المقالات

ثالثا ـ المؤشرات الرقمية.

مقدمة:


إن الذي دفعني إلى البحث في المؤشرات الرقمية للانتخابات التشريعية لحركة مجتمع السلم، من 1992 إلى 2026، هو الجدل الذي وقع في الساحة الإسلامية في داخل صف الحركة وخارجها، على إثر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة 2026، بين متحامل على القيادة الحالية ضمن نفسية تصفية حسابات ما، وكأنه لأول مرة يقع التراجع الانتخابي في الحركة متناسين انهيار 1991 والتراجع الكبير في 2002، ونتائج الحركة المخيبة ضمن تكتل الجزائر الخضراء عام 2012، خصوصا في الانتشار الجغرافي النيابي، ومهونين من حصيلة جيدة حققتها الحركة في هذه الانتخابات (43 مقعدا) رغم التزوير يسمح  لها بالاستمرار والتطور في المستقبل إن أرادت، وبين رافض للنقد لما وقع من تراجع، محاولا تحميل القواعد وحدها المسؤولية، والتهوين من النتائج الجيدة السابقة، خصوصا نتائج 2021، بالحديث عن مؤشرات رقمية غير مكتملة وغير عادلة، وإلصاق التراجع في التزوير الذي هو سمة ثابتة في كل الانتخابات. ولا هؤلاء ولا هؤلاء تحدث عن الأزمة السياسية التي يتحملها النظام السياسي، خصوصا العزوف الانتخابي الذي بات يعدّ مقاطعة انتخابية شاملة، وما هي مسؤوليتنا في الحركة في هذه المقاطعة المتصاعدة التي بلغت في 2021 و2026  ، بعد سلسلة خيبات الأمل في التغيير عن طريق الانتخابات، حدا يكاد يلغي معنى هذه الاستحقاقات الانتخابية ويجعلنا جميعا ، السلطة أولا ثم نحن ـ كلنا ـ بعيدين عن توجهات المواطنين العامة واحتياجاته.

يقول الله تعالى في سورة النساء: ((نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ـ58 ))

ويقول عز وجل في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.

يُشكر السيد رئيس الحركة، الأستاذ عبد العالي حساني شريف، على اعترافه بالتراجع في الندوة الصحفية، وإن كان ثمة من يتحمل المسؤولية، فليس هو وحده، وربما لو كان غيره يقود الحركة ممن ينقده، في السر أو العلن، لوقع انهيار كامل، بل يتحمل المسؤولية معه المكتب التنفيذي الوطني، ورئيس الحملة الانتخابية وفريقه، وكل قيادات الحركة على المستوى المحلي، فهم من ساندوا الخط السياسي المتبع حاليا، والخطط الانتخابية، وتشكيل القوائم الانتخابية، علما بأن عملية الترشيح تتم ولائيا كالعادة دون أي تدخل من الهيئات المركزية في الحركة.

إن المنهجية التي اعتمدتها في هذه الدراسة لا تتعلق بانتخابات 2026 وحدها، أو أي انتخابات أخرى معزولة عن البيئة السياسية العامة. منهجية أنتقل من خلالها بالمتابعين إلى ملاحظة عمق الأزمة السياسية التي يتخبط فيها البلد، ويتخبط فيها بها التيار الإسلامي كله، منذ بداية التعددية، في مواجهة نظام سياسي قرر صد الطريق عليه، بكل تفاصيله، مهما بدا تقدم هنا أو تأخر هناك، وبخطط وآليات متعددة، تتطور من انتخابات إلى أخرى.

حاولت أن أثبت في هذه الدراسة الفرضية التي عرضتها في المقال الثاني بأن الحركة تتراجع في الانتخابات حين تقترب كثيرا من السلطة الحاكمة وحين يكون خطابها غامضا، لا هو خطاب موالاة واضح على شاكلة أحزاب الموالاة، ولا هو خطاب معارضة سياسية تضع نفسها عند الجمهور كبديل يريد الوصول إلى الحكم ديمقراطيا (ولو بعد حين)، خطاب لا يجعل لنفسه رقابة ذاتية تتعلق بالمواضيع والأشخاص والنبرة، ضمن المنهج السياسي السلمي، وما هو متضمن في الدستور المكتوب، وليس الدستور المفروض بالتحكم السياسي.

فالإشكالية التي أعالجها في هذه الدراسة لا تتعلق بالأشخاص، ولا هي دفاع عن نتائج ما أو تهوين لأخرى، إنما هي أرقام صمّاء لا يمكن تجاوزها، أريد من خلالها أن أنشغل بالسياسة وليس بالانتخابات وحدها، لأجزم بأن الاكتفاء بالعملية الانتخابية في عملية التغيير والإصلاح غير مجدية، بل تكون عقيمة ومديمة للأزمات، إن لم يكن معها أداء وخطاب يهدف إلى تغيير موازين القوة لصالح المجتمع في مواجهة تغول التحكم الرسمي، خدمة للبلد وخدمة لعموم الناس، بعيدا عن المصلحة الحزبية الضيقة ومصالح الأشخاص، الطامعين في عطاءات السلطة أو الخائفين من تحمل أعباء النضال، أو الذين يخضعون لابتزاز ما.

وأؤكد في هذه الدراسة بأن التزوير الانتخابي حالة مستدامة في كل الانتخابات، وأن مقاومته لها طريق واحد هو الاستعانة بعد الله بالشعب، والمقاومة السياسية، إذ كلما كانت رمزية الحركة قوية وجذابة تتقدم في النتائج رغم التزوير، وكلما كانت رمزيتها ضعيفة وخطابها غير واضح في مواجهة الاستبداد تتراجع أرقامها الانتخابية، وهذا الذي تبينه الدراسة بشكل واضح.

قد تكون هذه الخصوصية، خصوصية جزائرية، لا يزال النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكلي للحركة الإسلامية، ولكن هذه هي الحقيقة، يعمل على تحجيم التيار الإسلامي بالتزوير والتضييق، وتشتيته، وضرب بعضه ببعض، ولكن لا يزال لم يستطع إخفاء الدور الطلائعي الشجاع والمسؤول لحركة مجتمع السلم في مواجهة الإرهاب، في الوقت الذي كانت كثير من الوجوه المتشدقة بالحديث غير الصادق عن “الوطنية” غير معروفة أو لا دور لها،  كما أن النظام السياسي لا يزال يحتاج وجود التيار الإسلامي في الواجهة، لبعض التوازنات، وخصوصا في الظل الأزمات متعددة الجوانب التي يعيشها والتي يتوقعها، وقد شرحت هذه الحقيقة في المقال الثاني لمن يريد الرجوع إليه.

وسأقدم في هذه المقاربة الرقمية عدة جداول:

1ـ جدول تطور النتائج الانتخابية للحركة في الانتخابات التشريعية من 1991 إلى 2026

2 ـ   جدول تطور التنافسية.

3 ـ جدول تطور التقدم والتأخر في النتائج الانتخابية التشريعية عبر العهد التنظيمية الأربعة

ثم أقوم بتحليل الأرقام واستخلاص النتائج وفق الميزانين اللذين شرحتهما في المقال الثاني:

– ميزان: “الانتخابات يصنعها الناخبون ويتحكم فيها النظام السياسي”

– ميزان: “نتائج الأحزاب تصنعها أربعة عوامل: رمزية الحزب، حالة الحزب في الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشحين، الحملة الانتخابية”

جدول تطور نتائج الانتخابات من 1991 إلى 2026

يرسم الجدول وفق المؤشرات التالية:

عدد المقاعد: كل تقدم يقابله سهم أخضر صاعد () وكل تأخر سهم أحمر نازل () ، ويضاف أو ينقص سهم عند التقدم أو التأخر ب 10 مقاعد، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر)

الرتبة:: سهم أخضر صاعد () لكل رتبة متقدمة وسهم أحمر نازل () لكل رتبة متأخرة الحد الأدنى سهم واحد، والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر).

تغطية الولايات: كل تقدم سهم أخضر صاعد () وكل تأخر سهم أحمر نازل ()، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم بخمس ولايات، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).

نسبة التمثيل في المجلس الشعبي الوطني: كل تقدم سهم أخضر صاعد () وكل تأخر سهم أحمر نازل ()، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).

نسبة التمثيل بالنسبة لعدد الأصوات المعبر عنها: كل تقدم سهم أخضر صاعد () وكل تأخر سهم أحمر نازل ()، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).

ملاحظة: حين تكون النتائج متقاربة: سهم أخضر صاعد، سهم أحمر نازل ().

2026 2021 2017 2012 2007 2002 1997 1991
▼ ▼ 

من 65 مقعدا إلى 43 مقعدا

▲ ▲▲ 

من 34 مقعدا إلى 65 مقعدا

نتائج متقاربة

من 31 مقعدا إلى 34 مقعدا.

بالنسبة لحمس

 

▼  

من 47 مقعدا إلى 34 مقعدا (بالنسبة للتكتل)

 

حمس:

▼ ▼ 

تراجع من 51 مقعدا إلى 31 مقعدا

 

التكتل:

▼ 

تراجع من 51 مقعدا إلى 47 مقعدا

▲ ▲ 

 

تقدم من 38 مقعدا إلى 51 مقعدا

▼▼▼

تراجع من 69 إلى 38

مقعدا

▲▲ ▲  

زيادة من ـ إلى

69 (+ 3) مقعدا

ـ عدد المقاعد
▼▼  

تراجع من الرتبة 2 إلى الرتبة 4

من الرتبة 3 إلى الرتبة 2

متعادلة من 3 إلى 3

متعادلة من 3 إلى 3

من المرتبة 4 إلى المرتبة 3

▼ ▼ 

من المرتبة 2 إلى المرتبة 4

 ▲ ▲ ▲

من ـ إلى المرتبة 2

الرتبة

نتيجة متعادلة

(التقسيم الجديد: 35

 

التقسيم السابق: 32)

تقدم من 28 ولاية إلى 32 ولاية

تقدم من 19 ولاية بالنسبة للتكتل و18 ولاية بالنسبة ل”حمس”

إلى 28 ولاية ( يعتمد الميزان المحدد على نتيجة الحركة

▼ 

تراجع من 38 ولاية إلى 19 ولاية (التكتل)

و18 ولاية حمس (بالميزان المحدد سهمان نازلان ولكن لأن الفرق بسيط يترك سهم واحد)

تقدم من 29 ولاية إلى 38 ولاية

▼ ▼ 

تراجع من 40 ولاية إلى 29 ولاية

 ▲▲▲

تقدم من ـ إلى 40 ولاية

تغطية الولايات
▼ ▼ 

تراجع من

15,75 %  إلى

10,5%

تقدم من %6.93 إلى

15,75 %

متعادلة بين 6،22

%6.93بالنسبة ل”حمس”

 

تراجع من 10،17 إلى 6،93 % بالنسبة للتكتل

 

تراجع من 13،11 إلى

 

%  10,17(بالنسبة للتكتل)

و

% 6,22 (بالنسبة لحمس)

تقدم من 9،77 إلى

13,11%

▼ ▼  

تراجع من  18،16 إلى

9,77%

▲▲▲

من ـ إلى

18.16.

%

النسبة في المجلس الشعبي الوطني

تقدم من 4،52 إلى

%8،51

▼ 

تراجع من 6،12 إلى

% 4,52

(حمس)

من 4،10 إلى 6،12 %

 

من 6،22 إلى

(التكتل) %6.12

▼ 

تراجع من 9،71 إلى

6.22٪ (التكتل: )

4,10 ٪ (حمس)

صعود من 7،05 إلى

9,71%

▼ 

تراجع من 14،80 إلى

7,05%

▲▲

14.80 %

النسبة بالنسبة للأصوات المعبر عنها

 

ـ ملاحظات: 

ـ وقع الانهيار الانتخابي في 1991 ووقع التراجع في عدد المقاعد في 2002 (38 مقعدا) و 2012 (31\ 47 مقعدا) و 2026 (43 مقعدا).

ـ  تقدمت الحركة في النتائج في 1997 (69 مقعدا) و 2021 (65 مقعدا) وتأتي بعد ذلك 2007 (51 مقعدا).

ـ حصلت حمس على المرتبة الثانية مرتين في 1997 و 2021. والمرتبة الثالثة في 2007 و 2012 و 2021، والمرتبة الرابعة في 2002 و 2026.

ـ أحسن تغطية للولايات في 1997 (40 ولاية)، ثم تأتي 2007 (38 ولاية)، ثم تأتي 2021 و 2026 متقاربتان (32 ولاية) وفق تقسيم الولايات السابق (الذي يضم الولايات الجديدة: 3 ولايات إضافية)، ثم 2017 (28 ولاية)، وأضعف انتشار في 2012 (18 ولاية).

ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي نسبة 19% من التمثيل في المجلس الشعبي الوطني. أحسن تمثيل في المجلس الشعبي الوطني في 1997 (18،16%)، ثم في 2021 (%15,75 )، ثم 2007 (13,11%)، ثم 2026 (10,5%)، ثم في 2002 (9,77%)، وثم نتيجة متقاربة عام 2017 (6،93 %) وعام 2012 (بالنسبة لمقاعد الحركة: 6،22)

ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي 15% من عدد أصوات الناخبين المعبر عنها، أحسن نسبة عام 1997 (14.80 %7،05)، ثم تأتي بعدها انتخابات 2007 (9,71%)، وبعدها عام 2026 (%8،51)، ثم عام 2002 (7،05 %% 4,52)، ثم عام 2017 (6،12 %)، ثم عام 2021 (% 4,52)، ثم في الأخير عام 2012 ( 4,10 ٪ بالنسبة لحمس)

2 ـ جدول التنافسية:

يقصد بالتنافسية مقدار المسافات التي تفصل حركة حمس عن منافسيها في مختلف الانتخابات والتي يمكن ملاحظتها في الجدول من خلال تتبع أصواتها وأصوات الأحزاب التي كانت في دائرة المنافسة معها، وهم بشكل أساسي أحزاب التيار الوطني وأحزاب التيار الإسلامي، أما الأحزاب العلمانية فلم يُهتم بأصواتها لأنها لم تكن في أي انتخابات ضمن دائرة المنافسة مع حركة مجتمع السلم.

1991 1997 2002 2007 2012 2017 2021 2026
حركة مجتمع السلم 1553154 523.464 556401 التكتل: 475.049

حمس: 313.330

394833

(تحالف حمس)

208471 431743
جبهة التحرير الوطني 1497285 2.618.003 1314494 1.324.36 1655040 287828 736395
التجمع الوطني الديمقراطي 3533434 610.461 597712 524.057 964729 198758 641623
جبهة المستقبل 174.708 265667 153987 523915
حركة البناء 239457

(اتحاد البناء والعدالة والنهضة)

106203 376283
حركة النهضة 915446
حركة الإصلاح 705.319
حركة النهضة
جبهة العدالة والتنمية 198.544
تاج 270560

 

ملاحظات:

ـ يلاحظ أن التجمع الوطني الديمقراطي أخذ أكثر من 3،5 مليون صوت في 1997 بفعل التزوير الانتخابي العلني فأخذت الحركة نصف أصواته (1,5 صوت تقريبا) بفعل قوتها في هذه الانتخابات.

ـ في انتخابات 2002 اكتسحت جبهة التحرير الأغلبية بمناسبة عودتها لريادة أحزاب الموالاة فأخذت 2,6 مليون صوت من خلال التزوير الذي تحول في هذه الانتخابات إلى تزوير ذكي، وبسبب ضعف الحركة في هذه الانتخابات لم تستطع المنافسة وأخذت خُمس أصوات جبهة التحرير تقريبا (523.464).

ـ في انتخابات 2007 كانت الحركة في حالة تعافي نافست جبهة التحرير (المرتبة الأول: 1،3 مليون) فأخذت نصف أصواتها تقريبا (556401)

ـ في انتخابات 2012 تراجعت الحركة فنافست جبهة التحرير (1،3 مليون تقريبا) بربع أصواتها فقط (313.330 بالنسبة لحمس ، وعلى أكثر من ذلك بقليل بالنسبة للتكتل).

ـ في انتخابات 2017 كانت حركة حمس في طور الخروج من التراجع الكبير الذي وقع لها ضمن تكتل الجزائر الخضراء ولكن وجدت صعوبات جمّة سنشرحها لاحقا فأخذت (قرابة 400 ألف صوت)  أي ربع أصوات جبهة التحرير تقريبا (1،6 مليون)، مع التنبيه بأن هذه الانتخابات هي التي وصل فيها العزوف الانتخابي إلى أدنى نسبه ليتعمق أكثر في الانتخابات الموالية، وأكثر العازفين هم الذين يئسوا من العملية الانتخابية، علاوة على بروز حالة جديدة من التزوير الانتخابي القبلي وهو ما يتعلق ب”الزبر الانتخابي” الذي يقصي من قوائم الترشيح المرشحين الأكثر تنافسية من مرشحي الحركة.

ـ الانتخابات التي كانت أصوات الحركة فيها قريبة جدا من أصوات الحزب الأول (جبهة التحرير الوطني: 287828 صوتا) هي انتخابات 2021 حين نالت المرتبة الثانية ب (208471) أي بفارق : 79353 فقط، وهي أهم صورة تنافسية لحركة حمس في كل الانتخابات التي شاركت فيها. ويلاحظ بأن كل الأحزاب في هذه الانتخابات تراجعت تراجعا كبيرا في عدد الأصوات ويعود ذلك إلى الخطة التي اعتمدتها السلطات في تعويم الساحة الانتخابية بعدد هائل من قوائم المستقلين بمعدل 20 قائمة في كل ولاية، وقد وصلت في بعض الولايات التي للحركة فيها حضور قوي إلى 40 قائمة، وكانت النتيجة ضياع قرابة 4،5 مليون صوت لم تتحول إلى مقاعد، فتنافست الأحزاب الأساسية كلها على قرابة مليون صوت فقط. مع التأكيد بأن أصوات الأسلاك المشتركة لها تأثير كبير لصالح الأحزاب التي تستفيد منها، خصوصا في فترات العزوف الانتخابي.

غير أنه لا بد من الإقرار بأن العزوف الانتخابي، وقدرة المستقلة على أخذ هذا الكم الهائل من الأصوات تحد عجزت الأحزاب على مواجهته، موالاة أو معارضة، مهما كانت مسؤولية السلطة في ذلك. وتتحمل الحركة قدرها من المسؤولية في ذلك، فهي قبلت اللعبة والتنافس على حيز محدود من أصوات الناخبين، ولم تكن لها القدرة على إقناع الناخبين بجدوى المقاومة السياسية داخل العملية الانتخابية المتحكم فيها. ولم نستطع في هذه الانتخابات (2021) إقناع الناخبين بأن المشاركة في الانتخابات هي مقاومة سياسية، وليست هي وحدها التي نعتمدها من أجل الإصلاح والتغيير، على شاكلة مشاركة الحركة الوطنية في الانتخابات التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية إلى غاية منعها عام 1955، أي سنة بعد اندلاع الثورة. مع تسجيل الفرق، بطبيعة الحال، في تغيّر أنواع الكفاح في زمن الاستقلال من أجل الحريات والديمقراطية، في ظل دولة وطنية جزائرية تعتبر الأحزاب جزء منها.

ـ في انتخابات 2026 تضافعت أصوات حركة مجتمع السلم (431743 صوت) ولكن أصبحت بعيدة عن جبهة التحرير (736395) بفارق (304652 صوت)، أي 4 مرات أكثر من انتخابات 2021، وقد  تخلفت إلى المرتبة الرابعة بعد التجمع الوطني الديمقراطي وحزب المستقبل، واقتربت منها حركة البناء كثيرا لأول المرة  بفرق 3 مقاعد و55460  صوت فقط. مع التنبيه بأن في هذه الانتخابات اختفت قوائم المستقلين فانفجرت فقاعة كبيرة من الأصوات انتفعت منها كل الأحزاب المتنافسة بحسب الترتيب الحزبي الذي أظهرته نتائج الانتخابات والموضّح في الجدول أعلاه.

ويلاحظ في الجدول بأن الحركة تجاوزها في 2026 لأول مرة وصيف جديد من أحزاب تيار الموالاة غير جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب المستقبل، الذي قدمت له السلطات خدمة كبيرة قبيل الانتخابات بتصعيد رئيسه لمنصب رئيس برلمان الاتحاد الأفريقي.

كما أنه اتضح بأن الأحزاب الإسلامية من غير مدرسة الشيخ محفوظ انهارت منذ انتخابات 2021، وبقيت الأحزاب المنشقة عن الحركة تأكل من رصيد الحركة وليس من رصيد الأحزاب الأخرى، فنافس حزب تاج وحزب البناء الحركة في انتخابات 2017 منافسة جادة دون أن يستطيعا الاقتراب منها، وبعد أن انهار حزب تاج واصل البناء التقدم في 2021 إلى أن التصق بالحركة في 2026. فهو يوشك أن يحقق هدف  تجاوز حركة حمس ضمن توازنات ستخدم النظام السياسي أكثر من أن تخدمه هو، إذ دوره الأساسي سيبقى إضافة حزب موالاة آخر للسلطة، ينافس حركة مجتمع السلم، لا غير. وهو الآخر معرض للانهيار في أي لحظة إذا تغيرت المعطيات السياسية تغيرا عميقا، لغير صالح النظام السياسي، كما حدث لحزب تاج سابقا. وستبقى الحركة حاضرة مهما حدث لها من تراجع بسبب عمق جذورها في المجتمع، ووجود تيار مقاوم أصيل داخلها، اللهم إذا تغيّرت هويتها هي الأخرى تغيرا شاملا.

وما يقال بأن الحركة الإسلامية حققت في مجملها نتيجة طيبة إذا جمعنا عدد المقاعد التي حصلت عليها كلها تصورٌ غير دقيق لأنه في هذه الحالة يتعين كذلك جمع المقاعد التي تحصلت عليها أحزاب التيار الوطني التي انشقت كلها من جبهة التحرير الوطني فيكون الفرق بين التيارين شاسعا، وفق النتائج المقدّمة.

يتأكد كثيرا في جدول التنافسية بأن حزب الدولة الحقيقي هو حزب جبهة التحرير الوطني، الذي لا يمكن تركه يسقط أبدا مهما كان الثمن، وهي حالة نادرة في التعددية الحزبية في العالم  إذ بقي يتصدر المشهد من الاستقلال إلى الآن ولم يتأخر إلا حين أسست السلطة الحاكمة حزبا جديدا لها (التجمع الوطني الديموقراطي) بعد أن أخذ الأستاذ عبد الحميد مهري جبهة التحرير الوطني إلى المعارضة تعبيرا عن رفضه عن الانقلاب الذي وقع بإلغاء نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية عام 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

يلاحظ كذلك بأن الأحزاب العلمانية غير موجودة في الساحة التنفاسية بالنسبة للحركة، فلم تمثل في أي انتخاب تحديا لها.

ويعود في هذه الانتخابات 2026 عن العزوف الانتخابي التي تعمّق أكثر، وعدم قدرة الحركة إقناع الناخبين للمجيئ للصناديق لدعمها في توجه المقاومة الانتخابية.

3 ـ جدول تطور نتائج العهد التنظيمية الأربعة وفق المؤشرات الانتخابية مرتبة حسب الأهمية.

عدد المقاعد الرتبة الحزبية تغطية الولايات التنافسية النسبة في المجلس الشعبي الوطني النسبة حسب الأصوات المعبر عنها
العهدة الأولى

1991ـ2003

 

انهيار ، تقدم ثم تراجع

تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع
 العهدة الثانية:

2003ـ2013

تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع
العهدة الثالثة:

2013ـ2023

تقدم (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم ثبات ثم تقدم تقدم ثم تقدم ثبات ثم تقدم ثبات (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم ثبات ثم تراجع
العهدة الجارية:

2023 ـ

تراجع تراجع ثبات تراجع تراجع تقدم

 

ملاحظات: 

يلاحظ بأن التقدم ثم التراجع سمة مشتركة  في العهدة الأولى والثانية، أما العهدة ثالثة كانت في تصاعد مستقر (سوى عدد الأصوات وقد تم تفسيره أعلاه ضمن جدول التنافسية)، أما العهدة الجارية فقد وقع لها انحناء نحو الأسفل في كل المؤشرات سوى النمو في عدد الأصوات الذي كان حالة مشتركة لكل الأحزاب للأسباب التي شرحناها أعلاه ضمن جدول التنافسية، وفي كل الأحوال نتيجة العهدة الجارية غير مكتملة، وحصيلة 43 مقعدا حصيلة مقبولة رغم التراجع، كما أن عدد الأصوات مشجع بالرغم من أنه يخص كل الأحزاب.

سنبين في التحليل العام، وفق تطور المؤشرات الرقمية، بأن الرمزية أولا وقوة الدائرة الانتخابية وعملية الترشيح والمرشح عوامل حاسمة في النتائج، قد تؤهل العهدة الحالية مستقبلا إلى التقدم إذا قرئت الأرقام قراءة صحيحة ضمن سياقاتها السياسية والانتخابية، أما الحملة الانتخابية، فقد كانت متقاربة في مستواها وحيويتها في كل الانتخابات سوى انتخابات 1991.

رابعا ـ التحليل العام للنتائج

لقد وضعنا في بداية هذه الدراسة ميزانين لتقييم النتائج:

الميزان الأول: ( الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي)، بالمعنى بأن التزوير الانتخابي وتدخل السلطات في نتائج الانتخابات أمر ثابت ولكن قوة الحركة (في العوامل الأربعة) تستطيع أن تقاوم التزوير لمنع الانهيار ، أو الصمود والثبات، أو التقدم. وكلما كانت الحركة في حالة الضعف أضر بها التزوير بقدر ضعفها.

الميزان الثاني: “يحكم نتائج الانتخابات أربعة عوامل: الرمزية، الدائرة النتخابية، عملية الترشيح والمرشح، الحملة الانتخابية”.

سنفحص في هذا المحور المؤشرات الرقمية التي سجلتها في مسارها الانتخابي وفق هاذين الميزانين،

وأثناء فحص المؤشرات نضع بين أعوننا قوله تعالى في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.

1 – تحليل النتائج وفق ميزان “الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي”

لقد خصصنا المقال الأول في هذه الدراسة لهذا الموضوع ولذلك لا نتوقف عنده كثيرا ونكتفي بالنظر إلى الحالة الشعبية وجهوزية الحركة لمواجهة التحكم الرسمي في كل انتخابات، على أننا سنعود إلى فحص  أعمق للواقع الانتخابي للحركة  وفق العوامل الأربعة في المحور الموالي.

– في انتخابات 1991 لم يكن ثمة تزوير وفق التصريح الرسمي لوزير الداخلية آنذاك الذي اعترف بنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول مصرحا بأن الانتخابات كانت حرة ونزيهة،  وحركة ( حماس ـ الجزائر) لم تحصل على نتائج لأن الشعب الجزائري كان يريد التغيير بإلحاح وكان ملتفا حول الخطاب الإسلامي في فترة كانت قريبة من قوة الصحوة الإسلامية، فلم يلتقط في خطابنا ما يرمز إلى ذلك، وتنبيهات واستشرافات  الشيخ محفوظ ذات المستوى الفكري العالي لم يفهمها أغلبية الشعب آنذاك قبل وقوع الأزمة.

– في انتخابات 1997 كان التزوير شاملا ومفضوحا ولكن الحركة استطاعت أن تقاومه وأن تحقق نتيجة جيدة بفعل نجاحها في طرح رؤية جذبت لها أصوات الناخبين، كانت تعبر عن الاحتياج الشعب للأمن والسلام أكثر من أي شيء آخر، وكان الخطاب واضحا جدا، يتميز بجلاء عن خط الجبهة الإسلامية للإنقاذ وناقدا قويا للنظام السياسي، ولو لا التزوير لكانت الحركة هي المرشحة لقيادة الحكومة.

– في انتخابات 2002 كان التزوير حاضرا مع عودة جبهة التحرير لريادة أحزاب الموالاة، وكان التزوير قد تطور إلى تزوير ذكي غير واضح في الغالب، يركز على التلاعب بالكتلة الناخبة وزيادة أعداد كبيرة وهمية من الأصوات لأحزابه ولرسم المشهد الانتخابي كما يريد،  فأعطى نتائج ساحقة لجبهة التحرير غير منطقية في العديد من الولايات ( باتنة، الجزائر،  الشلف، بجاية، تيزي، تلمسان، الجلفة، سكيكدة، مسيلة، وهران، ..) ونظرا للتراجع الشعبي الذي عرفته الحركة، بسبب عدم وضوح الخطاب الذي عبّر عنه الشيخ محفوظ بقوله “نحن في الحكومة ولسنا في الحكم” واستراتيجية  “رجل في السلطة”  بسبب الوجود في الحكومة  و”ورجل في المعارضة” بسبب الخطاب الناقد، ثم حرص الشيخ محفوظ على الترشح للانتخابات الرئاسية ضد بوتفليقة عام 1999 ثم رجوعه لمساندته – علاوة على ترهل البيئة الداخلية –  لم تتمكن الحركة من مقاومة التزوير فوقع تراجع كبير في المؤشرات الانتخابية الرقمية.

– في انتخابات 2007: تعمق التزوير الذكي ولكن الإقبال النسبي الذي كانت عليه الحركة على المستوى الشعبي وفي البيئة الداخلية ساهم في تحقيق تقدم نسبي في الانتخابات في أغلب المؤشرات، وقد اعتقد كثير من الناخبين بأن وجود رئيس جديد مفوه وجريء ( مبادرة فساد قف عام 2006) سينقل الحركة إلى موقع مقاوم جديد، ولكن استمرار ضبابية الموقف جعل التقدم نسبيا.

– في انتخابات 2012 : كان التزوير حاضرا بقوة دفع إليه الخوف من تداعيات الربيع العربي، بشكل خفي وعلني، خصوصا في عدد من الولايات ( الشلف، أم البواقي، باتنة، بجاية، البليدة، البويرة، تلمسان، تيارات، الجلفة، سيدي بلعباس، وهران ..) وبسبب التراجع الشعبي الكبير، الناتج عن عدم وضوح الخط السياسي، الذي أصبح يميل أكثر فأكثر نحو الموالاة، وكذا آثار دعم فتح العهدات عام 2008، إلى أن جاء الربيع العربي ففُهم موقف تكتل الإسلاميين وقطع الصلة مع التحالف الرئاسي  عند السلطة وعند شرائح كثيرة من النخب بأنه موقف انتهازي، فلم ينجح تكتل الجزائر الخضراء في تحقيق ما كان يتوقع منه في الانتخابات، إذ سمح بالصمود فقط، وكانت آثاره السلبية على الحركة كبيرة جدا في أغلب المؤشرات الانتخابية، كما تسبب في تململ داخلي كبير، خصوصا في الشرق الجزائري بسبب توزيع رؤوس قوائم الترشح، وبقيت الحركة تجر هذه الحالة السلبية في الانتخابات الموالية.

– في انتخابات 2017: كان التزوير حاضرا كالمعتاد، خصوصا في الولايات المعتادة ( سطيف، باتنة، البليدة، تلمسان، تيارت، الجزائر، سطيف، سيدي بلعباس، المدية، مستغانم، المسيلة، وهران، الوادي، ميلة، غليزان)، كما عرفت هذه الانتخابات بروز العزوف الشديد للناخبين، ورغم هذه الأوضاع السياسية والانتخابية الصعبة، وإرث التكتل استطاعت الحركة الصمود والتقدم النسبي في بعض المؤشرات المهمة بسبب وضوح خطها السياسي المعارض عند الناخبين فحققت نتيجة عبرت عن الثبات والصمود والتقدم النسبي بالنسبة لنتائج الحركة السابقة.

– في انتخابات 2021 تعمّق العزوف الانتخابي، وتم اعتماد خطة خطيرة لكسر تنافسية المرشحين المحليين، أولها زبر عدد معتبر من المرشخين  الأقوياء ومواجهت الآخرين فردا فردا في حواضنهم الاجتماعية الخاصة بالقوائم المستقلة، إذ تم إغراق الساحة الانتخابية بالقوائم المستقلة لتشتيت الأصوات حتى لا تستفيد منها الحركة في فترة تراجع جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي (الحزبين اللذين لم يحصل مجموع مقاعدهما على الأغلبية لأول مرة).  ورغم خطورة الخطة، ورغم الأوضاع الداخلية الصعبة بسبب آثار الانشقاق الأول والثاني، فإن الحركة استطاعت أن تقاوم هذا الوضع الجديد (المضاف الى التزوير الاعتيادي) بسبب تحسن رمزيتها، ووضوح خطها، وبسبب تغيير قانون الانتخابات ( القائمة المفتوحة) الذي أصبح يدفع إلى فعالية أفضل للمرشحين.

– في انتخابات 2026 انفجرت فقاعة أصوات القوائم المستقلة فساعد ذلك على ارتفاع نسبة أصوات الأحزاب كلها، ولكن التزوير بقي سيد الموقف، وحادثة قطع شبكة النت التي تغير بعدها مسار النتائج  مؤشر كبير لذلك. وبالرغم من التراجع البيّن لنتائج الحركة في مختلف المؤشرات بسبب تراجع الخط السياسي المعارض، والدخول في مساحة الغموض في الخطاب، فقد استطاعت أن تصمد بفعل استمرارها في المعارضة رسميا وبفعل فاعلية المرشحين على إثر القائمة المفتوحة.

2– تحليل النتائج والمؤشرات الرقمية وفق ميزان العوامل الانتخابية الأربعة.

على مستوى الرمزية:

بشكل مجمل وقع للحركة انهيار وثلاث هبات وصمود وثلاث تراجعات، وقد كان وراء كل تراجع حدث تاريخي معروف أنتجته بيئة داخلية وخارجية تتحرك فيها الحركة.  فانهيار 1991 سببه الخط السياسي على نحو ما ذكرناه أعلاه رغم قوة التنظيم وتماسكه آنذاك. وتراجع 2002 سببه المباشر سوء تسيير الانتخابات الرئاسية 1999 بمواجهة بوتفليقة ثم العودة المفاجئة لمساندته، مما تسبب في فتور كبير  عند المناضلين والرأي العام تجاه الحركة.  وتراجع 2012 سببه دعم فتح العهدات عام 2008 ، الذي عبّر عن اندماج كبير للحركة في منظومة الحكم دون وجود فعلي في السلطة، وحين اتخذ القرار في بداية نفس السنة بفك الارتباط مع التحالف الرئاسي والبقاء في الحكومة  فُهم من قبل الناخبين بأنه تصرف انتهازي غير مفهوم وغير واضح ومتردد و يخرج الحركة من دائرة التيار الشعبي الصاعد في البلاد العربية.

وأما التقدم في 1997 فسببه رؤية سياسية تقبلها الشعب الجزائري تتوافق مع احتياج الأمن والسلم لدى الشعب الجزائري في ذلك الوقت، تم التعبير عنها في الخطاب دون تردد، خصوصا ما تعلق بخطاب المصالحة الوطنية، قبل أن يصبح خطابا رسميا، وكذلك مختلف المبادرات لوقف الأزمة ( مدونة كلها بالتفاصيل في كتابي “مبادرات لحل الأزمات”)، مع تحميل أطراف الأزمة كلهم المسؤولية دون مواربة.

وبخصوص تقدم 2007 فإن سببه التغيير الذي وقع بعد وفاة الشيخ والاعتقاد بأن ذلك سيؤدي الى تغيير الخط السياسي على شاكلة مبادرة “فساد قف” التي أطلقت في 2006 وتم التعامل معها بقسوة من قبل الرئيس بوتفليقة. أما الثبات ـ رغم البيئة الصعبة في 2017 ـ فسببه الدخول في مرحلة سياسية جديدة واضحة على مستوى الخطاب الرسمي، ولكن عليها ضبابية بسبب رواسب الماضي وعدم دخول الحركة بكليّتها وبكل قادتها في المرحلة الجديدة، ثم حدث  التقدم في 2021 بسبب الخط السياسي الجديد الواضح، الذي تناسب مع مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، وما قابله من تجاوب داخلي وخارجي كمؤشر على جدية التوجه المعارض الواضح.

وحين لم تتم المواصلة على ذات الخط المعارض معارضة واضحة بعد ذلك، رغم الوجود الرسمي في المعارضة، وقع اضطراب في فهم الخط السياسي الجديد للحركة، فوقع التراجع في 2026. وما يقال عن تقصير المناضلين في الانتخابات وفق ما جاء في تقارير الحركة، رغم فوائد القائمة المفتوحة، فإن سببه كذلك ضبابية الرؤية السياسية عند المناضلين.

على مستوى الدائرة الانتخابية: 

– في 1991كانت الحركة تمر بتململ داخلي كبير منذ المؤتمر التمهيدي عام 1989 ثم بعد تأسيس الحزب، وقد أدى هذا التململ إلى انشقاقين عانت منهما الحركة لسنوات، كما أدى بروز الظاهرة الشعبية الكبيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى تأثر العديد من إطارات الحركة الذين رفضوا خطاب الشيخ محفوظ نحناح ضد جبهة الإنقاذ، وقد كثيرا رحمه الله  في التعامل معهم. كما أثرت البيئة العامة على الأداء الإعلامي والسياسي وفي مجال العلاقات للحركة. وكانت الحركة بشكل عام في حالة إنقاذ الذات والبحث عن التميز والاستعداد للمستقبل.

– في 1997 استرجعت الحركة بريقها بفعل الرؤية السياسية الواضحة المعبر عن احتياج ملح للشعب الجزائري كما ذكرنا أعلاه، وقد أدى هذا إلى ارتفاع معنويات المناضلين والقادة لشعورهم بالدور الأخلاقي الكبير الذي يقومون به من أجل بلدهم ومشروعهم، وبسبب قبول خطابهم والاحتفاء به من طبقات واسعة من النخب والجماهير، وحتى داخل النظام الرسمي. كما استطاع الشيخ محفوظ اعادة بناء الطبقة القيادية بجيل شاب وثق فيهم وأهلهم،  وكانوا هم في مستوى الوفاء والمسؤولية، فقويت البنية التنظيمية وانتشرت الهياكل على المستوى الوطني، وتعمّق توجه بناء المؤسسات المتخصصة ( المؤسسة الاجتماعية والمؤسسة الطلابية والشبيبة)، وهيمن الأداء الإعلامي للحركة وامتدت علاقاتها داخليا وخارجيا.

– في 2002 دفعت الحركة ضريبة تغير موقف الشيخ محفوظ المتشدد تجاه بوتفليقة ( كان يوزع بنفسه قصاصات جرائد عن ملفات فساد لبوتفليقة سابقا لاعتمادها في الخطاب ضده) ومساندته بعد ذلك. وقد كانت حالة الفتور العام للمناضلين متوقعة رصدناها في اللقاءات التشاورية  المكثفة الموسعة التي أجريناها بعد اتخاذ قرار المساندة لدراسة آثار ذلك على الصف الداخلي. كثير من المناضلين انسحبوا بصمت، وصارت الانتقادات في وجه  الشيخ محفوظ تتصاعد ( أبرزها حادثة لقاء  بومرداس)، بل هناك من قيادات الحركة من طالبوا بعدم اعتماد صورة الشيخ محفوظ في ورقة التصويت ( وفق ما اعتمد رسميا آنذاك). وتبع هذا الفتور فتور عام في كل المجالات، وصادف ذلك صعود عبد الله جاب الله كشخصيّة معارضة إسلامية بديلة حقق نجاحات في ولايات لا يوجد له فيها أي تنظيم وتجاوز الحركة في النتائج وفي المرتبة الحزبية.

– في 2007 – جاءت هذه الانتخابات ضمن وضع داخلي يتميز بتدافع شديد على اثر أحداث مؤتمر 2003 بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فكانت الحركة تشتغل بتسارعين داخل التنظيم الواحد، الجناح المقتنع بشرعية المؤتمر يركز على الصف الداخلي والتطوير الإداري والمهاري، ورمزية رئيس حركة جديد له رصيد دعوي تاريخي وقدرات خطابية معتبرة، والمعترضين عليه يركزون على البعد السياسي حول “المجلس السياسي” وعلى كفاءة وخبرة طبقة قيادية معتبرة. ورغم الآثار السلبية لهذا التدافع، الذي لم يكن مرصودا خارجيا كثيرا، فإنه خلق حيوية داخلية كبيرة، تأكدت في التنافس الكبير لإنجاح مرشحي الطرفين ضمن الحزب الواحد، انتج كتلة برلمانية معتبرة ( مقارنة ب2002) تعدادها 51 نائبا سرعان ما انقسمت شطرين حينما تعمق الخلاف وتحول إلى انشقاق ثم تأسيس الحزب الجديد. ورغم هذا التنافس الداخلي تطور الأداء على مستوى المؤسسات وعلى المستوى الإعلامي والانتشار. غير أن الحركة دخلت بعد هذه المرحلة في أزمات كبيرة على مختلف الأصعدة.

– انتخابات 2012: جرت هذه الانتخابات في أجواء الربيع العربي، وكانت الحركة قد قررت فك الارتباط مع التحالف الرئاسي بعد جدال كبير داخل مجلس الشورى الوطني، هدد فيه بعض الوزراء وبعض الإطارات بالاستقالة من الحركة إذا قررت الحركة الخروج من الحكومة رغم التوجه العام في المناقشات الداعي إلى ذلك. عندئذ أصبح ثمة فرز واضح داخل الحركة، يتحول أحيانا إلى تدافع قوي على أساس الخط السياسي. ومن جهة أخرى كانت المصاعب الداخلية مستمرة بسبب الصراعات الناتجة عن الانشقاق الذي أصاب الحركة في 2008 والتي زادها التدخل غير الموفق والمنحاز لعدد من العلماء والدعاة من خارج الجزائر تعقدا واضطرابا. وكانت المؤسسات الثلاثة من أكبر ضحايا ذلك الصراع إذ امتد إليهااليها الخلافات ومنها من خرج من دائرة الحركة تماما لاحقا.

– انتخابات 2017: كانت الحركة تشكو داخليا من ثلاث مشاكل كبرى: آثار “تكتل الجزائر الخضراء” في الانتخابات التشريعية عام 2012 والتي ترسخت أكثر في الانتخابات المحلية، خصوصا حالة الفراغ الانتخابي والاضطراب التنظيمي في جغرافية واسعة، خصوصا في الشرق الجزائري، وآثار الانشقاق الذي وقع في 2008، الذي تحول إلى منافسة حزبية جادة في 2017، وأثر الانشقاق الذي حدث في نهاية عام 2012 على المستوى الداخلي وفي الصورة الخارجية للحركة، والذي تحول إلى حزب سياسي آخر ( حزب تاج) نافس الحركة بجدية في انتخابات 2017. وقد أدى كل هذا إلى حالة فتور عام للحركة. غير أن اعتماد الحركة رؤية جديدة نأت من خلالها بنفسها عن الصراع مع الإسلاميين وركّزت المواجهة السياسية مع النظام السياسي دون غيره عبر خط سياسي معارض واضح، و التوجه نحن التنسيق الجاد مع أحزاب المعارضة على نحو جديد في الحركة أعطى للمناضلين رسالة متجددة شغلتهم بأشواق واعدة حسنت صورتهم في محيطهم. كما ساهمت مشاريع الوحدة مع الحركات الإسلامية، خصوصا مدرسة الشيخ محفوظ، والتي توجت بالوحدة مع جبهة التغيير، في تحسين صورة الحركة التي لزمتها سابقا بصفتها حركة تنازع وانشقاقات. بالإضافة إلى رؤية التركيز على الخط الاستراتيجي بتأسيس عدد من المؤسسات الجمعوية التي سمحت بتشغيل أعداد كبيرة من الإطارات والمناضلين كانوا غير فاعلين داخل التنظيم وأدت إلى شيء من الانفتاح داخل المجتمع. ويجدر الإشارة إلى أن الخط السياسي والاستراتيجي الجديد عرف مقاومة شرسة من الأطراف التي كانت تفضل البقاء في الحكومة، وحتى داخل المكتب التنفيذي الوطني لم يدخل جل أعضائه في الخطاب المعارض إلا بصعوبة كبيرة. ولكل ما سبق ذكره استطاعت الحركة أن تثبت في وقت كان يقال على مستوى بعض الإطارات بأنها لن تتجاوز 10 مقاعد.

– انتخابات 2021: في انتخابات 2021 كان خط المعارضة قد تمكن واستقر في المحيط الداخلي للحركة، وكانت نجاة الحركة من مقصلة الحراك الشعبي تمثل حالة اعتزاز لدى العديد من المناضلين لما رأوه من استهداف شامل من قبل الجماهير  في المسيرات لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. وكان الوضع التنظيمي قويا بمغادرته حالة الصراعات والانشقاقات التي عرفتها الحركة منذ تأسيسها، على ما بيناه سابقا، كما أصبح الاهتماهم بالتنافس مع الإسلاميين الآخرين منعدما في التفكير والسلوك والخطاب. وتم استرجاع مؤسسة الطلبة من الجهة التي اخذتها سابقا، واصبحت المؤسسة الاجتماعية مستقرة وفاعلة، وظهرت ثمار المؤسسات الجديدة، إذ بات شباب الأكاديمية هم طواقم التأطير الإداري والإعلامي والفني مركزيا ( إلى حد الان من الطابق السفلي إلى الطابق العلوي في المقر)، وحققت المؤسسات العاملة لفلسطين إنجازات كبيرة شرفت الجزائر والحركة، وبات تحفيظ القرآن بعشرات الآلاف يضفي بركة مستحقة على الحركة وقادتها، وظلت دورات مخيمات العناية التربوية والدعوية بالنساء والشباب والأطفال لا تتوقف عبر المؤسسة المتخصصة. كما تحسن الأداء الإعلامي والرقمي وتنظيم المهرجانات  ببروز طبقات شبابية واسعة من الإعلاميين والفنيين  الذين تم تدريبهم وتأهيلهم في أكاديمية جيل الترجيح والذين لا زالوا يواصلون مهامهم مع القيادة الجديدة. وعلى اساس كل هذا استطاعت الحركة أن ترتقي على مستوى التنافسية بشكل كبير كما تؤكده الأرقام المذكورة أعلاه، مع أحزاب المولاة من جهة، ومع الأحزاب الإسلامية من جهة أخرى.

– انتخابات 2026: كانت البيئة الداخلية للحركة جيدة جدا ومؤهلة لتنافسية كبيرة، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي، و المكتسبات الموروثة من العهدة السابقة، من حيث المؤسسات والأداء الإعلامي والتقاليد الإعلامية والإدارية، والموارد البشرية المدربة، في الولايات وعند الشباب، وعلى مستوى العلاقات. غير أن تغيير الخط السياسي خلق واقعا جديدا أرجع الحركة إلى ما قبل 2013 من حيث الخطاب رغم وجودها رسميا في المعارضة. وقد ادى هذا الخطاب إلى صعود نخب الحركة المقتنعة بالاقتراب الأبدي من السلطة وتأخر المقتنعين بالمقاومة السياسية، محليا ومركزيا. إلقد كانت هذه الحالة متوقعة إذ إن الطبيعة المسالمة والمهادنة لعدد واسع من إطارات الحركة كامنة في التشكيلة الجينية لنفسياتهم، تشكلت في جو الفتنة الدموية في سنوات المأساة الوطنية ساهم الشيخ محفوظ في ترسيخها ولم يطل به العمر للتصحيح حين تغيرت الظروف بعد أن غدر به النظام السياسي في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية عام 2002. كما لم تكن السنوات العشر بين 2013- 2023 كافية لتغيير التشكيلة الجينية والعودة بها إلى اصولها في الثمانينيات، علاوة على أن المقاومة الداخلية للعودة بالحركة إلى سنوات المهادنة أو الخط المتردد كانت قوية. وما إن توقف المد المتصاعد لخط المعارض  الواضح باعتماد الأسلوب المتردد بين السلطة والمعارضة حتى لقي قبولا عند من بقوا في الهياكل. غير أن هذا الخط عطّل النضالية نحو الفضاء الخارجي وحول الحركة إلى سلسلة أنشطة داخلية لا تتوقف دون تأثير مهم في الخارج، وأعاد في الإطارات نفسية الانتظارية وعقلية التموقع والتعلل بالأوضاع الخارجية الصعبة، التي اعتمدت كثيرا في زمن الإرهاب وبعد 11 ديسمبر ، وفي زمن تغول النظام البوتفليقي وادّت في كل مرة إلى التراجع.

على مستوى عملية الترشيح والمرشح:

– في انتخابات 1991 لم يكن الترشح ميسورا ولا ممكنا، ورغم ذلك قدمت الحركة إطارات ذات كفاءة ونزاهة في الدوائر الانتخابية، ففضل الناخبون عليهم مرشحين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ لا يملكون، في الغالب، تاريخهم النضالي ولا مستواهم العلمي،   سوى المنافسة في دائرتين انتخابيتين كانتا تمثلان معقلين من معاقل الحركة.

– في انتخابات 1997، كان الترشح يمثل بطولة وتضحية ومسؤولة، ضمن أجواء الفتنة وتهديدات الجماعات المسلحة ” من الصندوق إلى الصندوق” فقدمت الحركة من أحسن إطاراتها ورموزها، وتم ذلك في إطار الانسجام التام والتضامن، والاعتزاز بالرؤية التي اشتهرت بها الحركة على نحو ما ذكرناه أعلاه

– في انتخابات 2002 إلى غاية تغيير قانون الانتخابات واعتماد  القائمة المفتوحة عام 2021 أصبحت عملية الترشيخ سبب رئيسي للتوترات الداخلية  بسبب الصراع على رؤوس القوائم، وقد صارت ساحة الصراع هي الهياكل التنظيمية التي يتم التنافس عليها في عدد من الولايات من أجل رؤوس القوائم.  مما جعل  الحركة لا تدخل بكل قوتها التنظيمية في الانتخابات بعد أن يحسم أمر الترشح لجهة من الجهات المتنافسة. وفي كل هذه الترشيحات كانت الحركة تقدم اطارات أصحاب كفاءة ونزاهة في الغالب  ولكن قليل منهم من تظهر فاعليته في المجالس.

– أما في انتخابات 2021 وانتخابات 2026 فقد ساهم نمط القائمة المفتوحة في تحقيق الاستقرار في الترشح والخروج من حالة تأثر التنظيم بالصراع على القوائم، وأحدث فاعلية أفضل للمرشحين جميعا في القائمة،  ولكن هذا النمط الانتخابي طرَح مشاكل جديدة منها تزامنه مع استراتيجية الزبر الانتخابي التي اعتمدتها السلطة الحاكمة ، والذي طال عددا كبيرا من القيادات التنظيمية المرشحة وكثيرا من الشخصيات القادرة على المنافسة، ومنها عدم نجاح من استطاع من هذه القيادات التنظيمية أن يترشح، بالإضافة إلى إتاحة فرصة للإدارة الرسمية لاختيار من يفوز في قائمة الحركة إن أرادت. وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع كبير للاهتمام بالانتخابات عند كثير من كوادر الحركة صادف حالة عزوف عند الشعب الجزائري للمشاركة في الانتخابات.

على مستوى الحملة الانتخابية :

لقد تحولت الحركة مع مرور الزمن إلى آلة انتخابية ذات فاعلية وكفاءة عالية لا يضاهيها في ذلك أي حزب سياسي في الجزائر، غير أنه اتضح  مع توالي الانتخابات بأن الحملة الانتخابية مهما كانت قوية لا تأثير لها في النتائج، إلا إذا كانت تجري ضمن رمزية جيدة للحركة، وقوة معتبرة في الدائرة الانتخابية، ونجاح عملية الترشيح وبروز مرشحين أقوياء يستطيعون اضافة رمزيتهم وحواضنهم الانتخابية لما لدى الحركة من عوامل القوة. غير أنه اتضح بأن الحملة الانتخابية تنفع في أمر وتضر في أمر آخر. تنفع من خلال إظهار قوة الحركة التنافسية بما يجعل النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكامل لها في النتائج، ويضر من حيث أن النظام السياسي يتجه إلى الصرامة في قرار التزوير إذا ظهرت قوة الحركة في الحملة الانتخابية. وقد حدث هذا في 1997 حيث نزلت تعليمات التزوير في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية، بعد ظهور الحشود الكبيرة في التجمعات والعمل الجواري، وحدثت في كل الانتخابات بعد ذلك، حيث أخذ النظام السياسي كل المقاعد في بعض الولايات بالتزوير بسبب الهلع على نحو ما ذكرناه أعلاه، إلى آخر  انتخابات في 2026 وفق ما قدمته هياكل الحركة من تقارير.

خامسا – الخلاصة: 

ما يمكن استنتاجه من كل ما سبق:

1– في الشأن الانتخابي.

– أسوء صورة يكون فيها الحزب حين يكون في منزلة بين منزلتين لا هو معارض جاد ولا هو في الموالاة، فلا تصوت عليه القوى الناخبة المعارضة ولا القوى الموالية، ويكتفي بالحاضنة الشعبية  الضيقة حول الهياكل التنظيمية والمرشحين.

–  تتقدم الحركة حين يكون خطاب الحركة واضحا جليا يعبر عن احتياج شعبي مرحلي، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة، على نحو ما وقع في 1997 و 2021.

– الخطاب الذي قد ينفع في مرحلة ما، قد لا ينفع في مرحلة أخرى، وإنما الخطاب الذي ينفع هو الذي يستجيب لاحتياجات المرحلة، فالخطاب الهادئ التصالحي مع النظام السياسي نفع في مراحل المأساة الوطنية ومع جيل المأساة الوطنية، ووسائل الاتصال التقليدية،  ولا ينفع في زمن الوضع الاجتماعي المزري، والتضييق الشامل للحريات، وانسيابية المعلومات في زمن الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي.

– اتضح جليا من خلال دراسة المؤشرات الرقمية الانتخابية بأن التراجع الانتخابي توافق مع مواقف غير شعبية لصالح النظام السياسي، في انتخابات 2002 بعد دعم بوتفليقة في 1999، وفي 2012 بعد دعم فتح العهدات في 2008. وما صاحب ذلك من تردد في الموقف والخطاب، ويمكن اعتبار السقف المنخفض في 2026 في بعض القضايا الشعبية، مثل القضية الفلسطينية، وحالات الفساد المستشري والفشل التنموي، والظلم وتضييق الحريات سبب في التراجع الانتخابي والفتور لدى عدد كبير من مناضلي الحركة الذين لم ينخرطوا في العملية الانتخابية.

– وعلى العكس من ذلك لم يتحقق تقدم متواصل، وفق ما تبينه الأرقام الانتخابية المتعلقة بالعهدات الثلاث، إلا في عهدة 2013-2023 في ظل موقف معارض واضح مستقر غير صدامي تناسب.

– وقد أكدت دراسة المؤشرات بأن الرمزية عامل أساسي في الانتخابات يحسم بالجملة أو يؤدي إلى الهزيمة أو التراجع بالجملة. وأن رمزية الحركة لا تؤثر في البيئة الخارجية فقط، بل في البيئة الداخلية أولا. فتؤدي إلى وحدة الصف وحيوية المناضلين وارتفاع معنوياتهم حين تكون عالية وتنافسية، أو تؤدي إلى الإحباط والخلافات والإنشقاقات والفتور إذا كانت سلبية وضعيفة وغير تنافسية.

– تؤكد المؤشرات أن التنافسية هي أساس النجاح الانتخابي، وهي التي تمكن الحزب من الصمود والمقاومة والتفوق على كل أنواع المؤامرات.

– قوة الحزب داخليا و في الدائرة الانتخابية عامل مهم جدا في الصمود إذا لم تكن الرمزية بالقوة التنافسية الكبيرة، ولكنها لا تمنع من الانهيار إذا غابت الرمزية أو كانت مخالفة لانتظارات المنتخبين والرأي العام، وهي من جهة أخرى دعامة قوية في النتائج إذا كانت الرمزية جيدة.

– اتضح بأن ما أضر بالحركة في دوائرها الانتخابية عدة أمور منها: الصراع على القوائم الانتخابية على المستوى المحلي والصراع على الهياكل من أجل ذلك،  الصراع بين الإطارات المركزية على المناصب الحكومية والتمثيل عند الدولة والصراع من أجل ذلك على قيادة الحركة.

– نجاح عملية الترشح مهمة جدا في التنافسية ومخرجاتها معتبرة في تحقيق النتائج، غير أن ضعف التنظيم ورمزيته ضمن نمط القائمة المفتوحة قد يغير هوية الحزب وسيادته.

– كفاءة الحركة المتواصلة في الحملة الانتخابية مهمة يجب المحافظة عليها وتطويرها، ولكن لا يكون لها معنى إلا بقوة الرمزية ونجاح عملية الترشيح وقوة الحركة في الدوائر الانتخابية.

– تؤكد كل المؤشرات الانتخابية الرقمية وما صاحبها من تحليل صحة فرضية هذه الدراسة التي حددناها في البداية.

2– في الشأن السياسي العام. 

– يعتبر العزوف الانتخابي نتيجة حتمية لإفساد العملية الانتخابية والسياسية من قبل النظام السياسي، وهذا العزوف هو في حقيقة الأمر مقاطعة انتخابية، من حيث أن الشعب الجزائري أصبح لا يرى أي فائدة من الانتخابات سوى توفير الارتقاء الاجتماعي والمصالح الشخصية للمنتَخبين، وذلك بسبب التزوير المتواصل وبسبب عدم حدوث أي تغيير وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانهيار الثقة في المسؤولين.

–  لا توجد في الجزائر حياة ديمقراطية، وإنما هي “ديمقراطية الواجهة” ولا تؤدي الانتخابات إلى التغيير والإصلاح في الجزائر بأي وجه من الأوجه، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة.

– رهان الحركة على الانتخابات وحدها للتغيير والإصلاح رهان خاطئ ولو يستمر الحال على ما هو عليه، ستكون نفس النتائج ولو بعد عشرات السنين، إذ في كل تجربتها الانتخابية لم تتجاوز الحركة نسبة 19 % من التمثيل في البرلمان، ولم تصل إلى نسبة 15% من عدد الأصوات المعبر عنها.

– لا يختلف الأمر أن تأخذ الحركة 100 مقعد أو 20 مقعدا، إذ ستكون الأغلبية في كل الأحوال لأحزاب الموالاة، ولن تستطيع الحركة أن تشكل الحكومة حتى وإن كانت في المرتبة الأولى.

– الخلل الأساسي الذي يلغي معنى الانتخابات هو الانحراف الدستوري الذي يعتمد أغلبية رئاسية في تشكيل الحكومة من أحزاب لا يتبناها ولا يعتبرها أحزابه. والأغلبية البرلمانية التي ينص عليها الدستور  لن تتشكل أبدا في ظل موازين القوة القائمة، وفي ظل عدم محاولة ذلك بالأساس من قبل أحزاب الموالاة التي تعدّ مجرد أجهزة للنظام السياسي.

– في الأغلبية الرئاسية تطبق أحزاب هذه الأغلبية الرئاسية برنامج رئيس الجمهورية، وفكرة الحكومة السياسية التي تطبق برنامج تحالف سياسي غير واردة في ظل موازين القوة القائمة، وعليه فإن فكرة الحزب الذي يقدم برنامج ويناضل من أجل تطبيق برنامجه دون نضال سياسي من أجل التغيير مجرد وهم وتدليس.

– جربت الحركة لمدة 17 محاولة الإصلاح من الداخل فلم تفلح، والنظام الذي تحالفت معه في 1996 هو ذاته الذي غدر الشيخ محفوظ نحناح في كل المسار الانتخابي وخاصة في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية 2002. والنظام البوتفليقي الذي كان بعض قادة الحركة يمجدونه والذي اندمجت معه الحركة اندماجا كاملا منذ دعم فتح العهدات هو ذاته  الذي ثار عليه الشعب وانقلبت عليه الحركة، حتى من الذين كانوا يمجدونه فيها.

– لا يعني أن الحركة لا تهتم بأن تكون في الحكومة، فقد عزمت على ذلك وهي تعد للانتخابات التشريعية عام ،2021 وبعد أن  حققت نتائج جيدة فاوضت رئيس الجمهورية على دخول الحكومة وفق رؤية جديدة وهي الشركة في البرنامج والوجود في الحكم وليس في الحكومة فقط بقدر نسب نجاحها في الانتخابات فرفض رئيس الجمهورية ذلك وأراد إبقاءها في الواجهة فقط لإضعافها من جديد.

– ونظرا لكل ما سبق فإن المشاركة في الحكومة مفيدة إذا كانت تندرج ضمن رؤية تغيير موازين القوة ولو بعد حين، ضمن استراتيجية المقاومة السياسي وإرهاق النظام السياسي دون الدخول في الصدام والمواجهة المباشرة معه، وبالعمل جاد، بالتوازي، على مستوى المجتمع في مختلف المجالات والتخصصات التي تصنع القوة الحضارية الناعمة، بما يصلح المجتمع ويؤطر قواه ويوسع الحاضنة الاجتماعية.-

– في هذه الحالة يصبح النجاح في الانتخابات ولو بمقعد إضافي واحد مفيد لأنه سيكون ركيزة من ركائز التغيير، وليس مجرد محرك للساحة البرلمانية ضمن الرؤية المؤسسية للنظام السياسي.

 

ملاحظة بسبب طول المقال الثالث وأهميته سيقسم إلى مقالين أو ثلاثة لتسهيل قراءته.

————

سأتناول هذا المقال عبر خمسة محاور أساسية.

المحور الأول: طرح الإشكالية

المحور الثاني: العناصر المؤثرة في نتائج الانتخابات.

المحور الثالث: عرض “فرضية”

المحور الرابع: المؤشرات الرقمية منذ الانفتاح إلى آخر انتخابات.

المحور الخامس: تحليل النتائج وتأكيد الفرضية.

أولا – الإشكالية: يحدث جدال كبير داخل الحركة الإسلامية في الجزائر دون طرح الأسئلة الصحيحة ودون تحمّل عبء الإجابات  النزيهة والأسباب العميقة.

لقد أظهرنا في المقال السابق كيف أن السلطات الرسمية تتحمل المسؤولية الأكبر في إفساد الحياة السياسة، وتيئيس الناس من المشاركة في الانتخابات ودفعهم إلى المقاطعة الشاملة بغرض الوصول إلى ما سميته “الديمقراطية الآمنة” التي تُحسم فيها النتائج قبل الاقتراع، ودون عناء كبير بعد ذلك في التزوير الانتخابي.

ونتجه اليوم إلى تحديد مسؤولية الأحزاب المشاركة في الانتخابات، لنطرح الأسئلة التالية:

ما هي العوامل المؤثرة في النتائج التي تحققها الأحزاب في الانتخابات؟

وكيف تعمل هذه العوامل؟ وما العلاقة بينها؟

ما هو الأهم والأكثر تأثيرا فيها؟

وكيف يتم فحص أثرها في العمليات الانتخابية منذ أول انتخابات تعددية إلى الآن؟ وكيف كان عملها؟

هل ستبقى هذه العوامل تعمل وتؤثر؟ أم انتهى فعلها؟

ما هو دور السلطات الحاكمة في التأثير فيها؟ 

ما هي مسؤلية قادة لأحزاب، والمناضلين في إعمال هذه العوامل؟ وفي تأثيرها، إيجابا وسلبا؟

وهل نقصان أو زيادة المقاعد بين انتخابات وأخرى يؤثر في مقصد التغيير والإصلاح؟ 

ثانيا – العوامل المؤثرة في الانتخابات

كنا نستعمل في حركة مجتمع السلم هذه العوامل بين 2013 – 2023 كأدوات هادية للتحضير للانتخابات على المدى المتوسط والبعيد، وعلى هذا الأساس أنشأنا “اللجنة الدائمة لتحضير الانتخابات” والتي لم تعمل بشكل دائم للأسف ولم تتحرك إلا من أجل الحملة الانتخابية. وهذه العوامل هي كذلك بمثابة الميزان الذي يسهل علينا تقييم وتحليل نتائج الانتخابات بموضوعية ونزاهة.

أ- العوامل الذاتية:  العوامل الأربعة المؤثرة في نتائج الأحزاب في الانتخابات.

لقد توصلنا إلى هذه الانتخابات عبر التجارب الانتخابية المتتالية، وكنا نشرحها وندرّب عليها في مختلف لقاءات الهياكل واجتماعات اللجان المتخصصة لسنوات طويلة حتى ظننا أنها فُهمت وهضمت بما لا يبقي الجدال متواصلا بعد كل انتخابات، ولكن الاعتبارات الذاتية والخلفيات المختلفة تخفيها في كل مرة عند التقييم وعند تحديد التوجهات السياسية،  ويصبح كل فرد يفسر النتائج الانتخابية حسب هواه ومصالحه وأهدافه للأسف الشديد.

لقد اتضح منذ مدة بأن العوامل الذاتية التي تؤثر في الانتخابات أربعة:

1- رمزية الحزب: ويقصد بها مكانة الحزب وقادته ومنتخبيه في أذهان الناخبين، سلبا أو إيجابا، وتتشكل الرمزية بشكل تراكمي بما يلحظه الناس من مواقف الحزب وسلوكيات قادته وأفراده ومتخبيه، المعّبر عنها بالخطاب السياسي والتصرفات والأفكار والبرامج والعلاقات. ويحكم الناخبون على الرمزية وفق ثقافتهم ومبادئهم واختياراتهم،  ووفق احتياجاتهم المرحلية .  وعامل الرمزية هو الذي يؤدي إلى النجاح  دون عناء في المناسبات الانتخابية، بين الاكتساح والنجاح البيّن، وهو الذي يتسبب في الخسارة، بين الانهيار أو التراجع البيّن.

وأحيانا الرمزية وحدها تستطيع أن تحسم، في حالات محددة، في نتائج الانتخابات، بغض النظر عن العوامل الموالية.

2- حالة الدائرة الانتخابية (le fief électoral)  ( بين القوة أو الضعف): ويقصد بالدائرة الانتخابية، الموقع الجغرافي للحزب الذي يكون فيه التنافس الانتخابي،  وتتشكل من عدد المناضلين فيها وكفاءتهم وحيويتهم ونضالاتهم وفاعليتهم في التسويق لأفكار الحزب ومواقفه ومرشحيه،  وفي استقرار الهياكل وصلابتها وانتشارها، وفي الحاضنة الشعبية التقليدية التي حول الهياكل والمناضلين، وامتدادات الحزب في القوى المجتمعية على المستوى القبلي، ومؤسسات المجتمع المدني، وإمكاناته المالية والإعلامية، والقوى القادرة على حمايته وحماية أصواته.

فإن كان الحزب قويا في الدائرة الانتخابية كلها أو بعضها يَعظم أثر الرمزية العالية فيكتسح النتائج.  وإن كانت رمزية الحزب ضعيفة أو منهارة، تمكنه الدائرة الانتخابية من الصمود مؤقتا إلى حين استرجاع الرمزية في انتخابات موالية، فيقع التراجع ولكن لا يقع الانهيار.

أما إن كانت الرمزية ضعيفة أو منهارة والدائرة الانتخابية ضعيفة أو منهارة يقع الانهيار الكامل أو التراجع البين.

بمعني:

رمزية قوية + دائرة انتخابية قوية = اكتساح

رمزية قوية + دائرة انتخابية ضعيفة = نتائج جيدة.

رمزية ضعيفة + دائرة انتخابية قوية = صمود مع التراجع

رمزية ضعيفة + دائرة انتخابية ضعيفة= انهيار

3- عملية الترشيح والمرشح

ويقصد بعلميّة الترشيح نجاحها في حالة سلامة إجراءات الترشيح وتحقق الرضا داخل التنظيم ودخول الحزب بكل قوته في المنافسة، أو تكون عملية الترشيح فاشلة، لأسباب عدم سلامة أو عدالة الإجراءات، أو التنافس الشديد الذي يتحول إلى صراع بين المترشحين ومناصريهم داخل التنظيم، بما يُفقد الرضائية ويجعل الحزب يدخل المنافسة مشتتا أو بجزء من قوته.

ويُقصد بالمرشح ممثل الحزب  الذي أفرزته عملية الترشيح، من حيث رمزيته وحاضنته  الاجتماعية الخاصة التي يضيفها للدائرة الانتخابية للحزب ولرمزية الحزب. 

فإن كانت عملية الترشح سليمة والمرشح قويا فإنه يزيد في قوة الرمزية والعناصر الإيجابية للحزب في الدائرة الانتخابية فتعظُم النتيجة. وإن كان المرشح قويا والرمزية ضعيفة والدائرة الانتخابية صعيفة تصبح المنافسة ليست بين الحزب والأحزاب الأخرى، ولكن بين مرشح الحزب والأحزاب الأخرى ومرشحيها، فإن نجح المرشح فالنجاح له أساسا وليس للحزب وإن كان نجاحه باسمه. وفي كل الأحوال الأمور تبقى نسبية، والمقادير متداخلة سلبا أو إيجابا.

4- الحملة الانتخابية: وهي أقل العناصر أهمية، ولا قيمة لها إلا بوزن العناصر الثلاثة الأولى، فإن كانت الرمزية جيدة والدائرة الانتخابية قوية وعملية الترشيح ناجحة والمرشح قويا يصبح ما يبذل في الحملة الانتخابية مجديا إذ يسهل التسويق للنجاح. وإن كانت الرمزية، بشكل خاص، ضعيفة، فإن الذي يحرك الحملة الانتخابية الدائرة الانتخابية القوية، والمرشح الجيد، وفق القواعد المذكورة أعلاه. أما إن كانت الرمزية ضعيفة والدائرة الانتخابية ضعيفة والترشيح فاشلا فمهما كانت الحملة الانتخابية جيدة وعبقرية ومدهشة فإنها لا تستطيع صناعة النجاح.

ب – العوامل الخارجية المؤثرة في الانتخابات (الميزان الثاني).

لقد تطرقنا إلى أثر تدخل السلطة الحاكمة في الانتخابات في المقال السابق، فلا نطيل أكثر في الموضوع. ولكن نكتفي بالتذكير بقاعدة أساسية كنا نتحدث عنها كثيرا في السنوات الماضية وهي: “نتائج الانتخابات يصنعها الشعب ولكن يتحكم فيها النظام السياسي”. أي أن العملية الانتخابية هي في كل الأحوال بيد النظام السياسي، ولكن حين يفلح الحزب في جلب أصوات الشعب وفق العوامل الأربعة التي ذكرناها يستطيع أن يقاوم التزوير وأن يحقق نتائج انتخابية جيدة ضمن المتاح بين المنافسين.  ولكن إذا كان الحزب ضعيفا على مستوى العوامل الأربعة، وخصوصا الرمزية، فإن التزوير يهلكه، أو قد لا يضطر النظام السياسي للتزوير أصلا، وذلك حين يصل إلى مرحلة “الديمقراطية الآمنة”، على نحو ما ذكرناه في المقال السابق، وربما يقوم النظام السياسي ذاته بإنقاذ الأحزاب والتزوير لصالحهم من أجل المحافظة على الواجهة وإنقاذ الصورة، وربما هو من يصلح يرشح للأحزاب كما وقع في بعض الدول العربية الاستبدادية في سنوات سابقة.

كان بالإمكان أن نتحدث عن معيار آخر وهو المنافسين، ولكننا أهملناه لأن المنافسة الوحيدة الحقيقية الموجودة في العالم العربي هو بين الحركات الإسلامية وأنظمة الحكم، فأحزاب الموالاة والقوائم المستقلة، والمال الفاسد في الانتخابات ، والتزوير المحلي، كل هذا هو ضمن القواعد الفاسدة للمنافسة فلو كانت ثمة ديمقراطية حقيقية وقانون منصف ومحترم لحلت المشكلة، ولكانت المنافسة شريفة.

ثالثا – الفرضية:

الفرضية التي أقدمها ثم أعمل على إثباتها بالأرقام والوقائع، بخصوص حركة مجتمع السلم كنموذج، هي أن رؤية الإصلاح والتغيير من داخل القواعد غير العادلة  التي فرضتها السلطة على الحركة ، وضمن موازين القوة الراهنة، غير ناجحة، ولم يستفد منها إلا أفراد على حساب الحركة ومشروعها، وعلى حساب البلد،  وأن الحركة تتراجع على مستوى العوامل الأربعة بقدر اقترابها من السلطة  الحاكمة  على النحو التالي :

– تتراجع في الانتخابات.

– تتراجع رمزيتها.

– تقع اهتزازات داخلية وتحدث انشقاقات.

– تخسر مؤسساتها المجتمعية.

– تتسرب إطاراتها ويفتر مناضلوها.

– تتراجع شبكة علاقاتها في داخل الوطن وخارجه.

– تنضب مواردها المالية.

– يضعف أداؤها الإعلامي

– تتمدد الأحزاب الإسلامية التي من مدرسة الشيخ محفوظ على حسابها وليس على حساب أحزاب الموالاة.

وكلما ابتعدت عن السلطة الحاكمة

– يجتمع شملها ويتوحد صفها

– تتقدم في الانتخابات

– تنمو مؤسساتها المجتمعية

– ترتفع رمزيتها

– يرجع إلى النشاط العديد من إطاراتها

– ترتفع رمزيتها

– تتوسع شبكة علاقاتها في الداخل والخارج.

– تصمد ماليا ويتحسن أداؤها الإعلامي.

– تحافظ على ريادة التيار الإسلامي بشكل بيّن.

يتبع …

المقال المقبل.

رابعا – المؤشرات الرقمية منذ بداية التعددية إلى آخر انتخابات

خامسا – تحليل المؤشرات وإثبات الفرضية

ثم سيكون المقال الرابع: الحل والرؤية المستقبلية ( بالنسبة للحالة السياسية في عمومها)

عبد الرزاق مقري

 

ما يعيشه الإسلاميون في الجزائر من تراجع في مكانتهم وتأثيرهم هو ما يعيشه الإسلاميون في كل العالم العربي والإسلامي، وقد شرحت هذه الإشكالية بمقاربة فكرية عامة في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، ثم عدت إلى نفس الموضوع، بشكل مفصل، في الكتاب الذي سيصدر قريبا “الحركات الإسلامية والمأزق السياسي” أشرت فيه إلى  وضع قرابة عشر حركات إسلامية في عشر دول.

وتدور الفكرة المركزية في الكتابين أن الحركات الإسلامية نجحت نجاحا كبيرا في القرن الماضي، في زمن الدعوة والصحوة الإسلامية.

قد لا يشعر الشباب بهذا النجاح في تحقيق الأهداف لأنهم لم يعيشوا مرحلة الانتقال التي عاشها أسلافهم المخضرمون، والتحول الكبير من مرحلة سيطرت فيها الأفكار العلمانية والابتعاد عن الالتزام الديني، وخواء المساجد،  في المجتمع وانتشار الخرافات والشركيات، بتدبير استعماري وتنفيذ حكومات وضعها الاستعمار بعد فترة الاستقلال، أو نخب حاكمة كافحت الاحتلال ولكن سارت على نهجه والتزمت بثقافته بعد خروجه العسكري والإداري، إلى مرحلة انتشرت فيها التصورات الفكرية الإسلامية،  والالتزام الديني، وعمارة بيوت الله، والتمسك بالخيارات الإسلامية، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وحتى اقتصاديا حيث أمكن تطوير البدائل المالية الإسلامية، ولو جزئيا، حتى صارت هذه الصحوة الإسلامية مع مرور الزمن، خصوصا في الثمانينات والتسعينيات، حالة شعبية عامة تجاوزت المنظمات والدعاة الذين أسّسوها ،بل أثرت تأثيرا عميقا في الأحزاب غير الإسلامية، خصوصا المحافظة، وداخل الدول والحكومات، ثم باتت هذه الصحوة العامة ظاهرة عالمية تؤرق قادة الاستكبار العالمي  وتبشر بإقلاع حضاري إسلامي وشيك بمقياس عمر الأمم.

كان لا بد لهذه التحولات الكبرى أن تدفع بالإسلاميين إلى التطلع إلى المنافسة على الحكم،  ذلك أن القواعد الحاكمة للحياة السياسية والاجتماعية، تقضي أن كل فكرة تتشكل لها حاضنة اجتماعية عريضة وعميقة لا بد أن تتحول إلى حالة سياسية، وشيء طبيعي أن تتطلع الشعوب التي أقتنعت بالحل الإسلامي أن ترى ما وُعدت به من نهوض حضاري شامل يتجسد، وأن يُقضى على الظلم والفساد في بلدانهم، وأن يتحقق العدل والرفاه، وفق ما كان شائعا في الخطاب الإسلامي في بدايات التحول نحو المنافسة السياسية.

لقد كانت فكرة ” الحل الإسلامي” التي أودعناها في القانون الأساسي التأسيسي ل”حركة المجتمع الإسلامي” في الجزائر عام 1990  فكرة رومانسية جميلة واعدة، مثلنا مثل كل الحركات الإسلامية في العالم،  غير أنها سرعان ما اصطدمت بواقع  مرير اصطبغ بالدماء في العديد من التجارب، إذ المسألة مسألة حكم، والحكم كما كان يقول الشيخ محفوظ رحمه الله: “دونه خرق القتاد”.

لم تكن الحركات الإسلامية، في التجارب الكبرى التي يعتد بها، هي المسؤولة عن الصدام التاريخي بين الإسلاميين وأنظمة الحكم،  وإنما الصد العظيم كان مزدوجا من القوى الاستعمارية الظالمة والأنظمة الاستبدادية الحاكمة، ولا يزال هذا التحالف قائما لمواجهة مسار عبور الفكرة الإسلامية من المجتمع إلى الدولة.

فالقوى الدولية الظالمة تعلم تمام العلم بأنه لو مُكّن للإسلام في الدولة  ستتحرر الأمة من قبضة الاستعمار الجديد  وقبضة وكلائه، وأنها ستسترجع سيادتها على قرارها ومقدّراتها، بل إن العالم سيتغيّر.

ويكفي  لفهم هذه الحقيقة أن نلحظ كيف تتحسس القوى الدولية من تجارب ناجحة  في العالم الإسلامي، بالرغم منها تعلن علمانيتها. وإنما تلاحق  لأن جذورها إسلامية كما هو حال أردوغان الذي صنع من بلده قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، أو متمسكة بشدة بهويتها الإسلامية وتُظهر عداوة صريحة للهيمنة الصهيونية في العالم  كما هو حال دكتور مهاتير محمد الذي كاد أن يجمع جزء مهما من دول وازنة في العالم الإسلامي على رؤية حضارية في قمة منتدى كوالالمبور عام 2019، والحمد لله أن كنا جزء مهما في هذه المحاولة ضمن تسيير برامج المنتدى.

تنظر الدول الغربية ووكلاؤها إلى هاتين التجربتين كنموذجين لما يصنعه الاعتزاز بالإسلام من قوة ونهوض حضاري، فتمت المحاولة على الانقلاب على التجربتين، ولا تزال المحاولات مستمرة.

وكذلك تتحسس القوى الاستبدادية في العالم العربي من أي تجربة إسلامية وتتآمر ضدها مع الخارج، ليس لأسباب الصراع الحضاري  في الغالب، أو في الظاهر،  كما هو حال القوى الدولية، ولكن لأسباب صغيرة صغر أحلام المستبدين في بلداننا: السلطة والجاه ونزوات الحكم!

إن هذا الذي أذكّر به هو ما صرحت به أنجيلا ميركل  بأنهم لن يخدعوا بعد أردوغان بأي أحد من الإسلاميين، ولو أعلن علمانيته! وقد سمعت بنفسي كذلك من مسؤولة في الاتحاد الأوربي، منها إلي، بأنهم لا يصدقون “علمانية” أردوغان!

وعلى هذا الأساس أظهرت  دراساتهم المعلنة بأنه لا يُسمح للإسلاميين أن يتجاوزوا في بلدانهم 30% من نتائج الانتخابات في أحسن فتراتهم حين يحملهم الزخم الشعبي، والغريب أنهم قرروا كذلك إبقاء الحركات الإسلامية في المشهد إذا ضعفوا، بالتزوير لصالحهم في حالة الانهيار ليبقوا بين 8 إلى 10 % بحكم الاحتياج إليهم في الواجهة الديمقراطية وتحميلهم الإخفاقات دون أن يحكموا.

وقد صرحت كاترين أشتون النائب الأول لرئيس المفوضية الأوربية سابقا بصراحة بذلك أثناء صعود الاخوان المسلمون في مصر بأنهم لن يسمحوا لهم بتجاوز عتبة 30% في الانتخابات.

ومن غرائب خصوم التيار الإسلامي أنهم يحاولون تصوير أصحابه بعدم الأهلية للحكم وهم لم يحكموا أبدا. وإنه لكاذب من يقول أن الحركات الإسلامية حكمت في العالم العربي وفشلت. لم تسلم أي تجربة من التزوير الانتخابي، أو الانقلابات العسكرية، ففي الجزائر تم الانقلاب على الانتخابات في 1991 التي تم الإعلان عن نتائجها من قبل وزارة الداخلية بأنها كانت حرة ونزيهة، وحين تقدمت النسخة المعتدلة جدا من الإسلاميين عام 1995 في الانتخابات الرئاسية مع الشيخ محفوظ نحناح، وفي 1997 في الانتخابات التشريعية والمحلية، تم قطع الطريق عليها بالتزوير الخشن،  وبقي التزوير ماضيا إلى اليوم، يتطور أكثر فأكثر .

كما لم تسلم كل التجارب في الدول العربية الأخرى وعلى رأسها التجربتين الأكثر اعتدالا وعقلانية وكفاءة في مصر وتونس. وحتى التجربة التي نُسلّم بأخطائها في الممارسة الديمقراطية بالسودان لم تُترك وشأنها طيلة ثلاثين سنة، إذ تم محاصرة البلد والتآمر عليه، وعلى حكامه،  بما لا يمكنه أن يتطور سياسيا وتنمويا مهما فعل، دون أن ننسى تجربة حركة “ح” الفلسطينية التي انقلب عليها النظام العربي والنظام الدولي كله خدمة للكيان.

أما عن رومانسية فكرة ” الإسلام هو الحل” فالأفكار الرومانسية السياسية تُعرف في المقاربات الفلسفية بأنها أفكار نبيلة تسعى إلى استلهام المبادئ والمثل العليا، وإنما عيبها في تجاهل موازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي.

ومهما يكن من أمر ستكون هذه الفكرة الرومانسية هي الحل حتما لمعضلات التخلف في البلاد العربية والإسلامية، وستكون هي النموذج الأكثر جاذبية في العالم بأسره، وستدرك البشرية كم خسرت بانحطاط المسلمين.

فلا يوجد زمن تأكدت فيه حاجة العالم إلى الإسلام كما هو هذا الزمن الراهن، الذي سقطت فيه النظريات الوضعية كلها، وتأكد لمن كان مغترا بالحلول المستوردة  ما يمكن أن يصنعه قادة الحضارة المادية المهيمنة، المنفصلة عن الوحي، وعن القيم والأخلاق،   من مآسي في حق الإنسان والطبيعة.

لا نهتم بالزمن الذي سيتحقق فيه هذا الوعد، فهو مقدر من الله تعالى، وهو سبحانه  شاهد على ذلك، قال عز وجل: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَيَبْلُغَنَّ ‌هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ))، وتلك الأيام يداولها الله بين الناس، وقد قضى الله أن تبقى أمة الإسلام تنهض بعد كل سقوط إلى يوم القيامة بإقامة الخلافة الإسلامية التي تعم الدنيا قبل قيام الساعة.

وإنما التحدي الذي يواجه أصحاب المشروع الاسلامي، في كل وقت هو كيف يمكّنون لفكرتهم، وكيف ينقلونها، أو ينتقلون بها، من المجتمع إلى الدولة، عبر مجهودات بشرية ذات كفاءة واقتدار تبذل في إطار فهم صحيح للسنن، وصدق وإخلاص للفكرة، وتوكل حقيقي على الله تعالى.

إن مشكلة الإسلاميين ليست في الصد العظيم الذي يعانون منه، فتلك سنة الحياة في شأن السياسة والحكم، ولن يتغير ذلك مهما ظن الساذجون منهم. وليست المشكلة  في فكرتهم الإسلامية  فبها صنعوا أشواق المسلمين في وجه التخلف والفساد وتهديد الهوية والاستبداد، وبها  غيّروا شكل الأمة وعمقها، في قرن الصحوة والدعوة، وبها صنعوا حواضن اجتماعية عظيمة.

غير أنهم حين دخلوا المنافسة على الحكم فشلوا في مواجهة الصد العظيم، الخارجي والداخلي، إذ لم يجددوا أنفسهم ونظمهم ومقارباتهم. وحين طالت بهم الطريق، وكثر عليهم القمع والظلم، استعجلوا فتطرّف بعضهم  وساروا في دروب المناهج العنفية فانتحروا وأضروا ثم تحولوا إلى أوعية تستعملها الاستخبارات المحلية والعالمية بخبث عظيم.

وأما الذين حافظوا على النهج السلمي الحضاري، وهم الأغلبية الساحقة في الجسم الإسلامي الكبير، فقد استعجل أكثرهم الطريق في الاتجاه المعاكس بأن وضعوا أنفسهم، تحت سقوف الأنظمة الاستبدادية، بعضهم أصالة وبعضهم في زمن الفرص والتحولات، من أجل فتات من السلطة أضعفهم، محطة بعد محطة، وجعل الاستبداد يتقوى فرصة بعد فرصة، إذ انتقلوا من الرومانسية الدافعة للتضحية إلى العجز و الخضوع  ل “موازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي” دون أي قدرة على ابتكار نهج جديد مقاوم وسطي، أو الثبات عليه، بين الصدام المهلك والاندماج المفند.

ثم تحولت المسيرة كلها إلى عقد مركبة يعسر الخروج منها، أخطر ما فيها عدم الثقة في النفس والشعور بالنقص  أمام كبّار السياسة، وتهديدات الحكام،  وما أرى إلا أن ظن مالك بن نبي قد تحقق فيهم، مجددا، حين وصف رجال الإصلاح – في زمن الاستعمار قبل الثورة –  وهم يتبعون الوعود الكاذبة ووسوسة النخب السياسية الجزائرية المندمجة مع “الحكومة” الاستعمارية، متسائلا، رحمه الله، هل يستطيع رجال الإصلاح الاستمرار في رسالتهم؟ حين لجؤوا للاستجداء  بعد أن حققوا نجاحا باهرا في النهضة الثقافية والاجتماعية الجزائرية من قبلُ فقال: ” لقد كان ذلك ممكنا، لو لم يشعر العلماء المصلحون – بكل أسف – بمركب النقص إزاء قادة السياسة في ذلك العهد، فمالؤوهم وسايروهم، ظنا منهم، أنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة، ولقد كان ذلك ممكنا لو لم يكونوا على استعداد للعودة إلى فكرة الزوايا ذات الطابع السياسي، والأصنام المزوقة بأسماء جديدة”

—-

في المقال المقبل ” الإسلاميون في الجزائر والدلالات الانتخابية”  نتحدث عن تشكل العقدة، عبر النموذج الجزائري في الانتخابات، وظروف كل واحدة منها، والمشترك فيها، بالأرقام، منذ بداية التعددية إلى الانتخابات الأخيرة، وعن الفرص الضائعة والحلول الممكنة، ثم نسقط ذلك عن مجمل الحركات الإسلامية في الوطن العربي.

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد أن أعلن المجلس الدستوري نتائج الانتخابات التشريعية نساهم في تحليلها عبر أربعة مقالات:

 1 – عن الانتخابات وما حولها

2- الإسلاميون والانتخابات

3- الإسلاميون في الجزائر والدلالات الانتخابية (دراسة بالأرقام من بداية الانفتاح إلى آخر انتخابات)

4 – الحل والرؤية المستقبلية.

 

1 – عن الانتخابات .. وما حولها.

لقد كانت نسبة المشاركة المتدنية التاريخية لهذه الانتخابات هي الحدث الأبرز، وبدل الوقوف عندها بمسؤولية، والتأمل في أسبابها، واستشراف مخاطرها، لم نر نقاشا جادا بخصوصها، لا من قبل الأحزاب عموما، و لا من قبل المسؤولين في الدولة، سوى بعض المتزلفين في بعض الوسائل الإعلام، الذين أرادوا تحميل المسؤولية للأحزاب وإعفاء السلطة الحاكمة من أي مسؤولية،  في حين أن السلطة هي التي تتحمل المسؤلية الأكبر ، دون أي وجه مقارنة مع غيرها،  في ما وصلت إليه العملية الانتخابية من تردٍ في عمومها.

وقد أعجبتني الأمثلة التي ضربها الأستاذ حساني والأرقام التي قدمها في ندوته الصحفية في تفنيد ادعاء أن العزوف موجود في الدول الديمقراطية. وأضيف إلى ما قال أنه لا توجد كلمة عزوف عند الشعوب المتنعمة بالديمقراطية، حينما يرون بأن الانتخابات لا تُصلح أحوالهم “يقاطعونها” ثم يعودون إلى المشاركة بقوة حين تُفهم رسالتُهم فتظهر قوى سياسية واعدة وفرص انتخابية جديدة.

أما عندنا فإن ” العزوف” الذي هو في حقيقة الأمر “مقاطعة شعبية”  بات مستداما لأن تصرفات “المقاطعة المتكررة” التلقائية من قبل الشعب لم تؤثر ولم تُقرأ القراءة الصحيحة النافعة للبلد.

إن  الصورة الأبرز لهذا التردي هو هذا العزوف الانتخابي الشامل الذي وصل مستوى ⅘  الناخبين، أي من كل خمسة تقريبا لم يشارك إلا واحد. وذلك في أحسن الأحوال ووفق الإعلان الرسمي، لأن ما رأيته والعديد من الأصدقاء في المكاتب التي صوتنا فيها ما هو سوى مكاتب شاغرة وموظفين جالسين يتجاذبون أطراف الحديث، أو يقاوم أحدهم النعاس لكثرة الهدوء والسكون. وعددهم في قاعات التصويت أكثر من عدد المصوتين. اللهم إلا إذا كانت جهات أخرى لم نرها كان التصويت فيها حاشدا عدّل الحساب نوعا ما!

لا أحد يصدق بأننا نعيش في بلد تتوفر فيه المعايير الحقيقية للديمقراطية، ويمكن الحصول على منافسة عادلة بين الأحزاب والقوى السياسية، تجذب الحماسة والمشاركة. فالديمقراطية في الجزائر أقبِرت منذ فُرض الحزب الواحد بعد الاستقلال، على اثر الانقلاب على الحكومة المؤقتة الشرعية، وعدم السماح لتحقيق انتقال ديمقراطي بديع كان سيشارك  فيه زعماء كبار ممن فجّروا الثورة، أمثال محمد بوضياف، وآيت أحمد، ومحمد خيضر، وكريم بلقاسم وغيرهم، الذين تم إقصاؤهم وملاحقتهم واغتيال بعضهم.

ثم ضاعت فرصة أخرى  للديمقراطية  بعد انتفاضة الجزائريين في 5 أكتوبر 1988، والسماح بالتعددية الحزبية، وذلك عبر الفشل  في تسيير الانتقال الديمقراطي بمسؤولية مشتركة بين السلطة والمعارضة، ثم بإعدام تلك الفرصة بالانقلاب على الانتخابات التشريعية في 1992.

و أثناء المأساة الوطنية، التي نتجت عن هذا الفشل، حاول كثير من القادة النزهاء، في السلطة والمعارضة، جبر الكسر بمبادرات كثيرة للحوار. وعند فشل كل المبادرات اتجه البعض في 1995،  ثم الجميع في 1997، إلى إعادة بناء فرصة جديدة للانتقال الديمقراطي، عبر مسار انتخابي جديد،  لتوجيه الجهود كلها، بعد ذلك، إلى التنمية الاقتصادية ونهضة الوطن.

غير أن السلطة الحاكمة أفسدت  الفرصة مجددا بتدشين مسار التزوير الانتخابي، الخشن والغبي أولا، خصوصا في الانتخابات الرئاسية عام 1995 و الانتخابات التشريعية والمحلية عام 1997، ثم التزوير المنهجي الذكي ( على قول الشيخ محفوظ رحمه الله) قبل الانتخابات، وأثناءها، وبعدها .. منذ  ذلك الوقت إلى اليوم.

لم يكن التزوير الانتخابي، حالة عرضية، تعالج تحديات سياسية مرحلية للنظام السياسي، بل كان التزوير يحمل رؤية سياسية بعيدة المدى،  تهدف أساسا إلى إخراج الساخطين على الأوضاع من المشهد السياسي، وتيئيس القوى الناخبة الراغبة في التغيير من جدوى التعبير عن أصواتهم، بسبب  توالي الغش الانتخابي.

فكم هو مؤلم الجواب الذي تسمعه من مواطن جزائري سويّ حين تدعوه للتصويت على مرشحك: ” قل لي! بالله عليك لماذا أصوت؟ ما الذي سيفعله صوتي؟ كل الانتخابات تأتي بنفس النتيجة، ثم لا شيء يتغير؟ وفي كل مرة تقولون بأنها مزورة، انتم تريدوننا أن نصعّد بعض رجالكم للبرلمان ليحسنوا أوضاعهم الاجتماعية فحسب، ونحن نبقى على ما نحن عليه!”

نعم،  لقد كانت النتيجة في الأخير  الوصول مما خذّرت منه، ما سمّيته منذ سنوات “الديمقراطية الآمنة” التي لا يحتاج النظام السياسي لتزويرها، لأنه لا يشارك فيها إلا أعداد قليلة من الناخبين، أغلبهم من الموالين لأحزاب السلطة، وعائلات وأصدقاء مرشحين لا يحملون أي مشروع فكري أو سياسي، يمكن إدماجهم في منظومة الحكم، ولو كانوا ينتمون تاريخيا لأحزاب معارضة .. إلا من رحم الله، ممن يسخرهم الله دائما لإفساد خطط التيئيس، ولو نسبيا، من باب الواجب وللشهادة على الناس فحسب، وليس من أجل التغيير،  ولا أريد أن أضرب مثلا ببعض أبطال العهدة المنتهية حتى لا أحرج أحدا،  وأملنا أن يكون من النواب الجدد بعض هؤلاء.

لقد قاومت الأحزاب المعارضة الأصيلة هذا التوجه، بأشكال متنوعة فردية وجماعية إلى غاية الحراك الشعبي، وقليلا بعده ثم انهارت المحاولات وصار المجال السياسي محصورا للنظام السياسي وحده، يفعل ما يريد دون أي مساهمة جادة أو مقاومة فاعلة من القوى المجتمعية، سواء على مستوى الشخصيات، أو الإعلام، أو الأحزاب، أو المجتمع المدني.

وربما يكون انهيار الحلم الكبير الذي جاء به الحراك الشعبي – كفرصة أخرى مهدورة-  وخيبة الأمل في نتائجه سبب الاعتزال الجماعي للسياسة من قبل أغلب النخب في الجزائر.

لقد بيّنت الانتخابات التشريعية الأخيرة بأن أيدي المسؤولين في استدامة الاستعصاء الديمقراطي وفي منع المساهمة الفعلية والمؤثرة للأحزاب والقوى السياسية في الإصلاح والتغيير مطلوقة. وأنهم يتجهون إلى ترتيب المستقبل دون رقابة أو مساهمة حزبية أو تمثيل شعبي ومؤسسي فاعل.

ومن أقوى المؤشرات على ذلك عملية الزبر الانتخابي، التي شملت هذه المرة بشكل موسع  أحزابا من الموالاة كذلك، خلافا لمراحل سابقة حين كانت مسلطة بشكل أساسي على أحزاب المعارضة. [ولا عزاء لمن اقصي لأسباب فساد حقيقية ولو كان عبقريا في السياسة].

لقد مثلت عملية الزبر الانتخابي في مجملها هذه المرة انتقالا استراتيجيا في تشكيل موازين القوى المستقبلية في البرلمان، وفي المشهد القيادي الحزبي،  قبل بدء الانتخابات، من قبل هؤلاء المسؤولين. ولا يمكن اعتبار أن هذه الاستراتيجية اعتباطية ذات دوافع انتخابية فحسب.

لا يمكن لحجم الأذى الذي أصاب المرشحين الأبرياء في سمعتهم وكرامتهم، ممن تم إقصاؤهم، بتهم خطيرة، أن يُفسر  تفسيرا انتخابيا فحسب. إن المسألة تتجاوز ذلك بكثير.

إن المقصود هو تصحير الساحة السياسية من كل شخص له وزن سياسي، وخطاب سياسي، حتى وإن كان من الموالاة، وأن يفهم غيرهم ممن لهم طموح سياسي بأنه لا مجال للطموح السياسي في الجزائر، وأن الإقصاء لأصحاب الطموح، لن يكون ديمقراطيا، بل يكون قاسيا قبل العملية الديمقراطية ذاتها، ثمنه التشويه بنصوص رسمية  … فلا مجال للطموح!

وأختم هذا المقال بقصة رواها لنا سيد أحمد غزالي رحمه، حيث قال: “حين أسست حزبي السياسي ورفضوا منحي الاعتماد، دعاني مسؤول كبير في الدولة ( ذكر اسمه) فقال لي: “هل أنت جاد يا سيد أحمد، هل تظن بأنك تصل للحكم عن طريق العمل الحزبي؟ تعال عندنا وقل لنا ما تريد ونعطيك!”

هذه هي الرسالة التي استلمها كثير من إطارات الجزائر: لا يمكن الوصول إلى السلطة وتقلد المناصب عن طريق النضال، ولكن عن طريق الوقوف في طابور الانتظار لعل “من هم فوق” ينظرون إليك ذات يوم، “إن رأيت ما يرون”، أو على الأقل بقيت هادئا، ساكتا، ساكنا!”

سنعود لاستشراف المستقبل في المقال الرابع، ولكن نقول ابتداء، بأن مما يمكن أن يفسر الزبر الانتخابي للوجوه السياسية، المركزية والمحلية، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، هو أن ثمة تحضيرا لتوجهات جديدة  غير شعبية  لا يراد أن ترتفع بشأنها أصوات الذين يحسنون الحديث أو ممن لهم شجاعة أو جرأة، وقد تلي العمليةُ الانتخابية إدخال كل الأحزاب، في بوتقة واحدة، تحت السقوف السياسية الضامنة للموقف الواحد.

والله نسأله العافية.

يتبع ..

﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [ القصص: 5]

إن الخامس من جويلية ذكرى وطنية عزيزة نستحضر فيها نعمة الاستقلال الوطني، واسترجاع السيادة على الأرض ودحر المحتلين الغاصبين، ولا شك أن رفع الأعلام وترديد الأناشيد وإلقاء الخطب وترديد الشعارات وسائل مفيدة للتعبير عن السرور بلقاء هذه الذكرى، غير أن هذا اليوم هو يوم للشكر والوفاء والتأمل كذلك. أما الشكر فهو شكر الله تعالى على نعمة دحر الاحتلال، تعبدا، ولكي يبارك لنا في عطائه، وفق قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ سورة إبراهيم، الآية 7، وقوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ سورة آل عمران، الآية 144، وكما أنه (( من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) وفق ما جاء في الحديث الصحيح، فإن الشكر موصول إلى الشهداء والمجاهدين الذي حملوا على عاتقهم عبء الجهاد والتضحية بأنفسهم في سبيل الله من أجل إخراج المحتل.

وأما الوفاء فهو الوفاء لعهد الشهداء، للعهد الذي من أجله نهضوا وجاهدوا لتكون الجزائر “دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، لا نحيد ولا نميد عن هذه الرؤية حتى تتحقق كاملة غير منقوصة، في حياتنا، أو نبقى نكافح على ذلك حتى نلقى الله وهو راض عنا، ونكون قد مهدنا الطريق لمن يأتي بعدنا لتنعم الجزائر بكل أهداف الثورة التي يعدّ الاستقلال عن قوى الاحتلال الجزء المهم منه، ولكن ليس وحده.

وأما التأمل في معاني ومغزى هذا اليوم فهي كثيرة، وقد اخترت هذا العام أن أقف عند سنة انتصار المستضعفين، فالخامس من شهر جويلية هو فعلا محطة للتأمل في إحدى أعظم سنن الله في التاريخ؛ سنة “انتصار المستضعفين. فالله سبحانه لم يعد عباده بالنصر لأنهم ينتمون إلى عرق أو أرض، وإنما وعد به الذين يُستضعفون في سبيل الحق، فيصبرون ويثبتون ويواصلون طريقهم حتى يأتي وعد الله، ولو بعد حين.

لقد ظن فرعون أن ملكه باقٍ، وأن بني إسرائيل لن يخرجوا من دائرة الاستضعاف أبدًا، فجاء الوعد الإلهي: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَسورة القصص، الآية 5ـ6.

. ومنذ ذلك الحين، تتكرر القصة نفسها في التاريخ بأسماء مختلفة، ويبقى القانون واحدًا: قد يطول ليل الظلم، لكن الفجر لا بد أن يطلع، وقد يتأخر النصر عن الوقت المظنون، لكنه لا يتخلف قد الزمن المقدور، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًاسورة الأحزاب، الآية 38

وهذا هو الدرس الأكبر الذي تقدمه مقاومة الجزائريين للاستعمار. فمن الخطأ أن يُختزل تاريخ التحرير في الفاتح من نوفمبر 1954 أو في الخامس من جويلية 1962، لأن الاستقلال لم يكن ثمرة سبع سنوات ونصف من الكفاح فقط، وإنما كان ثمرة أكثر من قرن وثلاثة عقود من المقاومة المتواصلة منذ أن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي أرض الجزائر سنة 1830.

لقد قاوم الأمير عبد القادر، وصمد أحمد باي، وانتفض المقراني والحداد، وجاهد الشيخ بوعمامة، وثارت لالة فاطمة نسومر، ونهض أولاد سيدي الشيخ، وتعاقبت الثورات في كل ربوع الوطن، حتى لا تكاد تخلو أرض من بلادنا الطاهرة إلا وثار أهلها على مر السنين، ولا يخول جيل من الأجيال إلا وحملوا السلاح أو الكلمة أو الموقف دفاعا عن الجزائر. وقد هُزمت تلك المقاومات عسكريا، واستشهد قادتها، ونُفي بعضهم، وسُجن آخرون، لكن الحقيقة أن أحدا منهم لم يُهزم تاريخيا، لأنهم جميعا كانوا يراكمون الوعي، ويحفظون للأمة شخصيتها، ويمنعون الاحتلال من أن ينتصر على إرادة الجزائريين، وإن تمكن من أرضهم.

لقد امتلكت فرنسا الأرض، أو ظنت ذلك، لكنها لم تمتلك الإنسان. سيطرت على المدن والقرى، وعلى الثروات والمؤسسات، وحاولت السيطرة على التعليم والإدارة والإعلام، وسعت بكل الوسائل إلى اقتلاع الشخصية الجزائرية، ونشر الجهل والفقر، وإحياء العصبيات، وتطبيق سياسة “فرّق تسد”. لكنها عجزت عن أن تبسط يدها على قلوب الجزائريين وعقولهم وإرادتهم، فكأنما ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة المائدة، الآية 11. فقد بسط الاحتلال يده على الأرض، ولكنه لم يستطع أن يبسطها على الضمير الوطني، ولا على عقيدة الشعب، ولا على إرادة التحرر التي بقيت حية في النفوس.

وحين أعلن الاحتلال بعد أكثر من قرن أن الجزائر أصبحت جزءا من فرنسا، كان يظن أنه حسم المعركة نهائيا، غير أن معركة أخرى من معارك الشرف قد بدأت لتمهد ليوم الحسم. فقد نشأت الحركة الوطنية، تحمِلُ مشروع التحرير بالكلمة قبل البندقية، فأنشأت المدارس الحرة، وأحيت الهوية، وأصدرت الصحف، وأسست الجمعيات، وخالطت الناس في المدن والقرى، وخاضت المعارك السياسية والقانونية، بل وشاركت في الانتخابات رغم يقينها بأن الإدارة الاستعمارية ستزور نتائجها، لا إيمانا بإمكان الإصلاح من داخل المنظومة الاستعمارية، وإنما لاستثمار كل وسيلة متاحة في الدفاع عن حقوق الشعب، وفضح زيف شعارات الاحتلال أمام العالم.

و أثناء ذلك كان رجال الحركة الوطنية يدركون أن الاستعمار الذي قام على القوة لن يرحل إلا بالقوة، وأن الطريق إلى الحرية سيمر حتما عبر التضحية. فجاءت مجازر الثامن من ماي 1945 لتغلق آخر أبواب الوهم، ولتعلن أن الاستعمار لا يمنح الحرية، وأن الحقوق لا تُستجدى من المحتل، وإنما تُنتزع منه انتزاعا. ومن بين رماد تلك المجازر وُلد اليقين الذي قاد إلى ثورة نوفمبر.

غير أن الاحتلال، كما يفعل كل مستبد، لم يعتمد على قوته العسكرية وحدها، بل سعى إلى صناعة نخبة تابعة له، تستظل بسلطانه، وتعيش على فتات امتيازاته، وتبشر بسياساته، وتشكك في جدوى المقاومة. فاستسلم بعض الناس خوفا، وطمع آخرون، وخان آخرون، حتى صار بعض أبناء الوطن يقفون في صف المحتل ضد أبناء وطنهم. وهذه سنة قديمة تتكرر مع كل استعمار وكل استبداد، إذ لا يكتفي الظالم بجنده، بل يبحث دائما عن أعوان من بني جلدتك، وداخل صفك، يزينون ظلمه، ويثبطون العزائم، ويصفون المقاومة بالعبث، والاستسلام بالحكمة، والذل بالواقعية.

لكن سنة الله كانت تمضي في الاتجاه الآخر. فكلما ازداد القمع، واتسعت المعتقلات، واشتد التعذيب، واشتعلت القرى بالنابالم، وسقط الشهداء بلا عد ولا حصر، كان موعد النصر يقترب. فالسنن الإلهية لا تقاس بلحظة واحدة، وإنما بمآلاتها، والذين لم يتحقق النصر على أيديهم من طلائع الكفاح المتتالية لم تفشل وإنما مهدت الطريق، وكان نوفمبر هو الطريق، وكان الخامس من جويلية هو اليوم الذي ظهرت فيه ثمرة قرن وثلاثة عقود من الصبر والجهاد والتضحية.

إن الذين كتب التاريخ أسماءهم هم أولئك الذين استُضعفوا، وصبروا، وضحوا، واستشهدوا، لا الذين ركنوا إلى المحتل، أو تحالفوا معه، أو باعوا أوطانهم بمناصب زائلة أو مصالح عابرة. أولئك مضوا مكرمين في ذاكرة الأمة، أما هؤلاء فقد بقيت أسماؤهم عنوانا للخزي في الدنيا، وحسابهم عند الله على قدر ما اقترفوا من خيانة وإعانة للظالم على ظلمه.

إن ذكرى الاستقلال تتجاوز حدود الجزائر لتصبح درسا للأمة كلها، وفي مقدمتها فلسطين. فما يجري اليوم على أرض فلسطين ليس إلا فصلا جديدا من القصة نفسها: مستضعفون يواجهون احتلالا يملك السلاح والدعم الدولي وأدوات البطش، كما واجه الجزائريون بالأمس إمبراطورية استعمارية ظنت أن الزمن كله لا يكون إلا لها. وقد يتأخر النصر في فلسطين، كما تأخر في الجزائر، وقد تشتد المحنة، وقد يكثر المتخاذلون والمتواطئون، لكن سنة الله لا تتبدل، ووعده لا يتخلف. فالمقاومة التي تستند إلى الحق والعدل والصبر مشروع عظيم، منتصر لا محالة مهما بدا ضعف المقاومين، بل ـ أكثر من ذلك ـ هو طريق ينتهي – بإذن الله – إلى التمكين. وما يسكن قلوب الظالمين بأن الدائرة ستدور عليهم، كما كانت مخاوف فرعون وآله، سيرونه بأنفسهم رأي العين، وأن حذرهم من تصاعد وعي المستضعفين حقيق بيقين، لن ينفع معه الحذر ولا تجدي معه مخططات القهر والتحكم والإضعاف، إذ نصر المستضعفين سنة ماضية لا تتغير ولا تتبدل، لقوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَسورة القصص، الآية 5ـ6.

إن الخامس من جويلية هو ذكرى انتصار شعب استُضعف طويلا على يد مستعمر جبار مستكبر،  وهو مع ذلك شهادة تاريخية للعالمين، على أن الظلم، مهما طال أمده، لا يستطيع أن يهزم أمة تحفظ هويتها، وتتمسك بحقها، وتورث أبناءها معنى المقاومة جيلا بعد جيل. وإذا كان المستبدون يملكون القوة زمنا، فإن المستضعفين يملكون المستقبل. ولذلك ختم الله قصة الظلم والانتصار بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَسورة الشعراء، الأية 227 ، فالظلم منهزم مهما اختلت موازين القوة، ويكفي أن ينتفض المظلوم، وان يصبر على الطريق، وأن يستعين بالله ليتحقق له النصر، فالزمن معه، والأرض معه، والسماء معه، ولو بعد حين، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلومِ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمامِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : وعزَّتي وجَلالِي لَأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حِينٍ)).

وما بين الخامس من جويلية بالأمس، وفجر التحرير القادم في فلسطين غدا، والانتصار على كل ظالم مستبد تمتد سنة الله التي لا تتبدل: أن العاقبة للحق، وأن الوارثين للأرض هم المستضعفون الصابرون، لا المستكبرون المتجبرون، ولا أعوانهم من المستسلمين الخاضعين. ذلك الذي يقرأه أولو النهى في أحداث التاريخ العميقة ووقائع الزمن الممتد، وذلك الذي لا يراه المتلهّون بزخارف الاستدراج وأبهة القوة والنفوذ.

د. عبد الرزاق مقري

سنحاول في هذه السلسة الجديدة من المقالات حول توقف المواجهة العسكرية بين الحلف الصهيوني الأمريكي وإيران، تتبع نتائجها على المختلف المستويات، ثم نتحول إلى سلسلة مقالات عن إيران نفسها وما هو المطلوب منها لكي تحافظ على نتائج خروجها الموفق من الحرب، وكيف تستفيد من أخطاء الماضي، ولكي تكون النتائج التي حصلت عليها لصالح الأمة العربية والإسلامية كلها، ولصالح فلسطين.

 

سمعت البارحة عدة تحليلات عن وثيقة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فكانت توجهات أغلب المحللين في العالم أنها لصالح إيران، ولم يتنكر لهذا النجاح الإيراني سوى مواقف وتصريحات أقلية لا يُنظر إليها، كانت تصدر عن نخب عربية مستلبة حضاريا هواها مع أمريكا وإسرائيل، أو نخب ذات توجهات طائفية أو قومجية، أو تيارات تابعة لأنظمة استبدادية تخاف من يقظة الشعوب، أو نخب خائبة استمرأت الخنوع للأقوى في حياتها الشخصية، فهي لا تستطيع أن تؤمن بأن النصر في المقاومة بإذن الله تعالى .

 كنت قد استشرفت هذه النتيجة منذ بداية المواجهة، وضعتها في سلسلة مقالات منشورة في موقعي ومختلف صفحاتي الالكترونية، مؤكدا عدم إمكان الولايات الأمريكية المتحدة حسم الحرب مهما كانت قوتها النارية، وشدة هجماتها الجوية، واتساع حالة التدمير في إيران. وذلك لأسباب عديدة أهمها أن أمريكا لا تستطيع أن تحسم الحرب بدون تدخل بري، وإن غزت الأرض الإيرانية بعساكرها لقيت حتما حتفها كذلك، ليس كما وقع لها في الصومال، والعراق، وأفغانستان، بل أسوء من ذلك. والسبب الثاني هو الصمود العقائدي الإيراني، الحكومي والشعبي، المدعم بوحدة الصف، والمسنود بخبرة طويلة في المقاومة وتحمل أعباء الحصار المضروب على البلد منذ مدد. والسبب الثالث هو القدرة على إيذاء العدو ومصالحه بالصواريخ والمسيرات، وحسن الاستعداد لذلك بصناعة عسكرية محلية، بما جعل الحرب معركة “عض الأصابع” صبر فيها أهل الأرض على الغزاة الأجانب. ثم جاءت الجغرافيا وأهمية الموارد الطاقوية في التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية الدولية وما يتعلق بالحضور الخفي للصين وروسيا في الحرب، وقد كتبت في ذلك ثلاث مقالات. 

لقد كان هذا البعد الجغرافي حاسما، حيث تحول فيه مضيق هرمز إلى سلاح فتّاك، بشكل غير متوقع لترمب وحلفائه والعالم بأسره. والمفارقة أن التحكم في مضيق هرمز، سُيّر على نحو لم يجعل الصين هي المتضرر الأكبر منه كما كان يُعتقد في البدء، ولكن الخسارة الكبرى لحقت أمريكا والعالم بأسره، إذ تحولت الحرب إلى حرب اقتصادية عالمية تحمّل مسؤولية الخسائر فيها ترمب وحده، في داخل بلده بارتفاع معدلات التضخم، وفي كل الساحات المالية والاقتصادية في العالم.

كل هذه الأبعاد المهمة غفل عنها دونالد ترمب وفريقه، فوجد نفسه في فخ تاريخي عظيم، دفع ثمنا غاليا في الاتفاقيات المبرمة للخروج منه، حتى لا يستمر انهياره الشخصي الداخلي، والانهيار الأمريكي الدولي. ولا يُتوقع أن تعود الولايات الأمريكية للحرب، أو التدخل في الشأن الإيراني، لأن المعطيات التي جعلت إيران تصمد والأدوات التي جعلتها تؤلم الأمريكيين وحلفائهم لا تزال متوفرة، ولن يغير هذه المعادلة سوى تطورات إيرانية داخلية عميقة ضد النظام السياسي، يبدو أن نتائج الحرب لا تشتغل لصالحها.

لقد جر ترمب إلى الفخ الذي وقع فيه تقديرات ومعلومات استخبارية صهيونية خاطئة، جعلته يعتقد بأن قطع رأس النظام في اليوم الأول، سيحرك شبكة العملاء لتأخذ المبادرة، و يدفع الشعب ليثور على حكامه، فتسقط إيران كلها كالثمرة اليانعة بين يديه، على شاكلة ما أنجزه في فينزويلا، فيصطاد عصافير كثيرة في آن واحد: إسقاط النظام، أخذ البترول الإيراني غنيمة سهلة، تخليص الحليف الصهيوني من خطر وجودي، إنهاء التهديد الإيراني ضد الحلفاء العرب إلى الأبد، التحكم الكامل في المنطقة وحكامها وشعوبها، الإنجاز الكامل للاتفاقيات الإبراهيمية،  ضرب الصين ضربة موجعة أخرى بعد إسقاط مادورو في فنزويلا، ضربة كان سيكون لها آثار مزلزلة على الاقتصاد الصيني بالتحكم الكامل في مورد طاقوي حيوي وأساسي كان يمد الصين من إيران ودول الخليج عبر مضيق هرمز ( وشرحنا هذا كله بالأرقام في سلسلة مقالات سابقة).    

فالنتيجة الأساسية للحرب هو تبخر كل هذه الأحلام مرة واحدة، إذ وقع للولايات الأمريكية المتحدة وحليفها الإسرائيلي، ما سمي باستراتيجية “الردع بالحرمان” التي أعلن عنها “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — والتي تقضي ب”حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها”، وقد أشرت إلى هذه الاستراتيجية في مقال سابق. وما يؤكد مرارة هذا الحرمان أن ترمب نفسه وضّحه للعالم بأسره بتصريحاته، التي أعلن فيها بأن الصين ستأخذ البترول الإيراني مسقبلا عبر أمريكا، وأنه لن يقبل نصرا دون “نصر شامل وكامل”، واستغرابه المعبر عليه بوضوح من صمود النظام الإيراني، ودعوته المتكررة للشعب الإيراني للخروج للشارع ضد النظام.

وبالإضافة إلى هذه الخسارة بالحرمان، راكمت الولايات الأمريكية وحلفاءها خسائر أخرى كبيرة سيكون لها أثر كبير في رسم المشهد الجيوسياسي في المنظقة والجيوستراتيجي المستقبلي في العالم، ومن ذلك:

أولا ـ الولايات الأمريكية المتحدة:

– خسارة هيبتها وريادتها للعالم، وتعمق صورة الدولة الكبرى التي تسير نحو الأفول عند الجميع، وهي حالة تحدثت عنها كثير من الدراسات الدولية، والغربية، والأمريكية منذ عقدين على الأقل، وأشرنا إلى ذلك في العديد من المداخلات والمقالات. والغريب في الأمر أن ترمب أقام حملته الانتخابية على الإقرار بتراجع قوة بلده، ولهذا جعل شعار حملته “جعل أمريكا عظيمة مجددا”، وكان يحمّل الديمقراطيين هذا التراجع، فإذا به يكون هو من سرّع هذا التراجع، وجعله الآن بارزا واضحا. 

– انهيار صورة الجيش الأمريكي كقوة قادرة على الفعل في أي مكان في العالم، وقد ظهرت هذه الصورة بشكل جلي في عهد الديمقراطيين تحت رئاسة بايدن بخروجه المذل أحادي الجانب من أفغانستان، تحت ضربات طالبان، و ها هو الآن يتعمّق أكثر في عهد الجمهوريين تحت رئاسة ترمب، من خلال هذا الفشل المروع في إخضاع الإيرانيين والاضطرار إلى تعويضهم خسائرهم في الحرب، ورفع الحصار عليهم، وإنهاء تجميد أرصدتهم .. حتى يقبلوا توقيف المواجهات.

– انهيار موثوقيتها الحمائية عند حلفائها، وشعور هؤلاء بضرورة تغيير استراتيجياتهم الدفاعية، وقد بدأ الأوربيون التفكير في هذا شأن، في اجتماع وزراء الدفاع لديهم، أسبوعا واحدا بعد خروج أمريكا من أفغانستان (تُراجع سلسلة المقالات بهذا الشأن في موقعي الالكتروني)، وبدأ يتعمق هذا التوجه جماعيا بينهم، أو من خلال ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري قطريا، واليوم نتنياهو نفسه يصرح علانية بأن حكومته ستعمل على التحرر من التبعية العسكرية لأمريكا، وبقي العرب يخفون توجهاتهم الجديدة، التي رشحت من خلال محاولات تشكيل حلف جديد (مصري، سعودي، تركي، باكستاني).

– تراجع ركائز التفوق العسكري الأمريكي، من قوة متنقلة جبّارة غالية الكلفة تعتمد على حاملات الطائرات في كل المحيطات، والطائرات الفتّاكة، والصواريخ المدمرة بعيدة المدى، إلى قوة سهلة التدمير بصواريخ ومسيرات ضعيفة الكلفة، يزيدها المعطى الجغرافي، والمعطى التكنولوجي قدرة كبيرة على إلحاق العدو خسائر لا يمكن تحملها، بشريا واقتصاديا، وعلى مستوى السمعة والهيبة.

– انهيار دور الثكنات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإخراجها من الخدمة، وتحولها إلى عبء على الدول التي تستضيفها، وأهداف سهلة في أي معركة جديدة تخوضها أمريكا.

– تحمل عبء الخسائر الاقتصادية بسبب كلفة الحرب، ومن ذلك الأضرار التي أصابت الشعب الأمريكي مباشرة بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع كفاءة الأسواق، وتعويض الخسائر التي طالت القواعد والمعدات العسكرية، والتكفل بكلف الخسائر البشرية، والتراجع الحاد لكميات السلاح في  المخزونات الاستراتيجية، وسيطلب التعافي من كل هذا مدة طويلة، كما أشارت إلى ذلك العديد من الدراسات (سنعود إلى توثيق كل ذلك لاحقا).

– الشرخ الكبير في العلاقة مع الحليف الصهيوني، كوكيل لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحول هذا الحليف إلى عبء كبير، عسكريا واقتصاديا، وعلى مستوى الانسجام الأمريكي الداخلي، واستقرار العلاقات مع الحلفاء الأوربيين والعرب خارجيا.

– تعمق الشرخ الداخلي، على مستوى المؤسسات، بين الديمقراطيين والجمهوريين، وبين الديمقراطيين منذ العدوان على غزة، والآن بين الجمهوريين ذاتهم، وتعاظم الصراع بين القوى التقليدية التي لا تزال تريد مواصلة السياسة الأمريكية لدعم الكيان الصهويني، والقوى الصاعدة التي ترفض ذلك، وسيؤدي ضعف النخبة القيادية الحزبية في كل المعسكرات المتصارعة إلى تعمق الشرخ والعجز على ترميمه، ويضاف إلى ذلك الشرخ الكبير المتنامي في المجتمع، بسبب الصراعات العرقية والاثنية، وتعمق الفروق الاجتماعية، واليقظة المتصاعدة لدى الشباب، المعبرة عن ذاتها بتأثير كبير في وسائل الاتصال الحديثة، في مواجهة القوى التقليدية المسيطرة ماليا، وفي المؤسسات الإعلامية الثقيلة.

– إطلاق يد القوى الدولية الصاعدة في المنقطة، ولا سيما الغريم الصيني الذي ستزداد موثوقيته كشريك مأمون ومفيد، على الصعيد الاقتصادي، وفي وقف الفوضى في العلاقات الدولية، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب، ستكون فيه أمريكا مجرد قوة عظمى، منعزلة في جغرافيتها الأمريكية، لا تستطيع فرض إرادتها في الساحة الدولية.

 

د. عبد الرزاق مقري

أبّد النبي صلى الله عليه وسلم معنى الهجرة في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا))، لقد أبقى عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث معنى الهجرة حاضرا في حياة الأمة، وفتح لها بابا أبديا في ضمير المؤمنين، ونقلها من صورة تاريخية مخصوصة إلى معنى دائم متجدد. فقد انتهت الهجرة الواجبة من مكة إلى المدينة بعد أن فتح الله للمسلمين مكة المكرمة وأصبحت دار إسلام، لكن الهجرة في معناها الأوسع بقيت، وباتت خالدة: هجرة المعصية إلى الطاعة، وهجرة الذل إلى الكرامة، وهجرة السكون إلى الجهاد، وهجرة النية الفاترة إلى العزم الصادق، وهجرة الخضوع إلى الاحتلال إلى مجاهدته ودحره، وهجرة القبول بالأمر الواقع إلى الاستجابة السريعة لمعارك الواجب والعزة والإباء، وهجرة الاستسلام إلى الطغيان إلى مقاومة الظلم والفساد في كل آن. ولذلك كان هذا الحديث، بحق، تأسيسا لمعنى سام نسميه:”الهجرة الأبدية”.

إنها هجرة لا تنتهي بحادثة تاريخية هي هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل تبقى تلك الهجرة القدوة ذكرى خالدة لمعنى الرسالة وما تلزم من تضحيات، تؤسس لأنواع كثيرة من الهجرة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا يحدها الزمن، ولا تحكمها الأوضاع الصعبة والتحديات الجسام، نية نحو البر والتقوى وبلوغ المعالي حتى لقاء المصطفى على حوضه الشريف، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وجهاد بلا هوادة لنصرة الحق، وتحفز مستمر للقيام بالواجب كلما نادى المنادي، إنها حركة الإنسان المؤمن الدائمة من النقص إلى الكمال، ومن القعود إلى الفاعلية، ومن الأسر بكل معانيه الكريهة، إلى الحرية الفسيحة بكل أنواعها النبيلة.

إن العنوان الكبير الذي نذكره في الأول من شهر محرم في كل سنة هجرية هي بلا شك هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تحمل كل معاني الهجرة السامية، إذ كانت حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام والإنسانية وعبّرت عن ميلاد أمة شاهدة وحضارة عظيمة، صنعتها تضحيات جسام على طريق انتقال الفكرة من الاستضعاف في المجتمع بمكة إلى مكنة الدولة في المدينة، لهذه المعاني خرج عليه الصلاة والسلام من بلده، وما كان له أن يخرج منه إلا حين حورب في دعوته، وأوذي في أصحابه، وحوصرت رسالته، وتآمر عليه الملأ ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه، فلم يغادرها كرها لها، بل قال وهو يلتفت إليها: ((والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)).

غير أن الحديث الشريف أسس لأنواع كثيرة من الهجرة، بعد الهجرة، فصّل العلماء في أنواعها وأحكامها، فثمة الهجرة المعنوية، وهي أعظم الهجرات في حياة المؤمن وأبقاها، وبها يستحق صفة المهاجر وفق قوله عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). فكل مسلم، يريد أن يبقى في هجرة أبدية، مطالب بأن يهاجر من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الظلم إلى العدل، ومن سفساف الأمور إلى معاليها. وهذه الهجرة لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى حدود مفتوحة، لكنها تحتاج إلى قلب يقظ وإرادة صادقة. وربما هاجر الإنسان آلاف الأميال وبقي أسير شهوته، وربما بقي في موطنه لكنه هاجر بقلبه من كل ما يسخط الله إلى كل ما يرضيه. ولهذا كانت الهجرة المعنوية أبدية، لأنها معركة الإنسان مع نفسه، ومع عاداته الرديئة، ومع بيئته الفاسدة، ومع كل ما يجذبه إلى الهبوط.

 ثم هناك الهجرة البدنية التي صنفها العلماء بين هجرة الهرب، للخوف من حدوث مكروه، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر منه، وهجرة الطلب رجاء الحصول على منفعة، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر إليه. وأحكام الهجرة البدنية تنقسم عند العلماء بين هجرة واجبة حين لا يستطيع المسلم أن يقيم دينه أو يحفظ نفسه وعرضه وكرامته إلا بالخروج من أرض يتعاظم فيها الظلم والفتنة إلى أرض يُحفظ فيها دينه ويُصان أمنه وكرامته وعرضه. وهناك هجرة مستحبة حين يكون الانتقال معينا على الطاعة والعلم والعمل الصالح ونفع الأمة. وهناك هجرة مباحة حين ينتقل الإنسان لطلب الرزق أو العلم أو العلاج أو السلامة. وقد تكون الهجرة ممنوعة أو مذمومة إذا كانت فرارا من واجب متعين، أو تركا لميدان يحتاج إلى الثبات، أو انتقالاً إلى موضع يضيع فيه دين المهاجر وخلقه وولاءه لأمته ووطنه، أو يضيع أهله وتفسد ذريته.

إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت هجرة سياسية، فكانت هجرة هرب من بطش كبّار قريش، وكانت في ذات الوقت هجرة طلب، للحصول على بيئة مرحبة لبناء المشروع، ولذلك تبقى الهجرة السياسية هرباً من الاستبداد، وطلبا لمواصلة العمل، من أقرب أنواع الهجرة إلى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فقد عرف عالمنا الإسلامي الحديث صورا قاسية من القمع، ومصادرة الحريات، وسجن الأحرار، ومطاردة أصحاب الرأي، وتضييق المجال العام، حتى اضطر كثير من الدعاة والمصلحين والمفكرين والسياسيين إلى مغادرة أوطانهم طلبا للأمان وحفظاً للكرامة. وهذه الهجرة السياسية قد تكون في بعض الأحوال ضرورة شرعية وإنسانية، حين يصبح البقاء تعريضا للنفس للقتل أو السجن أو التعذيب أو الإلغاء الكامل.

غير أن المفارقة المؤلمة في هذا العصر أن العالم الذي يتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان واللجوء والحريات لم يعد دائما مأمنا حقيقيا للمطاردين، فقد تضيق الدول باللاجئ السياسي، أو تساومه، أو تسلمه إلى جلاديه، أو تبتزه قوى خارجية لتوظيف قضيته في صراعاتها. لقد أصبحت الهجرة السياسية اليوم أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الأزمنة السابقة. فالحدود مراقبة، والاتفاقات الأمنية تتجاوز القيم المعلنة، والقوى الصهيونية الغربية تطارد كل حر أبي، وعملاءهم أشد شراسة منهم، واللاجئ قد يتحول إلى ورقة ضغط، والمعارض قد يجد نفسه مطالبا بالصمت أو بالتوظيف أو بالمساومة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الثبات داخل الوطن، حين يكون ممكناً، قيمة عظيمة وشرفا كبيرا، ومهما اضطر المصلح للخروج من بلده عليه أن يبحث لنفسه عن موقع قدم فيه، وأن ينتبه بأن مصلحة الاستبداد في إخراجه منه، وقد يدفعونه إلى ذلك دفعا.

ومهما يكن من أمر ، ليس كل خروج بطولة، وليس كل بقاء ضعفا، قد تكون الهجرة واجبة حين يستحيل العمل ويتهدد الإنسان في أصل حياته، وقد يكون البقاء أوجب حين يحتاج الوطن إلى من يصبر، ويصلح، ويربي، ويشهد بالحق، ويدافع عن الناس، ويحافظ على جذوة الأمل في الداخل. إن الثبات في الوطن، مع تحمل كلفة الكلمة والموقف، هو في أحيان كثيرة هجرة من الخوف إلى الشجاعة، ومن السلامة الفردية إلى المسؤولية العامة.

تلكم هي معاني حديث ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا)). لقد بقي الجهاد بعد الهجرة النبوية قائما إلى يوم الدين، وحيا الله “م” أن أحيت معانيه فينا، بقي جهاد النفس، وجهاد الاحتلال، والجهاد من أجل المقدسات، وجهاد الظلم، وجهاد البناء، وجهاد العلم، وجهاد الكلمة، وجهاد الإصلاح، وبقيت النية التي تحول الأعمال العادية إلى عبادة، والثبات إلى هجرة، والصبر إلى مقاومة، والعمل الوطني إلى قربى لله تعالى، والكفاح من أجل الأمة إلى سمو إيماني ورفعة في التاريخ، ونجدة أهلنا في غزة وفلسطين تديّن ومروءة ورجولة، وبقيت النفس المتحفزة، تستجيب للذكرى بلا كسل، وتنهض لنداء الواجب بلا وجل، وتتجاوب مع النفير في الصفوف الأول.

تلكم هي الهجرة الأبدية.

حين نتحدث عن المداخلة لا نقصد تيارا دينيا بعينه، يسمي نفسه التيار السلفي. أنا شخصيا أعرف هذا التيار ولم أر من المنتسبين إليه إلا الخير، سكنت في بيت بجوار مسجد من مساجدهم، فكانوا نعم الجيرة، في تدينهم وأخلاقهم، وخدمتهم القرآن الكريم، ولهم فضل على أولادي إذ حفظ بعضهم كتاب الله في كُتّابهم.

أما “المداخلة”، المعروفين في ساحة الجدل السياسي العقيم،  فلا علاقة لهم بالدين ولا الأخلاق ولا العلم، ولا يظهر لهم ولاء  لله ورسوله والمؤمنين، كما أنهم ظاهرة افتراضية لا وجود لها على الأرض، لا نلتقي بهم أبدا في المساجد ولا في أي مكان آخر، إنما هم شبكات مصنوعة في وسائل التواصل الاجتماعي، اغلبهم بحسابات مجهولة وأسماء مستعارة.

لا ينتمون لأي وطن، ومن كان منهم موجودا فعليا فإنما هو  من عملاء  الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية والإماراتية وبعض المؤسسات الأمنية للأنظمة الاستبدادية، يبيعون آدميتهم وكرامتهم من أجل مصالح دنيوية، لا يحترمهم من يُشَغّلهم لعلمهم بهوانهم، ومجون بعضهم، ودناءة نفوسهم وشرههم وطمعهم في ما في أيدي أسيادهم، إذ حين يلتقون بأسيادهم لأخذ التعليمات لا يطلبون إلا الامتيازات الدنوية من سكنات وفرص تجارية وخدمات مالية ووساطات مصلحية.

يعود تشكل هذا التيار إلى فترة الحرب الخليجية، حين استغلت الأجهزة الأمنية الخليجية بعض رموزهم، وحين نجح تجنيدهم تحولوا من ظاهرة دينية إلى حالة أمنية، فاقترح وزير الداخلية السعودي  نايف بن عبد العزيز رحمه الله على المؤسسات الأمنية في البلاد العربية الاستفادة من التجربة لمواجهة التيارات الإسلامية الوسطية والقوى السياسية المعتدلة ذات الحضور الاجتماعي الكبير، فتورطت بعض الدول في احتضان هذا التيار الخطير على الأوطان، وانتبهت دول أخرى لخطورتهم، وكان آخر البلدان التي اقتنعت بحقيقة أمرهم المملكة العربية السعودية ذاتها في زمن محمد بن سلمان، ولكن بعد “خراب البصرة”، والسعودية التي هي البلد الذي شكّلهم ونشرهم في مختلف دول العالم الإسلامي، تضاءل وجودهم فيه، وصاروا يسيرون ملتصقين بالحيطان أمام موجات التغيرات الحاصلة به، لا يجرؤون على إنكار المناكر العظيمة، يواصلون سلوكيات التزلف بالدفاع على النظام الذي أذلهم ذاته.

إن مهمة هذا التيار هو تدمير العالم الإسلامي وتمزيقه ونشر العداوة بين شعوبه وخدمة الصهيونية والتمهيد للتطبيع في البلدان، ومحاربة رجال لإصلاح والحركات الإصلاحية خدمة للاستبداد والفساد.

ومن أهم مواقفهم التي تظهر فسادهم وخطورتهم على الإسلام والمسلمين:

– توجهاتهم التكفيرية وتبديع طبقات واسعة من علماء الأمة وعموم المسلمين، حول مواضيع من التاريخ الغابر أو القضايا العلمية التي لا تهم إلا عددا قليلا جدا من الناس مثل  الدراسات التخصصية المتعلقة بأصول الدين، والتي لم تصبح من الثقافة العامة للمسلمين، ولا تمثل أولوية في محاربة التخلف والفقر ونهضة الأمم والأوطان،  ومن ذلك تكفير وتبديع الأشاعرة والماتوردية، الذين منهم كبار علماء الأمة في التفسير والحديث والفقه واللغة والسلوك ومختلف العلوم،  وإخراجهم جملة واحدة من دائرة أهل السنة والجماعة خلافا لرأي جمهور العلماء. مع ما تحمل هذه الأفكار التكفيرية والتبديعي من مخاطر  على الأمة وأوطانها، إذ أثبتت التجربة بأنها قد تتحول في لحظة من اللحظات إلى عنف وإرهاب.

– إدخال الخلاف في قضايا فقهية محسومة منذ قرون من الزمن مثل تغيير الانتماء المذهبي المالكي في المغرب العربي، والتفريق بين المسلمين في أداء الصلاة والشعائر، وقد بدأت هذه الفتنة في الثمانيات بالدعوة إلى اللامذهبية، فوجد العديد  من الناس أنفسهم يتحولون من المذهب المالكي إلى المذهب الظاهري لابن حزم الأندلسي رحمه الله، ثم بسبب صِلاتهم بالمملكة العربية السعودية، حوّلوا المصلين إلى المذهب الحنبلي لأحمد بن حنبل رحمه الله، دون أي حاجة لذلك، وكأنهم حملوا على كاهلهم تغيير انتماء سكان البلد من مذهب منحرف هو المذهب المالكي، وحاشاه أن يكون كذلك فهو مذهب سيد علماء مدينة رسول الله صلى عليه وسلم. وفي كل يوم من أيام عيد الفطر يدخلون الناس في فتنة حول كيفية تقديم زكاة الفطر، وفي كل مناسبة للمولد النبوي يشغلون الناس بفتنة عمياء تنسي ما يجب أن يكون من تأمل في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في الذكرى،وفي الحالتين (زكاة الفطر ومناسبة المولد) يخالفون قرارات الدولة وتوجهاتها، وهم أكبر من يزايد على الناس في شأن طاعة ولي الأمر في أمور أخرى تخدم الفساد الذي يحمونه.

– التناقض والنفاق والكيل بمكاييل مختلفة،  في مسألة طاعة ولي الأمر، فلا يزايدون في ذلك إلا لصالح الأنظمة المستبدة التي تستخدمهم، ولكنهم في نفس الوقت يشعلون الفتن ويخرجون على الحكام المنتخبين بالإرادة الشعبية كما كان موقفهم ضد الرئيس مرسي في مصر، وضد حكومة النهضة في تونس، وذهبوا بعيدا في التآمر مع دولة الإمارات ضد الحكومة في تركيا، وفي ليبيا، وأما في السودان فتورطوا في جرائم مروعة، وهم اليوم يتآمرون ضد إيران لصالح القوى الصهيونية والأمريكية.

– ليس من سبب في التآمر على تركيا وإيران، والآن باكستان، سوى ضرب دول مهمة وقوية وذات سيادة في الأمة خدمة لمخططات معادية للإسلام والمسلمين، فما يوحد من سلبيات في تركيا، تتعلق بالعلمانية ومظاهر الفساد والتطبيع وعلاقات مع الولايات الأمريكية المتحدة، يوجد مثله وأضعافه في دول أخرى يتهجمون على من يعارضها، وما وقع من جرائم من الإيرانيين في سوريا وقع أكثر وأخطر منه في السودان على يد أهم دولة ترعاهم حاليا وهي دولة الإمارات.

– أداء دور التخذيل في الأمة لصالح أعدائها وضرب معنويات المسلمين والدعوة إلى ترك شعيرة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني  في مصادمة مفضوحة للنصوص الشرعية، والتهجم المستمر على الـ “م”، والتشكيك في نتائج الـ “ط” ، والأفول الواضح للولايات الأمريكية المتحدة، خلافا لتصريحات ودراسات شخصيات ومراكز دراسات كثيرة جدا وذات مصداقية عالية في امريكا واوربا والعالم بأسره، ومنتجاتها منتشرة ومعلومة لدى الجميع.

– الوقوف ضد كل من يلتزم بالإصلاح السلمي والسياسي لوجه الله تعالى وخدمة للأوطان، وكرههم لا لشيء إلا بسبب التزامهم الديني، ومستوياتهم العلمية والفكرية العالية، واتهامهم باتهامات باطلة، من دون أي دليل أو قرينة، إلا بغرض الإرجاف، على نهج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني إ مع الأنبياء.

– ولاؤهم الأساسي لأنظمة خليجية وليس لأوطانهم ولا لأمّتهم، خلافا للحركات الإسلامية الوسطية التي توالي أوطانها وأمتها وتشتغل في شفافية ضمن المنظومات القانونية والدستورية وتعمل ضمن عمل سياسي وثقافي واجتماعي مشروع وشرعي قانونا وعرفا.

– تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية، وليّ النصوص والكذب على شرع الله، وعلى الحقائق التاريخية، وتجيير الأحداث الغابرة بما يخدم الشقاق والتركيز على الصفحات السوداء في تاريخ المسلمين.

– التفنن في السلوكيات المنافية للدين والأخلاق، كالكذب على الناس، والبهتان والنميمة، والشتم، والسب، والوشاية، وتتبع السقطات.

كل هذه السلوكيات والتوجهات لا يمكنها أن تجتمع في مسلم سوي يؤمن بالله واليوم الآخر، فما هذا التيار سوى معول هدم للأمة وطابور خامس يشتعل بلا هوادة ضد المسلمين ضمن مخططات شيطانية، دولية ومحلية، كثير من تمظهراته غير حقيقية، وما كان منه حقيقيا فهو جزء من عصب غير متدينة أو منحرفة أو عميلة أو جاهلة.

وهم في كل الأحوال ظواهر غير ذات تأثير ، ولا مصداقية، ورغم الأموال الضخمة التي تنفق، والمجهودات الكبيرة التي تبذل، لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم، فلا حملاتهم الدعائية تنجح، ولا مكائدهم تتوج، ولا يتجاوز عملهم الأذى العابر الذي يصيب الصالحين، على نحو ما أصاب النبي من أذى المنافقين، وعلى شاكلة ما وصل الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين من إساءات المرجفين.

وكم مر على الأمة من هجمات من أمثال هؤلاء ثم اندثروا وما بقي إلا الذكر الطيب للصالحين، والإنجازات العظيمة لصالح الإسلام والمسلمين.

وصدق الله تعالى إذ يقول:

((لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (آل 111))

((لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب 60))

((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال36))

((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (الحج 38)

حين ينظر الكثيرون إلى مجازر الاحتلال الفرنسي منذ وطأت أرجله المدنَّسة أرض الجزائر الطاهرة يعتقدون بأنها أفعال قادة سياسيين وعسكريين مجرمين يبحثون عن المجد والمنافع المادية فحسب. كل متمعن في الخلفيات الدينية والفلسفية لحركة الاحتلال يدرك بأن أولئك المجرمين يقتلون بلا وخز للضمير، متسلحين بقناعات دينية وفلسفية تشكلت عبر قرون طويلة في تاريخ الحضارة الغربية، المسيحيةـاليهوديةـ العلمانية، ويهدف هذا المقال إلى تبيان ذلك، مرحلة بعد مرحلة.

تندرج مجازر الثامن ماي في قالمة وسطيف وخرّاطة، ضمن هذه الخلفيات الدينية والفلسفية، وهي جزء من مسيرة الإجرام الفرنسي في الجزائر منذ بداية الاحتلال حين تعامل الاستعمار مع المقاومة الشعبية في إطار سياسة الأرض المحروقة ضد المدنيين العزل، وسياسات الإبادة والقتل الجماعي للسكان بالسلاح، وبالغاز في المغارات حين يحتمي بها الناس، كما حدث في غار الفراشيح لقبيلة أولاد رياح بنواحي مستغانم عام 1845، إلى حرق القرى والمداشر بأهلها وحيواناتها بالنابالم أثناء الثورة النوفمبرية، التي أراد بها ديغول إخضاع الجزائريين المدنيين، واستعماله “الغازات السامة” و”الغازات الخانقة” ضد المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، في صورة مطابقة لما قامت به النازية ضد اليهود، وما يقوم به اليهود ضد الفلسطينيين اليوم.

وستبقى “الجرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” التي قام بها الاحتلال الفرنسي في 8 ماي 1945 من أبشع جرائم الحضارة الغربية ضد الإنسانية، وهي جرائم فاق فيها عدد الشهداء في ثلاثة أيام عدد شهداء غزة في سنة. ولو كانت التغطية الإعلامية متاحة كما هو الحال اليوم لضجّت الأرض بتلك الفضائع في كل نواحيها في العالم.

ولم يكن سبب الإجرام عمليات جهادية غير محسوبة، كما يقول المتخاذلون والمنافقون بخصوص طوفان أ اليوم، أو ما قاله أمثال هؤلاء بخصوص هجمات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، وما تبعها من بطش فرنسي في حق المدنيين آنذاك.

في الثامن ماي خرج الجزائريون في مسيرات سلمية للمطالبة بالاستقلال الذي وعدهم بها قادة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

تمعنتُ كثيرا في تشابه جرائم الإبادة التي قام بها الأوربيون ( خصوصا الإسبان والفرنسيون والإنجليز) ضد السكان الأصليين في الأمريكيتين، وما قام به الاحتلال البلجيكي في الكونغو ، وكل القوى الاستعمارية في البلاد التي احتلتها، في إفريقيا وآسيا، والجريمة الكبرى بالقنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي باليابان التي اقترفها الأمريكيون، وما يقوم به الصهيانة اليوم على مرأى ومسمع العالم من جرائم حرب وإبادة جماعية. وعند الدراسة علمت بأن ثمة قاعدة فكرية وفلسفية واحدة شكلت هذه العقلية الإجرامية.

كنت بصدد تتبع التطور الفلسفي في العلاقة بين رجال العلم والفلسفة، والمسيحية، منذ القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر، فوجدت أن أغلبية الفلاسفة، سواء كانوا مسيحيين يدافعون عن المعتقدات الدينية أو ملاحدة أو ربوبيين ( يؤمنون بمسبب للكون دون الإيمان بالأديان) يشجعون حركة الاستعمار، وكثير منهم يبررون الإبادة إما دينيا أو فلسفيا.

ومما شدني إلى فكرة ربط أحداث ماي بالأبعاد الفلسفية والدينية للحضارة الغربية، نص صادم قرأته عن الفيلسوف “هربرت سبنسر” (Herbert Spencer- 1820-1903) أثناء إعداد كتاب أنا بصدد تأليفه عن “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”. يقول سبنسر في هذا النص، وهو يجيب عن موقفه من الاستعمار وقتل الشعوب المحتلة: “إذا قيل إننا، على طريقة العبرانيين الذين كانوا يعتقدون أن من حقهم الاستيلاء على الأراضي التي وعدهم الله بها، بل وإبادة سكانها أحيانًا، نقوم نحن أيضًا ـ استجابةً لما نراه إرادةً ظاهرة للعناية الإلهية ـ بتجريد الأجناس الدنيا من أراضيها كلما احتجنا إلى تلك الأراضي، فيمكن الرد بأننا، على الأقل، لا نقتل إلا من يكون من الضروري قتله، ونُبقي على حياة الذين يخضعون”.

والمفارقة في هذا النص أن سبنسر يعبر عن شخصية ازدواجية، تشبه نفاق القادة الصهاينة والغربيين اليوم الذين يعلنون عن دفاعهم عن الحرية والديمقراطية ولكن يشجعون الاستبداد ويحتلون الشعوب ويقترفون المجازر في حقهم.

ف”هربرت سبنسر” ليبرالي متطرف يظهر اعتراضه للتوسع الامبريالي لأغراض سياسية تتعلق بمواقفه ضد الدولة المسيطرة، ولكنه عنصري يؤمن بأن “البقاء للأقوى” وهو المؤسس الأول لفكرة الارتقاء والتطور في الجانب الاجتماعي قبل اشتهار الفكرة في الجانب البيولوجي مع داروين، فهو على هذا الأساس يعتبر بأن أخذ الشعوب المتطورة لأراضي الشعوب المتخلفة أمر طبيعي وإن قاوموا الاحتلال وجب قتلهم حتى يخضعوا.

ويذكرنا سبنسر في هذه المقولة بأن الجرائم العبرانية في حق غيرهم مبررة في ديانتهم بالأمر الإلهي لأخذ بلدان غيرهم.

وحينما نتابع موقف الدينيين وغير الدينيين نجدهم جميعا على ذات النهج:

ففي الديانة “اليه&ود”ي..ة” المتحالفة اليوم مع المسيحية الإنجيليّة تُعدّ الإبادة وقتل الأطفال والنساء وتدمير المدن ذات خلفية تلمودية صار يُعلن عنها صراحة، وتُقرأ نصوصها على الجنود وفي وسائل الإعلام، وقد كُتب في ذلك الكثير فلا داعي للوقوف عنده.

وأما في المسيحية، فإن الفتوى بقتل الشعوب المحتَلة بدأت مبكرا مع القديس أغسطينوس (Saint Augustin – 354-440)، وهو من أبرز اللاهوتيين الذين ثبَّتوا عقيدة التثليث عبر كتابه المشهور “عن الثالوث” (De Trinitate)، فكان نوميديا مواليا لعقيدة المحتلين الرومانيين الأجانب وسندا لهم بالفتوى الدينية لاضطهاد وقتل أبناء بلده “الدوناتيين” الذين بقوا على التوحيد، باستخدام نصوص من إنجيل لوقا: ” أكرهوهم على الدخول (Compelle Intrare- 23/14)”.

وكان دوره حاسما ضد ثورة الشباب “الدوّارين” أتباع المسيحية الوطنية تحت قيادة القس “دوناتوس”، الذين كانوا يهجمون على المزارع الرومانية ويعطون ما يأخذونه للفقراء من أبناء بلدهم. ولو لا فتاوى أوغسطينوس ( الذي يحتفي به بعض الجزائريين دون معرفتهم للتاريخ أو إرضاء للقوة المتغلبة) وما تبعها من قتل جماعي واضطهاد شديد لانزاح الاحتلال الروماني قبل أن ينهي وجودهم الوندال لاحقا في معركة قُتل فيها “أوغسطينوس” دفاعا عن روما.

وأثناء مرحلة الاستكشاف للقارة الأمريكية لعبت الكنائس المسيحية ( الكاثوليكية والبروتستانتية) دورا محوريا في إبادة واضطهاد السكان الأصليين. ففي القرن الخامس عشر، أصدر البابوات “مراسيم بابوية” ( Inter Caetera عام 1493) تمنح الملوك الأوروبيين (الإسبان والبرتغاليين) الحق في غزو الأراضي غير المسيحية واستعمارها، وإخضاع سكانها، معتبرة أن هذه الأراضي هي “ممتلكات لا صاحب لها” (Terra nullius) لأنها لا تتبع للمسيحية، مما أضفى شرعية دينية على الاستيلاء على الأراضي وإبادة السكان.

كما استخدم المستعمرون البيض، النصوص الدينية البروتستانتية، خاصة للطائفة البيوريتانية (التطهريون) في أمريكا الشمالية، لتبرير “حرب الإبادة” ضد السكان الأصليين، معتبرين أنفسهم “شعب الله المختار” وأن السكان الأصليين هم عقبة أمام تحقيق الوعد الإلهي.

كما تسببت “المدارس الداخلية” والتبشير القسري مأساة لا تخطر على البال لأجيال من السكان الأصليين، خاصة في كندا والولايات المتحدة. وتحت الضغوط المتصاعدة من ممثلي السكان الأصليين ومنظمات ذاكرة الحرية اعترف البابا السابق “فرانسيس” عام 2022 بجرائم الكنيسة في تلك المراحل وأصدرت البابوية عام 2023 وثيقة رسمية اعتذارية بهذا الشأن.

وما حدث من تبرير لجرائم الاحتلال من قبل المسيحية في امريكا وقع في كل البلدان المحتلة في الهند والدول الآسيوية الأخرى وفي أفريقيا. وفي الجزائر شارك في احتلال الجزائر 200 فارس من فرسان مالطا الصليبيين، ونالت حملة الاحتلال بركة البابا، وسُمي الجنود الفرنسيون ب “جنود المسيح”، ثم كان الأساقفة والرهبان الأذرع الدينية للاحتلال الفرنسي للجزائر والتبرير لجرائمه والجوسسة والتنصير والمحو الثقافي، أمثال “الكاردينال شارل لافيجري” ( Charles Martial Lavigerie- 1825-1892)، و”الراهب شارل دوفوكو” ( Charles de Foucault- 1858-1926).

أما عن الفلاسفة فإن تبرير الاستعمار والاضطهاد والاسترقاق بدأ مبكرا في الفكر الغربي مع أرسطو وفق مفهومه لـ”العبيد بالطبيعة” الذين يفتقدون للعقل المدبر ولا يصلحون إلا لخدمة الأسياد، وقد مثلت فلسفته غطاء لسحق السكان الأصليين في أمريكا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

وقد يندهش القارئ حينما يعلم بأن منظري العقد الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك القرون وما بعدها هم أنفسهم الذين نظّروا للاحتلال وبرروا الإبادة، فهذا جون لوك (1632-1704 John Locke) الإنجليزي، أب الليبرالية والمنادي بالحقوق المدنية، دعم مصادرة أراضي السكان الأصليين في أمريكا بحجة أنها أراض فارغة لا مالك لها ـ كما هي الرواية الص&هي..ون”ية المعاصرة ـ ووصف أصحاب الأرض بـ”الوحوش الضارية” التي يجوز القضاء عليها مثل الأسود والنمور إذا قاومت التوسع الاستعماري، كما ساهم في كتابة دساتير الولايات الأمريكية التي منحت السلطة المطلقة للأسياد على العبيد المختطفين أحرارا من إفريقيا، وكان هو ذاته مساهما في الشركات التي تتاجر بالعبيد.

وهذا هيغل (1770-1831 Georg Wilhelm Friedrich Hegel) الألماني، صاحب النظرية الفلسفية الأخلاقية، اعتبر الأفارقة والهنود شعوبا بدائية خارج التاريخ لا تدرك معنى الحرية، وأن استعمارها ضرورة لإدخالها عالم الحضارة. كما سار إيمانويل كانت (1724-1804 Immanuel Kant) ودافيد هيوم (1711-1776 David Hume) على الاتجاه العنصري ذاته، إذ تحدثا عن تفوق العرق الأبيض واعتبرا الشعوب غير الأوروبية أقل قدرة على العقل والتنظيم والمدنية.

ثم جاء هربرت سبنسر (1820-1903 Herbert Spencer) صاحب النظرية التطورية الاجتماعية ليمنح الاستعمار بعدا “علميا” عبر فكرة “البقاء للأصلح” كما بيناه أعلاه، فاعتبر هيمنة الشعوب القوية على الضعيفة نتيجة طبيعية للتطور التاريخي، وبرر الاستيلاء على أراضي “الأعراق الدنيا” وقتل المقاومين منهم عند الضرورة.

أما جون ستيوارت ميل (1806-1873 John Stuart Mill)، المنظّر الشهير للحرية الفردية، فقد رأى أن الحرية لا تصلح إلا للشعوب “المتحضرة”، وأن الشعوب المتخلفة يجوز إخضاعها بالحكم الاستبدادي حتى تتعلم المدنية، وقد عمل بنفسه في شركة الهند الشرقية البريطانية التي أدارت استعمار الهند ونهبها.

وهذا أوغست كونت (1798-1857 Auguste Comte) مؤسس الفلسفة الوضعية اعتبر الحضارة الأوروبية أعلى مراحل تطور الإنسانية، ومنح الاستعمار الأوروبي صورة “الرسالة الحضارية” تجاه الشعوب الأخرى.

أما الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Alexis De Tocqueville – 1835-1859) فقد عبّر عن الوجه البشع لليبرالية وتناقضه المقزز مع دعواته للديمقراطية في أشهر مؤلفاته، تماما كما هو حال الليبرالية الغربية، فهو الذي دعا إلى احتلال الجزائر لأغراض توسعية مكشوفة لدعم مكانة فرنسا أمام الدول، ودافع عن ذلك في البرلمان الفرنسي، ولم يكتف بالاحتلال العسكري فدعا إلى استيطان إحلالي للسيطرة من خلال تغيير الديمغرافية، وتبنى في كتاباته ومنها كتاب ” عمل عن الجزائر” عام 1841 سياسة إجرامية داعيا إلى استعمال القتل والإبادة لفرض الوجود الاستعماري، ونظّر لتفكيك المجتمع الجزائري، والفصل بين مكوناته وضرب وحدته

 

أما إرنست رينان (1823-1892 Ernest Renan) فقد دافع صراحة عن تفوق العرق الأوروبي وعن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وقسم البشرية إلى أعراق عليا وأخرى دنيا.

ثم جاء آرثر دو غوبينو (1816-1882 Arthur de Gobineau) صاحب نظرية “تفاوت الأجناس البشرية” ليضع الأساس الفكري لنظريات التفوق العرقي الآري، قبل أن يعمق هيوستن ستيوارت تشامبرلين (1855-1927 Houston Stewart Chamberlain) هذه الرؤية ويجعل من العرق الجرماني مركز الحضارة الإنسانية.

وحتى تشارلز داروين (1809-1882 Charles Darwin)، رغم أن نظريته كانت بيولوجية في أصلها، فإن “الداروينية الاجتماعية” التي تعضّدت بها “الداروينية الاجتماعية” نقلت فكرة الانتقاء الطبيعي إلى المجتمعات البشرية، فصار الاستعمار وإقصاء الشعوب الضعيفة وحتى إبادتها يُقدَّم كنتيجة طبيعية لصراع البقاء.

ثم جاء فرانسيس غالتون (1822-1911 Francis Galton) مؤسس “تحسين النسل” ليدعو إلى تشجيع تكاثر “الأعراق المتفوقة” والحد من تكاثر “الأعراق الدنيا”، وهي الأفكار التي تحولت لاحقا إلى سياسات عنصرية وإبادية في أوروبا وأمريكا.

وهكذا يتبين أن طبقات واسعة من رواد الفلسفة الغربية الحديثة التي رفعت شعارات الحرية والعقل والإنسانية كانوا في الوقت نفسه يوفرون الغطاء الفكري للاستعمار والعبودية وسحق الشعوب الأصلية باسم الحضارة والتقدم والتاريخ.

ولكل هذا، لا عجب أن يسجل التاريخ جرائم بالحجم الفضيع والمروع كما حدث في الثامن من ماي 1945، فالعقلية الغربية عقلية إجرامية، في كل مكان في الأرض، بأبعادها المسيحية واليهودية والإلحادية والربوبية، مقتنعة بأن ما تقترفه في حق الشعوب، من إبادة في حق الرجال والنساء والأطفال، وتدمير للبيوت والمنشآت المدنية هو عمل طبيعي، بل ضروري. وهؤلاء هم الممكنون في بلدانهم، وخطهم الإجرامي هو الخط الثابت المسيطر الذي لا توقفه أصوات الأحرار وأصحاب الضمائر من شعوبهم الذين لا قرار لهم ولا مكنة. فكيف يُتوقع الوصول إلى حل مع قادة هذا هو تكوينهم وهذه قناعاتهم سوى مقاومتهم وإخضاعهم لإرادة الشعوب؟ وهل يُتوقع أن يكون للأصوات الحرة من فاعلية إن لم تتناغم معهم مقاومة الشعوب المحتلة والمضطهدة؟

عبد الرزاق مقري.

بقلوب يعتصرها الحزن، وبمشاعر يملؤها الوفاء والتقدير، نودّع اليوم رجلًا من طراز خاص، عن عمر يناهز 37 عاما من عمره. ورغم شبابه جمع في شخصيته مزايا متعددة وأنجز من الأعمال ما يتجاوز عمره. جمع المرحوم بين الفكر والدبلوماسية، وبين الرؤية والعمل، فكان من القلائل الذين لا يُختزل حضورهم في موقع أو منصب، بل يمتد أثرهم عبر مؤسسات وعلاقات ومشاريع عديدة. نودّع المرحوم داتو سري قمر النعيم بن محمد فيصل، الذي لم يكن لقبه الشرفي الرفيع (داتو سري) الذي مُنح له من قبل دولة ماليزيا تكريمًا لخدماته الوطنية والدبلوماسية إلا انعكاسًا لمسيرة حافلة بالعطاء والتأثير.

لقد كان الفقيد عضوًا مؤسسًا لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة (منتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حاليا)، وعضوا فاعلا في أمانته العامة ومجلس أمنائه، وعضوا في مجلس أمناء “مؤسسة بردانا” المؤسسة الشريكة لمنتدى كوالالمبور في ماليزيا. ساهم المرحوم بفاعلية كبيرة في مختلف أنشطة المنتدى، وخاصة مؤتمراته الدولية حيث برز دوره بشكل لافت في القمة التي نظمها المنتدى سنة 2019 ،تحت قيادة الدكتور مهاتير محمد، والتي جمعت رؤساء ومسؤولي الدول المشاركة (ماليزيا وتركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا)، إلى جانب قيادات فكرية ومجتمعية من أكثر من ثلاثين دولة، حيث كان رحمه الله من أبرز من أسهموا في إنجاح القمة، كمدير لها، من خلال التنسيق وتشبيك العلاقات وبناء مساحات الحوار والتعاون.

وإلى جانب حضوره الفاعل في المنتدى، الذي يشهد على التزامه بقضايا الفكر والحضارة في الأمة الإسلامية، والتعاون والتكامل بين المسلمين، تميزت مسيرته بنشاط متميز ضمن دائرة أوسع في المجلات الدبلوماسية والاستراتيجية، إذ كان مُيسّرا دبلوماسيا ومستشارا سياسيا استراتيجيا، ارتبط بعلاقات عمل وثيقة مع عدد من كبار القادة، وفي مقدمتهم الدكتور مهاتير محمد، حيث شغل منصب مبعوث خاص له، وأسهم في دعم حضور ماليزيا كقوة جامعة في العالم الإسلامي.

وقد تقلّد الفقيد مناصب رفيعة ومتعددة على المستويين الدولي والوطني، من بينها مستشارا لشركة الاستكشافات النفطية الكويتية (KUFPEC)، ومديرًا عامًا لشركة Alp Global في إسطنبول، إلى جانب عضويته في عدد من المؤسسات الدولية، كما أسهم في العمل الأكاديمي من خلال موقعه في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية (USIM) وزمالته في الجامعة الوطنية الماليزية (UKM).

وقد كان حضوره الدولي لافتا، حيث شارك في لقاءات رفيعة المستوى مع عدد من قادة العالم، وكان ضيفا مكرّما ومساهما في قمم دولية كبرى، وشارك في حوارات استراتيجية مع قيادات دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، كما اضطلع بأدوار مهمة في تعزيز التعاون بين دول الجنوب في العالم، وبناء جسور التفاهم في قضايا السلم والتنمية.

ومن أبرز ما ميّزه أيضًا إتقانه للغات الملايوية والإنجليزية والعربية، وهو ما مكّنه من التحرك بثقة بين فضاءات متعددة، وأن يكون جسرا حيا بين عوالم سياسية وثقافية مختلفة.

ولم يكن حصوله على وسام “بانغليما نغارا بينتانغ ساراواك” (PNBS)، الذي يُعد من أرفع الأوسمة في ماليزيا، إلا تتويجا لمسيرة زاخرة بالعطاء، وتجسيدًا لمكانته الوطنية والدولية.

غير أن الحديث عن داتو سري قمر النعيم لا يكتمل دون الإشارة إلى الجانب الإنساني الذي عرفناه عن قرب بأدبه الجم وعباراته اللطيفة وابتسامته الدائمة. فقد تشرفت باللقاء معه كلما زرت ماليزيا ، وفي العديد من الدول، في إطار مهمتي كأمين عام للمنتدى ، وكان حاضرًا معنا بشكل دائم في لقاءاتنا مع الدكتور مهاتير محمد، كما جمعتنا به جلسات مطوّلة تبادلنا فيها أطراف الحديث حول التجربة الماليزية، وأحوال الأمة، وقضيتها المركزية فلسطين، ولم يكن يتوانى في التدخل لتسهيل مهامنا في ماليزيا وتذليل الصعوبات التي تلاقينا. ورغم تميزه بسلوك التحفظ بصفته رجل دولة، فقد كان قريبًا، عميق الفكرة، ثريّ التجربة، واستفدنا منه كثيرًا في فهم تعقيدات الواقع، وفي إدراك أبعاد العمل الدولي، وفي استحضار المعنى الحقيقي للتعاون من أجل مصلحة الأمة.

إن رحيله ليس فقدًا لشخصية عامة فحسب، بل هو فقد لتجربة، ولرجل جمع بين الرؤية والقدرة، وبين الفكر والممارسة، وترك أثرا سيبقى ممتدًا في مساحات العمل التي خدمها بإخلاص.

رحم الله الفقيد، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ونسأل الله أن يجزيه عن أمته خير الجزاء، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

عبد الرزاق مقري

الأمين العام لمنتدى العالمي الإسلامي للفكر والحضارة

كان السادس عشر من أفريل، في سنواتنا الأولى بعد الاستقلال، يومًا مختلفًا عن سائر الأيام. لم يكن مجرد تاريخ في الروزنامة الدراسية، لقد كان حدثا تربويا متميزا ، يوقظ فينا معنى العلم ومعنى الوطن معًا. كنا صغارا في مقاعد الدراسة، وكانت روح نوفمبر لا تزال، من حولنا،  عميقة في النفوس، حاضرة في وجدان المعلم، وفي خطاب المدرسة، وفي ذاكرة المجتمع كله.

كانوا يحدثوننا عن عبد الحميد بن باديس باعتباره رائد النهضة الجزائرية، وليس مجرد عالم أو مصلح، لقد كانوا يشعروننا بأنه الرجل الذي أعاد تشكيل الوعي الجزائري. وكم  ترسخت في مخيال أجيال الاستقلال صورته الشهيرة تلك، إصبعه المرفوعة عند صدغه، كأنه يشير إلى موطن التفكير والوعي، إلى أن المعركة الحقيقية كانت معركة عقل قبل أن تكون معركة سلاح.

لقد كان يوم العلم يومًا مشهودًا بحق، تتحول فيه المدارس إلى فضاءات نابضة بالحياة: مسابقات ثقافية، عروض مسرحية، أناشيد وطنية، وخطب تستحضر فكر ابن باديس وروح الثورة. لم تكن تلك الأنشطة مجرد احتفالات، بل كانت عملية غرس متواصلة لأفكار الإصلاح في نفوسنا، وربطًا عميقًا بين العلم والتحرر، بين المعرفة والسيادة.

وكان قادة جيل المجاهدين، ممن عايشوا الثورة و شاركوا فيها، يحدثوننا بكثير من التقدير عن تأثير الإصلاح الباديسي في تكوين الجيل الذي فجّر الثورة. كان أبطالٌ نوفمبريون كبار في أحيائنا، منحهم جهادهم ضد الاستعمار مكانة كبيرة في النفوس، يرون في ابن باديس الأرضية الفكرية والأخلاقية التي أنجبت المجاهدين، ولذلك كان احترامهم للرجل كبيرا، يتجاوز حدود التقدير العلمي إلى نوع من الامتنان التاريخي.

إن عمق هذا التقدير يعود إلى زمن الحركة الوطنية قبل الثورة، إذ كان قادتها جميعا يلتقون على احترام ابن باديس، رغم اختلاف الرؤى والمسارات. كانت بينهم مساحات التقاء وطني كبيرة، و اتصالات، ولقاءات، ومشاريع مشتركة، وحماية متبادلة، ضمن تسامح بديع وتقدير متبادل، وكانوا جميعهم يدركون أن ذلك الرجل المعمم اللطيف الوقور، لم يكن يعمل من أجل فئة من الجزائريين دون أخرى، بل كان مشروعه مشروع وطن، مشروع أمة.

لقد تخصصت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مهمة استراتيجية: تشييد المدارس في كل أنحاء الوطن، لمواجهة الجهل الذي كرّسه الاستعمار، وإعادة بناء الشخصية الجزائرية على أسسها الإسلامية وانتسابها للعروبة المحمدية وفق قوله رحمه الله: “شعب الجزائر مسلم .. وإلى العروبة ينتسب”، وترسيخ وحدة الجزائريين الثقافية، وتحديد بوصلة الحياة وفق قوله رضي الله عنه: “أعيش للإسلام والجزائر”. ولم يكن ذلك العمل الحضاري العظيم سهلا في سياق استعماري معاد، لقد كان جهادا حقيقيا، وكانت ساحته الأساسية في ميدان التربية والتعليم، التي لا تنهض الأمم بغيرها.

يحكي لنا الأستاذ بن مالك، رحمه الله، حين كنا طلبة في جامعة سطيف، وهو من علماء نواحي سطيف ببني ورتلان، وكان منتمياً إلى جمعية العلماء وقاضيًا في الثورة، قصة تختصر التحول الذي أحدثه ابن باديس في النفوس. يقول: “كنا قبل أن نعرف ابن باديس نشعر وكأننا ذباب أمام الفرنسيين، فلما جلسنا إليه، أحيى قلوبنا ونوّر عقولنا بالعلم، وبالسيرة النبوية، وتاريخ الفتوحات الإسلامية، وشعر النخوة العربية، فكنا نخرج من عنده نتمايل من  الطرب نكاد نجعل الفرنسيين تحت أقدامنا” هكذا يصنع العلم الإنسان، وهكذا تتحول المعرفة إلى قوة.

ومن هنا كان العلم، عند ابن باديس، طريق النهضة الشامل، للرجال والنساء على حد سواء. وما تزال الصور شاهدة على ذلك، حيث يظهر هو والبشير الإبراهيمي في مدارس الجمعية، وبينهم فتيات من مختلف الأعمار، في رسالة واضحة بأن النهضة لا تقوم بنصف المجتمع.

وبمناسبة الحديث عن يوم العلم، أود أن أتطرق إلى بعض المسائل المعرفية المهمة، في إطار منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كامتداد للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي، كما تجلت في فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وما أكد عليه لاحقًا مالك بن نبي، وتأثرت به شرائح واسعة من الموارد البشرية في الصحوة الإسلامية.

ومن أبرز هذه المسائل ما يتعلق بالثنائية المصطنعة بين “العلم الشرعي” و”العلم الكوني”، وهي ثنائية لم تنشأ في السياق الحضاري الإسلامي، بل تبلورت في سياقات فكرية غربية حديثة، خاصة مع تطور التخصصات العلمية منذ القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من توجهات فصلت بين مجالات المعرفة.

فالحضارة الإسلامية لم تعرف هذا الانفصال الحاد، بل عرفت نموذج العالم الموسوعي الذي يجمع بين علوم متعددة في إطار رؤية معرفية متكاملة. فهذا الإمام الشافعي كان فقيهًا وطبيا وأصوليًا ولغويًا، والرازي كان طبيبًا وفيلسوفًا ومفسرًا، وابن سينا جمع بين الطب والفلسفة، وابن خلدون بين التاريخ والاجتماع والاقتصاد.

وهذا النموذج لم يكن خاصًا بالحضارة الإسلامية، بل عرفته الحضارة الغربية في مراحلها التأسيسية أيضًا، حيث كان ديكارت فيلسوفًا ورياضيًا، وكان باسكال عالم رياضيات وفيزياء وفيلسوفًا، وكان آدم سميث فيلسوفًا أخلاقيًا واقتصاديًا، كما جمع نيوتن بين علم اللاهوت والفيزياء والرياضيات والفلسفة الطبيعية، وكان كوبارنيكوس رجل دين وعالم رياضيات وفلك.

إن القاعدة التي تحفظ التوازن هي قاعدة التعميم والتركيز: أن تتشكل لدى الطالب أرضية معرفية واسعة متعددة العلوم، ثم يتخصص بعد ذلك في مجال أو مجالين أو أكثر، حسب همته وقدراته وظروفه، فيكون صاحب علم وفكر، خلافا للتوجهات المتأخرة للحضارة الغربية التي تركز على التخصص فتجعل العالم متبحرا في اختصاصه، ولكنه ساذج، دون أي قدرات فكرية، لا يعرف شيئا عمّا يحدث خارج مخبره، ولا يشعر بأي اهتمام لما يحدث في وطنه وفي العالم، فيكون بذلك، مجرد أداة فائقة الإبداع في الاختصاص لصالح  الآلة الرأسمالية التي تتحكم فيها أقلية متحكمة في ناصية حياته وحياة البشرية.  

غير أن الواقع المؤلم في كثير من بلداننا الإسلامية أن الطلبة لا ينجحون لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم الكونية، لا في الثقافة العامة ولا في الاختصاص، وأن بعضهم لا يتفوق إلا حين يخرج خارج هذا الفضاء التعليمي المختل. وهذا يطرح سؤالًا عميقًا حول طبيعة المنظومة التعليمية وأولوياتها.

وقد أشرت في حلقة البارحة من برنامج “مسافة صفر” إلى مسألة أخرى تمثل إشكالا بالغ الخطورة، يتعلق بوضعية العلوم الاجتماعية في بلداننا، كعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والآداب، والتاريخ. فهذه العلوم، التي تحمل في بنيتها حمولة ثقافية غربية عميقة، تُترك غالبًا للطلبة الأقل تفوقًا في شهادة البكالوريا، مما ينقص فرص بروز المفكرين الكبار القادرين على إعادة بنائها في ضوء مرجعيتنا الحضارية.

ذلك أن تفكيك هذه العلوم من حمولتها الثقافية الغربية وإعادة تركيبها ليس أمرا يسيرا، بخلاف العلوم الكونية (الطبيعية والرياضية والتقنية) التي يمكن التحكم فيها وتحييد أبعادها الثقافية. فتخصص النجباء في العلوم الكونية أمر محبذ ولكن، من جهة أخرى، نحرم بلداننا من نخب فكرية قادرة على بناء مشروع حضاري متماسك لو تخصصوا كذلك في العلوم الاجتماعية.

إن هذا النهج، المبني على التركيز المتوازي للعلوم الاجتماعية من داخل المنظومة الثقافية المحلية، وللعلوم الكونية، وتوجيه النجباء إليها جميعا، معمول به في الدول الناهضة، خارج العالم الإسلامي، بل ومن داخله في بعض البلدان الإسلامية، مثل ماليزيا وأندنوسيا وتركيا وإيران وباكستان، فهذه الدول تسير بخطى ثابتة، بدرجات متفاوتة، في التحكم في العلوم الكونية والتكنولوجية، مع المحافظة على قدر معتبر من السيادة الثقافية والحضارية في مجال التعليم عبر الاهتمام الكبير بالعلوم الاجتماعية. وهو ما يؤكد أن الإشكال ليس في طبيعة العلوم، بل في كيفية التعامل معها وموقعها ضمن المشروع المجتمعي.

إن يوم العلم ليس مجرد استذكار لابن باديس رحمه الله، بل هو دعوة متجددة لإعادة طرح سؤال النهضة: كيف نبني إنسانًا حرًا بعلمه، معتزًا بهويته، قادرًا على فهم العالم والتأثير فيه؟
ذلك هو الدرس الذي تركه لنا ابن باديس، وذلك هو التحدي الذي لا يزال قائمًا.

 

د. عبد الرزاق مقري

لأول مرة يجلس لبنانيون رسميون مع ممثلي الكيان وجها لوجه على طاولة واحدة، بوساطة أمريكية. لقد وجدت السلطة اللبنانية نفسها في مأزق حقيقي لم يكن له من سبب سوى نقض الكيان اتفاقية وقف إطلاق النار الأخير بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله الذي دخل حيز التنفيذ يوم 27 نوفمبر 2025. 

تعلم الحكومة اللبنانية أن الحزب التزم بالاتفاق في حين أن الكيان خرقه أكثر من 1350 مرة. 

كان من حق حزب الله أن يستأنف المواجهة عند أول خرق للاتفاق، وقد أظهرت الحرب القائمة أنه قادر على ذلك وإنما صار محاصرا بالقرار الوطني اللبناني.

لقد فهم حزب الله، كما فهمنا جميعا، بأن تدمير العدوان الصهيو-أمريكي لإيران، هو القضاء عليه فورا بعد ذلك، فانخرط في الحرب. ونحن جميعا نعلم  أن انتصار الأمريكيين والإسرائيليين على إيران تأتي بعده استباحة سوريا ثم الأردن، ثم العراق، ثم كسر مصر وتركيا، ثم باكستان، ثم إخضاع العالم العربي والإسلامي كله، عبر عملاء يحكموننا لصالح المصالح الأمريكية وإسرائيل الكبرى. 

كان طلب الأمريكان والصهاينة أثناء اتفاقية وقف إطلاق النار أن يقوم الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله، غير أن الأمريكيين والإسرائليين يعلمون بأن المهمة المستحيلة وإنما المقصود أن تقوم حرب أهلية في لبنان تجعل هذا البلد يسقط في يد الصهاينة بلا عناء. 

حين دخل حزب الله الحرب مع إيران فقدت الحكومة اللبنانية صلاحية قرار الحرب، وحينما أرادت إيران إدخال لبنان في شروط وقف القتال شعرت بأنها تفقد قرار السلم. وبدل أن يبني المسؤولون اللبنانيون موقفهم على أساس أن أرضهم محتلة من قبل العدو الصهيوني راحوا يبحثون عن شرعيتهم المنقوصة بالجلوس مع الكيان في مفاوضات لن يأخذوا منها أي مكسب لصالح لبنان، فلن يعطيهم الإسرائليون شيئا، وسيكونون في المفاوضات، على ضعفهم، في مواجهة خصمين، وبدون أي ورقة لصالحهم، خصم فض وقح مستكبر هم الإسرائليون، وخصم ماكر مخادع يعمل على تحقيق المطالب الإسرائيلية بالكلام المعسول المسموم. 

فما هي المطالب الإسرائيلية-الأمريكية؟ 

كل الذي يُراد تحقيقه في اللقاءات هو ما يلي:

– تحقيق اختراق تطبيعي بلا تكاليف.

–  توريط السلطة اللبنانية بتكليف جديد من الأمريكان والإسرائليين بنزع سلاح حزب الله دون قرار ولا التزام بانسحاب الإسرائليين من الأراضي اللبنانية المحتلة، والتعهد بتسليح أمريكي إسرائيلي للجيش اللبناني، لا لإنهاء حزب الله فقط بل لإنهاء لبنان كله عبر حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس. 

– محاولة التفريق بين حركة أمل وحزب الله، وتحويل كل القوى اللبنانية ضده.

– محاولة جر دول عربية أخرى للمواجهة وتحويل أرض لبنان لساحة معارك بالوكالة بين دول المنطقة لمصلحة إسرائيل. 

هذا تدبيرهم، وهذا مكرهم، ولكن لا شيء من ذلك سيتحقق، إنما هم يتخبطون.

الجميع متفرقون في لبنان، ولا أحد يرغب في الدخول في حرب أهلية، والشيعة في عمق الجيش اللبناني، وقادة الجيش لا يرغبون في انقسام المؤسسة العسكرية، وأغلبية شعوب المنطقة باتوا يدركون بأننا نعيش تسارع الأفول الأمريكي، وتسارع نهاية الكيان، وأن لا أمن يتحقق بغير الاعتماد على الذات وبالكلمة الواحدة ضد الاحتلال والاستكبار .

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية