى مختلف المستشفيات العربية والإسلامية.
– التحرك الدبلوماسي على مستوى المنظمات الدولية والإقليمية، والعلاقات الثنائية، لتأكيد حق الشعب الفلسطيني، وفق ما ينص عليه القوانين والأعراف الدولية، في تحرير أرضه بكل الوسائل ومنها العمليات المسلحة وإظهار وفضح جرائم جيش الاحتلال الذي يتعمد استهداف المدنيين بأفتك الأسلحة وهدم البيوت على أصحابها والقتل الجماعي للسكان في الأسواق والمساجد والمستشفيات والمؤسسات الإدارية.
– التأكيد في الخطاب الرسمي على أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية عربية تتعلق بالعدوان المستمر على المسجد الأقصى ومقدسات المسلمين، وإظهار مخاطر الصلف الصهيوني على مصير البلدان العربية كلها وعلى وحدة الأمة وفرص نهضتها.
– تسخير كل وسائل الإعلام الحكومية وأدوات الاتصال الرسمية لإظهار مظاهر النصرة والتأييد للشعب الفلسطيني الشقيق في مواجهته البطولية للاحتلال وحماية المقدسات، وكشف صور جرائم الاحتلال الهمجية المناقضة لتعاليم كل الديانات والقوانين والأعراف الإنسانية.
– تخصيص فترة زمنية في كل المدارس والمؤسسات التعليمية للحديث عن القضية الفلسطينية وبطولات الشعب الفلسطيني والعدوان الذي يتعرض إليه.
– تسهيل الفعاليات الشعبية التي تقيمها المنظمات والأحزاب والمؤسسات المدنية للتعبير عن دعمها ومناصرتها للأشقاء الفلسطينيين، والامتناع عن عرقلة أي مجهود شعبي لصالح فلسطين في هذه الظروف التاريخية.
– الدعوة إلى انعقاد اجتماع الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي واتخاذ قرار جماعي بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني من قبل كل الدول المطبعة أو التي تتجه لذلك، واعتبار التطبيع خيانة للدين والأمة وفي حق الشعب الفلسطيني.
– إنهاء الدور الوظيفي لحماية إسرائيل الذي تقوم به بعض الدول العربية، وفتح المجال للمقاومة الفلسطينية والمتطوعين المسلمين والأجانب للمشاركة في التحرير، على نحو ما كانت عليه كثير من الثورات ضد الاحتلال، منها الثورة الجزائرية.
ثانيا – النواب والبرلمانيون
– إصدار البيانات الفردية، والجماعية بين الكتل البرلمانية، لتثمين الإنجاز التاريخي للمقاومة، وفضح الجرائم الصهيونية، وإدانة التطبيع.
– اغتنام هذه الفرصة التاريخية لإصدار القوانين والتشريعات التي تجرم التطبيع بكل أنواعه وأشكاله.
– اتخاذ المواقف الصارمة وإصدار البيانات الواضحة ضد الانحياز الغربي والكيل بمكيالين لصالح الاحتلال الصهيوني وجرائمه الفضيعة، خلافا لموقفه لصالح أوكرانيا بحجة دعمها ضد الاحتلال.
– عقد الجلسات البرلمانية لمناقشة الأوضاع الجارية في غزة.
– تحريك آلية الدبلوماسية البرلمانية والقيام بزيارات وفود برلمانية للسفارات وفروع المنظمات الدولية المعتمدة، خصوصا الولايات الامريكية المتحدة والدول الغربية الأخرى، لتحميلها مسؤولية المجازر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، بسبب توفيرها غطاء ذلك للجيش الإسرائيلي.
– إرسال الرسائل الجماعية بين الكتل البرلمانية للأمين العلم للأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية والإقليمية المرفقة بصور وبيانات المجازر التي يقترفها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في قطاع غزة، والتذكير بالقوانين الدولية التي تضمن للشعوب حقها في الكفاح من أجل تحرير بلدانها، و التي تجرم استهداف المدنيين وتجويعهم، واستهداف دور العبادة.
– تنظيم الندوات القانونية المحلية والدولية للتذكير بتلك القوانين، لا سيما المادة (51) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (يتمتع الأشخاص والسكان المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية ولا يجوز أن يكونوا محلا للهجوم.. )، والمادة (52 ) التي تحظر الهجوم على الأعيان المدنية وردعها والتنكيل بها (لا تكون الأعيان المدنية محلا للهجوم أو لهجمات الردع وتقتصر الهجمات على الأهداف العسكرية فقط)، والمادة (53) التي تنص على أنه (يحظر ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة).
– تشكيل شبكة برلمانيين وقانونيين دوليين للتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية والضغط عليها بالاستناد إلى المواد القانونية الدولية ذات الصلة.
– مراسلة الزملاء النواب في مختلف الدول وتقديم المستندات الدالة على الجرائم والهمجية الإسرائيلية والمخالفات الجسيمة للقانون الدولي، وتبيين الشرعية الدولية للمقاومة، ولاشرعية الاحتلال، وما صدر من قرارات دولية ضد الاستيطان الإسرائيلي.
استعمال وسائل الإعلام والاتصال البرلمانية والشخصية لدعم المقاومة ومناصرة الشعب الفلسطيني وإدانة جرائم الاحتلال.
المساهمة في التعبئة الحكومية والشعبية ودعم التحركات والمواقف والفعاليات التي تتناسب مع الأحداث التاريخية الجارية في غزة وفلسطين.
ثالثا – العلماء والمؤسسات الشرعية والشعبية
– جمع وحدة كلمة العلماء بخصوص القضية الفلسطينية عموماً، والأحداث البطولية والصعبة الجارية، وتحمل المسؤولية أمام الله وأمام التاريخ، لما للعلماء من تأثير في المجتمعات المسلمة.
– إصدار الفتاوى الفردية والجماعية بوجوب دعم المقاومة بكل الوسائل وحماية المقدسات، والوقوف إلى جنب أهل غزة في محنتهم، ووجوب كفايتهم في ما يحتاجونه ماديا ومعنويا من الجهات الرسمية والشعبية.
– إصدار الفتاوى الفردية والجماعية بتحريم التطبيع وتجريم كل أنواع التعاون مع الكيان الصهيوني.
– المساهمة في التعبئة الشعبية والمشاركة في مختلف الفعاليات لمناصرة الفلسطينيين في الظروف الاستثنائية الجارية.
– إصدار البيانات الفردية والجماعية والمساهمة في الفعاليات الإعلامية والتسجيلات الخاصة بالأحداث الجارية.
– دعم الرواية الفلسطينية وتثبيت الحق الفلسطيني في أرضه ومقدساته ودحض مزاعم التطبيع، بالأدلة والدراسات الشرعية.
– إحياء روح الجهاد في سبيل الله في الأمة ضد الاحتلال وفق المحددات الشرعية التي ينص عليها الكتاب والسنة، ووجوب مساهمة جميع المسلمين في تحرير فلسطين.
رابعاً – الأحزاب والمنظمات والاتحادات الطلابية والنقابات ومختلف المؤسسات المدنية من مختلف التيارات والتوجهات الفكرية والسياسية:
– جعل نصرة الهبة البطولية الفلسطينية على رأس الأولويات، والتحرك العاجل والمحكم والمنهجي عبر خطط مدروسة ومستمرة وفاعلة.
– تنظيم المسيرات الشعبية في الشوارع لإظهار التحام الأمة الإسلامية مع قضيتها الفلسطينية، وربط مصيرها بها، ومنع مخططات عزل المقاومين عن التيار العام للشعوب العربية والإسلامية لدى الحكام والدول الغربية الاستعمارية والمنظمات الدولية.
– الضغط على الأنظمة في الدول المطبعة مع الكيان الغاصب واغتنام فرصة الإنجاز الفلسطيني التاريخي والجرائم التي قابلته من قبل الإسرائيليين المهزومين لكسر القبول الشعبي للتطبيع وتجميد المصريين كافة شعبية عالية وتلخيص مسعاها.
– المسارعة إلى جمع التبرعات والمساعدات الشعبية المادية المختلفة وتشكيل شبكات دعم متينة وفاعلة ومد الفلسطينيين بما يحتاجونه في هذه الظروف التاريخية المشرقة والصعبة. تشكيل التنسيقيات وتنظيم المبادرات الجماعية، العابرة للاتجاهات الحزبية والفكرية داخل البلد الواحد، والعابرة للبلدان، بما يتناسب مع الأحداث التاريخية والجرائم الكبرى الجارية في غزة وما حولها.
– إنتاج البرامج الإعلامية وتنظيم الحملات الإعلامية المنسقة والفاعلة والواسعة والمستمرة عبر مختلف الوسائط الإعلامية حول أبرز محاور أساسية:
– دعم المقاومة وإظهار منجزها كحدث تاريخي بيّن وقطعي في إمكانية هزيمة الاحتلال الإسرائيلي حين يتوفر الإيمان والإعداد والعزيمة والشجاعة على ما نحو أظهرته المقاومة في معركة “طوفان الأقصى”.
– التأكيد على الشرعية الدينية والأخلاقية والقانونية الدولية في كفاح الشعوب من أجل تحرير أوطانها، ولا شرعية الاحتلال، ومخالفته للقوانين والقرارات الدولية التي تتعلق بفلسطين.
– فشل مسارات التسوية والمفاوضات مع دولة الاحتلال وآثارها المدمرة على ثوابت القضية الفلسطينية (الأرض، أمن وسلامة السكان، حق العودة، المقدسات، الوحدة الفلسطينية).
– إظهار الجرائم الإسرائيلية في حق المدنيين الفلسطينيين من تدمير للبيوت على سكانها، والمساجد على المصلين، واستهداف الأسواق العامرة بالسكان.
– القيام بحملات علاقات عامة في المؤسسات الغربية والمنظمات غير الحكومية الدولية وإحراجهم بالأدلة الساطعة الدالة على الحق الفلسطيني والتي تفضح الممارسات والادعاءات والجرائم الصهيونية، وتسليط الضوء على معاناة أهل غزة.
خامساً – الصحفيون ووسائل الإعلام
– جعل الأحداث الجارية في غزة وفلسطين جزء أساسي من البرامج اليومية والإخبارية لصالح المقاومة ودعم الشعب الفلسطيني.
– تكثيف نقل صور الإنجاز التاريخي الذي حققته المقاومة.
– الفضح المكثف والمنهجي للجرائم الإسرائيلية، وتكثيف عرض الصور الدالة على ذلك.
– تغطية الأنشطة التي تنظمها مختلف الأطراف لصالح المقاومة ومناصرة الشعب الفلسطيني.
– اغتنام فرصة الأحداث الجارية لبث البرامج التي تؤكد الحق الفلسطيني ودحض الرواية المزيفة التي ينتجها الكيان الصهيوني ومؤسسوه وأعوانه وتنشرها مختلف وسائل الإعلام الغربية.
– تنظيم الندوات الحوارية لفهم الأحداث الجارية وأبعادها وآثارها على القضية الفلسطينية وعلى الأمة والعالم بأسره.
– فك الحصار الإعلامي على القيادات الفلسطينية والمساهمة في إعطائهم الكلمة وتوصيل خطاباتهم ونداءاتهم للأمة جمعاء وللبشرية كلها.
– اعتماد اللغات الأجنبية في جزء مهم من البرامج والتغطيات الإعلامية، والتركيز على البعد الإنساني والعاطفي والأبعاد القانونية والحقوقية في مخاطبة غير المسلمين.
سادساً – الأفراد ومختلف الفواعل الاجتماعية والمهنية والتيارات الشعبية
– تجديد النية الفردية في العلاقة بالقضية الفلسطينية من حيث أنها قضية دينية يجانب المسلم عن موقفه منها ودوره تجاهها من الله سبحانه عز وجل.
– استحضار خطورة الكيان الصهيوني على وحدة العالم العربي والإسلامي وعلى فرص نهوضه وتطوره.
– الإدراك بأن الكيان الصهيوني خطر على الأمن والسلام في المنطقة وفي العالم، وبأنه طرف أساسي في النظام المالي العالمي الحالي القائم على استنزاف فئات قليلة لخيرات الكرة الأرضية، والمتسبب في انتشار الظلم والفقر والأمراض والوبئة والحروب. 04 الاعتزاز الشخصي بالإنجاز التاريخي الذي حققته المقاومة الفلسطينية وعد ذلك خطوة غير مسبوقة في طريق التحرير والانتباه إلى التحولات الموضوعية الكبرى التي تؤشر على اقتراب ذلك. 05 الاهتمام بما يحدث في غزة وفلسطين ومتابعة الأحداث والتفاعل الإيجابي معها من خلال برامج شخصية منها:
– الدعاء في كل صلاة وفي أوقات الاستجابة.
– المساهمة بمقدار مالي شخصي وعلى كل فرد في الأسرة.
– الحديث عن الأحداث الجارية في العائلة وشرح أبعادها والواجبات الملقاة على كل فرد بخصوصها، خصوصاً للأطفال والشباب، والتذكير بأن – الأمة إنما تحيي بالجهاد في سبيل الله وفق ما ينص عليه الكتاب والسنة.
– المساهمة في حملات التبرع التي تنظمها الجهات الموثوقة المعنية.
– المساهمة في المسيرات والمناشط والوقفات والفعاليات المختلفة التي تنظمها مختلف الأطراف.
– المساهمة في الحملات الإعلامية وتوسيع مداها بمشاركتها في مختلف الوسائل الاجتماعية.
– الاستعداد للمساهمة في التحرير والسخاء بالنفس عند الاقتضاء وتوفر الفرصة والظروف والثبات على هذه النية.
مساهمة كل واحد – بشكل فردي وتلقائي – في دعم القضية الفلسطينية في محيطه المهني وحسب تخصصه ومجاله واستطاعته والفرص المتاحة والاستعداد لذلك (في المواقع الحكومية، والمجتمعية، والعلمية، والفنية، والتقنية، والاقتصادية والمالية …).

 

 

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية