سنحاول في هذه السلسة الجديدة من المقالات حول توقف المواجهة العسكرية بين الحلف الصهيوني الأمريكي وإيران، تتبع نتائجها على المختلف المستويات، ثم نتحول إلى سلسلة مقالات عن إيران نفسها وما هو المطلوب منها لكي تحافظ على نتائج خروجها الموفق من الحرب، وكيف تستفيد من أخطاء الماضي، ولكي تكون النتائج التي حصلت عليها لصالح الأمة العربية والإسلامية كلها، ولصالح فلسطين.
سمعت البارحة عدة تحليلات عن وثيقة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فكانت توجهات أغلب المحللين في العالم أنها لصالح إيران، ولم يتنكر لهذا النجاح الإيراني سوى مواقف وتصريحات أقلية لا يُنظر إليها، كانت تصدر عن نخب عربية مستلبة حضاريا هواها مع أمريكا وإسرائيل، أو نخب ذات توجهات طائفية أو قومجية، أو تيارات تابعة لأنظمة استبدادية تخاف من يقظة الشعوب، أو نخب خائبة استمرأت الخنوع للأقوى في حياتها الشخصية، فهي لا تستطيع أن تؤمن بأن النصر في المقاومة بإذن الله تعالى .
كنت قد استشرفت هذه النتيجة منذ بداية المواجهة، وضعتها في سلسلة مقالات منشورة في موقعي ومختلف صفحاتي الالكترونية، مؤكدا عدم إمكان الولايات الأمريكية المتحدة حسم الحرب مهما كانت قوتها النارية، وشدة هجماتها الجوية، واتساع حالة التدمير في إيران. وذلك لأسباب عديدة أهمها أن أمريكا لا تستطيع أن تحسم الحرب بدون تدخل بري، وإن غزت الأرض الإيرانية بعساكرها لقيت حتما حتفها كذلك، ليس كما وقع لها في الصومال، والعراق، وأفغانستان، بل أسوء من ذلك. والسبب الثاني هو الصمود العقائدي الإيراني، الحكومي والشعبي، المدعم بوحدة الصف، والمسنود بخبرة طويلة في المقاومة وتحمل أعباء الحصار المضروب على البلد منذ مدد. والسبب الثالث هو القدرة على إيذاء العدو ومصالحه بالصواريخ والمسيرات، وحسن الاستعداد لذلك بصناعة عسكرية محلية، بما جعل الحرب معركة “عض الأصابع” صبر فيها أهل الأرض على الغزاة الأجانب. ثم جاءت الجغرافيا وأهمية الموارد الطاقوية في التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية الدولية وما يتعلق بالحضور الخفي للصين وروسيا في الحرب، وقد كتبت في ذلك ثلاث مقالات.
لقد كان هذا البعد الجغرافي حاسما، حيث تحول فيه مضيق هرمز إلى سلاح فتّاك، بشكل غير متوقع لترمب وحلفائه والعالم بأسره. والمفارقة أن التحكم في مضيق هرمز، سُيّر على نحو لم يجعل الصين هي المتضرر الأكبر منه كما كان يُعتقد في البدء، ولكن الخسارة الكبرى لحقت أمريكا والعالم بأسره، إذ تحولت الحرب إلى حرب اقتصادية عالمية تحمّل مسؤولية الخسائر فيها ترمب وحده، في داخل بلده بارتفاع معدلات التضخم، وفي كل الساحات المالية والاقتصادية في العالم.
كل هذه الأبعاد المهمة غفل عنها دونالد ترمب وفريقه، فوجد نفسه في فخ تاريخي عظيم، دفع ثمنا غاليا في الاتفاقيات المبرمة للخروج منه، حتى لا يستمر انهياره الشخصي الداخلي، والانهيار الأمريكي الدولي. ولا يُتوقع أن تعود الولايات الأمريكية للحرب، أو التدخل في الشأن الإيراني، لأن المعطيات التي جعلت إيران تصمد والأدوات التي جعلتها تؤلم الأمريكيين وحلفائهم لا تزال متوفرة، ولن يغير هذه المعادلة سوى تطورات إيرانية داخلية عميقة ضد النظام السياسي، يبدو أن نتائج الحرب لا تشتغل لصالحها.
لقد جر ترمب إلى الفخ الذي وقع فيه تقديرات ومعلومات استخبارية صهيونية خاطئة، جعلته يعتقد بأن قطع رأس النظام في اليوم الأول، سيحرك شبكة العملاء لتأخذ المبادرة، و يدفع الشعب ليثور على حكامه، فتسقط إيران كلها كالثمرة اليانعة بين يديه، على شاكلة ما أنجزه في فينزويلا، فيصطاد عصافير كثيرة في آن واحد: إسقاط النظام، أخذ البترول الإيراني غنيمة سهلة، تخليص الحليف الصهيوني من خطر وجودي، إنهاء التهديد الإيراني ضد الحلفاء العرب إلى الأبد، التحكم الكامل في المنطقة وحكامها وشعوبها، الإنجاز الكامل للاتفاقيات الإبراهيمية، ضرب الصين ضربة موجعة أخرى بعد إسقاط مادورو في فنزويلا، ضربة كان سيكون لها آثار مزلزلة على الاقتصاد الصيني بالتحكم الكامل في مورد طاقوي حيوي وأساسي كان يمد الصين من إيران ودول الخليج عبر مضيق هرمز ( وشرحنا هذا كله بالأرقام في سلسلة مقالات سابقة).
فالنتيجة الأساسية للحرب هو تبخر كل هذه الأحلام مرة واحدة، إذ وقع للولايات الأمريكية المتحدة وحليفها الإسرائيلي، ما سمي باستراتيجية “الردع بالحرمان” التي أعلن عنها “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — والتي تقضي ب”حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها”، وقد أشرت إلى هذه الاستراتيجية في مقال سابق. وما يؤكد مرارة هذا الحرمان أن ترمب نفسه وضّحه للعالم بأسره بتصريحاته، التي أعلن فيها بأن الصين ستأخذ البترول الإيراني مسقبلا عبر أمريكا، وأنه لن يقبل نصرا دون “نصر شامل وكامل”، واستغرابه المعبر عليه بوضوح من صمود النظام الإيراني، ودعوته المتكررة للشعب الإيراني للخروج للشارع ضد النظام.
وبالإضافة إلى هذه الخسارة بالحرمان، راكمت الولايات الأمريكية وحلفاءها خسائر أخرى كبيرة سيكون لها أثر كبير في رسم المشهد الجيوسياسي في المنظقة والجيوستراتيجي المستقبلي في العالم، ومن ذلك:
أولا ـ الولايات الأمريكية المتحدة:
– خسارة هيبتها وريادتها للعالم، وتعمق صورة الدولة الكبرى التي تسير نحو الأفول عند الجميع، وهي حالة تحدثت عنها كثير من الدراسات الدولية، والغربية، والأمريكية منذ عقدين على الأقل، وأشرنا إلى ذلك في العديد من المداخلات والمقالات. والغريب في الأمر أن ترمب أقام حملته الانتخابية على الإقرار بتراجع قوة بلده، ولهذا جعل شعار حملته “جعل أمريكا عظيمة مجددا”، وكان يحمّل الديمقراطيين هذا التراجع، فإذا به يكون هو من سرّع هذا التراجع، وجعله الآن بارزا واضحا.
– انهيار صورة الجيش الأمريكي كقوة قادرة على الفعل في أي مكان في العالم، وقد ظهرت هذه الصورة بشكل جلي في عهد الديمقراطيين تحت رئاسة بايدن بخروجه المذل أحادي الجانب من أفغانستان، تحت ضربات طالبان، و ها هو الآن يتعمّق أكثر في عهد الجمهوريين تحت رئاسة ترمب، من خلال هذا الفشل المروع في إخضاع الإيرانيين والاضطرار إلى تعويضهم خسائرهم في الحرب، ورفع الحصار عليهم، وإنهاء تجميد أرصدتهم .. حتى يقبلوا توقيف المواجهات.
– انهيار موثوقيتها الحمائية عند حلفائها، وشعور هؤلاء بضرورة تغيير استراتيجياتهم الدفاعية، وقد بدأ الأوربيون التفكير في هذا شأن، في اجتماع وزراء الدفاع لديهم، أسبوعا واحدا بعد خروج أمريكا من أفغانستان (تُراجع سلسلة المقالات بهذا الشأن في موقعي الالكتروني)، وبدأ يتعمق هذا التوجه جماعيا بينهم، أو من خلال ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري قطريا، واليوم نتنياهو نفسه يصرح علانية بأن حكومته ستعمل على التحرر من التبعية العسكرية لأمريكا، وبقي العرب يخفون توجهاتهم الجديدة، التي رشحت من خلال محاولات تشكيل حلف جديد (مصري، سعودي، تركي، باكستاني).
– تراجع ركائز التفوق العسكري الأمريكي، من قوة متنقلة جبّارة غالية الكلفة تعتمد على حاملات الطائرات في كل المحيطات، والطائرات الفتّاكة، والصواريخ المدمرة بعيدة المدى، إلى قوة سهلة التدمير بصواريخ ومسيرات ضعيفة الكلفة، يزيدها المعطى الجغرافي، والمعطى التكنولوجي قدرة كبيرة على إلحاق العدو خسائر لا يمكن تحملها، بشريا واقتصاديا، وعلى مستوى السمعة والهيبة.
– انهيار دور الثكنات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإخراجها من الخدمة، وتحولها إلى عبء على الدول التي تستضيفها، وأهداف سهلة في أي معركة جديدة تخوضها أمريكا.
– تحمل عبء الخسائر الاقتصادية بسبب كلفة الحرب، ومن ذلك الأضرار التي أصابت الشعب الأمريكي مباشرة بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع كفاءة الأسواق، وتعويض الخسائر التي طالت القواعد والمعدات العسكرية، والتكفل بكلف الخسائر البشرية، والتراجع الحاد لكميات السلاح في المخزونات الاستراتيجية، وسيطلب التعافي من كل هذا مدة طويلة، كما أشارت إلى ذلك العديد من الدراسات (سنعود إلى توثيق كل ذلك لاحقا).
– الشرخ الكبير في العلاقة مع الحليف الصهيوني، كوكيل لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحول هذا الحليف إلى عبء كبير، عسكريا واقتصاديا، وعلى مستوى الانسجام الأمريكي الداخلي، واستقرار العلاقات مع الحلفاء الأوربيين والعرب خارجيا.
– تعمق الشرخ الداخلي، على مستوى المؤسسات، بين الديمقراطيين والجمهوريين، وبين الديمقراطيين منذ العدوان على غزة، والآن بين الجمهوريين ذاتهم، وتعاظم الصراع بين القوى التقليدية التي لا تزال تريد مواصلة السياسة الأمريكية لدعم الكيان الصهويني، والقوى الصاعدة التي ترفض ذلك، وسيؤدي ضعف النخبة القيادية الحزبية في كل المعسكرات المتصارعة إلى تعمق الشرخ والعجز على ترميمه، ويضاف إلى ذلك الشرخ الكبير المتنامي في المجتمع، بسبب الصراعات العرقية والاثنية، وتعمق الفروق الاجتماعية، واليقظة المتصاعدة لدى الشباب، المعبرة عن ذاتها بتأثير كبير في وسائل الاتصال الحديثة، في مواجهة القوى التقليدية المسيطرة ماليا، وفي المؤسسات الإعلامية الثقيلة.
– إطلاق يد القوى الدولية الصاعدة في المنقطة، ولا سيما الغريم الصيني الذي ستزداد موثوقيته كشريك مأمون ومفيد، على الصعيد الاقتصادي، وفي وقف الفوضى في العلاقات الدولية، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب، ستكون فيه أمريكا مجرد قوة عظمى، منعزلة في جغرافيتها الأمريكية، لا تستطيع فرض إرادتها في الساحة الدولية.
د. عبد الرزاق مقري
أبّد النبي صلى الله عليه وسلم معنى الهجرة في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا))، لقد أبقى عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث معنى الهجرة حاضرا في حياة الأمة، وفتح لها بابا أبديا في ضمير المؤمنين، ونقلها من صورة تاريخية مخصوصة إلى معنى دائم متجدد. فقد انتهت الهجرة الواجبة من مكة إلى المدينة بعد أن فتح الله للمسلمين مكة المكرمة وأصبحت دار إسلام، لكن الهجرة في معناها الأوسع بقيت، وباتت خالدة: هجرة المعصية إلى الطاعة، وهجرة الذل إلى الكرامة، وهجرة السكون إلى الجهاد، وهجرة النية الفاترة إلى العزم الصادق، وهجرة الخضوع إلى الاحتلال إلى مجاهدته ودحره، وهجرة القبول بالأمر الواقع إلى الاستجابة السريعة لمعارك الواجب والعزة والإباء، وهجرة الاستسلام إلى الطغيان إلى مقاومة الظلم والفساد في كل آن. ولذلك كان هذا الحديث، بحق، تأسيسا لمعنى سام نسميه:”الهجرة الأبدية”.
إنها هجرة لا تنتهي بحادثة تاريخية هي هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل تبقى تلك الهجرة القدوة ذكرى خالدة لمعنى الرسالة وما تلزم من تضحيات، تؤسس لأنواع كثيرة من الهجرة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا يحدها الزمن، ولا تحكمها الأوضاع الصعبة والتحديات الجسام، نية نحو البر والتقوى وبلوغ المعالي حتى لقاء المصطفى على حوضه الشريف، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وجهاد بلا هوادة لنصرة الحق، وتحفز مستمر للقيام بالواجب كلما نادى المنادي، إنها حركة الإنسان المؤمن الدائمة من النقص إلى الكمال، ومن القعود إلى الفاعلية، ومن الأسر بكل معانيه الكريهة، إلى الحرية الفسيحة بكل أنواعها النبيلة.
إن العنوان الكبير الذي نذكره في الأول من شهر محرم في كل سنة هجرية هي بلا شك هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تحمل كل معاني الهجرة السامية، إذ كانت حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام والإنسانية وعبّرت عن ميلاد أمة شاهدة وحضارة عظيمة، صنعتها تضحيات جسام على طريق انتقال الفكرة من الاستضعاف في المجتمع بمكة إلى مكنة الدولة في المدينة، لهذه المعاني خرج عليه الصلاة والسلام من بلده، وما كان له أن يخرج منه إلا حين حورب في دعوته، وأوذي في أصحابه، وحوصرت رسالته، وتآمر عليه الملأ ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه، فلم يغادرها كرها لها، بل قال وهو يلتفت إليها: ((والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)).
غير أن الحديث الشريف أسس لأنواع كثيرة من الهجرة، بعد الهجرة، فصّل العلماء في أنواعها وأحكامها، فثمة الهجرة المعنوية، وهي أعظم الهجرات في حياة المؤمن وأبقاها، وبها يستحق صفة المهاجر وفق قوله عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). فكل مسلم، يريد أن يبقى في هجرة أبدية، مطالب بأن يهاجر من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الظلم إلى العدل، ومن سفساف الأمور إلى معاليها. وهذه الهجرة لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى حدود مفتوحة، لكنها تحتاج إلى قلب يقظ وإرادة صادقة. وربما هاجر الإنسان آلاف الأميال وبقي أسير شهوته، وربما بقي في موطنه لكنه هاجر بقلبه من كل ما يسخط الله إلى كل ما يرضيه. ولهذا كانت الهجرة المعنوية أبدية، لأنها معركة الإنسان مع نفسه، ومع عاداته الرديئة، ومع بيئته الفاسدة، ومع كل ما يجذبه إلى الهبوط.
ثم هناك الهجرة البدنية التي صنفها العلماء بين هجرة الهرب، للخوف من حدوث مكروه، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر منه، وهجرة الطلب رجاء الحصول على منفعة، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر إليه. وأحكام الهجرة البدنية تنقسم عند العلماء بين هجرة واجبة حين لا يستطيع المسلم أن يقيم دينه أو يحفظ نفسه وعرضه وكرامته إلا بالخروج من أرض يتعاظم فيها الظلم والفتنة إلى أرض يُحفظ فيها دينه ويُصان أمنه وكرامته وعرضه. وهناك هجرة مستحبة حين يكون الانتقال معينا على الطاعة والعلم والعمل الصالح ونفع الأمة. وهناك هجرة مباحة حين ينتقل الإنسان لطلب الرزق أو العلم أو العلاج أو السلامة. وقد تكون الهجرة ممنوعة أو مذمومة إذا كانت فرارا من واجب متعين، أو تركا لميدان يحتاج إلى الثبات، أو انتقالاً إلى موضع يضيع فيه دين المهاجر وخلقه وولاءه لأمته ووطنه، أو يضيع أهله وتفسد ذريته.
إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت هجرة سياسية، فكانت هجرة هرب من بطش كبّار قريش، وكانت في ذات الوقت هجرة طلب، للحصول على بيئة مرحبة لبناء المشروع، ولذلك تبقى الهجرة السياسية هرباً من الاستبداد، وطلبا لمواصلة العمل، من أقرب أنواع الهجرة إلى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فقد عرف عالمنا الإسلامي الحديث صورا قاسية من القمع، ومصادرة الحريات، وسجن الأحرار، ومطاردة أصحاب الرأي، وتضييق المجال العام، حتى اضطر كثير من الدعاة والمصلحين والمفكرين والسياسيين إلى مغادرة أوطانهم طلبا للأمان وحفظاً للكرامة. وهذه الهجرة السياسية قد تكون في بعض الأحوال ضرورة شرعية وإنسانية، حين يصبح البقاء تعريضا للنفس للقتل أو السجن أو التعذيب أو الإلغاء الكامل.
غير أن المفارقة المؤلمة في هذا العصر أن العالم الذي يتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان واللجوء والحريات لم يعد دائما مأمنا حقيقيا للمطاردين، فقد تضيق الدول باللاجئ السياسي، أو تساومه، أو تسلمه إلى جلاديه، أو تبتزه قوى خارجية لتوظيف قضيته في صراعاتها. لقد أصبحت الهجرة السياسية اليوم أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الأزمنة السابقة. فالحدود مراقبة، والاتفاقات الأمنية تتجاوز القيم المعلنة، والقوى الصهيونية الغربية تطارد كل حر أبي، وعملاءهم أشد شراسة منهم، واللاجئ قد يتحول إلى ورقة ضغط، والمعارض قد يجد نفسه مطالبا بالصمت أو بالتوظيف أو بالمساومة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الثبات داخل الوطن، حين يكون ممكناً، قيمة عظيمة وشرفا كبيرا، ومهما اضطر المصلح للخروج من بلده عليه أن يبحث لنفسه عن موقع قدم فيه، وأن ينتبه بأن مصلحة الاستبداد في إخراجه منه، وقد يدفعونه إلى ذلك دفعا.
ومهما يكن من أمر ، ليس كل خروج بطولة، وليس كل بقاء ضعفا، قد تكون الهجرة واجبة حين يستحيل العمل ويتهدد الإنسان في أصل حياته، وقد يكون البقاء أوجب حين يحتاج الوطن إلى من يصبر، ويصلح، ويربي، ويشهد بالحق، ويدافع عن الناس، ويحافظ على جذوة الأمل في الداخل. إن الثبات في الوطن، مع تحمل كلفة الكلمة والموقف، هو في أحيان كثيرة هجرة من الخوف إلى الشجاعة، ومن السلامة الفردية إلى المسؤولية العامة.
تلكم هي معاني حديث ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا)). لقد بقي الجهاد بعد الهجرة النبوية قائما إلى يوم الدين، وحيا الله “م” أن أحيت معانيه فينا، بقي جهاد النفس، وجهاد الاحتلال، والجهاد من أجل المقدسات، وجهاد الظلم، وجهاد البناء، وجهاد العلم، وجهاد الكلمة، وجهاد الإصلاح، وبقيت النية التي تحول الأعمال العادية إلى عبادة، والثبات إلى هجرة، والصبر إلى مقاومة، والعمل الوطني إلى قربى لله تعالى، والكفاح من أجل الأمة إلى سمو إيماني ورفعة في التاريخ، ونجدة أهلنا في غزة وفلسطين تديّن ومروءة ورجولة، وبقيت النفس المتحفزة، تستجيب للذكرى بلا كسل، وتنهض لنداء الواجب بلا وجل، وتتجاوب مع النفير في الصفوف الأول.
تلكم هي الهجرة الأبدية.
حين نتحدث عن المداخلة لا نقصد تيارا دينيا بعينه، يسمي نفسه التيار السلفي. أنا شخصيا أعرف هذا التيار ولم أر من المنتسبين إليه إلا الخير، سكنت في بيت بجوار مسجد من مساجدهم، فكانوا نعم الجيرة، في تدينهم وأخلاقهم، وخدمتهم القرآن الكريم، ولهم فضل على أولادي إذ حفظ بعضهم كتاب الله في كُتّابهم.
أما “المداخلة”، المعروفين في ساحة الجدل السياسي العقيم، فلا علاقة لهم بالدين ولا الأخلاق ولا العلم، ولا يظهر لهم ولاء لله ورسوله والمؤمنين، كما أنهم ظاهرة افتراضية لا وجود لها على الأرض، لا نلتقي بهم أبدا في المساجد ولا في أي مكان آخر، إنما هم شبكات مصنوعة في وسائل التواصل الاجتماعي، اغلبهم بحسابات مجهولة وأسماء مستعارة.
لا ينتمون لأي وطن، ومن كان منهم موجودا فعليا فإنما هو من عملاء الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية والإماراتية وبعض المؤسسات الأمنية للأنظمة الاستبدادية، يبيعون آدميتهم وكرامتهم من أجل مصالح دنيوية، لا يحترمهم من يُشَغّلهم لعلمهم بهوانهم، ومجون بعضهم، ودناءة نفوسهم وشرههم وطمعهم في ما في أيدي أسيادهم، إذ حين يلتقون بأسيادهم لأخذ التعليمات لا يطلبون إلا الامتيازات الدنوية من سكنات وفرص تجارية وخدمات مالية ووساطات مصلحية.
يعود تشكل هذا التيار إلى فترة الحرب الخليجية، حين استغلت الأجهزة الأمنية الخليجية بعض رموزهم، وحين نجح تجنيدهم تحولوا من ظاهرة دينية إلى حالة أمنية، فاقترح وزير الداخلية السعودي نايف بن عبد العزيز رحمه الله على المؤسسات الأمنية في البلاد العربية الاستفادة من التجربة لمواجهة التيارات الإسلامية الوسطية والقوى السياسية المعتدلة ذات الحضور الاجتماعي الكبير، فتورطت بعض الدول في احتضان هذا التيار الخطير على الأوطان، وانتبهت دول أخرى لخطورتهم، وكان آخر البلدان التي اقتنعت بحقيقة أمرهم المملكة العربية السعودية ذاتها في زمن محمد بن سلمان، ولكن بعد “خراب البصرة”، والسعودية التي هي البلد الذي شكّلهم ونشرهم في مختلف دول العالم الإسلامي، تضاءل وجودهم فيه، وصاروا يسيرون ملتصقين بالحيطان أمام موجات التغيرات الحاصلة به، لا يجرؤون على إنكار المناكر العظيمة، يواصلون سلوكيات التزلف بالدفاع على النظام الذي أذلهم ذاته.
إن مهمة هذا التيار هو تدمير العالم الإسلامي وتمزيقه ونشر العداوة بين شعوبه وخدمة الصهيونية والتمهيد للتطبيع في البلدان، ومحاربة رجال لإصلاح والحركات الإصلاحية خدمة للاستبداد والفساد.
ومن أهم مواقفهم التي تظهر فسادهم وخطورتهم على الإسلام والمسلمين:
– توجهاتهم التكفيرية وتبديع طبقات واسعة من علماء الأمة وعموم المسلمين، حول مواضيع من التاريخ الغابر أو القضايا العلمية التي لا تهم إلا عددا قليلا جدا من الناس مثل الدراسات التخصصية المتعلقة بأصول الدين، والتي لم تصبح من الثقافة العامة للمسلمين، ولا تمثل أولوية في محاربة التخلف والفقر ونهضة الأمم والأوطان، ومن ذلك تكفير وتبديع الأشاعرة والماتوردية، الذين منهم كبار علماء الأمة في التفسير والحديث والفقه واللغة والسلوك ومختلف العلوم، وإخراجهم جملة واحدة من دائرة أهل السنة والجماعة خلافا لرأي جمهور العلماء. مع ما تحمل هذه الأفكار التكفيرية والتبديعي من مخاطر على الأمة وأوطانها، إذ أثبتت التجربة بأنها قد تتحول في لحظة من اللحظات إلى عنف وإرهاب.
– إدخال الخلاف في قضايا فقهية محسومة منذ قرون من الزمن مثل تغيير الانتماء المذهبي المالكي في المغرب العربي، والتفريق بين المسلمين في أداء الصلاة والشعائر، وقد بدأت هذه الفتنة في الثمانيات بالدعوة إلى اللامذهبية، فوجد العديد من الناس أنفسهم يتحولون من المذهب المالكي إلى المذهب الظاهري لابن حزم الأندلسي رحمه الله، ثم بسبب صِلاتهم بالمملكة العربية السعودية، حوّلوا المصلين إلى المذهب الحنبلي لأحمد بن حنبل رحمه الله، دون أي حاجة لذلك، وكأنهم حملوا على كاهلهم تغيير انتماء سكان البلد من مذهب منحرف هو المذهب المالكي، وحاشاه أن يكون كذلك فهو مذهب سيد علماء مدينة رسول الله صلى عليه وسلم. وفي كل يوم من أيام عيد الفطر يدخلون الناس في فتنة حول كيفية تقديم زكاة الفطر، وفي كل مناسبة للمولد النبوي يشغلون الناس بفتنة عمياء تنسي ما يجب أن يكون من تأمل في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في الذكرى،وفي الحالتين (زكاة الفطر ومناسبة المولد) يخالفون قرارات الدولة وتوجهاتها، وهم أكبر من يزايد على الناس في شأن طاعة ولي الأمر في أمور أخرى تخدم الفساد الذي يحمونه.
– التناقض والنفاق والكيل بمكاييل مختلفة، في مسألة طاعة ولي الأمر، فلا يزايدون في ذلك إلا لصالح الأنظمة المستبدة التي تستخدمهم، ولكنهم في نفس الوقت يشعلون الفتن ويخرجون على الحكام المنتخبين بالإرادة الشعبية كما كان موقفهم ضد الرئيس مرسي في مصر، وضد حكومة النهضة في تونس، وذهبوا بعيدا في التآمر مع دولة الإمارات ضد الحكومة في تركيا، وفي ليبيا، وأما في السودان فتورطوا في جرائم مروعة، وهم اليوم يتآمرون ضد إيران لصالح القوى الصهيونية والأمريكية.
– ليس من سبب في التآمر على تركيا وإيران، والآن باكستان، سوى ضرب دول مهمة وقوية وذات سيادة في الأمة خدمة لمخططات معادية للإسلام والمسلمين، فما يوحد من سلبيات في تركيا، تتعلق بالعلمانية ومظاهر الفساد والتطبيع وعلاقات مع الولايات الأمريكية المتحدة، يوجد مثله وأضعافه في دول أخرى يتهجمون على من يعارضها، وما وقع من جرائم من الإيرانيين في سوريا وقع أكثر وأخطر منه في السودان على يد أهم دولة ترعاهم حاليا وهي دولة الإمارات.
– أداء دور التخذيل في الأمة لصالح أعدائها وضرب معنويات المسلمين والدعوة إلى ترك شعيرة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني في مصادمة مفضوحة للنصوص الشرعية، والتهجم المستمر على الـ “م”، والتشكيك في نتائج الـ “ط” ، والأفول الواضح للولايات الأمريكية المتحدة، خلافا لتصريحات ودراسات شخصيات ومراكز دراسات كثيرة جدا وذات مصداقية عالية في امريكا واوربا والعالم بأسره، ومنتجاتها منتشرة ومعلومة لدى الجميع.
– الوقوف ضد كل من يلتزم بالإصلاح السلمي والسياسي لوجه الله تعالى وخدمة للأوطان، وكرههم لا لشيء إلا بسبب التزامهم الديني، ومستوياتهم العلمية والفكرية العالية، واتهامهم باتهامات باطلة، من دون أي دليل أو قرينة، إلا بغرض الإرجاف، على نهج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني إ مع الأنبياء.
– ولاؤهم الأساسي لأنظمة خليجية وليس لأوطانهم ولا لأمّتهم، خلافا للحركات الإسلامية الوسطية التي توالي أوطانها وأمتها وتشتغل في شفافية ضمن المنظومات القانونية والدستورية وتعمل ضمن عمل سياسي وثقافي واجتماعي مشروع وشرعي قانونا وعرفا.
– تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية، وليّ النصوص والكذب على شرع الله، وعلى الحقائق التاريخية، وتجيير الأحداث الغابرة بما يخدم الشقاق والتركيز على الصفحات السوداء في تاريخ المسلمين.
– التفنن في السلوكيات المنافية للدين والأخلاق، كالكذب على الناس، والبهتان والنميمة، والشتم، والسب، والوشاية، وتتبع السقطات.
كل هذه السلوكيات والتوجهات لا يمكنها أن تجتمع في مسلم سوي يؤمن بالله واليوم الآخر، فما هذا التيار سوى معول هدم للأمة وطابور خامس يشتعل بلا هوادة ضد المسلمين ضمن مخططات شيطانية، دولية ومحلية، كثير من تمظهراته غير حقيقية، وما كان منه حقيقيا فهو جزء من عصب غير متدينة أو منحرفة أو عميلة أو جاهلة.
وهم في كل الأحوال ظواهر غير ذات تأثير ، ولا مصداقية، ورغم الأموال الضخمة التي تنفق، والمجهودات الكبيرة التي تبذل، لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم، فلا حملاتهم الدعائية تنجح، ولا مكائدهم تتوج، ولا يتجاوز عملهم الأذى العابر الذي يصيب الصالحين، على نحو ما أصاب النبي من أذى المنافقين، وعلى شاكلة ما وصل الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين من إساءات المرجفين.
وكم مر على الأمة من هجمات من أمثال هؤلاء ثم اندثروا وما بقي إلا الذكر الطيب للصالحين، والإنجازات العظيمة لصالح الإسلام والمسلمين.
وصدق الله تعالى إذ يقول:
((لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (آل 111))
((لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب 60))
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال36))
((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (الحج 38)
حين ينظر الكثيرون إلى مجازر الاحتلال الفرنسي منذ وطأت أرجله المدنَّسة أرض الجزائر الطاهرة يعتقدون بأنها أفعال قادة سياسيين وعسكريين مجرمين يبحثون عن المجد والمنافع المادية فحسب. كل متمعن في الخلفيات الدينية والفلسفية لحركة الاحتلال يدرك بأن أولئك المجرمين يقتلون بلا وخز للضمير، متسلحين بقناعات دينية وفلسفية تشكلت عبر قرون طويلة في تاريخ الحضارة الغربية، المسيحيةـاليهوديةـ العلمانية، ويهدف هذا المقال إلى تبيان ذلك، مرحلة بعد مرحلة.
تندرج مجازر الثامن ماي في قالمة وسطيف وخرّاطة، ضمن هذه الخلفيات الدينية والفلسفية، وهي جزء من مسيرة الإجرام الفرنسي في الجزائر منذ بداية الاحتلال حين تعامل الاستعمار مع المقاومة الشعبية في إطار سياسة الأرض المحروقة ضد المدنيين العزل، وسياسات الإبادة والقتل الجماعي للسكان بالسلاح، وبالغاز في المغارات حين يحتمي بها الناس، كما حدث في غار الفراشيح لقبيلة أولاد رياح بنواحي مستغانم عام 1845، إلى حرق القرى والمداشر بأهلها وحيواناتها بالنابالم أثناء الثورة النوفمبرية، التي أراد بها ديغول إخضاع الجزائريين المدنيين، واستعماله “الغازات السامة” و”الغازات الخانقة” ضد المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، في صورة مطابقة لما قامت به النازية ضد اليهود، وما يقوم به اليهود ضد الفلسطينيين اليوم.
وستبقى “الجرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” التي قام بها الاحتلال الفرنسي في 8 ماي 1945 من أبشع جرائم الحضارة الغربية ضد الإنسانية، وهي جرائم فاق فيها عدد الشهداء في ثلاثة أيام عدد شهداء غزة في سنة. ولو كانت التغطية الإعلامية متاحة كما هو الحال اليوم لضجّت الأرض بتلك الفضائع في كل نواحيها في العالم.
ولم يكن سبب الإجرام عمليات جهادية غير محسوبة، كما يقول المتخاذلون والمنافقون بخصوص طوفان أ اليوم، أو ما قاله أمثال هؤلاء بخصوص هجمات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، وما تبعها من بطش فرنسي في حق المدنيين آنذاك.
في الثامن ماي خرج الجزائريون في مسيرات سلمية للمطالبة بالاستقلال الذي وعدهم بها قادة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.
تمعنتُ كثيرا في تشابه جرائم الإبادة التي قام بها الأوربيون ( خصوصا الإسبان والفرنسيون والإنجليز) ضد السكان الأصليين في الأمريكيتين، وما قام به الاحتلال البلجيكي في الكونغو ، وكل القوى الاستعمارية في البلاد التي احتلتها، في إفريقيا وآسيا، والجريمة الكبرى بالقنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي باليابان التي اقترفها الأمريكيون، وما يقوم به الصهيانة اليوم على مرأى ومسمع العالم من جرائم حرب وإبادة جماعية. وعند الدراسة علمت بأن ثمة قاعدة فكرية وفلسفية واحدة شكلت هذه العقلية الإجرامية.
كنت بصدد تتبع التطور الفلسفي في العلاقة بين رجال العلم والفلسفة، والمسيحية، منذ القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر، فوجدت أن أغلبية الفلاسفة، سواء كانوا مسيحيين يدافعون عن المعتقدات الدينية أو ملاحدة أو ربوبيين ( يؤمنون بمسبب للكون دون الإيمان بالأديان) يشجعون حركة الاستعمار، وكثير منهم يبررون الإبادة إما دينيا أو فلسفيا.
ومما شدني إلى فكرة ربط أحداث ماي بالأبعاد الفلسفية والدينية للحضارة الغربية، نص صادم قرأته عن الفيلسوف “هربرت سبنسر” (Herbert Spencer- 1820-1903) أثناء إعداد كتاب أنا بصدد تأليفه عن “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”. يقول سبنسر في هذا النص، وهو يجيب عن موقفه من الاستعمار وقتل الشعوب المحتلة: “إذا قيل إننا، على طريقة العبرانيين الذين كانوا يعتقدون أن من حقهم الاستيلاء على الأراضي التي وعدهم الله بها، بل وإبادة سكانها أحيانًا، نقوم نحن أيضًا ـ استجابةً لما نراه إرادةً ظاهرة للعناية الإلهية ـ بتجريد الأجناس الدنيا من أراضيها كلما احتجنا إلى تلك الأراضي، فيمكن الرد بأننا، على الأقل، لا نقتل إلا من يكون من الضروري قتله، ونُبقي على حياة الذين يخضعون”.
والمفارقة في هذا النص أن سبنسر يعبر عن شخصية ازدواجية، تشبه نفاق القادة الصهاينة والغربيين اليوم الذين يعلنون عن دفاعهم عن الحرية والديمقراطية ولكن يشجعون الاستبداد ويحتلون الشعوب ويقترفون المجازر في حقهم.
ف”هربرت سبنسر” ليبرالي متطرف يظهر اعتراضه للتوسع الامبريالي لأغراض سياسية تتعلق بمواقفه ضد الدولة المسيطرة، ولكنه عنصري يؤمن بأن “البقاء للأقوى” وهو المؤسس الأول لفكرة الارتقاء والتطور في الجانب الاجتماعي قبل اشتهار الفكرة في الجانب البيولوجي مع داروين، فهو على هذا الأساس يعتبر بأن أخذ الشعوب المتطورة لأراضي الشعوب المتخلفة أمر طبيعي وإن قاوموا الاحتلال وجب قتلهم حتى يخضعوا.
ويذكرنا سبنسر في هذه المقولة بأن الجرائم العبرانية في حق غيرهم مبررة في ديانتهم بالأمر الإلهي لأخذ بلدان غيرهم.
وحينما نتابع موقف الدينيين وغير الدينيين نجدهم جميعا على ذات النهج:
ففي الديانة “اليه&ود”ي..ة” المتحالفة اليوم مع المسيحية الإنجيليّة تُعدّ الإبادة وقتل الأطفال والنساء وتدمير المدن ذات خلفية تلمودية صار يُعلن عنها صراحة، وتُقرأ نصوصها على الجنود وفي وسائل الإعلام، وقد كُتب في ذلك الكثير فلا داعي للوقوف عنده.
وأما في المسيحية، فإن الفتوى بقتل الشعوب المحتَلة بدأت مبكرا مع القديس أغسطينوس (Saint Augustin – 354-440)، وهو من أبرز اللاهوتيين الذين ثبَّتوا عقيدة التثليث عبر كتابه المشهور “عن الثالوث” (De Trinitate)، فكان نوميديا مواليا لعقيدة المحتلين الرومانيين الأجانب وسندا لهم بالفتوى الدينية لاضطهاد وقتل أبناء بلده “الدوناتيين” الذين بقوا على التوحيد، باستخدام نصوص من إنجيل لوقا: ” أكرهوهم على الدخول (Compelle Intrare- 23/14)”.
وكان دوره حاسما ضد ثورة الشباب “الدوّارين” أتباع المسيحية الوطنية تحت قيادة القس “دوناتوس”، الذين كانوا يهجمون على المزارع الرومانية ويعطون ما يأخذونه للفقراء من أبناء بلدهم. ولو لا فتاوى أوغسطينوس ( الذي يحتفي به بعض الجزائريين دون معرفتهم للتاريخ أو إرضاء للقوة المتغلبة) وما تبعها من قتل جماعي واضطهاد شديد لانزاح الاحتلال الروماني قبل أن ينهي وجودهم الوندال لاحقا في معركة قُتل فيها “أوغسطينوس” دفاعا عن روما.
وأثناء مرحلة الاستكشاف للقارة الأمريكية لعبت الكنائس المسيحية ( الكاثوليكية والبروتستانتية) دورا محوريا في إبادة واضطهاد السكان الأصليين. ففي القرن الخامس عشر، أصدر البابوات “مراسيم بابوية” ( Inter Caetera عام 1493) تمنح الملوك الأوروبيين (الإسبان والبرتغاليين) الحق في غزو الأراضي غير المسيحية واستعمارها، وإخضاع سكانها، معتبرة أن هذه الأراضي هي “ممتلكات لا صاحب لها” (Terra nullius) لأنها لا تتبع للمسيحية، مما أضفى شرعية دينية على الاستيلاء على الأراضي وإبادة السكان.
كما استخدم المستعمرون البيض، النصوص الدينية البروتستانتية، خاصة للطائفة البيوريتانية (التطهريون) في أمريكا الشمالية، لتبرير “حرب الإبادة” ضد السكان الأصليين، معتبرين أنفسهم “شعب الله المختار” وأن السكان الأصليين هم عقبة أمام تحقيق الوعد الإلهي.
كما تسببت “المدارس الداخلية” والتبشير القسري مأساة لا تخطر على البال لأجيال من السكان الأصليين، خاصة في كندا والولايات المتحدة. وتحت الضغوط المتصاعدة من ممثلي السكان الأصليين ومنظمات ذاكرة الحرية اعترف البابا السابق “فرانسيس” عام 2022 بجرائم الكنيسة في تلك المراحل وأصدرت البابوية عام 2023 وثيقة رسمية اعتذارية بهذا الشأن.
وما حدث من تبرير لجرائم الاحتلال من قبل المسيحية في امريكا وقع في كل البلدان المحتلة في الهند والدول الآسيوية الأخرى وفي أفريقيا. وفي الجزائر شارك في احتلال الجزائر 200 فارس من فرسان مالطا الصليبيين، ونالت حملة الاحتلال بركة البابا، وسُمي الجنود الفرنسيون ب “جنود المسيح”، ثم كان الأساقفة والرهبان الأذرع الدينية للاحتلال الفرنسي للجزائر والتبرير لجرائمه والجوسسة والتنصير والمحو الثقافي، أمثال “الكاردينال شارل لافيجري” ( Charles Martial Lavigerie- 1825-1892)، و”الراهب شارل دوفوكو” ( Charles de Foucault- 1858-1926).
أما عن الفلاسفة فإن تبرير الاستعمار والاضطهاد والاسترقاق بدأ مبكرا في الفكر الغربي مع أرسطو وفق مفهومه لـ”العبيد بالطبيعة” الذين يفتقدون للعقل المدبر ولا يصلحون إلا لخدمة الأسياد، وقد مثلت فلسفته غطاء لسحق السكان الأصليين في أمريكا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وقد يندهش القارئ حينما يعلم بأن منظري العقد الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك القرون وما بعدها هم أنفسهم الذين نظّروا للاحتلال وبرروا الإبادة، فهذا جون لوك (1632-1704 John Locke) الإنجليزي، أب الليبرالية والمنادي بالحقوق المدنية، دعم مصادرة أراضي السكان الأصليين في أمريكا بحجة أنها أراض فارغة لا مالك لها ـ كما هي الرواية الص&هي..ون”ية المعاصرة ـ ووصف أصحاب الأرض بـ”الوحوش الضارية” التي يجوز القضاء عليها مثل الأسود والنمور إذا قاومت التوسع الاستعماري، كما ساهم في كتابة دساتير الولايات الأمريكية التي منحت السلطة المطلقة للأسياد على العبيد المختطفين أحرارا من إفريقيا، وكان هو ذاته مساهما في الشركات التي تتاجر بالعبيد.
وهذا هيغل (1770-1831 Georg Wilhelm Friedrich Hegel) الألماني، صاحب النظرية الفلسفية الأخلاقية، اعتبر الأفارقة والهنود شعوبا بدائية خارج التاريخ لا تدرك معنى الحرية، وأن استعمارها ضرورة لإدخالها عالم الحضارة. كما سار إيمانويل كانت (1724-1804 Immanuel Kant) ودافيد هيوم (1711-1776 David Hume) على الاتجاه العنصري ذاته، إذ تحدثا عن تفوق العرق الأبيض واعتبرا الشعوب غير الأوروبية أقل قدرة على العقل والتنظيم والمدنية.
ثم جاء هربرت سبنسر (1820-1903 Herbert Spencer) صاحب النظرية التطورية الاجتماعية ليمنح الاستعمار بعدا “علميا” عبر فكرة “البقاء للأصلح” كما بيناه أعلاه، فاعتبر هيمنة الشعوب القوية على الضعيفة نتيجة طبيعية للتطور التاريخي، وبرر الاستيلاء على أراضي “الأعراق الدنيا” وقتل المقاومين منهم عند الضرورة.
أما جون ستيوارت ميل (1806-1873 John Stuart Mill)، المنظّر الشهير للحرية الفردية، فقد رأى أن الحرية لا تصلح إلا للشعوب “المتحضرة”، وأن الشعوب المتخلفة يجوز إخضاعها بالحكم الاستبدادي حتى تتعلم المدنية، وقد عمل بنفسه في شركة الهند الشرقية البريطانية التي أدارت استعمار الهند ونهبها.
وهذا أوغست كونت (1798-1857 Auguste Comte) مؤسس الفلسفة الوضعية اعتبر الحضارة الأوروبية أعلى مراحل تطور الإنسانية، ومنح الاستعمار الأوروبي صورة “الرسالة الحضارية” تجاه الشعوب الأخرى.
أما الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Alexis De Tocqueville – 1835-1859) فقد عبّر عن الوجه البشع لليبرالية وتناقضه المقزز مع دعواته للديمقراطية في أشهر مؤلفاته، تماما كما هو حال الليبرالية الغربية، فهو الذي دعا إلى احتلال الجزائر لأغراض توسعية مكشوفة لدعم مكانة فرنسا أمام الدول، ودافع عن ذلك في البرلمان الفرنسي، ولم يكتف بالاحتلال العسكري فدعا إلى استيطان إحلالي للسيطرة من خلال تغيير الديمغرافية، وتبنى في كتاباته ومنها كتاب ” عمل عن الجزائر” عام 1841 سياسة إجرامية داعيا إلى استعمال القتل والإبادة لفرض الوجود الاستعماري، ونظّر لتفكيك المجتمع الجزائري، والفصل بين مكوناته وضرب وحدته
أما إرنست رينان (1823-1892 Ernest Renan) فقد دافع صراحة عن تفوق العرق الأوروبي وعن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وقسم البشرية إلى أعراق عليا وأخرى دنيا.
ثم جاء آرثر دو غوبينو (1816-1882 Arthur de Gobineau) صاحب نظرية “تفاوت الأجناس البشرية” ليضع الأساس الفكري لنظريات التفوق العرقي الآري، قبل أن يعمق هيوستن ستيوارت تشامبرلين (1855-1927 Houston Stewart Chamberlain) هذه الرؤية ويجعل من العرق الجرماني مركز الحضارة الإنسانية.
وحتى تشارلز داروين (1809-1882 Charles Darwin)، رغم أن نظريته كانت بيولوجية في أصلها، فإن “الداروينية الاجتماعية” التي تعضّدت بها “الداروينية الاجتماعية” نقلت فكرة الانتقاء الطبيعي إلى المجتمعات البشرية، فصار الاستعمار وإقصاء الشعوب الضعيفة وحتى إبادتها يُقدَّم كنتيجة طبيعية لصراع البقاء.
ثم جاء فرانسيس غالتون (1822-1911 Francis Galton) مؤسس “تحسين النسل” ليدعو إلى تشجيع تكاثر “الأعراق المتفوقة” والحد من تكاثر “الأعراق الدنيا”، وهي الأفكار التي تحولت لاحقا إلى سياسات عنصرية وإبادية في أوروبا وأمريكا.
وهكذا يتبين أن طبقات واسعة من رواد الفلسفة الغربية الحديثة التي رفعت شعارات الحرية والعقل والإنسانية كانوا في الوقت نفسه يوفرون الغطاء الفكري للاستعمار والعبودية وسحق الشعوب الأصلية باسم الحضارة والتقدم والتاريخ.
ولكل هذا، لا عجب أن يسجل التاريخ جرائم بالحجم الفضيع والمروع كما حدث في الثامن من ماي 1945، فالعقلية الغربية عقلية إجرامية، في كل مكان في الأرض، بأبعادها المسيحية واليهودية والإلحادية والربوبية، مقتنعة بأن ما تقترفه في حق الشعوب، من إبادة في حق الرجال والنساء والأطفال، وتدمير للبيوت والمنشآت المدنية هو عمل طبيعي، بل ضروري. وهؤلاء هم الممكنون في بلدانهم، وخطهم الإجرامي هو الخط الثابت المسيطر الذي لا توقفه أصوات الأحرار وأصحاب الضمائر من شعوبهم الذين لا قرار لهم ولا مكنة. فكيف يُتوقع الوصول إلى حل مع قادة هذا هو تكوينهم وهذه قناعاتهم سوى مقاومتهم وإخضاعهم لإرادة الشعوب؟ وهل يُتوقع أن يكون للأصوات الحرة من فاعلية إن لم تتناغم معهم مقاومة الشعوب المحتلة والمضطهدة؟
عبد الرزاق مقري.
بقلوب يعتصرها الحزن، وبمشاعر يملؤها الوفاء والتقدير، نودّع اليوم رجلًا من طراز خاص، عن عمر يناهز 37 عاما من عمره. ورغم شبابه جمع في شخصيته مزايا متعددة وأنجز من الأعمال ما يتجاوز عمره. جمع المرحوم بين الفكر والدبلوماسية، وبين الرؤية والعمل، فكان من القلائل الذين لا يُختزل حضورهم في موقع أو منصب، بل يمتد أثرهم عبر مؤسسات وعلاقات ومشاريع عديدة. نودّع المرحوم داتو سري قمر النعيم بن محمد فيصل، الذي لم يكن لقبه الشرفي الرفيع (داتو سري) الذي مُنح له من قبل دولة ماليزيا تكريمًا لخدماته الوطنية والدبلوماسية إلا انعكاسًا لمسيرة حافلة بالعطاء والتأثير.
لقد كان الفقيد عضوًا مؤسسًا لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة (منتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حاليا)، وعضوا فاعلا في أمانته العامة ومجلس أمنائه، وعضوا في مجلس أمناء “مؤسسة بردانا” المؤسسة الشريكة لمنتدى كوالالمبور في ماليزيا. ساهم المرحوم بفاعلية كبيرة في مختلف أنشطة المنتدى، وخاصة مؤتمراته الدولية حيث برز دوره بشكل لافت في القمة التي نظمها المنتدى سنة 2019 ،تحت قيادة الدكتور مهاتير محمد، والتي جمعت رؤساء ومسؤولي الدول المشاركة (ماليزيا وتركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا)، إلى جانب قيادات فكرية ومجتمعية من أكثر من ثلاثين دولة، حيث كان رحمه الله من أبرز من أسهموا في إنجاح القمة، كمدير لها، من خلال التنسيق وتشبيك العلاقات وبناء مساحات الحوار والتعاون.
وإلى جانب حضوره الفاعل في المنتدى، الذي يشهد على التزامه بقضايا الفكر والحضارة في الأمة الإسلامية، والتعاون والتكامل بين المسلمين، تميزت مسيرته بنشاط متميز ضمن دائرة أوسع في المجلات الدبلوماسية والاستراتيجية، إذ كان مُيسّرا دبلوماسيا ومستشارا سياسيا استراتيجيا، ارتبط بعلاقات عمل وثيقة مع عدد من كبار القادة، وفي مقدمتهم الدكتور مهاتير محمد، حيث شغل منصب مبعوث خاص له، وأسهم في دعم حضور ماليزيا كقوة جامعة في العالم الإسلامي.
وقد تقلّد الفقيد مناصب رفيعة ومتعددة على المستويين الدولي والوطني، من بينها مستشارا لشركة الاستكشافات النفطية الكويتية (KUFPEC)، ومديرًا عامًا لشركة Alp Global في إسطنبول، إلى جانب عضويته في عدد من المؤسسات الدولية، كما أسهم في العمل الأكاديمي من خلال موقعه في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية (USIM) وزمالته في الجامعة الوطنية الماليزية (UKM).
وقد كان حضوره الدولي لافتا، حيث شارك في لقاءات رفيعة المستوى مع عدد من قادة العالم، وكان ضيفا مكرّما ومساهما في قمم دولية كبرى، وشارك في حوارات استراتيجية مع قيادات دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، كما اضطلع بأدوار مهمة في تعزيز التعاون بين دول الجنوب في العالم، وبناء جسور التفاهم في قضايا السلم والتنمية.
ومن أبرز ما ميّزه أيضًا إتقانه للغات الملايوية والإنجليزية والعربية، وهو ما مكّنه من التحرك بثقة بين فضاءات متعددة، وأن يكون جسرا حيا بين عوالم سياسية وثقافية مختلفة.
ولم يكن حصوله على وسام “بانغليما نغارا بينتانغ ساراواك” (PNBS)، الذي يُعد من أرفع الأوسمة في ماليزيا، إلا تتويجا لمسيرة زاخرة بالعطاء، وتجسيدًا لمكانته الوطنية والدولية.
غير أن الحديث عن داتو سري قمر النعيم لا يكتمل دون الإشارة إلى الجانب الإنساني الذي عرفناه عن قرب بأدبه الجم وعباراته اللطيفة وابتسامته الدائمة. فقد تشرفت باللقاء معه كلما زرت ماليزيا ، وفي العديد من الدول، في إطار مهمتي كأمين عام للمنتدى ، وكان حاضرًا معنا بشكل دائم في لقاءاتنا مع الدكتور مهاتير محمد، كما جمعتنا به جلسات مطوّلة تبادلنا فيها أطراف الحديث حول التجربة الماليزية، وأحوال الأمة، وقضيتها المركزية فلسطين، ولم يكن يتوانى في التدخل لتسهيل مهامنا في ماليزيا وتذليل الصعوبات التي تلاقينا. ورغم تميزه بسلوك التحفظ بصفته رجل دولة، فقد كان قريبًا، عميق الفكرة، ثريّ التجربة، واستفدنا منه كثيرًا في فهم تعقيدات الواقع، وفي إدراك أبعاد العمل الدولي، وفي استحضار المعنى الحقيقي للتعاون من أجل مصلحة الأمة.
إن رحيله ليس فقدًا لشخصية عامة فحسب، بل هو فقد لتجربة، ولرجل جمع بين الرؤية والقدرة، وبين الفكر والممارسة، وترك أثرا سيبقى ممتدًا في مساحات العمل التي خدمها بإخلاص.
رحم الله الفقيد، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ونسأل الله أن يجزيه عن أمته خير الجزاء، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
عبد الرزاق مقري
الأمين العام لمنتدى العالمي الإسلامي للفكر والحضارة
كان السادس عشر من أفريل، في سنواتنا الأولى بعد الاستقلال، يومًا مختلفًا عن سائر الأيام. لم يكن مجرد تاريخ في الروزنامة الدراسية، لقد كان حدثا تربويا متميزا ، يوقظ فينا معنى العلم ومعنى الوطن معًا. كنا صغارا في مقاعد الدراسة، وكانت روح نوفمبر لا تزال، من حولنا، عميقة في النفوس، حاضرة في وجدان المعلم، وفي خطاب المدرسة، وفي ذاكرة المجتمع كله.
كانوا يحدثوننا عن عبد الحميد بن باديس باعتباره رائد النهضة الجزائرية، وليس مجرد عالم أو مصلح، لقد كانوا يشعروننا بأنه الرجل الذي أعاد تشكيل الوعي الجزائري. وكم ترسخت في مخيال أجيال الاستقلال صورته الشهيرة تلك، إصبعه المرفوعة عند صدغه، كأنه يشير إلى موطن التفكير والوعي، إلى أن المعركة الحقيقية كانت معركة عقل قبل أن تكون معركة سلاح.
لقد كان يوم العلم يومًا مشهودًا بحق، تتحول فيه المدارس إلى فضاءات نابضة بالحياة: مسابقات ثقافية، عروض مسرحية، أناشيد وطنية، وخطب تستحضر فكر ابن باديس وروح الثورة. لم تكن تلك الأنشطة مجرد احتفالات، بل كانت عملية غرس متواصلة لأفكار الإصلاح في نفوسنا، وربطًا عميقًا بين العلم والتحرر، بين المعرفة والسيادة.
وكان قادة جيل المجاهدين، ممن عايشوا الثورة و شاركوا فيها، يحدثوننا بكثير من التقدير عن تأثير الإصلاح الباديسي في تكوين الجيل الذي فجّر الثورة. كان أبطالٌ نوفمبريون كبار في أحيائنا، منحهم جهادهم ضد الاستعمار مكانة كبيرة في النفوس، يرون في ابن باديس الأرضية الفكرية والأخلاقية التي أنجبت المجاهدين، ولذلك كان احترامهم للرجل كبيرا، يتجاوز حدود التقدير العلمي إلى نوع من الامتنان التاريخي.
إن عمق هذا التقدير يعود إلى زمن الحركة الوطنية قبل الثورة، إذ كان قادتها جميعا يلتقون على احترام ابن باديس، رغم اختلاف الرؤى والمسارات. كانت بينهم مساحات التقاء وطني كبيرة، و اتصالات، ولقاءات، ومشاريع مشتركة، وحماية متبادلة، ضمن تسامح بديع وتقدير متبادل، وكانوا جميعهم يدركون أن ذلك الرجل المعمم اللطيف الوقور، لم يكن يعمل من أجل فئة من الجزائريين دون أخرى، بل كان مشروعه مشروع وطن، مشروع أمة.
لقد تخصصت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مهمة استراتيجية: تشييد المدارس في كل أنحاء الوطن، لمواجهة الجهل الذي كرّسه الاستعمار، وإعادة بناء الشخصية الجزائرية على أسسها الإسلامية وانتسابها للعروبة المحمدية وفق قوله رحمه الله: “شعب الجزائر مسلم .. وإلى العروبة ينتسب”، وترسيخ وحدة الجزائريين الثقافية، وتحديد بوصلة الحياة وفق قوله رضي الله عنه: “أعيش للإسلام والجزائر”. ولم يكن ذلك العمل الحضاري العظيم سهلا في سياق استعماري معاد، لقد كان جهادا حقيقيا، وكانت ساحته الأساسية في ميدان التربية والتعليم، التي لا تنهض الأمم بغيرها.
يحكي لنا الأستاذ بن مالك، رحمه الله، حين كنا طلبة في جامعة سطيف، وهو من علماء نواحي سطيف ببني ورتلان، وكان منتمياً إلى جمعية العلماء وقاضيًا في الثورة، قصة تختصر التحول الذي أحدثه ابن باديس في النفوس. يقول: “كنا قبل أن نعرف ابن باديس نشعر وكأننا ذباب أمام الفرنسيين، فلما جلسنا إليه، أحيى قلوبنا ونوّر عقولنا بالعلم، وبالسيرة النبوية، وتاريخ الفتوحات الإسلامية، وشعر النخوة العربية، فكنا نخرج من عنده نتمايل من الطرب نكاد نجعل الفرنسيين تحت أقدامنا” هكذا يصنع العلم الإنسان، وهكذا تتحول المعرفة إلى قوة.
ومن هنا كان العلم، عند ابن باديس، طريق النهضة الشامل، للرجال والنساء على حد سواء. وما تزال الصور شاهدة على ذلك، حيث يظهر هو والبشير الإبراهيمي في مدارس الجمعية، وبينهم فتيات من مختلف الأعمار، في رسالة واضحة بأن النهضة لا تقوم بنصف المجتمع.
وبمناسبة الحديث عن يوم العلم، أود أن أتطرق إلى بعض المسائل المعرفية المهمة، في إطار منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كامتداد للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي، كما تجلت في فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وما أكد عليه لاحقًا مالك بن نبي، وتأثرت به شرائح واسعة من الموارد البشرية في الصحوة الإسلامية.
ومن أبرز هذه المسائل ما يتعلق بالثنائية المصطنعة بين “العلم الشرعي” و”العلم الكوني”، وهي ثنائية لم تنشأ في السياق الحضاري الإسلامي، بل تبلورت في سياقات فكرية غربية حديثة، خاصة مع تطور التخصصات العلمية منذ القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من توجهات فصلت بين مجالات المعرفة.
فالحضارة الإسلامية لم تعرف هذا الانفصال الحاد، بل عرفت نموذج العالم الموسوعي الذي يجمع بين علوم متعددة في إطار رؤية معرفية متكاملة. فهذا الإمام الشافعي كان فقيهًا وطبيا وأصوليًا ولغويًا، والرازي كان طبيبًا وفيلسوفًا ومفسرًا، وابن سينا جمع بين الطب والفلسفة، وابن خلدون بين التاريخ والاجتماع والاقتصاد.
وهذا النموذج لم يكن خاصًا بالحضارة الإسلامية، بل عرفته الحضارة الغربية في مراحلها التأسيسية أيضًا، حيث كان ديكارت فيلسوفًا ورياضيًا، وكان باسكال عالم رياضيات وفيزياء وفيلسوفًا، وكان آدم سميث فيلسوفًا أخلاقيًا واقتصاديًا، كما جمع نيوتن بين علم اللاهوت والفيزياء والرياضيات والفلسفة الطبيعية، وكان كوبارنيكوس رجل دين وعالم رياضيات وفلك.
إن القاعدة التي تحفظ التوازن هي قاعدة التعميم والتركيز: أن تتشكل لدى الطالب أرضية معرفية واسعة متعددة العلوم، ثم يتخصص بعد ذلك في مجال أو مجالين أو أكثر، حسب همته وقدراته وظروفه، فيكون صاحب علم وفكر، خلافا للتوجهات المتأخرة للحضارة الغربية التي تركز على التخصص فتجعل العالم متبحرا في اختصاصه، ولكنه ساذج، دون أي قدرات فكرية، لا يعرف شيئا عمّا يحدث خارج مخبره، ولا يشعر بأي اهتمام لما يحدث في وطنه وفي العالم، فيكون بذلك، مجرد أداة فائقة الإبداع في الاختصاص لصالح الآلة الرأسمالية التي تتحكم فيها أقلية متحكمة في ناصية حياته وحياة البشرية.
غير أن الواقع المؤلم في كثير من بلداننا الإسلامية أن الطلبة لا ينجحون لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم الكونية، لا في الثقافة العامة ولا في الاختصاص، وأن بعضهم لا يتفوق إلا حين يخرج خارج هذا الفضاء التعليمي المختل. وهذا يطرح سؤالًا عميقًا حول طبيعة المنظومة التعليمية وأولوياتها.
وقد أشرت في حلقة البارحة من برنامج “مسافة صفر” إلى مسألة أخرى تمثل إشكالا بالغ الخطورة، يتعلق بوضعية العلوم الاجتماعية في بلداننا، كعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والآداب، والتاريخ. فهذه العلوم، التي تحمل في بنيتها حمولة ثقافية غربية عميقة، تُترك غالبًا للطلبة الأقل تفوقًا في شهادة البكالوريا، مما ينقص فرص بروز المفكرين الكبار القادرين على إعادة بنائها في ضوء مرجعيتنا الحضارية.
ذلك أن تفكيك هذه العلوم من حمولتها الثقافية الغربية وإعادة تركيبها ليس أمرا يسيرا، بخلاف العلوم الكونية (الطبيعية والرياضية والتقنية) التي يمكن التحكم فيها وتحييد أبعادها الثقافية. فتخصص النجباء في العلوم الكونية أمر محبذ ولكن، من جهة أخرى، نحرم بلداننا من نخب فكرية قادرة على بناء مشروع حضاري متماسك لو تخصصوا كذلك في العلوم الاجتماعية.
إن هذا النهج، المبني على التركيز المتوازي للعلوم الاجتماعية من داخل المنظومة الثقافية المحلية، وللعلوم الكونية، وتوجيه النجباء إليها جميعا، معمول به في الدول الناهضة، خارج العالم الإسلامي، بل ومن داخله في بعض البلدان الإسلامية، مثل ماليزيا وأندنوسيا وتركيا وإيران وباكستان، فهذه الدول تسير بخطى ثابتة، بدرجات متفاوتة، في التحكم في العلوم الكونية والتكنولوجية، مع المحافظة على قدر معتبر من السيادة الثقافية والحضارية في مجال التعليم عبر الاهتمام الكبير بالعلوم الاجتماعية. وهو ما يؤكد أن الإشكال ليس في طبيعة العلوم، بل في كيفية التعامل معها وموقعها ضمن المشروع المجتمعي.
إن يوم العلم ليس مجرد استذكار لابن باديس رحمه الله، بل هو دعوة متجددة لإعادة طرح سؤال النهضة: كيف نبني إنسانًا حرًا بعلمه، معتزًا بهويته، قادرًا على فهم العالم والتأثير فيه؟
ذلك هو الدرس الذي تركه لنا ابن باديس، وذلك هو التحدي الذي لا يزال قائمًا.
د. عبد الرزاق مقري
لأول مرة يجلس لبنانيون رسميون مع ممثلي الكيان وجها لوجه على طاولة واحدة، بوساطة أمريكية. لقد وجدت السلطة اللبنانية نفسها في مأزق حقيقي لم يكن له من سبب سوى نقض الكيان اتفاقية وقف إطلاق النار الأخير بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله الذي دخل حيز التنفيذ يوم 27 نوفمبر 2025.
تعلم الحكومة اللبنانية أن الحزب التزم بالاتفاق في حين أن الكيان خرقه أكثر من 1350 مرة.
كان من حق حزب الله أن يستأنف المواجهة عند أول خرق للاتفاق، وقد أظهرت الحرب القائمة أنه قادر على ذلك وإنما صار محاصرا بالقرار الوطني اللبناني.
لقد فهم حزب الله، كما فهمنا جميعا، بأن تدمير العدوان الصهيو-أمريكي لإيران، هو القضاء عليه فورا بعد ذلك، فانخرط في الحرب. ونحن جميعا نعلم أن انتصار الأمريكيين والإسرائيليين على إيران تأتي بعده استباحة سوريا ثم الأردن، ثم العراق، ثم كسر مصر وتركيا، ثم باكستان، ثم إخضاع العالم العربي والإسلامي كله، عبر عملاء يحكموننا لصالح المصالح الأمريكية وإسرائيل الكبرى.
كان طلب الأمريكان والصهاينة أثناء اتفاقية وقف إطلاق النار أن يقوم الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله، غير أن الأمريكيين والإسرائليين يعلمون بأن المهمة المستحيلة وإنما المقصود أن تقوم حرب أهلية في لبنان تجعل هذا البلد يسقط في يد الصهاينة بلا عناء.
حين دخل حزب الله الحرب مع إيران فقدت الحكومة اللبنانية صلاحية قرار الحرب، وحينما أرادت إيران إدخال لبنان في شروط وقف القتال شعرت بأنها تفقد قرار السلم. وبدل أن يبني المسؤولون اللبنانيون موقفهم على أساس أن أرضهم محتلة من قبل العدو الصهيوني راحوا يبحثون عن شرعيتهم المنقوصة بالجلوس مع الكيان في مفاوضات لن يأخذوا منها أي مكسب لصالح لبنان، فلن يعطيهم الإسرائليون شيئا، وسيكونون في المفاوضات، على ضعفهم، في مواجهة خصمين، وبدون أي ورقة لصالحهم، خصم فض وقح مستكبر هم الإسرائليون، وخصم ماكر مخادع يعمل على تحقيق المطالب الإسرائيلية بالكلام المعسول المسموم.
فما هي المطالب الإسرائيلية-الأمريكية؟
كل الذي يُراد تحقيقه في اللقاءات هو ما يلي:
– تحقيق اختراق تطبيعي بلا تكاليف.
– توريط السلطة اللبنانية بتكليف جديد من الأمريكان والإسرائليين بنزع سلاح حزب الله دون قرار ولا التزام بانسحاب الإسرائليين من الأراضي اللبنانية المحتلة، والتعهد بتسليح أمريكي إسرائيلي للجيش اللبناني، لا لإنهاء حزب الله فقط بل لإنهاء لبنان كله عبر حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس.
– محاولة التفريق بين حركة أمل وحزب الله، وتحويل كل القوى اللبنانية ضده.
– محاولة جر دول عربية أخرى للمواجهة وتحويل أرض لبنان لساحة معارك بالوكالة بين دول المنطقة لمصلحة إسرائيل.
هذا تدبيرهم، وهذا مكرهم، ولكن لا شيء من ذلك سيتحقق، إنما هم يتخبطون.
الجميع متفرقون في لبنان، ولا أحد يرغب في الدخول في حرب أهلية، والشيعة في عمق الجيش اللبناني، وقادة الجيش لا يرغبون في انقسام المؤسسة العسكرية، وأغلبية شعوب المنطقة باتوا يدركون بأننا نعيش تسارع الأفول الأمريكي، وتسارع نهاية الكيان، وأن لا أمن يتحقق بغير الاعتماد على الذات وبالكلمة الواحدة ضد الاحتلال والاستكبار .
د. عبد الرزاق مقري
قول واحد: إنه الشعور بالهزيمة! حينما علم الإسرائليون بوقف إطلاق النار هاجوا على رئيس وزرائهم، واتهموه بأنه جعل إسرائيل تخسر سياسيا واستراتيجيا، ونقلت وسائل الإعلام هذا الهيجان بوضوح، ففجر غضبه على لبنان بمائة غارة في عشر دقائق راح ضحيتها قرابة مائتي شهيد لتغيير المزاج العام عند شعبه، ولكسر بند في أرضية المفاوضات وهو أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، وإذا أمكن دفع إيران إلى الرد لإفشال الاتفاق بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة.
هل سيؤدي هذا إلى سقوط الاتفاق؟ لا أظن ذلك.
والسبب أن الأكثر حرصا على وقف الحرب هو ترمب، وقد بينت وسائل الإعلام الأمريكية الأكثر انتشارا أن ترمب دخل الحرب بحدسه وبتقديرات خاطئة قدمها له أنصار الحرب في البيت الأبيض، وخصوصا من الكيان الصهيونى بأن الظروف مناسبة لانتفاضة الشعب ضد النظام إن وجّهت له ضربات قوية وقطع رأسه، ولكنه فوجئ بصمود عظيم من الإيرانيين وقدرة كبيرة لتوسيعهم كلفة الحرب على امريكا والعالم بأسره.
لقد كانت المؤسسات الأمنية والعسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية تدرك الحاجة إلى بترول ايران والسيطرة على مضيق هرمز لقطع الطريق على الصين، ومع ذلك نصحوه بأن تحقيق النصر على ايران غير متاح، بالنظر إلى الهزائم الأمريكية في العراق وأفغانستان والصومال.
ولما عجز ترمب عن تحقيق النصر بالضربات الصاروخية والجوية وجد نفسه في مواجهة قادة الجيش الأمريكي في أمرين اثنين: اعتراضهم على الدخول البري، وعدم استعدادهم لتحمل تهم جرائم الحرب في حالة الهجومات التدميرية الشاملة لإيران.
وبالإضافة إلى ذلك أصبح تباعده مع حاضنته الاجتماعية التي وعدها بالاهتمام بامريكا أولا وعدم شن الحروب في الخارج ( تيار ماغا) يزداد يوما بعد يوم، لا سيما وأنه يقترب اكثر فأكثر من التجديد النصفي للكونغرس
لهذه الأسباب كلها أصبح ترمب تحت ضغط شديد جعله يفقد توازنه ولم يعد يتحكم في فحش لسانه في تصريحات علنية.
لا يوجد شك بأن المجزرة التي اقترفها الكيان في لبنان كانت بموافقة أمريكية، سواء بسبب الضغط الشديد على ترمب من اللوبي الإسرائيلي، أو لعدم التضحية بحليفه الشخصي نتنياهو الخاسر الأكبر في الحرب، أو لوضع ايران تحت الضغط أثناء المفاوضات.
اعتمد ترمب ونتنياهو أسلوب المغامرة في التصعيد لاختبار الموقف الإيراني، لمقصدين مختلفين. وما فعلته ايران بالرد بغلق المضيق متوقع جدا ، وفي حالة عدم نجاح الوسطاء في كبح جماح الكيان عن طريق ترمب ستعود قطعا للقصف الشامل.
والذي أراه أن التخلي عن لبنان سيتسبب في سقطة أخلاقية مدوية لإيران مهما كانت الظروف ولو عودة الحرب وتنفيذ ترمب تهديده بتدمير إيران، ويجب أن تتعاون ايران في هذه الظروف مع ملفات المواجهة على النحو التالي بالتدرج:
– تكثيف الضربات الصاروخية على إسرائيل بأنواع بالستية مدمرة وبلا هوادة
– غلق مضيق هرمز من جديد
– ضرب القواعد العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية
– الامتناع عن ضرب المنشآت الخليجية، والدخول مع الدول الخليجية، في حوار لكي تقوم بواجبها على الضغط الشديد على ترمب ليلتزم بأرضية المفاوضات وعلى رأسها وقف العدوان على إيران، وهم يملكون كيف يضغطوا عليه لو أرادوا.
أتوقع أن ترمب سيحرص على وقف الحرب وسيضغط على نتنياهو ، والذي يجعل نتنياهو يلتزم فعليا بقرار ترمب هو ما يلحقه من إيلام من إيران، وما يراه من ضغوطات أمريكية على ترمب.
د. عبد الرزاق مقري
تفصلنا ساعات قليلة لنرى هل سينفذ ترمب تهديده أم لا، وقد تحدثنا في مقال البارحة بأن تنفيذ التهديد مستحيل ضمن معايير التحليل السياسي العادي، لأن تدمير إيران هو خسارة عظيمة للمنطقة كلها، بما فيها الكيان الصهيوني، وفيه إضرار عظيم للولايات الأمريكية المتحدة على الصعيد الأخلاقي، والصورة، والهيبة، وعلى المستوى الأمني، ونهاية إيمان الدول العربية بأن الولايات الأمريكية تستطيع أن تحميهم، ولو تتورط في الدخول البري سيكون ذلك هو الأفول الأمريكي المتسارع. ورغم الدمار الكبير ستكون ايران هي الأقل خسارة من حيث أنها تخرج كدولة متوسطة أعجزت قوة دولية عظمى. وستكون الصين هي الرابح الأكبر من حيث أنها هي التي ستأخذ البترول الإيراني مقابل اعادة الإعمار ، وليس الولايات الأمريكية المتحدة. ويبدا عندئذ التحول الفعلي من القطبية الاحادية الأمريكية في السياسة الدولية إلى تعدد الأقطاب الدولية.
ولكن حين نتعامل مع شخصين نرجسيين لا تهمهما إلا نفسيهما، ومعهم مجرمون وفاسدون ومتطرفون دينيا، فإن الكارثة يمكن أن تحل، ويكون هاذان الرجلان هما اللذان اختارهما الله لتدمير دولتيهما.
غير أننا أمام فرص اخرى كبيرة لسيناريوهات أخرى. ففقدان الرئيس الأمريكي التوازن، واضطرابه وعدم ثقته بنفسه يظهر من خلال امرين اثنين، هما حديثه عن تمديد مهلة التهديد، وتلفظه بكلمات نابية مكتوبة، فهو في حالة نرفزة واضطراب نفسي كبيرين. ومشكلته أنه لا يفهم كيف لنظام سياسي في العالم لا يخاف من تهديده، ويواجهه الند للند، لا تسمح له نرجسيته وتعوّده على تعامل الآخرين معه بالخضوع والتملق في البيت الأبيض والعديد من الزعماء العرب والمسلمين، وحتى الاوربيين قبل أن يضعهم في الوضع المزري الذي هم فيه بسبب الحرب، اقتصاديا وسياسيا.
وفي هذا الإطار يمكن للسيناريوهات الأخرى ان تعمل على الترتيب التالي:
– يمكن أن تنجح الاتصالات والوساطات الدبلوماسية في توفير سلم النزول من الشجرة لترمب وإعطاء صورة حل وسط يستطيع كل طرف ( ايران وأمريكا) أن يصرح على اساسه بأنه انتصر في الحرب، وفي هذه الحالة يكون المنتصر الحقيقي هو إيران، وتستفيد دول الخليج من تجنب الضربات الإيرانية، والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى،
– لا تنجح الوساطات لرفضها من أحد الطرفين أو لعدم القدرة على الوصول إلى حلول وسطى، فتوجه الولايات الأمريكية ضربات قوية لبعض البنى التحتية لإيران دون التدمير الشامل ثم تعلن الانتصار، وتقوم ايران برد محدود على الوجود الأمريكي في المنطقة، وعلى الكيان والدول العربية، وقد يحدث هذا ضمن اتفاق غير معلن بين ايران والولايات الأمريكية المتحدة. ويكون المنتصر الحقيقي هنا هو ايران بطبيعة الحال. والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى.
– يبقى ترمب في دوامة تأجيل التهديدات ومواصلة ضرب إيران، واستعمرار الردود الإيرانية، ولكن هذا سيضعفه في الرأي العام الأمريكي وداخل بعض أنصاره الموالين لاسرائيل، والتحولات الشعبية التي خطط لها مع نتانياهو للاعتماد في الحرب على إسقاط النظام الإيراني من الشعب او من داخله تنقلب ضده في الداخل في المجتمع الأمريكي والقوة السياسية الرافضة له والرافضة للحرب.
والنتيجة أنه ما دام النظام الإيراني قادر على الرد، وبقي صامدا سياسيا، والشعب الإيراني متماسك. فإن كل السيناريوهات المذكورة ستكون لصالح ايران.
وكل الذين يعتقدون أن إيران ستخسر يعتمدون على حجم التدمير ، وهو امر قابل للحل في أوقات قياسية عن طريق قوة الإنجاز الكبيرة والسريعة للصين، والمقابل موجود، وهو الاحتياطي الطاقوي العظيم الذي ستتمتع به الصين بدلا للولايات الأمريكية المتحدة إلى اندفعت للحرب للسيطرة على منابع النفط ، علاوة على حرمان البيت الأبيض من السيطرة على مضيق هرمز كما كان مخطط وفق ما سرحناه سابقا.
د. عبد الرزاق مقري
هدد ترمب إيران بأنه سيفتح عليها جحيما عظيما إن لم تفتح مضيق هرمز. فهل ستخضع ايران للتهديد وهل سيطبق ترمب تهديده.
قبل ذكر السيناريوهات نجيب على السؤال السهل: هل ستخضع ايران للتهديد
الجواب: لن تخضع إيران للتهديد! وذلك للأسباب التالية؟
– لن تخضع إيران للتهديد لأنها إن خضعت ستعطي الانطباع بأنها في حالة ضعف وستُفرض عليها تهديدات أخرى أكبر.
– لن تخضع لأنها ضحت تضحيات كبيرة ولا يمكن أن تفرط في كل التضحيات، وإلا سينقلب عليها الوضع داخليا.
– لن تخضع لأن خسائر الخضوع أكبر من خسائر تنفيذ ترمب تهديده.
– لن تخضع لأنها لا زالت قادرة على الرد وبفاعلية كبيرة
– لن تخضع لأنه ليس في مصلحة الصين أن تُسلّم إيران المضيق ومقدّراتها الطاقوية لأمريكا على نحو ما ذكرناه، وسنعود إلى هذا الموضوع.
طيب، في حالة عدم خضوع إيران للتهديد، ماذا سيحدث؟
ستؤول الأمور إلى سيناريو من السيناريوهات التالية.
– ينفذ ترمب تهديده فيدمر منشآت الطاقة، ومحطات توليد الكهرباء، والسدود ومحطات تحلية المياه والمصانع والجسور والمطارات، ثم حسب ردود الأفعال يقرر الدخول بريا أم لا.
– لا ينفذ تهديده ويقوم بتوجيه ضربات قوية لا تصيب المصالح الحيوية ويعلن النصر ويوقف الحرب.
– يستعمل التهديد كورقة ضغط للمفاوضات ثم يعلن عن تأجيل آخر لتهديده والاستمرار في المفاوضات
– الوصول قبل نهاية أجل 48 ساعة أو قبل ذلك أو خلال التأجيل الجديد إلى حلول وسطى تجعل كل طرف يعلن النصر وتبقى العلاقات معلقة.
التحليل:
– ليس سهلا على ترمب تنفيذ تهديده للأسباب التالية:
– الجبهة المعارضة للحرب ولقرار ضرب منشآت الطاقة عريضة وقوية في العالم بأسره وداخل فريقه وعند أغلب الأمريكيين.
– لم يستطع ترمب إقناع أي دولة لدخول الحرب معه، وبالإضافة إلى عدم شرعية الحرب لم يستطع توفير أي غطاء سياسي مع غير بلده لها.
– قد يفاجأ الأمريكان بقدرات غير محسوبة لإيران في إسقاط الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بدعم صيني روسي. وإسقاط المقاتلتين وإصابة المروحيتين رسالة قوية جدا.
– سيؤدي تنفيذ التهديد إلى رد عنيف وشامل لإيران تنتهي فيها الخطوط الحمراء في ضرب حاملات الطائرات والسفارات الأمريكية في كل مكان بأسلحة متطورة.
– كما يؤدي ذلك إلى شل الحركة الاقتصادية في العالم بأسره وسيلحق هذا ضررا كبيرا بالأمريكيين ( تعاظم أسعار الوقود، تعاظم التضخم …)، وستُحمّل الدول ترمب مسؤولية المأساة التي ستلحق بها.
– سيجعل ترمب نفسه في موضع مجرم حرب لن يفلت منه ولو بعد حين، وينتهي زعمه تحقيق السلام عن طريق القوة
– سيتسبب بتدمير شامل لحلفائه العرب، إذ يكفي أن تضرب إيران محطات تحلية المياه في الدول الخليجية لتدخل شعوب المنطقة في مأساة لا مثيل لها، سيدفع هذا التهديد الخطير بدول المنطقة إلى الضغط الشديد الذي قد يصل إلى المفاصلة بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة ( وذلك نظرا لخطورة التهديد)
كل هذه الأسباب تجعل هذا السيناريو المأساوي غير مرجّح ولكن وارد، لأن ترمب في ورطة ولو توقفت الحرب دون خضوع ايران ستُدمر صورته إلى الأبد وسينقلب عليه كثير من حلفائه في أمريكا، علاوة على الضغط الصهيوني والابتزاز الذي يمارس عليه بسبب ملفات ابشتاين. فقد يدخل في حالة جنونية تتعلق بسمعته وهيبة أمريكا تدفعه إلى عمل جنوني.
ولكن حتى إن نفّذ تهديده هل سيكون منتصرا؟ بكل تأكيد خسارته ستكون اكثر من خسارة إيران.
لا شك ستدمر إيران تدميرا واسعا ، واذا ضربت المنشآت الحيوية المدنية لدول الخليج ستكون هي كذلك ضمن تهمة جريمة الحرب وستخسر المنطقة إلى أمد طويل جدا وربما إلى الأبد، وستخسر كثيرا من داعميها في العالم العربي والإسلامي وفي العالم، لأن أي عاقل لن يقبل إدخال الشعوب الأبرياء في مأسماة لا علاقة لهم بها، ففي ديننا (( لا تزر وازرة وزر أخرى))،.
ولكن مع هذا لن تكون هي الخاسرة في الحرب للأسباب التالية:
– ستكون إيران أكثر شراسة، وفي وضع الذي لم يبق له شيء يخسره فتُلغي كل الخطوط الحمراء كما ذكرنا أعلاه، وأي ضرر إضافي للولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيوني لن يتحملاه وسيؤدي ذلك إلى تحولات داخلية عندهما.
– ضرب البنية التحتية هو ضرب للشعب الإيراني كله وهذا سيعمق العداء عند هذا الشعب تجاه الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى وبالتالي سيقوى النظام أكثر من ذي قبل رغم التدمير.
– وعكس ما يتوقعه الاسرائيليون بأن الشعب الإيراني سيثور على نظامه بعد التدمير ونهاية الحرب، سيؤدي التدمير على المدى القريب إلى إضعاف الشعب وتقوية النظام، لأن المقدرات الخدمية للشعب تضعف، والنظام السياسي يكون أكثر تماسكا، وأي حركة احتجاجية، من داخل النظام أو في المجتمع، ستُقمع بقسوة شديدة من الحرس الثوري والباسيج.
– التدمير لا يمثل مشكلة جوهرية ، على المدى المتوسط والبعيد، لإيران لأن هناك دولة داعمة لها ستكون مستفيدة جدا من ذلك وهي الصين، حيث ستقوم بإعادة بناء ما دمّر بسرعة كبيرة وتأخذ بدل ذلك نفط ايران بأسعار منخفضة على نحو ما قامت به سابقا مع فنزويلا ودول أخرى، فوضعية إيران تختلف في هذا مع وضعية غزة اختلافاً جذريا.
– وفي النموذج الغزاوي لم ينقلب الشعب على الـ”م” كما كان يتوقعه الاسرائيليون والأمريكان، بالرغم من أن حركة العملاء المعلنة في “غ”، بالنسبية، اكثر مما هو موجود في إيران
– عند حالة التدمير الشامل ستتحول القوى العسكرية والأمنية الإيرانية إلى حالة تشبه عمل الميليشيات يجعلها أقدر عل غلق مضيق هرمز، من قدرة الحوثي على غلق باب المندب، دون أي مسؤولية دولية، كما تستطيع ضرب المصالح الأمريكية ومواصلة تهديد الأمن الإسرائيلي دون كلف كبيرة، لأن نمو كلفة الخسارة يتوقف بعد تدمير كل شيء.
– والملاحظة المهمة بعد كل هذا أن ما يحسم في مسألة الثبات رغم الخسائر الكبرى هو البعد العقائدي، ثم منطق عليّ وعلى أعدائي، ومنطق إذا خسرت أنا فسيخسر معي كل أعدائي وكل من رآني أُظلم ولم يتحرك لمنع الظلم عني. وهو منطق خطير لا يعرفه الجهّال بالتاريخ، خاصة تاريخ الأقليات العقائدية.
ولكل هذا من كان عاقلا فليضغط على أمريكا لتُوقف الحرب، لأنها هي الظالمة وهي التي بدأتها، ولأن أوراق الضغط عليها متوفرة، هذا الذي يجعل الجميع يتجنب الكارثة، أما الضغط على إيران بعد بدء الحرب فهو غير مجد .
غدا بحول الله نواصل تحليل السيناريوهات الأخرى ( إلا إذا وقع المكروه او تم الوصول إلى اتفاق).
عبد الرزاق مقري
يبدو أن نار الحرب ستخمد قريبا، هكذا يبدو من خلال الاتصالات التي بادرها بها ترمب بعدما فشل في تحقيق أهدافه المعلنة، والسؤال الذي نطرحه: ما هي الدروس التي سيستخلصها الحكام في العالم العربي والإسلامي؟خصوصا في دول الخليجية.
لقد اتضح جليا بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تريد ولا تستطيع حماية الدول الخليجية، ولا أي دولة إسلامية أخرى، من أي تهديد عسكري أو اقتصادي، بل أمريكا هي سبب كل الويلات التي تصب على الخليج وعلى المنطقة كلها، واتضح جليا بأن الأموال العظيمة التي منحها الخليجيون للأمريكان، ولترمب بشكل خاص، من أجل حمايتهم من البعبع الإيراني ومن بعضهم البعض، ذهبت أدراج الرياح.
فهل تنتبه الدول العربية والإسلامية بأن العدو الذي بمثل خطرا وجوديا عليها هي الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى؟ هل أدركت بأن حماية بلدانها وقوتها وتطورها وسؤددها هو مع شعوبها ومن داخلها وفي ما بينها؟ هل سيتجهون إلى مشروع تصالحي حضاري بينهم؟
إن ما نسمعه من تنسيق مصري، باكستاني، تركي، سعودي لبناء رؤى دفاعية مستقبلية يثلج الصدر .. إن تأكد .. ولكن أن يكون ذلك نواة لوحدة حضارية إسلامية تاريخيّة توجه ضد ضد العدو الأمريكي والصلف الأمريكي، وتكون ايران، في الأخير، جزء منها.
ومن جهة أخرى هل ستفهم إيران بأنها لن تستطيع حماية مصالحها، من خلال المقاربة الطائفية، وأن استعمالها من قبل الصهاينة والقوى الاستعمارية الغربية كبعبع لتهديد دول الجوار أضرّ بها وبالمنطقة كلها؟ وهل ستدرك بأنها جزء من أمة كبيرة تُضمن فيها كرامة وحقوق ورفاهية كل شعوبها بكل ما فيها من تنوع سياسي ومذهبي وطائفي وعرقي، لو اتحدت أو تكاملت وتعاونت؟
د. عبد الرزاق مقري
لم تكن تلك استراتيجية “الردع بالحرمان” التي انتهجتها الولايات الأمريكية ضد الصين بعد تعثر استراتيجية “المنافسة” خافية إلا على الذين لا يتابعون تصريحات الطبقة القيادية المحيطة بترمب أو الذين لا يأخذون تصريحات هؤلاء مأخذ الجد قبل أن يتحول قولهم إلى فعل. ففي السابع من مارس الحالي، أعلن “جارود أيغن”، المدير التنفيذي لمجلس الهيمنة على الطاقة في البيت الأبيض، على شاشة فوكس بيزنس: ” في نهاية المطاف، لن نضطر إلى القلق بشأن مشكلات مضيق هرمز، لأنّنا سننتزع كلّ النفط من أيدي الإرهابيين”، وها هو ترمب يصرح بالتحضير لعملية عسكرية بغرض السيطرة على مضيق هرمز ويحاول أن يجر معه دولا أخرى تستعمل المضيق لمرور بضائعها، من أجل المشاركة في الكلفة و بغرض المشهدية السياسية.
إن الاستراتيجية التي يعتمدها ترامب وفريقه لإعاقة الصين أو ل“ردعها بالحرمان” تقوم على الأسس التالية:
أولا – حرمان الصين من النفط، أو إعطاؤها إياه بإرادة أمريكا وعن طريقها، وهذا الذي صرّح به ترمب بشكل واضح أثناء اقتحامه فنزويلا وسيطرته على القرار الطاقوي في هذا البلد حيث قال: “نرحب بالصين ويمكن أن نصل إلى اتفاق عظيم بشأن حصولها على نفط فينزويلا” ، فهو إذن الذي يتفق مع الصين بشأن نفط فينزويلا!.
وهو كذلك ما ذكره جارود أيغن، المشار إليه أعلاه، بشأن نفط إيران، وما يخطط له ترمب للسيطرة على جزيرة خرْج الإيرانية (التي يمر عليها 90% من النفط الإيراني)، بشكل مباشر أو عبر حكام إيرانيين جدد موالين لأمريكا.
لقد كانت الصين تأخذ 68% من نفط فينزويلا بأسعار رخيصة (144 مليون برميل عام 2023) ضمن ترتيبات سداد ديون فينزويلا للصين المتراكمة كقروض مستحقة بنحو 19 مليار دولار ضختها الصين في استثمارات وهياكل قاعدية. وهي تستورد في حدود 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني (عام 2025) يصل إليها بأسعار رخيصة تحت أعلام مزيفة للتحايل على العقوبات.
إن الضرر الذي يصيب الصين سيكون كبيرا إذا سيطرت الولايات الأمريكية المتحدة على نفط إيران بعد أن سيطرت على نفط فينزويلا، ضمن خطة “الردع بالحرمان” التي تنتهج ضدها.
إذا نجح العدوان الذي سمي “الغضب الملحمي” سيكون بين يدي الإدارة الأمريكية ثروة نفطية تتجاوز 30٪ من الاحتياطي العالمي ( مجموع احتياطي فنزويلا وايران). علاوة على أنه لا يستبعد أن تكون السعودية والدول الخليجية الأخرى هي المحطة الموالية التي يفرض فيها ترمب نفسه وسيطا بالإكراه لبيع نفطها للصين. علما بأن نصف واردات الصين من النفط تأتي من الشرق الأوسط ( السعودية، العراق، الإمارات، إيران، البحرين)، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم (11 مليون برميل يوميا)، وقوتها الاقتصادية تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المستوردة. فهل يعقل أن تسمح الصين بأن تقع في يد أمريكا بإسقاط إيران في حجرها؟
ثانيا – لا تكتفي الولايات الأمريكية المتحدة بحرمان الصين من حرية الوصول إلى مصادر الطاقة، وإبرام الصفقات المناسبة لها مع الدول المصدرة، بل تسعى إلى خنق حركتها التجارية كلها، بإعاقة مشروع الطريق والحرير، والسيطرة على الاختناقات الجغرافية في العالم، الحيوية بالنسبة للصين، خصوصا قناة بنما، ومضيق هرمز ومضيق مالاقا.
– أول مضيق بدأ ترمب التضييق بشأنه على الصين هو مضيق بنما، ضمن مخطط السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي وتعهُّد إدارة ترامب بـ” منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي” من السيطرة فيه على “الأصول الحيوية استراتيجياً”، وطرد الشركات الأجنبية التي تُقيم بنية تحتية مهمة هناك.
تمثل قناة بنما ممرا مائيا استراتيجيا لتجارة الصين الخارجية، بين آسيا والساحل الشرقي للأمريكتين، وتعد دولة بنما هي الدولة الأولى في القارة الأمريكية التي انضمت لمشروع الطريق والحرير، وبلغت استثمارات الصين في حدود 2.5 مليار دولار في موانئ القناة والبنية التحتية، وهي طرف شريك فاعل في إدارة القناة، عبر شركات صينية خاصة، على طرفي القناة. وقد اعتبرت الولايات الأمريكية المتحدة هذا النفوذ المتصاعد خطرا على مصالحها في المنطقة.
صرح ترمب في خطاب توليته الثانية بأن الصين تسيطر على قناة بنما، مدعيا بأن القناة هي في أصلها أمريكية منحتها الحكومة البنمية للصين، وتلتها تصريحات العديد من مسؤولي البيت الأبيض يتهمون فيها الصين بأنها تمثل خطرا أمنيا ويمكنها أن تسيطر على الملاحة البحرية عبر القناة في وقت الأزمات.
رد الرئيس البنمي ومدير القناة على هذه المزايدات، وأكدا أن الوجود الصيني ضمن اتفاقيات قانونية وأن بنما تعمل ضمن قواعد حيادية واحدة مع الجميع، ومع ذلك أفلحت الضغوطات الأمريكية حيث ألغت المحكمة العليا في بنما هذا العام عقود تشغيل ميناءين رئيسيين (بالبوا وكريستوبال) لشركة “سي كيه هاتشيسون” الصينية، وهو ما أثار حفيظة الصين فلجأت إلى المحاكم الدولية وأطلقت تهديدات شديدة اللهجة في اتجاه حكومة بنما تتنافى مع أسلوب الصين في التعامل مع القضايا الدولية، مما يؤكد تضررها من سياسة “الردع بالحرمان” الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية.
– أما عن مضيق هرمز فإن الصين تستحوذ وحدها على 37.7 ٪ من تدفقات النفط الخام الذي يمر عبره، متقدمة بفارق كبير عن أي دولة أخرى، وكانت خطة الحرب تقتضي تحكم الولايات الأمريكية المتحدة في هذا الشريان الحيوي للصين من خلال حكومة إيرانية موالية بعد إسقاط النظام أو استسلامه. غير أن العدوان لم يحقق هدفه إلى الآن، بل صارت إيران هي المتحكمة في حركة المرور البحري في المضيق.
لم يكن في خطط الأمريكيين وقف تدفقات النفط الإيراني، بل المحافظة عليه، وضمان استمرار إنتاجه ثم التحكم فيه وفي تدفقاته وتدفقات النفط الخليجي تجاه الصين عبر التحكم في مضيق هرمز، فإذا بالمضيق يتحول إلى سلاح في يد إيران صنعت به أزمة اقتصادية عالمية بات الجميع يحمل البيت الأبيض مسؤوليتها.
يحاول ترمب حل هذه المشكلة باحتلال مضيق هرمز، ولكنه يعلم بأن الأمر ليس سهلا، فقد حاول حل مشكلة باب المندب بالقوة ضد الحوثيين فلم يفلح حتى اضطرّ إلى التفاوض. وهو يحاول تشكيل تحالف دولي للسيطرة على المضيق، وقد يكون ذلك فرصة لترقيع حالة غياب الشرعية الدولية لحربه على إيران. غير أنه لم يتلق استجابة من أي دولة إلى الآن، وقد ذكّره وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن بعثة “أسبيدس” البحرية التي شكلها الاتحاد الأوربي لم تكن فعالة في تنفيذ مهمتها في حماية باب المندب فقال: “لهذا السبب فأنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن“.
وهذا الإخفاق هو الذي جعل ترمب ينتقل إلى التهديد باحتلال جزيرة خرج الإيرانية، عبر تدمير دفاعاتها العسكرية مع الحفاظ على البنية التحتية النفطية. ولكن ايران ردت بالتهديد بأنه في حال حدوث مثل هذا العدوان، سيتم إحراق وتدمير كافة البنى التحتية للنفط والغاز في المنطقة، والتي تستفيد منها أمريكا وحلفاؤها الغربيون”، وعليه ستتعاظم الأزمة الاقتصادية العالمية، علما بأن كثيرا من الاقتصاديين في العالم حذروا بأن العالم مقبل على أزمة عالمية أخطر من أزمة 2008 بسبب استمرار الحرب وتداعيات ارتفاع أسعار البترول وتعذر التجارة العالمية.
– أما عن مضيق مالاقا فهو أزحم ممر مائي في العالم، يمتد طولا إلى 805 كلم، وعرضا بين حوالي 60 و250 كلم بين أندنوسيا وماليزيا، وتطل عليه كذلك سنغافوريا في مخرجه الشرقي. تمر عبره 100 ألف سفينة في العام، يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، وتمر حوله 80٪ من واردات الصين واليابان من النفط.
يمثل المضيق معضلة للصينينين، يسمونها “معضلة ملاقا”، بسبب تواجد الأسطول السابع الأمريكي في جواره وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية، خصوصا في سنغافوريا، وكون الدول الثلاثة المطلة عليه صديقة لواشنطن ( أندنوسيا، ماليزيا) أو حليفة ( سنغافورة )، مما يهدد الواردات الصينية في حال حدوث حرب أو اضطرابات دولية. لذلك تسعى الصين للبحث عن موصلات برية بديلة عبر دول صديقة أو شريكة في مشروع الطريق والحرير.
ربما يمثل ثبات إيران في الحرب القائمة، وقدرتها على ضرب البوارج الأمريكية، وإخراج حاملة الطائرات أبراهام لينكلن من الخدمة، حسب التصريح الإيراني، أفقا جديدا سيخفف من حدة “معضلة مالاقا”، إذ بينت هذه الحرب أن حاملات الطائرات الأمريكية وقوتها العسكرية الجبّارة صُممت لزمن أضعفت التكنولوجية العسكرية المتطورة أهميتها، وصارت أسلحة زهيدة الثمن تعجز قدرات عسكرية باهضة الثمن.
لو كنا في زمن سابق لأدى العدوان على إيران إلى حرب عالمية ثالثة بشكل سريع ومباشر، ولكن التطور التكنولوجي أصبح يتيح خوض الحروب بالوكالة بكفاءة عالية.
ولكل ما سبق يُفهم أهمية، بل ضرورة، تدخل الصين إلى جانب إيران ضد الولايات الأمريكية المتحدة، دون الحاجة إلى إظهار ذلك، لتجنب الحرب العالمية. ويبدو – بالفعل – أن أمريكا وقعت في ورطة كبيرة، وأن نهاية الحرب دون أن تحقق هدف السيطرة على إيران سيغير العالم بشكل سريع وعميق … مهما كان ادعاء ترمب تحقيقه النصر الكامل.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com