2- مؤشرات الإخفاق والفشل: من المسؤول.
من أهم ركائز الحكم الصالح، وأكثر الصفات وضوحا للنظام الديمقراطي “المسؤولية”. أي أن الحاكم حين يحكم يشعر بأنه تحت رقابة من أوصله للحكم وأنه سيُسأل عن تصرفاته ونتائج أعماله، فإذا نجح وصلُح استحق التأييد والمؤازرة وتجديد الثقة، فإن فشل وتأكد فشله أو استحكم فساده واستمر في غيّه استحق الخذلان والاعتراض وسَحب الثقة منه بل ربما الخلع والنزع. إنه لا معنى لكلمة المسؤولية سوى هذا. إن ” المسؤولية” التي هي بمعنى تقلد المناصب وفق ما درج في لغة السياسة مأخوذة من كلمة سَأل يَسْأل فهو سائل، وسُئِل يُسأل فهو مسؤول. فإذا كنا في دولة تحترم القانون، ويقوم عليها أشخاص متحضرون كانت معالجة الأمر يسيرة سهلة: حين يفشل المسؤول أو يتورط في فضيحة يستقيل قبل أن يقال، فإن لم يفعل لاحقته المؤسسات الرقابية والقضائية حتى تأخذ الحق منه، فإن صمد وتحايل على المؤسسات تأتي الانتخابات الموالية فيُسقطه الناخبون بأصواتهم، ولكن إذ تسلّط على الحكم متخلفون، بهم عاهات نفسية وفكرية صعُب الأمر وتعقدت المعالجة واشتد الكرب على الناس، ولا يتغير الحال إلا بعد أزمات عظيمة وفتن شديدة لا تُبقي ولا تذر.
أخشى حقيقة أن يكون أمرُنا في الجزائر على هذا النحو الأخير. لقد حكم الجزائر منذ الاستقلال نظام سياسي واحد أتيحت له من الفرص ما لا يخطر على البال ولكنه في كل مرة يفشل فشلا ذريعا، وفي كل مرة يُدخل البلد في أزمات عظيمة تعمِّق تخلفنا. وكانت آخر الفرص هذه التي برزت منذ سنة 2000، نعمت الجزائر بالأمن والاستقرار، وتوفر للنظام السياسي قاعدة سياسية عريضة، وشعب صبور أحبطت طموحاتِه فتنُ الدماء والدموع، ومداخيل خيالية تمثل 70 بالمائة من مجمل المداخيل من الاستقلال. لقد أنفق النظام السياسي قرابة 800 مليار دولار ومع ذلك ازدادت تبعيتنا للمحروقات فأضحت مداخيل البترول والغاز تمثل 98 بالمائة، و60 بالمائة من إيرادات الدولة، وإلى 30 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، ولم يصل معدل النمو في هذه الفترة كلها 4 بالمائة، وفي الأخير وجدنا أنفسنا في أزمة اقتصادية تهدد مستقبلنا جميعا. إن الدراسة التي قام بها بعض المتخصصين في ما يمكن تحقيقه بهذا المبلغ تُطير النعاس من الهم بالمقارنة بما تم إنجازه فعليا في مختلف أنحاء العالم بهذا المبلغ: شبكة معاهد ومدارس وجامعات من الطراز الأول تخرج أنجب الإطارات، ومدن بكاملها تُبنى من الصفر، ومئات ناطحات السحاب، ومطارات لا مثيل لها، وإقامة شركات منتجة بمقاييس الشركات العالمية، ومستشفيات بأرقى المواصفات، وقطارات سريعة راقية بآلاف الكيلومترات، وطرق سيارة لا تبقى معها أزمة في السير أبدا، وفنادق فوق المعايير العادية، ويبقى في الخزينة فائض بمائة مليار دولار على الأقل. كل هذا لم يحدث في الجزائر للأسف الشديد، بل العكس هو الذي حدث، مشاريع في حالة مزرية أُنفق عليها أضعاف ما يجب إنفاقه ـ بسبب الفساد، وكثير من المشاريع آيلة للتوقف، وبعد كل الإنفاق الجنوني الذي وقع تواجه الجزائر أزمة عميقة مفتوحة على كل الاحتمالات.
لقد نبهتُ بنفسي المسؤولين مرارا وتكرارا، زرتهم في قصر الحكومة وفي رئاسة الجمهورية وفي العديد من مكاتب الوزارات وتحدثت معهم بالتحليل الاقتصادي وبالأرقام الصماء، ولكنهم لم يسمعوا، بل إن العديد من المسؤولين كانوا يُكذِّبون توقعاتنا، ويتهموننا أثناء خطبهم بالكذب وتسويد الصورة. بعضهم كان يتصرف هكذا رغم كفاءته لأنه يريد البقاء في منصبه، وبعضهم عديم الكفاءة قليل الإدراك بحقائق الاقتصاد ومقتضيات التسيير، وبعضهم كان ماكرا يعرف الحقيقة ولكنه يجحدها ربحا للوقت، وربما لحاجة في نفسه، خوفا من أن يؤدي الاعتراف إلى زعزعته عن الحكم، أو ربما، بالنسبة لبعضهم، لشر يضمره للبلد وأهله.
حينما انهارت أسعار المحروقات كشفت المستور قبل الأوان ولم يصبح ممكنا إخفاء الحقائق. إنه يمكن أن نفهم بأن انهيار أسعار البترول في هذه المرحلة بالذات نعمة من الله، ذلك أن المشكلة لا تتعلق في حقيقة الأمر بأسعار البترول فقط، بل الأزمة أعمق من هذا، ولو لا أزمة الأسعار لاستمر الغرور والخداع وقتا أطول و لأصبحت عملية الإنقاذ مستحيلة. إن معضلة المحروقات تتعلق أولا بمشكلة تراجع الاحتياطات، هذا الذي نبّهْنا له مبكرا، وصدّقنا في ذلك وزير الطاقة والمناجم يوسف يوسفي في مكتبه قبل أن يقال بشهر واحد، فقد أخبرني بأن الاحتياطات الجزائرية في تراجع منذ عشرين سنة، ويتبع هذا التراجع تراجع في الإنتاج، حيث لم نصبح قادرين على الوصول للسقف الذي حددته منظمة الدول المصدرة للبترول (opep)، ويضاف إلى هذه المعضلة مشكلة الاستهلاك المحلي حيث نستهلك في حدود 40% مما ننتجه من الطاقة. وفي ظل هذا الواقع كله ليست الجزائر متأكدة من قدرتها على تغطية احتياجات زبائنها في أوربا عندما يأتي أجل تجديد العقود سنة 2019 وفق ما أخبرني به ذات الوزير. فالمشكلة قائمة إذن في كل الأحوال، وإنما جاء انهيار أسعار المحروقات في الأسواق العالمية فانكشفت الحقيقة، ولما تأكد استمرار هذه الانهيارات أصبح المسؤولون غير قادرين على إخفاء هذا الواقع الأليم.
لقد صرح المسؤولون بشكل واضح أن الأوضاع أصبحت مخيفة، عبروا عن ذلك بأنفسهم في عدة مناسبات، ثم جاء قانون المالية فرسموه في أهم وثيقة قانونية تتعلق بالتسيير الاقتصادي والاجتماعي.
إننا كلما اطلعنا على المؤشرات الاقتصادية التي تصدرها العديد من المؤسسات الدولية التي تعترف بها الدولة الجزائرية وتتعامل معها نجد بلدنا في مؤخرة الركب عربيا ودوليا وبالنسبة لكثير من الدول الافريقية، ومن هذه المؤشرات ما يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره السنوي عن التنافسية العالمية حيث نجد في تقرير سنة 2015 ـ 2016 أن الجزائر في ذيل القائمة عربيا ( المرتبة 87 عالميا من 140 دولة) بعد دول مجلس التعاون الخليجي وبعد الأردن والمغرب ولا يأتي بعدها سوى الدول العربية التي تعيش أزمات كبرى مثل لبنان (101) ومصر (116) واليمن (غير مرتبة) وسوريا (غير مرتبة)، وحينما نذهب للتفاصيل نشعر بكثير من الحزن، ولا نركز في هذه التفاصيل هاهنا إلا على القطاعات التي أُنفقت فيها أموال ضخمة وكانت مجال مزايدة من السلطات وأزلامها وهو قطاع الهياكل القاعدية التي احتلت فيه الجزائر المرتبة 106 بشكل عام، وفي التفاصيل نجد مرتبتنا في نوعية الطرقات 117، والموانئ 117، ومنشآت النقل الجوي 128. ويمكن كذلك أن نتحدث عن مؤشر مهم من الناحية الرمزية وهو ما يتعلق بمرتبة الإبداع حيث نجد أنفسنا في المرتبة 128 من 140. ولعل هذا أسوء ما فعله بنا النظام السياسي أي أنه أنتج لنا مجتمعا بلا إبداع. غير أنه لا أدل ولا أبلغ ولا أوضح في حديثنا عن فشل النظام السياسي من الأرقام التي أعطاها بنفسه في قانون المالية.
لقد بينت مؤشرات الحكومة في قانون المالية 2016 بأن إنفاق قرابة 800 مليار دولار ذهبت هباء بالنظر لحجمها، وأننا نتجه بشكل مطرد إلى أزمة اقتصادية حقيقية، ويدل على هذا الأرقام الآتية:
– لم يتجاوز معدل النمو 4 % ، بمعنى أننا ننفق 7 دولارات ولا نربح إلا دولارا واحدا (المغرب ينفقون دولارا واحدا فيحصلون على ثلاثة دولارات).
– عجز في الميزانية ب: 4747،4 مليار دينار.
– عجز في الخزينة ب: 245،7 مليار دينار.
– عجز في الميزان التجاري ب : 26,4 مليار دينار.
– عجز في ميزان المدفوعات ب: 30،3 مليار دينار.
– والأخطر في هذه الأرقام هو ما صرحت به الحكومة في هذا القانون من أنه لن يبقى في صندوق ضبط الإيرادات في نهاية 2016 سوى 1797،4 مليار دينار أي ما يعادل 17،028 مليار دولار، وإذا أخذنا بعين الاعتبار مبلغ النفقات المقترح في مشروع قانون المالية 2016 المقدر ب 7 آلاف مليار دينار قد يبلغ العجز 2500 مليار دينار، وذلك بالرجوع لما هو معتاد في كيفية الحساب على أساس مراجعة السنوات السابقة حيث أن ميزانتي 2012 و 2014 اللتين بلغت فيهما النفقات سبعة آلاف مليار دينار بسعر مرجعي للبترول 37 دولارا تركت خلفهما عجزا ب 3000مليار دينار، فمن أين ستسدد الحكومة عجز الميزانية المرتقب في نهاية 2016؟
– وأما عن احتياطي الصرف فقد انبأنا قانون المالية بأنه لن يبقى منه في نهاية سنة 2016 سوى 121.2 مليار دولار أي ما يغطي 23 شهرا فقط من الواردات، فكيف ستصنع الحكومة لتمويل السوق الجزائرية وتلبية احتياجات الأسر والمؤسسات ابتداء من نوفمبر 2018؟
– ومما يجعلنا نشعر بضغط الأزمة أكثر أن ميزانية التسيير وحدها (4807.3 مليار دينار ما يعادل 45.544 مليار دينار) أكبر من إيرادات الميزانية ( 4747.4 مليار دينار ما يعادل 44.969 مليار دولار) في تقديرات قانون المالية لسنة 2016، وإذا علما أن كتلة الأجور وحدها تساوي 35 مليار دينار لنا أن نتصور المشكل الكبير الذي يتنظر العمال، هذا في حالة استبعادنا كلية لميزانية التجهيز المقدرة ب 3176،8 مليار دينار ما يعادل 30،096 مليار دينار.
إن الأمر الذي نريد أن نركز عليه في هذا المقال قبل تحليل التدابير التي تقترحها الحكومة في القانون، وقبل التطرق إلى الحلول التي نقترحها في المقالات المقبلة هو توضيح معالم الأزمة لكي لا يفلت النظام السياسي من المساءلة هذه المرة، وليس في اهتمامنا الاعتماد على خطاب الهوية أو برفع الصوت بالتقريع العام والشعارات الكبيرة كما هي عادت الإسلاميين في مراحل سابقة. نريد أن نُظهر عجز النظام السياسي بالخطاب العلمي بما لا يجعله يقدر على إدخالنا في مواجهات هامشية عقيمة يكون هو الناجح فيها، يستأسد فيها علينا بحلفاء كثر من الداخل والخارج. إن الأرقام التي تحدثنا عنها صماء لا تقبل النقاش وحالة الفشل واضحة لا يمكن لأحد أن يبررها.
إننا، من جهة، لا نريد في تركيزنا على الجانب الاقتصادي في معارضتنا للنظام السياسي أن نكون من أتباع نظرية “التفسير المادي للتاريخ”، المؤسِّسة للفكر الاشتراكي – الماركسي، وإنما قد حددنا لأنفسنا نظرية جديدة في تفسير التطورات السياسية وهي نظرية “المتتاليات الأربع“. وهي أن الحياة البشرية تدار وفق حلقات متتالية أولها التدبير السياسي أو ما يسمى بالحوكمة “La gouvernance ) ) فإن كانت هذه الحلقة الأولى موفقة وكان الحكم صالحا أو راشدا كانت الحلقة التي تليها موفقة وهي التدبير الاقتصادي إذ تَتَحقق التنمية في البلاد وتنشأ الثروة وتعم الوفرة وتُصنع القوة فتكون الحلقة الثالثة ناجحة كذلك وهو التدبير الاجتماعي إذ يكون المجتمع مزدهرا ينعم بالرفاهية والانسجام والتحضر والتطور فيؤدي ذلك إلى توفر الأمن والاستقرار فيعود هذا بالنفع على الحكم والتدبير السياسي. وعكس ذلك صحيح حين يؤدي فساد الحكم إلى الضعف الاقتصادي فيؤدي هذا الأخير إلى الفقر والحرمان والندرة والاضطرابات الاجتماعية فتجد البلاد نفسها في اضطرابات أمنية فتتعمق الاضطرابات السياسية وتتسع الأزمة وتجتمع كل مقومات التخلف. وعلى أساس هذه النظرية نعتبر أن المسؤول عن الفشل الاقتصادي هو النظام السياسي وأن هذه الحالة الاقتصادية ستؤدي إلى اضطرابات اجتماعية متتالية ابتداء من نهاية 2016 فإن أصر النظام السياسي على عتوه وظلمه وجبروته وتعامل مع التطورات بعنف سيؤدي هذا كله إلى اضطرابات أمنية كبيرة ستعصف بالاستقرار السياسي وربما ندخل في فتنة جديدة لا تُحمد عقباها.
إننا أمام هذه المؤشرات الخطيرة التي صرحت بها الحكومة نفسها لا بد أن نحدد من المسؤول؟ حتى نستطيع التغيير والإصلاح. إن المسؤول هو رئيس الجمهورية، فهو الذي صنع هذا الواقع، هو المسؤول عن الرجال الذين استعان بهم ومسؤول عن البرامج التي اختراها وأقرها ومسؤول عن الأموال الطائلة التي أنفقها دون جدوى تكافئها، ومسؤول عن تفويت الفرصة التاريخية لتحقيق إقلاع لا مثيل له بالنظر للإمكانيات التي توفرت، ومسؤول عن ترشحه للعهدة الرابعة رغم مرضه وعدم قدرته على الإشراف على الحكم ومتطلباته، ومسؤول عن غلق الساحة السياسية ومنع أي فرصة للتصحيح والاستدراك، بل محاربة كل الأصوات التي دعت للتصحيح من خلال قراراته غير الديمقراطية ومن خلال تسليط أزلامه في الأحزاب الموالية والمؤسسات الإعلامية الموالية، والمؤسسات الأمنية التي تحكّم فيها تحكما كاملا، وامام هذا الصد الشديد لم يستطع إلى الآن أولئك الذين أرادوا المساهمة الصادقة في خدمة البلد من خلال رؤية توافقية حكيمة اجتمعت عليها المعارضة بمجملها في ندوة مازفران التاريخية وفق مشروع الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه. وبعد رئيس الجمهورية تتحمل المسؤولية الحكومات المتعاقبة ووزرائها، كل على قدر مسؤوليته وصلاحياته و بقدر مساندته للأمر الواقع، وقد لا يعفى من هذه المسؤولية سوى الذين قرروا بمحض إرادتهم النأي بأنفسهم عن هذا الحكم حينما اتضحت لهم الأمور، كما هو حال السيد أحمد بن بيتور والسيد عبد العزيز رحابي وغيرهما، وكما فعل وزراء الحركة حينما رأت حركتهم بأن بقاءهم في الحكومة غير نافع للإصلاح السياسي. وبعد الحكومة تتحمل المسؤولية أحزاب الموالاة ونوابهم ومنتخبوهم والمنظمات المساندة للفشل والضعف والرداءة، بل يتحمل المسؤولية في الأخير الساكتون عن الحق والمناوئون لكل مخلص يريد الإصلاح لمصلحة الوطن ولمصلحة كل الجزائريين.
د. عبد الرزاق مقري
1ـ الظروف السياسية المحلية والدولية التي يصدر فيها قانون المالية.
يعتبر قانون المالية المعروض على المجلس الشعبي الوطني أخطر قانون مالية عرفته الجزائر منذ سنوات، فهو يعبر بشكل واضح عن إرادة سياسية لتحول الدولة الجزائرية بطريقة غير ديمقراطية، ليجسد توجها ليبيراليا ورأسمالية متوحشة تكون لصالح أقلية مسيطرة ولخدمة مصالح أجنبية ضد مصلحة البلد ومستقبل الجزائريين.
قبل التطرق لتفاصيل قانون المالية لا بد أن نذكر بالظروف السياسية المحيطة. لا بد أن نشير بأن هذا القانون هو نتيجة حتمية لمسار سياسي طويل للنظام السياسي. لقد حبى الله الجزائر بإمكانيات عظيمة وظروف متميزة تؤهلها لتكون بلدا مزدهرا ومتطورا وقويا ومستقرا، لقد استطاعت الثورة التحريرية المباركة أن تصنع شعبا يتحلى بكثير من مواصفات النجاح، من عزة وطنية ووحدة شعبية وبناء عقائدي ورؤية بيّنة لما تكون عليه الدولة عند الاستقلال انخرط فيها المجتمع بكليته ” دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وإلى جانب ذلك نخبة سياسية ذات كفاءة عالية صنعها النضال الطويل في مسار الحركة الوطنية ثم الكفاح المسلح والمقارعة السياسية للحلف الأطلسي بكامله، كما أنعم الله على البلد بإمكانيات مادية لا محدودة، من موقع جغرافي وأراض فلاحية وطبيعة خلابة وموارد طبيعية وبشرية. غير أن النظام السياسي الذي تشكل غداة الاستقلال على اثر الانقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة ضيّع كل هذه الفرصة وفرض على الشعب الجزائري نظرة أحادية في كل شيء، فرض على الجزائريين نمطا اشتراكيا في التسيير السياسي والاقتصادي أدى إلى إفلاس البلد في منتصف الثمانينيات، وحين ثار الشعب على فساده ورداءته، تحايل عليه بالدفع نحو انتقال ديمقراطي مغشوش أدخل البلد في مأساة عظيمة دفعت بكثير من الوطنيين النزهاء، على رأسهم حركة مجتمع السلم، أن يتخلوا عن طموحاتهم وأفكارهم بغرض المساعدة على الخروج من الأزمة، وفي الوقت الذي كان الرجال والنساء يضحون في سبيل استقرار البلد من مدنيين وعسكريين، كانت فئة من داخل الدولة تعد لما بعد الإرهاب حتى تسيطر مرة أخرى على البلد ومقدراته.
لم ينتبه كثير من الجزائريين بأن فترة ما بعد الإرهاب التي أُطلق عليها إسم “المصالحة الوطنية” ستكون نهايتها أزمة اقتصادية واهتزازا للسيادة وتهديدا للاستقرار الاجتماعي قد يعرض الوحدة الوطنية للخطر لا قدر الله إن لم يستدرك الوطنيون النزهاء الأمر قبل فوات الأوان. لقد كانت بداية فترة ما بعد الإرهاب مشرقة حقا، توقفٌ للاحتراب الدموي ومصالحة دخل فيها كثير من الجزائريين، وبحبوحة مالية غير مسبوقة، وعودة الجزائر للساحة الدولية، بل و”سقوط الأمطار وتراجع القحط”، وانطلاق مشاريع تنموية ضخمة، ورمزُ ذلك كله رئيس للدولة له تاريخ عريق في السياسة، وخطيب مفوه وشجاع، وعد بإنهاء الفساد وتطوير البلد. إنه لم يكن يحلم الجزائريون بأكثر من هذا!
كان من المفروض أن تصبح الجزائر في هذا السياق مثل كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو تركيا أو الفيتنام أو بولونيا أو أندنوسيا أو تركيا كدول مرت على ظروف مشابهة لظروفنا ثم أقلعت ونهضت… ولكن ذلك لم يتحقق للأسف الشديد، فها هو حكم الرئيس بوتفليقة يوشك أن ينتهي والوضع حزين كئيب، لم يصبح يتذكر الجزائريون سوى عناوين الفساد كقضية الخليفة وغيرها من فضائح البنوك، إلى شكيب خليل إلى سونطراك واحد وإثنان، إلى فضيحة الطريق السيار، ولا تتحدث الجرائد إلا عن أخبار صراعات أجنحة النظام الحاكم، داخل الدولة كلها، ثم بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، ثم داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، ثم بين شخصيات وأحزاب الموالاة. ثم أصبح حديث مرض الرئيس هو الموضوع الأكثر إثارة في الصحافة وفي الصالونات والمقاهي والشوارع، ثم جاء انهيار أسعار البترول فسقط الوهم وانكشفت الحقيقة. لم تتوقف المعارضة، وفي قلبها حركة مجتمع السلم، عن التنبيه لقدوم الأزمة قبل حلولها بثلاث سنوات على الأقل ولكن لم يُسمع لها. لم يسمع لها لأن الساكنين في قصور الحكم لم يكونوا على قدر من الكفاءة والنزاهة يسمح لهم بالإبصار والنظر وحسن التدبير والعمل. بل أصبح من يقول لهم الحقيقة هو العدو وهو الخصم، لم يحسنوا سوى الهروب إلى الأمام ومحاولة ربح الوقت وضرب المنافسين تحت الحزام، في ما بينهم وفي مواجهة المخالفين لهم خارج الحكم. سمتهم الأبرز هي الظلام والغموض والتدليس والإشاعة والمراوغة، حتى أصبحت صحة رئيس الجمهورية لغزا عظيما، يموت عدة مرات ويحي، تتحدث عنه وسائل إعلام أجنبية بأنه عندهم في مستشفياتهم ولا خبر عندنا في الجزائر، لا يستطيع حزب أو باحث أن يستشرف المستقبل ويعد العدة للآتي، كما هو حال الراشدين، لكثرة الإشاعة والغموض. لقد شاء الله أن يطول حكم رئيس الجمهورية الذي هلل له كثير من الجزائريين وأن يعيش إلى أن تقع في حكمه وحياته أزمة اقتصادية وتفكك سياسي أبطل كل تلك الهالة التي رسمها أنصاره بأنه “الرجل المخَلّص” بل حتى أنه ابتلي، نسأل الله له ولجميع المسلمين العافية، في أعز ما يملك وهو لسانه، الذي يجادل به عادة فيُسكت غيره.
عندما وصل النظام السياسي إلى هذا الحال، أصبح لا يهمه إلا أمران، هما اللذان يهددانه في وجوده، القوى الدولية الغربية وغضب الشارع الجزائري. أما التهديد الثاني فقد حاول علاجه بشراء السلم الاجتماعي وتوزيع فتات الريع بلا رشد ولا بصيرة، وبكسر الأحزاب السياسية وإضعاف المجتمع المدني حتى لا يكون ثمة بديل له يؤطر الناس، ضمن سياسة حكام العرب ” أنا أم الدمار”، وأما التهديد الأول فقد عالجه بشراء الموقف الخارجي بالامتيازات اللامحدودة الضاربة للسيادة والمصلحة الوطنية.
لقد أدت هذه السياسات الرعناء إلى صناعة مشهد مخيف غير متحكم فيه، أما الشارع الجزائري فقد زُرعت فيه فخاخ السخط من الآن وأصبح هو العائق الأكبر لأي إصلاح اقتصادي بسبب تعويده على العطاء بلا عمل لشراء سكوته، فمن يمسكه إذا غضب في ظل غياب من يستطيع تأطيره من أحزاب ومنظمات مجتمعية؟ وأما القوى الخارجية الغربية فقد اغتنمت الفرصة فابتزت النظام السياسي فأكلت منه اللحم وامتصت العظم، وأصبحت الجزائر ساحة مفتوحة لهم، ثم ها هي الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا، تحت غطاء أمريكي، تنتقل لرجال الأعمال أصحاب الحظوة وشركائهم النافذين في الدولة ليصبحوا هم شركاء المستقبل لتحويل الجزائر من منطقة نفوذ كما كانت عليه منذ الاستقلال إلى منطقة تبعية تكون لهم حصريا في مواجهة التمدد الصيني في أفريقيا، ولا يكون ذلك إلا بتحويل الجزائر إلى المذهب الليبيرالي الغربي ونظامه الرأسمالي المتوحش الذي يتيح لهم استغلال الإنسان والسيطرة على خيرات الدول.
إننا نعيش وضعا سياسيا خطيرا تحالفت فيه القوى الغربية مع الرجال النافذين في الدولة ومع رجال الأعمال المحظوظين لتحويل الجزائر من احتكار الدولة للثروة والسلطة إلى احتكارها من قبل رجال الأعمال من الداخل والخارج، فتصبح المؤسسات الخاصة المالية والاقتصادية الكبرى هي التي تتحكم في القرار وأصحاب القرار وفي الإعلام وفي القضاء وفي المؤسسات التشريعية والقضائية، كما هو الحال في العديد من الدول الغربية (دون أن يكون لنا كما لمجتمعاتهم قدرا من الحرية واحترام القانون يخفف غلواء أصحاب المصالح)، فتذهب السيادة وتضيع المصلحة الوطنية وتُقمع الحريات والديموقراطية بأشكال شيطانية تستعمل فيها كل الوسائل الخسيسة. ومن هذه الوسائل الإرهاب الذي أصبح أداة دولية تستعملها كل الأجهزة الاستخبارية في العالم في الحرب بينها على المصالح والنفوذ، وما نراه هذه الأيام تحت عنوان ” داعش” هي حرب عالمية بكل المقاييس بين الأمم يُستعمل فيها المجرمون والحشاشون والأغبياء من المتدينين ويضيع فيها الأبرياء الذين أكثرهم من بني جلدتنا، وتضيع فيها السكينة وتُذبح فيها الحرية لكي يستطيع كُبّار العالم تمرير مخططاتهم وفرض إرادتهم في جو الهلع والحزن.
هذه هي الأجواء التي يصدر فيها قانون المالية كوسيلة قانونية لتحويل الدولة، فهل سيكون في الجزائر من ينتبه لهذه المخططات الجهنمية بعزيمة وإصرار وذكاء وحكمة؟
د. عبد الرزاق مقري
« Malheureusement les autocrates arabes ne composent qu’avec elles-mêmes, excluant tout partage du pouvoir » : extrait d’un article paru aujourd’hui dans un journal francophone Algérien.
Il l’a dit, il s’est finalement exprimé sur la réalité d’une grande majorité des « laicards » Algériens dénués d’objectivité, de probité intellectuelle, d’éthique et pour beaucoup d’entre eux de culture et de savoir.
C’est un chroniqueur spécialisé dans la lutte contre le mouvement islamique, toute tendance confondue, dont je ne citerai pas le nom, par respect à son journal. Il s’est fait aujourd’hui défenseur du dictateur sanguinaire égyptien Al Sissi, le qualifiant comme étant le « président qui a sauvé son pays d’un péril vert certain ». Il parle du parti de la liberté et de la justice égyptien, il s’agit de ce parti là qui a était appelé, selon ce chroniqueur et ses pairs dans le monde arabe, a donner des résultats en une année de gouvernement seulement, sinon il faut le renverser par coup d’état militaire et puis il faut massacrer, emprisonner et torturer ses militants et sympathisants par centaines de milliers, et de surcroit l’étiqueter comme étant une organisation terroriste, contre toute les réalités de l’histoire de cette grande école « frère musulman » de la modération et du juste milieu.
Au moment ou ce tortionnaire continue ses massacres contre les hommes et les femmes innocents, à engouffrer l’Egypte dans un véritable péril moyenâgeux, rouge de sang et noir décadent, notre chroniqueur ne s’inquiète que du partage du pouvoir. Ils sont comme ça les mauvais élèves laïques, ils se fichent éperdument de la démocratie et des droits de l’homme, ils sont en quête permanente d’alliances avec les dictatures, dans le secret par moment et ouvertement dans les moments d’assurance, par entrisme ou par lobbyisme , ou même par les alliances les plus machiavéliques que l’esprit humain peut imaginer, sans aucune responsabilité ni morale. Pour eux la démocratie ne doit fonctionner que dans le sens qui les arrange, leur haine contre les mouvements de référence islamique n’a de raison que l’intérêt personnel, tant ils sont persuadée que leur vie est impossible dans un monde guidé par les principes d’un Islam qu’ils n’aiment pas, même si ce monde n’est que libertés, progrès et prospérité.
Dr. Abderrazak Makri.
إن عظمة الثورة التحريرية لا تكمن فقط في دحر الاستعمار وتحقيق هدف الاستقلال الوطني، إن ثورة نوفمبر بنت مشروعا حضاريا متكاملا، وهوية وطنية واضحة، صنعت شعبا بكامله، بفكر جديد، ونفسية جديدة ومشروع جديد. لم يكن الجزائريون أبدا بعد الثورة مثل ما كانوا عليه قبل الثورة التحريرية.
حينما وطئت أقدام الاستعمار أرض الجزائر كان أغلب الجزائريين غافلين عن شأن الحكم والسياسة والعلاقات الدولية، وكانت حماية الثغور هي شأن الحكام الأتراك الذين كانوا يدينون لهم بالولاء ضمن ولائهم للخلافة الإسلامية العثمانية، لم تكن لهم علاقة بالشأن العام، ولم يكن لهم دراية بما يحدث خارج مناطقهم وقبائلهم ولا ما يحاك ضد بلدهم في الساحة الدولية. غير أنهم حينما رأوا عساكر الفرنسيين على أرضهم بعد هزيمة الداي حسين انطلقوا في محاربة الغزاة فجعلوا بسط نفوذه على كل الأراضي الجزائرية يستمر سبعين سنة، عبر مقاومة مشتتة وغير منضبطة خصوصا بعد انهزام الأمير عبد القادر في الغرب والوسط، والحاج أحمد باي في الشرق، تعاملت معها الجيوش الاستعمارية بلا شرف ولا إنسانية حيث ابتكرت أسوء أنواع الجرائم في حق المدنيين الجزائريين لإضعاف المجاهدين في جبهات القتال. وعندما انتهت المقاومة الشعبية في بداية القرن الماضي عمدت فرنسا على إلغاء المقومات التي جعلت هذا الشعب البطل يقاوم في كل شبر من أراضيه ويقدم كل تلك التضحيات. فكانت الحرب شرسة على دينه ولغته وعناصر وحدته الاجتماعية، بل حتى على آدمية كل فرد منه وعلى وجود هذا الفرد ك”إنسان” في بلده، فتمت مصادرة أراضيه، وأُخذت الأوقاف وألغيت المقومات الاقتصادية، وعطل التعليم وألغيت المدارس وحوربت اللغة العربية وكل ما يتعلق بالمقومات الثقافية، حتى حوّلوا مع مرور الزمن أغلب الشعب الجزائري إلى شعب مدمّر الكيان يسيطر عليه الفقر والجهل وتنهشه الأمراض والمجاعات والأوبئة، ثم اتجهوا إلى إفساد عقله وفكره بتشجيع الشعوذة من جهة والقدرية والفهم المنحرف للدين بتحويل الزوايا والطرق الصوفية السنية التي حاربته باسم الدين إلى طرق صوفية للشعوذة يقودها عملاء له يشجعون الناس على الاستسلام لفرنسا كقدر رباني لا يجوز الاعتراض عليه، ومن جهة أخرى بخلق نخبة قليلة متعلمة في مدارسه مندمجة كلية في ثقافته متنكرة للثقافة الجزائرية العربية الإسلامية، تستعملها كطابور خامس لتفريق الجزائريين ضمن استراتيجية “فرق تسد” الاستعمارية، ومع هذا كله حاولوا بشتى الوسائل تغيير دين كثير من الجزائريين وتحويلهم إلى النصرانية أو اللادينية.
لقد أدت هذه المخططات إلى صناعة شعب مدمر عاجز جاهل خائف خانع مستسلم، ولم يكن ممكنا البتة لذلك الشعب أن يقاوم الاستعمار في تلك المرحلة، أو أن يسأل عن مصيره وعن حقه في أرضه وحماية هويته. ولو لا أن الله سخر لهذا الشعب المغلوب حينذاك نخبة وطنية غيرت سبل المقاومة، فاتجهت للعمل السلمي الثقافي والسياسي لكنا اليوم كما هي كثير من الدول التي اندمجت كلية في ثقافة المستعمر إلى الأبد، خصوصا في الدول التي استعمرتها فرنسا في القارة الافريقية.
منذ أن هُزمت المقاومة الشعبية المسلحة وبدأ الاستعمار الفرنسي في مخططاته الاستدمارية المتنوعة والمتعددة بدأت تتشكل الحركة الوطنية السلمية وأدى تطورها إلى بروز ثلاث منظمات كبرى هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت تركز على إعادة بناء الإنسان الجزائري من خلال نشر التعليم الحر والنشاط الثقافي العربي الإسلامي بشتى الوسائل المتاحة، وحزب الشعب ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي كانت تطالب بالاستقلال والانفصال التام عن فرنسا واستعملت في ذلك كل الوسائل التوعوية السياسية المتاحة ومنها الانتخابات، والاندماجيون الذين كانوا يناضلون من أجل حقوق الجزائريين والاعتراف بخصوصيتهم الثقافية ضمن الجنسية الفرنسية وإنهاء قانون الأهالي العنصري وكان نضالهم في الغالب سياسيا يعتمد كذلك على الانتخابات.
لقد كان هذا النضال الوطني السلمي، مختلفا في الأهداف والوسائل، ووقعت داخله حالات اختلاف جوهرية خصوصا ما يتعلق بالإدماج الذي كانت ترفضه جمعية العلماء وحزب الشعب حتى انتهى كلية في مطالب الحركة الوطنية. غير أن ذلك النضال كان رجاله متعايشين ومتعاونين بل ومتكاملين في كثير من الأحيان، وقد حقق نتائج كبيرة في إعادة صياغة الشخصية الجزائرية وأخرج للوجود عددا معتبرا من المناضلين بقدر كبير من الوعي والكفاءة. غير أنه لم يصل أبدا إلى صناعة البعد الوطني الشامل في الشعب الجزائري بكامله حتى جاءت الثورة التحريرية النوفمبرية المباركة.
لقد أبلت الحركة الوطنية بلاء كبيرا قبل نوفمبر 1954، وقد مثلت مرحلة ضرورية في نضال الشعب الجزائري، وبنت أرضية وحاضنة مهمة لاندلاع الثورة التحريرية، ولكن تعنت الاستعمار الفرنسي أفسد كل حساباتها وأبطل صدقية منهجها السلمي وأدخلها في أواخر أطوارها في حالة بادية من التيه والخلاف وتراجع المصداقية. وقد مثل التزوير الانتخابي الجدار المنيع والدليل القاطع على عدم فاعلية العمل السياسي، وكان ذلك التزوير هو السبب الرئيسي في عدم انخراط عموم الجزائريين في اللعبة السياسية، ثم جاءت مجازر الثامن من شهر ماي 1945 فأعطت الدليل على عدم إمكانية تحقيق الاستقلال بالطرق السلمية، مهما بذل الجزائريون من جهود في محاورة فرنسا، ومهما كان استعداد ” بعضهم” في الاندماج في ثقافتها ومهما كانت تضحياتهم في الدفاع عنها في حروب طاحنة، منها الحربين العالميتين.
أدت هذه الظروف، وظروف أخرى إلى اندلاع الثورة التحريرية النوفمبرية المباركة، على يد مجموعة قليلة تدربت على العمل المباشر في المنظمة الخاصة التابعة لحزب الشعب، وتعلم بعضها في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. واللافتفي الأمر أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا واثقين بأن الشعب الجزائري سيلتف بثورتهم، وحينما بدأوا عملهم الثوري كان أغلب الشعب الجزائري على الحياد، وكان بعضهم يشكك في قدرتهم على هزيمة فرنسا، وكان العديد من الجزائريين في المعسكر الفرنسي منذ البداية. غير أن الثبات والصبر ثم الزخم الذي أخذته العمليات الثورية والبطولات التي أظهرها هؤلاء الرجال، وحالة الهلع التي أصابت فرنسا العجوز المهزومة في حربها في فييتنام وفي الحرب العالمية الثانية، وردود فعلها الإجرامية هي الأمور التي حركت مكامن الشخصية الجزائرية التي عملت فرنسا على تدميرها طيلة قرابة قرن من الزمن، والتي عملت على إعادة بنائها الحركة الوطنية.
فلئن كانت المقاومة الشعبية قد رسمت تاريخا مشعا أكد الحق الجزائري في أرضه وأن هذه الأرض لم تؤخذ منه إلا عنوة عبر جرائم مهولة شاهدة في التاريخ، ولئن كانت الحركة الوطنية قد أعدت الجيل الذي صنع الثورة، فإن ثورة نوفمبر هي وحدها التي صقلت الشعب الجزائري عبر تاءات الوطن كلها، من تاء تلمسان، إلى تاء تبسة إلى تاء تيبازة إلى تاء تمنراست، هي وحدها التي رسّمت الحدود الجزائرية كما هي اليوم، هي وحدها التي صنعت الشخصية الجزائرية الثورية الحرة الصادقة التي لا زالت الشعوب تحبها وتقدرها لثورتها، ولا زالت هي قدوة من بقي من الشعوب مستعمرا، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي لا يرفع مع علمه سوى العلم الجزائري كلما واجه جيش الاحتلال الصهيوني، البارحة في غزة واليوم في انتفاضة الأقصى في القدس والضفة الغربية.
د. عبد الرزاق مقري
حينما نسمع تصريحات زعماء الدول الغربية بخصوص اللاجئين السوريين واستعداد بعضهم استقبال أعداد كبيرة منهم يهيأ بأن هؤلاء القوم إنسانيون ويهتمون بمأساة هذا الشعب المظلوم، غير أن المتابع لمجريات التطورات الدولية وخفايا السياسات الغربية يدركون بأن الغرب ذاته هو سبب هذه المأساة، من جذورها المتعلقة بالعالم العربي كله إلى القضية السورية ذاتها. فالغرب هو من استعمر دولنا وأخذ خيراتها وجهّل شعوبها بحرمانهم من التعليم لعقود من الزمن، ثم هو الذي نصّب حكاما فاسدين ظالمين وعملاء عمقوا التخلف وجعلوا بلداننا أملاكا شخصية لهم، وحينما أراد الغرب أن يبدلهم لما استنفذوا أغراضهم فوجئ بأنه لم يصبح قادرا على استبدال هؤلاء العرب الفاسدين بحكام جدد عملاء مثلهم واكثر علمانية منهم وأحرص على حماية إسرائيل كما كانوا يخططون، حيث أصبحت كل انتخابات حرة ونزيهة تأتي بحركات إسلامية وطنية نزيهة تغار على سيادة بلدانها وتحمل مشاريع نهضوية تستطيع ان ترفع العالم العربي إلى مستوى الندية كما فعل المسلمون الأعاجم في تركيا وماليزيا وأندنوسيا. عند ذلك توجه الغرب بشقيه الأمريكي الأوربي إلى إدخال العالم العربي في فتن عظيمة تدوم لعقود تنتهي بتقسيم هذه الدول إلى دولات ضعيفة متصارعة تستعين كلها بالأجنبي على بعضها البعض.
لقد بدأت المأساة باحتلال العراق وأفغانستان بالتعاون مع الدولة الإيرانية الإسلامية للأسف الشديد وإدخال هاذين البلدين في فتن لم تنته إلى الآن، ثم استحكمت المؤامرة بدعم الأنظمة العربية الفاسدة التي ثارت عليها شعوبها ضمن ما سمي بالربيع العربي وعلى رأس ذلك دعم الانقلاب العسكري الدموي في مصر، كنانة العرب والمسلمين التي لو نجح فيها التغيير لسهل في كل البلدان العربية، وكانت سوريا هي الجرح الدامي الأكثر إيلاما في جسم الأمة، الجسم الذي انكشفت فيه التحالفات الإقليمية والدولة الجديدة التي تريد خلق توتر دائم بتمكين الأقليات المذهبية على حساب الأغلبية السنية المترهلة، حتى لا تقدر الأقلية على ابتلاع الأغلبية للفرق الشاسع في الوجود، ولا الأغلبية تستطيع إنهاء متاعبها مع الأقلية لضعفها وكذا بسبب تدهور حالها وزعزعة منظمات التطرف والإرهاب لكيانها وسمعتها ومناعتها. وتكون المحصلة عندئذ بأجمعها لصالح الكيان الصهيوني الجاثم على صدر الأمة.
قد يعتقد البعض بأن استعداد بعض الدول الغربية لاستقبال الآلاف من اللاجئين السوريين ومنهم اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من ملاجئهم في مخيم اليرموك وغيره هو منة يقدمونها لهؤلاء، بلا والله، إنهم يعلمون بأنهم هم السبب الرئيسي في ضرب استقرار المنطقة، وهم في أمس الحاجة للهجرة حيث تؤكد دراساتهم الديموغرافية بأن أوربا في مجملها ستكون في حاجة لجلب 47 مليون مهاجر إلى غاية سنة 2050 أي بمعدل مليون مهاجر كل سنة لتشبيب سكانها والمحافظة على معدل نمو إيجابي. وإنما الذي أحرجهم في هذه الهجمة للاجئين هو خوفهم من عدم تمكنهم من “فلترة” القادمين إليهم إذ الذي يهمهم من اللاجئين الفئات المتعلمة وذات المهارات التي يحتاجونها لاستمرار نهضتهم، واللاجئون السوريون لا يحيرون على العموم لارتفاع المستوى التعليمي عندهم أصلا، كما أن هذه الهجرة ستساعد على حل مشكل اللاجئين الفلسطينيين الذين سيبقى وجودهم في مخيمات اللجوء في المنطقة من أكبر ما يفسد مخططات التسوية لصالح إسرائيل. لا شك ان إسرائيل ستفرح كثيرا حينما تسمع بأن نيوزيلندا استعدت لاستقبال نصف مليون سوري ومنهم أعداد هائلة من الفلسطينيين، فبدل أن يوجد الغرب حلا للمغتصبين الإسرائيليين الذين جاؤوا لفلسطين من مختلف بقاع الأرض ها هي الآية تنعكس ويصبح أصحاب الأرض هم الذين يخرجون من ديارهم، هربا من ظلم النظام السوري، ومن ظلم داعش، هاذان الوجهان لعملة واحدة…. ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
د. عبد الرزاق مقري
بطل من طراز نادر في هذا الزمن خدم شعبه فرفع دخل الفرد التركي في عشر سنوات فقط من 3500 دولار سنويا إلى 11 ألف دولار وهو أعلى من نسبة دخل المواطن الفرنسي، وخدم بلده فنقل تركيا من المرتبة 111 اقتصاديا إلى المرتبة 16 فصارت من العشرين الكبار، خدم أمته إذ وجد تركيا قد ربطها العلمانيون أبديا بالغرب وبالصهاينة حتى صار ذلك ثقافة أغلب الشعب التركي فصنع بالتدرج ثقافة جديدة مرتبطة بالأمة وأصبح الشعب التركي هو أكبر من يتظاهر في الشوارع ضد الاعتداءات الصهيونية، أذكر أننا حينما كنا في أسطول الحرية نوشك أن نواجه الجيش الاسرائيلي تعاركنا مع الأتراك على من يكون في سطح السفينة لمواجهة الإنزال الإسرائيلي فقالوا لنا نكون نحن في المواجهة لأن حكومتنا تسندنا وحكوماتكم أنتم لا نسندكم، وها هو اليوم أردوغان الزعيم الوحيد الذي يتصل بكل حكومات العالم دفاعا عن القدس، والله لقد كانت الجلسة معه إلهاما لنا كيف يكون الزعيم وكيف يكون حسن التدبير والذكاء لخدمة الأمة، لم يستطع أردوغان أن يفعل ما فعل إلا حينما توفرت الحرية وعدم تزوير الانتخابات ولذلك كفاحنا كله اليوم من أجل الحريات والانتقال الديموقراطي.
د. عبد الرزاق مقري
يعيش النظام السياسي الجزائري هذه الأيام دورة أخرى ضمن الأزمات الدائرية التي يتميز بها منذ تشكله مباشرة بعد الاستقلال. ومظاهر الأزمة الحالية عديدة منها ترهل مؤسسات الدولة وصراعات المحاور، وانفضاح ملفات الفساد وتورط شخصيات مهمة قريبة للرئيس، وتدهور الأوضاع على كل حدود الجزائر، وتطور أداء المعارضة السياسية من حيث الجدية والثبات والتوحد ووضوح الرؤية والاستمرار الذي يقابله تفكك وتشتت أحزاب الموالاة وفشلها في توفير الغطاء السياسي لنظام الحكم، وأهم من ذلك كله الفشل الواضح في تحقيق حلم التنمية وبروز مخاطر انهيارات اقتصادية واجتماعية قادمة.
لقد أصبح واضحا بأن النظام السياسي بات يدرك جيدا بأنه يمر بمحنة كبيرة وأن ما ينتظره أكبر، ويظهر ذلك جليا من خلال حالات الإرباك والتناقض والتردد في إدارته لمختلف الملفات، ومن خلال نرفزته المتصاعدة تجاه تكتلات وتحركات المعارضة وما يتبع ذلك من إجراءات التضييق في مجال الحريات. وفي إدارته لهذا الوضع ينتهج النظام السياسي نفس الأساليب القديمة: يدير صراعاته الداخلية بالتغييرات الحكومية الظرفية، وبتحريك الملفات ودوائر النفوذ والتأثير في موازين القوة في داخله للوصول إلى التفاهمات والتوافقات ما أمكن أو كسر العظام وفرض الجهة الغالبة للأمر الواقع، وفي نفس الوقت يدير المجتمع الجزائري بشراء الولاءات والتأثير في الأحزاب والمنظمات وبناء التحالفات لتوفير مشهدية سياسية تسويقية للداخل والخارج. وأثناء ذلك كله ينتج خطابا ” وطنيا” لحشد الجماهير البسطاء، واستغفال وإحراج السذج من النخب أو توفير غطاء أخلاقي كاذب للانتهازيين منهم.
لقد أفلح النظام السياسي في مرات عديدة في الخروج من أزماته بسبب تضحيات كبيرة قدمها الجزائريون ضمن ظروف متكررة ارتبط فيها مصير النظام السياسي ذاته بمصير الدولة والوطن. غير أنه يبدو أن هذا النظام أضحى يجد صعوبة كبيرة في تحقيق نفس النتائج على هذا المضمار، ويعود ذلك لأسباب كثيرة منها أنه استنفذ فرصه أمام مجتمع صار أكثر وعيا، وشباب أكثر اطلاعا، وأحزاب أكثر تجربة تقودها طلائع جديدة أكثر تكوينا وأجرأ وأكثر إصرارا على التغيير وأقدر على بناء التحالفات، ومن تلك الأسباب تعمُّق الصراعات الداخلية للنظام السياسي التي من نتائجها تراجع فاعلية المؤسسات الأمنية الاستخبارية التي كانت هي من يدير تلك الاستراتيجيات.
غير أن المتغير الرئيسي الذي صعّب على النظام السياسي النجاح في مخططاته المعهودة للخروج من أزماته يتمثل في كونه لم يقدر هذه المرة أن يربط مصير الوطن والدولة بمصيره في أذهان الجزائريين، بل أصبح هو من يمثل الخطر الحقيقي على البلد لدى كثير من الجزائريين، مما أفقد مساعيه الأخيرةما يحتاجه من أبعاد قيمية وأخلاقية.
إن الفكرة الأساسية التي يعرضها هذا المقال تدور حول هذا المتغيرالأساسي وسيكون ذلك من خلال مراجعة سلسلة الأزمات التي استطاع أن يخرج منها منذ وجوده إلى أن حدث هذا المتغير وذلك وفق ما يلي:
منذ أن تشكل النظام السياسي على إثر الانقلاب الذي قام به هواري بومدين رحمه الله على شرعية الحكومة المؤقتة غداة الاستقلال بتحالفه مع أحمد بن بلة رحمه الله وهو يتعرض لأزمات كبيرة توشك أن تقع به في كل مرة، غير أنه في كل مرة من هذه المرات تحدث تحولات كبيرة تربط مصيره بمصير الوطن كله كما ذكرنا أعلاه فيُقدِّم خصومُه تنازلاتٍ كبيرةً لصالح الوطن يستفيد منها ويستغلها للاستمرار في سياسته التسلطية دون أن يستفيد من التجربة ودون أن يثمّن التضحيات التي قدمها غيره لصالحه من أجل سلامة الوطن واستقراره.
حينما زحفت عساكر الحدود على أرض الوطن لمواجهة جنود الولايات التاريخية المثخنة بجراح المواجهة الطويلة والشاقة مع جيوش الاستعمار الفرنسي في صائفة 1962 كادت الجزائر أن تدخل في حرب أهلية تضيع فيها نعمة الاستقلال وقد يقّسم الوطن على إثرها إلى دويلات، فيفعل الأشقاء في أنفسهم ما لم يقدر الاستعمار فعله. غير أن الله سخر للوطن شعبا واعيا، صقلته الثقافة الوطنية التي شكلتها الحركة الوطنية، وصهرها الجهاد المقدس في الحرب النوفمبرية، فخرج للشوارع يقف بين المتقاتلين يقول ” سبع سنين بركات”، ثم تحركت نخوة زعماء الشرعية على رأسهم رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة رحمه الله فانسحب من النزاع وسلّم لسياسة الأمر الواقع التي يحميها السلاح.
وكان من آثار ذلك الصراع بين الأشقاء بروز حركة معارضة للأمر الواقع تحصنت في الجبال وحملت السلاح سنة 1963 بقيادة الزعيمين العقيد أولحاج وآيت احمد وكادت الجزائر أن تدخل في مواجهة مسلحة طويلة المدى ستتلقف فرصتَها القوى الاستعمارية وتكون النتيجة حتما تقسيم الوطن. غير أن وطنية المعارضين أوقفتهم عن السير في هذا المسار الخطر حينما هُدد الوطن باعتداء الأشقاء المغاربة على حدودنا الغربية. لقد قرر عندئذ خصوم النظام السياسي توقيف الاقتتال الداخلي والتوجه رأسا إلى الجبهة الغربية والتخندق في صف واحد مع الجيش الوطني الشعبي الذي أصبح بهذا الموقف سليل جيش التحرير الوطني في كليته حقا.
قصص كثيرة من هذا النوعوقعت في الجزائر استفاد منها النظام السياسي، منها تسليم كثير من زعماء الحركة الوطنية وأبطال الحرب التحريرية للأمر الواقع خوفا على الوطن وبسبب التعب الشديد مع سنوات الجهاد الطويلة أو جراء الملل من كثرة الصراعات التي تُذهب بهجة الاستقلال وتُفسد على الناس حياتهم. وفي كل هذه الأحوال كان النظام السياسي هو المستفيد من هذه المواقف الوطنية، وفي كل مرة يُبتلى الوطن بمسؤولين جدد يرثون نزعة التسلط ولا يفكر أحد منهم في الاستفادة من الأخطاء وبناء بلد ديمقراطي يصنعه الإبداع الذي تنشئه الحرية والتنافس النزيه والعادل والقانوني على صناعة الحياة.
قد يخالفني الكثير، ولكنني أقول مقتنعا بأن الشخص الوحيد الذي وجد الحل لمعضلة الجزائر حيث أراد أن يسلم الجزائر لإرادة الجزائريين عبر انتقال ديمقراطي يقوم على أساس صناديق الاقتراع والاختيار الحر للمواطنين هو الشادلي بن جديد. لقد عجز الشادلي كغيره من رؤساء الجزائر إلى اليوم في تحقيق التطور والازدهار، وضيّع هو الآخر فرصة ثمينة لتحقيق تنمية اقتصادية خارج المحروقات حينما ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في ذلك الوقت في بداية الثمانينيات، وكانت نتيجة ذلك الإخفاق انهيار الاقتصاد الجزائري مع انهيار أسعار البترول والغاز سنة 1986 فأدى ذلك إلى تململ شعبي أوصلنا إلى انتفاضة 5 أكتوبر 1988. قال كثير من الناس ـ مستهزئين ـ بأن الجزائريين خرجوافي 5 أكتوبر طلبا للخبز فأعطاهم الشادلي الديمقراطية! وحقيقة الأمر أن ذلك هو القرار الصائب وتلك هي الاستراتيجية الحكيمة، ذلك أنه لا يصح أن يُكرِّر نفسُ النظام الفشلَ في شعبه مدى الحياة. على أي نظام أن يسلم الأمانة لأهلها حين يفشل.. وأهلها هو الشعب! ليس الشادلي هو من فشل، وخطته لم تكن فاشلة، ولكن الذين لم يعرفوا استغلال الفرصة لإصلاح الوطن من مختلف الأطراف هم المسؤولون عن الفشل، وكان إلغاء الانتخابات هو أعظم هذه الأخطاء، وتحضرني هنا كلمة قالها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله لبعض الشباب: ” لا تجعلوا الشادلي بن جديد يندم على الديمقراطية”. ويبقى موقف الشادلي بانسحابه من المشهد خطوة سياسية استفاد منها النظام السياسي مرة أخرى، هذا النظام الذي أظهر في هذه المناسبة بأنه لم يكن شخصا ولكنه كان ثقافة ومنظومة تتغير فيها الوجوه وتبقى الذهنيات والأساليب ذاتها. لقد استطاع النظام السياسي بعد استقالة الشادلي بن جديد أن يعيد إنتاج نفسه تحت ظل محاربة الإرهاب، وأصبح التطرف الذي شاع في البلد هو اكسير الحياة بالنسبة إليه حيث أعطاه شرعية جديدة، وبدل أن يجعل من المصالحة الوطنية فرصة جديدة للإقلاع الوطني استعملها كشعار سياسي احتكره وحده للبقاء في السلطة، وغدر بكل من أسس لفكرة المصالحة وسعى لها بصدق وتجرد.
عمّق إلغاء الانتخابات التشريعية لسنة 1991 الأزمة وجذرها ووسعها، فانطلقت محاولات عديدة لحلها ففشلت، وكان من الذين حاولوا الشيخ محفوظ ومن معه.بعد قرابة ثلاث سنوات من محاولات التوفيق، منها التي شارك فيها ومنها التي أطلقها بنفسه،اقتنع الشيخ نحناح بأنه لا حل لحفظ البلد إلا بتشجيع إعادة بناء مؤسسات الدولة بناء شرعيا يقوم على أساس الإرادة الشعبية. شاركت حركة مجتمع السلم في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995 برئيسها، وحقق هذا الأخير مفاجأة لم يكن يدري بها النظام السياسي ولا المعارضة المتشددة، ظهرت ملامحها في ضخامة التجمعات قبل نتيجة الانتخابات، وحينما أجريت الانتخابات زُورت باستعمال السلاح الرسمي، ثم دخلت الحركة في مسيرة انتخابية طويلة كانت كلها مزورة، وشاركت في حكومات عديدة طمعت من خلالها أن تطبع وجودها مع نظام سياسي متسلط قد تقنعه النوايا الطيبة المشفوعة بالسلوك الملتزم فيخرج من عقليته الأحادية…. ولكنه لم يفعل البتة! لم يكن في تلك المرحلة ممكنا أن ترفع حركة مجتمع السلم صوتها لأن النظام السياسي كان منصهرا في الوطن مرة أخرى. لقد كان وقف سيل الدماء وتحقيق الاستقرار هو الأولية في تلك المرحلة، كما كانت مهمة إنقاذ الفكرة الإسلامية من التشويه، والتيار الإسلامي من الاستئصال، هي المهمة المقدمة على غيرها من مهام الحركة، فكان مقتضى تلك الأولية ومُتطلب هذه المهمة التغاضي عن مكر النظام السياسي والصبر على دسائسه حتى يرشد أو يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو أن يصبح فصل الوطن عن النظام السياسي ممكنا، كلبن سائغ من بين فرث ودم خالصا سائغا للشاربين.
إن من أعظم المكاسب التي حققتها حركة مجتمع السلم بصبرها الطويل، ومعها المعارضة السياسية كلها، أنها وصلت إلى هذه المرحلة السياسية الواضحة غير المعقدة التيلم يصبح فيها الوطن منصهرا في النظام السياسي، والتي أصبح فيها النضال السياسي للتضييق على النظام السياسي القائمهو ذاته فسحة للوطن. إن الواجب الوطني اليوم أصبح هو معارضة النظام السياسي والتشديد عليه بأقصى ما يمكن من الأساليب السياسية السلمية ليقبل التعاون مع المعارضة من أجل إيقاف الانهيار الذي نراه كل اليوم، ذلك الانهيار الذي أصبحت عناوينه بارزه لا يختلف عليها إثنان، هي الفساد وترهل المؤسسات واهتزاز السيادة والفشل الاقتصادي المروع الذي يوشك أن يعيدنا لسنة 1986 فأحداث شبيهة لأحداث 5 أكتوبر تكون آثارها أخطر وأجل وأعظم مما حدث في الثمانينيات وما بعدها.
أما وقد فُصل الوطن عن النظام السياسي، خلافا لما كان عليه عبر تلك المراحل التي وصفتها أعلاه، أما وقد صار النظام السياسي هو الخطر الوحيد على البلد، فإن إنقاذه اليوم هو خيانة عظمى في حق الوطن، ومن يفكر في ذلك إنما يفكر في نفسه وفي مصالحه، ومن ضيع هذه الفرصة قد يرجعنا إلى حالة انصهار الوطن بالنظام السياسي فيستحيل التغيير مرة أخرى وربما إلى الأبد. إن هذا الحديث أوجهه إلى كل جزائري وطني بقي فيه شيء من رائحة نوفمبر في أي موقع كان، إن الواجب الوطني اليوم هو التضييق الشديد على النظام السياسي حتى يقبل الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه، الانتقال الديمقراطي الذي يذهب إليه الجزائريون هذه المرة متسلحين بتجربتهم من محاولة الانتقال الفاشلة في التسعينيات وما تبعها من مأساة، ومستفيدين من تجارب الربيع العربي الدموية، ليكون انتقالنا سلسا آمنا نحو مرحلة جديدة تكون الكلمة فيها للشعب، دون وصاية ولا تزوير، يكون فيها التوافق في البداية هو ضابطه، و يكون بعد ذلك التداول والتنافس النزيه هو ضمان الإبداع والتطور والازدهار.
لا شك أن الكثير مثلي يعتقدون بأن النظام السياسي لن يقبل انتقالا يكون فيه طرفا وليس قائدا، فذلك هو ديدنه وذلك هو الأمر الأكثر احتمالا إن لم يكن الضغط عليه كافيا، وفي هذه الحالة سيؤدي بنا جميعا، وفق ما تبينه أكثر الدراسات، إلى أوضاع مأساوية لا قدر الله. وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة لن يبقى من القيم التي تنقذ الوطن سوى “المصداقية”، مصداقية الأحزاب التي تكون فاعلة يومئذ والتي يكون على عاتقها قيادة الجماهير بما يجعل جبر الانكسارات بأقل الأثمان. غير أن الذي يجب الانتباه إليه أن المصداقية تُصنع اليوم قبل الغد، برفض الأمر الواقع رفضا بينا، وبمعارضة النظام السياسي القائم معارضة واضحة، لا لبس فيها ولا تردد، وبعمل سياسي مشترك يتطور اليوم، ويبلغ تمامه غدا،فيسهل التوافق بين مفردات الطبقة السياسية لاحتضان الوطن في يوم الشدة أمام نظام سياسي لن تكون له اليد الطولى يوم ذاك.
د. عبد الرزاق مقري
تعتبر مجازر 8 ماي من أكثر وأشنع الجرائم في التاريخ التي اقترفت في حق المدنيين العزل، أكثر من 45 ألف جزائري قتلوا لا لسبب إلا أنهم طالبوا سلميا بنيل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. قتل الفرنسيون الرجال والنساء والأطفال والشيوخ بدم بارد، ومع ذلك يتشدقون بالحديث عن حقوق الإنسان. وفي الوقت الذي يرفضون فيه حتی الاعتذار يقودون حملة دولية دائمة ضد الأتراك بسبب مجازر الأرمن المزعومة. غير أن الغرابة ليست في هذا كله، بل هي في تفريط السلطات الرسمية الجزائرية في دماء الجزائريين وشرفهم، لماذا لا يهتم الرسميون بذكری هذه المجازر؟ لماذا لا يسلطون عليها الضوء دوليا؟ أم أن فرنسا نجحت في ترك من يحفظ مصالحها ومن يديم وجودها داخل مؤسسات الدولة؟
عبد الرزاق مقري
لقد بينت في مقال ((العنف ضد المرأة في ميزان الإسلام)) (موقفنا المبدئي الشرعي من قضية المرأة ومسألة العنف ضدها، وأريد في هذا المقال أن أبين الأسباب التي جعلتنا نرفض قانون العقوبات الجديد المتعلق بالعنف ضد المرأة وفق ما يلي:
1 – هذا القانون فيه مصادمة واضحة لآية قرآنية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة في سورة النساء هي قوله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) (2) الآية 34.
2 – نحن مؤمنون كأفراد، ونحن في الجزائر شعب مسلم نؤمن بالله ورسوله ونؤمن بالكتاب كله، ولا نريد، كأفراد وكشعب، أن نكون ممن قال فيهم الله تعالى في سورة البقرة: ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) الآية 85.
3 ـ يحق للإنسان أن لا يكو ن مسلما وفق قوله تعالى في سورة الكهف: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)) الآية 29، وقوله تعالى في سورة البقرة: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) الآية 256. ولكن حينما يقبل الإنسان الإسلام طواعية عليه أن يلزم به، كما هو حال الالتزام بنظام أية منظمة ينخرط فيها الإنسان برضاه.
4 ـ الاجتهاد مطلوب في كل عصر، والتجديد واجب تدعو له النصوص الشرعية ذاتها، ولكن اجتهادنا ليس كالاجتهاد الذي أحدثته ديانات أخرى حرفها أصحابها طلبا للدنيا وتحت ضغط الساسة والسياسة. نحن لا نجتهد في النصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وإنما اجتهادنا يتجه إلى مساحات واسعة تركها الله لعقولنا ضمن احتياجات كل عصر، كما أن هذا الاجتهاد يكون في الاحتياجات الحقيقية النابعة من المجتمع فعلا، وليس بإملاءات قوى أجنبية وضغوطات أطراف داخلية وخارجية لا يهمها أمر الإسلام في شيء.
5 – دستور الدولة الجزائرية ينص في مادته على أن الإسلام دين الدولة، ومقتضى هذا النص يمنع التشريع بما يخالف النصوص الإسلامية الصحيحة، وأي اجتهاد في قضايا الدين تعود فيه السلطات إلى أهل الاختصاص، والمعلوم أن المجلس الإسلامي الأعلى ووزارة الشؤون الدينية لم يستشارا في الموضوع، وذلك دليل على الاستخفاف بالمؤسسات الحكومية الدينية وبالمشرفين عليها، رغم إمكانية أخذ المباركة من بعضهم ( أقول من بعضهم) تزلفا.
6 ـ الجرأة على مصادمة آية قرآنية تتعلق بالأسرة ظلم وعدوان على الملايين من الجزائريين، وهو مساس بحق من حقوق الإنسان وهو ” حق الخصوصية” (3) لأن هذه القضية تمس الناس في شؤونهم الخاصة، وبإمكانها أن تكشف ستر كثير من البيوت.
7 ـ هذا التشريع مخالف للتحفظات التي سجلتها الجزائر في مؤتمر بكين، فهو إذن تشريع لا يمثل الدولة الجزائرية ولكنها تنازلات مصادمة للدين وللدستور وللالتزامات الدولية الجزائرية قدمتها عصبة متحكمة في الجزائر لقوى استعمارية غربية من أجل المصالح الشخصية والبقاء في الحكم.
8 ـ إذا أحسنا الظن بهذه العصبة نقول بأنها عصبة جاهلة بمفهوم الأسرة في الإسلام، ذلك المفهوم الذي قاومت به الجزائر سياسات الاستلاب الحضاري للاستعمار الفرنسي والذي بقيت به صامدة كغيرها من الشعوب الإسلامية في مواجهة التغريب والاستغلال بواسطة الإلحاق الثقافي.
9 ـ طبيعة الأسرة في الإسلام تحددها نصوص شرعية معلومة منها هذه الآية. فالأسرة عندنا هي مؤسسة اجتماعية قائمة بذاتها، فهي ليست مجرد التقاء ذكر وأنثى لتحقيق مقاصد فردية مشتركة دون أية مسؤولية تجاه العائلة وتجاه الأرحام وتجاه المجتمع كله كما هو الحال في المنظومة الغربية.
10 ـ مثل ما هو شأن كل مؤسسة لا بد للأسرة من نظام تقوم عليه، وأساس النظام وجود رئيس يسوس المؤسسة ويقودها ضمن عقد متفق عليه بين جميع أفراد هذه المؤسسة. ولا يمكن لهذا الرئيس أن يقود المؤسسة إلا إذا كانت له صلاحيات ويستطيع أن يأمر وينهى وأن يجازي ويعاقب بما يضمن سلامة المؤسسة واستقرارها ومصالح كل أفرادها. والأصل في المؤسسات الناجحة أنها تقوم على الرضا والحب والعلاقات الإنسانية الطيبة والتعاون من أجل المصلحة المشتركة، وأنها لا تلجأ للعقوبة إلا في حالات نادرة، ولا يمكن تصور مؤسسة تُنزع فيها صلاحية العقاب من الرئيس حتى وإن لم يستعملها أبدا.
11 ـ قد يتعسف الرئيس في استعمال حقه فيظلم ويعتدي على من هم تحت إمرته، ولا بد أن يكون ثمة نظام أعلى يمنع ذلك، كقانون العمل مثلا بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية وغير ذلك، ولكن لا يمكن للتشريع أن يمنع الحق المتعسف فيه من جذوره، فالتشريع هنا يكون تعميما لحالات شاذة وسيؤدي ذلك إلى جرأة الشذاذ والمنحرفين، وسيؤدي حتما لفساد حال المؤسسة.
12 ـ لأهمية الأسرة في البناء المجتمعي، ولخطورة الصراعات داخل الأسرة على السلامة النفسية والبدنية لأفرادها وعلى استقرار المجتمع وتوازنه ونموه اعتمد الله تعالى التفصيل في كثير من شؤونها مثل مسائل الإرث، وعقد الزواج، وأساليب الصلح، وطرائق الانفصال من طلاق وخلع، وحتى قضية الرضاع والتبني وغير ذلك. ومن هذه التفاصيل مسألة القوامة. فقد أعطى الله القوامة للرجل، ومعنى القوامة هنا الرئاسة، أي أن رئاسة مؤسسة الأسرة في الإسلام هي للرجل.
13 ـ القوامة تعني الرئاسة وقد اختار الله لها كلمة معبرة (( قوامون)) من ((القِوامة))، وهي القيام على الأمر، أو ولاية الأمر، وهي من كلمة (( قِوام )) ومن معانيها عماد كل شيء ونظامه كما جاء في معجم المعاني ومصدر الكلمة قاوم، وهي تدل على أنها مهمة وتكليف وأن هذه المهمة تتطلب الجهد والبذل.
14 ـ يبين الله بأن اختيار الرجل ليكون قواما، رئيسا للأسرة، ليس تفضيلا في المكانة والقيمة ولكنه تفضيل في القدرات والإمكانيات التي تتعلق بالمهمة، وحدد سبحانه واحدة منها وهي النفقة ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ))، وقد فصل العلماء أسباب أخرى كثيرة للتفضيل في هذه المهمة منها: “قيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع ، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي”(4).
15 ـ يبين الله تعالى بقوله ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) بأن التفضيل هنا سببه تنظيم الحياة وأن المرأة مفضلة كذلك في مهمات أخرى لتوفرها على الخصائص التي تؤهلها لتلك المهام، والتي لا تتوفر للرجال.
16 ـ جعل الله رئاسة مؤسسة الأسرة للرجل رئاسة أبدية لأن سبب التفضيل أبدي كذلك، فهو تفضيل بيولوجي كوني طبيعي لا يتغير، وأي مساس به هو تخريب للسنن الاجتماعية الأبدية، ولهذا السبب جعله آية تقرأ إلى يوم الدين.
17 ـ لا تعني القوامة التسلط على الأسرة فهو حق ممنوح ضمن عقد شرعي له طابع مدني وبعد اجتماعي وأسس أخلاقية سماه الله في سورة النساء ميثاقا غليظا ((وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثَاقاً غَلِيظاً)) الآية 21، فلا يتصرف الرجل في أسرته إلا ضمن هذا العقد ولا يبلغ الإنسان درجة الخيرية في هذا التصرف إلا إذا شهدت له زوجته بذلك وفقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خيركم خيركم لأهله))(5).
18 ـ قد توجد حالات يكون فيها الرجل عاجزا أو مريضا أو غائبا لا يستطيع أن يحمي أسرته، فتتحول القوامة من الناحية العملية للمرأة دون الحاجة للتنصيص عنها لأنها حالات شاذة لا يقاس عليها. ومهما كان عجز الرجل أو غيابه فإن المنظومة الاجتماعية الإسلامية توفر الحماية للمرأة والأسرة من خلال مسؤولية عصبة الرجل.
19 – والقوامة ليست حكما مطلقا يعود فيه كل شيء للرجل في سياسة شؤون الأسرة، بل إن ثمة تقاسما للأعباء والمسؤوليات، وأغلب شؤون الأسرة في مجتمعاتنا يعود فيها الرأي للمرأة، وكل منا يعيش ذلك في حياته ولا يجد فيه أدنى حرج.
20 – يبين الله في هذه الآية الناظمة لمؤسسة الأسرة أن الأصل في المرأة المسلمة الصلاح، فالله يشيد بها ابتداء ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))، فهي ليست مخالفة لنظام المؤسسة الأسرية، وهي ليست متمردة على رئيس المؤسسة، والحياة الطبيعية في النظام الأسري الإسلامي تقوم على المحبة والمودة والسكينة كما جاء في قوله تعالى في سورة الروم: ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) الآية 21.
21 ـ غير أن الحياة ليست كلها وفي كل الأوقات كما نريد، فقد تكون المرأة ناشزا ابتداء، لا تحترم نظام المؤسسة الأسرية، وقد تنشز مرة من المرات، فلا بد لهذه الحالة من علاج، والعلاج يبدأ في السر بين المرأة والرجل فلا يطلع عليه أحد، وقد يتفاقم فيتطلب الصلح، وقد لا ينجح الصلح فتفصم العلاقة بالطلاق أو الخلع، وقد تكون الرجعة بعد الطلاق. وحينما لا يُحترم هذا التدرج قد تُفوّت الفرصة على إصلاح الوضع أبدا.
23 ـ وحتى إذا لجأ الرجل للضرب بغرض ضبط نظام المؤسسة الأسرية لا يجوز له أن يضرب ضربا مبرحا، إذ المقصود بالضرب هنا الوقاية وليس العقاب وفقا لقوله تعالى: (( فإن خفتم))، أي أن التصرف يقصد به المستقبل وليس الحاضر، فالرجل الذي يضرب هنا حريص على زوجته وأسرته، وإنما يخاف على الأسرة من التفكك بسبب تمرد الزوجة، تماما كما هو حال مدير منظمة أو شركة أو رئيس دولة صالح، فهو يعاقب للمحافظة على النظام وليس بدافع الحقد ونزعة العدوان، فلا يسمح له صلاحه بالتعسف في العقوبة. والضرب هنا له كذلك دور نفسي أكثر منه عقوبة جسدية. وحينما نتابع تفاصيل الموضوع في السنة النبوية والفقه الإسلامي ندرك بأن الإيلام غير مقصود في الضرب الذي تشير له هذه الآية.
24 ـ في حالة ضرب الرجل لزوجته ضربا مبرحا يُحدث أثرا على الجسد أو يحدث عاهة، سواء كان ظالما لها ابتداء، أم كانت ناشزا، فإن الشريعة الإسلامية تحميها وبإمكانها أن تقاضيه في العدالة وأن تأخذ حقها منه دية أو قصاصا وهو يتحمل المسؤولية الجنائية والمادية. وأن أي تجاوز للحد في ضرب الرجل لزوجته متكفل به في فقه الجنايات، إذ تجب في حقه الدية والقصاص.
26 ـ إنّ ضرب المرأة تصرف شنيع يمقته الإسلام ويجرمه، والأصل أن لا يكون أبدا، والنموذج في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يضرب امرأة قط كما ورد في الحديث الذي روته عائشة -رضي الله عنها- : ((مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ وَلَا خَادِمًا)) (6). كما أن التوجيه القرآني المذكور في هذه الآية لا يتعلق بالأسر المستقرة التي يعرف أفرادها حقوق بعضهم بعضا، ولا يعتدي بعضهم على بعض، ولذلك فإن هذا القانون الجديد لا يمسهم ولا يكون له أثر في حياتهم.
27 – إن التوجيه القرآني الذي نحن بصدده يتجه للأزواج الذين لا يعرفون حقوق بعضهم بعضا ولا يحترمونها، سواء كان الزوج الذي يجنح للضرب في أي خلاف مع زوجته، أو بالنسبة للمرأة التي لا تحترم زوجها ولا تحفظ مكانته، والرجل الذي لا يعرف حق الله وحق زوجته سيجد نفسه في السجن لا محالة بحكم هذا القانون الجديد أو أنه سيجد طرقا أخرى لإهانة زوجته وإيذائها، كما أن الزوجة التي لا تعرف حق الله وحق زوجها ستتعسف في استعمال هذا القانون وسيشجعها هذا التشريع المخالف للإسلام على النشوز والتمرد.
28 ـ ستؤدي هذه الحالات كلها إلى خراب البيوت من حيث أنه لا يعطي الوقت لإصلاح الوضع بين الأزواج في إطار الخصوصية الزوجية، ويُضيّق فرص الصلح بينهما في السر، أو بواسطة أهليهما كما يقول الله تعالى في سورة النساء ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)) الآية 35، فتكثر حالات الطلاق، كما يصبح الزواج في حد ذاته مثار خوف وتوجس.
29 ـ يعطي هذا القانون صلاحيات واسعة للقاضي، وقد يكون القاضي متدينا عليما بدينه وملتزما به فسيرجع الأمر إلى نصابه ولا فائدة عندئذ من هذه الجرأة على كتاب الله، أو أن يكون القاضي غير ملتزم بدينه أو جاهلا بآياته فقد يحكم على الرجل بالسجن في حق أعطاه الله إياه حيث أنه لا يستطيع أن يعلم هل كان الضرب مبرحا أم لا، لا سيما أن القانون تمادى في التعسف في حق الرجل بحديثه عن العنف المعنوي الذي لا يمكنه أن يُعلم إلا من خلال شكوى الزوجة سواء كانت صادقة أم كاذبة.
30 – كثير من الحالات والتبريرات التي ساقها القانون و كذا أجوبة وزير العدل على انتقادات النواب ليس مكانها هذا القانون، كالعنف ضد المرأة بسبب السكر أو المخدرات، فهذه الحالات جرائم عادية يعاقب عليها القانون سواء كانت في حق الزوجة أم في حق غيرها. وكان الأولى التشديد في العقوبات على السكر والمخدرات.
31 ـ كان الأولى كذلك بأولي الأمر أن يحرصوا على إشاعة التربية وتعريف الناس بتعاليم الإسلام في المدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، فالتربية الإسلامية هي وحدها التي تحفظ المرأة وتصونها، فلو نظرنا إلى حال البيوت لوجدنا بأن أكثرها استقرارا هي البيوت التي يشيع فيها الالتزام بالإسلام، وأن هذه البيوت هي التي تكون فيها المرأة أكثر تقديرا واحتراما.
32 – يظهر من خلال هذا التشريع المصادم للقرآن الكريم والذي لا طائل من ورائه بأنه يندرج ضمن سلسلة من التشريعات الأخرى التي يقصد منها إفراغ قانون الأسرى من محتواه بالتقسيط، وهو مشروع خفي كافحت من أجله قوى تغريبية في الجزائر منذ سنوات وهي اليوم تحقق أهدافها بشكل مستمر.
33 ـ إن مسؤولية محاربة هذا التوجه هي مسؤولية كل القوى الوطنية المتمسكة بدينها وبثوابت الوطن ومبادئ أول نوفمبر ونصوص الدستور المتعلقة بالهوية سواء كانوا داخل مؤسسات الدولة الجزائرية او على مستوى الطبقة السياسية والمجتمع المدني وعلى مستوى كل فرد مهما اختلفت تواجهاتهم السياسية وتباينت مواقفهم في القضايا الأخرى ومهما تباعدت مصالحهم واهتماماتهم.
ــــــــــــــــــــــ
1 – انظر المقال في موقع الحركة أو في موقعي الشخصي.
2 – انظر في تفسير هذه الآية تفسير المنار لرشيد رضا : وكذلك تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور: علما بأن هاذين العالمين الجليلين يشيد بهما الحدثيون أنفسهم.
3 – ينص البند الثاني عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي: لا يجوز تعريض أي شخص للتدخل التعسفي في خصوصياته أو في شئونه الأسرية أو المنزلية أو في مراسلاته، ولا حتى إثارة حملات تستهدف شرفه وسمعته. ويمتلك كل إنسان الحق في الحصول على حماية القانون ضد مثل هذا التدخل أو تلك الهجمات.
4 – الطاهر بن عاشور الرابط السابق.
5 – عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)) أخرجه الترمذي.
6 – مسند الإمام أحمد – (ج 53 / ص 358)
د. عبد الرزاق مقري
نتائج وقفة 24 فبراير:
-قمنا بواجبنا.
– أكدنا تضامننا لسكان الجنوب.
-كسرنا حاجز الخوف وجدار الصمت.
– أظهرنا للنظام السياسي بأن ثمة في الجزائر من يقول له لا.
-وفرنا شرطا أساسيا من شروط النهضة: وجود نخبة جزائرية متحدة لها رؤية مكتوبة متفق عليها ولها استعداد للنضال السلمي بكل أنواعه.
– ثبّتنا وحدة المعارضة وقدرتها علی مواصلة العمل في كل الظروف.
– أظهرنا مرة أخری الطبيعة البوليسية للنظام الجزائري الذي أخرج لنا عشرات الآلاف من رجال الأمن وأغلق العاصمة كلية.
– دربنا مناضلي الأحزاب علی الكفاح السلمي بعد سنوات طويلة من التهيب بسبب الأزمة.
– جرّأنا أعداد كبيرة من المواطنين علی الخروج السلمي للمطالبة بالحقوق.
– صنعنا مسارا سياسيا جديدا بين السكوت والتهور.
ويستمر النضال..
عبد الرزاق مقري
زيارتنا لتونس جاءت في وقت دقيق من الحياة السياسية التونسية بشكل عام وحركة النهضة بشكل خاص. وصلنا في ضيافة أشقائنا في النهضة وهم في شأن كبير، هل يدخلون الحكومة أم لا؟
بعد أن أعلن عن حكومة الحبيب الصيد اجتمع أعضاء مجلس الشورى للحركة وقرروا بكل سيادة عدم منح الثقة لهذه الحكومة التي اعتبروها غير معبرة عن روح التوافق. وحينما اتخذوا هذا القرار حدث في تونس ما لا يمكن أن يحدث في أي بلد عربي. حدث أن تراجع الحزب الحاكم عن تعاليه ونزل من برجه إلى ساحة التشاور من جديد، أدرك بأنه في وضع هش أمام حركة عاقلة ولكنها شديدة المراس قادرة على أداء كل الأدوار ضمن ما يتيحه دستور الثورة التي أنقذت من بين كل الثورات العربية. اشترط النهضاويون أن تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية، أو بعبارة أخرى حكومة توافقية، يشارك فيها كل التونسيين لكي يشاركوا فيها، على أن تكون مشاركتهم سياسية واضحة يتحملون فيها المسؤولية كاملة. أراد الندائيون تحت ضغط المتشددين الأيديولوجيين منهم، ومن متشددي تيار اليسار العلماني أن تكون مشاركة النهضة غير واضحة ببعض كتاب الدولة وبأسماء غير بارزة، وربما تمنى هؤلاء أن تمنح النهضة ثقتها للحكومة دون أن تشارك فيها!
لم تقبل مؤسسات حركة النهضة هذا التدبير غير المسؤول فأظهروا بقرار مؤسسي استعدادهم لخدمة تونس من موقع المعارضة الواضحة البينة كان قرار جل الأحزاب الأساسية مماثلا لموقفهم ( حزب آفاق تونس، الجبهة الشعبية..) فهرع إليهم حكام تونس الجدد يسترضونهم باعتبارهم الأقوى في المعارضة، أو لكي يربحوا الوقت لعزلهم وحدهم في المعارضة إذا قدروا على استمالة غيرهم وبناء أغلبية مريحة بدونهم. لا شك أن هذا التحول الكبير قد وضع حركة النهضة في ضغط شديد وتحت مسؤولية كبيرة بخصوص الحد الأدنى الذي يجعلهم يقبلوا المشاركة في الحكومة.
كانت لنا فرصة ان نعبر لهم عن وجهة نظرنا بهذا الخصوص، وكان يهمهم جدا ان يسمعوا رأينا بالنظر لخبرتنا الطويلة في التعامل مع مثل هذه القرارات، بإيجابياتها وسلبياتها. كان رأينا أن المحددات التي يجب أن يقوم عليها التفكير هي أربعة: مصلحة تونس، الحريات، وحدة الصف النهضاوي، أن تكون المشاركة أو المعارضة وفق رؤية شاملة. وقدرنا من وجهة نظرنا أن المشاركة في الحكومة أولى إن لم يكن العرض مهينا، والعبرة هنا ليست بعدد الحقائب، فلا حرج أن يشاركوا بما هو أدنى من حجمهم، برجال يختارونهم هم. يكون ذلك عين الحكمة لو تعلق الأمر بتصليب وتثبيت الانتقال الديمقراطي ، والمحافظة على الحريات، وبناء رؤية اقتصادية تطور تونس، وسلوك سياسي يلتزم بالدستور ومواثيق وعهود الثورة.
لقد تأكد لدينا مرة أخرى بأن الله أكرم حركة النهضة بقيادة راشدة متعلقة بالمثل العليا والقيم والمبادئ وتحوز على قدر كبير من الواقعية والموضوعية، وفي نفس الوقت على منسوب عال من الشجاعة والاستعداد لكل الظروف وتحمل المسؤولية مهما كانت ثقيلة وصعبة، وأنا على ثقة تامة بانهم سيتخذون القرار الأصوب والأفضل لتونس ولهم وللمنطقة كلها بإذن الله. وفقم الله وسدد خطاهم.
د.عبد الرزاق مقري
إن أعظم انتصار لرسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم هو حينما تكون لنا دول إسلامية متطورة اقتصاديا، مزدهرة اجتماعيا، متقدمة تكنولوجيا ، قوية عسكريا، راقية أخلاقيا، وإن وصولنا لهذا الحلم لن يكون إلا حينما تنعم الشعوب بالحرية وتخلص من هيمنة الديكتاتوريات في بلادنا وفي العالم الرأسمالي الربوي الغربي، إلا حينما ننتبه بأن هذه القوى الظالمة تستعمل كل شيء لتبقينا عبيدا لها خداما لمصالحها، بما في ذلك الحكم والسيطرة باسم مكافحة الإرهاب، الذي تصنعه وتغذيه بنفسها في مخابرها، ومحاربة التطرف ، الذي تتسبب فيه لكثرة ظلمها للناس والاعتداء على حقوقهم وكرامتهم ومقدساتهم، إن المعركة مع هؤلاء يقودها العقل قبل العاطفة، وزادها الزهد والصبر والتقوى، ووسائلها التخطيط وحسن التدبير، ومقودها التركيز والبعد عن المعارك الهامشية والملهية والمبددة لمواردنا وإمكاناتنا، ومنهجها السلم والعمل والإنجاز، وطاقتها الشعب وعموم الناس، وإن النصر والله لحليفنا …. يرونه بعيدا ونراه قريبا.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com