المقالات

– لا فرق بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب بالنسبة للعرب والمسلمين ، ولكن هناك شيء مؤكد معلوم وشيئ متوقع مجهول، الشيئ المعلوم الذي لا ريب فيه أن كلينتون تمثل صوت المؤسسة الأمريكية (أو الاستباشمنت أو الدولة العميقة في أمريكا) التي كانت دائما مع إسرائيل ضد العرب والمسلمين وهي سبب في كثير من مآسينا، وعليه لو أصبحت هيلاري رئيسة لكان وضع المسلمين على السوء الذي نحن عليه والأرجح يكون الحال أسوء، أما ترامب يتوقع أن يكون وضع العرب والمسلمين معه أسوء ولكن لا يوجد شيء يؤكد هذا ما لم يقع. ما يتلفظ به مرشح للرئاسة يمكن آن يتغير وتغيب حدته بعد أن يصبح رئيسا ولكن يصعب على سياسة المؤسسة أن تتغير.

– ترامب رئيس لم تتمناه الاستبليشمت، ولكن ستعمل على احتوائه، وأثناء ذلك سيقع التوازن بينه كشخصية متفلتة حتى على حزبه وبين المؤسسة، ستكون له بصمته الخاصة ولكن الاتجاه العام سيكون على ما تريده الدولة العميقة التي تؤثر فيها قوى كثيرة منها المؤسسات العسكرية والأمنية، ولوبيات السلاح، ولوبيات الطاقة، واللوبي الصهيوني وبعض اللوليات العرقية ومجموعات المصالح المختلفة.
– في الهامش الذي يخصه ويترك فيه بصمته فيه هو ما يتعلق بالمال، كل سياسات ترامب ستقودها رؤى قريبة المدى للتوسع الاقتصادي الأمريكي، ستهمه الفرص القريبة للربح أكثر من أي شيء آخر كما هي ذهنية رجل الأعمال مثله، لن يهتم كثيرا بالاستراتيجيات بعيدة المدى ولن يكون متحمسا على الإنفاق على مشاريع لا تكون عوائدها قريبة، وسيؤثر هذا على تحالفاته وفق تطورات الوضع الاقتصادي، وكل حليف سابق لم تصبح فيه مصلحة اقتصادية أو يمثل عبئا على أمريكا سيتخلى عنه، وباعتبار أن ترامب لا يرى وجود سبب لتحمل عبء الصعوبات الاقتصادية الأوربية أو مشاكلها الجيوستراتيجية، سيعرف الحلف الأمريكي-الأوربي تراجعا ملحوظا وسيتعامل مع الدول الأوربية دولة دولة وفق استعداد كل واحدة منها للاستسلام التام للإرادة الأمريكية أكثر مما هو حاصل الآن.

ـ ليس بالضرورة أن يكون ترامب وحده في هذه الاستراتيجيات الجديدة، فقد تكون ثمة قوى خفية داخل المؤسسات التقليدية التي تحدثنا عنها قد اختارت هذه الوجهة قبله وكانت هي ذاتها وراء صعوده لاستكمال المهمة وقيادتها ومما يدل على هذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، التقارب الجديد بين أمريكا وروسيا في بعض الملفات ومنها الملف السوري، المواقف السلبية الجديدة من المملكة العربية السعودية وقانون ((جاستا)) الذي صوت عليه الكونغرس الذي يؤدي إلى تغريمها بأموال طائلة تعويضا لضحايا 11 سبتمبر… ألخ..

ـ بالنسبة للمسلمين سيكون موقف ترامب منهم بقدر قدرتهم على نفع أمريكا أو إلحاق الضرر بها، وهناك في هذا المجال وجهان: وجه سلبي ووجه إيجابي. أما الوجه السلبي فهو أن شراسته ستكون أفتك بالمسلمين من سابقيه في أخذ ما يريد منهم إذا رأى ذلك ممكنا وليس له ثمن يدفعه، والوجه الإيجابي أنه سيكون أكثر واقعية وقبولا للحوار وتبادل المنافع إذا رآى نفسه في مواجهة دول إسلامية متماسكة قابلة للتعاون بينها والحديث بصوت واحد ولها قدرة على إيلامه وتضييع فرص الربح المتوقعة في بلادهم. وسيخضع الملف الفلسطيني لنفس القاعدة: سيكون مع إسرائيل إذا كان ذلك ينفعه ماديا أكثر، وسيحاول التوازن إذا رأى بأن وقوفه مع إسرائيل يضيع له فرصا اقتصادية أوفر.

ـ والخلاصة أن ترامب خلافا لسابقيه: يمثل بالنسبة للمسلمين فرصة جديدة وتهديدا أخطر مما مضى بحسب التحولات التي تقع في العالم وبحسب التطور نحو السلب أو الإيجاب في منظومات الحكم والمجتمعات العربية الإسلامية.

 

د. عبد الرزاق مقري

المراكز الغربية تحرص دائما أن يكون مع الضيوف العرب ممثلا أو أكثر عن حزب العدالة والتنمية التركي. وكانوا في كل مرة يعملون على إحراجنا بالسؤال عما إذا كانت تجربة العدالة والتنمية التركية نموذجا نقتدي به في بلداننا العربية. كان حزب أردوغان في عهدته الأولى بين سنة 2002 ـ 2008 وكان في وئام تام مع الغرب الأمريكي-الأوربي، كان يمثل فرصة العمر لهم لتدجين الحركات الإسلامية العربية على منوال التجربة الإسلامية التركية العلمانية المتصالحة مع إسرائيل. كان بعض الغربيين لا يثق بالواجهة المطمئنة التي كان يقدمها حزب العدالة والتنمية التركي، منها مسؤولة كبيرة في الاتحاد الأوربي مستشارة لدى رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزي مانويل باروزو سنة 2004 حيث قالت لي في حديث ثنائي كرد فعل على إصرار ممثل الحزب التركي على تأكيد علمانيته في اجتماع نظمه مركز كارنيجي في ألمانيا قالت: ” هل يظن أننا نصدقه !”. ربما كان كل الغربيين يعلمون بأن هذا الانتماء للعلمانية إنما هو انتماء اضطراري ولكن كانوا يتوقعون بأنه انتماء أبدي وأنه يجب وضع  كل الإسلاميين في الظروف التي تجعلهم علمانيين متصالحين مع إسرائيل وأنه يحسن كثيرا أن يُقدّم لهم نموذج ناجح لذلك.

كان جوابي في كل هذه اللقاءات جوابا بيّنا واضحا على شاكلة ما حدث في ذلك النقاش الثلاثي الحيوي الصريح في واشنطن في ندوة نظمتها منظمة “سنتيري فونديشن”  في شهر ماي سنة 2008 شارك فيها الأستاذ محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية المغربي وممثل عن حزب العدالة والتنمية التركي، وكنت أمثل في الندوة حركة مجتمع السلم حيث قلت لمنظم الندوة الذي سأل مرة أخرى عن رأينا في النموذج التركي، قلت له: ” لا شك أن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي تجربة رائدة في مجال الحوكمة والتنمية الاقتصادية يمكن الاستفادة منها لا سيما أنه وصل في تلك السنة في آخر عهدته الأولى إلى تحويل دخل الفردي التركي من 3500 دولار سنة 2002 إلى 10500 دولار سنة  2008 ونقل صادرات تركيا من 36 مليار دولار إلى 132 مليار دولار، غير أن ثمة فروقا أساسية في البيئة السياسية لا تتحمل التشبيه أولا تسمح بالمحاكاة منها أن تركيا أصبحت بلدا ديموقراطيا لا تُزوّر فيه الانتخابات، وما كان أردوغان ليحقق ما حققه لو لا توفر الحريات والديموقراطية في تركيا، وأن حزب العدالة والتنمية وجد وضعا علمانيا مستقرا لمدة سبعين سنة لا يمكنه تغييره، في حين أن دساتير بلادنا العربية كلها تُقر بأن الشريعة هي مصدر التشريع أو على الأقل أن الإسلام هو دين الدولة، وأن هذا الوضع الدستوري مستقر منذ عشرات السنين تحت حكم أنظمة قومية، فلا تتوقعوا أبدا أن الأحزاب الإسلامية ستخفض هذا السقف فتتبنّى العلمانية على شاكلة حزب العدالة والتنمية التركي وهي كلها أحزاب بنت وجودها على مواجهة العلمانية”.

لقد كنت أظن أنا كذلك بأن حزب العدالة والتنمية حزب لا علاقة له بالفكرة الإسلامية وأن مؤسسيه قد بعُدت عليهم الشقّة في كفاحهم الطويل مع شيخهم نجم الدين أربكان فغيروا وبدلوا طمعا في الاكتفاء بخدمة بلدهم في مجال التنمية ضمن المشروع الغربي الرأسمالي الربوي وأنهم، مهما كان احترامنا لهم بسبب إنجازاتهم في السنوات الخمس الأولى من حكمهم، لا يجب أن نعتبرهم نموذجا ومثالا يقتدى به، ذلك أن فكرتنا بقيت عالمية رغم الصعوبات التي نجدها في بلادنا العربية تهدف إلى تحرير فلسطين وتحرير العالم بأسره من السيطرة الرأسمالية الربوية الظالمة، وأن نظيرنا في تركيا هو حزب السعادة، حزب نجم الدين أربكان رحمه الله رغم انحصاره السياسي لدى الناخبين الأتراك.

بقيتُ هكذا لسنوات عديدة، يزداد إعجابي بإنجازات أردوغان وإخوانه في خدمة بلدهم، ولكنني لم أقبل مشروعهم على المستوى الفكري الحضاري أبدا وحسبته جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية المهيمنة التي لا بد أن تنهار ذات يوم، واعتبرت بأن هذا المشروع التركي قد يكون مجرد مرحلة في الطريق لا يعتد به كنموذج نهائي للإسلام والمسلمين، نكتفي بالثقة بصلاح أصحابه وابتعادهم عن الفساد وبالاعتراف بنجاحاتهم الكبيرة التي وصلت في نهاية عهدتهم الثالثة إلى ما يشبه الخيال بالنسبة لما كانت عليه تركيا قبل توليهم الحكم، وقد دونت هذا الحكم عليهم في بحثي الذي قدمته في المؤتمر الأول لمنتدى كوالالمبور بماليزيا سنة 2013 والذي نشرته تحت عنوان: ” الدولة المدنية: رؤية إسلامية”.

غير أن صاعقا فكريا هزّني ذات يوم غيّر تصوري وحُكمي على الإنتماء الفكري لأردوغان وأصحابه تماما، حيث أدركت بأن هذا الفريق المسلم التركي الحاكم صاحب رؤية إسلامية عالمية أصيلة، وأنه يعرف ماذا يفعل، وأن مشروعه مشروع إسلامي تجديدي تجاوز كل التجارب العربية الإسلامية السابقة والحاضرة، وأنه يتعامل مع الواقع كما هو ويعمل على تغييره بالتدرج للوصول إلى صورة نهائية مرسومة لديه باستعمال الشرعية الشعبية التي لم يحصل عليها إلا بخدمة مصالح الناس والعدل بينهم وتوفير الحريات التي تحلّ كل القضايا الأيديولوجية الخلافية في إطار من السلم والاستقرار والوعي العام والتّحضُّر.

كان ذلك في المؤتمر السنوي الاقتصادي لجمعية رجال الأعمال والصناعة المستقلين ” موصياد”  سنة 2014. بدأ المؤتمر بتلاوة آيات تحريم الربا في سورة البقرة جعلتني أشعر بشيء من السعادة، وقلت في نفسي ربما ثمة في محيط هذه الحكومة أو المنظمة المشرفة على المؤتمر  من يحمل فكرنا واتجاهنا فاختار هذه الآيات من باب التذكير فحسب، غير أنّي سمعت بأذني ما لم أكن أتوقعه في المحاضرات المتسلسلة لوزراء الاقتصاد والمالية والتجارة ثم رئيس منظمة الموصياد ثم الرئيس التركي طيب رجب أردوغان سحلوا فيها كلهم الفكرة الرأسمالية الربوية الغربية، وكانت المحاضرة الأقوى هي محاضرة الرئيس التي حاكم فيها النظام الرأسمالي الغربي الربوي وحمّله مسؤولية الحروب والفقر والاستعمار والظلم والإرهاب وغير ذلك من الآفات التي تعرفها البشرية اليوم.

عندئذ قلت في نفسي لقد كشف أردوغان اتجاهه، وهو نفس الاتجاه الذي بقي يعلنه شيخه نجم الدين أربكان حتى وافته المنية والذي نؤمن به جميعا، ربما يكون أردوغان قد كشف حقيقة منهجه في الوقت المناسب، ولكن ذلك لن يمر بلا ثمن باهض سيدفعه عاجلا أم آجلا….. يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

حينما كتب فرانسيس فوكوياما كتابه ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير” سنة 1992 خطّأه كثير من الكتاب والمفكرين من مختلف الحضارات والثقافات واعتقدوا بأن عكس ادعائه يحصل في العالم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن الزمن زمن بروز الثقافات المتنوعة في العالم وظهور قوى دولية جديدة والتخلص نهائيا من الأحادية القطبية الأمريكية. كثير من هذا حصل حيث ظهرت قوة الصين وباقي دول البريكس في المجال الاقتصادي وأصبحت هناك قوى اقليمية تلعب دورا أساسيا في العلاقات الدولية وأصبحنا نرى العالم بألوان الطيف من حيث التنوع الثقافي. غير أني لا أعتقد بأن هذا الذي كان يهم فوكوياما حين تحدث عن نهاية التاريخ، الذي كان يهمه هو المجال الفكري ومرجعية القيم في الكون، اعتقد فوكوياما بأن نهاية الاتحاد السوفياتي هي الانتصار الأبدي للرأسمالية الغربية المادية الربوية ومذهبها الليبيرالي وبذلك يتنهي صراع المشاريع بالتسليم التام بأن نموذج إدارة الاقتصاد والأسواق هو النظام الرأسمالي دون غيره وأن الليبيرالية ستنتصر أبديا على مستوى المبادئ والأفكار وتصبح معولمة بل تكون منهج حياة البشرية كلها. وعليه، كما نراه الآن في كل مكان، يصبح الذي يتحكم في الحكومات رجال المال والأعمال والمؤسسات الاقتصادية العابرة للقارات ويصبح الحكام خاضعين لإرادة واحدة هي إرادة السوق ومن يتحكم فيه، هي التي توصلهم للحكم وهي التي تسقطهم. وحين يكون الأمر كذلك يتأكد فعليا إمكانية وجود “حكومة عالمية خفية” تسخّر المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية لإرادتها من حيث درت تلك المؤسسات والحكومات أم لم تدر بالرضا أو كرها، وحين يكون الأمر كذلك تفعل أصابع المنظمات الخفية المرتبطة بالصهيونية فعلها كالماسونية واللوبيات المالية والإعلامية وغيرها من المنظمات السرية الشبيهة ومنها منظمة فتح الله غولن المتهمة بالارتباط بالماسونية والمتصلة اتصالا وثيقا بالأجهزة الأمنية الأمريكية، ويصبح عندئذ التمرد على هذه المنظومة العالمية عسيرا جدا يشبه المستحيل أحيانا. قد يُسمح لمن يريد أن يتميز عن هذه المنظومة أن يكون هامشيا يُستفاد منه في تزيين المشهد العالمي، فإذا أراد أن يكون مشروعا عالميا بديلا تتم محاولة استيعابه ليكون مكملا للمشروع الرأسمالي العالمي بقيمه الغربية المهيمنة، فإن أصر على التميز بمرجعية أخرى يُضرب بيد من حديد، بكل الوسائل الممكنة، بالفوضى أو الأزمات أو الحصار أو الانقلابات أو الاغتيال أو شيء من هذا.

إننا حين نتابع اقتصاديات العالم كله في كل الدول بمختلف ثقافاتها وحضاراتها ونظم حكمها سنجدها كلها تمثل نمطا واحدا هو الاقتصاد الرأسمالي الربوي، ذلك هو اقتصاد الصين ضمن نظام الحزب الواحد، وذلك هو اقتصاد الروس ضمن النظام المافيوي المسيطر، وذلك هو اقتصاد دول البريكس، وذلك هو اقتصاد الدول الإسلامية الصاعدة كماليزيا واندنوسيا وتركيا، كلها اقتصاديات تشبه الإقتصاد الرأسمالي الغربي الأمريكي الأوربي، إنها نهاية التاريخ حقا إذا استمر الأمر هكذا، كل هذه الأنظمة تخضع لمذهب واحد هو المذهب الرأسمالي المادي الربوي وهي كلها أنظمة مخترقة بدرجات متفاوتة من الصهيونية العالمية.

إلى جانب كتاب فرنسيس فوكوياما ظهر كتاب آخر ذائع الصيت هو كتاب ” صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” لصاحبه صمويل هنتنتن، والكتاب في أصله مقالة كتبها المؤلف في مجلة “فورين آفيرز” الأمريكية سنة 1993 يرد فيها على تلميذه فرنسيس فوكوياما مؤكدا بأن الحضارة الغربية لم تنتصر بعد وأنها ستواجه صراعات جديدة ليس مع الدول ولكن مع الحضارات الأخرى، ويمثل الكتاب،في حقيقة الأمر، خطة متكاملة لأصحاب القرار الغربيين لمواصلة سيطرة الحضارة الغربية على باقي الحضارات الأخرى، أي لتتحقق “نبوة” تلميذه ذاتها ! وكأنه يقول له “لا تجعلنا نسترخي بنشوة الانتصار فنُغلب، إن علينا مهمات جديدة ليس ضد الدول بحد ذاتها ولكن ضد حضاراتها وقيمها وهويتها”. يحصي صمويل هنتنتن في هذا الكتاب الحضارات الموجودة في العالم ويخلُص إلى أن ثمة حضارتين منافستين للحضارة الغربية هما الحضارة الكنفوشيوسية الممثلة في الصين والحضارة الإسلامية الممثلة بدول الشرق الأوسط وما يتصل به وهي أخطر الحضارات كلها على الغرب حسب هنتنتن، وأن المواجهة الأساسية هي بين ” العالم المسيحي” بقيمه العلمانية من جهة و”العالم الإسلامي” من جهة أخرى. لا أريد أن أفصل في فحوى هذا الكتاب فليس هذا موضوعنا، وقد نشرت بشأنه كتابا منذ سنوات عنوانه: ” صدام الحضارات: محاولة للفهم”، ولكن الذي أريد أن أنبه إليه أن الخطة المعروضة في الكتاب قد أتت ثمارها بالنسبة للصين إلى حد كبير، حيث أصبحت الصين تمثل اقتصادا متكاملا مع الاقتصاد الأمريكي وفي أسوء الحالات قد تهدد المصالح الأمريكية والأوربية ولكنها لا تهدد الحضارة والثقافية الغربية على الإطلاق، بل قد أصبحت مندمجة فيها اندماجا كبيرا أصبح يقلق أصلاء الكونفوشيوسية  ولا يجيدون لحيرتهم حلا، وفي أسوء حالٍ من هذا قد تتضرر أمريكا ضررا كبيرا من صعود الصين ولكن الصهيونية لن تتأثر وجوديا بذلك، ذلك أنها وجهت اهتمامها للصين منذ سنوات طويلة وقد اخترقت الاقتصاد الصيني اختراقا كبيرا من خلال هيمنة الفكرة الرأسمالية الربوية ونفوذ رجال الأعمال الصهاينة أو المتصهينين، وهي في راحة تامة من أمرها في هذا الشأن.

إن المشكل الذي تجده “حكومة العالم الخفية” هو مع العدو الأول حسب تصنيف كتاب صدام الحضارات، مشكلتهم الكبيرة هي مع الإسلام المستعصي عن الاستيعاب والإدماج، بل المقاوم الأوحد في الكون لظلم الفكرة الرأسمالية المادية الربوية كما يقر بذلك عدد من القامات الفكرية في الغرب ذاته، بل الإسلام هو القوة الوحيدة التي تعرض بديلا حضاريا معارضا معارضة كلية للهيمنة الاستعمارية الرأسمالية. وخطر الإسلام بالنسبة للنظام العالمي المهيمن ليس في تطبيق الشريعة الإسلامية المظهرية، لا تمثل هذه المسألة شيئا بالنسبة لهم إذا كانت الحكومات والمنظمات التي ترفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية قابلة للاندماج والتبعية الأبدية للسيادة الغربية الرأسمالية الربوية المادية، ثمة دول ومنظمات لا أوضح منها في تطبيق الحدود مثلا، دعوة أوفعلا، ولكنها متحالفة وصديقة لأمريكا وأوربا بل بعضها قريب جدا من دولة إسرائيل ذاتها. كما لا يهم أمريكا وحلفاؤها أن تتمسك بعض المنظمات والدول بالإسلام خارج السيادة والقيم الغربية إذا كانت هذه الدول والمنظمات ضعيفة وهزيلة، بل قد تكون هذه الدول والمنظمات مفيدة لاستمرار الهيمنة الغربية من خلال استعمالها والتخويف بها.

إن الذي يخيف أمريكا هو المشروع الإسلامي البديل التحرري الذي يقاوم الظلم العالمي ويرفض الهيمنة الغربية ويكافح الصهيونية ويكون في نفس الوقت قويا متطورا متحضرا قادرا على الاستقلال عن الإرادة الغربية باقتصاد قوي ومؤسسات حكومية صلبة وشعب فاعل ومتحضر، ولا يهم أن يكون هذا المشروع في صورته النهائية الكاملة أو يكون في طور التحرر من الواقع العالمي المهيمن. لهذا السبب يُضرب اليوم د. محمد مهاتير من خلال دعم أمريكا وإسرائيل لخصومه في المؤسسات الحكومية لكي لا يبقى له أي نفوذ في الدولة الماليزية بالرغم من أنه هو صانع نهضتها وقوتها، يضرب مهاتير اليوم بلا هوادة لأنه يجوب ماليزيا والعالم بأسره يحذر من مخاطر الربا والهيمنة الغربية ومن مخاطر الكيان الصهيوني وسطوته. ولهذا السبب يحارب أردوغان ولهذا السبب كان الانقلاب الفاشل، إنه انقلاب ضد فكرة يحملها طيب رجب أردوغان وإخوانه تعلّموها في شبابهم في الكتاتيب ومعاهد الأئمة والدعاة ومع أستاذهم المفكر الكبير نجم الدين أربكان رحمه الله، أجلوا التعبير عنها ضمن خطة محكمة ومشروع متكامل، وتعاملوا مع الواقع كما هو بنيّة تغييره بالتدرج على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام والمجددين في كل زمان، ولكن وهم في أعلى مستويات نجاحاتهمفي مجال التنمية والاقتصاد وصناعة القوة والتحضر اضطرتهم الأحداث أن يعلنوا عن وقوفهم مع الحق بلا تردد ولا هوادة، قولا وعملا،  في قضية فلسطين أساسا وفي قضايا الأقليات والشعوب المسلمة المضطهدة والتي تمر بمراحل صعبة كمنيمار والصومال  وغيرهما، ثم في قضية تحرر الشعوب على إثر ثورات العرب ضد الظلم والتخلف والاستبداد فأصبحوا مصدر الإلهام واتجهت إليهم مشاعر الحب والتقدير لدى الشعوب العربية والإسلامية التي عبرت عن ذلك أحسن تعبير على إثر الانقلاب الفاشل. لقدبدأ هؤلاء الأتراك المتميزون يتحولون فعلا إلى نموذج ماثل ناجح تقيص عليه شعوب العالم العربي والإسلامي لتنتشر العدوى فيتحول المشروع التركي إلى مشروع عالمي بديل، ولربما تتالحف معه حضارات أخرى مستضعفة غير إسلامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فيتحول العالم كله إلى واقع غير الواقع الذي تحبه الرأسمالية المادية الربوية. ولعمري هذا أمر لا يمكن أن تقبله حكومة العالم الخفية وروحها المتصهينة. هذا الذي كتبه هنتنن وهو يتحدث عن الإسلام، وهذا الذي يُطبّق أمام أعيننا، كتب بشكل واضح بأن السمة الأبرز في ضعف الأمة التي تنتمي للحضارة الإسلامية حاليا هو غياب الدولة النموذج التي تمثل أو تتجه إلى تمثيل الفكرة الإسلامية الحضارية التحررية، وهذا هو الضعف الذي يجب أن يستمر..

 

د. عبد الرزاق مقري

 

من منطلق اختصاصنا في العمل السياسي نحن ضد السياسات الإيرانية في المنطقة العربية، من حيث موقفها السلبي في القضية المصرية، وإجرامها في سوريا والعراق ودعمها واستعمالها للمليشيات الشيعية المجرمة، ومن استغلالها للمذهب والطائفة ومحاولتها ضرب استقرار المنطقة العربية بحملات التشييع المنظمة وبجواسيسها وأتباعها وبتحالفاتها المشبوهة مع الغرب والكيان الصهيوني وندعو الحكومات إلى ضرورة الحزم والصرامة في مواجهة سياساتها التمددية ومحاولات الاختراق التي تنتهجها مع تفضيل تفضيل الطرق الدبلوماسية وضرورة محاورتها وإقناعها ما أمكن بأن مصالحها في التعاون وليس في التآمر، ونحن في نفس الوقت نقاوم فساد الأنظمة العربية السنية بكل مسؤولية، ليس من منطلق المنافسة على السلطة والكرسي ولا من باب المناكفة السياسية والأيديولوجية ولكن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر لتفريط هذه الأنظمة في خدمة بلدانها وتطويرها وتحقيق وحدتها وبسبب موالاتها للأجنبي وبسبب التفريط في فلسطين وخذلان المقاومة، كما نواجه كل أنواع التطرف السني بكل مصداقية. ونحن إذ نؤكد على ضرورة فضح جرائم الميليشيات الشيعية في سوريا والعراق ودعم ومناصرة ونجدة ضحاياها وإذ نقر حق البلدان العربية في مقاومة التمدد الإيراني فإننا في نفس الوقت ضد الخروج من الدائرة السياسية في الصراع إلى الدائرة الطائفيية المدمرة لكيان الأمة على النحو الذي يريده الغرب والصهاينة، وحتى إذا انحرف الصراع إلى المواجهة العسكرية لا قدر الله لا يجب أن تكون حربا بين الشيعة والسنة بل بين دول تدافع عن ترابها وكيانها وسيادتها وقد يكون ذلك في سبيل الله وفق مقاصد ونوايا كل طرف وإذا كانت المواجهة على أسس شرعية. غير أننا نفضل صناعة القوة الاقتصادية والدفاعية والفكرية ووحدة عالم السنة على المجابهة والاقتتال مع الشيعة، ونحن ضد تكفيرهم على العموم، وضد رسم جدر القطيعة مع عالم الشيعة أو الدخول معهم في عداوة طائفية، بل لا بد من البحث عن المساحات المشتركة ما أمكن وذلك هو منهج صلاح الدين الأيوبي رحمه الله معهم قبل أن يحرر المسجد الأقصى كما سنرى في المقال المقبل.

غير أننا ونحن نمارس السياسة، في حركة مجتمع السلم، نحن مسلمون وأهل ثقافة وعلم، ولا نُقدم على شيء حتى يكون لنا فيه تأصيل شرعي، نتبع فيه ما يذهب إليه جمهور علمائنا الموثوقين لا نعتدي في ذلك ولا نزيد، وحينما يكون في الأمر وسع نبحث ونجتهد جماعيا حتى يتضح لنا الحق، مستعينين بالله، ندعوه بدعاء نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))

وأريد أن أعتمد في هذا المقال التأصيلي لموقفنا من عموم الشيعة على ما ذهب إليه علماء كبار من أكثرهم تشددا في حق الشيعة لا يستطيع من يخالفنا رد أقوالهم، نبدأ بابن تيمية وننتهي بالعثيمين رحمهما الله تعالى، في قضايا حساسة تتعلق بتكفير عامة الشيعة، وقتالهم على أساس المذهب، وقضية تفضيل اليهود والنصارى عليهم، وأرجو بعد هذا المقال المؤصل أن يسكت الذين ليس لهم علم، كما أرجو من الذين يريدون تحويل المواجهة المشروعة مع إيران وحزب الله إلى حرب دينية خدمة لبعض الدول والأنظمة التي يوالونها أن يتقوا الله في الإسلام والمسلمين، وأن ينتبهوا إلى مخاطر الحروب الطائفية على الأمة جمعاء وأن يراجعوا منهج صلاح الدين في معالجة قضية الشيعة قبل تحريره المسجد الأقصى.

أولا: الموقف الحقيقي للإمام ابن تيميه من الحكم على الشيعة:

حينما نتحلى بالموضوعية العلمية ونتحرى الحقيقة في ما ذهب إليه ابن تيمية في قضية تكفير الشيعة سنجد بأنه لم يتجه إلى ما اتجه إليه بعد المتشددين المعاصرين وفق مذهب إجمالي يطلق حكما واحدا على جميعهم دون تمييز بين فرقهم، وبين معتقداتهم وأفكارهم والأشخاص المنتمين للمذهب، بل نجده تبنى مذهبا تفصيليا لا يقر فيه بخروج الشيعة كلية عن الإسلام. فهو رغم “وصفهم بالضلال وقلة العلم والعقل، والتناقض والاضطراب، والعداء للمسلمين، والتعاون مع الأعداء” لا يخرجهم من دائرة الإسلام بالكلية، ومما يدل على ذلك ما يلي:

1 ـ أنه يعتبر أن دخول الكافر للإسلام على مذهب الرافضة خير له من بقائه على الكفر ويقول في هذا: “( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا ) (مجموع الفتاوى : 13/96).

2 ـ يعتبر أن في الرافضة خلق مسلم فيقول بخصوص عصمة الأئمة: ( فهذه خاصة الرافضة الأمامية، التي لم يشركهم فيها أحد، لا الزيدية الشيعة , ولا سائر طوائف المسلمين , إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية الذين يقولون بعصمة بني عبيد , المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر , القائلين : بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر , وأولئك ملاحدة منافقون . والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير , فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطنا وظاهرا , ليسوا زنادقة منافقين , لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم ..) (منهاج السنة : 2/452 ).

3 ـ يُعذِر جاهلهم ولا يقول بتكفير عوامهم فقد بين أن عوام الشيعة الذين لم يعرفوا أمرهم قد يكونوا مسلمين حيث يقول (.. وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا أمرهم فقد يكونون مسلمين , (منهاج السنة : 2/452.

4 ـ فرق بين تعميم التكفير على القول الكفري المعين وبين تكفير الشخص المعين حيث يقول فى مجموع الفتاوى ( وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرْت دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ . فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ . وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي ” قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ)

5 ـ ينكر القول بتفضيل اليهود النصارى على الشيعة : حيث يقول فى الرد على من يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ( كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم) (مجموع الفتاوى :35/201 ).

6 ـ يقول بصحة الصلاة خلف الإمام الرافضي: حيث يقول( والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة , فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فانه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره آثر ذلك حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك إذا كان الأمام قد رتبه ولاة الأمور، ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة والجهمية(مجموع الفتاوى : 23/354)

7 ـ وقرر ضرورة التمييز بين الفرق الشيعية ونفى إجماع العلماء في تكفيرهم جملة، ونتيجة لذلك لم يضع حكم واحد على هذه الفرق، بل وضع أحكام متعددة ،وهذا الموقف يتفق معه فيه كثير من علماء أهل ألسنه الذين قرروا : إن الشيعة على ثلاثة أقسام: قسم كافر بالإجماع كغلاة الشيعة، وقسم غير كافر بالإجماع كالشيعة المفضلة، وقسم وقع فيه خلاف بين العلماء كالرافضة .حيث ذكر الإمام ابن تيمية الشيعة المفضلة عند ذكر الفرق التي أجمع الأئمة على عدم كفرهم (مجموع الفتاوى : 3/351 ). كما ذكر ان غلاة الشيعة بفرقهم المتعددة كفار بالإجماع) منهاج السنة : 3/452 و 5/337) , وذكر أن العلماء لهم في الرافضة قولان , هما روايتان عن الإمام أحمد) مجموع الفتاوى :3/56 والصارم المسلول :567ـ571.

8 ـ وبخصوص القضية الخطيرة المتعلقة بقتالهم فقد جعله مقيدا بمن تنطبق عليه شروط القتال ممن خرج على الحاكم الشرعي، أو أعان الأعداء على المسلمين فهو من باب قتال الفئة الباغية وليس من باب جهاد الكفار المحاربين، أي أن سبب قتالهم سياسي وليس على أساس البعد الديني أو الطائفي.

ثانيا: موقف الشيخ ابن عثيمين في تكفير الرافضة:

يقول ابن عثمين: الرافضة كغيرهم من أهل البدع ، إذا أتوا بما يوجب الكفر صاروا كفارا وإذا أتوا بما يوجب الفسق صاروا فساقا ، وإذا كان لشيء من أقوالهم القريبة من أقوال أهل السنة شيء من النظر، وصار محل اجتهاد فهم فيه كغيرهم ، فلا يمكن أن يجاء بجواب عام ويقال:كل الرافضة كفار، أو كل الرافضة فساق ، لا بد من التفصيل والنظر في بدعتهم، ويجب علينا أن ندعوهم إلى الحق، وأن نبيّنه لهم، وإذا كنا نعلم من أي فرقة هم، فعلينا أن نبيّن عيب هذه الفرقة، ولا نيأس، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، ربما يهديهم الله على أيدينا، فيحصل لنا خير كثير ، والانسان الذي يهتدي بعد أن كان غير مهتد قد تكون فائدته للمجتمع أكثر وأكبر من الذي كان مهتديا من الأول ، لأنه عرف الباطل ورجع عنه ، وبيّنه للناس فيكون بيانه للناس عن علم. المرجع: لقاءات الباب المفتوح رقم السؤال 1557رقم اللقاء 703 / 520 طبعة دار البصيرة.

 

صليت الجمعة هذا اليوم في مسجد يؤمه إمام شاب ذو نزعة سلفية معتدلة، أغلب خطبه التي سمعتها من قبل مفيدة ونافعة، ومحفزة على الخير والمحبة والإصلاح، له أفضال على حيه في تعليم القرآن والسنة، ولكن في الجمعة الأخيرة سمعته يدعو دعاء مفزعا، لقد دعا على الشيعة جملة وتفصيلا، دعا عمليا على قرابة ثلاثة مائة مليون من أهل القبلة.

أنا أعلم بأن جرائم كثيرة تقترف باسم الشيعة وآل البيت في سوريا والعراق وبلدان أخرى، أنا أعلم بأن كثيرا من أهل السنة في هذه البلدان أصبحوا يبغضون الشيعة لما لحقهم منهم من أذى، أنا أعلم بأن الظلم الذي تقترفه إيران وحزب الله قد بلغ عنان السماء. أنا ممن يدعو إلى إنكار هذه المناكر والعمل على توقيفها، تماما مثل ما أدعو إلى إنكار جرائم دواعش السنة وأخواتها في حق أهل السنة والشيعة. ولو دعا هذا الإمام الفاضل على إيران وحزب الله لما أصابني ربما الفزع الذي أصابني اليوم ولقلت بأن له موقفا سياسيا، ولو دعا على الميليشيات الشيعية المجرمة لكان الموقف عاديا مفهوما. فإيران أفسدت بسياستها الطائفية، وحزب الله جزء من استراتيجيتها وهو تبع لها في كل شيء، والدواعش الشيعية التي تعيث في سوريا والعراق فسادا تتبعها وتعمل تحت حمايتها.

منذ زمن وأنا أقول بأن لإيران مشروعا قوميا فارسيا، وهي تُسخر الطائفة الشيعية لهذا المشروع وليس العكس، وحرصها على التمدد في عالم السنة مشروع سياسي لا ديني، وإنما الدين أداة تستغله بذكاء لهذا الغرض. ولو علم ذلك الإمام الشاب هذا الأمر لما جمع الشيعة كلهم في سلة واحدة ولما دعا بذلك الدعاء المفزع. ما الذي جعله يدعو على الشيعة، لماذا لم يكن يدعو عليهم في الشهور الماضية، وفي السنة السابقة، ألم يكن الشيعة شيعة، عقيدتهم وفقههم وتفسيرهم للتاريخ هو ذاته منذ قرون طويلة. وقد تعايش المسلمون مع ذلك التنوع والاختلاف كل تلك المدد، ورغم الحروب الكبيرة التي وقعت، والخيانات العظمى التي حدثت بقي الشيعة شيعة والسنة سنة، وهم كذلك سيبقون ولن يتغير من الأمر شيء.

إن الذي يجب أن ينتبه إليه ذلك الإمام الشاب الصالح الطيب أن الخطة الجديدة لضرب الأمة العربية الإسلامية وتشتيتها وإضعافها هي الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة. لقد علم الغرب بزعامة أمريكا بأن حليفيه التقليديين في المنطقة المتمثلين في المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني المسمى دولة إسرائيل، لم يصبحا مهمين كما من قبل، وسيكونان أقل أهمية بدرجات متفاوتة بينهما في مراحل مقبلة، وذلك لأسباب كثيرة ليس المجال للحديث عنها، يتداخل فيها تطور أوضاع المصالح والثروات مع التطورات الاستراتيجية المتعددة. غير أنه مهما تراجعت  أهمية المنطقة لتلك الأسباب ستبقى مهمة من حيث الجيوستراتيجية، أي من حيث  الأبعاد الجغرافية، وكل استقرار سياسي وتطور اقتصادي وكل تحول نحو الديموقراطية وتجسيد إرادة الشعوب سيؤدي إلى وحدة سياسية بشكل ما يراها الغرب خطرا مباشرا عليه. وباعتبار أن أمريكا وحلفاءها يعيشون أزمات اقتصادية فهم لا يستطيعون ضمان حضور جيوشهم للسيطرة على المنطقة لمدة طويلة، ولذلك أحسن بديل للسطرة على المنطقة هو إشعال نيران الحرب الطائفية. وإن الحيلة التي اختاروها لهذا الغرض، هو دعم الأقلية الشيعية الإيرانية وتقويتها وتجرئتها على التمدد داخل أغلبية كبيرة ضعيفة ومترهلة. فلا الأقلية الشيعية القوية تستطيع أن تهيمن على الأغلبية، ولا الأغلبية السنية المهينة الممزقة تقدر على هزيمة الأقلية، والنتيجة عندئذ حرب طائفية تدوم مائة سنة كما تنبأ  بذلك الاستراتيجي اليهودي الأمريكي الماكر هنري كيسنجر.

إننا بدون شك لا نلوم إيران على أن يكون لها مشوع قومي فارسي، فهذا حقها وهذا هو شأن الدول، ولكن ما نلومه عليها هو رفع شعار الإسلام والعمل بما يخالفه، ورفع شعار المقاومة وإنشاء ظروف الفرقة والتمزق بين المسلمين المخالفة لأهداف ومشروع المقاومة، وأكثر ما نند به بخصوصها هو تورطها وحلفائها في الجرائم، والقتل والتشريد والتجويع على أساس المذهب، ومن ذلك مأساة مضايا في سوريا والمقدادية في العراق التي ستبقى عارا على جبينها وجبين حزب الله.

غير أن ذلك كله لا يبيح أن نجعل الشيعة كلهم في كفة واحدة، وأن ندعو عليهم، وأن نحاربهم على أساس مذهبهم وطائفتهم، لم يفعل ذلك العلماء والتابعون من قبل رغم إنكارهم على بعض عقائدهم وسلوكهم مع الصحابة، وكل الحروب التي كانت بين السنة والشيعة، سواء بين البوهيين والسلاجقة، أو العثمانيين والصفويين، أو ما وقع في فترات متعددة بين الفاطميين والمعز بن باديس في المغرب الأوسط، ومن قبله عبد الرحمن الناصر في الأندلس إلى أن قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي في مصر، وغير ذلك من الحروب، كانت كلها حروبا سياسية هزمت فيها الدول الشيعية في كل تلك السجالات في آخر المطاف، ولكن لم تودّ تلك الحروب أبدا إلى حروب طائفية نبذ فيها الشعبان الشيعي والسني بعضهما بعضا.

إن الحكمة في معالجة الصراع السياسي الإيراني العربي ليس في تأجيج النزعة الطائفية، إن فعلنا ذلك سنجعل كل الشيعة يحتمون بإيران ولو كانت ظالمة، وليست كذلك في تفضيل المواجهة الشاملة والقطيعة التامة مع إيران، ولا من خلال الحرب بالوكالة بواسطة الجماعات الإرهابية، سواء الميليشيات والدواعش السنية أم الميليشيات والدواعش الشيعية. وإنما الحكمة في أن تنافس البلدان السنية إيران الفارسية الشيعية المسلمة في القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والعسكرية والفنية، وأن تحقق الوحدة والنهضة الشاملة في العالم السني، ذلك الذي سيجعل إيران تُنسِّب طموحها، تماما مثل ما هو التاريخ، كلما ضعف السنة وُجد في الشيعة من يقودهم للتمدد داخل السنة، وكلما قوي السنة كان الشيعة ضمن الأمة، يكون منهم العلماء والأدباء والسياسيون الذين يخدمون الإسلام وأهله.

إنه حينما يلجأ إمام ذو سمعة طيبة مثل هذا الذي صليت عنده هذه الجمعة إلى الدعاء على الشيعة الروافض[1] كلهم على المنبر بحضور أعداد كبيرة من المسلمين، كرد فعل على جرائم بشعة اقترفها بعض الشيعة، نشعر كم هو سهل التورط في فتنة طائفية تأكل الأخضر واليابس نسأل الله العافية.

 

د. عبد الرزاق مقري

ــــــــــــــــــ

 

[1] ـ الرافضة أو الروافض: المفرد: رافضي) والرفض : بمعنى الترك. ويطلق المصطلح من قبل بعض أهل السنة على الشيعة الاثنا عشرية. قال ابن تيمية في أصل تسمية الرافضة: «من زمن خروج زيد – يقصد زيد بن علي – افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني. فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه، وسُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه.

 3- مؤشرات تحول الدولة (أ).

إن النقاش غير المسبوق الذي يحدث في المجلس الشعبي الوطني بخصوص قانون المالية يدل على أن الأمر خطير، والمؤشرات السياسية لذلك هي مقاومة بعض نواب الأغلبية، والتصريحات التي صدرت في الكواليس من مسؤولين في الأغلبية في هياكل المجلس وخاصة في اللجنة المالية التي تفيد بأن عليهم ضغوطات كبيرة لتمرير بعض المواد في قانون المالية، ويقابل ذلك ظاهرة جديدة تتمثل في بروز نواب يرفعون سقف قيمة الرسوم المضرة بالمواطنين أكثر من الحكومة، وبعض هؤلاء يتهمهم زملاؤهم بأنهم مكلفون من قبل رجال أعمال للدفاع عن مواد محددة. وقد أدت هذه المقاومة التي تحالف فيها نواب المعارضة وفي مقدمتهم نواب تكتل الجزائر الخضراء مع عدد من نواب الأغلبية خصوصا من جبهة التحرير الوطني إلى إسقاط بعض المواد الخطيرة من التقرير التمهيدي مع ضغوطات شديدة لإرجاعها في الجلسة العامة. ومهما كانت نهاية التصويت ومدى ثبات بعض نواب جبهة التحرير الأصلاء في هذه الملحمة الكبيرة تحت قبة البرلمان فإن مشروع قانون المالية الذي قدم للمجلس الشعبي الوطني يدل على دخول الجزائر في مرحلة جديدة أصبح رجال الأعمال هم من يملك القرار الحكومي بدعم من قوى خارجية صارت لها اليد الطولى في توجيه مسارات الدولة الجزائرية وخياراتها ضمن السياق الذي تحدثنا عنه في المقال الأول من هذه السلسلة.

وحينما نقول بأن ثمة قوى خارجية تشرف على هذا التحول لا نبالغ البتة، فقد سمعت بنفسي من مسؤول كبير من الموالاة يقول لي شخصيا بأن كل القرارات المهمة التي اتخذها رئيس الجمهورية كانت بالتنسيق مع القوى الدولية، كما سمعت من وزير سابق حديثا مشابها سمعه من صاحب مكانة في مؤسسة مهمة في الدولة الجزائرية يخبره فيه بأن كل القرارات المهمة اتُّخذت بحضور مسؤول فرنسي كبير، وبالرغم من أن الأجواء السياسية قد تجعلنا نفهم بأن هذه التسريبات يقصد منا تسميم المعلومات ضمن صراع الأجنحة المعلوم فإن ما نراه من تحولات يجعلنا نميل إلى تصديق مثل هذه التسريبات. كما أنني كلما استقبلت دبلوماسيا من الدبلوماسيين الغربيين أشعر أنه يحاول إقناعي بضرورة التحول نحو تسليم الاقتصاد الوطني لرجال الأعمال للخروج من الأزمة حسب قولهم، وقد كان أحدهم واضحا لا يحمل عناء التحفظ في دعوته لتحمل “كسر البيض من أجل طهيه”، ولم يتحرج أحدهم في الدفاع عن رجل أعمال جزائري بعينه، وذهب آخر في بسط الحديث عن الفوائد التي تجنيها الجزائر من وجود مؤسسات بلده على أرض بلادنا. لم يكن الخلاف بيني وبينهم حول أهمية القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني ولكن عن سيطرة عدد قليل من رجال الأعمال على الثروة في البلاد، وسنبين ذلك أكثر عند حديثنا عن الحلول التي نقترحها.

إن هذا القانون هو بحق أخطر قانون عرفته الجزائر منذ سنوات وهو أداة عملية لتحقيق أهداف خطيرة نجملها في ما يلي:

– خوصصة المؤسسات الاقتصادية الاستراتيجية والمساس بالسيادة الوطنية.

– الانتقال من احتكار الدولة للثروة إلى احتكارها من قبل الخواص من داخل الوطن وخارجه.

– إلغاء الديموقراطية وإضعاف المؤسسات السيادية والرقابة على المال العام.  

– تفقير الشعب الجزائري.

– إثقال كاهل الدولة بالديون.

ولتوضيح حقيقة هذه الاستراتيجية الرامية لتحويل الدولة الجزائرية إلى دولة رأسمالية متوحشة تدور في فلك الأنظمة الغربية وعلى رأسها فرنسا نركز على المواد المهمة التي لو مرت يكون المجلس الشعبي الوطني قد اقترف جريمة حقيقية لن تمحى من صفحات التاريخ، ويكون النواب الذين صوتوا عليها هم نواب العار الذين ستلاحقهم الفضيحة وتلاحق أبناءهم من بعدهم تماما كما حال “الحرْكة” أثناء الثورة التحريرية الذين قد يكون بعضهم قد تاب إلى ربه، وربما يكون الله سبحانه الرحمن الرحيم قد قبلهم، ولكن التاريخ لم ينسهم وبقيت المذلة تلاحقهم، بل ألحق التاريخ بهم أبناءهم رغم براءتهم مما فعل آباؤهم. لا سيما وأنه لا يوجد إلى الآن ما يفرض على الحكومة أو النواب ما يجعلهم يتجهون هذه الوجهة في وجود بديل لا يزال صالحا إلى هذه اللحظة وهو بديل الانتقال الديموقراطي المتفاوض عليه الذي تعرضه المعارضة.

وتتمثل هذه المواد في ما يلي:

– المادة 66: وهي أخطر المواد على الإطلاق تفتح الطريق لاستحواذ الشركات العالمية العابرة للقارات على مؤسساتنا الاقتصادية الاستراتيجية مثل سونطراك وسونلغاز وغيرهما خلال خمس سنوات بشكل مباشر أو بواسطة رجال أعمال جزائريين متحالفين معهم، يؤدي ربما إلى التراجع عن تأميم المحروقات وشطب تاريخ 24 فبراير 1971 من الذاكرة الوطنية. إن هذه المادة تنص على أنه يسمح للمؤسسات الاقتصادية العمومية التي تنجز عملياتٍ لفتح الرأسمال الاجتماعي إزاء المساهمة الوطنية المقيمة، الاحتفاظ بنسبة: 34% من مجموع الحصص الاجتماعية .بعد انتهاء مدة خمس سنوات يمكن للمساهم المقيم رفع خيار شراء الأسهم التي تحوزها المؤسسة العمومية الاقتصادية إلى مجلس مساهمات الدولة. وذلك دون أي قيد لنوعية المؤسسات المعنية. وعلاوة على أن هذه المادة مخالفة للدستور في مادته 17 التي تنص على أن ((الملكية العامة هي مِلكٌ للمجموعة الوطنية)) فهي تمثل تحايلا غير أخلاقي على قاعدة 49\51 لإلغائها دون ضجيج باعتبار أن هذه القاعدة أخذت شهرة كبيرة وأصبحت مفهومة ومبسّطة لدى شرائح واسعة من المواطنين وتحول المساس بها إلى عنوان للخيانة الوطنية لدى الكثيرين. إنه حينما وقع الضغط على الحكومة بخصوص هذه القاعدة من قبل القوى الخارجية وخصوصا الفرنسيين الذين عبروا عن ذلك بشكل واضح ومفتوح بواسطة رئيس برلمانهم حينما زار الجزائر لم يستطع النظام السياسي مواجهة الرأي العام باتخاذ قرار صريح بإلغائها فالتف حولها بهذه المادة، مع العلم بأنه كان بإمكانه أن يحقق توافقا مع القوى السياسية والاجتماعية يؤدي إلى إلغاء هذه المادة بخصوص أغلب القطاعات مع المحافظة عليها في القطاعات الاستراتيجية فيحفظ مقدرات الجزائر ويصون سيادة البلد ويراعي حقوق الأجيال المستقبلية. ولكنه لم يفعل لأن ثمة خطة فعلية لتحويل الدولة الجزائرية تحولا دراماتيكيا نحو الرأسمالية الغربية.

– المادة 53: وهي مادة وقع حولها صدام شديد بين النواب كادت تصل إلى الاشتباك بالأيادي وقد أدى هذا الحراك إلى الوعد بإلغائها في التقرير التمهيدي للجنة المالية الذي سيعرض على الجلسة العامة ويتمثل هذا القانون في إلغاء قانون الامتياز والانتقال إلى التمليك ضمن ظروف مريبة تؤكد بأن هذه المادة مصنوعة لتسوية وضعية ما ولترسيم صفقات تم إبرامها مع جهات مالية ما، وتنص هذه المادة على أن  تكون “الأراضي التابعة لأملاك الدولة والموجّهة لإنجاز مشاريع ذات طابع سياحي محل منح امتياز قابلٍ للتحويل إلى تنازل على أساس دفتر الشروط، بشرط الانجاز الفعلي للمشروع مثبت بشهادة مطابقة، ويكون ذلك  على أساس القيمة التجارية المحدّدة من طرف مصالح أملاك الدّولة”، والتي قد تكون بالدينار الرّمزي، مع خصم الأتاوى المدفوعة بعنوان منح الامتياز، إذا طلب المستثمر ذلك خلال سنتين من الانتهاء من المشروع. أي فور إنهاء المشروع تصبح الأرض التي بني عليها ملكا للمستثمر بإجراءات إدارية بسيطة، والأخطر من ذلك أن هذا التدبير يطبق بأثر رجعي ابتداءً من: 01 سبتمبر 2008م، ولا يوجد أي قيد يمنع تحويل طبيعة استغلال الأرض وقد يتوسع الإجراء ليشمل الأراضي العقارية والأراضي السياحية ضمن ظروف تسوء أكثر فأكثر تضعف فيها الدولة وتترهل ويتنامى فيها نفوذ أصحاب المصالح في الداخل والخارج.

 

د. عبد الرزاق مقري

2-  مؤشرات الإخفاق والفشل: من المسؤول.

من أهم ركائز الحكم الصالح، وأكثر الصفات وضوحا للنظام الديمقراطي “المسؤولية”. أي أن الحاكم حين يحكم يشعر بأنه تحت رقابة من أوصله للحكم وأنه سيُسأل عن تصرفاته ونتائج أعماله، فإذا نجح وصلُح استحق التأييد والمؤازرة وتجديد الثقة، فإن فشل وتأكد فشله أو استحكم فساده واستمر في غيّه استحق الخذلان والاعتراض وسَحب الثقة منه بل ربما الخلع والنزع. إنه لا معنى لكلمة المسؤولية سوى هذا. إن ” المسؤولية” التي هي بمعنى تقلد المناصب وفق ما درج في لغة السياسة مأخوذة من كلمة سَأل يَسْأل فهو سائل، وسُئِل يُسأل فهو مسؤول.  فإذا كنا في دولة تحترم القانون، ويقوم عليها أشخاص متحضرون كانت معالجة الأمر يسيرة سهلة: حين يفشل المسؤول أو يتورط في فضيحة يستقيل قبل أن يقال، فإن لم يفعل لاحقته المؤسسات الرقابية والقضائية حتى تأخذ الحق منه، فإن صمد وتحايل على المؤسسات تأتي الانتخابات الموالية فيُسقطه الناخبون بأصواتهم، ولكن إذ تسلّط على الحكم متخلفون، بهم عاهات نفسية وفكرية صعُب الأمر وتعقدت المعالجة واشتد الكرب على الناس، ولا يتغير الحال إلا بعد أزمات عظيمة وفتن شديدة لا تُبقي ولا تذر.

أخشى حقيقة أن يكون أمرُنا في الجزائر على هذا النحو الأخير. لقد حكم الجزائر منذ الاستقلال نظام سياسي واحد أتيحت له من الفرص ما لا يخطر على البال ولكنه في كل مرة يفشل فشلا ذريعا، وفي كل مرة يُدخل البلد في أزمات عظيمة تعمِّق تخلفنا. وكانت آخر الفرص هذه التي برزت منذ سنة 2000، نعمت الجزائر بالأمن والاستقرار، وتوفر للنظام السياسي قاعدة سياسية عريضة، وشعب صبور أحبطت طموحاتِه فتنُ الدماء والدموع، ومداخيل خيالية تمثل 70 بالمائة من مجمل المداخيل من الاستقلال. لقد أنفق النظام السياسي قرابة 800 مليار دولار ومع ذلك ازدادت تبعيتنا للمحروقات فأضحت مداخيل البترول والغاز تمثل 98 بالمائة، و60 بالمائة من إيرادات الدولة، وإلى 30 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، ولم يصل معدل النمو في هذه الفترة كلها 4 بالمائة، وفي الأخير وجدنا أنفسنا في أزمة اقتصادية تهدد مستقبلنا جميعا. إن الدراسة التي قام بها بعض المتخصصين في ما يمكن تحقيقه بهذا المبلغ تُطير النعاس من الهم بالمقارنة بما تم إنجازه فعليا في مختلف أنحاء العالم بهذا المبلغ: شبكة معاهد ومدارس وجامعات من الطراز الأول تخرج أنجب الإطارات، ومدن بكاملها تُبنى من الصفر، ومئات ناطحات السحاب، ومطارات لا مثيل لها، وإقامة شركات منتجة بمقاييس الشركات العالمية، ومستشفيات بأرقى المواصفات، وقطارات سريعة راقية بآلاف الكيلومترات، وطرق سيارة لا تبقى معها أزمة في السير أبدا، وفنادق فوق المعايير العادية، ويبقى في  الخزينة فائض بمائة مليار دولار على الأقل. كل هذا لم يحدث في الجزائر للأسف الشديد، بل العكس هو الذي حدث، مشاريع في حالة مزرية أُنفق عليها أضعاف ما يجب إنفاقه ـ بسبب الفساد، وكثير من المشاريع آيلة للتوقف، وبعد كل الإنفاق الجنوني الذي وقع تواجه الجزائر أزمة عميقة مفتوحة على كل الاحتمالات.

لقد نبهتُ بنفسي المسؤولين مرارا وتكرارا، زرتهم في قصر الحكومة وفي رئاسة الجمهورية وفي العديد من مكاتب الوزارات وتحدثت معهم بالتحليل الاقتصادي وبالأرقام الصماء، ولكنهم لم يسمعوا، بل إن العديد من المسؤولين كانوا يُكذِّبون توقعاتنا، ويتهموننا أثناء خطبهم بالكذب وتسويد الصورة. بعضهم كان يتصرف هكذا رغم كفاءته لأنه يريد البقاء في منصبه، وبعضهم عديم الكفاءة قليل الإدراك بحقائق الاقتصاد ومقتضيات التسيير، وبعضهم كان ماكرا يعرف الحقيقة ولكنه يجحدها ربحا للوقت، وربما لحاجة في نفسه، خوفا من أن يؤدي الاعتراف إلى زعزعته عن الحكم، أو ربما، بالنسبة لبعضهم، لشر يضمره للبلد وأهله.

حينما انهارت أسعار المحروقات كشفت المستور قبل الأوان ولم يصبح ممكنا إخفاء الحقائق. إنه يمكن أن نفهم بأن انهيار أسعار البترول في هذه المرحلة بالذات نعمة من الله، ذلك أن المشكلة لا تتعلق في حقيقة الأمر بأسعار البترول فقط، بل الأزمة أعمق من هذا، ولو لا أزمة الأسعار لاستمر الغرور والخداع وقتا أطول و لأصبحت عملية الإنقاذ مستحيلة. إن معضلة المحروقات تتعلق أولا بمشكلة تراجع الاحتياطات، هذا الذي نبّهْنا له مبكرا، وصدّقنا في ذلك وزير الطاقة والمناجم يوسف يوسفي في مكتبه قبل أن يقال بشهر واحد، فقد أخبرني بأن الاحتياطات الجزائرية في تراجع منذ عشرين سنة، ويتبع هذا التراجع تراجع في الإنتاج، حيث لم نصبح قادرين على الوصول للسقف الذي حددته منظمة الدول المصدرة للبترول (opep)، ويضاف إلى هذه المعضلة مشكلة الاستهلاك المحلي حيث نستهلك في حدود 40% مما ننتجه من الطاقة. وفي ظل هذا الواقع كله ليست الجزائر متأكدة من قدرتها على تغطية احتياجات زبائنها في أوربا عندما يأتي أجل تجديد العقود سنة 2019  وفق ما أخبرني به ذات الوزير. فالمشكلة قائمة إذن في كل الأحوال، وإنما جاء انهيار أسعار المحروقات في الأسواق العالمية فانكشفت الحقيقة، ولما تأكد استمرار هذه الانهيارات أصبح المسؤولون غير قادرين على إخفاء هذا الواقع الأليم.

لقد صرح المسؤولون بشكل واضح أن الأوضاع أصبحت مخيفة، عبروا عن ذلك بأنفسهم في عدة مناسبات، ثم جاء قانون المالية فرسموه في أهم وثيقة قانونية تتعلق بالتسيير الاقتصادي والاجتماعي.

إننا كلما اطلعنا على المؤشرات الاقتصادية التي تصدرها العديد من المؤسسات الدولية التي تعترف بها الدولة الجزائرية وتتعامل معها نجد بلدنا في مؤخرة الركب عربيا ودوليا وبالنسبة لكثير من الدول الافريقية، ومن هذه المؤشرات ما يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره السنوي  عن التنافسية العالمية حيث نجد في تقرير سنة 2015 ـ 2016 أن الجزائر  في ذيل القائمة عربيا ( المرتبة 87 عالميا من 140 دولة) بعد دول مجلس التعاون الخليجي وبعد الأردن والمغرب ولا يأتي بعدها سوى الدول العربية التي تعيش أزمات كبرى مثل لبنان (101) ومصر (116)  واليمن (غير مرتبة) وسوريا (غير مرتبة)، وحينما نذهب للتفاصيل نشعر بكثير من الحزن، ولا نركز في هذه التفاصيل هاهنا إلا على القطاعات التي أُنفقت فيها أموال ضخمة وكانت مجال مزايدة من السلطات وأزلامها وهو قطاع الهياكل القاعدية التي احتلت فيه الجزائر المرتبة 106 بشكل عام، وفي التفاصيل نجد مرتبتنا في نوعية الطرقات  117، والموانئ 117، ومنشآت النقل الجوي 128. ويمكن كذلك أن نتحدث عن مؤشر مهم من الناحية الرمزية وهو ما يتعلق بمرتبة الإبداع حيث نجد أنفسنا في المرتبة 128 من 140. ولعل هذا أسوء ما فعله بنا النظام السياسي أي أنه أنتج لنا مجتمعا بلا إبداع. غير أنه لا أدل ولا أبلغ ولا أوضح في حديثنا عن فشل النظام السياسي من الأرقام التي أعطاها بنفسه في قانون المالية.

لقد بينت مؤشرات الحكومة في قانون المالية 2016 بأن إنفاق قرابة 800 مليار دولار ذهبت هباء بالنظر لحجمها، وأننا نتجه بشكل مطرد إلى أزمة اقتصادية حقيقية، ويدل على هذا الأرقام الآتية:

– لم يتجاوز معدل النمو 4 % ، بمعنى أننا ننفق 7 دولارات ولا نربح إلا دولارا واحدا (المغرب ينفقون دولارا واحدا فيحصلون على ثلاثة دولارات).

– عجز في الميزانية ب: 4747،4 مليار دينار.

– عجز في الخزينة ب: 245،7 مليار دينار.

– عجز في الميزان التجاري ب : 26,4 مليار دينار.

– عجز في ميزان المدفوعات ب: 30،3 مليار دينار.

– والأخطر في هذه الأرقام هو ما صرحت به الحكومة في هذا القانون من أنه لن يبقى في صندوق ضبط الإيرادات في نهاية 2016 سوى 1797،4 مليار دينار أي ما يعادل 17،028 مليار دولار، وإذا أخذنا بعين الاعتبار مبلغ النفقات المقترح في مشروع قانون المالية 2016 المقدر ب 7 آلاف مليار دينار قد يبلغ العجز 2500 مليار دينار،  وذلك بالرجوع لما هو معتاد في كيفية الحساب على أساس مراجعة السنوات السابقة حيث أن ميزانتي 2012 و 2014 اللتين بلغت فيهما النفقات سبعة آلاف مليار دينار بسعر مرجعي للبترول 37 دولارا تركت خلفهما عجزا ب 3000مليار دينار، فمن أين ستسدد الحكومة عجز الميزانية المرتقب في نهاية 2016؟

– وأما عن احتياطي الصرف فقد انبأنا قانون المالية بأنه لن يبقى منه في نهاية سنة 2016 سوى 121.2 مليار دولار أي ما يغطي 23 شهرا فقط من الواردات، فكيف ستصنع الحكومة لتمويل السوق الجزائرية وتلبية احتياجات الأسر والمؤسسات ابتداء من نوفمبر 2018؟

– ومما يجعلنا نشعر بضغط الأزمة أكثر أن ميزانية التسيير وحدها (4807.3 مليار دينار ما يعادل 45.544 مليار دينار) أكبر من إيرادات الميزانية ( 4747.4 مليار دينار ما يعادل 44.969 مليار دولار) في تقديرات قانون المالية لسنة 2016، وإذا علما أن كتلة الأجور وحدها تساوي 35 مليار دينار لنا أن نتصور المشكل الكبير الذي يتنظر العمال، هذا في حالة استبعادنا كلية لميزانية التجهيز المقدرة ب 3176،8 مليار دينار ما يعادل 30،096 مليار دينار.

إن الأمر الذي نريد أن نركز عليه في هذا المقال قبل تحليل التدابير التي تقترحها الحكومة في القانون، وقبل التطرق إلى الحلول التي نقترحها في المقالات المقبلة هو توضيح معالم الأزمة لكي لا يفلت النظام السياسي من المساءلة هذه المرة، وليس في اهتمامنا الاعتماد على خطاب الهوية أو برفع الصوت بالتقريع العام والشعارات الكبيرة كما هي عادت الإسلاميين في مراحل سابقة. نريد أن نُظهر عجز النظام السياسي بالخطاب العلمي بما لا يجعله يقدر على إدخالنا في مواجهات هامشية عقيمة يكون هو الناجح فيها، يستأسد فيها علينا بحلفاء كثر من الداخل والخارج. إن الأرقام التي تحدثنا عنها صماء لا تقبل النقاش وحالة الفشل واضحة لا يمكن لأحد أن يبررها.

إننا، من جهة،  لا نريد في تركيزنا على الجانب الاقتصادي في معارضتنا للنظام السياسي أن نكون من أتباع نظرية “التفسير المادي للتاريخ”، المؤسِّسة للفكر الاشتراكي – الماركسي، وإنما قد حددنا لأنفسنا نظرية جديدة في تفسير التطورات السياسية وهي نظرية “المتتاليات الأربع“. وهي أن الحياة البشرية تدار وفق حلقات متتالية أولها التدبير السياسي أو ما يسمى بالحوكمة “La gouvernance ) ) فإن كانت هذه الحلقة الأولى موفقة وكان الحكم صالحا أو راشدا كانت الحلقة التي تليها موفقة وهي التدبير الاقتصادي إذ تَتَحقق التنمية في البلاد وتنشأ الثروة وتعم الوفرة وتُصنع القوة فتكون الحلقة الثالثة ناجحة كذلك وهو التدبير الاجتماعي إذ يكون المجتمع مزدهرا ينعم بالرفاهية والانسجام والتحضر والتطور فيؤدي ذلك إلى توفر الأمن والاستقرار فيعود هذا بالنفع على الحكم والتدبير السياسي. وعكس ذلك صحيح حين يؤدي فساد الحكم إلى الضعف الاقتصادي فيؤدي هذا الأخير إلى الفقر والحرمان والندرة والاضطرابات الاجتماعية فتجد البلاد نفسها في اضطرابات أمنية فتتعمق الاضطرابات السياسية وتتسع الأزمة وتجتمع كل مقومات التخلف. وعلى أساس هذه النظرية نعتبر أن المسؤول عن الفشل الاقتصادي هو النظام السياسي وأن هذه الحالة الاقتصادية ستؤدي إلى اضطرابات اجتماعية متتالية ابتداء من نهاية 2016 فإن أصر النظام السياسي على عتوه وظلمه وجبروته وتعامل مع التطورات بعنف سيؤدي هذا كله إلى اضطرابات أمنية كبيرة ستعصف بالاستقرار السياسي وربما ندخل في فتنة جديدة لا تُحمد عقباها.

إننا أمام هذه المؤشرات الخطيرة التي صرحت بها الحكومة نفسها لا بد أن نحدد من المسؤول؟ حتى نستطيع التغيير والإصلاح. إن المسؤول هو رئيس الجمهورية، فهو الذي صنع هذا الواقع، هو المسؤول عن الرجال الذين استعان بهم ومسؤول عن البرامج التي اختراها وأقرها ومسؤول عن الأموال الطائلة التي أنفقها دون جدوى تكافئها، ومسؤول عن تفويت الفرصة التاريخية لتحقيق إقلاع لا مثيل له بالنظر للإمكانيات التي توفرت، ومسؤول عن ترشحه للعهدة الرابعة رغم مرضه وعدم قدرته على الإشراف على الحكم ومتطلباته، ومسؤول عن غلق الساحة السياسية ومنع أي فرصة للتصحيح والاستدراك، بل محاربة كل الأصوات التي دعت للتصحيح من خلال قراراته غير الديمقراطية ومن خلال تسليط أزلامه في الأحزاب الموالية والمؤسسات الإعلامية الموالية، والمؤسسات الأمنية التي تحكّم فيها تحكما كاملا، وامام هذا الصد الشديد لم يستطع إلى الآن أولئك الذين أرادوا المساهمة الصادقة في خدمة البلد من خلال رؤية توافقية حكيمة اجتمعت عليها المعارضة بمجملها في ندوة مازفران التاريخية وفق مشروع الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه. وبعد رئيس الجمهورية تتحمل المسؤولية الحكومات المتعاقبة ووزرائها، كل على قدر مسؤوليته وصلاحياته و بقدر مساندته للأمر الواقع، وقد لا يعفى من هذه المسؤولية سوى الذين قرروا بمحض إرادتهم النأي بأنفسهم عن هذا الحكم حينما اتضحت لهم الأمور، كما هو حال السيد أحمد بن بيتور والسيد عبد العزيز رحابي وغيرهما، وكما فعل وزراء الحركة حينما رأت حركتهم بأن بقاءهم في الحكومة غير نافع للإصلاح السياسي. وبعد الحكومة تتحمل المسؤولية أحزاب الموالاة ونوابهم ومنتخبوهم والمنظمات المساندة للفشل والضعف والرداءة، بل يتحمل المسؤولية في الأخير الساكتون عن الحق والمناوئون لكل مخلص يريد الإصلاح لمصلحة الوطن ولمصلحة كل الجزائريين.

د. عبد الرزاق مقري

1ـ الظروف السياسية المحلية والدولية التي يصدر فيها قانون المالية.
يعتبر قانون المالية المعروض على المجلس الشعبي الوطني أخطر قانون مالية عرفته الجزائر منذ سنوات، فهو يعبر بشكل واضح عن إرادة سياسية لتحول الدولة الجزائرية بطريقة غير ديمقراطية، ليجسد توجها ليبيراليا ورأسمالية متوحشة تكون لصالح أقلية مسيطرة ولخدمة مصالح أجنبية ضد مصلحة البلد ومستقبل الجزائريين.
قبل التطرق لتفاصيل قانون المالية لا بد أن نذكر بالظروف السياسية المحيطة. لا بد أن نشير بأن هذا القانون هو نتيجة حتمية لمسار سياسي طويل للنظام السياسي. لقد حبى الله الجزائر بإمكانيات عظيمة وظروف متميزة تؤهلها لتكون بلدا مزدهرا ومتطورا وقويا ومستقرا، لقد استطاعت الثورة التحريرية المباركة أن تصنع شعبا يتحلى بكثير من مواصفات النجاح، من عزة وطنية ووحدة شعبية وبناء عقائدي ورؤية بيّنة لما تكون عليه الدولة عند الاستقلال انخرط فيها المجتمع بكليته ” دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وإلى جانب ذلك نخبة سياسية ذات كفاءة عالية صنعها النضال الطويل في مسار الحركة الوطنية ثم الكفاح المسلح والمقارعة السياسية للحلف الأطلسي بكامله، كما أنعم الله على البلد بإمكانيات مادية لا محدودة، من موقع جغرافي وأراض فلاحية وطبيعة خلابة وموارد طبيعية وبشرية. غير أن النظام السياسي الذي تشكل غداة الاستقلال على اثر الانقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة ضيّع كل هذه الفرصة وفرض على الشعب الجزائري نظرة أحادية في كل شيء، فرض على الجزائريين نمطا اشتراكيا في التسيير السياسي والاقتصادي أدى إلى إفلاس البلد في منتصف الثمانينيات، وحين ثار الشعب على فساده ورداءته، تحايل عليه بالدفع نحو انتقال ديمقراطي مغشوش أدخل البلد في مأساة عظيمة دفعت بكثير من الوطنيين النزهاء، على رأسهم حركة مجتمع السلم، أن يتخلوا عن طموحاتهم وأفكارهم بغرض المساعدة على الخروج من الأزمة، وفي الوقت الذي كان الرجال والنساء يضحون في سبيل استقرار البلد من مدنيين وعسكريين، كانت فئة من داخل الدولة تعد لما بعد الإرهاب حتى تسيطر مرة أخرى على البلد ومقدراته.
لم ينتبه كثير من الجزائريين بأن فترة ما بعد الإرهاب التي أُطلق عليها إسم “المصالحة الوطنية” ستكون نهايتها أزمة اقتصادية واهتزازا للسيادة وتهديدا للاستقرار الاجتماعي قد يعرض الوحدة الوطنية للخطر لا قدر الله إن لم يستدرك الوطنيون النزهاء الأمر قبل فوات الأوان. لقد كانت بداية فترة ما بعد الإرهاب مشرقة حقا، توقفٌ للاحتراب الدموي ومصالحة دخل فيها كثير من الجزائريين، وبحبوحة مالية غير مسبوقة، وعودة الجزائر للساحة الدولية، بل و”سقوط الأمطار وتراجع القحط”، وانطلاق مشاريع تنموية ضخمة، ورمزُ ذلك كله رئيس للدولة له تاريخ عريق في السياسة، وخطيب مفوه وشجاع، وعد بإنهاء الفساد وتطوير البلد. إنه لم يكن يحلم الجزائريون بأكثر من هذا!
كان من المفروض أن تصبح الجزائر في هذا السياق مثل كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو تركيا أو الفيتنام أو بولونيا أو أندنوسيا أو تركيا كدول مرت على ظروف مشابهة لظروفنا ثم أقلعت ونهضت… ولكن ذلك لم يتحقق للأسف الشديد، فها هو حكم الرئيس بوتفليقة يوشك أن ينتهي والوضع حزين كئيب، لم يصبح يتذكر الجزائريون سوى عناوين الفساد كقضية الخليفة وغيرها من فضائح البنوك، إلى شكيب خليل إلى سونطراك واحد وإثنان، إلى فضيحة الطريق السيار، ولا تتحدث الجرائد إلا عن أخبار صراعات أجنحة النظام الحاكم، داخل الدولة كلها، ثم بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، ثم داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، ثم بين شخصيات وأحزاب الموالاة. ثم أصبح حديث مرض الرئيس هو الموضوع الأكثر إثارة في الصحافة وفي الصالونات والمقاهي والشوارع، ثم جاء انهيار أسعار البترول فسقط الوهم وانكشفت الحقيقة. لم تتوقف المعارضة، وفي قلبها حركة مجتمع السلم، عن التنبيه لقدوم الأزمة قبل حلولها بثلاث سنوات على الأقل ولكن لم يُسمع لها. لم يسمع لها لأن الساكنين في قصور الحكم لم يكونوا على قدر من الكفاءة والنزاهة يسمح لهم بالإبصار والنظر وحسن التدبير والعمل. بل أصبح من يقول لهم الحقيقة هو العدو وهو الخصم، لم يحسنوا سوى الهروب إلى الأمام ومحاولة ربح الوقت وضرب المنافسين تحت الحزام، في ما بينهم وفي مواجهة المخالفين لهم خارج الحكم. سمتهم الأبرز هي الظلام والغموض والتدليس والإشاعة والمراوغة، حتى أصبحت صحة رئيس الجمهورية لغزا عظيما، يموت عدة مرات ويحي، تتحدث عنه وسائل إعلام أجنبية بأنه عندهم في مستشفياتهم ولا خبر عندنا في الجزائر، لا يستطيع حزب أو باحث أن يستشرف المستقبل ويعد العدة للآتي، كما هو حال الراشدين، لكثرة الإشاعة والغموض. لقد شاء الله أن يطول حكم رئيس الجمهورية الذي هلل له كثير من الجزائريين وأن يعيش إلى أن تقع في حكمه وحياته أزمة اقتصادية وتفكك سياسي أبطل كل تلك الهالة التي رسمها أنصاره بأنه “الرجل المخَلّص” بل حتى أنه ابتلي، نسأل الله له ولجميع المسلمين العافية، في أعز ما يملك وهو لسانه، الذي يجادل به عادة فيُسكت غيره.
عندما وصل النظام السياسي إلى هذا الحال، أصبح لا يهمه إلا أمران، هما اللذان يهددانه في وجوده، القوى الدولية الغربية وغضب الشارع الجزائري. أما التهديد الثاني فقد حاول علاجه بشراء السلم الاجتماعي وتوزيع فتات الريع بلا رشد ولا بصيرة، وبكسر الأحزاب السياسية وإضعاف المجتمع المدني حتى لا يكون ثمة بديل له يؤطر الناس، ضمن سياسة حكام العرب ” أنا أم الدمار”، وأما التهديد الأول فقد عالجه بشراء الموقف الخارجي بالامتيازات اللامحدودة الضاربة للسيادة والمصلحة الوطنية.
لقد أدت هذه السياسات الرعناء إلى صناعة مشهد مخيف غير متحكم فيه، أما الشارع الجزائري فقد زُرعت فيه فخاخ السخط من الآن وأصبح هو العائق الأكبر لأي إصلاح اقتصادي بسبب تعويده على العطاء بلا عمل لشراء سكوته، فمن يمسكه إذا غضب في ظل غياب من يستطيع تأطيره من أحزاب ومنظمات مجتمعية؟ وأما القوى الخارجية الغربية فقد اغتنمت الفرصة فابتزت النظام السياسي فأكلت منه اللحم وامتصت العظم، وأصبحت الجزائر ساحة مفتوحة لهم، ثم ها هي الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا، تحت غطاء أمريكي، تنتقل لرجال الأعمال أصحاب الحظوة وشركائهم النافذين في الدولة ليصبحوا هم شركاء المستقبل لتحويل الجزائر من منطقة نفوذ كما كانت عليه منذ الاستقلال إلى منطقة تبعية تكون لهم حصريا في مواجهة التمدد الصيني في أفريقيا، ولا يكون ذلك إلا بتحويل الجزائر إلى المذهب الليبيرالي الغربي ونظامه الرأسمالي المتوحش الذي يتيح لهم استغلال الإنسان والسيطرة على خيرات الدول.
إننا نعيش وضعا سياسيا خطيرا تحالفت فيه القوى الغربية مع الرجال النافذين في الدولة ومع رجال الأعمال المحظوظين لتحويل الجزائر من احتكار الدولة للثروة والسلطة إلى احتكارها من قبل رجال الأعمال من الداخل والخارج، فتصبح المؤسسات الخاصة المالية والاقتصادية الكبرى هي التي تتحكم في القرار وأصحاب القرار وفي الإعلام وفي القضاء وفي المؤسسات التشريعية والقضائية، كما هو الحال في العديد من الدول الغربية (دون أن يكون لنا كما لمجتمعاتهم قدرا من الحرية واحترام القانون يخفف غلواء أصحاب المصالح)، فتذهب السيادة وتضيع المصلحة الوطنية وتُقمع الحريات والديموقراطية بأشكال شيطانية تستعمل فيها كل الوسائل الخسيسة. ومن هذه الوسائل الإرهاب الذي أصبح أداة دولية تستعملها كل الأجهزة الاستخبارية في العالم في الحرب بينها على المصالح والنفوذ، وما نراه هذه الأيام تحت عنوان ” داعش” هي حرب عالمية بكل المقاييس بين الأمم يُستعمل فيها المجرمون والحشاشون والأغبياء من المتدينين ويضيع فيها الأبرياء الذين أكثرهم من بني جلدتنا، وتضيع فيها السكينة وتُذبح فيها الحرية لكي يستطيع كُبّار العالم تمرير مخططاتهم وفرض إرادتهم في جو الهلع والحزن.
هذه هي الأجواء التي يصدر فيها قانون المالية كوسيلة قانونية لتحويل الدولة، فهل سيكون في الجزائر من ينتبه لهذه المخططات الجهنمية بعزيمة وإصرار وذكاء وحكمة؟

 

د. عبد الرزاق مقري

« Malheureusement les autocrates arabes ne composent qu’avec elles-mêmes, excluant tout partage du pouvoir » : extrait d’un article paru aujourd’hui dans un journal francophone Algérien.

Il l’a dit, il s’est finalement exprimé sur la réalité d’une grande majorité des « laicards » Algériens dénués d’objectivité, de probité intellectuelle, d’éthique et pour beaucoup d’entre eux de culture et  de savoir.

C’est un chroniqueur spécialisé dans la lutte contre le mouvement islamique, toute tendance confondue,  dont je ne citerai pas le nom, par respect à son journal. Il s’est fait  aujourd’hui défenseur du dictateur sanguinaire égyptien Al Sissi, le qualifiant  comme étant le « président  qui a sauvé  son pays d’un péril vert certain ». Il parle du parti de la liberté et de la justice égyptien, il s’agit de ce parti là qui a était appelé, selon ce chroniqueur et ses pairs dans le monde arabe, a donner des résultats en une année de gouvernement seulement,  sinon il faut  le renverser par coup d’état militaire et puis il faut massacrer, emprisonner et  torturer ses militants et sympathisants par centaines de milliers, et de surcroit l’étiqueter comme étant une organisation terroriste, contre toute les réalités de l’histoire de cette grande école «  frère musulman » de la modération et du juste milieu.

Au moment ou ce tortionnaire  continue ses massacres contre les hommes et les femmes innocents, à engouffrer  l’Egypte dans un véritable péril moyenâgeux, rouge de sang et noir décadent, notre chroniqueur ne s’inquiète que du partage du pouvoir. Ils sont comme ça les mauvais élèves laïques, ils se fichent  éperdument de la démocratie et des droits  de l’homme, ils sont en quête permanente d’alliances  avec les dictatures,  dans le secret par moment  et ouvertement  dans  les moments d’assurance, par entrisme ou par lobbyisme , ou même par les alliances les plus machiavéliques que l’esprit  humain peut imaginer, sans  aucune  responsabilité ni morale.   Pour eux la démocratie  ne doit fonctionner que dans le sens qui les arrange, leur haine contre les mouvements de référence islamique n’a de raison que l’intérêt personnel, tant ils sont persuadée que leur vie est impossible dans un monde guidé par les principes  d’un Islam qu’ils n’aiment pas,  même si ce monde n’est que libertés, progrès et prospérité.

 Dr. Abderrazak Makri.

إن عظمة الثورة التحريرية لا تكمن فقط في دحر الاستعمار وتحقيق هدف الاستقلال الوطني، إن ثورة نوفمبر بنت مشروعا حضاريا متكاملا، وهوية وطنية واضحة، صنعت شعبا بكامله، بفكر جديد، ونفسية جديدة ومشروع جديد. لم يكن الجزائريون أبدا بعد الثورة مثل ما كانوا عليه قبل الثورة التحريرية.

حينما وطئت أقدام الاستعمار أرض الجزائر كان أغلب الجزائريين غافلين عن شأن الحكم والسياسة والعلاقات الدولية، وكانت حماية الثغور هي شأن الحكام الأتراك الذين كانوا يدينون لهم بالولاء ضمن ولائهم للخلافة الإسلامية العثمانية، لم تكن لهم علاقة بالشأن العام، ولم يكن لهم دراية بما يحدث خارج مناطقهم وقبائلهم ولا ما يحاك ضد بلدهم في الساحة الدولية. غير أنهم حينما رأوا عساكر الفرنسيين على أرضهم بعد هزيمة الداي حسين انطلقوا في محاربة الغزاة فجعلوا بسط نفوذه على كل الأراضي الجزائرية يستمر سبعين سنة، عبر مقاومة مشتتة وغير منضبطة خصوصا بعد انهزام الأمير عبد القادر في الغرب والوسط، والحاج أحمد باي في الشرق، تعاملت معها الجيوش الاستعمارية بلا شرف ولا إنسانية حيث ابتكرت أسوء أنواع الجرائم في حق المدنيين الجزائريين لإضعاف المجاهدين في جبهات القتال. وعندما انتهت المقاومة الشعبية في بداية القرن الماضي عمدت فرنسا على إلغاء المقومات التي جعلت هذا الشعب البطل يقاوم في كل شبر من أراضيه ويقدم كل تلك التضحيات. فكانت الحرب شرسة على دينه ولغته وعناصر وحدته الاجتماعية، بل حتى على آدمية كل فرد منه وعلى وجود هذا الفرد ك”إنسان” في بلده، فتمت مصادرة أراضيه، وأُخذت الأوقاف وألغيت المقومات الاقتصادية، وعطل التعليم وألغيت المدارس وحوربت اللغة العربية وكل ما يتعلق بالمقومات الثقافية، حتى حوّلوا مع مرور الزمن أغلب الشعب الجزائري إلى شعب مدمّر الكيان يسيطر عليه الفقر والجهل وتنهشه الأمراض والمجاعات والأوبئة، ثم اتجهوا إلى إفساد عقله وفكره بتشجيع الشعوذة من جهة والقدرية والفهم المنحرف للدين بتحويل الزوايا والطرق الصوفية السنية التي حاربته باسم الدين إلى طرق صوفية للشعوذة يقودها عملاء له يشجعون الناس على الاستسلام لفرنسا كقدر رباني لا يجوز الاعتراض عليه، ومن جهة أخرى بخلق نخبة قليلة متعلمة في مدارسه مندمجة كلية في ثقافته متنكرة للثقافة الجزائرية العربية الإسلامية، تستعملها كطابور خامس لتفريق الجزائريين ضمن استراتيجية “فرق تسد” الاستعمارية، ومع هذا كله حاولوا بشتى الوسائل تغيير دين كثير من الجزائريين وتحويلهم إلى النصرانية أو اللادينية.

لقد أدت هذه المخططات إلى صناعة شعب مدمر عاجز جاهل خائف خانع مستسلم، ولم يكن ممكنا البتة لذلك الشعب أن يقاوم الاستعمار في تلك المرحلة، أو أن يسأل عن مصيره وعن حقه في أرضه وحماية هويته. ولو لا أن الله سخر لهذا الشعب المغلوب حينذاك نخبة وطنية غيرت سبل المقاومة، فاتجهت للعمل السلمي الثقافي والسياسي لكنا اليوم كما هي كثير من الدول التي اندمجت كلية في ثقافة المستعمر إلى الأبد، خصوصا في الدول التي استعمرتها فرنسا في القارة الافريقية.

منذ أن هُزمت المقاومة الشعبية المسلحة وبدأ الاستعمار الفرنسي في مخططاته الاستدمارية المتنوعة والمتعددة بدأت تتشكل الحركة الوطنية السلمية وأدى تطورها إلى بروز ثلاث منظمات كبرى هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت تركز على إعادة بناء الإنسان الجزائري من خلال نشر التعليم الحر والنشاط الثقافي العربي الإسلامي بشتى الوسائل المتاحة، وحزب الشعب ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي كانت تطالب بالاستقلال والانفصال التام عن فرنسا واستعملت في ذلك كل الوسائل التوعوية السياسية المتاحة ومنها الانتخابات، والاندماجيون الذين كانوا يناضلون من أجل حقوق الجزائريين والاعتراف بخصوصيتهم الثقافية ضمن الجنسية الفرنسية وإنهاء قانون الأهالي العنصري وكان نضالهم في الغالب سياسيا يعتمد كذلك على الانتخابات.

لقد كان هذا النضال الوطني السلمي، مختلفا في الأهداف والوسائل، ووقعت داخله حالات اختلاف جوهرية خصوصا ما يتعلق بالإدماج الذي كانت ترفضه جمعية العلماء وحزب الشعب حتى انتهى كلية في مطالب الحركة الوطنية. غير أن ذلك النضال كان رجاله متعايشين ومتعاونين بل ومتكاملين في كثير من الأحيان، وقد حقق نتائج كبيرة في إعادة صياغة الشخصية الجزائرية وأخرج للوجود عددا معتبرا من المناضلين بقدر كبير من الوعي والكفاءة. غير أنه لم يصل أبدا إلى صناعة البعد الوطني الشامل في الشعب الجزائري بكامله حتى جاءت الثورة التحريرية النوفمبرية المباركة.

لقد أبلت الحركة الوطنية بلاء كبيرا قبل نوفمبر 1954، وقد مثلت مرحلة ضرورية في نضال الشعب الجزائري، وبنت أرضية وحاضنة مهمة لاندلاع الثورة التحريرية، ولكن تعنت الاستعمار الفرنسي أفسد كل حساباتها وأبطل صدقية منهجها السلمي وأدخلها في أواخر أطوارها في حالة بادية من التيه والخلاف وتراجع المصداقية. وقد مثل التزوير الانتخابي الجدار المنيع والدليل القاطع على عدم فاعلية العمل السياسي، وكان ذلك التزوير هو السبب الرئيسي في عدم انخراط عموم الجزائريين في اللعبة السياسية، ثم جاءت مجازر الثامن من شهر ماي 1945 فأعطت الدليل على عدم إمكانية تحقيق الاستقلال بالطرق السلمية، مهما بذل الجزائريون من جهود في محاورة فرنسا، ومهما كان استعداد ” بعضهم” في الاندماج في ثقافتها ومهما كانت تضحياتهم في الدفاع عنها في حروب طاحنة، منها الحربين العالميتين.

أدت هذه الظروف، وظروف أخرى إلى اندلاع الثورة التحريرية النوفمبرية المباركة، على يد مجموعة قليلة تدربت على العمل المباشر في المنظمة الخاصة التابعة لحزب الشعب، وتعلم بعضها في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. واللافتفي الأمر أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا واثقين بأن الشعب الجزائري سيلتف بثورتهم، وحينما بدأوا عملهم الثوري كان أغلب الشعب الجزائري على الحياد، وكان بعضهم يشكك في قدرتهم على هزيمة فرنسا، وكان العديد من الجزائريين في المعسكر الفرنسي منذ البداية. غير أن الثبات والصبر ثم الزخم الذي أخذته العمليات الثورية والبطولات التي أظهرها هؤلاء الرجال، وحالة الهلع التي أصابت فرنسا العجوز المهزومة في حربها في فييتنام وفي الحرب العالمية الثانية، وردود فعلها الإجرامية هي الأمور التي حركت مكامن الشخصية الجزائرية التي عملت فرنسا على تدميرها طيلة قرابة قرن من الزمن، والتي عملت على إعادة بنائها الحركة الوطنية.

فلئن كانت المقاومة الشعبية قد رسمت تاريخا مشعا أكد الحق الجزائري في أرضه وأن هذه الأرض لم تؤخذ منه إلا عنوة عبر جرائم مهولة شاهدة في التاريخ، ولئن كانت الحركة الوطنية قد أعدت الجيل الذي صنع الثورة، فإن ثورة نوفمبر هي وحدها التي صقلت الشعب الجزائري عبر تاءات الوطن كلها، من تاء تلمسان، إلى تاء تبسة إلى تاء تيبازة إلى تاء تمنراست، هي وحدها التي رسّمت الحدود الجزائرية كما هي اليوم، هي وحدها التي صنعت الشخصية الجزائرية الثورية الحرة الصادقة التي لا زالت الشعوب تحبها وتقدرها لثورتها، ولا زالت هي قدوة من بقي من الشعوب مستعمرا، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي لا يرفع مع علمه سوى العلم الجزائري كلما واجه جيش الاحتلال الصهيوني، البارحة في غزة واليوم في انتفاضة الأقصى في القدس والضفة الغربية.

 

د. عبد الرزاق مقري

نظمت بمدينة إسطنبول التركية أيام 16/15 أكتوبر الجاري أعمال المؤتمر التأسيسي لرابطة “برلمانيون لأجل القدس”، بحضور نحو 130 برلمانيا يمثلون قرابة ثلاثين دولة، وشارك وفد من نواب تكتل الجزائر الخضراء بحضور كل من رئيس الحركة الدكتور عبد الرزاق مقري ورئيس حركة النهضة السيد محمد ذويبي، وأشرف على تنظيم المؤتمر الإئتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين بالتعاون مع مركز العلاقات العربية التركية. حيث أشار في افتتاح اليوم الأول رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر حميد الأحمر إلى واقع القدس اليوم الذي يستوجب من البرلمانيين التحرك وفضح انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الاحتلال، وأعرب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني الشيخ رائد صلاح عن سعادته بالحضور المميز للبرلمانيين عبر كلمته التى كانت بالهاتف، ومن ناحيته، قال سعود أبو محفوظ في كلمة الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين، إن القدس تستغيثكم وتمد يديها لكم. كما تحدث رئيس المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين ناصر الصانع، وقال أطلقنا رابطة “برلمانيون لأجل القدس” ولا نريد لها أن تكون شبيهة بكثير من الكيانات التي تحمل اسم القدس ولا يكون لها دور فاعل. ومن جانبه، قال عضو البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية نور الدين نباتي أن القدس هم الامة ولا حديث عنها سوى متى تحريرها، كما قال عضو البرلمان التركي عن حزب الحركة القومية أكمل الدين إحسان أوغلو إن الشعب التركي بمختلف انتماءاته يقف صفا واحدا في دعم القضية الفلسطينية والقدس. ليستمر ا أشغال المؤتمر في اليوم الثاني عبر مجموعة من الجلسات أهم ماجاء فيها عرض ونقاش النظام الأساسي والمصادقة عليه وإنتخاب الرئيس ونائبه وأعضاء الهيئة المركزية وبرامج وخطط العمل، ليختتم المؤتمر بترسيم عمل رابطة برلمانيون لأجل القدس وقراءة البيان الختامي.

حينما نسمع تصريحات زعماء الدول الغربية بخصوص اللاجئين السوريين واستعداد بعضهم استقبال أعداد كبيرة منهم يهيأ بأن هؤلاء القوم إنسانيون ويهتمون بمأساة هذا الشعب المظلوم، غير أن المتابع لمجريات التطورات الدولية وخفايا السياسات الغربية يدركون بأن الغرب ذاته هو سبب هذه المأساة، من جذورها المتعلقة بالعالم العربي كله إلى القضية السورية ذاتها. فالغرب هو من استعمر دولنا وأخذ خيراتها وجهّل شعوبها بحرمانهم من التعليم لعقود من الزمن، ثم هو الذي نصّب حكاما فاسدين ظالمين وعملاء عمقوا التخلف وجعلوا بلداننا أملاكا شخصية لهم، وحينما أراد الغرب أن يبدلهم لما استنفذوا أغراضهم فوجئ بأنه لم يصبح قادرا على استبدال هؤلاء العرب الفاسدين بحكام جدد عملاء مثلهم واكثر علمانية منهم وأحرص على حماية إسرائيل كما كانوا يخططون، حيث أصبحت كل انتخابات حرة ونزيهة تأتي بحركات إسلامية وطنية نزيهة تغار على سيادة بلدانها وتحمل مشاريع نهضوية تستطيع ان ترفع العالم العربي إلى مستوى الندية كما فعل المسلمون الأعاجم في تركيا وماليزيا وأندنوسيا. عند ذلك توجه الغرب بشقيه الأمريكي الأوربي إلى إدخال العالم العربي في فتن عظيمة تدوم لعقود تنتهي بتقسيم هذه الدول إلى دولات ضعيفة متصارعة تستعين كلها بالأجنبي على بعضها البعض.

لقد بدأت المأساة باحتلال العراق وأفغانستان بالتعاون مع الدولة الإيرانية الإسلامية للأسف الشديد وإدخال هاذين البلدين في فتن لم تنته إلى الآن، ثم استحكمت المؤامرة بدعم الأنظمة العربية الفاسدة التي ثارت عليها شعوبها ضمن ما سمي بالربيع العربي وعلى رأس ذلك دعم الانقلاب العسكري الدموي في مصر، كنانة العرب والمسلمين التي لو نجح فيها التغيير لسهل في كل البلدان العربية، وكانت سوريا هي الجرح الدامي الأكثر إيلاما في جسم الأمة، الجسم الذي انكشفت فيه التحالفات الإقليمية والدولة الجديدة التي تريد خلق توتر دائم بتمكين الأقليات المذهبية على حساب الأغلبية السنية المترهلة، حتى لا تقدر الأقلية على ابتلاع الأغلبية للفرق الشاسع في الوجود، ولا الأغلبية تستطيع إنهاء متاعبها مع الأقلية لضعفها وكذا بسبب تدهور حالها وزعزعة منظمات التطرف والإرهاب لكيانها وسمعتها ومناعتها.  وتكون المحصلة عندئذ بأجمعها لصالح الكيان الصهيوني الجاثم على صدر الأمة.

قد يعتقد البعض بأن استعداد بعض الدول الغربية لاستقبال الآلاف من اللاجئين السوريين ومنهم اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من ملاجئهم في مخيم اليرموك وغيره هو منة يقدمونها لهؤلاء، بلا والله، إنهم يعلمون بأنهم هم السبب الرئيسي في ضرب استقرار المنطقة، وهم في أمس الحاجة للهجرة حيث تؤكد دراساتهم الديموغرافية بأن أوربا في مجملها ستكون في حاجة لجلب 47 مليون مهاجر إلى غاية سنة 2050 أي بمعدل مليون مهاجر كل سنة لتشبيب سكانها والمحافظة على معدل نمو إيجابي. وإنما الذي أحرجهم في هذه الهجمة للاجئين هو خوفهم من عدم تمكنهم من “فلترة” القادمين إليهم إذ الذي يهمهم من اللاجئين الفئات المتعلمة وذات المهارات التي يحتاجونها لاستمرار نهضتهم، واللاجئون السوريون لا يحيرون على العموم لارتفاع المستوى التعليمي عندهم أصلا، كما أن هذه الهجرة ستساعد على حل مشكل اللاجئين الفلسطينيين الذين سيبقى وجودهم في مخيمات اللجوء في المنطقة من أكبر ما يفسد مخططات التسوية لصالح إسرائيل. لا شك ان إسرائيل ستفرح كثيرا حينما تسمع بأن نيوزيلندا استعدت لاستقبال نصف مليون سوري ومنهم أعداد هائلة من الفلسطينيين، فبدل أن يوجد الغرب حلا للمغتصبين الإسرائيليين الذين جاؤوا لفلسطين من مختلف بقاع الأرض ها هي الآية تنعكس ويصبح أصحاب الأرض هم الذين يخرجون من ديارهم، هربا من ظلم النظام السوري، ومن ظلم داعش، هاذان الوجهان لعملة واحدة…. ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية