سنحاول في هذه السلسة الجديدة من المقالات حول توقف المواجهة العسكرية بين الحلف الصهيوني الأمريكي وإيران، تتبع نتائجها على المختلف المستويات، ثم نتحول إلى سلسلة مقالات عن إيران نفسها وما هو المطلوب منها لكي تحافظ على نتائج خروجها الموفق من الحرب، وكيف تستفيد من أخطاء الماضي، ولكي تكون النتائج التي حصلت عليها لصالح الأمة العربية والإسلامية كلها، ولصالح فلسطين.

 

سمعت البارحة عدة تحليلات عن وثيقة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فكانت توجهات أغلب المحللين في العالم أنها لصالح إيران، ولم يتنكر لهذا النجاح الإيراني سوى مواقف وتصريحات أقلية لا يُنظر إليها، كانت تصدر عن نخب عربية مستلبة حضاريا هواها مع أمريكا وإسرائيل، أو نخب ذات توجهات طائفية أو قومجية، أو تيارات تابعة لأنظمة استبدادية تخاف من يقظة الشعوب، أو نخب خائبة استمرأت الخنوع للأقوى في حياتها الشخصية، فهي لا تستطيع أن تؤمن بأن النصر في المقاومة بإذن الله تعالى .

 كنت قد استشرفت هذه النتيجة منذ بداية المواجهة، وضعتها في سلسلة مقالات منشورة في موقعي ومختلف صفحاتي الالكترونية، مؤكدا عدم إمكان الولايات الأمريكية المتحدة حسم الحرب مهما كانت قوتها النارية، وشدة هجماتها الجوية، واتساع حالة التدمير في إيران. وذلك لأسباب عديدة أهمها أن أمريكا لا تستطيع أن تحسم الحرب بدون تدخل بري، وإن غزت الأرض الإيرانية بعساكرها لقيت حتما حتفها كذلك، ليس كما وقع لها في الصومال، والعراق، وأفغانستان، بل أسوء من ذلك. والسبب الثاني هو الصمود العقائدي الإيراني، الحكومي والشعبي، المدعم بوحدة الصف، والمسنود بخبرة طويلة في المقاومة وتحمل أعباء الحصار المضروب على البلد منذ مدد. والسبب الثالث هو القدرة على إيذاء العدو ومصالحه بالصواريخ والمسيرات، وحسن الاستعداد لذلك بصناعة عسكرية محلية، بما جعل الحرب معركة “عض الأصابع” صبر فيها أهل الأرض على الغزاة الأجانب. ثم جاءت الجغرافيا وأهمية الموارد الطاقوية في التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية الدولية وما يتعلق بالحضور الخفي للصين وروسيا في الحرب، وقد كتبت في ذلك ثلاث مقالات. 

لقد كان هذا البعد الجغرافي حاسما، حيث تحول فيه مضيق هرمز إلى سلاح فتّاك، بشكل غير متوقع لترمب وحلفائه والعالم بأسره. والمفارقة أن التحكم في مضيق هرمز، سُيّر على نحو لم يجعل الصين هي المتضرر الأكبر منه كما كان يُعتقد في البدء، ولكن الخسارة الكبرى لحقت أمريكا والعالم بأسره، إذ تحولت الحرب إلى حرب اقتصادية عالمية تحمّل مسؤولية الخسائر فيها ترمب وحده، في داخل بلده بارتفاع معدلات التضخم، وفي كل الساحات المالية والاقتصادية في العالم.

كل هذه الأبعاد المهمة غفل عنها دونالد ترمب وفريقه، فوجد نفسه في فخ تاريخي عظيم، دفع ثمنا غاليا في الاتفاقيات المبرمة للخروج منه، حتى لا يستمر انهياره الشخصي الداخلي، والانهيار الأمريكي الدولي. ولا يُتوقع أن تعود الولايات الأمريكية للحرب، أو التدخل في الشأن الإيراني، لأن المعطيات التي جعلت إيران تصمد والأدوات التي جعلتها تؤلم الأمريكيين وحلفائهم لا تزال متوفرة، ولن يغير هذه المعادلة سوى تطورات إيرانية داخلية عميقة ضد النظام السياسي، يبدو أن نتائج الحرب لا تشتغل لصالحها.

لقد جر ترمب إلى الفخ الذي وقع فيه تقديرات ومعلومات استخبارية صهيونية خاطئة، جعلته يعتقد بأن قطع رأس النظام في اليوم الأول، سيحرك شبكة العملاء لتأخذ المبادرة، و يدفع الشعب ليثور على حكامه، فتسقط إيران كلها كالثمرة اليانعة بين يديه، على شاكلة ما أنجزه في فينزويلا، فيصطاد عصافير كثيرة في آن واحد: إسقاط النظام، أخذ البترول الإيراني غنيمة سهلة، تخليص الحليف الصهيوني من خطر وجودي، إنهاء التهديد الإيراني ضد الحلفاء العرب إلى الأبد، التحكم الكامل في المنطقة وحكامها وشعوبها، الإنجاز الكامل للاتفاقيات الإبراهيمية،  ضرب الصين ضربة موجعة أخرى بعد إسقاط مادورو في فنزويلا، ضربة كان سيكون لها آثار مزلزلة على الاقتصاد الصيني بالتحكم الكامل في مورد طاقوي حيوي وأساسي كان يمد الصين من إيران ودول الخليج عبر مضيق هرمز ( وشرحنا هذا كله بالأرقام في سلسلة مقالات سابقة).    

فالنتيجة الأساسية للحرب هو تبخر كل هذه الأحلام مرة واحدة، إذ وقع للولايات الأمريكية المتحدة وحليفها الإسرائيلي، ما سمي باستراتيجية “الردع بالحرمان” التي أعلن عنها “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — والتي تقضي ب”حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها”، وقد أشرت إلى هذه الاستراتيجية في مقال سابق. وما يؤكد مرارة هذا الحرمان أن ترمب نفسه وضّحه للعالم بأسره بتصريحاته، التي أعلن فيها بأن الصين ستأخذ البترول الإيراني مسقبلا عبر أمريكا، وأنه لن يقبل نصرا دون “نصر شامل وكامل”، واستغرابه المعبر عليه بوضوح من صمود النظام الإيراني، ودعوته المتكررة للشعب الإيراني للخروج للشارع ضد النظام.

وبالإضافة إلى هذه الخسارة بالحرمان، راكمت الولايات الأمريكية وحلفاءها خسائر أخرى كبيرة سيكون لها أثر كبير في رسم المشهد الجيوسياسي في المنظقة والجيوستراتيجي المستقبلي في العالم، ومن ذلك:

أولا ـ الولايات الأمريكية المتحدة:

– خسارة هيبتها وريادتها للعالم، وتعمق صورة الدولة الكبرى التي تسير نحو الأفول عند الجميع، وهي حالة تحدثت عنها كثير من الدراسات الدولية، والغربية، والأمريكية منذ عقدين على الأقل، وأشرنا إلى ذلك في العديد من المداخلات والمقالات. والغريب في الأمر أن ترمب أقام حملته الانتخابية على الإقرار بتراجع قوة بلده، ولهذا جعل شعار حملته “جعل أمريكا عظيمة مجددا”، وكان يحمّل الديمقراطيين هذا التراجع، فإذا به يكون هو من سرّع هذا التراجع، وجعله الآن بارزا واضحا. 

– انهيار صورة الجيش الأمريكي كقوة قادرة على الفعل في أي مكان في العالم، وقد ظهرت هذه الصورة بشكل جلي في عهد الديمقراطيين تحت رئاسة بايدن بخروجه المذل أحادي الجانب من أفغانستان، تحت ضربات طالبان، و ها هو الآن يتعمّق أكثر في عهد الجمهوريين تحت رئاسة ترمب، من خلال هذا الفشل المروع في إخضاع الإيرانيين والاضطرار إلى تعويضهم خسائرهم في الحرب، ورفع الحصار عليهم، وإنهاء تجميد أرصدتهم .. حتى يقبلوا توقيف المواجهات.

– انهيار موثوقيتها الحمائية عند حلفائها، وشعور هؤلاء بضرورة تغيير استراتيجياتهم الدفاعية، وقد بدأ الأوربيون التفكير في هذا شأن، في اجتماع وزراء الدفاع لديهم، أسبوعا واحدا بعد خروج أمريكا من أفغانستان (تُراجع سلسلة المقالات بهذا الشأن في موقعي الالكتروني)، وبدأ يتعمق هذا التوجه جماعيا بينهم، أو من خلال ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري قطريا، واليوم نتنياهو نفسه يصرح علانية بأن حكومته ستعمل على التحرر من التبعية العسكرية لأمريكا، وبقي العرب يخفون توجهاتهم الجديدة، التي رشحت من خلال محاولات تشكيل حلف جديد (مصري، سعودي، تركي، باكستاني).

– تراجع ركائز التفوق العسكري الأمريكي، من قوة متنقلة جبّارة غالية الكلفة تعتمد على حاملات الطائرات في كل المحيطات، والطائرات الفتّاكة، والصواريخ المدمرة بعيدة المدى، إلى قوة سهلة التدمير بصواريخ ومسيرات ضعيفة الكلفة، يزيدها المعطى الجغرافي، والمعطى التكنولوجي قدرة كبيرة على إلحاق العدو خسائر لا يمكن تحملها، بشريا واقتصاديا، وعلى مستوى السمعة والهيبة.

– انهيار دور الثكنات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإخراجها من الخدمة، وتحولها إلى عبء على الدول التي تستضيفها، وأهداف سهلة في أي معركة جديدة تخوضها أمريكا.

– تحمل عبء الخسائر الاقتصادية بسبب كلفة الحرب، ومن ذلك الأضرار التي أصابت الشعب الأمريكي مباشرة بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع كفاءة الأسواق، وتعويض الخسائر التي طالت القواعد والمعدات العسكرية، والتكفل بكلف الخسائر البشرية، والتراجع الحاد لكميات السلاح في  المخزونات الاستراتيجية، وسيطلب التعافي من كل هذا مدة طويلة، كما أشارت إلى ذلك العديد من الدراسات (سنعود إلى توثيق كل ذلك لاحقا).

– الشرخ الكبير في العلاقة مع الحليف الصهيوني، كوكيل لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحول هذا الحليف إلى عبء كبير، عسكريا واقتصاديا، وعلى مستوى الانسجام الأمريكي الداخلي، واستقرار العلاقات مع الحلفاء الأوربيين والعرب خارجيا.

– تعمق الشرخ الداخلي، على مستوى المؤسسات، بين الديمقراطيين والجمهوريين، وبين الديمقراطيين منذ العدوان على غزة، والآن بين الجمهوريين ذاتهم، وتعاظم الصراع بين القوى التقليدية التي لا تزال تريد مواصلة السياسة الأمريكية لدعم الكيان الصهويني، والقوى الصاعدة التي ترفض ذلك، وسيؤدي ضعف النخبة القيادية الحزبية في كل المعسكرات المتصارعة إلى تعمق الشرخ والعجز على ترميمه، ويضاف إلى ذلك الشرخ الكبير المتنامي في المجتمع، بسبب الصراعات العرقية والاثنية، وتعمق الفروق الاجتماعية، واليقظة المتصاعدة لدى الشباب، المعبرة عن ذاتها بتأثير كبير في وسائل الاتصال الحديثة، في مواجهة القوى التقليدية المسيطرة ماليا، وفي المؤسسات الإعلامية الثقيلة.

– إطلاق يد القوى الدولية الصاعدة في المنقطة، ولا سيما الغريم الصيني الذي ستزداد موثوقيته كشريك مأمون ومفيد، على الصعيد الاقتصادي، وفي وقف الفوضى في العلاقات الدولية، والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب، ستكون فيه أمريكا مجرد قوة عظمى، منعزلة في جغرافيتها الأمريكية، لا تستطيع فرض إرادتها في الساحة الدولية.

 

د. عبد الرزاق مقري