1⃣ التوافق الوطني تستدعيه مخاطر المستقبل.
– حرصنا في حركة مجتمع السلم على التوافق الوطني لأن الجزائر في أزمة اقتصادية ستتعقد أكثر عندما تظهر الآثار الاجتماعية بشكل أعمق خصوصا عند نفاذ احتياطي الصرف في بداية 2022 حيث يصعب تسديد أجور العمال وضمان تغطية الواردات خصوصا المواد الاستهلاكية الأساسية والمواد الأولية، وأي حكومة تكون معزولة وغير مسنودة من قوة شعبية وسياسية ونقابية لن تستطيع إدارة الأزمة ولن تصمد. فالمخاطر المستقبلية هي التي تستدعي التوافق الوطني، فهو تأطير سياسي لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، لكي لا ينهار البلد، وهو طريق الإقلاع والنهوض.
2⃣ العلم يدعو إلى التوافق.
– كل الدراسات العلمية والتقارير الاقتصادية المحلية والدولية تؤكد أن الجزائر مقبلة على أزمة كبيرة، وكل التطمينات الشعبوية لا تنفع في المستقل. والأحزاب الجادة تبني رؤاها واستشرافاتها على العلم وعلى الأرقام والمؤشرات الرسمية التي تعلنها المؤسسات الحكومية والدولية، ولا تعتمد على “الغرائب” و “التنجيم” و عبارة “كاينة حلول” دون أي قدرة على الإقناع لطمأنة وتحفيز فواعل التنمية الحقيقية، كل عالم أو مطلع على المؤشرات العلمية يتمسك بالتوافق.
3⃣ التوافق تنازل على أساس رؤية نتحمل أعباءها معا.
أي حكومة مستقبلية ستتحمل تبعات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي صنعها النظام البائد، وحتى وإن كانت راشدة ستحتاج إلى الاستقرار والوقت وموارد مالية لتمويل العمليات الاقتصادية، ولا يوجد أي حزب أو شخص يستطيع تحمل هذه الأعباء وحده. نحن في حاجة إلى تأجيل الطموح الحزبي والشخصي وأن نبتعد عن الصراع السياسي في هذه المرحلة وأن نتنازل لبعضنا البعض على أساس رؤية سياسية واقتصادية نتعاون جميعا على إنجاحها ونتحمل فيها التبعات معا، شعبا ونخبا ومسؤولين، بعيدا عن الابتزاز والضغط من أجل الوصول أو البقاء في السلطة، وبعيدا عن التآمر وعن الإكراه والسياسات الفوقية، ولا يتحقق ذلك إلا بالتوافق الوطني الهادف والصادق والشفاف.
4⃣ التوافق طريق بناء الثقة وتوفير بيئة النهوض.
التوافق هو الذي يساعدنا على أن نصارح الشعب بأننا في أزمة ولكن نبشرهم بأن الجزائر لها إمكانيات كبيرة، ولو توفر الحكم الراشد والوقت والاستقرار نستطيع ان نبني اقتصادا قويا نشيّد فيه المؤسسات الاقتصادية بكثرة وفي كل مجال وفي كل مكان بما يجلب فرص الشغل ويحسن المعيشة ويبني الوطن، و بناء الثقة هو ما يجلب المستثمرين من الداخل والخارج وتتدفق أموال كبيرة من خارج المحروقات تمول التنمية والاستثمارات الناجحة مثل ما وقع في العديد من الدول التي تطورت بعدما كانت تعيش أوضاعا مثلنا ( البرازيل، تركيا، ماليزيا، جنوب افريقيا، إسبانيا سابقا، العديد من دول أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية).
5⃣ التوافق الوطني يضمن رشد الحكم وثقة المواطنين.
التوافق الوطني هو الذي يوفر شروط الحكم الراشد لأن وجود القوى الفاعلة معا يضمن الشفافية وافتضاح الفساد، كما أن صورة التوافق تُنزل السكينة لدى الشعب وتجعله أكثر ثقة واطمئنانا وصبرا على ضريبة التنمية في السنوات الأولى قبل ظهور ثمارها، سيحقق ذلك الاستقرار الذي يمنح الوقت لكي تفعل عمليات التنمية فعلها. إن الاستمرار في السياسات الشعبوية دون بصيرة ومن أجل البقاء في الحكم سيكون وبالا على البلد حينما لا يتوفر الريع الذي يسمح بذلك، وستعود تلك السياسات بالوبال على أصحابها وعلى الجميع. من أهم الأسباب التي تجعل الشعب يتفهم تبعات التنمية في البداية هو مشاهدته لاجتماع مختلف النخب الحاكمة وفي الأحزاب والمجتمع المدني معا وتساوي الجميع دون استثناء في دفع الثمن مؤقتا، هذا الذي يجعل المواطنين يحرصون على العمل والإتقان والابتعاد عن السلبية والانتظارية والاتكالية.
6⃣ التوافق ممكن في أي وقت إذا احترمت الإرادة الشعبية.
يمكن أن يتحقق التوافق قبل الانتخابات الرئاسية وذلك أفضل، ولا يزال ممكنا، لأنه سيعرض على الشعب من خلال الانتخابات التي تتجسد فيها الإرادة الشعبية، أو بعد الانتخابات الرئاسية إذا كانت حرة ونزيهة أو قبل أو بعد انتخابات تشريعية مسبقة إذا كانت حرة ونزيهة، وعليه من شروط نجاح التوافق مهما كان وقته توفير الشروط السياسية التي تطالب بها الأحزاب والحراك الشعبي والتي نصت عليها وثيقة “عين بنيان” على سبيل المثال.أما اعتماد سياسة الأمر الواقع قد تهزم الشعب ولكن لا تصنع المواطن الحر الصالح المبدع المتمسك بوطنه المدافع عنه، المضحي من أجله. كما أن سياسة التعفين والانحراف للعنف مهما كان السبب سيعمق الأزمات ويجعل الخروج منها مستحيلا أو على حساب وحدة الوطن وسلامته.
7⃣ حركة مجتمع السلم أدت الذي عليها.
حركة مجتمع السلم استعدت علانية للتنازل عن طموحها الشخصي والحزبي إذا تحقق التوافق لأنها تعطي الأولوية للوطن ولأنها تثق بعد الله في نفسها بأنها قادرة على التنافس بعد عهدة توافقية، والزمن بعد إصلاح الوطن يسير في صالحها وفي صالح الأحزاب الوطنية الجادة والمسؤولة وذات الخبرة والتجربة. للأسف الشديد السلطة و الكثير من مكونات الطبقة السياسية والعديد من النخب لا يفهمون إلى حد الآن هذه الرؤية أو تغلبهم نفسياتهم وطموحاتهم، وعليه فقد أدت الحركة الذي عليها بعد أن دعت إلى التوافق الوطني بمختلف الوسائل ومع الجميع لفترة طويلة من الزمن. وسيبقى التاريخ يشهد على هذه الكلمات.
8⃣ النمط الأوسط هو سيد التوافق والتطرف عدوه.
الوسطية السمحاء هي طريق التوافق، وهي التي يحتاجها الوطن وتحتاجها الأمة، خصوصا في هذا الزمن الذي تغلب فيها النظرة الابتزازية التي اشتهر بها بن لادن وجورج بوش: ” إن لم تكن معي فأنت ضدي”، والخطر في هذه المرحلة يأتي من هؤلاء الإقصائيين الذين يريدون استئصال من يخالفهم من الجزائريين أيديولوجيا أو سياسيا أو جهويا، بما يهدد وحدة الوطن ذاتها مستقبلا لا قدر الله، والخطر الأكبر يأتي من فئتين كانتا دائما بلاء الجزائر: المتآمرون على الوطن لمصلحة القوى الأجنبية اقتصاديا و/أو ثقافيا، لا يرقبون في الجزائر والجزائريين إلاّ ولا ذمة، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، والانتهازيون الذين يصفقون لكل متغلب طمعا فيه أو خوفا منه، لا يصمدون في أي كفاح من أجل الحرية التي لا يكون الإصلاح إلا بها ويلبسون مواقفهم، أحيانا، لبوس الدين والهوية وهم أبعد ما يكون في حياتهم الخاصة عن ذلك، إذا حدثوا كذبوا، وإذا عاهدوا أخلفوا، وإذا خاصموا فجروا … وبين هاذين الصنفين الأمل في تحقيق التوافق موجود عند أغلب الجزائريين الذين لم تفسد الصراعات والأحقاد قلوبهم فبقوا على فطرة النمط الأوسط الذي يعود إليه الغالي ويرجع إليه الجافي كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
د. عبد الرزاق مقري
لم تكن قصة الهجرة أحداثا تاريخية مهمة فحسب بل كانت ملحمة عظيمة غيرت مجرى الزمن من حيث أثرها في تاريخ البشر إذ صنعت دولة أوقفت ظلم دولتين عظيمتين كانتا مهيمنتين على العالم آنذاك هما دولة الفرس والروم، وأنشأت حضارة بديلة لا تزال شاهدة على البشرية بإنسانيتها ونظمها ومنتجاتها ونقل منافع الحضارات القديمة التي كانت ستنطمس لو لا احتضانها وتطويرها من قبل المسلمين.
إن الأمم التي تعجز على صناعة الحضارة تزول حتما، أو تندمج في حضارات أمم أخرى، وحينما تندمج أمة ما في حضارة غيرها تصبح خصائصها الثقافية مجرد طبوع فلكلورية تتسلى بها الأمة المهيمنة و تشجع ظهورها لتتجمل بها فحسب، و ربما لتضيفها إلى معالمها السياحية لا غير.
إن قيام الدولة التي تحمل فكرة الإسلام أمر لا مناص منه لاستمرار أمة الإسلام، فقيام الدولة فعل أصيل دشنه المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولو لا الدولة لبقيت تعاليم الإسلام مجرد مواعظ وتوجيهات يتبعها ضعفاء الناس في نطاق ضيق في جزيرة العرب ولما استطاع المسلمون أن يصلوا إلى جهات العالم الأربعة ولما صنعوا حضارة من أعظم الحضارات في التاريخ البشري. إن انتشار الدين بلا دولة يحوله إلى ملجأ للفقراء والمساكين يتصبرون به ويخففون به آلامهم ومآسيهم الحياتية، وربما ينظمون به شؤونهم الخاصة ضمن عزلة حمائية غير منتجة وسط غيرهم، وتكون الدولة في أيدي الأقوياء الأكثر جرأة على التحكم في ناصية الحياة، فيسير هؤلاء الناسَ بلا هداية من خالقهم ويفرضون حكمهم وفق معيارية بشرية قاصرة تنتج الظلم والقهر كما كان حال العالم مع الفرس والروم قبل دولة الإسلام، والاستعمار والاستغلال والحروب والصراعات والفقر والأمراض والاعتداء على البيئة والمحيط كما هو الحال اليوم مع النظام الرأسمالي المادي الذي وصل إلى التحكم في كل دول العالم ، وكأنما فكرة نهاية التاريخ التي تنبأ بها فوكوياما تحققت على مستوى صراع الأفكار .
إن وصول رحمة الإسلام إلى الدولة ليست حاجة العرب والمسلمين فقط، بل البشرية بأسرها في حاجة إلى ذلك، غير أن تحقق النموذج الإسلامي الكفيل ببسط هذه الرحمة يتطلب طموحا لا يكسره وهن، وعلم لا يطفئه جهل، وبصيرة لا يفسدها هوى، واستشراف لا تتيه به الأوهام، وعمل لا يضعفه عجز أو كسل، وتضحيات لا يوقفها خوف أو طمع. ذلك هو نموذج الهجرة النبوية وكذلك يكون الاستئناف بحول الله.
حينما نتابع مسيرة الهجرة في إقامة دولة الإسلام نلحظ أن الفعل الذي حقق الإنجاز وأقام الدولة فعلان، فعل بشري مرتبط بما قام به المصطفى عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام عليهم الرضوان، كبشر مطالبين بالقيام بالأسباب على أحسن وجه، وفعل سنني ساقته أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية ودولية كبرى لا قبل للمسلمين بها التقت في سيرورتها المقدرة لها مع المسلمين حيث وجدتهم في المكان المناسب الذي وضعوا أنفسهم فيه.
أما عن الذي قام به المصطفى كنبي مكلف بالعمل فهو المعلوم عند المسلمين المطلعين على سيرته، حيث أعد رجاله في بيئة صعبة معقدة في مكة، وصدع فيها بما أمر وصبر على البلاء بكل أنواعه من أجل رسالته، ولم يكن ثمة في الكون بلد أحب إليه من مكة أراد إقامة دولة الإسلام فيه، غير أنه أدرك في الأخير بأن البيئة المحيطة بدعوته غير مناسبة لإقامة الدولة بين قومه الأقرب إليه. رغم كل التضحيات التي بذلها وصحبُه لم تتغير موازين القوة، بقي كبّار قريش مسيطرين على مصائر أغلب الناس، يتحكمون في الأرض والمال والتجارة والحرف والجاه والأنساب والتاريخ والتقاليد. لم يقبل الرسول المصطفى أن يكون مثل أولئك الموحدين كقس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم، الذين بقوا في مكة على الديانة الحنيفية الإبراهيمية يتجنبون الأوثان وأفعال المشركين دون أن يكون لهم مشروع يُدين الوضع القائم ويعمل على تغييره. لم يشأ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مثل هؤلاء الحنيفيين، تبتلعهم المنظومة المهيمنة الظالمة، فلا تجزع لخصوصيتهم، بل قد تجعلها من الغرائب التي تطرب بها. لقد كُلف رسول الله بتبليغ رسالته للناس وأن لا يخشى في ذلك لومة لائم وفق قوله تعالى في سورة المائدة: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ67 )(، بل أمره أن يحكم بينهم بما أنزله عليه وفق قوله تعالى: ((وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49))، وامتثالا لأمر الله لم يشأ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن يجعل الدين قضية شخصية ثم لا يهمه أين تتجه الحياة.
حينما أدرك رسول الله بأن موازين القوة في مكة، في ذلك الوقت، لا تسمح بإقامة دولة الإسلام، وباعتبار أنه نبي مرسل للناس أجمعين أخذ يبحث عن غيرهم ممن يمكن أن ينصره من القبائل العربية خارج مكة فذهب إلى الطائف على الأقدام متخفيا عن زعماء قريش يراود زعماء ثقيف ويدعوهم واحدا واحدا ليحتضنوا فكرته ودعوته فأعرضوا عنه وأغروا غلمانهم لضربه بالحجارة حتى لجأ إلى بستان تضرع فيه إلى الله تلك الضراعة المشهورة التي اهتزت لها السماء كما روي في الحديث : ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ..))، ورغم نكسة الطائف لم ييأس بل عرض نفسه على عديد القبائل، في مساكنهم وفي الحج وفي أسواقهم المشهورة، منهم بنو عباس وبنو سليم وغسان وبنو محارب وبنو نضر ومحارب ومرة وعذرة والحضارمة فلم يجيبوه، وفي بحث تفاصيل ردود زعماء القبائل نجد دروسا كثيرة: منهم الانتهازي الذي قال له ننظر حتى نرى أمرك مع قومك، ومنهم الطموح الذي لا شأن له بالفكرة والرسالة و لا همّ له إلا المصلحة فطلبوا منه أن يكون لهم الحكم من بعده، ومنهم الذين قالوا نحميك من الناس إلا من الفرس، ومنهم من صدّ عنه ولكنه ندم بعد أن انتصر الإسلام بعد وفاة المصطفى واتسعت رقعته فقال: يا ليتني اتبعت محمدا في بادئ الأمر.
ومن بين تلك القبائل كلها أكرم الله أهل يثرب إذ صنع لهم ظروفا جعلت شبابهم يبحثون عن مشروع جديد يحل أزمة عميقة كانوا يعيشونها. التقى رسول الله في الحج الموافق للسنة الثانية عشر بعد البعثة ستة رجال من الخزرج بادرهم بالحديث عن علاقتهم باليهود ثم عرض عليهم الإسلام فأسلموا وعادوا إلى قومهم يبشرون بالنبي الجديد، وفي السنة الموالية أقبل اثنا عشر رجلا، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس بايعوه في مكان اسمه العقبة بمنى وتلك هي بيعة العقبة الأولى ونصها كما رواها عبادة بن الصامت كالآتي: “بايَعنَا رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الأُولَى عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا نَأْتِيهِ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلا نَعْصِهِ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ” وهي بيعةٌ موافقة لبيعة النساء كما وردت بعد ذلك في القرآن الكريم. ثم أرسل المصطفى مع الوفد صهيب الرومي ليعلم المسلمين الجدد دينهم وليساعدهم في نشر الإسلام في أهلهم فلم يبق بيت في يثرب إلاّ دخلها الإسلام، وفي السنة الموالية أقبل وفد من ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين فبايعوا بيعة العقبة الثانية، وكان أول من بايع أصغرهم سنا في رسالة واضحة للدور الأساسي للشباب في الهجرة النبوية كما سنرى أدناه، وكان نص البيعة وفق ما ذكره عبادة رضي الله عنه: ((دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)).
ولئن كان أمر في الفقه السياسي نستشفه في الفرق بين نص البيعتين أن المشروع الذي كان يسعى إليه رسول الله في المدينة هو بناء الدولة، إذ جل ما في النص الأول متعلق بالعقيدة والأخلاق وأما النص الثاني فكله في موضوع القيادة والسمع والطاعة وعدم التنازع على الحكم حين يؤول إلى أهله، مع الحق في الاعتراض إذا ما انخرم ما من أجله تمت البيعة وهو الكفر البيّن بالإسلام، وكان النص الأول موافقا لبيعة النساء التي ثبتت بالقرآن الكريم بعد فتح مكة إذ النساء غير مكلفات بالجهاد في عمومهن، إلا من تميز منهن فلا أحد يملك منعهن من الاشتغال بالشأن العام، وعددهن قليل كتلك المرأتين اللتين شهدتا بيعة العقبة الثانية.
حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط لبناء الدولة في المدينة كان الأذى يتعاظم في حق المسلمين من قبل المشركين في مكة، وما إن أصبح للمسلمين دار مقام في يثرب حتى بدأ يوجه أصحابه للهجرة بوحي من الله تعالى الذي رفع بها مقام المهاجرين والأنصار كليهما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. 74))، وحينما أذن الله له باللحاق بدار الإسلام الحصينة التي بناها بتخطيط محكم على سنوات انتقل من مكة إلى يثرب وفق خطة استراتيجية من أعظم الخطط التي عرفها التاريخ، ومن أعظم الدلائل التي تدل على أنه منتقل لبناء دولة لا تحدها حدود القبائل العربية فقط بل دولة عالمية تحمل مشروعا عادلا يهدّ عروش الأكاسرة ، وعدُه لسراقة بن مالك الذي لحق به ضمن حملة القريشيين لتوقيف مساره، بأنه سيلبس أساور كسرى !
حين وصل رسول الله يثرب تصرف كرئيس دولة فصار اسم يثرب ((المدينة))، ضمن رسالة مفادها أن العهد الجديد ليس عهد البداوة و الصراع القبلي على القوافل والكلأ والجاه الذي لا يتعدى التفاخر بالأنساب والأجداد والثأر للأهل والأقارب في الحق والباطل، وإنما هو عهد المدنية والحقوق والمواثيق والقوانين التي تقوم على القيم والحق والعدل، فبنى على الفور قاعدة الانطلاق لإقامة المجتمع الجديد ببناء المسجد كمؤسسة دعوية تربوية علمية اجتماعية سياسية ثقافية، وعالج البعد الاجتماعي التضامني بالمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، وعالج منظومة العلاقات مع غير المسلمين بترسيخ مفهوم المواطنة وفق ما سمي لاحقا بوثيقة المدينة، وعالج بعد ذلك البعد الاقتصادي بتشييد سوق جديدة على المعايير الجديدة كبديل للسوق التقليدية التي يهيمن عليها اليهود دون أن ينهي وجود هذه الأخيرة، وعالج البعد الدولي ببعثاته لملوك الدنيا آنذاك، ثم على أساس هذه القواعد تطورت مدينة رسول الله بالبناء والتشييد التراكمي في بيئة السلم في أغلب الأحيان وبالحرب عند الاقتضاء.
كل هذا الذي قام به رسول الله كان من منطلق القيام بالواجب الذي أُمِر به، ولكن هل هذا الذي قام به هو وحده الذي مكنه من تحقيق أهدافه في بناء دولة عصرية صنعت حضارة عالمية خالدة؟ بكل تأكيد لا، وللتأكد من ذلك يجب عدم الاكتفاء بقراءة السيرة النبوية بالطريقة التقليدية التي تغرق في الغيبيات دون فهم دور السنن الاجتماعية في نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. إننا حينما نتأمل في الأحداث التي رافقت الدولة الإسلامية الأولى سيتأكد لدينا بأنه لا غرائب في التاريخ الإسلامي وإنما هي رؤية وتبصر وتخطيط واستشراف وفهم للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية والقيام بالواجب الذي يتوافق مع تلك التحولات فيتحقق بهذا وذاك النصر إذ التقيا وتناغما، ومن فَهِمالسيرة النبوية على ذلك المنوال سيدرك بأن تكرارها على هدي المصطفى ممكن في أي زمن من الأزمنة وفي أي مكان من الأمكنة.
إن تلك العبارات التي قالها شباب الخزرج حين عرض عليهم النبي الأكرم الإسلام لها دلالات عميقة على واقع كان قائما في يثرب أهلها لاستقبال الإسلام. لقد تحدث الستة، وفق ما جاء في جميع كتب السير، عن أزمتين كانوا يعيشانها في المدينة، الأولى تتعلق بتهديد مستقبلي من جيرانهم اليهود آنذاك إذ قالوا لبعضهم بعضا: “تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا” والثانية تتعلق بوضع كان سائدا مرتبط بحرب أهلة طاحنة بينهم وببين الأوس بني عمومتهم إذ طمعوا أن يكون النبي الجديد سبب الصلح بينهم فقالوا له : “ إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزُّ منك”.
لقد كانت الحروب بين الأوس والخزرج في المدينة قبل الهجرة دائمة لا تتوقف منذ أكثر من مائة وعشرين سنة يذكّيها اليهود بشكل منهجي حتى لا يجتمع عليهم عرب يثرب فيبقوا مهيمنين على الأراضي الأكثر خصوبة وعلى السوق وحركة الأموال وإثقال كاهل المتقاتلين بالديون الربوية. وقبل سنوات قليلة من الهجرة اندلعت حرب بعاث بين الأوس والخزرج وكانت الحرب الأكثر فداحة بين الحيّين، ويعود سببها أن الخزرج علموا أن بني قريظة وبني النضير يستعدون لإبرام حلف مع الأوس ضدهم فهددوهم، ثم تطورت الأحداث إلى أن قرر الخزرج اغتنام الفرصة لحل مشكلتهم الاقتصادية بإجلاء اليهود من المنطقة وإنهاء سيطرة هؤلاء على الأراضي الخصبة في يثرب فألقى اليهود بكل ثقلهم في حرب بعاث مع الأوس فكانت هزيمة الخزرج فادحة كادت تقضى عليهم قاطبة لو لا أن الأوس رفضوا مطاوعة اليهود في اللحاق بفلول الخزرج لإبادتهم بقولتهم الشهيرة: ” يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب” و كانوا يقصدون بالثعالب اليهود.
كان للبعدين الاقتصادي والديمغرافي أثر كبير في اندلاع حرب بعاث، كان الخزرج الأكثر عددا وشدة وغلظة يسكنون مناطق قاحلة، والأوس في أعالي يثرب في أراض أحسن، واليهود المتحصنون في حصون منيعة يستولون على جل الأراضي الخصبة ذات الخضرة والوفرة المائية، وكانت أغلب الحروب بين القبيلتين لصالح الخزرج إلى أن كانت بعاث فخسرها هؤلاء وكادت تبيدهم لو لا عطف بني عمومتهم الأوسيين. كانت شرارة انفجار بعاث الصراع على الأراضي الخصبة حيث طمع الخزرج في معاقبة اليهود المتحالفين مع الأوس بإجلائهم وأخذ الأراضي الرغيدة التي بحوزتهم، غير أن تحالف اليهود، أصحاب المال والحصون والسلاح الوفير، مع الأوس غيرت الموازين ونتيجة الوقيعة الأخيرة. كانت الغلبة في البداية لصالح الخزرج فقتل خلق كثير من زعماء الأوس، غير أن شعور الأوس بخطر الفناء وسند اليهود جعلهم يثبتون ثم يكرون فانكسرت هجمة الخزرج وانقلب المد ضدهم فوقعت مقتلة كبيرة فيهم وأثخنت السيوف في رؤسائهم.
كان الخزرج قبل يوم بعاث يعتقدون أنهم الأولى بالمدينة فهم الأكثر عددا وهم أصحاب المآثر في الحد من نفوذ اليهود، ومع ذلك بقوا الأقل حظا من بين سكان يثرب، وكان الأوس في تأهب دائم للمواجهة والبحث عن الحلفاء من المدينة وخارجها لقلة عددهم، وكان اليهود في تخطيط مستمر لتشتيت القبائل العربية وإشعال الحروب بين الأوس والخزرج وإمداد الطرفين بالسلاح والقروض الربوية وتوزيع تحالفاتهم على القبيلتين لاستدامة نفوذهم. غير أن نتائج حرب بعاث أحدثت تحولات نفسية وفكرية عميقة عند الحيين من العرب، خصوصا عند شبابهم، أما الأوس فقد كرهوا الحرب المهددة لكيانهم دوما، وسئموا البحث الدائم عن الحلفاء ليقدروا على مواجهة بني عمومتهم، ولعل صوت رسول الله بقي حاضرا عند من كلمه منهم حين أقبلوا على مكة في وفد قبل يوم بعاث يلتمسون الحلف من قريش حيث قال لهم عليه الصلاة والسلام: “هل لكم في خير مما جئتم له” فقالوا وما ذاك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب”، وأما الخزرج فقد جعلتهم الهزيمة المدمرة أكثر عقلانية فأخذوا يبحثون عن أي وسيلة للصلح مع إخوانهم من الأوس، كما أن عداء اليهود الدفين الذي انفجر عند انكسار الخزرج بملاحقتهم وهم منهزمين جعل قبيلتي الخزرج والأوس كلاهما تنتبهان إلى خطر ” الثعالب” على الجميع.
لقد أدت كل هذه التحولات إلى التفكير في وحدة نهائية وبناء ملك عربي يثربي يتوجون له واحدا ممن بقي من زعمائهم. كانت التحولات تتجه في الظاهر كلها لصالح عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، فقد كان كارها للحرب قبل اندلاعها، نهى قومه عنها كما نهاهم عن مخاصمة اليهود، ولما لم يبق من كبار القوم غيرهم اجتمع لتتويجه الخزرج، الذين كان منهم وكان قد نصحهم وحذرهم من الهزيمة فلم يسمعوه، والأوس الذين حفظوا له بقاءه على الحياد وعدم مشاركته في قتالهم، وكان ذلك أول مرة في تاريخ يثرب يتفق فيها الأوس والخزرج على زعيم واحد يتوجونه. غير أن باطن التحولات كانت قد أخذت وجهة أخرى نحو الرسالة الجديدة وصاحبها محمد صلى الله عليه وسلم، فضاعت الفرصة على عبد الله بن أبي بن سلول وتحول إلى رأس المنافقين حين تمكن الإسلام في المدينة بعد ذلك.
حينما هلك كبار القوم في الحرب أخذ الشباب زمام الأمور فرأوا أن تتويج عبد الله بن أبي بن سلول هو عودة للنظام القديم الذي أنتج كل مآسيهم وأنه لا بد من تغيير المنظومة كلها، وها هي الرسالة المحمدية تعرض ذلك على شباب الأوس والخزرج، وكان شباب الخزرج المنهزم قومهم هم الأكثر اهتماما بالبحث عن نظام جديد يقوم على التوحيد ومكارم الأخلاق والأخوة الإسلامية ونبذ الجاهلية وتفاخرها بالأجداد والأنساب، فكان عدد المبايعين في العقبة الأولى والثانية أكثرهم من الخزرج، ومعهم نفر من قادة وزعماء الأوس وعقلائهم، وكانت نية الطرفين الصلح الأبدي الذي أنهى الحروب بينهما إلى الأبد وجعلهم أنصار الله ورسوله ودعوة الإسلام، أولئك الذين آووا المهاجرين ونصروا الإسلام وأضحوا من قادة الأمة الإسلامية الجديدة وأفاضلها وأقربها إلى الله.
إن كل تلك التحولات التي وقعت في يثرب ثلاث سنوات قبل الهجرة في أصح الروايات عند ابن حجر العسقلاني لم يكن لرسول الله فيها يد وإنما كان يرقبها ويتابعها ليحولها إلى فرصة يهتبلها، كما أن ما كان يقوم به رسول الله في مكة لم يكن يعني أهل يثرب في شيء سوى أن نفرا من الشباب رأوا وهم في حالة إحباط بعد الحرب أن دعوة محمد الهاشمي القرشي فرصة لهم لوقف مآسيهم وجمع شملهم، فكان التقاء قدر الله بقدر الله، وارتباط نسمة خير من يثرب بقبس من نور من مكة. ما كان لرسول الله أن يقيم دولة في المدينة لو لا تلك التحولات السننية العظيمة في يثرب، وما كان لتلك التحولات أن تصنع الدولة الرسالية القرآنية لو لم يبذل صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام ما يلزم من استشراف وتخطيط وفعل واتصال وتضحية لكي يلتقي بتلك التحولات ونتائجها في يثرب.
إن صناعة التاريخ هي دائما التقاء جهد بفرصة، واتصال سنة اجتماعية بأقوام وضعوا أنفسهم في المكان المناسب، وهذا الذي حدث لإقامة دولة الإسلام الأولى تكرر عدة مرات لتوسيع تلك الدولة حتى بلغت الآفاق، من ذلك أن التضحيات العظيمة في فتوحات العراق أسقطت الإمبراطورية الفارسية التي كانت تترنح، ولم يؤخذ من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية إلا أجزاء منها رغم أضعاف التضحيات عبر السنوات لأنها كانت منيعة حصينة، وحينما سقطت قرونا بعد ذلك، في القرن الخامس عشر الميلادي، كانت في ذلك الوقت معزولة ضعيفة لم تضمن بقاء عاصمتها القسطنطينية إلا بتحصيناتها المنيعة إلى أن جاء الشاب محمد الفاتح فبذل لها ما يلزم للالتقاء بقدر فتحها من الجهد والتخطيط والإبداع والصبر التضحية، وهكذا ستبقى طرائق النصر والتمكين وقواعدها: لا إنجاز إلا بالتقاء الفرصة بما يلزم من العمل، وتحالف السنن الكونية والاجتماعية بما يبذله المجدون من التضحيات المناسبة للالتقاء بها. فكم من جِدّ لم تتح له فرصة، وكم من فرصة ضاعت إذ لم تجد من يهتبلها.
د. عبد الرزاق مقري
رحم الله الشيخ عباسي مدني، أول ما تعرفت عليه في الجامعة بين 1979 و 1980 حين دعوناه لإلقاء محاضرة في جامعة سطيف. كان عباسي مدني رحمه الله من التيار الوطني الإسلامي داخل جبهة التحرير الوطني في زمن الحزب الواحد إلى أن تركها ليشتغل في الساحة الدعوية طيلة الثمانينيات، وقد كان له دور كبير في الصحوة الإسلامية ونشر الوعي ونقد الأفكار العلمانية بطريقة علمية مقنعة. بقيت علاقتي به جيدة منذ عرفته في نهاية السبعينيات وأنا طالب في الجامعة، كان ضيفنا الدائم في معرض الكتاب الإسلامي السنوي في جامعة سطيف. وظلت العلاقة متواصلة به بلا انقطاع، أزوره في بيته مرات تلو ومرات، تارة وحدي، تارة مع الطلبة وفي بعض الأحيان مع الشيخ أحمد بوساق. وحين انطلقنا في مسعى توحيد الحركات الإسلامية تحت قيادة الشيخ أحمد بوساق كان من الداعمين لهذا المسار والمستجيبين له إلى أن فشلت المساعي سنة 1986- 1987، بعدئذ أصبحت له حساسية مفرطة من التنظيمات وبدأ يدعو إلى ضرورة تجاوز كل التنظيمات بالتوجه مباشرة للشعب بلا وسائط هيكلية، وكان دائما يضرب لي المثل بالجبهة الثورية للوحدة والعمل التي فجرت الثورة التحريرية النوفمبرية ( وكان أحد مفجري الثورة والقي عليه القبض من الاستعمار الفرنسي في بداياتها). لم أكن اتفق مع الشيخ عباسي مدني في موقفه من التنظيمات الإسلامية التي كنت جزء منها، ولكن كنت أرى من زاوية أخرى ضرورة القيام بإصلاحات كبيرة للحركة الإسلامية، أهمها الكف عن الصراعات النخبوية والتقليل من السرية والتركيز على الحريات، والتوجه إلى التيارات الشعبية وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني، واعتماد الخطاب الوطني، والتمسك بتراث الثورة التحريرية والحركة الإصلاحية البديسية. كان رحمه الله من أبرز المحاضرين الذين دعوتهم مع زملائي المشرفين على معرض الكتاب الإسلامي في الجامعة سنة 1987 الذي كان موضوعه ( معرض اللافتات والمحاضرات) التعريف بالحركة الوطنية ورموز الثورة التحريرية حين كانت الأغلبية الساحقة من الشباب والطلبة لا يعرفون شيئا عن ذلك الجيل النوفمبري بسبب التعتيم الذي كان يضربه النظام السياسي على قادة الثورة الحقيقيين، الأحياء آنذاك وعدد من الأموات.
حين فُتح المجال لتأسيس الأحزاب بعد دستور فبراير 1989 اختلفت الجماعات الإسلامية في كيفية التعامل مع هذا التحول. تخلفنا مع الشيخ محفوظ في اتخاذ القرار بشأن وجهتنا الحزبية بسبب عدم الثقة في مبادرة الانفتاح التي توجه إليها النظام السياسي بالرغم من أننا كنا التنظيم الإسلامي الأكثر انتشارا في البلد، وكان ذلك في اعتقادي خطأ منا في قراءة تطورات الساحة، فوجدنا أنفسنا في حرج أمام اللافتة الإسلامية السياسية العلنية التي سارع الشيخ عباسي مدني لرفعها رفقة الشيخ علي بلحاج والتي التف حولها أغلب المتعاطفين مع التيار الإسلامي خارج الأطر التنظيمية الذين لم يكونوا في البداية يفرقون بين أي أحد من الدعاة. حين أسس الشيخ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ عرض عليّ بإلحاح أن أكون معه، خصوصا حينما لمته في أحد زياراتي له في بيته بحيدرة، عن اندساس عناصر خطيرة ومشبوهة في الجبهة في المسيلة ( ولا أقصد هنا العناصر المحترمة التي عرفناها طيلة الثمانينيات وبعضها كان معنا) ، حيث اعتبر أن التحاقنا بالجبهة التي أسسها هو الذي يحل مشكل المندسين. أخبرته بكل أدب وصرامة بأنني لست مقتنعا بالنهج السياسي الذي يسير عليه، ومع تطور الأحداث اتسعت رقعة الخلاف، ولكن مع بقاء الاحترام والمحافظة على الود القديم. حينما أسسنا الحزب ( حركة المجتمع الإسلامي) كان من بين أهدافنا الأساسية هو التميز عن نهج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ليس حسدا ولا حقدا كما يعتقد البعض ظلما، أو عدوانا وكيدا كما يروج البعض، ولكن لأننا استشرفنا ماذا سيقع وكان علينا أن نضمن استمرار دعوتنا ورسالتنا وأن لا نرمي الثمار التي قطفناها قبل تأسيس جبهة الإنقاذ في سلة واحدة، وقد أعطانا الزمن الحق. رغم الخلافات الشديدة التي وقعت بيننا وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ – والأخطاء هنا متبادلة – قمت وساهمت شخصيا بعدة محاولات لتقريب وجهات النظر بين الحركة وجبهة الإنقاذ، منها اللقاء الشهير في وهران قبيل اندلاع أحداث الإضراب المفتوح في ماي 1991, ولكن خاصة محاولتين اثنتين تاريخيتين أشرفت عليهما بنفسي، أولهما الزيارات الخمس مع عدد من قيادات الحركة بإذن من الشيخ محفوظ رحمه الله للشيخ عبد القادر حشاني رحمه الله بعد أن سجن الشيخ عباسي رحمه الله والشيخ علي بلحاج، وكان مما قلته له أن هناك مؤامرة كبيرة عليكم وعلينا جميعا وعلى البلد وقيمه وهويته، وأنه يجب أن نتحاور للاتفاق على الرؤية المستقبلية، ورغم تفهم حشاني للموضوع لم يستطع التجاوب بسبب الاعتراض الذي وجده داخل الجبهة كما أرسل لي هو ذاته لاحقا، ثم المحاولة الأخرى مع الأخوين عبد القادر بوخمخم وعلي جدي بعد أن اطلق سراحهما زروال لأغراض الحوار حيث زرتهما رفقة الأخوين عبد القادر صماري ولحسن بن سعد الله رحمه الله، وحاولنا إقناعهما بما تم التوصل إليه في جلسات الحوار بأن هناك قناعة لدى زروال بإطلاق كل المساجين وعلى رأسهم الشيخ عباسي وعلي بلحاج، وأنه بإمكانهم بعد ذلك تأسيس حزب جديد بإسم جديد بشرط أن يتبرؤوا من الإرهاب باعتبارهم سياسيين لا علاقة لهم بالجماعات المسلحة ( للإشارة بعد هذا اللقاء تم اغتيال الأخ لحسن رحمه، وحكمت الجماعة الإسلامية المسلحة ( الجيا) عليّ وعلى الأخ عبد القادر صماري بالإعدام ونجّانا الله منهم، وكان اعتقادي أن الاستهداف كان من التيار الاستئصالي الذي كان يرفض عودة جبهة الإنقاذ ولو باسم آخر، وسيأتي اليوم الذي سنتحدث عن بعض التفاصيل وكيف كانت الجيا تُستعمل من الجميع). كان هدفنا من الحوار مع جبهة الإنقاذ هو تصحيح أخطائنا جميعا ثم الانطلاق في التعاون لمواجهة مشاريع التيار العلماني الاستئصالي المعادي لكل لون من ألوان الديمقراطية والذي سيطر بالفساد والنفوذ على المال والإعلام والإدارة والذي يعمل اليوم، بسند من الاستعمار القديم، على إلغاء حتى بيان أول نوفمبر، ويجد الوطنيون الأحرار صعوبة كبيرة في إرجاعه إلى حجمه الشعبي الحقيقي حتى وهم يُسندون من هذا الحراك الشعبي العظيم. لم تنجح محاولات التقريب كلها ولا زلنا إلى الآن في حالة التنابز والتصادم والبكاء على الماضي للأسف الشديد، وها هو الشيخ عباسي مدني يتوفاه الله دون أن يسترجع حقوقه السياسية لا هو ولا غيره من قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكم كان تأثري كبيرا حين أبدى لي الشيخ علي بلحاج أسفه أنه محروم من الإطار القانوني للعمل والتجنيد في تفسيره لعدم قدرتهم على التعبئة الكبيرة مثل ما كان متفقا عليه في تجمع قاعة حرشة الذي نظمته الحركة في أوت 2014 والذي تحدث فيه لأول وآخر مرة في تجمع رسمي منذ خروجه من السجن، حين قال لي هذا الكلام ذكرت في نفسي الفرصة التي ضاعت في منتصف التسعينات مع زروال، وكيف أن عدم نجاح الحوار خدم التيار الأستئصالي ذاته، ولو لم تعتمد الحركة نهج المشاركة وحرصت على الوجود القانوني والرسمي والمؤسسي رغم مسار التزوير الطويل لكنا اليوم جميعا – ربما – غير موجودين.
كانت آخر مرة التقيت فيها بالشيخ عباسي مدني في المطار حين كان يتأهب لمغادرة البلد والذي لم يعد إليه بعده أبدا، ولكن كانت لي مناسبات قليلة أخرى التقيته فيها بالخارج، والغريب في الأمر أنني حينما كنت ألقاه خارج الديار لا نتحدث إلا عن سنوات الثمانينيات الجميلة يذكرني وأذكره عن بعض حكاياتها رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ولا يُحرج أيّ منا الآخر بالحديث عن أحداث التسعينيات الأليمة، و ها هنا أقول شتان بين الحديث النافع والعقلاني مع القيادات التاريخية، سواء عباسي أو بلحاج أو جدي أو بوخمخم أو قمازي أو غيرهم، والحديث الحاقد المؤجج للصراعات الملهي عن الأهداف السامية الذي يطلقه بعض من يتكلم باسم الجبهة إلى اليوم وأغلبهم لا نعرف من هم وما الذي أو من يحركهم.
قد يلومني البعض عن إظهار هذه الحميمية بيني وبين عباسي مدني، والحقيقة ما كتبته هو جزء بسيط مما يمكن أن يُكتب لو كان لي الوقت الكافي، فعباسي مدني مجاهد من مجاهدي الساعات الأولى في الثورة التحريرية، ونحن عارضناه بشدة حين كان قويا يسيّر الحشود بأصبع واحد، أما اليوم فها هو بعد أن قضى باقي عمره خارج بلده يُتوفى خارج دياره. ولئن كانت له مسؤولية لا يمكن إنكارها في ما حدث في البلد، فالفرق بينه وبين المجرمين الذين نهبوا البلد وأفسدوه كالفرق – مثلما قال علي بن أبي طالب – بين من أراد الحق فأخطأه وبين من أراد الباطل فأصابه. إن الإدانة الكبرى والأولى في ما حدث في الجزائر في التسعينيات هي لأولئك الذين أرادوا التلاعب بالجزائر بحيلهم السياسية حين وقع الانهيار الاقتصادي وتفشى فسادهم واضطربت الأوضاع الاجتماعية فخرج الناس للشارع في 05 أكتوبر 1988، أولئك الذين حينما أحبط كيدهم الناخبون الذين صوت أغلبهم على الجبهة الإسلامية بتلقائية لِما اعتقدوه بأن ذلك هو الصواب، ألغوا الانتخابات وزجوا بأعداد هائلة من الجزائريين الأبرياء في السجون والمحتشدات، واختطفوا أبرياء كثر لم يعودوا أبدا لبيوتهم ( وأنا أعرف بعضهم من الرجال الصالحين ولا نزكي على الله أحدا، أشهد انهم لم يكن لهم علاقة بالإرهاب لا من قريب ولا من بعيد)، ثم بعد ذلك خَدع أؤلئك المجرمون تضحيات الجزائريين الذين ساهموا في العودة لبناء مؤسسات الدولة، وعلى رأسهم الشيخ محفوظ رحمه الله، بمسار التزوير الذي دمر البلد وصَنع عصابات عابرة للقارات، ونحن الآن في حيرة كبيرة كيف نُخلّص البلد من الخراب الذي صنعته تلك المجموعة الظالمة والنظام البوتفليقي الذي انتجته، رغم خروج الجزائريين بالملايين ضدهم في هذا الحراك الشعبي العظيم. إن هؤلاء الذين تلطخت أيديهم بالدماء، وتلطخ تاريخهم بالنهب وتدمير البلد هم من ينبغي محاسبتهم أولا وآخرا، وحين نصل إلى تأسيس مسار “الحقيقة والعدالة” الذي تأسس في كثير من تجارب الانتقال الديمقراطي، يمكن أن يتحدث الجميع عن مسؤولية أي أحد في ما حدث.
شاء الله أن يُتوفى الشيخ عباسي مدني والجزائر تمر بهذا التحول العظيم الذي يصنعه الحراك الشعبي، وكأن الله سبحانه ينبهنا بأننا نغادر مرحلة بكل ما فيها، ونستقبل مرحلة جديدة لم نعرف بعد كيف يكون حالها، والعاقل من اتعظ بالتجارب فأحسن الاستفادة منها فحفظ الأجيال الجديدة من أن يقع عليهم الاحتيال كما وقع على الجزائريين بعد أحداث 5 أكتوبر، وبعد انتخابات التسعينيات التي جرت بعدها، ومسار التزوير الذي تلاها ودمر كل شيء في هذا الوطن.
إننا اليوم، في هذه الأيام التي انتقل فيها أحد أيقونات 5 أكتوبر الشيخ عباسي مدني إلى رحمة الله، نمر بمفترق طرق آخر تاريخي، فهل سننجح في فرصة الانتقال الديموقراطي الجديدة أم أننا سنرتكب نفس الأخطاء، سواء أخطاء الذي صادموا العسكر طلبا لحقهم فطُحنوا وطُحن معهم البلد، أو الذين هادنوا العسكر حفاظا على بلدهم فخُدعوا وخُدع بلدهم، أم أننا سنجد الحكمة بين هاذين الخطأين.
د. عبد الرزاق مقري
من دلائل الوعي والرشد في الأحزاب والنخب السياسية المُصلحة أن تحدد جمهورها بدقة، فتعرف من الذي معها فتبني سياساتها معه وتوجه خطابها له وتراهن في كل شي عليه، ومن ليس جمهورها فلا تهتم به إلا من باب حفظ البيضة ودفع الشبهة. ومن إيجابيات تحديد الجمهور التركيز والاقتصاد في الوقت والجهد وعدم التردد وتشتت الذهن أثناء العمل.
في هذا المقال سنبدأ بتعريف من ليس جمهورنا، ثم نبين من هو كذلك:
– ليس جمهورنا صنف من الناس انتهازيون، طلاب المصالح الشخصية، أصحاب لغة الخشب، الذين يتحدثون عن مصلحة الوطن وهم عاهته، يُظهرون حرصهم عن استقرار البلد وكل أفعالهم خطر عليه، شِلل من الخلق يعرف بعضهم بعضا، يتعاضدون قبل تحقيق الغنم، فإن لاحت الغنيمة قاتل بعضهم بعضا كالضباع الضارية، كلما لاحت تطورات جديدة سألوا عن شخوصهم فحسب، ما الذي يجنونه ويكسبونه لذواتهم لا غير، يخادعون السذج من الناس، ولكن الوطنيين الصادقين المجربين يعرفونهم بتاريخهم، ومن لحن قولهم وتقاسيم وجوههم، يتكبرون على من دونهم ويعبدون من فوقهم، ينزعون إلى الخلاف والشقاق حسب مصالحهم وما تهواه أنفسهم.
– ليس جمهورنا المتأزمون، المتنطعون، الحاقدون، الانتقاميون، الحاسدون الناس على ما آتاهم الله. ليس جمهورنا المستعجلون، السبابون، الشتامون الذي لا يعجبهم أحد ولا يؤنسهم شيء، ليس جمهورنا الذين يأملون أن ينهار كل شيء حتى يكون الناس سواء في الخسران والعياذ بالله، ليس جمهورنا الذين يبالغون في الرفض والصد ما لم تكن فرصة، فإذا طابت لهم الظروف أوغلوا في الرتع واحتبس من خطيبهم الشدق فلا ينبس ببنة شفة.
– ليس جمهورنا العابدون خصومهم، الذين لا موقف لهم في الحياة سوى العناد ومخالفة من لا يحبون أو يحسدون، بلا هدف ولا رؤية ولا عزيمة على البر والتقوى. أولئك الذين سماهم علماء الإدارة أصحاب ” الموقف بالخصومة”، إن قال خصمهم هو أبيض قالوا إنه أسود وإن قال أسود قالوا هو أبيض، حتى لكأن خصيمهم يملي عليهم ما يريد إذ يأتي بهم حيث أراد بموقف منه يخالفوه كما يشاء.
– ليس جمهورنا الحياديون، الفردانيون في مقصد الخلاص، الأنانيون في فكر النجاة، الذين يتراجعون إلى رحالهم الأقرب فالأقرب كلما اشتدت الخطوب حتى، فلربما يضحي الواحد منهم بأهله وولده، حين يتهيأ له بأن المركب لا يسعه إلا هو. ليس جمهورنا السذج من الناس الذين تنطلي عليهم الوعود الكاذبة فيذوقون السم الزعاف مرات ومرات من ذات الكأس فلا يبصرون. ليس جمهورنا القاعدون في أرائكهم ينتظرون كيف تنتهي المعركة، الفضوليون على قارعة الطريق يتفرجون فلا يتأهبون، ولو وصلتهم شذايا المعارك من حولهم فيتألمون ولا يفعلون.
ليس جمهورنا العملاء الذين يخدمون مصالح الأجانب من حيث دروا أو من حيث لا يدرون، أولئك الذين ربطوا مصائرهم بدول ومجتمعات وثقافات أجنبية وكل ما في هذا الوطن يزعجهم ويقززهم، بعضهم عملاء أصالة وبعضهم ثقافة إذ هواهم كلهم في آخر التحصيل للأجنبي الذي بالأمس استعمرهم وأذلهم، ليس جمهورنا الذي يتحسس من الإسلام ويحب سائر الملل، قلبه وعقله تطحنها عقد وعقد وعقد، لا تنفك أبدا في كره هذا العرق أو ذاك في وطنه، في عصبية آثمة مقيتة تجذبه إلى أدنى الدركات الإنسانية وهو لا يدري، ولربما كره أصله بلا وعي، فلا يرى له مستقبلا دون تبعية المستعمر المستعلي المتجبر.
ليس خطابنا وخططنا ومسعانا لهؤلاء أبدا، لا نحسب لهم حين نتحرك، ولا يهمنا أمرهم، ولا يؤثر فينا فعلهم ولا رد فعلهم، لم يكونوا معنا يوما لنحزن عنهم، ولا نأمل فيهم لنتعب أنفسنا بشأنهم …. هم من يجب أن يتغير … وإن تغيروا تغيرنا تجاههم.
– أما جمهورنا فهم أولئك الملايين من الجزائريين العاديين الذين نلقاهم في حلنا وترحالنا في أحياء هذا الوطن الفسيح، في الشوارع، في المساجد، في المقاهي، في الأسواق، في المطارات، في المناسبات، أؤلئك الجزائريون العاديون، الطيبون، الواعون، الذين يسمعون الحديث ليَفهموا ويتحدثون ليُفهموا، أولئك الذين يدركون المخاطر التي تهدد الجزائر حقيقة الإدراك، فتتوجه أفئدتهم وعقولهم للحلول الحقيقية التي تخرج البلد من أزمته ولو لم يكن لهم نفع فيها مباشر.
– جمهورنا هم أؤلئك الذين يتعلقون بالأمل فلا ييأسون، يسندون الفعل الإيجابي ولا يملون، يحسنون الظن بالناس ما لم يظهر لهم زلل لهم عليه دليل وبرهان فينصحون بلا شتيمة أو يعيبون بلا شماتة. يحبون وحدة الصف، وتآلف القلوب. قلوبهم سليمة يفرحون بكل إنجاز ولو لم يكن لهم فيه سهم أو إسهام. تعرفهم بسيماهم، بطيبتهم، بنبرة حديثهم، بسمعتهم، ببراءة ذمتهم.
– جمهورنا هم أولئك المكافحون ضد الظلم والفساد، المساندون للصلح والإصلاح، يعرفون هذا وذاك فيميزون بين غث وسمين، قد يوزعون البسمة للجميع ولكن حين يجد الجد لا تراهم إلا في صف المصلحين المكافحين الصابرين، قد يكسلون عن القيام بالواجب ولكن حين تشتد الخطوب ترفع عزائمهم عراصات الحق، وينصر صدقهم الصدق. جمهورنا هم أبناء العوائل الجزائرية الأصيلة التي لا تُلجِئها الحاجة للخنوع، ولا يدفعها الطمع للوقوع في شراك الفساد واتباع الجموع، المتهافتة عن ” الشيتة” لمصالح زائلة.
– جمهورنا هم أولئك الذين يخالفوننا بلا حقد، ويشتركون معنا في حمل أعباء الوطن حيث يكون الكد والجد، إذا قصرنا في شرح موقفنا صبروا علينا، وإذا أخطأنا صوبونا، وإذا أصبنا كانوا معنا بلا هوادة بكل شجاعة، بكرم بلا تقتير، بنبل فلا منّ ولا خيانة ولا إذاء ولا تقريع. جمهورنا هم أولئك النخب الموجودة في كل مؤسسات الدولة وشرائح المجتمع حيث مضان الخير لا تنقطع وبذور البر لا تندثر، حيث الروح الطيبة تسري فتحفظ هذا البلد وتبقي فيه الأمل.
– جمهورنا هم أولئك البسطاء من الناس الذين يأملون الخير لكل الناس، الذين يحبون الجزائر بمن فيها ومن عليها فلا يرجون شرا لأحد ولو كان على غير ما يحبون. أولئك الذين يفدون وطنهم بنواياهم الطيبة، بصبرهم الطويل، بإيجابيتهم التي لا تنالها مخططات التيئيس، بعملهم الصالح المتواصل ولو كان قليلا، يراه الله منهم وقد لا يراه المتعالون أو المثاليون أو المستعجلون.
كل خطابنا، وكل مسعانا، وكل خططنا، إلى هذا الجمهور من الناس في هذا الوطن، معهم وإليهم وبعد الله بهم. نحرص على وصالهم ولا يفتر اتصالنا بهم، هم أملنا ومصيرنا وعليهم بعد الله اتكالنا. كانوا معنا دوما، وكنا وإياهم دوما “معا نحو الهدف” على قول الرئيس المؤسس رحمه الله، لا نلتفت إلا إليهم لنسدد السير ونصوب الوجهة، فإذا نجحنا معهم سنسعد جميعا … حتى أولئك الذين لم يكونوا من جمهورنا سيسعدون معنا.
د. عبد الرزاق مقري
جاء العسكريون الفرنسيون المسيطرون على الوضع في الجزائر المستعمرة بالجنرال ديغول لرئاسة دولتهم في ظل أزمة ماي 1958 لتثبيت فكرة “الجزائر الفرنسية” التي زعزعتها ضربات المجاهدين الجزائريين. استعمل ديغول ما لا يخطر على البال من القوة العسكرية الفتاكة بدعم مباشر من الحلف الأطلسي حتى كاد يوقف مسيرة الثورة النوفمبرية في الجبال. وحينما اشتد هول الحرب غير المتكافئة وألحق أضرارا جسيما في صفوق الثوار الميامين، تحركت الإرادة الشعبية الجماعية في 11 ديسمبر 1960 وخرج الشعب عن بكرة أبيه يعلن عبر اللافتات التي لا تزال صورها يحفظها أرشيف التاريخ ” الجزائر مسلمة”. عندها أدرك ديغول بأن القضية الجزائرية ليست قضية مجاهدين في الجبال تعدادهم بالآلاف، ولكنها قضية شعب بكامله تعداده بالملايين، وأن فرنسا مهما كانت قوتها، ومهما كانت قدرتها على إطفاء هذه الثورة أو تلك سيهزمها الشعب الجزائري الرافض لبقائها. وأن إصرار دعاة ” الجزائر الفرنسية” سيجعل فرنسا تدفع أثمانا باهضة تدمرها في فرنسا ذاتها وعلى المستوى الدولي. إن إصرار المجاهدين وتضحياتهم هي التي أوقدت جذوة الوعي لدى عموم الشعب الجزائري، ولكن الإرادة الجماعية الشاملة للجزائريين هي التي جعلت ديغول يفهم بأن الثورة المسلحة والمقاومة الشعبية لن تتوقفا حتى نيل الجزائريين استقلالهم، فقبل عندئذ الدخول في المفاوضات لتنظيم نهاية العهد الفرنسي في الجزائر.
وكذلك هو الحال في كل معركة نبيلة لتحقيق كرامة الإنسان ونيل استقلاله أو حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضد الظلم والفساد والسيطرة والهيمنة. تبذل النخب ما تستطيع لتغيير الأوضاع وتصبر على ذلك مهما طال الزمن، عبر كر وفر لا يتوقفان، ولكن لن يحسم المعركة إلا الإرادة الجماعية السلمية للشعب … حينما تبين تلك الإرادة بشكل بين وواضح وحاسم، ويعبر عنها بالطرق الذكية العبقرية التي تقطع الطريق عن كل متربص يستغلها على غير مرادها، عندئذ سيفهم المسيطرون الظالمون بأنه عليهم أن يتغيروا أو يُغيروا … وسيحصل ذلك، وقتئذ، لا محال.
د. عبد الرزاق مقري.
اطلعت على حملة الكترونية جميلة مفيدة قام بها أفراد جيل الترجيح للتأهيل القيادي من مختلف الدفعات، أعجبني فيها أمرين اثنين: الوفاء والإنجاز.
أما الوفاء فهو من أؤلئك الشباب الذي لم يتنكروا لمؤسستهم التي صنعوها بأيديهم وما استفادوه منها في حياتهم الشخصية وفي عملهم لصالح حركتهم ووطنهم وأمتهم فأقروا لها بالفضل وفقا لقوله تعالى في سورة البقرة: وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) “.
إن من أعظم صفات المروءة والرجولة ومكارم الأخلاق الوفاء إذ الكريم هو من يملكه الكرم السابق واللئيم من يتنكر لمن أحسن إليه على قول المتنبي: ((إذا أنت أكرمت الكريم ملكته..وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا))، وعلى قول الإمام الشافعي: ((الحر من راعى وِدَاد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة)). وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يكون الوفاء في كل شيء، حتى للجماد حينما قرر أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه مرة في الأسبوع كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: ((كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكباً وماشيا )) لأنه كان أول مسجد بعد النبوة شارك بنفسه في بنائه.
لا شك أن الوفاء لأكاديمية جيل الترجيج هو من الوفاء للحركة التي أسست تلك المؤسسة، وكما أنه: ” لا يشكر الله من لا يشكر الناس” كما ورد في الحديث الصحيح، فإنه لا يشكر الله من لم يشكر حركة مجتمع السلم ممن استفاد منها بأي شكل من الأشكال، ولا يشكر الحركة من لم يشكر مؤسساتها، وليست أكاديمية جيل الترجيح هي وحدها الجديرة بذكر جميلها لدى من هم أو كانوا فيها، وقد تحدث بعضهم عن انتفاعه من مؤسسات أخرى مرّ عليها، والوفاء قيمة لا تتجزأ، وإنما الشكر على قدر البر، ولعل ما سهّل الإفصاح عن هذا الشكر الذي أبداه الشباب أن أكاديمية جيل الترجيح لا يتحرج مؤسسوها وأفرادها من الانتساب علانية لأصلها رغم أنها لكل الجزائريين. وما حركة مجتمع السلم إلا أم ولود تؤسس المؤسسات وتهبها للمجتمع، تعددت وتنوعت ذراريها حتى صار لها من الأولاد والأحفاد الكثير، بعضهم يعتز بالانتماء علانية، وبعضهم سرا، وبعضهم يتنكر ظاهرا، وبعضهم تنكر فعلا، بل بعضهم تحوّل، وهم في كل الأحوال جميعا أبناؤها.
إن جمال هذا الوفاء أنه فاجأني في الوسائط الاجتماعية فلم يكن لي به علم سابق، وقد حقق لي ما كنت تمنيته وصرحت به للشباب الطليعي في بادئ أمر الأكاديمية أن يأتي يوم أسمع بما تنجزونه من خيرٍ كالناس ولا علاقة لي البتة بترتيبه. إن احتفائي بهذا الوفاء هو احتفاء بقيمة عليا نادرة بين الناس، تعهد إبليس أن يحاربها في عباد الله وينزعها من نفوسهم من اللحظة الأولى التي طرده الله فيها من رحمته ولعلنه، فقال الله تعالى على لسانه في سورة الأعراف: (( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) ))، وقد أذن الله أن يكون له ذلك فكان الجحود وقلة الوفاء صفة لازمة لأغلب الناس وفق قوله عز وجل في سورة سبأ (( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ -13)) . لهذا جدير بنا أن نشكر الأوفياء الشاكرين ولو كانوا قليلا حتى يبارك الله فيهم فيكونوا أكثر تأثيرا وتوفيقا.
وأما الأمر الثاني الذي أعجبني في حملة “غيرني جيل الترجيح” فهو الإنجاز، ذلك الكم من التقارير النوعية التي تحدث عنها الشباب للإفصاح عما مكنتهم مؤسسة جيل الترجيح من إنجازه، في حياتهم الشخصية وفي نضالهم في مختلف فضاءات الشأن العام.
لقد كنت أقول دائما للمسؤولين في الأكاديمية إن ما ينقصكم هو عدم اهتمامكم بإظهار إنجازاتكم وإبداعاتكم في مختلف المجالات، وأنكم إن أظهرتم بعض ما تنجزونه وفق قوله تعالى (( إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) )) فإنكم ستدفعون غيركم إلى تقليدكم، إما تأثرا بكم إذ صرتم لهم قدوة ومدرسة، أو ينافسونكم غيرة أو خوفا من تنامي حضورهم وتأثيرهم، فتكونون في الحالتين سببا في نشر الخير في البلاد. وإنني لأطمئنكم بأن حملة (( غيرني جيل الترجيح)) ستفعل فعلتها على النحوين المذكورين.
لقد أُسست أكاديمية جيل الترجيح وفق تحليل علمي لوضعية الحركات الإصلاحية في العالم العربي أظهر أن سبب قلة الفاعلية هو عدم أهلية القادة ونقص المؤسسات التي يعول عليها في صناعة النهضة واستئناف الحضارة. فكانت الرؤية هو تأهيل عدد كبير من الشباب وبناء وتطوير عدد معتبر من المؤسسات الفاعلة. ثم انطلقت الأكاديمية في مسارها ضمن عدد من النظريات التأهيلية الخاصة بها أهمها نظرية 4/6 التي حددت أسس بناء الشخصية المؤهلة للتأثير في الشان العام وهي الفكر والمعارف/ السلوك والأخلاق/ الكفاءة والمهارة/ الفاعلية والإنجاز، عبر مراحل معلومة تركز المرحلة الأولى على الأسس الثلاثة الأولى وتدرب على الأساس الرابع، وتركز المرحلة الثانية على الأساس الرابع بمرافقة الأسس الثلاثة الأولى. وضمن هذه المنهجية يأخذ المنتسب لأكاديمية جيل الترجيح تكوينا مكثفا في المرحلة الأولى عبر فضاءات ستة ( الدورات التربوية، الدورات التدريبية، الفضاءات الالكترونية، المخيمات والملتقيات، الرحلات والزيارات، المشاريع الميدانية)، فإذا خرج العضو من الأكاديمية عند نهاية هذه المرحلة الأولى يكون قد أخذ قسطا وافرا من التأهيل يؤثر في حياته بشكل مكمل للأسرة التربوية التي ستظل هي الوحدة الأساسية في هيكلية الحركة بالنسبة للذين يقبلون الانتساب إليها عضويا وهيكليا، فإن أراد المنتسب الانتقال إلى المرحلة الثانية في مسار الأكاديمية ونجح في ذلك فإن شرط استمراره فيها أن يكون له عمل في الحركة أو في مؤسسة من مؤسساتها أو في مؤسسة أخرى من مؤسسات المجتمع المدني خارج الحركة، سواء التي يؤسسها أو ينتسب إليها، وكل ذلك وفق إرادته واختياره وما تتاح له من فرص. لا تتحمل الأكاديمية مسؤولية توجيهه حيث يريد أن يزاول عمله التطوعي، ولكن تشترط عليه أن يكون متميزا في حياته الشخصية، وفي المؤسسة التي يختارها وأن يسمو فيها عن الأنداد وبين أقرانه بعلمه وفكره، وسلوكه وأخلاقه، وكفاءته ومهارته، وما ينجزه فعلا في الميدان، وتوفر له الأكاديمية في ذلك المرافقة في المحاور الأربعة من خلال برامج مخففة يعتمد فيها على استعداده ومجهوداته الشخصية. وبالرغم من وضوح هذه الرؤية ومنهجها والإنجازات التي تحققت فإن ثمة قصورا في جوانب عدة يجب استدراكها، ولو استدركت وتوفرت الإرادة والكفاءة والإمكانيات اللازمة لرسّخت الاكاديمية رسالتها: ” المساهمة في إعداد جيل قياديي ذي كفاءة واقتدار يقود المجتمع الجزائري للنهضة الحضارية الشاملة ويساهم في نهضة الأمة”.” ولحققت رؤيتها: في تأهيل آلاف من الشباب الربانيين والواعين المثقفين والماهرين والفاعلين الذين يؤسسون ويقودون عشرات المؤسسات”
إن الذين تحدثوا في كيف غيرتهم أكاديمية جيل الترجيح شباب أكثرهم لا أعرفهم من الدفعات الجديدة، وهو أمر تقر به بالعين ” إذ نسمع بالقطر ينزل في أرض لا نعرف كيف تسير فيها السائمة فنفرح”، وعديد منهم أعرفهم ممن انتقلوا للمرحلة الثانية، يذكرونني بأيام عزيزة على قلبي يوم كنت أشرف على المشروع، ممن قرت أعيننا بتوفيقهم في حسن إدارة شؤونهم الخاصة، وفاعليتهم في نشاطهم الطوعي، إما في تأطير الأكاديمية ذاتها إذ لم تصبح هذه المؤسسة في حاجة لمؤطرين من خارجها كما فترة التأسيس، أو في هياكل الحركة إذ كثير منهم صار مسؤولا في هياكلنا المحلية، أو مساهما في المؤسسات الوظيفية القديمة، أو مؤسسا أو قائدا في المؤسسات الوظيفية الجديدة، أو مؤسسا لجمعيات ومنظمات طوعية خاصة بهم. فلا تكاد تجد وظيفة أو تخصصا إلا وهم رواد فيه، من التنظيم، إلى السياسة، إلى المجالس المنتخبة المحلية، إلى العمل الخيري أو العمل الفلسطيني، أو التربية والدعوة والقرآن الكريم، أو الكفاح المدني النسوي، أوالنشاط الشبابي، أو الاهتمامات النقابية والحقوقية والعمالية، أو غير ذلك مما هو معلوم وغير معلوم.
لو أبدع شباب الأكاديمية في التسويق لإنجازاتهم في مختلف المجالات كما فعلوا في حملة ((غيرني جيل الترجيح)) لصنعوا تيارا للإيجابية كبيرا تنتفع به الجزائر إذ سيسير فيه بأشكال متنوعة جمع غير قليل من الشباب المتطلع إلى تجارب ناجحة تنزع من قلبه النزوع إلى السلبية والعجز والكسل والانطواء وعدم الإيمان بالذات وبالأمة والوطن، ولكان ذلك كافيا كذلك لمعالجة ظاهرة الحسد والمقاومة والمناوءة التي هي ظواهر طبيعية في البشر لا يغلبها إلا الإنجاز والارتفاع عن الندية بالعمل الذي يسمو أثره عاليا حتى يستحق الإشادة من الله ومن البشر كما قال تعالى في سورة التوبة: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105))).
د. عبد الرزاق مقري
كثير من البلدان التي كانت في العالم الثالث مثلنا لم يتطلب منها الأمر أكثر من عقدين من الزمن لتخرج من هذا العالم وتنتقل إلى عالم التطور والتحضر والازدهار، ونحن بعد مرور 56 سنة، أي أكثر من نصف قرن، لا زال ثمة من يبرر ممارسات التخلف بوجودنا في العالم الثالث. ما قرأته للعضو القيادي في حزب جبهة التحرير ورئيس المجلس الشعبي الوطني سابقا السيد عبد العزيز زياري محبط حقا! إنه يؤيد في حديثة لجريدة الخبر هذا اليوم تجاوز القانون والدستور في تنحية بوحجة ( رغم تأييده له سابقا) وتنصيب بوشارب، و يعتبر أن الشرعية تُكسب عن طريق الممارسة وليس باحترام القانون والدستور، ويبرر ذلك أننا لا زلنا في طور بناء دولة الحق والقانون .. بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال!
ألم يقرأ الدكتور زياري كيف كانت اسبانيا والبرتغال والفتنام وبولونيا وجنوب افريقيا وتركيا وماليزيا وإيران وإندونيسيا وكيف أصبحت في وقت أقل بكثير من الذي لا زلنا نبني فيه دولة الحق والقانون. والأدهى والأمر في حديثه هو استصغار المجتمع واعتباره قاصرا حين اختار الإسلاميين سنة 1991 واصفا إياه بعبارة قاسية :” .. بمعنى أن المجتمع أظهر رغبة في العودة إلى الوراء بدل الاندفاع إلى الأمام..”. والله العظيم إنه لأمر عجب أن لا يتهم زياري “السيستام”، الذي هو منه كما يقول، فلا يُقر بأن هذا السيستام فشل في إخراج البلد من العالم الثالث بالرغم من أنه هو المسيطر منذ 56 سنة على وسائل القوة والإكراه وعلى السياسة وعلى الاقتصاد وعلى التعليم وعلى الإعلام وعلى الثقافة، وحتى على المسجد والشارع وأغلب الأحزاب والجمعيات، بل حتى على عقول الكثير من الجزائريين. .. و بدل ذلك يتهم الشعب أنه يريد الرجوع إلى الوراء حين يختار غير “السيستام” رغم فساده وفشله.
دعنا السيد زياري نكون صرحاء، ماذا فعل السيستام لإخراج البلد من العالم الثالث حين أقصى الإسلاميين، أو على الأقل ماذا فعل لإخراج البلد من التبعية للمحروقات، أو على الأقل تحسين مستوى التعليم والخدمات الصحية، أو على الأقل ضمان التوازنات الاقتصادية الكلية، أو على الأقل تقليص هوامش الفساد ووقف ” التبهديل” في هذا الشأن أمام العالم. ماذا فعل في هذا وغيره حين أقصى الإسلاميين علانية وبالقوة والتزوير في الانتخابات التشريعية سنة 1991 والرئاسية سنة 1995 والتشريعية والمحلية سنة 1997 ولا يزال يقصي الإسلاميين وغير الإسلاميين بطرق يتفنن في ابتكارها إلى اليوم. ثم من أعطاك الحق، ومن أعطى الحق ل” السيستام” ليقيّم مستوى الشعب وليختار له حكامه. أليس من حق الشعب أن يجرب غيركم ولو مرة؟ وما أدراك؟ لعل هذه الأحزاب التي تسميها إسلامية أو غيرها تنجح في تطوير البلد أفضل من هذا “السيستام” المسيطر الذي لم ينجح أبدا. ألم تنجح قوى سياسية جديدة في العالم، إسلامية وغير إسلامية، في تطوير بلدانها؟ ألم يأت الوقت ليدرك رجال “السيستام” بأنه ربما يوجد في خارجه ، من إسلاميين وغير إسلاميين، كفاءات وطنية علمية وسياسية محترمة لها شهادات وخبرات أعلى وتعرف العالم وتجاربه ولغاته وثقافاته أفضل من أولئك المطبلين الذين يَطلُبون السلطة بالغش والتزوير والبلطجية والمال الفاسد والتزلف والشيتة والانتهازية؟
ثم كيف تُفَكّكُ الشفرة التي يتحدث عنها رئيس المجلس السابق حينما يتأسف على عدم تسويق الحالة الصحية لبوحجة كوسيلة لَبِقة لتنحيته تَحفظ “السيستام” من الوقوع في الفضيحة التي وقع فيها، وفي ذات الوقت يؤكد تأييده لعهدة خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. أليس سي زياري طبيب يعلم بأن الحالة الصحية للرئيس أصعب بكثير من حالة بوحجة، وأن المانع الطبي الحقيقي للحكم هو لدى رئيس الدولة الذي يملك صلاحيات لا حد لها، وعليه مسؤوليات جعلها كلها بيده ينأى بحملها رجال كثر، وليس لدى رئيس المجلس الشعبي الوطني الذي يقول زياري ذاته أن صلاحيته محدودة .. سوى المكانة البروتوكولية! ألم تؤثر فيك السيد زياري تلك الصورة الكئيبة المؤلمة لرئيس الجمهورية وهم يُخرجونه من مهجعه يوم أول نوفمبر وهو في تلك الحالة، أليس فينا شيء من الرأفة والرحمة والإنسانية، أليس فينا شيء من العقل والحكمة، ألا نخشى على معنويات المواطنين وثقتهم في بلدهم وفي أنفسهم حين تُفرض عليهم هذه الصور.
ثم بعد ذلك، دعني أقول لك بأن سرورك باعتلاء شاب سدة رئاسة المجلس الشعبي الوطني ليس في محله مطلقا ضمن الظروف التي وقع فيها الأمر. أليس من الأفضل أن يفرض بوشارب الشاب نفسه باحترام القانون والدستور وبالديموقراطية حتى يثق في نفسه أفضل ويصبح قدوة فعلية للشباب إذا اعتبرناه شابا؟ هل من حق السيستام أن يفرض شبابه كذلك علينا؟ هل من حقه أن يسيطر على المستقبل كما سيطر على الماضي؟ لماذا تريدون بث هذه الأمراض بين الشباب كذلك؟ أليس الأفضل أن تتركوا الساحة نظيفة للشباب ليتنافس بكل شفافية وباحترام القانون؟
وفي الأخير أقول للسيد زياري، ومن باب النقاش الفكري، ليس صحيحا ما ختمت به حوارك، ليس صحيحا أن في الديموقراطيات العريقة هناك نظام سياسي يختار للمواطنين رؤساءهم. يمكن أن نتفق بأن الديمقراطية في العالم تعيش أزمة كبيرة تتمثل في هيمنة النظام المالي العالمي على السياسة، غير أنه لا يزال للمواطنين كلمتهم، لا يزال الحكام يخافون من المواطنين، ولا يزال التداول على السلطة قائما ولو بين الأقوياء في بعض البلدان، ولا تزال السلطة موزعة بين المؤسسات والقوى المتدافعة، ولا يزال في العالم قوى حية من كل الملل والنحل تكافح ضد هيمنة النظام المالي العالمي الظالم . صحيح أن أرباب هذا النظام يحاولون خداع المواطنين دوما، وينجحون في خداعهم أحيانا، ولكن لا يزالون يخافون من أصوات الناس وردّات فعلهم في الانتخابات، ولا تزال قوى مجتمعية حرة تكافح من أجل كرامة الإنسان ، ولا تزال عندهم هوامش واسعة جدا للحرية في الإعلام وفي مؤسسات العدالة وفي التنافس الحر في مختلف المجالات. بل إن الصين ذاتها التي يحكمها الحزب الواحد لم تتطور حتى نظمت التدافع داخل الحزب ففُسح فيه المجال فعليا للمحاسبة والرقابة على الشأن العام والتداول بين القوى والأشخاص.
أما عندنا فإننا لم نعرف الديموقراطية يوما حتى نعرف أزمتها، “السيستام” عندنا متحكم في كل شيء، السلطة فيه بين أيدي عدد قليل جدا من الناس، وتارة في يد رجل واحد، يتقاسمون السلطة والثروة كيف ما شاؤوا، يمنحون من السلطة ما شاؤوا لمن شاؤوا ويمنحون الثروة لمن يشاؤوا ولا يستطيع أحد أن يحاسبهم. هذا هو الحال الذي جعل بلدنا يبقى في العالم الثالث، هذا ما جعله لم يتطور وأبقاه يسير دوما إلى الخلف. أما الإسلاميون فإنهم لم يحكموا يوما لتحكم سي زياري بأن حكمهم يسير بنا إلى الخلف أو إلى الوراء. فلندع الشعب يقول كلمته، لعلنا نفلح في الخروج من العالم الثالث، ولعلنا بعد ذلك نساهم في تصحيح الاختلالات في العالم بالتحالف مع القوى الرافضة للهيمنة المالية العالمية. أما الاستمرار في التبرير ل” السيستام” والمحافظة على بقائه فإن مآلنا جميعا ليس ما يحدث في الديموقراطيات العريقة كما يقول سي زياري ولكن ما حدث لبعض دول العالم الثالث التي قاوم حكامها الإصلاح والتغيير إلى أن وقع الانهيار ونزل السقف على الجميع، وعندئذ لا نصبح في العالم الثالث فقط، بل نغرق في أوحال عالم بدائي فضيع يسير أمره أسياد العالم لا قدر الله.
د. عبد الرزاق مقري
تمثل وثيقة بيان أول نوفمبر حالة إجماع بين الجزائريين لم تسبقها حالة مثلها، قبلها أو بعدها. يعتبر نص هذا البيان هو الوثيقة الوحيدة التي اتفق عليها الجزائريون بكل توجهاتهم وخصوصياتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية ومن مختلف جهات الوطن. انتمى الجزائريون قبل الاستعمار إلى دول عدة تغيرت حدودها مرات عديدة، وحينما أصبحت الجزائر ضمن الدولة العثمانية سلم الجزائريون لها أمرهم وولاءهم السياسي ولكن ولاءهم الأكبر كان لقبائلهم وعشائرهم وتقاليدهم، وحين واجهوا الاحتلال الفرنسي واجهوه متفرقين حيث اندلعت مقاومات شعبية في أنحاء متعددة من الوطن لا يوجد بينها أي اتصال. ولئكن كان البعد الديني هو البعد الأساسي الذي غذى تلك الثورات الشعبية فإنها لم تكن لها رؤية سياسية وطنية شاملة خصوصا بعد نهاية مقاومة الأمير عبد القادر الذي أعلن قيام دولة جزائرية حديثة لم تمتد إلى كل أنحاء الجزائر، وكذا بعد نهاية مقاومة أحمد باي الذي كان يقاتل في جزء من الوطن من أجل إعادة الدولة الجزائرية التي أسقطها الاستعمار . وبعد نهاية فترة المقاومة الشعبية التي دامت سبعين سنة استأنف الجزائريون المقاومة في الإطار السياسي ضمن منظمات الحركة الوطنية المتعددة والمتنوعة في مقارباتها، إذ منها ما كان يدعو إلى الاستقلال مباشرة والانفصال السياسي عن فرنسا، ومنها ما كان يركز على الإصلاح الديني والثقافي وبناء الإنسان، ومنها ما كان يدعو إلى الإصلاح السياسي والمساواة مع الفرنسيين. وبسبب التعنت الاستعماري ورفضه منح الجزائريين استقلالهم بل وإبادتهم بسبب هذا المطلب في الثامن ماي من سنة 1945، ومحاربته المستمرة للهوية والانتماء الجزائري ورفضه لأي شكل من أشكال المساواة واعتباره الجزائريين أهالي من الدرجة الثانية وجد النضال السياسي نفسه في مأزق فأدى ذلك إلى انسداد الأفق ووقوع تشرذم كبير في منظمات النضال الوطني.
أمام هذا الوضع حمل شباب المنظمة الخاصة على عاتقهم الانتقال إلى الكفاح المسلح وكان من عبرقيتهم أن لا يكون هذا الانتقال اعتباطيا يستجيب لردود الأفعال والرغبة في الانتقام فحسب بل بنوا تصرفهم على أساس رؤية وطنية شاملة يجتمع عليها كل الجزائريين فحددوا فيها الغاية من الكفاح المسلح والأهداف التي تقوم عليها الدولة الجزائرية التي يريدون إعادة بنائها. لقد وُفقوا أيما توفيق في كتابة تلك الوثيقة التي رسمت ما يجتمعون عليه وما لا يمكن أن يتفرقوا بخصوصه وتحقق حولها الاتفاق فعلا ثم تحول الاتفاق إلى إجماع حين قبلت منظمات الحركة الوطنية الالتحاق بالثورة على أساس تلك الوثيقة وحين تلقى الجزائريون ذلك البيان بالقبول في كل أنحاء الوطن فلم يطعن فيه أحد ولم يعترض عليه الأحد.
وبعد أن اندلعت الثورة رجع الاختلاف بين الجزائريين فلم يتفقوا في مؤتمر الصومام وحول وثائق مؤتمر الصومام وبقوا متفقين حول بيان أول نوفمبر، ثم اختلفوا حول مؤتمر طرابلس ومخرجات مؤتمر طرابلس وبقوا متفقين حول بيان أول نوفمبر. بل إنهم اختلفوا حتى حول اتفاقيات إيفيان وبقوا مع ذلك متفقين حول بيان أول نوفمبر. وبعد الاستقلال تعمق الاختلاف بينهم بل وأوشكوا أن ينخرطوا في حرب أهلية، وحتى في إطار النظام السياسي المتغلب الذي جاء على اثر انقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة ثم على إثر انقلاب 65 بقي الجزائريون مختلفين إلى يومنا هذا وبقي اتفاقهم في نفس الوقت قائما حول بيان أول نوفمبر.
إن بيان أول نوفمبر هو الوثيقة الوحيدة التي تمثل الاجماع بين الجزائريين، وعليه صيانة هذا البيان وإعلاء شأنه، واعتباره المرجع الأساسي للدساتير والتشريعات والمبادئ والمثل التي تقوم عليها الدولة والمجتمع، والعمل الدائم على تجسيد بنوده هو ما يضمن وحدة الجزائريين إلى الأبد، ويصحح الانحارافات حين تقع، وكل تهديد لهذا البيان في كليته أو لأحد من بنوده وفقراته هو تهديد لوحدة الجزائر واجتماع أهلها.
د. عبد الرزاق مقري
إن السيرة النبوية قبس من كتاب الله العزيز الذي لا تنقضي عجائبه، فهي كالقرآن الكريم يتجدد فهم مواضيعها وتتنوع حكمها ودروسها لمن يقتفون أثرها ويستنون بهديها كلما تعمّق وطال سعيهم في الميدان وعلى أرض الواقع لتحقيق رسالتها. وإن من أعظم فقرات السيرة النبوية هجرته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم من مكة إلى المدينة كحدث عظيم غيّر وجه الأرض إذ بها بدأ التأريخ لأمة الإسلام ومنها انطلق المسلمون لبناء دولتهم التي صنعت نهضة المسلمين وحضارتهم. إن الدروس التي يمكن أن نستفيدها من الهجرة النبوية كثيرة ومتنوعة وحين التأمل في شأنها من زاوية سنن التغيير وتحديات الإصلاح يتضح بأن عملية التغيير تتطلب تحولين كبيرين، الأول ذاتي نحن مأمورون به، والثاني خارجي لا نتحكم فيه ولكنه يكون حاسما في عملية الإصلاح إذا استشرفناه وصادف أوانه تهيئتنا الذاتية له وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: ((قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137)هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140))).
أما التحول الأول فهو القيام بما أمرنا به من عمل وإعداد وتضحية على هدى وبصيرة، وعمل إصلاحي عميق من داخل الذات الفردية والجماعية وفق قوله سبحانه في سورة الرعد: ((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) )) .
وأما الثاني فهو ما يتعلق بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية والنفسية والفكرية التي تحدث في زمن ما فتجعل المرحلة مرحلة تغيير، حتى إذا ما صادف ذلك وجود فئة من الناس قد تهيأت لهذه التحولات وجعلت نفسها في المكان المناسب تكون مؤهلة لقيادة التغيير وتحقيق الإصلاح.
هكذا كان الحال دوما في تاريخ حركات الإصلاح الناجحة، وهكذا كان الحال في قصة الهجرة التي كانت ميعاد انتقال رسالة المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى مستوى الدولة التي وضعت أسس النهضة فالحضارة الإسلامية. لم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامة الدولة في مكة لأن موازين القوة لم تكن في صالحه رغم جدية الإعداد والتضحيات الجسيمة التي قدمها عليه الصلاة والسلام ومعه الطليعة الأولى من الصحابة رضوان الله عليهم. لقد كانت قوة الصد السياسية والاقتصادية التي واجهته ووحدة صف الصادّين الذين حاربوه ومن حالفهم وانقاد لهم في جزيرة العرب أكبر مما يتناسب مع إمكان التغيير الحاسم. غير أن رسول الله عزم على نقل المشروع إلى مكان آخر تتحمل أوضاعه بناء الدولة التي كان ينشدها إذ أدى الذي عليه من الإعداد البشري والمادي والاستشراف وتهيئة الأرضية بإرسال السفراء والدعاة إلى يثرب وكسب الأنصار وإقامة التحالفات، ومع كل ذلك ما كان له أن ينجح لو لا حدوث تحولات كبرى قبل هجرته غيرت التوازنات كلها في البلاد المقصودة. لقد تعددت أزمات يثرب قبل أن تنعم بالإسلام، وكانت الأزمة الكبرى والأخيرة التي فتحت المجال لترحيبها برسول الله صلى الله عليه سلم هو إفناء كبّار المدينة لبعضهم بعضا من أوس وخزرج ويهود. لقد كان يوم بعاث الذي تواجه فيه الخزرج مع حلفائهم أشجع وجهينة، والأوس مع حلفائهم بني ثعلبة وبني زاعوراء ومزينة وقبائل اليهود من بني قريظة وبني النضير يوم فناء زعماء يثرب إذ قُتل قادة الخزرج وعلى رأسهم “عمر بن النعمان”، وقُتل زعماء الأوس وعلى رأسهم “حضير الكتائب” فلم يبق من شيوخهم وعتاتهم سوى عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج الذي لم يكن موافقا على الحرب ولم يشارك فيها فحافظ على علاقته مع الجميع. ولما جنح الأوس والخزرج إلى السلم اتفقوا على أن يعيدوا بناء كيانهم التقليدي عازمين على جعل عبد الله بن أبي بن سلول ملكا عليهم جميعا. غير أن تلك الأحداث العظيمة وفناء حراس النظام القديم جعل القيادة الفعلية في أيادي الشباب فتحرر هؤلاء الشباب ووجدوا في رسالة الإسلام وجهة جديدة تخرجهم من أزماتهم وفتنهم وحروبهم ومن كيد اليهود وهيمنتهم على المال والأسواق فجاء بهم مصعب بن عمير إلى رسول الله فبايعوه وجاؤوا به إلى يثرب وقد تهيأت له، فدخلها بسلاسة وبنى فيها دولته. لم تكن حرب بعاث سوى تتويج لانحدار سحيق كانت تتجه إليه يثرب، إذ كان العرب في قتال مستمر بينهم وكان اليهود يُسعّرون تلك الحرب بلا هوادة عبر عقود من الزمن إلى درجة أنهم عارضوا قرار الأوس بعدم ملاحقة الخزرج حين انهزموا في بعاث إذ قال أحد الأوسيين: “يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب”. ولعل هذا التصرف البغيض المتمثل في استمرار بني النضير وبني قريظة في ملاحقة مقاتلي الخزرج وهم ينهزمون انتقاما منهم على ما وقع بينهم في النزاع على الأرض قبل بعاث تسبب في قطيعة نهائية أبدية بينهم وبين الأوس والخزرج على السواء، وذلك كذلك من تهيئة دخول يثرب عهدها الجديد. كما أن الهيمنة اليهودية على الأسواق وإثقالها سكان يثرب بالديون الربوية وسيطرتهم على الأراضي الخصبة والعلاقة المتميزة والمتينة بينهم وبين عبد الله بن أبي بن سلول المراد تتويجه لإعادة بناء النظام القديم الظالم الخاضع للهيمنة الاقتصادية اليهودية جعل الشباب الذين أضحوا طرفا أساسيا في موازين القوة يسارعون إلى اعتناق الفكرة الجديدة التي تدعو إلى التوحيد والأخلاق الفاضلة وبناء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي جديد يقوم على العدل والحرية والمساواة بين الناس، عربِهم وعجمِهم، فقيرِهم وغنيهم، أسيادِهم وموالِيهم.
لقد كان يوم الهجرة التقاء بين الإعداد الجاد والطويل الذي انتهجه أصحاب الرسالة الجديدة وتغيرات خارجية جوهرية لم يكونوا طرفا فيها جرّت النظام القديم في يثرب إلى الضعف والترهل بما لم يجعله قادرا على مواجهة القوة الصالحة الصاعدة. وهذا الذي وقع في يثرب وأدى إلى إقامة دولة الإسلام الأولى هو ما وقع في كل التحولات الكبرى أثناء انتقال الإسلام من المجتمع إلى الدولة، ومن الدولة إلى النهضة، ومن النهضة إلى الحضارة. لعل الكثير من الناس لم ينتبهوا إلى الأسباب التي جعلت الإسلام يقضي على الدولة الساسانية الفارسية في القرن الهجري الأول في عهد عمر الخطاب، والأسباب التي جعلتهم لم يستطيعوا إنهاء دولة الروم إلا في القرن التاسع الهجري في عهد محمد الفاتح العثماني. لم يكن فتح المدائن وبعدها معركة نهاوند وما سبقهما من انتصارات ضد الفرس في القادسية وأخواتها سببه قوة الفاتحين وصلاحهم وحسن إعدادهم فقط، لقد كان ذلك الطرف الأول في معادلة الفتح الذي استحقوا به النصر والتمكين، ولكن لو لا الطرف الثاني في المعادلة المتعلق بترهل الدولة المفتوحة وصراعاتها الداخلية وفساد حكمها وضعفها الاقتصادي رغم غناها وشساعتها لما نعمت تلك الربوع برحمة الإسلام. لقد قام المسلمون بواجبهم فلم يفرطوا في ركن من أركان الإعداد المؤهلة للتمكين فثبتوا على دينهم بعد وفاة نبيهم المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، وواجهوا حركة الردة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عبر حروب طاحنة لم يعرفها العرب من قبل ساهمت أساسا في بناء جيش إسلامي عصري له القدرة الكاملة على مواجهة الجيوش العظيمة للفرس والروم مستقبلا، ثم سعوا لبناء دولة جديدة عادلة وقوية في عهد عمر بن الخطاب برؤى فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية جديدة حتى أضحوا جاهزين لتوجيه رسالتهم للجوار الدولي عبر حركة الفتوحات التي حققوا فيها في ربع قرن من الزمن ما لم تفعله أية أمة من قبلهم. إن التحولات الكبرى التي كانت تحدث في داخل البلاد التي يقصدها المسلمون في تبليغ رسالتهم أثرت كثيرا في طبيعة الإنجاز من حيث السرعة والحسم. ولئن كان الإنجاز سريعا حاسما في اتجاه العاصمة الساسانية للأسباب التي ذكرناها، فإنه كان بطيئا وغير حاسم في اتجاه القسطنطينية العاصمة الرومية البيزنطية التي بدأت تُعقد بشأنها الألوية ـ تيمُّنا بالتبشير النبوي بفتحها ـ جيشا بعد جيش وقائدا بعد قائد منذ الخليفة معاوية بن أبي سفيان إلى أن فتحها محمد الثاني الذي وصل إليها بعد مسيرة طويلة من الفتوحات العثمانية وضمن ظروف دولية كانت فيها الدولة البيزنطية في أسوء حالها لم يبق لها من أقاليمها سوى مدينة القسطنطينية الحصينة وما حولها.
إن خلاصة هذا المقال التأملي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية هو أن دولاب التغيير في شأن الدول يخضع لسنن لا تتبدل تتعلق بالبيئة الخارجية التي يتحرك فيها المصلحون والتي لا يملكون فيها إلا أنفسهم وما يقومون به، وما هم إلا جزء بسيط في ذلك الدولاب العظيم الذي لا قبل لهم به. غير أنهم إن أدوا الذي عليهم فأعدوا أنفسهم أحسن الإعداد، في حدود ما يستطيعون، دون أن يكون مطلوبا منهم أن يصلوا إلى مستوى قوة الدول التي يريدون إصلاحها أو تغييرها فإن الدولاب العظيم ينصفهم إن وجدهم في المكان المناسب باستشرافهم وتضحياتهم وإنجازاتهم. وإن لم يصادف ما يقوم به جيل من أجيال المصلحين زمن التغيير فإن عملهم لن يذهب سدا إذ هو مسجل عند الله وفي التاريخ ضمن مسيرة التغيير التي يمكن استشراف زمن الحسم فيها ولكن لا يعرف أجلها على وجه الدقة سوى الله تعالى أعلم العالمين.
إن إشارات القرآن الداعية إلى القيام بالواجب دون تفريط، وبالقدر المستطاع، مع التسليم لله في ما يتعلق بأوان التوفيق والنصر والتمكين، ومع حسن الظن بالله بأنه لا يضيع أجر المحسنين كثيرة منها:
ـ قوله تعالى في سورة هود: ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.88)).
ـ وقوله سبحانه في سورة التوبة: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون.105)).
ـ وقوله جل جلاله في سورة يوسف: ((قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. 108)).
ـ وقوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ .60)).
ـ وقوله عز وجل في سورة آل عمران: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .26)).
ـ وقوله جل في علاه في سورة النور: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.55)).
ـ وقوله تبارك اسمه في سورة محمد: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ 7 )).
ـ وقوله سبحانه تعالى في سرة هود: ((وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117))).
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
د. عبد الرزاق مقري
الهجرة النبوية هي الحادثة التي غيرت التاريخ، هي اللحظة التي انتقل فيها المسلمون من مرحلة الصحوة إلى مرحلة النهضة، من مرحلة ترسخ فيها الإيمان في نفوس أتباع محمد عليه الصلاة والسلام فأصبح غير قابل للاستئصال مهما كان ظلم الكافرين وكيدهم ومكرهم، مهما كانت إغراءاتهم، ومهما كان اضطهادهم، ومهما كانت أحلافهم، مرحلة وجد فيها الإسلام مجتمعا مرحبا في يثرب، خالصا في مجمله للفكرة، فآن الأوان لبناء الدولة لتتحول الفكرة من صحوة إلى نهضة، من أحلام وآمال ونظريات إلى مشاريع ومؤسسات اقتصادية وثقافية واجتماعية.
كانت الهجرة هي إعلان بناء الدولة الإسلامية بعد أن توفرت لها الكتلة الحرجة من المؤمنين التي هجرت في داخل نفوسها من الشرك إلى الإيمان، ومن عبادة الذات وملذاتها إلى عبادة الله الواحد الأحد، من هجرة التوتر و الخوف من الغيب إلى السكينة و المتعة بالغيب، من الشعوذة وتسطيح العقول إلى إعمال الفكر والتأمل في الملكوت. كانت الهجرة هي الإيذان باكتمال بناء تلك الكتلة البشرية المهاجرة في داخلها، بالقدر الكافي كما ونوعا، لتهاجر في المكان وتطلق الهجرة عبر الزمن لتقود الفكرة الإسلامية الدول، تهاجر من دولة إلى دولة، كل دول تحقق نصيبها من نهضة المسلمين، إلى أن تراكم الأداء فتحول إلى حضارة إسلامية عالمية، أساسها الفكرة ومنتجها كرامة الإنسان وحريته، و ازدهار البشر وتطور علومهم وارتقاء حالهم، يساهم ويعتز بالانتماء لها كل من فيها، مسلم وغير مسلم.
وحين ضعفت الفكرة في النفوس، بدأت هجرتها المعاكسة، فكان السقوط الحضاري هو الأول، وبقيت الفكرة تقاوم في الدولة إلى أن سقطت الدولة نهائيا وحل محلها الاحتلال، ثم توارت الفكرة في المجتمع وضعفت في النفوس فعم الجهل والغفلة في الناس والاستلاب في النخب. وها هي الفكرة تعود من جديد، تبحث عن يثرب الجديدة لتهاجر إليها، بعد أن حققت صحوتها في المجتمع، وهي لا محالة مدركة بغيتها رغم الصعاب الشداد. ستستقر الفكرة في الدولة وسيضمن طول مكوثها فيها رأي عام متعلق بها. ستتداول الفكرة المهاجرة بالرأي العام على الأحزاب، وتتداول الأحزاب على الدول، تصنع كل دولة نهضتها، ومع مرور الزمن ستنبعث الحضارة الإسلامية من جديد فتمكث ما شاء الله لها أن تمكث، وقد تكون هجرة معاكسة أخرى، ثم هجرة جديدة نحو الفكرة، كما يشاء الله، وأينما شاء الله، ووقت ما شاء الله، وفق سنة التداول، إلى أن ينتهي كل شيء عند قيام الساعة.
سنة هجرية مباركة أعادها الله علينا وعلى وطننا وأمتنا باليمن والإيمان والخير والإنعام.
د. عبد الرزاق مقري
كل إنسان مؤمن يستفيد من القرآن وفق اختصاصه واهتماماته وحالاته الإيمانية والنفسية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لا شك أن الغالب في التعامل مع القرآن هي الحالات الشخصية، لأن أغلب ما في القرآن عقائد وإيمانيات وأخلاقيات تخاطب الإنسان كفرد لتشكل إيمانه وتثبت اعتقاده وتصلح أخلاقه وتُديم وتُجمّل عبادته، فإن كان المؤمن على هذا الحال من التأثر الشخصي بالقرآن ستكفي الآيات القليلة في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموجودة فيه لتجعل منه صانع نهضة وحضارة. لا غرو أن يُبْقِي الإنسان تفاعلاته الإيمانية مع القرآن لنفسه في الغالب، لأنها لا تهم الناس في الأصل، ولكن حين يتعلق الأمر بالقضية السياسة أو الاقتصادية أو الاجتماعية يشعر قارىء القرآن أحيانا بالحاحة إلى تبادل أفكاره في هذه المجالات مع الناس… لأنها تهم الناس.
آية كريمة استوقفتني في تراويح ليلة من الليالي السابقة أخذتني بعيدا في التأمل في قضية سبق لي أن تناولتها بالدراسة وهي علاقة السياسة بالدعوة. يقول الله تعالى: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين)) يوسفَ (103). خاطب الله تعالى نبيه الكريم الرحيم بالناس، الحريص على هدايتهم جميعا، بأن حرصك لن يجدي نفعا، وأنك مهما فعلت وبذلت سيكون أكثر الناس غير المؤمنين، وهذه الحقيقة ثابتة إلى يوم الدين أكدتها نصوص كثيرة منها الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار ؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين”، بل يؤكد سبحانه وتعالى لنبيه في نفس سياق الآية الأولى أن أكثر من يؤمن في إيمانه شرك، كحال العرب الذين آمنوا بالله وأقروا بوجوده ولكنهم عبدوا غيره وأشركوا به فاعتقدوا النفع والضر والعطاء والمنع عند غيره وفق قوله عز وجل: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)) يوسف (106)، وأغلب البشر هكذا، وكم هم كثير في المليار والنصف من المسلمين الذين يفسدون إيمانهم بأنواع كثيرة من الشرك والعياذ بالله، منها ما يفسد الإيمان ومنها ما يبطله. بل الأمر أدهى من هذا حين يخبر الله نبيه بأن كثيرا من هؤلاء لا يكتفون بشركهم لأنفسهم بل يودون وربما يناضلون لكي تشرك مثلهم، قال تعالى: (( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) الأنعام 116.
تبين هذه الآية بأن الدعوة إلى الله لن تدخل الناس كلهم في الدين مهما فعل الأنبياء، ولو كان سيدهم محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم الذي سيُباهي الأنبياء بعدد أفراد أمته يوم القيامة إذ سيكونون أكثر من بقي على التوحيد بين الديانات والملل والمعتقدات. ومهما اجتهد العلماء والدعاة من بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم لن يجعلوا إلا قليلا من الناس مهديين مستقيمين. غير أن هذه القلة المؤمنة المستقيمة التي تحافظ في كل عصر وعهد على التوحيد وعلاقة السماء بالأرض هي ملح الكون التي من أجلها يبقي الكون، وإذا اندثرت فلم يبق منها أحد قامت الساعة كما جاء في الحديث الصحيح (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)).
إن هذه الحقيقة النصية القطعية الساطعة تطرح مشكلا أساسيا في فهم نصوص أخرى تتحدث عن غلبة أهل الحق وانتصارهم على الباطل بل تتحدث عن ظهور الإسلام على غيره من الملل كما جاء في قوله تعالى قي سورة الفتح :(( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَق ِّلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) (28) وقوله تعالى في سورة التوبة :(( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون))َ (33)، وقوله سبحانه وتعالى: (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)) غافر 51، وقوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) النور (55)، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (1920) من حديث ثوبان، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”
إن الممارس الذي يعاني تناقضات الحياة وتعقيداتها، ويعيش طبيعة الصراع الدائم بين الحق والباطل، أفرادا ومجتمعات وأمما، فيغلب الحقُّ تارة ويُهزم تارة وفق سنة التداول التي ذكرها الله في كتابه بقوله: ((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين))َ (140)، لَيَتأكد لديه بأن هذه النصوص تتحدث عن عالمين مختلفين تبدو لغير المتأمل أنها متناقضة. فإذا ما أدرك ذلك عرف لماذا وكيف غلب حين يغلب ، وحين ينهزم لماذا وكيف انهزم، حتى يستقر المنهج في فكره وحياته متى وكيف ينتصر أو ينهزم في مقارعته للظلم وأهله.
إن الآيات الأولى تتحدث عن عالم الدعوة التي هدفها هداية الناس وإعلاء القيم، وهي من ناحية الأعداد والانتشار محدودة النتائج ولكن في مجال الأثر في الحياة كبيرة الأثر ، حيث أنها تفلح دائما في البقاء والنمو، وإذا تعرضت للصد والقمع لا يستطيع أحد استئصالها مهما بلغ من قوة ومهما كان مكره وعدوانه، ولن ينتهي وجودها من الأرض إلا بإرادة الله حين يبلغ موعد قيام الساعة فيقبض إليه آخر من بقي من المؤمنين فلا يفزعهم هول قيام الساعة كما في النصوص الصحيحة الواردة في الموضوع. وبالإضافة إلى دور الدعوة في هداية الخلق إلى التوحيد والاستقامة وعبادة الله سبحانه، فهي تساهم كذلك في نشر القيم العليا المشتركة بين الخلق وإعلائها بين الأمم، كافرهم ومسلمهم، ملتزمهم وعاصيهم، لحفظ توازن الحياة البشرية واستمرارها ضمن منهج إتمام مكارم الأخلاق المتأصلة في الفطرة البشرية مهما كانت معتقداتهم، كقيمة الصدق والكرم والحلم والشجاعة والنجدة والعدالة وغيرها مما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن عن أبي هريرة: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وأما الآيات الثانية، فإن المقصود بها عالم السياسة، الذي يُطلب فيه من المؤمنين والمصلحين أن يكونوا قادة للناس لتحقيق مصالح الخلق، وحمايتهم من شرور أنفسهم وشرور بعضهم بعضا، وأن تكون راية الإسلام عالية وحكمه ماض وعدله جار في المسلمين وغير المسلمين، وفي الملتزمين من المسلمين وغير الملتزمين، ومن شاء من الناس في حكم الإسلام أن يؤمن فليؤمن ومن شاء فليكفر فليكفر، ولا يُكره أحد في دينه ومعتقداته، ولا يطلب من الناس طاعة إلا بقدر بسط العدل بينهم، وتحقيق مصالحهم التي هي واجبات الدولة، وبقدر توفر الحرية بما يجعلهم قادرين على اختيار الحاكم وعزله واختيار القوانين التي يذعنون لها ويلتزمون بها بقناعة وحب، ومن خالفها تحق عقوبته بعدل الدولة وبإنكار المجتمع ذي الضمير والخلق القويم.
لا شك أن إقامة حكم بهذا النوع لا يكون بالمتدينبن فقط، سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الأمة أو على مستوى العالم، إذ هم في كل الأحوال قلة بين الناس، ولكن يكون الحكم وإدارة الدولة بهم وبغيرهم، ولذلك تشكيل القوة للوصول إلى التمكين والنفوذ لا يكون على أساس علاقات دعوية، بل على قواعد سياسية تدور حول المصلحة، سواء المصلحة العامة التي قد تكون مساحة الاهتمام المشترك لتشكيل الأحزاب والمنظمات والأحلاف ومراكز التأثير، وقد تكون المصالح الخاصة الشرعية التي تشكل مواطن الجذب لتركز القوة في بؤرة واحدة يتحقق فيها الطموح الشخصي المادي أو المعنوي. والعبقرية كلها في دائرة السياسة بالنسبة للمتدينين المصلحين المشتغلين في هذه الدائرة السياسية أن يكون لهم برنامج وخطاب وسلوك ومشاريع وعلاقات تحقق هذا، فإن تمكنوا لن يستمروا في الحكم بإكراه الناس على فكرهم وبرنامجهم ولكن بمدى مصداقيتهم وهم في الحكم وبمدى تحقيق برامجهم وأفكارهم لمصالح الناس المادية والمعنوية. وبخصوص برنامجهم فهو برنامج للمواطنين جميعا وليس للمتدينين فقط، من حقهم أن يضعوا فيه فكرهم الإسلامي وبدائلهم التي يستلهمونها من الكتاب والسنة، ومن حقهم، بل واجبهم، أن يعتقدوا بأن برنامجهم هو الأصلح للبلاد والعباد، ولكن لا يتوقعون أن الناس يختارونه لأنه يمثل الدين، أو لأنهم يتكلمون باسم الدين. لا شك أن ثمة من المسلمين من يميل لهذا البرنامج لأنه يمثل لهم انسجاما نفسيا وربما فكريا مع معتقداتهم، ولكن ليس هذا الذي يجعل عمومهم يجزمون بدعمه واختياره ومناصرته والدفاع عنه. ما يجعلهم يفعلون ذلك هو مدى تحقق مصالحهم فيه، وهناك خلق كثير من غير المسلمين وغير الملتزمين لا يختارونه إلا لهذا، أي من أجل مصالحهم.
ومن هنا تنهار كلية القاعدة المطلقة والطريق الحتمي الوحيد للتغيير الإسلامي، الذي شاع عقودا طويلة في القرن الماضي بين الإسلاميين، المسمى “التغيير من الأسفل” ، أي أنه لا يمكن وفق هذه النظرة إقامة الحكم الإسلامي إلا بعد إنشاء قاعدة تربوية واسعة. لقد أكدت التجربة العصرية في مصر وتركيا ما أكدته تجارب التاريخ من قبل في قيام الدولة الأموية وتجربة عمر بن عبد العزيز. لقد عجزت القاعدة الإسلامية التربوية قي مصر على تحقيق التمكين حين عجز قادة هذه القاعدة التربوية العريضة عن استعمال القواعد السياسية للتغيير، رغم الفرصة العظيمة التي أتيحت على إثر الربيع العربي. و في نفس الوقت نجحت الدعوة في بناء نخبة قليلة استطاعت أن تتمكن وأن تصنع التغيير في تركيا وفي الأمة حين عملت بأخلاق الدعوة ولكن بقواعد العمل السياسي الذي يدور حول المصلحة العامة والمصالح الشخصية المشروعة، في محيط شعبي ورسمي علماني أكثره غير ملتزم باشتراطات الدعوة. وعلى مستوى التجارب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإسلامي يمكن أن نتحدث عن تجربة الأمويين الذين قدروا على فرض أنفسهم في الدولة بقواعد الصراع السياسي ضمن مجتمع أسياده صحابة رضي الله عنهم وتابعون رحمهم الله، ثم ثمة تجربة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – على نقيض ذلك – الذي استطاع أن يصل إلى الحكم ويصلح من فوق في بيئة حكم فرضها بالسيف الحجاج بن يوسف.
فالعلاقة إذن بين الدعوة والسياسة علاقة تأثير متبادل وفق سنن اجتماعية وفرص يصنعها حراك البشر وفق مقادير يقدرها ويؤقتها الله يسخر لها من لهم أهلية وكفاءة في اهتبال الفرصة وإدارة الصراع وصناعة التأثير، وقد تفلح الدعوة في إعداد بيئة مجتمعية تصلح الحكم، وقد يفلح الحكم في إعداد بيئة سياسية تصلح المجتمع.
وفي الأخير فإن القاعدة الذهبية التي يجب أن نحفطها كنتيجة لهذه الجولة الفكرية الرمضانية هو أن المصلحين لا يستطيعون تغيير الأوضاع الوطنية والدولية المنحرفة بعدد الصالحين ولا بقوتهم الذاتية فحسب، فهم مهما كانت قوتهم وتضحياتهم، أضعف بكثير من القوى المتسلطة وطنيا وإقليميا ودوليا، يؤكد ذلك التاريخ والنصوص، وإنما ينجحون في ذلك إذا أحسنوا الأداء ووضعوا أنفسهم في المكان المناسب. إن هم فعلوا ذلك ستدركهم السنن الاجتماعية إذا تحركت فتحملهم إلى موقع القيادة والريادة فيكون انتصارهم بالسنن الاجتماعية، بحسن الإعداد وإدارة الصراع والقدرة على الاستفادة من قوى التأثير الأخرى … ولنا أن نتأمل كم مرة تحركت السنن الاجتماعية فكان الصالحون غير جاهزين لاغنتامها، لعجزهم وقلة كفاءتهم أو ربما لأنهم اعتقدوا بأن الله سيوفقهم لأنهم صالحون فحسب !
د. عبد الرزاق مقري
تمر فرنسا بأزمة اقتصادية كبيرة ضمن أزمة الرأسمالية العالمية التي تجلت بوضوح منذ هزة 20088 بسبب جشع المؤسسات و اللوبيات المالية الربوية الاحتكارية الفاسدة التي سيطرت على اليمين واليسار السياسيين التقليديين فجعلتهما خادمين لسياسة واحدة رأسمالية جشعة تسيطر عليها أقليات نافذة في مؤسسات الدول الغربية. أدت هذه الأزمة في فرنسا إلى تطورات كبيرة على مستوى الأحزاب اليمينية التي نمت فيها تيارات هوياتية مسيحية متطرفة معادية للأقليات ومنكفئة على ذاتها، وعلى مستوى الأحزاب اليسارية التي نمت فيها تيارات علمانية متشددة رافضة للعولمة وهيمنة المؤسسات المالية.
مثل هذه التطورات في أقصى اليمين Marine Le Pen وفي أقصى اليسار J-L Melenchonn، ونجح Francois fillon المتشدد يمينا هزيمة allain juppé المعتدل في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري ، كما نجح Benoît Hamon الأكثر تشددا يسارا هزيمة Valls الأكثر اقترابا لوسط اليمين في الحزب الاشتراكي.
كانت المؤسسات و اللوبيات المالية على علم بحالة السخط وعدم الرضا لدى المجتمع الفرنسي بسبب الأزمة الاقتصادية وآثارها الاجتماعية، وكانت تلاحظ بدقة التطورات الجارية على مستوى الأحزاب التي تتداول عادة على السلطة، وكانت تتوقع أن الأمر يمكن أن يؤدي في الانتخابات إلى خيارات في الدور الثاني أو من الدور الأول كلها سيئة أو على الأقل مضعفة لنفوذ المؤسسات واللوبيات المالية. ولمواجهة هذه التحولات اعدت بديلها بنفسها فكان Emanuel Macron هو خيارها . ولأن إعداد البديل من طرف القوى الخفية، أو ما يسمى بالدولة العميقة، يبدأ – عادة – بالتحكم في بلاط أصحاب القرار وفي قضايا المال والاقتصاد دفع Emanuel Macron مبكرا ليكون مديرا لديوان رئيس الجمهورية Hollande ثم وزيرا للاقتصاد.
وأثناء إعداد البديل كان لا بد من التخلص من المنافسين الأقوياء الذين تنتجهم الأحزاب التقليدية والتي ضعفت فلم تصبح نافعة كما لم يصبح متحكما فيها. لم يكن المنافس الخطر هي Marine Le Pen، لأنها في كل الأحوال ستسقط في الدور الثاني مع أي مرشح، بل ربما تؤدي دورا إيجابيا كفزاعة لتمرير خطط المؤسسات المالية. كان الهدف الأول الذي يجب إسقاطه هو Francois fillon الذي يميل إلى اللوبي المسيحي الكاثوليكي الذي يحمل في أعماقه العداء للأقليات ومنها الأقلية اليهودية النافذة، فتكفلت به التسريبات الممنهجة عن قصص فساد قديمة ضخمتها المؤسسات الإعلامية التي تسيطر عليها اللوبيات المالية. أما عن اليسار الذي كان دائما هو حصن الأقليات اليهودية والبروتستنتية واللادينيبن منذ الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر إلى أن أصبح كذلك بالنسبة للعرب والمهاجرين في الثمانينيات ضمن نهج لائكي متشدد لم يعد قادرا على حمل مصالح المؤسسات المالية بسبب حالة الضعف الشديدة في عهد Hollande الذي ذهب وشريكه المتصهين Valls بعيدا نحو اليمين وبسبب عودة تيار يساري غاضب داخله مثله Benoît Hamon في الانتخابات الرئاسية. لم يكن القضاء على هذا الهدف الثاني صعبا. ما لم تصبح مؤسسة الحزب الاشتراكي تفعله ستفعله القوى التقليدية التي كانت نافذة فيه، ولكن من خارج الحزب، وكان “الجوكر” لهذه الخطة هو Emanuel Macron، ابن الحزب الاشتراكي المتجه يمينا نحو ما تريده المؤسسات المالية وتمثلت الخطة في ما يلي:
– دعم المؤسسات المالية والشركات الكبرى ل Macron من حيث التمويل.
– التلميع الإعلامي مع التركيز على الصورة الشخصية المتمثلة في خصائص الشباب والوسامة والتدريب المركز على الخطابة ولغة الجسد.
– كسب جزء كبير من اليمين من خلال البرنامج الليبرالي الواضح المعالم.
– كسب الأقليات الخائفة، خصوصا المسلمة والافريقية، بالتركيز الشديد على الاعتراف بالتنوع والهويات ضمن الجمهورية الفرنسية الواحدة، علما بأن هذه الأقليات كانت تلجأ للحزب الاشتراكي ليس بسبب خطابه اللاعنصري فقط، ولكن بسبب سياساته الاجتماعية كذلك التي لا يحملها Macron.
– تفريغ الحزب الاشتراكي من محتواه البشري وتوجيه الأغلبية الساحقة من قياداته نحو Macronn، خصوصا الوجوه المهمة الفاقعة، وأكثرها معروف بتوجهاته الصهيونية وانتمائه للماسونية.
– كانت الأمور بهذه الترتيبات سهلة ميسورة وكان مرور مرشح المؤسسات المالية للدور الثاني مضمونا ليفرش له البساط الأحمر نحو قصر الإليزيه. غير أن طارئا كبيرا وقع لم يكن في الحسبان وهو الصعود القوي لJ-L Melenchon، وقد تسبب في صعوده أمران:
حالة الغضب لدى جزء مهم من الناخبين الذين يصوتون على اليسار عادة و الذين يئسوا من الحزب الاشتراكي إلى درجة أن محاولة التصحيح التي قام بها Hamon لم تجد نفعا فاتجهوا نحو من مثل لهم اليسار حقا.
– التطور الكبير الذي قام به J-L Melenchonn لتحسين صورته من حيث السلوك والخطاب والمظهر، إذ استطاع أن يعالج الصورة النمطية التي ألصقها به الإعلام وهو يسير نحو فرض نفسه وأفكاره ومعاركه الشديدة في انتخابات عديدة سابقة.
– دخوله في مساحة مهمة من الشرائح التي كسبتها Marine Le Penn في السنوات الأخيرة المتمثلة في العمال والرافضين للهيمنة الأوربية والمؤسسات المالية ولكن باعتدال ودون عنصرية.
حين صعد J-L Melenchonn في سبور الآراء ومن خلال تجمعاته الانتخابية الكبيرة أصبح يمثل توترا كبيرا لدى المؤسسات المالية ولدى التيار اليميني، والتيار الصهيوني بشكل خاص إلى درجة أن كبير الصهاينة في فرنسا Bernard-Henri Lévy قال: “لو صعد Melenchon الدور الثاني سأغادر فرنسا”. إن هذا التصريح منطقي عبر عن خوف حقيقي من سيناريو دور ثاني ” Marine Le Pen J-L Melenchon” يكون كارثيا على المعادلات السياسية والمالية التقليدية التي تجد فيها اللوبيات الصهيونية راحة كبيرة ونفوذا لا حد له. لهذه الأسباب أصبح J-L Melenchon هدفا ثالثا لا بد من الإطاحة به فلا يمر إلى الدور الثاني وكانت الوسائل التي استعملت ضده ما يلي:
– محاولة استيعاب المتعاطفين معه في وسائل الأعلام وتصريحات السياسيين بالاعتراف بأدائه الجيد في الحملة الانتخابية ولكن بالتخويف – الشديد من برنامجه الاقتصادي اليساري ووصفه بأنه كارثي على فرنسا لو طبق مع التذكير المستمر بالويلات التي جرتها الشيوعية على البلدان التي طبقت فيها، بالرغم من المجهودات الكبيرة التي بذلها Melenchon ليبعد نفسه عن “اللون الأحمر”.
– التفات الإعلام بشكل غير مسبوق لمن يعرفون ب” المترشحين الصغار” وتسليط الضوء عليهم علما بأن أغلبهم من التيار اليساري المتطرف ومن التروتسكيين الذين يأكلون بالضرورة من وعاء Melenchon.
– استغلال حالة الرعب السائدة بسبب الإرهاب الذي يتهم به المسلمون في أجواء الحملة لضرب أطروحة “اللا إسلاموفوبية” التي يتميز بها Melenchon . وخلافا لما يعتقده الكثير: إن الذي استفاد من العملية الإرهابية في باريس ثلاثة أيام قبل الانتخابات هو Macron وليس Marine Le Pen. لأن هذه الأخيرة صاعدة للدور الثاني في كل الأحوال،وأما Macron فإنه لا يصعد إلا إذا تخلف fillon الذي يصب رد فعل الناخبين على العملية الإرهابية للأكثر تطرفا وهي Marine Le Pen، وإذا تخلف كذلك Melenchon الذي يخسر أصواتا كثيرة جراء العملية الإرهابية من أولئك الخائفين من الإرهاب بسبب رفضه تجريم المسلمين.
– إذن سيكون Macronn رئيسا للجمهورية الفرنسية وفق كل التوقعات، وسينجح المخطط الرهيب الذي أدارته المؤسسات المالية الرأسمالية واللوبيات الصهيونية التي في عمقها، ولكن فرنسا لن تنجح، فالنظام السياسي والنمط الاقتصادي الذي يشتغل لصالح الأقليات “المرفحة ” على حساب أغلبية المواطنين هي التي ستستمر، وسيكون حكم Macron هو حكم المؤسسات المالية وليس حكمه، سيكمل مهمة Sarközy ومن بعده Hollande مع بعض الترقيعات التي لن تجدي نفعا ، وسيكون جهدهم الكبير هو أن يحلوا مشاكلهم، ضمن الذهنية الاستعمارية، على ظهر الشعوب المستضعفة والغافلة في أفريقيا الشمالية وغربها بالاعتماد على حكام، إما عملاء بالأصالة، أو جرتهم طموحاتهم السلطوية للعمالة رغما عن شعوبهم. وهذا هو السياق الذي يجب أن نفهم فيه زيارة Macron المرشح للجزائر، هو عمل استباقي ضمن خطة توليته ثم دعمه بعد أن يكون رئيسا. غير أن ثمة زاوية أخرى يجب أن ننظر منها ، وهو أن هذه الانتخابات أخرجت الشعب الفرنسي ممزقا بنتائج انتخابية حادة ومتقاربة جدا، ويعد عدم دعوة Melenchon للتصويت لصالح Macron في الدور الثاني من أكبر المؤشرات السلبية في تفاعلات الخطة، وحتى إن استفاد Macron من نسبة عالية من التصويت في الدور الثاني في سياق التصويت العقابي ضد Marine Le Pen فإن ذلك لن يحفظ المجتمع الفرنسي من التمزق والتوتر لأن المشكلة مرتبطة بالاقتصاد ولن يستطيع Macron حل هذه المشكلة بل سيفاقمها، وستكون التيارات المتشددة في كل الاتجاهات أكثر تشددا وسيعمل الجميع على أن ندفع نحن فواتيرهم، لذلك الحذر الحذر من الذهنية الاستعمارية بشقيها الناعم والفظ، ولن يقدر على المحافظة على سيادة الجزائر وخيراتها ومواردها ومصالحها ضمن هذا الوضع الإقليمي الصعب إلا الأحزاب والشخصيات الوطنية الصادقة، وعلى هؤلاء أن يعرفوا بعضهم وأن يكونوا جميعا: معا لجزائر الهناء والنماء.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com