حين نتحدث عن المداخلة لا نقصد تيارا دينيا بعينه، يسمي نفسه التيار السلفي. أنا شخصيا أعرف هذا التيار ولم أر من المنتسبين إليه إلا الخير، سكنت في بيت بجوار مسجد من مساجدهم، فكانوا نعم الجيرة، في تدينهم وأخلاقهم، وخدمتهم القرآن الكريم، ولهم فضل على أولادي إذ حفظ بعضهم كتاب الله في كُتّابهم.
أما “المداخلة”، المعروفين في ساحة الجدل السياسي العقيم، فلا علاقة لهم بالدين ولا الأخلاق ولا العلم، ولا يظهر لهم ولاء لله ورسوله والمؤمنين، كما أنهم ظاهرة افتراضية لا وجود لها على الأرض، لا نلتقي بهم أبدا في المساجد ولا في أي مكان آخر، إنما هم شبكات مصنوعة في وسائل التواصل الاجتماعي، اغلبهم بحسابات مجهولة وأسماء مستعارة.
لا ينتمون لأي وطن، ومن كان منهم موجودا فعليا فإنما هو من عملاء الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية والإماراتية وبعض المؤسسات الأمنية للأنظمة الاستبدادية، يبيعون آدميتهم وكرامتهم من أجل مصالح دنيوية، لا يحترمهم من يُشَغّلهم لعلمهم بهوانهم، ومجون بعضهم، ودناءة نفوسهم وشرههم وطمعهم في ما في أيدي أسيادهم، إذ حين يلتقون بأسيادهم لأخذ التعليمات لا يطلبون إلا الامتيازات الدنوية من سكنات وفرص تجارية وخدمات مالية ووساطات مصلحية.
يعود تشكل هذا التيار إلى فترة الحرب الخليجية، حين استغلت الأجهزة الأمنية الخليجية بعض رموزهم، وحين نجح تجنيدهم تحولوا من ظاهرة دينية إلى حالة أمنية، فاقترح وزير الداخلية السعودي نايف بن عبد العزيز رحمه الله على المؤسسات الأمنية في البلاد العربية الاستفادة من التجربة لمواجهة التيارات الإسلامية الوسطية والقوى السياسية المعتدلة ذات الحضور الاجتماعي الكبير، فتورطت بعض الدول في احتضان هذا التيار الخطير على الأوطان، وانتبهت دول أخرى لخطورتهم، وكان آخر البلدان التي اقتنعت بحقيقة أمرهم المملكة العربية السعودية ذاتها في زمن محمد بن سلمان، ولكن بعد “خراب البصرة”، والسعودية التي هي البلد الذي شكّلهم ونشرهم في مختلف دول العالم الإسلامي، تضاءل وجودهم فيه، وصاروا يسيرون ملتصقين بالحيطان أمام موجات التغيرات الحاصلة به، لا يجرؤون على إنكار المناكر العظيمة، يواصلون سلوكيات التزلف بالدفاع على النظام الذي أذلهم ذاته.
إن مهمة هذا التيار هو تدمير العالم الإسلامي وتمزيقه ونشر العداوة بين شعوبه وخدمة الصهيونية والتمهيد للتطبيع في البلدان، ومحاربة رجال لإصلاح والحركات الإصلاحية خدمة للاستبداد والفساد.
ومن أهم مواقفهم التي تظهر فسادهم وخطورتهم على الإسلام والمسلمين:
– توجهاتهم التكفيرية وتبديع طبقات واسعة من علماء الأمة وعموم المسلمين، حول مواضيع من التاريخ الغابر أو القضايا العلمية التي لا تهم إلا عددا قليلا جدا من الناس مثل الدراسات التخصصية المتعلقة بأصول الدين، والتي لم تصبح من الثقافة العامة للمسلمين، ولا تمثل أولوية في محاربة التخلف والفقر ونهضة الأمم والأوطان، ومن ذلك تكفير وتبديع الأشاعرة والماتوردية، الذين منهم كبار علماء الأمة في التفسير والحديث والفقه واللغة والسلوك ومختلف العلوم، وإخراجهم جملة واحدة من دائرة أهل السنة والجماعة خلافا لرأي جمهور العلماء. مع ما تحمل هذه الأفكار التكفيرية والتبديعي من مخاطر على الأمة وأوطانها، إذ أثبتت التجربة بأنها قد تتحول في لحظة من اللحظات إلى عنف وإرهاب.
– إدخال الخلاف في قضايا فقهية محسومة منذ قرون من الزمن مثل تغيير الانتماء المذهبي المالكي في المغرب العربي، والتفريق بين المسلمين في أداء الصلاة والشعائر، وقد بدأت هذه الفتنة في الثمانيات بالدعوة إلى اللامذهبية، فوجد العديد من الناس أنفسهم يتحولون من المذهب المالكي إلى المذهب الظاهري لابن حزم الأندلسي رحمه الله، ثم بسبب صِلاتهم بالمملكة العربية السعودية، حوّلوا المصلين إلى المذهب الحنبلي لأحمد بن حنبل رحمه الله، دون أي حاجة لذلك، وكأنهم حملوا على كاهلهم تغيير انتماء سكان البلد من مذهب منحرف هو المذهب المالكي، وحاشاه أن يكون كذلك فهو مذهب سيد علماء مدينة رسول الله صلى عليه وسلم. وفي كل يوم من أيام عيد الفطر يدخلون الناس في فتنة حول كيفية تقديم زكاة الفطر، وفي كل مناسبة للمولد النبوي يشغلون الناس بفتنة عمياء تنسي ما يجب أن يكون من تأمل في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في الذكرى،وفي الحالتين (زكاة الفطر ومناسبة المولد) يخالفون قرارات الدولة وتوجهاتها، وهم أكبر من يزايد على الناس في شأن طاعة ولي الأمر في أمور أخرى تخدم الفساد الذي يحمونه.
– التناقض والنفاق والكيل بمكاييل مختلفة، في مسألة طاعة ولي الأمر، فلا يزايدون في ذلك إلا لصالح الأنظمة المستبدة التي تستخدمهم، ولكنهم في نفس الوقت يشعلون الفتن ويخرجون على الحكام المنتخبين بالإرادة الشعبية كما كان موقفهم ضد الرئيس مرسي في مصر، وضد حكومة النهضة في تونس، وذهبوا بعيدا في التآمر مع دولة الإمارات ضد الحكومة في تركيا، وفي ليبيا، وأما في السودان فتورطوا في جرائم مروعة، وهم اليوم يتآمرون ضد إيران لصالح القوى الصهيونية والأمريكية.
– ليس من سبب في التآمر على تركيا وإيران، والآن باكستان، سوى ضرب دول مهمة وقوية وذات سيادة في الأمة خدمة لمخططات معادية للإسلام والمسلمين، فما يوحد من سلبيات في تركيا، تتعلق بالعلمانية ومظاهر الفساد والتطبيع وعلاقات مع الولايات الأمريكية المتحدة، يوجد مثله وأضعافه في دول أخرى يتهجمون على من يعارضها، وما وقع من جرائم من الإيرانيين في سوريا وقع أكثر وأخطر منه في السودان على يد أهم دولة ترعاهم حاليا وهي دولة الإمارات.
– أداء دور التخذيل في الأمة لصالح أعدائها وضرب معنويات المسلمين والدعوة إلى ترك شعيرة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني في مصادمة مفضوحة للنصوص الشرعية، والتهجم المستمر على الـ “م”، والتشكيك في نتائج الـ “ط” ، والأفول الواضح للولايات الأمريكية المتحدة، خلافا لتصريحات ودراسات شخصيات ومراكز دراسات كثيرة جدا وذات مصداقية عالية في امريكا واوربا والعالم بأسره، ومنتجاتها منتشرة ومعلومة لدى الجميع.
– الوقوف ضد كل من يلتزم بالإصلاح السلمي والسياسي لوجه الله تعالى وخدمة للأوطان، وكرههم لا لشيء إلا بسبب التزامهم الديني، ومستوياتهم العلمية والفكرية العالية، واتهامهم باتهامات باطلة، من دون أي دليل أو قرينة، إلا بغرض الإرجاف، على نهج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني إ مع الأنبياء.
– ولاؤهم الأساسي لأنظمة خليجية وليس لأوطانهم ولا لأمّتهم، خلافا للحركات الإسلامية الوسطية التي توالي أوطانها وأمتها وتشتغل في شفافية ضمن المنظومات القانونية والدستورية وتعمل ضمن عمل سياسي وثقافي واجتماعي مشروع وشرعي قانونا وعرفا.
– تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية، وليّ النصوص والكذب على شرع الله، وعلى الحقائق التاريخية، وتجيير الأحداث الغابرة بما يخدم الشقاق والتركيز على الصفحات السوداء في تاريخ المسلمين.
– التفنن في السلوكيات المنافية للدين والأخلاق، كالكذب على الناس، والبهتان والنميمة، والشتم، والسب، والوشاية، وتتبع السقطات.
كل هذه السلوكيات والتوجهات لا يمكنها أن تجتمع في مسلم سوي يؤمن بالله واليوم الآخر، فما هذا التيار سوى معول هدم للأمة وطابور خامس يشتعل بلا هوادة ضد المسلمين ضمن مخططات شيطانية، دولية ومحلية، كثير من تمظهراته غير حقيقية، وما كان منه حقيقيا فهو جزء من عصب غير متدينة أو منحرفة أو عميلة أو جاهلة.
وهم في كل الأحوال ظواهر غير ذات تأثير ، ولا مصداقية، ورغم الأموال الضخمة التي تنفق، والمجهودات الكبيرة التي تبذل، لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم، فلا حملاتهم الدعائية تنجح، ولا مكائدهم تتوج، ولا يتجاوز عملهم الأذى العابر الذي يصيب الصالحين، على نحو ما أصاب النبي من أذى المنافقين، وعلى شاكلة ما وصل الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين من إساءات المرجفين.
وكم مر على الأمة من هجمات من أمثال هؤلاء ثم اندثروا وما بقي إلا الذكر الطيب للصالحين، والإنجازات العظيمة لصالح الإسلام والمسلمين.
وصدق الله تعالى إذ يقول:
((لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (آل 111))
((لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب 60))
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال36))
((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (الحج 38)