المقالات

اعتدت أن أنتقل مع الأولاد والأحفاد بين المساجد كل جمعة لصلاة الجمعة للاستفادة من التنوع، وكفسحة عائلية، وللتمتع بالنظر إلى عمارة بيوت الله في مساجد الجزائر بالعدد الهائل من المصلين في كل مكان.

وساقتني الأقدار هذه المرة أن أصلي في مسجد خطيبه رجل فاضل، عف اللسان عن التجريح في غيره، وصاحب علم، وله منابع طيبة. وكانت خطبته عامرة بالمعلومات العلمية النافعة، حيث تحدث عن الربا والاحتكار وتلقي الركبان والغش ورفع الأسعار وغير ذلك … 

غير أنه لم يوفق في المنهج الذي سار عليه في شرح أسباب غلاء المعيشة وسبل العلاج، إذ اقتصر على ذكر كل الأسباب المجتمعية، التي لا شك أنها صحيحة، والأسباب الدولية التي لا يجادل فيها أحد، ولم يجد طريقة لكي يتحدث عن دور ولي الأمر في توفير السلع وتحقيق الرفاه وتجسيد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوا الناس يرزق بعضهم بعضا»، وربما – من دون أن يقصد – وجد نفسه في دائرة التبرير للسياسات الاقتصادية الخاطئة والممارسات الإدارية غير المجدية.

بدأ إمامنا حديثه بتأكيد أن غلاء المعيشة ظاهرة دولية ولا تتعلق ببلدنا فقط، وأن التاريخ الإسلامي عرف حالات غلاء الأسعار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد سيدنا عمر، وفي مختلف محطات التاريخ. ولم ينتبه إلى أنه شتان بين غلاء المعيشة في دول متطورة اقتصادياً ينزعج سكانها من نقصان سبل الرفاه في حياتهم، وغلاء المعيشة في بلدان ريعية تعرف مشاكل اقتصادية هيكلية تؤثر مباشرة في أساسيات العيش 

وبالرغم من أن المعطيات التاريخية التي ذكرها عن غلاء المعيشة والمجاعات صحيحة، فإنه يمنعنا الخوف من طول المقال  الوقوف عند ظروفها وكيف تمت معالجتها.

ثم تعمق في ذكر أسباب غلاء المعيشة المتعلقة بالذنوب والمعاصي، والجشع والطمع، والتلهف في كسب المال بمختلف الطرق، والاحتكار والمضاربة ورفع التجار للأسعار دون سبب وغير ذلك من الانحرافات الشائعة بين الناس، ودعا إلى القناعة والرضا بقضاء الله، والتحكم في الاستهلاك وعدم التبذير.

إنه لا شك أن في مجتمعاتنا آفات كثيرة أرهقت المصلحين لكثرة دواعيها وداعميها وقلة زاد الدعاة ومحاصرة مجهوداتهم الإصلاحية. ولكن المؤسف أنه لم يتطرق أبداً إلى مسؤولية الحكام العميقة والأساسية في غلاء المعيشة، وحتى حينما ذكرهم في آخر خطبته، دعاهم إلى مواجهة الآفات المجتمعية وتصرفات التجار المتسببة في غلاء المعيشة دون ذكر ماهو واجب عليهم قبل ذلك 

لا يستطيع أحد أن يلوم الإمام، كما لم يصبح مجدياً لوم الصحفي عن سكوته عن الرأي الآخر، بل ربما لم يصبح مفيداً لوم الأحزاب ذاتها عن بقائها في العموميات وخروجها من الخطاب الجاد الناقد للسلطات، ذلك أن الرأي المخالف في هذا الزمن صار مكلفاً جداً، ولكن من لم يستطع من هؤلاء جميعا أن يقول الحق، فعلى الأقل ألا يبرر للخطأ، وذلك أضعف الإيمان.

لا أحد يريد إقحام المسجد في التدافعات السياسية، ولكن في الحديث العام لصالح الدين والوطن مجال فسيح ، أو على الأقل عدم التغطية على الأخطاء وأصحابها.

لا شك أن إمامنا الفاضل لا يجهل أن من أنواع معاقبة المجتمعات على ذنوبهم تولية الظالمين عليهم، وفق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ». 

وما دام يقر بوجود غلاء المعيشة في بلدنا وأن سببه ذنوبنا، والجشع والطمع والظلم داخل الأسواق ، فلا شك أن يؤدي ذلك كذلك إلى تسلط من يشبهنا من الحكام، فالنصوص لا تميل لأحد، ومعانيها راسخة لا تغيرها الأهواء ولا الحسابات!

إنه لو كان ثمة هامش في السياسة لتقديم تحليلات مخالِفة لِما هو شائع في الإعلام والمساجد والجامعات ومختلف المؤسسات لقلنا لا بأس بتبادل الأدوار بين الإمام والإعلامي والسياسي وغيرهم، ولو كان الحديث المخالف متاحاً لقلنا ما يلي:

    *  على الأقل لا يعد الحكام بما لا يستطيعون تحقيقه، فلا يصرحون بأشياء غريبة تتعلق بتوفير اللحوم والحليب والفواكه على طاولة العائلات الجزائرية، وغير ذلك من الوعود التي لم تتحقق.

    *  لو حصرنا الحديث عن سبب غلاء المعيشة في الذنوب والمعاصي، وأنها ظاهرة دولية لأعفينا الساسة من تقديم البرامج الاقتصادية، ولما كان من حق أحد أن يحاسبهم عن الفشل في تحقيق التنمية. وهذا ينسف أصل الفقه السياسي الإسلامي الذي جعل تأمين قوت الناس مسؤولية أصيلة للسلطة وهذا منهج علماء السلف ومنهم ابن تيمية الذي يؤكد في «السياسة الشرعية» (فصل: الأصلح للولاية) على أن غاية الولايات تتضمن وجوباً: «إصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ»، ثم يربط ذلك في (فصل: أداء الأمانات في الأموال) بوجوب أداء حقوق الرعية وصرف بيت المال في «سَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، معتبراً كفاية المعاش حقاً شرعياً لا منّة فيه ولا إعفاء.

    *  لو كان الأمر كذلك لكان الساسة كلهم سيان ولما كان لأحدهم ميزة على الآخر، سوى من كان يملك القوة للاستئثار بالحكم. والحقيقة أن القوة الاقتصادية هي الركيزة المادية لكل أنواع القوة والمكنة والاستمرار  المقبول في الحكم.

ولو أردنا أن نعدد أسباب غلاء المعيشة المتعلقة بالأخطاء السياسية وقلة الكفاءة وسوء التسيير والفساد لأمكننا أن نكتب في ذلك كتاباً. ولكن نكتفي بذكر سبب واحد وهو قلة توفر السلع والبضائع في الأسواق ، ليس بسبب الاحتكار والمضاربة فقط، كما يقولون …

وإنما خصوصاً بسبب قلة الإنتاج المتعلق بعدم وجود كفاية من المؤسسات الاقتصادية كما ونوعا ، وكنتيجة للسياسة الحدّية في منع الاستيراد التي لم تتسبب في قلة الوفرة السلعية فقط، وانتشار السلوكيات الاقتصادية المتلازمة حتمياً للندرة، بل تسببت أكثر في تعطيل المؤسسات الاقتصادية القائمة وتعقيد تأسيس مؤسسات جديدة (بما يؤكد بأن السياسة الصارمة لمنع الاستيراد أسبابها نقدية بالأساس وليس لدعم الإنتاج الوطني، علماً بأن وقف الاستيراد لحماية المنتوج الوطني تكون محدودة في قطاعات إنتاجية محدودة ذات خصائص معلومة).

 وما أقوله هنا ليس مجرد تخمين أو تحليل، بل معاينة مباشرة لأرباب أعمال اضطرّوا لتقليص نشاطهم أو غلق مؤسساتهم، والاستماع لمبادرات فشلت أو تكاد تفشل في تأسيس مؤسسات جديدة، بسبب متاعب استيراد الآليات، ثم في استيراد المواد الأولية، إذ ثمة من أخذ منه استيراد الآليات سنة ونصف، ثم بعد ذلك رفضت ملفاتهم لاستيراد المواد الأولية سنة أخرى وبقوا يدفعون كراء المحلات ودفع الأجور لأكثر من سنتين دون إنتاج.

 

عبد الرزاق مقري

1 ـ  أوزوالد شبنجلر (Oswald Spengler, 1880–1936)

يُعدّ أوزوالد شبنغلر من أبرز الفلاسفة الذين أعادوا النظر في مفهوم الحضارة من منظورٍ عضويٍّ وتاريخيٍّ شامل. ففي عمله الضخم “انحطاط الغرب“(The Decline of the West, 1918–1922) ، قدّم نظرية تقوم على أن كل حضارة كائن حيّ يولد وينمو ويزدهر ثم يشيخ ويموت، شأنها شأن الإنسان أو الكائنات العضوية. ويرى أن ما نسميه “الحضارة الغربية الحديثة” قد بلغت مرحلة الشيخوخة الفكرية والروحية، وأنها دخلت طور (الحضارة) بعد أن استنفذت طاقة الإبداع الثقافي التي كانت سمة “الثقافة” الأوروبية الأولى. يقول شبنجلر:”الحضارة هي المصير الحتمي لكل ثقافة، إنها مرحلة الإرهاق الروحي حين تموت القوى الخلّاقة.”[1] ويشرح أن الانتقال من “الثقافة” إلى “الحضارة” هو انتقال من الإيمان والمعنى إلى التنظيم والتقنية، ومن الروح إلى المادة. فالثقافة عنده هي مرحلة الخلق والرمز والفن والدين، أما الحضارة فهي طور المدن الكبرى، والبيروقراطيات، والانحلال القيمي. وفي هذا السياق يقول:  “حين تستنفد الثقافة إمكاناتها الإبداعية، تتصلّب لتصبح حضارة.”[2]

ويؤكد شبنجلر أن الغرب قد بلغ هذه المرحلة منذ القرن التاسع عشر، إذ فقد الإيمان والروح، وسيطرت عليه المادية والعقل الأداتي، فباتت التكنولوجيا تحلّ محلّ القيم، والكمّ محلّ المعنى. ويخلص إلى أن الحضارة الغربية تسير نحو أفول حتمي، لا بفعل الغزو الخارجي، بل لأن روحها الداخلية بلغت حدّ الإنهاك. ومع ذلك، يذكّر بأن الأفول جزء من سنّة الوجود التاريخي، وأن موت حضارة لا يعني نهاية التاريخ بل ولادة أخرى في مكانٍ آخر من العالم.

2 ـ  فرناند بروديل(Fernand Braudel, 1902–1985)

يقدّم فرناند بروديل ، المؤرخ الفرنسي الكبير وأحد أعلام مدرسة الحوليات (École des Annales)، تصورًا عميقًا للحضارة يتجاوز النظرة الحدثية السطحية للتاريخ. ففي كتابه “في التاريخ” (On History, 1980)، يرى أن الحضارة ليست مجرد تعاقب للحوادث السياسية أو العسكرية، بل بنية زمنية طويلة المدى تتحكم في أنماط الحياة والعلاقات الاقتصادية والذهنيات الجماعية. فيقول: “الحضارة بنية طويلة المدى، وإيقاع بطيء للحياة الجماعية، يدوم أطول من أي نظام سياسي[3].

ويُميّز بروديل بين الزمن القصير للأحداث، والزمن المتوسط للحركات الاقتصادية والاجتماعية، والزمن الطويل للحضارات التي تشكّل العمق التاريخي للأمم. فالحضارة عنده ليست لحظة تفوق، بل نسق من العادات والممارسات والمخيال الجمعي يستمر قرونًا، ويُعبّر عن علاقة الإنسان بالمكان والزمن والبيئة. ومن هنا، يرى أن كل حضارة تحمل بصمة جغرافية وثقافية تجعلها متمايزة، لكنها أيضًا قابلة للتفاعل والتبادل عبر العصور. فالتاريخ الإنساني، في منظور بروديل، ليس تناوب صدامات، بل تعايش بطيء بين حضارات تمتد جذورها في الزمان الأعمق من السياسة. 

3 ـ  جاك إيلول  -Jacques Ellul)1912 –1994)

يُعدّ جاك إيلول  من أبرز المفكرين الفرنسيين الذين انتقدوا الحضارة الغربية من داخلها، خاصة في بعدها التقني. يرى إيلول أن الحضارة الحديثة فقدت توازنها الإنساني حين جعلت من التقنية محورًا لكل نشاط، فغدت أداة السيطرة على الإنسان والطبيعة بدل أن تكون وسيلة لخدمته. في كتابه “التقنية أو رهان القرن” (La Technique oul’enjeu du siècle, 1945)، بيّن أن التقنية لم تعد تابعة للإرادة البشرية، بل أصبحت نظاما مستقلا يفرض منطقه الخاص على السياسة والاقتصاد والثقافة[4]. ومن ثمّ، تحوّلت الحضارة الغربية إلى حضارة كفاءة وفاعلية، تُقاس قيمها بالنتائج المادية لا بالمبادئ الأخلاقية. اعتبر إيلول أن هذا التحول أدّى إلى اغتراب الإنسان الحديث، إذ يعيش داخل منظومة لا يستطيع التحكم فيها، ويُختزل فيها الوعي الديني إلى وظيفة رمزية فاقدة للحضور الفعلي. ومع ذلك، لم يكن إيلول عدواً للتقنية، بل دعا إلى تحرير الإنسان من عبوديتها الروحية عبر استعادة الوعي بالقيمة والحرية والإيمان. فهو يرى أن الأزمة الحضارية ليست في الآلة ذاتها، بل في الروح التي تسكنها. بهذا الموقف، جمع إيلول بين النقد الاجتماعي واللاهوتي، مؤكدًا أن خلاص الحضارة لا يكون إلا بإعادة التوازن بين التقدم المادي والوعي الأخلاقي.

  1. أرنولد جيلين (Arnold Gehlen, 1904–1976)

يُعَدّ أرنولد جيلين من أهم مفكري القرن العشرين الذين حاولوا تفسير نشأة الحضارة من منظور أنثروبولوجي وفلسفي. يرى جيلين أن الإنسان كائن “ناقص بيولوجيًا” (Mängelwesen)، أي أنه يفتقر إلى الغرائز الحاسمة التي تنظّم سلوكه كما في الحيوان، ولهذا اضطر إلى تعويض هذا النقص بخلق عالم ثقافي اصطناعي هو الحضارة[5]. فالحضارة، في نظره، ليست ترفًا ولا نتيجة تطوّر طبيعي، بل هي ضرورة وجودية تتيح للإنسان أن يعيش ضمن نظام من القواعد والمؤسسات التي تمنحه الاستقرار والمعنى.

يرى جيلين أنّ المؤسسات الاجتماعية – من العائلة والدين إلى الدولة – تؤدي وظيفة حيوية في “تثبيت” السلوك الإنساني وحمايته من الفوضى الناتجة عن حريته الفائضة. ومن ثمّ، فكلّ تراجع في مكانة هذه المؤسسات يعني انحلال البنية الحضارية ذاتها. وفي كتابه Der Mensch. Seine Natur und seine Stellung in der Welt (1940)، يربط جيلين بين التمدّن (Zivilisation) والتحكّم بالغرائز عبر القواعد والقيم الاجتماعية.

بهذا التصور، تمثّل فلسفة جيلين إحدى المحاولات الجادة لتأسيس فهم بيولوجي–ثقافي للحضارة، يرى الإنسان كائناً مُبدعًا بفعل ضعفه، لا قوّته، وأن الثقافة هي (الغريزة الثانية) التي بها يستمر الوجود الإنساني.

5 ـ مارسيل موس(Marcel Mauss, 1872–1950)

يُعَدّ مارسيل موس (Marcel Mauss)من رواد الفكر الاجتماعي في القرن العشرين، وقد ترك أثرًا عميقًا في دراسة الحضارة والثقافة من خلال تحليله للعلاقات الاجتماعية والرمزية بين البشر. في عمله الشهير Essai sur le don (1925)، قدّم موس مفهوم العطاء المتبادل(le don réciproque)  باعتباره أساسًا لكل نظام حضاري، إذ يرى أن التبادل ليس اقتصاديًا فحسب، بل ظاهرة كلية (Fait social total) تشمل الدين، والأخلاق، والقانون،والسياسة[6].
يرى موس أن الحضارة تتأسس على منطق المشاركة والالتزام المتبادل، لا على المصلحة الفردية. فكل مجتمع يعبّر عن ذاته من خلال طقوسه وهباته وشعائره، وهي أشكال رمزية تربط الأفراد بالجماعة وتمنح حياتهم معنى. ومن هنا، تُفهم الحضارة عند موس بوصفها نسيجًا من الأفعال الرمزية التي تحافظ على توازن المجتمع وتعبّر عن وحدة الإنسان في علاقته بالآخر.

أثّر هذا التصور العميق في مدارس فكرية لاحقة، مثل “البنيوية” عند “كلود ليفي-شتراوس”، الذي رأى في موس أستاذه الفكري. وبذلك، أسهم موس في تحويل دراسة الحضارة من مجال التاريخ والسياسة إلى تحليل البنى الرمزية والاجتماعية التي تؤسّس لكل مجتمع إنساني.

6 ـ لوسيان فافر (Lucien Febvre, 1878–1956)

عُدّ “لوسيان فافر” (Lucien Febvre)من أبرز المؤرخين الذين أسّسوا لفهم جديد للحضارة من منظور تاريخي شامل، بعيدا عن السرد السياسي التقليدي. فقد دعا، مع زميله “مارك بلوخ”، إلى دراسة التاريخ من خلال الذهنية الجماعية والبيئة الجغرافية والاقتصادية والثقافية التي تُكوِّن الإنسان.

في كتابه “مشكل عدم الإيمان في القرن الواحد والعشرين” (Le problème de l’incroyance au XVIesiècle)  (1942) الذي نشر عام 1942،  أظهر أن الأفكار والمعتقدات لا يمكن فصلها عن السياق الحضاري الذي نشأت فيه[7].

يرى فافر أن الحضارة ليست مجرد تراكم مادي أو ثقافي، بل هي نظام من العلاقات بين الإنسان والمكان والزمن والفكر، تتجسد في ما يسميه التاريخ الكلي (l’histoiretotale) . بذلك، تصبح دراسة الحضارة بحثًا في إيقاع الحياة اليومية والعقلية والمخيال الاجتماعي، لا في الحوادث الكبرى فقط. لقد مهّد فكره لولادة التاريخ الاجتماعي والثقافي الحديث، وجعل من مفهوم “الحضارة” موضوعا للدراسة المتكاملة بين التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا، مؤكّدًا أن كل حضارة هي تعبير عن طريقة معينة في الشعور بالعالم والتفاعل معه.

7 ـ كلود ليفي–شتراوس  (Claude Lévi-Strauss, 1908–2009)

يُعَدّ “كلود ليفي–شتراوس” أحد أبرز المفكرين الفرنسيين الذين أعادوا صياغة مفهوم الحضارة من منظور بنيوي، حيث رأى أن ما يميّز الإنسان ليس التاريخ أو التطور التقني، بل القدرة على التنظيم الرمزي. فالحضارة، في نظره، هي منظومة من البنى العقلية التي تُعبّر عن ثوابت الفكر الإنساني في مختلف الثقافات[8].في كتابه “الفكر البري” (La Pensée sauvage) الذي ألفه عام 1962، يعارض ليفي-شتراوس الفكرة الغربية عن “البدائية”، مؤكدًا أن المجتمعات التقليدية تمتلك عقلًا منطقيًا موازٍ للعقل العلمي، لكنه يعمل بطرق مختلفة من خلال الأسطورة والرمز.

يرى شتراوش أن الثقافة والحضارة ليستا نتاج تطور خطيّ من الهمجية إلى التمدن، بل هما شبكة من الأنظمة الرمزية– كاللغة والقرابة والدين – تشترك في بنية عقلية واحدة لدى جميع البشر. وبذلك ينتقد المركزية الغربية التي ربطت الحضارة بالتقدم المادي فقط.

من هذا المنظور، تصبح دراسة الحضارة دراسة للعلاقات والبنى العميقة التي تنظّم الحياة الإنسانية، لا لتاريخ الظواهر وحده. ومن هنا، أسّس ليفي-شتراوس ما سمّاه “علم البنى الثقافية”، الذي جعل الأنثروبولوجيا وسيلة لفهم وحدة العقل البشري في تنوّع مظاهره الحضارية.

8 ـ ميشال فوكو (Michel Foucault, 1926–1984)

ميشال فوكو هو أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، وأعمقهم أثرًا في تحليل الحضارة الحديثة من زاوية العلاقة بين السلطة والمعرفة.  في نظره، الحضارة ليست تراكما علميا أو فنيا، بل هي نظام شامل لإنتاج الحقيقة وضبط الإنسان.

فكل عصر حضاري – كما يرى – يُنشئ ما يسميه نظام الخطاب(Discourse)  الذي يحدد ما يجوز قوله وفِعله وما لا يجوز، وما يُعدّ مقبولًا أو منحرفًا، ومن خلال هذا النظام تُنظَّم مؤسسات كالسجن والمستشفى والمدرسة، التي تُنتج صورة ” الإنسان المتحضر”.

و في كتابه “المراقبة والعقاب” (Surveiller et punir) الذي ألفه عام 1975، وصف فوكو الحضارة الحديثة بأنها حضارة الانضباط والمراقبة، إذ تحوّلت السلطة من القهر المادي إلى السيطرة الناعمة عبر التعليم والعلم والقانون،فأصبحت المعرفة نفسها أداة للهيمنة[9].

بدأ فكره بتحليل الجنون والإقصاء في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي (  Histoire de la folie à l’âge classique) في 1966، ثم درس نظم المعرفة في كتاب الكلمات والأشياء (Les mots et les choses) في 1966، قبل أن ينتقل إلى نقد آليات السلطة الحديثة في كتاب “المراقبة والعقاب” ، وصولًا إلى تحليله للعلاقة بين الجسد والسلطة والأخلاق في كتاب “تاريخ الجنس” (Histoire de la Séxualité) بين 1976- 1984[10].وهكذا تحوّل مفهوم الحضارة عند فوكو من كونها مشروعًا للتقدم الإنساني إلى كونها بنية خطابية تنتج الإنسان كمفعول للسلطة والمعرفة[11].

9 ـ صموئيل هنتنغتون (Samuel P. Huntington, 1927–2008)

يُعَدّ صموئيل هنتنغتون أحد أبرز المفكرين الأمريكيين الذين أعادوا طرح مفهوم الحضارة في سياق العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة. في كتابه الشهير “صدام الحضارات، وإعادة تشكيل النظام الدولي”، عام 1996 (The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order) رأى أن الصراعات المستقبلية لن تكون أيديولوجية أو اقتصادية، بل حضارية وثقافية، حيث سيتحدد العالم وفق خطوط الانقسام بين الحضارات الكبرى مثل الإسلامية، والغربية، والكونفوشيوسية، والهندوسية، والأرثوذكسية، واليابانية، والأمريكية، واللاتينية[12]، وسنعود إلى هذا التصنيف باعتبار تأثيره الواقعي في السياسة والعلاقات الدولية الراهنة.

ينطلق هنتنغتون من فرضية أنّ الهوية الثقافية والدينية هي العنصر المحوري في تشكيل الولاءات السياسية في عصر ما بعد الحداثة. فالحضارة، عنده، ليست مجرد مظهر ثقافي، بل هي “الهوية الأوسع التي تميّز الإنسان عن الآخرين”. لذلك اعتبر أن الحداثة لا تعني التغريب، وأن مقاومة الحضارات غير  الغربية للهيمنة الغربية تعبّر عن سعيها للحفاظ على ذاتها الرمزيية[13].

غير أن رؤيته أثارت جدلاً واسعًا، إذ اتُّهمت بأنها تبرّر الصدام بين الشعوب وتعيد إنتاج المركزية الغربية. ومع ذلك، فقد أسّس فكره لمنعطف مهم في دراسة العلاقات بين الحضارات، حيث حوّل “الحضارة” من مفهوم ثقافي إلى إطار تفسيري للنظام العالمي المعاصر. تُعتمد نظريته اليوم في عدد من مراكز الدراسات الاستراتيجية والدوائر السياسية في الغرب كمفتاح لتفسير الاحتكاكات بين الغرب والعالم الإسلامي، وصعود الصين، وإعادة التموضع الروسي. لكنها واجهت أيضًا انتقادات قوية من مفكرين مثل أمارتيا سن و إدوارد سعيد وغيرهما، الذين رأوا فيها نموذجًا اختزاليًا يقسّم العالم إلى “نحن” و”هم”، ويغفل التعقيد الداخلي للحضارات[14]

[1] Oswald Spengler, The Decline of the West, Vol. I: Form and Actuality, trans. Charles Francis Atkinson (New York: Alfred A. Knopf, 1926), 31.

[2] Ibid 72

[3] Fernand Braudel, On History, trans. Sarah Matthews (Chicago: University of Chicago Press, 1980),30

[4] Jacques Ellul, La Technique ou l’enjeu du siècle (Paris: Armand Colin, 1954), 6.

[5]  Arnold Gehlen, Der Mensch. Seine Natur und seine Stellung in der Welt (Bonn: Athenaion, 1940), 32.

[6] Marcel Mauss, Essai sur le don: Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques (Paris: Presses Universitaires de France, 1925), 3.

[7] Lucien Febvre, Le problème de l’incroyance au XVIe siècle: La religion de Rabelais (Paris: Albin Michel, 1942), 15.

[8] Claude Lévi-Strauss, La Pensée sauvage (Paris: Plon, 1962), 25.

[9] Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975), 26–30

[10] Michel Foucault, Les Mots et les Choses (Paris: Gallimard, 1966); Histoire de la sexualité (Paris: Gallimard, 1976–1984)

[11] Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow, Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics (Chicago: University of Chicago Press, 1983), 130–133.

[12] Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996), 22.

[13] Amartya Sen, “Civilizational Imprisonments: How to Misunderstand Everyone in the World,” The New Republic, March 10, 1999, 29.

[14] Edward W. Said, “The Clash of Ignorance,” The Nation, October 22, 2001

في الوقت الذي يشهد العالم تحولات كبيرة ضد الكيان، المخزن المغربي يرفع مستوى التطبيع الآثم مع الصهاينة، بتنسيق ودعم أمريكي كامل.

عشرون جندي إسرائيلي شهدوا على المجازر المروعة التي اقترفوها في حق المدنيين الفلسطينيين في فلم وثائقي زلزل الرأي العام العالمي، كرة الثلج تتعاظم لصالح القضية الفلسطينية في مختلف أنحاء العالم وفي أمريكا نفسها، في هذا الوقت بالذات يقدِم المخزن بلا حياء ولا آدمية على وقوفه المشين مع المجرمين.

وفي نفس الوقت يتخذ المخزن إجراءات عدائية ضد الجزائر وضد الشعب الجزائري كله، والغريب في الأمر أن مواقفه المخزية هذه جاءت مباشرة بعد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية  مع دولة الإمارات.

هذه الأحداث تدل على ما يلي :

– المخزن فاقد للسيادة وقد أصبح أداة طيعة خانعة في يد حكام الإمارات ولخدمة التحالف الصهيوني الإماراتي الأمريكي.

–  دولة الإمارات دشنت موجة مؤامراتها الجديدة بتحريك المخزن ، وما يتوقع منه أكثر ، ولكنها متجهة إلى حتفها بإذن الله.

– الكيان الصهيوني لم يصبح له من أدوات للخروج من عزلته سوى الأنظمة الضعيفة  المنفصلة عن شعوبها.

– الولايات الأمريكية هي الخطر الأكبر على الجزائر، كما هي خطر على العالم العربي والإسلامي، لتحالفها مع المجرمين الص٥اينة ومع الدول المطلعة فلا أمان ولا مستقبل أبدا في الخضوع والخنوع لها، وهي دولة آيلة إلى الأفول . وشرف الشعوب والنخب في تسريع تغيير العالم نحو نظام متعدد لا سلطة ولا تأثير فيه للولايات الأمريكية المتحدة.

والسؤال الكبير ما هو دور الشعب المغربي والنخب المغربية والأحزاب والجمعيات المغربية تجاه هذا الانحدار الأخلاقي الذي يجرهم إليه المخزن؟

عبد الرزاق مقري

لا تزال آثار أقدامه المضرّجة بدمه، كأنها منقوشة في الأرض، تحكي قصة بطلٍ سيسجل التاريخ ملحمته. تراها كأنها لوحة رسّامٍ أبدع في تصوير بطولة إنسانية ستبقى خالدة في الذاكرة.

كان مراد يجري بين ألسنة اللهب لينقذ الناس، ويتحدى الهلع برصانة تتجاوز المعقول، يساعد المذعورين العالقين، ويقود الفارّين من النار إلى أي مكان قد تكون فيه نجاة. يسوق هؤلاء إلى مسجد بقي شامخًا على قارعة الطريق بعناية الديّان، ويُدخل أولئك إلى بيت على هضبة حفظ الله سقفه من عاصفة النار.

كان يجري بين المسالك، ينادي بصوته الجهوري: خذوا هذا الطريق! ارجعوا، لا نجاة من هناك! ابقوا في بيوتكم، لا تخرجوا، لعل في ذلك نجاتكم!

وكان اللهب ينتقم منه في كل مرة، كأنه ضربات سيف تطعن محاربًا مغوارًا، لكنه كان يمضي، لا يتوقف، كلما أنقذ إنسانًا عاد إلى قلب النار لينقذ آخر.

وفي إحدى تلك المرات، أرسل مع ابنه الأكبر عائلةً إلى مكان آمن قبل أن تشتد النيران، فنجا الابن ونجت العائلة. أما ابنه الآخر، فقد علق مع أخواله وسط الجحيم، فقضى معهم رحمهم الله

تؤكد آثار الأقدام المضرجة رواية اللحظات الأخيرة. أدرك البطل، في لحظة من اللحظات، أنه أصبح محاصرًا وأن الهلاك يقترب منه، فأخذ يجري حول أحد البيوت يبحث عن الماء ليطفئ النار التي كانت تأكل جسده، حتى وجد حوضًا صغيرًا لتخزين الماء، فألقى بنفسه فيه.

بقي بطلنا في ذلك الحوض ساعات، والنيران من حوله تأكل بعضها بعضًا، حتى عُثر عليه وقد فات الأوان. لم تترك له الحروق العميقة الممتدة في جسده فرصة للنجاة.

كان ، رحمه الله، منتخبًا محليًا يعرف العائلات وأماكن سكنها، ويحفظ شعاب بلديته النائية في رأس الجبل. كان صاحب سمعة طيبة وقدر عالٍ بين الناس، مثّل من اختاروه خير تمثيل. وكان قبل ذلك عسكريًا في سلك الدرك الوطني، يتمتع ببنية قوية ولياقة بدنية أهلتاه لتحمل الإجهاد والمشقة، إلى أن خارت قواه في ذلك اليوم الرهيب، فارتقى شهيدًا، بإذن الله.

لقد هلك في تلك المصيبة العظيمة خلق كثير. يقولون لنا: هنا سُحقت عائلة من عشرين فردًا، وهناك أدركت النيران خمسة أفراد من عائلة واحدة وهم يركضون طلبًا للنجاة. وفي هذه الساقية الخالية من الماء احترقت أم وابنتاها، فلم يبق في المكان إلا آثار أحذيتهن.

وهنا سيارة محترقة لم يبق من أصحابها سوى الرماد. وهناك عجوز عجزت عن الفرار، فنجت بين صخرتين كبيرتين، بينما هلكت نساء أهلها اللواتي غادرن المكان بحثًا عن الأمان. ومن هناك تأتي الأخبار بهلاك عشرة، وعشرين، وأكثر من ذلك، وكأننا أمام مشاهد من يوم القيامة.

لا شك أن حرائق غابات جيجل تتميز في هذه المأساة، عن حرائق بلاد أخرى، بكثرة الخسائر البشرية، والمفقودين والمصابين، وتلك مصيبة عظمى. لكن المصاب في فقدان أرواح الناس، لا يجعل الصبر على ضياع غاباتنا البديعة أمرًا هيّنًا. والله، إن الأمر لصعب، والله إن الصبر على ضياع جمال وسحر غاباتنا لصعب.

لا يستطيع المرء أن يدرك حجم الكارثة حقًا حتى يطوف عشرات الكيلومترات بين رؤوس الجبال ومهاوي وديانها، وسط ما كان يومًا غابات كثيفة عامرة بالحياة.

لم يبق من تلك الغابات الخضراء الجميلة، الخلابة، الممتدة مدّ البصر، سوى مشاهد سوداء حزينة كئيبة، على مدى النظر. أشجار محترقة ما تزال واقفة كالأعمدة الحزينة، لا طيور في سمائها، ولا حشرات، ولا دواب، ولا هوام تتحرك في أرضها.

أرشدنا  الأهالي إلى غابات احترقت عن آخرها، كانت تضم أشجار زيتون عتيقة تعود إلى عهد الرومان، فصارت أثرًا بعد عين. وأشاروا إلى غابات بين الجبال عجز نابالم الاستعمار الفرنسي الغاشم عن إحراقها كلها، فلم يبق منها في هذه المحنة الجلل شيء.

كانت عائلة مراد رحمه الله ، في مجلس العزاء، صابرة محتسبة. لكن أبناءه لا يزالون تحت وقع الصدمة. كان لسان ابنه محمد الناجي في المهمة التي كلفه بها والده يتلعثم كلما تحدثنا إليه، لعله يقول في نفسه: “يا ليتني بقيت مع أبي، فلربما استطعت أن أخرجه من ذلك الحوض، ولربما وجدت من يساعدني على حمله إلى مكان يُعالج فيه قبل فوات الأوان”.

ولكن الإيمان بالله، وما يرجوه لوالده من نعيم في جنات الخلد، من الله الكريم الرحيم، يهوّن الأحزان، ويمنح القلوب قدرة على احتمال ما لا طاقة له باحتماله.

ثم يهوّن أحزاننا جميعا، نحن الجزائريين،  ما رأيناه من هبّة شعبية عظيمة. قوافل تجوب الطرق نحو جيجل وبلدياتها المتضررة، ومركبات تفرغ حمولاتها في المخازن والقرى، قادمة من كل أنحاء الوطن، من أقصى الجنوب، ومن الشمال والغرب والشرق، ومن مختلف أصناف الناس، يحملهم الإشفاق والمحبة والعواطف الجيّاشة.

والله العظيم، إنه لشعب عظيم!  شعب إذا أصاب جزءًا منه الألم، هبّ إليه الآخرون. وإذا نزلت المحنة بأهل ناحية، اتجهت قلوب الوطن كله وجهتها.

شعب سيحميه الله من كل مكروه، وسيعوضه عند كل مصاب. وسيجعل للأرامل واليتامى والمفجوعين والمكلومين مخرجًا، وينزل عليهم السكينة، ويجبر كسرهم، ويغمرهم من فضله ورحمته.

ونرجو أن يخلف الله علينا خيرًا في غاباتنا، وفي جمال جبالنا، وفي طيورها ودوابها وكل ما فقدناه فيها، وأن يعوضنا بغابات أجمل وأحسن، تعود إليها الحياة بعد أن مرّ بها الموت.

وما ذلك على الله بعزيز.

 

عبد الرزاق مقري

في الأزمات الكبرى تُختبر قوة الدول بمؤسساتها وقدرتها على حماية مواطنيها ومواجهة الأخطار، وتُختبر معها قوة المجتمع وتماسكه، وما يختزنه من قيم التضامن والتكافل والتعاضد حين تشتد المحن.

وفي خضم المحنة، تحول كثير من المواطنين إلى شركاء حقيقيين في مواجهتها، وتلاقت المبادرات الفردية الصغيرة لتصنع جهدا جماعياًكبيرا. واكتسب التضامن معناه الأجمل حين خرج من دائرة الشعور إلى ميدان الفعل؛ في يد تمتد بالعون، وشاب يقطع مئات الكيلومترات لإغاثة أسرة لا يعرفها، وعائلة تفتح بيتها للمتضررين، ومواطن يقدم ما يملك لأن أخاً له في ;أصابته المحنة. وفي هذه الصور البسيطة والعميقة معا ظهر معدن الجزائريين، وقدرتهم على تجاوز اختلافاتهم والوقوف صفا واحدا عندما يناديهم الواجب.

هذه الروح ضاربة بجذورها في تاريخ الشعب الجزائري، رافقته في الشدائد، وكانت من مصادر قوته وصموده في أحلك الظروف. فالدولة تستمد قوتها من مؤسسات قادرة على القيام بواجباتها، ويمنحها المجتمع المتماسك قوة أخرى حين يشعر أبناؤه بوحدة المصير، ويصبح ألم الواحد منهم هما للجميع، وتتحول الأخوة من قيمة نتحدث عنها إلى سلوك نراه في الميدان.

ولعلّ من أجمل ما كشفت عنه هذه المحنة أنّ الجزائر تملك رصيدا اجتماعيا وأخلاقيا كبيرا، وأن في شبابها طاقة هائلة من الخير والعطاء، تظهر كلما احتاج الوطن إليها. وسط صور النار والخوف والخسارة، ظهرت صور أخرى تبعث على الأمل، إنها الشجاعة، والنخوة، والرحمة، والتطوع، والتنافس في فعل الخير. وهي قيم تستحق أن نحافظ عليها بعد انطفاء الحرائق، وأن نحولها من اِستجابة للمحنة إلى ثقافة راسخة في حياتنا العامة.

فالجزائر تحتاج في أيام الرخاء إلى الروح نفسها التي تظهر في أيام الشدة، روح المسؤولية والتعاون والثقة وخدمة الصالح العام. وإذا استطعنا أن نحافظ على هذا الرصيد وننقله من لحظات الأزمات إلى حياتنا اليومية، فسيكون التضامن الذي شهدناه أكبر من استجابة عابرة لكارثة، وسيصبح قوة تساهم في بناء الوطن وحماية تماسكه.

حين تصيب الجزائر محنة، يستعيد أبناؤها ذلك المعنى النبوي البليغ للجسد الواحد: “إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

نسأل الله أن يحفظ الجزائر وأهلها من كلّ سوء، وأن يرحم من فقدناهم، ويشفي المصابين، ويعوّض المتضررين خيراً، ويجزي رجال الحماية المدنية، والمؤسسات الرسمية، والمنظمات والجمعية الخيرية، وكل من ساهم في إطفاء الحرائق وإنقاذ الأرواح وإغاثة المنكوبين خير الجزاء، خصوصا جنود الخفاء، الذين لم يضطروا لإظهار مساهماتهم، وأن تبقى هذه الروح جسراً يجمع الجزائريين، في الشدّة والرخاء، على المحبة والتعاون وخدمة الوطن.

عبد الرزاق مقري

كنت على اتصال مع أعزاء أصدقاء من جيجل، ما أخبروني به مؤلم جدا. عدد الوفيات والمفقودين كبير، كما أن تلك الغابات الكثيفة الجميلة الخلابة التي آوتنا في مختلف أطوار أعمارنا، واحتضنت أبناءنا وشبابنا  في المخيمات والرحلات السياحية  لسنوات فُقدت في أيام قليلة. شيء محزن جدا، ومؤلم جدا . جيجل بحق منطقة منكوبة.

جيجل لها علينا أفضال كبيرة لا تُنسى.

الخسائر الكبيرة بالتأكيد هي خسارة البشر، وما يجب الاستفادة منه، من هذه المأساة، ومن تجارب الدول هو كيف يتم تجنب الخسائر البشرية مهما كانت ضراوة وأسباب هذه النكبة.

يجب إخبار الرأي العام بحقيقة المأساة، صور الجثامين من الجنازات يطّلع عليها الناس عبر الوسائط الاجتماعية.

الشكر الجزيل لرجال الإطفاء، وكل الأسلاك الرسمية والمتطوعين، تقبل الله من الجميع.

اللهم ارحم كل من استشهد ( المتوفى حرقا شهيد) ، واشف المصابين، وعوض الخسائر العامة والخاصة كلها، إنك عزيز كريم على كل شيء قدير.

عبد الرزاق مقري

إنما  قيمة المعارك، في تاريخ حركات التحرر،   في قدرتها على تغيير قواعد الصراع وفتح مرحلة جديدة فيه، وليست أبدا في حجم النتائج العسكرية والخسائر المادية والبشرية . فقد تأتي عملية عسكرية في لحظة تبدو فيها حركة التحرر محاصرة ومحدودة الإمكانات، فتتحول إلى حدث تاريخي يكسر الحصار الإعلامي والسياسي ويوسع قاعدة المشاركة الشعبية، ويفرض  القضية على الساحة الدولية، ويكشف حقيقة المحتل، ويوصل الصراع إلى نقطة اللارجوع في مسار التحرير .

ومن هذه الزاوية، تكتسب هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 أهمية استثنائية في تاريخ الثورة الجزائرية، وتاريخ الثورات البشرية ضد الاحتلال. ويمكن، من منظور تاريخي مقارن، أن نرى بعض أصدائها في هجوم “تيت” الفيتنامي سنة 1968، وفي التحول الكبير الذي أحدثه هجوم 7 أكتوبر 2023 في مسار القضية الفلسطينية.

ولا يعني ذلك أن “تيت” أو  7 أكتوبر كانا نسخا حرفية للتجربة الجزائرية، أو أن قادتهما أعلنوا أنهم اقتبسوا حرفيا خطة زيغود يوسف. فلكل تجربة سياقها وقياداتها وحساباتها الخاصة. لكن الثورة الجزائرية قدمت نموذجا مبكرا ومؤثرا في تاريخ حركات التحرر يمكن صياغته في جملة واحدة: حين يعتقد الاحتلال أنه تمكن أبديا في البلاد التي سيطر عليها،  وتصبح مقاومته محاصرة، ومحدودة جغرافيا، ومعزولة شعبيا ودوليا، فإنها تحتاج إلى حدث كبير ينقل الصراع من حالة الجمود إلى حالة التحول والانطلاق الجديد،  مع تحمل التضحيات مهما عظُمت.

عندما اندلعت الثورة الجزائرية في أول نوفمبر 1954، كانت لا تزال محدودة الانتشار، وكان الأوراس مركزها الأساسي. وقد سعت فرنسا إلى تطويق المنطقة وخنق الثورة فيها قبل أن تتوسع. وكانت المشكلة لا تقتصر على الحصار العسكري فحسب، فالثورة كانت لا تزال بحاجة إلى الاندماج الكامل مع الشعب، كما كانت بحاجة إلى كسر عزلتها السياسية والدولية.

وكانت فرنسا، في الوقت نفسه، تملك قدرة كبيرة على التحكم في الرواية التي تصل إلى العالم. كانت تقدم نفسها باعتبارها دولة الحرية وحقوق الإنسان، وتصور ما يجري في الجزائر باعتباره شأنا داخليا أو اضطرابات محدودة، بينما كان الاستعمار نفسه يقوم على نظام من السيطرة والقمع والتمييز.

لقد كانت الثورة النوفمبرية بحاجة  إلى زخم جديد، وإلى حدث كبير يحرك المياه الراكدة، ويضع الشعب أمام حقيقة الصراع، ويجعل التراجع إلى زمن الاستكانة والمهانة أمرا مستحيلا. وكانت هناك قطاعات من النخب الجزائرية لا تزال تربط مستقبلها بفرنسا أو تراهن على الاندماج فيها وفي ثقافتها وكيانها السياسي والاجتماعي،  وكان الشعب يعيش تحت وطأة الخوف من بطش الاستعمار. وكان لا بد، في لحظة ما، من كسر هذا الخوف، وإدخال المجتمع كله في معادلة الصراع.

في 20 أوت 1955 شنت وحدات جيش التحرير، بقيادة زيغوت يوسف وقادة ومناضلي  المنطقة الثانية،  هجمات متزامنة على مواقع استعمارية في مناطق عديدة من الشمال القسنطيني، بهدف ضرب القوات الفرنسية في مواقع عديدة لم يكن يتوقعها، وتخفيف الضغط عن الأوراس، وتوسيع نطاق الثورة. وكانت العملية أكبر من أن تُقرأ باعتبارها هجوما عسكريا محدودا، فقد كانت رسالة سياسية واستراتيجية أكدت  أن الثورة قادرة على فتح جبهات جديدة، وأن الشعب الجزائري سيلتحم مع الثورة في مواجهة الاستعمار.

حققت الهجومات أهدافها  الجوهرية على الفور  فكسرت  الحصار الجغرافي عن الثورة، ومكنت قطاعات واسعة من السكان للمشاركة بطرق مختلفة في الهجومات، كما أدى رد الفعل الدموي الهمجي الواسع لجيش الاحتلال ضد الشعب الجزائري، بما  أودى بحياة الآلاف من  الجزائريين في الأحداث وما أعقبها، إلى توسيع القاعدة الشعبية للثورة وأصبح الصراع، بصورة أوضح، صراع شعب ضد نظام استعماري، لا مجرد مواجهة بين وحدات مسلحة وقوات فرنسية. والمفارقة التاريخية المهمة هنا أن فرنسا أرادت أن تجعل من القمع وسيلة لإخماد الثورة، وكسر إرادة الجزائريين لكي لا يعودوا لمثل تلك الهجومات، فإذا به يصبح عاملاً في توسيعها سياسياً وشعبياً ودولياً.

كما بدأت قطاعات جديدة من المجتمع والنخب في إعادة النظر في مواقفها، وأصبح الارتباط بالمشروع الاستعماري، بأي شكل من الأشكال، معرة ومسبّة بعد هجومات 20 أوت. وهكذا ساهمت هذه الهجومات  في صناعة ما يمكن تسميته نقطة اللاعودة، إذ لم تعد الجزائر بعد هذه الأحداث هي الجزائر التي كانت قبلها، ولم تعد الثورة مجرد انتفاضة محدودة يمكن احتواؤها بالقوة، ولم يعد يُتصوّر الوصول إلى حل مع الاحتلال سوى إنهائه.

لقد انكشفت أمام العالم، بعد كثافة الهجومات والرد الإجرامي للاستعمار عليها،  حقيقة الاستعمار بصورة أكبر، ولم تعد فرنسا قادرة بالسهولة نفسها على تقديم القضية باعتبارها مجرد اضطراب داخلي. وفي سبتمبر 1955 أُدرجت القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في تطور دبلوماسي بالغ الأهمية جاء بعد أقل من عام على اندلاع الثورة، وشهرا واحدا بعد هجومات 20 أوت، والدرس هنا: أن العالم لن يلتفت إليك وأنت تحت الظلم ما لم تقاومه، ولم تضح في مواجـهتك له.

أن 20  أوت  لم يحرر الجزائر في يومه، ولم يكن نصرا عسكريا نهائيا،  ولكنه كان جزءاً من مسار طويل استمر سنوات، وكانت نتائجه حاسمة على عدة أصعدة، إذ غيّر طبيعة الحرب نفسها فوسّع مجالها الجغرافي، وعمّق بعدها الشعبي، ورفع مستواها السياسي، وفتح لها أفقا دوليا، وأعاد تشكيل موازين القوى داخل المجتمع والثورة.

ومن هذه الزاوية تظهر عبقرية التجربة الجزائرية: من حيث صناعة الفرصة وقلب الطاولة ضد الاحتلال في وقت غروره،  وتحويل التضحيات الهائلة إلى مكاسب سياسية واستراتيجية متراكمة.

إن هذا المنطق المقاوم نفسه، وهذه العبقرية الثورية ذاتها ما يمكنّنا من فهم ما جرى في فيتنام عام 1968 وفي فلسطين بغزة عام 2023.

في يناير 1968 شنّت القوات الفيتنامية الشمالية وقوات جبهة التحرير الوطني هجوما واسعا ومفاجئا ومتزامنا على عشرات المدن والبلدات في جنوب فيتنام، بما فيها سايغون، فيما عُرف بهجوم “تيت”.

عسكرياً، لم يكن الهجوم نصراً بالمعنى التقليدي، فقد تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة، ولم تتحقق كل أهدافها الميدانية، ولم تحدث الانتفاضة الشعبية العامة التي كانت القيادة الفيتنامية تأملها.

لكن قيمة “تيت” ظهرت في مكان آخر، فقد أحدث الهجوم صدمة استراتيجية ونفسية وسياسية هائلة داخل الولايات المتحدة. فالرأي العام الأمريكي كان يتلقى صورة عن حـ.رب تتقدم فيها القوات الأمريكية، وتحقق الانتصارات وتسيطر على الأرض،  فإذا بها تجد نفسها أمام هجوم واسع يصل إلى قلب المدن والمواقع التي كان يفترض أنها تحت السيطرة.

وعلى إثر هجومات “تيت” أصبح يطرح على الأمريكيين السؤال، ما فائدة تفوقهم العسكري، وقوة النار لديكم، وهل  تستطيعون أن تنتصروا سياسياً في حرب لا تستطيعون إنهاءها عسكرياً؟

وهذه هي إحدى النقاط التي تجعل تجربة “تيت” قابلة للمقارنة مع 20 أوت. لقد أثبتت التجربة الجزائرية قبل ذلك، ما أثبتته هجومات “تيت” من أن العملية الكبرى قد تكون أهم من نتائجها العسكرية المباشرة إذا نجحت في تغيير طبيعة الصراع، وإعادة تشكيل وعي الشعب، وإجبار العدو على رد فعل يكشفه، ونقل القضية إلى المجال الدولي.

لقد أدت هجومات “تيت” في  فيتنام  إلى تغيرات مهمة في الموقف الأمريكي، وساهم في فتح الطريق أمام مفاوضات باريس التي بدأت في العام نفسه، ثم جاءت مراحل لاحقة انتهت بانسحاب القوات الأمريكية وسقوط سايغون سنة 1975 وتوحيد فيتنام.

مرّة أخرى:  لم يكن ذلك  الهجوم وحده هو الذي صنع التحرير،  فقد كان جزءاً من حرب طويلة وتراكم سياسي وعسكري ودبلوماسي. لكن “تيت” كان نقطة تحول كبرى في مسارها.

ومن هذا الحدث التاريخي الكبير في مسار الثورات التحررية، نطرح السؤال: هل درس الثوار الفيتناميون هجومات الشمال القسنطيني بالجزائر التي وقعت عام 1955 ليبني على تجربتها هجومات توت التي وقعت عام 1968؟ ثم ما علاقة تيت وعشرين أوت بهجومات أكتوبر، في فلسطين،  من حيث الفكرة والمنهج؟

قبل أكتوبر 2023، كانت القضية الفلسطينية تعيش حالة من الجمود الاستراتيجي. الاحتلال مستمر، والاستيطان يتوسع، والحصار على غزة قائم، والتطبيع يتمدد، والانقسام الفلسطيني مستمر، وكانت هناك محاولات إقليمية ودولية لإدارة القضية أو تجاوزها، بينما بدا في بعض الأوساط العربية والدولية  أن القضية يمكن أن تتراجع تدريجياً في سلم الاهتمام الإقليمي والدولي، وعندئذ يمكن تصفيتها.

ثم جاءت عملية 7 أكتوبر لتقلب هذه الصورة بصورة مفاجئة وشديدة.

لقد شكلت العملية صدمة استراتيجية كبيرة للكيان الصهـ.يوني، واخترقت منظومة أمنية وعسكرية كانت تُقدَّم باعتبارها من الأكثر تطورا في العالم، وأعادت القضية الفلسـ.طينية إلى مركز الاهتمام العالمي، واحدثت تعاطفا شعبيا عالميا غير مسبوق، في داخل المجتمع والمؤسسات والجامعات  الأمريكية والغربية ذاتها،   ثم جاءت الحرب المدمرة التي أعقبتها، وما صاحبها من كارثة إنسانية هائلة، لتضع القضية مرة أخرى في قلب النقاش السياسي والقانوني والأخلاقي الدولي.

لقد كسر 7أكتوبر صورة الاستقرار الأمني القائم، وأعاد الصراع إلى واجهة السياسة الدولية، وأثبت أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها بمجرد ترتيبات أمنية أو اقتصادية، وأن إدارة الاحتلال ليست بديلاً عن معالجة أصل المشكلة.

وكما أخرجت هجومات 20 أوت الثورة الجزائرية من نطاق جغرافي محدود، وأخرجت تيت الحرب الفيتنامية من الصورة التي كانت الإدارة الأمريكية تحاول ترسيخها، فإن 7 أكتوبر أعاد فلسطين إلى مركز المشهد العالمي بعد أن بدا لكثيرين أن القضية يمكن احتواؤها وإبقاؤها في حالة انتظار مفتوح.

وهنا يمكن أن نلخص الدرس المشترك بين التجارب الثلاث في مجموعة قليلة من الأفكار، نركز عليها مجددا وهي: 

أولا – كسر الحصار إذ استطاعت الهجومات الثلاثة أن تفرض منطق الحق والمقاومة وأن تفرض على العدو مكان المعركة وشكلها، لدى شعوب العالم بأسره.

ثانيا –  كسر الخوف، حيث أثبتت العمليات الثلاث أن الأحداث الكبرى تدفع الجماهير إلى مواجهة الواقع بدل البقاء في منطقة التردد والانتظار.

ثالثا – سقوط صورة القوة المطلقة، من ناحية أن الزخم المقاوم  الذي أحدثه هذا العمل الثوري في الثورات الثلاث أكد أن القوة العسكرية الهائلة لا تعني القدرة على التحكم الكامل في مسار التاريخ.

رابعاً – تحويل الحدث العسكري إلى مكسب سياسي، إذ أكدت الهجومات الثلاثة أن العملية الثورية لا تصبح تاريخية لمجرد وقوعها، وإنما عندما تستطيع حركتها أن تحول نتائجها إلى تراكم سياسي ودبلوماسي وشعبي .

خامساً: كسر احتكار الرواية. وذلك عندما استطاعت تلك العمليات البطولية منع  المحتل من احتكار صورة الصراع،  و أن تجعل العالم يرى الواقع كما هو.

سادساً: صناعة نقطة اللاعودة. من حيث ان تلك الهجومات جعلت الرجوع إلى الوضع السابق غير ممكن.

ولكن رغم أهمية هذه الهجومات في تاريخ الثورات الثلاث لا بد من التوضيح بأن التحرير لا يكون بعملية واحدة مهما كانت أبعادها وآثارها، وتاريخيتها، فعشرون أوت لم يحرر الجزائر وحده، وتيت لم يحرر فيتنام لحاله،  والسابع أكتوبر لا يحمّل  من تلقائه  تحقيق هدف التحرير. فالتحرير مشروع تاريخي طويل يحتاج إلى قيادة، وتنظيم، ووحدة شعبية، وصمود، ووعي، وتراكم دبلوماسي، وقدرة على إدارة الصراع وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية.

لقد استغرقت الثورة الجزائرية  بضع سنوات بعد 20 أوت حتى وصلت إلى الاستقلال، واحتاجت فيتنام  إلى مزيد من التضحيات سنين أخرى لتتحرر وتحقق وحدتها، وفلسـ.طين بدورها قد تحتاج إلى مسارات إضافية  وشاقة،  ولكن سيسجل التاريخ بأن تلك الأحداث الثلاثة هي الوقائع الثورية المسرعة للمسار  نحو التحرير، وفي كل الأحوال فإن التاريخ يقدم حقيقة لا ينبغي لأحد إنكارها: الاحتلال ليس قدرا أبديا.

لقد بدت فرنسا في الجزائر كقوة لا يمكن إخراجها، ثم خرجت. وبدا الوجود الأمريكي في فيتنام شديد الرسوخ، ثم انتهى. ولذلك فإن القول إن الاحتلال الإسرائيلي مستمر هو، قبل أن يكون موقفا سياسيا غبيا وساذجا،  هو حكمٌ يناقض منطق التاريخ.

وعليه فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هو:  كيف يتحول صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته في السابع من أكتوبر وبعده  إلى مشروع تحرري قادر على تغيير موازين القوى وصناعة الاستقلال؟ أما سؤال : هل ستتحرر فلسطين فهو غير مطروح أصلا

 

عبد الرزاق مقري

أكرر العنوان … مرة أخرى!  بلا موضوع عن العلمانية وعن العلمانيين، ولكنه عنوان كالمصيدة، لِما رأيت فيه من فاعلية  في جذب  طيف  من الذباب الالكتروني من الحمقى  والمغفلين والكذابين  (حاشا الناس الطبيعيين) الذين  يتم تلقينهم كالببغاوات أو القطيع “المسطول” الذي  كلما حاولنا أن نعالج نفوسهم وعقولهم لنرتفع بهم إلى عالم الأفكار،  يتهاوون جماعيا إلى مستوى الأشخاص، ومنها إلى دركات عالم الأشياء ، في الأعماق المتسخة بنفسياتهم المعذّبة، المثقلة بالأكاذيب والأراجيف التي يُحقَنون بها من أسيادهم، الأكثر بؤسا منهم، كالسم الذي لا يقومون منه إلا كالذي يتخبطه الشيطان من المس.

لذلك نضطر أحيانا أن ننزل إليهم للردع بالكلم الذي يليق بهم  أو لربما يرتدعون فنرفعهم حيث الهواء النقي

أردت  في هذا المنشور  أن أرد على كذبة تخص حياتي الخاصة ينشرونها بكثافة بأسلوب ذبابي مفضوح، إذ قلت لعل ثمة من السذج الذي لا يُتعبون أنفسهم في التبيّن فيصدقونهم، مع أن من أعرفهم من الطيبين لا يحبذون الالتفات إلى أراجيف المبطلين، خارج المجال الفكري، حتى لا أعطيهم قيمة لا يستحقونها، وأن الله سبحانه يدافع عن الذين آمنوا. غير أني فضّلت أن أكون من الاتجاه الذي يؤمن بأهمية رد الكذب على منهج المصطفى عليه الصلاة والسلام: “على رسلكم إنها صفية” ومع يعتبر بأن التهاون في الرد على الأراجيف التي أطلقها “السَّبَئيون” على سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في حينها، سبب رئيسي في الفتنة. مع الاعتماد على الله وتوفيقه في جهادنا ضد الباطل والمبطلين، الذين عوَّدنا دائما سبحانه، في كل مرحلة، بأننا نبقى وننمو والمرجفون الحاقدون يزولون.

والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن هؤلاء الذين ينشرون الكذب يعلمون أنهم يكذبون ولكن أزعجتهم الحجة والحقائق التاريخية، وأزعجهم المنطق العلمي ، و أكثر ما أزعجهم هو عجزهم عن الرد المقنع والارتقاء الى المستوى الذي أردناه من هذا النقاش. فراحوا يدخلون في معركة ” حبل الكذب القصير” الذي لا يكون حجة ولا برهانا كما هو معلوم، إذ لم يجدوا كذلك ما يتهموننا به، بحمد الله تعالى وفضله وإحسانه.

الكذبة تقول أن  أبنائي يدرسون في الخارج ، والأكثر من هذا  بمنح الدولة !

أولا لا يوجد عيب في أن يدرس أبناء الجزائر خارج الوطن فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”

مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ” وورد في الأثر ” اطلبوا العلم ولو في الصين ” ومن أخذ منحة دراسية من طلبتنا مستحِقا لها، دون محسوبية ولا رشوة ولا أي وسيلة مشينة، فهنيئا له، ودراسته هي زيادة خير للجزائر. كما أن من ساقته الأقدار ليهاجر خارج الوطن للعمل أو الدراسة، أو لأي غرض نبيل، أو من كان في المهجر مع أهله منذ القدم، فلا حرج عليه، إن كان يحافظ على هويته وأهله وسمعته وسمعة وطنه. ولا شك أن الذين كذبوا على أبنائي بأنهم يعيشون خارج الوطن عندهم عائلات واسعة الامتداد تعيش في فرنسا ومونتريال بكندا، نرى جحافلهم بارزة في مطار الجزائر، ولا نجد في ذلك حرجا.

غير أن أبنائي  لا أحد منهم درس في الخارج، في أي طور من أطوار الدراسة، من الابتدائي، إلى المتوسط، إلى الثانوي، إلى الجامعي. ثمانيتهم درسوا في القطاع العمومي، ولم يدرس أي منهم في القطاع الخاص، أو الدولي، وكلهم متفوقون، ناجحون ، صالحون، ملتزمون بحمد الله تعالى،

أكملوا كلهم  تعليمهم الجامعي في الجامعات الجزائرية  وجميع شهاداتهم الجامعية من جامعات جزائرية

الأول درس في المسيلة ثم العاصمة وتخرج من جامعة دالي ابراهيم

والثاني درس في المسيلة ثم العاصمة  وتخرج من المدرسة متعددة التقنيات للهندسة المعمارية والتعمير بالحراش.

والثالث درس في المسيلة والعاصمة ثم المدرسة الوطنية متعددة التقنيات بالحراش

والرابعة ، الابنة الكبرى ،  في المسيلة والعاصمة ثم كلية الطب بالجزائر العاصمة.

والخامس في المسيلة ثم العاصمة ثم كلية الطب والتخصص في الجزائر.

والسادسة ، الابنة الصغرى ، كل مسارها كان في العاصمة وأكملت دراستها في المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة

والسابع في العاصمة ثم المدرسة العليا للتجارة بالقليعة

والثامن في العاصمة ،  ويستعد قريبا لإكمال تعليمه الجامعي في جامعة دالي ابراهيم

كل هؤلاء  -ماعدا الأصغر سنا – تجاوزوا مرحلة الدراسة منذ سنوات وكل منهم متزوج  ويكدح في عمله  ليكسب  حلال رزقه بما وفرته  الحياة له من فرص ، لم يأخذ أي أحد منهم امتيازا من الدولة، وكلهم ناجحون  بحمد الله وفضله ومتميزون بين أقرانهم  يتحرون الحلال ، بعيدون عن الشبهات وأسأل الله لهم  الثبات ودوام النجاح .

وقد يشير أولئك المعتوهون إلى ابني  الأكبر  الذي يعيش في المهجر خارج الوطن، فإن ابني هذا  هاجر بامكانياته الشخصية،  بعد أن عمل سنوات بعد تخرجه من الجامعة في الجزائر ، فمثله مثل الشباب الجزائري الذي يبحث عن فرص أفضل، للدراسة أو العمل، في أصقاع الدنيا.

لقد قمت بواجبي مع كل أولادي حتى كبروا واستقلوا بحياتهم، وهم أحرار في ما يقومون به، وعندي كامل الثقة فيهم، ومن يريد أن يجد في سلوكهم ما يخجلني فسيشقى ويخيب سعيه، باذن الله، والله أسأله لهم ولجميع المسلمين الثبات. وأنا وإياهم شركاء في خدمة رسالة عظيمة نعيش من أجلها، ونتعاون عليها، لنكون نافعين لمن لهم حق من الله علينا، ولوطننا ولأمتنا، إلى أن نلقى الله وهو راض عنا.

عبد الرزاق مقري

 

عن العلمانية:

العلمانية هي اتجاه أيديولوجي  نشأ في بيئة غربية خلال صراع طويل بين الكنيسة والعلم، وضمن حروب دينية مدمرة بين الكاثوليك والبروتستانت، دامت ثلاثين سنة منذ عام 1618 إلى غاية مؤتمر واستفاليا عام 1648  الذي رسم فكرة فصل الدين عن الدولة، ثم جاءت الثورة الفرنسية ضد الملكية والكنسية عام 1789  فعمّمت مفهوم اللائكية وساهم  عنفها في تشكيل العلمانية في صورتها الأكثر تشددا.

هذا التاريخ لم يعرفه العالم الإسلامي، فلم يحدث صراع بين العلم والإسلام  مطلقا في الحضارة الإسلامية، بل كان الإسلام هو الدافع للعلم والتعلم، وكان علماء المسلمون ( الرازي، ابن سيناء، ابن رشد، الشافعي، والبيروني والكندي …)، علماء شريعة وعلماء في الرياضيات والفلك والكيمياء والطب والجغرافيا والتاريخ وأسسوا علم الاجتماع وعلم الاقتصاد ..إلخ .. ولم يوجد في التاريخ الإسلامي ثيوقراطية ولا تقديس للحاكم، ولم تنفصل السياسية عن الشريعة في التاريخ الإسلامي بسبب حروب بين المذاهب ولكن وقع ذلك بعد 14 قرنا بسبب الاستعمار ومؤامرات خارجية وحركات عميلة داخليا. ولم يحكم العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت، في الغالب، سوى أنظمة علمانية في العمق، وبدرجات متفاوتة في الظاهر، وهي بحكمها العلماني هذا سبب في استدامة تخلف البلاد الإسلامية.

وأما عن العلمانيين:

فهناك علمانيون معتدلون:  يؤمنون، بحكم تكوينهم،  بفصل مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية، دون إقصاء الدين من المجتمع أو الحياة العامة، قد لا يتبنون المرجعية الإسلامية في إدارة الشأن السياسي، لكنهم لا يحاربون الدين ولا يمنعون حضوره في المجال العام، ديمقراطيون يؤمنون بالحرية لمن يوافقهم ومن يعارضهم، يهمهم المحافظة على الأخلاق العامة والاستقرار الاجتماعي، وطنيون أوفياء لأوطانهم ولا يتآمرون على شعوبهم، يحترمون عناصر هوية البلد، أحرار يحاربون الفساد ويقاومون الاستبداد.

هؤلاء لا نوافقهم في أفكارهم ولكن نحترمهم ونتعاون معهم في المشترك الذي يخدم الوطن والصالح العام.

وهناك علمانيون ( لائكيون) متشددون، لا يكتفون بفكرة  فصل الدين عن الدولة، بل يسعون  إلى محاصرة الإسلام ومنعه من أي دور له في المجال العام والتربوي والثقافي، ولو كان في ذلك مصلحة للبلاد والعباد، لهم حساسية مفرطة وعقدة عميقة من كل ما يرمز إلى الإسلام واللغة العربية، غير ديمقراطيين ولا يؤمنون بالسيادة الشعبية، ويتآمرون مع الاستبداد لمنع الحريات ويسندون الانقلابات والتزوير الانتخابي، يحبون الفساد ويسعون للإفساد، بعضهم يعمل للمصالح الأجنبية، وكثير منهم يناضل من أجل التمكين لثقافة وهوية الدول الاستعمارية.

وهؤلاء المواجهة معهم بلا هوادة، والمعركة معهم امتداد للثورة النوفمبرية.

عبد الرزاق مقري.

ثالثا ـ المؤشرات الرقمية.

مقدمة:


إن الذي دفعني إلى البحث في المؤشرات الرقمية للانتخابات التشريعية لحركة مجتمع السلم، من 1992 إلى 2026، هو الجدل الذي وقع في الساحة الإسلامية في داخل صف الحركة وخارجها، على إثر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة 2026، بين متحامل على القيادة الحالية ضمن نفسية تصفية حسابات ما، وكأنه لأول مرة يقع التراجع الانتخابي في الحركة متناسين انهيار 1991 والتراجع الكبير في 2002، ونتائج الحركة المخيبة ضمن تكتل الجزائر الخضراء عام 2012، خصوصا في الانتشار الجغرافي النيابي، ومهونين من حصيلة جيدة حققتها الحركة في هذه الانتخابات (43 مقعدا) رغم التزوير يسمح  لها بالاستمرار والتطور في المستقبل إن أرادت، وبين رافض للنقد لما وقع من تراجع، محاولا تحميل القواعد وحدها المسؤولية، والتهوين من النتائج الجيدة السابقة، خصوصا نتائج 2021، بالحديث عن مؤشرات رقمية غير مكتملة وغير عادلة، وإلصاق التراجع في التزوير الذي هو سمة ثابتة في كل الانتخابات. ولا هؤلاء ولا هؤلاء تحدث عن الأزمة السياسية التي يتحملها النظام السياسي، خصوصا العزوف الانتخابي الذي بات يعدّ مقاطعة انتخابية شاملة، وما هي مسؤوليتنا في الحركة في هذه المقاطعة المتصاعدة التي بلغت في 2021 و2026  ، بعد سلسلة خيبات الأمل في التغيير عن طريق الانتخابات، حدا يكاد يلغي معنى هذه الاستحقاقات الانتخابية ويجعلنا جميعا ، السلطة أولا ثم نحن ـ كلنا ـ بعيدين عن توجهات المواطنين العامة واحتياجاته.

يقول الله تعالى في سورة النساء: ((نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ـ58 ))

ويقول عز وجل في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.

يُشكر السيد رئيس الحركة، الأستاذ عبد العالي حساني شريف، على اعترافه بالتراجع في الندوة الصحفية، وإن كان ثمة من يتحمل المسؤولية، فليس هو وحده، وربما لو كان غيره يقود الحركة ممن ينقده، في السر أو العلن، لوقع انهيار كامل، بل يتحمل المسؤولية معه المكتب التنفيذي الوطني، ورئيس الحملة الانتخابية وفريقه، وكل قيادات الحركة على المستوى المحلي، فهم من ساندوا الخط السياسي المتبع حاليا، والخطط الانتخابية، وتشكيل القوائم الانتخابية، علما بأن عملية الترشيح تتم ولائيا كالعادة دون أي تدخل من الهيئات المركزية في الحركة.

إن المنهجية التي اعتمدتها في هذه الدراسة لا تتعلق بانتخابات 2026 وحدها، أو أي انتخابات أخرى معزولة عن البيئة السياسية العامة. منهجية أنتقل من خلالها بالمتابعين إلى ملاحظة عمق الأزمة السياسية التي يتخبط فيها البلد، ويتخبط فيها بها التيار الإسلامي كله، منذ بداية التعددية، في مواجهة نظام سياسي قرر صد الطريق عليه، بكل تفاصيله، مهما بدا تقدم هنا أو تأخر هناك، وبخطط وآليات متعددة، تتطور من انتخابات إلى أخرى.

حاولت أن أثبت في هذه الدراسة الفرضية التي عرضتها في المقال الثاني بأن الحركة تتراجع في الانتخابات حين تقترب كثيرا من السلطة الحاكمة وحين يكون خطابها غامضا، لا هو خطاب موالاة واضح على شاكلة أحزاب الموالاة، ولا هو خطاب معارضة سياسية تضع نفسها عند الجمهور كبديل يريد الوصول إلى الحكم ديمقراطيا (ولو بعد حين)، خطاب لا يجعل لنفسه رقابة ذاتية تتعلق بالمواضيع والأشخاص والنبرة، ضمن المنهج السياسي السلمي، وما هو متضمن في الدستور المكتوب، وليس الدستور المفروض بالتحكم السياسي.

فالإشكالية التي أعالجها في هذه الدراسة لا تتعلق بالأشخاص، ولا هي دفاع عن نتائج ما أو تهوين لأخرى، إنما هي أرقام صمّاء لا يمكن تجاوزها، أريد من خلالها أن أنشغل بالسياسة وليس بالانتخابات وحدها، لأجزم بأن الاكتفاء بالعملية الانتخابية في عملية التغيير والإصلاح غير مجدية، بل تكون عقيمة ومديمة للأزمات، إن لم يكن معها أداء وخطاب يهدف إلى تغيير موازين القوة لصالح المجتمع في مواجهة تغول التحكم الرسمي، خدمة للبلد وخدمة لعموم الناس، بعيدا عن المصلحة الحزبية الضيقة ومصالح الأشخاص، الطامعين في عطاءات السلطة أو الخائفين من تحمل أعباء النضال، أو الذين يخضعون لابتزاز ما.

وأؤكد في هذه الدراسة بأن التزوير الانتخابي حالة مستدامة في كل الانتخابات، وأن مقاومته لها طريق واحد هو الاستعانة بعد الله بالشعب، والمقاومة السياسية، إذ كلما كانت رمزية الحركة قوية وجذابة تتقدم في النتائج رغم التزوير، وكلما كانت رمزيتها ضعيفة وخطابها غير واضح في مواجهة الاستبداد تتراجع أرقامها الانتخابية، وهذا الذي تبينه الدراسة بشكل واضح.

قد تكون هذه الخصوصية، خصوصية جزائرية، لا يزال النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكلي للحركة الإسلامية، ولكن هذه هي الحقيقة، يعمل على تحجيم التيار الإسلامي بالتزوير والتضييق، وتشتيته، وضرب بعضه ببعض، ولكن لا يزال لم يستطع إخفاء الدور الطلائعي الشجاع والمسؤول لحركة مجتمع السلم في مواجهة الإرهاب، في الوقت الذي كانت كثير من الوجوه المتشدقة بالحديث غير الصادق عن “الوطنية” غير معروفة أو لا دور لها،  كما أن النظام السياسي لا يزال يحتاج وجود التيار الإسلامي في الواجهة، لبعض التوازنات، وخصوصا في الظل الأزمات متعددة الجوانب التي يعيشها والتي يتوقعها، وقد شرحت هذه الحقيقة في المقال الثاني لمن يريد الرجوع إليه.

وسأقدم في هذه المقاربة الرقمية عدة جداول:

1ـ جدول تطور النتائج الانتخابية للحركة في الانتخابات التشريعية من 1991 إلى 2026

2 ـ   جدول تطور التنافسية.

3 ـ جدول تطور التقدم والتأخر في النتائج الانتخابية التشريعية عبر العهد التنظيمية الأربعة

ثم أقوم بتحليل الأرقام واستخلاص النتائج وفق الميزانين اللذين شرحتهما في المقال الثاني:

– ميزان: “الانتخابات يصنعها الناخبون ويتحكم فيها النظام السياسي”

– ميزان: “نتائج الأحزاب تصنعها أربعة عوامل: رمزية الحزب، حالة الحزب في الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشحين، الحملة الانتخابية”

1ـ جدول تطور نتائج الانتخابات من 1991 إلى 2026

يرسم الجدول وفق المؤشرات التالية:

عدد المقاعد: كل تقدم يقابله سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼) ، ويضاف أو ينقص سهم عند التقدم أو التأخر ب 10 مقاعد، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر)

الرتبة:: سهم أخضر صاعد (▲) لكل رتبة متقدمة وسهم أحمر نازل (▼) لكل رتبة متأخرة الحد الأدنى سهم واحد، والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر).

تغطية الولايات: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم بخمس ولايات، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).

نسبة التمثيل في المجلس الشعبي الوطني: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).

نسبة التمثيل بالنسبة لعدد الأصوات المعبر عنها: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).

ملاحظة: حين تكون النتائج متقاربة: سهم أخضر صاعد، سهم أحمر نازل (▲▼).

2026 2021 2017 2012 2007 2002 1997 1991
▼ ▼ 

من 65 مقعدا إلى 43 مقعدا

▲ ▲▲ 

من 34 مقعدا إلى 65 مقعدا

▲▼

نتائج متقاربة

من 31 مقعدا إلى 34 مقعدا.

بالنسبة لحمس

 

▼  

من 47 مقعدا إلى 34 مقعدا (بالنسبة للتكتل)

 

حمس:

▼ ▼ 

تراجع من 51 مقعدا إلى 31 مقعدا

 

التكتل:

▼ 

تراجع من 51 مقعدا إلى 47 مقعدا

▲ ▲ 

 

تقدم من 38 مقعدا إلى 51 مقعدا

▼▼▼

تراجع من 69 إلى 38

مقعدا

▲▲ ▲  

زيادة من ـ إلى

69 (+ 3) مقعدا

ـ عدد المقاعد
▼▼  

تراجع من الرتبة 2 إلى الرتبة 4

▲

من الرتبة 3 إلى الرتبة 2

▲▼

متعادلة من 3 إلى 3

▲▼

متعادلة من 3 إلى 3

▲

من المرتبة 4 إلى المرتبة 3

▼ ▼ 

من المرتبة 2 إلى المرتبة 4

 ▲ ▲ ▲

من ـ إلى المرتبة 2

الرتبة
▲▼

نتيجة متعادلة

(التقسيم الجديد: 35

 

التقسيم السابق: 32)

▲

تقدم من 28 ولاية إلى 32 ولاية

▲

تقدم من 19 ولاية بالنسبة للتكتل و18 ولاية بالنسبة ل”حمس”

إلى 28 ولاية ( يعتمد الميزان المحدد على نتيجة الحركة

▼ 

تراجع من 38 ولاية إلى 19 ولاية (التكتل)

و18 ولاية حمس (بالميزان المحدد سهمان نازلان ولكن لأن الفرق بسيط يترك سهم واحد)

▲

تقدم من 29 ولاية إلى 38 ولاية

▼ ▼ 

تراجع من 40 ولاية إلى 29 ولاية

 ▲▲▲

تقدم من ـ إلى 40 ولاية

تغطية الولايات
▼ ▼ 

تراجع من

15,75 %  إلى

10,5%

▲

تقدم من %6.93 إلى

15,75 %

▲▼

متعادلة بين 6،22

%6.93بالنسبة ل”حمس”

 

▼

تراجع من 10،17 إلى 6،93 % بالنسبة للتكتل

▼ 

تراجع من 13،11 إلى

 

%  10,17(بالنسبة للتكتل)

و

% 6,22 (بالنسبة لحمس)

▲

تقدم من 9،77 إلى

13,11%

▼ ▼  

تراجع من  18،16 إلى

9,77%

▲▲▲

من ـ إلى

18.16.

%

النسبة في المجلس الشعبي الوطني
▲

تقدم من 4،52 إلى

%8،51

▼ 

تراجع من 6،12 إلى

% 4,52

▲ (حمس)

من 4،10 إلى 6،12 %

 

▲▼

من 6،22 إلى

(التكتل) %6.12

▼ 

تراجع من 9،71 إلى

6.22٪ (التكتل: )

4,10 ٪ (حمس)

▲

صعود من 7،05 إلى

9,71%

▼ 

تراجع من 14،80 إلى

7,05%

▲▲

14.80 %

النسبة بالنسبة للأصوات المعبر عنها

 

ـ ملاحظات: 

ـ وقع الانهيار الانتخابي في 1991 ووقع التراجع في عدد المقاعد في 2002 (38 مقعدا) و 2012 (31\ 47 مقعدا) و 2026 (43 مقعدا).

ـ  تقدمت الحركة في النتائج في 1997 (69 مقعدا) و 2021 (65 مقعدا) وتأتي بعد ذلك 2007 (51 مقعدا).

ـ حصلت حمس على المرتبة الثانية مرتين في 1997 و 2021. والمرتبة الثالثة في 2007 و 2012 و 2021، والمرتبة الرابعة في 2002 و 2026.

ـ أحسن تغطية للولايات في 1997 (40 ولاية)، ثم تأتي 2007 (38 ولاية)، ثم تأتي 2021 و 2026 متقاربتان (32 ولاية) وفق تقسيم الولايات السابق (الذي يضم الولايات الجديدة: 3 ولايات إضافية)، ثم 2017 (28 ولاية)، وأضعف انتشار في 2012 (18 ولاية).

ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي نسبة 19% من التمثيل في المجلس الشعبي الوطني. أحسن تمثيل في المجلس الشعبي الوطني في 1997 (18،16%)، ثم في 2021 (%15,75 )، ثم 2007 (13,11%)، ثم 2026 (10,5%)، ثم في 2002 (9,77%)، وثم نتيجة متقاربة عام 2017 (6،93 %) وعام 2012 (بالنسبة لمقاعد الحركة: 6،22)

ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي 15% من عدد أصوات الناخبين المعبر عنها، أحسن نسبة عام 1997 (14.80 %7،05)، ثم تأتي بعدها انتخابات 2007 (9,71%)، وبعدها عام 2026 (%8،51)، ثم عام 2002 (7،05 %% 4,52)، ثم عام 2017 (6،12 %)، ثم عام 2021 (% 4,52)، ثم في الأخير عام 2012 ( 4,10 ٪ بالنسبة لحمس)

2 ـ جدول التنافسية:

يقصد بالتنافسية مقدار المسافات التي تفصل حركة حمس عن منافسيها في مختلف الانتخابات والتي يمكن ملاحظتها في الجدول من خلال تتبع أصواتها وأصوات الأحزاب التي كانت في دائرة المنافسة معها، وهم بشكل أساسي أحزاب التيار الوطني وأحزاب التيار الإسلامي، أما الأحزاب العلمانية فلم يُهتم بأصواتها لأنها لم تكن في أي انتخابات ضمن دائرة المنافسة مع حركة مجتمع السلم.

1991 1997 2002 2007 2012 2017 2021 2026
حركة مجتمع السلم 1553154 523.464 556401 التكتل: 475.049

حمس: 313.330

394833

(تحالف حمس)

208471 431743
جبهة التحرير الوطني 1497285 2.618.003 1314494 1.324.36 1655040 287828 736395
التجمع الوطني الديمقراطي 3533434 610.461 597712 524.057 964729 198758 641623
جبهة المستقبل 174.708 265667 153987 523915
حركة البناء 239457

(اتحاد البناء والعدالة والنهضة)

106203 376283
حركة النهضة 915446
حركة الإصلاح 705.319
حركة النهضة
جبهة العدالة والتنمية 198.544
تاج 270560

 

ملاحظات:

ـ يلاحظ أن التجمع الوطني الديمقراطي أخذ أكثر من 3،5 مليون صوت في 1997 بفعل التزوير الانتخابي العلني فأخذت الحركة نصف أصواته (1,5 صوت تقريبا) بفعل قوتها في هذه الانتخابات.

ـ في انتخابات 2002 اكتسحت جبهة التحرير الأغلبية بمناسبة عودتها لريادة أحزاب الموالاة فأخذت 2,6 مليون صوت من خلال التزوير الذي تحول في هذه الانتخابات إلى تزوير ذكي، وبسبب ضعف الحركة في هذه الانتخابات لم تستطع المنافسة وأخذت خُمس أصوات جبهة التحرير تقريبا (523.464).

ـ في انتخابات 2007 كانت الحركة في حالة تعافي نافست جبهة التحرير (المرتبة الأول: 1،3 مليون) فأخذت نصف أصواتها تقريبا (556401)

ـ في انتخابات 2012 تراجعت الحركة فنافست جبهة التحرير (1،3 مليون تقريبا) بربع أصواتها فقط (313.330 بالنسبة لحمس ، وعلى أكثر من ذلك بقليل بالنسبة للتكتل).

ـ في انتخابات 2017 كانت حركة حمس في طور الخروج من التراجع الكبير الذي وقع لها ضمن تكتل الجزائر الخضراء ولكن وجدت صعوبات جمّة سنشرحها لاحقا فأخذت (قرابة 400 ألف صوت)  أي ربع أصوات جبهة التحرير تقريبا (1،6 مليون)، مع التنبيه بأن هذه الانتخابات هي التي وصل فيها العزوف الانتخابي إلى أدنى نسبه ليتعمق أكثر في الانتخابات الموالية، وأكثر العازفين هم الذين يئسوا من العملية الانتخابية، علاوة على بروز حالة جديدة من التزوير الانتخابي القبلي وهو ما يتعلق ب”الزبر الانتخابي” الذي يقصي من قوائم الترشيح المرشحين الأكثر تنافسية من مرشحي الحركة.

ـ الانتخابات التي كانت أصوات الحركة فيها قريبة جدا من أصوات الحزب الأول (جبهة التحرير الوطني: 287828 صوتا) هي انتخابات 2021 حين نالت المرتبة الثانية ب (208471) أي بفارق : 79353 فقط، وهي أهم صورة تنافسية لحركة حمس في كل الانتخابات التي شاركت فيها. ويلاحظ بأن كل الأحزاب في هذه الانتخابات تراجعت تراجعا كبيرا في عدد الأصوات ويعود ذلك إلى الخطة التي اعتمدتها السلطات في تعويم الساحة الانتخابية بعدد هائل من قوائم المستقلين بمعدل 20 قائمة في كل ولاية، وقد وصلت في بعض الولايات التي للحركة فيها حضور قوي إلى 40 قائمة، وكانت النتيجة ضياع قرابة 4،5 مليون صوت لم تتحول إلى مقاعد، فتنافست الأحزاب الأساسية كلها على قرابة مليون صوت فقط. مع التأكيد بأن أصوات الأسلاك المشتركة لها تأثير كبير لصالح الأحزاب التي تستفيد منها، خصوصا في فترات العزوف الانتخابي.

غير أنه لا بد من الإقرار بأن العزوف الانتخابي، وقدرة المستقلة على أخذ هذا الكم الهائل من الأصوات تحد عجزت الأحزاب على مواجهته، موالاة أو معارضة، مهما كانت مسؤولية السلطة في ذلك. وتتحمل الحركة قدرها من المسؤولية في ذلك، فهي قبلت اللعبة والتنافس على حيز محدود من أصوات الناخبين، ولم تكن لها القدرة على إقناع الناخبين بجدوى المقاومة السياسية داخل العملية الانتخابية المتحكم فيها. ولم نستطع في هذه الانتخابات (2021) إقناع الناخبين بأن المشاركة في الانتخابات هي مقاومة سياسية، وليست هي وحدها التي نعتمدها من أجل الإصلاح والتغيير، على شاكلة مشاركة الحركة الوطنية في الانتخابات التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية إلى غاية منعها عام 1955، أي سنة بعد اندلاع الثورة. مع تسجيل الفرق، بطبيعة الحال، في تغيّر أنواع الكفاح في زمن الاستقلال من أجل الحريات والديمقراطية، في ظل دولة وطنية جزائرية تعتبر الأحزاب جزء منها.

ـ في انتخابات 2026 تضافعت أصوات حركة مجتمع السلم (431743 صوت) ولكن أصبحت بعيدة عن جبهة التحرير (736395) بفارق (304652 صوت)، أي 4 مرات أكثر من انتخابات 2021، وقد  تخلفت إلى المرتبة الرابعة بعد التجمع الوطني الديمقراطي وحزب المستقبل، واقتربت منها حركة البناء كثيرا لأول المرة  بفرق 3 مقاعد و55460  صوت فقط. مع التنبيه بأن في هذه الانتخابات اختفت قوائم المستقلين فانفجرت فقاعة كبيرة من الأصوات انتفعت منها كل الأحزاب المتنافسة بحسب الترتيب الحزبي الذي أظهرته نتائج الانتخابات والموضّح في الجدول أعلاه.

ويلاحظ في الجدول بأن الحركة تجاوزها في 2026 لأول مرة وصيف جديد من أحزاب تيار الموالاة غير جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب المستقبل، الذي قدمت له السلطات خدمة كبيرة قبيل الانتخابات بتصعيد رئيسه لمنصب رئيس برلمان الاتحاد الأفريقي.

كما أنه اتضح بأن الأحزاب الإسلامية من غير مدرسة الشيخ محفوظ انهارت منذ انتخابات 2021، وبقيت الأحزاب المنشقة عن الحركة تأكل من رصيد الحركة وليس من رصيد الأحزاب الأخرى، فنافس حزب تاج وحزب البناء الحركة في انتخابات 2017 منافسة جادة دون أن يستطيعا الاقتراب منها، وبعد أن انهار حزب تاج واصل البناء التقدم في 2021 إلى أن التصق بالحركة في 2026. فهو يوشك أن يحقق هدف  تجاوز حركة حمس ضمن توازنات ستخدم النظام السياسي أكثر من أن تخدمه هو، إذ دوره الأساسي سيبقى إضافة حزب موالاة آخر للسلطة، ينافس حركة مجتمع السلم، لا غير. وهو الآخر معرض للانهيار في أي لحظة إذا تغيرت المعطيات السياسية تغيرا عميقا، لغير صالح النظام السياسي، كما حدث لحزب تاج سابقا. وستبقى الحركة حاضرة مهما حدث لها من تراجع بسبب عمق جذورها في المجتمع، ووجود تيار مقاوم أصيل داخلها، اللهم إذا تغيّرت هويتها هي الأخرى تغيرا شاملا.

وما يقال بأن الحركة الإسلامية حققت في مجملها نتيجة طيبة إذا جمعنا عدد المقاعد التي حصلت عليها كلها تصورٌ غير دقيق لأنه في هذه الحالة يتعين كذلك جمع المقاعد التي تحصلت عليها أحزاب التيار الوطني التي انشقت كلها من جبهة التحرير الوطني فيكون الفرق بين التيارين شاسعا، وفق النتائج المقدّمة.

يتأكد كثيرا في جدول التنافسية بأن حزب الدولة الحقيقي هو حزب جبهة التحرير الوطني، الذي لا يمكن تركه يسقط أبدا مهما كان الثمن، وهي حالة نادرة في التعددية الحزبية في العالم  إذ بقي يتصدر المشهد من الاستقلال إلى الآن ولم يتأخر إلا حين أسست السلطة الحاكمة حزبا جديدا لها (التجمع الوطني الديموقراطي) بعد أن أخذ الأستاذ عبد الحميد مهري جبهة التحرير الوطني إلى المعارضة تعبيرا عن رفضه عن الانقلاب الذي وقع بإلغاء نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية عام 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

يلاحظ كذلك بأن الأحزاب العلمانية غير موجودة في الساحة التنفاسية بالنسبة للحركة، فلم تمثل في أي انتخاب تحديا لها.

ويعود في هذه الانتخابات 2026 عن العزوف الانتخابي التي تعمّق أكثر، وعدم قدرة الحركة إقناع الناخبين للمجيئ للصناديق لدعمها في توجه المقاومة الانتخابية.

3 ـ جدول تطور نتائج العهد التنظيمية الأربعة وفق المؤشرات الانتخابية مرتبة حسب الأهمية.

عدد المقاعد الرتبة الحزبية تغطية الولايات التنافسية النسبة في المجلس الشعبي الوطني النسبة حسب الأصوات المعبر عنها
العهدة الأولى

1991ـ2003

 

انهيار ، تقدم ثم تراجع

تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع
 العهدة الثانية:

2003ـ2013

تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع تقدم ثم تراجع
العهدة الثالثة:

2013ـ2023

تقدم (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم ثبات ثم تقدم تقدم ثم تقدم ثبات ثم تقدم ثبات (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم ثبات ثم تراجع
العهدة الجارية:

2023 ـ

تراجع تراجع ثبات تراجع تراجع تقدم

 

ملاحظات: 

يلاحظ بأن التقدم ثم التراجع سمة مشتركة  في العهدة الأولى والثانية، أما العهدة ثالثة كانت في تصاعد مستقر (سوى عدد الأصوات وقد تم تفسيره أعلاه ضمن جدول التنافسية)، أما العهدة الجارية فقد وقع لها انحناء نحو الأسفل في كل المؤشرات سوى النمو في عدد الأصوات الذي كان حالة مشتركة لكل الأحزاب للأسباب التي شرحناها أعلاه ضمن جدول التنافسية، وفي كل الأحوال نتيجة العهدة الجارية غير مكتملة، وحصيلة 43 مقعدا حصيلة مقبولة رغم التراجع، كما أن عدد الأصوات مشجع بالرغم من أنه يخص كل الأحزاب.

سنبين في التحليل العام، وفق تطور المؤشرات الرقمية، بأن الرمزية أولا وقوة الدائرة الانتخابية وعملية الترشيح والمرشح عوامل حاسمة في النتائج، قد تؤهل العهدة الحالية مستقبلا إلى التقدم إذا قرئت الأرقام قراءة صحيحة ضمن سياقاتها السياسية والانتخابية، أما الحملة الانتخابية، فقد كانت متقاربة في مستواها وحيويتها في كل الانتخابات سوى انتخابات 1991.

رابعا ـ التحليل العام للنتائج

لقد وضعنا في بداية هذه الدراسة ميزانين لتقييم النتائج:

الميزان الأول: ( الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي)، بالمعنى بأن التزوير الانتخابي وتدخل السلطات في نتائج الانتخابات أمر ثابت ولكن قوة الحركة (في العوامل الأربعة) تستطيع أن تقاوم التزوير لمنع الانهيار ، أو الصمود والثبات، أو التقدم. وكلما كانت الحركة في حالة الضعف أضر بها التزوير بقدر ضعفها.

الميزان الثاني: “يحكم نتائج الانتخابات أربعة عوامل: الرمزية، الدائرة النتخابية، عملية الترشيح والمرشح، الحملة الانتخابية”.

سنفحص في هذا المحور المؤشرات الرقمية التي سجلتها في مسارها الانتخابي وفق هاذين الميزانين،

وأثناء فحص المؤشرات نضع بين أعوننا قوله تعالى في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.

1 – تحليل النتائج وفق ميزان “الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي”

لقد خصصنا المقال الأول في هذه الدراسة لهذا الموضوع ولذلك لا نتوقف عنده كثيرا ونكتفي بالنظر إلى الحالة الشعبية وجهوزية الحركة لمواجهة التحكم الرسمي في كل انتخابات، على أننا سنعود إلى فحص  أعمق للواقع الانتخابي للحركة  وفق العوامل الأربعة في المحور الموالي.

– في انتخابات 1991 لم يكن ثمة تزوير وفق التصريح الرسمي لوزير الداخلية آنذاك الذي اعترف بنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول مصرحا بأن الانتخابات كانت حرة ونزيهة،  وحركة ( حماس ـ الجزائر) لم تحصل على نتائج لأن الشعب الجزائري كان يريد التغيير بإلحاح وكان ملتفا حول الخطاب الإسلامي في فترة كانت قريبة من قوة الصحوة الإسلامية، فلم يلتقط في خطابنا ما يرمز إلى ذلك، وتنبيهات واستشرافات  الشيخ محفوظ ذات المستوى الفكري العالي لم يفهمها أغلبية الشعب آنذاك قبل وقوع الأزمة.

– في انتخابات 1997 كان التزوير شاملا ومفضوحا ولكن الحركة استطاعت أن تقاومه وأن تحقق نتيجة جيدة بفعل نجاحها في طرح رؤية جذبت لها أصوات الناخبين، كانت تعبر عن الاحتياج الشعب للأمن والسلام أكثر من أي شيء آخر، وكان الخطاب واضحا جدا، يتميز بجلاء عن خط الجبهة الإسلامية للإنقاذ وناقدا قويا للنظام السياسي، ولو لا التزوير لكانت الحركة هي المرشحة لقيادة الحكومة.

– في انتخابات 2002 كان التزوير حاضرا مع عودة جبهة التحرير لريادة أحزاب الموالاة، وكان التزوير قد تطور إلى تزوير ذكي غير واضح في الغالب، يركز على التلاعب بالكتلة الناخبة وزيادة أعداد كبيرة وهمية من الأصوات لأحزابه ولرسم المشهد الانتخابي كما يريد،  فأعطى نتائج ساحقة لجبهة التحرير غير منطقية في العديد من الولايات ( باتنة، الجزائر،  الشلف، بجاية، تيزي، تلمسان، الجلفة، سكيكدة، مسيلة، وهران، ..) ونظرا للتراجع الشعبي الذي عرفته الحركة، بسبب عدم وضوح الخطاب الذي عبّر عنه الشيخ محفوظ بقوله “نحن في الحكومة ولسنا في الحكم” واستراتيجية  “رجل في السلطة”  بسبب الوجود في الحكومة  و”ورجل في المعارضة” بسبب الخطاب الناقد، ثم حرص الشيخ محفوظ على الترشح للانتخابات الرئاسية ضد بوتفليقة عام 1999 ثم رجوعه لمساندته – علاوة على ترهل البيئة الداخلية –  لم تتمكن الحركة من مقاومة التزوير فوقع تراجع كبير في المؤشرات الانتخابية الرقمية.

– في انتخابات 2007: تعمق التزوير الذكي ولكن الإقبال النسبي الذي كانت عليه الحركة على المستوى الشعبي وفي البيئة الداخلية ساهم في تحقيق تقدم نسبي في الانتخابات في أغلب المؤشرات، وقد اعتقد كثير من الناخبين بأن وجود رئيس جديد مفوه وجريء ( مبادرة فساد قف عام 2006) سينقل الحركة إلى موقع مقاوم جديد، ولكن استمرار ضبابية الموقف جعل التقدم نسبيا.

– في انتخابات 2012 : كان التزوير حاضرا بقوة دفع إليه الخوف من تداعيات الربيع العربي، بشكل خفي وعلني، خصوصا في عدد من الولايات ( الشلف، أم البواقي، باتنة، بجاية، البليدة، البويرة، تلمسان، تيارات، الجلفة، سيدي بلعباس، وهران ..) وبسبب التراجع الشعبي الكبير، الناتج عن عدم وضوح الخط السياسي، الذي أصبح يميل أكثر فأكثر نحو الموالاة، وكذا آثار دعم فتح العهدات عام 2008، إلى أن جاء الربيع العربي ففُهم موقف تكتل الإسلاميين وقطع الصلة مع التحالف الرئاسي  عند السلطة وعند شرائح كثيرة من النخب بأنه موقف انتهازي، فلم ينجح تكتل الجزائر الخضراء في تحقيق ما كان يتوقع منه في الانتخابات، إذ سمح بالصمود فقط، وكانت آثاره السلبية على الحركة كبيرة جدا في أغلب المؤشرات الانتخابية، كما تسبب في تململ داخلي كبير، خصوصا في الشرق الجزائري بسبب توزيع رؤوس قوائم الترشح، وبقيت الحركة تجر هذه الحالة السلبية في الانتخابات الموالية.

– في انتخابات 2017: كان التزوير حاضرا كالمعتاد، خصوصا في الولايات المعتادة ( سطيف، باتنة، البليدة، تلمسان، تيارت، الجزائر، سطيف، سيدي بلعباس، المدية، مستغانم، المسيلة، وهران، الوادي، ميلة، غليزان)، كما عرفت هذه الانتخابات بروز العزوف الشديد للناخبين، ورغم هذه الأوضاع السياسية والانتخابية الصعبة، وإرث التكتل استطاعت الحركة الصمود والتقدم النسبي في بعض المؤشرات المهمة بسبب وضوح خطها السياسي المعارض عند الناخبين فحققت نتيجة عبرت عن الثبات والصمود والتقدم النسبي بالنسبة لنتائج الحركة السابقة.

– في انتخابات 2021 تعمّق العزوف الانتخابي، وتم اعتماد خطة خطيرة لكسر تنافسية المرشحين المحليين، أولها زبر عدد معتبر من المرشخين  الأقوياء ومواجهت الآخرين فردا فردا في حواضنهم الاجتماعية الخاصة بالقوائم المستقلة، إذ تم إغراق الساحة الانتخابية بالقوائم المستقلة لتشتيت الأصوات حتى لا تستفيد منها الحركة في فترة تراجع جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي (الحزبين اللذين لم يحصل مجموع مقاعدهما على الأغلبية لأول مرة).  ورغم خطورة الخطة، ورغم الأوضاع الداخلية الصعبة بسبب آثار الانشقاق الأول والثاني، فإن الحركة استطاعت أن تقاوم هذا الوضع الجديد (المضاف الى التزوير الاعتيادي) بسبب تحسن رمزيتها، ووضوح خطها، وبسبب تغيير قانون الانتخابات ( القائمة المفتوحة) الذي أصبح يدفع إلى فعالية أفضل للمرشحين.

– في انتخابات 2026 انفجرت فقاعة أصوات القوائم المستقلة فساعد ذلك على ارتفاع نسبة أصوات الأحزاب كلها، ولكن التزوير بقي سيد الموقف، وحادثة قطع شبكة النت التي تغير بعدها مسار النتائج  مؤشر كبير لذلك. وبالرغم من التراجع البيّن لنتائج الحركة في مختلف المؤشرات بسبب تراجع الخط السياسي المعارض، والدخول في مساحة الغموض في الخطاب، فقد استطاعت أن تصمد بفعل استمرارها في المعارضة رسميا وبفعل فاعلية المرشحين على إثر القائمة المفتوحة.

2– تحليل النتائج والمؤشرات الرقمية وفق ميزان العوامل الانتخابية الأربعة.

على مستوى الرمزية:

بشكل مجمل وقع للحركة انهيار وثلاث هبات وصمود وثلاث تراجعات، وقد كان وراء كل تراجع حدث تاريخي معروف أنتجته بيئة داخلية وخارجية تتحرك فيها الحركة.  فانهيار 1991 سببه الخط السياسي على نحو ما ذكرناه أعلاه رغم قوة التنظيم وتماسكه آنذاك. وتراجع 2002 سببه المباشر سوء تسيير الانتخابات الرئاسية 1999 بمواجهة بوتفليقة ثم العودة المفاجئة لمساندته، مما تسبب في فتور كبير  عند المناضلين والرأي العام تجاه الحركة.  وتراجع 2012 سببه دعم فتح العهدات عام 2008 ، الذي عبّر عن اندماج كبير للحركة في منظومة الحكم دون وجود فعلي في السلطة، وحين اتخذ القرار في بداية نفس السنة بفك الارتباط مع التحالف الرئاسي والبقاء في الحكومة  فُهم من قبل الناخبين بأنه تصرف انتهازي غير مفهوم وغير واضح ومتردد و يخرج الحركة من دائرة التيار الشعبي الصاعد في البلاد العربية.

وأما التقدم في 1997 فسببه رؤية سياسية تقبلها الشعب الجزائري تتوافق مع احتياج الأمن والسلم لدى الشعب الجزائري في ذلك الوقت، تم التعبير عنها في الخطاب دون تردد، خصوصا ما تعلق بخطاب المصالحة الوطنية، قبل أن يصبح خطابا رسميا، وكذلك مختلف المبادرات لوقف الأزمة ( مدونة كلها بالتفاصيل في كتابي “مبادرات لحل الأزمات”)، مع تحميل أطراف الأزمة كلهم المسؤولية دون مواربة.

وبخصوص تقدم 2007 فإن سببه التغيير الذي وقع بعد وفاة الشيخ والاعتقاد بأن ذلك سيؤدي الى تغيير الخط السياسي على شاكلة مبادرة “فساد قف” التي أطلقت في 2006 وتم التعامل معها بقسوة من قبل الرئيس بوتفليقة. أما الثبات ـ رغم البيئة الصعبة في 2017 ـ فسببه الدخول في مرحلة سياسية جديدة واضحة على مستوى الخطاب الرسمي، ولكن عليها ضبابية بسبب رواسب الماضي وعدم دخول الحركة بكليّتها وبكل قادتها في المرحلة الجديدة، ثم حدث  التقدم في 2021 بسبب الخط السياسي الجديد الواضح، الذي تناسب مع مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، وما قابله من تجاوب داخلي وخارجي كمؤشر على جدية التوجه المعارض الواضح.

وحين لم تتم المواصلة على ذات الخط المعارض معارضة واضحة بعد ذلك، رغم الوجود الرسمي في المعارضة، وقع اضطراب في فهم الخط السياسي الجديد للحركة، فوقع التراجع في 2026. وما يقال عن تقصير المناضلين في الانتخابات وفق ما جاء في تقارير الحركة، رغم فوائد القائمة المفتوحة، فإن سببه كذلك ضبابية الرؤية السياسية عند المناضلين.

على مستوى الدائرة الانتخابية: 

– في 1991كانت الحركة تمر بتململ داخلي كبير منذ المؤتمر التمهيدي عام 1989 ثم بعد تأسيس الحزب، وقد أدى هذا التململ إلى انشقاقين عانت منهما الحركة لسنوات، كما أدى بروز الظاهرة الشعبية الكبيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى تأثر العديد من إطارات الحركة الذين رفضوا خطاب الشيخ محفوظ نحناح ضد جبهة الإنقاذ، وقد كثيرا رحمه الله  في التعامل معهم. كما أثرت البيئة العامة على الأداء الإعلامي والسياسي وفي مجال العلاقات للحركة. وكانت الحركة بشكل عام في حالة إنقاذ الذات والبحث عن التميز والاستعداد للمستقبل.

– في 1997 استرجعت الحركة بريقها بفعل الرؤية السياسية الواضحة المعبر عن احتياج ملح للشعب الجزائري كما ذكرنا أعلاه، وقد أدى هذا إلى ارتفاع معنويات المناضلين والقادة لشعورهم بالدور الأخلاقي الكبير الذي يقومون به من أجل بلدهم ومشروعهم، وبسبب قبول خطابهم والاحتفاء به من طبقات واسعة من النخب والجماهير، وحتى داخل النظام الرسمي. كما استطاع الشيخ محفوظ اعادة بناء الطبقة القيادية بجيل شاب وثق فيهم وأهلهم،  وكانوا هم في مستوى الوفاء والمسؤولية، فقويت البنية التنظيمية وانتشرت الهياكل على المستوى الوطني، وتعمّق توجه بناء المؤسسات المتخصصة ( المؤسسة الاجتماعية والمؤسسة الطلابية والشبيبة)، وهيمن الأداء الإعلامي للحركة وامتدت علاقاتها داخليا وخارجيا.

– في 2002 دفعت الحركة ضريبة تغير موقف الشيخ محفوظ المتشدد تجاه بوتفليقة ( كان يوزع بنفسه قصاصات جرائد عن ملفات فساد لبوتفليقة سابقا لاعتمادها في الخطاب ضده) ومساندته بعد ذلك. وقد كانت حالة الفتور العام للمناضلين متوقعة رصدناها في اللقاءات التشاورية  المكثفة الموسعة التي أجريناها بعد اتخاذ قرار المساندة لدراسة آثار ذلك على الصف الداخلي. كثير من المناضلين انسحبوا بصمت، وصارت الانتقادات في وجه  الشيخ محفوظ تتصاعد ( أبرزها حادثة لقاء  بومرداس)، بل هناك من قيادات الحركة من طالبوا بعدم اعتماد صورة الشيخ محفوظ في ورقة التصويت ( وفق ما اعتمد رسميا آنذاك). وتبع هذا الفتور فتور عام في كل المجالات، وصادف ذلك صعود عبد الله جاب الله كشخصيّة معارضة إسلامية بديلة حقق نجاحات في ولايات لا يوجد له فيها أي تنظيم وتجاوز الحركة في النتائج وفي المرتبة الحزبية.

– في 2007 – جاءت هذه الانتخابات ضمن وضع داخلي يتميز بتدافع شديد على اثر أحداث مؤتمر 2003 بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فكانت الحركة تشتغل بتسارعين داخل التنظيم الواحد، الجناح المقتنع بشرعية المؤتمر يركز على الصف الداخلي والتطوير الإداري والمهاري، ورمزية رئيس حركة جديد له رصيد دعوي تاريخي وقدرات خطابية معتبرة، والمعترضين عليه يركزون على البعد السياسي حول “المجلس السياسي” وعلى كفاءة وخبرة طبقة قيادية معتبرة. ورغم الآثار السلبية لهذا التدافع، الذي لم يكن مرصودا خارجيا كثيرا، فإنه خلق حيوية داخلية كبيرة، تأكدت في التنافس الكبير لإنجاح مرشحي الطرفين ضمن الحزب الواحد، انتج كتلة برلمانية معتبرة ( مقارنة ب2002) تعدادها 51 نائبا سرعان ما انقسمت شطرين حينما تعمق الخلاف وتحول إلى انشقاق ثم تأسيس الحزب الجديد. ورغم هذا التنافس الداخلي تطور الأداء على مستوى المؤسسات وعلى المستوى الإعلامي والانتشار. غير أن الحركة دخلت بعد هذه المرحلة في أزمات كبيرة على مختلف الأصعدة.

– انتخابات 2012: جرت هذه الانتخابات في أجواء الربيع العربي، وكانت الحركة قد قررت فك الارتباط مع التحالف الرئاسي بعد جدال كبير داخل مجلس الشورى الوطني، هدد فيه بعض الوزراء وبعض الإطارات بالاستقالة من الحركة إذا قررت الحركة الخروج من الحكومة رغم التوجه العام في المناقشات الداعي إلى ذلك. عندئذ أصبح ثمة فرز واضح داخل الحركة، يتحول أحيانا إلى تدافع قوي على أساس الخط السياسي. ومن جهة أخرى كانت المصاعب الداخلية مستمرة بسبب الصراعات الناتجة عن الانشقاق الذي أصاب الحركة في 2008 والتي زادها التدخل غير الموفق والمنحاز لعدد من العلماء والدعاة من خارج الجزائر تعقدا واضطرابا. وكانت المؤسسات الثلاثة من أكبر ضحايا ذلك الصراع إذ امتد إليهااليها الخلافات ومنها من خرج من دائرة الحركة تماما لاحقا.

– انتخابات 2017: كانت الحركة تشكو داخليا من ثلاث مشاكل كبرى: آثار “تكتل الجزائر الخضراء” في الانتخابات التشريعية عام 2012 والتي ترسخت أكثر في الانتخابات المحلية، خصوصا حالة الفراغ الانتخابي والاضطراب التنظيمي في جغرافية واسعة، خصوصا في الشرق الجزائري، وآثار الانشقاق الذي وقع في 2008، الذي تحول إلى منافسة حزبية جادة في 2017، وأثر الانشقاق الذي حدث في نهاية عام 2012 على المستوى الداخلي وفي الصورة الخارجية للحركة، والذي تحول إلى حزب سياسي آخر ( حزب تاج) نافس الحركة بجدية في انتخابات 2017. وقد أدى كل هذا إلى حالة فتور عام للحركة. غير أن اعتماد الحركة رؤية جديدة نأت من خلالها بنفسها عن الصراع مع الإسلاميين وركّزت المواجهة السياسية مع النظام السياسي دون غيره عبر خط سياسي معارض واضح، و التوجه نحن التنسيق الجاد مع أحزاب المعارضة على نحو جديد في الحركة أعطى للمناضلين رسالة متجددة شغلتهم بأشواق واعدة حسنت صورتهم في محيطهم. كما ساهمت مشاريع الوحدة مع الحركات الإسلامية، خصوصا مدرسة الشيخ محفوظ، والتي توجت بالوحدة مع جبهة التغيير، في تحسين صورة الحركة التي لزمتها سابقا بصفتها حركة تنازع وانشقاقات. بالإضافة إلى رؤية التركيز على الخط الاستراتيجي بتأسيس عدد من المؤسسات الجمعوية التي سمحت بتشغيل أعداد كبيرة من الإطارات والمناضلين كانوا غير فاعلين داخل التنظيم وأدت إلى شيء من الانفتاح داخل المجتمع. ويجدر الإشارة إلى أن الخط السياسي والاستراتيجي الجديد عرف مقاومة شرسة من الأطراف التي كانت تفضل البقاء في الحكومة، وحتى داخل المكتب التنفيذي الوطني لم يدخل جل أعضائه في الخطاب المعارض إلا بصعوبة كبيرة. ولكل ما سبق ذكره استطاعت الحركة أن تثبت في وقت كان يقال على مستوى بعض الإطارات بأنها لن تتجاوز 10 مقاعد.

– انتخابات 2021: في انتخابات 2021 كان خط المعارضة قد تمكن واستقر في المحيط الداخلي للحركة، وكانت نجاة الحركة من مقصلة الحراك الشعبي تمثل حالة اعتزاز لدى العديد من المناضلين لما رأوه من استهداف شامل من قبل الجماهير  في المسيرات لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. وكان الوضع التنظيمي قويا بمغادرته حالة الصراعات والانشقاقات التي عرفتها الحركة منذ تأسيسها، على ما بيناه سابقا، كما أصبح الاهتماهم بالتنافس مع الإسلاميين الآخرين منعدما في التفكير والسلوك والخطاب. وتم استرجاع مؤسسة الطلبة من الجهة التي اخذتها سابقا، واصبحت المؤسسة الاجتماعية مستقرة وفاعلة، وظهرت ثمار المؤسسات الجديدة، إذ بات شباب الأكاديمية هم طواقم التأطير الإداري والإعلامي والفني مركزيا ( إلى حد الان من الطابق السفلي إلى الطابق العلوي في المقر)، وحققت المؤسسات العاملة لفلسطين إنجازات كبيرة شرفت الجزائر والحركة، وبات تحفيظ القرآن بعشرات الآلاف يضفي بركة مستحقة على الحركة وقادتها، وظلت دورات مخيمات العناية التربوية والدعوية بالنساء والشباب والأطفال لا تتوقف عبر المؤسسة المتخصصة. كما تحسن الأداء الإعلامي والرقمي وتنظيم المهرجانات  ببروز طبقات شبابية واسعة من الإعلاميين والفنيين  الذين تم تدريبهم وتأهيلهم في أكاديمية جيل الترجيح والذين لا زالوا يواصلون مهامهم مع القيادة الجديدة. وعلى اساس كل هذا استطاعت الحركة أن ترتقي على مستوى التنافسية بشكل كبير كما تؤكده الأرقام المذكورة أعلاه، مع أحزاب المولاة من جهة، ومع الأحزاب الإسلامية من جهة أخرى.

– انتخابات 2026: كانت البيئة الداخلية للحركة جيدة جدا ومؤهلة لتنافسية كبيرة، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي، و المكتسبات الموروثة من العهدة السابقة، من حيث المؤسسات والأداء الإعلامي والتقاليد الإعلامية والإدارية، والموارد البشرية المدربة، في الولايات وعند الشباب، وعلى مستوى العلاقات. غير أن تغيير الخط السياسي خلق واقعا جديدا أرجع الحركة إلى ما قبل 2013 من حيث الخطاب رغم وجودها رسميا في المعارضة. وقد ادى هذا الخطاب إلى صعود نخب الحركة المقتنعة بالاقتراب الأبدي من السلطة وتأخر المقتنعين بالمقاومة السياسية، محليا ومركزيا. إلقد كانت هذه الحالة متوقعة إذ إن الطبيعة المسالمة والمهادنة لعدد واسع من إطارات الحركة كامنة في التشكيلة الجينية لنفسياتهم، تشكلت في جو الفتنة الدموية في سنوات المأساة الوطنية ساهم الشيخ محفوظ في ترسيخها ولم يطل به العمر للتصحيح حين تغيرت الظروف بعد أن غدر به النظام السياسي في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية عام 2002. كما لم تكن السنوات العشر بين 2013- 2023 كافية لتغيير التشكيلة الجينية والعودة بها إلى اصولها في الثمانينيات، علاوة على أن المقاومة الداخلية للعودة بالحركة إلى سنوات المهادنة أو الخط المتردد كانت قوية. وما إن توقف المد المتصاعد لخط المعارض  الواضح باعتماد الأسلوب المتردد بين السلطة والمعارضة حتى لقي قبولا عند من بقوا في الهياكل. غير أن هذا الخط عطّل النضالية نحو الفضاء الخارجي وحول الحركة إلى سلسلة أنشطة داخلية لا تتوقف دون تأثير مهم في الخارج، وأعاد في الإطارات نفسية الانتظارية وعقلية التموقع والتعلل بالأوضاع الخارجية الصعبة، التي اعتمدت كثيرا في زمن الإرهاب وبعد 11 ديسمبر ، وفي زمن تغول النظام البوتفليقي وادّت في كل مرة إلى التراجع.

على مستوى عملية الترشيح والمرشح:

– في انتخابات 1991 لم يكن الترشح ميسورا ولا ممكنا، ورغم ذلك قدمت الحركة إطارات ذات كفاءة ونزاهة في الدوائر الانتخابية، ففضل الناخبون عليهم مرشحين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ لا يملكون، في الغالب، تاريخهم النضالي ولا مستواهم العلمي،   سوى المنافسة في دائرتين انتخابيتين كانتا تمثلان معقلين من معاقل الحركة.

– في انتخابات 1997، كان الترشح يمثل بطولة وتضحية ومسؤولة، ضمن أجواء الفتنة وتهديدات الجماعات المسلحة ” من الصندوق إلى الصندوق” فقدمت الحركة من أحسن إطاراتها ورموزها، وتم ذلك في إطار الانسجام التام والتضامن، والاعتزاز بالرؤية التي اشتهرت بها الحركة على نحو ما ذكرناه أعلاه

– في انتخابات 2002 إلى غاية تغيير قانون الانتخابات واعتماد  القائمة المفتوحة عام 2021 أصبحت عملية الترشيخ سبب رئيسي للتوترات الداخلية  بسبب الصراع على رؤوس القوائم، وقد صارت ساحة الصراع هي الهياكل التنظيمية التي يتم التنافس عليها في عدد من الولايات من أجل رؤوس القوائم.  مما جعل  الحركة لا تدخل بكل قوتها التنظيمية في الانتخابات بعد أن يحسم أمر الترشح لجهة من الجهات المتنافسة. وفي كل هذه الترشيحات كانت الحركة تقدم اطارات أصحاب كفاءة ونزاهة في الغالب  ولكن قليل منهم من تظهر فاعليته في المجالس.

– أما في انتخابات 2021 وانتخابات 2026 فقد ساهم نمط القائمة المفتوحة في تحقيق الاستقرار في الترشح والخروج من حالة تأثر التنظيم بالصراع على القوائم، وأحدث فاعلية أفضل للمرشحين جميعا في القائمة،  ولكن هذا النمط الانتخابي طرَح مشاكل جديدة منها تزامنه مع استراتيجية الزبر الانتخابي التي اعتمدتها السلطة الحاكمة ، والذي طال عددا كبيرا من القيادات التنظيمية المرشحة وكثيرا من الشخصيات القادرة على المنافسة، ومنها عدم نجاح من استطاع من هذه القيادات التنظيمية أن يترشح، بالإضافة إلى إتاحة فرصة للإدارة الرسمية لاختيار من يفوز في قائمة الحركة إن أرادت. وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع كبير للاهتمام بالانتخابات عند كثير من كوادر الحركة صادف حالة عزوف عند الشعب الجزائري للمشاركة في الانتخابات.

على مستوى الحملة الانتخابية :

لقد تحولت الحركة مع مرور الزمن إلى آلة انتخابية ذات فاعلية وكفاءة عالية لا يضاهيها في ذلك أي حزب سياسي في الجزائر، غير أنه اتضح  مع توالي الانتخابات بأن الحملة الانتخابية مهما كانت قوية لا تأثير لها في النتائج، إلا إذا كانت تجري ضمن رمزية جيدة للحركة، وقوة معتبرة في الدائرة الانتخابية، ونجاح عملية الترشيح وبروز مرشحين أقوياء يستطيعون اضافة رمزيتهم وحواضنهم الانتخابية لما لدى الحركة من عوامل القوة. غير أنه اتضح بأن الحملة الانتخابية تنفع في أمر وتضر في أمر آخر. تنفع من خلال إظهار قوة الحركة التنافسية بما يجعل النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكامل لها في النتائج، ويضر من حيث أن النظام السياسي يتجه إلى الصرامة في قرار التزوير إذا ظهرت قوة الحركة في الحملة الانتخابية. وقد حدث هذا في 1997 حيث نزلت تعليمات التزوير في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية، بعد ظهور الحشود الكبيرة في التجمعات والعمل الجواري، وحدثت في كل الانتخابات بعد ذلك، حيث أخذ النظام السياسي كل المقاعد في بعض الولايات بالتزوير بسبب الهلع على نحو ما ذكرناه أعلاه، إلى آخر  انتخابات في 2026 وفق ما قدمته هياكل الحركة من تقارير.

خامسا – الخلاصة: 

ما يمكن استنتاجه من كل ما سبق:

1– في الشأن الانتخابي.

– أسوء صورة يكون فيها الحزب حين يكون في منزلة بين منزلتين لا هو معارض جاد ولا هو في الموالاة، فلا تصوت عليه القوى الناخبة المعارضة ولا القوى الموالية، ويكتفي بالحاضنة الشعبية  الضيقة حول الهياكل التنظيمية والمرشحين.

–  تتقدم الحركة حين يكون خطاب الحركة واضحا جليا يعبر عن احتياج شعبي مرحلي، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة، على نحو ما وقع في 1997 و 2021.

– الخطاب الذي قد ينفع في مرحلة ما، قد لا ينفع في مرحلة أخرى، وإنما الخطاب الذي ينفع هو الذي يستجيب لاحتياجات المرحلة، فالخطاب الهادئ التصالحي مع النظام السياسي نفع في مراحل المأساة الوطنية ومع جيل المأساة الوطنية، ووسائل الاتصال التقليدية،  ولا ينفع في زمن الوضع الاجتماعي المزري، والتضييق الشامل للحريات، وانسيابية المعلومات في زمن الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي.

– اتضح جليا من خلال دراسة المؤشرات الرقمية الانتخابية بأن التراجع الانتخابي توافق مع مواقف غير شعبية لصالح النظام السياسي، في انتخابات 2002 بعد دعم بوتفليقة في 1999، وفي 2012 بعد دعم فتح العهدات في 2008. وما صاحب ذلك من تردد في الموقف والخطاب، ويمكن اعتبار السقف المنخفض في 2026 في بعض القضايا الشعبية، مثل القضية الفلسطينية، وحالات الفساد المستشري والفشل التنموي، والظلم وتضييق الحريات سبب في التراجع الانتخابي والفتور لدى عدد كبير من مناضلي الحركة الذين لم ينخرطوا في العملية الانتخابية.

– وعلى العكس من ذلك لم يتحقق تقدم متواصل، وفق ما تبينه الأرقام الانتخابية المتعلقة بالعهدات الثلاث، إلا في عهدة 2013-2023 في ظل موقف معارض واضح مستقر غير صدامي تناسب.

– وقد أكدت دراسة المؤشرات بأن الرمزية عامل أساسي في الانتخابات يحسم بالجملة أو يؤدي إلى الهزيمة أو التراجع بالجملة. وأن رمزية الحركة لا تؤثر في البيئة الخارجية فقط، بل في البيئة الداخلية أولا. فتؤدي إلى وحدة الصف وحيوية المناضلين وارتفاع معنوياتهم حين تكون عالية وتنافسية، أو تؤدي إلى الإحباط والخلافات والإنشقاقات والفتور إذا كانت سلبية وضعيفة وغير تنافسية.

– تؤكد المؤشرات أن التنافسية هي أساس النجاح الانتخابي، وهي التي تمكن الحزب من الصمود والمقاومة والتفوق على كل أنواع المؤامرات.

– قوة الحزب داخليا و في الدائرة الانتخابية عامل مهم جدا في الصمود إذا لم تكن الرمزية بالقوة التنافسية الكبيرة، ولكنها لا تمنع من الانهيار إذا غابت الرمزية أو كانت مخالفة لانتظارات المنتخبين والرأي العام، وهي من جهة أخرى دعامة قوية في النتائج إذا كانت الرمزية جيدة.

– اتضح بأن ما أضر بالحركة في دوائرها الانتخابية عدة أمور منها: الصراع على القوائم الانتخابية على المستوى المحلي والصراع على الهياكل من أجل ذلك،  الصراع بين الإطارات المركزية على المناصب الحكومية والتمثيل عند الدولة والصراع من أجل ذلك على قيادة الحركة.

– نجاح عملية الترشح مهمة جدا في التنافسية ومخرجاتها معتبرة في تحقيق النتائج، غير أن ضعف التنظيم ورمزيته ضمن نمط القائمة المفتوحة قد يغير هوية الحزب وسيادته.

– كفاءة الحركة المتواصلة في الحملة الانتخابية مهمة يجب المحافظة عليها وتطويرها، ولكن لا يكون لها معنى إلا بقوة الرمزية ونجاح عملية الترشيح وقوة الحركة في الدوائر الانتخابية.

– تؤكد كل المؤشرات الانتخابية الرقمية وما صاحبها من تحليل صحة فرضية هذه الدراسة التي حددناها في البداية.

2– في الشأن السياسي العام. 

– يعتبر العزوف الانتخابي نتيجة حتمية لإفساد العملية الانتخابية والسياسية من قبل النظام السياسي، وهذا العزوف هو في حقيقة الأمر مقاطعة انتخابية، من حيث أن الشعب الجزائري أصبح لا يرى أي فائدة من الانتخابات سوى توفير الارتقاء الاجتماعي والمصالح الشخصية للمنتَخبين، وذلك بسبب التزوير المتواصل وبسبب عدم حدوث أي تغيير وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانهيار الثقة في المسؤولين.

–  لا توجد في الجزائر حياة ديمقراطية، وإنما هي “ديمقراطية الواجهة” ولا تؤدي الانتخابات إلى التغيير والإصلاح في الجزائر بأي وجه من الأوجه، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة.

– رهان الحركة على الانتخابات وحدها للتغيير والإصلاح رهان خاطئ ولو يستمر الحال على ما هو عليه، ستكون نفس النتائج ولو بعد عشرات السنين، إذ في كل تجربتها الانتخابية لم تتجاوز الحركة نسبة 19 % من التمثيل في البرلمان، ولم تصل إلى نسبة 15% من عدد الأصوات المعبر عنها.

– لا يختلف الأمر أن تأخذ الحركة 100 مقعد أو 20 مقعدا، إذ ستكون الأغلبية في كل الأحوال لأحزاب الموالاة، ولن تستطيع الحركة أن تشكل الحكومة حتى وإن كانت في المرتبة الأولى.

– الخلل الأساسي الذي يلغي معنى الانتخابات هو الانحراف الدستوري الذي يعتمد أغلبية رئاسية في تشكيل الحكومة من أحزاب لا يتبناها ولا يعتبرها أحزابه. والأغلبية البرلمانية التي ينص عليها الدستور  لن تتشكل أبدا في ظل موازين القوة القائمة، وفي ظل عدم محاولة ذلك بالأساس من قبل أحزاب الموالاة التي تعدّ مجرد أجهزة للنظام السياسي.

– في الأغلبية الرئاسية تطبق أحزاب هذه الأغلبية الرئاسية برنامج رئيس الجمهورية، وفكرة الحكومة السياسية التي تطبق برنامج تحالف سياسي غير واردة في ظل موازين القوة القائمة، وعليه فإن فكرة الحزب الذي يقدم برنامج ويناضل من أجل تطبيق برنامجه دون نضال سياسي من أجل التغيير مجرد وهم وتدليس.

– جربت الحركة لمدة 17 محاولة الإصلاح من الداخل فلم تفلح، والنظام الذي تحالفت معه في 1996 هو ذاته الذي غدر الشيخ محفوظ نحناح في كل المسار الانتخابي وخاصة في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية 2002. والنظام البوتفليقي الذي كان بعض قادة الحركة يمجدونه والذي اندمجت معه الحركة اندماجا كاملا منذ دعم فتح العهدات هو ذاته  الذي ثار عليه الشعب وانقلبت عليه الحركة، حتى من الذين كانوا يمجدونه فيها.

– لا يعني أن الحركة لا تهتم بأن تكون في الحكومة، فقد عزمت على ذلك وهي تعد للانتخابات التشريعية عام ،2021 وبعد أن  حققت نتائج جيدة فاوضت رئيس الجمهورية على دخول الحكومة وفق رؤية جديدة وهي الشركة في البرنامج والوجود في الحكم وليس في الحكومة فقط بقدر نسب نجاحها في الانتخابات فرفض رئيس الجمهورية ذلك وأراد إبقاءها في الواجهة فقط لإضعافها من جديد.

– ونظرا لكل ما سبق فإن المشاركة في الحكومة مفيدة إذا كانت تندرج ضمن رؤية تغيير موازين القوة ولو بعد حين، ضمن استراتيجية المقاومة السياسي وإرهاق النظام السياسي دون الدخول في الصدام والمواجهة المباشرة معه، وبالعمل جاد، بالتوازي، على مستوى المجتمع في مختلف المجالات والتخصصات التي تصنع القوة الحضارية الناعمة، بما يصلح المجتمع ويؤطر قواه ويوسع الحاضنة الاجتماعية.-

– في هذه الحالة يصبح النجاح في الانتخابات ولو بمقعد إضافي واحد مفيد لأنه سيكون ركيزة من ركائز التغيير، وليس مجرد محرك للساحة البرلمانية ضمن الرؤية المؤسسية للنظام السياسي.

 

ملاحظة بسبب طول المقال الثالث وأهميته سيقسم إلى مقالين أو ثلاثة لتسهيل قراءته.

————

سأتناول هذا المقال عبر خمسة محاور أساسية.

المحور الأول: طرح الإشكالية

المحور الثاني: العناصر المؤثرة في نتائج الانتخابات.

المحور الثالث: عرض “فرضية”

المحور الرابع: المؤشرات الرقمية منذ الانفتاح إلى آخر انتخابات.

المحور الخامس: تحليل النتائج وتأكيد الفرضية.

أولا – الإشكالية: يحدث جدال كبير داخل الحركة الإسلامية في الجزائر دون طرح الأسئلة الصحيحة ودون تحمّل عبء الإجابات  النزيهة والأسباب العميقة.

لقد أظهرنا في المقال السابق كيف أن السلطات الرسمية تتحمل المسؤولية الأكبر في إفساد الحياة السياسة، وتيئيس الناس من المشاركة في الانتخابات ودفعهم إلى المقاطعة الشاملة بغرض الوصول إلى ما سميته “الديمقراطية الآمنة” التي تُحسم فيها النتائج قبل الاقتراع، ودون عناء كبير بعد ذلك في التزوير الانتخابي.

ونتجه اليوم إلى تحديد مسؤولية الأحزاب المشاركة في الانتخابات، لنطرح الأسئلة التالية:

ما هي العوامل المؤثرة في النتائج التي تحققها الأحزاب في الانتخابات؟

وكيف تعمل هذه العوامل؟ وما العلاقة بينها؟

ما هو الأهم والأكثر تأثيرا فيها؟

وكيف يتم فحص أثرها في العمليات الانتخابية منذ أول انتخابات تعددية إلى الآن؟ وكيف كان عملها؟

هل ستبقى هذه العوامل تعمل وتؤثر؟ أم انتهى فعلها؟

ما هو دور السلطات الحاكمة في التأثير فيها؟ 

ما هي مسؤلية قادة لأحزاب، والمناضلين في إعمال هذه العوامل؟ وفي تأثيرها، إيجابا وسلبا؟

وهل نقصان أو زيادة المقاعد بين انتخابات وأخرى يؤثر في مقصد التغيير والإصلاح؟ 

ثانيا – العوامل المؤثرة في الانتخابات

كنا نستعمل في حركة مجتمع السلم هذه العوامل بين 2013 – 2023 كأدوات هادية للتحضير للانتخابات على المدى المتوسط والبعيد، وعلى هذا الأساس أنشأنا “اللجنة الدائمة لتحضير الانتخابات” والتي لم تعمل بشكل دائم للأسف ولم تتحرك إلا من أجل الحملة الانتخابية. وهذه العوامل هي كذلك بمثابة الميزان الذي يسهل علينا تقييم وتحليل نتائج الانتخابات بموضوعية ونزاهة.

أ- العوامل الذاتية:  العوامل الأربعة المؤثرة في نتائج الأحزاب في الانتخابات.

لقد توصلنا إلى هذه الانتخابات عبر التجارب الانتخابية المتتالية، وكنا نشرحها وندرّب عليها في مختلف لقاءات الهياكل واجتماعات اللجان المتخصصة لسنوات طويلة حتى ظننا أنها فُهمت وهضمت بما لا يبقي الجدال متواصلا بعد كل انتخابات، ولكن الاعتبارات الذاتية والخلفيات المختلفة تخفيها في كل مرة عند التقييم وعند تحديد التوجهات السياسية،  ويصبح كل فرد يفسر النتائج الانتخابية حسب هواه ومصالحه وأهدافه للأسف الشديد.

لقد اتضح منذ مدة بأن العوامل الذاتية التي تؤثر في الانتخابات أربعة:

1- رمزية الحزب: ويقصد بها مكانة الحزب وقادته ومنتخبيه في أذهان الناخبين، سلبا أو إيجابا، وتتشكل الرمزية بشكل تراكمي بما يلحظه الناس من مواقف الحزب وسلوكيات قادته وأفراده ومتخبيه، المعّبر عنها بالخطاب السياسي والتصرفات والأفكار والبرامج والعلاقات. ويحكم الناخبون على الرمزية وفق ثقافتهم ومبادئهم واختياراتهم،  ووفق احتياجاتهم المرحلية .  وعامل الرمزية هو الذي يؤدي إلى النجاح  دون عناء في المناسبات الانتخابية، بين الاكتساح والنجاح البيّن، وهو الذي يتسبب في الخسارة، بين الانهيار أو التراجع البيّن.

وأحيانا الرمزية وحدها تستطيع أن تحسم، في حالات محددة، في نتائج الانتخابات، بغض النظر عن العوامل الموالية.

2- حالة الدائرة الانتخابية (le fief électoral)  ( بين القوة أو الضعف): ويقصد بالدائرة الانتخابية، الموقع الجغرافي للحزب الذي يكون فيه التنافس الانتخابي،  وتتشكل من عدد المناضلين فيها وكفاءتهم وحيويتهم ونضالاتهم وفاعليتهم في التسويق لأفكار الحزب ومواقفه ومرشحيه،  وفي استقرار الهياكل وصلابتها وانتشارها، وفي الحاضنة الشعبية التقليدية التي حول الهياكل والمناضلين، وامتدادات الحزب في القوى المجتمعية على المستوى القبلي، ومؤسسات المجتمع المدني، وإمكاناته المالية والإعلامية، والقوى القادرة على حمايته وحماية أصواته.

فإن كان الحزب قويا في الدائرة الانتخابية كلها أو بعضها يَعظم أثر الرمزية العالية فيكتسح النتائج.  وإن كانت رمزية الحزب ضعيفة أو منهارة، تمكنه الدائرة الانتخابية من الصمود مؤقتا إلى حين استرجاع الرمزية في انتخابات موالية، فيقع التراجع ولكن لا يقع الانهيار.

أما إن كانت الرمزية ضعيفة أو منهارة والدائرة الانتخابية ضعيفة أو منهارة يقع الانهيار الكامل أو التراجع البين.

بمعني:

رمزية قوية + دائرة انتخابية قوية = اكتساح

رمزية قوية + دائرة انتخابية ضعيفة = نتائج جيدة.

رمزية ضعيفة + دائرة انتخابية قوية = صمود مع التراجع

رمزية ضعيفة + دائرة انتخابية ضعيفة= انهيار

3- عملية الترشيح والمرشح

ويقصد بعلميّة الترشيح نجاحها في حالة سلامة إجراءات الترشيح وتحقق الرضا داخل التنظيم ودخول الحزب بكل قوته في المنافسة، أو تكون عملية الترشيح فاشلة، لأسباب عدم سلامة أو عدالة الإجراءات، أو التنافس الشديد الذي يتحول إلى صراع بين المترشحين ومناصريهم داخل التنظيم، بما يُفقد الرضائية ويجعل الحزب يدخل المنافسة مشتتا أو بجزء من قوته.

ويُقصد بالمرشح ممثل الحزب  الذي أفرزته عملية الترشيح، من حيث رمزيته وحاضنته  الاجتماعية الخاصة التي يضيفها للدائرة الانتخابية للحزب ولرمزية الحزب. 

فإن كانت عملية الترشح سليمة والمرشح قويا فإنه يزيد في قوة الرمزية والعناصر الإيجابية للحزب في الدائرة الانتخابية فتعظُم النتيجة. وإن كان المرشح قويا والرمزية ضعيفة والدائرة الانتخابية صعيفة تصبح المنافسة ليست بين الحزب والأحزاب الأخرى، ولكن بين مرشح الحزب والأحزاب الأخرى ومرشحيها، فإن نجح المرشح فالنجاح له أساسا وليس للحزب وإن كان نجاحه باسمه. وفي كل الأحوال الأمور تبقى نسبية، والمقادير متداخلة سلبا أو إيجابا.

4- الحملة الانتخابية: وهي أقل العناصر أهمية، ولا قيمة لها إلا بوزن العناصر الثلاثة الأولى، فإن كانت الرمزية جيدة والدائرة الانتخابية قوية وعملية الترشيح ناجحة والمرشح قويا يصبح ما يبذل في الحملة الانتخابية مجديا إذ يسهل التسويق للنجاح. وإن كانت الرمزية، بشكل خاص، ضعيفة، فإن الذي يحرك الحملة الانتخابية الدائرة الانتخابية القوية، والمرشح الجيد، وفق القواعد المذكورة أعلاه. أما إن كانت الرمزية ضعيفة والدائرة الانتخابية ضعيفة والترشيح فاشلا فمهما كانت الحملة الانتخابية جيدة وعبقرية ومدهشة فإنها لا تستطيع صناعة النجاح.

ب – العوامل الخارجية المؤثرة في الانتخابات (الميزان الثاني).

لقد تطرقنا إلى أثر تدخل السلطة الحاكمة في الانتخابات في المقال السابق، فلا نطيل أكثر في الموضوع. ولكن نكتفي بالتذكير بقاعدة أساسية كنا نتحدث عنها كثيرا في السنوات الماضية وهي: “نتائج الانتخابات يصنعها الشعب ولكن يتحكم فيها النظام السياسي”. أي أن العملية الانتخابية هي في كل الأحوال بيد النظام السياسي، ولكن حين يفلح الحزب في جلب أصوات الشعب وفق العوامل الأربعة التي ذكرناها يستطيع أن يقاوم التزوير وأن يحقق نتائج انتخابية جيدة ضمن المتاح بين المنافسين.  ولكن إذا كان الحزب ضعيفا على مستوى العوامل الأربعة، وخصوصا الرمزية، فإن التزوير يهلكه، أو قد لا يضطر النظام السياسي للتزوير أصلا، وذلك حين يصل إلى مرحلة “الديمقراطية الآمنة”، على نحو ما ذكرناه في المقال السابق، وربما يقوم النظام السياسي ذاته بإنقاذ الأحزاب والتزوير لصالحهم من أجل المحافظة على الواجهة وإنقاذ الصورة، وربما هو من يصلح يرشح للأحزاب كما وقع في بعض الدول العربية الاستبدادية في سنوات سابقة.

كان بالإمكان أن نتحدث عن معيار آخر وهو المنافسين، ولكننا أهملناه لأن المنافسة الوحيدة الحقيقية الموجودة في العالم العربي هو بين الحركات الإسلامية وأنظمة الحكم، فأحزاب الموالاة والقوائم المستقلة، والمال الفاسد في الانتخابات ، والتزوير المحلي، كل هذا هو ضمن القواعد الفاسدة للمنافسة فلو كانت ثمة ديمقراطية حقيقية وقانون منصف ومحترم لحلت المشكلة، ولكانت المنافسة شريفة.

ثالثا – الفرضية:

الفرضية التي أقدمها ثم أعمل على إثباتها بالأرقام والوقائع، بخصوص حركة مجتمع السلم كنموذج، هي أن رؤية الإصلاح والتغيير من داخل القواعد غير العادلة  التي فرضتها السلطة على الحركة ، وضمن موازين القوة الراهنة، غير ناجحة، ولم يستفد منها إلا أفراد على حساب الحركة ومشروعها، وعلى حساب البلد،  وأن الحركة تتراجع على مستوى العوامل الأربعة بقدر اقترابها من السلطة  الحاكمة  على النحو التالي :

– تتراجع في الانتخابات.

– تتراجع رمزيتها.

– تقع اهتزازات داخلية وتحدث انشقاقات.

– تخسر مؤسساتها المجتمعية.

– تتسرب إطاراتها ويفتر مناضلوها.

– تتراجع شبكة علاقاتها في داخل الوطن وخارجه.

– تنضب مواردها المالية.

– يضعف أداؤها الإعلامي

– تتمدد الأحزاب الإسلامية التي من مدرسة الشيخ محفوظ على حسابها وليس على حساب أحزاب الموالاة.

وكلما ابتعدت عن السلطة الحاكمة

– يجتمع شملها ويتوحد صفها

– تتقدم في الانتخابات

– تنمو مؤسساتها المجتمعية

– ترتفع رمزيتها

– يرجع إلى النشاط العديد من إطاراتها

– ترتفع رمزيتها

– تتوسع شبكة علاقاتها في الداخل والخارج.

– تصمد ماليا ويتحسن أداؤها الإعلامي.

– تحافظ على ريادة التيار الإسلامي بشكل بيّن.

يتبع …

المقال المقبل.

رابعا – المؤشرات الرقمية منذ بداية التعددية إلى آخر انتخابات

خامسا – تحليل المؤشرات وإثبات الفرضية

ثم سيكون المقال الرابع: الحل والرؤية المستقبلية ( بالنسبة للحالة السياسية في عمومها)

عبد الرزاق مقري

 

ما يعيشه الإسلاميون في الجزائر من تراجع في مكانتهم وتأثيرهم هو ما يعيشه الإسلاميون في كل العالم العربي والإسلامي، وقد شرحت هذه الإشكالية بمقاربة فكرية عامة في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، ثم عدت إلى نفس الموضوع، بشكل مفصل، في الكتاب الذي سيصدر قريبا “الحركات الإسلامية والمأزق السياسي” أشرت فيه إلى  وضع قرابة عشر حركات إسلامية في عشر دول.

وتدور الفكرة المركزية في الكتابين أن الحركات الإسلامية نجحت نجاحا كبيرا في القرن الماضي، في زمن الدعوة والصحوة الإسلامية.

قد لا يشعر الشباب بهذا النجاح في تحقيق الأهداف لأنهم لم يعيشوا مرحلة الانتقال التي عاشها أسلافهم المخضرمون، والتحول الكبير من مرحلة سيطرت فيها الأفكار العلمانية والابتعاد عن الالتزام الديني، وخواء المساجد،  في المجتمع وانتشار الخرافات والشركيات، بتدبير استعماري وتنفيذ حكومات وضعها الاستعمار بعد فترة الاستقلال، أو نخب حاكمة كافحت الاحتلال ولكن سارت على نهجه والتزمت بثقافته بعد خروجه العسكري والإداري، إلى مرحلة انتشرت فيها التصورات الفكرية الإسلامية،  والالتزام الديني، وعمارة بيوت الله، والتمسك بالخيارات الإسلامية، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وحتى اقتصاديا حيث أمكن تطوير البدائل المالية الإسلامية، ولو جزئيا، حتى صارت هذه الصحوة الإسلامية مع مرور الزمن، خصوصا في الثمانينات والتسعينيات، حالة شعبية عامة تجاوزت المنظمات والدعاة الذين أسّسوها ،بل أثرت تأثيرا عميقا في الأحزاب غير الإسلامية، خصوصا المحافظة، وداخل الدول والحكومات، ثم باتت هذه الصحوة العامة ظاهرة عالمية تؤرق قادة الاستكبار العالمي  وتبشر بإقلاع حضاري إسلامي وشيك بمقياس عمر الأمم.

كان لا بد لهذه التحولات الكبرى أن تدفع بالإسلاميين إلى التطلع إلى المنافسة على الحكم،  ذلك أن القواعد الحاكمة للحياة السياسية والاجتماعية، تقضي أن كل فكرة تتشكل لها حاضنة اجتماعية عريضة وعميقة لا بد أن تتحول إلى حالة سياسية، وشيء طبيعي أن تتطلع الشعوب التي أقتنعت بالحل الإسلامي أن ترى ما وُعدت به من نهوض حضاري شامل يتجسد، وأن يُقضى على الظلم والفساد في بلدانهم، وأن يتحقق العدل والرفاه، وفق ما كان شائعا في الخطاب الإسلامي في بدايات التحول نحو المنافسة السياسية.

لقد كانت فكرة ” الحل الإسلامي” التي أودعناها في القانون الأساسي التأسيسي ل”حركة المجتمع الإسلامي” في الجزائر عام 1990  فكرة رومانسية جميلة واعدة، مثلنا مثل كل الحركات الإسلامية في العالم،  غير أنها سرعان ما اصطدمت بواقع  مرير اصطبغ بالدماء في العديد من التجارب، إذ المسألة مسألة حكم، والحكم كما كان يقول الشيخ محفوظ رحمه الله: “دونه خرق القتاد”.

لم تكن الحركات الإسلامية، في التجارب الكبرى التي يعتد بها، هي المسؤولة عن الصدام التاريخي بين الإسلاميين وأنظمة الحكم،  وإنما الصد العظيم كان مزدوجا من القوى الاستعمارية الظالمة والأنظمة الاستبدادية الحاكمة، ولا يزال هذا التحالف قائما لمواجهة مسار عبور الفكرة الإسلامية من المجتمع إلى الدولة.

فالقوى الدولية الظالمة تعلم تمام العلم بأنه لو مُكّن للإسلام في الدولة  ستتحرر الأمة من قبضة الاستعمار الجديد  وقبضة وكلائه، وأنها ستسترجع سيادتها على قرارها ومقدّراتها، بل إن العالم سيتغيّر.

ويكفي  لفهم هذه الحقيقة أن نلحظ كيف تتحسس القوى الدولية من تجارب ناجحة  في العالم الإسلامي، بالرغم منها تعلن علمانيتها. وإنما تلاحق  لأن جذورها إسلامية كما هو حال أردوغان الذي صنع من بلده قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، أو متمسكة بشدة بهويتها الإسلامية وتُظهر عداوة صريحة للهيمنة الصهيونية في العالم  كما هو حال دكتور مهاتير محمد الذي كاد أن يجمع جزء مهما من دول وازنة في العالم الإسلامي على رؤية حضارية في قمة منتدى كوالالمبور عام 2019، والحمد لله أن كنا جزء مهما في هذه المحاولة ضمن تسيير برامج المنتدى.

تنظر الدول الغربية ووكلاؤها إلى هاتين التجربتين كنموذجين لما يصنعه الاعتزاز بالإسلام من قوة ونهوض حضاري، فتمت المحاولة على الانقلاب على التجربتين، ولا تزال المحاولات مستمرة.

وكذلك تتحسس القوى الاستبدادية في العالم العربي من أي تجربة إسلامية وتتآمر ضدها مع الخارج، ليس لأسباب الصراع الحضاري  في الغالب، أو في الظاهر،  كما هو حال القوى الدولية، ولكن لأسباب صغيرة صغر أحلام المستبدين في بلداننا: السلطة والجاه ونزوات الحكم!

إن هذا الذي أذكّر به هو ما صرحت به أنجيلا ميركل  بأنهم لن يخدعوا بعد أردوغان بأي أحد من الإسلاميين، ولو أعلن علمانيته! وقد سمعت بنفسي كذلك من مسؤولة في الاتحاد الأوربي، منها إلي، بأنهم لا يصدقون “علمانية” أردوغان!

وعلى هذا الأساس أظهرت  دراساتهم المعلنة بأنه لا يُسمح للإسلاميين أن يتجاوزوا في بلدانهم 30% من نتائج الانتخابات في أحسن فتراتهم حين يحملهم الزخم الشعبي، والغريب أنهم قرروا كذلك إبقاء الحركات الإسلامية في المشهد إذا ضعفوا، بالتزوير لصالحهم في حالة الانهيار ليبقوا بين 8 إلى 10 % بحكم الاحتياج إليهم في الواجهة الديمقراطية وتحميلهم الإخفاقات دون أن يحكموا.

وقد صرحت كاترين أشتون النائب الأول لرئيس المفوضية الأوربية سابقا بصراحة بذلك أثناء صعود الاخوان المسلمون في مصر بأنهم لن يسمحوا لهم بتجاوز عتبة 30% في الانتخابات.

ومن غرائب خصوم التيار الإسلامي أنهم يحاولون تصوير أصحابه بعدم الأهلية للحكم وهم لم يحكموا أبدا. وإنه لكاذب من يقول أن الحركات الإسلامية حكمت في العالم العربي وفشلت. لم تسلم أي تجربة من التزوير الانتخابي، أو الانقلابات العسكرية، ففي الجزائر تم الانقلاب على الانتخابات في 1991 التي تم الإعلان عن نتائجها من قبل وزارة الداخلية بأنها كانت حرة ونزيهة، وحين تقدمت النسخة المعتدلة جدا من الإسلاميين عام 1995 في الانتخابات الرئاسية مع الشيخ محفوظ نحناح، وفي 1997 في الانتخابات التشريعية والمحلية، تم قطع الطريق عليها بالتزوير الخشن،  وبقي التزوير ماضيا إلى اليوم، يتطور أكثر فأكثر .

كما لم تسلم كل التجارب في الدول العربية الأخرى وعلى رأسها التجربتين الأكثر اعتدالا وعقلانية وكفاءة في مصر وتونس. وحتى التجربة التي نُسلّم بأخطائها في الممارسة الديمقراطية بالسودان لم تُترك وشأنها طيلة ثلاثين سنة، إذ تم محاصرة البلد والتآمر عليه، وعلى حكامه،  بما لا يمكنه أن يتطور سياسيا وتنمويا مهما فعل، دون أن ننسى تجربة حركة “ح” الفلسطينية التي انقلب عليها النظام العربي والنظام الدولي كله خدمة للكيان.

أما عن رومانسية فكرة ” الإسلام هو الحل” فالأفكار الرومانسية السياسية تُعرف في المقاربات الفلسفية بأنها أفكار نبيلة تسعى إلى استلهام المبادئ والمثل العليا، وإنما عيبها في تجاهل موازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي.

ومهما يكن من أمر ستكون هذه الفكرة الرومانسية هي الحل حتما لمعضلات التخلف في البلاد العربية والإسلامية، وستكون هي النموذج الأكثر جاذبية في العالم بأسره، وستدرك البشرية كم خسرت بانحطاط المسلمين.

فلا يوجد زمن تأكدت فيه حاجة العالم إلى الإسلام كما هو هذا الزمن الراهن، الذي سقطت فيه النظريات الوضعية كلها، وتأكد لمن كان مغترا بالحلول المستوردة  ما يمكن أن يصنعه قادة الحضارة المادية المهيمنة، المنفصلة عن الوحي، وعن القيم والأخلاق،   من مآسي في حق الإنسان والطبيعة.

لا نهتم بالزمن الذي سيتحقق فيه هذا الوعد، فهو مقدر من الله تعالى، وهو سبحانه  شاهد على ذلك، قال عز وجل: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَيَبْلُغَنَّ ‌هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ))، وتلك الأيام يداولها الله بين الناس، وقد قضى الله أن تبقى أمة الإسلام تنهض بعد كل سقوط إلى يوم القيامة بإقامة الخلافة الإسلامية التي تعم الدنيا قبل قيام الساعة.

وإنما التحدي الذي يواجه أصحاب المشروع الاسلامي، في كل وقت هو كيف يمكّنون لفكرتهم، وكيف ينقلونها، أو ينتقلون بها، من المجتمع إلى الدولة، عبر مجهودات بشرية ذات كفاءة واقتدار تبذل في إطار فهم صحيح للسنن، وصدق وإخلاص للفكرة، وتوكل حقيقي على الله تعالى.

إن مشكلة الإسلاميين ليست في الصد العظيم الذي يعانون منه، فتلك سنة الحياة في شأن السياسة والحكم، ولن يتغير ذلك مهما ظن الساذجون منهم. وليست المشكلة  في فكرتهم الإسلامية  فبها صنعوا أشواق المسلمين في وجه التخلف والفساد وتهديد الهوية والاستبداد، وبها  غيّروا شكل الأمة وعمقها، في قرن الصحوة والدعوة، وبها صنعوا حواضن اجتماعية عظيمة.

غير أنهم حين دخلوا المنافسة على الحكم فشلوا في مواجهة الصد العظيم، الخارجي والداخلي، إذ لم يجددوا أنفسهم ونظمهم ومقارباتهم. وحين طالت بهم الطريق، وكثر عليهم القمع والظلم، استعجلوا فتطرّف بعضهم  وساروا في دروب المناهج العنفية فانتحروا وأضروا ثم تحولوا إلى أوعية تستعملها الاستخبارات المحلية والعالمية بخبث عظيم.

وأما الذين حافظوا على النهج السلمي الحضاري، وهم الأغلبية الساحقة في الجسم الإسلامي الكبير، فقد استعجل أكثرهم الطريق في الاتجاه المعاكس بأن وضعوا أنفسهم، تحت سقوف الأنظمة الاستبدادية، بعضهم أصالة وبعضهم في زمن الفرص والتحولات، من أجل فتات من السلطة أضعفهم، محطة بعد محطة، وجعل الاستبداد يتقوى فرصة بعد فرصة، إذ انتقلوا من الرومانسية الدافعة للتضحية إلى العجز و الخضوع  ل “موازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي” دون أي قدرة على ابتكار نهج جديد مقاوم وسطي، أو الثبات عليه، بين الصدام المهلك والاندماج المفند.

ثم تحولت المسيرة كلها إلى عقد مركبة يعسر الخروج منها، أخطر ما فيها عدم الثقة في النفس والشعور بالنقص  أمام كبّار السياسة، وتهديدات الحكام،  وما أرى إلا أن ظن مالك بن نبي قد تحقق فيهم، مجددا، حين وصف رجال الإصلاح – في زمن الاستعمار قبل الثورة –  وهم يتبعون الوعود الكاذبة ووسوسة النخب السياسية الجزائرية المندمجة مع “الحكومة” الاستعمارية، متسائلا، رحمه الله، هل يستطيع رجال الإصلاح الاستمرار في رسالتهم؟ حين لجؤوا للاستجداء  بعد أن حققوا نجاحا باهرا في النهضة الثقافية والاجتماعية الجزائرية من قبلُ فقال: ” لقد كان ذلك ممكنا، لو لم يشعر العلماء المصلحون – بكل أسف – بمركب النقص إزاء قادة السياسة في ذلك العهد، فمالؤوهم وسايروهم، ظنا منهم، أنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة، ولقد كان ذلك ممكنا لو لم يكونوا على استعداد للعودة إلى فكرة الزوايا ذات الطابع السياسي، والأصنام المزوقة بأسماء جديدة”

—-

في المقال المقبل ” الإسلاميون في الجزائر والدلالات الانتخابية”  نتحدث عن تشكل العقدة، عبر النموذج الجزائري في الانتخابات، وظروف كل واحدة منها، والمشترك فيها، بالأرقام، منذ بداية التعددية إلى الانتخابات الأخيرة، وعن الفرص الضائعة والحلول الممكنة، ثم نسقط ذلك عن مجمل الحركات الإسلامية في الوطن العربي.

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية