كل إنسان مؤمن يستفيد من القرآن وفق اختصاصه واهتماماته وحالاته الإيمانية والنفسية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لا شك أن الغالب في التعامل مع القرآن هي الحالات الشخصية، لأن أغلب ما في القرآن عقائد وإيمانيات وأخلاقيات تخاطب الإنسان كفرد لتشكل إيمانه وتثبت اعتقاده وتصلح أخلاقه وتُديم وتُجمّل عبادته، فإن كان المؤمن على هذا الحال من التأثر الشخصي بالقرآن ستكفي الآيات القليلة في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموجودة فيه لتجعل منه صانع نهضة وحضارة. لا غرو أن يُبْقِي الإنسان تفاعلاته الإيمانية مع القرآن لنفسه في الغالب، لأنها لا تهم الناس في الأصل، ولكن حين يتعلق الأمر بالقضية السياسة أو الاقتصادية أو الاجتماعية يشعر قارىء القرآن أحيانا بالحاحة إلى تبادل أفكاره في هذه المجالات مع الناس… لأنها تهم الناس.
آية كريمة استوقفتني في تراويح ليلة من الليالي السابقة أخذتني بعيدا في التأمل في قضية سبق لي أن تناولتها بالدراسة وهي علاقة السياسة بالدعوة. يقول الله تعالى: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين)) يوسفَ (103). خاطب الله تعالى نبيه الكريم الرحيم بالناس، الحريص على هدايتهم جميعا، بأن حرصك لن يجدي نفعا، وأنك مهما فعلت وبذلت سيكون أكثر الناس غير المؤمنين، وهذه الحقيقة ثابتة إلى يوم الدين أكدتها نصوص كثيرة منها الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار ؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين”، بل يؤكد سبحانه وتعالى لنبيه في نفس سياق الآية الأولى أن أكثر من يؤمن في إيمانه شرك، كحال العرب الذين آمنوا بالله وأقروا بوجوده ولكنهم عبدوا غيره وأشركوا به فاعتقدوا النفع والضر والعطاء والمنع عند غيره وفق قوله عز وجل: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)) يوسف (106)، وأغلب البشر هكذا، وكم هم كثير في المليار والنصف من المسلمين الذين يفسدون إيمانهم بأنواع كثيرة من الشرك والعياذ بالله، منها ما يفسد الإيمان ومنها ما يبطله. بل الأمر أدهى من هذا حين يخبر الله نبيه بأن كثيرا من هؤلاء لا يكتفون بشركهم لأنفسهم بل يودون وربما يناضلون لكي تشرك مثلهم، قال تعالى: (( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) الأنعام 116.
تبين هذه الآية بأن الدعوة إلى الله لن تدخل الناس كلهم في الدين مهما فعل الأنبياء، ولو كان سيدهم محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم الذي سيُباهي الأنبياء بعدد أفراد أمته يوم القيامة إذ سيكونون أكثر من بقي على التوحيد بين الديانات والملل والمعتقدات. ومهما اجتهد العلماء والدعاة من بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم لن يجعلوا إلا قليلا من الناس مهديين مستقيمين. غير أن هذه القلة المؤمنة المستقيمة التي تحافظ في كل عصر وعهد على التوحيد وعلاقة السماء بالأرض هي ملح الكون التي من أجلها يبقي الكون، وإذا اندثرت فلم يبق منها أحد قامت الساعة كما جاء في الحديث الصحيح (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)).
إن هذه الحقيقة النصية القطعية الساطعة تطرح مشكلا أساسيا في فهم نصوص أخرى تتحدث عن غلبة أهل الحق وانتصارهم على الباطل بل تتحدث عن ظهور الإسلام على غيره من الملل كما جاء في قوله تعالى قي سورة الفتح :(( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَق ِّلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) (28) وقوله تعالى في سورة التوبة :(( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون))َ (33)، وقوله سبحانه وتعالى: (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)) غافر 51، وقوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) النور (55)، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (1920) من حديث ثوبان، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”
إن الممارس الذي يعاني تناقضات الحياة وتعقيداتها، ويعيش طبيعة الصراع الدائم بين الحق والباطل، أفرادا ومجتمعات وأمما، فيغلب الحقُّ تارة ويُهزم تارة وفق سنة التداول التي ذكرها الله في كتابه بقوله: ((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين))َ (140)، لَيَتأكد لديه بأن هذه النصوص تتحدث عن عالمين مختلفين تبدو لغير المتأمل أنها متناقضة. فإذا ما أدرك ذلك عرف لماذا وكيف غلب حين يغلب ، وحين ينهزم لماذا وكيف انهزم، حتى يستقر المنهج في فكره وحياته متى وكيف ينتصر أو ينهزم في مقارعته للظلم وأهله.
إن الآيات الأولى تتحدث عن عالم الدعوة التي هدفها هداية الناس وإعلاء القيم، وهي من ناحية الأعداد والانتشار محدودة النتائج ولكن في مجال الأثر في الحياة كبيرة الأثر ، حيث أنها تفلح دائما في البقاء والنمو، وإذا تعرضت للصد والقمع لا يستطيع أحد استئصالها مهما بلغ من قوة ومهما كان مكره وعدوانه، ولن ينتهي وجودها من الأرض إلا بإرادة الله حين يبلغ موعد قيام الساعة فيقبض إليه آخر من بقي من المؤمنين فلا يفزعهم هول قيام الساعة كما في النصوص الصحيحة الواردة في الموضوع. وبالإضافة إلى دور الدعوة في هداية الخلق إلى التوحيد والاستقامة وعبادة الله سبحانه، فهي تساهم كذلك في نشر القيم العليا المشتركة بين الخلق وإعلائها بين الأمم، كافرهم ومسلمهم، ملتزمهم وعاصيهم، لحفظ توازن الحياة البشرية واستمرارها ضمن منهج إتمام مكارم الأخلاق المتأصلة في الفطرة البشرية مهما كانت معتقداتهم، كقيمة الصدق والكرم والحلم والشجاعة والنجدة والعدالة وغيرها مما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن عن أبي هريرة: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وأما الآيات الثانية، فإن المقصود بها عالم السياسة، الذي يُطلب فيه من المؤمنين والمصلحين أن يكونوا قادة للناس لتحقيق مصالح الخلق، وحمايتهم من شرور أنفسهم وشرور بعضهم بعضا، وأن تكون راية الإسلام عالية وحكمه ماض وعدله جار في المسلمين وغير المسلمين، وفي الملتزمين من المسلمين وغير الملتزمين، ومن شاء من الناس في حكم الإسلام أن يؤمن فليؤمن ومن شاء فليكفر فليكفر، ولا يُكره أحد في دينه ومعتقداته، ولا يطلب من الناس طاعة إلا بقدر بسط العدل بينهم، وتحقيق مصالحهم التي هي واجبات الدولة، وبقدر توفر الحرية بما يجعلهم قادرين على اختيار الحاكم وعزله واختيار القوانين التي يذعنون لها ويلتزمون بها بقناعة وحب، ومن خالفها تحق عقوبته بعدل الدولة وبإنكار المجتمع ذي الضمير والخلق القويم.
لا شك أن إقامة حكم بهذا النوع لا يكون بالمتدينبن فقط، سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الأمة أو على مستوى العالم، إذ هم في كل الأحوال قلة بين الناس، ولكن يكون الحكم وإدارة الدولة بهم وبغيرهم، ولذلك تشكيل القوة للوصول إلى التمكين والنفوذ لا يكون على أساس علاقات دعوية، بل على قواعد سياسية تدور حول المصلحة، سواء المصلحة العامة التي قد تكون مساحة الاهتمام المشترك لتشكيل الأحزاب والمنظمات والأحلاف ومراكز التأثير، وقد تكون المصالح الخاصة الشرعية التي تشكل مواطن الجذب لتركز القوة في بؤرة واحدة يتحقق فيها الطموح الشخصي المادي أو المعنوي. والعبقرية كلها في دائرة السياسة بالنسبة للمتدينين المصلحين المشتغلين في هذه الدائرة السياسية أن يكون لهم برنامج وخطاب وسلوك ومشاريع وعلاقات تحقق هذا، فإن تمكنوا لن يستمروا في الحكم بإكراه الناس على فكرهم وبرنامجهم ولكن بمدى مصداقيتهم وهم في الحكم وبمدى تحقيق برامجهم وأفكارهم لمصالح الناس المادية والمعنوية. وبخصوص برنامجهم فهو برنامج للمواطنين جميعا وليس للمتدينين فقط، من حقهم أن يضعوا فيه فكرهم الإسلامي وبدائلهم التي يستلهمونها من الكتاب والسنة، ومن حقهم، بل واجبهم، أن يعتقدوا بأن برنامجهم هو الأصلح للبلاد والعباد، ولكن لا يتوقعون أن الناس يختارونه لأنه يمثل الدين، أو لأنهم يتكلمون باسم الدين. لا شك أن ثمة من المسلمين من يميل لهذا البرنامج لأنه يمثل لهم انسجاما نفسيا وربما فكريا مع معتقداتهم، ولكن ليس هذا الذي يجعل عمومهم يجزمون بدعمه واختياره ومناصرته والدفاع عنه. ما يجعلهم يفعلون ذلك هو مدى تحقق مصالحهم فيه، وهناك خلق كثير من غير المسلمين وغير الملتزمين لا يختارونه إلا لهذا، أي من أجل مصالحهم.
ومن هنا تنهار كلية القاعدة المطلقة والطريق الحتمي الوحيد للتغيير الإسلامي، الذي شاع عقودا طويلة في القرن الماضي بين الإسلاميين، المسمى “التغيير من الأسفل” ، أي أنه لا يمكن وفق هذه النظرة إقامة الحكم الإسلامي إلا بعد إنشاء قاعدة تربوية واسعة. لقد أكدت التجربة العصرية في مصر وتركيا ما أكدته تجارب التاريخ من قبل في قيام الدولة الأموية وتجربة عمر بن عبد العزيز. لقد عجزت القاعدة الإسلامية التربوية قي مصر على تحقيق التمكين حين عجز قادة هذه القاعدة التربوية العريضة عن استعمال القواعد السياسية للتغيير، رغم الفرصة العظيمة التي أتيحت على إثر الربيع العربي. و في نفس الوقت نجحت الدعوة في بناء نخبة قليلة استطاعت أن تتمكن وأن تصنع التغيير في تركيا وفي الأمة حين عملت بأخلاق الدعوة ولكن بقواعد العمل السياسي الذي يدور حول المصلحة العامة والمصالح الشخصية المشروعة، في محيط شعبي ورسمي علماني أكثره غير ملتزم باشتراطات الدعوة. وعلى مستوى التجارب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإسلامي يمكن أن نتحدث عن تجربة الأمويين الذين قدروا على فرض أنفسهم في الدولة بقواعد الصراع السياسي ضمن مجتمع أسياده صحابة رضي الله عنهم وتابعون رحمهم الله، ثم ثمة تجربة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – على نقيض ذلك – الذي استطاع أن يصل إلى الحكم ويصلح من فوق في بيئة حكم فرضها بالسيف الحجاج بن يوسف.
فالعلاقة إذن بين الدعوة والسياسة علاقة تأثير متبادل وفق سنن اجتماعية وفرص يصنعها حراك البشر وفق مقادير يقدرها ويؤقتها الله يسخر لها من لهم أهلية وكفاءة في اهتبال الفرصة وإدارة الصراع وصناعة التأثير، وقد تفلح الدعوة في إعداد بيئة مجتمعية تصلح الحكم، وقد يفلح الحكم في إعداد بيئة سياسية تصلح المجتمع.
وفي الأخير فإن القاعدة الذهبية التي يجب أن نحفطها كنتيجة لهذه الجولة الفكرية الرمضانية هو أن المصلحين لا يستطيعون تغيير الأوضاع الوطنية والدولية المنحرفة بعدد الصالحين ولا بقوتهم الذاتية فحسب، فهم مهما كانت قوتهم وتضحياتهم، أضعف بكثير من القوى المتسلطة وطنيا وإقليميا ودوليا، يؤكد ذلك التاريخ والنصوص، وإنما ينجحون في ذلك إذا أحسنوا الأداء ووضعوا أنفسهم في المكان المناسب. إن هم فعلوا ذلك ستدركهم السنن الاجتماعية إذا تحركت فتحملهم إلى موقع القيادة والريادة فيكون انتصارهم بالسنن الاجتماعية، بحسن الإعداد وإدارة الصراع والقدرة على الاستفادة من قوى التأثير الأخرى … ولنا أن نتأمل كم مرة تحركت السنن الاجتماعية فكان الصالحون غير جاهزين لاغنتامها، لعجزهم وقلة كفاءتهم أو ربما لأنهم اعتقدوا بأن الله سيوفقهم لأنهم صالحون فحسب !
د. عبد الرزاق مقري
تمر فرنسا بأزمة اقتصادية كبيرة ضمن أزمة الرأسمالية العالمية التي تجلت بوضوح منذ هزة 20088 بسبب جشع المؤسسات و اللوبيات المالية الربوية الاحتكارية الفاسدة التي سيطرت على اليمين واليسار السياسيين التقليديين فجعلتهما خادمين لسياسة واحدة رأسمالية جشعة تسيطر عليها أقليات نافذة في مؤسسات الدول الغربية. أدت هذه الأزمة في فرنسا إلى تطورات كبيرة على مستوى الأحزاب اليمينية التي نمت فيها تيارات هوياتية مسيحية متطرفة معادية للأقليات ومنكفئة على ذاتها، وعلى مستوى الأحزاب اليسارية التي نمت فيها تيارات علمانية متشددة رافضة للعولمة وهيمنة المؤسسات المالية.
مثل هذه التطورات في أقصى اليمين Marine Le Pen وفي أقصى اليسار J-L Melenchonn، ونجح Francois fillon المتشدد يمينا هزيمة allain juppé المعتدل في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري ، كما نجح Benoît Hamon الأكثر تشددا يسارا هزيمة Valls الأكثر اقترابا لوسط اليمين في الحزب الاشتراكي.
كانت المؤسسات و اللوبيات المالية على علم بحالة السخط وعدم الرضا لدى المجتمع الفرنسي بسبب الأزمة الاقتصادية وآثارها الاجتماعية، وكانت تلاحظ بدقة التطورات الجارية على مستوى الأحزاب التي تتداول عادة على السلطة، وكانت تتوقع أن الأمر يمكن أن يؤدي في الانتخابات إلى خيارات في الدور الثاني أو من الدور الأول كلها سيئة أو على الأقل مضعفة لنفوذ المؤسسات واللوبيات المالية. ولمواجهة هذه التحولات اعدت بديلها بنفسها فكان Emanuel Macron هو خيارها . ولأن إعداد البديل من طرف القوى الخفية، أو ما يسمى بالدولة العميقة، يبدأ – عادة – بالتحكم في بلاط أصحاب القرار وفي قضايا المال والاقتصاد دفع Emanuel Macron مبكرا ليكون مديرا لديوان رئيس الجمهورية Hollande ثم وزيرا للاقتصاد.
وأثناء إعداد البديل كان لا بد من التخلص من المنافسين الأقوياء الذين تنتجهم الأحزاب التقليدية والتي ضعفت فلم تصبح نافعة كما لم يصبح متحكما فيها. لم يكن المنافس الخطر هي Marine Le Pen، لأنها في كل الأحوال ستسقط في الدور الثاني مع أي مرشح، بل ربما تؤدي دورا إيجابيا كفزاعة لتمرير خطط المؤسسات المالية. كان الهدف الأول الذي يجب إسقاطه هو Francois fillon الذي يميل إلى اللوبي المسيحي الكاثوليكي الذي يحمل في أعماقه العداء للأقليات ومنها الأقلية اليهودية النافذة، فتكفلت به التسريبات الممنهجة عن قصص فساد قديمة ضخمتها المؤسسات الإعلامية التي تسيطر عليها اللوبيات المالية. أما عن اليسار الذي كان دائما هو حصن الأقليات اليهودية والبروتستنتية واللادينيبن منذ الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر إلى أن أصبح كذلك بالنسبة للعرب والمهاجرين في الثمانينيات ضمن نهج لائكي متشدد لم يعد قادرا على حمل مصالح المؤسسات المالية بسبب حالة الضعف الشديدة في عهد Hollande الذي ذهب وشريكه المتصهين Valls بعيدا نحو اليمين وبسبب عودة تيار يساري غاضب داخله مثله Benoît Hamon في الانتخابات الرئاسية. لم يكن القضاء على هذا الهدف الثاني صعبا. ما لم تصبح مؤسسة الحزب الاشتراكي تفعله ستفعله القوى التقليدية التي كانت نافذة فيه، ولكن من خارج الحزب، وكان “الجوكر” لهذه الخطة هو Emanuel Macron، ابن الحزب الاشتراكي المتجه يمينا نحو ما تريده المؤسسات المالية وتمثلت الخطة في ما يلي:
– دعم المؤسسات المالية والشركات الكبرى ل Macron من حيث التمويل.
– التلميع الإعلامي مع التركيز على الصورة الشخصية المتمثلة في خصائص الشباب والوسامة والتدريب المركز على الخطابة ولغة الجسد.
– كسب جزء كبير من اليمين من خلال البرنامج الليبرالي الواضح المعالم.
– كسب الأقليات الخائفة، خصوصا المسلمة والافريقية، بالتركيز الشديد على الاعتراف بالتنوع والهويات ضمن الجمهورية الفرنسية الواحدة، علما بأن هذه الأقليات كانت تلجأ للحزب الاشتراكي ليس بسبب خطابه اللاعنصري فقط، ولكن بسبب سياساته الاجتماعية كذلك التي لا يحملها Macron.
– تفريغ الحزب الاشتراكي من محتواه البشري وتوجيه الأغلبية الساحقة من قياداته نحو Macronn، خصوصا الوجوه المهمة الفاقعة، وأكثرها معروف بتوجهاته الصهيونية وانتمائه للماسونية.
– كانت الأمور بهذه الترتيبات سهلة ميسورة وكان مرور مرشح المؤسسات المالية للدور الثاني مضمونا ليفرش له البساط الأحمر نحو قصر الإليزيه. غير أن طارئا كبيرا وقع لم يكن في الحسبان وهو الصعود القوي لJ-L Melenchon، وقد تسبب في صعوده أمران:
حالة الغضب لدى جزء مهم من الناخبين الذين يصوتون على اليسار عادة و الذين يئسوا من الحزب الاشتراكي إلى درجة أن محاولة التصحيح التي قام بها Hamon لم تجد نفعا فاتجهوا نحو من مثل لهم اليسار حقا.
– التطور الكبير الذي قام به J-L Melenchonn لتحسين صورته من حيث السلوك والخطاب والمظهر، إذ استطاع أن يعالج الصورة النمطية التي ألصقها به الإعلام وهو يسير نحو فرض نفسه وأفكاره ومعاركه الشديدة في انتخابات عديدة سابقة.
– دخوله في مساحة مهمة من الشرائح التي كسبتها Marine Le Penn في السنوات الأخيرة المتمثلة في العمال والرافضين للهيمنة الأوربية والمؤسسات المالية ولكن باعتدال ودون عنصرية.
حين صعد J-L Melenchonn في سبور الآراء ومن خلال تجمعاته الانتخابية الكبيرة أصبح يمثل توترا كبيرا لدى المؤسسات المالية ولدى التيار اليميني، والتيار الصهيوني بشكل خاص إلى درجة أن كبير الصهاينة في فرنسا Bernard-Henri Lévy قال: “لو صعد Melenchon الدور الثاني سأغادر فرنسا”. إن هذا التصريح منطقي عبر عن خوف حقيقي من سيناريو دور ثاني ” Marine Le Pen J-L Melenchon” يكون كارثيا على المعادلات السياسية والمالية التقليدية التي تجد فيها اللوبيات الصهيونية راحة كبيرة ونفوذا لا حد له. لهذه الأسباب أصبح J-L Melenchon هدفا ثالثا لا بد من الإطاحة به فلا يمر إلى الدور الثاني وكانت الوسائل التي استعملت ضده ما يلي:
– محاولة استيعاب المتعاطفين معه في وسائل الأعلام وتصريحات السياسيين بالاعتراف بأدائه الجيد في الحملة الانتخابية ولكن بالتخويف – الشديد من برنامجه الاقتصادي اليساري ووصفه بأنه كارثي على فرنسا لو طبق مع التذكير المستمر بالويلات التي جرتها الشيوعية على البلدان التي طبقت فيها، بالرغم من المجهودات الكبيرة التي بذلها Melenchon ليبعد نفسه عن “اللون الأحمر”.
– التفات الإعلام بشكل غير مسبوق لمن يعرفون ب” المترشحين الصغار” وتسليط الضوء عليهم علما بأن أغلبهم من التيار اليساري المتطرف ومن التروتسكيين الذين يأكلون بالضرورة من وعاء Melenchon.
– استغلال حالة الرعب السائدة بسبب الإرهاب الذي يتهم به المسلمون في أجواء الحملة لضرب أطروحة “اللا إسلاموفوبية” التي يتميز بها Melenchon . وخلافا لما يعتقده الكثير: إن الذي استفاد من العملية الإرهابية في باريس ثلاثة أيام قبل الانتخابات هو Macron وليس Marine Le Pen. لأن هذه الأخيرة صاعدة للدور الثاني في كل الأحوال،وأما Macron فإنه لا يصعد إلا إذا تخلف fillon الذي يصب رد فعل الناخبين على العملية الإرهابية للأكثر تطرفا وهي Marine Le Pen، وإذا تخلف كذلك Melenchon الذي يخسر أصواتا كثيرة جراء العملية الإرهابية من أولئك الخائفين من الإرهاب بسبب رفضه تجريم المسلمين.
– إذن سيكون Macronn رئيسا للجمهورية الفرنسية وفق كل التوقعات، وسينجح المخطط الرهيب الذي أدارته المؤسسات المالية الرأسمالية واللوبيات الصهيونية التي في عمقها، ولكن فرنسا لن تنجح، فالنظام السياسي والنمط الاقتصادي الذي يشتغل لصالح الأقليات “المرفحة ” على حساب أغلبية المواطنين هي التي ستستمر، وسيكون حكم Macron هو حكم المؤسسات المالية وليس حكمه، سيكمل مهمة Sarközy ومن بعده Hollande مع بعض الترقيعات التي لن تجدي نفعا ، وسيكون جهدهم الكبير هو أن يحلوا مشاكلهم، ضمن الذهنية الاستعمارية، على ظهر الشعوب المستضعفة والغافلة في أفريقيا الشمالية وغربها بالاعتماد على حكام، إما عملاء بالأصالة، أو جرتهم طموحاتهم السلطوية للعمالة رغما عن شعوبهم. وهذا هو السياق الذي يجب أن نفهم فيه زيارة Macron المرشح للجزائر، هو عمل استباقي ضمن خطة توليته ثم دعمه بعد أن يكون رئيسا. غير أن ثمة زاوية أخرى يجب أن ننظر منها ، وهو أن هذه الانتخابات أخرجت الشعب الفرنسي ممزقا بنتائج انتخابية حادة ومتقاربة جدا، ويعد عدم دعوة Melenchon للتصويت لصالح Macron في الدور الثاني من أكبر المؤشرات السلبية في تفاعلات الخطة، وحتى إن استفاد Macron من نسبة عالية من التصويت في الدور الثاني في سياق التصويت العقابي ضد Marine Le Pen فإن ذلك لن يحفظ المجتمع الفرنسي من التمزق والتوتر لأن المشكلة مرتبطة بالاقتصاد ولن يستطيع Macron حل هذه المشكلة بل سيفاقمها، وستكون التيارات المتشددة في كل الاتجاهات أكثر تشددا وسيعمل الجميع على أن ندفع نحن فواتيرهم، لذلك الحذر الحذر من الذهنية الاستعمارية بشقيها الناعم والفظ، ولن يقدر على المحافظة على سيادة الجزائر وخيراتها ومواردها ومصالحها ضمن هذا الوضع الإقليمي الصعب إلا الأحزاب والشخصيات الوطنية الصادقة، وعلى هؤلاء أن يعرفوا بعضهم وأن يكونوا جميعا: معا لجزائر الهناء والنماء.
د. عبد الرزاق مقري
تقييم عام
لقد تأكد لدى الخاص والعام أن الهيئات الرسمية المكلفة بإدارة شأن البلاد لم تكن في مستوى تطلعات الشعب الجزائري وثقته وصبره وتضحياته، لم تكن هذه الهيئات في مستوى الخيرات العظيمة التي منحها الله لهذا البلد العظيم المسقي بدماء الشهداء والقائم بجهد المخلصين الذين لا يسألون جزاءاً من العباد ولا شكورا. ليس من السهل أن نتحمل وأن نتقبل وأن نهضم ضياع الفرصة الأخيرة الكبيرة التي أتيحت لبلدنا في سنوات البحبوحة المالية ضمن فرص أخرى كثيرة أتيحت منذ الاستقلال. ليس من السهل أن تقبل عقولنا ضياع فرصة كان بإمكانها أن ترفعنا لمصاف الدول المتطورة والمتقدمة، ليس من السهل أن ينسى جيلنا هذه الفرصة الضائعة إلى أن نلقى الله، ليس من السهل علينا أن نرى دولا استطاعت أن تسابق الكبار بعدما كانت مثلنا أو أصغر منا بمواردها الطبيعية وبتناقضات نسيجها الاجتماعي وبعضها بتاريخها المتناقض. ليس من السهل على وطني صادق، شغوف ببلده، متيم بتاريخه، محب لشعبه، مشفق على خيراته، خائف على مستقبله، ان يتعايش مع هذا الإخفاق المدوي الذي نراه، ويراه الناس جميعا. نراه بشكل كلي في عجز الميزان التجاري، في عجز ميزان المدفوعات، في عجز ميزان الحسابات، في أزمة الخزينة العمومية، في تهاوي احتياطي الصرف، في العودة للمديونية الخارجية، نراه في عودة أرقام البطالة والتضخم المتصاعدة، نراه في صدمة ارتفاع الأسعار، نراه في معدلات النمو المعاكسة لحجم تمويل التنمية، نراه في الناتج الإجمالي الخام الذي أبقانا ضمن الدول الراكدة، نراه في الفساد المهيكل وفي شبكة الفاسدين المهيمنة، ونراه بشكل جزئي في خيبات الأفراد والأسر والمؤسسات، نراه في ضعف الإنتاج، في العدد القليل للمؤسسات الاقتصادية، في ضعف التنافسية، في قلة الإبداع، في سوء بيئة الأعمال، نراه في غلاء المعيشة، نراه في عدم قدرة الموظف الشريف على إغلاق شهره، نراه في قيمة الدينار المتهاوية، نراه في الخدمات الصحية المتهالكة، نراه في الأوضاع التعليمية المتأزمة، نراه في أزمة السكن اللامنتهية، نراه في الهياكل القاعدية غالية السعر ولكن رغم ذلك متهرية، ونراه بشكل عام في الاحتجاجات الاجتماعية المضطردة والمتوسعة، وفي غياب الحكامة ومفهوم الحكم الراشد في الأحوال العادية، ونراه في العجز على مواجهة الأزمات في الفيضانات والعوارض الطبيعية. وحين غابت أسباب البهجة العادية تعلق الجزائريون جميعا بلعبة كرة القدم، أطفالهم وشبابهم وشيوخهم، ورجالهم ونساؤهم، فصارت هي ملهمتهم وصانعة أحلامهم، وكأنها نفخة من مخدر تنقلهم لعالم البهجة الخيالي الغادر. وصاروا ينسجون بطولات وهمية وإنجازات أسطورية عنوانها “شكون حنا”، ثم ما هي إلا مباراة أو مباراتان بعد هذه الصيحة المتكلفة حتى تبخر الحلم وعرفنا حقيقة “شكون حنا”. عرفنا أننا هؤلاء الذين حباهم الله بكل المقدرات ليكونوا عظماء بين الأمم فاختاروا أن يكونوا صغارا، حباهم الله بمقدرات كبيرة ليكونوا عظماء في العلم والفكر والتعليم والإدارة والصناعة والفلاحة والخدمات والتضامن والترفيه فتصبح كرة القدم صناعة متقنة تصنع أفراحا لا تنقطع، ليس للقاعدين والبطالين المهمشين كمخدر لهم، بل لشعب عامل مبدع منتج يقصد كرة القدم للفرجة وللاستراحة والاعتزاز بالمنجز الكروي بعد المنجز الحضاري والعمل في المخابر والجامعات والمصانع والحقول ومختلف المؤسسات.
هل حينما نقول هذا نقصد بأنه لم تحقق الجزائر إنجازات، وهل الأفق أمامنا منسد، وهل كل شيء أسود، ولا أمل في المستقبل، ولا مأمول في الآتي. الجواب هو بكل تأكيد لا وألف لا.
أما الإنجازات فهي محققة، بعيدا عن القدر والمستوى المطلوب، وغير متناسبة مع الإمكانيات التي سُخرت، وغير مرضية بالنسبة لحجم الفساد والخير المنهوب، ولكنها موجودة ولا بد من أخذها والارتكاز عليها والانطلاق منها. فهل الذي يأخذ منك ألف دينار فلا يرجع لك سوى ثلها أو نصفها، أخذتها منه لأنك في أمس الحاجة إليها تقول أنه لم يرجع لك شيئا؟ لقد أرجع لك النصف أو الثلث وعجز أو سرق وبذر الباقي، فتنعم بما أخذت، وواصل طريقك نحو المستقبل. وإن من أعظم إنجازات الجزائر تعميم التعليم، خصوصا في زمن المدرسة التي سموها ظلما منكوبة. إن في الجزائر كما هائلا من المتعلمين الجيدين الذين بإمكانهم صناعة نهضة وطنية شاملة، فإن من هؤلاء من صنع الفرق حتى بين متعلمي الأمم الأخرى حيث التنافسية العلمية والإبداعية قوية، وإن من الإنجازات كذلك الكم الهائل من الهياكل القاعدية والتغطية الصحية والطاقوية القابلة للتحسين وحسن الاستغلال إذا توفر الحكم الراشد. جزى الله كل من كان له دور في توفير هذه المكتسبات كائنا من كان، ولكن إن لم يقع التحول الاقتصادي والسياسي سينهار كل شيء آجلا أم عاجلا.
د. عبد الرزاق مقري
آفاقنا المفتوحة:
إن آفاق الخير والبر والبشر أمام الجزائريين واسعة مفتوحة ممتدة. وإن بعد الفجر الكاذب فجر صادق بحول الله. رغم الفساد والتبذير وقلة الرشد. لا تزال إمكانيات الجزائر ضخمة كبيرة، تستطيع الجزائر أن تصنع نهضتها بلا بترول ولا غاز. إن ما في الجزائر من الإمكانيات والمقدرات أعظم بكثير مما كان لديها وما عند غيرها من البترول والغاز. غير أن استغلال هذه الخيرات يتطلب فكرا جديدا، وثقافة جديدة، ونمطا جديدا للحكم والإدراة والتسيير. إن البلد الذي يعيش على البترول الغاز لا يتطلب عبرقيات ومستويات عقلية كبيرة، طبيعة ريع البترول والغاز أنه يسهل تحويله إلى أموال نقدية فيتصرف فيها من ينقصهم الرشد كما يشاؤون إلى أن ينضب ذلك الريع، أما الخيرات والموارد العظيمة الأخرى المكنونة والمخبوءة في القارة الجزائرية ومحيطها فيتطلب استغلالُها والاستفادة منها ثلاثةَ شروط: الاستقرار والوقت ورشاد الحكم.
إن هذه الشروط الثلاثة هي التي نشتغل عليها في حركة مجتمع السلم. همنا في حركتنا أن نحفظ استقرار بلادنا لأن الأمن هو من النعم الأولى في سلم الاحتياجات الفيزيولوجية، ثم هو شرط أساسي لتحقيق التنمية والأمن الغذائي الذي هو نعمة أخرى في سلم الاحتياجات، والتنمية والأمن الغذائي هما بطريقة عكسية شرط مهم في تحقيق الأمن والاستقرار ضمن الجدلية الاقتصادية الاجتماعية التي ذكرها الله في كتابه العزيز (( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعهم من جوع وآمنهم من خوف)).
إن من أكبر ما يشغلنا في حركتنا، كيف لا نُضّيع الوقت مرة أخرى، كيف لا نهدر الفرص، كيف نستغل المتاحَ من الزمن، لنستغل ما بقي من موارد الطبيعية الحاضرة، والمواردِ البشرية المجندة التي لا تزال متفائلة، لندفع عجلة التنمية في أقرب آجال ممكنة، حتى لا نلتقي مع الاضطرابات الاجتماعية الكبرى مطلقا، ولكي نستأنف تشييد الوطن عاجلا.
إن من أكبر ما يُشغلنا كيف الوصول إلى حكم راشد يفهم هذا الذي نقول، حكمٌ يرتكز على قيم الوطنية الصادقة والوفاء لقيم الوطن وتاريخه، يضمن صلاحَه الضميرُ وخوفُ الله تعالى، والتدافعُ والشفافية واحترام القانون والرقابةُ على الشأن العام، يُعلي من شأن المواطنة حتى يشعر كل جزائري بأن سعادته وهناءه وكرامته وحريته ومصيره في بلده، فيعطي بلده أحسن ما عنده، يُعمِل التنافسية الحقة بين المؤسسات الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والرياضية والفنية والإبداعية على أساس النزاهة والمصداقية والكفاءة بعيدا عن الفساد والغش والتزوير والتدليس والصراع القذر، والغدر وصناعة الأزمات والتفريق بين الناس.
منذ أن أنشئت حركة مجتمع السلم وهي تحاول أن توفر هذه الشروط فاستعملت وسائلَ عدة، وآلياتٍ متعددةً، واستراتيجياتٍ متنوعةً، تارة من خارج منظومة الحكم وضده بل ومصادمته في منتصف السبعينيات حين كان أحاديا متصلبا، ثم بمعارضته ضمن منهج استقر نهائيا على الوسطية والاعتدال طيلة الثمانينيات حين انتهج هذا الحكم سياسة الانتفتاح، ثم بالتعاون معه من خارجه مع معارضته، في زمن انهيار مؤسسات الدولة ووشوك الانغماس كلية في الصوملة واللبننة والحرب الأهلية الشاملة كما كنا نقول في النصف الأول من التسعينيات، ثم بمحاولة الإصلاح من داخله منذ النصف الثاني من التسعينيات بغرض طمأنته ومرافقته من داخله في الحفاظ على ما بقي من الديموقراطية وصيانة فرصة استمرار العمل وبناء مؤسسات الدولة من جديد، فحققنا في ذلك انجازات معتبرة لصالح الوطن، ثم حاولنا الانتقال إلى الشراكة الكاملة من داخلة في بداية العشرية الأولى من القرن الجديد بغرض بناء الاقتصاد وتكريس الديموقراطية والشروع في الإصلاح السياسي بعد صيانة المؤسسات ووقف العنف وتحقيق المصالحة الوطنية فلم نفلح في ذلك للأسف الشديد. ثم خرجنا في زمن البحبوحة المالية من الحكومة حين لم يُسمع لنا وحين عرفنا بأن البحبوحةَ مؤقتةٌ وأننا مقبلون على زمن قد يصيبنا ما أصاب البلاد العربية المنكوبة بعد الربيع العربي إن لم نبادر للإصلاح. أدركنا حينها بأن خطنا في الكفاح من أجل الاستقرار والصراع ضد الزمن والسعي لتوفير الحكم الراشد لا بد أن يستمر من خارج الحكومة، ضمن معارضة وسطية صارمة معتدلة بناءة إيجابية تفضل العمل المشترك وتقريب وجهات النظر، تبني على مضى ولا تهدم ما فات، عنوانها: لا حل لأزمة البلاد إلا بالتوافق المبني على المصداقية والسيادة الشعبية.
هل ستنقل الانتخابات المقبلة حركة مجتمع السلم إلى طور سياسي جديد ضمن هذه التطورات الكبرى منذ السبعينيات. الجواب: قد يكون نعم وقد يكون لا ولكن في كل الأحوال سنبني على ما مضى ولا نكرر التجارب الفاشلة أو غير المجدية. إن آخر عهدنا بالحكومة أننا أردنا أن ننتقل فيها من التحالف إلى الشراكة فلم نفلح فخرجنا، ولن نعود لها إلا من حيث أنتهينا، أي ضمن شراكة حقيقية تقوم على أساس المصداقية السياسية والإرادة الشعبية. إننا لن نعود إلى الوراء، بل سننتقل بوطننا وحركتنا إلى الأمام على أساس وضع الانتخابات وحقيقتها ونتيجتها. وإلا فطريق معارضة السلطة الحاكمة قد خبرناه وتحكمنا في ناصيته بأساليب عصرية تشاركية محكمة، سنعرف كيف نطورها بعد أن نخرج من الانتخابات أكثر دربة وقربا من المواطنين، وأكثر فهما لواقع الساحة السياسية وما يُعتمد عليه فيها، وما أو من لا يليق تضييع الوقت معه.
د. عبد الرزاق مقري
الرؤية السياسية:
بعد أن وصفت الوضع العام في المقال الأول من هذه السلسلة وبعد أن تحدثت عن الفرص والآمال المستقبلية وقبل الحديث عن السيناريوهات المحتملة ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة أضع بين أيديكم ـ مجددا وبشيء من التطوير ـ رؤية حركة مجتمع السلم للخروج من الأزمة: ترى حركة مجتمع السلم أن الجزائر دخلت في أزمة كبيرة على الصعيد الاقتصادي تتعلق باختلال هيكلي بين الواردات والصادرات. لا يخفى على أحد تراجع الريع بسبب تراجع الإنتاج و إرتفاع الاستهلاك الداخلي للطاقة وعدم قدرة الأسعار على الارتفاع فوق معدل 60 دولارا لسنوات طويلة مقبلة.لقد أدى هذا التراجع إلى تقليص حاد في مداخيلنا، و من جهة أخرى بقيت تكاليف حياتنا مرتفعة رغم المجهودات المبذولة في نقص الواردات لأننا بلد غير منتج مفرد في استيراد البضائع والسلع وكثير من الخدمات. إن نتائج هذا الإخفاق في المحافظة على التوازنات قد بدأت تظهر، وستتعاظم في نهاية 2017-2018-2019 ومن هذه النتائج: غلاء مضطرد للمعيشة، ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، انهيار مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، تصاعد أزمة السكن رغم المجهودات الكبيرة المبذولة ، تهري الطرقات دون القدرة على صيانتها، انتشار العوز والفقر والعياذ بالله، ونتيجة ذلك اضطرابات اجتماعية متلاحقة، منها تصاعد موجات العنف والإجرام والانحرافات الاجتماعية.
مهما حاول المسؤولون تبرير هذه الأزمة ومسحها كلها في أزمة أسعار النفط دون أي تقدير للمسؤولية ومعنى الأمانة، يبقى السبب الحقيقي والأوحد هو السبب السياسي المتعلق بسوء التسيير والفساد والنهب والتبذير وقلة الكفاءة واستحالة الرقابة على الشأن العام. وباعتبار أننا اخترنا أن نكون متفائلين مستبشرين بالمستقبل فإنه مهما كان من أمر هذه الأزمة فإن للجزائر قدرات خارقة ومقدرات لا محدودة للخروج منها. غير أن الفرق بين المقدرات الطاقوية التي بذرت وبددت والمقدرات الأخرى العظيمة في الجزائر أن الاستفادة المالية من مقدرات البترول والغاز لا تتطلب ذكاء ولا عبقرية ولا رشدا. يكفي أن يخرجها الحاكم العاجز من تحت الأرض، بإمكانيات البلد او بتسليم ذلك للشركات البترولية العالمية، فيبيعها في الأسواق العالمية ويدخل جزء من أموالها في خزينة الدولة فيصبح البلد غنيا. أما المقدرات العظيمة الأخرى فإن استغلالها والاستفادة منها يتطلب حكما راشدا، ووقتا كافيا، واستقرارا دائما للاستفادة من عوائدها. ودليل النجاح في هذه الحالة هو كثرة المؤسسات الاقتصادية المنتجة للثروة والمستخدمة لليد العاملة والإبداعات البشرية. فإن تحقق ذلك يدفع البلد ديونه من عرق العمل، ثم يصبح يلبس مما يخيط ويأكل مما يزرع، ثم يصبح ينتج سيارته وأدواتِه الكهرومنزلية وربما قطارَه وطائرته، ثم تَصلُح طرقه وتتحسن مستشفياته وخدماته الصحية، وقبل ذلك وأثناءه يتحسن مردودُ التعليم وترتبط الجامعة بالقطاع الاقتصادي وتكثر براعات الاختراع ويكثر علماء الجزائر ويشتهرون في كل البلدان ومنهم من يأخذ الجوائز العلمية الدولية. وفي ظل هذه الظروف تتحسن الخدمات السياحية ويكتشف العالم جمال الجزائر فتصبح وجهةً سياحية لا تنافس، فتجر السياحة معها صناعاتٍ وخدماتٍ أخرى كثيرة، فيتطور قطاع النقل وتصبح مطارات الجزائر من أكبر محطات الترنزيت بسبب الجمال والخدمة والمصالح والجغرافية، ثم نصبح نصنع سلاحنا بيدنا وتصبح الكتنولوجيا الصلبة والحديثة تحت تصرفنا، ونصبح عندئذ قوة اقليمية حقيقية تحسب الأمم معنا وليس ضدنا أو بنا، فيصبح الجزائريون فخورين ببلدهم، فيستديم الهناء والاستقرار والرفاه، ويحق لنا عندئذ ان نقول ” شكون حنا”.
إن الوصول إلى هذا المستوى لا يتطلب أكثر من عشر سنوات إلى خمسة عشر سنة، وثمراتُه تبدأ تظهر منذ السنوات الخمس الأولى بعد قرار الانطلاق. وقد يقول قائل هذه أحلام اليقظة، ولا يمكن لهذا أن يتحقق. والجواب: إذا كان غيرنا ممن كان مثلنا قبل عشرين، ثلاثين سنة قد حقق هذا أو شيئا منه، وبعضهم في الطريق إلى ذلك، فلماذا لا نستطيع نحن أن ” نفعلها”؟ انظروا إلى ماليزيا، تركيا، إيران، اندنوسيا، فييتنام، بولونيا، كيف كانوا وكيف هم؟ بل انظروا إلى بعض جيراننا كيف يتطورون، ولو بقي الأمر هكذا سيسبقوننا ونبقى نحن نحسدهم ولا نستطيع اللحاق بهم.
إن الشيء الذي يجب أن نفهمه، ويفهمه حكامنا خاصة، أن تجنب الصورة القاتمة الأولى التي رسمتها والانتقال إلى المشهد المشرق الثاني الذي صورته يتطلب بالإضافة إلى الحكم الراشد تضحيات كبيرة ويمر عبر سنوات عصيبة. لا بد من السير الصحيح نحوه والصبر الجميل معه في السنوات الخمس الأولى. لن تستطيع الحكومة التي تقود الانتقال إلى ذلك الواقع المشرق أن تحقق احتياجات الناس التي تعودوا عليها بالاتكال على الدولة، لن تسطيع تحمل التحويلات الاجتماعية بالشكل الذي هي عليه. ولن يصبر الناس على هذا التحول الكبير، الذي هم متجهون إليه في كل الأحوال، إلا إذا رأووا الرشد في حكومتهم، ورأوا مسالك الفساد قد قطعت، وأحسوا بتضامن وطني مجتمعي وحكومي صادق وفاعل، وتقشف يبدأ به المسؤولون، وخاطبتهم كل الطبقة السياسية بلسان واحد بخطاب الأمل: ” أن المرحلة العصيبة مؤقتةٌ وأن مستقبلنا جميعا سيكون مشرقا، وشعروا مع ذلك بأن كرامتهم مصونة وحريَتهم مكفولة وأصواتَهم محفوظة وقيمَهم مأمونة”. فإذا وقع ذلك سنرى من الجزائريين من الصبر والتفاني في العمل والتضحية والإبداع ما يدهش العالم، وسنكون جميعا، كلنا، بكل توجهاتنا وانتماءاتنا وأعراقنا، وأعراشنا، وجهاتنا، ومدننا وقرانا ومشتاتنا وعوائلنا في ذلك المشهد الممتاز البديع الذي حلمت به هاهنا، والذي لا شك يحلم به كل الجزائريين.
إن مغزى كلِّ هذا أن الطريق إلى الخروج من الأزمة ومعانقة الآفاق الواعدة يتحقق بتوفر حكومة راشدة مسنودة من كل الطبقة السياسية، خصوصا في السنوات الخمس الأولى. أي أن تتجه الجزائر كلها نحو الحل، نتعاون على الحاضر بكل مصاعبه ونبشر جميعا بمستقبل واعد، يعين الإيمان به على تحمل تلك المصاعب .
إن الزمن للبدء باقتحام هذه الآفاق يلوح لنا في مستقبل قريب، وأن الفرصة للمسك بأطراف هذه الحبال الموصلة ليست بعيدة. إنها الانتخابات التشريعية المقبلة التي لم يبق لإدراكها سوى شهرين. وإن المسؤولية كلَّها في يد النظام السياسي القائم لو توفرت له الإرادة السياسية. إنه لم يصبح من المفيد الحديث عن التزوير الانتخابي، رغم القوانين الجائرة التي لم نصوت على نصوصها في البرلمان. يمكن أن تكون الانتخابات غير مزورة، يكفي أن يقرر ذلك أصحاب القرار، يكفي أن يشعروا بخطورة التزوير بكل أنواعه هذه المرة، القبلي والأثنائي والبعدي، والنفخ في هذا أو إضعاف هذ. يكفي أن يدركوا بأن الأزمة الكبيرة القادمة، والتي ولجناها بعدُ، لن تستطيع مؤسساتٌ غيرُ شرعية ومعطوبةُ المصداقية أن تواجهها. يكفي أن يشعروا بأن استمرار نمط الحكم على ما هو عليه لن يخرجنا من الأزمة بل سيغرقنا فيها لا قدر الله.
إن الذي نقترحه أن تعبّر الانتخابات حقيقة هذه المرة عن الإرادة الشعبية، فتفرز كتلا برلمانية قوية ذات مصداقية، فتتطوع الأحزاب الفائزة لدعم حكومة توافقية تشمل كفاءات جزائرية من الأحزاب الناجحة وغيرها يقودها رئيس حكومة ذو كفاءة يتفق عليه، فتتعاون هذه الكفاءات على بلورة رؤية اقتصادية شاملة على النحو الذي ذكرناه وبرامج قطاعية وفقها تطبقها الحكومة ومختلفُ المؤسساتِ التنفيذية المركزية والمحلية ضمن معايير الحكم الراشد والشفافية والابتعاد عن الفساد بغرض الانقال بالجزائر من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المنتج.
إن أهمية التوافق بين مختلف القوى التي تمثل الشعب ومن يتعاون معها ليس في بلورة الرؤية ووضع البرامج ومكافحة الفساد فحسب، بل من أجل دعم الحكومة التوافقية وحمايتها أثناء هذا الانتقال الصعب الذي ستضطرب فيه الجبهة الاجتماعية، بما يحفظ هذه الحكومة من مواجهة معارضة قوية تهيج عليها الجمهور. وإن المقابل الذي تأخذه هذه الأحزاب نظير هذه التضحية بالكراسي هو شرف حماية الجزائر وخدمتها، ونيلُ فرصة الشراكة في ذلك، وضمان المستقبل الديموقراطي بتحقيق انتقال ديموقراطي متواز مع الانتقال الاقتصادي يتوافق فيه على دستور توافقي مستقبلي، وهيئةٍ مستقلة مستقبلية لتنظيم الانتخابات، وغير ذلك مما يلزم التوافق عليه من أجل مصلحة الجزائر وليس لمصلحة الأحزاب ولا الأشخاص.
د. عبد الرزاق مقري
السيناريوهات المستقبلية:
عرضت في المقال السابق الحلول السياسية التي نقترحها ضمن سلسلة مقالات تتعلق بالسيناريوهات المستقبلية ورؤيتنا لتخطي الأزمة التي توشك الجزائر أن تتعثر فيها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وربما الأمنية، وعلى أساس هذه الرؤية وحظوظها في التجسيد على أرض الواقع يمكننا أن نرسم توقعات مستقبل الجزائر بعد الانتخابات التشريعية وفق هذه السيناريوهات الثلاثة:
1 ـ السيناريو المشرق: وقوع انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية والانخراط في الرؤية السياسية التوافقية التي ذكرناها في المقال السابق وعندئذ ستتجه الجزائر نحو المشهد المشرق الذي رسمناه المقال السابق ذاته.
2 ـ تزوير الانتخابات والفشل في تحقيق التوافق وفرض سياسة الأمر الواقع وعندئذ ستتجه الجزائر إلى أحد السيناريوهين الآتيين:
أ ـ سيناريو الانفلات والعياذ بالله حيث ستتافقم الأزمة بين نهاية 2017
و2018 و2019 كما أوضحناه سابقا وتجد الحكومة ـ أو الحكومات التي ستتغير كثيرا ـ عاجزة على مواجهة الشعب الجزائري الغاضب، ويتوقف قلمي حقيقة عن التعبير عن ملامح هذا السيناريو، نسأل الله العافية، غير أني أقول بأن أي مكروه يصيب الجزائر في هذه الحالة سيكون المسؤول الوحيد عنه هم من بيدهم الحكم اليوم.
ب ـ سيناريو الأزمات الدائرية: الدخول في مسلسل أزمات دائرية متفاقمة قد تطول ولكن دون حدوث انفلات في بادئ الأمر وقد تتطور هذه الأزمات الدائرية إلى أحد السيناريوهين:
ـ إما العودة للسيناريو (1) أي السيناريو المشرق وتحقيق التوافق بين الجزائريين ضمن ظروف أصعب في لحظة ما تتوفر فيها شروط الانتقال الاقتصادي والسياسي، إما باستفاقة على مستوى أصحاب القرار من داخل النظام السياسي بالنظر للصعوبات التي ستواجههم والمخاطر الكبرى التي تفرض نفسها عليهم، أو من خلال تغيّر ميزان القوة بصعود أحزاب معارضة عاقلة تقدر على فرض قواعد لعبة جديدة تحفظ الجزائر من الانفلات ولكن تفرض على السلطة القائمة آنذاك إرادتها لمصلحة الجزائر، وستكون هذه الأحزاب المعارضة على قدر كاف من القوة الشعبية من خلال حالة وعي جماهيري جديد ينتجها زوال الوهم وإدراك حقيقة التحذيرات التي نبهت إليها الأحزاب والشخصيات السياسية عبر سنوات من الصبر والمقاومة السياسية.
ـ وإما فقدان التوازن في لحظة ما والدخول في السيناريو (2-أ) في حالة استماتة من بيدهم الأمر في تعنتهم وفشلهم في الاستجابة لاحتياجات المواطنين وغياب أحزاب ووسائط مجتمعية قوية تقدر على تأطير الجمهور الغاضب في ذلك الوقت.
قد يقول قائل ولكنك لم تذكر سيناريو آخر ولو على سبيل الافتراض وهو أن يصلح هذا النظام الحاكم دون الحاجة لكل هذا ويتكفل وحده دون غيره بإخراج البلاد من الأزمة التي صنعها بنفسه، وجوابي في ذلك أن هذا السيناريو بعيد المنال ولا يصح التفكير فيه، إذ هو تسليم الجزائر لسلطة أكدت عدم قدرتها مرات ومرات ومرات على تحقيق ذلك. ليس من العقل، وليس من المسؤولية وليس من المصلحة الوطنية أن نفكر في هذا أو نتبع هذا الوهم، فالذي عجز عن تحقيق هذا في زمن البحبوحة المالية ضمن ظروف سياسية وأمنية وإقليمية ودولية مثالية هو أعجز على تحقيق ذلك في زمن التقشف ضمن ظروف سياسية وأمنية وإقليمية ودولية صعبة. إن التجربة البشرية في مختلف القارات ضمن ظروف مشابهة أثبتت بأن تحقيق ذلك غيرُ ممكن، وعلاوة عن كل ذلك كتاب الله يرشدنا إلى الحذر من هذه الأوهام وفق قوله سبحانه: (( ..إن الله لا يصلح عمل المفسدين)) يونس 81، وقولِه (( .. ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)) البقرة 251 وقوله ((كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)) العلق 6-7.
هذا عن السيناريوهات الممكنة المتعلقة بالجزائر كلها فما هي السيناريوهات حركة مجتمع السلم.
لا بد من التأكيد قبل ذكر ذلك بأن حيرتنا في حركة مجتمع السلم هي على الجزائر وليس على حركتنا. حركتُنا أعدت نفسها لكل السيناريوهات وهي في كل الأحوال ستكون بإذن الله واقفة شامخة لا يحدوها إلا البحث عن الموقع الذي تخدم منه بلدها وفق السيناريوهات الآتية:
1 ـ تكون الانتخابات ذات مصداقية، وتنجح الحركة في الانتخابات وتستطيع أن تصل في مفاوضاتها من أجل التوافق مع المعنيين إلى مستوى الشراكة الذي يمكنها من أن تساهم في خدمة الجزائر كشريك حقيقي وليس مجرد واجهة لنظام لا تعرف أين يتجه، فتساند الحركة في هذه الحالة الحكومة بأن تكون طرفا فيها، أو أن تساندها مساندة ناقدة من خارجها للاحتياط وفق مستوى الاتفاق لمصلحة الجزائر.
2 ـ تكون الانتخابات مزورة أو لا تنجح الحركة في الانتخابات أو لا تصل إلى اتفاق يسمح لها بأن تنتقل إلى الشراكة المأمولة التي طالبنا بها في أواخر فترة وجودنا في التحالف الرئاسي، ويطلب منها أن تكون مجرد ديكور يهتم وزراؤها بقطاعاتهم ولا شأن لهم ولا لحركتهم بوجهة البلاد: وفي هذه الحالة سنبقى ملتزمين بسياسة المؤتمر الخامس، أي نحافظ على وجودنا في المعارضة على أن يكون همنا هو الانتشار التنيظمي والهيكلي والشرائحي في كل أنحاء الوطن، كما سنعمل على إعادة بعث العمل المشترك مع الطبقة السياسية المعارضة الفاعلة على ضوء التجربة الفارطة بما يجعلنا في الحركة وضمن التنسيق مع الغير قادرين على تأطير المواطنين بما يساعد على الانتقال إلى السيناريو (1) حين تتوفر الظروف، وتجنب الذهاب للسيناريو(2ـ أ) بالنسبة للسيناريوهات المتعلقة بالجزائر على النحو الذي ذكرناه أعلاه.
هذه استشرافاتنا التي ستعمق النظر فيها مؤسساتنا بعد الانتخابات التشريعية بكل مسؤولية وبكل سيادة، وسيتحمل كل منا مسؤوليته تجاه تلك القرارت.
إن الحركة تأخذ هذه الأمور بجد، ولا تهزل أبدا في نظراتها واستشرافاتها، كما لا تتهاون في إعداد نفسها لتكون قادرة على التعامل مع كل هذه الاحتمالات، لأن الأمر يتعلق بوطن بات أمانة في أعناق جيلنا، نحن جيل الاستقلال ورثة جيل الثورة بعد أن أصبحنا في الصف الأول من حيث تحمل المسؤولية، كما أن الأمر يتعلق بمصير أبنائنا وأحفادنا حتى نسلم لهم وطنا آمنا مزدهرا، تشارك طلائعهم الواجب معنا اليوم ولكنهم سيعيشون فيه وحدهم غدا فلا نريد أن يلعنونا حين نغادرهم، بل نريد أن يترحموا علينا وأن يكون كل ما يقومون به غدا حسنات جارية تلحقنا في قبورنا حيث يزول بهرج المناصب والأضواء ومتاع الدنيا وغرورها. كما أن الأمر يتعلق بمصير أمة وبمصير فلسطين إذ ستقوى الأمة وتشفى من جراحها وتتحرر فلسطين إن قويت الجزائر وسلمت، وستزداد أزمات الأمة وينتهي ريحها وتذهب معها فلسطين إذا ضعفت الجزائر وغرقت في أوحال أزماتها.
إن الانتخابات المقبلة فرصة لمعانقة السيناريو المشرق، وإن الحركة المؤهلة أكثر من غيرها لتكون طرفا أساسيا في تجدسيد هذا السيناريو هي حركة مجتمع السلم، ووجودها في البرلمان بكتلة طلائعية قوية فاعلة أمر طبيعي يدل على نزاهة الانتخابات، وعكس ذلك هو تزوير الواقع والحقائق الميدانية على الأرض. لم نكن حزبا نائما في السنوات الماضية، ولم تكن هياكلنا في سبات، ولم يكن مناضلونا ومناضلاتنا في دعة من أمرهم. لم نتوقف عن العمل ليل نهار ، كل أيامنا كانت من أجل بناء حركة قوية عصرية تعتمد الاستشراف والفكر والتخطيط، وترتكز على الانتشار في كل أنحاء الوطن وعلى تنمية عدد أعضائها ومناصريها وعلى تأطير الشباب والنساء ومختلف الشرائح سواء داخلها ضمن الوظيفة الحزبية أو بالتوجيه نحو مختلف مؤسسات المجتمع المدني ضمن نظرية الفصل الوظيفي بين الحزبي والدعوي، وبين الحزبي ومختلف الوظائف المجتمعية الأخرى غير الحزبية. وقد مكننا هذا من توسيع دائرة التأثير في مختلف سبل الخيرات، كما سهل لنا ذلك التفرغ للسياحة في أرض الجزائر للقاء مع الجزائريين عبر كل الولايات طيلة سنة 2016 وإلى هذا من سنة 2017، شارك في هذه الزيارات رئيس الحركة وكل أعضاء المكتب التنفيذي الوطني لتوعية المواطنين وشرح رؤانا ومواقفنا، وقمنا ب180 عملا جواريا للاستماع لانشغالات المواطنين، وتحميلهم مسؤولية دعمنا لنقدر على حل مشاكلهم، ولكسب ودهم وتعاطفهم، كما استطعنا ان نملأ الساحة الإعلامية بمداخلات قادة الحركة الذين تألقوا بكفاءتهم وبراعتهم في دفاعهم عن حركتهم ووطنهم وقضايا أمتهم، كما قدرنا على إنشاء مؤسسة خاصة ببلورة الرؤى والبرامج القطاعية من خلال أحسن كفاءاتنا لنقابل الحكومة ببراعة واقتدار سواء من حيث مراقبتُها أواقتراح البدائل الأفضل، وقد توصلنا إلى بلورة رؤية اقتصادية شاملة وبرامج قطاعية ل36 قطاعا. كما استطاعت كتلتنا البرلمانية أن تتميز بعطائها في وجه الحكومة نصحا ونقدا ومساءلات كتابية وشفاهية ومشاريع قانوينة ومداخلات علمية جريئة وحكيمة وقد سطع نجمهم في مناقشة قانون المالية 2016 و2017 وكانوا سببا للوعي العام الذي وصل إليه الجزائريون تجاه ما يعد لهم من هاذين القانونين، حتى نال نوابنا اعتراف وتقدير القريب والبعيد، كما تميز منتخبونا المحليون بكفاءة عالية في حدود الصلاحيات المحدودة الممنوحة للمنتخب المحلي فصنعنا في العديد من البلديات نماذج للنجاح لا يستطيع أحد مواراتها، كما توصلنا بفضل الله ان نوسع شبكة علاقاتنا الخارجية سواء في داخل الوطن حيث صارت الحركة هي بيضة القبان، الكل يرغب في دعمها، والكل يغضب من بعدها، والكثير يغار من أدائها، فاستطاعت رغم الصعوبات أن تحفظ علاقتها مع الجميع وأن تساهم في نشر ثقافة التعايش وتقبل الآخر والصبر على الخلاف وتجنب المهاترات، والتركيز على الهم الأكبر والتخلي عن سفاسف الأمور، فكانت بحق من أهم من ساهم في جمع المعارضة والإبقاء على مؤسساتها التشاركية الجديدة كالهيئة والتنسيقية رغم الاختلاف في وجهات النظر والتباين في المواقف والسياسات. كما أستطاعت أن يمتد نشاطها خارج الوطن فكانت بحق من أكبر الحركات الإسلامية التي تساهم في تطوير الفكر الإسلامي ونقل الحركة الإسلامية كلها إلى مستوى وفكر ومهارات العهد الدولي الجديد سواء على مستوى منتدى كوالالمبور أو ملتقى العدالة والديموقراطية أو التنسيق المغاربي أو الزيارات الثنائية في مختلف الدول، كما استطاعت ضمن نشاطها الخارجي ان تحتل المراتب الأولى شعبيا في دعم القضية الفلسطينية باعتراف أصحاب القضية ذاتهم.
وأما الإنجاز المبارك الأخير الذي ختمنا به سنة 2016 هو الوحدة الاندماجية التنظيمية مع إخواننا في جبهة التغيير، وحدة طبيعية لا غرابة فيها بين إخوة كانوا معا ورجعوا إلى بعضهم بعضا في سابقة غير مرصودة في الساحة السياسية والإسلامية. وحدة دفعنا إليها الواجب حين اجتمعت ظروفها المساعدة، وحدة سنبقى نسعى لنكملها على ما تركنا عليه الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فكرة ومنهاجا وتنظيما. وحدة توصلنا إليها مع أحبائنا في جبهة التغيير بعد مسار طويل، لا شأن له بالانتخابات ابتداء كما يقول بعضهم. لقد أثبتت الحركة بأنها قادرة على جمع التوقيعات إذ جمعت حيث لم يفرض عليها القانون ذلك، وقد اتضح بأن قرار وزارة الداخلية إعفاء أحزاب تكتل الجزائر الخضراء من جمع التوقيعات هو في مصلحة غيرنا أكثر من مصلحة حركتنا، فحركتنا هي الطرف الأساسي الذي وفر النصاب القانوني في كل الولايات باسم تكتل الجزائر الخضراء، ونحن أسعد الناس ولا شك بأن يستفيد من ذلك شركاؤنا السابقون ومن استفاد منهم ممن لم يكن معنا في التكتل، فهؤلاء كلهم إخواننا وواجبنا أن نسعى للتقارب بيننا مهما كانت الإكراهات بما يخدم مشروعنا ووطننا وأمتنا.
كما أن وحدتنا لا علاقة لها بالنتيجة الانتخابيية، إن وحدة الإسلاميين مجتمعين لن تؤثر في موازين القوة في الوقت الراهن. لا يزال النظام السياسي يستطيع أن يزور الانتخابات ويفرض إرادته ولا يستطيع الإسلاميون أن يفعلوا شيئا حيال ذلك. إن أي سلطة حاكمة مزورة في العالم تتوقف عن التزوير حين تعلم بأن الثمن الذي تدفعه إذا زورت الانتخابات سيكون فادحا. ولا يكون ذلك إلا حينما تستطيع الأحزاب حماية أصواتها بتيار شعبي قوي يقبل الخروج للشارع ليدافع عن أصواته سلميا، وهذا غير متاح في الجزائر الآن بسبب جراح مأساة التسعينيات وبسبب ما يحدث في المشرق وخصوصا سوريا، وبسبب بقاء آثار البحبوحة المالية وبسبب روح المسؤولية الوطنية التي تتحلى بها الأحزاب وفي مقدمتهم حركتنا التي إسمها السلم. إن الشيء الوحيد الذي يضمن نزاهة الانتخبات هو تحرك النخوة الوطنية داخل النظام السياسي (وهي موجودة بقوة داخل الدولة الجزائرية)، حين يدرك هؤلاء بأن الجزائر ستواجه أزمة اقتصادية شديدة ضمن محيط أقليمي ودولي متربص لا تنفع معه المؤسسات الهشة.
إن كل ما نقوم به مما ذكرته ومما لم أذكره هو واجب نريد به وجه الله أولا ، ثم هو واجب تجاه وطننا وأمتنا، ثم هو ضرورة قصوى لمواجهة المخاطر الدولية الجديدة المتعلقة بتغيير موازين القوة العالمية، التي توشك فيها الصين أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم وهي تعد نفسها استراتيجيا وعسكريا على غير عادتها لمواجهة أمريكا حماية لمصالحها، والتي صارت فيها روسيا لاعبا أساسيا تحرك بياطق الشرق الأوسط كما تشاء من أجل مصالحها خلفا لأمريكا والغرب كله. إن تراجع القوة الغربية التقليدية الأمريكية والأوربية أنتج فراغا كبيرا مهد لصعود اليمين المتطرف الذي جعل الإسلام هدفه الأول والذي تنبئ أفكاره وخطابه باقتراب محنة صعبة يكون ضحيتها المسلمون في تلك البلاد وقد يتحول الأمر إلى مواجهات أبعد من ذلك. وفي ظل تلك الظروف الصعبة كلها يتجه المشرق العربي نحو التفكك والحروب الطائفية التي تغذيها قوى إقليمية تستغل ضعف العالم السني، مما جعل فلسطين معزولة محاصرة بانشغال المسلمين عنها، ومعزولة ومحاصرة بكيد الكيان الصهيوني الذي تفرد بها، يهدد مقدساتها بالتهويد وووجودها بالإستيطان ولو لا صمود المقاومة القسامية في غزة وصمود ثورة الدحس والسكاكين في القدس والضفة لانتهى أمرها.
إن كل هذه السيناريوهات المحلية والدولية وكل هذه المخاطر الوطنية والإقليمية والدولية هي التي جعلتنا نعد أنفسنا بقدر ما نستطيع وهي التي جعلتنا نقول لشعوبنا وحكامنا في كل العالم العربي والإسلامي: إن الزمن والظروف لا تسمح بالاختلاف بيننا لنضع أيدينا في أيدي بعضنا صفا واحدا من أجل حماية أوطاننا وحماية أمتنا. اللهم فاشهد اللهم قد بلغنا.
د. عبد الرزاق مقري
دائرة الهداية: هي دائرة الدعوة والتربية والإيمان والرسالة، وعدد من فيها سيبقى قليلا إلى يوم الدين يقول الله تعالى :((وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين))يوسف103، بل إن أكثر المؤمنين فيهم دخن ((وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)) يوسف 106، وهذه الفئة ستبقى موجودة بإرادة الله ورعايته لكي تبقى الحياة، فما استمرار الدنيا إلا من أجلهم على قلتهم، وحينما يأتي ميعاد نهاية هذا العالم السفلي يأخذ الله آخر واحد منهم ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق عند الله)) حديث صحيح رواه الحاكم. ولا نطيل الحديث عن هذه الدائرة لأن الذين أكتب لهم هذا المقال يعرفونها جيدا، وقد اكتفيت بالإشارة إلى هذا المعنى المهم الذي لا يعرفه أكثرهم.
دائرة القيادة: وهي دائرة السياسة، القائد فيها والمقود، فالسياسة هي التي تقود الدنيا، وهي التي تصنع التاريخ، فما تاريخ الدول إلا تاريخ ساستها ودولها ومؤسساتها، وما الإنجازات الحضارية إلا منتوج إدارة الدول والمجتمعات، ودائرة القيادة يوجد فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، غير أن المؤمنين والصالحين فيها قلة، ولكن رغم قلتهم يستطيعون الظهور على غيرهم إذا ما فهموا أن لا غلبة فيها إلا باتباع السنن الإجتماعية والأخذ بأسباب القوة والنفوذ. إذا أخذ الفجار بزمام المبادرة كانت الدنيا لهم وكانت عندئذ ظلما وفسادا مهما تراكمت منافعها المادية، وهو حال العالم اليوم، وإذا كان الصالحون أهلا للقيادة تمكنوا، فيسعد الناس حينئذ في الدنيا، ومن آمن منهم فاز في الآخرة، وعلى هذا الأساس إذا أعتقد المؤمنون والصالحون بأنهم يستطيعون قيادة الدنيا فقط لأنهم مؤمنون صالحون فهم مخطئون، وإن ارادوا استعمال الدين للتمكن في الحكم فهم مجانبون للصواب وللفهم الصحيح للإسلام ، ولا محال سيفشلون. إنما تؤخذ الدنيا غلابا، بالإعداد وحسن السياسة والإدارة وأن يكون دهاء ومكر الصالحين أكبر من دهاء ومكر الكافرين والفاسدين والظالمين. وحين يقول الله تعالى:((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)) الفتح 28 ، لا يعني هذا أن الناس جميعا يدخلون الإسلام، فهذا أمر مستحيل وإنما المقصود أن يكون الإسلام هو الغالب وهو الأقوى والأظهر لكي لا تفسد الدنيا فسادا مطلقا قبل الأوان الأخير ولكي تحفظ كرامة الناس، مسلمهم وغير مسلمهم. ستبقى المعركة في الحياة الدنيا بين قادة الخير وقادة الشر والناس بينهما تبع. وأكثر هؤلاء الناس يتبعون من يضمن مصالحهم وطموحاتهم، والولاء الذي يظهرونه في فترة من الفترات لهؤلاء القادة أو أولئك أغلبه كاذب. إنما هو تموقع وفق توقع المصالح، سوى قلة جاءت من دائرة الهداية بالتربية او بالفطرة تناصر قادة الحق لأنهم على الحق، و من كانت عصبته هؤلاء فقد أفلح ونجح. لن يستطيع قادة السياسة الذين ينتمون إلى دائرة الهداية أن يفرضوا أنفسهم في دائرة القيادة إلا إذا أيقن أغلب الناس بأن مصالحهم الدنيوية في هؤلاء الصالحين، إما بخدمة الناس بصدق وتفان إذا كانوا في الحكم، دون النظر إلى دينهم وانتمائهم وثقافتهم، أو بقناعة أولئك الناس في مصداقية هؤلاء الساسة القادة بأنهم قادرون على تخليصهم من ظلم وبؤس هم فيه، أو على تحسين وضعهم أفضل مما هم عليه. وفي مواجهة قادة الشر لا يجب على قادة الخير أن يتترسوا بالشعب فحسب فقد يجلبوا لهذا الشعب المهالك، بل هم أنفسهم سيشيطنون بعدما كانوا على الحق إن فعلوا ذلك في غير وقته وبلا كفاءة وحسن تدبير، وقد وقع هذا في القرن الأول من التاريخ الإسلامي وهو يتجدد في كل مرة، مثلما حدث في الجزائر في بداية التسعينيات وحدث في مصر مؤخرا، لا تكون المواجهة بجحافل الشعوب فقط، حتى وإن كانوا صادقين في مناصرة الحق في تلك اللحظة. إن قوة الشعب هي ولا شك الأضمن والأبقى خصوصا إذا كان الشعب واعيا مؤمنا بقضيته وفقا لقوله تعالى: ((هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين))، صادقهم أو من كان مؤمنا ولكن في إيمانه دخن، ولأهمية الشعب في معادلة التدافع يتصارع قادة الخير والشر على كسبه في كل وقت، غير أن استعمال هذه القوة في غير وقتها دمار وفناء. إن قوة الشعب ليست قوة كفاح من أجل التغيير ولكنه قوة حسم في لحظة التغيير حين يأتي أوانه. فلا بد أن نتذكر بأن الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجا إلا بعد فتح مكة. قبل لحظة الحسم على قادة الحق أن يكونوا في مسوى الإعداد، وأن تكون لهم القدرة على التضحية، ولو بأنفسهم ومصالحهم من أجل الحق، دون ربط انتصار الحق بزمن من الأزمنة وفرصة من الفرص، وبداية الإعداد توفر الفكرة الأصيلة النابعة من دائرة الهداية، والبرنامج المناسب الذي يخدم مصالح الناس، والرؤية الثاقبة التي تسدد السير، وأهم ما في الإعداد بعد ذلك تأهيل الموارد البشرية، خصوصا في الصف القيادي، ليكونوا في مستوى إدارة الصراع، بأخلاق الدين ولكن بأدوات الدنيا، لأن حسن إدارة الصراع هي التي تجعلك تنتصر ولو كان خصمك أقوى منك ألف مرة.
د. عبد الرزاق مقري
جاءت مظاهرات 11 ديسمبر ضمن سياق نستخلص منه درسا كبيرا في كفاحنا السياسي.
جاء المستوطنون وجنرالاتهم في الجزائر المحتلة بالجنرال ديغول سنة 1958 ليحكم فرنسا من جديد ويخلصهم من ثورة المجاهدين الجزائريين التي شملت كل الجزائر بعد عمليات فك الخناق على الأوراس في 20 أوت 1956 . يعتبر الجنرال ديغول صاحب الكتاب الاستراتيجي “حد السيف” بطلا قوميا عند الفرنسيين أعاد لهم شرفهم بعد سقوط باريس في يد هتلر واستسلامهم للألمان في الحرب العالمية الثانية بتنظيمه المقاومة الفرنسية وانضمامه للحلفاء واسترجاع بلده من الاحتلال النازي. خلافا لهذه الخلفية الثورية والكفاح من أجل الحرية لبلده عمل ديغول على كسر الثورة التحريرية وترسيخ إلحاق الجزائر بفرنسا نهائيا، فعمل باستراتجيتين متكاملتين: استراتيجية الإغراء من خلال ” مشروع قسنطينة” لتحسين وضعية الجزائريين المادية، واستراتيجية الحرب والتدمير للثورة ومعاقلها ومناصريها فأنزل للجزائر ترسانة عسكرية من الطائرات والآليات والجنود والخطط والعمليات المكثفة بشكل غير مسبوق وبمساندة ضخمة من الحلف الأطلسي.
أكد لي المجاهدون مشافهة بأن ديغول استطاع أن يلحق ضررا كبيرا بالثورة إلى حد توقفت فيه العمليات الجهادية تقريبا. لقد كاد ديغول أن يحقق هدفه، فلو توقفت الثورة لانكسرت إرادة الجزائريين ولاستمر الاحتلال إلى سنوات طويلة أخرى. غير أن الذي أنقذ الموقف هو الشعب الجزائري بانتفاضة 11 ديسمبر. انتبه قادة الثورة بأن الرسالة يجب أن يأخذها ديغول كاملة، فحواها أن الشعب الجزائري مصمم على الاستقلال مهما كان الثمن، فلا الإغراء يثنيه عن مطلب الاستقلال ولا التدمير العسكري يخيفه من استمراره في طريق الحرية، وأن الذي يجب أن يجيب ديغول هذه المرة هو شعب بكامله وليس المجاهدون الذي في الجبال فكان تنظيم المظاهرات التاريخية في مثل هذا اليوم من سنة 1960.
لقد كانت هذه المظاهرات حاسمة في تصحيح فهم ديغول للقضية الجزائرية، لقد علم بأن القضية ليست قضية متمردين على السلطة الفرنسية، بل هي إرادة شعب بكامله، وأن هذا الشعب ستهزم إرادته إرادة فرنسا، لأن هذا الشعب يدافع عن أرضه الجزائر، وأن الفرنسيين مغتصبون يقاتلون من أجل قضية ظالمة ستخسر لا محال، وأن الشعب الذي خرج للشوارع عن بكرة أبيه هو قوة المجاهدين والفدائيين والمسبلين الذين يحملون السلاح في الجبال وفي المدن، وأن قوة الحديد والنار مهما عظمت لا تهزم طالب حق أبدا. لم يهب ديغول شيئا للجزائر كما يقول أبناؤه من أذيال الاستعمار، بل اندحر وانهزم، وما انخرط في مسار المفاوضات التي انتهت بالاستقلال إلا حينما رأى إرادة الشعب الكاسحة في 11 ديسمبر. الفرق بينه وبين المستعمرين الذين حاولوا الانقلاب عليه حين أعلن ضرورة خروج فرنسا من الجزائر أنه كان أذكى منهم في قراءة إرادة الشعب الجزائري حيث علم أن نتيجة البقاء في الجزائر ليس الهزيمة على الأرض المحتلة فقط، بل كذلك تقهقر فرنسا ذاتها في أرضها، وأن التفاوض على الخروج هو كذلك لمصلحة فرنسا من هذه الزاوية، و للمحافظة كذلك على بعض الامتيازات وهو للأسف الشديد ما تحقق له ولبلده.
لا شك أن مظاهرات 11 ديسمبر هي من أكبر الأسباب التي أدت إلى الاستقلال، ولكن هي قبل ذلك المظاهرات التي حمت الثورة وأنقذت النخب حين تعثرت.
إن الدرس العظيم الذي نستخلصه في كفاحنا السياسي أن مساندة الشعب لأي قضية هو الذي ينجحها، وأن الذي يغلب الأنظمة سواء كانت استعمارية أم استبدادية إنما هو الشعب، وأما النخب عبر مختلف منظماتها وأحزابها فإن الذي عليها القيام به هو أن تبذل جهدا كبيرا لتوعية هذا الشعب وتحميله المسؤولية ونيل ثقته بالثبات والتضحية والصبر حتى إذا فهم الشعب القضية ووثق بمن يحملها يكون هو الطاقة العظمى التي تتحرك بها النخب. يكون الدعم للنخب من عموم الشعب عندئذ منظما ودائما وفاعلا في مختلف المجالات، فإذا تعقدت أوضاع النخبة في هذه المرحلة، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتوقف عملهم لعظمة القمع وشدة الاستبداد وساءت أوضاع هؤلاء الناس الذين أصبحوا واعين مدركين، خرج الشعب للشارع سلميا يأخذ أمره بيده مع التقدير التام للنخب ولما بذلوه من قبل، وحينما يتحقق النصر يكون الانتقال إلى وضع جديد لمصلحة الشعب ونخبه وللبلد كله في سلاسة ورشاد وتوفيق وسداد.
د.عبد الرزاق مقري.
– لا فرق بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب بالنسبة للعرب والمسلمين ، ولكن هناك شيء مؤكد معلوم وشيئ متوقع مجهول، الشيئ المعلوم الذي لا ريب فيه أن كلينتون تمثل صوت المؤسسة الأمريكية (أو الاستباشمنت أو الدولة العميقة في أمريكا) التي كانت دائما مع إسرائيل ضد العرب والمسلمين وهي سبب في كثير من مآسينا، وعليه لو أصبحت هيلاري رئيسة لكان وضع المسلمين على السوء الذي نحن عليه والأرجح يكون الحال أسوء، أما ترامب يتوقع أن يكون وضع العرب والمسلمين معه أسوء ولكن لا يوجد شيء يؤكد هذا ما لم يقع. ما يتلفظ به مرشح للرئاسة يمكن آن يتغير وتغيب حدته بعد أن يصبح رئيسا ولكن يصعب على سياسة المؤسسة أن تتغير.
– ترامب رئيس لم تتمناه الاستبليشمت، ولكن ستعمل على احتوائه، وأثناء ذلك سيقع التوازن بينه كشخصية متفلتة حتى على حزبه وبين المؤسسة، ستكون له بصمته الخاصة ولكن الاتجاه العام سيكون على ما تريده الدولة العميقة التي تؤثر فيها قوى كثيرة منها المؤسسات العسكرية والأمنية، ولوبيات السلاح، ولوبيات الطاقة، واللوبي الصهيوني وبعض اللوليات العرقية ومجموعات المصالح المختلفة.
– في الهامش الذي يخصه ويترك فيه بصمته فيه هو ما يتعلق بالمال، كل سياسات ترامب ستقودها رؤى قريبة المدى للتوسع الاقتصادي الأمريكي، ستهمه الفرص القريبة للربح أكثر من أي شيء آخر كما هي ذهنية رجل الأعمال مثله، لن يهتم كثيرا بالاستراتيجيات بعيدة المدى ولن يكون متحمسا على الإنفاق على مشاريع لا تكون عوائدها قريبة، وسيؤثر هذا على تحالفاته وفق تطورات الوضع الاقتصادي، وكل حليف سابق لم تصبح فيه مصلحة اقتصادية أو يمثل عبئا على أمريكا سيتخلى عنه، وباعتبار أن ترامب لا يرى وجود سبب لتحمل عبء الصعوبات الاقتصادية الأوربية أو مشاكلها الجيوستراتيجية، سيعرف الحلف الأمريكي-الأوربي تراجعا ملحوظا وسيتعامل مع الدول الأوربية دولة دولة وفق استعداد كل واحدة منها للاستسلام التام للإرادة الأمريكية أكثر مما هو حاصل الآن.
ـ ليس بالضرورة أن يكون ترامب وحده في هذه الاستراتيجيات الجديدة، فقد تكون ثمة قوى خفية داخل المؤسسات التقليدية التي تحدثنا عنها قد اختارت هذه الوجهة قبله وكانت هي ذاتها وراء صعوده لاستكمال المهمة وقيادتها ومما يدل على هذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، التقارب الجديد بين أمريكا وروسيا في بعض الملفات ومنها الملف السوري، المواقف السلبية الجديدة من المملكة العربية السعودية وقانون ((جاستا)) الذي صوت عليه الكونغرس الذي يؤدي إلى تغريمها بأموال طائلة تعويضا لضحايا 11 سبتمبر… ألخ..
ـ بالنسبة للمسلمين سيكون موقف ترامب منهم بقدر قدرتهم على نفع أمريكا أو إلحاق الضرر بها، وهناك في هذا المجال وجهان: وجه سلبي ووجه إيجابي. أما الوجه السلبي فهو أن شراسته ستكون أفتك بالمسلمين من سابقيه في أخذ ما يريد منهم إذا رأى ذلك ممكنا وليس له ثمن يدفعه، والوجه الإيجابي أنه سيكون أكثر واقعية وقبولا للحوار وتبادل المنافع إذا رآى نفسه في مواجهة دول إسلامية متماسكة قابلة للتعاون بينها والحديث بصوت واحد ولها قدرة على إيلامه وتضييع فرص الربح المتوقعة في بلادهم. وسيخضع الملف الفلسطيني لنفس القاعدة: سيكون مع إسرائيل إذا كان ذلك ينفعه ماديا أكثر، وسيحاول التوازن إذا رأى بأن وقوفه مع إسرائيل يضيع له فرصا اقتصادية أوفر.
ـ والخلاصة أن ترامب خلافا لسابقيه: يمثل بالنسبة للمسلمين فرصة جديدة وتهديدا أخطر مما مضى بحسب التحولات التي تقع في العالم وبحسب التطور نحو السلب أو الإيجاب في منظومات الحكم والمجتمعات العربية الإسلامية.
د. عبد الرزاق مقري
المراكز الغربية تحرص دائما أن يكون مع الضيوف العرب ممثلا أو أكثر عن حزب العدالة والتنمية التركي. وكانوا في كل مرة يعملون على إحراجنا بالسؤال عما إذا كانت تجربة العدالة والتنمية التركية نموذجا نقتدي به في بلداننا العربية. كان حزب أردوغان في عهدته الأولى بين سنة 2002 ـ 2008 وكان في وئام تام مع الغرب الأمريكي-الأوربي، كان يمثل فرصة العمر لهم لتدجين الحركات الإسلامية العربية على منوال التجربة الإسلامية التركية العلمانية المتصالحة مع إسرائيل. كان بعض الغربيين لا يثق بالواجهة المطمئنة التي كان يقدمها حزب العدالة والتنمية التركي، منها مسؤولة كبيرة في الاتحاد الأوربي مستشارة لدى رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزي مانويل باروزو سنة 2004 حيث قالت لي في حديث ثنائي كرد فعل على إصرار ممثل الحزب التركي على تأكيد علمانيته في اجتماع نظمه مركز كارنيجي في ألمانيا قالت: ” هل يظن أننا نصدقه !”. ربما كان كل الغربيين يعلمون بأن هذا الانتماء للعلمانية إنما هو انتماء اضطراري ولكن كانوا يتوقعون بأنه انتماء أبدي وأنه يجب وضع كل الإسلاميين في الظروف التي تجعلهم علمانيين متصالحين مع إسرائيل وأنه يحسن كثيرا أن يُقدّم لهم نموذج ناجح لذلك.
كان جوابي في كل هذه اللقاءات جوابا بيّنا واضحا على شاكلة ما حدث في ذلك النقاش الثلاثي الحيوي الصريح في واشنطن في ندوة نظمتها منظمة “سنتيري فونديشن” في شهر ماي سنة 2008 شارك فيها الأستاذ محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية المغربي وممثل عن حزب العدالة والتنمية التركي، وكنت أمثل في الندوة حركة مجتمع السلم حيث قلت لمنظم الندوة الذي سأل مرة أخرى عن رأينا في النموذج التركي، قلت له: ” لا شك أن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي تجربة رائدة في مجال الحوكمة والتنمية الاقتصادية يمكن الاستفادة منها لا سيما أنه وصل في تلك السنة في آخر عهدته الأولى إلى تحويل دخل الفردي التركي من 3500 دولار سنة 2002 إلى 10500 دولار سنة 2008 ونقل صادرات تركيا من 36 مليار دولار إلى 132 مليار دولار، غير أن ثمة فروقا أساسية في البيئة السياسية لا تتحمل التشبيه أولا تسمح بالمحاكاة منها أن تركيا أصبحت بلدا ديموقراطيا لا تُزوّر فيه الانتخابات، وما كان أردوغان ليحقق ما حققه لو لا توفر الحريات والديموقراطية في تركيا، وأن حزب العدالة والتنمية وجد وضعا علمانيا مستقرا لمدة سبعين سنة لا يمكنه تغييره، في حين أن دساتير بلادنا العربية كلها تُقر بأن الشريعة هي مصدر التشريع أو على الأقل أن الإسلام هو دين الدولة، وأن هذا الوضع الدستوري مستقر منذ عشرات السنين تحت حكم أنظمة قومية، فلا تتوقعوا أبدا أن الأحزاب الإسلامية ستخفض هذا السقف فتتبنّى العلمانية على شاكلة حزب العدالة والتنمية التركي وهي كلها أحزاب بنت وجودها على مواجهة العلمانية”.
لقد كنت أظن أنا كذلك بأن حزب العدالة والتنمية حزب لا علاقة له بالفكرة الإسلامية وأن مؤسسيه قد بعُدت عليهم الشقّة في كفاحهم الطويل مع شيخهم نجم الدين أربكان فغيروا وبدلوا طمعا في الاكتفاء بخدمة بلدهم في مجال التنمية ضمن المشروع الغربي الرأسمالي الربوي وأنهم، مهما كان احترامنا لهم بسبب إنجازاتهم في السنوات الخمس الأولى من حكمهم، لا يجب أن نعتبرهم نموذجا ومثالا يقتدى به، ذلك أن فكرتنا بقيت عالمية رغم الصعوبات التي نجدها في بلادنا العربية تهدف إلى تحرير فلسطين وتحرير العالم بأسره من السيطرة الرأسمالية الربوية الظالمة، وأن نظيرنا في تركيا هو حزب السعادة، حزب نجم الدين أربكان رحمه الله رغم انحصاره السياسي لدى الناخبين الأتراك.
بقيتُ هكذا لسنوات عديدة، يزداد إعجابي بإنجازات أردوغان وإخوانه في خدمة بلدهم، ولكنني لم أقبل مشروعهم على المستوى الفكري الحضاري أبدا وحسبته جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية المهيمنة التي لا بد أن تنهار ذات يوم، واعتبرت بأن هذا المشروع التركي قد يكون مجرد مرحلة في الطريق لا يعتد به كنموذج نهائي للإسلام والمسلمين، نكتفي بالثقة بصلاح أصحابه وابتعادهم عن الفساد وبالاعتراف بنجاحاتهم الكبيرة التي وصلت في نهاية عهدتهم الثالثة إلى ما يشبه الخيال بالنسبة لما كانت عليه تركيا قبل توليهم الحكم، وقد دونت هذا الحكم عليهم في بحثي الذي قدمته في المؤتمر الأول لمنتدى كوالالمبور بماليزيا سنة 2013 والذي نشرته تحت عنوان: ” الدولة المدنية: رؤية إسلامية”.
غير أن صاعقا فكريا هزّني ذات يوم غيّر تصوري وحُكمي على الإنتماء الفكري لأردوغان وأصحابه تماما، حيث أدركت بأن هذا الفريق المسلم التركي الحاكم صاحب رؤية إسلامية عالمية أصيلة، وأنه يعرف ماذا يفعل، وأن مشروعه مشروع إسلامي تجديدي تجاوز كل التجارب العربية الإسلامية السابقة والحاضرة، وأنه يتعامل مع الواقع كما هو ويعمل على تغييره بالتدرج للوصول إلى صورة نهائية مرسومة لديه باستعمال الشرعية الشعبية التي لم يحصل عليها إلا بخدمة مصالح الناس والعدل بينهم وتوفير الحريات التي تحلّ كل القضايا الأيديولوجية الخلافية في إطار من السلم والاستقرار والوعي العام والتّحضُّر.
كان ذلك في المؤتمر السنوي الاقتصادي لجمعية رجال الأعمال والصناعة المستقلين ” موصياد” سنة 2014. بدأ المؤتمر بتلاوة آيات تحريم الربا في سورة البقرة جعلتني أشعر بشيء من السعادة، وقلت في نفسي ربما ثمة في محيط هذه الحكومة أو المنظمة المشرفة على المؤتمر من يحمل فكرنا واتجاهنا فاختار هذه الآيات من باب التذكير فحسب، غير أنّي سمعت بأذني ما لم أكن أتوقعه في المحاضرات المتسلسلة لوزراء الاقتصاد والمالية والتجارة ثم رئيس منظمة الموصياد ثم الرئيس التركي طيب رجب أردوغان سحلوا فيها كلهم الفكرة الرأسمالية الربوية الغربية، وكانت المحاضرة الأقوى هي محاضرة الرئيس التي حاكم فيها النظام الرأسمالي الغربي الربوي وحمّله مسؤولية الحروب والفقر والاستعمار والظلم والإرهاب وغير ذلك من الآفات التي تعرفها البشرية اليوم.
عندئذ قلت في نفسي لقد كشف أردوغان اتجاهه، وهو نفس الاتجاه الذي بقي يعلنه شيخه نجم الدين أربكان حتى وافته المنية والذي نؤمن به جميعا، ربما يكون أردوغان قد كشف حقيقة منهجه في الوقت المناسب، ولكن ذلك لن يمر بلا ثمن باهض سيدفعه عاجلا أم آجلا….. يتبع..
د. عبد الرزاق مقري
حينما كتب فرانسيس فوكوياما كتابه ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير” سنة 1992 خطّأه كثير من الكتاب والمفكرين من مختلف الحضارات والثقافات واعتقدوا بأن عكس ادعائه يحصل في العالم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن الزمن زمن بروز الثقافات المتنوعة في العالم وظهور قوى دولية جديدة والتخلص نهائيا من الأحادية القطبية الأمريكية. كثير من هذا حصل حيث ظهرت قوة الصين وباقي دول البريكس في المجال الاقتصادي وأصبحت هناك قوى اقليمية تلعب دورا أساسيا في العلاقات الدولية وأصبحنا نرى العالم بألوان الطيف من حيث التنوع الثقافي. غير أني لا أعتقد بأن هذا الذي كان يهم فوكوياما حين تحدث عن نهاية التاريخ، الذي كان يهمه هو المجال الفكري ومرجعية القيم في الكون، اعتقد فوكوياما بأن نهاية الاتحاد السوفياتي هي الانتصار الأبدي للرأسمالية الغربية المادية الربوية ومذهبها الليبيرالي وبذلك يتنهي صراع المشاريع بالتسليم التام بأن نموذج إدارة الاقتصاد والأسواق هو النظام الرأسمالي دون غيره وأن الليبيرالية ستنتصر أبديا على مستوى المبادئ والأفكار وتصبح معولمة بل تكون منهج حياة البشرية كلها. وعليه، كما نراه الآن في كل مكان، يصبح الذي يتحكم في الحكومات رجال المال والأعمال والمؤسسات الاقتصادية العابرة للقارات ويصبح الحكام خاضعين لإرادة واحدة هي إرادة السوق ومن يتحكم فيه، هي التي توصلهم للحكم وهي التي تسقطهم. وحين يكون الأمر كذلك يتأكد فعليا إمكانية وجود “حكومة عالمية خفية” تسخّر المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية لإرادتها من حيث درت تلك المؤسسات والحكومات أم لم تدر بالرضا أو كرها، وحين يكون الأمر كذلك تفعل أصابع المنظمات الخفية المرتبطة بالصهيونية فعلها كالماسونية واللوبيات المالية والإعلامية وغيرها من المنظمات السرية الشبيهة ومنها منظمة فتح الله غولن المتهمة بالارتباط بالماسونية والمتصلة اتصالا وثيقا بالأجهزة الأمنية الأمريكية، ويصبح عندئذ التمرد على هذه المنظومة العالمية عسيرا جدا يشبه المستحيل أحيانا. قد يُسمح لمن يريد أن يتميز عن هذه المنظومة أن يكون هامشيا يُستفاد منه في تزيين المشهد العالمي، فإذا أراد أن يكون مشروعا عالميا بديلا تتم محاولة استيعابه ليكون مكملا للمشروع الرأسمالي العالمي بقيمه الغربية المهيمنة، فإن أصر على التميز بمرجعية أخرى يُضرب بيد من حديد، بكل الوسائل الممكنة، بالفوضى أو الأزمات أو الحصار أو الانقلابات أو الاغتيال أو شيء من هذا.
إننا حين نتابع اقتصاديات العالم كله في كل الدول بمختلف ثقافاتها وحضاراتها ونظم حكمها سنجدها كلها تمثل نمطا واحدا هو الاقتصاد الرأسمالي الربوي، ذلك هو اقتصاد الصين ضمن نظام الحزب الواحد، وذلك هو اقتصاد الروس ضمن النظام المافيوي المسيطر، وذلك هو اقتصاد دول البريكس، وذلك هو اقتصاد الدول الإسلامية الصاعدة كماليزيا واندنوسيا وتركيا، كلها اقتصاديات تشبه الإقتصاد الرأسمالي الغربي الأمريكي الأوربي، إنها نهاية التاريخ حقا إذا استمر الأمر هكذا، كل هذه الأنظمة تخضع لمذهب واحد هو المذهب الرأسمالي المادي الربوي وهي كلها أنظمة مخترقة بدرجات متفاوتة من الصهيونية العالمية.
إلى جانب كتاب فرنسيس فوكوياما ظهر كتاب آخر ذائع الصيت هو كتاب ” صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” لصاحبه صمويل هنتنتن، والكتاب في أصله مقالة كتبها المؤلف في مجلة “فورين آفيرز” الأمريكية سنة 1993 يرد فيها على تلميذه فرنسيس فوكوياما مؤكدا بأن الحضارة الغربية لم تنتصر بعد وأنها ستواجه صراعات جديدة ليس مع الدول ولكن مع الحضارات الأخرى، ويمثل الكتاب،في حقيقة الأمر، خطة متكاملة لأصحاب القرار الغربيين لمواصلة سيطرة الحضارة الغربية على باقي الحضارات الأخرى، أي لتتحقق “نبوة” تلميذه ذاتها ! وكأنه يقول له “لا تجعلنا نسترخي بنشوة الانتصار فنُغلب، إن علينا مهمات جديدة ليس ضد الدول بحد ذاتها ولكن ضد حضاراتها وقيمها وهويتها”. يحصي صمويل هنتنتن في هذا الكتاب الحضارات الموجودة في العالم ويخلُص إلى أن ثمة حضارتين منافستين للحضارة الغربية هما الحضارة الكنفوشيوسية الممثلة في الصين والحضارة الإسلامية الممثلة بدول الشرق الأوسط وما يتصل به وهي أخطر الحضارات كلها على الغرب حسب هنتنتن، وأن المواجهة الأساسية هي بين ” العالم المسيحي” بقيمه العلمانية من جهة و”العالم الإسلامي” من جهة أخرى. لا أريد أن أفصل في فحوى هذا الكتاب فليس هذا موضوعنا، وقد نشرت بشأنه كتابا منذ سنوات عنوانه: ” صدام الحضارات: محاولة للفهم”، ولكن الذي أريد أن أنبه إليه أن الخطة المعروضة في الكتاب قد أتت ثمارها بالنسبة للصين إلى حد كبير، حيث أصبحت الصين تمثل اقتصادا متكاملا مع الاقتصاد الأمريكي وفي أسوء الحالات قد تهدد المصالح الأمريكية والأوربية ولكنها لا تهدد الحضارة والثقافية الغربية على الإطلاق، بل قد أصبحت مندمجة فيها اندماجا كبيرا أصبح يقلق أصلاء الكونفوشيوسية ولا يجيدون لحيرتهم حلا، وفي أسوء حالٍ من هذا قد تتضرر أمريكا ضررا كبيرا من صعود الصين ولكن الصهيونية لن تتأثر وجوديا بذلك، ذلك أنها وجهت اهتمامها للصين منذ سنوات طويلة وقد اخترقت الاقتصاد الصيني اختراقا كبيرا من خلال هيمنة الفكرة الرأسمالية الربوية ونفوذ رجال الأعمال الصهاينة أو المتصهينين، وهي في راحة تامة من أمرها في هذا الشأن.
إن المشكل الذي تجده “حكومة العالم الخفية” هو مع العدو الأول حسب تصنيف كتاب صدام الحضارات، مشكلتهم الكبيرة هي مع الإسلام المستعصي عن الاستيعاب والإدماج، بل المقاوم الأوحد في الكون لظلم الفكرة الرأسمالية المادية الربوية كما يقر بذلك عدد من القامات الفكرية في الغرب ذاته، بل الإسلام هو القوة الوحيدة التي تعرض بديلا حضاريا معارضا معارضة كلية للهيمنة الاستعمارية الرأسمالية. وخطر الإسلام بالنسبة للنظام العالمي المهيمن ليس في تطبيق الشريعة الإسلامية المظهرية، لا تمثل هذه المسألة شيئا بالنسبة لهم إذا كانت الحكومات والمنظمات التي ترفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية قابلة للاندماج والتبعية الأبدية للسيادة الغربية الرأسمالية الربوية المادية، ثمة دول ومنظمات لا أوضح منها في تطبيق الحدود مثلا، دعوة أوفعلا، ولكنها متحالفة وصديقة لأمريكا وأوربا بل بعضها قريب جدا من دولة إسرائيل ذاتها. كما لا يهم أمريكا وحلفاؤها أن تتمسك بعض المنظمات والدول بالإسلام خارج السيادة والقيم الغربية إذا كانت هذه الدول والمنظمات ضعيفة وهزيلة، بل قد تكون هذه الدول والمنظمات مفيدة لاستمرار الهيمنة الغربية من خلال استعمالها والتخويف بها.
إن الذي يخيف أمريكا هو المشروع الإسلامي البديل التحرري الذي يقاوم الظلم العالمي ويرفض الهيمنة الغربية ويكافح الصهيونية ويكون في نفس الوقت قويا متطورا متحضرا قادرا على الاستقلال عن الإرادة الغربية باقتصاد قوي ومؤسسات حكومية صلبة وشعب فاعل ومتحضر، ولا يهم أن يكون هذا المشروع في صورته النهائية الكاملة أو يكون في طور التحرر من الواقع العالمي المهيمن. لهذا السبب يُضرب اليوم د. محمد مهاتير من خلال دعم أمريكا وإسرائيل لخصومه في المؤسسات الحكومية لكي لا يبقى له أي نفوذ في الدولة الماليزية بالرغم من أنه هو صانع نهضتها وقوتها، يضرب مهاتير اليوم بلا هوادة لأنه يجوب ماليزيا والعالم بأسره يحذر من مخاطر الربا والهيمنة الغربية ومن مخاطر الكيان الصهيوني وسطوته. ولهذا السبب يحارب أردوغان ولهذا السبب كان الانقلاب الفاشل، إنه انقلاب ضد فكرة يحملها طيب رجب أردوغان وإخوانه تعلّموها في شبابهم في الكتاتيب ومعاهد الأئمة والدعاة ومع أستاذهم المفكر الكبير نجم الدين أربكان رحمه الله، أجلوا التعبير عنها ضمن خطة محكمة ومشروع متكامل، وتعاملوا مع الواقع كما هو بنيّة تغييره بالتدرج على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام والمجددين في كل زمان، ولكن وهم في أعلى مستويات نجاحاتهمفي مجال التنمية والاقتصاد وصناعة القوة والتحضر اضطرتهم الأحداث أن يعلنوا عن وقوفهم مع الحق بلا تردد ولا هوادة، قولا وعملا، في قضية فلسطين أساسا وفي قضايا الأقليات والشعوب المسلمة المضطهدة والتي تمر بمراحل صعبة كمنيمار والصومال وغيرهما، ثم في قضية تحرر الشعوب على إثر ثورات العرب ضد الظلم والتخلف والاستبداد فأصبحوا مصدر الإلهام واتجهت إليهم مشاعر الحب والتقدير لدى الشعوب العربية والإسلامية التي عبرت عن ذلك أحسن تعبير على إثر الانقلاب الفاشل. لقدبدأ هؤلاء الأتراك المتميزون يتحولون فعلا إلى نموذج ماثل ناجح تقيص عليه شعوب العالم العربي والإسلامي لتنتشر العدوى فيتحول المشروع التركي إلى مشروع عالمي بديل، ولربما تتالحف معه حضارات أخرى مستضعفة غير إسلامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فيتحول العالم كله إلى واقع غير الواقع الذي تحبه الرأسمالية المادية الربوية. ولعمري هذا أمر لا يمكن أن تقبله حكومة العالم الخفية وروحها المتصهينة. هذا الذي كتبه هنتنن وهو يتحدث عن الإسلام، وهذا الذي يُطبّق أمام أعيننا، كتب بشكل واضح بأن السمة الأبرز في ضعف الأمة التي تنتمي للحضارة الإسلامية حاليا هو غياب الدولة النموذج التي تمثل أو تتجه إلى تمثيل الفكرة الإسلامية الحضارية التحررية، وهذا هو الضعف الذي يجب أن يستمر..
د. عبد الرزاق مقري
من منطلق اختصاصنا في العمل السياسي نحن ضد السياسات الإيرانية في المنطقة العربية، من حيث موقفها السلبي في القضية المصرية، وإجرامها في سوريا والعراق ودعمها واستعمالها للمليشيات الشيعية المجرمة، ومن استغلالها للمذهب والطائفة ومحاولتها ضرب استقرار المنطقة العربية بحملات التشييع المنظمة وبجواسيسها وأتباعها وبتحالفاتها المشبوهة مع الغرب والكيان الصهيوني وندعو الحكومات إلى ضرورة الحزم والصرامة في مواجهة سياساتها التمددية ومحاولات الاختراق التي تنتهجها مع تفضيل تفضيل الطرق الدبلوماسية وضرورة محاورتها وإقناعها ما أمكن بأن مصالحها في التعاون وليس في التآمر، ونحن في نفس الوقت نقاوم فساد الأنظمة العربية السنية بكل مسؤولية، ليس من منطلق المنافسة على السلطة والكرسي ولا من باب المناكفة السياسية والأيديولوجية ولكن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر لتفريط هذه الأنظمة في خدمة بلدانها وتطويرها وتحقيق وحدتها وبسبب موالاتها للأجنبي وبسبب التفريط في فلسطين وخذلان المقاومة، كما نواجه كل أنواع التطرف السني بكل مصداقية. ونحن إذ نؤكد على ضرورة فضح جرائم الميليشيات الشيعية في سوريا والعراق ودعم ومناصرة ونجدة ضحاياها وإذ نقر حق البلدان العربية في مقاومة التمدد الإيراني فإننا في نفس الوقت ضد الخروج من الدائرة السياسية في الصراع إلى الدائرة الطائفيية المدمرة لكيان الأمة على النحو الذي يريده الغرب والصهاينة، وحتى إذا انحرف الصراع إلى المواجهة العسكرية لا قدر الله لا يجب أن تكون حربا بين الشيعة والسنة بل بين دول تدافع عن ترابها وكيانها وسيادتها وقد يكون ذلك في سبيل الله وفق مقاصد ونوايا كل طرف وإذا كانت المواجهة على أسس شرعية. غير أننا نفضل صناعة القوة الاقتصادية والدفاعية والفكرية ووحدة عالم السنة على المجابهة والاقتتال مع الشيعة، ونحن ضد تكفيرهم على العموم، وضد رسم جدر القطيعة مع عالم الشيعة أو الدخول معهم في عداوة طائفية، بل لا بد من البحث عن المساحات المشتركة ما أمكن وذلك هو منهج صلاح الدين الأيوبي رحمه الله معهم قبل أن يحرر المسجد الأقصى كما سنرى في المقال المقبل.
غير أننا ونحن نمارس السياسة، في حركة مجتمع السلم، نحن مسلمون وأهل ثقافة وعلم، ولا نُقدم على شيء حتى يكون لنا فيه تأصيل شرعي، نتبع فيه ما يذهب إليه جمهور علمائنا الموثوقين لا نعتدي في ذلك ولا نزيد، وحينما يكون في الأمر وسع نبحث ونجتهد جماعيا حتى يتضح لنا الحق، مستعينين بالله، ندعوه بدعاء نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))
وأريد أن أعتمد في هذا المقال التأصيلي لموقفنا من عموم الشيعة على ما ذهب إليه علماء كبار من أكثرهم تشددا في حق الشيعة لا يستطيع من يخالفنا رد أقوالهم، نبدأ بابن تيمية وننتهي بالعثيمين رحمهما الله تعالى، في قضايا حساسة تتعلق بتكفير عامة الشيعة، وقتالهم على أساس المذهب، وقضية تفضيل اليهود والنصارى عليهم، وأرجو بعد هذا المقال المؤصل أن يسكت الذين ليس لهم علم، كما أرجو من الذين يريدون تحويل المواجهة المشروعة مع إيران وحزب الله إلى حرب دينية خدمة لبعض الدول والأنظمة التي يوالونها أن يتقوا الله في الإسلام والمسلمين، وأن ينتبهوا إلى مخاطر الحروب الطائفية على الأمة جمعاء وأن يراجعوا منهج صلاح الدين في معالجة قضية الشيعة قبل تحريره المسجد الأقصى.
أولا: الموقف الحقيقي للإمام ابن تيميه من الحكم على الشيعة:
حينما نتحلى بالموضوعية العلمية ونتحرى الحقيقة في ما ذهب إليه ابن تيمية في قضية تكفير الشيعة سنجد بأنه لم يتجه إلى ما اتجه إليه بعد المتشددين المعاصرين وفق مذهب إجمالي يطلق حكما واحدا على جميعهم دون تمييز بين فرقهم، وبين معتقداتهم وأفكارهم والأشخاص المنتمين للمذهب، بل نجده تبنى مذهبا تفصيليا لا يقر فيه بخروج الشيعة كلية عن الإسلام. فهو رغم “وصفهم بالضلال وقلة العلم والعقل، والتناقض والاضطراب، والعداء للمسلمين، والتعاون مع الأعداء” لا يخرجهم من دائرة الإسلام بالكلية، ومما يدل على ذلك ما يلي:
1 ـ أنه يعتبر أن دخول الكافر للإسلام على مذهب الرافضة خير له من بقائه على الكفر ويقول في هذا: “( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا ) (مجموع الفتاوى : 13/96).
2 ـ يعتبر أن في الرافضة خلق مسلم فيقول بخصوص عصمة الأئمة: ( فهذه خاصة الرافضة الأمامية، التي لم يشركهم فيها أحد، لا الزيدية الشيعة , ولا سائر طوائف المسلمين , إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية الذين يقولون بعصمة بني عبيد , المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر , القائلين : بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر , وأولئك ملاحدة منافقون . والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير , فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطنا وظاهرا , ليسوا زنادقة منافقين , لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم ..) (منهاج السنة : 2/452 ).
3 ـ يُعذِر جاهلهم ولا يقول بتكفير عوامهم فقد بين أن عوام الشيعة الذين لم يعرفوا أمرهم قد يكونوا مسلمين حيث يقول (.. وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا أمرهم فقد يكونون مسلمين , (منهاج السنة : 2/452.
4 ـ فرق بين تعميم التكفير على القول الكفري المعين وبين تكفير الشخص المعين حيث يقول فى مجموع الفتاوى ( وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرْت دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ . فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ . وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي ” قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ)
5 ـ ينكر القول بتفضيل اليهود النصارى على الشيعة : حيث يقول فى الرد على من يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ( كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم) (مجموع الفتاوى :35/201 ).
6 ـ يقول بصحة الصلاة خلف الإمام الرافضي: حيث يقول( والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة , فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فانه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره آثر ذلك حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك إذا كان الأمام قد رتبه ولاة الأمور، ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة والجهمية(مجموع الفتاوى : 23/354)
7 ـ وقرر ضرورة التمييز بين الفرق الشيعية ونفى إجماع العلماء في تكفيرهم جملة، ونتيجة لذلك لم يضع حكم واحد على هذه الفرق، بل وضع أحكام متعددة ،وهذا الموقف يتفق معه فيه كثير من علماء أهل ألسنه الذين قرروا : إن الشيعة على ثلاثة أقسام: قسم كافر بالإجماع كغلاة الشيعة، وقسم غير كافر بالإجماع كالشيعة المفضلة، وقسم وقع فيه خلاف بين العلماء كالرافضة .حيث ذكر الإمام ابن تيمية الشيعة المفضلة عند ذكر الفرق التي أجمع الأئمة على عدم كفرهم (مجموع الفتاوى : 3/351 ). كما ذكر ان غلاة الشيعة بفرقهم المتعددة كفار بالإجماع) منهاج السنة : 3/452 و 5/337) , وذكر أن العلماء لهم في الرافضة قولان , هما روايتان عن الإمام أحمد) مجموع الفتاوى :3/56 والصارم المسلول :567ـ571.
8 ـ وبخصوص القضية الخطيرة المتعلقة بقتالهم فقد جعله مقيدا بمن تنطبق عليه شروط القتال ممن خرج على الحاكم الشرعي، أو أعان الأعداء على المسلمين فهو من باب قتال الفئة الباغية وليس من باب جهاد الكفار المحاربين، أي أن سبب قتالهم سياسي وليس على أساس البعد الديني أو الطائفي.
ثانيا: موقف الشيخ ابن عثيمين في تكفير الرافضة:
يقول ابن عثمين: الرافضة كغيرهم من أهل البدع ، إذا أتوا بما يوجب الكفر صاروا كفارا وإذا أتوا بما يوجب الفسق صاروا فساقا ، وإذا كان لشيء من أقوالهم القريبة من أقوال أهل السنة شيء من النظر، وصار محل اجتهاد فهم فيه كغيرهم ، فلا يمكن أن يجاء بجواب عام ويقال:كل الرافضة كفار، أو كل الرافضة فساق ، لا بد من التفصيل والنظر في بدعتهم، ويجب علينا أن ندعوهم إلى الحق، وأن نبيّنه لهم، وإذا كنا نعلم من أي فرقة هم، فعلينا أن نبيّن عيب هذه الفرقة، ولا نيأس، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، ربما يهديهم الله على أيدينا، فيحصل لنا خير كثير ، والانسان الذي يهتدي بعد أن كان غير مهتد قد تكون فائدته للمجتمع أكثر وأكبر من الذي كان مهتديا من الأول ، لأنه عرف الباطل ورجع عنه ، وبيّنه للناس فيكون بيانه للناس عن علم. المرجع: لقاءات الباب المفتوح رقم السؤال 1557رقم اللقاء 703 / 520 طبعة دار البصيرة.
contact@abderrazakmakri.com