المقالات

التطرف العرقي وصناعة التوحش

كل الانتماءات يمكنها أن تتطرف وتنتقل من مستوى من التطرف إلى مستوى أشد حتى تبلغ مرحلة التوحش، رأينا هذا عبر التاريخ في مختلف الانتماءات الدينية، وفي الانتماءات الأيديلوجية اليمينية واليسارية، وفي الانتماءات العرقية العنصرية بكل أنواعها، وحتى الانتماءات السياسية المتمركزة حول الرغبة في السلطة والنفوذ لا غير. وفي الجزائر رأينا كيف وصلت جرائم “الجيا” وأخواتها في التسعينيات إلى حالات من التوحش مذهلة، سابقة للتوحش الذي رآه العالم مع “داعش” والثقافة الداعشية، بدأت بالخطاب وانتهت بالمجازر في حق النساء والأطفال.

وأغلب حالات التوحش في تاريخ البشرية وصلت إلى هذا المستوى المفزع لما تدخلت فيها وأججتها واستعملتها الأبعاد السياسية والأمنية ومقاصد السيطرة والنفوذ بين قوى سياسية متصارعة على الحكم، وقوى دولية متصارعة على المصالح والسيطرة على العالم.

لقد رأينا في الأسبوع الفارط في مدينة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو حالة من التوحش مثلتها الصور المفزعة عن الإعدام الجماعي للشاب جمال بن إسماعيل  وحرق وتشويه جثته. فاجأت هذه الجريمة الشنعاء كثيرا من الجزائريين والمتابعين في العالم. ولكن هذه الحادثة المتوحشة البربرية لم تفاجئ أهل العلم وأصحاب الاطلاع على التحولات النفسية والاجتماعية التي تحدث للشعوب.

تعرف منطقة القبائل منذ مدة شحنا عنصريا مدروسا وممنهجا تحركه  أقلية من سكان المنطقة في الداخل،  وقوى من الخارج، وتغذيه ردود الأفعال المتقابلة المتطرفة.  وقد صنع هذا الشحن عند كثير من المواطنين البسطاء في المنطقة حالة من الاستعلاء العرقي، والشعور بالمظلومية الموهومة المعاكسة للواقع بين الجزائريين تماما. انتقل الشحن من مجرد خطاب،  يطلقه البعض عمدا وقناعة، والبعض يطلقه امّعة وتقليدا، وبعضه يكون جادا وبعضه مجرد لغو، ثم تحول الخطاب إلى تحشيد، فوجد الخطاب والتحشيد سكوتا عن إنكار المنكر من قبل الأغلبية الصامتة من الصالحين والطيبين في المنطقة، وضعفا وتخليا عن المسؤولية من قبل الدولة، فاشتد الخطاب وتعاظم الحشد حتى ابتلع كثيرا من المساحات الرخوة وكسّر الصخور  القليلة المقاومة للباطل في المنطقة، فكان الانتقال للتوحش تلقائيا ومباشرا، وما حدث في قضية  الشاب جمال رحمه الله وتشويهه قد يزداد اتساعا وتوحشا في المنطقة وقد ينتقل بفعل الانتقام والثأر لمناطق أخرى، بشكل أو بآخر،  إن لم يتم معالجة هذه الحادثة بالذات بالطرق الشرعية المتعلقة بالصلح والدية لرأب الصدع الاجتماعي،  وبالطرق القانونية الرسمية للتحقيق في حيثيات وأبعاد الحادثة ولمعاقبة المباشرين للجريمة  ومختلف المسؤولين عنها.

وستستمر الأزمة وتنتج أشكالا أخرى من التوحش إذا استمر السكوت عن المنكر من الأغلبية الصامتة الخائفة أو التائهة، وإن استمر غياب الدولة في المنطقة، وإن لم يتم معالجة أزمات الجزائر كلها من قبل النظام السياسي بالطرق التي تحقق الرضا الاجتماعي وتبني الثقة بين مكوناته، وتعلي من قيمة المواطن والشراكة المجتمعية وتجسد الإرادة الشعبية الفعلية الحقيقية التي تسمح بالرقابة على الشأن العام وبإمضاء العدالة وهيبة القانون أمام الجميع، وترك الطرق الفاشلة الضعيفة السائدة التي تحاول إظهار القوة والتحكم .. وهي غير ذلك.

إن لم تتجه الجزائر  إلى معايير الرشد رسميا وشعبيا فلا يستغربن أحد عندئذ أن نرى البلد تنقل يوما ما، والعياذ بالله،   إلى حرب أهلية، تسفك فيها دماء كثيرة، وتهدد وحدة البلاد،  تغذيها أطراف دولية معروفة … حفظ الله بلادنا من كل سوء.

 

د. عبد الرزاق مقري

الهجرة إلى الحرية

نحتفل كل سنة بيوم الهجرة كحالة دينية، غير أنها مع ذلك حالة أخلاقية وسياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية.

– فهي حالة أخلاقية لأن محمدا وصحبه رفضوا العيش تحت الذل والمهانة والضيم والظلم ولم تكن تنقصهم الشجاعة لينتقموا لأنفسهم فيحولوها حربا أهلية، بين الأفراد والأسر والقبائل، لا تضع أوزارها أبدا، كما كان حال العرب قبل الإسلام، ولكنهم رفضوا أن تُسفك الدماء بين الأهل والأقارب وأبناء الوطن الواحد على اختلاف معتقداتهم فيخسر الجميع وتتعطل الرسالة التي مقصدها أن تتجاوز قريش لتكون رحمة للعالمين. فكَفوا أيديهم وأقاموا الصلاة كما أمرهم ربهم وبحثوا عن آفاق أخرى يتنفسون فيها عبق الحرية.

– وهي حالة سياسية لأن الهدف منها هو إقامة دولة يحملها مجتمع مؤمن برسالة الإسلام وملتزم بها، ويتفاعل فيها الأفراد على أسس قانونية تعلن فيها الحقوق والواجبات من أول يوم وفق ما فعله رسول الله صلى عليه وسلم بإعلان وثيقة الصحيفة، وتحدد العلاقات وتضبط المصالح وترسم قواعد الحرب والسلم مع المحيط الخارجي على أساس العلاقات بين الدول والكيانات السياسية، وحرية التنقل وحرية المعتقد وحرية التجارة ولم تكن الغزوات وفتح مكة وإنهاء جيوب الشرك والغدر ثم الفتوحات الإسلامية إلا على هذه الأسس.

– وهي حالة اقتصادية واجتماعية لأنها حررت الاقتصاد والمبادرة وأجازت الملكية الخاصة ووضحت طرق التملك المشروعة ومجدت العمل والكسب، وشجعت المنافسة ووضعت موازين العدالة فيها، وأعلت من شأن المصلحة العامة وأنهت التحكم والاحتكار وانتقلت من النمط التجاري المهيمن لتتوسع إلى نمط الاقتصاد الطبيعي المبني على الفلاحة إلى أنواع من الصناعات والتطور العمراني بحسب التطور البشري آنذاك، وألغت قواعد الاستغلال الربوي وتحكم الأقليات في الثروة والتكنيز وظلم الأجراء، وبنت مسارا لإنهاء العبودية ووضعت قواعد للتضامن الاجتماعي وتدوير المال على أوسع نطاق ومحاربة الفقر والتوزيع العادل للثروة.

فهي بالمجمل حالة حضارة شاملة فكانت مكة هي البيئة الصعبة التي بُني فيها نموذج الإنسان المسلم، وكانت الهجرة هي التي صنعت المجتمع المسلم ثم الدولة المسلمة ثم نهضة العرب ثم حضارة المسلمين بكل أعراقهم ولكل الشعوب التي وصلت إليها الفتوحات.

فالهجرة هي قبل كل شيء رحلة نحو الحرية، ليكون مقصدها الحرية لصالح الرسالة التي نقلها المهاجرون الأبرار في قلوبهم وعقولهم وعلى أساسها استقبلهم الأنصار الأخيار، في بيوتهم ورحالهم.

لقد علمتنا الهجرة النبوية أن الإيمان يستطيع أن يستقر في القلب فلا يطلع عليه أحد، وبإمكان المرء أن يعبد الله في بيته، أو يلتزم بخاصة نفسه فلا تزعج عبادتُه أحدا، فقد كان الموحدون والحنفيون قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبدون الله عبادة تختلف عن عبادة الأوثان في جزيرة العرب فلم ينزعج منهم أحد، ولكن إذا كان مقصد الرسالة قومة شعب وبناء حضارة فلا يكون ذلك بدون الحرية.

ومهما اختلفت الظروف في كيفية تحقيق هذا المقصد العظيم لنهضة أوطاننا والاستئناف الحضاري لأمتنا فإن أي مسعى دون استحقاق الحرية التي تفتح آفاق الإصلاح الحقيقي والتغيير المنشود وتسمح بتشييد الأوطان وتكفُل إنهاء هيمنة زمر الرداءة والفساد والعمالة وصناع التخلف لن يكون له أثر في صناعة الحضارة. نعم .. لن يكون لأي عمل إصلاحي تحت سقف التحكم والسيطرة والاستبداد والغش والتزييف ومنع الحريات والحقوق أثر في تغيير أوضاع بلداننا .. مهما كثرت وتنوعت أعمالنا .. بلا حرية.

قد يكون من الصعب افتكاك الحرية مع المحافظة على استقرار المجتمع واجتناب الاقتتال داخله على ما كان من أهداف الهجرة، وقد لا يكون ثمة وطن يهاجر إليه عشاق الحرية ليعودوا إلى أوطانهم الأصلية منصورين مظفرين لاختلاف الظروف والأحوال، وقد تكون الهجرة إلى داخل الوطن، مهما كانت الصعوبات، أنفع للمقصد والرسالة.

لكن في كل الأحوال يجب أن تكون الهجرة إلى الحرية هي مقصد كل مكافح من أجل نهضة وطنه، سواء كانت هجرته إلى خارج الوطن أو كانت الهجرة في الداخل من الوطن إلى الوطن .. لا تفريط في الحرية مهما كانت الصعاب وحيثما كانت الصعاب.. وذلك هو الإبداع الذي يحافظ على المقصد مع تغير الوسائل من خطة إلى خطة، ومن حال إلى حال، ومن أسلوب إلى أسلوب، ومن خطاب إلى خطاب، ومن حلف إلى الحلف ومن عمل إلى آخر ضمن المتاح من الظروف وما يسمح به شرع الله سبحانه والمروءة والأخلاق … المهم أن يكون المقصد هو الحرية وأن تكون الغاية هي نهضة الوطن واستئناف حضارة الإسلام. وأن نكون غدا مع قائد المهاجرين والأنصار الحبيب المصطفى في جنات رب العالمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

 

د. عبد الرزاق مقري

المخزن وتجاوز الخطوط الحمراء: عن الجذور والأبعاد والموقف

أبان نظام المخزن على وجهه الحقيقي، وعلى تورطه القديم في دعم الفتن ورعاية المجموعات الانفصالية في الجزائر المحروسة.

ولست أدري كيف يشبّه قضية الصحراء الغربية العادلة من الناحية التاريخية والإنسانية والأخلاقية ومن حيث القانون الدولي بوضع داخلي للجزائر الواحدة الموحِّدة الموحَّدة بتحريك نعرات هامشية، جذورها استعمارية استُعمل فيها بعد الاستقلال عملاء منبوذون من سكان منطقة القبائل ذاتها، كانت تكون قد انتهت لو لا سوء التدبير والاستعمال المغرض للتنوع الجزائري من قبل نظام استبدادي جزائري مغرور بلا نزاهة ولا كفاءة.

لقد كانت الصحراء الغربية بلدا مستعمرا من طرف الاسبان ولم يقاتل المغاربة من أجل استقلالها أبدا، وإنما وهبها الغرب (أمريكا وفرنسا واسبانيا) للحسن الثاني ضمن الحرب الباردة لتكون الصحراء تابعة للمعسكر الرأسمالي الامبريالي في مواجهة المعسكر الاشتراكي الذي انتمت إليه الجزائر بعد الاستقلال.

ولو كانت الصحراء مغربية فعلا لما عرض الحسن الثاني لبومدين تقسيمها مع الجزائر، ثم قسِّمت فعلا مع موريتانيا حيث أخذ المغرب المنطقة النافعة، ثم انسحبت موريتانيا من اللعبة لاحقا. وإذا كان المخزن يُرجع تبعية الصحراء إلى وجودها ضمن دول قديمة تضم مساحات من عدة دول حالية فإلى أين ينتهي هذا الطموح التوسعي: هل يبدأ من دولة الأدارسة أم المرابطين أم الموحدين أم الوطاسيين أم السعديين أم العلويين.

وإذ سلمنا بأن المغرب يعتبر الصحراء الغربية جزء من الدولة العلوية أو أي من هذه الدول التي كانت عاصمتها في أقليم المغرب الحالي فبإمكانه أن يطمع عندئذ في جزء كبير من الغرب الجزائري وأن يذهب بعيدا فيتجه جنوبا إلى حدود نهر السنغال بل يطمع في أجزاء كبيرة من النيجر ومالي.

وبهذا المنطق بإمكان الجزائر أن تطمع باسم الدولة الحمادية – كأول دولة جزائرية مستقلة بعد انفصالها عن الفاطميين – في أغلب الإقليم التونسي الحالي الذي كان يتبعها، كما يمكن لتونس أن تطمع باسم الدولة الحفصية في الشرق الجزائري كله بحكم انتسابه لها آنذاك، كما يمكن للجزائر أن تطمع باسم الدولة الزيانية التي كانت تمثل المغرب الأوسط وعاصمتها تلمسان في أجزاء من دولة المغرب الحالية إلى حدود وادي ملوية فيكون لها جزء من مدينة جرسيف وتكون مدينة وجدة وتاوريرت وفجيج تابعة للجزائر كذلك..

بل بإمكان الجزائريين أن يطالبوا باسم دولة الأمير عبد القادر بالمغرب كله بحكم أن الأمير من سلالة الأدارسة التي حكمت المغرب قديما في زمن الفاطميين في شمال افريقيا والأمويين في الأندلس، وقد نال الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة تأييدا شعبيا مغربيا عظيما أثناء حربه ضد فرنسا أعطاه شرعية السيطرة على حكم المغرب لو أراد ذلك، علما بأنه على أساس هذه الخشية نكل سلطان فاس عبد الرحمن العلوي بالعديد من رجال بلاطه بسبب تعاطفهم مع الأمير ثم إلى عدو للأمير ذاته ففتك بأكبر قادته غدرا وتحالف مع الفرنسيين ضده وكان من الأسباب المباشرة لنهاية دولة الأمير عبد القادر ومقاومته.

إن الاعتماد على الجغرافية التاريخية، والتحولات السلالية السياسية، للمنطقة مخطط فتنة عظيمة تحركها القوى الاستعمارية، لا تنتهي أبدا لو بدأت، ينفذها نظام مغربي عاجز على تحقيق التنمية وإسعاد شعبه فيشغلهم بأحلام شيطانية لا تورث إلا الدمار للجميع.

إن اعتبار الحدود الموروثة عن الاستعمار هي حدود الدول الحالية اعتبار منطقي وشرعي يقوم على أساس تاريخي رسخته الدماء التي قدمتها الشعوب ضد الاحتلال، وعلى أساس القانون الدولي المعترف به من المنظمات الدولية والحكومات التي تحترم هذا القانون وتحترم إرادة الشعوب.

وفي هذا الإطار الحديث عن استقلال القبائل عن بلدهم الجزائر الذي قدموا من أجله دماءهم مع غيرهم من الجزائريين من مختلف الأعراق حديث خبيث وراءه نوازع كيدية خطيرة.

وبما أن بصيرة حكام المخزن قد عَمت فتجاوزوا الخطوط الحمراء رسميا عليهم أن يفهموا مغزى وقف القتال من زعماء منطقة القبائل للالتحاق بجبهات المواجهة ضد الأطماع المغربية في حرب الرمال سنة 1963.

ثم لا أدري ما هي مرجعية نظام المخزن حين يتكلم ممثله في الأمم المتحدة عن القبائل في مؤتمر حركة عدم الانحياز، هل هو كريم بلقاسم أم عميروش أم آيت أحمد أم محند أولحاج أم عبان رمضان، هؤلاء جميعا هم ممن صاغ استقلال الجزائر واحِدة موحّدة مع إخوانهم من كل الأعراق الجزائرية التي وحدتها الأخوة الإسلامية، وثبتت الدماء وحدتهم الوطنية، واستمرت الثورة سنتين إضافيتين من أجل أن يكون الاستقلال بهذه الخريطة الجزائرية التي كانت تمثل الدولة الجزائرية القوية المسيطرة على البحر الأبيض المتوسط في عهد الإيالة من 1515 إلى أن ضعفت فاحتلت سنة 1830 من قبل الاستعمار الفرنسي وتم استرجاعها بالثورة التحريرية النوفمبرية كاملة وكان الثمن مليون ونصف شهيد، بل كان الثمن بإضافة شهداء كل المقاومات الشعبية أكثر من ستة ملايين .

أي شبه بين هذا التاريخ المشرف الذي وحّد الجزائريين وبين الرغبات التوسعية التي تستأسد اليوم على شعب طيب مسالم في الصحراء الغربية، وقد يصنع غدا أزمات أخرى مع كل دول المنطقة خدمة لمخططات استعمارية غربية صهيونية في حال ضعف قد يطرأ على أي من هذه الدول.

لهذه الأسباب كلها يجب الثبات على اعتبار قضية الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار تحل بتقرير المصير كما تنص عليه مقررات الأمم المتحدة، وذلك على أساس مبدئي ثم من أجل حماية بلدنا مما يمكن أن يحدث مستقبلا مع جوار لا يتحكم في قراره ولا يمكن توقع تصرفاته، تماما كما رأينا في هذا التصريح الخطير للسفير الممثل الدائم لدى المملكة المغربية.

وأما عن حديث بعض السذج بتفضيل وحدة المسلمين على التشتت لإعطاء الشرعية للاحتلال المغربي للصحراء الغربية فهذا لا ينطلي على من يعرف مخططات الاستعمار ودوله الوظيفية من بني جلدتنا ومن هم على ديننا ويتكلمون لغتنا.

غير أن الذي يجب أن نؤكد عليه في ختام هذا المقال أن من أسباب تفاقم الأزمة مع نظام المخزن الفاقد للسيادة هو ضعف النظام السياسي الجزائري وتعمق أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتراجع تأثيره في الساحة الدولية بسبب الفساد المتجذر والرداءة وعدم قبول التعاون مع القوى الوطنية الصادقة التي لا تقبل الخضوع لأي شكل من أشكال الطمع والابتزاز على حساب الوطن، واستمرار اعتماد هذا النظام بدل ذلك على شبكات الزبونية والانتهازية التي تغير ولاءاتها حسب تغير الرياح وتمنح خدماتها لكل متغلب.

إن #الجزائر، رغم كل الأزمات، لا تزال بخير، وإن طمع نظام المخزن في خلافاتنا وبعض جوانب ضعفنا للتأليب علينا، واستغلال عملاء الانفصال والخونة في منطقة القبائل وغيرها، فهو مخطئ، وهو لا يعرف طينة الجزائريين، وهو بتجاوزه للخطوط الحمراء يساعدنا وحدة الجزائريين التي لا نفرط فيها أبدا رغم أزماتنا، ويعجل بفنائه وتخلص الشعب المغربي منه قبل أي تحول مهم آخر في المنطقة.

 

د. عبد الرزاق مقري

عيد الاستقلال: نعمة تشكر وفرص ضائعة

في هذا اليوم تمر 59 سنة على استقلال الجزائر، والاستقلال نعمة عظيمة يُحمد عليها الله تعالى، ويشكر عليها الشهداء والمجاهدون الذين فجروها وحاربوا الاستعمار البغيض حتى دحروه وأخرجوه. واستقلال الجزائر ليس كاستقلال الدول المستعمرة الأخرى،

كثير من الدول التي استُعمرت، خصوصا التي ابتليت بالاستعمار الفرنسي، ضيعت هويتها كلية واندمج كل سكانها في ثقافة المستعمر بعد الاستقلال وأصبحوا يسيرون في فلكها وانتقلوا تقريبا من نظام الاستعمار المباشر إلى نظام الحماية الاستعمارية. أما الجزائر فإن الانتماء الوطني على نهج ما قرره القادة المؤسسون في بيان أول نوفمبر بقي قويا غالبا على المستوى الشعبي ومقاوما على المستوى الرسمي. وذلك بالرغم من أن الاستعمار الفرنسي أفلح في ترك وإنشاء طوابير من المستلبين والعملاء داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع  الذين انصهروا في ثقافة المستعمر وصاروا خداما لمصالحه، بل بعضهم أصبح سلاحا للابتزاز وضرب الاستقرار والوحدة الوطنية كلما مرت اللغة والثقافة والمصالح الاستعمارية بمصاعب جدية. إن هذه النعمة على نقصها تتطلب حقيقة شكر الله ليل نهار، ومهما قدمنا من المدح والتبجيل للشهداء، والمجاهدين الصادقين الثابتين لن نوفهم حقهم، وسيبقى حقهم العادل الكامل عند الله يوم القيامة.

غير أن مدة تسع وخمسين سنة طويلة جدا بالنسبة لانتظار نهضة البلد وازدهاره وتقدمه وتطوره وتحقيق استحقاق التنمية ورغد العيش للمواطنين منذ الانفصال عن الاستعمار إلى اليوم.

إن الفرص الضائعة لتحقيق الإقلاع كثيرة ومتكررة، وسببها كلها واحد: الهيمنة والاستبداد والفوقية والأبوية وعقلية التحكم باستعمال أدوات الإكراه العظيمة التي تملكها الدولة.

لقد كانت الفرصة الضائعة الأولى والأهم غداة الاستقلال حينما تغلبت قوة السلاح التي ملكتها قيادة الأركان باسم الثورة على الحكومة المؤقتة وقادة الداخل الذين كانوا يقودون الثورة، ثم إبعاد وتصفية كل شركاء السلاح بعد ذلك. ثم كانت الفرصة الثانية الأكبر في 05 أكتوبر 1988 حين اتضح إفلاس خيار الحزب الواحد والأيديولوجية الاشتراكية المفروضة، حيث تم التآمر على الانتقال الديمقراطي بمختلف أنواع الدسائس وحينما لم تفلح تم إلغاء الانتخابات الشرعية سنة 1991 التي كان من الممكن أن تصحح كل الاختلالات وتعالج كل نوازع التطرف عند الجميع كما حدث في تجارب مماثلة في العالم. ثم كانت الفرصة الثالثة الأوضح التي بدأت بتزوير انتخابات 1995 التي عبر فيها الجزائريون من خلال مشاركة انتخابية قياسية على استعدادهم للتعامل مع الخيار المؤسسي فتم تزوير الانتخابات وتكررت ذات الفرصة بمشاركة انتخابية مقبولة جدا في الانتخابات التشريعية والمحلية سنة 1997 ولكنها زورت هي الأخرى بشكل أفضع أدى إلى إحباط عام لدى الجزائريين. ثم جاءت فرصة رابعة متميزة، قبل فيها زعماء الوطن كلهم إحياء الأمل بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 فمُنع أكثرهم حظا من الترشح واضطر جميعهم إلى الانسحاب من الترشح حينما اتضحت ألاعيب التزوير مسبقا. وبعد ذلك أصبحت كل الانتخابات من 2002 إلى 2017 مواعيد للمقاومة السياسية بالنسبة لبعض الجزائريين ومواعيد لإظهار الرفض بالمقاطعة بالنسبة للبعض الآخر.

لقد كانت النتيجة الإجمالية لهذا العبث الطويل المتجدد هو تبديد ثروات البلد، وتقوية اقتصاد الاستعمار القديم، والفساد المعمم، وسيطرة عصابة لا تؤمن بالوطن رغم تشدقها بالوطنية، لا ضمير ولا أخلاق لها تحكمت في كل مفاصل الدولة وأخضعت لها الإدارة والمؤسسة العسكرية والأمنية والقضاء والمؤسسات الإعلامية وأغلب الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. وفي ظل حكم هذه العصابة تأخرت الجزائر عن ركب التطور وتحولت من دولة ريعية وافرة المداخيل إلى دولة تطبع الأوراق النقدية دون رصيد من ذهب أو إنتاج لتبقي نظام الحكم مستمرا ولو على حساب مصير الدولة والمجتمع مستقبلا، في نفس الوقت الذي تطورت فيه بلدان في أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية كانت أقل منا اقتصاديا وعلى مستوى الهياكل والموارد. أمام هذا الإفلاس لم يصبح التشدق والغرور والمن الذي غُدر به الشعب الجزائري لسنوات طويلة مقبولا عند الأجيال الجديدة كمكتسبات التعليم (الذي يتدهور أكثر فأكثر)  والصحة (التي تعاني الأزمات وتدفع بالقادرين إلى التطبب في بلدان أخرى)،  وبعض الهياكل وإنجازات البحبوحة المالية (التي أنفق فيها أضعاف وأضعاف ما تستحقه تلك الإنجازات)، لم يصبح  هذا الحديث الممجوج عن الإنجازات مقبولا عند الأجيال الجديدة المطلعة على ما يحدث في العالم الإسلامي الذي ننتمي إليه  كتركيا وماليزيا وإندونيسيا وإيران وباكستان وغيرها، أو الدول التي كانت ضمن النمط الاشتراكي مثلنا كالصين والفيتنام وبولونيا وأثيوبيا والبرازيل، أو حتى بعد الدول التي كانت غاية في الفقر والتخلف والأزمات كبوتسوانا وروندا وغيرها. لقد نجحت كل هذه الدول وأخفقت الجزائر رغم إمكاناتها العظيمة. وحتى الدول التي بقيت على نمط الحزب الواحد كالصين والفيتنام استطاعت أن تطور توجهاتها السياسية ببناء تدافع الأفكار والمصالح والانتخابات الحقيقية ضمن الحزب الواحد أفضل بكثير من ديمقراطية الواجهة والتعددية الشكلية التي بقيت تنخر في بلادنا جسم المجتمع والدولة وتدمر الكفاءات وتطحن الشخصيات والأحزاب والمنظمات ذات الكفاءة والنزاهة التي لا تقبل السير في ركب الزبونية والانتهازية.

ثم كانت الفرصة الأخيرة الأقوى والأبرز التي سمع بها وأشاد بها العالم بأسره، وهي فرصة الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 التي استطاعت أن تفضح العصابة وتوقف استغوالها وأن تدخل جزء منهم السجون، ولكن سرعان ما اتضح بأنها فرصة تتجه نحو الضياع مرة أخرى، رغم زخم ثورة الشارع السلمية العظيمة التي تجاوز المشاركون فيها خمسة عشر مليون متظاهر صمدوا أكثر من سنة. لقد تم فعليا قتل هذه الفرصة إذ رجعت الجزائر إلى عهد التزوير الانتخابي وهيمنة القوى المتغلبة وشبكات الزبونية، ومرة أخرى تكون الضحية هي تطوير وتنمية البلد وتحسين معيشة المواطنين التي يطمع النظام السياسي أن يضفي بها على نفسه الشرعية المنقوصة التي بقي يعاني منها، متناسيا بأنه لا نجاح في المجال الاقتصادي دون بسط الثقة في المجتمع والتي لا طريق لها سوى الرؤية السياسية التوافقية المجنِّدة لكل الطاقات على أساس الشرعية الانتخابية التامة.

لقد بقيت مجهودات التنمية تدور في حلقة مفرغة إلى الآن تدل عليها المؤشرات المعلنة رسميا كانكماش النمو الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة التي تدور في حدود 13 % في 2020، والتي بلغت 23 % عند خريجي الجامعات، و27 % وسط الشباب، وكعجز الموازنة الذي تجاوز 24 مليار دولار، وانخفاض قيمة الدينار ب 20% .

مع ارتفاع كبير لأسعار المواد الاستهلاكية وأزمات الأسواق المتعددة كأزمة الحليب وأزمة الزيت، وأزمة الماء، وأزمة السيولة، وأزمة سوق السيارات، وعدم قدرة برامج السكن الواسعة على حل أزمة السكن، مع تصاعد الاضطرابات الموضعية والإضرابات، وكل هذا في ظل ضخامة التحويلات الاجتماعية ودعم الأسعار التي لن تكون ممكنة في آجال قريبة بسبب نفاذ الريع حيث احتياطي الصرف في حدود 42 مليار دولار دون القدرة على رفعه كما تم الوعد به خلال سنة، علما بأن السبب الجوهري لأزمة مداخيل المحروقات ليست الأسعار كما يعتقد البعض ولكن بسبب تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي.  وكل هذا دون أي رؤية سياسية مستقبلية جامعة ولا أي أفق لانفجار عدد المؤسسات الاقتصادية في الفلاحة والصناعة والخدمات في آجال قريبة أو متوسطة بما يحررنا من التبعية للمحروقات، ومما يزيد في المخاوف اللجوء مرة أخرى إلى طباعة النقود  ابتداء من شهر جويلية رغم تعهد السلطات بالتوقف عن هذه الآفة التي ستقضي على ما تبقى من القدرة الشرائية بارتفاع معدلات التضخم، ثم في الأخير العودة إلى المديونية مجبرين مهما كانت التصريحات الشعبوية بعكس ذلك، ضمن ظروف اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية صعبة ستكون المديونية فيها هي عنوان نهاية السيادة لا قدر الله.

لقد كانت الانتخابات التشريعية في 12 جوان هي الفرصة الأخيرة المعبرة عن مرحلة ما بعد الحراك ولكن للأسف الشديد كانت هي الضربة الأخيرة للقضاء على مشروع التوافق الوطني من أجل رؤية سياسية واقتصادية تنقذ ما يمكن إنقاذه، ونخشى أن ندرك في السنة المقبلة الذكرى الستين ويكون الوهم قد تأكد أكثر بأن المقصود في الرؤية السياسية والاقتصادية الرسمية إنما هو استهلاك ما تبقى من احتياطي الصرف وما فضل في مختلف الصناديق ثم تُترك الجزائر إلى مصير أكثر خطورة نسأل الله تعالى فيه العافية .

ولكن … مهما كانت هذه الفرص الضائعة منذ 05 جويلية 1962 سيبقى الأمل معقودا على الشباب الذين نحتفل بعيدهم بمناسبة عيد الاستقلال لمواصلة النضال من أجل خلق فرص أخرى تعتمد على القدرات البشرية والعبقرية الجزائرية التي ستتفجر يوما ما حينما تتوفر الحرية السياسية والاقتصادية التامة التي يُستكمل بها الاستقلال في الجوانب المنقوصة مما نص عليه بيان أول نوفمبر “دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”.

د. عبد الرزاق مقري

القضية الفلسطينية: دعم مستمر حتى التحرير (حركة مجتمع السلم نموذجا)

سندخل ابتداء من نهار غد الحملة الانتخابية، وستكون فلسطين حاضرة في قلوبنا وأفكارنا، وستكون في كل الأحوال ضمن مخططاتنا مهما كانت مآلات الانتخابات.

 وإذ نفعل ذلك فإنما هو استمرار لخطنا الثابت تجاه القضية منذ نشأتنا كأشخاص ونشأة حركتنا. فالحركة لم تتوقف عن دعم  القضية الفلسطينية بكل الوسائل الممكنة، فهي تعتبرها القضية المركزية في الأمة، وفي هذا المقال سنتطرق إلى بعض مساهماتنا لا للمزايدة السياسية فهو أمر غير مقبول في هذه الأمر ومنقص للأجر، وإنما المقصود هو تطمين المحبين، وتشجيع غيرنا بالإنجازات العملية، بل ربما صناعة بيئة تنافسية لخدمة فلسطين، ولصناعة مراجع تاريخية مدونة للمحافظة على الذاكرة على نحو ما قمت به بتأليف كتابي” الجزائر والقضية الفلسطينية”

وكذلك  لكسر حجة المثبطين، الذين يسمع لهم بعض السذج فينا وفق قول الله تعالى: ((وفيكم سماعون لهم))،  بزعمهم أننا نكتفي بالكلام ولا نفعل شيئا عمليا لفلسطين، مع أن مناصرة فلسطين مطلوب بأضعف الإيمان ولو بالتعلق القلبي فقط والدعاء في السر والعلن،  والمناصرة بالبيان، وفي كل الأحوال مهما فعلنا لفلسطين لن نوفها حقها حتى تستقل وتطرد المحتل، ونرجو أن يسامحنا الله سبحانه لما نبينه من أعمال في هذا المقال ويكتب حديثنا ضمن قوله عز وجل: ((إن تبدو الصدقات فنعم هي)) وأن يغفر لنا تقصيرنا:

سياسة أصيلة قديمة

1 – منذ أن تأسست حركة مجتمع السلم اعتبرت القضية الفلسطينية القضية المركزية في الأمة العربية والإسلامية، وبنت موقفها على قاعدة دينية معلومة تجمع كل المسلمين، وقاعدة استراتيجية تتعلق بخطر الكيان على الأمة كلها، وأساس وطني متعلق بالتاريخ الخاص بغدر اليه#ود للجزائر والجزائريين منذ أن دخل الاحتلال الفرنسي بلادنا، وبعد إنساني لما يفعله الكيان من احتلال للأرض وجرائم في حق الإنسان الفلسطيني نشترك فيه مع الأحرار في العالم. وقد شرحت هذه الأبعاد في كثير من المقالات والمداخلات الإعلامية ودونتها في كتابي الجزائر وفلسطين.

وقد كان للشيخ محفوظ الدور الأساس لبناء الفكر وشحن الأفئدة في الحركة لصالح القضية الفلسطينية كقضية مركزية، وكان متّبعا في ذلك نهج الحركة الوطنية في الجزائر بكل أطيافها التي أسست اللجان ونظمت الدعم وأرسلت الرجال للجهاد في فلسطين رغم وجودها تحت الاحتلال، ومتأسّيا بالدعوة الإسلامية في العالم التي لا يخفى على أحد مساهمتها في جبهات القتال في فلسطين وثباتها على نصرة القضية إلى حد صارت هي العدو الأول للكيان يحاربها هو والدول الراعية له والأنظمة العربية العميلة بسبب ذلك في كل أنحاء العالم.

 لقد كان الشيخ محفوظ رحمه الله يجتهد كثيرا لعدم مصادمة الأنظمة والقوى الدولية ليوفر البيئة المناسبة لخدمة مشروعه إلا في القضية الفلسطينية فكان صارما لا يتنازل عن أي شيء بخصوصها، وأذكر ذات اليوم كنت معه في مؤتمر في أمريكا سنة 1993 فعُقد اجتماع مع أكاديميين أمريكيين حضره العديد من الشخصيات الإسلامية فلم يكن أحد أبلغ وأقوى وأوضح في الدفاع عن فلسطين كالشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى فعبر الضيوف الأمريكان في المؤتمر عن تقديرهم الكبير له، ونال إعجاب من حضر من المسلمين حتى دمعت أعين بعضهم، وبالإضافة للدعم الإعلامي والسياسي والمالي بقيت الحركة منذ التأسيس الرسمي وقبله تأخذ عن كل فرد من أفراد عائلات المناضلين مساهمة مالية رمزية لفلسطين وتنظم المهرجانات الكبرى لمناصرة القضية.

وكل ما سنقوله في الفقرات التالية هو إنجاز متراكم لهذا التوجه نسأل الله تعالى أن يكون حسنات جارية للشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني رحمهما الله ولنا ولكل من واصل الطريق على نهج دعم القضية الفلسطينية ومن طوروا هذا السبيل النبيل المشرف بلا تردد ولا حسابات.

مسيرات تلو مسيرات

2- يقول البعض تكتفون بالتصريحات والوقفات والاجتماعات في القاعات لمناصرة فلسطين ولا تنظمون المسيرات الكبرى في الشوارع، وهذا كلام مجانب للحقيقة والصواب لأن أي وسيلة يستعملها أي إنسان مهما كانت بسيطة لمناصرة فلسطين فهي مفيدة. مفيدة للفلسطينيين معنويا حتى نشعرهم بالتعاطف الواسع معهم، ومفيدة لضرب معنويات العدو وأعوانه وحلفائه حين يعلمون بأن حجم الرفض والعداء لهم واسع.

 ثم ثانيا نحن لم نكتف بالتصريحات سواء اليوم أو من قبل. طلبنا من مناضلينا المشاركة بقوة في الحراك ورفع الأعلام الفلسطينية فيه دعما للفلسطينيين في هذه المواجهة الأخيرة في شهر ماي 2021 ولكن القمع كان شديدا وقد أدنا ذلك بوضوح .

أما من قبل فقد نظمنا وشاركنا في عدة مسيرات من أجل فلسطين منها المسيرة التي لم تكن مرخصة للتنديد بالعدوان على غزة سنة 2014.

بل شاركنا في مسيرة عظيمة على الحدود بين الأردن وفلسطين ضمن المسيرة العالمية نحو القدس في 30 مارس 2012 التي تم فيها منع المشاركين الاقتراب من السياج الحدودي.

مسيرة في الجزائر العاصمة نصرة للقدس وفلسطين  للتنديد بقرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني (08 ديسمبر 2017):

 

أسطول الحرية وشرف المواجهة

2- بالنسبة لمن يقول مناصرة فلسطين لا تكون إلا بالقتال المباشر معهم فتلك مزايدة لا تقوم على منطق وعقل، ومن يقول هذا هو ذاته لا يفعلها، فالشعوب المحتلة تعتمد على ذاتها لتحرير أرضها، وحينما نتحدث عن الثورة الجزائرية فالذين قاتلوا الفرنسيين هم الجزائريون ولكن لو لا دعم أشقائنا العرب والمسلمين وأحرار العالم ما كان الاستقلال يكون ربما في سبع سنوات من الجهاد.

 وقد يتمكن بعض الآحاد من غير أبناء البلد من أن يندمجوا مع المقاومين مباشرة كما وقع في الجزائر، وكما فعل بعض الجزائريين الذين التحقوا بجبهات القتال في فلسطين في مختلف المراحل منذ بدايات الاحتلال.

ولو لم تكن الحدود مغلقة لاتجه بعضنا للقتال مع الفلسطينيين كما فعل أجدادنا وأبناؤنا. ونحن نعتبر أن المشاركة في أسطول الحرية في ماي 2010 كان من هذا القبيل حيث قدت وفدا جزائريا من ثلاثين مناضلا  كان هو الأكبر بعد الأتراك، أغلبهم من حركة مجتمع السلم منهم ابني مصطفى، وقد نظم هذه الحملة اللجنة الدولية لكسر الحصار التي كنا من أعضائها الفاعلين، وكان ذلك بالتعاون مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، وبمشاركة نشطاء من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الملل والتوجهات، ولم تكن مساهمتنا بأنفسنا فقط بل كذلك بسفينة محملة بالمساعدات رفع عليها العلم الجزائري كانت هي الأكبر بعد سفينة مرمرة، وحين وصلت القافلة البحرية أعالي البحار تمت محاصرتنا من قبل جيش الكيان فقاومنا صعودهم السفينة بما نملك من عصي وحجارة وغير ذلك، وبعد أن سيطروا على السفينة باستعمال السلاح وإطلاق الرصاص الحي علينا فقتل تسعة أتراك وجرح العديد، منهم الأستاذ محمد ذويبي من الوفد الجزائري الذي أصيب في عينه، تم تقييد أيدينا من الخلف والتحقيق المطول معنا في مراكز الاستجواب واقتادونا بعد ذلك إلى سجونهم في داخل فلسطين ولم يطلق سراحنا إلا بضغوطات دولية كبيرة.

وقد صنعت أحداث قافلة الحرية ضجة دولية كبيرة وتحولا حاسما لصالح القضية في العالم، وتفاعل معها الجزائريون بشكل استثنائي، وأشيع خلال غيابنا بأنني استشهدت وتوجه الناس لبيت الوالدة في المسيلة وبيتي في العاصمة للتعزية طوال نهار ذلك اليوم. وعند رجوعنا حظينا باستقبال رسمي وشعبي كبيرين حيث أرسلت لنا السلطات طائرة خاصة أرجعتنا للوطن من الأردن بعد خروجنا من السجن ووجدنا أمواجا بشرية شعبية كبيرة في استقبالنا ليلا في مطار هواري بومدين.

استقبال المشاركين بعد عودتهم في المطار:

كما حاولنا كذلك تنظيم أسطول آخر من اليونان فمنعنا وذهبت إلى أثينا رفقة الشيخ أحمد الإبراهيمي للإشراف المباشر على الحملة ولكن اضطرت اليونان للتراجع تحت ضغط الكيان والدول الغربية، بل أرسل الكيان رجال استخباراته إلى الفندق الذي كان يسكنه الناشطون وتم الاعتداء على بعضهم جسديا في بعض أزقة أثينا، وحاولنا مرات أخرى شارك فيها قياديون آخرون من الحركة منهم الأستاذ النائب حمدادوش والأستاذة النائب ضوايفية ولم تكتمل الرحلات بسبب المنع.

 

كسر الهرولة ومناهضة التطبيع

4  – حينما ارتفعت موجة التطبيع قبل انتفاضة الأقصى في العالم العربي وتزعمها في الجزائر النظام البوتفليقي من خلال مصافحة إيهود باراك رئيس الوزراء الصهيوني ودعوة المغني الصهـيوني أنريكو ماسياس الداعم للكيان وصهر الموسيقار ريمون الذي أعدمته الثورة لتآمره مع جيش الاحتلال على قتل الشهيد خزندار رحمه الله، وزيارة الوفد الصحفي إلى فلسطين المحتلة بالتنسيق مع الكيان قمنا بتأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع وكنا كعادتنا أصحاب الدور المحوري فيها ودخل فيها شخصيات كبيرة كالشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله والسيد عبد العزيز  بلخادم والسيد خالد بن اسماعيل وكذلك العديد من المجاهدين خاصة الذين ساهموا في الحرب ضد الكيان سنة 67 وحروب الاستنزاف.

ومن نتائج هذه التنسيقية إسقاط زيارة المغني أنريكو ماسياس الذي هددنا برجمه بالحجارة في المطار لو حط رجليه في الجزائر، وتبخيص توجهات التطبيع التي قضت عليها انتفاضة الأقصى، وأذكر أن أحدهم وقد أصبح مسؤولا كبيرا في الدولة قال لي في ذلك الوقت إنك تضر بمستقبلك السياسي فإظهار عدائك للكيان.. وبسبب الموقف الرسمي الإيجابي من التطبيع لم تتشكل منظمات جزائرية مناهضة للتطبيع، ولم نشهد محاولات خطيرة كالتي رأيناها في بداية العهدة الأولى لبوتفليقة، غير أن الحذر بقي مستمرا وملاحقة أية حالة ضعف معزولة قائمة سواء على مستوى الرياضة أو الفن أو بعض التصرفات الرسمية المعزولة وقد أصدرنا بخصوص هذه الحالات عددا من التصريحات والبيانات.

مؤسسة القدس الدولية وفرعنا المُنجِز

5 – من أكبر الإنجازات التي قام بها رجال حركة مجتمع السلم المساهمة في تأسيس مؤسسة القدس العالمية التي تعد أكبر مؤسسة تعمل لصالح القدس وفلسطين ضمت كل أطياف العالم العربي والإسلامي من قوى شعبية ورسمية ومسلمين ومسيحيين وشيعة وسنة وإسلاميين ويساريين وليبيراليين، برئاسة فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وثلاثة نواب للرئيس هم: معالي الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وسماحة حجة الإسلام السيد علي أكبر محتشمي، ومعالي الأستاذ ميشيل إده، والدكتور محمد مسعود الشابي (أميناً للسر).  فكنا من أعضاء مجلس أمنائها منذ مؤتمرها الأول في لبنان في جانفي 2001، وأصبح فرع الجزائر أهم فرع من فروعها في العالم وقد تشرفت برئاسة الأمانة العامة للفرع وتمكنا من فتح عدة روابط جزائرية منها رابطة رجال أعمال من أجل القدس ورابطة شباب من أجل القدس ورابطة نساء من أجل القدس، ومن بين الروابط التي ثبتت وتطورت وأصبح لها فروع في العديد من الولايات رابطة شباب من أجل القدس التي تخصصت في توعية وتكوين الأطفال والشباب في المعارف الفلسطينية والمقدسية ولم يضاهيها في الإنجاز أية رابطة شبابية في الدول الأخرى، ثم أصبحت الآن مؤسسة جزائرية معتمدة قائمة بذاتها تواصل نشاطها بفاعلية كبيرة، كما استطاعت رابطة رجال أعمال من أجل القدس بقيادة الأستاذ جعفر شلي أن تنجز  مشروع الوقفية لصالح القدس ضمن المشاريع التي أطلقت في أحد مؤتمرات مؤسسة القدس ولا يزال ريع هذه الوقفية يصل بحمد الله القدس و المقدسيين بشكل دائم يساهم في تثبيتهم ودعمهم.

 وقد تمكن فرع مؤسسة القدس أن يجمع مختلف أطياف المجتمع الجزائري من إعلاميين ويساريين ومنظمات مجتمع مدني متنوعة وقوى سياسية معارضة ومن الموالاة وتوصلنا في الأخير إلى توسيع وتطوير هيكلية الفرع تحت رعاية جمعية العلماء وقيادة شخصيات كبيرة مرموقة برئاسة الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله رئيس جمعية العلماء ونيابة الأستاذ عبد الحميد مهري عضو الحكومة المؤقتة أثناء الاحتلال والأمين العام السابق لجهة التحرير، والأستاذ محمد الطاهر بوزغوب من التجمع الوطني وهو طيار سابق شارك في حرب 67 و73 ضد الكيان، وبقيت متشرفا معهم بقيادة الأمانة العامة مع الأستاذ محمد ذويبي من حركة النهضة كمدير تنفيذي وأفاضل آخرين من مختلف التيارات، وقد تمكنا بعد هذا التطوير الهيكلي وتوسيع التمثيل من استضافة المؤتمر الخامس لمؤسسة القدس برعاية رسمية رئاسية كاملة وقد كان مؤتمرا مهيبا حضرته أكثر من مائتي شخصية من مختلف أنحاء العالم ووفد كبير من القيادات الفلسطينية وأبرز وجوه المقاومة منهم الأستاذ خالد مشعل والشهيد سعيد محمد صيام رحمه الله.

قوافل الإغاثة ومدرسة تنشئة النشطاء

6 – وعلى مستوى حملات كسر الحصار وقوافل الإغاثة أشرفنا في إطار الحركة على إرسال ثلاثين قافلة دخلت غزة محملة بدعم كبير للفلسطينيين من مساهمات الجزائريين، وكانت أول قافلة كبيرة شاركنا فيها قافلة شريان الحياة 5 بتنظيم اللجنة الدولية لكسر الحصار بقيادة رمزية من السياسي البريطاني جورج غلوي ومشاركة مناضلين من مختلف أنحاء العالم وشخصيات دولية عديدة وكنت من أعضاء الهيئة القيادية للقافلة ووصل عدد المشاركين قرابة 400 مشارك كان أكثر من ربعهم جزائريون (117) وكان وفدنا يرافقه أكثر من نصف عدد المراكب المحملة بالمساعدات منها 40 سيارة إسعاف جزائرية.

 وقبل أن ندخل إلى غزة بقينا في اللاذقية بسوريا أكثر من عشرين يوما ننتظر الإذن المصري بالعبور.

مكنتنا هذه الرحلة التاريخية الكبيرة من معرفة الأوضاع في غزة والحوار مع القادة الفلسطينيين على رأسهم القائد أبو العبد هنية من الاطلاع على الواقع على الأرض وتحديد الاحتياجات بدقة.

بعدها صار عملنا لدعم أهلنا في غزة وكسر الحصار أكثر تنظيما حيث أصبحت لنا شراكة دائمة مع هيئة أميال من الابتسامات التي يقودها عصام أبو يوسف فتمكنا من خلال ذلك من إرسال أكثر من ألف جزائري إلى غزة عبر أكثر من 30 حملة وبرزت في هذه المسيرة قيادات جزائرية  فذة في النضال من أجل فلسطين على رأسهم الشيخ أحمد الإبراهيمي رفيقي في تنظيم أسطول الحرية وشريان الحياة حيث أصبح بعد ذلك هو الشخص المحوري في القوافل وحشد الدعم الجزائري بشكل منظم ومؤسسي ودائم تشارك فيه شبكة واسعة من النشطاء من كل الولايات كثير منهم ممن وضع رجله في الأرض المباركة ضمن القوافل العديدة، وقد توصل هذا الجهد  إلى إيصال دعم كبير للغزاويين، ثم تحول الدعم المباشر إلى إقامة مشاريع وقفية تم إنجازها فعليا في مختلف المجالات الإغاثية والتعليمية والصحية والسكنية والدينية والثقافية والاقتصادية التنموية. صنعت الحركة بهذا العمل المنظم الكبير ثقافة عامة ونشرت مهارات أساسية في العمل الفلسطيني فأكمل الإنجاز منظمات مجتمع مدني ساهم رجال الحركة في تأسيسها، على رأس هذه المنظمة جمعية البركة للعمل الخيري والإنساني، وقررت الحركة عندئذ التراجع عن البروز اللافت والسيطرة على المشهد الريادي في هذا الشأن الإغاثي في إطار توجهها نحو التخصص الوظيفي لتجنب الحساسيات السياسية ولتوسيع جبهة المناصرة خدمة للقضية الفلسطينية، وقد بقيت تساهم في ريادة النضال السياسي والإعلامي والدبلوماسي لصالح فلسطين.

 فنسأل أن يتقبل هذا الجهد ويجعله في ميزان الحسنات وأن ينفع إخواننا في فلسطين وأن يرفع به مقام الجزائر والجزائريين.

النضال السياسي الفلسطيني

7 – أما في المجال  السياسي والإعلامي والدبلوماسي ومناهضة التطبيع باسم الحركة فلم يفتر نشاطنا أبدا، لا نتوقف عن الوقوف العلني والصارم مع المقاومة ومناهضة الصهيونية والتوعية بالحق الفلسطيني وفضح التطبيع والمطبعين وجرائم الاحتلال عبر البيانات والندوات والتجمعات والمسيرات والمقالات والتغريدات والمنشورات والكتب والمقابلات الإعلامية، ولو أردنا عرض تقارير ما قمنا به في هذا الشأن لما كفته المجلدات الورقية والإلكترونية ويكفي أن يتجه الباحث عن مساهماتنا إلى محركات البحث الالكترونية ويكتب العبارات المفتاحية المتعلقة بما كتبناه وصرحنا به وقمنا به بشأن القضية الفلسطينية ليُعرض أمامه  كميات هائلة من التقارير والتغطيات الإعلامية.

كانت جهودنا في كثير من الأحيان باسم الحركة، ولكن كنا نحرص دائما على العمل الجماعي السياسي لتوسيع جبهة المناصرة فساهمنا في  تشكيل اللجان الشعبية لمناهضة التطبيع، ومناهضة الصه#يونية ودعم المقاومة وتعبئة الناس للقضية وإغاثة المظلومين والمشردين والمعاقين وأسر الشهداء، وكان للدبلوماسية الشعبية حضور لافت ودائم لدعم القضية من خلال برامج الزيارات التي نظمناها لقادة ح#ماس مع الجهات الرسمية الجزائرية، كاللقاءات العديدة مع رؤساء البرلمان بغرفتيه، ورؤساء الحكومات والوزراء، والكتل البرلمانية والأحزاب والمنظمات المدنية، وكذلك عبر ما نقوم به نحن بأنفسنا من دعم لفلسطين مع سفراء الدول المعتمدين في الجزائر في اللقاءات التي ننظمها معهم لهذا الغرض، خصوصا أثناء أي عدوان صهيوني، أو في زيارتهم لنا ضمن الأنشطة الدبلوماسية العادية، بالإضافة إلى لقاءاتنا الدولية خارج الجزائر في المؤتمرات التي ندعى لها من مراكز الدراسات والمنظمات الغربية الحكومية وغير الحكومية، ومن خلال أنشطتنا الريادية في المنظمات الإسلامية المناصرة لفلسطين خارج الوطن، كمنظمة ائتلاف المنظمات العاملة لفلسطين ومؤتمرات الرواد ومؤسسة القدس ومنتدى كوالالمبور  وغيرها.

وبالرغم من ارتباط أغلب أنشطتنا بالجهات الفلسطينية المقاومة على رأسها حماس بسبب القناعة المشتركة بأنه لا حل مع الاحتلال إلا المقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها المقاومة المسلحة التي ورثناها عن الثورة التحريرية الجزائرية فإننا نحاول أن نحافظ على العلاقة الطيبة مع السلطة الفلسطينية والفصائل المنضوية في منظمة التحرير، ورغم خلافتا الشديدة مع مشاريع التسوية وعلى رأسها مشروع أوسلو واعتراضنا على التنسيق الأمني الذي نعتبره خيانة بالجملة، نحافظ على التواصل مع السفارة الفلسطينية والتعامل باحترام معها، وحينما يكون السفير الفلسطيني وموظفي السفارة الفلسطينية في الجزائر محترمين ومتفهمين ولا يحملون عداء للمقاومة تتحسن العلاقة كثيرا معهم وبعضهم أصبحوا أصدقاء لنا، وفي كل الأحوال لم نتوقف عن إبداء النصيحة للفلسطينيين في كيفيات المحافظة وتطوير أشكال المقاومة وحل مشكل الخلاف الفلسطيني وإنجاز مشروع الوحدة على قاعدة المقاومة والتحرير.

 

د. عبد الرزاق مقري

ردا على الذين يقولون تدافعون عن فلسطين لكي تتحرر وتسكتون عن ظلم الحكام وقمعهم للمعارضين

يقولون تدافعون عن #فلسطين لكي تتحرر وتسكتون عن ظلم الحكام وقمعهم للمعارضين، والذين يقولون هذا يعلمون أنهم يكذبون، لا نجيب العملاء المباشرين الذين يشتغلون لصالح الكيان الصهيوني وأعوانه في الغرب أو عملائه عند العرب لأن الحديث معهم لا يفيد، إنما نتحدث لمن يمكن أن ينفع معهم الكلام فيصبحوا إيجابيين في التعامل مع القضية الفلسطينية ويوجهوا جهدهم لتوسيع جبهة المناصرة من أي جهة كانت لصالح فلسطين والمسجد الأقصى.

نقول لهؤلاء:

– كل ما يقوله البعض بأننا لا ندين الانتهاكات والاعتقالات كذب وافتراء ونية هؤلاء سيئة لأن بياناتنا واضحة منشورة آخرها هذا البيان:

– من يظن أنه علينا أن نتخصص فقط في متابعة الانتهاكات وإصدار بيانات يومية بشأنها فهو يطالبنا بما لم يطالب به غيرنا، ويريدنا أن نتحول إلى منظمة حقوقية هذا هو اختصاصها، في حين أن الحزب له أدوار عدة من بينها رصد الانتهاكات وإدانتها، وفي هذا الإطار نحن الحزب الذي يتذكر الجزائريين تنظيمه للمسيرات ضد التزوير وضد قانون معاقبة الصحفي وغير ذلك :  

– نحن نتفهم أن البعض يحاسبنا على حجمنا وقوتنا وفاعليتنا وحين لا يجدنا معه في مشاريعه يشعر بالضعف والاغتراب وعدم الثقة بالنفس، ولكن نحن لا نشتغل لبرامج غيرنا والذي يريدنا أن نعمل معا عليه أن يستشيرنا لا أن يقرر ثم يتوقع أن نتبعه وحينما لا نكون معه يُخوننا. نحن سادة العمل المشترك وسيبقى التاريخ شاهدا أننا بذلنا المستحيل لمعارضة النظام السياسي برؤى موحدة ولكن لم نجد الشركاء الذين ينخرطون في ذلك بجدية وفاعلية وبدون خلفية وقد صرحت بتفاصيل تلك المبادرات وكتبت بشأنها كتابا مفصلا.

– نحن في الحراك من اللحظة الأولى ولا زلنا نؤمن بالحراك الشعبي كوسيلة من وسائل التغيير، وشاركنا فيه دون تصدره للمحافظة عليه ولا زلنا نشارك فيه بطريقتنا التي نراها نافعة. وقد أردناها أن يكون وسيلة حاسمة في البداية فلم تكن كذلك بسبب الصراعات والمؤامرات التي حيكت ضده من الأطراف المتصارعة في السلطة والمعارضة، ولكن  بالرغم من أنه لم يصبح قادرا على الحسم الآن فهو لا يزال في رأينا جزء من مسارات التغيير وقد يتجه نحو الحسم إذا عبث النظام بالانتخابات مجددا فأفرزت نفس مخرجات المرحلة السابقة ولو بأشكال جديدة.

وباعتبار أن الحراك لم يصبح وحده كافيا للتغيير كما كنا نأمل في بدايته لا نرى تعارضا بينه وبين المشاركة في الانتخابات.

– الذين يجرمون الانتخابات ويعادون من يشارك فيها عندهم فكر دكتاتوري تسلطي مثلهم مثل النظام السياسي، فهم لا يصبرون على الآراء المخالفة، وهم ليس لهم علم بحقائق التاريخ والفكر السياسي الأصيل، إذ أن زعماء الحركة الوطنية أنفسهم شاركوا في الانتخابات التي تديرها وتزورها الإدارة الاستعمارية أثناء تحضير الثورة وسنة كاملة أثناء الثورة، ولم يخرجوا من المجالس المنتخبة إلا سنة بعد أن استحكمت الثورة عند الشعب ووصلت إلى نقطة اللارجوع. فالذين يريدون حشرنا في الحراك فقط أفقهم ضيق وصدورهم ضائقة .

–  لم تتوقف الحركة عن الكفاح من أجل الحريات من قبل التأسيس الرسمي للحركة ومؤسس الحركة دخل السجن في السبعينيات وواجه النظام الاشتراكي بصرامة وأظهر الزمن صدقية منهجه، وفي التسعينيات لم نكن نوافق الجبهة الإسلامية للإنقاذ في منهجها – وهذا حقنا – ولكن قمنا بإدانة إلغاء الانتخابات التي نجحت فيها وبحلها ببيانات شاهدة موجودة على هاذين الرابطين:

– حين شاركت الحركة في الحكومة شاركت على أساس نجاحها في الانتخابات ولم يتفضل عليها النظام السياسي، بل أخذت جزء من حقها فقط إذ كان المفروض أن تسير هي الحكومة، وهي فعلت ذلك لمصلحة البلد وليس لمصلحة النظام السياسي فلا هو كان يريد الخير للحركة ورجالها ولا الحركة كانت تثق فيه، وإنما كانت هناك مساحة مشتركة بينهما تتعلق بالوطن قبل كل شيء، وأثناء ذلك كانت لا تسكت عن الانحرافات فقيل عنها – رجل في السلطة ورجل في المعارضة – وهي قد أطلقت مبادرة فساد قف وهي في السلطة، ومداخلاتي في البرلمان وفي وسائل الإعلام بهذا الخصوص مدونة ويكفي كتابة “مقري عبد الرزاق على جوجل أو يوتيوب فستخرج عشرات التصريحات في ذلك، وحين أدركنا أننا لا نستطيع التغيير من الداخل كلية خرجنا من الحكومة بإرادتنا في وقت كانت خزائن الدولة مليئة بالأموال وبعد أن فاتت موجة الربيع العربي بسنة.

– مضى على خروجنا من الحكومة عقد من الزمن، فنحن في المعارضة لمدة عهدتين ولا يزال البعض يتحدث عن مشاركتنا في الحكومة، في حين أن الأحزاب – عند العقلاء الأقوياء- يكفي أن تخرج من الحكومة لتكون في اليوم الموالي معارضة. ولم نكن معارضين في العشر السنوات الماضية فقط بل كنا في ريادة المعارضة، وقمنا بكل ما تقوم به المعارضة في البرلمان، وفي الإعلام، وفي العمل الجواري في الأحياء مع المواطنين، وفي التجمعات والندوات والمحاضرات فلم نترك وسيلة تستعملها الأحزاب لم نستعملها.

–  لم يبق شيء لم نفعله مما تفعله الأحزاب في مواجهة الاستبداد، لم يبق إلا شيء واحد لم نفعله وهو حمل السلاح في وجه هذا النظام وهذا ليس منهجنا فنحن نؤمن بحمل السلاح في وجه المحتل الص#هي$وني فقط، نحن نؤمن بالعمل السلمي لا غير، وضحينا تضحيات كبيرة لتثبيت العمل السلمي في الفكر السياسي في بلادنا وخارج بلادنا.

– أما ما يقال عن استفادتنا من السلطة وأخذنا لأثمان على مواقفنا السياسية فأصحاب هذا الادعاء هم أنفسهم لا يصدقون أنفسهم، فلا أدري ما هي هذه المواقف التي تعجب السلطة حتى تجازينا عنها.

نحن في صراع مكشوف معها منذ خرجنا من الحكومة سنة 2012 وكل محاولات إرجاعنا للحكومة بغير انتخابات لتحييدنا لم تفلح، والرأي العام يعلم تفاصيل ذلك، كما أن كل مواقفنا كانت مخالفة لإرادة السلطة سواء ما تعلق بموقعنا ضد العهدة الرابعة وخروجنا للشارع لمواجهتها، أو تنسيقنا مع الأحزاب في مشروع الحريات والانتقال الديمقراطي، أو فضحنا للواقع الاقتصادي وإخبار الرأي العام بمآلاته قبل ظهور حقيقة الأزمة، أو مواقفنا في البرلمان ضد قوانين المالية والتدابير المرهقة لمعيشة المواطنين، ومشاريعنا الإصلاحية المتعددة كمشروع التوافق أو الإصلاحات قبل الانتخابات، أو مشاركتنا في الحراك، أو دورنا في ملتقى عين بنيان، أو موقفنا من الدستور أو موقفنا من قانون الانتخابات أو ما يتعلق بالضرر الكبير الذي لحقنا في مسألة الترشيحات.

– ومع ذلك نبقى نتحدى الجميع أن يذكروا شيئا أو شبهة تديننا في عملنا السياسي أو في ذمتنا المالية وأخلاقنا بعيدا عن الكذب والأراجيف، نتحدى أي كان أن يأتي بدليل يستطيع أن يتماسك ولا نستطيع أن نرد عليه.

حركة مجتمع السلم حركة رسالية وطنية، تصيب وتخطئ، ولكن لا يوجد ما يدينها مما يفقد مصداقيتها ولذلك تعمل بعزيمة وفاعلية لصالح البلد، ولذلك حافظت على رصيدها النضالي والشعبي في كامل التراب الوطني، وعملها لفلسطين جزء من برنامجها سنتحدث عما قامت وتقوم به في هذا الشأن.

 

د. عبد الرزاق مقري 

 

حديث عن المرأة مع فرنسيات في مدينة لومان الفرنسية

يوم الثامن من شهر مارس لكل سنة هو يوم الحديث عن حرية المرأة ونضالها من أجل أخذ حقوقها، ومن ذلك حقوقها في التصويت وفي الشغل والحرية الاقتصادية وغير ذلك. وبهذه المناسبة تذكرت مناقشة بيني وبين نساء فرنسيات على هامش مؤتمر نظمته جريدة لوموند دبلوماتيك (le monde diplomatique) في ديسمبر سنة  1993  بمدينة لومان (le mans) في فرنسا ضمن ملتقيات ” مفترق طرق الفكر” (carrefours de la pensé) شارك فيه عدد كبير من المفكرين الغربيين المعروفين والسياسيين الجزائريين.

كنت الممثل الوحيد للتيار الإسلامي في الملتقى وقد ساهمت بموضوع باللغة الفرنسية نشر في كتاب الملتقى الذي أشرف عليه مدير الجريدة ألان قراش (Alain Gresh )، وحينما عرف بعض النساء المشاركات بانتمائي الفكري تحلّقن حولي في فترة استراحة  في فناء دار الثقافة التي عقد فيها الملتقى، وكانت أسئلتهن كلها عن الإسلام والمرأة بخلفيات خاطئة معتقدات أن ما يقع على المرأة من تجاوز في حقوقها في العالم الإسلامي سببه الإسلام ذاته. فكانت الفرصة سانحة لي لأعطيهن الصورة الحقيقية لوضع المرأة في ديننا ومعتقداتنا ولأبين لهن بأن ما يقع من تجاوز في حقوق المرأة في بعض نواحي العالم الإسلامي هو بعض التقاليد والعادات وليس الإسلام، وأن تلك التقاليد هي ذاتها متناقضة مع المبادئ والنصوص الإسلامية، وأن القوانين الصارمة في حماية النساء في الغرب ذاته لم تمنع من أن تكون أكبر نسب العنف ضد المرأة من حيث عدد الحالات وشدة قسوتها هي في الغرب ذاته. لم أعتمد أسلوبا دفاعيا تبريريا كما هي حالتنا أحيانا في محاججة هجمات الغربيين وأتباعهم، بادرتهن بطريقة جريئة تثبت بالدليل تخلف مجتمعاتهن عن الإسلام في منح حقوق المرأة، بحكم معرفتي بتاريخ الغرب وواقعه. توسعت  في حديثي معهن في المقارنة الزمنية لفترات تمتع المرأة بالحقوق الأساسية بين التاريخ الإسلامي والتاريخ الأوربي، ومما ركزت عليه الحقوق السياسية والاقتصادية. سألتهن عن تاريخ منح المرأة حقها في الانتخاب واختيار الحاكم ونقده، ثم ذكّرتهن بتأخر هذا الحق إلى غاية منتصف القرن العشرين الميلادي وأبعد من ذلك، حيث أن المرأة صار لها الحق في الانتخاب في فرنسا مثلا سنة 1944، وفي إيطاليا سنة 1945، وفي اسبانيا سنة 1931، وفي بلجيكا سنة 1948، وفي سويسرا سنة 1971، ثم أخبرتهن بأن المرأة في الإسلام أصبح لها الحق في مبايعة الحاكم مثلها مثل الرجال منذ البعثة النبوية في بداية القرن السابع  الميلادي (حيث يذكر الله تعالى ذلك في آخر سورة  الممتحنة)، وكان لهن الحق في التعبير عن آرائهن السياسية في قضايا أساسية في التشريع المتعلق بالشأن العام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين  فقصصت لهن على سبيل المثال كيف أن امرأة نهضت من بين الرجال والنساء تعترض على سيدنا عمر بن الخطاب في مسألة تشريعية تتعلق بالمهور همّ رضي الله عنه أن يجعلها ماضية على الجميع.

 ثم انتقلت بهن، وهن في حالة انتباه شديد، إلى الحقوق الاقتصادية فسألتهن عن تواريخ السماح للمرأة الغربية بأن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن أهلها وزوجها ومتى استطاعت أن تملك حسابا جاريا خاصا بها، وعددت لهن بعض التواريخ ليعلمن بأن ذلك كان في وقت قريب كذلك مقارنة بالإسلام، حيث أنه سمح للمرأة الفرنسية المتزوجة أن تكون لها ذمة مالية محدودة سنة 1907 وفي إيطاليا سنة 1919 على سبيل المثال، ثم كان الفتح الكبير بالنسبة لكل النساء في فرنسا في 13 جويلية 1965 حيث سمح للمرأة مطلقا أن يكون لها حساب جار واستقلالية مالية. ثم فاجأتهن بإخبارهن بأن هذه الحقوق كانت مضمونة للمرأة المسلمة منذ 14 قرنا بنصوص الشريعة الإسلامية التي تؤكد بأن الذمة المالية للمرأة محفوظة ولا يصح لغيرها التصرف في مالها ولو كان والدها أو زوجها، بل إن الزوجة الغنية لزوج فقير ليست مجبرة على الإنفاق على الأسرة حيث ذلك واجب الزوج، وأن الزوج الفقير لا يستطيع أخذ شيء من مال زوجته إلا برضاها، وإن تعسّف وظلم تستطيع أن تتوجه للقاضي لينصفها. أظهرت تلك النساء الفرنسيات حالة كبيرة من التعجب والإعجاب ولكنهن كن يبحثن عن ثغرات في التصور الإسلامي لحقوق المرأة ويسألن عن الأمور الأكثر تعقيدا ومن ذلك سؤالهن عن تعدد الزوجات والسماح بالزواج بأربع نساء في نفس الوقت. لا يخفى على أحد بأن جواز التعدد هو مباح في الإسلام وليس واجبا ولا مندوبا ولا تشجع عليه الشريعة الإسلامية، وهو لا يمثل حالة شائعة في المجتمعات الإسلامية وقد يكون حلا لحالات أو أزمات اجتماعية أو واقيا من انحرافات مدمرة للأسرة. غير أنني لم استعمل كل هذه الحجج التي لا تتناسب مع الثقافة والواقع الغربي، فبادرتهن بسؤال جريئ يتعلق بواقعهن فقلت لهن: “لو سألتكن سؤالا جريئا هل ستجبنني بصراحة تامة؟” فلما شعرتُ باهتمامهن بما أقوله سألتهن: ” ألا تعتقدن بأن المجتمع الفرنسي هو حقيقة مجتمع تعددي” Ne pensez vous pas que la Société Française est vraiment une société polygame?” تعجبن كثيرا من السؤال فرحت أشرح لهن قائلا: ” أليست الخيانة الزوجية هي القاعدة تقريبا عندكم، وهي في الغالب رجالية؟” . ضحك بعضهن بلا تحفظ قأضفت قائلا: “من الضحية عندكم حين يمر الرجل على عدة نساء دون أي ضابط قانوني؟ أليست تلك النساء اللواتي يرميهن الرجل كل مرة بعد قضاء وطره ولا أحد ينجدهن؟ أليس أولئك الأطفال الذين ينشؤون دون اعتراف أبوي في كثير من الأحيان؟ أليست النساء هن اللواتي يبقين يتحملن  عبء تربية هؤلاء الأولاد أو تحمل تأنيب الضمير بالتخلي عليهم بأشكال متعددة؟ أليست هذه القصص شائعة جدا عندكم في فرنسا وفي الغرب عموما؟ خيّمت حالة من الحرج عند هؤلاء النساء الفرنسيات ولكنهن أكدن صحة ما أقول. وعندئذ أخبرتهن بأن الإسلام أراد تنظيم هذه الحالة الاجتماعية بتحميل الرجل الذي يريد الارتباط بغير زوجته مسؤولية قانونية علنية بعقدٍ مدني وشهود من أجل حفظ كرامة وحقوق المرأة التي يعدد بها، وكرامة وحقوق الأطفال الذين ينشؤون من هذا التعدد، كما حدد الإسلام عدد المرات التي يكرر فيها هذا الرجل الزواج حتى يمنع عبث الرجال فلا يحرّفون الزواج عن أهدافه الأصلية المقدسة الذي يسميه الله تعالى “ميثاقا غليظا”. لم يكن أتوقع أن يكون التأثر على النحو الذي رأيته في ذلك الجمع النسوي الذي يكون في حدود سبع نساء من مختلف الأعمار. ولكن تعجبي الكبير كان من امرأة من تلك النساء جزائرية الأصل، هي الوحيدة التي كانت تلبس لباسا فاضحا مزعجا، غضَبت من التأثر الإيجابي للنساء الفرنسيات وحاولت دون جدوى تعكير الأجواء مدّعية بأن والدها إمام وهي لا توافقني الرأي.

 

د. عبد الرزاق مقري 

 

كلام متداخل في السياسة : نعم ولكن؟

أثير نقاش لدى بعض المهتمين بالشأن السياسي حول إعلان جاهزيتنا لخوض غمار الانتخابات، ويقولون أنه يجب تأجيل الانتخابات وأن الأولوية للتغيير والإصلاح السياسي ،

ولكن السؤال المحير هو لماذا لم يساعدنا هؤلاء حينما دعونا قبل الحراك إلى ” الإصلاحات قبل الانتخابات”؟ وإلى تغيير الدستور وقانون الانتخابات وإنشاء لجنة وطنية مستقلة لتنظيم الانتخابات، وكل هذا بالحوار  وبالتوافق الوطني ولو اضطرّنا الأمر إلى تأجيل الانتخابات من ستة أشهر إلى سنة؟ مع منع العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وتمديد عهدته، ورفض فرض شخصية أخرى بدله من داخل سرايا الحكم دون توافق، كما أعلنا عنه في وقته ونشرنا وثائقه وتقاريره بأسماء المعنيين من السلطة والمعارضة، وكذلك لماذا لم يسند هؤلاء ملتقى الحوار في عين بنيان من أجل ضمان مسار إصلاحات ومسار انتخابي متفق عليه؟

لقد علمتنا التجربة بأن كثيرا من المواقف في شأننا السياسي أساسها الأنانية والحسابات الشخصية والحزبية والجهوية والفئوية والمصلحية، والقليل بيننا من يثق في اختيار الشعب الجزائري ويجتهد للمصلحة العامة حقيقة.

نحن جاهزون، في حركة مجتمع السلم، في أي وقت للحوار الجاد والتوافق الوطني الصادق ولكن لسنا ساجذين ولن ننتظر الأوهام، ونحن جاهزون فعليا للمنافسة الانتخابية. ونقول للجميع:

نعم للحريات، نعم للتغيير والإصلاح السياسي، نعم لضمانات نزاهة الانتخابات، نعم لتمدين العمل السياسي، نعم لحرية الإعلام، نعم لحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، نعم لاستقلالية القضاء، نعم لحرية المظاهرات والمسيرات،  نعم لإطلاق سراح سجناء الرأي، نعم لميزان قوة سياسي لصالح التغيير، نعم لحماية البلد من التدخلات الأجنبية، نعم لحماية الاقتصاد من الفساد وتبديد الثروة وخدمة مصالح الأجانب واللوبيات المهيمنة… نعم للحوار حول كل هذا… ولكن كيف يمكن بناء مؤسسات شرعية وقوية وذات مصداقية تضمن كل هذا بدون انتخابات تجسد الإرادة الشعبية؟ هل سنظل ننتظر ظهور أحزاب قادرة على المنافسة حتى ننظم انتخابات؟ انتخابات تبقى تؤجل بلا رؤية ولا اتفاق حتى نخرج من الإطار الدستوري وننتقل من الشرعية المنقوصة إلى غياب الشرعية كليه ثم نضيع جميعا؟ لمصلحة من هذا؟ أليس هذا لمصلحة النظام السياسي ولمصلحة الأقليات النافذة؟ ألم يُظهر الوضع الذي وصلنا إليه  فشل المرحلة الانتقالية التي جاءت بعد إلغاء الانتخابات سنة 1992؟ ألم نستفد من فشل المؤسسات التي أقيمت بالتعيين؟ ثم ألم تخدعنا الأوهام بأن هناك من ينزل من السماء لحماية الوطن وحماية ثوابته وحماية الإرادة الشعبية ويعفينا نحن من التضحية والنضال السياسي؟ ألم نجد أنفسنا أمام الأمر الواقع الذي نضطر للتعامل معه حين تركنا المشاركة السياسية ضمن المتاح؟ ألم يحن الوقت لنفهم بأن السياسة في الأخير هي ما يتحقق فعليا في مسار المقاومة السياسية السلمية الهادفة، إما جذريا أو على مراحل بما تتيحه الظروف وعزائم الرحال؟  إما عن  طريق  الشارع برؤى وطنية سلمية هادفة أو عن طريق الانتخابات مهما كانت هوامشها المتاحة؟ ألم ندرك أن أن أسوء السياسيين هم الذين يتكلمون كثيرا ولكن لا يفعلون شيئا سوى الكلام والخصومات المعيقة الفارغة؟ نعم نحن جاهزون للتعاون مع من يعمل ويحترم الغير وله الاستعداد للتنازل ولكن في نفس الوقت نحن جاهزون لرفع التحديات قياما بالواجب ثم ثقة بأنفسنا.

 

د. عبد الرزاق مقري.

لماذا التطبيع خيانة وجريمة؟

سبق لنا في مقال سابق أن تحدثنا عما تمثله لنا القضية الفلسطينية ولماذا هي قضيتنا المركزية كأحرار وعرب ومسلمين، ولأهمية التطورات الحاصلة في هذا الملف ووجود حزب إسلامي في قلبها رأينا أن نفصل في موقفنا من هذه الأحداث عبر عشرة مقالات، معتبرين المقال السابق هو فاتحة هذه السلسلة.
ومقال اليوم يتعلق بموقفنا المبدئي من التطبيع ولماذا نعتبره خيانة للقضية مهما كانت الظروف ومهددا لمستقبلها ومستقبل العالم العربي والإسلامي بالمجمل في مختلف الجوانب.
إن التطبيع ركن من أركان قيام واستمرار المشروع الصهيوني، فالكيان الصهيوني كيان غريب ضار زرع بالقوة زرعا في جسم غريب عنه، و هو كيان محتل لأرض عربية إسلامية من أخبث أنواع الاحتلال الإحلالي الذي يريد طرد شعب من أرضه متجذر فيها أبا عن جد عبر الزمن، وإحلال شعب آخر بدله جاؤوا به من مختلف أنحاء العالم لا يتصل مجملهم في هذه الأرض بجده الثاني الأعلى، ويريد هذا الاحتلال طمس كل معالم الوجود الحضاري والديني والثقافي لأصحاب الأرض، وتدمير مقدساته وعلى رأسها المسجد الأقصى، والسيطرة على المنطقة كلها سياسيا واقتصاديا وعلميا واجتماعيا وثقافيا. وهذا الشعب الذي يراد طرده من بلده فلسطين، و يراد تدمير مقدساته وطمس هويته هو جزء من شعوب العالم العربي والإسلامي، ينتمي وإياهم إلى أمة واحدة ذات خصائص دينية وثقافية وحضارية واحدة، ولها تاريخ متماثل منذ قرون، ومصير مشترك الآن وفي المستقبل، ظلت مكوناتها متناصرة بينها في كل الظروف رغم المآسي والتحولات السياسية المختلفة، وما الهدف من التطبيع إلا كسر هذه الوحدة الصلبة القوية التي عجزت حقبة الاستعمار عن تفتيتها، وذلك من خلال جعل وجود هذا الكيان المحتل الغريب طبيعيا بيننا نتبادل معه الزيارات والبضائع والصداقات وكل انواع التعامل، بمعنى أن نحول العدو الظالم إلى صديق، على المستوى الوجداني والعاطفي وليصبح حليفا تبرم معه اتفاقيات التعاون والحماية المتبادلة. ويمكن أن نبسّط تصوير هذه الجريمة كحال حارة يسكنها أشقاء يسطو غريب على دار أحدهم، فلا يكتفي إخوة المظلوم بعدم نصرته بل يصادقون الظالم ويعتبرون وجوده طبيعيا وبزيدون في قوته بمجالسته والأكل والشرب معه، بل بتعاونهم معه ماديا ومعنويا، كيف لهؤلاء الأشقاء المتخاذلين الخائنين أن يقنعوا أخاهم المظلوم بأنهم لا زالوا ينصرونه. إن تصرف الخذلان هذا يستوجب اللعنة والعياذ بالله مهما كانت الادعاءات، كحال بني إسرائيل الذين لعنهم الله تعالى في قوله: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وعيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة : 78-79])) وقد بين ذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه ابن مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : (( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. )) [أخرجه الترمذي وحسنه].
ولا يستطيع هؤلاء المطبعون أن يتعللوا بكذبة تعايش الأديان ووجوب الإحسان لأهل الكتاب، فهؤلاء اليهود المحتلون ليسو مسالمين يجوز برهم والإقساط إليهم وفق ما جاء في قول الله تعالى في معرض حديثه عن العلاقة مع المشركين وأهل الكتاب ضمن رؤية قرآنية عامة للعلاقات الدولية في سورة الممتحنة التي تبدأ بقوله سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) )) إلى أن يقول : (( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) )) ليجيز للمسلمين التعامل بالبر والقسط مع دول كل الملل والمعتقدات ما لم يكونوا محاربين لهم قد شردوهم وأخرجوهم من ديارهم، إلى أن يقول بلسان عربي مبين: (( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)))، فحرّم سبحانه بشكل قطعي موالاة المحاربين، والموالاة في سياق السورة هي العلاقات الودية والتبادل والتعاون بما يقوي العدو، وهو ذات الأمر الذي يفعله المطبعون مع الكيان الص&هيوني المحتل الذي حارب الفلسطينيين وشردهم وطردهم من قراهم وبيوتهم ولم يسمح لهم بالعودة، فلا زالوا يعيشون في اللجوء إلى الآن.
– أما من الناحية السياسية فإن الهدف من التطبيع هو تأمين العدو المحتل بأن لا خوف عليه، وبما يجعله يستمر في الاحتلال دون أي خطر يتهدده، وأنه يمكن أن يستفرد بالشعب الفلسطيني ويخضعه بشتى الوسائل، وأن هؤلاء الفلسطينيين لا سند لهم في مقاومة المحتل، وأقصى ما يأخذونه من مساعدة من المطبعين، ربما، هو صدقات لسد رمق العيش حتى لا يهلكوا بالمجاعات، بلا كرامة ولا عزة ولا حرية ولا مستقبل، بل إن التطبيع هو ما يجعل الكيان المحتل هو الأكثر قوة، يوما بعد يوم، وأكثر ظهورا على إخوانهم المسلمين من خلال مختلف أسباب التعاون بينه وبين الدول المطبعة.
ومن أسوء أنواع التحايل على القضية الفلسطينية هو ادعاء المطبعين بأنهم يستمرون في دعم القضية الفلسطينية ضمن المسار السلمي وحل الدولتين، والحاصل أن مجرد إعلان التطبيع معناه التخلي عن حل الدولتين الذي تشدق به حكام العرب ضمن المبادرة العربية المزعومة التي تسمح بالتطبيع في حالة خروج الكيان المحتل من أراضي 67، فأي تطبيع قبل ذلك معناه التخلي عمليا عن إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 وعاصمتها القدس الشريف. أما الادعاء بأن ما لم يتحقق بالمقاومة وبالضغط الجماعي من أجل القضية الفلسطينية يمكن تحقيقه بالتطبيع فهو تدليس آثم يسقط وهمَه ما آلت إليه القضية الفلسطينية ضمن اتفاقيات أوسلو التي مسح بها حكام الكيان الصهيوني الأرض وأنهوها عمليا. وكان الأولى بهؤلاء المتخاذلين إذا كانت فلسطين تهمهم فعلا أن لا يعينوا العدو على الأقل إذ عجزوا على مناصرة الفلسطينيين، فيبقوا الكيان الصهيوني معزولا ولا يهيؤوا له أسباب التمدد في كيان الأمة. لم يصبح مطلوبا منهم، وقد وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الانحطاط، أن يحاربوا إس&رائيل ولا أن يساعدوا الفلسطينيين على تحرير بلدهم، كل ما أصبح يطلب منهم أن لا يساعدوا العدو المحتل بتطبيع العلاقة معه.
أما بالنسبة للمطبعين الذين أظهروا تخليهم عن القضية الفلسطينية، سواء بالتصريح أو بالفعل، بحجة أنهم يبحثون عن مصالح أوطلنهم بمصالحة الص&هاينة فلينظروا إلى الذين صالحوا هذا العدو وأدخلوه ديارهم كيف هو حالهم بعد عقود من عقود الخيانة، فلينظروا كيف هو حال مصر، هذا البلد العظيم، الغني ببعده الحضاري وموارده البشرية العريقة والكبيرة، وموارده الطبيعية الوافرة، أرض النيل وصاحب الموقع الجيوستراتيحي المتميز في قلب الأمة وقلب العالم كيف هو حاله اليوم، بلد فقير يغرق في التخلف والضعف والهوان وعدم الاستقرار وفقدان السيادة، لا يحفظ أمنه ووجوده الا بالمساعدات الخارجية، في وقت تبرز وتتطور وتزدهر دول أقل أهمية ومقدرات من مصر . ولينظروا إلى حال الأردن صاحب الوصاية الرسمية على المسجد الأقصى (بلا قدرة على فعل شيء لحمايته)، والأرض المعطرة بقبور الصحابة والتابعين، كيف هو مجرد بلد وظيفي لا حول له ولا قوة، لم يستطع تحقيق إقلاعه التنموي رغم الموارد البشرية المتميزة التي يملكها، ولينظروا إلى أين انتهى ياسر عرفات وكيف هي السلطة الفلسطينية المزعومة ورئيسها محمود عباس. إن الكيان الص&هيوني إذا حل ببلد، ووجد فيه الأمن والأمان والعلاقات الطبيعية، فإن وجوده سيكون استخباراتيا تدميريا بالأساس مقصده تدمير مقدرات ذلك البلد وهدم تحصيناته الأخلاقية والثقافية والدينية، وليَفتك بقيمه وأعرافه، ويجعل اقتصاده تابعا للمنظومة الرأسمالية المالية التي يسيطر عليها الص&هاينة وأحلافهم من المادييين المتحكمين في الشركات الاستغلالية العابرة للجغرافيا، ثم لجعل أغلب مواطني الدول المطبعة فقراء يلهثون ليل نهار وراء لقمة العيش لا غير كسلعة عمالية رخيصة لدى هذه الشركات.
ومن يعتقد بأنه مكره على التطبيع، وأن هرولته نحو العدو إنما هو كمن يأكل الجيفة مضطرا فهو كاذب، إذ لا اضطرار لمن عزم على المقاومة والصبر والثبات، فكم من بلدان في تاريخ البشرية انعتقت بعد عقود من الضعف عجزوا فيها عن هزيمة الظالم القوي إذ لم يعترفوا به حتى توفرت الظروف الأفضل للفتك به، إنما التطبيع قتل للنفس محرم في كل الشرائع في كل الأحوال، اللهم ليس ثمة اضطرار يعذر به المطبع إنما هو خيانة للمبادئ وسقوط أخلاقي لا يمح عاره الزمن، وهو مع ذلك قلة رجولة وانعدام للمروءة حيث أنه خذلان وطعنة في ظهر الفلسطينيين الأشقاء العزل، وهو تفتيت لوحدة الأمة وانغماس في قطرية تغرق فيها العقول القاصرة التي لم تفهم أهمية المحاور الكبرى في هذا الزمن وحتمية استقواء الأمم ذات الانتماء الواحد والمصالح المشتركة ببعضها البعض ضمن عالم معادٍ متكتل، وهو في هذا السياق إنكار لما أراده الله لنا كمسلمين لنكون أمة واحدة وفق قوله تعالى: (( وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) ، ونقض للأخوة الإسلامية التي ثبتها الله تعالى في قوله: (( إنما المؤمنون إخوة))، وترك لموالاة المؤمنين بعضهم بعضا وتخل عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معا وفق ما أمر به المولى سبحانه: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)})).
وأسوء من ذلك كله، أن المطبعين يضعون أنفسهم في كفة المحاربين الذي قاتلوا المؤمنين في دينهم وأخرجوهم من ديارهم، إذ هم ممن حموا ظهور الأعداء، فلا غرو أن يُعَدّون من الظالمين الذين لا يمكن بذل البر والإقساط لهم ولو كانوا مسلمين، إذ هم بتطبيعهم قد ظاهروا الصهاينة المعتدين على الفلسطينيين
وفق ما جاء في قوله تعالى في الآية التي ذكرناها أعلاه في سورة الممتحنة: (( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) ))، والله نسأله الهداية والعافية والثبات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. عبد الرزاق مقري

إسلاميون وخبز مسموم

ملاحظة قبل القراءة: هذا المقال ليس مخصوصا لجهة محددة دون غيرها، سواء ما تعلق بالأشخاص أو الأحزاب، في أي بلد من البلدان أو حزب من الأحزاب، الأقربين منهم والأبعدين، وإنما هو قول حق اقتنعنا به رأينا واجب الصدع به، فإن كان صوابا نسأل الله أن ينفع به، وإن كان خطأ نسأله العفو والسداد.

يقول البشير الإبراهيمي رحمه الله ‏”قبّح اللّه خبزة أبيع بها ديني، وأعق بها سلفي، وأهين بها نفسي، وأهدم بها شرفي، وأكون بها حجّة على قومي وتاريخي“. هذا هو الخبز المسموم، والخبزة المسمومة هنا مفهومها واسع: مال ومتع ومصالح شخصية، جاه وسلطة وشهرة وعلاقة وبهارج.. الخ ..

لقد ابتليت الأمة منذ عقود بأنظمة فاشلة تنشر الفشل، فاسدة مفسدة، استأثرت بالحكم ضد إرادة الشعوب، حكمت ببرامج علمانية خفية ومعلنة، معادية لهوية الأمة، مدمرة للثروات البشرية والمادية، بالرداءة تارة وبالتقصد تارة، بعض حكامها باع الأوطان للأجنبي وبعضها أضعفها وشتتها، أكلوا جميعا الخبز المسموم على حساب بلدانهم، فشلوا في تحقيق التنمية، وحكموا بالقوة والسيطرة والهيمنة، فمنعوا أو ضيقوا على الحريات وغيبوا الإرادة الشعبية الحقة، أفسدوا العملية السياسية برمتها وعقدوا الحياة الاجتماعية بين الناس، فسيطروا على الأحزاب والمنظمات وركائز المجتمع، ضيقوا على الناس وألجؤوهم إلى أضيق السبل حتى هاجر بعضهم، وانكفأ على ذاته بعضهم، وفسد بعضهم، وتطرف بعضهم، ومن ثبت منهم عاش جلهم حياة شاقة بلا أفق.

وفي الوقت الذي انتظرت فيه الأمة البديل الاسلامي لينقذها من هذه الأنظمة الفاسدة الفاشلة، ظهرت تيارات إسلامية أحسن الناس الظن بها وراهنوا عليها في كل انتخاباتهم، وصبروا على عدم تمكنها بسبب الانقلابات والتزوير والمنع والصد، غير أن طول الطريق أفسد بعض هؤلاء فنزعوا إلى أكل الخبز المسموم كمن فاتهم من الأحزاب والقوى السياسية الحاكمة، لا أقصد في هؤلاء التيارات الدينية ذات التشدد الظاهري التي صنعتها الأجهزة الاستخباراتية للسيطرة على الساحة الدينية، والتي أضحت، بِليّ أعماق النصوص الشرعية، تبغض الصالحين وتحارب المصلحين، وتوالي العلمانيين والفاسدين وتسند الظالمين. بل أقصد تلك الأحزاب التي جاءت من عمق الدعوة التي صنعت الصحوة وولجت عالم السياسة ضمن تطور سنني طبيعي، ولما بعدت على قادتهم الشقة أفتوا لأنفسهم الخضوع والخنوع والتفريط في المبادئ والقيم، فتبعهم أتباعهم بسذاجة وقلة وعي ممزوج بحب السلطة والدعة والنعيم، أو بمكر وخداع معجون بالكبر والهوى والتعلق بالمصالح الشخصية لا غير.

وأخطر ما في هؤلاء القادة أنهم يدّعون الفهم ويبررون باسم التجديد الإسلامي مواقفهم المخزية، ويتفيقهون بما سموه “الاجتهادات المقاصدية” التي لا قصد فيها إلا المصالح الشخصية. يدورون حيث دار الحاكم صاحب “الجلالة” أو “الفخامة” يقدسونه قداسة لم يعطها المسلمون الأوائل لخير الحكام أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، بل يجعلون قرارات حكامهم الفاسدين مقدّسة، ويعطونهم حق إصدارها بمفردهم بلا مؤسسات ولا رقيب ولا حسيب ولو كانت تلك القرارات تتعلق بمصير البلد ومصائر الخلق في الحاضر والمستقبل، ولو كانت تتعلق بالصلح مع العدو، ولو كانت تتعلق بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وإنه لعمري تقديس كاذب، أظهرت لنا التجارب، بعد حسن ظنٍ بالكثيرين ممن اختلفنا معهم في هذا الشأن، بأنه إنما هو تقديس للمصالح الشخصية المرتبطة بقوة الحاكم وغلبته، إذ سيكون هو ذاته في مرمى ضربات هؤلاء المتزلفين حين يضعف أو ينكسر، للانتقال لدعم غيره المتغلب الجديد. ومن أسوء ما سمعنا من هؤلاء، مما أصبح ممجوجا مقرفا لا يمكن بلعه ولا حتى سماعه، حديثهم عن المصلحة الوطنية ومصلحة الأمة، يقولون أنهم يصونون الوطن وهم ممن يدمره، يدّعون المحافظة على الدولة وهم ممن يهدمها، ويقولون نحمي الدين وهم ممن ينقض عراه، يقولون ندفع المفاسد ولو بترك المصالح، وهم يجلبون المفاسد للدين والأوطان والأمة، ولا يأتون بالمصالح إلا لأنفسهم، يقولون نلتزم بالدفاع عن فلسطين وهم عمليا يتآمرون عليها ويقوون أعداءها. أليس هذا من الكذب على الله الذي بينه الله تعالى في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّه عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود : 18 ).)) ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إننا لا نقصد ضمن هؤلاء أهل العلم والفكر والساسة الذين يجتهدون ويجددون ويحسنون تنزيل الأفكار والأبعاد المقاصدية الحقة على الواقع، وإن أخطؤوا لا يستنكفون أن يعودوا للحق ولو كرهت نفوسهم، إنما نقصد من استعملوا النصوص وما يسمونه “اجتهادات مقاصدية” لتقويض الثوابت والمبادئ بما يضر بالإسلام والقضايا الأساسية للأمة، وهؤلاء يوجدون في العديد من الأقطار في عالمنا الإسلامي، الله أعلم بمقاصد الجميع ونواياهم في كل تجربة من تجارب هذا التيار الكبير، و رغم علمنا بوجود أدعياد فسدت أخلاقهم وأفكارهم ودلّنا عليهم سلوكهم وما نعلمه يقينا فيهم، لا ننكر ما اختلف فيه إلا ما ظهر عواره وانحرافه وخطره على الأمة مما لا يختلف حوله سواد المسلمين أو أكثرية أهل العقل والنهى، ونسأله سبحانه الثبات والسداد إلى أن نلقاه لا مبدلين ولا مغيرين.

غير أن الحمد والشكر لله أنه يوجد في جسم التيار الإسلامي العظيم، في كل البلدان أكثرية في التيار الإسلامي العظيم رجال وأحزاب ومنظمات، صامدين صادقين ثابتين مضحين، لا يبالون بالسلطة وهي بين أيديهم لو باعوا، ولا تهمهم المناصب وقد تركوها قصدا وطواعية إذ لم تكن لهم لمصلحة بلدانهم وأمتهم، بعضهم آثر الإيذاء بكل أصنافه إيمانا واحتسابا، وبعضهم يواصل المقاومة وفق المتاح بما يستطيع إلى أن تأتي ساعة التوفيق وفق قواعد سننية لن تتأخر حين تجتمع شروطها يحكمها مالك الملك العزيز العليم، مدركين جميعهم للرهانات الحقيقية، مستفيدين من التجارب الماضية، يحافظون على الأمل إلى أن يتحقق بإذن الله، في حياتهم، أو للأجيال المستقبلية… وهؤلاء جميعا، جيلا بعد جيل، هم أمل الأمة وأوطانها، لأن الإسلام الذي يخدمونه ويريدون استئناف نهضته وعودته الحضارية هو ذاته أمل الأمة ومستقبلها ولو كرها شانئوه، وصدق الله تعالى إذ يقول: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (28))) الفتح. إنه فعلا لا يخفى على أحد أن أعداء المشروع الإسلامي، وأعداء الإسلام ذاته يحاولون استغلال الصورة البائسة التي يمنحها أولئك الإسلاميون المستسلمون المتفيقهون، ولكن هيهات هيهات، قد تزول كل الأحزاب والمنظمات الإسلامية ولكن الإسلام باق، وهو ذاته بإرادة المولى من يوجد أحزابا ومنظمات إسلامية أخرى إن تولينا أو انحرفنا، كائنا من نكون، يختارها الله تعالى لبعث النهضة الحضارية الإسلامية من جديد، يحسنون العمل بما يوافق زمانهم دون التفريط في مبادئهم. قد يفرح خصوم الإسلاميين بسقطة هذا أو ذاك، هنا أو هناك، ولكنهم سيبقون بِغيْضهم ببقاء هذا المشروع الإسلامي العظيم وقومته، قومة قادمة رغم كل المصاعب القائمة والقادمة.ونختم هذا المقال بآية للتفكر والتدبر من سورة آل عمران:((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)))

د. عبد الرزاق مقري

لماذا فلسطين قضيتنا المركزية؟

أمام الموجة الجديدة لهرولة أنظمة عربية ضعيفة فاسدة للتطبيع مع الكيان الصهيوني وجب التذكير بمركزية القضية الفلسطينية وعظم جرم التفريط فيها. إن القضية الفلسطينية ليست قضية عادية يستطيع حاكم بلا ضمير ولا أخلاق أن يقرر بشأنها بما يضرها، وهي ليست قضية عابرة يستطيع دعيّ من النخب، هزيل الفكر فقير النفس أن يستخف بها، ولا هي مسألة ثانوية يمكن للمناضلين الواعين بقدسيتها وأبعادها وأعماقها وآثارها على كل مسلم وعلى العالم بأسره أن يتوقف عن دعمها ومناصرتها ومواجهة المطبعين وكل أعدائها،  والتضحية من أجلها ولو استغرق ذلك العمر كله.

فعلاوة على أن القضية الفلسطينية هي قضية احتلال أجنبي لبلد مسلم وجب دعم أهله لتحرير بلده فإن ثمة أبعادا أخرى ذات أهمية قصوى تجعل القضية الفلسطينية قضية مركزية عندنا، منها:

‐ أولا : قدسيتها الدينية من حيث أنها الأرض المباركة ومهد الرسالات ومهبط النبوات، وهي بيت المقدس و أرض المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين،  محط الإسراء برسول الله  من المسجد الحرام ومنطلق معراجه  عليه الصلاة والسلام، وبها  صلى المصطفى عليه الصلاة والسلام بالأنبياء والرسل، في إشارة لأحقية الإسلام بكل الديانات السابقة له، وهي عهد عمر ووصيه صلاح الدين، وهي قبل ذلك وبعده سورة في كتاب الله وآيات تتلى إلى يوم الدين، فهي قضية تهم كل مسلم يؤمن بكتاب الله ويتبع رسول الله، من فرّط فيها منهم فرط في عقيدته ودينه. ومِن مكر المطبعين والعملاء، وكذا الأغبياء والسذج والبلهاء من المسلمين محاولاتهم إسقاط بعدها الديني وقداستها السماوية لإضعافها وعزلها، رغم النصوص العظيمة المتعلقة بها، وبالرغم من أنهم يرون كيف أن تأسيس وهم الدولة الإسرائيلية بُني على أساس ديني توراتي محرف ورمزيات تاريخية تلمودية تستعمل لهدم المسجد الأقصى لبناء هيكل مزعوم، كما أن المناصرين للكيان الصهيوني في الغرب، وفي أمريكا خصوصا، يبنون موقفهم على أساس معتقدات بروتستنتية انجيلية متطرفة، لا يتآمر الرئيس الأمريكي ترامب على فلسطين إلا لإرضاء أتباعها وكسبهم انتخابيا.

ثانيا: بعدها الاستراتيجي المتعلق بالصراع القائم بين الإسلام والغرب منذ فتوحات الشام وفتح القسطنطينية وبلاد الأندلس وقيام الحضارة الإسلامية العظيمة وريادتها للدنيا لقرون من الزمن، و بسبب تمركز المسلمين النهائي في قلب العالم من حيث الموقع الاستراتيجي ومركز الحضارات، وحيث الخيرات والموارد بكل أصنافها. لم تتوقف المكايدة الغربية المسيحية اليهودية حتى أُسقِطت الخلافة الاسلامية واحتُل العالم الإسلامي كله، فنُهبت خيراته وقهرت شعوبه، ثم سلط عليه حكام عملاء للاستعمار لمواصلة التبعية والاستمرار في الخضوع والخنوع رغم استقلال الأوطان وجلاء جيوش الأجانب. لقد أدرك قادة الغرب بأن ثبات المسلمين سيظل قائما ما بقي الإسلام فيهم وأن مقاومة الشعوب لن تتوقف حتى تتحرر كليا وتستأنف ألقها الحضاري من جديد، فدفعَهم مكرُهم وكيدهم إلى ابتكار خطط كثيرة تضمن تبعية المسلمين ودوام ضعفهم وتشتتهم دون حروب ما أمكن وبلا تكاليف كبيرة وتضحيات جسيمة، ومن ابتكاراتهم الخبيثة في هذا الشأن إنشاء ثكنة عسكرية عظيمة في قلب العالم العربي والإسلامي بملايين الجنود في داخلها، مدربين على أعلى مستويات الحقد على المسلمين مدججين بأفتك الأسلحة وأكثرها تطورا قد ربطوا وجودهم ومصيرهم ومستقبلهم بمحاربة العرب والمسلمين وتشتيتهم وإضعافهم وإخضاعهم. فكانت دولة إسرائيل المزعومة هي تلك الثكنة وكان ملايين الجنود هم اليهود الذين جاؤوا بهم من مختلف البلدان، مدنيهم وعسكريهم. ولا بد من الانتباه ها هنا بأن توكيل اليهود من قبل الانجليز للدفاع عن مصالح الغرب يضمر في داخله بعدا عنصريا ضد اليهود كما هو حال التطرف المسيحي منذ قرون من الزمن،فقد وجدوا حيلة للتخلص من اليهود والمسلمين معا وفي آن واحد، وكانت هذه المؤامرة بتواطئ مع المنظمة الصهيونية التي تكفلت بتنفيذ مخطط التغرير باليهود ووضعهم في مواجهة دائمة مع المسلمين، رغم حالة التعايش البديعة والرعاية الحضارية التي حظي بها اليهود في الشام والعراق والأندلس والأناضول أثناء مجد الإسلام. وفي خضم هذه المواجهة تحركت كل الأحقاد العقائدية اليهودية  وبرزت كل سمات المكر والغدر والأخلاق الذميمة المذكورة في القرآن والمسجلة في سجلات التاريخ عبر مختلف الأزمة. وبعد أن أنشئت هذه الدولة_الثكنة فلا يمكن أن تكتمل الخطة إلا بضمان تفوقها الكلي والدائم في المنطقة في مختلف الجوانب، لكي يكون لها الدور الأساس لمنع المارد الإسلامي للخروج من قمقمه ومنعه الأبدي لاستئناف دوره الحضاري. وعلى هذا الأساس يعتبر الكيان الإسرائيلي هو أخطر موجود في المنطقة وفي العالم على حاضر ومستقبل الدول الإسلامية، إذ لا وظيفة له إلا إضعاف المسلمين وتشتيتهم، وعلى هذا الأساس يعتبر ضرب الأفعة على رأسها في فلسطين خيار استراتيجي لحماية أوطاننا وتحقيق نهضتنا وتطورنا. إنه يكفي لفهم هذا البعد الاستراتيجي الخطير أن ندرك مغزى تصريح عدد من الساسة الأمريكان علانية: ” لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها لحماية المصالح الأمريكية”، وهو قول ينسب إلى بايدن كذلك،  وقول أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي : ” تصوروا لو لم تكن إسرائيل موجودة كم كان يلزم لنا من بوارج بحرية وطائرات وآليات عسكرية، وكم من أعداد هائلة من الجنود يبقون مجندين في الشرق الأوسط”

ثالثا: ولئن كان لمركزية القضية أبعاد دينية واستراتيجية فإنه لنا كجزائريين بعد آخر وهو البعد الوطني، حيث لنا مع اليهود الذي عاشوا في الجزائر لقرون حساب خاص إذ لم يراعوا احتضان المسلمين الجزائريين لهم في غابر الزمن وخصوصا بعد لجوئهم إلى دول المغرب العربي بإعداد كبيرة على إثر جرائم محاكم التفتيش الصليبية بعد سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر إلى حد أصبحوا جزء طبيعيا في النسيج الاجتماعي الجزائري. لقد غدروا الجزائريين أولا بدعمهم جيوش الاستعمار بعد دخولهم الجزائر سنة 1830، فكانوا هم المترجمين وهم الأدلاء على مسالك المقاومين لدى العساكر الفرنسيين، ثم تميزوا عن الجزائريين بالجنسية الفرنسية على حساب السكان الأصلاء الذي حولوا الى سكان من الدرجة الثانية

بمقتضى  قانون الأهالي سنة 1870، ورغم البلاء الشديد الذي أصبحوا يتسببون فيه للمسلمين الجزائريين تحت الاستعمار بقي وجودهم طبيعيا بين السكان، إلى أن جاءت الثورة التحريرية الكبرى سنة 1954 فخيرهم قادة الثورة بين الانتماء الجزائري أو الحياد أو أن يعتبرون كالفرنسيين أعداء يُحاربون، فاختاروا صف المحتلين وألحقوا بالمجاهدين أضرارا كبيرة فأثخنت في عملائهم ورموزهم الثورةُ، وحين اضطر الرئيس الفرنسي ديغول للتفاوض مع جبهة التحرير الوطني انضموا إلى جبهة المعمرين الأوربيين المتطرفين الرافضين وشكلوا منظمة إرهابية ( المنظمة المسلحة السرية) تسببت في جرائم فظيعة في وسط المدنيين في الأحياء التي يسكنها المسلمون الجزائريون، ولكثرة جرائمهم لم يجرؤوا على البقاء في الجزائر عند الاستقلال فخرجوا عن بكرة أبيهم من البلاد وهذا الذي يفسر خلو الجزائر منهم، وهذا الذي يفسر العداوة الشديدة بين الجزائريين والإسرائليين، وهذا الذي يفسر  تعلق الجزائريين بفلسطين منذ زمن طويل وإلى هذا اليوم على المستوى الرسمي والشعبي.

وفي الختام يتضح جليا من خلال ذكر هذه الأبعاد بأن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني هو انحراف يتعلق بمسألة عقائدية، وتفريط استراتيجي في حق الأمة العربية والإسلامية، وخيانة وطنية لما سببه لأوطاننا التطرف اليهودي و اللوبيات الصهيونية.

 

د. عبد الرزاق مقري

الإمارات في مدينة العيون. أينما حلت الإمارات تعقدت الأزمات … وسالت الدماء

لا يجب أن نعتقد في الجزائر بأنه حين يحط حكام دولة الإمارات رحالهم في المغرب العربي، ويدخلون في مشكلة معقدة بين شعبين شقيقين جارين، بأنهم يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم، فهم أهون وأضعف من أن يقدروا على مواجهة الجزائر، إنما يفعلون ذلك ضمن مشروع صهيوني مسنود أمريكيا وفرنسيا لابتزاز الجزائر وإخضاعها.

إن الحكم على حكام الإمارات اليوم هو ذات الحكم على المشروع الصهيوني،  فهم ليسو دولة ضعيفة دفع حكامَها غوايةُ البقاء في الحكم إلى الاستسلام والخنوع، إنهم اليوم جزء من مؤامرة ضرب الأمة العربية والإسلامية وتفتيتها وإخضاعها.

ومن اعتقد بأن تجنب كيد حكام الإمارات ومن وراءها الصهاينة والقوى الغربية المنافقة يكون بالخضوع والتنازل فهو في تيه عظيم، وهو ذاته جزء من البلاء، فمن بدأ التنازل لن يتوقف فيه حتى يهوي ويهوي معه البلد. إن الحل في مواجهة “صناع الفتن” هؤلاء  وأسيادهم إنما يكون بوحدة الصف وتجسيد الإرادة الشعبية وتنمية الوطن وشحن وحسن تسيير مقدراته البشرية والمادية والجغرافية لتكون الجزائر قوة إقليمية مؤثرة وليست متأثرة، وفاعلة وليس مفعول بها، وسيدة وليست مسوّدة، تملأ الفراغات التي تتركها التحولات الدولية الجديدة كما فعلت العديد من القوى الإقليمية الأخرى التي باتت تفرض نفسها كشريك لا يُتجاوز مع الدول الكبرى في تسيير أعماقها الاستراتيجية.

يا من يسمع!

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية