المقالات

ملاحظة: هذا المقال هو الأول عن ” الحضارة الغربية والمسألة الدينية” وهو المقال الثاني ضمن سلسلة مقالات حول دور الدين في الانبعاث الحضاري البشري، شرعت في نشره بمناسبة ذكرى هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
لا شك أننا حينما نتحدث عن شرط توفر الفكرة الدينية في نشوء الحضارات الإنسانية الكبرى يرفع المعارضون لهذه الحقيقة حالة الحضارة الغربية وكيف أنها وصلت إلى مستويات مدهشة من التطور العلمي بعيدا عن الدين، بل إن بعضهم قد يقول بأن الحضارة الغربية ما كان لها أن تكون لو لم تتخلص من المرجعية الدينية. وإذا كان من يتحدث بهذا الادعاء مقتنعا بقوله – ولم يكن سبب اعتقاده ذلك خلفيات عدائية للدين – فهو لا شك غير مطلع على الحقائق التاريخية، وهو يصف المشهد الراهن للحضارة الغربية ويتحدث عن ما آلت إليه في تطوراتها الأخيرة، معتقدا أن هذا كان حالها في الأول دون أن يكون له علم بتطور الحضارات بين النشأة والنضج والأفول.
إن كل من تمعن في حالة الحضارة الغربية، من العلماء والفلاسفة والمفكرين، توصل إلى أن الحضارة الغربية تعيش مرحلتها الأخيرة من دورتها الحضارية، وأن الصفات التي صارت ملازمة لها هي خصائص أفول الحضارات. غير أن الالتباس الذي قد يحدث عند بعض الناس هو قِدم هذا الحديث منذ كتاب ” انحدار الغرب” الذي كتبه الفيلسوف الشهير أوسفالد شبينغلر (Oswald Spengler) في صيف عام 1918 الذي يقول فيه أن الغرب يعيش أيام خريفه وأنه أصبح لا يعرف غاية حقيقية يتوجه إليها.
إنه لا غرابة أن يكون الحديث عن بداية أفول الحضارة الغربية قديما، ولو دام قرنا من الزمن أو أكثر، فالحضارة تبدأ بالأفول مدة طويلة قبل سقوط كيانها السياسي وظهور حضارات أخرى عليها، فالحضارة الإسلامية توقفت عن العطاء الحضاري أكثر من أربعة قرون قبل هزيمة كيانها السياسي كما أشرنا إليه في الجزء الأول من هذا الموضوع، وكذلك الحضارة الرومانية قبلها، بدأت تتداعى قرونا قبل انهيار عاصمتها الغربية تحت ضربات الجرمانيين، ثم عاصمتها الشرقية تحت ضربات المسلمين.
ولو طبقنا على الحضارة الغربية نظريات الأفول والصعود التي درسها علماء الاجتماع والتاريخ كابن خلدون وتوينبي وشبينغلر لظهر لنا الشبه في خصائص الأفول بين ما هو حاصل الآن للغرب وما حصل للحضارات البشرية أثناء سقوطها، بل نستطيع أن نقول من خلال المقارنة أن الغرب في مرحلة متقدمة من خصائص التحلل الحضاري. وربما النموذج الأدق الذي يسمح لنا بقياس حال الحضارة الغربية هو نموذج مالك بن نبي المقسم بين فترة الروح وفترة العقل وفترة الغريزة. إن كل شيء في حضارة الغرب اليوم يدل على أنها حضارة الغريزة، وأن سقوطها سيأتي من انهياراتها الحضارية الداخلية أكثر من التهديدات الخارجية التي تحوم حولها في محيطها الخارجي.
لقد اهتم كثير من الفلاسفة الغربيين بدراسة الانهيارات الداخلية للغرب بعد شبينغلر وحذروا قومهم منها في مقالاتهم وكتبهم، من ذلك كتاب “صعود وسقوط القوى العظمى” الذي صدر سنة 1987 لصاحبه السياسي والمفكر الشهير بول كندي ( Paul kennedy ) الذي توقع الصعوبات التي ستواجهها أمريكا بسبب كلفة العَظمة، كما كان حال الامبراطورية البريطانية قبلها، وكذلك الامبراطورية الرومانية في أواخرها، التي كانت تبدو عظيمة ولكنها كانت تتجه للأفول، وكذلك كتاب “موت الغرب” لصاحبه باتريك بوكانان (Patrick j. Buchanan) المساعد والمستشار الخاص للعديد من الرؤساء الأمريكيين (رتشرد نيكسن وجيرالد فورد ورونالد ريغان) الذي يتحدث فيه عن خطر التراجع الديموغرافي في الغرب وتحكم الغرائز في المجتمع، وعزوف الشباب عن الزواج، وأثر الهجرة غير الشرعية، وانتشار الجريمة والبطالة. ومما يقوله في كتابه الذي صدر سنة 2001: ” يبدو أن مذهب المتعة الجديد غير قادر على إعطاء الناس سببا للاستمرار في العيش” و ” أن الإنسان الغربي قرر أنه يستطيع عصيان الله دون عواقب وأنه هو من يصبح إلها”.
لقد نشأت الحضارة الغربية على أسس دينية مسيحية وفق ما سنبينه لاحقا، ولكنها بدأت تفقد مرجعيتها الدينية بالتدرج عبر سنوات “النهضة الأوربية” إذ لم تستطع مواكبة زخم الثورة العلمية الأوربية بالرغم من أنها ساهمت في التمهيد لها، كما تسببت نتائج ظهور المذهب البروتستانتي وتحالفه الموضوعي مع التيارات الإنسانية العلمانية، والحروب الدينية بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية، في إنهاء مكانة الدين في الحكم، ثم جاءت فترة الأنوار بكم هائل من الفلسفات الوجودية والإلحادية والغرائزية لتصبح القيم الإنسانية والمعايير العقلية المجردة عن أي خلفية دينية هي المرجعية العليا للحضارة الغربية، ليس في الشأن العام فقط عند الغربييين بل حتى في حياتهم الشخصية، ومع مرور الزمن انفلت الإنسان الغربي من عِقال الدين فأصبح حسب الإحصائيات الحديثة إما لا يؤمن بأي دين، أو لا يمثل الدين بالنسبة إليه سوى انتماء ثقافي لا أثر له في خياراته الشخصية، وأصبح السؤال الكبير الذي يطرحه العلماء والباحثون هل بقي الغرب مسيحيا كما جاء في العديد من الدراسات الحديثة، منها كتاب الفيلسوفة الفرنسية شانتال دولصول (Chantal Delsol) “نهاية المسيحية” الصادر سنة 2021 أو كتاب ” كيف لم يصبح عالمنا مسيحيا” للمؤلف غليوم كوشي (Guillaume Cuchet) الصادر سنة 2018، أو كتاب الفيلسوف المشهور أولفيي روي (Olivier Roy) الصادر سنة بعنوان 2020 تحت عنوان “هل أوربا مسيحية؟” أو غير ذلك من الدراسات الغربية التي تحاول فهم أبعاد خلاء الكنائس من روادها أو الفضائح المتنامية لرجال الدين بين جدران الكنائس، و نفور أعداد كبيرة من السكان من الرموز الدينية ومن الالتزام الديني، وظاهرة التفكك الأسري وانتشار حياة العزوبية، وشيوع العلاقات خارج زواج، والأولاد غير معروفي النسب، وانتشار وتحول المثلية إلى حالة اجتماعية تشجعها وتحميها القوانين، بل عودة بعض المعتقدات والاحتفالات الوثنية بين بعض الفئات من السكان، وظهور بعض الفرق المسيحية المتشددة كرد فعل لانهيار الدين، خصوصا في أمريكا. وقد حددت الفيلسوفة شانتال دولصول متى انفصلت الحضارة الغربية عن الديانة المسيحية في كتابها المشار إليه أعلاه قائلة: “إن الحضارة التي تعتمد أعرافها وقوانينها على العقائد المسيحية اضمحلت منذ نهاية القرن العشرين لصالح الحداثة والقيم الإنسانية” دون أن تقدر القيم الإنسانية المجردة عن الدين أن تتحكم في نوازع الإنسان المضرة بالإنسان ذاته وبمحيطه وبيئته. وما ذهبت إليه هذه الكاتبة هو ما يقوله كل الباحثين في التاريخ الأوربي والحضارة الغربية، أي أن الحضارة الغربية كانت قبل هذا التاريخ ذات اعتقاد مسيحي يؤثر في الفكر وفي السلوك، وبعد فترة صراع بين العقل والدين تغلب العقل، ثم انهار كلاهما وجاء زمن الغريزة بمظاهره المناقضة للفطرة الإنسانية، البعيدة عن كل معقولية.
إن المعطيات التاريخية التي تُبين أن الحضارة الغربية انطلقت على أساس ديني كغيرها من الحضارات البشرية كثيرة. لقد كانت الفكرة الدينية المسيحية هي الوعاء الذي تشكل فيه رد الفعل الحضاري في مواجهة أنوار التفوق الإسلامي المحيط بأوروبا من شرقها في بلاد الشام والأناضول ومن جنوبها من شمال افريقيا ومن غربها في الأندلس في زمن القرون الوسطى المظلمة في أوربا، سواء من خلال التعايش والاستفادة من الأبعاد الحضارية الإسلامية في زمن السلم، أو من خلال الحروب والمواجهات الدامية التي لم تتوقف منذ معركة مؤتة.
لقد كانت أوربا المسيحية تحمل في قرونها الوسطى المظلمة مشاعر متناقضة تجاه المسلمين، مشاعر الانبهار والإعجاب ومشاعر الحقد والمكايدة، وكان ملجؤها في تحصين نفسها التترس بمعتقداتها المسيحية. لقد رأت أوربا المسيحية ذات الأصول الإغريقية أن الديانة الإسلامية الزاحفة آنذاك قد جاءت لتسفهها وتقوض عراها في مهد المسيح في بيت المقدس، وأن الأمة الإسلامية الصاعدة قد أتت لتسرق منها أصولها الإغريقية الرومانية فتدمجها في لغتها ومعارفها العربية في مهد فلاسفتها في مصر وفي الأناضول وتخوم أثينا وروما.
لقد استفادت أوربا من الحضارة الإسلامية، بين تلامس التعايش أو احتكاك الصراع، فأنتجت في مجال المعتقدات ديانة جديدة لتصحيح انحرافات الكنيسة هي الديانة المسيحية البروتاستنتية، وأقبلت في مجال العلوم الكونية، بروح مسيحية عالية، على مناهج وعلوم المسلمين، سواء المترجمة إلى العربية من الحضارات القديمة، لا سيما الاغريقية، أو المبتكرة من فطاحلة علماء المسلمين، التي تُدرّس في جامعات الحواضر الإسلامية الكبرى في المشرق والمغرب، للمسلمين وغير المسلمين، ومنها القريبة من أوربا كالأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا، أو التي تُنقل عن طريق الكتب والمكتبات العظيمة التي كانت تحملها قوافل المسلمين إلى كل أنحاء الدنيا كسيمة أساسية من سمات الحضارة الإسلامية.
يمكننا أن نحدد معالم تأثير الفكرة الدينية المسيحية في النهضة الأوربية، وأسباب ومسارات الافتراق التاريخي بين الدين من جهة، والعلم والسياسة من جهة أخرى، وفق ثلاثة مسارات كبيرة هي:
– البعد الفلسفي والعلمي.
– البعد السياسي.
– البعد الخارجي.

 

د. عبد الرزاق مقري

“الفكرة دينية” عبارة شهيرة للفيلسوف الجزائري الكبير مالك بن نبي استعملها في بعض كتبه وبشكل أساسي في كتاب ” شروط النهضة”  أثناء  شرحه سبل التوصل إلى الاستئناف الحضاري للمسلمين بعد حالة الخمول والتقهقر والتخلف التي هم عليها منذ قرون، معتبرا أن لا انبعاث للحضارة إلا على أساس ديني، مستأنسا في قناعته بدراسة التاريخ ومؤكدا ما ذهب إليه غيره قبله  من الفلاسفة وعلماء العلوم التاريخية والاجتماعية الكبار الذين أجمعوا أن نشأة كل الحضارات التي عرفتها البشرية إنما أساسها الدين.

حينما يتطرق المؤرخون إلى الحضارة التي عرفها المسلمون يسمونها الحضارة الإسلامية نسبة إلى دينهم. وذلك هو فعلا ما سجله التاريخ إذ بزغت الفكرة المنشئة للحضارة في غار حراء ببداية نزول القرآن الكريم، وبعد أن صارت الفكرة حالة اجتماعية في جزيرة العرب بحثت لها عن أرض تقيم فيها دولتها فكانت يثرب هي المأوى، وكان يوم الهجرة الذي نعيش ذكراه هو منطلق تأسيس الدولة ثم صار تاريخ المسلمين كله يُؤقّت وفق هذا اليوم العظيم، وكان ذلك اليوم هو أول يوم لنهضة العرب بكيان سياسي جديد ذي رؤية عالمية صنعت حضارة إنسانية اندمجت فيها وساهمت في قيادتها أعراق كثيرة عبر قرون طويلة من الزمن.

تعودت أن أكتب في كل عام مقالا بمناسبة ذكرى هجرة المصطفى صلى عليه وسلم من مكة إلى مدينة أُبرِز فيه كل مرة ملمحا جديدا من ملامح ذلك اليوم العظيم، وقد اخترت هذه السنة أن أتحدث عن البعد الديني في صناعة الحضارة الإسلامية انطلاقا من يومِط قيام دولة المسلمين في يثرب بعد الهجرة،  ولعلني أضيف بعض البَيّنات التي تؤكد دور الدين في قيام الحضارة، ولأضع، في مقابل ذلك، الفكرة العلمانية في حيزها التاريخي الأوربي ضمن مسار قيام وسقوط الحضارات.

إن الهجرة النبوية الشريفة هي الدليل القاطع على مركزية الدين في بناء الدولة ونهضة العرب ونشأة الحضارة الإسلامية وشذوذ ما يُنكِر ذلك من الأفكار في عالم السياسة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي  أمرنا الله أن نتأسى به وأن يكون قدوتنا  وفق قوله سبحانه وتعالى: (( ولكم في رسول الله أسوة حسنة))، تصرف عند وصوله المدينة كرجل سياسي يبني دولة حديثة بإعلانه “وثيقة المدينة” التي تُعد وثيقة دستورية كاملة الأركان بالمصطلح العصري، حددت الحقوق ومعنى المواطنة لسكان دولته الحديثة، من كان منهم مسلما ومن كان على غير عقيدة الإسلام، ومن خلال تحديد بناء المسجد كمقر لحكومته، وبواسطة إرساء مفهوم الأخوة كوشيجة أساسية بين السكان جميعا، وكذلك من خلال تدشين سوق جديدة بديلة عن السوق التقليدية التي يسيطر عليها اليهود وفق رؤية اقتصادية حديثة للدولة الناشئة.

لقد كانت الهجرة النبوية هي الخطوة التاريخية التي انتقلت فيها الفكرة الدينية الإسلامية من التَّمثُل بها لدى الأشخاص المؤمنين بها والمناصرين لها، ومن الحالة الاجتماعية التي صارت إليها في مكة ثم في المدينة إلى الكيان السياسي الذي حوّلها إلى قوانين وإجراءات ومسؤوليات، وعلاقات سلم وحرب ومعاهدات، وَحَّدت سكان الجزيرة العربية وصنعت لهم مصيرا جديدا، ثم اتجهت في حياته عليه الصلاة والسلام إلى خارح الجزيرة لتعلن عن عالميتها ورؤيتها الخارجية المستقبلية من خلال الرسائل الموجهة إلى ملوك الدنيا في ذلك الوقت (ملوك الحبشة والبحرين وعمان واليمن ومصر والروم واليمامة والغساسنة وفارس)  و من خلال الألوية التي عقدها (مؤتة وتبوك وبعث أسامة) لصد الاعتداءات التي بدأتها جيوش الروم، الأمة الأقوى حينئذ المتهَيِّبة من الأمة الإسلامية الصاعدة.

بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام انشغل المسلمون بحروب الردة فكانت تلك الحروب الأهلية مناورات عسكرية شاملة بحق، بالذخيرة الحية كما يُقال اليوم،  تشكلت من خلالها جيوش المسلمين التي باشرت الفتوحات الإسلامية في كل أنحاء العالم القديم ابتداء بقضائها المبكر على الدولة المتداعية في فارس في عهد الفاروق رضي الله عنه، والانخراط في المواجهة الطويلة مع الامبراطورية الرومانية البيزنطية إلى أن أسقط محمد الفاتح عاصمتها القسطنطينية في القرن الخامس عشر.

لقد كانت الفكرة الدينية التي بزغت في غار حراء بمكة وأقامت الدولة في المدينة هي الروح الدافعة لتلك الفتوحات، وهي المُنشئة للنهضة العلمية التي جعلت المسلمين يهتمون بالإبداعات الحضارية للأمم السابقة في البلاد التي فتحتها واحتكت بها، فترجموا علومها وزرعوا فيها الروح الدينية وأخضعوا معارفها للمقاصد الشرعية الإسلامية وزادوا عليها ابداعاتهم وابتكاراتهم في مختلف الفنون والعلوم عبر الصروح الجامعية التي يدرس فيها الطلبة من مختلف الأجناس والأعراق بلسان عربي مبين فأهدوا للبشرية  أسمى حضارة إنسانية عرفها التاريخ وأكثرها رحمة بالخلق ومن أطولها استغراقا في الزمن.

لقد كان يوم الهجرة هو اللبنة الأولى لصرح الحضارة الإسلامية والأساس الأول للمنظومة القيمية للدولة الإسلامية، ثم اكتملت صياغة النموذج السياسي والاجتماعي في عهد الراشدين، ثم انطلقت الثورة الحضارية العلمية  في زمن الأمويين ووصلت إلى ألَقِها في العهد الذهبي في زمن العباسيين في القرن التاسع الميلادي، ثم تحقق فيها ما قضاه الله في الناس من سنة التداول وفق قوله تعالى ((وتلك الأيام نداولها بين الناس)) فكان سقوط بغداد على يد المغول في منتصف القرن الثالث عشر أمارة الانحدار نحو الأفول إلى أن انطفأت الحضارة الإسلامية في حدود القرنين الخامس عشر والسادس عشر تزامنا مع عصر امبراطوريات البارود الإسلامية (الدولة العثمانية، الدولة الصفوية، دولة مغول الهند) التي استطاعت واحدة منها، وهي الدولة العثمانية، أن تفتك اعتراف علماء الأمة بأنها هي الأجدر بأخذ لقب الخلافة الإسلامية في عهد سليم الأول بعد إنهائه دولة المماليك، الراعية للخلافة العباسية الصورية. 

وكان العثمانيون هم الأجدر بذلك حقا إذ على أيديهم تحققت نبوة فتح القسطنطينية ومن خلالهم استمرت الفتوحات في اتجاه الغرب المسيحي الذي لم يتوقف عن التحرش بالمسلمين منذ  معارك مؤتة وتبوك وبعث أسامة في بداية القرن السابع الميلادي التي كان سببها تحرشات الروم بالمسلمين للقضاء على الدين الجديد قبل استفحال أمره – كما زعموا – وفق ما تذكره كتب السير والتاريخ.

لقد عظُم شأن الأتراك كحاملي لواء الإسلام قرابة ستة قرون، من أول القرن الثالث عشر إلى بدايات القرن العشرين، غير أن تميزهم انحصر في الجوانب القانونية والإدارية والعسكرية ولم يسهموا كثيرا في الجوانب الحضارية العلمية، فكان حالهم كحال الامبراطورية الرومانية إذ دامت بالقوة الإدارية والعسكرية وكانت في الجوانب العلمية والفلسفية عالة على الحضارة الإغريقية. بلغ أوج القوة العسكرية للأتراك عند فتح القسطنطينية سنة 1453م وبدأت في التراجع بعد فشل حصار فيينا سنة 1683م، وفي تلك الفترة كان يظهر للمطّلع على الأحداث التاريخية دو تأمل أن ثمة تماثلا في القوة بين العثمانيين وملوك أوربا، غير أن المتمعّن في وقائع التاريخ يدرك أن المسلمين بقيادة الأتراك كانوا في زمن الأفول الحضاري وكان الأوروبيون في مرحلة النهضة الحضارية. كما أن المسلمين في زمن سقوطهم كانوا يبتعدون عن دينهم وكان الأوربيون في زمن نهوضهم، يجددون تمسكهم بدينهم كما سنبينه لاحقا.

سقطت الدولة الإسلامية في بداية القرن العشرين عند إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية سنة 1924 بعد أن أفَلت الحضارةُ الإسلامية أربعة قرون من قبل. وقد كانت الفكرة الدينية هي صانعة الحضارة في الأمة الإسلامية في منشئها المشحون بالقيم والقوة الروحية في الدولة والمجتمع في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وحين غلبت العصبية العشائرية مرجعية الشورى الشرعية في الحكم، وصار الحكم لمن غلب منذ عهد الأمويين، ظلت الفكرة الدينية متجذرة في المجتمع، تتحصن بالعلماء العاملين المجاهدين الذين وإن كانوا قد أفتوا بشرعية الحاكم المتغلب تجنبا لاستمرار الفتنة بين المسلمين قد قادوا المجتمع لمنع السلطان من أن يفارق القرآن عبر شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنتج تاريخ المسلمين حكاما صالحين مصلحين وحكاما فاسدين فرض عليهم الجو الإسلامي الغالب بين الناس الالتزام   بأحكام الإسلام في السياسة والحكم بشكل عام، كما قاد علماء الدين النهضة الإسلامية بأنفسهم ببعث حركة الأوقاف التي أطّرت الثورة العلمية الإسلامية ومنحتها استقلاليتها من الناحية المادية واتجاهاتها العلمية بتأسيس الجامعات والإنفاق على الطلبة والأساتذة وأدوات التعليم،  وببروز العلماء الموسوعيين في الشريعة والطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغير ذلك من العلوم، فبقي الوحي والعقل مجتمعان يضمنان استمرار الحضارة في كل مجالاتها، إلى أن انغمس المجتمع الإسلامي ذاته في الشهوات وأصابه الخمول وتسربت إليه اتجاهات القدرية والقبورية فلم يصبح للحكم الإسلامي حاضنة اجتماعية خالصة، تسنده أو تحرصه أو تردعه، فدالت الأيام على دولة الإسلام فسقطت بتآمر اليهود والنصارى، وتحالف النفاق والعمالة والجهالة من المسلمين، وحل محلها الدولة العلمانية التي ربطت مصيرها بقوى الاستعمار فاستدام التخلف وطال أمده.

إن المتمعن في تاريخ الحضارة الإسلامية يلحظ تطورها بين النهوض والفتور والسقوط بقدر قربها أو بعدها عن الدين. كما أن الشعوب التي احتوتها الحضارة الإسلامية من عرب وعجم لم يكن لمجملها في يوم من الأيام شأن في التاريخ بغير الإسلام، خصوصا الشعوب العربية والتركية التي تداولت الخلافة الإسلامية العالمية.

لم تشمل الحضارة الإسلامية دولة واحدة، بل تعاقبت عليها دول كثيرة من عرب وعجم، وقد خضعت كل تلك الدول إلى نظرية التداول التي أبدعها ابن خلدون حين حدد مراحلها الخمس وأجيالها الثلاثة، وكان الجيل الأول بعد النبوة يُخضعُ مطلبَ العصبية، الضرورية لاستقرار الدولة الناشئة،  للفكرة الدينية المنشئة للحضارة الخالدة،  فكان الجيل الأول – مؤسس الدولة – على نحو ما قاله ابن خلدون جيل البداوة والبسالة والشجاعة والتقشف والاكتفاء بالضروري من العيش في أحوالهم، يشتركون جميعا  في المجد، لم يغرهم ما بُسط لهم من ملك وعز ورفاه عبر الفتوحات التي أطلقوها، يتمسكون بالفكرة الدينية ويمثلونها أحسن تمثيل، ثم جاء مَن بعدهم فانتقلوا بالدولة  إلى الحضارة وإحكام الصنائع والإبداع في العلوم باسم الدين فكانت لهم في البداية قوة وازدهار وهيبة ثم جاء من انشغل بالتفنن بملذات الحضارة والانشغال بمنتجاتها بدل الزيادة فيها فبلغ الترف فيهم غايته فنسوا تضحيات جيل التأسيس وظنوا أن النعيم مخصوص لهم من السماء ففسدت أخلاقهم وطباعهم وانسلخوا عن هدي دينهم وانقلب التناصر بينهم إلى تنافر وتترسوا بالجند والعسكر، لا ليزيدوا في الفتح والملك ولا ليقهروا به طالب ملكهم من الخارج، ولكن ليتصدوا إلى بني قومهم ممن لم يعجبهم حال أمرائهم، ثم استعانوا بالموالي ثم بأطراف خارجية على بعضهم بعضا فكانت النهاية. ولعل مما ساهم  في إطالة حضارة الإسلام ودوام سلطانه تداول العصبيات والأعراق على الحكم باسم الإسلام وفق نظرية التداول الخلدونية، فكانت كل دولة حديثة تجدد أمر الأمة وتحمل على عاتقها عز الإسلام ومجده وتُوسِّع جغرافية الإسلام وتزيد في عدد معتنقيه وحجم موارده وخيراته ثم تشيخ وتُهزم وتسقط داخل إطار الأمة، وكان كل قادة دولة حديثة يبررون  طلب الملك لإزالة الظلم والفساد وحين يُمَكَّنون  يحاولون فعل أحسن مما فعل من قبلهم حتى كانت النهاية في آخر عهد الدولة العثمانية بكثرة الخَبث في الداخل والتنكر التام للدين من فئات من المسلمين وبتصاعد قوة الأمم الغربية الصاعدة الساعية لإزالة حكم الإسلام واستعمار بلاده، وحينما جاء الرجل الصالح عبد الحميد الثاني للحكم كان سهم الانحدار قد بلغ القاع فلم يكن تحويل اتجاهه نحو الأعلى ممكنا.

ولو ننظر إلى أمر الحضارة الإسلامية بشكل أوسع بغض النظر عن الدول التي تداولت فيها لفهمنا علاقة الدين بنهوضها وسقوطها وفق البيان الذي رسمه مالك بن نبي عن تداول الحضارات في كتابه “شروط النهضة ” حيث يعتبر أن المرحلة الأولى في كل حضارة هي مرحلة الروح التي تضمن نشأتها، ثم تعقبُها مرحلة العقل التي تصنع منتجاتِها، ثم تليها مرحلة الغريزة التي تتسبب في نهايتها.

يضع مالك لشروط النهضة ثلاثة عناصر: التراب ( ويقصد بها الإمكانيات المادية الطبيعية) والوقت والإنسان، ولكن لكي تتفاعل هذه العناصر الثلاثة بشكل إيجابي ولكي تكون مؤهلة لصناعة النهضة يجب أن توفر مركبٌ (catalyseur) أساسي يتدخال بينها وهو مركب “الفكرة الدينية”. ويعتبر مالك بن نبي أن الفكرة الدينية عملت عملها في أجواء المدينة بعد الهجرة النبوية الشريفة،  ولكن  تغير حالها بعد ذلك في أجواء معركة صفين التي نقلت الأمة من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض ثم كانت نهاية الحضارة الإسلامية مع إنسان ما بعد الموحدين حيث انتشر الخمول والعجز في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر.

يؤكد فطاحلة علم التاريخ والاجتماع و تداول الحضارت ، ابتداء من  ابن خلدون – مؤسسه الأول – الذي يقول :” أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها”  إلى  علمائه الكبار وفلاسفته المشهورين، أمثال توينبي الذي يعتبر أن : التفسير النهائي للتاريخ تفسير ديني في جوهره”  والمؤرخ الفرنسي فرانسوا جيزو والفيلسوف كسرلنج الذي يعتبر “أن الروح المسيحية ومبدأها الأخلاقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوربا سيادتها التاريخية” ،  إلى فيلسوف الأمة مالك بن نبي صاحب نظرية ” مركب الفكرة الدينية”  أنه لا نشوء للحضارات بغير الباعث الديني. ويمكننا أن نضيف فنقول أن تأثير الدين في الحضارات بعد نشوئها من حيث عدلها ونفعها للإنسان ومن حيث طول وجودها مرتبط بصحة الفكرة الدينية ذاتها. فلما كانت الفكرة الدينية الإسلامية مصدرها الوحي الصحيح المحفوظ من التحريف استطاعت أن  تصنع حضارة إنسانية عالمية أدمجت كل الأعراق والأجناس في قيادتها منذ لحظتها الأولى، وحين نُقلت إلى الناس عبر الفتوحات والدعاة تركتهم أحرارا في اعتناقها، وكانت الفكرة الإسلامية هي الدافعة للتفكر في النفس وفي ملكوت السماوات والأرض،  وهي التي جعلت العلم والتعلم من أزكى العبادات كما جعلت التعلم طريقا للإيمان. ولهذه الدوافع الإيمانية لم يستقل العلم عن الإيمان في الإسلام أبدا، ولم يجاف العقلُ الوحيَ مطلقا،  بل على العكس من ذلك توقف  العطاء العلمي وفتُرت الحضارة حين ضعُف الإيمان وانغمس المجتمع في الملذات. وحين حوربت الفكرة الدينية في الدولة غرقت الأمة كلها في التخلف.

قد يجادل البعضُ بأن الحضارة الغربية نشأت على غير دين وأنها إنما لمعت حين انفصلت عن الدين من خلال الفكرة العلمانية، وهذا تفكير خاطئ يخالف حقائق التاريخ التي تؤكد بأن الحضارة الغربية نشأت على أساس الديانة المسيحية، وأن الانفصام النكد بين العلم والإيمان، وبين السياسة والدين، طرأ لاحقا في وقت مبكر بسبب انحراف الفكرة الدينية المسيحية وهذا الذي سنُبيّنه في المقال المقبل بحول الله. 

 

د. عبد الرزاق مقري

قمنا في الندوة التي نظمت بمناسبة الذكرى 19 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله بتكريم الحاج لخضر بكار، كمبادرة أولى لتكريم المؤسسين الأحياء منهم والأموات رحمهم الله تعالى. والحاج بكار أهل لأن يُكرم، فهو من أبرز وأهم المؤسسين لحركة المجتمع الإسلامي (حركة مجتمع السلم حاليا)،

وكان مساندا للشيخ محفوظ بالرأي والمعلومات وبعلاقاته الممتدة مع رموز الثورة التحريرية والقادة السياسيين الكبار الذين كانوا مع هواري بومدين، كما دعمه بالمال والإمكانيات المادية حيث كان المقر الوطني الأول للحركة – ولسنوات عديدة – ملكا له في بلكور، وهو المقر الذي اتُّخذ فيه قرار تأسيس الحزب بعد نقاش بيننا صعب ومعقد غادر على إثره الحركةَ رجالٌ أفاضل من المؤسسين التاريخيين.

حينما زرت الحاج بكار لأخبره عن نيتنا لتكريمه تأثر كثيرا وأخذ يقص لي بعض القصص المفيدة والمؤثرة عن علاقاته وأعماله مع الشيخ محفوظ والعديد من الأشخاص الذين كان على علاقة بهم، وعن رأيه وتقييمه لكثير من التحولات التي عرفتها الحركة، ومن أبرز ما حدثني عنه بعض الإجراءات التفصيلية في ملف التأسيس الذي سُلم للداخلية. سلمني بعد ذلك وصل تأسيس الحركة والقائمة الإسمية للأعضاء المؤسسين، وتعود أهمية الوثيقة أنها مكتوبة بخط الشيخ بوسليماني كما أخبرني.

طلب مني الحاج بكار أن أعلق القائمة في المقر ورأيت مفيدا أن أنشر الوصل والقائمة لإعلاء شأن السابقين خاصة الذين تحملوا عبء قرار تأسيس الحزب في مواجهة النقد اللاذع من داخل الصف وخارجه والتهديات الكبيرة تجاه الموقف في ذلك الوقت وهي فرصة للتذكير ببعض تفاصيل تأسيس الحركة قانونيا.

بعد تأسيس الحركة أصبحت – كحزب سياسي قانوني- هي الواجهة العلنية للجماعة (بعدما كانت جمعية الإرشاد والإصلاح هي الواجهة القانونية). بقيت الجماعة تعمل في السر ( كما كانت كل الحركات السياسية في زمن الحزب الواحد) ولكن بعد سنوات قليلة تمت عملية التكييف والدمج للخروج نهائيا للعلن، وقد تم اختيار كلمة “حركة” بدل كلمة “حزب” لنبقى في دائرة المهمة الإصلاحية والاستنهاض الحضاري فكريا وسياسيا ومجتمعيا، كما نحن عليه إلى الآن بحمد الله، وقد خضنا الانتخابات الرئاسية سنة 1995 بهيكل مدمج واحد كما نحن عليه الآن مع التطويرات الهيكلية مرحلة بعد مرحلة.

كان الشيخ بوسليماني هو رئيس لجنة إعداد إجراءات التكييف ودمج الجماعة مع الحزب وقد تشرفت أن أكون معه في اللجنة وكانت النقاشات التي خضناها في الموضوع هي بداية اهتمامي الفكري بالتطوير الهيكلي والإداري للحركة الإسلامية والذي عرف تقدما مميزا في السنوات الأخيرة.

وللتذكير أسس الشيخ محفوظ نحناح جماعته في ولاية البليدة وكان موقع قدمه في العاصمة في بلدية المَدنية أولا، وبعد أن دخل السجن توقف نمو انتشار جماعته لصالح جماعات إسلامية أخرى، وبعد خروجه من السجن سنة 1981 استأنف نشاطه بحيوية كبيرة فالتحق به أنصار كثر من مختلف الولايات كانوا قد أسسوا أنفسهم على أساس الفكرة دون أن تكون لهم علاقة بالشيخ محفوظ نحناح، ولكن الحتقوا بجماعته على خلفية الفكرة التي كان يحملها والمنهج الذي كان يتبعه وبسبب شخصيته الجذابة وبيانه المؤثر، وضمن سياقات تاريخية عملت لصالحه، ولم تكتمل عشرية الثمانينات حتى صارت جماعته الأقوى والأظهر في الجزائر.

سبق لي أن تحدثت عن كثير من تفاصيل هذه المسيرة سنة 2016 في سلسلة برنامج مراجعات على قناة الحوار اللندنية مع الأستاذ عزام التميمي حفظه الله، ولكن كان حديثي ضمن إطار عام فقط، وقد أعود في وقت لاحق ( أو في وقت قريب إذا تطلب الأمر ذلك) لأكتب مزيدا من التفاصيل وأدلي بشهادتي عن التأسيس والمؤسسين في الولايات التي نشطت فيها في النصف الثاني من السبعينات وعقد الثمانينات، خصوصا في ولاية المسيلة ثم ولاية سطيف وولاية برج بوعريريج وولاية بجاية وكيف تعرفنا على الشيخ محفوظ نحناح رحمه، وعلاقتي بالعمل الإسلامي في مختلف الجامعات والولايات آنذاك، وكيف كانت العلاقة مع الشيخ محفوظ وكيف تطورت، ومن وجدناه معه وكيف كانت جماعته وكيف تطورت، وكيف كانت الجماعات الإسلامية الأخرى وكيف كانت العلاقة بينها.

اقترح علينا أحد الأفاضل أن ننظم لقاء عاما للمؤسسين على المستوى المحلي، وربما نطلب من هؤلاء الأفاضل أن يكتبوا حقيقة ما عاشوه في فترة التأسيس، كل في بلديته وولايته وكيف التحقوا بجماعة الشيخ محفوظ، حتى لا نستأثر نحن، المعروفين، بكتابة تاريخ الحركة الإسلامية في بلادنا. وسيكون في ذلك فائدة للأجيال المستقبلية، ضمن تطورات جارية ولاحقة سيتغير فيها كل شيء.

 

د. عبد الرزاق مقري

مرت البارحة الذكرى 12 لملحمة أسطول الحرية، وكان أسطول الحرية محاولة تاريخية لكسر الحصار على قطاع غزة من خلال توجيه عدد من السفن المحملة بالبضائع من مواد غذائية وأدوية ومواد بناء ولعب أطفال وغيرها نحو غزة بمشاركة قرابة 700 ناشط من أكثر من 40 دولة من مختلف أنحاء العالم.

وقد كان الوفد الجزائري من 31 فردا هو الأكثر عددا بعد الأتراك، وشاركنا بسفينة محملة بالبضائع هي الأكبر بعد سفينة مرمرة، كما ساهمنا في اقتناء سفينة أخرى للركاب.

شرفني الله تعالى بأن كنت عضوا في اللجنة التابعة لحركة غزة الحرة الدولية التي خططت للحملة رفقة منظمة الإغاثة التركية، وكان معي في اللجنة الشيخ أحمد الإبراهيمي، وبعد ذلك توليت رئاسة الوفد الجزائري الذي ضم أفاضل الناس من النساء والرجال والشباب، من القادة الأخ العزيز محمد ذويبي الأمين العام السابق لحركة النهضة الذي أصيب في عينه أثناء الهجوم علينا، ومن الشباب النائب الحالي عز الدين زحوف الذي صنع لنفسه مكانة مرموقة في الحراك الشعبي ثم في العمل النيابي، وكذا ابني مصطفى مقري الذي سلط عليه الصهاينة أذى شديدا، واستطاع تهريب كثير من المواد الإعلامية ذات الفائدة الكبيرة في رقائق دسها في أماكن خفية في ثيابه، وقد أظهر الوفد كله بسالة وشجاعة أشادت بها الوفود الأخرى في محاولات صد ركوب جنود lلاحتلال السفينة ولم يترك الجزائريون مكانهم حين هجم الجيش الصـهيوني على السفينة حتى ألقي القبض على الجميع وتم تكبيل أيدينا واقتيادنا إلى سجن بئر السبع وللعلم تم الهجوم على القافلة فجر يوم 31 ماي 2010 حيث اقتحمت قوات خاصة تابعة للبحرية lلإسرائيلية في المياه الدولية فجر الاثنين كبرى سفن القافلة “مافي مرمرة” التي كانت تحمل 581 متضامنًا أغلبهم من الأتراك ومن حركة غزة الحرة – كان ضمنهم الوفد الجزائري كله – حقق أسطول الحرية نتائج كبيرة في تحويل الرأي العام العالمي لصالح غـزة والقضية الفلسـطينية ودعم ثبات الفسطينيين وزاد في عزيمة النشطاء وإطلاق زخم كبير لقوافل كسر lلحصار البرية، ومحاولات أخرى بَحرية، كانت الجزائر حاضرة فيها، ابتداء من قافلة شريان الحياة 5 التي شاركنا فيها بعشرات النشطاء وبأربعين سيارة إسعاف وحمولات كبيرة من مختلف البضائع، ثم وجهنا أكثر من 40 قافلة أخرى بحمد الله، ولا تزال مجهودات دعم القضية lلفلسـ.طينية قائمة بمختلف الأشكال.

كُتبت كثير من الإسهامات والكتب وأشعر بكثير من التفريط في عدم تدوين تفاصيل هذه الغزوة العظيمة التي كنا فاعلين فيها وليس مجرد متابعين وكاتبين عنها، ونسأل الله أن يعيننا على الاستدراك وأن يتقبل من الجميع.

د. عبد الرزاق مقري

رمضان .. أحلى وأمتع وأنفع الشهور. ربح فيه المجدون المحظوظون، وإن للظفر ببركته وخيره وفضله لعلامات بديعة وأمارات جليلة تظهر في حال الصائم بعد رمضان.

أول ذلك حال الشعور النفسي بالراحة والطمأنينة والسكينة، وامتلاء القلب بالرحمة والعطف والرقة، والشعور بالقرب من الله تعالى، وانجذاب النفس للخير وحب المؤمنين، ثم الإدراك العقلي بعدم أهمية أي شيء ما لم يكن موصولا برضوان الله ونصرة الدين وخدمة المسلمين، الأقرب فالأقرب على نهج المصطفى الأمين. ثم النفور من المعصية ومما يقرب من فساد الدين والفتن والفسوق والعصيان، ثم رسوخ أساسيات الطاعة والعبادة في السلوك اليومي كعادات متأصلة لا يأتي عليها الزمن ولا يفتها ولا يزعزعها بإذن الله، والمسارعة بقدر الإمكان في الاستزادة في ذلك بعون الله، مع التوبة والإنابة السريعة بعد كل كبوة، إذ دوام الحال الواحد من المحال، وإنما العبرة في أغلب ما يستقر فيه الحال، إلى أن يأتي رمضان المقبل بحول الله فيعيد المؤمن الكرة لترميم ما فسد من طبعه والتزود من أجل الارتقاء في مدارج السالكين أكثر وأكثر. ومن قبَضه الله عز وجل قبل ذلك وهو على ذلك قُبِض على خير عظيم. ولا يأْس ولا قنوط لمن لم يحظَ بوافر تلك النعم الظاهرة في شهر رمضان، فلا أحد يدري من المقبول، كثير العبادة أم قليلها، ورب عمل قليل تعظمه النية، وفرص الإنابة قائمة في كل لحظة وفي كل حين، فرب شهر رمضان هو رب سائر الشهور والأيام. والله نسأله أن يطيل أعمارنا، من جدّ منا ومن قصّر، حتى ندرك شهر رمضان المقبل فننال فيه جميعا أعلى وأفضل وأجل ما يُدرك المؤمن من الخير والبر والرحمة والرزق والصحة والعافية والهناء، وندعوه عز وجل أن لا يدركنا الشهر المقبل إلا وقد بات حال أوطاننا وأمتنا على أحسن حال، ولعلنا نرى فتحا عظيما في فلسطين. آمين.

 

عبد الرزاق مقري

التدين الصحيح هو أن تسلم النيّات والمقاصد لتكون لله، وأن يعمر القلب بحبه سبحانه وحب رسوله والمؤمنين وبالخوف منه عز وجل والرجاء فيه وحسن الظن به، وأن يتحقق الإيمان بالغيب ويصح الاعتقاد على نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهو خلو الفؤاد من كل أنواع الشرك الكبير والكفر والنفاق، وكل أنواع الشرك الصغير، كالرياء، والحلف بغير الله واعتقاد النفع والضرر عند غيره عز وجل، و سلامة الصدر من الآثام القلبية كالحقد والحسد والكبر والشحناء والبغضاء، وهو مع ذلك اجتناب معاصي الجوارح كلها، والتوبة الدائمة عند كل تقصير، والالتزام بأركان الإسلام الخمسة جميعها، كلما وجبت وحان وقتها، وجعل الصلاة منها محور الحياة وبوصلة الاهتداء، ثم المسارعة لمختلف الطاعات والعبادات على طريق الوِلاية والرضوان بقدر الاستطاعة والإمكان، مع بذل الحقوق للغير والعدل في الناس، قريبهم وبعيدهم، ومع الحيوانات وسائر الدواب و كل مكونات المحيط، وحسن الخُلق، وعدم الظلم والعدوان، واجتناب المحرمات في المعاملات كالربا والرشا والنهب والغصب والغش والتزوير والتدليس والسرقة والضرر والفساد أو الإعانة على ذلك، مع تعلم المعلوم من الدين بالضرورة أو سؤال أهل العلم في ما يجب من أمر الدين، وإتقان العمل وحفظ الأمانة، والصدق في القول والعمل، والاستزادة في العلم بقدر المستطاع، والسعي لفهم الحياة والقوانين والسنن الاجتماعية والتدبر والتذكر في الآلاء، والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق المقاصد والضوابط الشرعية المعتبرة، المعلومة عند العلماء الصالحين المصلحين، والاهتمام بالشأن العام وإصلاح الأوطان والمساهمة في نموها وتطورها وازدهارها وفق الاستطاعة والمقدور عليه، ومقاومة الظلم وانتهاك الحقوق وموالاة الله ورسوله والمؤمنين دون غيرهم، وحب الخير للبشرية جمعاء، والحب في الله والبغض فيه، والسعي لإسعاد المسلمين وتوحيدهم ونهضتهم وارتقائهم الحضاري، وتخليصهم من الاحتلال والعدوان، والمساهمة في نصرة فلسطين إلى أن يتحقق النصر والتحرير.

 

د. عبد الرزاق مقري

حينما يقرأ المؤمن القرآن بتدبر تمر عليه آيات وكأنه يقرأها لأول مرة، ويستنبط منها من المعاني والعظات ما لم يدركه من قبل، وربما لم يقرأها في أي تفسير. فالقرآن ثابت في لفظه وفي معانيه اللغوية العربية، وأحكامه القطعية الدلالية وما فسره رسول الله صلى عليه وسلم في الحديث صحيح وما أجمع عليه العلماء. غير أن معانيه، في إطار ذلك تتجدد، وفق النوازل المتجددة وأحوال الناس المتتالية عبر الأزمنة والأمكنة، بل يجد كل فرد فيه ما يؤنسه ويقوده ويوجهه حسب كل مرحلة من مراحل حياته.
وكذلك هي السيرة النبوية، ليست حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم قصصا جامدة تُتلى وتحفظ للبركة أو المتعة، أو تفهم فهما تقليديا جامدا بل هي منهاج للحياة، ومفاتيح لفتح الأبواب المستعصية، و قصص نموذجية للقياس عليها والتأسي بها في مختلف مناحي الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال الله تعالى: (( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)الأحزاب)). وقوله : (( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .. 157 الأعراف)). والأمر بالتأسي برسول الله موجه للمسلمين إلى قيام الساعة، فلا شك عندئذ أن كل الأمم والأفراد، عبر الأزمنة والأمكنة، سينتفعون من حياته عليه الصلاة والسلام في حياتهم كأفراد وجماعات، في القضايا الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية، والسياسية، والدولية وغيرها.
لقد درستُ السيرة النبوية في وقت مبكر من حياتي، ودرَّستُها مرتين في الثمانينات في مسجد الجامعة بسطيف وفي بعض مساجد بلدية المسيلة، ومع ذلك لا تتوقف المعاني الجديدة التي تخطر ببالي كلما تناولت نصا من نصوصها حسب الأحوال والأوضاع التي أمر بها، وكأنني أطلع عليه لأول مرة.
فلو أراد مُطّلع على السيرة النبوية، منخرطٌ في الكفاح على منوال كفاح رسول الله أن يكتب كتابه في السيرة النبوية لأخرج للمسلمين، ربما، نسخة جديدة فيها من المعاني ما لم يتناولها غيره،
فلو تحدثنا عن غزوة بدر فقط لأمكن كتابة كتاب خاص بها لما فيها من عبر وحكم وملح وعظات لا تتوقف.
وقد رأيت أن أتطرق، بمناسبة ذكرى غزوة بدر هذه السنة إلى جانب واحد من محطاتها المفيدة المشوقة، وهي المحطة التي وصفها الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الانفال في قوله تعالى: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)).
تتحدث هذه الآية عن وضعية صعبة ومعقدة وخطيرة وقع فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم، حيث أن رسول الله حاول اعتراض قافلة قريش وهي متجهة إلى الشام ليسترجع المسلمون شيئا من أموالهم التي صادرها المشركون في مكة غير أنه حينما وصل مكانا يسمى (ذا العشيرة) وجد العير قد فاتته منذ أيام، وبقي يترقب رجوعها وهو في المدينة إلى أن علم بأنها في طريقها من الشام إلى مكة محملة بأموال وبضائع كثيرة.
لم يدع رسول الله إلى النفير العام وجعل الخروج معه في هذه المهمة على الخيار، ولم ينكر على من لم يخرجوا. ولما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين لملاقاته أرسل رجلا معه اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري ليسرع إلى قريش فيخبرهم بأن أموالهم في خطر وغيّر وجهة العير نحو الساحل البحري. أعدت قريش العدة وخرجت بجل بطونها وزعمائها يقودهم أبو جهل ومعه نحو ألف وثلاثمائة مقاتل، ومائة فارس، وستمائة درع وجمال كثيرة. وعندما تأكد أبو سفيان من نجاة القافلة أرسل إلى قريش يدعوهم إلى الرجوع فلم يجيبوه وعزموا على القتال حيث أدركوا أن تهديد قوافلهم يمثل خطرا على اقتصادهم فلا بد من استئصال شأفة المسلمين حتى لا يقدرون على ذلك في مقدم الأيام.
حين علم الصحابة بقدوم جيش عظيم إليهم خارج ديارهم، اشتد الأمر على بعضهم وخافوا هذا اللقاء الدامي الذي لم يكن في الحسبان، فهم لم يخرجوا بسلاح الحرب إذ لم تكن معهم إلا سيفوهم التي تكفي لاعتراض عير قريش فحسب، وكان عددهم بنحو ثلث عدد جيش الكفار في حدود بضعة عشر وثلاثمائة رجل، ولم يكن معهم إلا فارسان. فأنزل الله الآيات السابقة ليعالج الموقف ويؤكد حقيقة لزم على المسلمين أن يتمثلوها إلى يوم الدين وهي أن الله تعالى هو من يقدر كيف تكون تفاصيل مناصرة الدين، وما على المسلمين إلا تسديد نواياهم، وإعداد ما استطاعوا من العدة، وأن يتأهبوا دوما للجهاد والكفاح ولو في أسوء الظروف.
لم يكن في بيعة العقبة الثانية ما يلزم الأنصار بالقتال خارج ديارهم إذ عاهدوا رسول الله على نصرته في يثرب، فتقصّدهم رسول الله في المشورة حيث لم يكتف بظهور إصرار المهاجرين على القتال حتى تكلم سعد ابن معاذ حامل لواء الأنصار في الغزوة قائلا:
((إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحرَ لأخَضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَاد لفعلنا – رواه مسلم)) فعزم نبي الله صلى الله عليه وسلم عندئذ على لقاء العدو قائلا: «سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)).
إن الآيات التي نزلت في هذا الشأن لم تكن تقصد قادة وأبطال المهاجرين والأنصار، ولكن كانت موجهة إلى صنف من المسلمين موجودين في كل زمن، لا يرغبون في العمل لصالح دينهم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكفاح من أجل أوطانهم وقضاياهم إلا إذا لم يكن ثمة خطر، ويكبر عليهم دوما الفرق في القوة بينهم وبين أعدائهم أو خصومهم، وبعضهم يُكثر الإرجاف والجدال في صفوف المؤمنين العازمين على الكفاح في الظروف الصعبة، باتهامهم بالتهور تارة، وقلة الحكمة تارة. وإن هي في حقيقة الأمر إلا نفوسهم الضعيفة وعزائمهم المنكسرة وهممهم الهابطة، أو حرصهم على الدنيا بالمحافظة على مكاسبهم الشخصية وطموحاتهم المَخفية، بالرغم من أن المعارك التي يخوضونها في هذا الزمن سلمية ضمن منهج سلمي وسطي لا خطر داهم عليهم في أرواحهم وأموالهم كما كان حال الصحابة الذين رهبوا القتال فنزلت فيهم الآيات تلومهم وتصحح معتقدهم وتقوّم نفوسهم. ولو نظر هؤلاء الذين يشترطون على الله في ظروف المواجهة إلى سِيَر الكبار والعظماء لرأوا بأن حياتهم كلها محاطة بالمخاطر وأنهم لم يصنعوا التاريخ إلا بخوض غمار المصاعب والأهوال، وما جُعلت الجنة إلا محفوفة بالمكاره.
لا شك أن المسلمين مطالبون بأن يسألوا الله العافية وأن لا يتمنوا لقاء الكريهة ولكنه سبحانه طلب منهم، في نفس الوقت، أن يثبتوا إذا اختار لهم غير ما يريدون في حياتهم النضالية، فليس من التوكل على الله وليس من توقيره والحياء منه أن يشترط المؤمن على الله ظروفا مخصوصة لكي يقوم بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا بيّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قائلا: (( لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا )).
ومن صبر وثبت فإن وعد الله بالنصر قائم إلى يوم القيامة، النصر في الدنيا والفوز يوم القيامة. يقول الله تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) غافر)).

د. عبد الرزاق مقري

إن رمضان هو شهر الخير والبركات، من كان قبله مجدّا وكانت الطاعات والعبادات في حياته عادات يزداد فيه فضلا حتى يكون عمره كله في البر والتقى والأعمال الصالحات، ومن أقبل عليه رمضان وكان من قبل مقصرا، فليغتنم مِنحَ الشهر الكريم وأجواءَه، لكي يغير عاداته فتتغير بعده حياته.

إنما حياة الإنسان عاداته، فمن تعود الخير سهُل عليه فعله، ومن تعود الشر غلب الرّان على قلبه، وبات اقتراف الآثام عنوان حياته. ومن ألف العجز والكسل صعُب عليه النهوض للمعالي، ولو لم يكن من الآثمين، واستغرق أجله في التوافه والاهتمامات الدونية، والرغبات الصغيرة، ويظل الارتفاع بهمته كمن يصعد الجبال الشاهقة، فلا يحظى بمكانة بين السابقين السابقين.

ولا يكون الإنسان هكذا أو هكذا أو هكذا إلا بما تعوّده وألف عمله.

لقد جعل الله شهر رمضان فرصة لتغيير العادات، فهو دورة تربوية سنوية دبّرها المدبر سبحانه لنصحح مسارنا ونغير حالنا، وذلك وفق منح ربانية وتشريعات إلهية منها الذي يلي:

١ – تصفيد الشياطين وترك المؤمن بينه وبين نفسه الأمارة بالسوء فحسب حتى يسهل عليه التحكم فيها، فلا تعينها عليه وسوسة الشيطان. فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ) رواه البخاري (3277) ، ومسلم (1079).

وفي رواية لمسلم: ( وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)

٢ – تحديد الهدف من الصيام، وهو تقوى الله، بما يجعل الصائم يحاسب نفسه أثناء ليله ونهاره هل هو يقترب نحو الهدف أم لا، إذ قال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة 183))). والتقوى حالة قلبية يصفّى فيها الفؤاد من النوايا السيئة وأنواع الشرك الصغير والكبير، والحسد والأحقاد، وسائر الآفات المعلومة لدى الله تعالى المخفية عن الناس، وما تكون عليه الجوارح من إقبال على الطاعات وابتعاد عن المعاصي والموبقات.

٣ – اختيار رمضان ليكون شهر القرآن وتوجيه المؤمنين فيه إلى الانشغال بآي الذكر الحكيم، إذ تدبُّر القرآن في التلاوة والتراويح والقيام هو بالنسبة للمؤمن بمثابة المراجعة الشاملة لنفسه وحالها وحقيقتها، بعرضها، مرة في السنة على الأقل، على الهداية القرآنية الموجهة للناس حتى يبين لهم الحق من الباطل ويفرقوا بين ما ينفعهم وما يضرهم، يقول عز وجل: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)).

٤ – التحذير الشديد من فساد الصيام باقتراف الموبقات والمعاصي وتشديد العقوبة عليها في رمضان. عن أبي هريرة رضي الله عنه، ((مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) أخرجه البخاري.

٥ – الترغيب في المسارعة في العبادات وسائر القربات وتعظيم الأجر والثواب في ما يقوم به الصائم. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل عمل أبن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) [أخرجه مسلم 2760]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه [البخاري 38، ومسلم 1817]

٦ – جعل رمضان شهرا اجتماعيا للأنس والمودة والتضامن، وللتآزر المتبادل بين المؤمنين على الطاعات، بالإقبال الكبير على الصلوات في المساجد والتراويح والقيام وحلقات الذكر والمواعظ، والتنافس على الصدقات وإطعام الصائم، والاجتماع العائلي على موائد الإفطار، فيكون ذلك الجو العام دافعا على الخير للجميع، مشجعا للأضعف غير المتعود على العبادات، قاهرا للمتمرد الأجرء على الموبقات.

٧ – جعل المؤمنين جميعا، فقيرهم وغنيهم، ينخرطون في عملية تضامن عالمية، هي الأكبر والأشمل في تاريخ البشرية وإلى يوم القيامة، وهي زكاة الفطر التي يجبر بها الله ما نقص من الطاعات ويزكي بها ما صلح من الأعمال، وينزل بها الرحمة في قلوب ومجتمع المؤمنين،

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين” (رواه البخاري ومسلم).

٨ – جعل الله شهر رمضان شهر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو شهر غزوة الفرقان، غزوة بدر، التي غير الله بها مجرى التاريخ وانتقل الإسلام بها من حالة الدفاع إلى الغزو والفتوحات، ثم معارك حاسمة أخرى في التاريخ الإسلامي ومنها فتح مكة، القادسية، فتح عمورية، فتح الأندلس، معركة الزلاقة، عين جالوت، ومنها كذلك حرب أكتوبر. بما يجعل المؤمن يدرك بأن رمضان هو شهر لنصرة الإسلام وبما يدفعه إلى التأمل في حقيقة ما يقوم به لصالح دينه وأمته.

إن كل هذا التدبير الرباني في شهر واحد جدير بأن يغير حياة المؤمن الصائم لو أدرك معانيه والتقط خيطه الرحيم واتبع سبيله، فاغتم تصفيد الشياطين ليتسلط على نفسه فيعوّدها كره المعاصي وتجنبها، وحب الطاعات والإقبال عليها، مركزا على الهدف الأوحد بأن يخرج من الشهر وقد صار مؤمنا تقيا، مستعينا بتطييب قلبه بقراءة القرآن وتدبره، يعلق قلبه بالمساجد، يأنس بصحبة المؤمنين ويتقوى بهم في التراويح والجماعات، يأنس بالخلاوات مع ربه، وقيام الليل في سربه ومع أهله، يعوّد لسانه على ذكر الله ذكرا كثيرا قائما وقاعدا وعلى جنبه، يسعى لأن يكون لطيفا بأهله مسامحا غيره، مشفقا على الفقراء والمساكين والمحتاجين، يبذل من ماله، معسرا كان أو ميسرا، موقنا بأن ما يقدمه من خيرٍ الله يخلفه، يكثر الدعاء لنفسه وأهله وبلده وأمته، ولفلسطين لعل الفتح والتحرير يكون قريبا إذ لاحت أماراته، ينخرط بما يستطيع في فعل الخير العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة المصلحين في ما يبذلونه.

إن الثبات بعد شهر الصيام، ومواصلة الطريق على النهج الرمضاني العام في سائر الشهور يتحقق لو تحولت الاستقامة إلى عادة، وأكبر الخسران أن يكون الإقبال على الطاعات في رمضان مجرد طفرة طارئة عابرة يدفع إليها الجو العام ويساعد عليها تصفيد الشياطين. فلنسدد المقصد في هذا اليوم الأول من الشهر ولنعزم على تغيير أنفسنا إلى الأبد والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

د. عبد الرزاق مقري

نحن ضد التطبيع مع الكـ.ـيان، وموقفنا مبدئي لا نحابي فيه أحدا ولا نخشى فيه لوم لائم، والقضية الفلسـ.طينية عندنا قضية مركزية نسندها وننصرها في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا، ولست أدري لماذا يعتقد المستلبون دينيا أو حضاريا أننا نسكت على تطبيع الدولة التركية مع الكـ.يان؟ لماذا نفعل ذلك؟

 

هل لأن هؤلاء المستلبين عمـ.ـلاء للصـ.هـ.ـا.ينة والدول الغربية، ويبيعون مواقفهم بسبب المال والمصالح، يعتقدون أننا نبيع تركيا مواقفنا من أجل مصالحنا. لو كنا نبيع أنفسنا وضمائرنا من أجل المصالح لبعناها لدولتنا فهي أولى بذلك من غيرها إن كنا نفعل.

 

نحن من ساهم بفاعلية مشهودة في تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطـ.ـبيع بعد حادثة المصافحة المشؤومة وحين كان الرئيس السابق ينوي دعوة أنريكو ماسياس للجزائر. ونحن لا زلنا على هذا العهد لم نغير ولم نبدل، ولو أراد حكام الجزائر التوجه للتـ.ـطبيع (وهم لم يفعلوا ذلك مشكورين) لواجهناهم، فكيف نقبله من دولة أخرى.

 

فليفرق هؤلاء الذين سُلبت عقولهم بين إعجابنا بما أنجزه أردوغان على مستوى تنمية بلده وإسعاد شعبه وتحويل تركيا إلى قوة إقليمية ذات سيادة تواجه الغرب والشرق بلا وجل، وبين موقفها المرفوض لدينا بأشد أنواع الرفض بخصوص سياستها التطبيعية. وما الفرق في تعبيرنا عن إعجابنا بتطور بلدان تعترف بالكـ.ـيان، كالفيتنام وجنوب إفريقيا، وبين إعجابنا بتركيا؟ صحيح نحن نفرح أكثر حينما يتطور ويتقدم بلد مسلم، ولكن هذا لن يغير موقفنا من التـ.ـطبيع.

 

في هذا اليوم الذي استقبل فيه الرئيس التركي رئيس الكـ.ـيان أشعر أنني أقرب إلى زملائي الأتراك الذين سقطوا أمامي جرحى حين كنا معا على سفينة مرمرة وهم اليوم في الشارع ينددون بزيارة رئيس الكـ.ـيان لأنقرة كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، وإلى كل المناضلين الأتراك الذين يعبرون عن رفضهم التطـ.ـبيع في بلدهم ألف تحية.

 

القضية الفلسـ.ـطينية عندنا قضية مبدئية، نناصرها بالأفعال قبل الأقوال منذ شبابنا، فنحن من نظم المشاركة الجزائرية في أسطول الحرية وشاركنا فيها بأنفسنا وواجهنا مع بعض أهلينا رصاص المحـ.ـتلين وحين أدخلونا سجونهم، ونحن من شارك ونظم عشرات حملات كسر الحصار، و آثارنا متجددة بحمد الله في غـ.زة والضـ.ـفة والقدس يعرفها ويشهد بها أهلنا في فلسـ.ـطين.

 

وإن كان هؤلاء المستلبون مبتهجين بصور استقبال أردوغان لرئيس الكـ.يان حتى يغطوا عوراتهم فهنيئا لهم واللوم على أردوغان الذي أعطاهم هذه الفرصة، ولكن ما بال رؤساهم فاشلين يستديمون التخـ.ـلف في بلدانهم وتراهم خاضعين للدول الغربية كالعبيد.

 

أردوغان جاء إلى الحكم وسفارة الكـ.يان قائمة منذ سبعين سنة من قبل العلمانيين الكماليين، وتمنينا لو غير المسار، وهو إذ لم يفعل يُدان في ذلك ولا يُقبل له أي تبرير، أما حكامكم فقد وجدوا دولا صنعها أبطال الحركات الوطنية العربية ثم جاء حكامكم بعدهم غيروا المسار وخانوا الأسس الدينية والقومية والإنسانية المتعلقة بفلسـ.ـطين التي قامت عليها دولهم.

 

د. عبد الرزاق مقري

عبر الحراك الشعبي الجزائري عن رفض شعبي عارم للنظام السياسي بكل تفاصيله، ولكن لم يكن يوم 22 فبراير 2019 الذي نعيش ذكراه الثالثة هو اليوم الذي كره فيه الجزائريون منظومة الحكم فجأة، بل كان اللحظة التي اجتمعت فيها زوايا الأمل المكسورة عبر سنوات عديدة تعيسة فصارت في يوم واحد بساطا واسعا شمل بلدا شاسعا بحجم الجزائر.

كان الجزائريون في مجملهم ساخطين عن وضعهم، يعبر كل منهم عن حنقه في زاوية خاصة به أو بأصحابه أو مجموعته أو حزبه، لا يكاد أحد يكمل قصته حتى يغلبه الأسى وغياب الأمل فيسكت أو يتوارى ثم كان يوم 22 فبراير فتحدث الجزائريون بصوت واحد متعدد الألوان، لم يضق لون بلون، بل صارت الألوان مجتمعة فسيفساء جميلة أبهرت العالم، وأعجزت الحاكم المتجبر المراوغ.يخطئ من يعتقد بأن الشعب ثار من تلقاء نفسه، كأن طيفا زار الناس في المنام كلفهم بالمسير لتوّهم.

لقد كان الاحتقان يُصنع يوما بعد يوم، تغذيه أشياء عديدة متناقضة في طبعها متعاضدة في فعلها. كان فساد النظام السياسي وفشله هو العامل الأساسي لصناعة الاحتقان، إذ حين يكون الحكام عادلين خادمين لشعوبهم لا يضرهم من ينازعهم الحكم، وحين يفسدون ويفرطون يسهل كشفهم.

ثم كان دور المعارضة التي تحملت مسؤولية كشف التجبر والفساد الذي بلغ عنان السماء وواجهته بلا توقف لسنوات، خصوصا منذ جريمة العهدة الرابعة سنة 2014 قبيل ظهور الانهيارات الاقتصادية وانكشاف الخيانة التامة للوطن، لا سيما حين وحّدت جبهتها عبر تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، فشعر الشعب بأن ثمة أمل يُصنع.

لن ينفع المتسكعين في هوامش السياسة، الركّابين للفرص في لحظاتها الأخيرة، قولُهم أن المعارضة لم يكن لها دور في بناء الاحتقان الذي صنع الحراك الشعبي. إن تلك الحملات السياسية المركزة التي قادتها التنسيقية، من ندوات وتجمعات ومسيرات وتدخلات إعلامية، هي من أبرز ما ساهم في توعية المواطنين وتشجيعهم وتجرئتهم على الوقوف في وجه النظام السياسي.

ومما أعطى للمعارضة مصداقيتها تحقق استشرافاتها قبل أن يَبِين كل شيء بعد انهيار أسعار النفط سنة 2016 واتضاح حجم الفساد حين اقترب أوان إفلاس البلاد. غير أن ثمة سببا آخر يضاف لأسباب الاحتقان، وهو صراعات الأجنحة من داخل النظام السياسي في ظل هشاشة موقع الرئاسة في الدولة، حيث بات القوم يضرب بعضهم بعضا بتحريك أدواتهم في المجتمع وفي المؤسسات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والشخصيات التابعة لهم.

إن القاعدة المرسومة في علم الاجتماع أن قيام الثورات وانفجار الشارع يتطلب بلوغ الاحتقان الشعبي ذروته حتى يصبح كالبرميل القابل للانفجار، ثم تكون حادثة ما تؤدي دور الصاعق فينفجر البرميل. لقد كانت العهدة الخامسة لرئيس مريض مقعد لا يراه أحد، ضاعت في عهدته أموال طائلة لم تستفد منها سوى عصابته واقتصاديات دول أجنبية على رأسها فرنسا، هي صانعة ذروة الاحتقان. فمن أشعل الفتيل لينفجر البرميل؟ حينما يصل الاحتقان إلى الذروة ينفجر الوضع لأي سبب من الأسباب، ويكون ذلك السبب بمثابة الصاعق الذي يُشعل الشرارة المُفجّرة. قد تكون الشرارة حدثا عرضيا، أو عزمة جهة معارضة تركب الخطر وتقتحم الشارع، وقد يكون مُشعّل الفتيل جهة من جهات الحكم المتصارعة، أو يكون الأمر تدبيرا خارجيا.

كل هذا ممكنٌ بالنسبة لحراكنا الشعبي الجزائري، ولكن الذي رأيناه بأعيننا هو أن الذين تنادوا للخروج عبر الوسائط الاجتماعية والاتصالات المباشرة في الأحياء كانوا جزائريين، فعلوا ما كانت تفعله تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، خصوصا في مواجهة العهدة الرابعة والغاز الصخري، دون نتيجة إذ لم يكن الاحتقان قد بلغ مداه القابل للانفجار قبل العهدة الخامسة.

ومهما يكن من أسباب مباشرة فجرت الشارع، ومهما يكن حجم دور هذا المعطى أو ذاك فإن شرعية الثورة الشعبية السلمية كانت كاملة ومصداقيتها تامة، فالذي صنع أسبابها العميقة غير المباشرة هو فساد وتجبر النظام السياسي، لا سيما حينما رفض ذلك النظام المغرور دعوات الحوار للانتقال الديمقراطي فأوجب حينئذ الثورة عليه سلميا بنفسه.

لقد كانت حركة مجتمع السلم حاضرة بفاعلية في الحراك الشعبي، عبر إرسال التعليمات المكتوبة لمناضليها بالاستعداد للخروج للشارع قبل يوم الجمعة، وعبر خطاب مرئي مسموع في ندوة صحفية أياما قليلة قبل الحراك وبنزول رئيسها وقادتها في أول جمعة، وبقائها في الحراك إلى نهايته، بانسجام مع المواطنين وبإعجاز للكائدين.

ولئن كان حضور الحركة وقادتها مسجلا في التاريخ تشهد به التسجيلات والشهادات لمن تهمه هذه التجربة الجزائرية الفذة، فإن دورها الأعمق هو تشكيلها الوعي قبل الحراك، مع شركائها السياسيين، حيث كانت محورا أساسيا للتنسيقية وفي الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تعج به المواقع الالكترونية والوسائط الاجتماعية لمن أراد من الباحثين دراسة دورها وتسجيله في كتب العلم وفي التاريخ لتستفيد منه الأجيال، إذ لا يبقى من الأحداث إلا ما تم القيام به فعلا لا ما تتحدث به الألسنة دون مستندات دراسية فعلية.

وأهم من ذلك محاولتها إنقاذ الموقف قبيل الحراك بمبادرة التوافق الوطني لتحقيق انتقال ديمقراطي متوافق عليه يعبر عن روح مشروع التنسيقية من قبل، يهدف إلى القيام بإصلاحات عميقة قبل تنظيم الانتخابات باستغلال حالة الضعف التي كان عليها الرئيس واغتنام ضعف النظام السياسي تحت وطأة صراع الأجنحة المحتدم على الرئاسة بعد بوتفليقة، وكاد الحلم أن يتحقق لصالح العباد والبلاد لو لا تدميره من جهات صلبة في النظام السياسي، ولو لا الالتقاء الموضوعي ضده بين الأجنحة المتصارعة وبدعم شبكات الحسد البغيضة والغباء المنحط. ثم عادت الحركة مع شركاء آخرين إلى مشروع توافقي من أجل ضمان بناء مسار انتقال وطني صحيح في أيام الحراك هو ملتقى الحوار الوطني في عين بنيان، دون تحقيق نتيجة للأسف الشديد.

لقد آن الأوان، في الذكرى الثالثة للحراك، لنقول بكل وضوح بأن الحراك تم إجهاضه للأسف الشديد في ما يتعلق بأهدافه الملموسه القابلة للقياس، ولم يبق منه إلا روحه التي ستظل تسري في الجسم الجزائري إلى أن تنتقم ذات يوم ممن عمل على إزهاقها.

إن الذين أجهضوا الحراك صنفين من الناس، تحت كل صنف أشكال وألوان. أما الصنف الأول فمنهم الذين أرادوا استغلاله لتكون نتائجه لهم وحدهم ضمن رؤى أيديولوجية علمانية متشددة، بعضهم في “المعارضة” وبعضهم يمثلون قطبا من أقطاب الحكم المتهارشة، ومنهم الذين بقيت الخلفيات السياسية التاريخية الانتقامية تتحكم فيهم، دون أي اعتبار لأهمية الحرية والانتقال الديمقراطي الحقيقي الذي يكون في مصلحة الجميع، أما الصنف الثاني فهم أولئك الذين أرادوا إنهاء الحراك قبل تحقيق أهدافه لأسباب ساذجة سربها لهم أقطاب في الحكم لاستعمالهم في تشتيت الحراك، وفي الأخير انتبهوا لسذاجتهم بعد فوات الأوان حين أدركوا أن خصومهم العلمانيين هم من استفاد من أعمالهم.

لم يكن الحراك ليتحمل الصراع الأيديولوجي، أو أنانيات هؤلاء وهؤلاء، ما كان له من دور إلا أن يوفر ميزان قوة لصالح تجسيد الإرادة الشعبية عبر انتقال ديمقراطي تفاوضي تتحمل الطبقة والشخصيات السياسية إدارته بنجاح كما حدث في دول كثيرة وُفقت ثوراتُها الشعبية.

ولكن للأسف الشديد لم يحدث هذا وكانت النتيجة العودة إلى المسارات الانتخابية المتحكم فيها ليعيد النظام السياسي إنتاج نفسه بنفس المشاهد ونفس الآليات ونفس المخرجات، بل صرنا اليوم إلى أسوء مما كنا عليه. عاد الطارئون على السياسية إلى بيوتهم بعد تعثر الحراك ولم يصبح يُسمع لهم حس، وعاد الانتهازيون إلى مواقعهم وتصرفاتهم، وعادت قوى التشدد السياسي والأيديولوجي إلى النعيق من بعيد، دون أي وجود في الميدان ودون أية فاعلية سوى نشر الأحقاد والأباطيل وتشتيت صفوف الراغبين في التغيير. ولكن، في مقابل ذلك، عادت الأحزاب الجادة والشخصيات المحترمة إلى الكفاح العصيب من جديد، لخلق ظروف التغيير مرة أخرى في مستقبل قريب بحول الله، وهي لا شك موفقة بعونه سبحانه في سيرها ومسيرها وستكون أكثر فاعلية باستفادتها من دراسة أسباب إخفاق الحراك.

إن الشيء الإيجابي في حراكنا الشعبي في ذكراه الثالثة هو ثباته على سلميته وعدم تورطه في الفتنة والدماء، وهذا الذي يعطيه الفرصة ليُطل على الجزائريين من جديد. ذلك أن السنن الاجتماعية المثبّتة في تاريخ البشر والمسجلة في العلوم الاجتماعية أن ثورة الناس إن لم تنجح وكانت دموية لن تعود إلا بعد ثلاثين سنة على الأقل إن دامت أو تكررت أسبابها، أي بعد أن يخرج الجيل الذي قام بالثورة أو تحمل أعباءها القاسية من الفعل بكامله، ويظهر جيل شاب جديد لا يحمل جراحات الصدام السابق يكون أجرء على المطالبة بحقوقه.

أما إن لم تكن المحاولة السابقة دموية شديدة العواقب على الجيل الذي قام بها يستطيع نفس الجيل العودة للثورة من أجل حقوقه في أي وقت تكون أسباب الثورة قائمة.تمنينا أن يستفيد النظام السياسي القائم من تلك الأحداث العظيمة التاريخية التي شرّفت الجزائر والجزائريين وأن يكون قد قدّر واحترم أولئك الملايين من المواطنين الذين بقيت خطواتهم تقرع طرقات الجزائر العاصمة وغيرها من أنحاء البلاد قرابة سنتين، ولكن لم يفعل وبقي يتحايل على أهداف الحراك الشعبي حتى أفرغه من محتواه، ولذلك إن رجع الجزائريون إلى الشارع ذات يوم فإن الذي أرجعهم هو النظام السياسي ذاته حيث هو من ينتج أسبابه العميقة دوما.

غير أنه لا بد للقادة الحكماء الأذكياء في المعارضة أن يمنعوا تكرار التجربة الفاشلة المانعة لتمثيل وتجسيد الإرادة الشعبية الحقة عندئذ، وأن يقفوا في وجه مشتتي الصفوف إذا اجتمعت وممزقي الأمل إن لاح، قادة من أصحاب البذل والعطاء، الذين يعملون أكثر مما يتكلمون، ممن هم على صلة مباشرة ودائمة مع المواطنين في ولاياتهم وبلدياتهم وأحيائهم. قادة قادرون على صناعة المستقبل بالاستفادة من تجارب التاريخ.

 

د. عبد الرزاق مقري

يسأل كثير من الناس لماذا بقيت الجزائر متخلفة ولم تحقق نهضتها رغم الإمكانيات الضخمة التي توفرت لها بالنظر للموارد الطبيعية الوافرة والخصائص الجغرافية المتميزة، ورغم المكانة الكبرى التي حظيت بها بسبب سمعة ثورتها الكبرى ووقوفها الطويل مع الشعوب التواقة للتحرر.

إن السبب هو، في المجمل، الذهنية الأحادية والنظرة الفوقية الأبوية والنزعة السلطوية لدى الحكام وما يتبعها من حرص على الجاه والمنافع. غير أن ثمة، على الخصوص، صفة انبثقت عن كل هذا، صفة موجودة عند كل الحكام المستبدين، ولكنها مضخمة جدا عند حكام بلادنا. إنها عقلية “التحكم”، الرغبة في التحكم المطلق في كل شيء.

قد يكون الحاكم مستبدا، ولكنه لا ينزع بالضرورة إلى التحكم المطلق في الغير إن كان قويا، يثق في نفسه، وعنده حد مقبول من الكفاءة والقدرة على كسب تقدير واحترام مخالفيه، فيترك هوامش من المجتمع تتحرك بحرية حتى يتطور البلد، ويجد فيه الناس أملا للعيش الكريم ولو بعد حين.

ولكن حينما يكون المستبد ضعيفا لا يثق في نفسه، يصبح يخاف من كل شيء ومن الجميع فينزع إلى عقلية ” التحكم”.إن عقلية التحكم تصبح مدمرة لكل أساسات المجتمع والدولة إذا تحولت إلى ظاهرة مرضية لدى الحاكم يستعملها كأداة أساسية للحكم. لا يصلح معها اقتصاد ولا سياسة ولا اجتماع ولا ثقافة ولا فن ولا رياضة ولا جوار ولا مكانة دولية، وأخطر ما فيها انغلاق الأفق وفقدان الأمل في المستقبل لدى المواطنين.

لقد رأينا في زمان مضى في الجزائر ظاهرة خوف الحاكم من المخالف، أما اليوم فإن خوف الحاكم صار من المجهول الذي لا يُعرف توجهه. وحينما يكون الأمر هكذا لا يمكن لشيء أن يتطور في البلاد. لقد تم التحكم اليوم كلية بمخرجات الشأن السياسي وفرضت موازين قوة حامية للنظام السياسي بشأنه، بواسطة المنظومة الدستورية والقانونية التي فرضت بالأمر بالواقع، وبالتزوير الانتخابي الذي صار مجال الإبداع الأعظم لدى الحكام وأعوانهم وأحزابهم ومنظماتهم وإطاراتهم.

وبسبب الرغبة في التحكم في الموازين السياسية أبديا توسعت مجالات التحكم في كل المجالات الحيوية والثانوية في الجزائر. فلو ضربنا المثل بالمجال الاقتصادي لوجدنا أن سبب صعوبة تطوره، رغم وضوح منظومات ومجالات التطوير فيه ورغم ما تحقق من إنجازات على صعيد البرامج، هو عقلية ” التحكم”. يكفي أن ندرك بأن الجزائر لا تستطيع النهوض دون عدد معتبر من المؤسسات ذات الإنتاج والجودة والنوعية في مختلف المجالات الفلاحية والصناعية والخدمية، وأن الوصول إلى هذه الحالة النوعية والعددية في كل أنحاء الوطن مستحيل بوجود عقلية ” التحكم” لكي ندرك خطورة عقلية ” التحكم” على الاقتصاد الوطني.

ذلك أن المسؤول الجزائري لن يسمح لرجل أعمال أن يكبر إن لم يكن يعرفه تمام المعرفة، على صعيد أفكاره وميولاته وانتماءاته السياسية.

لا يكفي في الجزائر أن يُشكّ في رجل الأعمال بأنه معارض سياسي ليتم تحطيمه أو عرقلته، يكفي أن لا يكون معروفا فقط لكي يحدث له ذلك. يستطيع أن يكون المعارض، أو المشتبه فيه بهذا الشأن، تاجرا صغيرا في حي أو حارة، ولكن لا يستطيع أن يكبر أبدا. ربما الاستثناء في مسار التاجر صاحب الانتماء الفكري أو السياسي هو حينما يتورط بالانتماء لشبكات الفساد، والزبونية، أو شبكات الأيديولوجيات الممكّنة التي تجاوزت قوتها قدرة الدولة على التحكم وصارت هي كذلك جزء من الحكم منخرطة في صراعات الأجنحة القائمة ومشاركة في توسيع عقلية التحكم!

إنه حينما يصبح التاجر ورجل الأعمال حالة اقتصادية يُعرف عند الدولة بمدى احترامه للقانون والالتزام الضريبي ونفع التنمية فحسب، دون النظر إلى انتمائه، عندئد يمكن أن تنبت المؤسسات الاقتصادية في كل أنحاء الوطن وجهاته فتساهم في توفير الشغل للناس وفي غنى الدولة ورفاه المجتمع. إنه لا مجال للتنمية دون حرية اقتصادية في إطار قوانين المنافسة الحرة العادلة.

وحينما نفهم هذا نفهم لماذا قامت السلطات بتلك الإجراءات الضريبية الجنونية التي تجاوزت كيفياتها ومقادريرها كل المعقول، على المواد البسيطة التي يشتريها المواطنون عبر قنوات التجارة الإلكترونية، بما أنشأ ردود أفعال واسعة في الشبكات الاجتماعية صاحبتها أساليب سخرية “مُضحِكة” جعلت السلطات ” مَضحَكة” بين الناس. إنها عقلية “التحكم”، لم يتقبل الحكام أن يتحرر الجزائريون في البيع والشراء عبر قنوات الأنترنت فأرادوا قطع الطريق على الجميع برسوم عالية جعلت الجزائري يشتري ما يريد عبر الأنترنت مرتين، بل عليه أن يدفع ثمن الهدية المجانية التي تأتيه من قريب أو صديق. ولو كان تبرير السلطات بمنع المضاربات والغش صادقا لأبدعوا إجراء قانونيا وضريبيا عادلا لا يعطل حركة التجارة والتعاملات الالكترونية ولا يضر بكل المواطنين على السواء.

إنها عقلية التحكم لا غير.وما يصيب الاقتصاد يصيب كل شيء، لا يستطيع جزائري أن يكون قويا ومبدعا وناجحا ومتألقا، في أي مجال من المجالات، ما لم يكن معروفا عند السلطات بأنه شخص بلا فكر حر ولا تفكير مستقل ولا يمكن أن يكون معترضا على النظام الحاكم وتوجهاته بأي حال من الأحوال، في الحين أو في المستقبل.

إن أي رجل أعمال، أو عالم، أو سياسي، أو ناشط اجتماعي، أو إعلامي، أو فنان، أو رياضي، لا مستقبل له، ولا يمكن أن يكبر ويشتهر ويزدهر ويقوى أو يدوم مجده في الجزائر ما لم يُعرِّف نفسه للنظام الجزائري بأنه تابع أو تافه .. وهيهات للتابع أو التافه أن يكبر!

 

د. عبد الرزاق مقري 

جدال عقيم قائم هذه الأيام بين الانتهازيين والعدميين حول الوضع الاقتصادي الجزائري بمناسبة صدور قرار البنك الدولي الأخير.الانتهازيون الذين ربطوا مصيرهم بثقافة “الشيتة” يدافعون عن رؤية السلطة الحاكمة التي لا تتحمل أي نقد لها وتعتبر أي تقرير سلبي لأدائها مؤامرة خارجية ومن ينقدها منقوص أو فاقد الوطنية وهي لا تدرك أين تتجه بالبلاد.

والعدميون الذين لا برنامج لهم سوى انتظار سقوط النظام، ولا هم لهم سوى تخوين وتسفيه كل من يخالفهم، يعتقدون أن مؤشرات البنك الدولي انتصار لهم وهم لا يدركون أين يتجه البلد برمته، سلطته ومعارضته، وحكامه وشعبه.

إننا لسنا في حاجة أن نحلل أرقام البنك الدولي لنعلم أن هامش الفقر يتسع يوما بعد يوم في الجزائر. من منا لا يعرف ما أكدته مؤشرات الديوان الوطني للإحصاء بأن معدل البطالة يتجه ليصبح برقمين؟ وأن معدل أجور أغلب العمال الجزائريين هو في حدود 40000 دج؟ ومن منا لا يعرف بأنه لم يصبح البطال فقط هو الفقير؟

بل إن عموم العمال الجزائريين هؤلاء أصبحوا فقراء بحكم انهيار أسعار الدينار وغلاء المعيشة، وهؤلاء أعدادهم بالملايين.

إن المعضلة اليوم تجاوزت النقاش حول توجيه الدعم الاجتماعي للفقراء، فأصبح المشكل هو تعريف من هو الفقير، لأن أغلب الأجراء الذين يأخذون 40000 دج شهريا، و أقل (أو ربما أكثر إذا كان معها مشكل السكن)، أصبحوا محتاجين وأن إزالة الدعم سيتضرر منه هؤلاء الذين لا يُعتبرون فقراء عند الحكومة.إن الذين استشاطوا غضبا ( أو تظاهروا بذلك!) من تقرير البنك الدولي، عليهم أن لا يهتموا بالدول التي يقولون أنها فقيرة ولم تذكر في التقرير ( والتقرير خاص بالجزائر)، عليهم أن يخافوا من أن تتجه الجزائر لتصبح مثل هذه الدول التي ذكروها.

إن فبركة الأرقام أو إخراجها عن سياقها، التي يشتغل عليها الانتهازيون، لن تغني في إخفاء صورة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه الجزائر، لقد عبر عنه السيد رئيس الجمهورية بنفسه في آخر لقاء له مع الصحافة، كما أن الخبراء الجزائريين أنفسهم يؤكدون بأن وضعنا خطير، ويكفي لمن يريد تقارير جزائرية أن يطلع على المقال العلمي الرصين المعتدل الذي نشره البروفيسور الخبير عبد الرحمن مبتول قبل يومين في وسائل الإعلام حيث ختمه بأن “الجزائر لا تزال هي سونطراك، وسونطراك لا تزال هي الجزائر”، وأن السنة المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب الكارثة.ولكن، هل الانهيار هو قدرنا؟ بكل تأكيد ليس ذلك قدرا مقدورا، نعم ليس قدرنا أن ننهار وندخل في أزمات لا نخرج منها، نستطيع أن نكون دولة قوية وبلدا مزدهرا وشعبا كريما، هذا الذي تقوله حركة مجتمع السلم وهذا الذي لا يعجب العدميين أن نقوله.

لقد عرضت حركة مجتمع السلم الحل بشكل واضح فبينت مرات ومرات بأن لا حل سوى التنمية الاقتصادية التي تقوم على أساس المؤسسة الاقتصادية بالقدر الكافي والمستوى المطلوب في مختلف المجالات على نحو شرحناه بالتفصيل في برنامجنا ومداخلاتنا، بما يوفر الشغل وينتج الثورة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال توفير بيئة سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية تقوم على أساس دولة القانون والحرية والعدالة والشفافية والمحاسبة والرقابة على الشأن العام بعيدا عن سياسات التحكم والسيطرة وعقلية “ما أريكم إلا ما أرى”.

– ليست قاعدة الحل في المعالجات المالية بين الواردات والصادرات لمكافحة عجز الميزان التجاري دون أداء اقتصادي ناجح. وليس الحل في تخفيض قيمة العملة لمواجهة تراجع مداخيل المحروقات دون قدرة على التصدير المكافئ خارج المحروقات، بما يتسبب في تهاوي القدرة الشرائية للمواطن.- إن الحل في عدم السماح للفساد أن يعيد تشكيل نفسه، كما نراه يفعل في العديد من القطاعات والمجالات، ولا يمكن للفساد أن ينكسر نهائيا دون ضمان الحريات ووجود أحزاب قوية تعتمد بعد الله على الشعب وحده في بناء نفسها وضمان مستقبلها، ومجتمع مدني حقيقي في خدمة المجتمع فعلا، ومؤسسات إعلامية حرة، وقضاء سيد ومستقل.

– وللوصول إلى ذلك اقترحت حركة مجتمع السلم مشروع “التوافق الوطني” الذي تشترك فيه القوى السياسية في القرار والبرامج وفي تحمل الأعباء من أجل تحقيق القدر المطلوب من الشفافية ورشاد الحكم، ولضمان الاستقرار الذي يساعد الحكومة على تنفيذ مخططات وقرارات التنمية الضرورية للإقلاع، و تشجيع الاستثمار وجلب رؤوس الأموال الضرورية لذلك، وبما يمنح الوقت اللازم لظهور ثمار التنمية.

وبالرغم من أن هذا المشروع حورب من العديد من القوى المتناقضة فيما بينها (التي كان أسوءها التي لا تعيش إلا بثقافة التحكم أو بممارسات الانتهازية أو ثقافة العدمية) ، لا تزال حركة مجتمع السلم تؤمن، وهي في المعارضة، بأهمية التوافق على المشترك الوطني.

إنه لا يوجد حل سوى هذا، وهو الحل الذي سيعود إليه الجميع، وكلما تأخر زادت احتمالات الانهيار ، وهي الاحتمالات التي ستكون مهلكة للجميع، حكاما ومحكومين، وستكون مهلكة بكل تأكيد لشبكات الانتهازية، لأنها فضلت مصالحها على مصلحة الوطن وساهمت في تسارع التهاوي، وستكون مدمرة لشبكات العدمية لأنها لم تقدم في الوقت المتاح ما ينفع البلاد، وربما ساهمت في الانهيار لا قدر الله.

عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية