المقالات

كانت محاولة فرض العهدة الخامسة هي الشرارة التي أطلقت الحراك الشعبي، غير أن الشرارة لا يمكن أن تحدث انفجارا ما لم يكن ثمة تكديس لمواد قابلة لذلك، والذي جعل العهدة الخامسة تفجر الشارع هو ذلك الاحتقان الشديد الذي كان في المجتمع الجزائري، والذي عبرت عنه توترات شعبية عديدة في مختلف أنحاء الوطن قبيل الحراك، من أبرزها توترات خنشلة وخرّاطة.

إن الأسباب التي صنعت الاحتقان كثيرة أهمها الفساد المالي الذي بلغ احجاما فلكية غير مسبوقة صنعتها البحبوحة المالية التي نتجت عن الاستغلال المفرط للمواد النفطية الاحفورية وارتفاع أسعار البترول، وقد تحول الفساد إلى مؤسسة رسمية صنعت أولغاركية مدنية هي أقرب إلى الكليبتوكراسيا تحكمت في مؤسسات الدولة كلها، وجعلت مركز الحكم في الجزائر يتحول بالتدرج من الحكم العسكري إلى حكم المال.

لقد كانت الأرقام التي رُصدت للتنمية خيالية وكان الترويج لها من زبائن النظام والطبقات الانتهازية في الأحزاب والمجتمع المدني ولدى الشخصيات عظيما حتى يخيل لك أن الجزائر ستصبح دولة عظيمة من الدول الصاعدة، وكانت الأصوات التي تدين الفساد وتستشرف الانهيار تعدُّ راديكالية وخائنة للوطن. ولم تكن المؤسسات الرسمية والمجتمعية قادرة على تصحيح الوضع بسبب التزوير الانتخابي الذي أنتج مجالس منتخبة موالية لمن زورها، وجعل السلطة التنفيذية مهيمنة على كل السلطات، والقضاء تابعا يسير بتعليمات سادة الحكم الجدد المرفّهين، والمجتمع المدني مجرد شبكات انتهازية في غالبها، والمؤسسات الإعلامية أبواقا للبروباغندا في أكثرها.

غير أن انهيار أسعار النفط بين 2014 و 2016 فضحت الأوهام وكشفت السحر وعندما بدأت الأحوال المعيشية تتراجع بسبب التضخم وانهيار أسعار الدينار بدأت مطالب الانتقال الديمقراطي تتصاعد ومشاريع الإصلاح الدستوري ووقف التزوير الانتخابي وتجسيد الإرادة الشعبية وتحقيق الحرية الإعلامية والمجتمع المدني تتزاحم، وأخذت الحيوية السياسية والحزبية تتأكد فحقق ذلك كله وعيا شعبيا عاما عبر بقوة ووضوح عن الاحتقان الشديد في المجتمع حتى إذا ما جاءت محاولة فرض العهدة الخامسة تدفق السيل من كل حدب وصوب.

كانت المطالب الشعبية في الحراك سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية فلبث الناس بالملايين في الشارع لمدة أكثر من سنة إلى أن توقف لأسباب عديدة غير مباشرة وسبب مباشر ارتبط بوباء كورونا.

لم يحقق الحراك الإجماع بين النخب في كيفية تسييره ولم يتوافق النشطاء السياسيون المعارضون في كيفية استثماره وتوقيفه، واستطاع النظام السياسي الالتفاف عليه، كما هي عادته في فرص أخرى مشابهة، وأعاد بناء نفسه بنفس القواعد السابقة ورجع مركز السلطة حيث كان قبل ظهور طبقة الأوليغارشية المالية بل أشد من ذلك، ورغم الإشادات الرسمية الكبيرة ب”الحراك الشعبي المبارك” وإعطائه طابعا رسميا، رجعت الأمور إلى حالة ” ديمقراطية الواجهة” من خلال التزوير الانتخابي الذي عاد بأشكال جديدة في الانتخابات التشريعية والمحلية السابقتين، ورجع الفساد في مختلف المستويات والمجالات بدون أي قدرة على محاربته لذات الأسباب المذكورة أعلاه قبل الحراك، وتراجعت هوامش الحريات في الساحة الإعلامية والسياسية، ورجع تجريم المخالفين وتخوينهم والتضييق عليهم، وكدنا نسقط مبكرا في الاحتقان الاجتماعي الشعبي بسبب تراجع أسعار البترول قبل الحرب في أوكرانيا، ولما ارتفعت أسعار البترول بسبب الحرب رجعنا إلى السياسات الشعبوية والتسيير السياسي للاقتصاد بما يخدم الحكم والحكام والمواسم الانتخابية وليس الدولة والوطن ومواسم الهناء والرفاه للمواطنين، وأخذنا نضيع فرص التنمية من جديد ونُديم الصعوبات المعيشية لأعداد كبيرة من الجزائريين في الطبقة الوسطى، وفي الطبقات الهشة.

ومن أسوء المظاهر التي برزت ولم تكن حاضرة ما قبل الحراك هو التحكم المطلق في الطبقة السياسية وفي المجتمع وموت السياسة في بلادنا الذي يظهره ترهل الطبقة الحزبية والإعلامية وفي المجتمع المدني بما جعل الجميع لا يصدر سياسيا إلا وفق ما يرضي الحاكم أو على الأقل بما لا يغضبه، وهذا الذي نراه مثلا في عدم بروز جرأة في الطبقة السياسية على التقييم الموضوعي لنتائج الحراك الشعبي في ذكراه الخامسة، وهي حالة مخيفة إذ أن التوقف عن النهي عن المنكر وعن الصدع بالحق من إرهاصات موت المجتمعات وتوقف الإبداع وتنامي الرداءة والفساد ثم يكون بعد ذلك الاستبدال، أو الانفلات التام والعياذ بالله.

 

د. عبد الرزاق مقري

لم يكثر الحديث عن حل الدولتين كما هو الحال منذ طوفان الأقصى، وخصوصا بعد أن أعجزت المقاومة الباسلة وصمود أهل غزة قادة الاحتلال وجيشهم وحلفاءهم عن تحقيق أي هدف أعلنوا عنه منذ بداية العدوان.

لم ينفع نهج المفاوضات ولا مسيرة الاستسلام للإرادة الصهيونية الأمريكية الغربية في فرض حل الدولتين الذي حلم به مشروع أوسلو ودعا إليه الإجماع العربي في دورة 2002 للجامعة العربية، بل تخلت عنه حتى الدول العربية التي اصطفت في طابور التطبيع دون اشتراط هذا الحل.

ولكن ما إن فعلت المقاومة فعلتها في طوفان الأقصى بلغة الرصاص والجهاد والاستشهاد حتى أصبح العالم كله يلهث وراء هذا الحل ويخطط له بإجماع دولي غير مسبوق لما بعد الحرب القائمة.

فلم تكن الحجة بأنه لا حل مع الاحتلال سوى خيار السلاح قائمة كما هي اليوم على إثر نتائج طوفان الأقصى العظيمة.

فلست أدري ما الذي يقوله محمود عباس وحكام العرب والمنكرون للحل العسكري في الكفاح ضد الاحتلال الصهيوني؟ ما الذي يقوله هؤلاء، في أنفسهم وفي الحديث بينهم، وقد توجه إليهم العالم بأسره يطمئنهم بأن لا حل للقضية الفلسطينية سوى حل الدوليتين بعد طوفان الأقصى؟ ما الذي يقوله هؤلاء والذي جاءهم بهذه النتيجة حركة حماس وكتائبها القسامية وإخوانهم في الجهاد وليست السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني؟ إن النتائج التي تحققت عظيمة تاريخية من اليوم الأول للطوفان، وهي تتعاظم قبل أن تنتهي الحرب، وحين تنتهي الحرب سيكون النصر أعظم بإذن الله، ومن تلك النتائج الانقلاب في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وضد الكيان بما لو أُنفِقت في العلاقات الدولية من أجلها ملايير الدولارات وعبر سنوات لما تحقق ذلك، ومنه الصمود الأسطوري لأهلنا في غزة رغم البلاء العظيم الذي لا تطيقه الجبال الذي أفشل مخطط التهجير، ومنه إنجازات المقاومة التي أعطت صورة بيّنة كيف يمكن أن يُهزم الجيشُ الصهيوني رغم الفارق الشاسع في المقدرات العسكرية، وتلك حجة تاريخية على عساكر الدول العربية، ومنه تفكك المجتمع الإسرائيلي وتشقق بنيته السياسية والاجتماعية والعسكرية والمؤسسية وتهتك سمعته في العالم بأسره، ومنه رجوع القضية الفلسطينية في رأس سلم أولويات الشعوب العربية والإسلامية بعد أن شغلتها عنها قضاياها الداخلية ومسار خيبات الأمل الطويلة.

ومن تلك النتائج ما نحن بصدده وهو رجوع العالم بأسره إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ضمن خيار حل الدولتين. ولكن هل يمكن لحل الدولتين أن يتحقق؟ إن الجواب على السؤال بشكل واضح وبين: “لا!” .

ولا ننفي ذلك لأسباب عقدية وأيديولوجية فحسب ولكن لأن ذلك غير ممكن من عدة أوجه منها:

1 – لن يكون حل الدولتين الذي تريده أمريكا وجزء من الشارع السياسي الإسرائيلي حاليا وبعض الدول العربية هو حل الدولتين الذي جاء في القرار العربي الذي بادرت إليه المملكة العربية السعودية عن طريق الملك عبد الله والذي صار قرارا عربيا بالإجماع في دورة الجامعة العربية بلبنان عام 2002.

لن يقبل الحلُّ الذي تسوّق له أمريكا بأن يكون للفلسطينيين السيادة على القدس الشرقية وعلى المسجد الأقصى، ولن يقبلوا بحق العودة وسيحاولون قضم الأراضي الفلسطينية ضمن حدود 67 في الضفة الغربية، وسيعملون على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وعليه سيكون القرار فاقدا للشرعية على المستوى الرسمي العربي وسيبقى الجدال والنقاش مستمرا بما لا يجعل شيئا جديدا يتحقق يضمن دوام الأمن لإسرائيل – كما يحلمون – سوى بعض الاختراقات التطبيعية التي ستبقى – إن وقعت – ممجوجة مرفوضة من قبل الشعوب كما هي الآن.

2 – حتى هذا السيناريو لحل الدولتين لن تقبل به الأغلبية في الشارع الصهيوني ومؤسساته، فإرادة هؤلاء باتت واضحة وغير مخفية فهم يريدون تهجير الشعب الفلسطيني خارج فلسطين، من غزة ومن الضفة. هم كلهم أو أغلبهم يريدون ذلك في الضفة، ولكن قطاع غزة كان يمثل جزء من الحل بالنسبة إليهم ضمن مشروع صفقة القرن بأن تضاف للقطاع سيناء ويكون ذلك هو الوطن البديل، ولكن بعد الطوفان صارت أغلبية من الإسرائيليين يريدون إخراج أهل غزة من أرضهم لكي لا يجاوروهم مستقبلا أبدا. ولو حاولت الولايات الأمريكية المتحدة فرض هذا الحل، ولو مطورا بالشكل الذي ذكرناه أعلاه، ستجد مقاومة شديدة من اليمين واليمين المتطرف، وقد تقع فوضى كبيرة في الكيان أو ما يشبه الحرب الأهلية لو سار مع أمريكا الدولة العميقة العلمانية الإسرائيلية، فيخربون بيوتهم بأيديهم.

3 – لن تقبل المقاومة الفلسطينية هذا الحل، وحتى وإن قبلت جزء من حل الدولتين، كما تعاملت مع انسحاب الكيان من غزة عام 2005 وما بعده، كجزء من فلسطين تحرر على إثر طوفان الأقصى، فإنها لن تسلم سلاحها، ولن تعترف بإسرائيل، وهذا الذي لن تقبله السلطة الفلسطينية ولا الدول العربية، ولا بطبيعة الحال الكيان والولايات الأمريكية المتحدة، فلن يكون المجتمع الفلسطيني أبدا بلا سلاح، حتى وإن كان سلاحا بسيطا، خصوصا بعد ما اتضحت جدوى الجهاد والاستشهاد، ولن يٌقبل قول قائل بأن الضريبة على المدنيين كانت عالية، فذلك هو مصير الشعوب التوّاقة للاستقلال، وفي تاريخ هذه الشعوب عبر وعظات، وستتحول آلام التضحيات إلى سعادة وسرور بعد النصر والاستقلال. فإذا كان حل الدولتين غير ممكن فما هو الحل؟ إن الحل نسوقه من زاوية دينية شرعية بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، ثم من زاوية سياسية بعد ذلك، دون أن نتناول الزاوية التاريخية التي تؤكد أحقية الفلسطينيين في أرضهم منذ غابر الزمن.

أما الخلفية الدينية فإنه يرمز إليها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس وفق ما ثبت في الأحاديث الصحيحة التي روت حوادث الإسراء والمعراج. فإن صلاته عليه الصلاة والسلام بالأنبياء تدل بأن القيادة في هذه الأرض إنما هي للإسلام فهو من يؤم الناس من مختلف الملل والنحل في هذه الأرض المباركة، فقد صح أن إبراهيم الخليل، وموسى الكليم وعيسى المسيح وغيرهم من الأنبياء تشرفوا بأن يؤمهم المصطفى الحبيب عليه وعليهم أفضل الصلاة وازكى التسليم.

إن فلسطين ليست للعرب والمسلمين وحدهم بل يكون فيها غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ولكن القيادة لهم كما كانت لنبيهم بختمه الرسالات وبصلاته بالأنبياء في المسجد والأقصى، وكذلك لأنهم هم أكثر الناس فيها منذ قرون طويلة، إذ شعوب فلسطين دخل أغلبهم الإسلام وصاروا جزء من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم. علاوة على أن أكثر من جاء من اليهود لإنشاء دولة الكيان وإدامتها جاؤوا من مختلف أنحاء العالم من أعراق مختلفة ولا ينتمي لسلالات بني إسرائيل إلا أقلية منهم، وكثير من قادتهم علمانيون ملاحدة، فلا حجة دينية لهم.

أما من الناحية السياسية فإن البديل العادل والمنطقي هو الحل الذي طبق في جنوب افريقيا بعد هزيمة البيض وإنهاء نظام الأبرتايد، فقد قامت دولة واحدة للبيض وللسود، ومن حيث أن السود هم أهل الأرض وهم الأغلبية استقرت قيادة الدولة فيهم، وصار حال البيض إلى حياة رغيدة، في ظل نظام ديمقراطي ضَمن حقوق الجميع، أفضل من حالة الصراع الدائمة التي كانوا عليها. وعلى هذا المنوال يمكن أن تقوم دولة واحدة في فلسطين يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى ضمن نظام ديمقراطي يؤمّن الجميع ويعطي حقوق الجميع ويكون للمسلمين مسجدهم الأقصى ويكون للنصارى كنيسة القيامة ولليهود معابدهم (ليس لهم معبد مشهور)، ويضمن حق العودة للفلسطينيين المهجرين وحق من أراد من اليهود أن يعود إلى بلده الأصلي الذي جاءت عائلته منه، والحق في أن تهيأ لهم ظروف الاستقبال للعيش الكريم في بلدانهم الأصلية تلك، في أمريكا وأوربا.

والمرجح أن هذا الحل سيتحول من الحل “الجنوب-افريقي” إلى الحل “الجزائري”، وذلك أن اتفاقيات ايفيان التي على اثرها استقلت الجزائر ضمنت للمستوطنين الذين جاءت عائلتهم من فرنسا ومن مختلف الدول الأوربية، وكذلك لليهود الذي كانوا في الجزائر قبل الاحتلال وصاروا فرنسيين بعد أن أعطتهم فرنسا الجنسية، أن يبقوا جميعا في الجزائر كمواطنين كاملي المواطنة، تماما كما كان الحل في جنوب افريقيا، ولكن بسبب الجرائم الفظيعة التي اقترفوها في السنوات الأخيرة من الاحتلال خافوا من البقاء وخرجوا عن بكرة أبيهم من الجزائر. فكذلك يُرجح أن في زمن التحرير في فاسطين سيخرج الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين من فلسطين بسبب الجرائم الفظيعة التي يقترفونها وسيذهبون إلى حيث يملكون جوازات سفر ثانية وثالثة وإلى بلدان أخرى بدؤوا من الآن يعدّون فيها مساكن لهم كقبرص مثلا وإسبانيا والبرتغال.

وسيرث الفلسطينيون الذين سيتمتعون بحق العودة مساكنهم، كما تمتع كثير من الجزائريين بالمساكن الفرنسية التي تركها المعمرون كاملة البنيان والأثاث.إن هذا السيناريو بات موضوع دراسة منذ سنوات عند عدد من علماء التاريخ وعلماء الاجتماع والساسة الإسرائيليين كالمؤرخ بيني موريس الذي يجزم بأن: ” هذا المكان سيتحول إلى بلد شرق أوسطي ذي أغلبية عربية .. وكل من يستطيع من اليهود سيهرب إلى أمريكا وأوربا” والسياسي المخضرم رئيس الكنيست السابق أفراهام بورغ الذي يؤكد بأن أكثر من 50% من الإسرائيليين لا يعتقدون أن أبناءهم سيعيشون في إسرائيل” ويدعو كل إسرائيلي أن يحرص أن يكون له جواز سفر ثاني، وإن كان الأول يرى أن الأمور ستنقلب ضد الإسرائيليين بفعل أعدائهم كما هو تاريخهم، حسبه، فإن الثاني يرى أن إسرائيل ستنهي نفسها بنفسها بسبب ظلمها للفلسطينيين وانقلابها على القيم الديمقراطية، حسب قوله، والمرجح أن السببين سيتظافران.

وحين يخرج أكثر اليهود من فلسطين، تماما كما يريدون إلحاقه بالفسلطينيين اليوم بمحاولة تهجيرهم إلى سيناء ودول أخرى في العالم العربي والأوربي والأمريكي، سيعيش من بقي منهم في فلسطين في أمن وأمان يتمتعون بكل حقوقهم، التي لم يضمنها لهم عبر التاريخ مثلما ضمنها لهم المسلمون استنادا إلى أسس عقيدتهم وتعاليم دينهم. هذا هو الحل الواقعي، الذي يحمل شرعية تاريخية ودينية، والذي سيفرضه الواقع السياسي، والذي سيعين على تحقيقه تطرف الإسرائيليين أنفسهم، وفق القاعدة التي أطلقها الجنرال الفيتنامي جياب حين قال: ” إن الاحتلال تلميذ غبي يكرر نفس الأخطاء” وهو الحل الذي سيفصل في أمره في الأخير المقاومة الفلسطينية.

د. عبد الرزاق مقري

معطيات كثيرة تؤشر أن الولايات الأمريكية المتحدة تسعى لتحويل نتائج طوفان الأقصى لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي وذلك برسم شرق أوسط جديد يقوم على ثلاث ركائز:

أولا – حل الدولتين: وهو الحل الذي كان قد تخلى عنه العالم بأسره، وتخلت عنه الدول العربية بتوجهها للتطبيع دون قاعدة انسحاب الكيان من كل أراضي 67 (القدس، غزة، الضفة، الجولان ..)، وهو الحل الذي ألغاه كل الساسة الإسرائيليين قبل ط..وف..ان الأق..صى، ودمره الكيان بتوسيع المستوطنات في الضفة والقدس وتهويد القدس. ولكن هذا الحل رجع بقوة وتبناه العالم بأسره من جديد وجزء من ساسة الكيان.

غير أن حل الدولتين في صورته الجديدة غير  الحل الذي اشترطه الإجماع العربي والمتوقع أن الصورة الجديدة تكون في صالح إسرائيل من خلال  مساحة جغرافية أقل، ودون حق العودة، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح وتقسيم زماني ومكاني للمسجد الأقصى.

ثانيا – التطبيع مع السعودية دون اشتراط قاعدة حدود 67 بالرغم من أن المبادرة العربية للسلام أطلقها العاهل السعودي الملك عبد الله وتبنتها الدول العربي بالإجماع في لقاء الجامعة العربية ببيروت عام 2002.

والمقصود بالتطبيع مع السعودية هو كسر الحاجز نهائيا ليلتحق بالسعودية كل العالم العربي والإسلامي وفتح كل القنوات الرسمية العربية مع الكيان وإلحاق المنطقة كلها بالمحور الغربي الأمريكي وإبعاده عن المحور الشرقي الصيني -الروسي،  وجعل دولة الكيان هي محور المشروع مجددا بضمان تفوقها العسكري والاقتصادي والعلمي.

ثالثا – ضرب كل القوى الوطنية الحية في العالم العربي والإسلامي التي ترفض الالتحاق بالمشروع أو تقاومه، وعلى رأسها حـركة حـماس فلسطين،  وكذلك كل الحركات الإسلامية مهما حاولت إظهار اعتدالها وقبولها البقاء تحت سقف الأنظمة وسيكون مجرد رفضها للتطبيع سببا لإلصاق صفة الإرهاب بها من أجل  سحقها.

هذا الذي رشح من بعض الدراسات الأمريكية وتم نشره في بعض الوسائط الإعلامية العربية ومنها سكاي نيوز العربية الإماراتية.

وعليه المعركة القائمة اليوم في فلسطين – وخصوصا في لحظات الحسم السياسي والدبلوماسي الأخيرة –  ليست معركة بين حماس والكيان وإنما هي معركة بين المشروع الغربي الصهيوني الاستعماري والعالم كله، وأرض المعركة والحسم هي فلسطين والبلاد العربية، والمعنيون بها قبل غيرهم هم الفلسطينيون ثم الشعوب العربية قبل غيرها.

إنهم يريدون أن تضيع تضحيات أهل غـ..زة والضفة، مدنيين ومجـاهدين، وإنقاذ الكيان وهو يحتضر، وتحويل نصر الأمة في الطوفان إلى هزيمة.

هذا تدبيرهم ومكرهم … لكنهم سيفشلون .. وطوبى لمن ساهم في إفشال هذا المشروع.  

عبد الرزاق مقري

شاركت في حصة تعدها قناة الجزيرة الوثائقية عن كتاب “شروط النهضة” للمفكر الكبير مالك بن نبي، دفعني ذلك إلى مراجعة الكتاب فأذهلني من جديد معاصرة أفكاره، من الزاوية الحضارية، للواقع الذي تعيشه الأمة حاليا. إن في الكتاب مواضيع كثيرة يُستفاد منها لبناء منهج كامل للاستنهاض الحضاري المنشود، من حيث التطورات الحضارية الدولية، ومن حيث الفرص المتاحة، ومن حيث الشروط الواجب توفيرها للنهضة ومن حيث الوقائع والسلوكيات السلبية المعيقة لها على مستوى الأفراد والمجتمعات.

قد يكتب الكاتب المبدع عدة كتب ولكن يشتهر ببعضها فقط، إذ الأفكار التجديدية المؤثرة في الحال أو في المستقبل تظهر في عدد قليل من كتب صاحبها، وقد يكرر الكاتب الأفكار المحورية في كثير من كتبه، بالشرح تارة، أو بالتفصيل تارة، أو بالاستدراك والتطوير تارة أخرى. 

ولو راجعنا كتب الأستاذ مالك بن النبي ضمن سلسلة مشكلات الحضارة لوجدنا أن الكتاب الذي تميز به أكثر من غيره هو كتاب “شروط النهضة”، ولو حاولنا أن نعدد الأفكار الجوهرية التي تميز بها هذا الكتاب لوجدنا من أبرزها فكرة “المعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار”.

لم يكتب الأستاذ مالك عن الاستبداد والقابلية للاستبداد في ما أعلم، إذ كان همه الأكبر معالجة الظاهرة الاستعمارية في بلادنا وأثرها المدمر للإنسان الذي يُبتلى بها، لا سيما أثر الاستعمار الفرنسي في تطور الشخصية الجزائرية. غير أن العارف بطبائع الاستبداد وتأثيره في الأفراد والمجتمعات بإمكانه أن يؤكد بأنه يكفي أن تُستبدل في كتاب “شروط النهضة” كلمة “المعامل الاستعماري” بكلمة “المعامل الاستبدادي”، وكلمة “القابلية للاستعمار” بكلمة “القابلية للاستبداد” لنشعر وكأن بن نبي -رحمه الله- خاطب قرائه لتحذيرهم من الاستبداد ومن المخاطر الجسيمة لنشوء ظاهرة القابلية للاستبداد في البلدان التي يتسلط عليها حكام لا يشغلهم فيها شيء أكثر من تطوير وسائل وأدوات التحكم والسيطرة والتفرد بالحكم وقمع المخالفين واستغفال المواطنين وإلغاء دور القوانين والمؤسسات وتسخيرها للبقاء في الحكم بعيدا عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

يؤكد مالك بن نبي في حديثه عن المعامل الاستعماري بأن للإنسان بصفته عاملا أوليا للحضارة قيمتين: الأولى منهما خامة والأخرى صناعية، أو الأولى طبيعية والأخرى اجتماعية. أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته، وأن الإنسان الجزائري مزود من ذلك بأطيب زاد، وأن أحداث التاريخ تؤكد ذلك. وتماما كما هو ظن مالك بن نبي لم يبخل الزمن بإمداد البلد بعباقرة في مختلف المجالات في الأزمنة الغابرة وبعد الفتح الإسلامي وقبل الاستعمار وأثناءه، ولولا خوف الإطالة لزيّنت هذا المقال بنماذج ناصعة من هؤلاء. وقد بقيت الجزائر إلى الآن تزخر بالقادة والرموز والمتميزين في أنواع عديدة من المجالات والاختصاصات في داخل البلد رغم المحيط الصعب، ومنتشرين في كامل أنحاء الدنيا حيث يجدون فرص التطور والارتقاء. 

ثم ينتقل بن نبي في الكتاب إلى الحديث عن القيمة الثانية المتعلقة بكيفية صناعة الإنسان من خلال محيطه، أو الحالة الاجتماعية التي يصير إليها في البيئة التي ينشأ فيها، فيؤكد أن تدخل المعامل الاستعماري يؤثر في الفرد سلبيا منذ طفولته بما يمنعه من التطور، فلم يكن للجزائري تحت الاستعمار “من سبيل ليقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يقدره الاستعمار له، فهو يعيش كأن يدا خفية وتارة مرئية، تشتت معالم طريقه، وتقصي باستمرار أمامه العلامة التي تحدد هدفه، فلا يدركه أبدا”. 

وهكذا هو الاستبداد يتدخل في شؤون كل فرد في المجتمع بقدر تمدده وتحكمه، جيلا بعد جيل بقدر استمراره وبقائه، حتى ليصبحن عائقا للفرد فلا يتطور أبدا، وذلك بمنعه المنافسة الحرة وتغيير معالمها وقواعدها حسب هواه وما يضمن بقاء كرسيّه وتسلطه، فلا رجل الأعمال يعرف الطريق الموصل لنجاح مؤسسته، ولا طالب العلم يتأكد بأن جهده يضمن نيله مراتب العلماء، ولا السياسي يأمل بأن نضاله يمنحه السلطة لتطبيق برنامجه وخدمة وطنه، ولا الفنان يزدهر إبداعه بما يملك من مواهب، ولا الرياضي يرتقي منصات الفوز بمجرد مؤهلاته واجتهاده، ولا المنظمات المجتمعية ولا الأحزاب ولا المؤسسات الرسمية تتضح لها قواعد المنافسة وشروط النجاح، ويتأكد مع الزمن لدى كل ذي طموح بأن لا طموح يُصنع بلا إذعان للحاكم، ولا إنجازا ذا بال يتأكد في المجتمع سوى بما يمنحه المستبد ويسمح به، فلا قيمة للإنسان تحت الاستبداد بالخامة المتميزة التي منحها الله له ولا بالقدرات الطبيعية التي رُزِقها في أهله ومجتمعه، ولا بالمجهودات الجبارة التي يبذلها انطلاقا من قناعاته وإيمانه ليُحسِن استعمال المواد (التراب) والفرص المتاحة وليستثمر الوقت – الذي لا يتوقف – من أجل الارتقاء بذاته وصناعة الحضارة لأمته، وإنما قيمة الإنسان عند المستبدين بمدى قابليته للخضوع للاستبداد ليكون “كائنا مغلوبا على أمره” وفق توصيف بن نبي.

وبعد أن بيّن بن نبي “كيف يؤثر المعامل الاستعماري لتضييق نشاط الحياة في البلاد المستعمرة”، حتى “تكون مصبوبة في قالب ضيق، يهيئه الاستعمار في كل جزئية من جزئياته، خوفا من أن تتيح الحياة المطلقة لمواهب الإنسان مجراها الطبيعي إلى النبوغ والعبقرية” -كما يفعل الاستبداد تماما في البلاد التي يحكمها- ينتقل للحديث عن المعامل الآخر (القابلية للاستعمار) الذي “ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار، وحدد له فيها حركاته وأفكاره وحياته”، وهو لعمري توصيف متطابق مع أوصاف أولئك الذين يقبلون الاستبداد فيرضون العيش في المساحات المخنوقة التي حددها، بل يضيّقون على أنفسهم بأقل من حمى حماه، ويحاولون فهم ما يريد قبل أن يفصح عنه، فينطقون به إرضاء له دون أن يدعوهم لذلك، ويحرّمون على أنفسهم محرمات من القول والفعل والعلائق لمجرد الظن من أن اتيانها ربما يغضبه، فتصبح حركاتهم وأفكارهم وحياتهم مشروطة بمنهج المستبد.

ثم يذهب بن نبي في ذكر نماذج من التصرفات التي تمليها القابلية للاستعمار وفق المقياس الذي تقيسنا به الإدارة الاستعمارية، كالقابلية للقعود لأن الاستعمار يريدنا أن نكون بطالين بلا همة ولا نشاط ليستعملنا كيد عاملة رخيصة، أو القابلية لمحاربة أي جهد إصلاحي لتعليم الناس لأن الاستعمار يريدنا جهلة يستغلنا كيفما يشاء، أو القابلية لمحاربة الفضيلة ومحاربة من ينشرها ويدعو إليها لأن الاستعمار يريد منا انحطاط الأخلاق، أو القابلية للتشتت بسبب السياسات الانتخابية لأن الاستعمار يريدنا فاشلين اجتماعيا وأدبيا بأثر الفرقة والخلاف، أو القابلية للحياة المليئة بالأوساخ وغياب الذوق لأن الاستعمار يريدنا كذلك.

وإنه والله لذلك الذي يريده المستبدون وذاك الذي يساعده عليه من فيهم القابلية للاستبداد. يريد الاستبداد أن يكون المجتمع خاملا بلا حيوية ولا نشاط فلا نتحرك إلا بإشارته فيساعده على ذلك الحاقدون على العاملين الناشطين المجدين، ويريد الاستبداد أن نكون غافلين ساذجين غير واعين بحقائق الأمور ولا دارسين ولا مثقفين فتساعده القابلية للاستبداد بكره الفكر والعلم، والتضييق على العلماء والمفكرين الذين يُعلمون الناس وينشرون الفهم والوعي وربما يحاربونهم نيابة عن المستبد. 

ويريد الاستبداد أن تشيع التفاهة بين الناس وأن ينشغل الشباب باللهو والمجون وبكل ما يخدر فكرهم ووجدانهم، حتى لا ينشغلوا بالسياسة وشؤون الحكم، فتجد في المجتمع من يعمق القابلية للاستبداد بالدفاع عن الرذيلة ومحاربة من يدعو إلى الفضيلة والأخلاق الحميدة. 

ويريد الاستبداد أن تنحط أذواقنا وأن نغرق في الأوساخ الحسية والنفسية حتى لا تسمو أرواحنا للمعالي ولتكون الرفعة الاجتماعية لأراذل الناس ولأقلهم ذوقا في مكنوناتهم ومظاهرهم وتصرفاتهم، وليحدث انقلاب في سلم القيم في المجتمع حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، فيأمن المستبد من أن ينكر أحد منكراته، ويكون للأسف في الناس -ممن ابتلوا بداء القابلية للاستبداد- من يتفنن في شهادة الزور والتغطية على رداءة الحاكم وفساده، بل ثمة من يخدم منظومة الفساد ويلوم ويحارب من يحاربها نيابة عن الحاكم. 

ويريد المستبد أن لا يبقى في المجتمع رجال يتمتعون بالحد الأدنى من الشجاعة والمروءة والإباء، فيكون فينا قابلون للاستبداد وخادمون له من أنواع شتى، من نوع ضعاف النفوس الذين يتجنبون أولئك الرجال ويخذلونهم، خوفا من الحاكم أو تزلفا له، إلى نوع المخبرين والخائنين الذين يساعدون على تدمير كل مقاوم للمستبد ولو في إطار القوانين التي يضعها هذا الأخير بنفسه.

وكم هي فقرة الخلاصة معبرة تلك التي ختم بها مفكرنا الكبير فصل المعامل الاستعماري والقابلية للاستعمار في كتابه “شروط النهضة” حين قال: “إن الاستعمار لا يتصرف في طاقتنا الاجتماعية إلا لأنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها موطن الضعف، فسخّرنا لما يريد، كصواريخ موجهة، يصيب بها من يشاء، فنحن لا نتصور إلى أي حدّ يحتال لكي يجعل منا أبواقا يتحدث فيها، وأقلاما يكتب بها، إنه يسخرنا وأقلامنا لأغراضه، يسخرنا له بعلمه وجهلنا”.

يكفي أن نغير “إن الاستعمار…” في بداية هذه الفقرة بعبارة “إن الاستبداد …” لكي يظهر التشابه الكبير بين الاستعمار والاستبداد في التأثير على بناء الأفراد والمجتمعات. 

د. عبد الرزاق مقري

ثالثا – القضية الفلسطينية

حينما سئل الدبلوماسي الأمريكي “جوشوا هاريس” عن القضية الفلسطينية والجرائم التي يرتكبها الجيش الصهيوني بمشاركة كاملة من بلده بقي يراوغ لكي لا يُحمّل الكيانَ الغاصب وبلدَه المسؤولية ولكن مما قاله في سياق تهربه من الإجابة: “إن من بين أسباب مجيئي اليوم إجراء حوار مع شركائنا الجزائريين والاستماع لوجهة النظر الجزائرية حول كيف نتناول هدفنا المشترك – بغض النظر عن الصراع القائم – المتمثل في السماح بإنشاء دولة فلسطينية”.

لم تجر الدبلوماسية الأمريكية مشاوراتها بشأن القضية الفلسطينية بعد الحرب مع الجزائر فقط كما هو معلوم، بل إن الثقل الكبير في المشاورات هو في المشرق العربي، في بلاد الطوق مع مصر والأردن خصوصا، ومع دول الخليج وبالخصوص السعودية وقطر، أما الإمارات فهي جزء من القرار الإسرائيلي.

فالتصور الذي تريد فرضه أمريكا على الشعب الفلسطيني تجده بين الدول العربية المشرقية التي تستطيع أن تذهب معها بعيدا في رسم مشهد لا يكون إلا لصالح الكيان الصهيوني، على شكل دولة فلسطينية شكلية أدنى بكثير من مضمون حل الدولتين الذي كانت تدعو إليه الدول العربية مجتمعة، وقد كشف الرئيس المصري السيسي عن جزء من الصورة الجديدة المشوهة حين قال “دولة فلسطينية منزوعة السلاح بجنب الدولة الإسرائيلية القائمة”، ثم هناك دول عربية وإسلامية أخرى تسعى أمريكا ما استطاعت أن تُؤدَّى لصالح رؤيتها أدوارا أخرى بطرق مكشوفة أو ملتوية تحت الضغط والإغراء، ومنها قطر وتركيا والجزائر وربما حتى إيران.

إن الدعم العسكري واستعمال الفيتو في مجلس الأمن والتحركات الدبلوماسية مع مختلف الدول إنما تسعى إليها الولايات الأمريكية المتحدة لإنقاذ “دولة إسرائيل” إذ أنها شعرت بأن طوفان الأقصى هز أساسات هذا الكيان فعلا، وهي تريد إنقاذ وجود الكيان ليس من ضربات المقاومة فقط، بل من تطرف نتنياهو وحلفائه في الحكومة من أحزاب التيار الديني الذين لا يوجد بالنسبة إليهم شيء اسمه فلسطين ولو كان وجودا ضعيفا ذليلا.

إن التيار المسيطر على الأغلبية في الكنيست وعلى الحكومة الإسرائيلية لا يؤمن باتفاقيات أوسلو وهو يعمل على إنهائها رسميا، وكذلك إنهاء السلطة المنبثقة عنها في رام الله، وفي نفس الوقت هم يستميتون بشكل منهجي في تدمير أي فرصة لتجسيد “حل الدولتين” الذي يتمسك به العرب ولو ضمن حدود أقل بكثير من حدود 1967.

وهذا لا يعني أن التيار الإسرائيلي العلماني المعارض، الذي يمثل الدولة العميقة الصهيونية، يؤمن بأسلو أو بأي حق فلسطيني من غير أوسلو، وإنما الذي يهمه أن يكون في فلسطين سلطة أمنية وشرطية قوية هي التي تراقب الفلسطينيين وتلاحق المقاومة وتحمي المشاريع الثقافية التي تصنع الإنسان الفلسطيني المهادن الذي سيتخلى مع الوقت عن وجود دولته ضمن المعاناة التي لا تنتهي وفي سراديب المفاوضات التي لا تتوقف، وهذا هو المشروع الذي يسعى الأمريكيون لإعادة إحيائه، مستعينا ببعض الدول العربية ومحاولا توريط السلطة الفلسطينية فيه، وما حديث الوفد الفلسطيني في الجزائر عن الشرعية الدولية إلا مؤشر عن ذلك.

تدرك أمريكا، وهي تجتهد لإحياء العملية السياسية مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية بأن القضاء على حماس وكل قادتها مكلف جدا، وحتى وإن نجح الجيش الإسرائيلي في إضعاف المقاومة فهي تخطط (وفق قواعد عسكرية قديمة وضعها الفيلسوف سان تزو في كتابه “فن الحرب”) لترك ممر لقادة المقاومة حتى يخرجوا من المعركة مهزومين بعيدا عن الساحة الفلسطينية غير مضطرين أن يواصلوا القتال غريزيا دفاعا عن حياتهم وليس من أجل النصر، مما قد يجعل المعركة تطول وتكبر كلفتها المالية والإنسانية والدولية على الكيان وأمريكا من غير طائل.

إن هذا المشهد هو ذاته الذي تم في جوان 1982 حين اجتاح الإسرائيليون لبنان وتمكنوا من خلال تفاهمات دولية من ترحيل ياسر عرفات وقادة منظمة التحرير إلى تونس.

إن أعداء المقاومة، من عرب وعجم ومسلمين وغير مسلمين، يريدون حقا “بيع جلد الدب قبل قتله” كما يقول المثل. وكم من مرة أخطأ الأمريكيون في حساباتهم، وجروا حلفاءهم في ويلات الخطأ ، لقد أخطؤوا في فييتنام وفي العراق وأفغانستان وسيخطئون في غزة فلسطين بحول الله.لقد دخلت الولايات الأمريكية في رسم المشهد المستقبلي لإنقاذ مستقبل إسرائيل من نفسها ومن جنونها على إثر الإهانة الكبيرة التي تعرض لها قادتها في السابع من أكتوبر الماضي، ومحاولتهم استغلال فرصة الحرب والحماية التي ينعمون بها من البيت الأبيض والدول الأوربية لكي ينهوا الوجود الفلسطيني إلى الأبد، غير مدركين بأن تعجيل نهايتهم ونهاية دولتهم إنما هو في تطرفهم، وأن وجودهم على رأس الدولة المجرمة في هذه المرحلة وهذه الظروف هي هدية عظيمة للقضية الفلسطينية، وقد سبق أن بيّنا في مقالات سابقة المكتسبات الاستراتيجية الكبرى التي حققها طوفان الأقصى فلسطينيا وعربيا وعالميا بحمد الله، في وجود هذه القيادة الصهيونية الأكثر تطرفا.

غير أن العجيب في الأمر، والأمر المؤسف حقا أن الأنظمة العربية تشارك الولايات الأمريكية المتحدة في عملية الإنقاذ الكبرى التاريخية هذه، والأغرب من ذلك، وما يملأ القلب ألما أن السلطة الفلسطينية انخرطت في هذه الحسابات، فبدل أن تنخرط في المعركة أو على الأقل تسند المقاومة، ولو بالخطاب والدبلوماسية، ها هي تُظهر رأسها لتنفيذ الأجندة الدولية الأمريكية العربية الظالمة.

إنه لا يصح أن يتورط بلدنا الطاهر في هذه المهمة الدولية القذرة!لقد عرّض أعضاء الوفد الزائر لبلدنا نفسه لانتقادات لاذعة اتهمهم فيها رواد التواصل الاجتماعي من الجزائريين والفلسطينيين وغيرهم بأنهم جاؤوا لتنفيذ أجندة تفاهموا عليها في رام الله مع الدبلوماسيين الأمريكيين ومنهم آخر زائر لهم المستشار الأمريكي للأمن القومي جيك أرميا سوليفان الذي زار فلسطين المحتلة فأكد دعمه للمحتلّين الذين غصبوا الأرض ثم ذهب إلى المحتَّلين الذين فقدوا الأرض ليكلفهم بمهمة ضرب إخوانهم في الظهر وهم في جبهات القتال في غزة والضفة الغربية يواجهون تحالفا عالميا ضدهم وضد بلدهم.

إن ما تريده أمريكا والغرب من قطر قائم وواضح والقطريون يؤدونه على أحسن وجه، ودورهم في هذه المرحلة مفيد للمقاومة، في موضوع المساعدات والمفاوضات، وما يريده الأمريكان من تركيا لا ينجح كثيرا لأن تركيا تؤمن بدولتين (فلسطينية وإسرائيلية) ضعيفتين تكونان مستقبلا تحت نفوذها حين يحتدم الصراع لاحقا بين أمريكا والصين، ولكن قد تكون تركيا مفيدة الآن في الضغط على قادة حماس ليراجعوا طموحهم في تحرير كل بلدهم. أما ما تريده أمريكا من مصر والسعودية والإمارات فهو فرض الرؤية الظالمة على الفلسطينيين، ثم يأتي دور المال الخليجي لإعادة إعمار غزة والقضاء نهائيا على المقاومة وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني الغزاوي الجديد: المهين الخانع التابع.

ولا يُطلب من إيران أمريكيا في هذه الظروف سوى تجنب توسيع الحرب في الإقليم والاكتفاء بالمناوشات التي تقوم بها أذرعها في المنطقة، وهي مناوشات لا شك مفيدة للمقاومة الفلسطينية ولو على غير ما تمناه كثير من الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

فما هو الدور المطلوب من الجزائر؟ للإجابة على هذا السؤال نبدأ بالقول بأن أي حوار بين أمريكا والجزائر لن يكون لصالح فلسطين و المقاومة لأن الأمريكانيين لا يحاورون ليقبلوا آراء غيرهم، وإنما لفرض تصوراتهم بالطرق الأكثر خبثا، ومن خبثهم قبول الأشكال المخادِعة في إخراج السيناريوهات.

وربما هم يعتقدون بأن الجزائر في حاجة إليهم لكسر العزلة الدولية التي وجدت فيها نفسها بعد صدمة البريكس.

لا نعرف ماذا قال الأمريكيون للمسؤولين الجزائريين وراء الأبواب المغلقة، ونحن لسنا في بلد ينعم بالديمقراطية والشفافية ليكون لنا الحق في المطالبة بمعرفة ما قاله ويقوله المسؤولون الجزائريون، فلذلك لا ننسب لهم قولا.

ولكن لكي نفهم ما يحدث في بلدنا في هذا الشأن العظيم المتعلق بقضيتنا الفلسطينية المقدسة نحاول جمع المعلومات المتوفرة في وسائل الإعلام والتسريبات المتاحة ونقوم بتحليلها على القواعد العلمية للتحليل السياسي وعلى أساس الخبرة الطويلة ومعرفة طبائع الأمور هنا وهناك.

كنت أهمّ أن أكتب مقالا عن خبر غريب صدر في جريدة الأوراس الإلكترونية الجزائرية في 07 ديسمبر 2023 ، ولكن أحجمت عن ذلك في وقته لعدم توفر معلومات أكثر دقة في الموضوع، بالرغم من أن مجرد صدور الخبر في بلد لا تستطيع أي وسيلة إعلامية تناول مثل هذا الموضوع دون رقابة قبلية يجعلنا نعطيه كثيرا من الاهتمام.

ثم تم نشر الخبر في قناة تلفزيونية فرنسية كبيرة ومشهورة هي قناة LCI ، وبعد زيارة الوفد الفتحاوي الفلسطيني الجزائر وما تم التصريح به، مع اهتمام أمريكا بالموقف الجزائري، رأيت أن أعود لتناول الموضوع.

ذكرت جريدة الأوراس الجزائرية – نقلا عن جريدة الأخبار اللبنانية – بأن ثمة مشروعا فرنسيا-سعوديا عُرض على الجزائر مفاده أنه يمكن أن يتم تنسيق دولي لخروج قادة حماس من غزة [أي عند إقرارهم بالهزيمة] إلى الجزائر للإقامة فيها وذلك بسبب العلاقات الطيبة التي يتمتعون بها مع المسؤولين في هذا البلد، مقابل إطلاق سراح الأسرى في السجون الإسرائيلية وإدخال المساعدات على أن يتم تسيير قطاع غزة بعد الحرب من قبل قوات عربية تحت إشراف الأمم المتحدة، وفي النسخة الفرنسية بنفس الجريدة الالكترونية عُنون المقال ” الجزائر جزء من مخطط سعودي- فرنسي لإنهاء الحرب”.

أما القناة التلفزيونية الفرنسية فقد ذهبت بعيدا حيث أكدت بأن قطر أخبرت قادة حماس المقيمين عندها، وعلى رأسهم إسماعيل هنية، بأنهم لم يصبحوا مرغوبا فيهم عندها وأن مكاتبهم في الدوحة أخليت وأنهم سيتجهون إلى الجزائر وربما إلى تركيا أو إيران.

لا شك أن هذه المعلومة غير صحيحة إلى الآن ولكنها قد تكون بالون اختبار، وهو أسلوب تستعمله الأطراف المتحكمة في وسائل الإعلام عادة لكشف بعض الحقائق أو معرفة ردود أفعال الأطراف المعنية.

لم يتم تداول هذا الخبر في الرأي العام الجزائري ولم تتراجع الوسيلة الإعلامية التي نشرته ولا يمكن إلا أن نقول أن الجزائر لا يشرفها أن تدخل في هذه الترتيبات والحرب قائمة والرجال يواجهون العدو، والواجب إنما هو دعم المقاومة وصمود أهل غزة وليس تدبير حالة الهزيمة التي لم تحصل.

والحقيقة أن الذين يرتبون هذا التدبير لا يقدّرون قيمة الصمود الاسطوري الذي يبين عليه أهل غزة، ولا يعرفون المجاهدين الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني في معركة طوفان الأقصى، هؤلاء الأبطال أهل الله الذين خرجوا إما للنصر أو الشهادة، كما لا يدركون الأبعاد الربانية في معركة الأمة الجارية في أرض الرباط، وأن النصر من عند الله العزيز الحكيم.

لا يحق لنا أن نطلق حكما على هذه التسريبات، رغم حذرنا الشديد من تدبير تكون وراءه أمريكا وفرنسا والسعودية، ولكن الذي أدهشنا فعلا هو الاستقبال الأعلى درجة من الناحية البروتوكولية الذي حظي به الوفد الفلسطيني من السلطة وحركة فتح رغم تدميرهم للمبادرة الجزائرية، والأغرب في الأمر أن الوفد بيّن المهمة التي جاء من أجلها على لسان جبريل الرجوب الذي صرح بأنه يريد من الجزائر أن تسعى لتحقيق الوحدة الفلسطينية، ولكن على غير ما أمضت عليه حركة فتح في “إعلان الجزائر”، وكأنه يعتقد بأن الفصائل المقاومة في غزة في حالة ضعف وأنه يمكن أن يُفرض عليها الاعتراف بإسرائيل وفق إطار الشرعية الدولية الذي ذكره في تصريحه لدى خروجه من اللقاء مع رئيس الجمهورية وقائد الأركان والمسؤولين الكبار في الدولة الجزائرية.

وبدل أن يعلن تأييده للمقاومة وبحثه سبل نجدة أهل غزة راح يؤكد على إعادة بناء مشروع أوسلو، أو ما يشبهه، من خلال انتخابات لطالما رفضتها السلطة الفلسطينية اعتقادا منه – ربما – بأنها لن تكون لصالح حماس التي – في ظنه – ستخرج من الحرب ضعيفة بسبب الخسائر المدنية المهولة، غير مقدر للمكاسب الاستراتيجية التي حققها طوفان الأقصى قبل نهاية آخر فصوله، ومن ذلك ما أقر به بنفسه في تصريحه أمام مكتب الرئيس تبون عن التحول الإيجابي في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين. إن الذي أود أن أذكر به قادة الدولة الجزائرية المدنيين والعسكريين أن يعودوا للقيم التي أسَّست دولتنا، وهي قيم الثورة النوفمبرية، وأن يجعلوا تلك القيم والأحداث والتضحيات التي صنعتها أثناء الكفاح ضد المستعمر الفرنسي هي الحاكمة في حكمهم على القضية الفلسطينية وعلى فواعلها وفصائلها ومما أذكّر به في هذا الصدد ما يلي:

1 ‐ بالنظر لتركيز قادة فتح_السلطة على الخسائر البشرية للمز حماس وهي في أتون المعركة التاريخية طوفان الأقصى نقول لمن يسمع خطابات قادة أوسلو أن الخسائر البشرية لم تكن يوما هي المعيار الذي تم به الحكم على جيش التحرير الوطني أثناء مواجهته الاحتلال الفرنسي منذ المقاومة الشعبية إلى الثورة التحريرية، فقد وقعت مجازر فظيعة ذهب ضحيتها الملايين من الجزائريين وليس الآلاف، أغلبهم من المدنيين.

ولو كان رد الفعل الوحشي الاستعماري الفرنسي لهجومات الشمال القسنطيني التي تشبه طوفان الأقصى في أهدافها وشكلها ومضمونها هو المعيار على الحكم على قائد الهجومات زيغود يوسف لحاسبته الثورة على ذلك، ولما كان هذا اليوم عندنا هو “يوم المجاهد” الذي نحتفل به سنويا. كما أنه يمكن أن نستلهم الدرس من أن وقف الأمير عبد القادر القتال لم ينفعه حين حرص على المحافظة على دماء النساء والأطفال والشيوخ من أن يوقع فيهم الجيش الفرنسي المجرم المتوحش مجزرة إن لم يستسلم حين وجد نفسه محاصرا بين جيش السلطان المغربي والجيش الفرنسي عند الحدود المغربية الجزائرية، لقد غدر الفرنسيون بكل البنود التي تم الاتفاق عليها مع الأمير وتم الزج به في السجن في فرنسا، وتشتت بعده المقاومة الشعبية وتأجل التحرير أكثر من قرن من الزمن. فليتأمل المتأملون.

2 ‐ وبخصوص الشرعية الدولية والاعتراف بإسرائيل نذكر بأن الاستعمار الفرنسي حاول تقسيم الجزائر في مشروع ديغول عام 1959 بأن تتشكل دولة للجزائريين المسلمين ودولة للأوربيين، كما أقترح أن تبقى الصحراء تابعة لفرنسا ويرضى الجزائريون بشمالها فحسب، وفق اتفاقات لصالح الهيمنة الفرنسية، فرفض قادة الثورة الاعتراف بفرنسا على أي شبر من أرضهم وبذلوا من أجل الصحراء دماء غزيرة وواصلوا الثورة حتى حرروا البلاد كلها واحدة موحدة، فكيف يُطلب من حماس وفصائل المقاومة أن يعترفوا بإسرائيل وتقسيم بلدهم أبديا، فهل يستطيع جزائري حر أن يقترح هذا على الفلسطينيين أو يشجعهم عليه. فليعقل العاقلون.

3 ‐ وبخصوص الميل للسبق الزمني في النضال الفلسطيني أذكر بأن مصالي الحاج كان هو أب الحركة الوطنية ورمز فكرة الاستقلال، وتحت قيادته تأسست المنظمة الخاصة التي فجر رجالها الثورة، فهل شفع له ذلك بأن يبقى هو الممثل الشرعي للجزائريين حين رفض الحل الثوري الذي بادرت إليه جبهة التحرير الوطني التي أسسها أبناؤه؟ وهل استطاع فصيله “الحركة الوطنية الجزائرية” أن يثبت أمام الزخم الثوري الذي التف حوله الجزائريون؟ وعلى هذا الأساس: من يجب أن يكون الأقرب إلى الدولة الجزائرية؟ هل هي الفصائل الفلسطينية التي تسير على نهج جيش التحرير الوطني أم هي الفصائل التي تكرر الأخطاء التي وقع فيها مصالي الحاج الذي لم يتحمل أن يأتي بعده من يقود الكفاح وفضل العمل السياسي بدل الجهاد والمقاومة؟ والله كم كنت سعيدا، مرات ومرات، حينما كنت أزور بقادة حماس الفلسطينية قادة كبارا في الدولة الجزائرية حين كنت رئيسا للكتلة البرلمانية أو نائبا لرئيس المجلس الشعبي الوطني فيقول المسؤولون الجزائريون لضيوفهم أنتم أقرب إلينا بسبب خطكم الثوري، رغم علاقتنا التاريخية بفتح التي اختارت نهج المفاوضات الذي لا ينفع أبدا لإنهاء الاحتلال بدون الكفاح المسلح.

فهل ثمة شيء ما قد تغير في بلادنا؟

4 ‐ لقد كان ل”الحركة الوطنية الجزائرية” جناح عسكري أمني سمي الجيش الوطني للشعب الجزائري وانتشر أكثر باسم قائده “محمد بلونيس”، وقد كان هذا الفصيل المسلح يعتبر نفسه في هو الأولى بالثورة استنادا للزعامة التاريخية لمصالي الحاج وقيادة الحركة الوطنية الجزائرية قبل الثورة النوفمبرية، وأصبحت جبهة التحرير الوطني وجيشها هي العدو الأول لديه بدل توجيه العداء للاحتلال، وحين شعر قادة هذه القوة الأمنية والعسكرية الجزائرية المستقوين بالشرعية التاريخية بأن جبهة التحرير تسحب المصداقية والمراجعيى منهم وتنتشر بين الجزائريين تحولوا إلى الاستقواء بالاحتلال الفرنسي والتنسيق الأمني والعسكري معه فكانت نهايتهم مخزية إذ لفظهم الشعب الجزائري ولم تصبر عليهم الثورة طويلا ولم ينفعهم الاعتداد بالتاريخ.

ولم يحفظ كرامته وتاريخه منهم إلا أؤلئك المصاليين الذين التحقوا بالثورة حينما بان لهم خيانة بن لونيس، بل إن مصالي الحاج نفسه نأى بنفسه وانسحب من المشهد لما تحول ذراعه العسكري إلى ذراع للاحتلال.

على أساس هذه المعطيات الثورية التاريخية يجب على المسؤولين الجزائريين أن يساعدوا الفلسطينيين ليتحدوا ضمن رؤية الجهاد والثورة المسلحة فذلك الذي يحفظ الود بينهم ويبعد شبح الاقتتال والحسم بالقوة ميدانيا كما وقع في الجزائر حين قررت جبهة التحرير ذلك.

ولمن يريد معرفة تفاصيل هذه القضية ندله على المراجع الموثوقة، ويمكن لرئيس مجلس الأمة الحالي أن يقص ذلك إن أراد فهو من البقية الباقية من جيل المجاهدين الذين سمعنا منهم تلك الأحداث مشافهة لا دراسة فقط، بل إن عندنا من أسرنا من مجاهدي جبهة التحرير الوطني الذين قتلتهم مجموعات بن لونيس.

إن الذي بجب أن نعلمه جميعا أن كل الحلول التي تريدها الولايات الأمريكية المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحلفائهم العرب لن تجدي نفعا في ترتيب القضية الفلسطينية بدون المقاومة، فذلك وهم لن يتحقق لهم مهما ملكوا من قوة.

ثم إن أي حل يريده هؤلاء باستعمال السلطة الفلسطينية أو توريط بعض الدول العربية لن يكون إلا لصالح الكيان الصهيوني في العاجل والآجل، وأن الذي يخسر بهذه الحلول ليس الفلسطينيين فقط بل كل دولنا العربية والإسلامية وجميع شعوبنا وكل مستقبلنا.

إنه لا يمكن للولايات الأمريكية المتحدة أن تكون دولة صديقة للعرب والمسلمين بأي حال من الأحوال، فهي الدولة التي تقود الغرب كله لإضعاف أمتنا وإبقائها في حالة التخلف المستدام. وعبارة الرئيس الأمريكي بادين: ” لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها” هي عنوان للاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وتصريحه بأنه “صهيوني” وأنه لا يشترط أن يكون المرء يهوديا ليكون صهيونيا يعبر عن حالة التحام كامل كالجسد الواحد مع الدولة الصهيونية وليس مجرد تحالف بين دولتين.

إن كل مهتم بالعلاقات الدولية، مسلما كان أو غير مسلم، يعلم بأن الكيان الصهيوني هو دولة وظيفية في خدمة الغرب، بمثابة ثكنة مدججة بالسلاح في موقع متقدم في جسم الأمة العربية والإسلامية لتشتيتها ومراقبتها استخباريا في كل لحظة ومنع تطورها ووحدتها إلى أن تخضع هذه الأمة كلية فتصبح تابعة للمحور الغربي نهائيا بقيادة الكيان الإسرائيلي الذي أُسس ليُضمن تفوقُه علميا واقتصاديا وفي كل المجالات وليكون متحالفا مع نخب عربية وإسلامية مستلبة حضاريا و مرتدة عن هويتها تحظى بحياة رغيدة على حساب أغلبية شعبية تعيش تحت القهر وتغرق في الفقر. وإن ما يجعل قادة الكيان الصهيوني ولوبياتهم في كل الدول الغربية يتطاولون حتى على الإرادة الأمريكية هو شعورهم بحاجة أمريكا والغرب إليهم وإلى دولتهم من جهة، واستعداد تلك النخب العربية والإسلامية سرا وعلانية للاشتراك معهم لتصفية القضية الفلسطينية من جهة أخرى، فلذلك دخول بلدنا الجزائر ذات السمعة الطيبة في القضية الفلسطينية منذ الاستقلال وقبل طوفان الأقصى في أي رواق من هذه الأروقة المظلمة هو مجازفة كبيرة ستكون تداعياتها خطيرة على بلدنا وشعبنا ومستقبلنا، ولا يبقى عند ذلك يجمعنا بهذه السلطة.

والله ولي التوفيق.

د. عبد الرزاق مقري

ثانيا – موضوع #الصحراء_الغربية:

تابع المهتمون النشاط الكبير للسفيرة الأمريكية إليزابيث مور أوبين في هذه الشهور الأخيرة حيث انتقلت مرتين إلى تندوف تحت غطاء البعد الإنساني وزيارة المانحين بشكل مباشر، والتقت مع القيادية في جبهة البوليزاريو السيدة العزة بيبيه التي تتولى منصب والي مخيم اللاجئين في السمارة بتندوف وأخذت معها صورة ظهرت فيها من الخلف صورة رئيس البوليزاريو ورئيس الجمهورية الصحراوية بأرض اللجوء في تندوف الجزائرية، كما كان لها لقاءات مع العديد من المسؤولين الجزائريين على رأسهم قائد الأركان السيد سعيد شنقريحة حضره كل من الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني وضباط ألوية وعمداء بوزارة الدفاع الوطني وأركان الجيش الوطني الشعبي حسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، والتقت كذلك مع السيد رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين.

كما كان للمبعوث الخاص للأمم المتحدة الدبلوماسي السويدي-الإيطالي ديمستورا زيارات مكوكية للجزائر والمغرب وموريتانيا وتندوف والعيون.

وكما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي عرضه على مجلس الأمن التقى ديمستورا مع جميع الأطراف للاستماع لآرائهم حول الحل السياسي، بما في ذلك “المنتخبين المحليين” والأعيان الصحراويين في مدينة الداخلة والعيون في الأراضي المحتلة الذين يؤيدون رؤية الحكم الذاتي المغربية.

ومن أهم المهام التي جاء من أجلها الدبلوماسي “جوشيا هاريس” إلى الجزائر، وفق ما بينه في لقائه الصحفي الذي نشرته السفارة الأمريكية في موقعها الالكتروني، مناقشة ملف الصحراء الغربية ومناقشة الحلول السياسية الواقعية في إطار مبدأ تقرير المصير.

إن الاهتمام المتصاعد للولايات الأمريكية بحل مشكل الصحراء الغربية يدل أن هذا البلد قد قرر الحسم في الموضوع، أو على الأقل عدم السماح بالانفلات في هذه المرحلة، وذلك لأسباب عديدة منها:- التوتر العسكري والأمني واستئناف القتال وإلغاء جبهة البوليزاريو اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينها وبين المغرب منذ عام 1991، واحتمال مزيد من التصعيد بما يمكن أن يؤدي إلى محاولة أحد الأطراف الحسم العسكري كأمر واقع بشكل من الأشكال.

– خوف الولايات الأمريكية المتحدة من أن تجد نفسها مضطرة للتدخل في أزمة مسلحة جديدة بالإضافة إلى تورطها في أوكرانيا وغزة دون نتائج تذكر إلى الآن، وإمكانية توسع الصراع إلى أطراف إقليمية ودولية يعقد حساباتها ويبعدها أكثر عن أولوية مواجهة الصين. – توفر فرصة لتعميق العلاقات الأمريكية الجزائرية بعد خيبة الأمل الجزائرية في دخولها لمنظمة البريكس وفتور علاقاتها نسبيا مع روسيا نتيجة لذلك، وعدم توصلها إلى علاقات اقتصادية استراتيجية مع الصين، علما بأن ثمة عناصر ثابتة لم تتزعزع في بناء العلاقات الأمريكية الجزائرية منها ما يتعلق بالأمن والشراكة في مكافحة الإرهاب وما يتعلق بالطاقة، علاوة على ثبات علاقة الجزائر المتينة مع الأوروبيين بسبب أنابيب الطاقة والتجارة والعلاقة المتميزة بين الرئيس الجزائري مع نظيره الفرنسي ماكرون.

غير أن الذي يجب الانتباه إليه هو أن المقاربة الأمريكية بقيت ذاتها بخصوص مقاربة الحل لملف الصحراء الغربية، وهي مقاربة الحكم الذاتي المغربية وقد أكد ذلك “جوشيا هاريس” بدون أي لبس في المقابلة الصحفية المشار إليها قائلا: “إن الولايات الأمريكية المتحدة تعتبر أن مقترح الحكم الذاتي المغربي مقترح جاد وواقعي وذو مصداقية ويمثل مقاربة محتملة يمكنها أن تستجيب لتطلعات الشعب الصحراوي” وهو الكلام الواضح البيّن الذي تحدثت بعكسه بعض وسائل الإعلام الجزائرية محاولة إيهام القرّاء الجزائريين بأن المسؤول الأمريكي دعم المقاربة الجزائرية الداعية إلى تطبيق قرار تقرير المصير الأممي.

وحقيقة لست أدري لماذا تستعمل بعض وسائل الإعلام الجزائرية هذا الأسلوب المربوط بحبل قصير سرعان ما يفتضح أمره وتظهر حقيقته.

وللأسف غياب النقاش الوطني في قضايا مهمة مثل هذه، واستمرار استماع الجزائريين إلى كلام واحد مكرر في وسائل الإعلام ومن قبل المتدخلين الإعلاميين يقولب العقول ويشكل غفلة كبيرة لدى الجزائريين عما يحاك عندنا وفي العالم، ولا يؤهل المواطنين للتعامل المسؤول مع التحولات والأزمات ويجعل الجميع تابعين لا رأي لهم، لا فائدة منهم للبلد من حيث أن ثمة من كبار المواطنين من يفكر بدلهم، فإذا ما ظهرت الحقيقة تقع خيبة أمل كبيرة تزيد في إحباط المواطنين كما وقع في قضية البريكس وغيرها.

والذي يجب الانتباه إليه مما يُفهم من الدمج بين المحافظة على مبدأ تقرير المصير والدفاع عن المقاربة المغربية من قبل الأمريكيين، وكتابة هذه المقاربة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر الماضي كخيار من الخيارات، وتداول الموضوع مع الصحراويين من قبل ديميستروا، يدل على أن المقصود من المحافظة على مبدأ تقرير المصير في ما يقوله الدبلوماسيون الأمريكانيون والأمميون إنما هو الدفع ليتجه تقرير المصير هذا نحو مقاربة الحكم الذاتي وأن على البوليزاريو أن يقبل ذلك وأن على الجزائر وموريتانيا المساعدة على ذلك، ولا تدل الصرامة التي يتحدث بها الأمريكان بأن ثمة خيار آخر جوهري يمكن التفكير فيه غير هذا.

وإذا علمنا أن أمريكا هي صاحبة اليد الطولى في أروقة الأمم المتحدة في هذا الموضوع وأن الدول العظمى الأخرى لا تهتم كثيرا بهذا الشأن لا يُتوقع وقوع تحول كبير في الملف يعاكس إرادة الأمريكيين.

فأمريكا كما قال “جوشيا هاريس” في مقابلته الصحفية المذكورة أعلاه: “هي حامل القلم لملف الصحراء الغربية لدى مجلس الأمن” وهو في هذا يضغط لعدم بقاء الفرقاء في المقاربات السابقة التي يقول عنها بأنها لم تحل المشكل ويوصي بالتحلي -حسب زعمه – ب”الإبداع والبراغماتية والواقعية” ويهدد تهديدا مبطنا بأن “بلده سيستعمل نفوذه للوصول إلى حل دائم يصلح للصحراويين”.

لا يهم ما نعرفه عن رأي الأمريكانيين في ملف الصحراء الغربية، فانحيازهم للأطروحة الرسمية المغربية معروف بل خيار المغرب هو خيارهم، واعتبارهم السلطة المغربية جزء تابعا وخادما في المحور الغربي غير خاف على أحد، وإنما الذي يهمنا هو ما الذي يريدونه من الجزائر، ما الذي يريدونه من بلدنا ضمن الوضع الدولي الجزائري الجديد الذي صنعته الأسباب التي ذكرناها أعلاه، وهي – مجددا – صدمة الإخفاق في الالتحاق بالبريكس وفتور العلاقة بروسيا وعدم نجاح الصينيين في الاستثمار في الجزائر بسبب البيروقراطية التي شكا منها الصينيون للعديد من السياسيين ومنه ما سمعته بنفسي في حفل أقاموه في قصر الثقافة بالجزائر العاصمة.

إن السؤال المطروح هو: هل استجدّ شيء ما في المقاربة الجزائرية في ملف الصحراء الغربية؟ وهل ستخضع السلطات الجزائرية للضغوطات أو الإغراءات الأمريكية؟ وهل ثمة حل مطروح على الجزائر يضمن مضي المقاربة المغربية مع امتيازات ما للجزائر وفق ما يمكن أن يفهم من جواب الدبلوماسي الأمريكي “جوشيا” حين سئل: ” هناك حلّان سياسيان: الاستقلال أو الحكم الذاتي.

فهل ناقشتم مع شركائكم الجزائريين إمكانية وجود حل ثالث بديل؟” فقال: “التحلي بالإبداع، البراغماتية والواقعية مطلوب، الحلول من نفس النوع التي أدّت إلى فشل المسار السياسي في السنوات الماضية لن تؤدي في الغالب إلى نتائج.

ولذلك تحدّث مجلس الأمن بكل وضوح عن ضرورة إنشاء روح الواقعية والتسوية وتوسيع مختلف الأطراف المعنية لمواقفهم”.

ما هو الجواب الرسمي الجزائري للديبلوماسي الأمريكي؟ وإن وقع التجاوب مع التوجهات الأمريكية كيف ستبرر السلطاتُ الأمرَ للجزائريين الذين طُلب منهم أن يتبنوا الخطاب الرسمي في هذا الشأن لعقود من الزمن دون أي فرصة لرأي آخر ولو في الهوامش الثانوية؟ أم أن للسلطات خطة أخرى تتحدى بها المسلمات الأمريكية التي عبر عنها “جوشيا هاريس”؟ و ما علاقة هذا أو ذاك بالانتخابات الرئاسية المرتقبة؟ ليس الوقت مناسبا لأناقش الخيارات بعمق ولكنه وقت للانتظار والتحليل والترقب، ولا بد في يوم من الأيام أن يُفتح ملف الصحراء الغربية للنقاش المجتمعي لتكون الحلول جزائرية مغاربية بلا خضوع للضغوطات أو الإغراءات الأجنبية، وبلا حسابات سلطوية أو مصالح شخصية أو فئوية وبما يحقق مصالح الشعوب وما يجسد تحقيق حلم المغرب العربي لصالح المواطنين بكل سيادة.

يتبع..

د. عبد الرزاق مقري

لا يُسأل النظام الجزائري عما يفعل في السياسة الخارجية والدفاع وقرارات رئيس الجمهورية، وكأن في السياسة في بلدنا مستويين، مستوى المواطنين الكبار وهم أصحاب القرار في المستويات العليا في الحكم، حيث يوجد التنافس الحقيقي عن السياسات وعن الحكم، ومستوى المواطنين من الدرجة الثانية وهم النواب وقادة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وباقي السكان، فهؤلاء لا يحق لهم السؤال إلا عن قرارات الوزراء والولاة والإدارات، وحتى هؤلاء يجب أن تكون الأسئلة بتحفظ وبأساليب اعتذارية ولطيفة حتى لا ينزعج من في الطبقات العليا، أما المستويات التي يمكن مساءلة المسؤولين فيها بشدة وبلا شفقة فهم رؤساء البلديات وأعضاء المجلس الشعبي الوطني.

ولهذا السبب لا يوجد نقاش سياسي عن التحولات الكبيرة التي تعرفها السياسة الخارجية الجزائرية والتوجهات الدفاعية وما يقرره الرئيس على مستوى مجموعة أصحاب القرار الحقيقيين بخصوص العلاقات بين الجزائر والولايات الأمريكية المتحدة.

لا تكون هكذا الديمقراطية الحقة، ولا التطبيق الحقيقي لنصوص وروح النصوص الدستورية، ولا يكون هكذا التدافع النافع للبلد، ولا تكون هكذا البيئة المانعة للاستبداد، ولا يكون هكذا السبيل الذي يطور الفكر والبرامج، ولا يكون هكذا النهج الذي يصنع القادة جيلا بعد جيل.

من حق الرأي العام الجزائري أن يعرف حقيقة الزيارات المكوكية بين المسؤولين الجزائريين إلى أمريكا والأمريكان إلى الجزائر وما يقال في قضايا السياسة الخارجية والدفاعية. ويخطئ من يعتقد بأن هذه المسائل كبيرة على عقول الجزائريين أو أنها لا تهم حياتهم اليومية المنهمكين فيها جريا وراء لقمة العيش. إن قرارا واحدا مهما يتعلق بالسياسة الخارجية أو الدفاع الوطني يمكنه أن يقلب حياة المواطنين الخاصة رأسا على عقد، فلا داعي للاستماع لجدال الزبونية والانتهازية، ممن قبلوا أن يكونوا من صغار المواطنين، هؤلاء الذين لا يعجبهم أن نسائل السلطات في هذا الشأن الكبير.

في خلال شهرين ونصف زار الجزائر نائب كاتب الدولة للشؤون الخارجية، جوشيا هاريس، كما زارها زميله تود روبنسن في هذه الفترة، وتحدث قائد الأركان الجزائري السعيد شنقريحة هاتفيا مع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية وليم بيرنس، وتحادث وزير الخارجية أحمد عطاف في واشنطن مع كاتب الدولة للخارجية أنتوني بلنكن، وعقدت اجتماعات بين الطرفين الأمريكي والجزائري حول الصناعة الحربية.

ليس الغريب أن يكون لبلد ما علاقات مع بلد آخر ولكن الأسئلة التي تطرح عن السياقات وطبيعة العلاقات وأبعادها التي تشير إليها التسريبات غير الرسمية والتصريحات الرسمية. وفي هذا الإطار نركز على تحليل المقابلة الصحفية التي أجراها “جوشيا هاريس” والتي نشرتها السفارة الأمريكية في موقعها الالكتروني والتي غطّت بعض وسائل الإعلام الجزائرية الجزء الذي يتناسب مع المزاج العام الذي يراد المحافظة عليه لدى المواطن الجزائري.

تجنَّب الدبلوماسي الأمريكي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمشاركة بلده في الجريمة التاريخية المقترفة ضد أهلنا في غزة والسياسات المتبعة في الحرب القائمة لتصفية القضية الفلسطينية، ولكن الذي لفت نظري قي أجوبته الصريحة ثلاث قضايا أساسية:

أولا – مسألة التسليح وما بيّنه بأنه بالفعل باتت الجزائر تهتم باقتناء السلاح الأمريكي وأنه “عليها أن تحدد اختياراتها وأنه من المهم أن تقول لنا الجزائر ما هي احتياجاتها في الدفاع الوطني، ونحن على استعداد للحوار بين عسكريينا، فإذا كانت الصناعة العسكرية الأمريكية تمثل جوابا لما يضمن للجزائر الدفاع عن نفسها نحن مستعدون للمشاركة في هذا النقاش”. وفي هذا الشأن يجب أن ننبه بأن التحول الجذري لمنظومة السلاح في بلد ما من سلاح أجنبي إلى سلاح أجنبي آخر يمثل مجازفة كبيرة ويتطلب ميزانيات عظيمة ووقتا طويلا قد يصل إلى عشر سنوات، وقد يكون مضرا من حيث الفاعلية العسكرية والأداء العملياتي مع مرور الزمن حيث يتطلب الأمر تغيير عميق للمهارات العسكرية على مستوى أجيال من الموارد البشرية. وقد مرت مصر بهذه التجربة حين حاولت التوجه في عهد السادات إلى السلاح الأمريكي الذي باتت تشتريه وجوبا من القروض المالية السنوية التي تمنحها إياها الولايات الأمريكية المتحدة على إثر بداية العلاقات العسكرية بين البلدين عام 1976 والتي أفضت إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني عامين بعد ذلك في 17 سبتمبر عام 1978.

واللافت في الأمر أن هذا التغير في الولاء لم تزد به مصر قوة بل دخل الجيش المصري في حالة ركود وتقهقر لم ينم فيه سوى الفساد وحالات السيطرة والتحكم في الحياة والسياسية والاقتصادية، وفي الأخير تأكد لدى المصريين بأنهم لن ينالوا ما يجعل جيشهم قويا ومهيبا بالاعتماد على السلاح الأمريكي فتوجهوا إلى تنويع وارداتهم وعادوا مؤخرا إلى السلاح الاستراتيجي الروسي.

بل إن أمريكا لم تسعف حتى حلفاءها الأقربين من غير الكيان الصهيوني في ما يتعلق بالمقاتلات والأسلحة الاستراتيجية، فبعد أن تقدمت الإمارات بشراء طائرة F35 ألغيت الصفقة، كما مُنعت تركيا من شراء السلاح الاستراتيجي الأمريكي وتراجعت واردات السلاح الأمريكي إلى تركيا بنسبة أكثر من 80% منذ 2010 بالرغم من أن تركيا عضو في الحلف الأطلسي، والمشكل الأكبر فإن البلد الذي يكون مرتبطا بالمنظومة الدفاعية الأمريكية يدفع الثمن في حالة وقوعه في نزاع مسلح لا توافق عليه أمريكا إذ تمنعه عندئذ من التموين بالسلاح الذي سيحتاجه في هذه الوقت العصيب، وقد فعلت أمريكا ذاك مع العديد من الدول.

وعليه فإن تغيير منظومة التسلح من روسيا إلى أمريكا ستكون كلفته عالية على عدة مستويات، والبديل إنما في تنويع الواردات على المدى القريب مع التركيز على الدول التي لا تكون احتمالات الخلافات معها في السياسة الخارجية عميقة، ولا شك أن الولايات الأمريكية المتحدة ليست من هذه الدول – وسنعود في هذا المقال إلى الحديث عن منظومة التحالفات – أما على المستوى المتوسط والبعيد فالحل الجذري يكون في الصناعة العسكرية الوطنية وما يتطلبه ذلك من تحكم في التكنولوجية وحسن استغلال المواد الأولية والتقنيات والمهارات الصناعية والموارد البشرية العلمية والتقنية الوطنية، فهذا من أعظم ما يجعل من يحكم الجزائريين في مستوى بلد كالجزائر أم لا ، وكلنا يعلم بأن ثمة بلدان نامية تبلي في هذا المجال بلاء حسنا فلما لا نكون مثلهم.

ثانيا – موضوع الصحراء الغربية:

… يتبع

د. عبد الرزاق مقري

 

كانت مظاهرات 11 ديسمبر حاسمة في طريق تحرر الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وكانت قد سبقتها  أحداث كبيرة على ثلاث مراحل: ما بين 1954 و 1955 ثم ما بين 1955 و 1958 ثم ما بين 1958 و 1960. أما المرحلة الأولى فكانت بين انطلاق الثورة في 01 نوفمبر 1954  وهجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955  التي سميت بيوم المجاهد. وقد اتسمت هذه المرحلة ببروز عبقرية مفجري الثورة الاثنين والعشرين المتمثلة في رؤية التحرير في بيان أول نوفمبر

وتحمّل مسؤولية الانطلاقة رغم الصعوبات والانشقاقات الكبيرة التي كانت تمر بها الحركة الوطنية، ورغم تغول سلطات الاحتلال على الجزائريين، وقد تبعتها خلال السنة تعقيدات تنظيمية وتعبوية وعسكرية كثيرة،  ركز فيها الاستعمار على ضرب معقل الجهاد بالأوراس ولم يكن ثمة تأييد كبير والتحام تام للشعب الجزائري بالكفاح المسلح.
ثم جاءت هجومات 20 أوت كتدبير عسكري عبقري من قبل قادة الثورة بضرب الاستعمار خلف المنطقة التي كان يركز عليها بالأوراس،  وكان هدفهم توسيع عملياتهم في يوم واحد في مدى أوسع بكثير ودفع الشعب الجزائري بواسطة ذلك إلى الانخراط الكامل في جبهة التحرير وكفاحها من أجل تحرير البلاد. فنجحت الخطة نجاحا عظيما أعطى للثورة زخما عظيما وتأييدا واسعا في الداخل والخارج استمر إلى غاية 1958 وألحق بالاستعمار خسائر لم يعد يطيقها.
في عام 1958 قرر جنرالات فرنسا والمستوطنون في الجزائر الضغط على باريس ( التي كان لهم فيها نفوذ كبير) للمجيئ بالجنرال ديغول إلى الحكم من جديد كونه، حسب هؤلاء، هو الوحيد القادر على القضاء على جيش التحرير وثورته المسلحة. استطاع ديغول بكفاءته العسكرية والسياسية أن يلحق ضررا كبير بالثوار في الجبال مدعوما بترسانة عسكرية جبارة من الحلف الأطلسي وبتضييق شديد على عبور السلاح للثوار من خلال تمتين خطي شال وموريس على الحدود مع تونس ومع المغرب، بالإضافة إلى محاولته شراء ذمم كثير من الجزائريين عبر مشروع تنموي اقتصادي واجتماعي وثقافي سُمي “مشروع قسنطينة”.
تعرض المدنيون من الشعب الجزائري في هذه المرحلة إلى حرب إبادة حقيقية في العديد من جهات الوطن حملت أسماء حربية ذات دلالات ( الشرَارة، ٩المنظار، الأحجار الكريمة، الماراثون، بروميثيوس، المحس ..) لا سيما في القرى، كما تم اعتماد التعذيب في المدن خصوصا في الجزائر العاصمة، وتشكيل المناطق المحرمة وإجبار سكان الأرياف على الإقامة في المحتشدات التي حُشر فيها أكثر من 2.5 مليون جزائري تعرضوا للويلات. كما تم تعميق وتوسيع طوابير الخونة والعملاء.
وفي  23 أكتبور  1958 عرض ديغول على المجاهدين ما سماه “سلم الشجعان” بأن يرموا السلاح ويستسلموا مقابل العفو عنهم، معتقدا بأنه قد هزمهم عسكريا بسبب الضربات الجبارة التي وجهها لهم والخسائر البشرية الكبيرة في صفوف إخوانهم المدنيين التي نتجت عن القصف العشوائي في المداشر والقرى.

لم يكن الجنرال ديغول يراقب التطورات العسكرية التي كان يعتقد بأنه يستطيع التحكم فيها رغم البطولات التي سطرها المجاهدون في الجبال والفدائيون في المدن، بقدر مراقبته لمدى ثبات الشعب الجزائري في مختلف أنحاء البلاد. وحينما تأكد لديه إصرار الجزائريين والتحامهم مع المجاهدين رغم الخسائر الكبيرة في خلال سنة واحدة أدرك بأن الحل العسكري لن ينهي المشكلة وأن فرنسا كلها تغرق في الأرض الجزائرية فبدأ يقترح الحلول سياسية التي تتوج الضربات العسكرية المدمرة التي  سلطها على المجاهدين و حواضنهم الاجتماعية من السكان العزل في القرى، ومن ذلك  المشروع الذي عرضه في 16 ديسمبر  عام 1959 الذي يقتضي حكم ذاتي جزائري متحد مع فرنسا أو تقسيم الشمال الجزائري إلى وطن للمستوطنين ووطن للجزائريين على أن يبقى الجنوب فرنسيا.

ساهمت المجازر ومنهجية التعذيب التي صنعتها الاستراتيجية العسكرية الهمجية  التي جاء بها الجنرال ديغول والتي انخرط فيها الجنرالات الفرنسيون في الجزائر في صناعة الإصرار الجزائري على القطيعة مع الاحتلال وإنهائه مهما كان الثمن ولم يركن إلى مشاريع الإغراء والإلحاق سوى فئات قليلة من الجزائريين.

وحينما أدرك ديغول ذلك رفع شعارا جديدا عنوانه “الجزائر الجزائرية” (L’Algérie Algérienne) في مقابل شعار المستوطنين “الجزائر الفرنسية” (L’Algérie Française) وفي مقابل شعار الشعب الجزائري “الجزائر المسلمة”  (L’Algérie Musulmane)، وكان هدفه خروج فرنسا عسكريا من الجزائر عبر مفاوضات مع جبهة التحرير تؤدي إلى جزائر  ملحقة بفرنسا، ولكن لكي يتحقق له ذلك ينبغي أن تكون هذه الجزائر مقطوعة عن هويتها التي صنعت ثباتها وتماسك نسيجها الثقافي والاجتماعي عبر 130 سنة والتي بها قويت على محاربة الاحتلال وهزيمته رغم الخسائر الفظيعة وهي الهوية الإسلامية الجامعة.   

وجد الجنرال ديغول نفسه يواجه جبهتين في نفس الوقت، جبهة المعمرين المتطرفين وجنرالاتهم، الذين حاولوا الانقلاب عليه، واحتشدوا يهتفون ضده حين زارهم في عين تموشنت في 09 ديسمبر 1960حيث رفعوا شعارهم الجزائر الفرنسية. وكان يعتقد بأن سلاحه ضد هؤلاء هو خضوع الجزائريين لخطته “العصا والجزرة” وأن أصحاب الأرض الأصليين سيقبلون بجزائر مجزّأة أو ملحقة ثقافيا غير أن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 أفسدت أحلامه وأحلام المعمرين في نفس الوقت، إذ اتضح له بأن القضية الجزائرية ليست قضية مجاهدين مسلحين في الجبال ولا مناضلين فدائيين في المدن وإنما هي قضية شعب بأكمله يصر على الاستقلال وأن تكون الجزائر مسلمة، فلا جزائرية دون انتماء وهوية ولا فرنسية بأي حال من الأحوال.

[غير أن خطة ديغول بقيت تعمل بعد الاستقلال، ولا زلنا نكافح ضدها إلى اليوم،  ولكن تلك قصة أخرى ليس مجال الحديث عنها في هذا المقال].

كيف نسقط هذه الأحداث ودور 11 ديسمبر في الاستقلال الجزائري على القضية الفلسطينية؟

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

لم نشهد في القضية الفلسطينية مظاهرات حاشدة للشعب الفلسطيني في كل فلسطين ترفع شعار الاستقلال والانتماء ولكن نقطة التشابه التي نستلهمها في أهمية الدور الشعبي في طريق تحقيق إنهاء الاحتلال الصهيوني بدايته هذا الثبات الاسطوري المدهش العظيم الذي يظهره سكان الغزة والذي لم ير الناس مثله في التاريخ، وسنشهد يوما ما مظاهرات عارمة للفلسطينيين تعلن ولاء الشعب للمقاومة وتصرخ في وجه العملاء والعالم الظالم بأنه لا حل سوى الاستقلال الكامل ل”فلسطين المسلمة”، بوصلة الإسلام والمسلمين.

لقد كانت القضية الفلسطينية تمر بمرحلة خطيرة في تاريخها منذ الاحتلال قبل طوفان الأقصى، أخذ قطاع غزة يتحول إلى وطن قائم بذاته لا ينتظر سوى أن تضاف إليه أرض سيناء لكي يتجسد مشروع صفقة القرن، وباتت الضفة يأكلها التوسع الاستيطاني ويسيطر عليها المستوطنون أكثر فأكثر ليصلوا يوما ما إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأردن وغيرها، ولم تتوقف سياسة التهويد ونهب بيوت السكان الفلسطينيين في القدس، وتوصل اليهود إلى تحقيق هدف التقسيم الزماني للمسجد الأقصى في طريقهم إلى التقسيم المكاني، وربما في غفلة من المسلمين إلى تدميره وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وأضحى الفلسطينيون في فلسطين المحتلة في الثمانية والأربعين يعيشون تحت وطأة التمييز العنصري وتدمير بناهم الاجتماعية وإفساد شبابهم.

كانت الأيام العصيبة في غزة والمواجهة المتتالية مع الكيان والتكوين التربوي المنهجي للشباب والآمال العريضة بالنصر في فلسطين ونهضة الأمة تصنع في تلك الأرض الطيبة جيلا مجاهدا لا يعيش إلا من أجل التحرير.

أدرك هذا الجيل بقدراته العقلية الفذة التي صنعتها بيئة الجهاد والاستشهاد، والتي لم نر – لهذا السبب – مثيلا لها بين المسلمين في هذا الزمن، بأن القضية الفلسطينية تتجه نحو مأزق حقيقي يجسد خطط الصهاينة والمشروع الغربي الاستعماري والعربي التطبيعي المتخاذل العميل فعزموا على قلب الطاولة على الجميع إذ لم يبق شيء تخسره فلسطين والأمة لو نجحت مخططات الأعداء تلك، فكان طوفان الأقصى هو الشبه التام لأحداث 20 أوت 1955 أثناء الثورة التحريرية الجزائرية.

كما أن أحداث 20 أوت تبعها تصعيد للعمل الثوري الجزائري استمر عدة سنوات، لن يكون طوفان الأقصى سوى مرحلة أولى لمعارك تحريرية طاحنة ليس في غزة وحدها، بل في الضفة كذلك وكل فلسطين، وكما أن رد الفعل الفرنسي كان همجيا إجراميا في حق المدنيين نحن نرى أعظم من ذلك في رد الفعل الصهيوني، وكما أن تلك العمليات التدميرية لمعنى الإنسانية لم تفلح في إخضاع الجزائريين لن تفلح مثيلاتها وما هو أفضع منها في فلسطين في كسر إرادة أهل هذه الأرض المباركة، وكما أن المشاريع السياسية الإلحاقية الديغولية لم تحقق غايتها في إفساد الشعب الجزائري لن تقدر المؤامرات الغربية والعربية على إجبار الفلسطينيين على قبول مشاريع الخضوع السياسية و التفريط في شبر من أرضهم، وكما أن احتدام المواجهة مع الاحتلال والتضحيات المقدّمة كرست مرجعية جبهة التحرير الوطني وإنهاء مرجعية مصالي الحاج، لدى الجزائريين أثناء الثورة أدت مقارعة الاحتلال الصهيوني والثمن المقدم من المقاومين والشعب الفلسطيني جنبا إلى جنب إلى تكريس مرجعية المقاومة وانهيار ما بقي من السلطة الفلسطينية في ذهن الفلسطينيين.

نحن نسمع ونرى اليوم نتنياهو السياسي يقول هو والمستوطنون اليهود المتشددون ما كان يقوله المستوطنون الفرنسيون المتشددون (وكثير منهم، ومن أشرسهم كانوا يهودا) بأن لا وجود لشيء اسمه فلسطين وأنها “إسرائيل اليهودية” فحسب، وخلاف هؤلاء مع التيار العلماني المؤسس للكيان، ومنهم قادة الجيش الصهيوني أن هذا التيار يريد العودة لحل الدولتين بتقسيمات أعقد من مشروع تقسيمات ديغول، ولكن في الأخير لن يكون ثمة إسرائيل اليهودية ولا فلسطين المقسمة، وإنما فلسطين الموحَّدة الموحِّدة المسلمة.

لقد أدى المجاهدون في الجبال والمناضلون في المدن ما كان عليهم تأديته، ولما اشتد عليهم الضغط من الجيش الفرنسي والحلف الأطلسي تحرك الشعب الجزائري بكليته يعلن التحامه الكامل مع المجاهدين وصدع بلسان واحد بأن لا سيد على فلسطين غير الشعب الفلسطيني، وهكذا ستحسم المعركة في فلسطين .. حين يتكرر 11 ديسمبر في كل مكان في فلسطين، إذ تلك هي سنة الله في الأرض التي لا تتغير ولا تتبدل … لا حسم في المعارك إلا بانخراط الشعب فيها وصدق الله تعالى إذ يقول: (( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)).

سيفعل ذلك الشعب الفلسطيني برمته، هو يفعل أكثر من ذلك في غزة، بتمسكه بأرضه ورفضه إخراجه منها إلى سيناء، رغم المآسي اليومية التي تحدث في كل لحظة وفي كل يوم بما لا تطيقه الجبال، بما لم يصبح لنا طاقة للنظر إلى صورها، من أطفال صغار يُمزقون وتبتر أطرافهم وترتعد فرائصهم لهول ما يصيبهم صابرين محتسبين، ونساء وشيوخ ومرضى وجرحى يستنجدون الأشقاء والإنسانية والعالم بأسره ولا أحد يجيب، ستصنع هذه الاستغاثة المؤلمة التي لا مجيب لها من هذا الشعب الأسطوري العظيم أجيالا من الفلسطينيين لا يعيشون إلا من استقلال بلدهم وسيُنشئ الطوفان العسكري الذي انطلق في 07 أكتوبر وعيا شاملا للإنسان الفلسطيني طوفانا بشريا هادرا في كل فلسطين ينهي أحلام ” إسرائيل اليهودية” وأحلام ” حل الدولتين” .

وما ذلك على الله بعزيز، وإنما هي دماء الشهداء التي تحدد المصير.

د. عبد الرزاق مقري

 

لم تكن مبادرة لم شمل الفلسطينيين مستغربة من الجزائر، فهي البلد التي اجتمعت فيها كل الفصائل عام 1988 لإعلان قيام الدولة الفلسطينية، كما أن إطلاقها مشروع المصالحة الفلسطينية بعد العملية التطبيعية المغربية الآثمة تصرف سياسي ذكي، غير أن ظروفا أخرى شجعت على المضي فيها، ومنها التطورات الدولية التي باتت تسير نحو التعددية القطبية والتي خفّت فيها قبضة  الولايات الأمريكية المتحدة عن المنطقة،

علاوة على أن الأمريكيين نظروا إلى المبادرة الجزائرية كفرصة لجر حماس وفصائل المقاومة إلى الاعتراف بالشرعية الدولية بحكم العلاقة الطيبة مع الجزائر وفشل مصر والدول الأخرى في ذلك من قبل. فلعل حماس تصبح، من خلال مبادرة الجزائر، عضوا في منظمة التحرير بعد أن تعترف بإسرائيل، والغريب في الأمر أن ثمة في الجزائر من اعتقد بأن حماس لن يكون لها مشكل مع قبول الشرعية الدولية، دون – ربما – الفهم بأن معنى الاعتراف بالشرعية الدولية هو الاعتراف  بالكيان الصهيوني وتسليم سلاح المقاومة للسلطة الفلسطينية. 

ولما تأكد للأمريكان بأن فصائل المقاومة لم تقبل الإمضاء في “إعلان الجزائر” على الاعتراف بالشرعية الدولية  بات الإعلان بالنسبة لهم في خبر كان، وأصبح فعلا ماضيا ناقصا لا وزن له عند الفلسطينيين في حركة فتح ومنظمة التحرير بقيادة عباس بالرغم من أنهم أمضوا عليه (لا لشيء إلا ليحفظوا ماء الوجه للجزائريين)، كما لم يصبح للمشروع قيمة عند الدول العربية المطبعة وعلى رأسها مصر. ثم في الأخير سقطت أهمية الإعلان عند الجزائريين أنفسهم إذ لم يسعوا لتثمينه بمناسبة التطورات الحاصلة، بالرغم من أن هذا المشروع هو الأقدر على وضع تصور عادل للقضية الفلسطينية بعد الحرب القائمة بإرادة الفلسطينيين وحدهم. 

كان بإمكان “إعلان الجزائر”، بالصيغة التي تم الإمضاء عليه من قبل حماس وفتح وكل الفصائل الفلسطينية، أن يحرج الإسرائيليين وليس الفلسطينيين، وذلك بأن يناقش الفلسطينيون داخل منظمة التحرير بعد أن تلتحق بها حماس والجهاد استراتيجية التحرير بما يرونه مناسبا وصالحا لقضيتهم، وفي هذا الإطار لن يكون لفصائل المقاومة ـ وفق ما سمعناه منهم ـ مشكلة في أن ينخرطوا في المشاركة السياسية وإدارة القطاع والضفة والقدس الشرقية ديمقراطيا إذا انسحب منها الإسرائيليون وفق ما يسمى ب”حل الدولتين”، ولكن دون أن يُجبَروا على الاعتراف بإسرائيل وتسليم سلاح المقاومة، وربما يتم الاتفاق على هدنة ما مع الكيان في هذا الإطار. 

إن الإحراج السياسي الذي يسببه مشروعٌ مثل هذا للإسرائليين  يتمثل في أن هذا الخيار  يستحيل الوقوع عمليا، وذلك لأن اليهود المحتلين لا يؤمنون به ولا يقبلونه وقد فعلوا عبر السنوات كل ما يجعله مستحيلا، فهم يريدون مزيدا من التوسع وليس الانسحاب من أي بقعة من فلسطين المحتلة، ولو لا طوفان الأقصى لكان العرب ذاتهم قد تركوا مبادرة حل الدولتين نهائيا، وكان يكون التَّرك نهائيا بالدوس عليه بأرجل السعوديين الذين كانوا يستعدون للتطبيع والاعتراف بالكيان دون اشتراط حل الدولتين بالرغم من أنهم هم أصحاب المبادرة كما هو معلوم، ولو لا الحادثة البطولية يوم السابع من أكتوبر لكان الأمر قد تم. 

كان من المفروض أن تمضي الجزائر في مبادرتها لدعم القضية الفلسطينية، وأن تستعين بتركيا في ذلك إذ في مقاربة هذه الأخيرة نقاط مشتركة مع مبادرة بلدنا، وربما كنا نجد مساحة مشتركة مع قطر وإيران، بدل المشاريع الجارية التي تُطبخ بين أمريكا وبعض الدول العربية، بغرض إحراج المقاومة سياسيا حتى وإن انتصرت عسكريا . وقد يكون هذا الإحراج الذي يمكن أن تصنعه الجزائر للصهاينة ومن والاهم بمبادرتها هو من مسرّعات التحرير، الذي أخذ طريقه بعد طوفان الأقصى إلى أن يتحقق قريبا بإذن الله تعالى. ولكن هل لقادتنا القوة والشجاعة والرؤية لكي ندخل في هذا المسار التاريخي الكبير؟

لقد كان بالإمكان أن يكون هذا الإعلان، منذ أن تم تخريبه من طرف السلطة الفلسطينية ومن وراءها، فرصة للجزائر لدعم المقاومة بكل الوسائل، بكل مصداقية دون أن يلومها أحد، انتقاما لشرف بلدنا الذي لم يقدره عباس ومن معه، كما أن إعلان الجزائر صار يمثل إطارا مناسبا لجميع الأطراف لو وجد قوة اقليمية أو دولية تسنده. ولكن يبدو بوضوح أن أمريكا والدول العربية لا تريد هذا الإعلان ولا شك أن التقارب الجزائري الأمريكي الحاصل لا يساعد على أن يكون للجزائر عبر الإعلان المسمى باسمها دور تستفيد منه حركة حماس وفصائل المقاومة. 

إن ما يفسر التقارب الجزائري الامريكي – الذي منطقيا لا يكون لصالح حماس –  تحولات عديدة منها خيبة الأمل في عدم دخول منظمة البريكس، والغضب من روسيا التي لم تكتف بعدم الدفاع عن الجزائر بل صرح وزير خارجيتها لافروف بكلام منقصٍ لقيمة الجزائر عند ذكره معايير اختيار الدول التي تم ضمها للبريكس، وقد ساعدت الولايات الأمريكية المتحدة الجزائر على التقارب من خلال خطوات علنية لصالح ملف الصحراء الغربية، وذلك بعد ما تم التلاعب بالمخزن المغربي وتحقيق الأهداف المسطرة بشأنه، وفي ظل تعمق أزمات هذا البلد الاقتصادية والسياسية، فلم يعد بلدا ذا سيادية يحتاج من ورطوه في التطبيع (على أساس وعد كاذب) أن يخشوا من رد فعل منه لا يخدم مصالحهم.

ومما يبين أن البعد السياسي كان حاضرا في مبادرة لم الشمل الفلسطيني أن الجزائر لم تهتم بحركة حماس التي شرّفت الجزائر في هذا الموضوع وبقيت ملتزمة بالاتفاق، فلم يُقدم لها إلى الآن أيُّ دعم خاص بها، لا سياسي ولا مالي ولا عسكري، وبقي الموقف الجزائري الرسمي أقرب لحركة فتح ولصالح منظمة التحرير التي ليست حماس عضوا فيها، وذلك رغم الفتور في العلاقة بين الجزائر وعباس الذي ربما سيعود إلى ما كان عليه في زمن بوتفليقة.

إنه لا شك أن الجزائر تراعي علاقاتها مع الولايات الأمريكية المتحدة في الشأن الفلسطيني كغيرها من الدول العربية، وأن قطار التطبيع، إن كان منطلقا دون توقف، فإن الجزائر – بالنسبة لأمريكا – ستكون محطته الأخيرة للأسباب التي شرحها لنا الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله. ولكن بالإضافة إلى ذلك، ثمة حرج عند حكامنا من الاتجاه الأيديولوجي لحركة حماس وانتمائها الإسلامي السياسي، وذلك من أعقد العقد عند الأنظمة العربية في تعاملها مع القضية الفلسطينية إذ ترى في نجاح حركة حماس الفلسطينية نجاحا للمنافس الإسلامي العنيد في بلدانهم، وربما هو نجاح كذلك لحركة حماس الجزائرية بالنسبة للنظام الجزائري. ولا تدرك هذه الأنظمة الغافلة أن تحرير فلسطين، بغض النظر من الذي سيسهم بفاعلية فيه، هو تحرير للعالم العربي والإسلامي كله، وأن المقاومة الفلسطينية تجاوزت الصراعات السياسية والأيديولوجية القائمة في بلداننا، وأنها أصبحت ظاهرة عالمية، خصوصا بعد طوفان الأقصى، ظاهرة تشمل كل الانتماءات الأيديولوجية والعرقية والدينية والمذهبية والجغرافية. 

لعل ذلك الحرج السياسي هو ما يفسر عدم التفوه باسم حماس الفلسطينية من قبل السيد رئيس الجمهورية حين قال في كلمته التي رحبنا بها جميعا “الفلسطينيون ليسو إرهابيين”، علما بأن الفلسطينيين ليسو متهمين جميعهم من قبل الدول الغربية، وإنما المتهم هو حركة حماس أساسا، والغريب أنه في الوقت الذي لا يستطيع فيه حكامنا التفوه بكلمة “حماس” الفلسطينية نجد أن رؤساء دول وساسة وشخصيات في دول أخرى مطبعة نفوا عن حركة “حماس” بذاتها تهمة الإرهاب.

والخلاصة أن الموقف الجزائري من حيث رفض التطبيع موقف متقدم بالنسبة لكثير من الدول العربية والإسلامية الأخرى، وذلك للأسباب التي ذكرناها من قبل، والتي بينها الأستاذ مهري كما كررناه أعلاه، ولكن النظام الجزائري متأخر وليس متقدما على غيره الآن، بالنسبة لكثير من الدول في العالم، وأنه لا شيء مميز قدمته السلطات الرسمية للمقاومة وللتضامن مع أهلنا في غزة إلى حد الساعة. لا شك أن ثمة مجهودات كبيرة تقوم بها بعض المؤسسات والمنظمات غير الحكومية الجزائرية، وكل ما تقوم به هذه الهيئات التي رفعت العلم الجزائري في غزة مبارك يشرف أصحابها ويدخل في رصيد الجزائر كلها، بل يرفع شيئا من الحرج عن السلطات ذاتها. غير أن الحجم العظيم للمعاناة التي يعيشها أشقاؤنا المظلومون المشردون في أرضهم في غزة، والمستوى التاريخي والمصيري للتحدي الذي تواجهه المقاومة الفلسطينية لا يستطيع إيفاء حقه سوى الدول بمواقفها الواضحة وإمكاناتها الحكومية الكبيرة، وعليه إن مسؤولية تصحيح الموقف والدور الرسمي الجزائري مسؤولية تاريخية أمام الله وأمام التاريخ. 

ثم إن مما يجب الاهتمام به في الأخير بعد نهاية الحرب هو الدعوة الدائمة لليقظة لملاحقة أي تصرف تطبيعي يصدر من أي جهة رسمية أو مجتمعية، ومنها الاختراقات التطبيعية التي نراها أحيانا على مستوى الرياضة أو التجارة أو غير ذلك، أو أي تصرف فيه غموض ويمثل خطرا على القضية الفلسطينية كالموقف المرفوض سياسيا وأخلاقيا الذي قام به وزير الشؤون الدينية بزيارته عميد مسجد باريس الذي ناصر الإسرائيليين علانية في وسائل الإعلام الفرنسية في حديثه عن طوفان الأقصى، دون مراعاة للدماء الغزيرة لأشقائنا في غزة، مما يدل بأن موجات التطبيع في الجزائر ممكنة الوقوع كما حدثت من قبل، وكما كان يمكن أن يحدث عن طريق المتسللين داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع لو لا طوفان الأقصى الذي كسّر موجتها الأخيرة في كل العالم العربي.

 فالحذر الحذر من نخب متطرفة مبغضة لهويتنا وانتمائنا ومقدساتنا، ومن اللوبيات الفرنسية والغربية، أو ربما من يهود وماسونيين استطاعوا أن يتوصلوا  إلى مواقع نفوذ في بلادنا، أو خضوعا لضغوطات خارجية، أو بسبب الطموحات الشخصية. وتمنينا لو أن السلطات سمحت بمرور قانون تجريم التطبيع في البرلمان لتطمئننا بأن هذه المرحلة آمنة بهذا الشأن ولتأمين المراحل المقبلة في المستقبل كما فعلت دول أخرى غير مطبعة، ولكن حكامنا رفضوا ذلك مما يجعل اليقظة مطلوبة أكثر.

وصدق الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني”.

د. عبد الرزاق مقري

نحن لا ننكر الخصوصية التاريخية للجزائر بخصوص دعمها الكبير لفلسطين منذ القدم، فقد كتبتُ في عام 2013 كتابا بعنوان “الجزائر وفلسطين” بينت فيه مساهمات الجزائريين لنصرة فلسطين منذ مشاركتهم في تحرير المسجد الأقصى مع صلاح الدين الأيوبي ومنحهم هذا القائد الكبير الأوقاف التي لا تزال إلى اليوم باسمهم كجزائريين من مغرب الأمة الإسلامية (حارة المغاربة)،

وعن مشاركة مجاهدين جزائريين في ثورات الفلسطينيين قبل النكبة وفي حرب الثمانية والأربعين، وعن  أدوار الحركة الوطنية في عهد الاستعمار، سواء كشخصيات مثل عمر راسم والشيخ السعيد الزاهري، وأبو اليقظان، والفضيل الورتلاني، أو كهيئات ومنظمات، وخصوصا الهيئة العليا لإعانة فلسطين عام 1948 التي شاركت فيها كل الأطياف والتوجهات بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله. ثم تحدث الكتاب عن انخراط الدولة الجزائرية المستقلة في دعم الكفاح الفلسطيني مباشرة بعد الاستقلال، سواء من حيث المشاركة في حرب عام 1967 أو في الموقف والإسهام المتميز عام 1973 أو من حيث دعم حركة التحرير الفلسطينية بالسلاح (فتح) عند تأسيسها، وسياسيا ودبلوماسيا، وكيف كانت القوى المعارضة للنظام السياسي الناشئ هي كذلك مساندة لفلسطين، وضربتُ مثلا بمحمد خيضر ومحمد بودية رحمهما الله، ثم كيف تحولت قضية فلسطين إلى قضية مبدئية مركزية عند كل الجزائريين رمَز لها الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله بقوله ” الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وخصصتُ فصلا من الكتاب لمساهمتنا نحن كأشخاص وباسم حركة مجتمع السلم في نصرة القضية من المساهمات المالية التي ألزمت بها الحركة المناضلين وعائلاتهم سنويا منذ التأسيس، إلى غزوتنا في أسطول الحرية، والتنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع، والجبهة الشعبية لنصرة المقاومة والقضية الفلسطينية، ومؤسسة القدس، إلى حملات كسر الحصار المتتالية وغير ذلك.

فتاريخ الجزائر في المساهمة الجادة والفاعلة في نصرة القضية الفلسطينية، معروف لدينا، و لا تحتاج تلك المساهمات إلى تبيان لنصاعتها ووضوحها، لا يحتاج الأمر منا أن نبرر أنفسنا في القناعة بها. غير أن ثمة تحولات في الموضوع وقعت في فترة التسعينيات أخذت تدفع بالجزائر إلى الاتجاه المعاكس، بل بدأت جهات  نافذة في المجتمع والدولة تسعى خفية تارة وعلانية تارة لجر بلدنا إلى التطبيع مع الكيان.

لقد كان الضعف الذي آلت إليه الجزائر منذ الأزمة الاقتصادية في منتصف الثمانينات، ثم الصراع السياسي والفتنة الدموية التي وقعنا فيها طيلة التسعينيات هي البيئة التي صنعت التراجع في القضية الفلسطينية، تماما مثلما وقع  التراجع في مجال الحريات وفي آمال تحسين المعيشة وظروف الحياة مع تسارع واشتداد الأزمة.

 وحينما جاء بوتفليقة إلى الحكم عام  1999 كانت الجزائر تبحث عن ذاتها ولملمة جراحها وكان مطلب المصالحة الوطنية هو المطلب الذي ضحى من أجله الجميع وتنازل لتحقيقه الأحزاب والساسة الوطنيون عن طموحاتهم السياسية في قيادة وتطوير البلد، وتنازل المواطنون عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وصاحب تلك الظروف في بلادنا حدوث موجة تطبيعية كبيرة في الوطن العربي، كان نصيب الجزائر منها بين 1999 و 2000 المصافحة المشؤومة بين بوتفليقة وإيهود باراك، ومحاولة دعوة أنريكو ماسياس الصهيوني للجزائر، وزيارة الوفد الصحفي الجزائري لدولة الكيان.

غير أن انتفاضة الأقصى في فلسطين في سبتمبر 2000 على إثر دخول المجرم أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى أفسدت الحسابات في كل العالم العربي. وفي الجزائر عطل مسيرة التطبيع – قبل انتفاضة الأقصى وبعدها – حركة المجتمع  ضد التطبيع من خلال تنسيقية مناهضة التطبيع التي جمعت شخصيات وطنية مجتمعية وسياسية مهمة بعضها شارك في الحروب ضد الاحتلال الصهيوني، وكذلك الوثبة الجزائرية ضد المصافحة والوفد الصحفي، والتي كان من أبطالها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله الذي حمّل مسؤولية الاختراق التطبيعي الإعلامي السلطات الرسمية آنذاك ووجه لهم نقدا لاذعا، وقد شرفني الله أن كنت عضوا مؤسسا للتنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع آنذاك.

 وبعد تلك المحاولات  التطبيعية الفاشلة بقي صوت الجزائر خافتا بخصوص القضية وساءت العلاقة بمنظمة التحرير ورئيسها محمود عباس الذي تنكر للمساهمات السابقة للجزائر بسبب ارتمائه كلية في الجانب المصري تحت الإرادة الأمريكية. وقد كان عبد الحميد مهري يبين لنا في العديد من لقاءاتنا في الفرع الجزائري لمؤسسة القدس الدولية بأن الولايات الأمريكية المتحدة تطلب من الجزائر أن تنأى بنفسها عن الملف الفلسطيني وتتركه كلية للمصريين، مؤكدا بأنه لا يمكن أن تتوقع أمريكا والدول الغربية أن تذهب الجزائر إلى التطبيع في تلك المرحلة بسبب أن الدولة الجزائرية أسستها حرب تحريرية ضد الاحتلال وأن الروح التحررية في الدولة والمجتمع لا تزال قوية ولا يتحمل الأمر خطوات تطبيعية حاسمة، لا سيما بعد فشل المحاولة المشار إليها أعلاه، وبقي الحد المطلوب من الجزائر أمريكيا هو عدم التدخل في الملف فحسب، وذلك الذي كان.

ولكن مع مرور الزمن بدأت الرياح التطبيعية الكريهة تنبعث من داخل الدولة، وقد سمعت بنفسي مسؤولين كبارا في أواخر عهد بوتفليقة  يتحدثون بكل جرأة  عن رفضهم أن تبقى الجزائر تضحي بمصالحها من أجل فلسطين (!)، زاعمين بأنه لا يمكن أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين. ولكن برحمة الله بهذا البلد الطيب جاء الحراك الشعبي فكنس كل تلك الأصوات، فغادر الحكمَ بعضُهم، وبقي بعض آخر يكْمُن ينتظر فرصا أخرى. 

وحينما حَلّت موجةٌ تطبيعية جديدة قادتها دولة الإمارات حطت رحالَها في جوارنا بالمغرب، فكان التطبيع المغربي وتحالف المخزن مع الصهاينة سياسيا وعسكريا وأمنيا بمثابة قوة كاسحة أبعدت الجزائر عن التطبيع، مدعَّمة بالقوى الوطنية الجزائرية في الدولة والمجتمع التي لا تزال ذات تأثير كبير ضد التطبيع. وفي هذا السياق جاءت مبادرة المصالحة الوطنية التي تُوجت ب”إعلان الجزائر” خدمة للقضية الفلسطينية كدافع أصيل ولكن كذلك كمشروع سياسي يواجه التحالف المغربي الصهيوني، فإلى أي مآل ذهبت المبادرة؟ هذا ما سنبينه في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال بحول الله.

يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

مقدمة قبل البدء:

إن التثمين والمدح للسلطات في الجزائر يضرب أطنابه، يسيطر على الفضائيات والمؤسسات الإعلامية وعبر الذباب الالكتروني وفي بيانات الأحزاب والمنظمات، فلا يجب على السلطات أن تقلق حينما تظهر أصوات معزولة داخل البلد،  وسط زخم المثمنين والمدّاحين، فهو صوت لا يكاد يُسمع بين هؤلاء، وفي كل الأحوال سيتولاه الذباب الالكتروني، وسيرد عليه بقسوة الطبّالون.

وخلافا لما يدّعيه الذين يحكمون على الغير “بالذي عليه أنفسهم” فلا يعملون عملا إلا بقصد المنفعة السياسية أو المادية فإن الله يعلم أن موقفنا لا نية فيه سوى محاولة أداء المهمة كاملة أمام الله وبعونه، ثم تسجيل الموقف للتاريخ لكي لا تقول الأجيال المستقبلية أن الجميع كان مقصرا في الضغط الحقيقي على النظام السياسي ليقوم بواجبه كاملا تجاه فلسطين.

وكذلك حينما تنجلي معارك طوفان الأقصى، يستطيع المرء أن ينظر إلى وجهه في المرآة فلا يشعر بالندم على ما فات مما كان يمكن القيام به.

الموضوع:

لقد كان موقف الجزائر تجاه القضية الفلسطينية  قبل طوفان الأقصى مشكورا ضمن ظروف خاصة نشرحها في الجزء الثاني من هذا المقال، ولكن بعد الطوفان لا يوجد شيء مميّز قدمته الجزائر إلى الآن للفلسطينيين في محنتهم الجارية على أرض غزة وكذا في الضفة الغربية، فلا الخطاب الرسمي بالنسبة لغيرها متقدم، ولا حديثا سمعناه من المسؤولين عن الإدانة الواضحة للولايات الأمريكية المتحدة عن تخطيطها ومشاركتها في الجريمة،  ولا الجسر الجوي الذي تم التصريح به سابقا ظهر أثناء أيام الهدنة، ولا سُمح للشعب الجزائري أن يُعبر عن غضبه من الصهاينة وحليفهم الأمريكي، وعن تضامنه مع إخوانه المظلومين، كغيره من الشعوب، ولا المواد العينية التي جمعها الهلال الأحمر وبعض الجمعيات وجدت طريقها لمن جُمعت لهم، ولا كان للجزائر دور دبلوماسي مؤثر واضح في حشد القوى الدولية لصالح أشقائنا المظلومين المقهورين، ولا حتى نقْل المرضى والجرحى إلى المستشفيات الجزائرية  قائم كما تفعل بعض الدول أخرى. ورغم ذلك ثمة في الأحزاب والشخصيات والإعلاميين والنواب من يكرر و يبالغ في التثمين والمدح والشكر للسلطة المتحكمة، ومن تجرأ من هؤلاء فقال بعد التثمين المكرر “ولكن” اعتُبر مقصرا ومتجاوزا لحدوده.

كما أن القول بأن مصر رفضت مرور المساعدات والمساهمات الجزائرية، قول لا يستر التقصير، فالمساعدات التي تعطلت مساعدات شعبية، والجسر الجوي إنما تضمنُه الدولة، وهل يعقل أن ترفض مصر الحمولات الإغاثية  الجزائرية  الرسمية، وأين هو إذن وزن دولتنا إن كان المنع المصري حقا؟ وأين هو جزاء الخدمة العظيمة التي قدمتها الجزائر بإرجاعها مصر إلى الاتحاد الافريقي بعد تعليق عضويتها على إثر الانقلاب العسكري الذي قام به ” الجنرال السيسي” على الرئيس الشرعي “الشهيد مرسي” ؟  مع أننا لم نسمع في حقيقة الأمر تصريحا رسميا بخصوص الرفض المصري للمساعدات الجزائرية لأهلنا في غزة.

ولا شك أن ما قامت به نقابتا القضاة والمحامين تحت عنوان “العدالة للشعب الفلسطيني” عمل مهم، في انتظار تجسيد مخرجاته، ولكن هذا جهد المقل، إذ مثل هذه الندوات نُظمت في العديد من الدول، ومنها الدول الغربية المتحالفة مع الكيان الصهيوني، إذ هي مبادرات تقوم بها  تحالفات منظمات حقوقية وقانونية كجهات مخولة في أي مكان في العالم وفق القانون الدولي بتقديم الشكوى لمحكمة الجنايات الدولية بخصوص جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا تتحمل الدولة  التي تتشكل فيها أي تكلفة سياسية أو تبعات قانونية بخصوصها.

ومن أتعس ما سمعنا من أنواع البروباغندا التي بلغت الآفاق، والتي لا أدري من وراءها لإظهار “البطولة” الجزائرية بطرق ساذجة تجعل الأمم تضحك عنا ما يدور من أخبار مزيفة مخجلة في الوسائط الاجتماعية بأن طيارا جزائريا استطاع أن يخادع الجيش الإسرائيلي وينزل بطائرته المحملة بالبضائع في غزة – التي لا يوجد فيها أصلا مطار – وأن بوارجنا اعترضت في عرض البحر سفينة ألمانية محملة بالسلاح متجهة للكيان الصهيوني. لقد كان من المفروض أن يقبض على مروجي هذه الأكاذيب، والغريب في الأمر أن ثمة من المثقفين وأصحاب المكانة من حدثني يستفسر عن هذه الحوادث “العظيمة” التي لم تتحدث عنها وكالات الأنباء ولا سمعنا بها في القنوات الشائعة، والتي لا يقبلها العقل تماما.

وكم كان رد أحد المفكرين الفلسطينيين الكبار  ـ كنت في تواصل معه مؤخرا ـ مفحما لشخص من النخب الجزائرية الموالية للسلطة الجزائرية حين تحدث هذا الأخير بكثير من العُجب في مناسبة من المناسبات، عن “الدور المتقدم للدولة الجزائرية في دعم القضية الفلسطينية”، إذ قال له القائد الفلسطيني: قل لي بربك ماذا قدمت الجزائر لأهل غزة وللمقاومة؟ نحن لا نرى شيئا عمليا مميزا، يمكننا أن نشكر الجزائر على عدم انسياقها للتطبيع أما عن دعمها للفلسطينيين أثناء طوفان الأقصى فلا شيء مميز بالنظر لِما يتعرض له أشقاؤهم من ظلم عظيم وما تقوم به المقاومة من دور تاريخي لتحرير فلسطين  والأمة كلها. وبالفعل كلام مثل الذي تحدث به ذلك المتحمس الجزائري الواهم لا ينفع في مثل هذه الظروف، فهو إما سذاجة أو خداع.

ومن الخداع الذي ينشر كذلك: “أنتم لا تعرفون، هناك أشياء تقوم بها الجزائر  لا تعرفونها” وهذا لعمري جريمة لا تغتفر، كيف يحاول بعض من ليسو لا في العير ولا في النفير تغليط الناس لتخفيف الضغط على النظام السياسي، فقط ليدعموا توجههم المهادن للنظام السياسي، ألا يخشى هؤلاء الله تعالى.

نحن في اتصال مباشر بالعديد من المسؤولين الفلسطينيين، من داخل غزة نفسها، وهم ينادون بأعلى صوت : “أين الجزائر؟” وقبل يوم فقط كنت في اتصال مع أحد كبار المسؤولين من داخل غزة يتوسل أن تستقبل الجزائر بعض الجرحى والمرضى، وإلى حد الآن لا استجابة.

إن المعايير التي يُقيّم بها أداء الجزائر ليست المعايير التي تُحاسَب بها الدول العربية العميلة المطبّعة، ولكن معايير تقييم أداء بلدنا بخصوص دعم القضية الفلسطينية تتعلق بدولة قامت على أساس ثورة تحريرية كبرى وتضحيات جسيمة على نحو ما هي عليه القضية الفلسطينية اليوم.

إن الأمر الذي يحتاج إلى تثمين حقا بخصوص الجزائر هو عدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولكن لقصة عدم التطبيع مسار طويل قد شرحته من قبل في بعض المداخلات وسأعود إليه في الجزء الثاني من هذا المقال بشيء من التركيز بحول الله.

 د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية