زيارة قونيا كانت مؤنسة ومفيدة، راجعنا فيها التاريخ في زيارتنا لمتحف جميل شرح لنا الدليلُ مختلف الحقب التاريخية من عهد الحيثيين إلى عهد البيزنطيين إلى عهد السلاجقة الأتراك الذين اتخذوها عاصمة لهم حين تمكنوا من شرق الأناضول بعد معركة ملازكرد التاريخية التي قهروا فيها البيزنطيين، ثم عهد العثمانيين. كما زرنا مساجدها العريقة منها مسجد علاء الدين كيقباد الذي بني في 1235، وهي مساجد تتميز بالبساطة وغياب الزخرفة خلافا للنمط العثماني لاحقا، كما اطلعنا على تراثها الإسلامي الكبير حيث كانت محجة العلماء والعباد والزهاد،وتعرف قونيا بسمتها الإسلامي وانتشار مظاهر التدين في مجمل أماكنها خلافا لإسطنبول على سبيل المثال، كما شعرنا بكثير من الدفء والترحاب والمودة في لقائنا بالناس واهتمام كبير بالقضية الفلسطينية لديهم.
لم تخرج هذه البلدية من قيادة حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه، ويعد رئيس بلديتها من أنجح رؤساء بلديات تركيا، بل هو رئيس الاتحاد العالمي لرؤساء البلديات في العالم، وحين تطّلع على إنجازاته تتأكد بأنه يستحق ذلك فعلا، من حيث حسن تسيير المخططات التنموية للدولة ومن حيث إبداعاته ولمساته في مختلف المجالات، سواء تطوير الطابع الفلاحي الأصلي للبلدية كونها المصدر الأول لكثير من المنتجات الفلاحية في تركيا، أو تطوير الصناعة في مختلف المجالات حتى صارت منتجات قونية الصناعية تصدر إلى 130 دولة، وكذا تطوير مجال الخدمات ومن ذلك أنه أضاف إلى المقدرات السياحية الطبيعية الخلابة، والتاريخية الأخّاذة، والمتعلقة بالأحياء الشعبية النظيفة و المنظمة، والصناعات التقليدية الجميلة، مشاريع سياحية صناعية رائعة مثل المتاحف البديعة العديدة والحدائق التي منها حديقة الفراشات التي تعد أكبر حديقة فراشات في العالم يرى فيها السائح عجائب وغرائب، ومتحف مينيا تورك الذي ينافس مثيله في إسطنبول والذي ترى فيها مجسمات صغيرة لمعالم تاريخية تمثل كل التاريخ التركي وتاريخ المنطقة، علاوة على مضمار للدراجات الهوائية هو الثاني طولا بعد مضمار الدانمارك، وكذا السياحة الدينية إذ تعد قونية محجة الطرائق الصوفية فهي المكان الذي استقر فيه جلال الدين الرومي الزاهد الصوفي والشاعر المعروف، الذي تنسب اليه الطريقة المولوية، وفي زيارتنا لمكان دفنه رأينا افتتان نساء ورجال شياب وشباب به، مع أن بعض سكان قونية شرحوا لنا بأن المولية بقيت تمثل طابعا فلكلوريا في قونيا أكثر منها التزاما بمعتقدات الطريقة، واكدوا لنا أن قونية لم تحد عن خصوصيتها الإسلامية الصحيحة حتى في زمن العتو اللائكي، وما يؤكد ذلك ما يحكى من قصة عجيبة عن اتاترك الذي كره هذه البلدة بسبب سمتها الديني، وأنه ذات يوم وجد عددا من العلماء مجتمعين في مسجد من مساجد المدينة ( لا يزال قائمًا وقمنا بزيارته) فحشدهم في قطار كان يقل الأبقار وعند وصوله إلى مكان توقفه حوّل الأبقار للذبح والعلماء للإعدام، وثمة في حدود المدينة القديمة وضع أتتاترك لنفسه تمثالا يعطي فيه المدينة بظهره فسرها أهل قونية أنه يعبر بذلك عن خصومته لهم.
وقد رأينا السمت الأخلاقي الراقي لأهل قونيا في استقبالنا في مختلف المواقع وفي أماكن المحاضرات التي قدمتها، في معهد الدراسات المقدسية، وفي جامعة نجم الدين أربكان، وفي مقر مؤسسة الإنسان والحضارة، الذين رفعونا فوق رؤوسهم جزاهم الله خيرا، وفي زيارتنا لقناة “قون تيفي” التي اكرمنا مديرها وصحافيوها وكوادرها أيما إكرام بارك الله فيهم.
وكانت الزيارة ممتعة بمتعة الصحبة، مع نور الإسلام وزياد ومحمد، أبنائي وإخواني وعضدي وسندي، رفع الله مقامهم في الدنيا والآخرة ومع الدكتور عبد الجليل منظم الزيارة ودليلنا في السياحة ومفتاحنا في المحاضرات والعلاقات، الشاب الفاضل الخلوق الطيب المثقف، وفقه الله وأعطاه ما يصلحه في الدنيا والآخرة.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com