تفصلنا ساعات قليلة لنرى هل سينفذ ترمب تهديده أم لا، وقد تحدثنا في مقال البارحة بأن تنفيذ التهديد مستحيل ضمن معايير التحليل السياسي العادي، لأن تدمير إيران هو خسارة عظيمة للمنطقة كلها، بما فيها الكيان الصهيوني، وفيه إضرار عظيم للولايات الأمريكية المتحدة على الصعيد الأخلاقي، والصورة، والهيبة، وعلى المستوى الأمني، ونهاية إيمان الدول العربية بأن الولايات الأمريكية تستطيع أن تحميهم، ولو تتورط في الدخول البري سيكون ذلك هو الأفول الأمريكي المتسارع. ورغم الدمار الكبير ستكون ايران هي الأقل خسارة من حيث أنها تخرج كدولة متوسطة أعجزت قوة دولية عظمى. وستكون الصين هي الرابح الأكبر من حيث أنها هي التي ستأخذ البترول الإيراني مقابل اعادة الإعمار ، وليس الولايات الأمريكية المتحدة. ويبدا عندئذ التحول الفعلي من القطبية الاحادية الأمريكية في السياسة الدولية إلى تعدد الأقطاب الدولية.
ولكن حين نتعامل مع شخصين نرجسيين لا تهمهما إلا نفسيهما، ومعهم مجرمون وفاسدون ومتطرفون دينيا، فإن الكارثة يمكن أن تحل، ويكون هاذان الرجلان هما اللذان اختارهما الله لتدمير دولتيهما.
غير أننا أمام فرص اخرى كبيرة لسيناريوهات أخرى. ففقدان الرئيس الأمريكي التوازن، واضطرابه وعدم ثقته بنفسه يظهر من خلال امرين اثنين، هما حديثه عن تمديد مهلة التهديد، وتلفظه بكلمات نابية مكتوبة، فهو في حالة نرفزة واضطراب نفسي كبيرين. ومشكلته أنه لا يفهم كيف لنظام سياسي في العالم لا يخاف من تهديده، ويواجهه الند للند، لا تسمح له نرجسيته وتعوّده على تعامل الآخرين معه بالخضوع والتملق في البيت الأبيض والعديد من الزعماء العرب والمسلمين، وحتى الاوربيين قبل أن يضعهم في الوضع المزري الذي هم فيه بسبب الحرب، اقتصاديا وسياسيا.
وفي هذا الإطار يمكن للسيناريوهات الأخرى ان تعمل على الترتيب التالي:
– يمكن أن تنجح الاتصالات والوساطات الدبلوماسية في توفير سلم النزول من الشجرة لترمب وإعطاء صورة حل وسط يستطيع كل طرف ( ايران وأمريكا) أن يصرح على اساسه بأنه انتصر في الحرب، وفي هذه الحالة يكون المنتصر الحقيقي هو إيران، وتستفيد دول الخليج من تجنب الضربات الإيرانية، والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى،
– لا تنجح الوساطات لرفضها من أحد الطرفين أو لعدم القدرة على الوصول إلى حلول وسطى، فتوجه الولايات الأمريكية ضربات قوية لبعض البنى التحتية لإيران دون التدمير الشامل ثم تعلن الانتصار، وتقوم ايران برد محدود على الوجود الأمريكي في المنطقة، وعلى الكيان والدول العربية، وقد يحدث هذا ضمن اتفاق غير معلن بين ايران والولايات الأمريكية المتحدة. ويكون المنتصر الحقيقي هنا هو ايران بطبيعة الحال. والخاسر الأكبر هو الكيان الصهيونى.
– يبقى ترمب في دوامة تأجيل التهديدات ومواصلة ضرب إيران، واستعمرار الردود الإيرانية، ولكن هذا سيضعفه في الرأي العام الأمريكي وداخل بعض أنصاره الموالين لاسرائيل، والتحولات الشعبية التي خطط لها مع نتانياهو للاعتماد في الحرب على إسقاط النظام الإيراني من الشعب او من داخله تنقلب ضده في الداخل في المجتمع الأمريكي والقوة السياسية الرافضة له والرافضة للحرب.
والنتيجة أنه ما دام النظام الإيراني قادر على الرد، وبقي صامدا سياسيا، والشعب الإيراني متماسك. فإن كل السيناريوهات المذكورة ستكون لصالح ايران.
وكل الذين يعتقدون أن إيران ستخسر يعتمدون على حجم التدمير ، وهو امر قابل للحل في أوقات قياسية عن طريق قوة الإنجاز الكبيرة والسريعة للصين، والمقابل موجود، وهو الاحتياطي الطاقوي العظيم الذي ستتمتع به الصين بدلا للولايات الأمريكية المتحدة إلى اندفعت للحرب للسيطرة على منابع النفط ، علاوة على حرمان البيت الأبيض من السيطرة على مضيق هرمز كما كان مخطط وفق ما سرحناه سابقا.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com