المقالات

بخصوص العلاقات الدبلوماسية: الجزائر وفرنسا نموذجا

أنواع العلاقات مع الدول كثيرة ومتنوعة: من العلاقات التي تتجه إلى الوحدة، إلى علاقات التحالفات بمختلف أنواعها إلى التعاون والتكامل، إلى علاقات الصداقة، إلى العلاقات العادية، إلى البرودة في العلاقات، إلى العلاقات المتوترة، إلى العلاقات المتأزمة، إلى قطع العلاقات، إلى عدم الاعتراف بالدولة أصلا.

وقد تتطور العلاقات من أقصاها إلى أقصاها لأسباب عديدة ويعبر عنها عند حدوث مشاكل ب: إصدار بيانات احتجاج، الاحتجاج الرسمي،٠ استدعاء سفير الدولة الأجنبية المعتمد للاستفسار او لتبليغ رسالة أو ما شابه، إلى استدعاء السفير من الدولة الأجنبية ليدخل البلد، إلى تجميد اتفاقيات التعاون الثنائية، إلى قطع علاقات التعاون، إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية، إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، إلى تصعيد حالة التوتر التي قد تصل إلى الحرب.

ويرتكز تطور هذه العلاقات على أساس:

– المبادىء العامة التي تقوم عليها الدولة والمجتمع: والتي تسكلها قناعات ومعتقدات وتاريخ ونضالات البلد والتي تنص عليه الوثائق المرجعية المتفق عليها ومنها دستور البلد حين يمثل حالة إجماع أو قبول عام أو توافق واسغ.

– السياسة الخارجية للدولة والتي يتقيد بها الحاكم في تصرفاته مع المحيط الخارجي، وتكون في الغالب متبناه من السلطة والمعارضة على أساس أنها تصمم لتستجيب للمشترك الوطني وهي عادة ثابتة لعقود وتصبح تعبر عن تقاليد تتبعها الأجيال ولا تتغير إلا عند حدوث تحولات عميقة تتطلب نقاشا عاما بين مختلف القوى الوطنية.

– المصالح الوطنية وسلامة الإقليم وحقوق وكرامة المواطن ماديا ومعنويا في الحاضر والمستقبل.

وبخصوص العلاقة مع فرنسا لا أحد دعا إلى قطع العلاقة مع هذه الدولة أو عدم استقبال ممثليها أو عدم التعامل معها أو قطع العلاقة معها ولكن في إطار ما سبق تكون العلاقة بينها على النحو التالي:

أولا – في الوضع الراهن:

1 – لا يمكن قبول السكوت الرسمي عنها بخصوص إساءة رئيسها للإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام.

2 – لا يمكن الاحتفاء بمسؤوليها في هذه المرحلة، حتى وإن تم استقبالهم، و لا يمكن إظهار الابتهاج بذلك وتكريمهم فوق ذلك.

3- لا يمكن – على الأقل – حضور أي جزائري عند تكريم الوزير الفرنسي للجنود الفرنسيين الذين قتلهم المجاهدون الأبطال في سبيل الله دفاعا عن الأرض والعرض والمقدسات.

4- يجب في هذه المرحلة إظهار الفتور في العلاقات تقديرا لديننا ونبينا واحتراما لشعبنا.

5 – دعم مقاطعة المنتجات الفرنسية إلى أن يتم الاعتذار الرسمي الواضح والعلني، وكذا تخفيض العلاقات والاتصالات.

ثانيا – بشكل دائم.

1 – غير مقبول أن يتم نسيان أو تجاوز جرائمها الاستعمارية وعلى الدولة الجزائرية أن تستمر في المطالبة بالاعتراف والاعتذار والتعويض، وما هو غير متاح اليوم سيكون متاحا غدا.

2 – لا يمكن القبول بدعم هيمنة اللغة والثقافة الفرنسية على الحياة العامة للجزائريين وعلى المؤسسات الرسمية، ويجب فعل كل ما يلزم لمنع استعمال لغتها في الوثائق الأصلية والمؤسسات الرسمية.

3 – لا يمكن التساهل مع لوبياتها ومجموعات الضغط من أجل مصالحها، والاعتبار بالضرر الكبير الذي لحق الجزائر لصالح الاقتصاد الفرنسي في السنوات السابقة.

4 – لا يمكن تفضيلها على غيرها من الدول، خاصة الشقيقة والصديقة في الجوانب الاقتصادية، ولا بد من تجريم كل من يخدم مصالحها على حساب الاقتصاد الوطني، وأن لا يسقط ذلك بالتقادم.

5- لا يمكن التحالف معها جيوستراتيجيا، ولا يمكن الإنابة عنها للمحافظة على مكانتها في الساحل وفي أي مكان في العالم، كما لا يمكن دعمها في أي صراع مع غيرها خصوصا إذا تعلق الأمر بدول صديقة أو شقيقة.

د. عبد الرزاق مقري

 

 

لخضر بورقعة رحمه الله: مناضل حتى الممات

لا أبلَغ من رسائل الجنائز في فهم تعاقب الأجيال، إنه أجلُ رحيل من بقي من جيل المجاهدين. ها هو يتوالى حضورنا الجنائز لتوديع من مثلوا لنا، نحن جيل الاستقلال، صلة الوصل بأحداث الثورة التحريرية وملاحمها وبطولاتها وتضحيات رجالها للتحرر من الاحتلال، وما وقع بينهم من خلافات رسمت مسارات جزائر الاستقلال.

ومهما كانت الخلافات بينهم أثناء الثورة واختلاف مساراتهم السياسية في عهد الاستقلال بقينا نحترمهم ونقدرهم لعظمة الإنجاز الذي حققوه. حتى أولئك الذين اختلفنا معهم سياسيا، ومن ظهر منهم ما لا يعجبنا بقيت مكانتهم محفورة في قلوبنا. أما المجاهد لخضر بورقعة فهو من قادة الجهاد الذين استحقوا التقدير كاملا لجهادهم ضد الاستعمار الفرنسي، وفرضوا علينا احترامهم لثباتهم ونضالهم وتضحياتهم بعد الاستقلال في مواجهة لاشرعية النظام السياسي الذي أسس له جيش الحدود بسطوته على السلطة بالقوة وفرض نظام الحزب الواحد والاستمرار في التسلط والهيمنة إلى غاية الحراك الشعبي. لقد اعتقد سي لخضر أن الحراك هو القدر المبرور الذي لحقه في آخر عمره ليرى الشرعية تتجسد في نظام الحكم قبل مماته، فإذا به يجد نفسه في السجن ظلما ليبدأ مشوارا جديدا من النضال لم يقو عليه جسدُه المنهك بجراح الكفاح المسلح وأثقال مقاومته السياسية الطويلة وشدائد الأمراض والأسقام.

لطالما نظر رفقاء الكفاح وجيل الاستقلال إلى بورقعة كبطل من أبطال الثورة التحريرية، وهكذا هي صورته دوما في مخيال من عرفه، كرجل التحق بالثورة في بداياتها سنة 1956 فارا من الخدمة العسكرية الإجبارية، ليصبح أحد الجنود الأشاوس حيث أظهر قدراته القتالية في قيادته لكتيبة الزبيرية المشهورة بعملياتها الناجحة ضد الاستعمار في نواحي المدية، ثم تدرج في الرتب والمهام إلى أن أصبح قائد ناحية في الولاية الرابعة، ثم نقيبا فرائدا في جيش التحرير يقدّره الجميع بسبب شجاعته وكفاءته العسكرية وأخلاقه وتعففه، وممن تأثرَ بهم في الجهاد رحمه الله رمز الولاية الرابعة الأشهر الشهيد أحمد بوقرة “سي امحمد” الذي يعتبره فقيدنا مُعلّمه وقدوته. ولمكانته وشهرته عند رفقائه في السلاح لم يتخل عنه هؤلاء حين ظُلم في تاريخه من التلفزيون الرسمي الجزائري واعتقاله أيام الحراك الشعبي فكتبوا عريضة أمضاها عنهم آخر قائد للولاية الرابعة يوسف الخطيب “سي حسان” يُعلون من شأنه ويشهدون عن جهاده المبكر والثابت شهادة الحق.

لقد سمعت بسي لخضر قبل أن ألقاه في بداية التسعينيات من خلال مذكراته التي صدرت تحت عنوان ” شاهد على اغتيال الثورة” التي عرف الكثيرون من خلالها مكانته وحضوره الفاعل وسعة اطلاعه على أحداث الثورة، سواء ما تعلق بجرائم الاستعمار ومكره وكيف واجهه قادة الجهاد وهزموه، أو ما يتعلق بالتناقضات والصراعات بين القادة التي يعتبرها في مؤلفه السبب الذي مكّن ديغول من اختراق الثورة، خاصة في ما فصّل فيه بشأن الصراع بين زعماء الخارج والداخل وبعد فشل لقاء العقداء واستشهاد القادة الكبار.

لقد كان بورقعة عليه رحمة الله من أكثر من شرح بوضوح للأجيال مخطط الاختراقات التي توصل بها “ضباط فرنسا” وعناصرها إلى مراكز التأثير، ثم التحكم بعد الاستقلال في المسارات الإدارية واللغوية والاقتصادية. ومما جعل له مكانة خاصة عند الأجيال، خصوصا عند القوى التي عارضت الحزب الواحد، عدم قبوله للأمر الواقع وصدعه بالرفض الدائم للانقلاب الذي قام به جيش الحدود بزعامة بومدين وتحالفه مع بن بلة، واستماتته في المواجهة والعمل مع كل من يعارض النظام فكان مع كريم بلقاسم في محاولة تأسيس حزبه، ثم كان مع جبهة القوى الاشتراكية بقيادة آيت أحمد، ثم تورط، دون قناعة كبيرة كما يقول، مع الطاهر الزبيري في مواجهته المسلحة ضد بومدين، ودفع في سبيل ذلك الإصرار الثمن غاليا حيث ألقي عليه القبض وعذب وسجن قرابة سبع سنوات. وبعد خروجه من السجن بقي معارضا للنظام السياسي الذي بقي يعتبره غير شرعي إلى أن توفاه الله.

لقد كانت فرصة التعرف على سي لخضر عن قرب بمناسبةٍ مُؤثّرة في حياتنا السياسية كمناضلين ومسؤولين في حركة مجتمع السلم حين مُنع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله من الترشح في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 بسبب عدم حصوله على وثيقة إثبات مشاركته في الثورة التحريرية. لقد كانت هذه المؤامرة مُحكمةً ضد الشيخ محفوظ منذ صياغة دستور 1996 بعد ظهور قوته الشعبية في انتخابات الرئاسة سنة 1995. أعد الشيخ محفوظ رحمه الله ملفا كاملا لنيل الوثيقة بشهادة كبار قادة الجهاد في منطقة البليدة في الولاية الرابعة فأُوعِز للجنة الوزارية ألا تجتمع لقوة ونوعية وكثافة الشهادات التي قدمت لصالح الشيخ محفوظ. كان المرحوم سي لخضر ممن زكوا الشهادات التي قدمت وصدع هو وسي يوسف الخطيب بالحق رفضا لذلك التصرف السياسي الظالم والمَهين ضد الشيخ محفوظ. منذ ذلك الوقت أصبح سي لخضر بورقعة صديقا مقربا ومن الجلساء المفضلين لفهم تفاصيل تاريخ الثورة، ومن الضيوف الدائمين عندنا في الحركة في مختلف المناسبات.

وفي ظل ذلك التقارب اكتشفنا في المجاهد بورقعة خصلة أخرى عظيمة وهو ارتباطه اللامحدود بالقضية الفلسطينية، فوفر للناشطين حضنا جامعا يلتقون عنده لمناصرة هذه القضية المقدسة ومختلف قضايا الأمة على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، فكان هو الرئيس الدائم للعديد من اللجان الشعبية لفك الحصار عن غزة ومناضهة التمدد الصهيوني.

ومن دلائل قدراته الاستيعابية قدرته على التملص من محاولات استيعابه من أطراف متناقضة واستعماله في الصراعات بينهم، فرأيت مثلا كيف حاول التيار القومي العروبي اليساري استعماله ضدنا، خصوصا في فترة الربيع العربي وبعده، وكيف حاول استعماله ضدنا تيار علماني مناهض لعروبة الجزائر وانتمائها الحضاري، خصوصا في أواخر الحراك الشعبي. وفي كل تلك الظروف العصيبة حافظ سيدنا لخضر بورقعة على علاقته الطيبة معنا ولم ينس أبدا الود بيننا، يفرح لفرحنا ويحزن لحالنا. حين يظن الخطأ في موقفنا يتصل بنا للنصيحة، وحين يعتقد الصواب يأتي مسرعا إلينا يشجعنا، ولا أنسى ذلك اليوم الذي زارني في مكتبي يشكرني بعبارات التقدير الكبيرة حين انسحبت من الترشح للانتخابات الرئاسية بعد ما تأكد ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة قبل انطلاع الحراك، وفهمت جيدا من خلال حديثه في تلك الجلسة خارطته الذهنية وموقفه الحقيقي من كل مكونات الساحة. وكم كانت غبطتي كبيرة كذلك لحزنه واهتمامه بي أثناء إصابتي بداء كورونا ولوم قيادات الحركة الذين التقى بهم أثناء مرضي عن عدم الاحتياط لحفظي من الداء، معتبرا بأن فيروس كورونا قد يكون سلاحا في يد بعض المجرمين لتصفية الحسابات وفق ما قال، وسؤاله المتكرر عني إلى أن شفيت بفضل الله وبفضل دعائه ودعاء أمثاله

شاء الله أن يبقى سي لخضر مقاوما سياسيا لا تلين له قناة ولا ينكسر رمحه، فحرّك فيه الحراك الشعبي آمال التغيير التي حلم بها واشتغل لها طيلة ثمان وخمسين سنة منذ الاستقلال بلا هوادة، فخاب ظنه مرة أخرى حين رأى سيناريوهات الانقلاب على إرادة الشعب المعبر عنها بالملايين في الشوارع توشك أن تتكرر. وحين ذكّر بقصص الانقلابات على الشرعية اتُّهم في أعز ما يملك وما من أجله سخّر عمره، وهو نضاله وتاريخه، ثم أدخِل السجن فكانت مفاجأة كبيرة لجيلنا من مختلف التيارات لم نكن نتوقعها، إذ كيف يسجن مجاهد نزيه ويوضع في الزنزانة مع من فضحهم الحراك بعد أن قضى حياته يناضل ضدهم وضد أمثالهم. لم نتأخر في التنديد بهذا الموقف وصدعنا بلا مواربة من اللحظة الأولى ننتصر لهذا المجاهد ولنضاله ونزاهته ولرد الجميل لهذا الشجاع الذي وقف مع الشيخ محفوظ حين ظلم سنة 1999. وحين خرج من السجن فرحنا بذلك فرحا كبيرا واتجهنا لبيته نزوره فوجدناه شاحبا شارد الذهن قليل الكلام فأردكتنا يومها بأن القومَ آذوه في معنوياته في عمق وجدانه.

كان آخر لقاء مع سي لخضر رحمه الله رفقة الشيخ أحمد الإبراهيمي في بيته بدعوة منه ليستشيرني في مشروع عرضته عليه السلطات، طلبت منه التوسط بشأنه مع مكونات المعارضة حسب ما علمت منه. حكى لي في تلك الزيارة عن تغيير أسلوب التعامل معه من قبل السلطات المدنية والعسكرية وعن مختلف الزيارات واللقاءات التي تمت بينهم وبينه بمبادرة منهم، وكيف كان ثابتا في موقفه يتحوط من كل صلة به، ويتحرج من كل إحسان ولو رمزي يُمد له، لا يَفهم كيف يتم اللجوء إليه وهو لا يزال متابعا في العدالة رغم إطلاق سراحه. كان معه في بيته رجلان من وجوه الحراك المحترمين تبادلنا معا أطراف الحديث عن وضع البلد، وتم إخباري بالوثيقة ذات 15 بندا التي سُلمت له من السلطات حسب ما أخبرت به منه شخصيا، والتي تم إخبار الرأي العام بها من قبل الأستاذ السعيد أحد مرافقي المرحوم. طلب مني رحمه الله أثناء الاجتماع أن أسعى لجمع المعارضة بمختلف أطيافها كما فعلنا في التنسيقية الوطنية للحريات والانتقال الديمقراطي فشرحت له الوضع، ووصفت له الساحة، من وجهة نظرنا، وعن محاولاتنا التي لم تنجح مباشرة بعد الجمعة الثانية من الحراك وفي مبادرة عين بنيان، وعن التحديات الكبرى والمخاطر العظمى التي تحيط ببلدنا وبنا جميعا إن لم يخرج الجميع من حالة التطرف الأيديولوجي والأنانية السياسية، وما لم نكن منتبهين إلى خداع المتسلّطين، ومكر الانتهازيين والوصوليين.

ثم.. سمعنا بمرض الفقيد وظللنا نتابع أخباره ونرسل سلامنا وتحياتنا وندعو له بالشفاء إلى أن سمعنا بوفاته. وحين انتقلنا إلى مقبرة سيدي يحيى لوداعه الأخير أشفقنا عليه مرة أخرى وهو يوضع في قبره بسبب صورة الاستقطاب السياسي و الفوضى التي صاحبت جنازته بما يعاكس واجب السكينة عند المسلمين حالة مرافقة الأموات إلى مأواهم الأخير، فقلت في نفسي رحمك الله عمي لخضر لقد ظُلمت حيا وميتا، ولكن عزاؤنا فيك أنك عند العادل الرحيم الذي يعرف فضلك وتضحياتك، وقد آن الاوان لتستريح أخيرا من متاعب الحياة وآلام المرض ومنغصات الصراع السياسي، لا ألم بإذن الله بعد اليوم، لا حزن بفضله سبحانه بعد اليوم، نم قرير العين برحمته عز وجل من اليوم، كن هانئا بمنه وإحسانه من اليوم.

 

 

د. عبد الرزاق مقري

 

 

أول نوفمبر: ذكرى ومعنى … وحدث

إنها ذكرى أول نوفمبر التي شاءت الأقدار أن تأتي متوافقة مع ذكرى مولد المصطفى محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لنتذكر معنى نوفمبر فندرك بأنها ثورة من ذات مشكاة النبوة، قامت لله من أجل تحرير الوطن وسارت على هدي الإسلام بتحديد أهداف قيام دولة الاستقلال لتكون ديمقراطية

بمعنى أن تكون للشعب فيختار فيها بنفسه حكامه ودساتيره وقوانينه، وتكون سيدة لا تتبع الاستعمار بعد خروجه، ولتكون ضمن إطار المبادئ الإسلامية لا تحيد عن هدي الإسلام ورحمته أبدا، ولا يكون فيها ما يخالف الدين ويناقض شرعه، وليحدَّد انتماء الجزائر المستقلة الذي تتعامل على أساسه مع العالم ضمن إطار منطقي لا تكلُّف فيه ولا إكراه ولا تدليس وهو ” وحدة شمال افريقيا ضمن إطاره الطبيعي العربي الإسلامي”. هكذا وحّد بيان أول نوفمبر مفجرو الثورة المعتزون بدينهم الإسلامي من كل الأعراق بلسانهم العربي والشاوي والقبائلي والميزابي والترقي. وعلى هذا الهدي الإسلامي النوفمبري كانت المنظومات والعبارات والمصطلحات الثورية دينيةً بيِّنةً فسمي الثائر مجاهدا، والقتيل شهيدا، وصيحة الحرب الله أكبر، و من كلمات السر في القتال عقبة وخالد، وفي الحكم في المسائل قضاءٌ شرعي. وصدق الشاعر إذ فصل في الأمر في إلياذته فقال: نوفمبر غيرت مجرى التاريخ … وكنت نوفمبر مطلع فجر.وذكرتنا في الجزائر بدرا … فقمنا نضاهي صحابة بدر. وتشاء الأقدار أن يُحشر في هذه الذكرى الجليلة استفتاء على وثيقة فرّقت بين الجزائريين ولم تجمعهم، هدّدت هويتهم النوفمبرية ذات الهدي المحمدي، زكّاها أقوام ثار الشعب عليهم في حراكه الميمون، وابتهج بها أرهاط من العلمانيين مشهورون في بغض الدين والاعتداء عليه، ودعت فرنسا لدعمها فصار بموقفها الأمر بيّنا لمن كان له قلب وعقل ولم يطمس الهوى سمعه وبصره. هل ثمة من يريد أن يجعل أول نوفمبر مناسبة لذكرى هزيمة الشهداء وهم في قبورهم؟ وإذلال الأوفياء لنهجهم وهم الكثرة باستعمال وسائل الدولة وجبروتها؟ … ولكن هيهات هيهات … لن يزيل هذا الحدث طهور الذكرى ومعناها. سيبقى أول نوفمبر وسيشع هدي بيانه الذي هو ذات هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي نعيش ذكراه، وستسقط هذه الوثيقة حسيا أو فعليا وينساها الزمن، ومهما يكن من أمر سيزول التدليس والكذب والدجل وأصوات الانتفاخ المقرفة، وستتراجع أحاديث وأحداث الأوهام المضلة إلى أوكار الظلام النتنة فلا تنبعث منها أبدا، وسيسجل التاريخ من قاوم محاولات المسخ وركب المخاطر وكافح وناضل ضده.. ومن صنعه وسايره وأيده.

 

د. عبد الرزاق مقري

بين المقاطعة والتصويت ب”لا”: ما هو الموقف الذي يزعج السلطة الحاكمة ويفسد حساباتها؟

مقاربتنا التي نعرضها في هذا المقال تتجه للمقتنعين بضرورة الاهتمام بالشأن العام والمقاومة السياسية السلمية لمواجهة الاستبداد والهيمنة والفساد بمختلف الوسائل السلمية ومنها المشاركة في الانتخابات، فهي لا تعني الذين يعتبرون المقاطعة قناعة دغماتية نهائية ودائمة.

وضمن دائرة النقاش المحددة هذه نسلّم بأنه حينما يكون النقاش بين المقتنعين بخيار المشاركة السياسية واعتماد الانتخابات كآلية أساسية لذلك يمكننا أن نقول بأنه ضمن الاتجاه العام للمشاركة السياسية يمكن للساسة وقادة الأحزاب اللجوء إلى مقاطعة الانتخابات في حالات مدروسة يترجح لديهم فيها أن الموقف يؤثر فعلا في موازين القوة وسيؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة في مرحلة مقبلة تتم المشاركة فيها. فالمقاطعة في هذا السياق موقف محترم ولا حرج أن يختلف الناس بخصوصه لاختلاف المعلومات والتحليل وزوايا النظر. ونحن نرى في إطار هذا الاختلاف المشروع أن مقاطعة الاستفتاء على هذا المشروع المعروض خطأ لاعتبارات عدة منها:

أي مقاطعة للمسار الانتخابي لا ينقل إلى بديل آخر للتغيير هو مجرد تعبير صوتي يكون لصالح المصوتين ب” نعم” وعليه لصالح النظام السياسي القائم والسلطة الحاكمة.

من يعتقد بأن المقاطعة ستحرج النظام السياسي فهو مخطئ، ذلك أنه إن لم يتبع المقاطعة وسيلة أخرى سلمية تزعز حكمه، سيفرض هذا الدستور نفسه وسيخضع المقاطعون لأحكامه وستعترف به الدول ويتعامل معه الشعب بكل توجهاته.

لن يضر النظام السياسي خلو مكاتب التصويت من الناخببن لأن ما يقوم به يحظى بغطاء دولي من الدول المساندة له والمستفيدة من الوضع القائم، وإن قررت هذه الدول إحراجه فإنما تفعل ذلك لفترة وجيزة لابتزازه بغرض مزيد من التنازلات في مجالات السيادة والهوية والاقتصاد والتوازنات الدولية، وبعد أن تحقق مبتغاها تعود لمساندته ومساندة خياراته. وقد سبق لي أن واجهت بذلك بوضوح بعثة الاتحاد الأوربي لمراقبة الانتخابات التشريعية سنة 2012 التي زكت تلك الانتخابات رغم إقرارها بالتلاعب في الكتلة الناخبة.

هذا التصويت، خلافا لدستور 2016, معروض على الشعب وليس البرلمان وبإمكان ملايين الاصوات ب”لا” أن تسقط حتمية التزوير بأن تخيف النظام السياسي من العواقب وتشجع قوى رسمية في الإدارة وفي مختلف مؤسسات الدولة للانحياز للشعب، لا سيما أن النظام السياسي في وضع هش ويعيش أزمات متعددة بسبب طريقة تسييره للدولة بما جعل المشاكل تتعمق ولا تنفرج.

حتى وإن تم التزوير فإن امتلاء الصناديق بأوراق “لا” سيدمر معنويات السلطة المتحكمة التي تريد فرض هذا الدستور، وسيفتح ذلك سبلا قوية وفاعلة للنضال السياسي بعد الدستور إذ ما يسقط شرعية الاستفتاء هو افتضاح التزوير وليس المقاطعة.

ثبت أثناء الحراك وقبله وبعده أن الخطاب الذي كان يوجع النظام السياسي هو كون الانتخابات كانت مزورة، ولم يكن في الخطاب السياسي لكل السياسيين والنشطاء شيء عن عدم شرعية الانتخابات السابقة بسبب نسب التصويت التي كانت مدنية.

لقد كان النظام السياسي يحلم، منذ الانتخابات الرئاسية سنة 1995 إلى بناء شرعية جديدة بعد إلغاء انتخابات 1992 وأن يتوصل إلى تداول سلمي على السلطة دون تزوير بين حزبيه الأرندي والأفلان، وأن تصبح أحزابه أحزابا عاديا لا تحتاج إلى دعم الدولة، والذي منعه من تحقيق ذلك هو التزوير الدائم للانتخابات بسبب ثبات المقاومين عند الصناديق وليس مقاطعتها، فالمشاركون هم من أفسدوا الخطة وليس المقاطعون، ودليل ذلك ما قلناه في الفقرة الأعلى بأن الخطاب الذي استعمله السياسيون دوما لإحراج النظام السياسي هو أن كل الانتخابات كانت مزورة ولم يستطع أحد استعمال نسب المشاركة المتدنية. فلا هدية أكبر تقدم للأنظمة المستبدة مثل خروج قوى التغيير من العملية السياسية الانتخاببة، والبقاء في بيوتهم دون فاعلية .

نتائج المقاطعة في مختلف الدول حيث تجارب الكفاح من أجل التحول الديمقراطي كانت عسيرة مثل حالنا كانت على العموم سلبية، وفي الغالب رجع المقاطعون إلى المشاركة السياسية ولم يتوقفوا إلى حينما انتقلوا إلى وسيلة جديدة كالانتفاضات السلمية العارمة التي تسمى عندنا الحراك الشعبي المبارك.

هذا الاستفتاء جاء بعد الحراك الشعبي وتوفُّر حاضنة شعبية كبيرة اقتنعت بالمشاركة في الشأن السياسي بعد ما لم تكن مهمتة بذلك، لا سيما أن الحاضنة الرافضة للدستور هي الحاضنة الحراكية الحقيقية الموزعة بين المقاطعين والمصوتين ب”لا” ، فالفرصة إذن كبيرة لمواجهة الحاضنة الداعمة للدستور التي كانت مرتبطة بالنظام السياسي السابق والتي دعا الحراك إلى إسقاطها.

وفي الختام لم يكن التزوير الانتخابي أو أي شكل من أشكال الاعتداء على الإرادة الشعبية سببا لعدم المشاركة في الانتخابات عند الأحزاب والقوى السياسية العريقة في العالم، ومن ذلك التجربة التركية التي لم تتوقف فيها المشاركة في الانتخابات رغم الانقلابات العسكرية وسجن الفائزين إلى إن تحقق التحول الديمقراطي، ونفس الحال في المغرب حتى جاء وقت توقف التزوير، ونفس الحال في مصر إلى غاية ثورة يناير، بل كان آخر تزوير انتخابي في هذا البلد هو من مسببات تفجير الثورة الشعبية السلمية.

ولعل من أكبر ما يمكن أن يقنع المقاطعين بسبب هاجس التزوير هو مشاركة الحركة الوطنية الجزائرية في الانتخابات التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية بشكل مستدام إلى غاية ما بعد 20 أوت 1955، أي أن قادة الثورة لم يطلبوا من المنتخبين الوطنيبن الخروج من المجالس المزورة والتوقف عن المشاركة في الانتخابات إلا بعد سنة من اندلاع الثورة التحريرية حين تأكدوا أن الثورة ترسخت واستحكمت عند الشعب على إثر الهجمات الكبرى في عشرين أوت.

والذي يسير سياساتنا في هذا الشأن في حركة مجتمع السلم هو هذا الفهم، فنحن نشارك منهجيا في كل الانتخابات، خصوصا التي لها علاقة بالشعب، ولكن قد نقاطع أو نمتنع عن التصويت اذا قدّرنا أنه لا توجد أي فرصة ولا أي مكسب مهم يشجع ويساعد على استمرار النضال بشكل أفضل، وحينما يظهر أن ثمة توجه عام لحراك شعبي سلمي يستطيع تغيير موازين القوة نتحول إلى الوسيلة الجديدة الأكثر فاعلية، تماما مثلما فعلنا حين انتقلنا إلى المشاركة في حراك 22 فبراير في أول جمعة وانسحبنا فورا من الترشح للانتخابات الرئاسية التي دخلناها لمواجهة العهدة الخامسة ومرشح الدولة العميقة. فالسياسة ليست مجرد عواطف وردود أفعال وحالات نفسية انتقامية دون بصيرة ولا رؤية.

ولكل هذا ندعو الشعب الجزائري إلى المشاركة بكثافة في الاستفتاء والتصويت ب”لا” وذلك هو الصواب وذلك هو الذي يزعج السلطة الحاكمة ويفسد حساباتها، ويفتح لنا آفاق أوسع لاستمرار النضال.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

الجزائر والإساءة للنبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم)

وأسفاه على الجزائر! بلد الأبطال وقلعة الثوار وملجأ المظلومين والمقهورين تعجز رسميا على قول “لا” لفرنسا الظالمة.

لا موقف رسمي من الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم! ماذا يحدث؟ هل أصبح لفرنسا عصمة في الجزائر إلى هذا الحد …

ظننا أننا بعد الحراك الشعبي نقطع دابر الاستعمار وأذنابه، وننتقم لتدمير الاقتصاد الوطني خدمة للمؤسسات والاقتصاد الفرنسي في زمن العصابة، وننهي الوصاية والنفوذ الثقافي واللغوي المذل لذاكرة الشهداء، فإذا به نعجز رسميا أن نقول لها كلمة صريحة واضحة على اعتداء رئيسها على مقدساتنا.

وأما عن بيان المجلس الإسلامي الأعلى، الذي استعمل بدلا عن البيان الرسمي من الجهات ذات الاختصاص السياسي التي تقابل موقف رسمي من رئيس دولة، والذي تم اختياره لحفظ ماء الوجه فقد زادنا شعورا بالذلة ( مع احترامنا وتقديرنا لأفاضل فيه) … موقف باهت عجز عن ذكر الطرف الفرنسي المعتدي بإسمه صراحة، ويدعونا في هذه الظروف إلى الرد بالتي هي أحسن عن الإساءة لنبينا بما يوفر الحماية للمصالح الفرنسية ( ولو بدون قصد من أعضاء المجلس) في زمنٍ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يدعون إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية. ألا إن الحكمة والرد بالتي هي أحسن في هذا الموقع هو أن نوجع المعتدي بالطرق السياسية والاقتصادية الممكنة وأدنى ما في ذلك باللسان يا أحباب العدنان.

إن الله تولى نصرة دينه بقوله سبحانه في سورة التوبة (( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ – 40 )) وتكفل بمعاقبة من يستهزئ به بنفسه بقوله تعالى في سورة الحجر: ((إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)))، وإنما ثمة مؤمنون يطيعون الله تعالى إذ أمرهم ان يعزروا ويوقروا نبيه وفق قوله تعالى في سورة الفتح: (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 8 ـ 9 )). ويكرمهم عز وجل باستعمالهم لنصرة حبيبه بقوله تعالى في سورة الأنفال: (( وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)))، وثمة أقوام يحرمهم الله من ذلك في وقت الواجب، ربما تستهويهم الحسابات فيخفقون في الامتحان، وكان عليهم أن يحسبوا مع الله تعالى، الذي يعطي ويمنع ويرفع ويخفض.

ولكن … حسبنا الهبة الشعبية الجزائرية التي قامت بالواجب أمام الله ورفعت الحرج على البلد في وجه المسيئين الفرنسيين وعلى رأسهم رئيسهم ، فكانت كلها على كلمة الصحابي المنافح عن رسول الله حسان بن ثابت رضي الله عنه في:

هَجَوْتَ محمَّدًا فأجَبْتُ عَنْهُ وعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

فإنَّ أَبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ محمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

 

د. عبد الرزاق مقري

 

 

هذه أسباب التصويت بـ”لا” على الدستور | حوار مع موقع العربي الجديد

يشرح رئيس حركة “مجتمع السلم”، وهي أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة في الجزائر، في مقابلة مع “العربي الجديد”، مبررات قرار الحركة التصويت ضد الدستور المطروح للاستفتاء في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ويشير إلى تداعيات هذا الموقف على الحركة التي تتعرض لتضييق سياسي من قبل السلطة. ويكشف مقري أنه بات أيضاً كرئيس للحركة مستهدفاً بهذا التضييق، معتبراً أنّ السلطة “واهمة” في حال اعتقدت أنه يمكنها العودة بالجزائر إلى ما قبل 22 فبراير/ شباط 2019، عند اندلاع الحراك الشعبي في البلاد.

لماذا قررتم في الحركة التصويت على الدستور بـ”لا”، على الرغم من أنه يحقق، بحسب السلطة، حداً أدنى من مطالب الحراك الشعبي؟

قررنا التصويت بـ”لا” بعد دراسات مستفيضة شارك فيها متخصصون، ونظمنا بشأنها ندوات عدة، وكذلك بعد استشارات موسعة داخل هياكلنا وخارجها على مستوى كل الولايات. حددنا معايير علمية وواقعية للحكم على مشروع تعديل الدستور، منها: رؤيتنا الإصلاحية، مطالب الحراك الشعبي، تعهدات الرئيس عبد المجيد تبون أثناء حملته الانتخابية، الدساتير في دول أخرى، خصوصاً التي نجحت في التحول الديمقراطي، القواعد الدستورية الدولية الضامنة للديمقراطية، مصادر التشريع الإسلامي، وأهداف بيان الأول من نوفمبر (الوثيقة الأولى التي أعلنت عن اندلاع الثورة ضد الاحتلال الفرنسي عام 1954).

للأسف الشديد، الوثيقة الدستورية المعروضة للاستفتاء لم تكن توافقية، ولم يحدث بشأنها حوار مع الأحزاب والمنظمات، بل تلقّت لجنة تعديل الدستور اقتراحات الأطراف المختلفة وفعلت في النهاية ما تريد، علماً أنه كان هناك اعتراض واسع في المجتمع الجزائري على اللجنة ذاتها بسبب اختلال تشكيلتها وتصريحات رئيسها (أحمد لعرابة)، التي أظهرت تحيزه الأيديولوجي. وفي النهاية خرج المشروع المعروض على الاستفتاء مخالفاً لكل المعايير التي وضعناها، ولعلّ أكبر عيوبه استمرار النظام السياسي الهجين الذي أسس له الرئيس السابق (عبد العزيز بوتفليقة)، بل ازداد هذا النظام غموضاً في الدستور الأخير، إذ لا هو نظام رئاسي ولا شبه رئاسي ولا برلماني، بل نظام يجعل رئيس الجمهورية فوق المساءلة بصلاحيات ضخمة تفقد التوازن المنشود بين السلطات، وتجعل السلطة التنفيذية مسيطرة على كل السلطات. فالمجلس الأعلى للقضاء يغلب عليه التعيين، وكذلك المحكمة الدستورية، والحريات الممنوحة في الدستور مقيدة بمرجعية القوانين والتعسف الإداري كما كان من قبل، إضافة إلى مادة خطيرة هي المادة 67 التي تجعل الجزائريين غير متساوين صراحة في تقلد المناصب العليا للدولة المتعلقة بالسيادة والأمن. هذا فضلاً عن تراجع كبير في استقلالية الهيئة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، التي صارت في المشروع المعروض للاستفتاء كلها بالتعيين. ومن أخطر ما ورد في هذا المشروع التهديدات الكبيرة للهوية الوطنية في مجالات المنظومة التربوية والأسرة والمساجد والمسألة اللغوية، بما جعل جبهة الاعتراض تتسع إلى حد غير مسبوق حتى عند الذين ساندوا الرئيس في الانتخابات الرئاسية السابقة. 

الوثيقة الدستورية المعروضة للاستفتاء لم تكن توافقية، ولم يحدث بشأنها حوار مع الأحزاب والمنظمات

مع موقفكم الرافض للدستور، تتطور خصومة الحركة مع السلطة، وقد تمّ منعكم من تنظيم لقاءات وتجمعات بشأن الدستور. إلى أين يمكن أن تصل هذه الخصومة؟ وهل تعتبرون أنّ الحركة باتت مستهدفة، أم أنك أنت المستهدف سياسياً بسبب مواقفك؟

صحيح، نحن نشعر بأنّ النظام السياسي يتصرف بعصبية كبيرة، وليست له القدرة على تحمل الرأي المخالف. كل طلبات تنظيم التجمعات التي تقدمنا بها في مختلف الولايات رفض الترخيص لها، والظهور في الفضائيات التي تم التحكم فيها، يكاد يكون حصرياً لداعمي الدستور، الذين ينتمون للقوى نفسها التي صوتت على دستور بوتفليقة عام 2016، والأغلبية الساحقة منهم من مناصري العهد البوتفليقي.

إذا كان موقفنا الرافض للدستور يتسبب في خصومة مع النظام السياسي، فكان عليهم أن يقرروا وضع ورقة واحدة في صناديق الاقتراع هي ورقة “نعم” ويستريحوا. بل سمعنا فعلاً أنّ هناك استهدافاً شخصياً لي لمنعي من الكلام وعدم الترخيص لأي تجمع أشارك فيه. هذا يدل على وجود خوف شديد من الخطاب الوطني المقنع والواقعي والعلمي والمنطقي. وفي حقيقة الحال، فإنّ خصومة النظام السياسي هي مع الشعب الجزائري. مشكلة النظام السياسي كبيرة مع جبهة عريضة من الجزائريين، وما نحن إلا جزء من الجزائريين المصرّين على التغيير والإصلاح الحقيقي، وقدرتنا على الصمود والمقاومة كبيرة، ونحن متفائلون كثيراً ومتسلحون بثقتنا بالله وبالشعب الجزائري وبالمستقبل.

نحن نشعر بأنّ النظام السياسي يتصرف بعصبية كبيرة

فهم قرار الرئيس عبد المجيد تبون، بتعيين قيادي من حركة “مجتمع السلم” وزيراً في الحكومة من دون استشارتكم، على أنه استفزاز للحركة وتحرش سياسي، هل قدم وزير العمل والضمان والاجتماعي، الهاشمي جعبوب، أي مبررات لكم بشأن تعيينه، وهل صحيح أنه لم يستشر هو أيضاً في قرار تعيينه؟

ربما قصدوا إرباكنا، فانقلب السحر على الساحر، إذ زادنا ذلك تماسكاً داخلياً عظيماً، وتعاطفاً شعبياً واسعاً. ونحن، كما أعلنّا من اللحظة الأولى، لم يتم إطلاعنا على الأمر لا من المعيَّن ولا من الذي عيّنه، ولم يتم تقديم أي تبرير لنا، وقد تعاملنا مع الموضوع وفق لوائحنا وأخلاقنا.

إضافة إلى حركة “مجتمع السلم”، هناك منع لنشاط أحزاب أخرى معارضة، كيف يُمكن فهم سلوك السلطة إزاء القوى المخالفة لتوجهاتها؟

نعم، الساحة السياسية تعيش حالة غير مسبوقة من التضييق. إذ لم يحدث من قبل التضييق على الإعلام كما يحدث الآن، وعمليات ملاحقة النشطاء لا تتوقف، ولم يحدث أن كان هناك منع للتجمعات كما نرى اليوم، وذلك بذرائع واهية أو بدون ذرائع، وحتى بدون جواب على طلبات التجمع أصلاً. وأرى أنّ سبب عصبية النظام السياسي وسلوك التضييق علينا وعلى غيرنا، هو بسبب ضعفه وعدم ثقته بنفسه. هو يواجه مشاكل عديدة تجعله غير قادر على السيطرة على الوضع. كان الحكام سابقاً ينتمون إلى جيل الثورة التحريرية، وعليه كان يُنظر إليهم من قبل الكثير من الجزائريين بنوع من الاحترام غطى على الكثير من حالات الإخفاق والفساد في المراحل السابقة، وهذا الأمر انتهى عهده ولم يعد متاحاً.

النظام السياسي يعاني اليوم من أزمة اقتصادية عميقة بسبب انقطاع الريع والاختلال المستدام للمؤشرات الاقتصادية التي بدأت تتجه نحو انقطاع السيولة، وعدم القدرة على التحكم في ميزانية التسيير (نفقات التسيير) والتوقف شبه التام لميزانيات التجهيز، كما ورد في مختلف التقارير الرسمية، ومنها مشروع قانون المالية الأخير، ما جعل المشاريع التنموية تتوقف، وهو ما ينتج عنه اتساع نسبة البطالة، وارتفاع نسب التضخم، وتدني مستويات المعيشة والخدمات، خصوصاً مع عدم توفر رؤية اقتصادية وحكم رشيد، وبيئة حريات وبيئة أعمال مناسبة للتوجه نحو اقتصاد بديل للريع، يعتمد على العمل والإبداع والتنافس الحر وعدم العودة لآفة الفساد.

علاوة على ذلك، يواجه النظام السياسي شعباً غير قابل للعودة إلى زمن السيطرة وغلق الحريات وهيمنة شبكات الفساد والمبجلين والانتهازيين وغير ذلك. ويواجه كذلك أحزاباً ونخباً حرة، مصرة وقادرة على المقاومة. وحتى محاولاته للتضييق على حرية التعبير بالسيطرة على الصحف والفضائيات، ومنع التجمعات وملاحقة النشطاء غير مجدية، لأنّ العالم صار مفتوحاً، وعدد النشطاء كبير جداً، وقدرات الأجيال الجديدة على التحكم في وسائل الاتصال غير محدودة. وبالإضافة إلى كل هذا، لم تصبح للنظام السياسي بعد قاعدة حزبية قوية تثق في نفسها ويقابل بها الجمهور. فمحاولات تشكيل شبكات مجتمع مدني وهمية، لم تعوض له المنظمات الكبرى التي تهاوت مع الحراك الشعبي، بل ستكون عبئاً عليه كما حصل من قبل.

الساحة السياسية تعيش حالة غير مسبوقة من التضييق

يفهم من خلال تصريحاتكم أنّ مسودة الدستور ليست جزائرية خالصة، هل تعتقدون أنّ أطرافاً خارجية لها دور في صياغة الدستور أو على الأقل وضع التوجيهات الكبرى بشأنه ليكون بهذه الصيغة؟

التأثير الخارجي في المسودة ملموس، ومما بيّن ذلك ما ورد فيها من مبالغة في تثبيت مرجعيات المعاهدات الدولية من دون أي تحفظ، بما ينخر أسس المجتمع الجزائري. وعلى الرغم من التراجع عن جزء من ذلك بسبب الهبة الشعبية الكبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والإجماع ضدّ المقترحات المقدمة في هذا الشأن، بقيت المرجعية الدولية حاضرة، مع رفض تثبيت مرجعية بيان الأول من نوفمبر ومبادئ الشريعة الإسلامية، كمرجعيات أساسية للدولة وللتشريع. وعلى كل حال، فإنّ تأثّر المشروع بالبعد الخارجي عبّر عنه أحد المتحدثين الرسميين صراحة.

إذا عدنا إلى لقائكم مع الرئيس عبد المجيد تبون بعد انتخابه، هل حصلتم خلال اللقاء على أي تعهدات أو التزامات منه، قدرتم لاحقاً أنّ الرئيس أخلّ بها أو ابتعد عن حدودها؟

لا، لم تكن هناك التزامات محددة، بل لاحظنا وجود شيء من التطابق في وجهات النظر. ولكن للأسف الشديد، لم يحدث بعد ذلك حوار مع القوى السياسية يجسد ذلك التطابق، ويحقق التوافق المنشود والموعود به، بل سيطرت لجنة تعديل الدستور ومَن وراءها على مجريات إعداد الوثيقة الدستورية كما شاءت، ومن خلال توجهاتها السياسية والأيديولوجية، من دون أي اعتبار لحالة الرفض الشعبي الواسع لها ولما قامت به.

هل تعتبرون أنّ الجيش بشكل أو بآخر له يد في مضمون مسودة الدستور، وفي إدارة السلطة السياسية في الوقت الحالي؟

ليست لدينا معلومات دقيقة بشأن ذلك، ولكن نحن نعرف البلد الذي نعيش فيه.

الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يسمح بالتلاعب بإرادة الجزائريين

ما هو تقديركم الأولي لنتائج الاستفتاء، وهل تعتقدون أنّ السلطة ستلجأ إلى أي شكل من أشكال التلاعب بالنتائج كما جرى في الاستحقاقات السابقة؟

بحال كانت نسبة المشاركة الحقيقية عالية، وترك الأمر بين الجزائريين والدستور، لا يمكن لهذا الأخير أن يمرّ. ولكن حالة التضييق التي نعيشها تبيّن أين نتجه. ولذلك نصرّ على دعوة الرافضين للدستور إلى ألا يكتفوا بالبقاء في بيوتهم، يجب ملء الصناديق بأوراق “لا”. وحتى وإن تم تزوير الانتخابات، سيعرف أصحاب القرار الموقف الحقيقي للشعب الجزائري، فيحسبون حساب غضبته ولعلهم عندئذ يستدركون. ونحن على الرغم من إصرارنا على المقاومة، على كامل الاستعداد مع غيرنا من المقاومين، للجلوس من أجل الحوار والتوافق بما يحقق مصلحة الجزائر، ويجسّد الإرادة الشعبية الفعلية ويحفظ البلاد من المخاطر التي تهددها. وليقتنع النظام السياسي بأنّ أسلوب الهيمنة والفوقية لا ينفع، يجب الذهاب إلى الصناديق للتصويت بـ”لا”، لأنّ في هذه المدافعة السلمية خير كبير لتصحيح المسار. وفي كل الأحوال، الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يسمح بالتلاعب بإرادة الجزائريين. الكلفة ستكون كبيرة جداً، والتزوير لن يكون في صالح النظام السياسي، بل سيعطي حجة أكبر للقوى الرافضة للأمر الواقع بكل اتجاهاتها، خصوصاً التيار الوطني الثوابتي الواسع.

هناك الكثير من الأحزاب والقوى الرافضة للدستور، لماذا لم يحدث أي تنسيق بينها لتوحيد آلية للتعبئة ضدّ الدستور؟

في حقيقة الأمر يوجد تنسيق سياسي، وهناك اتصال حثيث بين القوى المصممة على التصويت بـ”لا”، ونحن جزء من هذه الاتصالات.

 

نشر في: موقع العربي الجديد | 27 أكتوبر 2020

السودان الجديد: التطبيع بالابتزاز

يسعى ترامب لإنقاذ حملته الانتخابية في أوساط الناخبين الإنجيليين بتعجيل التطبيع مع السودان بالابتزاز. إما يطبع السودان مع ” إسرائيل” وإما يستمر حصاره. لا شك أن الذين انقلبوا على عمر البشير في الحكم باستغلال الحراك الشعبي متآمرون مسنودون من أمريكا والكيان الصهيوني، غير أن السودان كبلد ونخب وشعب ليس كحال الإمارات المسيطر عليها كلية من أسرة آل نهيان المتآمر قادتها أنفسهم على المسلمين وعلى فلسطين مثلهم مثل الصهاينة وربما أكثر.

حتى وإن أُنجِز التطبيع رسميا سيظل مرفوضا شعبيا ومن غالبية النخب، بل سيكون التطبيع معجِّلا لتغيير الموازين السياسية لصالح الأمة وفلسطين.وما يتوقعه البعض في السودان وخارجها بأن الحكام الجدد سيطورون البلد لا يتصور حدوثه، ذلك أن الغرب والكيان الصهيوني لن يسمحوا للسودان أن ينمو ويتطور رغم امكانياته العظيمة، تماما كما حدث لمصر بعد التطبيع إذ كان ذلك من أعظم أسباب تدمير مصر وجعلها بلدا فقيرا متخلفا رغم عمقها الحضاري وإمكانياتها البشرية والمادية والجيوستراتيجية الجبارة. إن مشكلة الغرب والكيان الإسرائيلي إنما هو مع الأمة ودينها وحضارتها وليس مع حكامها حين يرفضون الخنوع والخضوع كما كان حال النظام السابق قبل الحراك السوداني.إنهم يدركون بأن تقدم البلدان الإسلامية وتحولها نحو التنمية والتطور والديمقراطية سيصنع لها دولا قوية غير متحكم فيها وأن الأنظمة العميلة عندئذ ستلفظها الشعوب التي تدرك التطور.فالحكام العملاء يُستعملون لتدمير بلدانهم وليس لتطويرها.وكل ما يتحقق من انفراج سياسي أو اقتصادي ظاهري إنما هو بالقدر الذي يعمق التبعية للمنظومة الغربية الاستعمارية الرأسمالية وليس للوصول لمستويات التطور الحقيقي، على النحو الذي وصلت إليه تركيا على سبيل المثال حين قرر شعبها التمسك بالديمقراطية الحقيقية ومغادرة زمن الانقلابات العسكرية وسيطرة النخب العلمانية التي ربطت هذا البلد العريق بالغرب والكيان الصهيوني منذ قرابة قرن من الزمن فأفلسته، والتوجه نحو العودة التدريجية بقدر الاستطاعة لحاضنة الأمة الإسلامية.إن ما يحدث في السودان يجعلنا نوجه تحية تقدير وإجلال لعمر البشير و قادة الحركة الإسلامية، على ما كان بينهم من اختلافات سياسية، على ثباتهم مدة ثلاثين سنة في وجه الإغراءات والحصار المطبق، و أمام مخططات الإفقار الشامل وقطع الطريق على أي جهد تنموي ومنع أي تحويل مالي من وإلى السودان، واستحاله نقل المواد الأولية والبضائع التجارية وجعل أي تنقل للأشخاص إلى السودان شبهة يُلاحق أصحابها في المطارات الغربية، وتهديد أي مستثمر يتجه إلى هذا البلد رغم الفرص العظيمة المتاحة فيه.وكل هذه الإجراءات القاسية الظالمة كان الهدف منها إما إخضاع النظام السابق ليلتحق بركب الاستسلام أو صناعة أوضاع اجتماعية سيئة تجعل الشعب يثور على حكامه. وهي نفس الخطة التي استعملت مع العراق، وتستعمل اليوم في غزة. إنه مهما كانت الأخطاء السياسية لنظام عمر البشير فإنه لم يتهم يوما بالتزوير الانتخابي ولا نرى اليوم محاكمات له في السودان عن حالات فساد معلومة أو كبيرة أو معممة على نحو ما رأيناه في الجزائر بالنسبة لمسؤولين كبار سابقين أو ما هو موجود ومعلوم في الدول الخاضعة للغرب والمطبعة مع الكيان الصهيوني وعلى رأسها مصر والإمارات، كما أن النظام السوداني السابق لم يتهم بقتل المخالفين السياسيين أو حالات سجن واعتقال معممة وممنهجة، وإنما ما يُتهم به من الغرب والمؤسسات الدولية التي يسيطر عليها يتعلق بمواجهات عسكرية لا ندري ما وقع فيها مع حركات انفصالية مشجّعة ومسلحة ومدربة من الغرب والكيان الصهيوني، وما يُفقِد مصداقية هذه الاتهامات أن حكام السودان الحاليين المرحب بهم من ترامب والكيان الصهيوني عسكريون وكانوا في جبهات القتال في دارفور وفي مواجهة الانفصاليين الجنوبيين سابقا. إن ما يعاب على عمر البشير، وهو أمر معيب ولا شك، هو طول بقائه في الحكم ومحاولته الحصول على عهدة أخرى قبل الحراك السوداني وعدم القدرة على التجديد السياسي والتطوير الإداري، وتوسيع مجال المشاركة السياسية، والتوافقات الوطنية ولو بتنازلات كبيرة، وعدم الصرامة في محاربة حالات الفساد التي ظهرت في عدد من المسؤولين. ولكن نقارن ما نعيبه على هذا النظام الصامد لعقود في وجه الحصار الغربي الصهيوني مع حالة الأنظمة الفاسدة العميلة وما يتجه اليه حكام السودان الحاليون لشعرنا بكثير من التعاطف مع البشير وهو في سجنه ومع الحاضنة الإسلامية الثابتة التي رغم التضييق والملاحقة لا تزال تتمتع بتأييد كبير من شرائح اجتماعية سودانية واسعة ولعل المحنة التي يتعرضون لها هم وبلدهم ستجعلهم يتجددون وينطلقون انطلاقة جديدة موفقة نافعة، لهم ولبلدهم ولأمتهم ولفلسطين، وعندئذ لا ينفع الابتزاز من أجل التطبيع بل يصبح السودان قوة تعتمد عليها فلسطين فعلا.

 

د. عبد الرزاق مقري

بلغت الستين..

بلغت الستين … فأنا، وفق أعمار الناس، إلى لقاء الله أقرب مما مضى من عمري فكيف سيكون ما بقي منه؟ لو أكملت عمري في ما قضيته، في ما أظن وأعتقد والله أعلم بي من علمي بنفسي، لكنت برحمته سبحانه راضيا بما أنعمه الله علي من خيري الدنيا والدين.

ولكن من أراد الإفلات من النقصان اجتهد في الزيادة، والإندفاع بلا هوادة على طريق الجنان، حتى يأتي الأجل للقاء الديان. في اليوم الذي بلغت فيه الخمسين كنت يومذاك في سوريا، مع ثلة من أخيار الجزائريين والمسلمين من عديد البلدان و من أحرار العالم من غير المسلمين، متجهين إلى غزة ضمن شريان الحياة 5 للمساهمة في كسر حصارها ونجدة أهلها الصامدين المقاومين الأبطال. و في صبيحة هذا اليوم هيأت نفسي للسفر إلى قسنطينة لعيادة أخ عزيز من قادة الحركة ووجوهها، ومن أساطين العمل الخيري في الجزائر رفقة الفاضلين عبد العالي الحسني الشريف وناصر حمدادوش. لم أكن أدري وأنا أهم بالخروج من البيت بأن هذا اليوم هو يوم ميلادي حتى بدأت الرسائل تصلني من الأعزاء والأحباء تدعو لي بالخير والبركة والثبات. اعتبرت أن هذه المصادفة بين يومين لعقد من الزمن شغلت فيهما بأصناف من البر فأل خير فسألت الله إن يختم لي وأنا على عمل صالح على هذا النحو أو أفضل منه.لقد كانت هذه المناسبة فرصة للتأمل في عمر كامل أدرك ستة عقود كاملة فوجدتها عامرة بأفضال الله علي، لا عون على شكر الله عنها إلا منه عز في علاه.كان العقد الأول عقد الطفولة واللعب البريئ والمرح الفسيح، وتشرّب القيم العائلية النبيلة من والدين صالحيْن قدوتيْن بذلا حياتنا لتربيتنا على الأخلاق الفاضلة والصلاة والقرآن واحترام الأهل والجيران والآخرين والجدية في التعلم والدراسة، ضمن أسرة كبيرة محافظة مباركة في شارع العرقوب بالمسيلة معقل الثورة التحريرية وحارات الأبطال ورجال المروءات وعوائل الفضائل حيث تربينا وسطهم على حب الجزائر والاعتزاز بالشهداء والمجاهدين، ولو لا الخوف من الإطالة لكتبت في هذا قصصا كثيرة نافعة مدهشة.ثم كان العقد الثاني: عقد المتوسطة والثانوية حيث أصبح التنافس على النجاح في الدراسة هو سمة الشباب الجادين آنذاك، وبين السنة الأخيرة من مرحلة المتوسطة والسنة الأولى ثانوي كان الالتحاق بالحركة الاسلامية وبداية المسيرة الدعوية الجماعية، وتفاصيل هذا الطريق مشوقة بديعة تحت قيادة صاحب الفضل علينا الشيخ المؤسس محمد مخلوفي وتوجيهات العالم الرباني أحمد بوساق أسأل الله أن يوفقني ذات يوم لأكتب تفاصيل ذلك الزمن البديع ليستفيد منها الأجيال ويعرفوا كيف كان الشباب الدعاة آنذاك. كنا نرى بركة ما نقوم به كأنها حليف مرئي يصنع النجاح إذ كان إقبال طلبة الثانوي لا يتوقف على حلقاتنا و أصبحت المساجد التي كان لا يؤمها سوى الشيوخ تعمر بالشباب يوما بعد يوم. ومن أحسن وأجمل التوفيقات في بلدتنا أننا، نحن الجيل الشبابي الأول الذين تصيدهم الشيخ محمد من الناجحين في الدراسة، هم أول من فُتحت بهم أول ثانوية في المسيلة، وعند أول باكلوريا في دفعة 1978-1979 نجح كل الشباب الملتزم في الباكلوريا فكان ذلك تحولا كبيرا في مختلف العائلات في البلدة، حيث زالت الهواجس من تلك الظاهرة الشبابية الجديدة وعائلات بكاملها التحقت بالحركة الإسلامية ومنها عائلتي. كان والدي رجلا صالحا متدينا وهو من علمني الوضوء والصلاة ولكنه قبل نتائج الباكلوريا كان يمنعني من مخالطة ” الخوانجية” خوفا على دراستي أو تورطي في أمور قد لا يعلمها، ولكن بعد أن نجحت في الباكلوريا اصبح يفرح بهم وبوجودي معهم بل أصبح يأخذ معه أخي الأصغر إلى أبرز مسجد كبرت فيه الصحوة ونمت، مسجد أسامة بن زيد الأول. ومن أبرز الذكريات السياسية التي لا أنساها في العقد الثاني من عمري متابعتي لمناقشات الميثاق الوطني وعمري ست عشرة سنة سنة 1976 . كان الشيخ محمد من القادة الكبار في جماعة الدعوة والتبليغ فكان توجهه أثناء استقطابنا للمساجد تبليغيا حيث كان يأخذنا إلى الجولات الدعوية في الأحياء والقرى والمداشر وفي ولايات أخرى، فتعلمنا من هذه الجماعة في تلك المرحلة قيما تربوية ودعوية جليلة لا تزال تؤثر فينا إلى اليوم، ولكنه، ذكره الله بخير، لم يبق تبليغيا صرفا حيث تأثر بالحركة الإسلامية في الجامعة وبالفكرة والمنهج الإخواني عموما، و ربما كذلك بسبب صحبته مع الشيخ بوساق فكان للبعد الحركي والسياسي حضور قوي في العمل الذي كنا نقوم به. وفي هذا الإطار كان انخراطنا في مناقشة الميثاق الوطني كبيرا بالاعتراض على النهج الاشتراكي و بعض التوجهات العلمانية والحزب الواحد، وأذكر في هذا الصدد حادثتين مهمتين حضرتهما متابعا ومتعلما. الحادثة الأولى مواجهة أستاذ من جبهة التحرير ( وهو رجل فاضل التحق بالحركة الاسلامية في ما بعد) جاء لمسجد من مساجد المدينة يلقي درسا بعد صلاة العصر بتكليف رسمي عن الخيار الاشتراكي والميثاق الوطني فتصدى له شقيقي الأكبر ( وكان هو من عرفني بالشيخ محمد مخلوفي وأخذني إليه لأول لقاء في مسجد سلمان الفارسي) وبعده تكلم الشيخ محمد بحجة مفحمة وشجاعة مدهشة سلطت عليه متابعات أمنية لم يكن أحد يبالي بها. والحادثة الثانية كانت الوقوف ليلا في طوابير المواطنين لمناقشة الميثاق الوطني في مقر البلدية بشجاعة وتصميم ونبل وشهامة رغم حالة الاغتراب التي كنا فيها، والحق يقال أنه رغم المتابعات الأمنية لم يكن في المسيلة تغليظ علينا من السلطات ولا إيذاء، بل كنا نشعر في ذلك الوقت، حيث الحزب الواحد، بكثير من الحرية. لم أكن في ذلك الوقت أستوعب الأمر ولكن فهمت في ما بعد أن تحمل وجودنا من قبل السلطات، وعدم المبالاة برفضنا للتوجه الاشتراكي والحزب الواحد هو صغر سن أغلبنا ولكوننا لم نكن نشكل خطرا على النظام السياسي، وباعتبار أن آباءنا جميعا في جبهة التحرير ومن المجاهدين في الثورة التحريرية.يتبع: العقد الثالث، الرابع، الخامس، السادس.

 

د.عبد الرزاق مقري

لمن كُتبت مسوّدة الدستور؟

“كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..” هذا ما قاله حذيفة بن اليمان في حديث رواه البخاري ومسلم، وهذه الحالة يجد المرء نفسه ينجر إليها تارة حين تتعدد خيبات الأمل، وتكثر السقطات وتسيطر الشبهات في الساحة السياسية. 

وضمن هذا الإطار وجدت نفسي أتساءل عن أبعاد التصريحات الصادمة لأحمد لعرابة التي زادت المسوّدة الدستورية غموضا، وجعلت كل وطني حر يتحفظ على كثير مما جاء فيها في المجالات المتعلقة بطبيعة النظام السياسي وتوزيع وتوازن السلطات، وبالهوية والحريات والرقابة والانتخابات. وكل ما سيرد في هذا المقال هو تحليلات تعبر عن مخاوف أتمنى أن لا تكون حقيقية،  لم تأت من فراغ، ولم تدفع إليها المناكفة السياسية، وإنما هي تحذير لما قد يقع من الويلات مستقبلا لا قدر الله،  ترتكز على أساس تصريحات صريحة واضحة، وبنود في الوثيقة جلية بيّنة، ضمن تجربة طويلة لنا في المناجزة مع نظام سياسي مراوغ ومخادع وماكر لم يتأكد إلى الآن أنه قد تغير فيه شيء، وهل هو ذاهب إلى التغيير أم لا. نظام لا يُلقي بالا في ممارسات الهيمنة والتسلط الأبدي إلا للقوى الدولية وتحولات المزاج الشعبي، فيعمل على إرضاء الخارج أو تجنب تأثيراته على مصيره  بمختلف الطرق، ويجتهد في استغفال الشعب أو شراء سكوته حينما يقدر، أو بالقمع في الحالة القصوى حيث يستطيع. وغير ذلك لا يهمه من أمر المواطن الفرد شيء، كما لا يهمه من أمر الأحزاب والنقابات والمنظمات والنخب شيء سوى ما يبذله لعزلها عن الجمهور بالتزوير والتشويه والتخوين،  والحد من نشاطها بالدسيسة وشراء الذمم، أو التضييق أو القهر والظلم إذا لزم ذلك.

لقد أحدثت تصريحات رئيس لجنة إعداد مسوّدة الدستور ضجة كبيرة عند قطاعات واسعة جدا من الجزائريين المتمسكين بالهوية الجزائرية والمرجعية النوفمبرية، وكانت كثير من مواقف الجزائريين مبدئية قيمية لم تبحث في الخلفيات السياسية لتلك التصريحات، وهل هي مواقف شخصية معزولة لرجل وجد نفسه يشرف على كتابة الوثيقة الأساسية للجزائريين والدولة الجزائرية؟ أم هو تعبير عن توجه النظام السياسي كله؟ لا شك أن تلك المواقف الشعبية المبدئية القوية مهمة، ومن شأنها أن تحصن البلد من العبث بهويته ومرجعياته، غير أن التمعن في الخلفيات السياسية المتحالفة مع الأبعاد الأيديولوجية في أروقة الحكم تكشف ما هو أخطر وأفدح، وهو ما يتعلق بسيادة البلد واستقلالية قراره … وهذا ما يبحث فيه هذا المقال.

لقد حاولت شخصيات ومؤسسات في الدولة ترقيع ما صرح به لعرابة فلم تفلح، كما أن التكذيب الذي جاء في بيان لجنة إعداد الدستور وما صرح به المعني بنفسه في وسائل الإعلام لا يمكن أن يمحي كلاما صريحا واضحا يمثل تحرشا غير مسبوق بالهوية من مسؤول يتحدث باسم الدولة، وكذلك ما شرحه في طبيعة النظام السياسي. من حق أي شخصية عمومية أن تحتج وتجزع حين يُحرف كلامها أو يُكذب عليها أوتُقول ما لم تقل، بل من حقها أن تقاضي من يفعل ذلك، وظاهرة التحريف والتشويه موجودة في بلادنا فعلا،  ولكن ما قاله لعرابة صريح فصيح لا غموض فيه.

لقد كانت ردة فعل المجتمع ضرورية للمحافظة على هوية البلد وغير ظالمة للرجل من حيث العبارات التي أطلقها بنفسه، ولكن ما أردت أن أركز عليه في هذه السطور هو الأبعاد العميقة، من وجهة نظري الشخصية،  التي جعلت الرجل يتحمل عبء تلك التصريحات وجعلت النظام السياسي بكامله يدافع عنه.

تعالوا بنا نتمعن في ما قاله لعرابة في حواره مع جريدة ليبارتي يوم :  8 جوان 2020

الفقرة الأولى المعبرة: ” الدساتير موجهة لمواطنين وليس لمؤمنين، ما يعني أن عناصر الهوية يمكن إبعادها عن الدستور ليصبح بإمكانك ان تكون جزائريا دون أن تكون عربيا ولا أمازيغيا ولا مسلما. لكن مجتمعنا غير مستعد لهذا المفهوم من المواطنة ، ما يفرض علينا التقدم بالتدريج وسترون أن هذه العناصر المكونة للهوية ستختفي من الدستور مستقبلا. “

الفقرة الثانية -حين سئل عن سبب عدم إعطاء الأغلبية البرلمانية حق تشكيل الحكومة- ” نحن لسنا في وضعية قارة وقد تتغير الأغلبية. وأذكركم مثلا أن الرئيس ميتران عندما وجد نفسه أمام أغلبية برلمانية غير أغلبيته اختار التعايش وكان بإمكانه أن يختار الاستقالة… دستور 1989 و1996 لم يمنح للرئيس هذه الامكانية ولو توفرت هذه الامكانية للشاذلي لما وقعنا فيما وقعنا فيه، لذلك اقترحنا نحن صيغة تأخذ بعين الاعتبار وجود أغلبية رئاسية وأغلبية برلمانية، وفي هذه الحالة يجب أن تمنح للرئيس حرية الاختيار، بين ان يعين رئيس حكومة ينفذ برنامجه عن طريق مخطط عمل أو تعيين حكومة تمثل الأغلبية البرلمانية وتنفذ برنامجها، بينما الرئيس يحتفظ بالصلاحيات المرتبطة بمنصبه. إذن هناك خبراء عالميون في القانون الدستوري، مثل خبراء الأفامي، لو تعطيهم دستور لا يجدون فيه آليات الرقابة وكذا الحريات فلن يعترفوا بذلك الدستور حتى لو كان الأحسن في مجال فصل السلطات. هذا الجانب أيضا أخذناه بعين الاعتبار و عملنا قدر الإمكان على تفادي انتقادات الهيئات الأممية “

إن السؤال الكبير الذي يؤدي التمعن فيه إلى فهم كل الحقيقية هو: ما دخْلُ الأفامي ( صندوق النقد الدولي) في قضية الدستور؟ أي علاقة تخصصية للأفامي مع مسألة كتابة الدستور؟ أليس الأفامي – نظريا – مؤسسة مالية دولية لا علاقة لها بالجوانب الدستورية والقانونية؟ لماذا يريد لعرابة أن تكون صياغة الدستور مرضية للأفامي؟ كيف نسمح للأفامي أن يتدخل في منظومتنا الدستورية والقانونية؟

إن الذي يعرف الوضعية الاقتصادية والمالية للجزائر يفهم لماذا تكلم لعرابة بتلك الطريقة. فحينما ندرك أن الجزائر تتجه نحو إفلاس واضح في الأفق من حيث أن الثروة الريعية انتهت على صعيد تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي واضطراب أسعار البترول، بما يجعل احتياطي الصرف يتآكل سريعا دون أن يتجدد، نفهم أنه لا حل للحكومة الجزائرية غير اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، بعد انكشاف خيبة الإصدار النقدي. 

لا شك أن السيد رئيس الجمهورية أدرك بأن ثمار التنمية تتطلب وقتا طويلا كما ذكر ذلك بنفسه في ندوته الصحفية الأخيرة – وذلك في حالة النجاح – ولا شك أن توقعاته بحل مشكل السيولة المالية لدفع أجور العمال التي يُؤخذ ثلثاها من مداخيل البترول والغاز وضمان توازن ميزانية الدولة من خلال استرجاع الأموال المنهوبة وإلغاء تصرفات تضخيم الفوترة، وضمان الاحتياجات الأساسية بأموال احتياطات الصرف فحسب قد تبخرت، وأصبح يرى الأزمة تتعمق أمامه على النحو الذي شرحناه مرات ومرات طيلة السنوات التي مضت، قبل العهدة الرابعة للرئيس المخلوع وبعدها إلى غاية الحراك الشعبي. لا شك أنه قد وُضع على مكتب الرئيس الأرقام الحقيقية للاقتصاد الوطني وللوضعية المالية للدولة، ولا شك أن شبح انقطاع السيولة قد ارتسم بدقة بين عينيه، ولا يمكن وضع تحذير البنك المركزي في تقريره الذي تناقلته وسائل الاعلام العمومية يوم 9 جوان 2020 بخصوص التراجع الخطير للسيولة لدى البنوك إلا في هذا السياق.

حيث أن السيولة الإجمالية للبنوك واصلت انخفاضها سنة 2020 فانتقلت من 1557.6 مليار دج في نهاية 2018 الى 1100.8 مليار دج في نهاية 2019 لتبلغ 916.7 مليار دج في نهاية 2020 أي تقليص في السيولة البنكية بــ 184.2 مليار دج مقارنة بمستواها الذي سجلته في نهاية 2019

إذا فهمنا هذا المعطى الاقتصادي، وهذه الورطة المالية التي تتجه إليها الدولة ندرك لمن كان يوجه لعرابة حديثه ، ونفهم لماذا يتحمّل المجازفة بالتعبير عن مكنونه واستفزاز الشعب الجزائري بتلك الطريقة الصريحة الفجة، ثم نفهم لماذا تدخلت كل الجهات الرسمية للدفاع عنه.

لقد كان لعرابة يخاطب صندوق النقد الدولي الذي ستكون له كلمة الفصل في فتح خطوط القرض الخارجي للجزائر من البنوك الأجنبية في آجال قريبة حتى لا يقع الانهيار، ولتفادي التوقف عن دفع أجور العمال. لقد كان يقول لهم، بلسان الحال ” ها قد وضعنا في الدستور ما يجعلكم ترضون، وما يجعل تفاهمكم مع رئيس الجمهورية ميسورا، غير أن تمام الرضا بنزع عناصر الهوية من الدستور غير ممكن الآن بالنظر لتمسك الشعب بها، ولكن الأمر ممكن في المستقبل بعد ترويض هذا الشعب العصي”.

إن التفريط في هوية البلد ووضع القرار السيادي تحت تصرف صندوق النقد الدولي الذي لن يتعامل رسميا – وفق مسودة وشرح لعرابة – إلا مع رجل واحد يملك كل الصلاحيات ويسهل التفاهم معه، هو رئيس الجمهورية، إنما ذلك إرضاء للخارج من أجل الحصول على قروض ستكون هي المانعة من نهاية النظام السياسي القائم ولو على حساب السيادة. وستكون هذه الحالة حالة اضطرارية، مهما كانت تصريحات الرئيس بعدم اللجوء إليها، وقد لا ينتبه إليها اليوم الكثير من الوطنيين المخلصين داخل الدولة.

لقد وجد الغرب صعوبات كبيرة في السيطرة الاستعمارية الكلية على التحولات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في العالم الإسلامي بسبب قوة الدين الإسلامي وبعده الحضاري العميق، وبسبب تمسك الشعوب بهويتها ورفضها للتغريب وبسبب اختيارها الدائم للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في كل انتخابات نزيهة. لقد حاول الغرب في التسعينيات ترويض الحركات الإسلامية ( وقد كتبت في ذلك سابقا)، لتقوم بمراجعات في دينها ببروتستانتية إسلامية ( على شكل الإصلاح الديني البروتستنتي المسيحي في القرن 16 ) تُحلّ بها بنفسها ما حرم الله في الأحوال الشخصية وتتجه بإرادتها للمرجعية العلمانية في الشأن السياسي على حساب المرجعية الإسلامية. وبعد أن يئس الغرب من قادة التيار الإسلامي وتيقن من تمسكهم بمرجعيتهم الإسلامية وبعدهم الوطني السيادي، وأنه لا ينفع معهم الترهيب والترغيب،  أصبح هدفه هو تغيير الشعوب لتكون خياراتها غير إسلامية فلا تؤدي ثوراتها الحتمية على الأنظمة الفاسدة الفاشلة إلى اختيار البديل الإسلامي. والطريق إلى ذلك هو طمس الهوية الذي يبدأ بالنص الدستوري والتشريعات القانونية ليصل إلى تسخير المدرسة والأسرة والمسجد والإعلام لتكوين المواطن الذي لا يأبه بالإيمان في سلوكه وخياراته كما أشار إلى ذلك بشكل ما السيد لعرابة في مقابلته مع جريدة ليبارتي حين أراد التفريق بين الإيمان والمواطنة  إذ قال “هذا الدستور هو للمواطنين وليس للمؤمنين”.

وإذا فهمنا كل هذا يمكن أن تكون لنا قراءة جديدة في العديد من النصوص المقترحة في المسودة الدستورية ومن ذلك:

– تضخيم صلاحيات رئيس الجمهورية وفق المادتين 95 و 96،  وحرمان أي أغلبية برلمانية غير مرغوب فيها من التسيير الحكومي على نهج النظام البوتفليقي المكرس مجددا بين المادتين 102 و 108 وذلك لغرض تسيير المخطط المرسوم من خلال رجل واحد يختصر لهم تعقيدات التعامل مع أطراف سياسية متعددة، وبعضها لا يمكن التحكم فيها ( وتصريح لعرابة في العلاقة بين الرئيس والأفامي في هذا الشأن واضح لا لبس فيه).

– تسهيل استخلاف الرئيس بطريقة “مضمونة” غير ديمقراطية باستحداث منصب نائب رئيس، وفق المادة 98 الفقرة 7 يرث كل صلاحيات الرئيس حين يشغر المنصب. وقد يكون نائب الرئيس من التيارات الأقلية التي لا تنجح أبدا في الانتخابات، أو من التبع ضعاف النفوس، يوكل إليه مسخ هوية البلد وتسخير خيراته لصالح القوى الاستعمارية، في فترة تضعف فيها الدولة، لا سيما إذا استعصى عليهم الرئيس المنتخب فيتم استبداله بطريقة ما برئيس معين مضمون.

– لا يوجد مشكل في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة أن يكون للجيوش دور في حماية بلدانها خارج حدودها، ولكن قد يؤدي تغيير عقيدة الجيش الوطني الشعبي، وفق المادتين 31 و 9،  في حالة الضعف الكلي للدولة بسبب الأزمات الاقتصادية إلى جعل الجيش الجزائري جيشا وظيفيا (على نحو لا يتوقعه اليوم القادة الوطنيون الصادقون للمؤسسة العسكرية) لخدمة المصالح الاستعمارية وسياساتها الخارجية، كما هي جيوش بعض البلدان في العالم العربي والإسلامي،  لا سيما إذا استمرت عمليات التزوير الانتخابي ومحاربة الأحزاب السياسية ذات السيادة بكل الوسائل، بما يحرم البلد من بروز أغلبيات برلمانية تحفظ جنودنا من التورط في مغامرات خارج الوطن لمصلحة قوى استعمارية أجنبية، ولا يمكن أن ننسى هنا الضغوطات التي مورست على جيشنا في أزمات الساحل فحفظ نفسه منها بكل سيادة.

– الالتزام بالمعاهدات الدولية في النص الدستوري ضمن الديباجة وفي المادة 177 وغيرها قد يكون تعهدا مكتوبا يتم الاستفتاء عليه بالتبعية للسياسة الدولية التي يتحكم في وضعها وتفسيرها القوى الاستعمارية المهيمنة.

– التراجع عن تحميل المجتمع مسؤولية حماية الأسرة والطفولة ( بحذف كلمة المجتمع التي كانت منصوص عنها في المادة 72 سابقا والاكتفاء بكلمة الدولة فقط في المادة 74 الجديدة) ضمن السياسة الدولية الاستعمارية لتفكيك الأسرة الجزائرية بمنع المجتمع بحماية نفسه بنفسه بالتعاون مع الدولة أو في حالة تخلي المؤسسات الرسمية عن حماية الأسرة أو الانخراط في مهمة التفكيك استجابة للأجنبي.

– تحييد المدرسة الجزائرية، ضمن المادة 68 الفقرة الرابعة، قد يكون من أجل إفراغها من القيم والمبادئ التي تصنع المواطن الجزائري الصالح المرتبط بهويته.

– ضمان التسوية في حرية ممارسة العبادات، في المادة 51، بين الإسلام الذي يدين به الجزائريون  بشكل تلقائي وطبيعي منذ قرابة 14 قرنا  وديانات أخرى لفئة قليلة جدا تعبر أكثر عن حركة ردة مبرمجة وباستغلال ظروف اقتصادية وسياسية وثقافية متقلبة لضرب استقرار البلد أمنيا  ودينيا واجتماعيا من أجل خلق أقليات دينية مستقبلية توفر شروط التفرقة العميقة والتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر، بعد أن فشل إلى حد الآن التفريق على أساس العرق.

ومما يعمق هذه المخاوف والشكوك تلك الهبة الخبيثة التي أظهرتها التيارات العلمانية  ضدنا  حينما استطعنا تحويل الصراع العرقي المخطط له ) لكي تغفل الأغلبية الوطنية الإسلامية عن المخاطر الحقيقية) بمطالبتنا تجريم استعمال اللغة الفرنسية في الوثائق والمؤسسات الرسمية، وكيف كان الرد علينا بعد ذلك رسميا بالإمعان في استعمال اللغة الفرنسية في النشاط الرسمي أكثر من أي وقت مضى، وبالإساءة لنا من قبل مستشار رئيس الجمهورية والدفاع عن رئيس لجنة اعداد الدستور رغم التصريحات التي استفزت حتى التيار الذي شارك في الانتخابات الرئاسية وصوت على السيد عبد المجيد تبون.

لقد سبق لنا أن استشرفنا الحالة المأساوية التي توجد فيها الجزائر اقتصاديا وماليا، وما يُتوقع من توترات اجتماعية شاملة وعميقة، وقدمنا الحلول الموضوعية والواقعية لتفاديها منذ سنوات عديدة، وأكدنا بأن عدم الاستماع لمبادراتنا سيؤدي إلى انهيارات خطيرة ستُـلجئ الدولة إلى المديونية ضمن ظروف صعبة تفرض على الجزائر شروطا تفقدها سيادتها على نفسها. ولا زلنا نؤكد بأن الحل بيننا كجزائريين، ضمن البعد الوطني الصادق،  يظل ممكنا إذا قبل النظام الجزائري التوافق الوطني على أساس الانتخابات الحرة والنزيهة وتجسيد الإرادة الشعبية. فالجزائر تملك قدرات هائلة للخروج من الأزمة وصناعة نهضتها، وهي إنما تحتاج لحكم راشد، وشيء من الوقت، والاستقرار، وتمويل مخططات التنمية، وهذه الشروط كلها ممكنة التحقيق بالتوافق الوطني على النحو الذي شرحناه مرات ومرات. أما إذا بقي النظام السياسي يتشبث بالسلطة بروح الهيمنة والاستعلاء وبحل مشاكله باللجوء للخارج، فإن الخارج سيمص منه الدم، ويأكل لحمه وشحمه، ثم يتركه عظما مكشوفا ينكسر على صخرات أزمات اجتماعية كبيرة قد تهدد الوحدة الوطنية ذاتها، ومن أراد أن يعرف حقيقة ذلك فليثقف نفسه ويطلع عن الخراب الذي صنعه صندوق النقد الدولي حيثما حل.

وفي الأخير نبقى مثل كثير من الجزائريين ننتظر الموقف الأخير لرئيس الجمهورية الذي سيتضح جليا في الوثيقة التي ستعرض على التصويت، سائلين الله تعالى  أن يوفقه ليفي بتعهداته التي قدّمها للشعب الجزائري.

 

د. عبدالرزاق مقري

في الرد على منكري السنة

طلب مني أحد الأفاضل كان في حوار مع أحد منكري السنة الذين يقولون بأنهم لا يؤمنون إلا بالقرآن أن اكتب له ردا على ما يقولون فكتبت له ما يلي:
1- يقول الله تعالى في سورة الحشر: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ -7-)): هل يعقل من الناحية العقلية والمنطقية أن يأمرنا الله باتباع ما أتانا من رسوله واجتناب نواهيه عليه الصلاة والسلام ثم بعد ذلك لا نجد شيئا يأتينا به هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، هل يأمرنا الله باتباع الفراغ واللاشيء، هل الله يلعب وليست له قدرة – سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا – على حماية ما صح من أقوال وأفعال من أمرنا باتباع ما يأمرنا به.
2- يقول الله تعالى في سورة آل عمران: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ – 31)): ماذا يقول الذين يقولون نؤمن بالقرآن فقط حينما يقرؤون هذه الآية التي يأمر فيها الله رسوله بأن يقول للمؤمنين اتبعوني إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ويغفر ذنوبكم، كيف يتبعونه وهم ينكرون كل أقواله وأفعاله التي جاءت في السنة النبوية الصحيحة. هل الله يلعب مع رسوله ومع المؤمنين يأمرهم بشيء غير موجود في كل زمن وفي كل عصر. هل القرآن هو فقط للصحابة الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 – يقول الله تعالى في سورة النساء : ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) )) : وهذه آية خطيرة على الذين يقولون بأنهم يؤمنون بالقرآن فقط، الله تعالى يأمرهم أن يعودوا إلى رسوله في ما اختلفوا فيه وأن يقبلوا حكمه عليه الصلاة والسلام براحة نفس ولا حرج، كيف نعود إلى رسول الله إذا كنا لا نؤمن بسنته الصحيحة والعياذ بالله، ونعتبر بأنها غير موجودة.
4 – ألا يشعر الذين يتبعون هذه الأفكار الباطلة بأن إنكار السنة هو طريق إنكار القرآن نفسه، ألا يعلمون بأن القرآن جاءنا كذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوحي من الله، وأن الذين نقلوه بالتواتر جيلا بعد جيل هم بشر كذلك وليسو ملائكة.
5 – ألا يشعر هؤلاء بأن الدعوة إلى الإيمان بالقرآن فقط، وعدم الإيمان بالسنة هي دعوة إلى تدمير الإسلام نفسه: كيف يصلون إن كانوا يصلون، وكيف يصلي المسلمون إن تركوا الإيمان بالسنة ؟ أليست صلاتنا عن طريق السنة وفق قوله عليه الصلاة والسلام: (( صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهل يمكن أن نحج بغير طريق السنة النبوية وفق قوله تعالى: (( خذوا عني مناسككم)) ، ألا يعلم هؤلاء أنه لا يوجد في القرآن تفاصيل الصلاة والحج، تصوروا لو أن كل واحد يصلي كما أراد هل سيبقى شيء يسمى صلاة وهل يمكن أن يجتمع الناس في المساجد، وهل تبقى مساجد، هل يمكن أن يترك الله الصلاة التي هي عماد الدين لأهواء الأشخاص.
6 – لماذا الذين لا يعترفون بأقوال وأفعال المصطفى المنقولة لنا عن طريق أسانيد الرجال الصحيحة بواسطة علم متكامل الأركان هو علم الحديث، يعترفون بما ينقل لهم عن أفلاطون وأرسطو وسقراط وكنفشيوس وغيرهم من الفلاسفة دون أن يوجد علم يؤكد ويصحح أسانيد الروايات التي نقلت أقوال هؤلاء الفلاسفة.
7 – لماذا هؤلاء الذين لا يعترفون بالسنة ومختلف العلوم الإسلامية يعترفون بمختلف العلوم الاجتماعية، لماذا يقدّرون مختلف العلوم الأخرى ويجزمون بصحة نظرياتها رغم الخلافات الكبيرة بين مذاهبها المتعددة، ولا يعترفون بأن العلوم الشرعية اختصاص من اختصاصات العلوم البشرية.
8 – لماذا يخلط هؤلاء الذين ينكرون الحديث بحجة التنوير وأنهم ” متنورين” بين تاريخ أوربا التي ظهرت فيها ما يسمى بحركة الأنوار في ظل الصراع مع الكنيسة في القرون الوسطى التي كانت تمنع العلم وتحارب العلماء، وتاريخ الإسلام في ذلك الوقت الذي تميّز عن غيره ببناء حضارة عالمية عظيمة مبنية على العلم بتوجيه من الإسلام نفسه، وبتوجيه من القرآن والسنة إلى حد أن كثيرا من علماء الطب وعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك كانوا علماء دين كذلك.
9 – لماذا لا يسأل هؤلاء عن علم الحديث وعن الطرق العلمية الدقيقة التي كان يستعملها هؤلاء ليميزوا بين الحديث الصحيح والحديث المكذوب، لماذا لا يسألون أن أصول هذا العلم وكيف أفنى البخاري ومسلم وغيرهما أعمارهم فيه، لماذا لا يقولون بأن الله هو الذي سخر هذا العلم وهؤلاء العلماء ليحفظ السنة ويحفظ القرآن بالسنة شرحا وتفسيرا وتفصيلا ؟
10 – لماذا يستعملون المتشابه من النصوص التي لا يفهمونها ولا يملكون الأهلية لفهمها، والتي قد لا تفهم في عصر وتفهم في عصر آخر، ليحكموا بها على ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة من النصوص، بل يحكمون بها على المتواتر الذي لم تختلف حولها الأمة.
11 – إذا كانوا يريدون إلغاء دور العلماء في علوم الحديث ومختلف العلوم الإسلامية الأخرى باعتبار أن هؤلاء العلماء بشر، لماذا لا يلغون العلوم التي جاءت من عند غير المسلمين قبل الإسلام وبعده وهم كذلك بشر؟ وهل يوجد دين أو علم أو حضارة دون وجود علماء. ثم ما قولهم في قوله تعالى في سورة النساء: (( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) )) وقوله تعالى في سورة ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ُّيوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))، هل يمكن أن يكون علماء يستنبطون تفاصيل الأحكام ونعود إليهم كما أمرنا الله إذا كنا نؤمن بأن الجميع له القدرة على تفسير كل آيات القرآن وحده ودون الرجوع للسنة ولفتاوى العلماء؟ وهل هؤلاء الذين يقولون هذا يحلون مشاكلهم الاجتماعية الدينية الشخصية كالزواج والطلاق والميراث وقضايا المعاملات المالية بأنفسهم أم يستفتون العلماء؟ ولو كان كل واحد يعتبر نفسه عالما في الدين يتعامل مع القرآن مباشرة كم دين سيكون عندنا؟ وكيف يتفاهم المسلمون؟ وعلى أي أساس أو معيار يكون ذلك؟
12 – وبخصوص بعض الأحاديث التي جاءت في صحيح البخاري التي يستهزئ بها بعض هؤلاء ويستعملونها لإلغاء السنة النبوية، كحديث شرب بول الإبل مثلا:
أولا- يجب أن يفرق هؤلاء أولا بين أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم كمشرع يجب الالتزام بما يشرعه على وجه الوجوب أو التأكيد أو الندب وتوجيهاته في أمور الدنيا غير الملزمة، مثل ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه مسلم في صحيحه: (إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر)، والدين هو ما تطرقت إليه النصوص الشرعية وبينته، مما يُدرك بالنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وما يتم استنباطه من قبل العلماء مما يتناسب مع كل عصر ومصر ، وغير ذلك من أمور الدنيا مما لم يتم فيها أمر أو نهي فهي من المباحات المتنوعة والمتعددة التي تطرق إليها الرسول كبشر أبدى فيها رأيه وحكمته وليس كنبي يشرع حكما .
ثانيا – قد يكون الحديث الذي لم تستسغه بعض العقول مرتبط بالمستوى العلمي في المرحلة التي يعيشونها وقد تظهر حقيقته العلمية في مرحلة أخرى، أو قد يكون مستساغا مفهوما في مجتمعات بشرية ما وفائدته مجربة عندهم، ولا يكون مستساغا في مجتمعات أخرى وقد يكون منفرا عندهم، فإن كانوا لا يستسيغون شرب بول الإبل مثلا فهناك من يستهلك براز حيوانات أخرى كقهوة براز الفيلة وحيوانات أخرى مثلا، وهي من أكثر أنواع القهوة ثمنا.
وفي الأخير قد يكون مفهوما أن ينشر هذه الأفكار الهدامة غير المسلمين أو بعض المثقفين المسلمين المجندين من قوى تحارب الإسلام، فلماذا يتورط في هذه الفتنة مسلمون يؤدون صلاتهم على هدي أحاديث المصطفى ويحجون على ذلك الأساس ويتزوجون ويبنون حياتهم على ذلك الأساس؟ ألا يخشون أن يَفتنوا أنفسهم ثم يندمون يوم لا ينفع الندم حيث يتحقق فيهم قول الله تعالى في سورة النور: (( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) )) أي تصيبهم الفتنة والعياذ بالله حين يخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم المخالفة إنكار السنة التي أثبت وجودها القرآن نفسه.

د. عبد الرزاق مقري 

رمضان بلا تراويح!

لأول مرة يحدث هذا، لأول مرة يحدث هذا في التاريخ، تُغلق المساجد في كل البلدان فيُؤذن المؤذن ولا يذهب الناس لصلاة الجماعة. لقد كان الأمر هكذا قبل رمضان، 

ولكننا تكيفنا مع المنع الطوعي اتباعا لمقاصد الشرع وفتاوى العلماء وحفظا لسلامة العباد والبلاد، متيقنين بالأجر التام من الله تعالى الذي وعد بذلك على لسان نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس:

((إِنّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ. ثُمّ بَيّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عَزّ وَجَلّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمّ بِسَيّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً… وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله سَيّئَةً وَاحِدَةً)).

غير أن دخول رمضان حرّك المواجع في يومه الأول، وعمّق الأسى مذ ساعاته الأُوَل، فأُلقِي على القلب حزنٌ هدّ قلاع الصبر، وهجم على النفس حالٌ من الحيرة والدهشة زلزل التّحمل، فصار المؤمن الصائم في وحشة واغتراب، وكأنّي به قد ألقي في سجن موحش بلا جريرة، أو كأنه نُفي إلى بلد لا أهل فيه ولا خلان. أين ذلك الاستبشار بقدوم شهر الصيام في المسالك والطرق والزقاق؟ أين الصخب السعيد في الأسواق والشوارع؟ أين مجاميع الأحباب والعوائل في كل زوايا القرية والمدينة؟ أين التزاور والتلاقي بين الأهل والأحباب والخلان؟ وأين أين: أين إقبال الناس على المساجد من كل حدب وصوب؟ أين أجواء الطمأنينة والسكينة والخشوع في صلاة التراويح؟ أين طرب الخاشعين، القائمين صفوفا، بآيات الذكر الحكيم؟ أين أصوات المُقرئين الجميلة يَجِيئُها الناس قصدا لتطويع النفس العصيّة؟ أين السلام والتصافح وعناق الصفاء والابتسامات الطليقة بعد الركعات في الساحات؟ أين تلك اللحظات الغاليات بالعودة للبيوت أو قضاء الحاجات بعد الصلاة؟ أين فناجين الشاي المعتّق والقهوة العتيقة في سهرات الأنس الجماعية مع من نحب، حمدا لله على التوفيق للصيام والقيام؟ أين المضائف والإفطارات الجماعية مع أهل الفضل كل يوم في مختلف جهات الوطن؟ أين أمارات الكرم والتضامن في كل قرية في بلدنا الفسيح حيث موائد إفطار الصائمين المحتاجين والمسافرين؟

لا شيء من هذا موجود في رحالنا في زمن الوباء القاهر بإذن الله الغالب، سبحانك ما أعظمك وأجلك، ما قدرناك حق قدرك؟ تفعل في الكون ما تشاء بقدرتك، كل الدنيا بيدك، فلا كبير غيرك، ولا قوي سواك، سبحانك ما أجلك.

من كان يظن أننا نصير إلى ما نحن عليه، نُحشر في بيوتنا في رمضان الذي من خصائصه الحياة الجماعية، ومن أحلى ما فيه صلاة التراويح: عبادة وصحة وترويحا ولقاء بين الناس على موائد القرآن والطاعات.

ولكن، قدر الله وما شاء فعل، ولعل في ذلك حكمة يريدها الله. لعله أراد لنا أن نخرج من الصخب، ومن المخالطة، والضجيج، لنهدأ ونتفكر ونتدبر في حالنا، وحال بلدنا، وحال أمتنا، وحال العالم بأسره، لنسائل أنفسنا بعمق إلى أين نتجه؟ وماذا نريد فعلا بما نفعل؟ لنفكر في الأشياء المهمة التي كنا بسبب الضغط والصخب نغفل عنها؟ لنراجع علاقتنا مع الله، ومع أهلنا، ومع الأقرب إلينا، ومع الناس أجمعين، لنرسم مسارات جديدة أنفع وأصدق.

لعله أراد لنا- سبحانه – أن نتعلم أكثر، أن نتذوق عبادة الخلوة والسر أفضل في هذا الشهر الفضيل، أن نشعر بمعنى الأسرة والعائلة في أجواء الروحانية الرمضانية. لعله أراد لنا أن نتفكر في حال المعزولين دوما، في حال المهمشين دهرا، في حال المعاقين المحتاحين للتجوال وحرية الحركة فلا يجدونها أبدا، لعله أراد أن نفهم مغزى السجن بلا جريرة، سجن المقهورين المحرومين من الجمعة وربما كل يوم من الجماعات.

إن الله لا يحتاج عبادتنا، فهو أغنى الأغنياء عن العالمين، لا يحتاح سبحانه عمارة المساجد ولا إقبال الناس على التراويح، بل لا يحتاج صلواتنا ولا قرابيننا وأضاحينا، لا يناله شيء من ذلك، ولكن يناله التقوى منا، والتقوى في القلوب معنا في حَجرنا الطوعي حيث ما كنا، وصدق الله تعالى إذ يقول في سورة الحج: ((لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37))).

وما دام المقصود على المطلق هو تقوى الله، فإن المقصد على الأخص من فرض شهر رمضان هو الاجتهاد في الطاعات والعبادات للحصول على تقوى الله جل في علاه، مصداقا لقوله تعالى في سورة البقرة: ((  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183))).

فلنرض بقضاء الله، ولنحسن الظن به، أنه يريد لنا سبحانه الخير، ولنتوجه بقلوبنا إليه، ولنجتهد في طاعته وعبادته، فهو يرانا حيث ما نحن، ولنجعل بيوتنا مساجد نصلي فيها التراويح فلا نتركها أبدا في ليالي رمضان، وليكن الوقت المتاح لها حجة لنا لا حجة علينا، لنجمع العائلة حولها، وليشجع بعضنا بعضا على صلاة بعضنا ببعض، بما تيسر لمن حفظ، وبالمصحف إن لم يتيسر، ولتكن جلسات ما بعد التراويح في البيت جلسات أنس عائلية، حول الشاي اللذيذ أو القهوة الطيبة، بالحديث الأنيس والكلم الطيب، وليكن الاتصال بالأرحام والأصدقاء عبر الهاتف ومختلف أنواع الاتصال صلة مبرورة مأجورة كل يوم أو ليلة، ولتصل صدقاتنا الفقير والمسكين، ولنواصل إفطار المحتاجين،   بسخاء كما كنا في سائر شهور رمضان الفارطة أو أكثر. ومع ذلك كله لنجعل مواصلة محاربة الوباء، عبادة من عبادات الشهر العظيم، بكل الوسائل والطرق الممكنة، وفي كل الجوانب ذات الصلة، بشكل مباشر أو عبر الجمعيات والهيئات والمنظمات، كل حسب قدرته وموقعه واختصاصه. وفوق ذلك أجمعه نتضرع إلى الله في أيام وليالي هذا الشهر الذي تُسمع فيها الدعوات أن يرحمنا، وأن يرفع عنا الوباء والبلاء، وأن يحفظنا من كل سوء جاءت به الجائحة، وأن يتقبل منا الطاعات والعبادات وأن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأهلينا وجميع المؤمنين من النار وعذاب الحجيم، وأن ينقل بلدنا وأمتنا إلى آفاق الخير والبر و السؤدد والرفاه والنعيم.

 

د. عبد الرزاق مقري

التشكيل الحكومي: حقائق أزالت الأوهام

عندنا بعض التحفظات في التشكيل الحكومي ولكن قلنا نترك الجماعة يشتغلون ونعطيهم الفرصة – خدمة للجزائر لا غير – وأثناء ذلك نراقبهم على أساس دستوري وفق معايير حددناها في الندوة الصحفية ولكن!:

هناك شيء جميل في التشكيل الحكومي أعجبني وهو تعيين شخصيات كانت متطرفة في معارضة النظام، ومعارضة الانتخابات، (مع أن بعضها زاد فيها شوية في نقد المرحوم، حتى بعد وفاته رحمه الله)، وهناك شيء لافت استغربت له وهو تعيين شخصيات يرفضها، بل يحاربها، التيار الذي دافع عن الانتخابات وخوّن المقاطعين لها وقسّم الجزائريين (بغير إرادة أغلبهم) على أساس العرق والانتماء للثورة والعروبة والإسلام. وما أعجبني في لكن! هو كالآتي:

1- شيء جيد الانفتاح على المعارضة -ولو كأشخاص- لأن هذا يساعد على التهدئة، إلى أن تظهر النوايا الحقيقية، هل يوجد توجه حقيقي للإصلاح وتجسيد خارطة سياسية على أساس الإرادة الشعبية خلافا لما كان عليه الحال، أم هي تسكينات موضعية وتآمر على أصول وركائز العملية السياسية الصحيحة.

2- أمر جميل لأن هذا يكسر توجهات التفريق بين الجزائريين بالجملة وبالشبهة وسوء الظن وعلى أساس الهوى والوهم وأفكار الجاهلية الأولى.

3- هو صفعة رائعة للانتهازيين والجبناء والرافضين لإمكانية المعارضة السياسية للنظام السياسي، ولو كانت المؤسسة العسكرية في إطار دستوري حين تتناول الشأن السياسي، إذ بينت هذه التعيينات بأن حتى “المصلحة الشخصية!” يمكنها أن تتحقق بالشجاعة والبطولة والمعارضة القوية للأنظمة دون الحاجة للسلوك الانتهازي الجبان أو الكسول، فكيف إذا كانت المعارضة مبدئية جماعية من أجل المصلحة العامة التي نرومها.

4- أكد التشكيل الحكومي بأن ذلك التيار الشعبي الذي تقمص شعار النوفمبرية والباديسية وأراد احتكارها، والذي أراد أن يقنعنا بأن هناك قوة داخل السلطة ستحقق لهم أحلامهم وتقضي على خصومهم بلا هوادة، يعيشون وهما عظيما، وأن فكرة القائد الملهم الذي يأتي من السماء فيعفيهم من الكفاح والنضال على الأرض وفي وسط الشعب وعلى طول السنوات فكرة باطلة لا أساس لها من الصحة.

5- بيّنت التطورات السياسية منذ إجراء الانتخابات إلى التشكيل الحكومي دقة تحذيرات وحذر وصدقية وموضوعية وتوازن التقديرات السياسية لحركة مجتمع السلم بما يجعل الناس يقدّرون في المستقبل قيمة الخبرة والتجربة والعلم والمؤسسات الحزبية التي تعتمد على الدراسات والشورى والقرارات الجماعية.

6- بيّنت هذه التعيينات التي جعلت بعض الأشخاص ينتقلون من أقصى رواق المعارضة إلى قبول الوزارة بؤس وانكشاف تلك الأقليات الأيديولوجية وذات الخصومات السياسية والتاريخية العقيمة التي لم تقلق من الانقلاب الواضح لهؤلاء في حين أنها تختص في ملاحقة حركة مجتمع السلم، حيث أنه رغم معارضة الحركة الواضحة والمعلنة للنظام البوتفليقي في أوج قوته وتمكنه، والصراع الطويل والمرير بينها وبين الدولة العميقة، ورفض الدخول في الحكومة عبر سنوات، وملاحقة السلطة لها بدون توقف وبكل الوسائل، وعدم قبولها الحوار في ظل بقاء الباءات، وعدم دخولها المنافسة الانتخابية، والحرص الدائم على تقديم الحلول والبدائل تتهم هذه الأقلياتُ الفاقدة للعقل وللأخلاق الحركةَ بأنها تابعة للنظام السياسي وتمسك العصا من الوسط ويتم تأويل أي سلوك سياسي عادي لها ضدها، ولو كان الأمر يتعلق بمجرد قبول الحوار السياسي كأي حزب معارض في العالم (هذا الحوار الذي انخرط فيه في وقت مبكر بعد الانتخابات شخصيات معارضة مرموقة كأحمد بن بيتور، ورحابي، وغيرهما).

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية