المقالات

لم تكن قصة الهجرة أحداثا تاريخية مهمة  فحسب بل كانت ملحمة عظيمة غيرت مجرى الزمن من حيث أثرها في تاريخ البشر إذ صنعت دولة  أوقفت ظلم دولتين عظيمتين كانتا  مهيمنتين على العالم آنذاك هما دولة الفرس والروم،  وأنشأت حضارة بديلة لا تزال شاهدة على البشرية بإنسانيتها ونظمها ومنتجاتها ونقل منافع الحضارات القديمة التي كانت ستنطمس لو لا احتضانها وتطويرها من قبل المسلمين.                                                                       
إن الأمم التي تعجز على صناعة الحضارة تزول حتما، أو تندمج  في حضارات أمم أخرى، وحينما تندمج أمة ما في حضارة غيرها تصبح خصائصها الثقافية مجرد طبوع فلكلورية تتسلى بها الأمة المهيمنة و تشجع ظهورها لتتجمل بها فحسب، و ربما لتضيفها إلى معالمها السياحية لا غير.
إن قيام الدولة التي تحمل فكرة الإسلام أمر لا مناص منه لاستمرار أمة الإسلام، فقيام الدولة فعل أصيل دشنه المصطفى عليه الصلاة والسلام،  ولو لا الدولة لبقيت تعاليم الإسلام مجرد مواعظ وتوجيهات  يتبعها ضعفاء الناس في نطاق ضيق في جزيرة العرب ولما استطاع المسلمون أن يصلوا إلى جهات العالم الأربعة ولما صنعوا حضارة من أعظم الحضارات في التاريخ البشري. إن انتشار الدين بلا دولة يحوله إلى ملجأ للفقراء والمساكين يتصبرون به ويخففون به آلامهم ومآسيهم الحياتية، وربما ينظمون به شؤونهم الخاصة ضمن عزلة حمائية غير منتجة وسط غيرهم، وتكون الدولة في أيدي الأقوياء الأكثر جرأة على التحكم في ناصية الحياة، فيسير هؤلاء الناسَ بلا هداية من خالقهم ويفرضون حكمهم وفق معيارية بشرية قاصرة تنتج الظلم والقهر كما كان حال العالم مع الفرس والروم قبل دولة الإسلام، والاستعمار والاستغلال والحروب والصراعات والفقر  والأمراض والاعتداء على البيئة والمحيط كما هو الحال اليوم مع النظام الرأسمالي المادي الذي وصل إلى التحكم في كل دول العالم ، وكأنما فكرة نهاية التاريخ التي تنبأ بها فوكوياما تحققت على مستوى صراع الأفكار .

 

إن وصول رحمة الإسلام إلى الدولة ليست حاجة العرب والمسلمين فقط، بل البشرية بأسرها في حاجة إلى ذلك، غير أن تحقق النموذج الإسلامي الكفيل ببسط هذه الرحمة يتطلب طموحا لا يكسره وهن، وعلم لا يطفئه جهل، وبصيرة لا يفسدها هوى، واستشراف لا تتيه به الأوهام، وعمل لا يضعفه عجز أو كسل، وتضحيات لا يوقفها خوف أو طمع. ذلك هو نموذج الهجرة النبوية وكذلك يكون الاستئناف بحول الله.

 

حينما نتابع مسيرة الهجرة في إقامة دولة الإسلام نلحظ أن الفعل الذي حقق الإنجاز وأقام الدولة فعلان، فعل بشري مرتبط بما قام به المصطفى عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام عليهم الرضوان، كبشر مطالبين بالقيام بالأسباب على أحسن وجه، وفعل سنني ساقته أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية ودولية كبرى لا قبل للمسلمين بها التقت في سيرورتها المقدرة لها مع المسلمين حيث وجدتهم في المكان المناسب الذي وضعوا أنفسهم فيه.

أما عن الذي قام به المصطفى كنبي مكلف بالعمل فهو المعلوم عند المسلمين المطلعين على سيرته، حيث أعد رجاله في بيئة صعبة معقدة في مكة، وصدع فيها بما أمر وصبر على البلاء بكل أنواعه من أجل رسالته، ولم يكن ثمة في الكون بلد أحب إليه من مكة أراد إقامة دولة الإسلام فيه، غير أنه أدرك في الأخير بأن البيئة المحيطة بدعوته غير مناسبة لإقامة الدولة بين قومه الأقرب إليه. رغم كل التضحيات التي بذلها وصحبُه لم تتغير موازين القوة، بقي كبّار قريش مسيطرين على مصائر أغلب الناس، يتحكمون في الأرض والمال والتجارة والحرف والجاه والأنساب والتاريخ والتقاليد. لم يقبل الرسول المصطفى أن يكون مثل أولئك الموحدين كقس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم، الذين بقوا في مكة على الديانة الحنيفية الإبراهيمية يتجنبون الأوثان وأفعال المشركين دون أن يكون لهم مشروع يُدين الوضع القائم ويعمل على تغييره. لم يشأ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مثل هؤلاء الحنيفيين، تبتلعهم المنظومة المهيمنة الظالمة، فلا تجزع لخصوصيتهم، بل قد تجعلها من الغرائب التي تطرب بها. لقد كُلف رسول الله بتبليغ رسالته للناس وأن لا يخشى في ذلك لومة لائم وفق قوله تعالى في سورة المائدة: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ67 )(، بل أمره أن يحكم بينهم بما أنزله عليه وفق قوله تعالى: ((وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49))، وامتثالا لأمر الله لم يشأ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن يجعل الدين قضية شخصية ثم لا يهمه أين  تتجه الحياة. 

حينما أدرك رسول الله بأن موازين القوة في مكة، في ذلك الوقت، لا تسمح بإقامة دولة الإسلام، وباعتبار أنه نبي مرسل للناس أجمعين أخذ يبحث عن غيرهم ممن يمكن أن ينصره من القبائل العربية خارج مكة فذهب إلى الطائف على الأقدام متخفيا عن زعماء قريش يراود زعماء ثقيف ويدعوهم واحدا واحدا ليحتضنوا فكرته ودعوته فأعرضوا عنه وأغروا غلمانهم لضربه بالحجارة حتى لجأ إلى بستان تضرع فيه إلى الله تلك الضراعة المشهورة التي اهتزت لها السماء كما روي في الحديث : ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ..))، ورغم نكسة الطائف لم ييأس بل عرض نفسه على عديد القبائل، في مساكنهم وفي الحج وفي أسواقهم المشهورة، منهم بنو عباس وبنو سليم وغسان وبنو محارب وبنو نضر ومحارب ومرة وعذرة والحضارمة  فلم يجيبوه، وفي بحث تفاصيل ردود زعماء القبائل نجد دروسا كثيرة: منهم الانتهازي الذي قال له ننظر حتى نرى أمرك مع قومك، ومنهم الطموح الذي لا شأن له بالفكرة والرسالة و لا همّ له إلا المصلحة فطلبوا منه أن يكون لهم الحكم من بعده، ومنهم الذين قالوا نحميك من الناس إلا من الفرس، ومنهم من صدّ عنه ولكنه ندم بعد أن انتصر الإسلام بعد وفاة المصطفى واتسعت رقعته فقال: يا ليتني اتبعت محمدا في بادئ الأمر.   

ومن بين تلك القبائل كلها أكرم الله أهل يثرب إذ صنع لهم ظروفا جعلت شبابهم يبحثون عن مشروع جديد يحل أزمة عميقة كانوا يعيشونها. التقى رسول الله في الحج الموافق للسنة الثانية عشر بعد البعثة ستة رجال من الخزرج بادرهم بالحديث عن علاقتهم باليهود ثم عرض عليهم الإسلام فأسلموا وعادوا إلى قومهم يبشرون بالنبي الجديد، وفي السنة الموالية أقبل اثنا عشر رجلا، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس بايعوه في مكان اسمه العقبة بمنى وتلك هي بيعة العقبة الأولى ونصها كما رواها عبادة بن الصامت كالآتي: “بايَعنَا رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الأُولَى عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا نَأْتِيهِ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلا نَعْصِهِ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ” وهي بيعةٌ موافقة لبيعة النساء كما وردت بعد ذلك في القرآن الكريم. ثم أرسل المصطفى مع الوفد صهيب الرومي ليعلم المسلمين الجدد دينهم وليساعدهم في نشر الإسلام في أهلهم فلم يبق بيت في يثرب إلاّ دخلها الإسلام، وفي السنة الموالية أقبل وفد من ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين فبايعوا بيعة العقبة الثانية، وكان أول من بايع أصغرهم سنا في رسالة واضحة للدور الأساسي للشباب في الهجرة النبوية كما سنرى أدناه، وكان نص البيعة وفق ما ذكره عبادة رضي الله عنه: ((دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)).

ولئن كان أمر في الفقه السياسي نستشفه في الفرق بين نص البيعتين أن المشروع الذي كان يسعى إليه رسول الله في المدينة هو بناء الدولة، إذ جل ما في النص الأول متعلق بالعقيدة والأخلاق وأما النص الثاني فكله في موضوع القيادة والسمع والطاعة وعدم التنازع على الحكم حين يؤول إلى أهله، مع الحق في الاعتراض إذا ما انخرم ما من أجله تمت البيعة وهو الكفر البيّن بالإسلام، وكان النص الأول موافقا لبيعة النساء التي ثبتت بالقرآن الكريم بعد فتح مكة إذ النساء غير مكلفات بالجهاد في عمومهن، إلا من تميز منهن فلا أحد يملك منعهن من الاشتغال بالشأن العام، وعددهن قليل كتلك المرأتين اللتين شهدتا بيعة العقبة الثانية. 

حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط لبناء الدولة في المدينة كان الأذى يتعاظم في حق المسلمين من قبل المشركين في مكة، وما إن أصبح للمسلمين دار مقام في يثرب حتى بدأ يوجه أصحابه للهجرة بوحي من الله تعالى الذي رفع بها مقام المهاجرين والأنصار كليهما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. 74))، وحينما أذن الله له باللحاق بدار الإسلام الحصينة التي بناها بتخطيط محكم على سنوات انتقل من مكة إلى يثرب وفق خطة استراتيجية من أعظم الخطط التي عرفها التاريخ، ومن أعظم الدلائل التي تدل على أنه منتقل لبناء دولة لا تحدها حدود القبائل العربية فقط بل دولة عالمية تحمل مشروعا عادلا يهدّ عروش الأكاسرة ، وعدُه لسراقة بن مالك الذي لحق به ضمن حملة القريشيين لتوقيف مساره، بأنه سيلبس أساور كسرى ! 

حين وصل رسول الله يثرب تصرف كرئيس دولة فصار اسم يثرب ((المدينة))، ضمن رسالة مفادها أن العهد الجديد ليس عهد البداوة و الصراع القبلي على القوافل والكلأ والجاه الذي لا يتعدى التفاخر بالأنساب والأجداد والثأر للأهل والأقارب في الحق والباطل، وإنما هو عهد المدنية والحقوق والمواثيق والقوانين التي تقوم على القيم والحق والعدل، فبنى على الفور قاعدة الانطلاق لإقامة المجتمع الجديد ببناء المسجد كمؤسسة دعوية تربوية علمية اجتماعية سياسية ثقافية، وعالج البعد الاجتماعي التضامني بالمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، وعالج منظومة العلاقات مع غير المسلمين بترسيخ مفهوم المواطنة وفق ما سمي لاحقا بوثيقة المدينة، وعالج بعد ذلك البعد الاقتصادي بتشييد سوق جديدة على المعايير الجديدة كبديل للسوق التقليدية التي يهيمن عليها اليهود دون أن ينهي وجود هذه الأخيرة، وعالج البعد الدولي ببعثاته لملوك الدنيا آنذاك، ثم على أساس هذه القواعد تطورت مدينة رسول الله بالبناء والتشييد التراكمي في بيئة السلم في أغلب الأحيان وبالحرب عند الاقتضاء.

كل هذا الذي قام به رسول الله كان من منطلق القيام بالواجب الذي أُمِر به، ولكن هل هذا الذي قام به هو وحده الذي مكنه من تحقيق أهدافه في بناء دولة عصرية صنعت حضارة عالمية خالدة؟ بكل تأكيد لا، وللتأكد من ذلك يجب عدم الاكتفاء بقراءة السيرة النبوية بالطريقة التقليدية التي تغرق في الغيبيات دون فهم دور السنن الاجتماعية في نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. إننا حينما نتأمل في الأحداث التي رافقت الدولة الإسلامية الأولى سيتأكد لدينا بأنه لا غرائب في التاريخ الإسلامي وإنما هي رؤية وتبصر وتخطيط واستشراف وفهم للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية والقيام بالواجب الذي يتوافق مع تلك التحولات فيتحقق بهذا وذاك النصر إذ التقيا وتناغما، ومن فَهِمالسيرة النبوية على ذلك المنوال سيدرك بأن تكرارها على هدي المصطفى ممكن في أي زمن من الأزمنة وفي أي مكان من الأمكنة.

إن تلك العبارات التي قالها شباب الخزرج حين عرض عليهم النبي الأكرم الإسلام لها دلالات عميقة على واقع كان قائما في يثرب أهلها لاستقبال الإسلام. لقد تحدث الستة، وفق ما جاء في جميع كتب السير، عن أزمتين كانوا يعيشانها في المدينة، الأولى  تتعلق بتهديد مستقبلي من جيرانهم اليهود آنذاك إذ قالوا لبعضهم بعضا: “تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا” والثانية تتعلق بوضع كان سائدا مرتبط بحرب أهلة طاحنة بينهم وببين الأوس بني عمومتهم إذ طمعوا أن يكون النبي الجديد سبب الصلح بينهم فقالوا له : “‏ إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزُّ منك‏”.‏

لقد كانت الحروب بين الأوس والخزرج في المدينة قبل الهجرة دائمة لا تتوقف منذ أكثر من مائة وعشرين سنة يذكّيها اليهود بشكل منهجي حتى لا يجتمع عليهم عرب يثرب فيبقوا مهيمنين على الأراضي الأكثر خصوبة وعلى السوق وحركة الأموال وإثقال كاهل المتقاتلين بالديون الربوية. وقبل سنوات قليلة من الهجرة اندلعت حرب بعاث بين الأوس والخزرج وكانت الحرب الأكثر فداحة بين الحيّين، ويعود سببها أن الخزرج علموا أن بني قريظة وبني النضير يستعدون لإبرام حلف مع الأوس ضدهم فهددوهم، ثم تطورت الأحداث إلى أن قرر الخزرج اغتنام الفرصة لحل مشكلتهم الاقتصادية بإجلاء اليهود من المنطقة وإنهاء سيطرة هؤلاء على الأراضي الخصبة في يثرب فألقى اليهود بكل ثقلهم في حرب بعاث مع الأوس فكانت هزيمة الخزرج فادحة كادت تقضى عليهم قاطبة لو لا أن الأوس رفضوا مطاوعة اليهود في اللحاق بفلول الخزرج لإبادتهم بقولتهم الشهيرة: ” يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب” و كانوا يقصدون بالثعالب اليهود. 

كان للبعدين الاقتصادي والديمغرافي أثر كبير في اندلاع حرب بعاث، كان الخزرج الأكثر عددا وشدة وغلظة يسكنون مناطق قاحلة، والأوس في أعالي يثرب في أراض أحسن، واليهود المتحصنون في حصون منيعة يستولون على جل الأراضي الخصبة ذات الخضرة والوفرة المائية، وكانت أغلب الحروب بين القبيلتين لصالح الخزرج إلى أن كانت بعاث فخسرها هؤلاء وكادت تبيدهم لو لا عطف بني عمومتهم الأوسيين. كانت شرارة انفجار بعاث الصراع على الأراضي الخصبة حيث طمع الخزرج في معاقبة اليهود المتحالفين مع الأوس بإجلائهم وأخذ الأراضي الرغيدة التي بحوزتهم، غير أن تحالف اليهود، أصحاب المال والحصون والسلاح الوفير، مع الأوس غيرت الموازين ونتيجة الوقيعة الأخيرة. كانت الغلبة في البداية لصالح الخزرج فقتل خلق كثير من زعماء الأوس، غير أن شعور الأوس بخطر الفناء وسند اليهود جعلهم يثبتون ثم يكرون فانكسرت هجمة الخزرج وانقلب المد ضدهم فوقعت مقتلة كبيرة فيهم وأثخنت السيوف في رؤسائهم.

كان الخزرج قبل يوم بعاث يعتقدون أنهم الأولى بالمدينة فهم الأكثر عددا وهم أصحاب المآثر في الحد من نفوذ اليهود، ومع ذلك بقوا الأقل حظا من بين سكان يثرب، وكان الأوس في تأهب دائم للمواجهة والبحث عن الحلفاء من المدينة وخارجها لقلة عددهم، وكان اليهود في تخطيط مستمر لتشتيت القبائل العربية وإشعال الحروب بين الأوس والخزرج وإمداد الطرفين بالسلاح والقروض الربوية وتوزيع تحالفاتهم على القبيلتين لاستدامة نفوذهم. غير أن نتائج حرب بعاث أحدثت تحولات نفسية وفكرية عميقة عند الحيين من العرب، خصوصا عند شبابهم، أما الأوس فقد كرهوا الحرب المهددة لكيانهم دوما، وسئموا البحث الدائم عن الحلفاء ليقدروا على مواجهة بني عمومتهم، ولعل صوت رسول الله بقي حاضرا عند من كلمه منهم حين أقبلوا على مكة في وفد قبل يوم بعاث يلتمسون الحلف من قريش حيث قال لهم عليه الصلاة والسلام: “هل لكم في خير مما جئتم له” فقالوا وما ذاك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب”، وأما الخزرج فقد جعلتهم الهزيمة المدمرة أكثر عقلانية فأخذوا يبحثون عن أي وسيلة للصلح مع إخوانهم من الأوس، كما أن عداء اليهود الدفين الذي انفجر عند انكسار الخزرج بملاحقتهم وهم منهزمين جعل قبيلتي الخزرج والأوس كلاهما تنتبهان إلى خطر ” الثعالب” على الجميع.

لقد أدت كل هذه التحولات إلى التفكير في وحدة نهائية وبناء ملك عربي يثربي يتوجون له واحدا ممن بقي من زعمائهم. كانت التحولات تتجه في الظاهر كلها لصالح عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، فقد كان كارها للحرب قبل اندلاعها، نهى قومه عنها كما نهاهم عن مخاصمة اليهود، ولما لم يبق من كبار القوم غيرهم اجتمع لتتويجه الخزرج، الذين كان منهم وكان قد نصحهم وحذرهم من الهزيمة فلم يسمعوه، والأوس الذين حفظوا له بقاءه على الحياد وعدم مشاركته في قتالهم، وكان ذلك أول مرة في تاريخ يثرب يتفق فيها الأوس والخزرج على زعيم واحد يتوجونه. غير أن باطن التحولات كانت قد أخذت وجهة أخرى نحو الرسالة الجديدة وصاحبها محمد صلى الله عليه وسلم، فضاعت الفرصة على عبد الله بن أبي بن سلول وتحول إلى رأس المنافقين حين تمكن الإسلام في المدينة بعد ذلك. 

حينما هلك كبار القوم في الحرب أخذ الشباب زمام الأمور فرأوا أن تتويج عبد الله بن أبي بن سلول هو عودة للنظام القديم الذي أنتج كل مآسيهم وأنه لا بد من تغيير المنظومة كلها، وها هي الرسالة المحمدية تعرض ذلك على شباب الأوس والخزرج، وكان شباب الخزرج المنهزم قومهم هم الأكثر اهتماما بالبحث عن نظام جديد يقوم على التوحيد ومكارم الأخلاق والأخوة الإسلامية ونبذ الجاهلية وتفاخرها بالأجداد والأنساب، فكان عدد المبايعين في العقبة الأولى والثانية أكثرهم من الخزرج، ومعهم نفر من قادة وزعماء الأوس وعقلائهم، وكانت نية الطرفين الصلح الأبدي الذي أنهى الحروب بينهما إلى الأبد وجعلهم أنصار الله ورسوله ودعوة الإسلام، أولئك الذين آووا المهاجرين ونصروا الإسلام وأضحوا من قادة الأمة الإسلامية الجديدة وأفاضلها وأقربها إلى الله. 

إن كل تلك التحولات التي وقعت في يثرب ثلاث سنوات قبل الهجرة في أصح الروايات عند ابن حجر العسقلاني لم يكن لرسول الله فيها يد وإنما كان يرقبها ويتابعها ليحولها إلى فرصة يهتبلها، كما أن ما كان يقوم به رسول الله في مكة لم يكن يعني أهل يثرب في شيء سوى أن نفرا من الشباب رأوا وهم في حالة إحباط بعد الحرب أن دعوة محمد الهاشمي القرشي فرصة لهم لوقف مآسيهم وجمع شملهم، فكان التقاء قدر الله بقدر الله، وارتباط نسمة خير من يثرب بقبس من نور من مكة. ما كان لرسول الله أن يقيم دولة في المدينة لو لا تلك التحولات السننية العظيمة في يثرب، وما كان لتلك التحولات أن تصنع الدولة الرسالية القرآنية لو لم يبذل صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام ما يلزم من استشراف وتخطيط وفعل واتصال وتضحية   لكي يلتقي بتلك التحولات ونتائجها في يثرب.

إن صناعة التاريخ هي دائما التقاء جهد بفرصة، واتصال سنة اجتماعية بأقوام وضعوا أنفسهم في المكان المناسب، وهذا الذي حدث لإقامة دولة الإسلام الأولى تكرر عدة مرات لتوسيع تلك الدولة حتى بلغت الآفاق، من ذلك أن التضحيات العظيمة في فتوحات العراق أسقطت الإمبراطورية الفارسية التي كانت تترنح، ولم يؤخذ من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية إلا أجزاء منها رغم أضعاف التضحيات عبر السنوات لأنها كانت منيعة حصينة، وحينما سقطت قرونا بعد ذلك، في القرن الخامس عشر الميلادي، كانت في ذلك الوقت معزولة ضعيفة لم تضمن بقاء عاصمتها القسطنطينية إلا بتحصيناتها المنيعة إلى أن جاء الشاب محمد الفاتح فبذل لها ما يلزم للالتقاء بقدر فتحها من الجهد والتخطيط والإبداع والصبر  التضحية، وهكذا ستبقى طرائق النصر والتمكين وقواعدها: لا إنجاز إلا بالتقاء الفرصة بما يلزم من العمل، وتحالف السنن الكونية والاجتماعية بما يبذله المجدون من التضحيات المناسبة للالتقاء بها. فكم من جِدّ لم تتح له فرصة، وكم من فرصة ضاعت إذ لم تجد من يهتبلها. 

 

د. عبد الرزاق مقري

رحم الله الشيخ عباسي مدني، أول ما تعرفت عليه في الجامعة بين 1979 و 1980 حين دعوناه لإلقاء محاضرة في جامعة سطيف. كان عباسي مدني رحمه الله من التيار الوطني الإسلامي داخل جبهة التحرير الوطني في زمن الحزب الواحد إلى أن تركها ليشتغل في الساحة الدعوية طيلة الثمانينيات، وقد كان له دور كبير في الصحوة الإسلامية ونشر الوعي ونقد الأفكار العلمانية بطريقة علمية مقنعة. بقيت علاقتي به جيدة منذ عرفته في نهاية السبعينيات وأنا طالب في الجامعة، كان ضيفنا الدائم في معرض الكتاب الإسلامي السنوي في جامعة سطيف. وظلت العلاقة متواصلة به بلا انقطاع، أزوره في بيته مرات تلو ومرات، تارة وحدي، تارة مع الطلبة وفي بعض الأحيان مع الشيخ أحمد بوساق. وحين انطلقنا في مسعى توحيد الحركات الإسلامية تحت قيادة الشيخ أحمد بوساق كان من الداعمين لهذا المسار والمستجيبين له إلى أن فشلت المساعي سنة 1986- 1987، بعدئذ أصبحت له حساسية مفرطة من التنظيمات وبدأ يدعو إلى ضرورة تجاوز كل التنظيمات بالتوجه مباشرة للشعب بلا وسائط هيكلية، وكان دائما يضرب لي المثل بالجبهة الثورية للوحدة والعمل التي فجرت الثورة التحريرية النوفمبرية ( وكان أحد مفجري الثورة والقي عليه القبض من الاستعمار الفرنسي في بداياتها). لم أكن اتفق مع الشيخ عباسي مدني في موقفه من التنظيمات الإسلامية التي كنت جزء منها، ولكن كنت أرى من زاوية أخرى ضرورة القيام بإصلاحات كبيرة للحركة الإسلامية، أهمها الكف عن الصراعات النخبوية والتقليل من السرية والتركيز على الحريات، والتوجه إلى التيارات الشعبية وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني، واعتماد الخطاب الوطني، والتمسك بتراث الثورة التحريرية والحركة الإصلاحية البديسية. كان رحمه الله من أبرز المحاضرين الذين دعوتهم مع زملائي المشرفين على معرض الكتاب الإسلامي في الجامعة سنة 1987 الذي كان موضوعه ( معرض اللافتات والمحاضرات) التعريف بالحركة الوطنية ورموز الثورة التحريرية حين كانت الأغلبية الساحقة من الشباب والطلبة لا يعرفون شيئا عن ذلك الجيل النوفمبري بسبب التعتيم الذي كان يضربه النظام السياسي على قادة الثورة الحقيقيين، الأحياء آنذاك وعدد من الأموات.

حين فُتح المجال لتأسيس الأحزاب بعد دستور فبراير 1989 اختلفت الجماعات الإسلامية في كيفية التعامل مع هذا التحول. تخلفنا مع الشيخ محفوظ في اتخاذ القرار بشأن وجهتنا الحزبية بسبب عدم الثقة في مبادرة الانفتاح التي توجه إليها النظام السياسي بالرغم من أننا كنا التنظيم الإسلامي الأكثر انتشارا في البلد، وكان ذلك في اعتقادي خطأ منا في قراءة تطورات الساحة، فوجدنا أنفسنا في حرج أمام اللافتة الإسلامية السياسية العلنية التي سارع الشيخ عباسي مدني لرفعها رفقة الشيخ علي بلحاج والتي التف حولها أغلب المتعاطفين مع التيار الإسلامي خارج الأطر التنظيمية الذين لم يكونوا في البداية يفرقون بين أي أحد من الدعاة. حين أسس الشيخ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ عرض عليّ بإلحاح أن أكون معه، خصوصا حينما لمته في أحد زياراتي له في بيته بحيدرة، عن اندساس عناصر خطيرة ومشبوهة في الجبهة في المسيلة ( ولا أقصد هنا العناصر المحترمة التي عرفناها طيلة الثمانينيات وبعضها كان معنا) ، حيث اعتبر أن التحاقنا بالجبهة التي أسسها هو الذي يحل مشكل المندسين. أخبرته بكل أدب وصرامة بأنني لست مقتنعا بالنهج السياسي الذي يسير عليه، ومع تطور الأحداث اتسعت رقعة الخلاف، ولكن مع بقاء الاحترام والمحافظة على الود القديم. حينما أسسنا الحزب ( حركة المجتمع الإسلامي) كان من بين أهدافنا الأساسية هو التميز عن نهج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ليس حسدا ولا حقدا كما يعتقد البعض ظلما، أو عدوانا وكيدا كما يروج البعض، ولكن لأننا استشرفنا ماذا سيقع وكان علينا أن نضمن استمرار دعوتنا ورسالتنا وأن لا نرمي الثمار التي قطفناها قبل تأسيس جبهة الإنقاذ في سلة واحدة، وقد أعطانا الزمن الحق. رغم الخلافات الشديدة التي وقعت بيننا وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ – والأخطاء هنا متبادلة – قمت وساهمت شخصيا بعدة محاولات لتقريب وجهات النظر بين الحركة وجبهة الإنقاذ، منها اللقاء الشهير في وهران قبيل اندلاع أحداث الإضراب المفتوح في ماي 1991, ولكن خاصة محاولتين اثنتين تاريخيتين أشرفت عليهما بنفسي، أولهما الزيارات الخمس مع عدد من قيادات الحركة بإذن من الشيخ محفوظ رحمه الله للشيخ عبد القادر حشاني رحمه الله بعد أن سجن الشيخ عباسي رحمه الله والشيخ علي بلحاج، وكان مما قلته له أن هناك مؤامرة كبيرة عليكم وعلينا جميعا وعلى البلد وقيمه وهويته، وأنه يجب أن نتحاور للاتفاق على الرؤية المستقبلية، ورغم تفهم حشاني للموضوع لم يستطع التجاوب بسبب الاعتراض الذي وجده داخل الجبهة كما أرسل لي هو ذاته لاحقا، ثم المحاولة الأخرى مع الأخوين عبد القادر بوخمخم وعلي جدي بعد أن اطلق سراحهما زروال لأغراض الحوار حيث زرتهما رفقة الأخوين عبد القادر صماري ولحسن بن سعد الله رحمه الله، وحاولنا إقناعهما بما تم التوصل إليه في جلسات الحوار بأن هناك قناعة لدى زروال بإطلاق كل المساجين وعلى رأسهم الشيخ عباسي وعلي بلحاج، وأنه بإمكانهم بعد ذلك تأسيس حزب جديد بإسم جديد بشرط أن يتبرؤوا من الإرهاب باعتبارهم سياسيين لا علاقة لهم بالجماعات المسلحة ( للإشارة بعد هذا اللقاء تم اغتيال الأخ لحسن رحمه، وحكمت الجماعة الإسلامية المسلحة ( الجيا) عليّ وعلى الأخ عبد القادر صماري بالإعدام ونجّانا الله منهم، وكان اعتقادي أن الاستهداف كان من التيار الاستئصالي الذي كان يرفض عودة جبهة الإنقاذ ولو باسم آخر، وسيأتي اليوم الذي سنتحدث عن بعض التفاصيل وكيف كانت الجيا تُستعمل من الجميع). كان هدفنا من الحوار مع جبهة الإنقاذ هو تصحيح أخطائنا جميعا ثم الانطلاق في التعاون لمواجهة مشاريع التيار العلماني الاستئصالي المعادي لكل لون من ألوان الديمقراطية والذي سيطر بالفساد والنفوذ على المال والإعلام والإدارة والذي يعمل اليوم، بسند من الاستعمار القديم، على إلغاء حتى بيان أول نوفمبر، ويجد الوطنيون الأحرار صعوبة كبيرة في إرجاعه إلى حجمه الشعبي الحقيقي حتى وهم يُسندون من هذا الحراك الشعبي العظيم. لم تنجح محاولات التقريب كلها ولا زلنا إلى الآن في حالة التنابز والتصادم والبكاء على الماضي للأسف الشديد، وها هو الشيخ عباسي مدني يتوفاه الله دون أن يسترجع حقوقه السياسية لا هو ولا غيره من قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكم كان تأثري كبيرا حين أبدى لي الشيخ علي بلحاج أسفه أنه محروم من الإطار القانوني للعمل والتجنيد في تفسيره لعدم قدرتهم على التعبئة الكبيرة مثل ما كان متفقا عليه في تجمع قاعة حرشة الذي نظمته الحركة في أوت 2014 والذي تحدث فيه لأول وآخر مرة في تجمع رسمي منذ خروجه من السجن، حين قال لي هذا الكلام ذكرت في نفسي الفرصة التي ضاعت في منتصف التسعينات مع زروال، وكيف أن عدم نجاح الحوار خدم التيار الأستئصالي ذاته، ولو لم تعتمد الحركة نهج المشاركة وحرصت على الوجود القانوني والرسمي والمؤسسي رغم مسار التزوير الطويل لكنا اليوم جميعا – ربما – غير موجودين.

كانت آخر مرة التقيت فيها بالشيخ عباسي مدني في المطار حين كان يتأهب لمغادرة البلد والذي لم يعد إليه بعده أبدا، ولكن كانت لي مناسبات قليلة أخرى التقيته فيها بالخارج، والغريب في الأمر أنني حينما كنت ألقاه خارج الديار لا نتحدث إلا عن سنوات الثمانينيات الجميلة يذكرني وأذكره عن بعض حكاياتها رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ولا يُحرج أيّ منا الآخر بالحديث عن أحداث التسعينيات الأليمة، و ها هنا أقول شتان بين الحديث النافع والعقلاني مع القيادات التاريخية، سواء عباسي أو بلحاج أو جدي أو بوخمخم أو قمازي أو غيرهم، والحديث الحاقد المؤجج للصراعات الملهي عن الأهداف السامية الذي يطلقه بعض من يتكلم باسم الجبهة إلى اليوم وأغلبهم لا نعرف من هم وما الذي أو من يحركهم.

قد يلومني البعض عن إظهار هذه الحميمية بيني وبين عباسي مدني، والحقيقة ما كتبته هو جزء بسيط مما يمكن أن يُكتب لو كان لي الوقت الكافي، فعباسي مدني مجاهد من مجاهدي الساعات الأولى في الثورة التحريرية، ونحن عارضناه بشدة حين كان قويا يسيّر الحشود بأصبع واحد، أما اليوم فها هو بعد أن قضى باقي عمره خارج بلده يُتوفى خارج دياره. ولئن كانت له مسؤولية لا يمكن إنكارها في ما حدث في البلد، فالفرق بينه وبين المجرمين الذين نهبوا البلد وأفسدوه كالفرق – مثلما قال علي بن أبي طالب – بين من أراد الحق فأخطأه وبين من أراد الباطل فأصابه. إن الإدانة الكبرى والأولى في ما حدث في الجزائر في التسعينيات هي لأولئك الذين أرادوا التلاعب بالجزائر بحيلهم السياسية حين وقع الانهيار الاقتصادي وتفشى فسادهم واضطربت الأوضاع الاجتماعية فخرج الناس للشارع في 05 أكتوبر 1988، أولئك الذين حينما أحبط كيدهم الناخبون الذين صوت أغلبهم على الجبهة الإسلامية بتلقائية لِما اعتقدوه بأن ذلك هو الصواب، ألغوا الانتخابات وزجوا بأعداد هائلة من الجزائريين الأبرياء في السجون والمحتشدات، واختطفوا أبرياء كثر لم يعودوا أبدا لبيوتهم ( وأنا أعرف بعضهم من الرجال الصالحين ولا نزكي على الله أحدا، أشهد انهم لم يكن لهم علاقة بالإرهاب لا من قريب ولا من بعيد)، ثم بعد ذلك خَدع أؤلئك المجرمون تضحيات الجزائريين الذين ساهموا في العودة لبناء مؤسسات الدولة، وعلى رأسهم الشيخ محفوظ رحمه الله، بمسار التزوير الذي دمر البلد وصَنع عصابات عابرة للقارات، ونحن الآن في حيرة كبيرة كيف نُخلّص البلد من الخراب الذي صنعته تلك المجموعة الظالمة والنظام البوتفليقي الذي انتجته، رغم خروج الجزائريين بالملايين ضدهم في هذا الحراك الشعبي العظيم. إن هؤلاء الذين تلطخت أيديهم بالدماء، وتلطخ تاريخهم بالنهب وتدمير البلد هم من ينبغي محاسبتهم أولا وآخرا، وحين نصل إلى تأسيس مسار “الحقيقة والعدالة” الذي تأسس في كثير من تجارب الانتقال الديمقراطي، يمكن أن يتحدث الجميع عن مسؤولية أي أحد في ما حدث.

شاء الله أن يُتوفى الشيخ عباسي مدني والجزائر تمر بهذا التحول العظيم الذي يصنعه الحراك الشعبي، وكأن الله سبحانه ينبهنا بأننا نغادر مرحلة بكل ما فيها، ونستقبل مرحلة جديدة لم نعرف بعد كيف يكون حالها، والعاقل من اتعظ بالتجارب فأحسن الاستفادة منها فحفظ الأجيال الجديدة من أن يقع عليهم الاحتيال كما وقع على الجزائريين بعد أحداث 5 أكتوبر، وبعد انتخابات التسعينيات التي جرت بعدها، ومسار التزوير الذي تلاها ودمر كل شيء في هذا الوطن.

إننا اليوم، في هذه الأيام التي انتقل فيها أحد أيقونات 5 أكتوبر الشيخ عباسي مدني إلى رحمة الله، نمر بمفترق طرق آخر تاريخي، فهل سننجح في فرصة الانتقال الديموقراطي الجديدة أم أننا سنرتكب نفس الأخطاء، سواء أخطاء الذي صادموا العسكر طلبا لحقهم فطُحنوا وطُحن معهم البلد، أو الذين هادنوا العسكر حفاظا على بلدهم فخُدعوا وخُدع بلدهم، أم أننا سنجد الحكمة بين هاذين الخطأين.

د. عبد الرزاق مقري

من دلائل الوعي والرشد في الأحزاب والنخب السياسية المُصلحة أن تحدد جمهورها بدقة، فتعرف من الذي معها فتبني سياساتها معه وتوجه خطابها له وتراهن في كل شي عليه، ومن ليس جمهورها فلا تهتم به إلا من باب حفظ البيضة ودفع الشبهة. ومن إيجابيات تحديد الجمهور التركيز والاقتصاد في الوقت والجهد وعدم التردد وتشتت الذهن أثناء العمل.
في هذا المقال سنبدأ بتعريف من ليس جمهورنا، ثم نبين من هو كذلك:
– ليس جمهورنا صنف من الناس انتهازيون، طلاب المصالح الشخصية، أصحاب لغة الخشب، الذين يتحدثون عن مصلحة الوطن وهم عاهته، يُظهرون حرصهم عن استقرار البلد وكل أفعالهم خطر عليه، شِلل من الخلق يعرف بعضهم بعضا، يتعاضدون قبل تحقيق الغنم، فإن لاحت الغنيمة قاتل بعضهم بعضا كالضباع الضارية، كلما لاحت تطورات جديدة سألوا عن شخوصهم فحسب، ما الذي يجنونه ويكسبونه لذواتهم لا غير، يخادعون السذج من الناس، ولكن الوطنيين الصادقين المجربين يعرفونهم بتاريخهم، ومن لحن قولهم وتقاسيم وجوههم، يتكبرون على من دونهم ويعبدون من فوقهم، ينزعون إلى الخلاف والشقاق حسب مصالحهم وما تهواه أنفسهم.
– ليس جمهورنا المتأزمون، المتنطعون، الحاقدون، الانتقاميون، الحاسدون الناس على ما آتاهم الله. ليس جمهورنا المستعجلون، السبابون، الشتامون الذي لا يعجبهم أحد ولا يؤنسهم شيء، ليس جمهورنا الذين يأملون أن ينهار كل شيء حتى يكون الناس سواء في الخسران والعياذ بالله، ليس جمهورنا الذين يبالغون في الرفض والصد ما لم تكن فرصة، فإذا طابت لهم الظروف أوغلوا في الرتع واحتبس من خطيبهم الشدق فلا ينبس ببنة شفة.
– ليس جمهورنا العابدون خصومهم، الذين لا موقف لهم في الحياة سوى العناد ومخالفة من لا يحبون أو يحسدون، بلا هدف ولا رؤية ولا عزيمة على البر والتقوى. أولئك الذين سماهم علماء الإدارة أصحاب ” الموقف بالخصومة”، إن قال خصمهم هو أبيض قالوا إنه أسود وإن قال أسود قالوا هو أبيض، حتى لكأن خصيمهم يملي عليهم ما يريد إذ يأتي بهم حيث أراد بموقف منه يخالفوه كما يشاء.
– ليس جمهورنا الحياديون، الفردانيون في مقصد الخلاص، الأنانيون في فكر النجاة، الذين يتراجعون إلى رحالهم الأقرب فالأقرب كلما اشتدت الخطوب حتى، فلربما يضحي الواحد منهم بأهله وولده، حين يتهيأ له بأن المركب لا يسعه إلا هو. ليس جمهورنا السذج من الناس الذين تنطلي عليهم الوعود الكاذبة فيذوقون السم الزعاف مرات ومرات من ذات الكأس فلا يبصرون. ليس جمهورنا القاعدون في أرائكهم ينتظرون كيف تنتهي المعركة، الفضوليون على قارعة الطريق يتفرجون فلا يتأهبون، ولو وصلتهم شذايا المعارك من حولهم فيتألمون ولا يفعلون.
ليس جمهورنا العملاء الذين يخدمون مصالح الأجانب من حيث دروا أو من حيث لا يدرون، أولئك الذين ربطوا مصائرهم بدول ومجتمعات وثقافات أجنبية وكل ما في هذا الوطن يزعجهم ويقززهم، بعضهم عملاء أصالة وبعضهم ثقافة إذ هواهم كلهم في آخر التحصيل للأجنبي الذي بالأمس استعمرهم وأذلهم، ليس جمهورنا الذي يتحسس من الإسلام ويحب سائر الملل، قلبه وعقله تطحنها عقد وعقد وعقد، لا تنفك أبدا في كره هذا العرق أو ذاك في وطنه، في عصبية آثمة مقيتة تجذبه إلى أدنى الدركات الإنسانية وهو لا يدري، ولربما كره أصله بلا وعي، فلا يرى له مستقبلا دون تبعية المستعمر المستعلي المتجبر.
ليس خطابنا وخططنا ومسعانا لهؤلاء أبدا، لا نحسب لهم حين نتحرك، ولا يهمنا أمرهم، ولا يؤثر فينا فعلهم ولا رد فعلهم، لم يكونوا معنا يوما لنحزن عنهم، ولا نأمل فيهم لنتعب أنفسنا بشأنهم …. هم من يجب أن يتغير … وإن تغيروا تغيرنا تجاههم.
– أما جمهورنا فهم أولئك الملايين من الجزائريين العاديين الذين نلقاهم في حلنا وترحالنا في أحياء هذا الوطن الفسيح، في الشوارع، في المساجد، في المقاهي، في الأسواق، في المطارات، في المناسبات، أؤلئك الجزائريون العاديون، الطيبون، الواعون، الذين يسمعون الحديث ليَفهموا ويتحدثون ليُفهموا، أولئك الذين يدركون المخاطر التي تهدد الجزائر حقيقة الإدراك، فتتوجه أفئدتهم وعقولهم للحلول الحقيقية التي تخرج البلد من أزمته ولو لم يكن لهم نفع فيها مباشر.
– جمهورنا هم أؤلئك الذين يتعلقون بالأمل فلا ييأسون، يسندون الفعل الإيجابي ولا يملون، يحسنون الظن بالناس ما لم يظهر لهم زلل لهم عليه دليل وبرهان فينصحون بلا شتيمة أو يعيبون بلا شماتة. يحبون وحدة الصف، وتآلف القلوب. قلوبهم سليمة يفرحون بكل إنجاز ولو لم يكن لهم فيه سهم أو إسهام. تعرفهم بسيماهم، بطيبتهم، بنبرة حديثهم، بسمعتهم، ببراءة ذمتهم.
– جمهورنا هم أولئك المكافحون ضد الظلم والفساد، المساندون للصلح والإصلاح، يعرفون هذا وذاك فيميزون بين غث وسمين، قد يوزعون البسمة للجميع ولكن حين يجد الجد لا تراهم إلا في صف المصلحين المكافحين الصابرين، قد يكسلون عن القيام بالواجب ولكن حين تشتد الخطوب ترفع عزائمهم عراصات الحق، وينصر صدقهم الصدق. جمهورنا هم أبناء العوائل الجزائرية الأصيلة التي لا تُلجِئها الحاجة للخنوع، ولا يدفعها الطمع للوقوع في شراك الفساد واتباع الجموع، المتهافتة عن ” الشيتة” لمصالح زائلة.
– جمهورنا هم أولئك الذين يخالفوننا بلا حقد، ويشتركون معنا في حمل أعباء الوطن حيث يكون الكد والجد، إذا قصرنا في شرح موقفنا صبروا علينا، وإذا أخطأنا صوبونا، وإذا أصبنا كانوا معنا بلا هوادة بكل شجاعة، بكرم بلا تقتير، بنبل فلا منّ ولا خيانة ولا إذاء ولا تقريع. جمهورنا هم أولئك النخب الموجودة في كل مؤسسات الدولة وشرائح المجتمع حيث مضان الخير لا تنقطع وبذور البر لا تندثر، حيث الروح الطيبة تسري فتحفظ هذا البلد وتبقي فيه الأمل.
– جمهورنا هم أولئك البسطاء من الناس الذين يأملون الخير لكل الناس، الذين يحبون الجزائر بمن فيها ومن عليها فلا يرجون شرا لأحد ولو كان على غير ما يحبون. أولئك الذين يفدون وطنهم بنواياهم الطيبة، بصبرهم الطويل، بإيجابيتهم التي لا تنالها مخططات التيئيس، بعملهم الصالح المتواصل ولو كان قليلا، يراه الله منهم وقد لا يراه المتعالون أو المثاليون أو المستعجلون.
كل خطابنا، وكل مسعانا، وكل خططنا، إلى هذا الجمهور من الناس في هذا الوطن، معهم وإليهم وبعد الله بهم. نحرص على وصالهم ولا يفتر اتصالنا بهم، هم أملنا ومصيرنا وعليهم بعد الله اتكالنا. كانوا معنا دوما، وكنا وإياهم دوما “معا نحو الهدف” على قول الرئيس المؤسس رحمه الله، لا نلتفت إلا إليهم لنسدد السير ونصوب الوجهة، فإذا نجحنا معهم سنسعد جميعا … حتى أولئك الذين لم يكونوا من جمهورنا سيسعدون معنا.

د. عبد الرزاق مقري

جاء العسكريون الفرنسيون المسيطرون على الوضع في الجزائر المستعمرة بالجنرال ديغول لرئاسة دولتهم في ظل أزمة ماي 1958 لتثبيت فكرة “الجزائر الفرنسية” التي زعزعتها ضربات المجاهدين الجزائريين. استعمل ديغول ما لا يخطر على البال من القوة العسكرية الفتاكة بدعم مباشر من الحلف الأطلسي حتى كاد يوقف مسيرة الثورة النوفمبرية في الجبال. وحينما اشتد هول الحرب غير المتكافئة وألحق أضرارا جسيما في صفوق الثوار الميامين، تحركت الإرادة الشعبية الجماعية في 11 ديسمبر 1960 وخرج الشعب عن بكرة أبيه يعلن عبر اللافتات التي لا تزال صورها يحفظها أرشيف التاريخ ” الجزائر مسلمة”. عندها أدرك ديغول بأن القضية الجزائرية ليست قضية مجاهدين في الجبال تعدادهم بالآلاف، ولكنها قضية شعب بكامله تعداده بالملايين، وأن فرنسا مهما كانت قوتها، ومهما كانت قدرتها على إطفاء هذه الثورة أو تلك سيهزمها الشعب الجزائري الرافض لبقائها. وأن إصرار دعاة ” الجزائر الفرنسية” سيجعل فرنسا تدفع أثمانا باهضة تدمرها في فرنسا ذاتها وعلى المستوى الدولي. إن إصرار المجاهدين وتضحياتهم هي التي أوقدت جذوة الوعي لدى عموم الشعب الجزائري، ولكن الإرادة الجماعية الشاملة للجزائريين هي التي جعلت ديغول يفهم بأن الثورة المسلحة والمقاومة الشعبية لن تتوقفا حتى نيل الجزائريين استقلالهم، فقبل عندئذ الدخول في المفاوضات لتنظيم نهاية العهد الفرنسي في الجزائر.
وكذلك هو الحال في كل معركة نبيلة لتحقيق كرامة الإنسان ونيل استقلاله أو حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضد الظلم والفساد والسيطرة والهيمنة. تبذل النخب ما تستطيع لتغيير الأوضاع وتصبر على ذلك مهما طال الزمن، عبر كر وفر لا يتوقفان، ولكن لن يحسم المعركة إلا الإرادة الجماعية السلمية للشعب … حينما تبين تلك الإرادة بشكل بين وواضح وحاسم، ويعبر عنها بالطرق الذكية العبقرية التي تقطع الطريق عن كل متربص يستغلها على غير مرادها، عندئذ سيفهم المسيطرون الظالمون بأنه عليهم أن يتغيروا أو يُغيروا … وسيحصل ذلك، وقتئذ، لا محال.

 

د. عبد الرزاق مقري.

اطلعت على حملة الكترونية جميلة مفيدة قام بها أفراد جيل الترجيح للتأهيل القيادي من مختلف الدفعات، أعجبني فيها أمرين اثنين: الوفاء والإنجاز.

أما الوفاء فهو من أؤلئك الشباب الذي لم يتنكروا لمؤسستهم التي صنعوها بأيديهم وما استفادوه منها في حياتهم الشخصية وفي عملهم لصالح حركتهم ووطنهم وأمتهم فأقروا لها بالفضل وفقا لقوله تعالى في سورة البقرة: وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) “.

إن من أعظم صفات المروءة والرجولة ومكارم الأخلاق الوفاء إذ الكريم هو من يملكه الكرم السابق واللئيم من يتنكر لمن أحسن إليه على قول المتنبي: ((إذا أنت أكرمت الكريم ملكته..وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا))، وعلى قول الإمام الشافعي: ((الحر من راعى وِدَاد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة)). وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يكون الوفاء في كل شيء، حتى للجماد حينما قرر أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه مرة في الأسبوع كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: ((كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكباً وماشيا )) لأنه كان أول مسجد بعد النبوة شارك بنفسه في بنائه.
لا شك أن الوفاء لأكاديمية جيل الترجيج هو من الوفاء للحركة التي أسست تلك المؤسسة، وكما أنه: ” لا يشكر الله من لا يشكر الناس” كما ورد في الحديث الصحيح، فإنه لا يشكر الله من لم يشكر حركة مجتمع السلم ممن استفاد منها بأي شكل من الأشكال، ولا يشكر الحركة من لم يشكر مؤسساتها، وليست أكاديمية جيل الترجيح هي وحدها الجديرة بذكر جميلها لدى من هم أو كانوا فيها، وقد تحدث بعضهم عن انتفاعه من مؤسسات أخرى مرّ عليها، والوفاء قيمة لا تتجزأ، وإنما الشكر على قدر البر، ولعل ما سهّل الإفصاح عن هذا الشكر الذي أبداه الشباب أن أكاديمية جيل الترجيح لا يتحرج مؤسسوها وأفرادها من الانتساب علانية لأصلها رغم أنها لكل الجزائريين. وما حركة مجتمع السلم إلا أم ولود تؤسس المؤسسات وتهبها للمجتمع، تعددت وتنوعت ذراريها حتى صار لها من الأولاد والأحفاد الكثير، بعضهم يعتز بالانتماء علانية، وبعضهم سرا، وبعضهم يتنكر ظاهرا، وبعضهم تنكر فعلا، بل بعضهم تحوّل، وهم في كل الأحوال جميعا أبناؤها.

إن جمال هذا الوفاء أنه فاجأني في الوسائط الاجتماعية فلم يكن لي به علم سابق، وقد حقق لي ما كنت تمنيته وصرحت به للشباب الطليعي في بادئ أمر الأكاديمية أن يأتي يوم أسمع بما تنجزونه من خيرٍ كالناس ولا علاقة لي البتة بترتيبه. إن احتفائي بهذا الوفاء هو احتفاء بقيمة عليا نادرة بين الناس، تعهد إبليس أن يحاربها في عباد الله وينزعها من نفوسهم من اللحظة الأولى التي طرده الله فيها من رحمته ولعلنه، فقال الله تعالى على لسانه في سورة الأعراف: (( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)  ))، وقد أذن الله أن يكون له ذلك فكان الجحود وقلة الوفاء صفة لازمة لأغلب الناس وفق قوله عز وجل في سورة سبأ (( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ -13)) . لهذا جدير بنا أن نشكر الأوفياء الشاكرين ولو كانوا قليلا حتى يبارك الله فيهم فيكونوا أكثر تأثيرا وتوفيقا.

 وأما الأمر الثاني الذي أعجبني في حملة “غيرني جيل الترجيح” فهو الإنجاز، ذلك الكم من التقارير النوعية التي تحدث عنها الشباب للإفصاح عما مكنتهم مؤسسة جيل الترجيح من إنجازه، في حياتهم الشخصية وفي نضالهم في مختلف فضاءات الشأن العام.

لقد كنت أقول دائما للمسؤولين في الأكاديمية إن ما ينقصكم هو عدم اهتمامكم بإظهار إنجازاتكم وإبداعاتكم في مختلف المجالات، وأنكم إن أظهرتم بعض ما تنجزونه وفق قوله تعالى (( إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) )) فإنكم ستدفعون غيركم إلى تقليدكم، إما تأثرا بكم إذ صرتم لهم قدوة ومدرسة، أو ينافسونكم غيرة أو خوفا من تنامي حضورهم وتأثيرهم، فتكونون في الحالتين سببا في نشر الخير في البلاد. وإنني لأطمئنكم بأن حملة (( غيرني جيل الترجيح)) ستفعل فعلتها على النحوين المذكورين.

لقد أُسست أكاديمية جيل الترجيح وفق تحليل علمي لوضعية الحركات الإصلاحية في العالم العربي أظهر أن سبب قلة الفاعلية هو عدم أهلية القادة ونقص المؤسسات التي يعول عليها في صناعة النهضة واستئناف الحضارة. فكانت الرؤية هو تأهيل عدد كبير من الشباب وبناء وتطوير عدد معتبر من المؤسسات الفاعلة. ثم انطلقت الأكاديمية في مسارها ضمن عدد من النظريات التأهيلية الخاصة بها أهمها نظرية 4/6 التي حددت أسس بناء الشخصية المؤهلة للتأثير في الشان العام وهي الفكر والمعارف/ السلوك والأخلاق/ الكفاءة والمهارة/ الفاعلية والإنجاز، عبر مراحل معلومة تركز المرحلة الأولى على الأسس الثلاثة الأولى وتدرب على الأساس الرابع، وتركز المرحلة الثانية على الأساس الرابع بمرافقة الأسس الثلاثة الأولى. وضمن هذه المنهجية يأخذ المنتسب لأكاديمية جيل الترجيح تكوينا مكثفا في المرحلة الأولى عبر فضاءات ستة ( الدورات التربوية، الدورات التدريبية، الفضاءات الالكترونية، المخيمات والملتقيات، الرحلات والزيارات، المشاريع الميدانية)، فإذا خرج العضو من الأكاديمية عند نهاية هذه المرحلة الأولى يكون قد أخذ قسطا وافرا من التأهيل يؤثر في حياته بشكل مكمل للأسرة التربوية التي ستظل هي الوحدة الأساسية في هيكلية الحركة بالنسبة للذين يقبلون الانتساب إليها عضويا وهيكليا، فإن أراد المنتسب الانتقال إلى المرحلة الثانية في مسار الأكاديمية ونجح في ذلك فإن شرط استمراره فيها أن يكون له عمل في الحركة أو في مؤسسة من مؤسساتها أو في مؤسسة أخرى من مؤسسات المجتمع المدني خارج الحركة، سواء التي يؤسسها أو ينتسب إليها، وكل ذلك وفق إرادته واختياره وما تتاح له من فرص. لا تتحمل الأكاديمية مسؤولية توجيهه حيث يريد أن يزاول عمله التطوعي، ولكن تشترط عليه أن يكون متميزا في حياته الشخصية، وفي المؤسسة التي يختارها وأن يسمو فيها عن الأنداد وبين أقرانه بعلمه وفكره، وسلوكه وأخلاقه، وكفاءته ومهارته، وما ينجزه فعلا في الميدان، وتوفر له الأكاديمية في ذلك المرافقة في المحاور الأربعة من خلال برامج مخففة يعتمد فيها على استعداده ومجهوداته الشخصية. وبالرغم من وضوح هذه الرؤية ومنهجها والإنجازات التي تحققت فإن ثمة قصورا في جوانب عدة يجب استدراكها، ولو استدركت وتوفرت الإرادة والكفاءة والإمكانيات اللازمة لرسّخت الاكاديمية رسالتها: ” المساهمة في إعداد جيل قياديي ذي كفاءة واقتدار يقود المجتمع الجزائري للنهضة الحضارية الشاملة ويساهم في نهضة الأمة”.” ولحققت رؤيتها: في تأهيل آلاف من الشباب الربانيين والواعين المثقفين والماهرين والفاعلين الذين يؤسسون ويقودون عشرات المؤسسات”

إن الذين تحدثوا في كيف غيرتهم أكاديمية جيل الترجيح شباب أكثرهم لا أعرفهم من الدفعات الجديدة، وهو أمر تقر به بالعين ” إذ نسمع بالقطر ينزل في أرض لا نعرف كيف تسير فيها السائمة فنفرح”، وعديد منهم أعرفهم ممن انتقلوا للمرحلة الثانية، يذكرونني بأيام عزيزة على قلبي يوم كنت أشرف على المشروع، ممن قرت أعيننا بتوفيقهم في حسن إدارة شؤونهم الخاصة، وفاعليتهم في نشاطهم الطوعي، إما في تأطير الأكاديمية ذاتها إذ لم تصبح هذه المؤسسة في حاجة لمؤطرين من خارجها كما فترة التأسيس، أو في هياكل الحركة إذ كثير منهم صار مسؤولا في هياكلنا المحلية، أو مساهما في المؤسسات الوظيفية القديمة، أو مؤسسا أو قائدا في المؤسسات الوظيفية الجديدة، أو مؤسسا لجمعيات ومنظمات طوعية خاصة بهم. فلا تكاد تجد وظيفة أو تخصصا إلا وهم رواد فيه، من التنظيم، إلى السياسة، إلى المجالس المنتخبة المحلية، إلى العمل الخيري أو العمل الفلسطيني، أو التربية والدعوة والقرآن الكريم، أو الكفاح المدني النسوي، أوالنشاط الشبابي، أو الاهتمامات النقابية والحقوقية والعمالية، أو غير ذلك مما هو معلوم وغير معلوم.
لو أبدع شباب الأكاديمية في التسويق لإنجازاتهم في مختلف المجالات كما فعلوا في حملة ((غيرني جيل الترجيح)) لصنعوا تيارا للإيجابية كبيرا تنتفع به الجزائر إذ سيسير فيه بأشكال متنوعة جمع غير قليل من الشباب المتطلع إلى تجارب ناجحة تنزع من قلبه النزوع إلى السلبية والعجز والكسل والانطواء وعدم الإيمان بالذات وبالأمة والوطن، ولكان ذلك كافيا كذلك لمعالجة ظاهرة الحسد والمقاومة والمناوءة التي هي ظواهر طبيعية في البشر لا يغلبها إلا الإنجاز والارتفاع عن الندية بالعمل الذي يسمو أثره عاليا حتى يستحق الإشادة من الله ومن البشر كما قال تعالى في سورة التوبة: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105))).

 

د. عبد الرزاق مقري

كثير من البلدان التي كانت في العالم الثالث مثلنا لم يتطلب منها الأمر أكثر من عقدين من الزمن لتخرج من هذا العالم وتنتقل إلى عالم التطور والتحضر والازدهار، ونحن بعد مرور 56 سنة، أي أكثر من نصف قرن، لا زال ثمة من يبرر ممارسات التخلف بوجودنا في العالم الثالث. ما قرأته للعضو القيادي في حزب جبهة التحرير ورئيس المجلس الشعبي الوطني سابقا السيد عبد العزيز زياري محبط حقا! إنه يؤيد في حديثة لجريدة الخبر هذا اليوم تجاوز القانون والدستور في تنحية بوحجة ( رغم تأييده له سابقا) وتنصيب بوشارب، و يعتبر أن الشرعية تُكسب عن طريق الممارسة وليس باحترام القانون والدستور، ويبرر ذلك أننا لا زلنا في طور بناء دولة الحق والقانون .. بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال!
ألم يقرأ الدكتور زياري كيف كانت اسبانيا والبرتغال والفتنام وبولونيا وجنوب افريقيا وتركيا وماليزيا وإيران وإندونيسيا وكيف أصبحت في وقت أقل بكثير من الذي لا زلنا نبني فيه دولة الحق والقانون. والأدهى والأمر في حديثه هو استصغار المجتمع واعتباره قاصرا حين اختار الإسلاميين سنة 1991 واصفا إياه بعبارة قاسية :” .. بمعنى أن المجتمع أظهر رغبة في العودة إلى الوراء بدل الاندفاع إلى الأمام..”. والله العظيم إنه لأمر عجب أن لا يتهم زياري “السيستام”، الذي هو منه كما يقول، فلا يُقر بأن هذا السيستام فشل في إخراج البلد من العالم الثالث بالرغم من أنه هو المسيطر منذ 56 سنة على وسائل القوة والإكراه وعلى السياسة وعلى الاقتصاد وعلى التعليم وعلى الإعلام وعلى الثقافة، وحتى على المسجد والشارع وأغلب الأحزاب والجمعيات، بل حتى على عقول الكثير من الجزائريين. .. و بدل ذلك يتهم الشعب أنه يريد الرجوع إلى الوراء حين يختار غير “السيستام” رغم فساده وفشله.
دعنا السيد زياري نكون صرحاء، ماذا فعل السيستام لإخراج البلد من العالم الثالث حين أقصى الإسلاميين، أو على الأقل ماذا فعل لإخراج البلد من التبعية للمحروقات، أو على الأقل تحسين مستوى التعليم والخدمات الصحية، أو على الأقل ضمان التوازنات الاقتصادية الكلية، أو على الأقل تقليص هوامش الفساد ووقف ” التبهديل” في هذا الشأن أمام العالم. ماذا فعل في هذا وغيره حين أقصى الإسلاميين علانية وبالقوة والتزوير في الانتخابات التشريعية سنة 1991 والرئاسية سنة 1995 والتشريعية والمحلية سنة 1997 ولا يزال يقصي الإسلاميين وغير الإسلاميين بطرق يتفنن في ابتكارها إلى اليوم. ثم من أعطاك الحق، ومن أعطى الحق ل” السيستام” ليقيّم مستوى الشعب وليختار له حكامه. أليس من حق الشعب أن يجرب غيركم ولو مرة؟ وما أدراك؟ لعل هذه الأحزاب التي تسميها إسلامية أو غيرها تنجح في تطوير البلد أفضل من هذا “السيستام” المسيطر الذي لم ينجح أبدا. ألم تنجح قوى سياسية جديدة في العالم، إسلامية وغير إسلامية، في تطوير بلدانها؟ ألم يأت الوقت ليدرك رجال “السيستام” بأنه ربما يوجد في خارجه ، من إسلاميين وغير إسلاميين، كفاءات وطنية علمية وسياسية محترمة لها شهادات وخبرات أعلى وتعرف العالم وتجاربه ولغاته وثقافاته أفضل من أولئك المطبلين الذين يَطلُبون السلطة بالغش والتزوير والبلطجية والمال الفاسد والتزلف والشيتة والانتهازية؟

ثم كيف تُفَكّكُ الشفرة التي يتحدث عنها رئيس المجلس السابق حينما يتأسف على عدم تسويق الحالة الصحية لبوحجة كوسيلة لَبِقة لتنحيته تَحفظ “السيستام” من الوقوع في الفضيحة التي وقع فيها، وفي ذات الوقت يؤكد تأييده لعهدة خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. أليس سي زياري طبيب يعلم بأن الحالة الصحية للرئيس أصعب بكثير من حالة بوحجة، وأن المانع الطبي الحقيقي للحكم هو لدى رئيس الدولة الذي يملك صلاحيات لا حد لها، وعليه مسؤوليات جعلها كلها بيده ينأى بحملها رجال كثر، وليس لدى رئيس المجلس الشعبي الوطني الذي يقول زياري ذاته أن صلاحيته محدودة .. سوى المكانة البروتوكولية! ألم تؤثر فيك السيد زياري تلك الصورة الكئيبة المؤلمة لرئيس الجمهورية وهم يُخرجونه من مهجعه يوم أول نوفمبر وهو في تلك الحالة، أليس فينا شيء من الرأفة والرحمة والإنسانية، أليس فينا شيء من العقل والحكمة، ألا نخشى على معنويات المواطنين وثقتهم في بلدهم وفي أنفسهم حين تُفرض عليهم هذه الصور.
ثم بعد ذلك، دعني أقول لك بأن سرورك باعتلاء شاب سدة رئاسة المجلس الشعبي الوطني ليس في محله مطلقا ضمن الظروف التي وقع فيها الأمر. أليس من الأفضل أن يفرض بوشارب الشاب نفسه باحترام القانون والدستور وبالديموقراطية حتى يثق في نفسه أفضل ويصبح قدوة فعلية للشباب إذا اعتبرناه شابا؟ هل من حق السيستام أن يفرض شبابه كذلك علينا؟ هل من حقه أن يسيطر على المستقبل كما سيطر على الماضي؟ لماذا تريدون بث هذه الأمراض بين الشباب كذلك؟ أليس الأفضل أن تتركوا الساحة نظيفة للشباب ليتنافس بكل شفافية وباحترام القانون؟

وفي الأخير أقول للسيد زياري، ومن باب النقاش الفكري، ليس صحيحا ما ختمت به حوارك، ليس صحيحا أن في الديموقراطيات العريقة هناك نظام سياسي يختار للمواطنين رؤساءهم. يمكن أن نتفق بأن الديمقراطية في العالم تعيش أزمة كبيرة تتمثل في هيمنة النظام المالي العالمي على السياسة، غير أنه لا يزال للمواطنين كلمتهم، لا يزال الحكام يخافون من المواطنين، ولا يزال التداول على السلطة قائما ولو بين الأقوياء في بعض البلدان، ولا تزال السلطة موزعة بين المؤسسات والقوى المتدافعة، ولا يزال في العالم قوى حية من كل الملل والنحل تكافح ضد هيمنة النظام المالي العالمي الظالم . صحيح أن أرباب هذا النظام يحاولون خداع المواطنين دوما، وينجحون في خداعهم أحيانا، ولكن لا يزالون يخافون من أصوات الناس وردّات فعلهم في الانتخابات، ولا تزال قوى مجتمعية حرة تكافح من أجل كرامة الإنسان ، ولا تزال عندهم هوامش واسعة جدا للحرية في الإعلام وفي مؤسسات العدالة وفي التنافس الحر في مختلف المجالات. بل إن الصين ذاتها التي يحكمها الحزب الواحد لم تتطور حتى نظمت التدافع داخل الحزب ففُسح فيه المجال فعليا للمحاسبة والرقابة على الشأن العام والتداول بين القوى والأشخاص.

أما عندنا فإننا لم نعرف الديموقراطية يوما حتى نعرف أزمتها، “السيستام” عندنا متحكم في كل شيء، السلطة فيه بين أيدي عدد قليل جدا من الناس، وتارة في يد رجل واحد، يتقاسمون السلطة والثروة كيف ما شاؤوا، يمنحون من السلطة ما شاؤوا لمن شاؤوا ويمنحون الثروة لمن يشاؤوا ولا يستطيع أحد أن يحاسبهم. هذا هو الحال الذي جعل بلدنا يبقى في العالم الثالث، هذا ما جعله لم يتطور وأبقاه يسير دوما إلى الخلف. أما الإسلاميون فإنهم لم يحكموا يوما لتحكم سي زياري بأن حكمهم يسير بنا إلى الخلف أو إلى الوراء. فلندع الشعب يقول كلمته، لعلنا نفلح في الخروج من العالم الثالث، ولعلنا بعد ذلك نساهم في تصحيح الاختلالات في العالم بالتحالف مع القوى الرافضة للهيمنة المالية العالمية. أما الاستمرار في التبرير ل” السيستام” والمحافظة على بقائه فإن مآلنا جميعا ليس ما يحدث في الديموقراطيات العريقة كما يقول سي زياري ولكن ما حدث لبعض دول العالم الثالث التي قاوم حكامها الإصلاح والتغيير إلى أن وقع الانهيار ونزل السقف على الجميع، وعندئذ لا نصبح في العالم الثالث فقط، بل نغرق في أوحال عالم بدائي فضيع يسير أمره أسياد العالم لا قدر الله.

 

د. عبد الرزاق مقري

تمثل وثيقة بيان أول نوفمبر حالة إجماع بين الجزائريين لم تسبقها حالة مثلها، قبلها أو بعدها. يعتبر نص هذا البيان هو الوثيقة الوحيدة التي اتفق عليها الجزائريون بكل توجهاتهم وخصوصياتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية ومن مختلف جهات الوطن. انتمى الجزائريون قبل الاستعمار إلى دول عدة تغيرت حدودها مرات عديدة، وحينما أصبحت الجزائر ضمن الدولة العثمانية سلم الجزائريون لها أمرهم وولاءهم السياسي ولكن ولاءهم الأكبر كان لقبائلهم وعشائرهم وتقاليدهم، وحين واجهوا الاحتلال الفرنسي واجهوه متفرقين حيث اندلعت مقاومات شعبية في أنحاء متعددة من الوطن لا يوجد بينها أي اتصال. ولئكن كان البعد الديني هو البعد الأساسي الذي غذى تلك الثورات الشعبية فإنها لم تكن لها رؤية سياسية وطنية شاملة خصوصا بعد نهاية مقاومة الأمير عبد القادر الذي أعلن قيام دولة جزائرية حديثة لم تمتد إلى كل أنحاء الجزائر، وكذا بعد نهاية مقاومة أحمد باي الذي كان يقاتل في جزء من الوطن من أجل إعادة الدولة الجزائرية التي أسقطها الاستعمار . وبعد نهاية فترة المقاومة الشعبية التي دامت سبعين سنة استأنف الجزائريون المقاومة في الإطار السياسي ضمن منظمات الحركة الوطنية المتعددة والمتنوعة في مقارباتها، إذ منها ما كان يدعو إلى الاستقلال مباشرة والانفصال السياسي عن فرنسا، ومنها ما كان يركز على الإصلاح الديني والثقافي وبناء الإنسان، ومنها ما كان يدعو إلى الإصلاح السياسي والمساواة مع الفرنسيين. وبسبب التعنت الاستعماري ورفضه منح الجزائريين استقلالهم بل وإبادتهم بسبب هذا المطلب في الثامن ماي من سنة 1945، ومحاربته المستمرة للهوية والانتماء الجزائري ورفضه لأي شكل من أشكال المساواة واعتباره الجزائريين أهالي من الدرجة الثانية وجد النضال السياسي نفسه في مأزق فأدى ذلك إلى انسداد الأفق ووقوع تشرذم كبير في منظمات النضال الوطني.

أمام هذا الوضع حمل شباب المنظمة الخاصة على عاتقهم الانتقال إلى الكفاح المسلح وكان من عبرقيتهم أن لا يكون هذا الانتقال اعتباطيا يستجيب لردود الأفعال والرغبة في الانتقام فحسب بل بنوا تصرفهم على أساس رؤية وطنية شاملة يجتمع عليها كل الجزائريين فحددوا فيها الغاية من الكفاح المسلح والأهداف التي تقوم عليها الدولة الجزائرية التي يريدون إعادة بنائها. لقد وُفقوا أيما توفيق في كتابة تلك الوثيقة التي رسمت ما يجتمعون عليه وما لا يمكن أن يتفرقوا بخصوصه وتحقق حولها الاتفاق فعلا ثم تحول الاتفاق إلى إجماع حين قبلت منظمات الحركة الوطنية الالتحاق بالثورة على أساس تلك الوثيقة وحين تلقى الجزائريون ذلك البيان بالقبول في كل أنحاء الوطن فلم يطعن فيه أحد ولم يعترض عليه الأحد.

وبعد أن اندلعت الثورة رجع الاختلاف بين الجزائريين فلم يتفقوا في مؤتمر الصومام وحول وثائق مؤتمر الصومام وبقوا متفقين حول بيان أول نوفمبر، ثم اختلفوا حول مؤتمر طرابلس ومخرجات مؤتمر طرابلس وبقوا متفقين حول بيان أول نوفمبر. بل إنهم اختلفوا حتى حول اتفاقيات إيفيان وبقوا مع ذلك متفقين حول بيان أول نوفمبر. وبعد الاستقلال تعمق الاختلاف بينهم بل وأوشكوا أن ينخرطوا في حرب أهلية، وحتى في إطار النظام السياسي المتغلب الذي جاء على اثر انقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة ثم على إثر انقلاب 65 بقي الجزائريون مختلفين إلى يومنا هذا وبقي اتفاقهم في نفس الوقت قائما حول بيان أول نوفمبر.

إن بيان أول نوفمبر هو الوثيقة الوحيدة التي تمثل الاجماع بين الجزائريين، وعليه صيانة هذا البيان وإعلاء شأنه، واعتباره المرجع الأساسي للدساتير والتشريعات والمبادئ والمثل التي تقوم عليها الدولة والمجتمع، والعمل الدائم على تجسيد بنوده هو ما يضمن وحدة الجزائريين إلى الأبد، ويصحح الانحارافات حين تقع، وكل تهديد لهذا البيان في كليته أو لأحد من بنوده وفقراته هو تهديد لوحدة الجزائر واجتماع أهلها.

 

د. عبد الرزاق مقري

إن السيرة النبوية قبس من كتاب الله العزيز الذي لا تنقضي عجائبه، فهي كالقرآن الكريم يتجدد فهم مواضيعها وتتنوع حكمها ودروسها لمن يقتفون أثرها ويستنون بهديها كلما تعمّق وطال سعيهم في  الميدان وعلى أرض الواقع لتحقيق رسالتها. وإن من أعظم فقرات السيرة النبوية هجرته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم من مكة إلى المدينة كحدث عظيم غيّر وجه الأرض إذ بها بدأ التأريخ لأمة الإسلام ومنها انطلق المسلمون لبناء دولتهم التي صنعت نهضة المسلمين وحضارتهم. إن الدروس التي يمكن أن نستفيدها من الهجرة النبوية كثيرة ومتنوعة وحين التأمل في شأنها من زاوية سنن التغيير وتحديات الإصلاح يتضح بأن عملية التغيير تتطلب تحولين كبيرين، الأول  ذاتي  نحن مأمورون به، والثاني خارجي لا نتحكم فيه ولكنه يكون حاسما في عملية الإصلاح إذا استشرفناه وصادف أوانه تهيئتنا الذاتية له وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: ((قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137)هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140))).

أما التحول الأول فهو القيام بما أمرنا به من عمل وإعداد وتضحية على هدى وبصيرة، وعمل إصلاحي عميق من داخل الذات الفردية والجماعية وفق قوله سبحانه في سورة الرعد: ((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) )) .

وأما الثاني فهو ما يتعلق بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية والنفسية والفكرية التي تحدث في زمن  ما  فتجعل المرحلة مرحلة تغيير، حتى إذا ما صادف ذلك وجود فئة من الناس قد تهيأت لهذه التحولات وجعلت نفسها في المكان المناسب تكون مؤهلة لقيادة التغيير وتحقيق الإصلاح.

هكذا كان الحال دوما في تاريخ حركات الإصلاح الناجحة، وهكذا كان الحال في قصة الهجرة التي كانت ميعاد انتقال رسالة المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى مستوى الدولة التي وضعت أسس النهضة فالحضارة الإسلامية. لم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامة الدولة في مكة لأن موازين القوة لم تكن في صالحه رغم جدية الإعداد والتضحيات الجسيمة التي قدمها عليه الصلاة والسلام ومعه الطليعة الأولى من الصحابة رضوان الله عليهم. لقد كانت قوة الصد السياسية والاقتصادية التي واجهته ووحدة صف الصادّين الذين حاربوه ومن حالفهم وانقاد لهم في جزيرة العرب أكبر مما يتناسب مع إمكان التغيير الحاسم. غير أن رسول الله عزم على نقل المشروع إلى مكان آخر تتحمل أوضاعه بناء الدولة التي كان ينشدها إذ أدى الذي عليه من الإعداد البشري والمادي والاستشراف وتهيئة الأرضية بإرسال السفراء والدعاة إلى يثرب وكسب الأنصار وإقامة التحالفات، ومع كل ذلك ما كان له أن ينجح لو لا حدوث تحولات كبرى قبل هجرته غيرت التوازنات كلها في البلاد المقصودة. لقد تعددت أزمات يثرب قبل أن تنعم بالإسلام، وكانت الأزمة الكبرى والأخيرة التي فتحت المجال لترحيبها برسول الله صلى الله عليه سلم هو إفناء كبّار المدينة لبعضهم بعضا من أوس وخزرج ويهود. لقد كان يوم بعاث الذي تواجه فيه الخزرج مع حلفائهم أشجع وجهينة، والأوس مع حلفائهم بني ثعلبة وبني زاعوراء ومزينة وقبائل اليهود من بني قريظة وبني النضير يوم فناء زعماء يثرب إذ قُتل قادة الخزرج وعلى رأسهم “عمر بن النعمان”، وقُتل زعماء الأوس وعلى رأسهم “حضير الكتائب” فلم يبق من شيوخهم وعتاتهم سوى عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج الذي لم يكن موافقا على الحرب ولم يشارك فيها فحافظ على علاقته مع الجميع. ولما جنح الأوس والخزرج إلى السلم اتفقوا على أن يعيدوا بناء كيانهم التقليدي عازمين على جعل عبد الله بن أبي بن سلول ملكا عليهم جميعا. غير أن تلك الأحداث العظيمة وفناء حراس النظام القديم جعل القيادة الفعلية في أيادي الشباب فتحرر هؤلاء الشباب ووجدوا في رسالة الإسلام وجهة جديدة تخرجهم من أزماتهم وفتنهم وحروبهم ومن كيد اليهود وهيمنتهم على المال والأسواق فجاء بهم مصعب بن عمير إلى رسول الله فبايعوه وجاؤوا به إلى يثرب وقد تهيأت له، فدخلها بسلاسة وبنى فيها دولته. لم تكن حرب بعاث سوى تتويج لانحدار سحيق كانت تتجه إليه يثرب، إذ كان العرب في قتال مستمر بينهم وكان اليهود يُسعّرون تلك الحرب بلا هوادة عبر عقود من الزمن إلى درجة أنهم عارضوا قرار الأوس بعدم ملاحقة الخزرج حين انهزموا في بعاث إذ قال أحد الأوسيين: “يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب”. ولعل هذا التصرف البغيض المتمثل في استمرار بني النضير وبني قريظة في ملاحقة مقاتلي الخزرج وهم ينهزمون انتقاما منهم على ما وقع بينهم في النزاع على الأرض قبل بعاث تسبب في قطيعة نهائية أبدية بينهم وبين الأوس والخزرج على السواء، وذلك كذلك من تهيئة دخول يثرب عهدها الجديد. كما أن الهيمنة اليهودية على الأسواق وإثقالها سكان يثرب بالديون الربوية وسيطرتهم على الأراضي الخصبة والعلاقة المتميزة والمتينة بينهم وبين عبد الله بن أبي بن سلول المراد تتويجه لإعادة بناء النظام القديم الظالم الخاضع للهيمنة الاقتصادية اليهودية جعل الشباب الذين أضحوا طرفا أساسيا في موازين القوة يسارعون إلى اعتناق الفكرة الجديدة التي تدعو إلى التوحيد والأخلاق الفاضلة وبناء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي جديد يقوم على العدل والحرية والمساواة بين الناس، عربِهم وعجمِهم، فقيرِهم وغنيهم، أسيادِهم وموالِيهم.

لقد كان يوم الهجرة التقاء بين الإعداد الجاد والطويل الذي انتهجه أصحاب الرسالة الجديدة وتغيرات خارجية جوهرية لم يكونوا طرفا فيها جرّت النظام القديم في يثرب إلى الضعف والترهل بما لم يجعله قادرا على مواجهة القوة الصالحة الصاعدة. وهذا الذي وقع في يثرب وأدى إلى إقامة دولة الإسلام الأولى هو ما وقع في كل التحولات الكبرى أثناء انتقال الإسلام من المجتمع إلى الدولة، ومن الدولة إلى النهضة، ومن النهضة إلى الحضارة. لعل الكثير من الناس لم ينتبهوا إلى الأسباب التي جعلت الإسلام يقضي على الدولة الساسانية الفارسية في القرن الهجري الأول في عهد عمر الخطاب، والأسباب التي جعلتهم لم يستطيعوا إنهاء دولة الروم إلا في القرن التاسع الهجري في عهد محمد الفاتح العثماني. لم يكن فتح المدائن وبعدها معركة نهاوند وما سبقهما من انتصارات ضد الفرس في القادسية وأخواتها سببه قوة الفاتحين وصلاحهم وحسن إعدادهم فقط، لقد كان ذلك الطرف الأول في معادلة الفتح الذي استحقوا به النصر والتمكين، ولكن لو لا الطرف الثاني في المعادلة المتعلق بترهل الدولة المفتوحة وصراعاتها الداخلية وفساد حكمها وضعفها الاقتصادي رغم غناها وشساعتها لما نعمت تلك الربوع برحمة الإسلام. لقد قام المسلمون بواجبهم فلم يفرطوا في ركن من أركان الإعداد المؤهلة للتمكين فثبتوا على دينهم بعد وفاة نبيهم المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، وواجهوا حركة الردة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عبر حروب طاحنة لم يعرفها العرب من قبل ساهمت أساسا في بناء جيش إسلامي عصري له القدرة الكاملة على مواجهة الجيوش العظيمة للفرس والروم مستقبلا، ثم سعوا لبناء دولة جديدة عادلة وقوية في عهد عمر بن الخطاب برؤى فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية جديدة حتى أضحوا جاهزين لتوجيه رسالتهم للجوار الدولي عبر حركة الفتوحات التي حققوا فيها في ربع قرن من الزمن ما لم تفعله أية أمة من قبلهم. إن التحولات الكبرى التي كانت تحدث في داخل البلاد التي يقصدها المسلمون في تبليغ رسالتهم أثرت كثيرا في طبيعة الإنجاز من حيث السرعة والحسم. ولئن كان الإنجاز سريعا حاسما في اتجاه العاصمة الساسانية للأسباب التي ذكرناها، فإنه كان بطيئا وغير حاسم في اتجاه القسطنطينية العاصمة الرومية البيزنطية التي بدأت تُعقد بشأنها الألوية ـ تيمُّنا بالتبشير النبوي بفتحها ـ جيشا بعد جيش وقائدا بعد قائد منذ الخليفة معاوية بن أبي سفيان إلى أن فتحها محمد الثاني الذي وصل إليها بعد مسيرة طويلة من الفتوحات العثمانية وضمن ظروف دولية كانت فيها الدولة البيزنطية في أسوء حالها لم يبق لها من أقاليمها سوى مدينة القسطنطينية الحصينة وما حولها.

إن خلاصة هذا المقال التأملي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية هو أن دولاب التغيير في شأن الدول يخضع لسنن لا تتبدل تتعلق بالبيئة الخارجية التي يتحرك فيها المصلحون والتي لا يملكون فيها إلا أنفسهم وما يقومون به، وما هم إلا جزء بسيط في ذلك الدولاب العظيم الذي لا قبل لهم به. غير أنهم إن أدوا الذي عليهم فأعدوا أنفسهم أحسن الإعداد، في حدود ما يستطيعون، دون أن يكون مطلوبا منهم أن يصلوا إلى مستوى قوة الدول التي يريدون إصلاحها أو تغييرها فإن الدولاب العظيم ينصفهم إن وجدهم في المكان المناسب باستشرافهم وتضحياتهم وإنجازاتهم. وإن لم يصادف ما يقوم به جيل من أجيال المصلحين زمن التغيير فإن عملهم لن يذهب سدا إذ هو مسجل عند الله وفي التاريخ ضمن مسيرة التغيير التي يمكن استشراف زمن الحسم فيها ولكن لا يعرف أجلها على وجه الدقة سوى الله تعالى أعلم العالمين.

إن إشارات القرآن الداعية إلى القيام بالواجب دون تفريط، وبالقدر المستطاع، مع التسليم لله في ما يتعلق بأوان التوفيق والنصر والتمكين، ومع حسن الظن بالله بأنه لا يضيع أجر المحسنين كثيرة منها:

ـ قوله تعالى في سورة هود: ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.88)).

ـ وقوله سبحانه في سورة التوبة: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون.105)).

ـ وقوله جل جلاله في سورة يوسف: ((قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. 108)).

ـ وقوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ .60)).

ـ وقوله عز وجل في سورة آل عمران: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .26)).

ـ وقوله جل في علاه في سورة النور: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.55)).

ـ وقوله تبارك اسمه في سورة محمد: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ 7 )).

ـ وقوله سبحانه تعالى في سرة هود: ((وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117))).

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

د. عبد الرزاق مقري

الهجرة النبوية هي الحادثة التي غيرت التاريخ، هي اللحظة التي انتقل فيها المسلمون من مرحلة الصحوة إلى مرحلة النهضة، من مرحلة ترسخ فيها الإيمان في نفوس أتباع محمد عليه الصلاة والسلام فأصبح غير قابل للاستئصال مهما كان ظلم الكافرين وكيدهم ومكرهم، مهما كانت إغراءاتهم، ومهما كان اضطهادهم، ومهما كانت أحلافهم، مرحلة وجد فيها الإسلام مجتمعا مرحبا في يثرب، خالصا في مجمله للفكرة، فآن الأوان لبناء الدولة لتتحول الفكرة من صحوة إلى نهضة، من أحلام وآمال ونظريات إلى مشاريع ومؤسسات اقتصادية وثقافية واجتماعية.

كانت الهجرة هي إعلان بناء الدولة الإسلامية بعد أن توفرت لها الكتلة الحرجة من المؤمنين التي هجرت في داخل نفوسها من الشرك إلى الإيمان، ومن عبادة الذات وملذاتها إلى عبادة الله الواحد الأحد، من هجرة التوتر و الخوف من الغيب إلى السكينة و المتعة بالغيب، من الشعوذة وتسطيح العقول إلى إعمال الفكر والتأمل في الملكوت. كانت الهجرة هي الإيذان باكتمال بناء تلك الكتلة البشرية المهاجرة في داخلها، بالقدر الكافي كما ونوعا، لتهاجر في المكان وتطلق الهجرة  عبر الزمن  لتقود الفكرة الإسلامية الدول، تهاجر من دولة إلى دولة، كل دول تحقق نصيبها من نهضة المسلمين، إلى أن تراكم الأداء فتحول إلى حضارة إسلامية عالمية، أساسها الفكرة ومنتجها كرامة الإنسان وحريته، و ازدهار البشر وتطور علومهم وارتقاء حالهم، يساهم ويعتز بالانتماء لها كل من فيها،  مسلم وغير مسلم.

وحين ضعفت الفكرة في النفوس، بدأت هجرتها المعاكسة، فكان السقوط الحضاري هو الأول، وبقيت الفكرة تقاوم في الدولة إلى أن سقطت الدولة نهائيا وحل محلها الاحتلال، ثم توارت الفكرة في المجتمع وضعفت في النفوس فعم الجهل والغفلة في الناس والاستلاب في النخب. وها هي الفكرة تعود من جديد، تبحث عن يثرب الجديدة لتهاجر إليها، بعد أن حققت صحوتها في المجتمع، وهي لا محالة مدركة بغيتها رغم الصعاب الشداد. ستستقر الفكرة في الدولة وسيضمن طول مكوثها فيها رأي عام متعلق بها.  ستتداول الفكرة المهاجرة بالرأي العام على الأحزاب، وتتداول الأحزاب على الدول، تصنع كل دولة نهضتها، ومع مرور الزمن ستنبعث الحضارة الإسلامية من جديد فتمكث ما شاء الله لها أن تمكث، وقد تكون هجرة معاكسة أخرى، ثم هجرة جديدة نحو الفكرة، كما يشاء الله، وأينما شاء الله، ووقت ما شاء الله، وفق سنة التداول، إلى أن ينتهي كل شيء عند قيام الساعة.

سنة هجرية مباركة أعادها الله علينا وعلى وطننا وأمتنا باليمن والإيمان والخير والإنعام.

 

د. عبد الرزاق مقري

مقدمات:
1 – يستجيب هذا المقال للنقاش الكبير الذي وقع بمناسبة زيارة رئيس الجمهورية التركي طيب رجب أردوغان للجزائر، والذي وجدنا فيه أنفسنا في قلبه، بإرادتنا وغير إرادتنا. وتجيب هذه المساهمة عن كثير من القضايا الفكرية والأسئلة المطروحة: عن العلاقات التاريخية والرسمية والحزبية، وعن القضايا الإقليمية والدولية المتعلقة بسوريا والكيان الصهيوني وما نعرفه عن السياسات الداخلية التركية التي يتوهم البعض أنه يحرجنا بها.
2 – سيتضح لمن يقرأ هذا المقال بأن موقفنا الإيجابي من تركيا اليوم هو موقف لمصلحة بلدنا ولمصلحة أمتنا العربية الإسلامية، وخطابنا هو لمن يشاطرنا هذا المقصد حتى وإن اختلفنا معه، ونحن ندرك تمام الإدراك بأن ثمة أقلية نافذة بعيدة عن عمق الشعب الجزائري موقفها من تركيا موقف أيديولوجي لا يهمها الحديث عن المصالح الجزائرية ومصالح الأمة العربية والإسلامية، بل خادمة لثقافة ومصالح أجنبية.
3 – الوطنية هي استحقاق تثبته التضحيات والمواقف على الأرض عبر السنوات، أما التشدق بها دون أي تضحية من أجلها ولا تاريخ يثبتها فهو هراء لا يزعزع الوطنيين الصادقين وهم يبنون علاقاتهم الخارجية على أساس رؤيتهم لخدمة البلد. والحمد لله آثارنا في خدمة البلد مسجلة بالصوت والصورة ( انظر مثلا شريط محاضرتي مع الشيخ محفوظ في مؤتمر إسلامي بشيكاغو سنة 1994 في زمن الشك والتيه). ثمة فرق شاسع بين من خلق للأمة ومن خلق لعشيرة، بين من يعمل للإنسانية جمعاء إنطلاقا من قاعدة وطنية صلبة، ومن يتشدق بالوطنية وهو يقتل الوطن كل يوم، خاصة أؤلئك الذين حسم الرأي العام في عمالتهم الاستعمار حتى أصبح أصدقاؤهم لا يستطيعون الدفاع عنهم.
4 – حين نتحدث عن تركيا نحن نتحدث عن تجربة بشرية نستفيد منها كما نستفيد من كل التجارب البشرية، وهي تجربة مفضلة عندنا لأنها تجربة ناجحة جدا على المستوى الدولي ضمن الدول التي كانت تعيش مشاكل تنموية مثلنا كما هي تجربة البرازيل وفيتنام وجنوب أفريقيا وبولونيا ، وهي تجربة مسلمين، كتجربة ماليزيا واندنوسيا، كسرت ادعاء العلمانيين بأن التطور والنهوض لا يكون إلا باتباع الثقافة الغربية وترك هويتنا، وهي بعد ذلك تجربة يقودها إسلاميون تبين ماذا يستطيع أن يفعل الإسلاميون لصالح بلدانهم حين تتاح لهم الحريات.
5 – التجربة التركية الأردغانية استفادت كذلك من الفكر المغاربي بشكل عام ومن الجزائر بالذات من حيث النهج الفكري والسياسي، فهم يقرون بأنهم استفادوا من فكر مالك بن نبي، كما استفادوا من الفكر والتدبير السياسي وإبرام التحالفات خارج المعهود عند الإسلاميين من تجربة الشيخ محفوظ نحناح وحركة مجتمع السلم، وقد بينت ذلك بوضوح في في كتاب “الحركة الإسلامية في الجزائر: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الصادر عن دار الخلدونية سنة 2015 في فقرة تحت عنوان: “أردوغان ونحناح: المنصور والمظلوم”. إذ بينت بأن نفس الاستراتيجية التي استعملها أردوغان بخصوص الصراع بين المؤسسة العسكرية وحزب السعادة ( الرفاه سابقا) لكسر الاستقطاب والانطلاق نحو نهضة البلد هي نفسها التي استعملها الشيح محفوظ في الجزائر ولكن القوم عندنا جميعا لم يكونوا في مستوى البعد الحضاري الذي كان عليه الشيخ نحناح وحركته، ويمكن الرجوع للكتاب للإحاطة بالموضوع. فنحن إذن أفدنا التجربة التركية ونريد ان نستفيد منها نحن كذلك، وحينما يقول لنا الأتراك لقد استفدنا منكم لا يهمنا ما يقوله من يخاصمنا.
أولا: عن العلاقات الجزائرية التركية.
لا يجب أن نشعر بالحرج في الدفاع عن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي وزعيمه أردوغان والتقارب الجزائري التركي والحجج في ذلك كثيرة منها ما يلي:
1 – كل الأحزاب في العالم عندها مثيلاتها في دول أخرى تشعر بالقرب منها، بل لهم أمميات معلنة عكس حالنا، وجبهة التحرير الوطني أعلنت صراحة عدة مرات بأنها تنتمي إلى الأممية الاشتراكية، علما بأن الأممية الاشتراكية فيها الصهاينة والمثليون والعديد من التيارات التي لا علاقة لها بثقافتنا وخصوصياتنا، كما أن التيارات اليسارية الأخرى لها أمميات أخرى كالتيار التروتسكي الذي ينتمي حزب العمال والتيار الشيوعي الذي ينتمي إليه م د س. والمعرفة بهذه المنظومات والخلفيات مهم جدا في النقاش الإعلامي.
2 – لا يوجد أي تناقض بين البعد الوطني والبعد العالمي في الفكر والسياسة، ولا يوجد حزب في الجزائر أو خارجها لا يستفيد من أفكار وتجارب غيره وفق المذهب والتوجه والانتماء الحضاري الذي هو عليه، فالجميع يستشهد بأفكار الفلاسفة والمفكرين من خارج الوطن، والكل يستصحب تجارب البشر في بلدان أخرى، والذي يكون منغلقا غارقا في الشوفينية هو المخطئ المجانب للصواب.
3 – نحن لا نخفي صداقتنا مع حزب العدالة والتنمية التركي ولا يوجد سبب لإخفاء ذلك، وإن أردنا إخفاء هذا وقلنا بأنه لا توجد خصوصية فكرية بيننا وبين حزب العدالة والتنمية التركي لا نكون صادقين ولا يصدقنا أحد، فالعلاقة الفكرية قائمة، والاعتزاز بالتجربة ثابت، ولا يوجد أكثر من هذا، ونحن كحركة مجتمع السلم لنا بروتوكولات تعاون مع العديد من الأحزاب في العالم ومنها الحزب الشيوعي الصيني، ولم تصل علاقتنا مع حزب العدالة والتنمية ليجمعنا به بروتوكول تعاون مثل الحزب الشيوعي الصيني، ولو جاءت الفرصة من كلا الجانبين لن نتردد في تجسيدها، مثلما سنفعلها مع أحزاب محترمة من مختلف البلدان في كل القارات الخمس ما أمكننا ذلك، ضمن إطار المصالح المشتركة للبلدان والشعوب.
4 – لو كانت صداقتنا لحزب العدالة والتنمية تحكمه الأيديولوجية والتعصب المذهبي لما اعتبرنا هذا الحزب قريبا منا، ولكان قربه أكبر لجبهة التحرير الوطني، إذ هو حزب محافظ يعمل ضمن منظومة علمانية ويقول عن نفسه بأنه ملتزم بالعلمانية. إن أفقنا أوسع مما يعتقده غلاة العلمانية، نحن ننظر إلى هذا الحزب أنه نموذج في الحكمة والعقلانية والوطنية في بلده، فرغم جذوره التي تعود إلى التيار الإسلامي أعطى الأولوية للحرية والعدالة والتنمية. وكذلك نحن في حركة مجتمع السلم لن نسعى أبدا لكي نفرض على الجزائريين ما لا يقبلونه وما ليسو مستعدين له، وإنما واجبنا أن نخدم الجزائر ونكافح معهم من أجل الحرية والتنمية، وإذا حكمنا نلتزم بذلك، ولا خوف على الإطلاق في الجزائر على الإسلام، ونعتبر بأن معركة الهوية كانت شغل العقود الماضية للحركة الإسلامية وقد تحقق فيها نجاح كبير بجهودنا وجهود غيرنا. وهؤلاء الذين يريدون إرجاعنا إلى صراع الهوية بمناسبة زيارة أردوغان مخطئون، استفادتنا من الحزب التركي يتجه نحو التنمية والحرية والعدالة وليس الهوية.
4- من لهم مستوى سياسي وفكر مستقيم، كما هو موجود عند الشعوب العادية الواعية في العالم يعلمون بأن ثمة فرق بين العلاقة بين الدول والعلاقة بين الأحزاب، العلاقة بين الدول تدخل في إطار الدبلوماسية الرسمية والثانية في إطار الدبلوماسية الشعبية والضابط بينهما هو الروح الوطنية والمصالح المشروعة القانونية المتبادلة، وعلاقة أردوغان هو مع الدولة الجزائرية، وحزب العدالة والتنمية التركي يفضل العلاقة الرسمية مع الدول لأنه حزب حاكم وهو له كامل الاستعداد للتخلي عن صداقته مع أي حزب إسلامي في أي دولة إذا كانت تفسد هذه العلاقة الشعبية علاقته الرسمية مع تلك الدولة. وكذلك حركة مجتمع السلم هي على استعداد للتخلي عن صداقتها مع أي حزب أو منظمة في العالم إذا قدرت بأن هذه الصداقة مضرة بالجزائر ( أقول بالجزائر وليس لزيد أو عمرو).
5 – أكبر وجهة للجزائريين بعد فرنسا في الرحلات الجوية هي تركيا، فالذين يزورون تركيا بكثافة هم كل أصناف الشعب الجزائري ومنهم العلمانيون والإسلاميون والمتدينون والمنحرفون والتجار والأطباء والمهندسون والأساتذة والرياضيون، وغير ذلك، وسبب تفضيل هذه الوجهة لا يغلب عليه البعد الاجتماعي والأسري كما هو الحال مع فرنسا بل هي الحريات، والسياحة، وجودة الخدمات، والأسعار المناسبة. والإسلاميون جزء من هذا وأنا شخصيا أدعى لتقديم محاضرات ومساهمات فكرية في العديد من مراكز الدراسات في اسطمبول وحينما أسأل لماذا دائما في تركيا يقول المنظمون لا يوجد مكان أنسب من حيث الخدمات والأسعار والحريات من اسطنبول، بل أصبحنا نحن كذلك نفضل تنظيم بعض أنشطتنا في اسطنبول لهذه الأسباب. فعلى العلمانيين الذين يستغربون كثرة زياراتنا لتركيا أن يتوجهوا إلى المطار كل يوم ويطلبوا وقف التنقل إلى اسطنبول من الأعداد الهائلة من الجزائريين الذاهبين والراجعين من وإلى تركيا، أو عليهم أن يدلوننا كجزائريين على دول غربية أو عربية أخرى تقدم التسهيلات والخدمات لمن يريد أن يكون فاعلا وناشطا في مختلف المجالات المهنية والفكرية والرياضية والثقافية والسياسية.
6 – نحن دعاة وحدة مغاربية ووحدة عربية ووحدة إسلامية وتقاربنا مع الأحزاب المغاربية والعربية والإسلامية دعم لهذه الرؤية الوحدوية, ورؤيتنا الوحدوية هي رؤية نوفمبرية ضمن الهدف الخارجي لبيان أول نوفمبر : “وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.
7 – ضمن رؤيتنا السياسية نعتبر بأن من أدوات حل مشكل الصراعات القائمة في العالم العربي والإسلامي، خصوصا الصراعات المذهبية، هو من خلال وحدة سنية عربية تركية تشجع الدول السنية الأخرى للالتحاق بهذا المحور مما يجعل إيران تنسب وتراجع طموحها التوسعي فتتحقق الوحدة الإسلامية المنشودة ضمن النظريات الوحدوية التكاملية العصرية وروح الأخوة الإسلامية بين كل أهل القبلة كما قال الله تعالى: (( إنما المؤمنون إخوة)).
8 – نحن حينما نتحدث عن التقارب التركي الجزائري نتحدث عن تقارب مع دولة قوية متطورة صناعية ناهضة تستفيد منها الجزائر اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وثقافيا، ولا أجد حاجة للاستشهاد بالأرقام المدهشة للتطور التركي لأنها معلومة لدى الجميع وتحولت إلى نموذج وثقافة سائدة متوفرة بغزارة في كل مكان.
9 – تفضيلنا للعلاقة مع تركيا على العلاقة مع فرنسا لا يجب أن نخفيه، فنحن نعاني جدا اقتصاديا من هذه العلاقات المفضلة مع فرنسا وأوربا لسببين رئيسين:أ/ اللوبيات الاقتصادية الفرنسية التي جعلت المؤسسات الفرنسية تستفيد من البحبوحة المالية بشكل أضر الاقتصاد الوطني في مجال الصناعة والفلاحة والخدمات وقد بينا ذلك عدة مرات بالأصناف والأرقام، ب/ عقد الشراكة مع الأوربيين الذي يشكو منه مسؤولون جزائريون منذ مدة طويلة بما فيه وزراؤنا سابقا ولم يستطع احد تغييره.
10 – تقارب الجزائر مع تركيا لا يعني غلق أبواب الجزائر على دول أخرى، ولا يفكر في هذا إلا ساذج أو مجادل خارج عن الموضوع، والدول التي تقوم على أساس الوطنية ومصالح المواطنين هي التي تتعامل مع العالم على أساس المصلحة الوطنية والشراكة وفق قاعدة رابح/رابح.
11 – اعتراضنا على الذين يحتجون على العلاقات الجزائرية التركية ورفضهم لزيارة أردوغان لا يتوجه إلا إلى الذين يفعلون ذلك لأسباب أيديولوجية، وهم العلمانيون المتطرفون الذين يخدمون المصالح الفرنسية وهم لا يخفون على الرأي العام الجزائري. اما من يعترضون على تركيا لأسباب سياسية فهم أحرار في ذلك ولكن يمكن أن نناقش حججهم فنقر بما هو صواب ونرد ما هو خطأ بدون أي عقدة ولا حرج.
12 – ما يقوله البعض عن الاستعمار التركي للجزائر فهو أمر مخجل يدل على جهل فضيع بالتاريخ، يكفي لهؤلاء الذين ليست لهم بضاعة علمية أن يسألوا من هو خير الدين بربروس والقائد عروج ليفهموا كل شيء، ليعلموا بأنه لو لا تدخل الأتراك لسقطت الجزائر مباشرة بعد سقوط الأندلس ولكنا اليوم شعب آخر غير الشعب الجزائري. والغريب في الأمر أن كل الجزائريين درسوا هذه الحقائق في المدرسة الجزائرية منذ الاستقلال إلى أن بدأ المسح يرفع رأسه. صحيح أن الدولة العثمانية عرفت الضعف والانحراف في بعض مراحلها وكان عموم الأهالي الجزائريين بعيدين عن الحكم أثناء الغزو الفرنسي ولكن هذا لا يلغي الأخوة الإسلامية التركية ولا يلغي مجد المسلمين أثناء العهد العثماني كما لا يلغي أن الأسطول الجزائري كان هو سيد البحار في عهد الأتراك وأن كل الجزائريين كانوا يقرؤون ويكتبون وكانت الجزائر حاضرة علمية وقوة اقتصادية تصدر القمح لفرنسا. من يقارن الوجود التركي بالاستعمار الفرنسي مغرض وخادم لفرنسا يريد أن يغطي على الجرائم البشعة التي اقترفها الاستعمار ، هذا الاستعمار الذي لم يقتل الإنسان فقط بل دمر آدميته . ويكفي أن نقول بأن الجزائريين كانوا كلهم يقرؤون ويكتبون قبل الاحتلال وصاروا كلهم لا يقرؤون ولا يكتبون عند الاستقلال (90%).
ثانيا : عن تركيا
كثير من القضايا التي يستعملها المعترضون على تجربة حزب العدالة والتنمية لا تقف أمام البرهان والحجة، وقبل الجواب على هذه الاعتراضات يجب أن نذكر بأن أردوغان يعتمد منهج التدرج والعقلانية والحكمة في التغيير وهو منهج الحركة الإسلامية التي تنتمي لمنهج الوسطية والاعتدال، وهو منهج قرآني ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاته، فقد حرم الله الخمر على مراحل واعتمد على الإقناع وتغيير الناس سلوكهم بالقناعة وبإرادتهم دون إكراه، كما أمر الله تعالى المسلمين أن لا يردوا على استفزاز المشركين وهم ضعاف (( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة))، وكان رسول الله يصلي في الكعبة وفيها 300 صنم، وحتى وهو ممكن كان يفضل أن لا يتابع مرتكبي الكبائر ويدرء الحدود بالشبهات (( قصة الغامدية وقصة مالك))، كما أن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك كثيرا. بل إن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رفض تطبيق كثير من الأحكام وهو الحاكم الأعلى وحين لامه ابنه المتحمس على ذلك قال له : مهلا يا بني إن الله ذم الخمر مرتين وحرمها في الثالثة. إني لا أحب أن أحمل الناس على الإسلام جملة واحدة فيكفروا به جملة واحدة. وصلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس لم يقدر على تحرير الأراضي الفلسطينية الأخرى حتى حررها المماليك.
وأردوغان يتبع هذا المنهج وهو يريد أن يحرر الإنسان ويرفع مستواه الاقتصادي أولا ، ثم الإنسان التركي هو الذي يقرر علاقته بالإسلام والعالم. وأردوغان يبلي بلاء حسنا في هذا الموضوع من خلال الاقتصاد والثقافة والتعليم والحريات، والغريب أن العلمانيين لا يعترفون بأن كثيرا من الواقع الذي لا يعجبهم هو صناعة علمانية متطرفة قبل مجيئ حزب العدالة والتنمية للحكم:
1 – قضية السفارة الإسرائيلية: هذه السفارة هي إرث اتاتوركي علماني منذ 80 سنة واللوبيات الصهيونية والغربية قوية في تركيا منذ هذه السنين التي لم يكن أردوغان حاكما فيها، ولو بدأ بهذه الجبهة سيتعطل عن تحقيق التنمية وتوعية الإنسان التركي فيهزم في المعركة. وهو يحقق إنجازات كبيرة في التضييق على الصهاينة ووعي الأتراك يرتفع أكثر فأكثر. صحيح يجب علينا أن نبقى نرفض وجود السفارة الإسرائيلية في تركيا ونصدع بذلك ولكن في إطار دعم أردوغان وليس ضده لأننا نعلم بأنه وحزبه ضد الكيان الصهيوني وأن الكيان الصهيوني يتربص به في كل وقت.
2 – قضية الناتو: ضمن نفس المنطق هذه حالة أتاتركية علمانية قديمة وهو تحالف مرتبط بالمؤسسة العسكرية التركية، والخاص والعام يعلم بأن المؤسسة العسكرية هي قلعة العلمانية في تركيا وهي التي قتلت رؤساء حكومات وانقلبت على حكومات منهم حكومة أربكان وحاولت الانقلاب على اردوغان، ولو دخل في مواجهة شاملة حول هذه المواضيع مع المؤسسة العسكرية لكانت حجتهم قوية للإطاحة به ولما وقف معه الشعب كما حدث في المحاولة الأخيرة. غير أن أردوغان سير ملف الناتو بكفاءة كبيرة إذ لم يخضع لسياساتهم الاستعمارية وكان أفضل من العرب في موقفه من الهجوم على العراق حين منع جيش الناتو المرور على تركيا نحو العراق وفي نفس الوقت طور قدراته العسكرية وفرض نفسه كأقوى قوة عسكرية في الناتو بعد الولايات الأمريكية المتحدة.
3- قضية الفساد الأخلاقي المنتشر في تركيا: ضمن نفس المنهج القرآني النبوي لم يختر أردوغان إكراه الناس على التدين بل أعطاهم حريتهم وفسح المجال للدعوة والتعليم الشرعي التي كانت ممنوعة ( كان الإفساد حر والدعوة للالتزام ممنوع) وكل من يعرف تركيا يعلم بأن ثمة صحوة إسلامية كبيرة تنتشر في تركيا . والمؤشر البسيط الدال على ذلك هو وضع الحجاب الذي كان ممنوعا أصبح الآن ينتشر في كل مكان في إطار الرضا وبعيدا عن كل إكراه. علما أن أردوغان نفسه عجز على السماح للحجاب بالسلطة في السنوات الأولى من حكمه ولكن الحرية سمحت بذلك. ولذلك حينما سئل أردوغان لماذا لا تفرض أحكام الإسلام في تركيا قال: أنا أعطي الحرية للأتراك وهم عليهم أن يختاروه.
4 – قضية سوريا: قبل الحديث عن رأينا في هذا الملف اتعجب من الذين يدينون التدخل التركي ولا يدينون التدخل الروسي والإيراني والسعودي وتدخل حزب الله، ويسكتون على الجرائم العظيمة في الغوطى وما يفعله بشار المجرم بشعبه ويتحدثون عن عفرين.
رأينا في هذه القضية بالذات ( أي قضية عفرين) أن البلد الوحيد الذي له حجية في التدخل في الملف السوري هي تركيا لأن من أهداف الفتنة في سوريا هو ضرب تركيا ولا توجد دولة أخرى عليها تهديد مباشر وعاجل من داخل سوريا غير تركيا، ولا يوجد لأي قوة إقليمية أو دولية في سوريا حدود مع هذا البلد غير تركيا، والتهديد الحقيقي والأخطر والأكثر على تركيا في سوريا هو من أمريكا وإسرائيل الذين يسندون التيارات العلمانية الكردية المسلحة. ولو لم تتدخل تركيا في عفرين لمزقت شر تمزيق. ولو حدث أن تشكل خطر داهم وعاجل وحقيقي على الجزائر من دولة جارة على حدودها لدعوت للتدخل لحماية البلد وليس للعدوان، وهذه هي عقيدة كل الجيوش حينما تكون قادرة على ذلك. مع إنني اعتبر بأن تركيا اخطأت في معالجة القضية السورية في بدايتها.
5 – عن الحريات: القول المختصر في هذا أنه في المجمل كل انتهاك للحريات مدان ولا يمكن أن يقبل، وكل قضية من القضايا المتعلقة بالحريات تدرس لوحدها فإن كانت القضية تتعلق بالأمن والتخابر مع مختلف القوى التي تتربص بتركيا لأسباب حضارية وأيديولوجية وبسبب تضارب المصالح فإن الصرامة مطلوبة كما هو حال كل دولة، وإن كان الأمر يتعلق بالتضييق على الحريات لأسباب سياسية فهذا لا يقبل البتة، وقد سبق لي أن كتبت مقالا بهذا الخصوص أزعج أصدقاءنا الأتراك ولكن كان ذلك فرصة ليقدموا لنا معلومات خطيرة عن دور جماعة كولن في علاقتها مع أمريكا واستعمال هذه الأخيرة جماعة الخدمة لضرب الدولة التركية. ومع ذلك تبقى كل تجربة بشرية فيها شيء من النقص، والعبرة بالكليات والصورة العامة، ومهما يكن من أمر لا يمكن للعلمانيين المتطرفين الذين يساندون الديكتاتوريات في كل مكان في العالم العربي أن يزايدوا على تركيا في مجال الديموقراطية ودولة القانون إذا ما قارنوها بمستوى الحريات في كل العالم العربي والإسلامي، بل وفي بعض الدول الغربية حين يتعلق الأمر بالمسلمين. وما يحدث من مهازل ودوس على قواعد العدل والقانون في قضية طارق رمضان في فرنسا خير دليل.
6 – عن موقف الدولة التركية من الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي: هذا المثال هو الدليل القاطع على لا موضوعية منتقدي حزب العدالة والتنمية، فإن كان أعتراضهم على الدولة التركية مطلقا فالأولى أن يطال موقفهم الأحزاب العلمانية التي كانت تحكم أثناء تلك الفترة، وإن كان أعتراضهم على حزب العدالة والتنمية فإن هذا الحزب لا مسؤولية له في هذا الموضوع بل إن خصومه الذين حاولوا الانقلاب عليه هم من كان تيارهم يحكم أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، فأين العقل والموضوعية والنزاهة.

د. عبد الرزاق مقري

 

في ” السلوك السياسي” والعقل السياسي”

لا يخفى على أحد أن الحركة الإسلامية نشأت في ظروف بعيدة في خصائصها وتحدياتها عن الظروف التي تشتغل فيها في هذا الزمان. لقد نشأت الحركة الإسلامية في ظروف السرية والملاحقة، والخوف من الاختراق، وتفضيل الاتصال الشفوي المباشر، والبناء الهيكلي الهرمي، ومحاسبة من يكون فيها ومن يتبوأ مواقع المسؤولية على أساس التربية والالتزام الديني فحسب، وربط العلاقة بالآخر على أساس الوظيفة الدعوية، وأداء الوظائف كلها ضمن هيكل واحد. إن كل هذه الخصائص والتحديات قد تغيرت لأسباب كثيرة ليس المقصود التفصيل فيها، وقد تطرقت إلى جلها قبل تجليها في بحث نشر في جانفي 1997 في مجلة البصيرة تحت عنوان: ” الحركة الإسلامية في آخر هذا القرن إلى أين؟” وبينت آنذاك بأن الحركة الإسلامية ستعيش تحديات كبيرة ومن هذه الحركات من يسقط ولا يستطيع دخول المستقبل، ومنها من يكون له شأن كبير في القرن المقبل ( الذي نحن في بدايته)، وأكدت بأن أهلية العبور ليست لها علاقة بقوة وحجم التنظيم ولكن في الإرادة والقدرة على التجديد، واستشرفت بأن تيار الإخوان المسلمين هو المؤهل أكثر لتطوير ذاته ودخوله المستقبل غير أن الله لم يعطه ورقة بيضاء، وليس كله من سيفعل ذلك، بعضه سيقدر وبعضه لا، وقد تعجز تنظيمات ضخمة فيه على تطوير نفسها فلا تدخل القرن المقبل ( القرن الذي نحن في بدايته) وقد تستطيع تنظيمات إسلامية صغيرة (أو جديدة )، إخوانية أو غير إخوانية، أن تجدد نفسها فتقتحم و تكبر في ظروف القرن الواحد والعشرين وتحقق إنجازات كبرى. وهذا الذي بدأ يتجلى أمام أعيننا ولا يزال مستمرا ولن ينتصف القرن الواحد والعشرون إلا وقد حققت الحركة الإسلامية أهدافها كلها كما سأبين في المقال الأخير.

ضمن إطار هذا الفكر قدمت رؤية متكاملة في كتاب أصدرته سنة 2013 تحت عنوان: البيت الحمسي: مسارات التجديد الوظيفي في العمل الإسلامي. وفصلت وطورت في بعض جوانبها في العديد من المقالات والملتقيات، وقد تبنى المؤتمر الخامس للحركة هذه الرؤية في شقها السياسي وشقها الاستراتيجي وانطلقنا في تطبيقها وبدأت ثمارها تزهر بحجم الزمن القليل الذي أتيحت له، رغم التحديات الداخلية والخارجية، ولا يمكن لانتخابات عابرة لم نعتقد لحظة أنها حاسمة لتحكم على مساراتنا التجديدية، ولا يمكن لخطة إعلامية خصيمة تصر على تراجعنا رغم تقدمنا أن تفت في عضدنا وتحبط معنوياتنا، وإن بعض الثمار التي بدت، التي لم يرها من لا يريد أن يراها أو من لا نريد نحن أن يراها، هي دليل صحة نهجنا وصدقية قولنا. إننا لم نعد في حاجة لمن يدعونا للتجديد، فقد سلكنا طريقه منذ سنوات، وذلك من دلائل توفيق الله لنا، وإنما نحن في حاجة لمن يعيننا على التجديد ويدقق معنا مساراته.

لا أريد في هذا المقال أن أتحدث عن هذه الثمار، فليس هذا محل ذلك، ولكن أريد أن أكاشف الرأي العام بما لم يتحقق، أو تحقق جزء منه، أو يجد صعوبات كبيرة في التحقق، مما أشرنا إليه في خططنا، ونحن مصرون وعازمون على تجسيده وإنا بإذن الله لواصلون فنحن دوما ” نحو الهدف” كما قال الشيخ محفوظ رحمه الله.

إن ثمة آثارا فكرية ونفسية للزمن السابق أثرت في “السلوك السياسي” للعديد من الإسلاميين مما لا يتوافق مع الزمن الحالي، كما أن تحديات كبرى للزمن الانتقالي أدت إلى عدم اكتمال ” العقل السياسي” لدى الكثير من الإسلاميين.

أما عن ” السلوك السياسي” المتأثر بالرواسب القديمة فهو الانغلاق على الذات بما يشبه الفرار من مفاسد المجتمع نحو مجتمع داخلي ” طاهر” لا يقال فيه إلا الكلام الطيب، فلا تدخين ولا كلام فاحش، ولا تحرش بالمرأة، ولا رشوة، ولا ولاءات على أساس العرش والقبيلة وغير ذلك. مجتمع مثالي لا فرق فيه بين غني وفقير ولا متعلم وغير متعلم، لا فرق فيه بين الأعضاء إلا بمدى الالتزام بالسلوك والمظاهر الإسلامية. وقد أدى هذا الانغلاق إلى ظواهر سلبية جمة، منها أن أغلب الأفراد على مستوى قواعد الحركة الذين لا علاقة لهم مباشرة بالعملية السياسية بقوا مصرين على هذه المثالية ولا يقبلون أن يدخل في حزبهم إلا من يشبههم غير مدركين بأن منطق الوظيفة الدعوية الهادية غير منطق الوظيفة السياسية القائدة وفق ما فصلته في مقال سابق بعنوان ” دائرة الهداية ودائرة القيادة”. ولئن صمدت هياكلهم التنظيمية بهذا الانغلاق فإن الساحة الانتخابية لم تسعفهم.

 وبالرغم من أن مسألة الانفتاح مثلت هما كبيرا لدى القادة منذ عهد الشيخ محفوظ رحمه الله وعُقدت بشأنه ندوات و ملتقيات ووُضعت بخصوصه خطط وكُتبت مقالات لم يتحقق النصاب المطلوب للتغلب على التحولات السياسية والانتخابية التي جاء بها التزوير والمال السياسي والعزوف عن الصناديق. كان يمكن للصرامة في انتقاء المرشحين والاعتماد على المخزون البشري للمناضلين فقط أن يثبت لو لا هذه التحولات الجديدة، ذلك أن في الحياة السياسية العادية يحتل البعد الحزبي أهمية كبيرة في تصويت الناخبين على المرشحين، وتكون المصلحة العامة والبحث عن تحسين الأحوال المعيشية للجميع هي الغالبة في العملية الانتخابية. غير أن فقدان العملية الانتخابية لهذه المعاني السياسية الأساسية أعطى أهمية حاسمة للبعد المحلي وما يحمله من آفات يصعب مواجهتها بالحزب السياسي وحده، كآفات العروشية والمال السياسي، وتورط الإدارة المحلية في منظومة الفساد المصاحبة للترشيح والتصويت والتحالفات وتشكيل المجالس المحلية.

 إن الانفتاح السياسي، علاوة على أنه مسار طبيعي وحاجة ملحة لتوسيع أوعية الحزب وتنمية عضويته داخل المجتمع، قد أصبح ضرورة للحياة السياسية في هذه المرحلة الانتقالية قبل انتصار الديموقراطية واستقرارها في الجزائر، ولا يمكن لحركة مجتمع السلم وغيرها من الحركات الإسلامية أن تثبت وتستمر دون انفتاح واسع على الجزائريين ودون شراكات وتحالفات مع قوى محلية تريد الإصلاح والتغيير ولو محليا، أو تبحث عن مصالحها في إطار ما يتستوعبه برنامج الحركة وقيمها العامة التي هي قيم عموم الشعب الجزائري المسلم. وأستطيع أن أقول في هذا السياق بأنه لو لا الاختراق الكبير في هذا الاتجاه الذي وقع في الانتخابات التشريعية وخاصة المحلية الأخيرتين لكانت النكسة حقيقية وكبيرة، فيكفي أن نقول بأن نصف القوائم التي دخلت بها الحركة كانت انفتاحية وفي المقابل عدد لا بأس به من المكاتب التنظيمية فشلت في الترشيح أو في تحقيق نتائج مقبولة في هذه الانتخابات المحلية لما عجزت عن الانفتاح. 

وقد وقع هذا بعد شغل دام أكثر من ثلاث سنوات لإقناع هياكل الحركة لكي تنفتح على المجتمع، والمؤكد أن العتبة تم تجاوزها والعقبة تم اقتحامها وستكون السنوات المقبلة أكثر بكثير مما حققناه مؤخرا. والغريب في الأمر أن النظام صار ينفعنا من حيث يريد أن يضرنا لأن حالة القهر التي تعرض لها مناضلونا في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرتين على أيدي مسؤولي الإدارة المحلية وبلطجيتهم ومن تحالف معهم من رجال الأعمال ورؤوس التعصب القبلي جعل الأكثر تشددا في رفض الانفتاح داخلنا يدرك بأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وقد بينت التجارب الناجحة في الولايات و البلديات التي وقع فيها انفتاح بأن السلطة الحاكمة لا تستطيع استيعاب كل العروش وكل أصحاب الطموحات المحلية وهي ستكون في المستقبل ضحية إفسادها العملية السياسية وإخراجها من قواعدها الطبيعية ولن تكون لها الإمكانيات لمواجهة الاحتجاجات المتصاعدة للمواطنين الذين لم تمسكهم إلا بشراء سكوتهم بالبحبوحة المالية الآيلة إلى الزوال، ولن ينفعها أولئك المنتخبون الذين ساروا معها لمصالحهم . وعليه فإن خروج الحركة إلى ساحة التدافع المجتمعي، بدل تدافع التنظيم وحده مع السلطة داخل المجتمع، هو الذي سيحفظها ويجعلها في الريادة.

إن توجه الانفتاح وحده لا يحل مشكلة فساد واختلال موازين القوة في الشأن السياسي والساحة الانتخابية، وإنما ركزنا عليه لأنه جوهري بل حيوي، وهناك عوائق أخرى داخلية تُسبّب التعثر وعدم القدرة على تشكيل تيارات شعبية واسعة تنخرط في منطق المقاومة السياسية ضمن الظروف الصعبة التي نمر بها، ومنها عدم القدرة على الاستعمال الكلي والأمثل لوسائل الاتصال الحديثة التي لا يستطيع النظام السياسي منعها وليست لها كلفة مالية كبيرة، ومنها التأهيل البطيء والقليل للموارد البشرية ذاك الكفاءة العالية في القيادة والإدارة وصناعة التغيير والتي لا تمتلك السلطة منعها كذلك.

ومن العوائق المانعة للتطور عدم الفصل في قواعد المنافسة على المواقع التنظيمية والسياسية بما يضمن الديموقراطية والشفافية داخل الحركة، والخروج من حالة “السكيزوفرينية” الملازمة للإسلاميين في فترات المنافسة الداخلية. إن الضمير الجمعي التربوي الغالب على مستوى القواعد  هو ما خلق حالة  “السكيزوفرينية” عند بعض القادة محليا ومركزيا حيث أصبح هؤلاء يضطرون للتمظهر بالمظهر التربوي أثناء المنافسة وبقولهم ما يحب بسطاء الحركة الإسلامية سماعه لكي يستمر هؤلاء البسطاء في حملهم على أعناقهم، ولكن مقاصدهم وتصرفاتهم وحياتهم الشخصية لا علاقة لها بالقيم التي يعلنونها. لا شك أن هذه الحالات نادرة ولكنها مضرة جدا، وأكثر ما تظهر في فترة الترشيحات التي تصبح فيها المنافسة بقواعدة مختلفة تُفقد فيها النزاهة والعدالة إذ ما يعلن وما هو مكتوب في النصوص واللوائح من منع الكولسة والتربيط شيء وما يقوم بعض المنافسين شيء آخر، وبعد أن تظهر نتيجة المنافسة تشتد الخصومة.

ومن المهم التأكيد أن التركيز على الشأن السياسي والحزبي لا يعني أن الحركة عليها أن تتخلى عن الدعوة والتربية والعمل الاجتماعي ومختلف المجالات الأخرى، بل هي تسير نحو تطويرها وتوسيعها بمقارابات جديدة بدأ النقاش حولها منذ سنوات طويلة وحسم فيها مؤتمر 2013 وهو ما سميناه التمييز الوظيفي أو التخصصي الذي أساسه الفصل الوظيفي بين الدعوة والسياسة التي تحدث عنها الناس كثيرا بعد مؤتمر حركة النهضة التونسية الأخير والذي كان في حقيقة الأمر تخليا رسميا عن الدعوة خلافا لتوجهنا في الجزائر وهو إخراج وظيفة الدعوة من الحزب لتوكل إلى مؤسسات متخصصة أسسناها ودعمناها وهي تتطور بشكل جيد رغم التعثر الذي تتسبب فيه تحديات داخلية وخارجية عديدة.

أما عن التحديات الخارجية المرتبطة بمرحلة الانتقال من الشأن الدعوي إلى الشأن السياسي والتي أشرت إليها في مقالات سابقة فهي طبيعية. فبما أن مطلب الحركة الإسلامية أصبح الإصلاح السياسي وليس الإصلاح الاجتماعي فقط، وقد أضحت تطلب السلطة، فهي تخضع لمسلّمة بن نوفل الذي أخبر خديجة رضي الله عنها بأن زوجها المصطفى عليه الصلاة والسلام سيحاربه العرب والعجم، وأن ذلك الصادق الأمين سيصبح العدو اللدود التي يتآمر عليه كل متمسك بالوضع الراهن والموازين القائمة. بل أستطيع أن أقول بأن الحركة الإسلامية لو لم تكن حركة إسلامية لحوربت مادامت تطلب السلطة، فكم قاتل الناس بعضهم بعضا من أجل السلطة دون أن يكون الدين جزء من المعادلة. فلا هذا هو الغريب ولا هذا هو المهم. إن المهم هو كيف تتعامل الحركة الإسلامية مع هذا المعطى الطبيعي، والغريب هو كيف تعامل معه كثير من قادة الحركة الإسلامية في الجزائر وغيرها.

إن من أعظم سلبيات هذا التحدي الخارجي هو تخلي بعض الإسلاميين المسموعين عن الديموقراطية و عن تحمل ضريبة الوصول إليها، وقبل أن يستغل العلمانيون قولي فيقولون: وشهد شاهد من أهلها أقول: إن الإسلاميين أصبحوا لا يؤمنون بالديمقراطية من حيث لا يؤمنون بإمكانية تحققها لهم لكثرة الصد في طريقهم في كل بلدان العالم. لقد أدى هذا الصد إلى عدم ثقة كثير من قادة التيار الإسلامي بأنفسهم، والتسليم بأن العالم يمنعهم ولا يتركهم، وكثير ما يرددون عبارة ” يجب مراعاة الظروف الإقليمية والدولية” لكي يبرروا التوقف عن المقاومة، والكسل الذهني وعدم الإبداع في طرق المقاومة التي تجعلهم يستمرون في كفاحهم بأمان وبقدر مقدور عليه من التضحية دون مسايرة الظالمين والفاشلين. إن حالة التسليم هذه جعلتهم لا يشعرون بجدوى تثقيف أنفسهم سياسيا ولا ليتسلحوا بأدوات الكفاح العصرية. كما أن عدم إحساسهم بتلك الضغوطات جعلهم لا يشعرون بضرورة توفير برنامج اقتصادي تفصيلي وإذا وجد من يعده ( كما هو حال حركة مجتمع السلم) لا يوجد من يهتم به أو يعتمده في خطابه، وحتى التحالفات مع غير النظام السياسي أضحت لا منفعة منها في رأي بعضهم، فهي لا تؤدي إلا لتعميق مأساة عدم قبولهم من طرف السلطة.

 بل إن الإيمان بالشعب ودوره في التغيير أصبح أضحوكة لدى جزء من هؤلاء، فالشعب بالنسبة لهم ” مع الواقف” ومع “من ينفعه بالخدمات” بل أصبح قطاع كبير من الشعب يتبع ” أصحاب الشكارة” فلا داعي للرهان عليه، حسب زعمهم. لم يصبح أصحاب هذا الرأي يتحملون من يدعوهم للعمل مع الشعب والاعتماد عليه في تقوية أنفسهم وأحزابهم. والأسوء في هذا كله أنه ظهرت فئة قليلة ولكنها نافذة في العديد من الأحزاب الإسلامية الجزائرية تراودها فكرة، يعبرون عنها بلسان المقال أو بلسان الحال، وهي فكرة الرضا بالكوطة، والانتقال من الكوطة التي يأخذونها إلى حد الآن بإنقاص حقهم بالتزوير، إلى الكوطة التي يمنحها لهم من روضهم بمسار طويل من التزوير، لأن في الأخير – حسب رأيهم – هي نفسها “كوطة-كوطة” ولكن دون عناء ولا تعب ولا مواجهة.

إن كل هذه التحولات أدت إلى فقدان ” العقل السياسي”، العقل الذي يفهم ما معنى الحرية، وما معنى الديموقراطية، وما أهميتها، وما هي مخاطر التسليم للهيمنة والظلم والفساد سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وما أهمية الكفاح والمقاومة من أجل الحريات، وما هي مخاطر الفساد، وما هي أهداف ومخاطر ترويض الشعوب والنخب ، وما هي أهمية الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في الشأن السياسي، وما هي المعارف والمهارات التي يجب الحصول عليها لقوة الحجة وللبقاء في ساحة المعركة ثم الانتصار فيها.  وما هي الأدوات والأساليب والاستراتيجيات التي يجب التحكم فيها وتطويرها لمواجهة التحديات الجديدة بما يحفظ الأوطان والأمة ويحفظ كذلك أحزابهم وحتى طموحاتهم الشخصية التي تليق بالكبار . يجب أن نعترف بأن الحركة الإسلامية حدث لها ما حدث لكثير من النخب في الجزائر والعالم العربي من بروز شخصيات مُقَولبة العقل، محدودة الفهم، غير ذات حجة وغير قادرة على الثبات في الميدان، لا تكاد تفهمها حين تتكلم، لا تحمل تعبيراتها أية فكرة ولا أي مضمون سوى التبرير للاستسلام والخضوع والخنوع. وهي ظاهرة رأيتها في العديد من الأقطار الإسلامية. والحمد لله أن أوهام هؤلاء غير قابلة للاستمرار، وقد رأيتهم يتهاوون في العديد من الدول، رغم التاريخ الطويل والرصيد المشهود لبعضهم، وفي كل مرة تخلفهم موجات جديدة من النخب الصاعدة التي هي بنت عصرها ولا تحكمها عقد وخيبات الضغوطات والإخفاقات الشخصية والجماعية التي تعرض لها العديد من الإسلاميين، وهذا الذي ستخيب أمامه ظنون خصوم التيار الإسلامي في السلطة والمجتمع الذين يتحدثون عن تراجع الإسلاميين: أجيال جديدة وأنماط عمل جديدة، سواء حملتها الأوعية التنظيمية والسياسية القديمة المتجددة، أو أوعية جديدة تواصل المشوار.

 

د . عبد الرزاق مقري

لا يستطيع أحد أن يفند الأرقام الصماء التي عرضها السيد عبد المجيد مناصرة رئيس حركة مجتمع السلم مشكورا بخصوص التطور الذي شهدته الحركة مقارنة بالانتخابات المحلية سنة 2012. وكل الذي يقال ويكرر في صحافة أغلبها صار خصما للتيار الإسلامي عار من الصحة، ولقد انطلت على الجميع حيلة وزير الداخلية بإخفاء المؤشرات التي في صالح حركة مجتمع السلم كقوة سياسية ثالثة (بعد الخصم، أي بعد التزوير). ربما بعضهم استحلى تلك الحيلة واستعذبها، ولكن لا أحد انتبه بأن حيلة وزير الداخلية لم تستهدف حركة مجتمع السلم فقط، بل كانت تستهدف أكثر من ضحية، ربما الرسالة الأبرز هي لشخص محدد في ساحة المعركة ليقولوا له ضمن الصراع الجهوي المقيت أن حصان مدينتك وذويك على رقعة الشطرنج الذي يمكن أن يحقق تقدما سياسيا لست أنت، ولكنه شخص قريب من محيط الملك يتحرك بين قلعتيه و تحت حماية الملكة، قَفَزاتُه محسوبة لا تسمح بالتمرد، ومهما تحرك يبقى في مرمى المجنونَين. كل شيء عند الملك والملكة محسوب، قد أطلقا أيادي الجنون بلا ضابط وبيادقهم الفردية كثيرة، شراؤها وبيعها وقتلها وزرعها واجتثاثها كثيرة، تعبث في صفوف كل الخصوم، خصومٌ قَبِل ملوكهم دخول المعركة بلا ملكة لهم ولا حصون ولا أحصنة ولا قلاع، بيادقهم تتساقط بين موسم وموسم، لم ينجو منهم إلى الآن إلا من ملك القدرة على البقاء في الرقعة بمقاومة استثنائية وتجربة فذة ليس هدفها في هذه المرحلة الانتصار، ولكن البقاء على قيد الحياة، أطول وقت ممكن لعل قواعد اللعبة تتغير يوما ما.

إن حركة مجتمع السلم هي من تلك القوى المنافسة ضمن قواعد ظالمة لم تتغير إلى الآن ، لا تحلم بالنجاح الانتخابي في هذه المرحلة ولكنها واثقة من أن قواعد اللعبة ستتغير يوما ما، وفي ذلك اليوم سيخسأ هؤلاء الذين يهللون فرحين، يقتلهم البطر قائلين :” لقد تراجعت الحركة الإسلامية!” وكأن تجربة الربيع العربي لم تعلمهم شيئا، وكأنهم لم يروا بأن أحزابا إسلامية كانت وكأنها في النزع الأخير لطول القمع والتهجير والتزوير تصدرت المشهد في أول تجربة بعد تغيّر موازين القوة. وسأبقى أقول قولا قريبا من قول الحكام الظالمين برواية غير روايتهم. لا نقول كما يقولون: ” نحن أو الطوفان!” ولكن نقول: “نحن أو لا ديموقراطية!” أي كلما جاءت الديمقراطية كنا نحن، نعم نحن وليخسأ الحاسدون! “بربيع عربي” لسنا نحن من صنعه، أو بلا ربيع عربي كما نسعى ونحب، بل حتى بعد الانقلاب على الربيع العربي مهما طال الزمن أو قصر خلافا لما يتوقعه الذين تخُّيبهم الوقائع في كل مرة، أولئك الذين اتّبعوا أهواءهم ورغباتهم في تحليلاتهم مهما زينوها بمصطلحات العلم والاستشراف الغبي.

إن الحركة الإسلامية جزء من هذه الأمة في كل أوطانها، وقد استقرت فكرتها في المجتمع حتى تجاوزت مداها التنظيمي، ولا بد للفكرة حين تستقر في المجتمع أن تنتقل إلى الدولة مهما كان الصد طويلا وشديدا. إن هذه الفكرة هي الفكرة الإسلامية، فإذا وُضعت في المنافسة السياسية الحرة والنزيهة تتحول إلى مجهود بشري لا قداسة له لا يتعامل معه الناس إلا بقدر ما تقدم لهم من مصالح، فإن منعت أو حوربت تفلّتت من حضن الأحزاب واتجهت للمجتمع فتنغرس فيه أكثر، وكلما اشتد الكيد ضدها طفت قدسيتها على السطح فيصبح الدفاع عنها بطولة والموت دونها شهادة. إنه لا حل للتيار الإسلامي بالنسبة للذين يحاربونهم أو ينافسونهم، بغص النظر عمن يمثله، إلا بالحرية! إنه لا يمكن لفكرة كافحت في ساحة الدعوة والفكر والعمل الاجتماعي قرنا من الزمن ضمن مسار العودة الحضارية المحتومة للإسلام أن تنهزم بالتزوير أو بالمنع أو القمع. إن هؤلاء الذين يزورون على الحركة الإسلامية أو يضطهدونها لا يفقهون شيئا في علم الاجتماع والتحولات الحتمية للسنن الاجتماعية، كما لا يفهمون شيئا في حكمة السياسة ولا حتى في الاقتصاد ولا في كيفية تسيير تناقضاتهم، فكيف لهم أن يقضوا على فكرة عالمية لم تصبح مرتبطة بحزب أو جماعة ولكنها حقيقة اجتماعية غلابة.
إن هؤلاء الذين يصدون طريقنا بالتزوير ومجانينهم وأحصنتهم وبيادقهم، (ومن تبعهم ممن كان معنا ظنا منهم أننا في طريق الفناء فأرادوا الوقوف مع الواقف) لا يستهدفوننا وحدننا، وذلك هو عزاؤنا. إن المعركة اليوم في الجزائر معركة حرية وتنمية وحكم راشد، أي معركة وطنية بكل الأيديولوجيات، ولن نعدم في هذا السبيل حلفاء يسيرون ضد الظلم والفشل والفساد مهما قلوا ومهما كانوا ضعافا الآن مثلنا، بل إن كثيرا منهم موجودون حيث لا يتوقع وجودهم. إن الحركة ماضية في طريقها في موكب الإصلاح الوطني مع أي كان ممن يعاديهم الملك المتغلب مثلنا، دون النظر إلى انتمائه وأيديولوجيته ما كانت معركته معركتنا: ” معركة حريات وتنمية ورشاد الحكم” . إن حركة مجتمع السلم لا تخيفها التحديات الخارجية بقدر ما تخيفها آثار الكيد على الجبهة الداخلية، كيد الملك وملكته ومجانينهما وأحصنتهما المستعارة وبيادقهما العابثة بسمعة ومصداقية العملية السياسية برمتها.

لقد أفرزت تطورات العمل السياسي تحديات جديدة على الحركة، وسلبيات لم تكن موجودة من قبل، عليها أن تقر بها وتواجهها وتعالجها، وإلا فسيكون فناؤها بهذه التحديات والسلبيات الداخلية لا بالكيد الخارجي والتزوير الانتخابي. ومن هذه التحديات ما يلي:

…. يتبع.

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية