المقالات

أهدي هذا المقال إلى قادة الأحزاب والصحفيين والباحثين في علم الاجتماع والعلوم السياسية … وإلى رجال الاستخبارات.

ـــــــــــــــ

الأسباب الداخلية لعدم النجاح:

  1. الوحدة والانسجام الداخلي: لقد أدى إغلاق الأفق السياسي بسبب التزوير الانتخابي المزمن إلى تقليص فرص الطموحات الشخصية المشروعة وإمكانية تحقيقها من خلال النضال والتضحية بواسطة الحزب السياسي. أصبح المتاح قليلا لا يتعدى بضعة نواب وعدد محدود من رؤساء البلديات ولا يمكن الوصول إلى مناصب الوزارات وما يلحقها من مواقع إدارية مركزية ومحلية إلا بموالاة الحاكم المتغلب والدخول تحت عباءته، كما لم يصبح ممكنا تحقيق الطموح المعنوي المتعلق بخدمة الوطن بواسطة البرامج والأفكار بسبب استحالة التداول أو بناء تحالفات وشراكات على أساس البرامج.

 لقد أدى الانغلاق التام للأفق إلى تلاشي أو ضعف الإيمان بجدوى الاعتماد على الصندوق من أجل التغيير وتحقيق الطموحات كما هو العالم الديموقراطي، فاتجه إطارات الأحزاب ومناضلوها مذاهب شتى حيال هذا الواقع. منهم من اعتزل السياسة، ومنهم من أنكفأ على ذاته، ومنهم من أصبح أو بقي نوستالجيا ينتظر من الحزب أن يؤدي كل الأدوار إلا السياسة ( التربية، الدعوة، العمل الاجتماعي، التدريب …)، ومنهم من بقي ثابتا على الجهاد السياسي يؤمن بأنه لا إصلاح في الوطن إلا بإصلاح الحكم، وظهرت فئة طفيلية انتهازية تعتبر الحزب وسيلة لتحقيق المصلحة الشخصية ببذل جهد استثنائي للوصول أو البقاء في مراكز القرار في الحزب لكي تستأثر بالقليل المتاح ولكي تكون هي ممثلة الحزب لدى السلطة لتسهل عليها المقايضة، منهم من يسعى لذلك محليا ومنهم من يسعى له مركزيا حسب الموقع التنظيمي المتاح، والذين يسعون لذلك مركزيا أخطر الأصناف لأنهم يستهدفون مغانم أكبر على مستوى الوزارات والمسؤوليات السامية فيصبح الثمن الذي يقدمونه لمن بيده الوزارة والإدارة هو تسليم سيادة أحزابهم وتحولهم إلى بيادق في رقعة الملك المتغلب. وخطورة هؤلاء تكون أكبر حين يقل في الأحزاب أصحاب المبادئ الذين يبقون على قناعتهم بأنه لا مجال لإصلاح الأوطان إلا بالمقاومة السياسية والكفاح من أجل الحريات وتسخير أحزابهم لهذا المقصد الشريف.

إن كل هذه الأوضاع الداخلية المرتبطة مباشرة بالتزوير الانتخابي المزمن جعلت الأحزاب تضعف وتقل النضالية فيها، وأخطر ما فيها الصراع الداخلي بين أصحاب الطموحات الشخصية فيما بينهم، وهي الأخطر، وبين هؤلاء و بين الثابتين على المبادئ. وقد أدت هذه الصراعات إلى انشقاقات كثيرة وسط الأحزاب الجزائرية أو نزاعات مستدامة. وفي أحسن الأحوال حين نحسن الظن بين المتنازعين نقول أنهم يتنازعون على كيفية المحافظة على الحزب بين من يرى بأن ذلك يكون بمهادنة النظام السياسي ومطاوعته والتحالف معه، وبين من يرى بأن التوقف عن مقاومة النظام السياسي هو خراب الحزب والدولة والوطن معا.

كل هذه الأحوال التي لا سبب لها إلا انغلاق الأفق السياسي جراء التزوير المستدام أصاب حركة مجتمع السلم وأخذت نصيبها منه. وقد كانت أبرز تلك الأحوال الصراعات والانشقاقات الكبرى التي عرفتها منذ المؤتمر الثالث وخاصة الرابع، والتي ضاع فيها كثير من سمعتها وفاعليتها وأخذت وقتا كبيرا لمعالجة شأنها إلى أن تحققت الوثبة التجديدية ضمن المؤتمر الخامس ” حركة تتجدد وطن ينهض” التي كان من أهمها مشروع الوحدة الذي حقق هدفه الأول مع جبهة التغيير التي صارت جزء من الحركة بنجاح كامل ورئيسها هو رئيس حركة مجتمع السلم وكأننا لم نفترق من قبل بفضل الله تعالى في انتظار استكمال جمع شتات الإسلاميين في الفترات المقبلة بحول الله. 

غير أن السير نحو الوحدة لم يحل مشكل الانسجام بين القيادات على مختلف توجهاتهم التي ذكرناها أعلاه، فلا تزال الصراعات على القوائم تؤثر على الصف محليا رغم تراجعها الكبير بسبب تنامي وجود وتأثير أصحاب المبادئ في القيادات المحلية، ولا تزال الخلافات بين القيادات مركزيا تؤثر على الصف وصورة الحركة في الرأي العام. ومن آثار الانشقاقات بروز ظاهرة جديدة، وجه منها إيجابي ووجه منها سلبي. أما الإيجابي فهو تطور قدرات الحركة على استيعاب الآراء المختلفة وتعايش القيادات متناقضة الهوى والفكر والمقاربات، ساعد على تحققه فوبيا الانشقاقات لدى الجميع خصوصا القيادات الوسطى التي تحملت العبء الأكبر في المحافظة على بنيان الحركة في زمن الفرقة والافتراق.

 لا شك أن الوجه الإيجابي يلغي إلى حد كبير اتهامنا الذي لازمنا من طرف من يحبنا ومن يخاصمنا بأننا نتصارع من أجل المصالح، وقد يحقق سكينة داخلية وشعورا بالأمان من آلام التشتت والخلافات. غير أن وجهه السلبي مدمر لكل فرص النمو في المجتمع، ذلك أن تناقض القادة في الخطاب السياسي يوجه رسائل متصارعة للناخبين يلغي بعضها البعض، فتكون النتيجة أن تصبح الحركة بلا هوية سياسية. إن العيب في هذا الخلاف يتحمله القادة وحدهم بسبب تعسفهم في الاعتماد على خوف قواعد الحركة من الانشقاق وتفضيلهم بقاء الجميع معا ولو متناقضين في الخطاب بدل الافتراق والانشقاق. إن هذا التعسف مخالف للمروءة والرجولة وفاقد للرحمة من قبل القادة، و هو كذلك ينبئ عن غياب للرؤية والرغبة في النمو السياسي من قبل كثير من قواعد الحركة وقادتها المحليين.

 لقد تجسدت هذه الظاهرة بشكل جلي في الانتخابات المحلية الأخيرة وقبلها، إذ رأى الناس حركة واحدة بخطاب مشتت يمثل ثلاثة توجهات غير متجانسة: خطاب المعارضة الذي تبنته الحركة بعد مؤتمرها الخامس، وخطاب موالاة السلطة والمبالغة في إطراء رموزها الذي اتخذ مجلس الشورى الوطني قرارا حاسما لمنعه قبل الوحدة ولكنه استغول بعدها لغياب المؤسسات القوية القادرة على تحمل مسؤوليتها في ضبط الخطاب، وخطاب “رجل في السلطة ورجل في المعارضة” الذي رجعت به الوحدة  بعدما اعتمد في الحركة في وقت مضى قبل أن تطلّقه الحركة منذ زمن طويل للمصائب التي تسبب فيها من قبل.

إن مخاطر هذا التناقض يكمن في أن الحركة تعجز عن التوسع خارج إطارها التنظيمي القابل لهذه التناقضات . فلا الراغبون في إلحاق الحركة بالسلطة يُقبلون على الحركة بسبب وجود القادة المتمسكين بالمعارضة ، ولا الذين يرغبون في أن تكون الحركة في صف المقاومة السياسية يأتون لعدم ثقتهم في توجه الحركة للمعارضة بسبب وجود قادة يمدحون رموز السلطة ليل نهار، ولا المعارضون ولا الموالون يقبلون نصف الطريق بينهما. لقد أثبتت الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرتين أن مكافحة التزوير ممكنة إذا التف حول قوائمنا تيارات شعبية تنتخب بكثافة وتقف في وجه المزورين بصرامة، غير أن تعميم النجاحات التي تحققت في بعض البلديات والولايات على هذا المنوال لا يمكن تعميمها دون صناعة رمزية وطنية للحركة تزيد قوة القوائم المحلية قوة شعبية مرتبطة بالحزب ورموزه أكثر من ارتباطها بالمرشحين. لقد أوشكت الحركة أن تصنع هذه الرمزية من خلال نضال أكثر من ثلاث سنوات ونصف في إطار معارضة وطنية علمية واضحة وصارمة، غير أن كثرة التشويش على هذا الخط وغياب قوة الخطاب المعارض المغطّي على التشويش في فترة المرحلة الانتقالية ألغى ذلك الوهج وأدخل الشك لدى الناخبين المترددين غير المنتمين انتماء نهائيا لتيار المقاطعة فحرمنا من دعمهم.

إن الأمر لا يتعلق بإدانة هذا الخط أو ذاك، أو تجريم أو تخوين أو تخطئة أي من أصحابه، وإنما الأمر يتعلق بالمسؤولية. على أي حزب أن يتحمل مسؤوليته في الخط السياسي الذي يختاره وأن يخاطب الناخبين برسائل واضحة غير مترددة وغير مشوشة ليعين الناس على فهمه وتحديد موقفهم منه والفصل في اختيارهم الانتخابي. إن هذه الفكرة السياسية الأصيلة لا تتعارض مع حرية الرأي ووجود تيارات فكرية مهيكلة داخل الحزب الواحد . لأن حرية الفكر والرأي هي في طرائق و آليات المعارضة إذا كان الحزب في المعارضة، وآليات وطرائق الحكم إذا كان الحزب في الحكم. وحالات التناقض التام داخل الأحزاب التي أدت في بعض الدول الديموقراطية إلى اختلاف نواب الحزب الواحد وتصويتهم المتناقض داخل البرلمان تسمى أزمات. وهي أزمات طارئة ومؤقتة سرعان ما تعالج إذا كان الحزب مستقرا، فإذا طالت يعتبر الحزب مأزوما وإذا تهيكل الخلاف المتناقض واستدام يحصل الانشقاق والضعف والتراجع والتلاشي. 

فالحركة بهذا الوضع الذي قبله المناضلون مكرهين خوفا من الانشقاق سيؤدي إلى الانشقاق لا محالة، فالمناضلون لا يعرفون ما في رؤوس القادة، وهل بقاؤهم في الحزب حينما لا يكونون في الرئاسة تربص وتكتيك مرتبط بظرف ووقت ما أم لا. كل التجارب الحزبية في العالم تبين بأن الاختلافات الجوهرية المهيكلة بين القادة تؤدي إلى الانشقاقات طال الزمن أو قصر. وكل التجارب تقول بأن استدامة الاختلافات الجوهرية وظهورها للرأي العام أكثر سوء بكثير من الافتراق ليأخذ كل وجهته. ذلك أن الاختلافات الجوهرية إما تكون على أسس مبدئية فلا تنفع معها الديموقراطية، أو لأسباب مصلحية شخصية لا تستوعبها المؤسسات الديموقراطية.

إن زمن ظهور هذه الحقائق لن يطول مداها في الحركة إذ ستتجلى على حقيقتها في المؤتمر السادس في منتصف السنة المقبلة، فيبين أمرها هل هي جوهرية أم لا ؟ سواء من حيث البعد المبدئي أو البعد المصلحي، والمنافسة ستكون بين توجهين اثنين هما الموالاة أو المعارضة أو بالأحرى: المشاركة على المنوال السابق بلا اعتبار للانتخابات ولا البرامج وبلا شرط سوى الظفر بوزارات يتيمة لا أثر لها في عملية إصلاح الوطن، أو لا مشاركة في الحكومة إلا بعد انتخابات نزيهة وعلى توافق وبرامج خادمة للبلد. وسيكون تيار “رجل في السلطة ورجل في المعارضة” على رأي واحد مع تيار الموالاة أثناء لحظة الحسم لاتخاذ القرار. فالمنافسة في النهاية هي بين التوجهين الموصوفين، وسيمتد هذا الخلاف إلى بعده المبدئي: تيار يريد الانخراط في السلطة ويقبل بالريادة الأبدية لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي، تصريحا أو بلسان الحال، على أن تكون منافسته السياسية تحت رعاية السلطة على المدارات مع تاج والحركة الشعبية وجبهة المستقبل والجبهة الوطنية الجزائرية وربما حزب العمال وجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية وحزب طلائع الحريات، تماما كما خططت له المخابر وفق ما وصفناه في المقال السابق، وتيار آخر يصر على مواصلة منافسة جبهة التحرير والتجمع الوطني الديموقراطي ضمن مقاومته للسلطة لتغيير موازين القوة في يوم ما، طال الزمن أو قصر، والراجح أن هذا الزمن لن يطول كثيرا كما سنبينه في مقال لاحق ضمن هذه السلسلة.

إذا أرادت حركة مجتمع السلم أن تحل مشكلة استعصاء توسيع وعائها الانتخابي وتجنيد قواها السياسية النائمة التي يعد أفرادها بمئات الآلاف من المتعاطفين الذين بقوا على حالهم يحبونها ويسندونها في مختلف مناشطها إلا الانتخابات (التي يأّسهم فيها التزوير المستدام) عليها أن تخرج من التردد في المؤتمر المقبل، بكل ديموقراطية وبعيدا عن النزاعات والصراعات. والرؤية التي تفوز تقود بكل سيادة وتُمكّنُ من حماية نفسها من التشويش، والرؤية التي لا تفوز إما أن ينخرط أصحابها في الرؤية الفائزة إذا أمكنهم ذلك كما هو حال أغلب مناضلي وقيادات الحركة في فترات طويلة سابقة، أو تلتزم عدم التشويش في وسائل الإعلام وتواصل الكفاح من أجل رؤيتها داخل المؤسسات الشورية والرقابية والفكرية، وإن فضلت المغادرة بلا مشاريع لتشتيت الصف من جديد فذلك حقها. ولا حرج أن تختار الحركة هذا التوجه أو ذاك، والكل يتحمل مسؤوليته، وإنما المرفوض هو التردد ومخاطبة الغير برسائل متناقضة تجعلنا في حالة تيه أمام الرأي العام وأمام المسؤولين، تماما كما وصفنا أحمد أويحيى، ذلك المسؤول الذي ليس له الحق أن يتهمنا بذلك، لا لشيء إلا أنه في تيه أخطر وأعظم وأجل من تيهنا وهو تيه وطن بكامله.

…. يتبع.

عبد الرزاق مقري.

في حقيقة الأمر هذا السؤال خاطئ، والسؤال الأجدر بالطرح هو: كيف استطاع الإسلاميون البقاء؟ ليأتي السؤال الذي بعده: هل للإسلاميين مستقبل في الجزائر ( وفي العالم بأسره).
اطلعت في يوم الانتخاب على مقال أحزنني في جريدة مرموقة من صحفي لنا أفضال عليه فكتبت يومها هذا المنشور : ” لهذا يصعب الإصلاح في الجزائر:
قرأت هذا اليوم مقالا لصحفي معروف في جريدة مرموقة يتحدث عن كرونولوجيا الانتخابات في الجزائر. لا أفهم لماذا يحاول هذا الصحفي إخفاء الحقائق التي في صالح حركة مجتمع السلم بالرغم من أنها تاريخية لا تقبل التغيير والتبديل ولا يضرها محاولته إخفاءها. قد لا نجد كيف نكشف تحيزه ضد الحركة بإغفاله النجاح الكبير الذي حققه الشيخ محفوظ نحناح في الانتخابات الرئاسية سنة 1995. ولكن لا أفهم كيف تحدث عن الأحزاب التي أخذت المرتبة الثانية والثالثة في 91-92 وفي انتخابات 2002, ولم يذكر من هو الحزب الذي كان في المرتبة الثانية سنة 1997 أي حركة مجتمع السلم. كما لم يكمل شهادة بشير فريك الذي شهد بأن التزوير طال حركة مجتمع السلم أكثر من غيرها وأعطى تفاصيل عن الولاية التي كان فيها واليا وهي وهران وكيف أن حركة مجتمع السلم أخذت 12 مقعدا من 14 فلم يبقوا لها سوى خمسة. ولا نصدق لو قال لنا بأنه سهو غير متعمد، بدليل أنه ذكر رتبة الحركة (الرابعة) حين تراجعت سنة 2002 سنة قبل وفاة الشيخ محفوظ رحمه الله.
ليس غريبا أن نواجه تزوير النظام السياسي ، ولكن الغريب أن يكون التزوير ثقافة سائدة عند من يدعي الديموقراطية ومكافحة التزوير ذاته. غير أن هذا لا يحبطنا لأن التاريخ علمنا أن الإصلاح يجب أن يتجه للنظام السياسي وللمجتمع كذلك، ولا إصلاح حقيقي للحكم إلا بإصلاح المجتمع، فالتدافع المانع للفساد الذي ذكره القرآن الكريم ليس في اتجاه واحد بل في كل الاتجاهات”.
لم أنشر هذا المنشور في يومه لأنني قدرت بأنه قد يكون له أثر سلبي على الناخبين، ثم تركته لفوات وقته، ولكن حينما استمعت لعرض وزير الداخلية نتائج الانتخابات عاودتني الرغبة في نشره للتطابق الكبير بين منهجية الصحفي ومنهجية وزير الداخلية اللذين يرغبان كلاهما في إظهار الجانب السلبي للحركة وإخفاء ما هو إيجابي. لقد اعتاد وزير الداخلية ( كل وزير الداخلية) أن يبدأ بترتيب النتائج على حسب العدد الإجمالي للمنتخبين ولكنه تجاوز ذلك ليظهر مرتبة الحركة في ترأس عدد البلديات فلا ينتبه المتابعون إلى مرتبتها الحقيقية من حيث القوة السياسية التي دلت عليها نتائج المجالس الشعبية الولائية.
إنه لا يتعلق الأمر بتراجع الحركة، لأن الحركة لم تتراجع، لأننا إذا قارنا نتائجها في هذه الانتخابات بنتائجها سنة 2012 كما تفعل كل الأحزاب في العالم سنجد بأنها تقدمت في جل المؤشرات: تقدمت في عدد الناخبين، تقدمت في عدد المنتخبين بلديا وولائيا وتقدمت في الرتبة ( حيث أنها دخلت باسم التكتل في بعض البلديات وباسم الحركة في بلديات أخرى وفي كلاهما كانت في رتب متأخرة)، وتقدمت في عدد الولايات التي حققت فيها التمثيل في المجالس الولائية. غير أن هذا ليس هو المهم، حتى وإن لم تتأخر الحركة فهي لم تتقدم بما يؤهلها للريادة والإصلاح والتغيير. ولو بقيت على النمو الضعيف الذي هي عليه في مواجهة موازين القوة الكاسحة التي هي في صالح من يناوئها لن تحقق أهدافها ولو بقيت مائة سنة على نفس المنوال؟ فما هي الأسباب الموضوعية لهذه الوضعية؟ ما هي الأسباب الداخلية الخاصة بها والخارجة عنها؟ وما علاقة هذا التشبيه بين الصحفي ووزير الداخلية؟ وهل يوجد أفق للحركة الإسلامية في الجزائر وفي العالم؟

كما ذكرت آنفا السؤال الجدير بالطرح: كيف استطاع التيار الإسلامي أن يبقى موجودا: أمريكا ضده بمكرها ووساوسها، أوربا ضده بدهائها وخبثها، إسرائيل ضده بكل مؤسساتها وأزلامها، السعودية ضده بأموال طائلة ومكر تجاوز حدود الإدراك، الإمارات ضده بأموال خيالية وتحالفات مع كل شياطين الأرض بحقد لا تسعه في تدفقه المحيطات، والأنظمة العربية كلها ضده ولا تتحالف بينها في شيء إلا لمحاربته. لو لم يكن الإسلاميون مدركين لطبيعة هذا العداء، الذي هو من جنس العداء لكل رسالة سماوية أو أرضية تكافح ضد الفساد والظلم وتحدي الله ورسوله ومقدسات المسلمين وغلبة الشهوات والأهواء والأطماع، لتعجبوا هم أنفسهم لهذه الجبهة العريضة العميقة من العداء. ولو طرح السؤال لماذا كل هذا العداء لكان الجواب لأنهم اقتربوا من الحكم الذي قطعت في كل زمن من أجله الرقاب. حينما كانوا دعاة كانوا طيبين ترجى بركتهم ويطلب منهم الدعاء ويستعملون لتهذيب سلوك الناس وتهدئتهم خدمة للدولة لا لوجه الله أوإصلاح الوضع العام. حين كانوا دعاة، أو تابعين، كان أذكياء السياسة يحرصون على مصاحبتهم لإخفاء فسادهم، ولكنهم حينما أصبحوا يطلبون الحكم لأنفسهم وفكرتهم، واقتربوا منه بأصوات الناس الذين هذبوهم حاربهم الأبيض والأسود والأصفر، تماما كما قالها من قبل ورقة بن نوفل. ولكن دعنا من العالم ولنعد إلى الجزائر فنعيد طرح السؤال كيف تراجع الإسلاميون، وكيف حقق النظام السياسي نجاحا كبيرا في تحجيمهم؟
لقد بدأت القصة منذ أن قرر ” الجانفييون” (Les janvieristes) تصفية الإسلاميين، متشددهم ومعتدلهم، وقد نشر نزار الخطة الخاصة بكليهما في مذكراته علانية ودون خجل في ذلك الزمن، ولكن الإسلاميين لا يقرؤون، خاصة ما كتب باللغات الأجنبية، و بعض قادتهم إما متهورون يسهل عليهم الانتحار ولا يحسنون البناء، أو خوافون يجمدهم الخوف فيذهبون إلى المشرحة بأنفسهم كالخراف، أو يقتل الطمع الشخصي الفكرة فيهم فيتحولون إلى أدوات في أيادي الظلم والفساد. لقد قرر “الجانفييون” تصفية الإسلاميين كلهم، لا لأنهم مجرمين أو غير وطنيين، ولكن لأسباب سلطوية وأيديولوجية لا غير، كما دل عليه توالي الأحداث، وخصوصا في تعاملهم مع الشيخ محفوظ رحمة الله عليه، الذي مات بغصة في حلقه لم يستطع بلعها حتى قتلته. لقد كانت تصفية الإسلاميين المتشددين سهلة منذ أن أعطوا لجلادهم شرعية ذبحهم، بل تحقيق مكاسب لم يكن يحلم بها هؤلاء الجلادون الغلاظ الذين قتلوا الجاني والبريئ بسبب تعنت المتشددين في السير في الطريق الخاطئ وعدم ظهور عاقل واحد ذي مصداقية من قادتهم يقول لقد أخطأنا ويجب إعادة رسم خطوط المواجهة بما يصيرها ناجحة موفقة، حتى صارت تجربة النظام السياسي مدرسة عالمية تستفيد منها القوى الدولية في كيفية العبث بالإرهاب وصناعته وتحقيق المآرب الاستراتيجية الكبرى في ظل محاربته كما يفعل اليوم ب”داعش”.

لم يكن النظام السياسي يتوقع بأن الصعوبة الكبرى في مواجهة الإسلاميين سيجدها مع من رشحهم للإلحاق والتدجين، وأن مسيرة تحجيمهم ستأخذ وقتا أطول من مسيرة تدمير وتهشيم التيار المتشدد. لم يكن يتوقع بأن حركة مجتمع السلم ستقدر على التملص من قبضته والهرب من الدوران في فلكه أو أنه سيضطر للتزوير وقتا أطول مما كان متوقعا. ولكن! هنا يجب التوقف والاعتراف بأن خطته بدأت تؤتي ثمارها. كيف ذاك؟

ملاحظة استدراكية: اخترنا كلمة “الإسلاميين” ليس لتمييز أنفسنا عن المسلمين الذين نحن جزء منهم مهما كان انتماؤهم وأختلافهم معنا، ولكن فعلنا ذلك ردا على عناوين بعض الصحف ” تراجع الإسلاميين”.
اتضح للسلطة في انتخابات الرئاسة سنة 1995 بأن التيار المسمى ” تيار الوسطية والاعتدال” له شعبية كبيرة بقيادة الشيخ محفوظ رحمه الله ويستطيع أن يكون بديلا آمنا وفاعلا بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ المتصادمة مع المؤسسة العسكرية وجبهة التحرير الوطني المنفلتة من قبضة الجيش المتجهة للمعارضة الموحدة في سانت إيحيديو، عندئذ صنعت السلطة الحاكمة بديلها بنفسها وهو التجمع الوطني الديموقراطي ومنحته الأغلبية بالتزوير المفضوح في الحكومة والبرلمان والمجالس الولائية والمجالس البلدية ووجهت بذلك رسالة مزدوجة: الأولى إلى قادة جبهة التحرير مفادها: ” يمكنكم مغادرة السلطة إلى الأبد فقد صنعنا البديل الذي سيمحيكم في كل المؤسسات الرسمية” والثانية للشيخ محفوظ نحناح ومن معه من القادة مفادها “لا يمكنكم أن تكونوا بديلا للفيس وجبهة التحرير، وإنما نصنع بديلنا بأنفسنا وإن أردتم البقاء في المدار فمرحبا بكم”. 

عبر لي عن موقف قادة جبهة التحرير ما قاله سي عبد القادر حجار لي شخصيا: ” نحن حينما انقلبنا على سي عبد الحميد مهري لم نفعل ذلك لأن مهري سيء بل هو أفضلنا جميعا، ولكننا وقفنا في وجهه لأنه أراد إخراج جبهة التحرير من السلطة وهذا لا يمكن أن يحدث ما دمنا أحياء” وأما الشيخ محفوظ نحناح فقبل اللعبة راضيا بالمرتبة الثانية، آملا في تغيير قواعدها مستقبلا ، بالمبالغة في معارضة الفيس وإظهار وطنيته وتطمين الخصوم بمنهج المشاركة لا المغالبة، ظنا منه بأن القوم فيهم مسؤولون يمكن أن يعتمد عليهم، لا يحكمون على شركائهم إلا بمعيار الوطنية والاعتدال والشراكة لا المغالبة ونصيب معقول من الديموقراطية.

 نجح النظام السياسي في استرجاع جبهة التحرير وأعطاها المرتبة الثالثة ابتداء، وفي كسب حركة مجتمع السلم كشريك في المرتبة الثانية ثم جعله يتقهقر في زمن الشيخ ذاته فمنعه من الترشح سنة 1999 وختم اللعبة معه بأن وضعه في المرتبة الرابعة سنة 2002 وراء الشيخ عبد الله جاب الله الذي كان هو ذاته في سانت إيحيديو ( أي أقصى درجات المعارضة).

كانت اللعبة محكمة تم ترتيبها في مخابر الأجهزة الاستخبارية ذات الكفاءة العالية في المناورة. وكانت تقتضي أن يصبح المشهد السياسي الجزائري شبيها بما هو موجود في الدول الغربية: تداول على السلطة بين حزبين كبيرين يتبعان جهة واحدة، ثم يزين المشهد بأحزاب في مدار ثان وثالث ورابع بقدر ما تستوعبه الساحة وما يظهر من طموح سياسي لدى الجزائريين. لم يحسب المخططون الأمنيون في بداية الأمر لأمور عدة منها فشل السياسيين الذين اعتمدوا عليهم في حزبي السلطة، والإرادة الشعبية الملحة للتغيير، وإصرار حركة مجتمع السلم للعب دور الريادة، والصراعات الداخلية على مستوى السلطة، والوزن الكبير الذي أخذه رئيس الجمهورية (بوتفليقة) في اللعبة كلها.

 كل هذه العناصر أحدثت إرباكا شديدا في رقعة الشطرنج، وهي ليست محل اهتمامنا هنا سوى حركة مجتمع السلم والصعوبات التي تواجهها. لقد اقتضت اللعبة أن يتم تيئيس كل القوى الشعبية الراغبة في التغيير حتى تمل الانتخابات وتحقد على المنتخبين جميعهم، وعلى كل الساسة دون تمييز، وفي نفس الوقت يتم خلق طوابير كبيرة من النفعيين والمنتفعين، وبعض النخب المتعبة الذين يستبد بهم الاعتقاد بأنه لا أمل في تحقيق الطموحات إلا بقبول الأمر الواقع والخضوع للحاكم المتغلب والتعامل مع المتاح دون أي أمل صادق في نفوسهم بإمكانية إصلاح الوضع. لقد كانت خطة التيئيس تقوم على ركيزتين: ركيزة التزوير المستدام واستحالة التغيير عن طريق الصندوق، وركيزة تشويه السياسة والسياسيين دون تمييز مع إنقاذ أحزاب الموالاة ومنتخبيهم في كل مرة بالتزوير.

أما الركيزة الأولى فقد استحكم أمرها ولم يصبح مواجهة التزوير ممكنة حتى وضعت الأحزاب الشريفة في حيرة من أمرها أمام مناضليها والمواطنين. وحين دفعتها مسؤوليتها إلى الإصرار على المشاركة كما هو حال كل التجارب المماثلة في التاريخ لم تتحرك بكل قواها ولم يعبأ أنصارها الراغبون في التغيير الجذري السريع بالمكاسب الجزئية وبمنطق المقاومة السلمية، فلم تصبح هذه الأحزاب تدخل الانتخابات بكل طاقتها، ولم تصبح قاعدتها الشعبية تتحرك للتصويت أصلا لتكرار مخرجات الانتخابات في كل موسم.

أما الركيزة الثانية وهي التشويه المعمم فقد استغربتُ بشأنه كثيرا حينما وجه أويحيى أول رصاصة ضد النواب في برلمان سنة 1997 بإطلاقه كلمة ” ثلاثين مليون” عن المرتب الشهري للنواب لأول مرة، بالرغم من أن أغلبية النواب نوابه آنذاك. لم يكن ثمة سبب لذلك لأن النواب لم تكن مرتباتهم كذلك في ذلك الوقت وإنما “الثلاثون مليون” كانت المبلغ الذي تدفعه الدولة شهريا للفنادق حيث كان النواب يقيمون أثناء الجلسات بترتيب رسمي وليس بإرادتهم، ولم يكن هؤلاء النواب ذاتهم يعرفون شيئا عن ذلك المبلغ، وكثير منهم – كحالنا – لم يكونوا راغبين في الإقامة في الفنادق أصلا.

 ثم بين الزمن بأن تلك الرصاصة الأولى كانت مشروعا متكاملا هدفه أن يحقد الشعب على كل النواب جميعا دون تمييز بين الصالح والطالح، وعلى كل الأحزاب بلا استثناء دون فرق بين معارض وموالٍ. تلقفت الصحافة هذا المشروع، بعضها دون وعي، وبعضها بوعي، وبعضها تحت ابتزاز الإشهار والضرائب والمطابع، و بعضها باختراقها بصحفيين أمنيين ونفعيين هم أقرب إلى فيالق المرتزقة منهم إلى مهنة الصحافة، وبعضهم يتطوع لضرب الإسلاميين لاعتقاده بأنهم حلقة ضعيفة يمكن تقديمها قربانا لنيل الطموح عند الأكابر أو بغرض البراءة من صفة الإسلاميين لمن كانوا كذلك سابقا. 

غير أنه في كل وسيلة إعلامية ثمة صحفيون أحرار وشرفاء ومقاومون وعدول لا يَظلمون، تماما مثل ما هو حال الأحزاب والسياسة وأي منتظم بشري، كانوا هم أملنا في بقاء الصحافة جزء من ميادين الحرية. ثم جاء الفايسبوك فأصبح فضاء مفضلا لضرب الأحزاب والمنتخبين بالجملة من طرف الفيالق الإلكترونية الأمنية وفيالق أصحاب الثارات والانتقام فكبُرت الفقاعة وأثّرت على الفضاء الواقعي فأصبح أغلب الغاضبين من الواقع لا يصوتون ويعبرون عن سخطهم في الفضاء لأزرق، حتى أولئك المحبون والمناصرون وجزء لا بأس به من المناضلين أصبحوا لا يصوتون. وفي تلك الأثناء كلها كانت آلة “الزبونية” تشتغل فصنعت تيارات نخبوية وشعبية أصبحت الانتخابات بالنسبة لها فرصة للاسترزاق يتنقلون بين حزب وآخر في كل موسم، وأصبحت الأحزاب الشريفة في حيرة من أمرها لا تجد من الشرفاء من يقبل الدخول في قوائمها إلا القليل، ممن يصر على مقارعة شبكات الفساد في كل مكان. وبعض هؤلاء الذين يرفضون الدخول في المعارك الانتخابية مع الأحزاب الشريفة لا يؤمنون بالانتخابات، وبعضهم يؤثرون السلامة لكي لا ينتقم منهم النظام السياسي، وبعضهم يهدَّدون وبعضهم يلغى ترشيحهم بلا سبب، وبعضهم يرون بأن الرياح ليست في صالح الإسلاميين وكل الأحزاب الشريفة. وهؤلاء كلهم مخطئون لأن الحركة استطاعت مع تيارات شعبية شريفة مقاومة (من خارجها) أن تقهر التزوير وتحقق النجاح في العديد من البلديات، ولو تعممت هذه الروح المقاومة لأنهينا بعبع التزوير وغيرنا الواقع، لأن التيارات الشعبية القوية تسحق سياسة التحكم السياسي والانتخابي. غير أنه في غياب هذا الوعي يجب أن نعترف بأن النظام السياسي نجح في تجنيد من معه ومن ضده لصناعة المشهد الانتخابي الذي يريده.

ولكن هل سينجح أبدا؟ هذا هو السؤال المهم الذي سنجيب عنه  في المقال المقبل عن الأسباب الداخلية المعطلة لإنشاء ذلك التيار الشعبي الكبير المشارك في مقاومة التزوير.

كل إنسان مؤمن يستفيد من القرآن وفق اختصاصه واهتماماته وحالاته الإيمانية والنفسية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لا شك أن الغالب في التعامل مع القرآن هي الحالات الشخصية، لأن أغلب ما في القرآن عقائد وإيمانيات وأخلاقيات تخاطب الإنسان كفرد لتشكل إيمانه وتثبت اعتقاده وتصلح أخلاقه وتُديم وتُجمّل عبادته، فإن كان المؤمن على هذا الحال من التأثر الشخصي بالقرآن ستكفي الآيات القليلة في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموجودة فيه لتجعل منه صانع نهضة وحضارة. لا غرو أن يُبْقِي الإنسان تفاعلاته الإيمانية مع القرآن لنفسه في الغالب، لأنها لا تهم الناس في الأصل، ولكن حين يتعلق الأمر بالقضية السياسة أو الاقتصادية أو الاجتماعية يشعر قارىء القرآن أحيانا بالحاحة إلى تبادل أفكاره في هذه المجالات مع الناس… لأنها تهم الناس.

آية كريمة استوقفتني في تراويح ليلة من الليالي السابقة أخذتني بعيدا في التأمل في قضية سبق لي أن تناولتها بالدراسة وهي علاقة السياسة بالدعوة.  يقول الله تعالى: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين)) يوسفَ (103). خاطب الله تعالى نبيه الكريم الرحيم بالناس، الحريص على هدايتهم جميعا، بأن حرصك لن يجدي نفعا، وأنك مهما فعلت وبذلت سيكون أكثر الناس غير المؤمنين، وهذه الحقيقة ثابتة إلى يوم الدين أكدتها نصوص كثيرة منها الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار ؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين”، بل يؤكد  سبحانه وتعالى لنبيه في نفس سياق الآية الأولى أن أكثر من يؤمن في إيمانه شرك، كحال العرب الذين آمنوا بالله وأقروا بوجوده ولكنهم عبدوا غيره وأشركوا به فاعتقدوا النفع والضر والعطاء والمنع عند غيره وفق قوله عز وجل: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)) يوسف (106)،  وأغلب البشر هكذا، وكم هم كثير في المليار والنصف من المسلمين الذين يفسدون إيمانهم بأنواع كثيرة من الشرك والعياذ بالله، منها ما يفسد الإيمان ومنها ما يبطله. بل الأمر أدهى من هذا حين يخبر الله نبيه بأن كثيرا من هؤلاء لا يكتفون بشركهم لأنفسهم بل يودون وربما يناضلون لكي تشرك مثلهم، قال تعالى: (( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) الأنعام 116.

تبين هذه الآية بأن الدعوة إلى الله لن تدخل الناس كلهم في الدين مهما فعل الأنبياء، ولو كان سيدهم محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم الذي سيُباهي الأنبياء بعدد أفراد أمته يوم القيامة إذ سيكونون أكثر من بقي على التوحيد بين الديانات والملل والمعتقدات. ومهما اجتهد العلماء والدعاة من بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم لن يجعلوا إلا قليلا من الناس مهديين مستقيمين. غير أن هذه القلة المؤمنة المستقيمة التي تحافظ في كل عصر وعهد على التوحيد وعلاقة السماء بالأرض هي ملح الكون التي من أجلها يبقي الكون، وإذا اندثرت فلم يبق منها أحد قامت الساعة كما جاء في الحديث الصحيح (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)).

إن هذه الحقيقة النصية القطعية الساطعة تطرح مشكلا أساسيا في فهم نصوص أخرى تتحدث عن غلبة أهل الحق وانتصارهم على الباطل بل تتحدث عن ظهور الإسلام على غيره من الملل كما جاء في قوله تعالى قي سورة الفتح :(( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَق ِّلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) (28) وقوله تعالى في سورة التوبة :(( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون))َ (33)، وقوله سبحانه وتعالى: (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)) غافر 51، وقوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) النور (55)، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (1920) من حديث ثوبان، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”

إن الممارس الذي يعاني تناقضات الحياة وتعقيداتها، ويعيش طبيعة الصراع الدائم بين الحق والباطل، أفرادا ومجتمعات وأمما، فيغلب الحقُّ تارة ويُهزم تارة وفق سنة التداول التي ذكرها الله في كتابه بقوله: ((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين))َ (140)، لَيَتأكد لديه بأن هذه النصوص تتحدث عن عالمين مختلفين  تبدو لغير المتأمل أنها متناقضة. فإذا ما أدرك ذلك عرف لماذا وكيف غلب حين يغلب ، وحين ينهزم لماذا وكيف انهزم، حتى يستقر المنهج في فكره وحياته متى وكيف ينتصر أو ينهزم في مقارعته للظلم وأهله.

إن الآيات الأولى تتحدث عن عالم الدعوة التي هدفها هداية الناس وإعلاء القيم، وهي من ناحية الأعداد والانتشار محدودة النتائج ولكن في مجال الأثر في الحياة كبيرة الأثر ، حيث أنها تفلح دائما في البقاء والنمو، وإذا تعرضت للصد والقمع لا يستطيع أحد استئصالها مهما بلغ من قوة ومهما كان مكره وعدوانه، ولن ينتهي وجودها من الأرض إلا بإرادة الله حين يبلغ موعد قيام الساعة فيقبض إليه آخر من بقي من المؤمنين فلا يفزعهم هول قيام الساعة كما في النصوص الصحيحة الواردة في الموضوع. وبالإضافة إلى دور الدعوة في هداية الخلق إلى التوحيد والاستقامة وعبادة الله سبحانه، فهي تساهم كذلك في نشر القيم العليا المشتركة بين الخلق وإعلائها بين الأمم، كافرهم ومسلمهم، ملتزمهم وعاصيهم، لحفظ توازن الحياة البشرية واستمرارها ضمن منهج إتمام مكارم الأخلاق المتأصلة في الفطرة البشرية مهما كانت معتقداتهم، كقيمة الصدق والكرم والحلم والشجاعة والنجدة والعدالة وغيرها مما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن عن أبي هريرة: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

وأما الآيات الثانية، فإن المقصود بها عالم السياسة، الذي يُطلب فيه من المؤمنين والمصلحين أن يكونوا قادة للناس لتحقيق مصالح الخلق، وحمايتهم من شرور أنفسهم وشرور بعضهم بعضا، وأن تكون راية الإسلام عالية وحكمه ماض وعدله جار في المسلمين وغير المسلمين، وفي الملتزمين من المسلمين وغير الملتزمين، ومن شاء من الناس في حكم الإسلام أن يؤمن فليؤمن ومن شاء فليكفر فليكفر، ولا يُكره أحد في دينه ومعتقداته، ولا يطلب من الناس طاعة إلا بقدر بسط العدل بينهم، وتحقيق مصالحهم التي هي واجبات الدولة، وبقدر توفر الحرية بما يجعلهم قادرين على اختيار الحاكم وعزله واختيار القوانين التي يذعنون لها ويلتزمون بها بقناعة وحب، ومن خالفها تحق عقوبته بعدل الدولة وبإنكار المجتمع ذي الضمير والخلق القويم. 

لا شك أن إقامة حكم بهذا النوع لا يكون بالمتدينبن فقط، سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الأمة أو على مستوى العالم، إذ هم في كل الأحوال قلة بين الناس، ولكن يكون الحكم وإدارة الدولة بهم وبغيرهم، ولذلك تشكيل القوة للوصول إلى التمكين والنفوذ لا يكون على أساس علاقات دعوية، بل على قواعد سياسية تدور حول المصلحة، سواء المصلحة العامة التي قد تكون مساحة الاهتمام المشترك لتشكيل الأحزاب والمنظمات والأحلاف ومراكز التأثير، وقد تكون المصالح الخاصة الشرعية التي تشكل مواطن الجذب لتركز القوة في بؤرة واحدة يتحقق فيها الطموح الشخصي المادي أو المعنوي. والعبقرية كلها في دائرة السياسة بالنسبة للمتدينين المصلحين المشتغلين في هذه الدائرة السياسية أن يكون لهم برنامج وخطاب وسلوك ومشاريع وعلاقات تحقق هذا، فإن تمكنوا لن يستمروا في الحكم بإكراه الناس على فكرهم وبرنامجهم ولكن بمدى مصداقيتهم وهم في الحكم وبمدى تحقيق برامجهم وأفكارهم لمصالح الناس المادية والمعنوية. وبخصوص برنامجهم فهو برنامج للمواطنين جميعا وليس للمتدينين فقط، من حقهم أن يضعوا فيه فكرهم الإسلامي وبدائلهم التي يستلهمونها من الكتاب والسنة، ومن حقهم، بل واجبهم، أن يعتقدوا بأن برنامجهم هو الأصلح للبلاد والعباد، ولكن لا يتوقعون أن الناس يختارونه لأنه يمثل الدين، أو لأنهم يتكلمون باسم الدين. لا شك أن ثمة من المسلمين من يميل لهذا البرنامج لأنه يمثل لهم انسجاما نفسيا وربما فكريا مع معتقداتهم، ولكن ليس هذا الذي يجعل عمومهم يجزمون بدعمه واختياره ومناصرته والدفاع عنه. ما يجعلهم يفعلون ذلك هو مدى تحقق مصالحهم فيه، وهناك خلق كثير من غير المسلمين وغير الملتزمين لا يختارونه إلا لهذا، أي من أجل مصالحهم.

ومن هنا تنهار كلية القاعدة المطلقة والطريق الحتمي الوحيد للتغيير الإسلامي، الذي شاع عقودا طويلة في القرن الماضي بين  الإسلاميين، المسمى “التغيير من الأسفل” ، أي أنه لا يمكن وفق هذه النظرة إقامة الحكم الإسلامي إلا بعد إنشاء قاعدة تربوية واسعة. لقد أكدت التجربة العصرية في مصر وتركيا ما أكدته تجارب التاريخ من قبل في قيام الدولة الأموية وتجربة عمر بن عبد العزيز.  لقد عجزت القاعدة الإسلامية التربوية قي مصر  على تحقيق التمكين حين عجز قادة هذه القاعدة التربوية العريضة عن استعمال القواعد السياسية للتغيير، رغم الفرصة العظيمة التي أتيحت على إثر الربيع العربي.  و في نفس الوقت نجحت الدعوة في بناء نخبة قليلة استطاعت أن تتمكن وأن تصنع التغيير في تركيا وفي الأمة حين عملت بأخلاق الدعوة ولكن بقواعد العمل السياسي الذي يدور حول المصلحة العامة والمصالح الشخصية المشروعة، في محيط شعبي ورسمي علماني أكثره غير ملتزم باشتراطات الدعوة. وعلى مستوى التجارب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإسلامي  يمكن أن نتحدث عن تجربة الأمويين الذين قدروا على فرض أنفسهم في الدولة بقواعد الصراع السياسي ضمن  مجتمع أسياده صحابة رضي الله عنهم وتابعون رحمهم الله، ثم ثمة تجربة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – على نقيض ذلك – الذي استطاع أن يصل إلى الحكم ويصلح من فوق في بيئة حكم فرضها بالسيف الحجاج بن يوسف.

فالعلاقة إذن بين الدعوة والسياسة علاقة تأثير متبادل وفق سنن اجتماعية وفرص يصنعها حراك البشر وفق مقادير يقدرها ويؤقتها الله يسخر لها من لهم أهلية وكفاءة في اهتبال الفرصة وإدارة الصراع وصناعة التأثير، وقد تفلح الدعوة في إعداد بيئة مجتمعية تصلح الحكم، وقد يفلح الحكم في إعداد بيئة سياسية تصلح المجتمع.  

وفي الأخير فإن القاعدة الذهبية التي يجب أن نحفطها كنتيجة لهذه الجولة الفكرية الرمضانية هو أن المصلحين لا يستطيعون تغيير الأوضاع الوطنية والدولية المنحرفة بعدد الصالحين ولا بقوتهم الذاتية فحسب، فهم مهما كانت قوتهم وتضحياتهم، أضعف بكثير من  القوى المتسلطة وطنيا وإقليميا ودوليا، يؤكد ذلك التاريخ والنصوص، وإنما ينجحون في ذلك إذا أحسنوا الأداء ووضعوا أنفسهم في المكان المناسب. إن هم فعلوا ذلك ستدركهم السنن الاجتماعية إذا تحركت فتحملهم إلى موقع القيادة والريادة فيكون انتصارهم بالسنن الاجتماعية، بحسن الإعداد وإدارة الصراع والقدرة على الاستفادة من قوى التأثير الأخرى … ولنا أن نتأمل كم مرة تحركت السنن الاجتماعية فكان الصالحون غير جاهزين لاغنتامها، لعجزهم وقلة كفاءتهم أو ربما لأنهم اعتقدوا بأن الله سيوفقهم لأنهم صالحون فحسب !  

 

د. عبد الرزاق مقري

تمر فرنسا بأزمة اقتصادية كبيرة ضمن أزمة الرأسمالية العالمية التي تجلت بوضوح منذ هزة 20088 بسبب جشع المؤسسات و اللوبيات المالية الربوية الاحتكارية الفاسدة التي سيطرت على اليمين واليسار السياسيين التقليديين فجعلتهما خادمين لسياسة واحدة رأسمالية جشعة تسيطر عليها أقليات نافذة في مؤسسات الدول الغربية. أدت هذه الأزمة في فرنسا إلى تطورات كبيرة على مستوى الأحزاب اليمينية التي نمت فيها تيارات هوياتية مسيحية متطرفة معادية للأقليات ومنكفئة على ذاتها، وعلى مستوى الأحزاب اليسارية التي نمت فيها تيارات علمانية متشددة رافضة للعولمة وهيمنة المؤسسات المالية.
مثل هذه التطورات في أقصى اليمين Marine Le Pen وفي أقصى اليسار J-L Melenchonn، ونجح Francois fillon المتشدد يمينا هزيمة allain juppé المعتدل في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري ، كما نجح Benoît Hamon الأكثر تشددا يسارا هزيمة Valls الأكثر اقترابا لوسط اليمين في الحزب الاشتراكي.
كانت المؤسسات و اللوبيات المالية على علم بحالة السخط وعدم الرضا لدى المجتمع الفرنسي بسبب الأزمة الاقتصادية وآثارها الاجتماعية، وكانت تلاحظ بدقة التطورات الجارية على مستوى الأحزاب التي تتداول عادة على السلطة، وكانت تتوقع أن الأمر يمكن أن يؤدي في الانتخابات إلى خيارات في الدور الثاني أو من الدور الأول كلها سيئة أو على الأقل مضعفة لنفوذ المؤسسات واللوبيات المالية. ولمواجهة هذه التحولات اعدت بديلها بنفسها فكان Emanuel Macron هو خيارها . ولأن إعداد البديل من طرف القوى الخفية، أو ما يسمى بالدولة العميقة، يبدأ – عادة – بالتحكم في بلاط أصحاب القرار وفي قضايا المال والاقتصاد دفع Emanuel Macron مبكرا ليكون مديرا لديوان رئيس الجمهورية Hollande ثم وزيرا للاقتصاد.
وأثناء إعداد البديل كان لا بد من التخلص من المنافسين الأقوياء الذين تنتجهم الأحزاب التقليدية والتي ضعفت فلم تصبح نافعة كما لم يصبح متحكما فيها. لم يكن المنافس الخطر هي Marine Le Pen، لأنها في كل الأحوال ستسقط في الدور الثاني مع أي مرشح، بل ربما تؤدي دورا إيجابيا كفزاعة لتمرير خطط المؤسسات المالية. كان الهدف الأول الذي يجب إسقاطه هو Francois fillon الذي يميل إلى اللوبي المسيحي الكاثوليكي الذي يحمل في أعماقه العداء للأقليات ومنها الأقلية اليهودية النافذة، فتكفلت به التسريبات الممنهجة عن قصص فساد قديمة ضخمتها المؤسسات الإعلامية التي تسيطر عليها اللوبيات المالية. أما عن اليسار الذي كان دائما هو حصن الأقليات اليهودية والبروتستنتية واللادينيبن منذ الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر إلى أن أصبح كذلك بالنسبة للعرب والمهاجرين في الثمانينيات ضمن نهج لائكي متشدد لم يعد قادرا على حمل مصالح المؤسسات المالية بسبب حالة الضعف الشديدة في عهد Hollande الذي ذهب وشريكه المتصهين Valls بعيدا نحو اليمين وبسبب عودة تيار يساري غاضب داخله مثله Benoît Hamon في الانتخابات الرئاسية. لم يكن القضاء على هذا الهدف الثاني صعبا. ما لم تصبح مؤسسة الحزب الاشتراكي تفعله ستفعله القوى التقليدية التي كانت نافذة فيه، ولكن من خارج الحزب، وكان “الجوكر” لهذه الخطة هو Emanuel Macron، ابن الحزب الاشتراكي المتجه يمينا نحو ما تريده المؤسسات المالية وتمثلت الخطة في ما يلي:
– دعم المؤسسات المالية والشركات الكبرى ل Macron من حيث التمويل.
– التلميع الإعلامي مع التركيز على الصورة الشخصية المتمثلة في خصائص الشباب والوسامة والتدريب المركز على الخطابة ولغة الجسد.
– كسب جزء كبير من اليمين من خلال البرنامج الليبرالي الواضح المعالم.
– كسب الأقليات الخائفة، خصوصا المسلمة والافريقية، بالتركيز الشديد على الاعتراف بالتنوع والهويات ضمن الجمهورية الفرنسية الواحدة، علما بأن هذه الأقليات كانت تلجأ للحزب الاشتراكي ليس بسبب خطابه اللاعنصري فقط، ولكن بسبب سياساته الاجتماعية كذلك التي لا يحملها Macron.
– تفريغ الحزب الاشتراكي من محتواه البشري وتوجيه الأغلبية الساحقة من قياداته نحو Macronn، خصوصا الوجوه المهمة الفاقعة، وأكثرها معروف بتوجهاته الصهيونية وانتمائه للماسونية.
– كانت الأمور بهذه الترتيبات سهلة ميسورة وكان مرور مرشح المؤسسات المالية للدور الثاني مضمونا ليفرش له البساط الأحمر نحو قصر الإليزيه. غير أن طارئا كبيرا وقع لم يكن في الحسبان وهو الصعود القوي لJ-L Melenchon، وقد تسبب في صعوده أمران:
حالة الغضب لدى جزء مهم من الناخبين الذين يصوتون على اليسار عادة و الذين يئسوا من الحزب الاشتراكي إلى درجة أن محاولة التصحيح التي قام بها Hamon لم تجد نفعا فاتجهوا نحو من مثل لهم اليسار حقا.
– التطور الكبير الذي قام به J-L Melenchonn لتحسين صورته من حيث السلوك والخطاب والمظهر، إذ استطاع أن يعالج الصورة النمطية التي ألصقها به الإعلام وهو يسير نحو فرض نفسه وأفكاره ومعاركه الشديدة في انتخابات عديدة سابقة.
– دخوله في مساحة مهمة من الشرائح التي كسبتها Marine Le Penn في السنوات الأخيرة المتمثلة في العمال والرافضين للهيمنة الأوربية والمؤسسات المالية ولكن باعتدال ودون عنصرية.
حين صعد J-L Melenchonn في سبور الآراء ومن خلال تجمعاته الانتخابية الكبيرة أصبح يمثل توترا كبيرا لدى المؤسسات المالية ولدى التيار اليميني، والتيار الصهيوني بشكل خاص إلى درجة أن كبير الصهاينة في فرنسا Bernard-Henri Lévy قال: “لو صعد Melenchon الدور الثاني سأغادر فرنسا”. إن هذا التصريح منطقي عبر عن خوف حقيقي من سيناريو دور ثاني ” Marine Le Pen J-L Melenchon” يكون كارثيا على المعادلات السياسية والمالية التقليدية التي تجد فيها اللوبيات الصهيونية راحة كبيرة ونفوذا لا حد له. لهذه الأسباب أصبح J-L Melenchon هدفا ثالثا لا بد من الإطاحة به فلا يمر إلى الدور الثاني وكانت الوسائل التي استعملت ضده ما يلي:
– محاولة استيعاب المتعاطفين معه في وسائل الأعلام وتصريحات السياسيين بالاعتراف بأدائه الجيد في الحملة الانتخابية ولكن بالتخويف – الشديد من برنامجه الاقتصادي اليساري ووصفه بأنه كارثي على فرنسا لو طبق مع التذكير المستمر بالويلات التي جرتها الشيوعية على البلدان التي طبقت فيها، بالرغم من المجهودات الكبيرة التي بذلها Melenchon ليبعد نفسه عن “اللون الأحمر”.
– التفات الإعلام بشكل غير مسبوق لمن يعرفون ب” المترشحين الصغار” وتسليط الضوء عليهم علما بأن أغلبهم من التيار اليساري المتطرف ومن التروتسكيين الذين يأكلون بالضرورة من وعاء Melenchon.
– استغلال حالة الرعب السائدة بسبب الإرهاب الذي يتهم به المسلمون في أجواء الحملة لضرب أطروحة “اللا إسلاموفوبية” التي يتميز بها Melenchon . وخلافا لما يعتقده الكثير: إن الذي استفاد من العملية الإرهابية في باريس ثلاثة أيام قبل الانتخابات هو Macron وليس Marine Le Pen. لأن هذه الأخيرة صاعدة للدور الثاني في كل الأحوال،وأما Macron فإنه لا يصعد إلا إذا تخلف fillon الذي يصب رد فعل الناخبين على العملية الإرهابية للأكثر تطرفا وهي Marine Le Pen، وإذا تخلف كذلك Melenchon الذي يخسر أصواتا كثيرة جراء العملية الإرهابية من أولئك الخائفين من الإرهاب بسبب رفضه تجريم المسلمين.
– إذن سيكون Macronn رئيسا للجمهورية الفرنسية وفق كل التوقعات، وسينجح المخطط الرهيب الذي أدارته المؤسسات المالية الرأسمالية واللوبيات الصهيونية التي في عمقها، ولكن فرنسا لن تنجح، فالنظام السياسي والنمط الاقتصادي الذي يشتغل لصالح الأقليات “المرفحة ” على حساب أغلبية المواطنين هي التي ستستمر، وسيكون حكم Macron هو حكم المؤسسات المالية وليس حكمه، سيكمل مهمة Sarközy ومن بعده Hollande مع بعض الترقيعات التي لن تجدي نفعا ، وسيكون جهدهم الكبير هو أن يحلوا مشاكلهم، ضمن الذهنية الاستعمارية، على ظهر الشعوب المستضعفة والغافلة في أفريقيا الشمالية وغربها بالاعتماد على حكام، إما عملاء بالأصالة، أو جرتهم طموحاتهم السلطوية للعمالة رغما عن شعوبهم. وهذا هو السياق الذي يجب أن نفهم فيه زيارة Macron المرشح للجزائر، هو عمل استباقي ضمن خطة توليته ثم دعمه بعد أن يكون رئيسا. غير أن ثمة زاوية أخرى يجب أن ننظر منها ، وهو أن هذه الانتخابات أخرجت الشعب الفرنسي ممزقا بنتائج انتخابية حادة ومتقاربة جدا، ويعد عدم دعوة Melenchon للتصويت لصالح Macron في الدور الثاني من أكبر المؤشرات السلبية في تفاعلات الخطة، وحتى إن استفاد Macron من نسبة عالية من التصويت في الدور الثاني في سياق التصويت العقابي ضد Marine Le Pen فإن ذلك لن يحفظ المجتمع الفرنسي من التمزق والتوتر لأن المشكلة مرتبطة بالاقتصاد ولن يستطيع Macron حل هذه المشكلة بل سيفاقمها، وستكون التيارات المتشددة في كل الاتجاهات أكثر تشددا وسيعمل الجميع على أن ندفع نحن فواتيرهم، لذلك الحذر الحذر من الذهنية الاستعمارية بشقيها الناعم والفظ، ولن يقدر على المحافظة على سيادة الجزائر وخيراتها ومواردها ومصالحها ضمن هذا الوضع الإقليمي الصعب إلا الأحزاب والشخصيات الوطنية الصادقة، وعلى هؤلاء أن يعرفوا بعضهم وأن يكونوا جميعا: معا لجزائر الهناء والنماء.

د. عبد الرزاق مقري

 

تقييم عام 

لقد تأكد لدى الخاص والعام أن الهيئات الرسمية المكلفة بإدارة شأن البلاد لم تكن في مستوى تطلعات الشعب الجزائري وثقته وصبره وتضحياته، لم تكن هذه الهيئات في مستوى الخيرات العظيمة التي منحها الله لهذا البلد العظيم المسقي بدماء الشهداء والقائم بجهد المخلصين الذين لا يسألون جزاءاً من العباد ولا شكورا. ليس من السهل أن نتحمل وأن نتقبل وأن نهضم ضياع الفرصة الأخيرة الكبيرة التي أتيحت لبلدنا في سنوات البحبوحة المالية ضمن فرص أخرى كثيرة أتيحت منذ الاستقلال. ليس من السهل أن تقبل عقولنا ضياع فرصة كان بإمكانها أن ترفعنا لمصاف الدول المتطورة والمتقدمة، ليس من السهل أن ينسى جيلنا هذه الفرصة الضائعة إلى أن نلقى الله، ليس من السهل علينا أن نرى دولا استطاعت أن تسابق الكبار بعدما كانت مثلنا أو أصغر منا بمواردها الطبيعية وبتناقضات نسيجها الاجتماعي وبعضها بتاريخها المتناقض. ليس من السهل على وطني صادق، شغوف ببلده، متيم بتاريخه، محب لشعبه، مشفق على خيراته، خائف على مستقبله، ان يتعايش مع هذا الإخفاق المدوي الذي نراه، ويراه الناس جميعا. نراه بشكل كلي في عجز الميزان التجاري، في عجز ميزان المدفوعات، في عجز ميزان الحسابات، في أزمة الخزينة العمومية، في تهاوي احتياطي الصرف، في العودة للمديونية الخارجية، نراه في عودة أرقام البطالة والتضخم المتصاعدة، نراه في صدمة ارتفاع الأسعار، نراه في معدلات النمو المعاكسة لحجم تمويل التنمية، نراه في الناتج الإجمالي الخام الذي أبقانا ضمن الدول الراكدة، نراه في الفساد المهيكل وفي شبكة الفاسدين المهيمنة، ونراه بشكل جزئي في خيبات الأفراد والأسر والمؤسسات، نراه في ضعف الإنتاج، في العدد القليل للمؤسسات الاقتصادية، في ضعف التنافسية، في قلة الإبداع، في سوء بيئة الأعمال، نراه في غلاء المعيشة، نراه في عدم قدرة الموظف الشريف على إغلاق شهره، نراه في قيمة الدينار المتهاوية، نراه في الخدمات الصحية المتهالكة، نراه في الأوضاع التعليمية المتأزمة، نراه في أزمة السكن اللامنتهية، نراه في الهياكل القاعدية غالية السعر ولكن رغم ذلك متهرية، ونراه بشكل عام في الاحتجاجات الاجتماعية المضطردة والمتوسعة، وفي غياب الحكامة ومفهوم الحكم الراشد في الأحوال العادية، ونراه في العجز على مواجهة الأزمات في الفيضانات والعوارض الطبيعية. وحين غابت أسباب البهجة العادية تعلق الجزائريون جميعا بلعبة كرة القدم، أطفالهم وشبابهم وشيوخهم، ورجالهم ونساؤهم، فصارت هي ملهمتهم وصانعة أحلامهم، وكأنها نفخة من مخدر تنقلهم لعالم البهجة الخيالي الغادر. وصاروا ينسجون بطولات وهمية وإنجازات أسطورية عنوانها “شكون حنا”، ثم ما هي إلا مباراة أو مباراتان بعد هذه الصيحة المتكلفة حتى تبخر الحلم وعرفنا حقيقة “شكون حنا”. عرفنا أننا هؤلاء الذين حباهم الله بكل المقدرات ليكونوا عظماء بين الأمم فاختاروا أن يكونوا صغارا، حباهم الله بمقدرات كبيرة ليكونوا عظماء في العلم والفكر والتعليم والإدارة والصناعة والفلاحة والخدمات والتضامن والترفيه فتصبح كرة القدم صناعة متقنة تصنع أفراحا لا تنقطع، ليس للقاعدين والبطالين المهمشين كمخدر لهم، بل لشعب عامل مبدع منتج يقصد كرة القدم للفرجة وللاستراحة والاعتزاز بالمنجز الكروي بعد المنجز الحضاري والعمل في المخابر والجامعات والمصانع والحقول ومختلف المؤسسات.

هل حينما نقول هذا نقصد بأنه لم تحقق الجزائر إنجازات، وهل الأفق أمامنا منسد، وهل كل شيء أسود، ولا أمل في المستقبل، ولا مأمول في الآتي. الجواب هو بكل تأكيد لا وألف لا.

أما الإنجازات فهي محققة، بعيدا عن القدر والمستوى المطلوب، وغير متناسبة مع الإمكانيات التي سُخرت، وغير مرضية بالنسبة لحجم الفساد والخير المنهوب، ولكنها موجودة ولا بد من أخذها والارتكاز عليها والانطلاق منها. فهل الذي يأخذ منك ألف دينار فلا يرجع لك سوى ثلها أو نصفها، أخذتها منه لأنك في أمس الحاجة إليها تقول أنه لم يرجع لك شيئا؟ لقد أرجع لك النصف أو الثلث وعجز أو سرق وبذر الباقي، فتنعم بما أخذت، وواصل طريقك نحو المستقبل. وإن من أعظم إنجازات الجزائر تعميم التعليم، خصوصا في زمن المدرسة التي سموها ظلما منكوبة. إن في الجزائر كما هائلا من المتعلمين الجيدين الذين بإمكانهم صناعة نهضة وطنية شاملة، فإن من هؤلاء من صنع الفرق حتى بين متعلمي الأمم الأخرى حيث التنافسية العلمية والإبداعية قوية، وإن من الإنجازات كذلك الكم الهائل من الهياكل القاعدية والتغطية الصحية والطاقوية القابلة للتحسين وحسن الاستغلال إذا توفر الحكم الراشد. جزى الله كل من كان له دور في توفير هذه المكتسبات كائنا من كان، ولكن إن لم يقع التحول الاقتصادي والسياسي سينهار كل شيء آجلا أم عاجلا.

 

د. عبد الرزاق مقري

آفاقنا المفتوحة:

إن آفاق الخير والبر والبشر أمام الجزائريين واسعة مفتوحة ممتدة. وإن بعد الفجر الكاذب فجر صادق بحول الله. رغم الفساد والتبذير وقلة الرشد. لا تزال إمكانيات الجزائر ضخمة كبيرة، تستطيع الجزائر أن تصنع نهضتها بلا بترول ولا غاز. إن ما في الجزائر من الإمكانيات والمقدرات أعظم بكثير مما كان لديها وما عند غيرها من البترول والغاز. غير أن استغلال هذه الخيرات يتطلب فكرا جديدا، وثقافة جديدة، ونمطا جديدا للحكم والإدراة والتسيير. إن البلد الذي يعيش على البترول الغاز لا يتطلب عبرقيات ومستويات عقلية كبيرة، طبيعة ريع البترول والغاز أنه يسهل تحويله إلى أموال نقدية فيتصرف فيها من ينقصهم الرشد كما يشاؤون إلى أن ينضب ذلك الريع، أما الخيرات والموارد العظيمة الأخرى المكنونة والمخبوءة في القارة الجزائرية ومحيطها فيتطلب استغلالُها والاستفادة منها ثلاثةَ شروط: الاستقرار والوقت ورشاد الحكم.
إن هذه الشروط الثلاثة هي التي نشتغل عليها في حركة مجتمع السلم. همنا في حركتنا أن نحفظ استقرار بلادنا لأن الأمن هو من النعم الأولى في سلم الاحتياجات الفيزيولوجية، ثم هو شرط أساسي لتحقيق التنمية والأمن الغذائي الذي هو نعمة أخرى في سلم الاحتياجات، والتنمية والأمن الغذائي هما بطريقة عكسية شرط مهم في تحقيق الأمن والاستقرار ضمن الجدلية الاقتصادية الاجتماعية التي ذكرها الله في كتابه العزيز (( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعهم من جوع وآمنهم من خوف)).
إن من أكبر ما يشغلنا في حركتنا، كيف لا نُضّيع الوقت مرة أخرى، كيف لا نهدر الفرص، كيف نستغل المتاحَ من الزمن، لنستغل ما بقي من موارد الطبيعية الحاضرة، والمواردِ البشرية المجندة التي لا تزال متفائلة، لندفع عجلة التنمية في أقرب آجال ممكنة، حتى لا نلتقي مع الاضطرابات الاجتماعية الكبرى مطلقا، ولكي نستأنف تشييد الوطن عاجلا.

إن من أكبر ما يُشغلنا كيف الوصول إلى حكم راشد يفهم هذا الذي نقول، حكمٌ يرتكز على قيم الوطنية الصادقة والوفاء لقيم الوطن وتاريخه، يضمن صلاحَه الضميرُ وخوفُ الله تعالى، والتدافعُ والشفافية واحترام القانون والرقابةُ على الشأن العام، يُعلي من شأن المواطنة حتى يشعر كل جزائري بأن سعادته وهناءه وكرامته وحريته ومصيره في بلده، فيعطي بلده أحسن ما عنده، يُعمِل التنافسية الحقة بين المؤسسات الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والرياضية والفنية والإبداعية على أساس النزاهة والمصداقية والكفاءة بعيدا عن الفساد والغش والتزوير والتدليس والصراع القذر، والغدر وصناعة الأزمات والتفريق بين الناس.

منذ أن أنشئت حركة مجتمع السلم وهي تحاول أن توفر هذه الشروط فاستعملت وسائلَ عدة، وآلياتٍ متعددةً، واستراتيجياتٍ متنوعةً، تارة من خارج منظومة الحكم وضده بل ومصادمته في منتصف السبعينيات حين كان أحاديا متصلبا، ثم بمعارضته ضمن منهج استقر نهائيا على الوسطية والاعتدال طيلة الثمانينيات حين انتهج هذا الحكم سياسة الانتفتاح، ثم بالتعاون معه من خارجه مع معارضته، في زمن انهيار مؤسسات الدولة ووشوك الانغماس كلية في الصوملة واللبننة والحرب الأهلية الشاملة كما كنا نقول في النصف الأول من التسعينيات، ثم بمحاولة الإصلاح من داخله منذ النصف الثاني من التسعينيات بغرض طمأنته ومرافقته من داخله في الحفاظ على ما بقي من الديموقراطية وصيانة فرصة استمرار العمل وبناء مؤسسات الدولة من جديد، فحققنا في ذلك انجازات معتبرة لصالح الوطن، ثم حاولنا الانتقال إلى الشراكة الكاملة من داخلة في بداية العشرية الأولى من القرن الجديد بغرض بناء الاقتصاد وتكريس الديموقراطية والشروع في الإصلاح السياسي بعد صيانة المؤسسات ووقف العنف وتحقيق المصالحة الوطنية فلم نفلح في ذلك للأسف الشديد. ثم خرجنا في زمن البحبوحة المالية من الحكومة حين لم يُسمع لنا وحين عرفنا بأن البحبوحةَ مؤقتةٌ وأننا مقبلون على زمن قد يصيبنا ما أصاب البلاد العربية المنكوبة بعد الربيع العربي إن لم نبادر للإصلاح. أدركنا حينها بأن خطنا في الكفاح من أجل الاستقرار والصراع ضد الزمن والسعي لتوفير الحكم الراشد لا بد أن يستمر من خارج الحكومة، ضمن معارضة وسطية صارمة معتدلة بناءة إيجابية تفضل العمل المشترك وتقريب وجهات النظر، تبني على مضى ولا تهدم ما فات، عنوانها: لا حل لأزمة البلاد إلا بالتوافق المبني على المصداقية والسيادة الشعبية.

هل ستنقل الانتخابات المقبلة حركة مجتمع السلم إلى طور سياسي جديد ضمن هذه التطورات الكبرى منذ السبعينيات. الجواب: قد يكون نعم وقد يكون لا ولكن في كل الأحوال سنبني على ما مضى ولا نكرر التجارب الفاشلة أو غير المجدية. إن آخر عهدنا بالحكومة أننا أردنا أن ننتقل فيها من التحالف إلى الشراكة فلم نفلح فخرجنا، ولن نعود لها إلا من حيث أنتهينا، أي ضمن شراكة حقيقية تقوم على أساس المصداقية السياسية والإرادة الشعبية. إننا لن نعود إلى الوراء، بل سننتقل بوطننا وحركتنا إلى الأمام على أساس وضع الانتخابات وحقيقتها ونتيجتها. وإلا فطريق معارضة السلطة الحاكمة قد خبرناه وتحكمنا في ناصيته بأساليب عصرية تشاركية محكمة، سنعرف كيف نطورها بعد أن نخرج من الانتخابات أكثر دربة وقربا من المواطنين، وأكثر فهما لواقع الساحة السياسية وما يُعتمد عليه فيها، وما أو من لا يليق تضييع الوقت معه.

 

د. عبد الرزاق مقري

الرؤية السياسية:

بعد أن وصفت الوضع العام في المقال الأول من هذه السلسلة وبعد أن تحدثت عن الفرص والآمال المستقبلية وقبل الحديث عن السيناريوهات المحتملة ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة أضع بين أيديكم ـ مجددا وبشيء من التطوير ـ رؤية حركة مجتمع السلم للخروج من الأزمة: ترى حركة مجتمع السلم أن الجزائر دخلت في أزمة كبيرة على الصعيد الاقتصادي تتعلق باختلال هيكلي بين الواردات والصادرات. لا يخفى على أحد تراجع الريع بسبب تراجع الإنتاج و إرتفاع الاستهلاك الداخلي للطاقة وعدم قدرة الأسعار على الارتفاع فوق معدل 60 دولارا لسنوات طويلة مقبلة.لقد أدى هذا التراجع إلى تقليص حاد في مداخيلنا، و من جهة أخرى بقيت تكاليف حياتنا مرتفعة رغم المجهودات المبذولة في نقص الواردات لأننا بلد غير منتج مفرد في استيراد البضائع والسلع وكثير من الخدمات. إن نتائج هذا الإخفاق في المحافظة على التوازنات قد بدأت تظهر، وستتعاظم في نهاية 2017-2018-2019 ومن هذه النتائج: غلاء مضطرد للمعيشة، ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، انهيار مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، تصاعد أزمة السكن رغم المجهودات الكبيرة المبذولة ، تهري الطرقات دون القدرة على صيانتها، انتشار العوز والفقر والعياذ بالله، ونتيجة ذلك اضطرابات اجتماعية متلاحقة، منها تصاعد موجات العنف والإجرام والانحرافات الاجتماعية.

مهما حاول المسؤولون تبرير هذه الأزمة ومسحها كلها في أزمة أسعار النفط دون أي تقدير للمسؤولية ومعنى الأمانة، يبقى السبب الحقيقي والأوحد هو السبب السياسي المتعلق بسوء التسيير والفساد والنهب والتبذير وقلة الكفاءة واستحالة الرقابة على الشأن العام. وباعتبار أننا اخترنا أن نكون متفائلين مستبشرين بالمستقبل فإنه مهما كان من أمر هذه الأزمة فإن للجزائر قدرات خارقة ومقدرات لا محدودة للخروج منها. غير أن الفرق بين المقدرات الطاقوية التي بذرت وبددت والمقدرات الأخرى العظيمة في الجزائر أن الاستفادة المالية من مقدرات البترول والغاز لا تتطلب ذكاء ولا عبقرية ولا رشدا. يكفي أن يخرجها الحاكم العاجز من تحت الأرض، بإمكانيات البلد او بتسليم ذلك للشركات البترولية العالمية، فيبيعها في الأسواق العالمية ويدخل جزء من أموالها في خزينة الدولة فيصبح البلد غنيا. أما المقدرات العظيمة الأخرى فإن استغلالها والاستفادة منها يتطلب حكما راشدا، ووقتا كافيا، واستقرارا دائما للاستفادة من عوائدها. ودليل النجاح في هذه الحالة هو كثرة المؤسسات الاقتصادية المنتجة للثروة والمستخدمة لليد العاملة والإبداعات البشرية. فإن تحقق ذلك يدفع البلد ديونه من عرق العمل، ثم يصبح يلبس مما يخيط ويأكل مما يزرع، ثم يصبح ينتج سيارته وأدواتِه الكهرومنزلية وربما قطارَه وطائرته، ثم تَصلُح طرقه وتتحسن مستشفياته وخدماته الصحية، وقبل ذلك وأثناءه يتحسن مردودُ التعليم وترتبط الجامعة بالقطاع الاقتصادي وتكثر براعات الاختراع ويكثر علماء الجزائر ويشتهرون في كل البلدان ومنهم من يأخذ الجوائز العلمية الدولية. وفي ظل هذه الظروف تتحسن الخدمات السياحية ويكتشف العالم جمال الجزائر فتصبح وجهةً سياحية لا تنافس، فتجر السياحة معها صناعاتٍ وخدماتٍ أخرى كثيرة، فيتطور قطاع النقل وتصبح مطارات الجزائر من أكبر محطات الترنزيت بسبب الجمال والخدمة والمصالح والجغرافية، ثم نصبح نصنع سلاحنا بيدنا وتصبح الكتنولوجيا الصلبة والحديثة تحت تصرفنا، ونصبح عندئذ قوة اقليمية حقيقية تحسب الأمم معنا وليس ضدنا أو بنا، فيصبح الجزائريون فخورين ببلدهم، فيستديم الهناء والاستقرار والرفاه، ويحق لنا عندئذ ان نقول ” شكون حنا”.

إن الوصول إلى هذا المستوى لا يتطلب أكثر من عشر سنوات إلى خمسة عشر سنة، وثمراتُه تبدأ تظهر منذ السنوات الخمس الأولى بعد قرار الانطلاق. وقد يقول قائل هذه أحلام اليقظة، ولا يمكن لهذا أن يتحقق. والجواب: إذا كان غيرنا ممن كان مثلنا قبل عشرين، ثلاثين سنة قد حقق هذا أو شيئا منه، وبعضهم في الطريق إلى ذلك، فلماذا لا نستطيع نحن أن ” نفعلها”؟ انظروا إلى ماليزيا، تركيا، إيران، اندنوسيا، فييتنام، بولونيا، كيف كانوا وكيف هم؟ بل انظروا إلى بعض جيراننا كيف يتطورون، ولو بقي الأمر هكذا سيسبقوننا ونبقى نحن نحسدهم ولا نستطيع اللحاق بهم.

إن الشيء الذي يجب أن نفهمه، ويفهمه حكامنا خاصة، أن تجنب الصورة القاتمة الأولى التي رسمتها والانتقال إلى المشهد المشرق الثاني الذي صورته يتطلب بالإضافة إلى الحكم الراشد تضحيات كبيرة ويمر عبر سنوات عصيبة. لا بد من السير الصحيح نحوه والصبر الجميل معه في السنوات الخمس الأولى. لن تستطيع الحكومة التي تقود الانتقال إلى ذلك الواقع المشرق أن تحقق احتياجات الناس التي تعودوا عليها بالاتكال على الدولة، لن تسطيع تحمل التحويلات الاجتماعية بالشكل الذي هي عليه. ولن يصبر الناس على هذا التحول الكبير، الذي هم متجهون إليه في كل الأحوال، إلا إذا رأووا الرشد في حكومتهم، ورأوا مسالك الفساد قد قطعت، وأحسوا بتضامن وطني مجتمعي وحكومي صادق وفاعل، وتقشف يبدأ به المسؤولون، وخاطبتهم كل الطبقة السياسية بلسان واحد بخطاب الأمل: ” أن المرحلة العصيبة مؤقتةٌ وأن مستقبلنا جميعا سيكون مشرقا، وشعروا مع ذلك بأن كرامتهم مصونة وحريَتهم مكفولة وأصواتَهم محفوظة وقيمَهم مأمونة”. فإذا وقع ذلك سنرى من الجزائريين من الصبر والتفاني في العمل والتضحية والإبداع ما يدهش العالم، وسنكون جميعا، كلنا، بكل توجهاتنا وانتماءاتنا وأعراقنا، وأعراشنا، وجهاتنا، ومدننا وقرانا ومشتاتنا وعوائلنا في ذلك المشهد الممتاز البديع الذي حلمت به هاهنا، والذي لا شك يحلم به كل الجزائريين.

إن مغزى كلِّ هذا أن الطريق إلى الخروج من الأزمة ومعانقة الآفاق الواعدة يتحقق بتوفر حكومة راشدة مسنودة من كل الطبقة السياسية، خصوصا في السنوات الخمس الأولى. أي أن تتجه الجزائر كلها نحو الحل، نتعاون على الحاضر بكل مصاعبه ونبشر جميعا بمستقبل واعد، يعين الإيمان به على تحمل تلك المصاعب .

إن الزمن للبدء باقتحام هذه الآفاق يلوح لنا في مستقبل قريب، وأن الفرصة للمسك بأطراف هذه الحبال الموصلة ليست بعيدة. إنها الانتخابات التشريعية المقبلة التي لم يبق لإدراكها سوى شهرين. وإن المسؤولية كلَّها في يد النظام السياسي القائم لو توفرت له الإرادة السياسية. إنه لم يصبح من المفيد الحديث عن التزوير الانتخابي، رغم القوانين الجائرة التي لم نصوت على نصوصها في البرلمان. يمكن أن تكون الانتخابات غير مزورة، يكفي أن يقرر ذلك أصحاب القرار، يكفي أن يشعروا بخطورة التزوير بكل أنواعه هذه المرة، القبلي والأثنائي والبعدي، والنفخ في هذا أو إضعاف هذ. يكفي أن يدركوا بأن الأزمة الكبيرة القادمة، والتي ولجناها بعدُ، لن تستطيع مؤسساتٌ غيرُ شرعية ومعطوبةُ المصداقية أن تواجهها. يكفي أن يشعروا بأن استمرار نمط الحكم على ما هو عليه لن يخرجنا من الأزمة بل سيغرقنا فيها لا قدر الله.

إن الذي نقترحه أن تعبّر الانتخابات حقيقة هذه المرة عن الإرادة الشعبية، فتفرز كتلا برلمانية قوية ذات مصداقية، فتتطوع الأحزاب الفائزة لدعم حكومة توافقية تشمل كفاءات جزائرية من الأحزاب الناجحة وغيرها يقودها رئيس حكومة ذو كفاءة يتفق عليه، فتتعاون هذه الكفاءات على بلورة رؤية اقتصادية شاملة على النحو الذي ذكرناه وبرامج قطاعية وفقها تطبقها الحكومة ومختلفُ المؤسساتِ التنفيذية المركزية والمحلية ضمن معايير الحكم الراشد والشفافية والابتعاد عن الفساد بغرض الانقال بالجزائر من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المنتج.

إن أهمية التوافق بين مختلف القوى التي تمثل الشعب ومن يتعاون معها ليس في بلورة الرؤية ووضع البرامج ومكافحة الفساد فحسب، بل من أجل دعم الحكومة التوافقية وحمايتها أثناء هذا الانتقال الصعب الذي ستضطرب فيه الجبهة الاجتماعية، بما يحفظ هذه الحكومة من مواجهة معارضة قوية تهيج عليها الجمهور. وإن المقابل الذي تأخذه هذه الأحزاب نظير هذه التضحية بالكراسي هو شرف حماية الجزائر وخدمتها، ونيلُ فرصة الشراكة في ذلك، وضمان المستقبل الديموقراطي بتحقيق انتقال ديموقراطي متواز مع الانتقال الاقتصادي يتوافق فيه على دستور توافقي مستقبلي، وهيئةٍ مستقلة مستقبلية لتنظيم الانتخابات، وغير ذلك مما يلزم التوافق عليه من أجل مصلحة الجزائر وليس لمصلحة الأحزاب ولا الأشخاص.

 

د. عبد الرزاق مقري

السيناريوهات المستقبلية:

عرضت في المقال السابق الحلول السياسية التي نقترحها ضمن سلسلة مقالات تتعلق بالسيناريوهات المستقبلية ورؤيتنا لتخطي الأزمة التي توشك الجزائر أن تتعثر فيها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وربما الأمنية، وعلى أساس هذه الرؤية وحظوظها في التجسيد على أرض الواقع يمكننا أن نرسم توقعات مستقبل الجزائر بعد الانتخابات التشريعية وفق هذه السيناريوهات الثلاثة:

1 ـ السيناريو المشرق: وقوع انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية والانخراط في الرؤية السياسية التوافقية التي ذكرناها في المقال السابق وعندئذ ستتجه الجزائر نحو المشهد المشرق الذي رسمناه المقال السابق ذاته.

2 ـ تزوير الانتخابات والفشل في تحقيق التوافق وفرض سياسة الأمر الواقع وعندئذ ستتجه الجزائر إلى أحد السيناريوهين الآتيين:

أ ـ سيناريو الانفلات والعياذ بالله حيث ستتافقم الأزمة بين نهاية 2017

و2018 و2019 كما أوضحناه سابقا وتجد الحكومة ـ أو الحكومات التي ستتغير كثيرا ـ عاجزة على مواجهة الشعب الجزائري الغاضب، ويتوقف قلمي حقيقة عن التعبير عن ملامح هذا السيناريو، نسأل الله العافية، غير أني أقول بأن أي مكروه يصيب الجزائر في هذه الحالة سيكون المسؤول الوحيد عنه هم من بيدهم الحكم اليوم.

ب ـ سيناريو الأزمات الدائرية: الدخول في مسلسل أزمات دائرية متفاقمة قد تطول ولكن دون حدوث انفلات في بادئ الأمر وقد تتطور هذه الأزمات الدائرية إلى أحد السيناريوهين:

ـ إما العودة للسيناريو (1) أي السيناريو المشرق وتحقيق التوافق بين الجزائريين ضمن ظروف أصعب في لحظة ما تتوفر فيها شروط الانتقال الاقتصادي والسياسي، إما باستفاقة على مستوى أصحاب القرار من داخل النظام السياسي بالنظر للصعوبات التي ستواجههم والمخاطر الكبرى التي تفرض نفسها عليهم، أو من خلال تغيّر ميزان القوة بصعود أحزاب معارضة عاقلة تقدر على فرض قواعد لعبة جديدة تحفظ الجزائر من الانفلات ولكن تفرض على السلطة القائمة آنذاك إرادتها لمصلحة الجزائر، وستكون هذه الأحزاب المعارضة على قدر كاف من القوة الشعبية من خلال حالة وعي جماهيري جديد ينتجها زوال الوهم وإدراك حقيقة التحذيرات التي نبهت إليها الأحزاب والشخصيات السياسية عبر سنوات من الصبر والمقاومة السياسية.

ـ وإما فقدان التوازن في لحظة ما والدخول في السيناريو (2-أ) في حالة استماتة من بيدهم الأمر في تعنتهم وفشلهم في الاستجابة لاحتياجات المواطنين وغياب أحزاب ووسائط مجتمعية قوية تقدر على تأطير الجمهور الغاضب في ذلك الوقت.

قد يقول قائل ولكنك لم تذكر سيناريو آخر ولو على سبيل الافتراض وهو أن يصلح هذا النظام الحاكم دون الحاجة لكل هذا ويتكفل وحده دون غيره بإخراج البلاد من الأزمة التي صنعها بنفسه، وجوابي في ذلك أن هذا السيناريو بعيد المنال ولا يصح التفكير فيه، إذ هو تسليم الجزائر لسلطة أكدت عدم قدرتها مرات ومرات ومرات على تحقيق ذلك. ليس من العقل، وليس من المسؤولية وليس من المصلحة الوطنية أن نفكر في هذا أو نتبع هذا الوهم، فالذي عجز عن تحقيق هذا في زمن البحبوحة المالية ضمن ظروف سياسية وأمنية وإقليمية ودولية مثالية هو أعجز على تحقيق ذلك في زمن التقشف ضمن ظروف سياسية وأمنية وإقليمية ودولية صعبة. إن التجربة البشرية في مختلف القارات ضمن ظروف مشابهة أثبتت بأن تحقيق ذلك غيرُ ممكن، وعلاوة عن كل ذلك كتاب الله يرشدنا إلى الحذر من هذه الأوهام وفق قوله سبحانه: (( ..إن الله لا يصلح عمل المفسدين)) يونس 81، وقولِه (( .. ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)) البقرة 251 وقوله ((كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)) العلق 6-7.

هذا عن السيناريوهات الممكنة المتعلقة بالجزائر كلها فما هي السيناريوهات حركة مجتمع السلم.

لا بد من التأكيد قبل ذكر ذلك بأن حيرتنا في حركة مجتمع السلم هي على الجزائر وليس على حركتنا. حركتُنا أعدت نفسها لكل السيناريوهات وهي في كل الأحوال ستكون بإذن الله واقفة شامخة لا يحدوها إلا البحث عن الموقع الذي تخدم منه بلدها وفق السيناريوهات الآتية:

1 ـ تكون الانتخابات ذات مصداقية، وتنجح الحركة في الانتخابات وتستطيع أن تصل في مفاوضاتها من أجل التوافق مع المعنيين إلى مستوى الشراكة الذي يمكنها من أن تساهم في خدمة الجزائر كشريك حقيقي وليس مجرد واجهة لنظام لا تعرف أين يتجه، فتساند الحركة في هذه الحالة الحكومة بأن تكون طرفا فيها، أو أن تساندها مساندة ناقدة من خارجها للاحتياط وفق مستوى الاتفاق لمصلحة الجزائر.

2 ـ تكون الانتخابات مزورة أو لا تنجح الحركة في الانتخابات أو لا تصل إلى اتفاق يسمح لها بأن تنتقل إلى الشراكة المأمولة التي طالبنا بها في أواخر فترة وجودنا في التحالف الرئاسي، ويطلب منها أن تكون مجرد ديكور يهتم وزراؤها بقطاعاتهم ولا شأن لهم ولا لحركتهم بوجهة البلاد: وفي هذه الحالة سنبقى ملتزمين بسياسة المؤتمر الخامس، أي نحافظ على وجودنا في المعارضة على أن يكون همنا هو الانتشار التنيظمي والهيكلي والشرائحي في كل أنحاء الوطن، كما سنعمل على إعادة بعث العمل المشترك مع الطبقة السياسية المعارضة الفاعلة على ضوء التجربة الفارطة بما يجعلنا في الحركة وضمن التنسيق مع الغير قادرين على تأطير المواطنين بما يساعد على الانتقال إلى السيناريو (1) حين تتوفر الظروف، وتجنب الذهاب للسيناريو(2ـ أ) بالنسبة للسيناريوهات المتعلقة بالجزائر على النحو الذي ذكرناه أعلاه.

هذه استشرافاتنا التي ستعمق النظر فيها مؤسساتنا بعد الانتخابات التشريعية بكل مسؤولية وبكل سيادة، وسيتحمل كل منا مسؤوليته تجاه تلك القرارت.

إن الحركة تأخذ هذه الأمور بجد، ولا تهزل أبدا في نظراتها واستشرافاتها، كما لا تتهاون في إعداد نفسها لتكون قادرة على التعامل مع كل هذه الاحتمالات، لأن الأمر يتعلق بوطن بات أمانة في أعناق جيلنا، نحن جيل الاستقلال ورثة جيل الثورة بعد أن أصبحنا في الصف الأول من حيث تحمل المسؤولية، كما أن الأمر يتعلق بمصير أبنائنا وأحفادنا حتى نسلم لهم وطنا آمنا مزدهرا، تشارك طلائعهم الواجب معنا اليوم ولكنهم سيعيشون فيه وحدهم غدا فلا نريد أن يلعنونا حين نغادرهم، بل نريد أن يترحموا علينا وأن يكون كل ما يقومون به غدا حسنات جارية تلحقنا في قبورنا حيث يزول بهرج المناصب والأضواء ومتاع الدنيا وغرورها. كما أن الأمر يتعلق بمصير أمة وبمصير فلسطين إذ ستقوى الأمة وتشفى من جراحها وتتحرر فلسطين إن قويت الجزائر وسلمت، وستزداد أزمات الأمة وينتهي ريحها وتذهب معها فلسطين إذا ضعفت الجزائر وغرقت في أوحال أزماتها.

إن الانتخابات المقبلة فرصة لمعانقة السيناريو المشرق، وإن الحركة المؤهلة أكثر من غيرها لتكون طرفا أساسيا في تجدسيد هذا السيناريو هي حركة مجتمع السلم، ووجودها في البرلمان بكتلة طلائعية قوية فاعلة أمر طبيعي يدل على نزاهة الانتخابات، وعكس ذلك هو تزوير الواقع والحقائق الميدانية على الأرض. لم نكن حزبا نائما في السنوات الماضية، ولم تكن هياكلنا في سبات، ولم يكن مناضلونا ومناضلاتنا في دعة من أمرهم. لم نتوقف عن العمل ليل نهار ، كل أيامنا كانت من أجل بناء حركة قوية عصرية تعتمد الاستشراف والفكر والتخطيط، وترتكز على الانتشار في كل أنحاء الوطن وعلى تنمية عدد أعضائها ومناصريها وعلى تأطير الشباب والنساء ومختلف الشرائح سواء داخلها ضمن الوظيفة الحزبية أو بالتوجيه نحو مختلف مؤسسات المجتمع المدني ضمن نظرية الفصل الوظيفي بين الحزبي والدعوي، وبين الحزبي ومختلف الوظائف المجتمعية الأخرى غير الحزبية. وقد مكننا هذا من توسيع دائرة التأثير في مختلف سبل الخيرات، كما سهل لنا ذلك التفرغ للسياحة في أرض الجزائر للقاء مع الجزائريين عبر كل الولايات طيلة سنة 2016 وإلى هذا من سنة 2017، شارك في هذه الزيارات رئيس الحركة وكل أعضاء المكتب التنفيذي الوطني لتوعية المواطنين وشرح رؤانا ومواقفنا، وقمنا ب180 عملا جواريا للاستماع لانشغالات المواطنين، وتحميلهم مسؤولية دعمنا لنقدر على حل مشاكلهم، ولكسب ودهم وتعاطفهم، كما استطعنا ان نملأ الساحة الإعلامية بمداخلات قادة الحركة الذين تألقوا بكفاءتهم وبراعتهم في دفاعهم عن حركتهم ووطنهم وقضايا أمتهم، كما قدرنا على إنشاء مؤسسة خاصة ببلورة الرؤى والبرامج القطاعية من خلال أحسن كفاءاتنا لنقابل الحكومة ببراعة واقتدار سواء من حيث مراقبتُها أواقتراح البدائل الأفضل، وقد توصلنا إلى بلورة رؤية اقتصادية شاملة وبرامج قطاعية ل36 قطاعا. كما استطاعت كتلتنا البرلمانية أن تتميز بعطائها في وجه الحكومة نصحا ونقدا ومساءلات كتابية وشفاهية ومشاريع قانوينة ومداخلات علمية جريئة وحكيمة وقد سطع نجمهم في مناقشة قانون المالية 2016 و2017 وكانوا سببا للوعي العام الذي وصل إليه الجزائريون تجاه ما يعد لهم من هاذين القانونين، حتى نال نوابنا اعتراف وتقدير القريب والبعيد، كما تميز منتخبونا المحليون بكفاءة عالية في حدود الصلاحيات المحدودة الممنوحة للمنتخب المحلي فصنعنا في العديد من البلديات نماذج للنجاح لا يستطيع أحد مواراتها، كما توصلنا بفضل الله ان نوسع شبكة علاقاتنا الخارجية سواء في داخل الوطن حيث صارت الحركة هي بيضة القبان، الكل يرغب في دعمها، والكل يغضب من بعدها، والكثير يغار من أدائها، فاستطاعت رغم الصعوبات أن تحفظ علاقتها مع الجميع وأن تساهم في نشر ثقافة التعايش وتقبل الآخر والصبر على الخلاف وتجنب المهاترات، والتركيز على الهم الأكبر والتخلي عن سفاسف الأمور، فكانت بحق من أهم من ساهم في جمع المعارضة والإبقاء على مؤسساتها التشاركية الجديدة كالهيئة والتنسيقية رغم الاختلاف في وجهات النظر والتباين في المواقف والسياسات. كما أستطاعت أن يمتد نشاطها خارج الوطن فكانت بحق من أكبر الحركات الإسلامية التي تساهم في تطوير الفكر الإسلامي ونقل الحركة الإسلامية كلها إلى مستوى وفكر ومهارات العهد الدولي الجديد سواء على مستوى منتدى كوالالمبور أو ملتقى العدالة والديموقراطية أو التنسيق المغاربي أو الزيارات الثنائية في مختلف الدول، كما استطاعت ضمن نشاطها الخارجي ان تحتل المراتب الأولى شعبيا في دعم القضية الفلسطينية باعتراف أصحاب القضية ذاتهم.

وأما الإنجاز المبارك الأخير الذي ختمنا به سنة 2016 هو الوحدة الاندماجية التنظيمية مع إخواننا في جبهة التغيير، وحدة طبيعية لا غرابة فيها بين إخوة كانوا معا ورجعوا إلى بعضهم بعضا في سابقة غير مرصودة في الساحة السياسية والإسلامية. وحدة دفعنا إليها الواجب حين اجتمعت ظروفها المساعدة، وحدة سنبقى نسعى لنكملها على ما تركنا عليه الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فكرة ومنهاجا وتنظيما. وحدة توصلنا إليها مع أحبائنا في جبهة التغيير بعد مسار طويل، لا شأن له بالانتخابات ابتداء كما يقول بعضهم. لقد أثبتت الحركة بأنها قادرة على جمع التوقيعات إذ جمعت حيث لم يفرض عليها القانون ذلك، وقد اتضح بأن قرار وزارة الداخلية إعفاء أحزاب تكتل الجزائر الخضراء من جمع التوقيعات هو في مصلحة غيرنا أكثر من مصلحة حركتنا، فحركتنا هي الطرف الأساسي الذي وفر النصاب القانوني في كل الولايات باسم تكتل الجزائر الخضراء، ونحن أسعد الناس ولا شك بأن يستفيد من ذلك شركاؤنا السابقون ومن استفاد منهم ممن لم يكن معنا في التكتل، فهؤلاء كلهم إخواننا وواجبنا أن نسعى للتقارب بيننا مهما كانت الإكراهات بما يخدم مشروعنا ووطننا وأمتنا.

كما أن وحدتنا لا علاقة لها بالنتيجة الانتخابيية، إن وحدة الإسلاميين مجتمعين لن تؤثر في موازين القوة في الوقت الراهن. لا يزال النظام السياسي يستطيع أن يزور الانتخابات ويفرض إرادته ولا يستطيع الإسلاميون أن يفعلوا شيئا حيال ذلك. إن أي سلطة حاكمة مزورة في العالم تتوقف عن التزوير حين تعلم بأن الثمن الذي تدفعه إذا زورت الانتخابات سيكون فادحا. ولا يكون ذلك إلا حينما تستطيع الأحزاب حماية أصواتها بتيار شعبي قوي يقبل الخروج للشارع ليدافع عن أصواته سلميا، وهذا غير متاح في الجزائر الآن بسبب جراح مأساة التسعينيات وبسبب ما يحدث في المشرق وخصوصا سوريا، وبسبب بقاء آثار البحبوحة المالية وبسبب روح المسؤولية الوطنية التي تتحلى بها الأحزاب وفي مقدمتهم حركتنا التي إسمها السلم. إن الشيء الوحيد الذي يضمن نزاهة الانتخبات هو تحرك النخوة الوطنية داخل النظام السياسي (وهي موجودة بقوة داخل الدولة الجزائرية)، حين يدرك هؤلاء بأن الجزائر ستواجه أزمة اقتصادية شديدة ضمن محيط أقليمي ودولي متربص لا تنفع معه المؤسسات الهشة.

إن كل ما نقوم به مما ذكرته ومما لم أذكره هو واجب نريد به وجه الله أولا ، ثم هو واجب تجاه وطننا وأمتنا، ثم هو ضرورة قصوى لمواجهة المخاطر الدولية الجديدة المتعلقة بتغيير موازين القوة العالمية، التي توشك فيها الصين أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم وهي تعد نفسها استراتيجيا وعسكريا على غير عادتها لمواجهة أمريكا حماية لمصالحها، والتي صارت فيها روسيا لاعبا أساسيا تحرك بياطق الشرق الأوسط كما تشاء من أجل مصالحها خلفا لأمريكا والغرب كله. إن تراجع القوة الغربية التقليدية الأمريكية والأوربية أنتج فراغا كبيرا مهد لصعود اليمين المتطرف الذي جعل الإسلام هدفه الأول والذي تنبئ أفكاره وخطابه باقتراب محنة صعبة يكون ضحيتها المسلمون في تلك البلاد وقد يتحول الأمر إلى مواجهات أبعد من ذلك. وفي ظل تلك الظروف الصعبة كلها يتجه المشرق العربي نحو التفكك والحروب الطائفية التي تغذيها قوى إقليمية تستغل ضعف العالم السني، مما جعل فلسطين معزولة محاصرة بانشغال المسلمين عنها، ومعزولة ومحاصرة بكيد الكيان الصهيوني الذي تفرد بها، يهدد مقدساتها بالتهويد وووجودها بالإستيطان ولو لا صمود المقاومة القسامية في غزة وصمود ثورة الدحس والسكاكين في القدس والضفة لانتهى أمرها.

إن كل هذه السيناريوهات المحلية والدولية وكل هذه المخاطر الوطنية والإقليمية والدولية هي التي جعلتنا نعد أنفسنا بقدر ما نستطيع وهي التي جعلتنا نقول لشعوبنا وحكامنا في كل العالم العربي والإسلامي: إن الزمن والظروف لا تسمح بالاختلاف بيننا لنضع أيدينا في أيدي بعضنا صفا واحدا من أجل حماية أوطاننا وحماية أمتنا. اللهم فاشهد اللهم قد بلغنا.

 

د. عبد الرزاق مقري

دائرة الهداية: هي دائرة الدعوة والتربية والإيمان والرسالة، وعدد من فيها سيبقى قليلا إلى يوم الدين يقول الله تعالى :((وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين))يوسف103، بل إن أكثر المؤمنين فيهم دخن ((وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)) يوسف 106، وهذه الفئة ستبقى موجودة بإرادة الله ورعايته لكي تبقى الحياة، فما استمرار الدنيا إلا من أجلهم على قلتهم، وحينما يأتي ميعاد نهاية هذا العالم السفلي يأخذ الله آخر واحد منهم ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق عند الله)) حديث صحيح رواه الحاكم. ولا نطيل الحديث عن هذه الدائرة لأن الذين أكتب لهم هذا المقال يعرفونها جيدا، وقد اكتفيت بالإشارة إلى هذا المعنى المهم الذي لا يعرفه أكثرهم.

دائرة القيادة: وهي دائرة السياسة، القائد فيها والمقود، فالسياسة هي التي تقود الدنيا، وهي التي تصنع التاريخ، فما تاريخ الدول إلا تاريخ ساستها ودولها ومؤسساتها، وما الإنجازات الحضارية إلا منتوج إدارة الدول والمجتمعات، ودائرة القيادة يوجد فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، غير أن المؤمنين والصالحين فيها قلة، ولكن رغم قلتهم يستطيعون الظهور على غيرهم إذا ما فهموا أن لا غلبة فيها إلا باتباع السنن الإجتماعية والأخذ بأسباب القوة والنفوذ. إذا أخذ الفجار بزمام المبادرة كانت الدنيا لهم وكانت عندئذ ظلما وفسادا مهما تراكمت منافعها المادية، وهو حال العالم اليوم، وإذا كان الصالحون أهلا للقيادة تمكنوا، فيسعد الناس حينئذ في الدنيا، ومن آمن منهم فاز في الآخرة، وعلى هذا الأساس إذا أعتقد المؤمنون والصالحون بأنهم يستطيعون قيادة الدنيا فقط لأنهم مؤمنون صالحون فهم مخطئون، وإن ارادوا استعمال الدين للتمكن في الحكم فهم مجانبون للصواب وللفهم الصحيح للإسلام ، ولا محال سيفشلون. إنما تؤخذ الدنيا غلابا، بالإعداد وحسن السياسة والإدارة وأن يكون دهاء ومكر الصالحين أكبر من دهاء ومكر الكافرين والفاسدين والظالمين. وحين يقول الله تعالى:((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)) الفتح 28 ، لا يعني هذا أن الناس جميعا يدخلون الإسلام، فهذا أمر مستحيل وإنما المقصود أن يكون الإسلام هو الغالب وهو الأقوى والأظهر لكي لا تفسد الدنيا فسادا مطلقا قبل الأوان الأخير ولكي تحفظ كرامة الناس، مسلمهم وغير مسلمهم. ستبقى المعركة في الحياة الدنيا بين قادة الخير وقادة الشر والناس بينهما تبع. وأكثر هؤلاء الناس يتبعون من يضمن مصالحهم وطموحاتهم، والولاء الذي يظهرونه في فترة من الفترات لهؤلاء القادة أو أولئك أغلبه كاذب. إنما هو تموقع وفق توقع المصالح، سوى قلة جاءت من دائرة الهداية بالتربية او بالفطرة تناصر قادة الحق لأنهم على الحق، و من كانت عصبته هؤلاء فقد أفلح ونجح. لن يستطيع قادة السياسة الذين ينتمون إلى دائرة الهداية أن يفرضوا أنفسهم في دائرة القيادة إلا إذا أيقن أغلب الناس بأن مصالحهم الدنيوية في هؤلاء الصالحين، إما بخدمة الناس بصدق وتفان إذا كانوا في الحكم، دون النظر إلى دينهم وانتمائهم وثقافتهم، أو بقناعة أولئك الناس في مصداقية هؤلاء الساسة القادة بأنهم قادرون على تخليصهم من ظلم وبؤس هم فيه، أو على تحسين وضعهم أفضل مما هم عليه. وفي مواجهة قادة الشر لا يجب على قادة الخير أن يتترسوا بالشعب فحسب فقد يجلبوا لهذا الشعب المهالك، بل هم أنفسهم سيشيطنون بعدما كانوا على الحق إن فعلوا ذلك في غير وقته وبلا كفاءة وحسن تدبير، وقد وقع هذا في القرن الأول من التاريخ الإسلامي وهو يتجدد في كل مرة، مثلما حدث في الجزائر في بداية التسعينيات وحدث في مصر مؤخرا، لا تكون المواجهة بجحافل الشعوب فقط، حتى وإن كانوا صادقين في مناصرة الحق في تلك اللحظة. إن قوة الشعب هي ولا شك الأضمن والأبقى خصوصا إذا كان الشعب واعيا مؤمنا بقضيته وفقا لقوله تعالى: ((هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين))، صادقهم أو من كان مؤمنا ولكن في إيمانه دخن، ولأهمية الشعب في معادلة التدافع يتصارع قادة الخير والشر على كسبه في كل وقت، غير أن استعمال هذه القوة في غير وقتها دمار وفناء. إن قوة الشعب ليست قوة كفاح من أجل التغيير ولكنه قوة حسم في لحظة التغيير حين يأتي أوانه. فلا بد أن نتذكر بأن الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجا إلا بعد فتح مكة. قبل لحظة الحسم على قادة الحق أن يكونوا في مسوى الإعداد، وأن تكون لهم القدرة على التضحية، ولو بأنفسهم ومصالحهم من أجل الحق، دون ربط انتصار الحق بزمن من الأزمنة وفرصة من الفرص، وبداية الإعداد توفر الفكرة الأصيلة النابعة من دائرة الهداية، والبرنامج المناسب الذي يخدم مصالح الناس، والرؤية الثاقبة التي تسدد السير، وأهم ما في الإعداد بعد ذلك تأهيل الموارد البشرية، خصوصا في الصف القيادي، ليكونوا في مستوى إدارة الصراع، بأخلاق الدين ولكن بأدوات الدنيا، لأن حسن إدارة الصراع هي التي تجعلك تنتصر ولو كان خصمك أقوى منك ألف مرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

جاءت مظاهرات 11 ديسمبر ضمن سياق نستخلص منه درسا كبيرا في كفاحنا السياسي.
جاء المستوطنون وجنرالاتهم في الجزائر المحتلة بالجنرال ديغول سنة 1958 ليحكم فرنسا من جديد ويخلصهم من ثورة المجاهدين الجزائريين التي شملت كل الجزائر بعد عمليات فك الخناق على الأوراس في 20 أوت 1956 . يعتبر الجنرال ديغول صاحب الكتاب الاستراتيجي “حد السيف” بطلا قوميا عند الفرنسيين أعاد لهم شرفهم بعد سقوط باريس في يد هتلر واستسلامهم للألمان في الحرب العالمية الثانية بتنظيمه المقاومة الفرنسية وانضمامه للحلفاء واسترجاع بلده من الاحتلال النازي. خلافا لهذه الخلفية الثورية والكفاح من أجل الحرية لبلده عمل ديغول على كسر الثورة التحريرية وترسيخ إلحاق الجزائر بفرنسا نهائيا، فعمل باستراتجيتين متكاملتين: استراتيجية الإغراء من خلال ” مشروع قسنطينة” لتحسين وضعية الجزائريين المادية، واستراتيجية الحرب والتدمير للثورة ومعاقلها ومناصريها فأنزل للجزائر ترسانة عسكرية من الطائرات والآليات والجنود والخطط والعمليات المكثفة بشكل غير مسبوق وبمساندة ضخمة من الحلف الأطلسي.

أكد لي المجاهدون مشافهة بأن ديغول استطاع أن يلحق ضررا كبيرا بالثورة إلى حد توقفت فيه العمليات الجهادية تقريبا. لقد كاد ديغول أن يحقق هدفه، فلو توقفت الثورة لانكسرت إرادة الجزائريين ولاستمر الاحتلال إلى سنوات طويلة أخرى. غير أن الذي أنقذ الموقف هو الشعب الجزائري بانتفاضة 11 ديسمبر. انتبه قادة الثورة بأن الرسالة يجب أن يأخذها ديغول كاملة، فحواها أن الشعب الجزائري مصمم على الاستقلال مهما كان الثمن، فلا الإغراء يثنيه عن مطلب الاستقلال ولا التدمير العسكري يخيفه من استمراره في طريق الحرية، وأن الذي يجب أن يجيب ديغول هذه المرة هو شعب بكامله وليس المجاهدون الذي في الجبال فكان تنظيم المظاهرات التاريخية في مثل هذا اليوم من سنة 1960.
لقد كانت هذه المظاهرات حاسمة في تصحيح فهم ديغول للقضية الجزائرية، لقد علم بأن القضية ليست قضية متمردين على السلطة الفرنسية، بل هي إرادة شعب بكامله، وأن هذا الشعب ستهزم إرادته إرادة فرنسا، لأن هذا الشعب يدافع عن أرضه الجزائر، وأن الفرنسيين مغتصبون يقاتلون من أجل قضية ظالمة ستخسر لا محال، وأن الشعب الذي خرج للشوارع عن بكرة أبيه هو قوة المجاهدين والفدائيين والمسبلين الذين يحملون السلاح في الجبال وفي المدن، وأن قوة الحديد والنار مهما عظمت لا تهزم طالب حق أبدا. لم يهب ديغول شيئا للجزائر كما يقول أبناؤه من أذيال الاستعمار، بل اندحر وانهزم، وما انخرط في مسار المفاوضات التي انتهت بالاستقلال إلا حينما رأى إرادة الشعب الكاسحة في 11 ديسمبر. الفرق بينه وبين المستعمرين الذين حاولوا الانقلاب عليه حين أعلن ضرورة خروج فرنسا من الجزائر أنه كان أذكى منهم في قراءة إرادة الشعب الجزائري حيث علم أن نتيجة البقاء في الجزائر ليس الهزيمة على الأرض المحتلة فقط، بل كذلك تقهقر فرنسا ذاتها في أرضها، وأن التفاوض على الخروج هو كذلك لمصلحة فرنسا من هذه الزاوية، و للمحافظة كذلك على بعض الامتيازات وهو للأسف الشديد ما تحقق له ولبلده.
لا شك أن مظاهرات 11 ديسمبر هي من أكبر الأسباب التي أدت إلى الاستقلال، ولكن هي قبل ذلك المظاهرات التي حمت الثورة وأنقذت النخب حين تعثرت.

إن الدرس العظيم الذي نستخلصه في كفاحنا السياسي أن مساندة الشعب لأي قضية هو الذي ينجحها، وأن الذي يغلب الأنظمة سواء كانت استعمارية أم استبدادية إنما هو الشعب، وأما النخب عبر مختلف منظماتها وأحزابها فإن الذي عليها القيام به هو أن تبذل جهدا كبيرا لتوعية هذا الشعب وتحميله المسؤولية ونيل ثقته بالثبات والتضحية والصبر حتى إذا فهم الشعب القضية ووثق بمن يحملها يكون هو الطاقة العظمى التي تتحرك بها النخب. يكون الدعم للنخب من عموم الشعب عندئذ منظما ودائما وفاعلا في مختلف المجالات، فإذا تعقدت أوضاع النخبة في هذه المرحلة، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتوقف عملهم لعظمة القمع وشدة الاستبداد وساءت أوضاع هؤلاء الناس الذين أصبحوا واعين مدركين، خرج الشعب للشارع سلميا يأخذ أمره بيده مع التقدير التام للنخب ولما بذلوه من قبل، وحينما يتحقق النصر يكون الانتقال إلى وضع جديد لمصلحة الشعب ونخبه وللبلد كله في سلاسة ورشاد وتوفيق وسداد.

 


د.عبد الرزاق مقري.

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية