نحن ضد التطبيع مع الكـ.ـيان، وموقفنا مبدئي لا نحابي فيه أحدا ولا نخشى فيه لوم لائم، والقضية الفلسـ.طينية عندنا قضية مركزية نسندها وننصرها في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا، ولست أدري لماذا يعتقد المستلبون دينيا أو حضاريا أننا نسكت على تطبيع الدولة التركية مع الكـ.يان؟ لماذا نفعل ذلك؟
هل لأن هؤلاء المستلبين عمـ.ـلاء للصـ.هـ.ـا.ينة والدول الغربية، ويبيعون مواقفهم بسبب المال والمصالح، يعتقدون أننا نبيع تركيا مواقفنا من أجل مصالحنا. لو كنا نبيع أنفسنا وضمائرنا من أجل المصالح لبعناها لدولتنا فهي أولى بذلك من غيرها إن كنا نفعل.
نحن من ساهم بفاعلية مشهودة في تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطـ.ـبيع بعد حادثة المصافحة المشؤومة وحين كان الرئيس السابق ينوي دعوة أنريكو ماسياس للجزائر. ونحن لا زلنا على هذا العهد لم نغير ولم نبدل، ولو أراد حكام الجزائر التوجه للتـ.ـطبيع (وهم لم يفعلوا ذلك مشكورين) لواجهناهم، فكيف نقبله من دولة أخرى.
فليفرق هؤلاء الذين سُلبت عقولهم بين إعجابنا بما أنجزه أردوغان على مستوى تنمية بلده وإسعاد شعبه وتحويل تركيا إلى قوة إقليمية ذات سيادة تواجه الغرب والشرق بلا وجل، وبين موقفها المرفوض لدينا بأشد أنواع الرفض بخصوص سياستها التطبيعية. وما الفرق في تعبيرنا عن إعجابنا بتطور بلدان تعترف بالكـ.ـيان، كالفيتنام وجنوب إفريقيا، وبين إعجابنا بتركيا؟ صحيح نحن نفرح أكثر حينما يتطور ويتقدم بلد مسلم، ولكن هذا لن يغير موقفنا من التـ.ـطبيع.
في هذا اليوم الذي استقبل فيه الرئيس التركي رئيس الكـ.ـيان أشعر أنني أقرب إلى زملائي الأتراك الذين سقطوا أمامي جرحى حين كنا معا على سفينة مرمرة وهم اليوم في الشارع ينددون بزيارة رئيس الكـ.ـيان لأنقرة كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، وإلى كل المناضلين الأتراك الذين يعبرون عن رفضهم التطـ.ـبيع في بلدهم ألف تحية.
القضية الفلسـ.ـطينية عندنا قضية مبدئية، نناصرها بالأفعال قبل الأقوال منذ شبابنا، فنحن من نظم المشاركة الجزائرية في أسطول الحرية وشاركنا فيها بأنفسنا وواجهنا مع بعض أهلينا رصاص المحـ.ـتلين وحين أدخلونا سجونهم، ونحن من شارك ونظم عشرات حملات كسر الحصار، و آثارنا متجددة بحمد الله في غـ.زة والضـ.ـفة والقدس يعرفها ويشهد بها أهلنا في فلسـ.ـطين.
وإن كان هؤلاء المستلبون مبتهجين بصور استقبال أردوغان لرئيس الكـ.يان حتى يغطوا عوراتهم فهنيئا لهم واللوم على أردوغان الذي أعطاهم هذه الفرصة، ولكن ما بال رؤساهم فاشلين يستديمون التخـ.ـلف في بلدانهم وتراهم خاضعين للدول الغربية كالعبيد.
أردوغان جاء إلى الحكم وسفارة الكـ.يان قائمة منذ سبعين سنة من قبل العلمانيين الكماليين، وتمنينا لو غير المسار، وهو إذ لم يفعل يُدان في ذلك ولا يُقبل له أي تبرير، أما حكامكم فقد وجدوا دولا صنعها أبطال الحركات الوطنية العربية ثم جاء حكامكم بعدهم غيروا المسار وخانوا الأسس الدينية والقومية والإنسانية المتعلقة بفلسـ.ـطين التي قامت عليها دولهم.
د. عبد الرزاق مقري
عبر الحراك الشعبي الجزائري عن رفض شعبي عارم للنظام السياسي بكل تفاصيله، ولكن لم يكن يوم 22 فبراير 2019 الذي نعيش ذكراه الثالثة هو اليوم الذي كره فيه الجزائريون منظومة الحكم فجأة، بل كان اللحظة التي اجتمعت فيها زوايا الأمل المكسورة عبر سنوات عديدة تعيسة فصارت في يوم واحد بساطا واسعا شمل بلدا شاسعا بحجم الجزائر.
كان الجزائريون في مجملهم ساخطين عن وضعهم، يعبر كل منهم عن حنقه في زاوية خاصة به أو بأصحابه أو مجموعته أو حزبه، لا يكاد أحد يكمل قصته حتى يغلبه الأسى وغياب الأمل فيسكت أو يتوارى ثم كان يوم 22 فبراير فتحدث الجزائريون بصوت واحد متعدد الألوان، لم يضق لون بلون، بل صارت الألوان مجتمعة فسيفساء جميلة أبهرت العالم، وأعجزت الحاكم المتجبر المراوغ.يخطئ من يعتقد بأن الشعب ثار من تلقاء نفسه، كأن طيفا زار الناس في المنام كلفهم بالمسير لتوّهم.
لقد كان الاحتقان يُصنع يوما بعد يوم، تغذيه أشياء عديدة متناقضة في طبعها متعاضدة في فعلها. كان فساد النظام السياسي وفشله هو العامل الأساسي لصناعة الاحتقان، إذ حين يكون الحكام عادلين خادمين لشعوبهم لا يضرهم من ينازعهم الحكم، وحين يفسدون ويفرطون يسهل كشفهم.
ثم كان دور المعارضة التي تحملت مسؤولية كشف التجبر والفساد الذي بلغ عنان السماء وواجهته بلا توقف لسنوات، خصوصا منذ جريمة العهدة الرابعة سنة 2014 قبيل ظهور الانهيارات الاقتصادية وانكشاف الخيانة التامة للوطن، لا سيما حين وحّدت جبهتها عبر تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، فشعر الشعب بأن ثمة أمل يُصنع.
لن ينفع المتسكعين في هوامش السياسة، الركّابين للفرص في لحظاتها الأخيرة، قولُهم أن المعارضة لم يكن لها دور في بناء الاحتقان الذي صنع الحراك الشعبي. إن تلك الحملات السياسية المركزة التي قادتها التنسيقية، من ندوات وتجمعات ومسيرات وتدخلات إعلامية، هي من أبرز ما ساهم في توعية المواطنين وتشجيعهم وتجرئتهم على الوقوف في وجه النظام السياسي.
ومما أعطى للمعارضة مصداقيتها تحقق استشرافاتها قبل أن يَبِين كل شيء بعد انهيار أسعار النفط سنة 2016 واتضاح حجم الفساد حين اقترب أوان إفلاس البلاد. غير أن ثمة سببا آخر يضاف لأسباب الاحتقان، وهو صراعات الأجنحة من داخل النظام السياسي في ظل هشاشة موقع الرئاسة في الدولة، حيث بات القوم يضرب بعضهم بعضا بتحريك أدواتهم في المجتمع وفي المؤسسات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والشخصيات التابعة لهم.
إن القاعدة المرسومة في علم الاجتماع أن قيام الثورات وانفجار الشارع يتطلب بلوغ الاحتقان الشعبي ذروته حتى يصبح كالبرميل القابل للانفجار، ثم تكون حادثة ما تؤدي دور الصاعق فينفجر البرميل. لقد كانت العهدة الخامسة لرئيس مريض مقعد لا يراه أحد، ضاعت في عهدته أموال طائلة لم تستفد منها سوى عصابته واقتصاديات دول أجنبية على رأسها فرنسا، هي صانعة ذروة الاحتقان. فمن أشعل الفتيل لينفجر البرميل؟ حينما يصل الاحتقان إلى الذروة ينفجر الوضع لأي سبب من الأسباب، ويكون ذلك السبب بمثابة الصاعق الذي يُشعل الشرارة المُفجّرة. قد تكون الشرارة حدثا عرضيا، أو عزمة جهة معارضة تركب الخطر وتقتحم الشارع، وقد يكون مُشعّل الفتيل جهة من جهات الحكم المتصارعة، أو يكون الأمر تدبيرا خارجيا.
كل هذا ممكنٌ بالنسبة لحراكنا الشعبي الجزائري، ولكن الذي رأيناه بأعيننا هو أن الذين تنادوا للخروج عبر الوسائط الاجتماعية والاتصالات المباشرة في الأحياء كانوا جزائريين، فعلوا ما كانت تفعله تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، خصوصا في مواجهة العهدة الرابعة والغاز الصخري، دون نتيجة إذ لم يكن الاحتقان قد بلغ مداه القابل للانفجار قبل العهدة الخامسة.
ومهما يكن من أسباب مباشرة فجرت الشارع، ومهما يكن حجم دور هذا المعطى أو ذاك فإن شرعية الثورة الشعبية السلمية كانت كاملة ومصداقيتها تامة، فالذي صنع أسبابها العميقة غير المباشرة هو فساد وتجبر النظام السياسي، لا سيما حينما رفض ذلك النظام المغرور دعوات الحوار للانتقال الديمقراطي فأوجب حينئذ الثورة عليه سلميا بنفسه.
لقد كانت حركة مجتمع السلم حاضرة بفاعلية في الحراك الشعبي، عبر إرسال التعليمات المكتوبة لمناضليها بالاستعداد للخروج للشارع قبل يوم الجمعة، وعبر خطاب مرئي مسموع في ندوة صحفية أياما قليلة قبل الحراك وبنزول رئيسها وقادتها في أول جمعة، وبقائها في الحراك إلى نهايته، بانسجام مع المواطنين وبإعجاز للكائدين.
ولئن كان حضور الحركة وقادتها مسجلا في التاريخ تشهد به التسجيلات والشهادات لمن تهمه هذه التجربة الجزائرية الفذة، فإن دورها الأعمق هو تشكيلها الوعي قبل الحراك، مع شركائها السياسيين، حيث كانت محورا أساسيا للتنسيقية وفي الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تعج به المواقع الالكترونية والوسائط الاجتماعية لمن أراد من الباحثين دراسة دورها وتسجيله في كتب العلم وفي التاريخ لتستفيد منه الأجيال، إذ لا يبقى من الأحداث إلا ما تم القيام به فعلا لا ما تتحدث به الألسنة دون مستندات دراسية فعلية.
وأهم من ذلك محاولتها إنقاذ الموقف قبيل الحراك بمبادرة التوافق الوطني لتحقيق انتقال ديمقراطي متوافق عليه يعبر عن روح مشروع التنسيقية من قبل، يهدف إلى القيام بإصلاحات عميقة قبل تنظيم الانتخابات باستغلال حالة الضعف التي كان عليها الرئيس واغتنام ضعف النظام السياسي تحت وطأة صراع الأجنحة المحتدم على الرئاسة بعد بوتفليقة، وكاد الحلم أن يتحقق لصالح العباد والبلاد لو لا تدميره من جهات صلبة في النظام السياسي، ولو لا الالتقاء الموضوعي ضده بين الأجنحة المتصارعة وبدعم شبكات الحسد البغيضة والغباء المنحط. ثم عادت الحركة مع شركاء آخرين إلى مشروع توافقي من أجل ضمان بناء مسار انتقال وطني صحيح في أيام الحراك هو ملتقى الحوار الوطني في عين بنيان، دون تحقيق نتيجة للأسف الشديد.
لقد آن الأوان، في الذكرى الثالثة للحراك، لنقول بكل وضوح بأن الحراك تم إجهاضه للأسف الشديد في ما يتعلق بأهدافه الملموسه القابلة للقياس، ولم يبق منه إلا روحه التي ستظل تسري في الجسم الجزائري إلى أن تنتقم ذات يوم ممن عمل على إزهاقها.
إن الذين أجهضوا الحراك صنفين من الناس، تحت كل صنف أشكال وألوان. أما الصنف الأول فمنهم الذين أرادوا استغلاله لتكون نتائجه لهم وحدهم ضمن رؤى أيديولوجية علمانية متشددة، بعضهم في “المعارضة” وبعضهم يمثلون قطبا من أقطاب الحكم المتهارشة، ومنهم الذين بقيت الخلفيات السياسية التاريخية الانتقامية تتحكم فيهم، دون أي اعتبار لأهمية الحرية والانتقال الديمقراطي الحقيقي الذي يكون في مصلحة الجميع، أما الصنف الثاني فهم أولئك الذين أرادوا إنهاء الحراك قبل تحقيق أهدافه لأسباب ساذجة سربها لهم أقطاب في الحكم لاستعمالهم في تشتيت الحراك، وفي الأخير انتبهوا لسذاجتهم بعد فوات الأوان حين أدركوا أن خصومهم العلمانيين هم من استفاد من أعمالهم.
لم يكن الحراك ليتحمل الصراع الأيديولوجي، أو أنانيات هؤلاء وهؤلاء، ما كان له من دور إلا أن يوفر ميزان قوة لصالح تجسيد الإرادة الشعبية عبر انتقال ديمقراطي تفاوضي تتحمل الطبقة والشخصيات السياسية إدارته بنجاح كما حدث في دول كثيرة وُفقت ثوراتُها الشعبية.
ولكن للأسف الشديد لم يحدث هذا وكانت النتيجة العودة إلى المسارات الانتخابية المتحكم فيها ليعيد النظام السياسي إنتاج نفسه بنفس المشاهد ونفس الآليات ونفس المخرجات، بل صرنا اليوم إلى أسوء مما كنا عليه. عاد الطارئون على السياسية إلى بيوتهم بعد تعثر الحراك ولم يصبح يُسمع لهم حس، وعاد الانتهازيون إلى مواقعهم وتصرفاتهم، وعادت قوى التشدد السياسي والأيديولوجي إلى النعيق من بعيد، دون أي وجود في الميدان ودون أية فاعلية سوى نشر الأحقاد والأباطيل وتشتيت صفوف الراغبين في التغيير. ولكن، في مقابل ذلك، عادت الأحزاب الجادة والشخصيات المحترمة إلى الكفاح العصيب من جديد، لخلق ظروف التغيير مرة أخرى في مستقبل قريب بحول الله، وهي لا شك موفقة بعونه سبحانه في سيرها ومسيرها وستكون أكثر فاعلية باستفادتها من دراسة أسباب إخفاق الحراك.
إن الشيء الإيجابي في حراكنا الشعبي في ذكراه الثالثة هو ثباته على سلميته وعدم تورطه في الفتنة والدماء، وهذا الذي يعطيه الفرصة ليُطل على الجزائريين من جديد. ذلك أن السنن الاجتماعية المثبّتة في تاريخ البشر والمسجلة في العلوم الاجتماعية أن ثورة الناس إن لم تنجح وكانت دموية لن تعود إلا بعد ثلاثين سنة على الأقل إن دامت أو تكررت أسبابها، أي بعد أن يخرج الجيل الذي قام بالثورة أو تحمل أعباءها القاسية من الفعل بكامله، ويظهر جيل شاب جديد لا يحمل جراحات الصدام السابق يكون أجرء على المطالبة بحقوقه.
أما إن لم تكن المحاولة السابقة دموية شديدة العواقب على الجيل الذي قام بها يستطيع نفس الجيل العودة للثورة من أجل حقوقه في أي وقت تكون أسباب الثورة قائمة.تمنينا أن يستفيد النظام السياسي القائم من تلك الأحداث العظيمة التاريخية التي شرّفت الجزائر والجزائريين وأن يكون قد قدّر واحترم أولئك الملايين من المواطنين الذين بقيت خطواتهم تقرع طرقات الجزائر العاصمة وغيرها من أنحاء البلاد قرابة سنتين، ولكن لم يفعل وبقي يتحايل على أهداف الحراك الشعبي حتى أفرغه من محتواه، ولذلك إن رجع الجزائريون إلى الشارع ذات يوم فإن الذي أرجعهم هو النظام السياسي ذاته حيث هو من ينتج أسبابه العميقة دوما.
غير أنه لا بد للقادة الحكماء الأذكياء في المعارضة أن يمنعوا تكرار التجربة الفاشلة المانعة لتمثيل وتجسيد الإرادة الشعبية الحقة عندئذ، وأن يقفوا في وجه مشتتي الصفوف إذا اجتمعت وممزقي الأمل إن لاح، قادة من أصحاب البذل والعطاء، الذين يعملون أكثر مما يتكلمون، ممن هم على صلة مباشرة ودائمة مع المواطنين في ولاياتهم وبلدياتهم وأحيائهم. قادة قادرون على صناعة المستقبل بالاستفادة من تجارب التاريخ.
د. عبد الرزاق مقري
يسأل كثير من الناس لماذا بقيت الجزائر متخلفة ولم تحقق نهضتها رغم الإمكانيات الضخمة التي توفرت لها بالنظر للموارد الطبيعية الوافرة والخصائص الجغرافية المتميزة، ورغم المكانة الكبرى التي حظيت بها بسبب سمعة ثورتها الكبرى ووقوفها الطويل مع الشعوب التواقة للتحرر.
إن السبب هو، في المجمل، الذهنية الأحادية والنظرة الفوقية الأبوية والنزعة السلطوية لدى الحكام وما يتبعها من حرص على الجاه والمنافع. غير أن ثمة، على الخصوص، صفة انبثقت عن كل هذا، صفة موجودة عند كل الحكام المستبدين، ولكنها مضخمة جدا عند حكام بلادنا. إنها عقلية “التحكم”، الرغبة في التحكم المطلق في كل شيء.
قد يكون الحاكم مستبدا، ولكنه لا ينزع بالضرورة إلى التحكم المطلق في الغير إن كان قويا، يثق في نفسه، وعنده حد مقبول من الكفاءة والقدرة على كسب تقدير واحترام مخالفيه، فيترك هوامش من المجتمع تتحرك بحرية حتى يتطور البلد، ويجد فيه الناس أملا للعيش الكريم ولو بعد حين.
ولكن حينما يكون المستبد ضعيفا لا يثق في نفسه، يصبح يخاف من كل شيء ومن الجميع فينزع إلى عقلية ” التحكم”.إن عقلية التحكم تصبح مدمرة لكل أساسات المجتمع والدولة إذا تحولت إلى ظاهرة مرضية لدى الحاكم يستعملها كأداة أساسية للحكم. لا يصلح معها اقتصاد ولا سياسة ولا اجتماع ولا ثقافة ولا فن ولا رياضة ولا جوار ولا مكانة دولية، وأخطر ما فيها انغلاق الأفق وفقدان الأمل في المستقبل لدى المواطنين.
لقد رأينا في زمان مضى في الجزائر ظاهرة خوف الحاكم من المخالف، أما اليوم فإن خوف الحاكم صار من المجهول الذي لا يُعرف توجهه. وحينما يكون الأمر هكذا لا يمكن لشيء أن يتطور في البلاد. لقد تم التحكم اليوم كلية بمخرجات الشأن السياسي وفرضت موازين قوة حامية للنظام السياسي بشأنه، بواسطة المنظومة الدستورية والقانونية التي فرضت بالأمر بالواقع، وبالتزوير الانتخابي الذي صار مجال الإبداع الأعظم لدى الحكام وأعوانهم وأحزابهم ومنظماتهم وإطاراتهم.
وبسبب الرغبة في التحكم في الموازين السياسية أبديا توسعت مجالات التحكم في كل المجالات الحيوية والثانوية في الجزائر. فلو ضربنا المثل بالمجال الاقتصادي لوجدنا أن سبب صعوبة تطوره، رغم وضوح منظومات ومجالات التطوير فيه ورغم ما تحقق من إنجازات على صعيد البرامج، هو عقلية ” التحكم”. يكفي أن ندرك بأن الجزائر لا تستطيع النهوض دون عدد معتبر من المؤسسات ذات الإنتاج والجودة والنوعية في مختلف المجالات الفلاحية والصناعية والخدمية، وأن الوصول إلى هذه الحالة النوعية والعددية في كل أنحاء الوطن مستحيل بوجود عقلية ” التحكم” لكي ندرك خطورة عقلية ” التحكم” على الاقتصاد الوطني.
ذلك أن المسؤول الجزائري لن يسمح لرجل أعمال أن يكبر إن لم يكن يعرفه تمام المعرفة، على صعيد أفكاره وميولاته وانتماءاته السياسية.
لا يكفي في الجزائر أن يُشكّ في رجل الأعمال بأنه معارض سياسي ليتم تحطيمه أو عرقلته، يكفي أن لا يكون معروفا فقط لكي يحدث له ذلك. يستطيع أن يكون المعارض، أو المشتبه فيه بهذا الشأن، تاجرا صغيرا في حي أو حارة، ولكن لا يستطيع أن يكبر أبدا. ربما الاستثناء في مسار التاجر صاحب الانتماء الفكري أو السياسي هو حينما يتورط بالانتماء لشبكات الفساد، والزبونية، أو شبكات الأيديولوجيات الممكّنة التي تجاوزت قوتها قدرة الدولة على التحكم وصارت هي كذلك جزء من الحكم منخرطة في صراعات الأجنحة القائمة ومشاركة في توسيع عقلية التحكم!
إنه حينما يصبح التاجر ورجل الأعمال حالة اقتصادية يُعرف عند الدولة بمدى احترامه للقانون والالتزام الضريبي ونفع التنمية فحسب، دون النظر إلى انتمائه، عندئد يمكن أن تنبت المؤسسات الاقتصادية في كل أنحاء الوطن وجهاته فتساهم في توفير الشغل للناس وفي غنى الدولة ورفاه المجتمع. إنه لا مجال للتنمية دون حرية اقتصادية في إطار قوانين المنافسة الحرة العادلة.
وحينما نفهم هذا نفهم لماذا قامت السلطات بتلك الإجراءات الضريبية الجنونية التي تجاوزت كيفياتها ومقادريرها كل المعقول، على المواد البسيطة التي يشتريها المواطنون عبر قنوات التجارة الإلكترونية، بما أنشأ ردود أفعال واسعة في الشبكات الاجتماعية صاحبتها أساليب سخرية “مُضحِكة” جعلت السلطات ” مَضحَكة” بين الناس. إنها عقلية “التحكم”، لم يتقبل الحكام أن يتحرر الجزائريون في البيع والشراء عبر قنوات الأنترنت فأرادوا قطع الطريق على الجميع برسوم عالية جعلت الجزائري يشتري ما يريد عبر الأنترنت مرتين، بل عليه أن يدفع ثمن الهدية المجانية التي تأتيه من قريب أو صديق. ولو كان تبرير السلطات بمنع المضاربات والغش صادقا لأبدعوا إجراء قانونيا وضريبيا عادلا لا يعطل حركة التجارة والتعاملات الالكترونية ولا يضر بكل المواطنين على السواء.
إنها عقلية التحكم لا غير.وما يصيب الاقتصاد يصيب كل شيء، لا يستطيع جزائري أن يكون قويا ومبدعا وناجحا ومتألقا، في أي مجال من المجالات، ما لم يكن معروفا عند السلطات بأنه شخص بلا فكر حر ولا تفكير مستقل ولا يمكن أن يكون معترضا على النظام الحاكم وتوجهاته بأي حال من الأحوال، في الحين أو في المستقبل.
إن أي رجل أعمال، أو عالم، أو سياسي، أو ناشط اجتماعي، أو إعلامي، أو فنان، أو رياضي، لا مستقبل له، ولا يمكن أن يكبر ويشتهر ويزدهر ويقوى أو يدوم مجده في الجزائر ما لم يُعرِّف نفسه للنظام الجزائري بأنه تابع أو تافه .. وهيهات للتابع أو التافه أن يكبر!
د. عبد الرزاق مقري
جدال عقيم قائم هذه الأيام بين الانتهازيين والعدميين حول الوضع الاقتصادي الجزائري بمناسبة صدور قرار البنك الدولي الأخير.الانتهازيون الذين ربطوا مصيرهم بثقافة “الشيتة” يدافعون عن رؤية السلطة الحاكمة التي لا تتحمل أي نقد لها وتعتبر أي تقرير سلبي لأدائها مؤامرة خارجية ومن ينقدها منقوص أو فاقد الوطنية وهي لا تدرك أين تتجه بالبلاد.
والعدميون الذين لا برنامج لهم سوى انتظار سقوط النظام، ولا هم لهم سوى تخوين وتسفيه كل من يخالفهم، يعتقدون أن مؤشرات البنك الدولي انتصار لهم وهم لا يدركون أين يتجه البلد برمته، سلطته ومعارضته، وحكامه وشعبه.
إننا لسنا في حاجة أن نحلل أرقام البنك الدولي لنعلم أن هامش الفقر يتسع يوما بعد يوم في الجزائر. من منا لا يعرف ما أكدته مؤشرات الديوان الوطني للإحصاء بأن معدل البطالة يتجه ليصبح برقمين؟ وأن معدل أجور أغلب العمال الجزائريين هو في حدود 40000 دج؟ ومن منا لا يعرف بأنه لم يصبح البطال فقط هو الفقير؟
بل إن عموم العمال الجزائريين هؤلاء أصبحوا فقراء بحكم انهيار أسعار الدينار وغلاء المعيشة، وهؤلاء أعدادهم بالملايين.
إن المعضلة اليوم تجاوزت النقاش حول توجيه الدعم الاجتماعي للفقراء، فأصبح المشكل هو تعريف من هو الفقير، لأن أغلب الأجراء الذين يأخذون 40000 دج شهريا، و أقل (أو ربما أكثر إذا كان معها مشكل السكن)، أصبحوا محتاجين وأن إزالة الدعم سيتضرر منه هؤلاء الذين لا يُعتبرون فقراء عند الحكومة.إن الذين استشاطوا غضبا ( أو تظاهروا بذلك!) من تقرير البنك الدولي، عليهم أن لا يهتموا بالدول التي يقولون أنها فقيرة ولم تذكر في التقرير ( والتقرير خاص بالجزائر)، عليهم أن يخافوا من أن تتجه الجزائر لتصبح مثل هذه الدول التي ذكروها.
إن فبركة الأرقام أو إخراجها عن سياقها، التي يشتغل عليها الانتهازيون، لن تغني في إخفاء صورة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه الجزائر، لقد عبر عنه السيد رئيس الجمهورية بنفسه في آخر لقاء له مع الصحافة، كما أن الخبراء الجزائريين أنفسهم يؤكدون بأن وضعنا خطير، ويكفي لمن يريد تقارير جزائرية أن يطلع على المقال العلمي الرصين المعتدل الذي نشره البروفيسور الخبير عبد الرحمن مبتول قبل يومين في وسائل الإعلام حيث ختمه بأن “الجزائر لا تزال هي سونطراك، وسونطراك لا تزال هي الجزائر”، وأن السنة المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب الكارثة.ولكن، هل الانهيار هو قدرنا؟ بكل تأكيد ليس ذلك قدرا مقدورا، نعم ليس قدرنا أن ننهار وندخل في أزمات لا نخرج منها، نستطيع أن نكون دولة قوية وبلدا مزدهرا وشعبا كريما، هذا الذي تقوله حركة مجتمع السلم وهذا الذي لا يعجب العدميين أن نقوله.
لقد عرضت حركة مجتمع السلم الحل بشكل واضح فبينت مرات ومرات بأن لا حل سوى التنمية الاقتصادية التي تقوم على أساس المؤسسة الاقتصادية بالقدر الكافي والمستوى المطلوب في مختلف المجالات على نحو شرحناه بالتفصيل في برنامجنا ومداخلاتنا، بما يوفر الشغل وينتج الثورة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال توفير بيئة سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية تقوم على أساس دولة القانون والحرية والعدالة والشفافية والمحاسبة والرقابة على الشأن العام بعيدا عن سياسات التحكم والسيطرة وعقلية “ما أريكم إلا ما أرى”.
– ليست قاعدة الحل في المعالجات المالية بين الواردات والصادرات لمكافحة عجز الميزان التجاري دون أداء اقتصادي ناجح. وليس الحل في تخفيض قيمة العملة لمواجهة تراجع مداخيل المحروقات دون قدرة على التصدير المكافئ خارج المحروقات، بما يتسبب في تهاوي القدرة الشرائية للمواطن.- إن الحل في عدم السماح للفساد أن يعيد تشكيل نفسه، كما نراه يفعل في العديد من القطاعات والمجالات، ولا يمكن للفساد أن ينكسر نهائيا دون ضمان الحريات ووجود أحزاب قوية تعتمد بعد الله على الشعب وحده في بناء نفسها وضمان مستقبلها، ومجتمع مدني حقيقي في خدمة المجتمع فعلا، ومؤسسات إعلامية حرة، وقضاء سيد ومستقل.
– وللوصول إلى ذلك اقترحت حركة مجتمع السلم مشروع “التوافق الوطني” الذي تشترك فيه القوى السياسية في القرار والبرامج وفي تحمل الأعباء من أجل تحقيق القدر المطلوب من الشفافية ورشاد الحكم، ولضمان الاستقرار الذي يساعد الحكومة على تنفيذ مخططات وقرارات التنمية الضرورية للإقلاع، و تشجيع الاستثمار وجلب رؤوس الأموال الضرورية لذلك، وبما يمنح الوقت اللازم لظهور ثمار التنمية.
وبالرغم من أن هذا المشروع حورب من العديد من القوى المتناقضة فيما بينها (التي كان أسوءها التي لا تعيش إلا بثقافة التحكم أو بممارسات الانتهازية أو ثقافة العدمية) ، لا تزال حركة مجتمع السلم تؤمن، وهي في المعارضة، بأهمية التوافق على المشترك الوطني.
إنه لا يوجد حل سوى هذا، وهو الحل الذي سيعود إليه الجميع، وكلما تأخر زادت احتمالات الانهيار ، وهي الاحتمالات التي ستكون مهلكة للجميع، حكاما ومحكومين، وستكون مهلكة بكل تأكيد لشبكات الانتهازية، لأنها فضلت مصالحها على مصلحة الوطن وساهمت في تسارع التهاوي، وستكون مدمرة لشبكات العدمية لأنها لم تقدم في الوقت المتاح ما ينفع البلاد، وربما ساهمت في الانهيار لا قدر الله.
عبد الرزاق مقري
”أنا شاب من شباب حركة مجتمع السلم بقيت أناضل 17 سنة داخل هذا الحزب السياسي المرخص، أحسب نفسي مواطنا صالحا أقوم بواجباتي المهنية والأسرية والاجتماعية على أحسن حال ما استطعت، لم أقترف في حياتي مخالفة وعشت حياة عادية كأي مواطن جزائري محترم، لم تقع لي مشكلة مع الدولة سوى مرة واحدة كتبت منشورا عن الرئيس بوتفليقة أيام مجده فاستدعاني الأمن وسوّد لي محضرا دون أن أُقدم للعدالة، كنت منتخبا محليا في المجلس الشعبي الولائي وشاركت في الحراك الشعبي بفاعلية دون الدخول في الاستقطاب الذي أفسده لاحقا. بسبب نشاطي وفاعليتي في المجلس الشعبي الولائي قدمني أعضاء الحركة في بلديتي للترشح في المجلس الشعبي البلدي فرحبت بذلك، ظنا مني بأن المرحلة مرحلة الشباب، كما يقول دائما السيد رئيس الجمهورية، وأن حركة مجتمع السلم تريد كذلك تجديد منتخبيها بفئات شبابية مثلي … ولكن فوجئت بمنعي من الترشح من طرف السلطة بسبب أني أهدد الأمن العام!”
صُعقت لهذا القرار، ليس لأنني منعت من الترشح في هذه الانتخابات ولكن بسبب هذه التهمة الباطلة التي ستفسد سمعتي وتؤثر على حياتي المهنية وعلاقاتي الاجتماعية، كما أنها قد تعدم مستقبلي السياسي .. فحسبي الله ونعم الوكيل “
هذه شكوى مؤلمة، محزنة، مفزعة من شاب تعرض للزبر في هذه الانتخابات. وحالات كسر الرجال مثل هذه أصبحت لا تحصى ولا تعد، وأنا صرت أفكر حقيقة لتأليف كتاب بشأنها سيبقى شهادة تلعن هؤلاء الذين ظلموا الرجال وكسروهم، وتلاحقهم ولو بعد حين.
ظننا أنه لا أشنع مما حصل في الانتخابات التشريعية السابقة فإذا بالذي يحدث في الانتخابات المحلية أفدح وأفظع، وتجاوز كل المعقول. شكاوى وشهادات كثيرة سمعتها هذه الأيام من رجال أفاضل آخرين. ومن ذلك اتهام دكتور يشتغل في أعماله مع جهات نظامية سيادية وزُبر بحجة العلاقة مع المال الفاسد، وشاب كشّاف فقير سمع بإسقاطه من القائمة فجاء لا يسأل إلا عن شيء واحد. لماذا؟ فلما قيل له: “العلاقة بالمال الفاسد!” انهار – ولعله بكى – ويقول والله إني لعاجز على شراء الحفّاظات والحليب لابني الرضيع فكيف اتهم بالمال الفاسد؟! وشخص آخر كان من شباب الحراك مع شباب آخرين، فترشح هو مع الحركة وأصدقاؤه ترشحوا مع حزب من أحزاب السلطة، فأسقط هو بحجة تهديد الأمن العام وأبقوا على أصدقائه الذين ترشحوا في حزب الموالاة، وشخص اتهموه بكل أنواع الفساد ظلما وزورا فقال: ” ولكن لماذا لم يلقوا علي القبض؟ لماذا لم يقدموني للعدالة؟ كيف أصبح بين عشية وضحاها فاسدا؟ أين هي العدالة؟ أين هي دولة القانون؟ لماذا يصبح المرء متهما لما يترشح للانتخابات؟ وأخذ يدعو على من ظلمه حتى علمت بأنهم والله هالكون.
علاوة على منتخبين محليين أخذوا البراءة في أحكام العدالة في قضايا التسيير ومع ذلك أسقطوهم بذات القضايا. ومنتخبون آخرون كانوا طوال عهدتهم السابقة محل تقدير واحترام عند الشعب وعند السلطات المحلية، أبعِدوا رغم ما أظهروه من الكفاءة والنزاهة، ولفقوا لهم من أجل ذلك قبليا قضايا في العدالة ليس عليهم فيها أي حكم فأسقطوهم بها.
لقد أصبحت الانتخابات عملية شاقة صعبة خطيرة، حتى أصبح لدينا اليقين بأن النظام السياسي يريد إما كسرنا بها أو إخراجنا منها فنقرر عدم المشاركة فيها بأنفسنا.
وبالنسبة للتوقيعات التي كانت في عهد بوتفليقة من أكبر عمليات الغش والتزوير فلا يدري أحد من جمع التوقيعات ومن لم يجمع، كيف يُعقل أن يُطلب من الجزائريين أن يصوتوا مرتين، المرة الأولى علانية بالإمضاء وبصمة الأصبع في التوقيعات، والثانية في المعازل في يوم الانتخاب الرسمي، والأعداد المطلوبة من التوقيعات أكثر من عدد الجزائريين الذين يصوتون. وحينما تنجح الحركة في رفع التحدي وتحقق المطلوب تُسقط التوقيعات بأساليب عدة، من أكثرها افتضاحا أن تسقط أعداد كبيرة بحجة عدم تسجيل أصحابها في القوائم الانتخابية وبين أيديهم بطاقات الناخب خاصتهم، وقد شاركوا في كل الانتخابات السابقة، أو أن يَمنعوا ممثلينا من السبق في وضع التوقيعات حتى تأتي قوائم أحزابهم و”مستقليهم” هي الأولى في الإيداع ثم يقال لنا هناك إمضاءات مكررة ومن يأتي الأخير هو من تسقط إمضاءاته….
إنها والله حرب باردة حقيقية! … بوسائل غير متكافئة!
ومن جهة أخرى يحاول النظام السياسي التغطية على أهدافه الاقصائية قبل يوم الانتخابات بالقول بأنه أسقط من قوائم أحزابه و” مستقليه” أعدادا كبيرة من المرشحين المتهمين بالفساد. أؤكد أولا أن مرشحينا الذين نحتج عليهم ليسو فاسدين وإنما المقصود بإسقاطهم هو إضعاف القوة التنافسية لقوائمنا، وبعد ذلك أجزم أن قوائم أحزابه و”مستقليه” لا خوف عليها لأنه سيتكفل بنجاحها بالتزوير يوم الانتخاب، كما هي العادة، مهما كان المرشحين فيها، وإنما المتضرر بالزبر هو حركة مجتمع السلم التي لا قوة لها بعد الله إلا عناصرها القوية التي تقدمها لحكم الشعب، فإن أسقطوها تكون الضربة قاصمة.
تأملت في موضوع الزبر العام الذي أفسد العملية الانتخابية والسياسية كما لم يكن في أي مرحلة من المراحل السابقة في التاريخ السياسي الجزائري فتأكد لدي بأن النظام السياسي الفعلي في الجزائر نادم على التعددية وهو يريد القضاء عليها بالتدرج بطرق ذكية. ربما يكون هدفه المبطن أن يجعل الأحزاب كلها، في المحصلة، حزبا واحدا هو حزب الدولة، بل بالأحرى أجهزة من أجهزة الدولة. ومن رفض ذلك يروض أو يكسر كما يفعل بنا في حركة مجتمع السلم.
والإبداع الماكر الغادر الجديد الذي توصلوا إليه يتمثل في أن يحسموا الأمر قبل يوم الانتخابات فيضمنوا الأغلبية في المجالس دون أي خوف من المفاجأة في الانتخابات، سواء ممن يعارضهم أو حتى ممن يسير في فلكهم. إنهم يتوجهون إلى أن يصنعوا القوائم كلها بقراراتهم لا بقرارات الأحزاب، من خلال مادة قانونية ظالمة، هي المادة 184 من القانون العضوي للانتخابات المناقضة لكل الأعراف الدستورية في العالم والمخالفة لكل مواثيق حقوق الإنسان المتعارف عليها في الشرائع السماوية والأرضية، هذه المادة القانونية التي صار يُظلم بواسطتها الناس وتُفسد حياتهم ويتهمون بلا بينة ولا جريرة ولا حكم قضائي.
وبالعودة لزبر العديد من الأسماء في قوائم أحزابهم و”مستقليهم” فإن التأمل في الموضوع يوصل إلى أن ذلك يدخل ضمن الاستراتيجية التالية:
– من كان فاسدا معلوم الفساد مبغوضا عليه من الشعب لا يسمحون له بالترشح في قوائم أحزابهم حتى لا يحرجهم وحتى لا يضطروا للتزوير له تزويرا يُكشف أمره.
– يعملون على إسقاط أي شخص له شعبية كبيرة ومعروف بالنزاهة والكفاءة من قوائمنا لأي سبب تافه، وإن لم يجدوا شيئا يستندون عليه يخلقون له سببا.
– إذا ترشح في قوائم أحزابهم و” مستقليهم” شخص معروف بمعارضته للنظام ومن الوجوه البارزة في الحراك الشعبي، ويقدّرون بأنه يمكن إدماجه والسيطرة عليه، يقبلونه ويرحبون به ولا يسقطونه.
– إذا ترشح في قوائمنا شخص معروف بمعارضته للنظام ومن الوجوه البارزة في الحراك الشعبي يسقطونه بحجة تهديد الأمن العام.
– وإن لم تكف كل هذه السياسات يحققون ما يريدون بالتزوير الانتخابي.
يتأكد من خلال هذه الاستراتيجية بأن النظام السياسي يريد القضاء على التعددية الحزبية، وقد أصبح عمليا هو من يقوم بعملية الترشيح. وأكاد أجزم أنه يأمل لو يعود للحزب الواحد كما كان، و ربما يكون مولعا بنمط الحزب الواحد الصيني الذي لا يعرفون عن خصوصيته سوى شكله. سأعود لأشرح في مقال لاحق الفروقات التاريخية والمعطيات الاجتماعية والأبعاد السياسية التي لا تسمح لهم أبدا باعتماد نظام الحزب الواحد من جديد، ولكن أقول لهذا النظام بوضوح بأن مشكلته مع الشعب وليس مع الأحزاب، وأن تترسه بمنطق القوة والتحكم يعميه عن رؤية الحقيقية، وأنه سيأتي اليوم الذي يتضح له ذلك مجددا … وعندئذ “ولات حين مناص”.
دعونا في آخر هذا المقال لا نهتم بالتيه الذي يسير فيه هذا النظام السياسي، لأختم بمواساة ذاك الشاب المظلوم وعن طريقه كل المظلومين في قوائمنا لأقول له: ” لا تحزن فإن الشيخ محفوظ نفسه أسقطوا اسمه من قائمة المرشحين، ولفقوا له تهمة باطلة وأنهوا مشواره السياسي إلى الأبد بقرارهم الظالم رغم كل الذي قدمه للبلد والدولة ولاستقرار المجتمع الجزائري، فكيف تطمح يا بني أن يرحموك من بعده وأنت تسير على دربه، وعندك في الحركة قادة أفنوا أعمارهم في النضال لم يحققوا ما يطمحون إليه في الشأن السياسي ويريد النظام السياسي قتلهم سياسيا كما فعلوا مع الشيخ محفوظ رحمه الله ولا يزال هؤلاء القادة ثابتين لم يبدلوا ولم يغيروا.
يا بني! إن رجال هذا النظام السياسي توارثوا عقلية التسلط والفكر الأحادي، فهم يعادون الأحزاب ولا يعتبرونها جزء من الدولة، ومن برز من الشخصيات الحزبية مثلك يحاولون إدماجه وإلحاقه بهم فإن اختار الوفاء لحزبه ومؤسساته وقيادته يعملون على كسره، إن هؤلاء يتبعون منهجا استبداديا ظالما يرتكز على القوة.
إنهم، يا بني يعانون من أزمة الشرعية الديمقراطية، وأزمة شرعية الإنجاز، وأزمة شرعية الأخلاق، فيُعوِّضون عجزهم ذلك بمنطق القوة والتحكم … فاصبر إنك شاب وإن غدا لناظره قريب!”
وللذين سيقولون لنا لماذا إذن تشاركون في الانتخابات حين يقرأون مقالي هذا، نقول لهم: نحن على خطى رجال الحركة الوطنية، نحن على نهح مصطفى بن بولعيد الذي كان يترشح في انتخابات المجالس المحلية التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية، وبعد كل تزوير يعاودون المشاركة، ونحن على خطى زيغود يوسف الذي حينما أكتشف الاستعمار نضاله من أجل استقلال الجزائر قبيل اندلاع الثورة نُشر اسمه في وسائل الإعلام كسجين تحت صفة ” عضو مجلس بلدي”.
إن طرائقنا السلمية لتحقيق التغيير في الجزائر كثيرة، وما المشاركة في الانتخابات إلا واحدة منها، نركز عليها حين وقتها وحين تمثل هوامش حقيقية لصالح البلد، ونشتغل بغيرها حين لا يكون وقتها وحين تصبح افرازاتها لا تمثل لنا أي هامش للمساهمة في الإصلاح وخدمة البلد.
د. عبد الرزاق مقري
لقد حاول خطيب الجمعة أن يكون معتدلا ضمن مساحات الحرية المتاحة في المساجد، بل أقول أنه تجاوز الحدود المتاحة، وأخشى عليه أن يُعاقَب. ومع ذلك نهض أحد المصلين بعد الصلاة يصيح بأعلى صوته محتجا على خطبة الإمام، ومما فُهم من كلامه المتلعثم: “عيشوا وحدكم!”، “كولوا وحدكم!” اسكنوا وحدكم!” “هاذي ماهيش خطبة!”.
لقد كنت أنا كذلك منزعجا جدا من الإمام في ما كان يقوله في الخطبة الأولى، ليس لأن ما كان يقوله مجانبا كله للصواب، لقد كان محقا في تنبيه الناس إلى مخاطر “الحرقة” ودعوتهم للصبر، ولكن كنت أخشى أن مع مبالغته في التشديد على الشباب “الحرّاق” ووضعهم أمام مصير أخروي مرعب أن يسكت على من تسبب في مصيرهم الدنوي المفزع. ولكن حينما استدرك ببعض الكلمات عن مسؤولية الحكومة قلت لقد أدى الذي عليه، وبالشيء القليل الذي شهد به، مشكورا، عرّض نفسه للعقوبة من وزراة الشؤون الدينية المأمورة، وتجاوز منهجا منتشرا في المساجد، يروق الحكام، يجعل المسؤولية كلها على الرعية ولا يحمّل المسؤول أية مسؤولية عن مسؤوليته، بل يدعو الناس لقبول القمع ولو أخذ الحاكم أموالهم وضرب بالسياط ظهورهم، في تعسف منكر في انتقاء النصوص وتفسيرها.
ولكن ذلك المصلي الثائر لم يقبل محاولة اعتدال الخطيب البطولية في تناوله لهذا الموضوع الاجتماعي السياسي الخطير، لم يقتنع بميزان النصيحة الخفيفة للحاكم والإدانة الشديدة للحراقة الذي وزن به الإمام المسألة، فلربما عند صاحب ذلك الصوت المبحوح المحتج على الإمام واحد من أهله قد فُقد إلى الأبد، أو لا يزال في عرض البحر تترنح به مركبة الموت، أو قد وصل إلى الشاطئ الآخر ولكن لا تَعرِف أمُّه كيف مبيته ولا مصيره في بلاد الناس. يخيل إليك وأنت تسمع ذلك المصلي الحزين الغاضب كأنه يريد أن يبكي.
يعلم الله أنني تعاطفت شيئا ما مع ذلك الإمام الذي الذي قال كلمة حق، بقدر استطاعته، مجازفا باستقراره المهني أمام وزارة في خدمة جمهورية التحكم. ولكن تعاطفي مع ذلك المصلي الغاضب كان أكثر وأكثر، فهو من يمثل نبض الشعب حقا، صرخته المعبرة عن أسى الذين يغامرون بأرواحهم في مراكب الموت تُسقِط كل الأرقام الزائفة التي يقدمها المسؤولون عن الوضع الاقتصادي الاجتماعي في الجزائر .
أذكر يوما كنت في حوار مع رائد النهضة الماليزية ومُلهمِ رواد الحضارة في العالم الإسلامي الدكتور مهاتير محمد، نتحدث عن أوضاع العالم الإسلامي فحدثني بأسى بليغ عن الدول الإسلامية التي يموت أهلها في البحار فرارا من بلدانهم إلى بلاد أعدائهم، قال لي: ” إنه لعَيبٌ وعار على حكام هذه البلدان”، هكذا فهمها رجل دولة تقلد المسؤولية ديمقراطيا لخدمة شعبه وإسعاد مواطنيه.
فعلا إنه لعيب وعار على حكامنا أن تعلن السلطات الإسبانية ذات يوم بأنه قد وصلها خلال أربع وعشرين ساعة أكثر من 1000 حراق جزائري عبر 80 قاربا للهجرة غير الشرعية، والأمر مستمر لا يريد التوقف، وشيء مفزع حقا أن تصبح “الحرقة” مشروع البطّال غير المتعلم والجامعي والمرأة والرجل، والشاب والكهل والطفل، بل مشروع عائلات بأكملها.
إن الهجرة الشرعية ليست تعبيرا عن ضيق في العيش فحسب، بل هي أكثر من ذلك، هي مؤشر على انقطاع الأمل كلية، وانهيار للثقة في مستقبل البلد. ومما يدل على ذلك أن الجزائريين توقفوا عن الهجرة غير الشرعية في بدايات الحراك الشعبي، لأن الحراك أعطاهم الأمل بأن الأمور ستتغير، ولكن حينما أدركوا بأن الأمور قد رجعت لما كانت عليه، وتصدّر المشهد من جديد نفس الرموز والأحزاب والممارسات والموازين ورجعت جحافل المزورين والزبونية والانتهازية، لم يصبروا على ضيق المعيشة وصعوبات الحياة التي يرونها كل يوم تتعاظم، بل أصبح القادم أسوء في اعتقادهم، فباتت المغامرة بالنفس من أجل احتمال ضئيل بتحسن الحال ما وراء البحر أفضل من الموت البطيئ المؤكد في البلد، حسب ظنهم.
ليست الهجرة السرية ظاهرة اجتماعية فحسب بل هي ظاهرة سياسية بامتياز، أبلغ من كل حديث وأوضح من كل بيان في توضيح فشل حكام البلدان التي يحدث فيها هذا. ومما يزيد أهمية هذا العمل أن هذا الموقف السياسي البليغ لا علاقة له بساسة يمكن اتهامهم بأنهم يصارعون من أجل الكرسي، أو أنهم مرتبطون بقوى أجنبية. إنهم أناس من عموم الشعب أبعد ما يكون عن السياسة، يغامرون بأنفسهم لأجل أنفسهم ولكنهم يرسلون لنا جميعا رسائل تجعلنا نستحي ونخجل سلطة ومعارضة. يخجل الجميع حقا أمام هذه الصورة المشينة عن بلادنا وهذا الوضع الإنساني المأساوي لمواطنينا، تخجلُ الأجيال المتعاقبة على نفس الحكم منذ قرابة ستين سنة لأنهم فشلوا في خدمة البلد وضيعوا الفرص تلو الفرص، وأغلقوا كل آفاق الإصلاح والتغيير أمام الناس، وتخجل الأجيال التي عارضت هذا الحكم منذ الاستقلال إلى اليوم لأنهم عجزوا جميعا على تحقيق التداول لتخليص البلد من هذه المنظومة التي تفرض نفسها بالتحكم والسيطرة والتزوير .
تمنيت لو أن “الحراقة” توقفوا عن المغامرة بحياتهم في عرض البحار وبذلوا التضحيات وخاضوا المغامرات من أجل التغيير داخل بلدهم، فأعانوا الثابتين على هذا الطريق ممن يثقون بهم، أو سلكوا طرقا سياسية جديدة خاصة بهم يخلصون بها البلد من الأسباب التي تجعل الناس يركبون مراكب الموت، لعلنا نصبح يوما ما بلدا جاذبا يتمنى الناس من سائر البلدان العيش فيه.
د. عبد الرزاق مقري
هناك مقولة مشهورة للجنرال الفيتنامي فون ناوين جياب مفادها: “الاستعمار تلميذ غبي لا يفهم الدرس”.
هذه المقولة تتجلى في صور خروج الجنود الأمريكيين العاجل من أفغانستان ومعهم آلاف من العملاء الأفغان العسكريين والمدنيين، متكررة لما حدث للجيش الأمريكي وهو خارج من فيتنام، وما حدث للجيش الفرنسي وهو ينقل جنوده ومعهم مئات الآلاف من الأوربيين المدنيين، والعملاء الجزائريين الفارين بجلودهم.
إن الصورة الخضراء بالتصوير الليلي لآخر عسكري أمريكي يغادر أرض الأفغان معبرة جدا وهي تطوف على كل وسائل الإعلام العالمية، إنها صورة تدل على مصير الاحتلال الأجنبي مهما طال الزمن، وهي بالإضافة إلى ذلك تدل على بداية أفول الإمبراطورية الأمريكية وبداية بروز عالم جديد يكون للأمم الأخرى الحيّة حظ للصعود وصناعة المجد.
لم يُخف الرئيس الأمريكي بايدن خسائر بلده وهو يقنع مواطنيه بضرورة التسليم بالهزيمة قائلا: “لا يمكن أن نكسب الحرب في أفغانستان” بل كرر مقولة مأثورة عن أفغانستان: “إنها مقبرة الغزاة”.
أخبرنا الأمريكان أنفسهم بأنهم خسروا الكثير على مدى قرابة 20 عاما، حيث وصل عدد قتلى الجيش الأميركي في أفغانستان 2448 جنديا، حتى أبريل 2021، كما قُتل خلال ذات الفترة نحو 3846 من المتعاقدين الأميركيين، ووصل عدد الإصابات إلى 20660 من الجنود أثناء القتال، وبلغت الخسائر البشرية من عناصر الدول الحليفة وحلف الناتو 1144 قتيلا. وعلى المستوى المادي بين “مشروع تكاليف الحرب” في جامعة براون ألأمريكية أن الولايات الأمريكية المتحدة أنفقت تريليوني دولار، وعلى حد تعبير وكالة “أسوشييتد برس”، فإن الولايات المتحدة كانت تقترض الأموال لتغطية تكاليف حرب أفغانستان، ما يشير إلى أن أجيالا من الأميركيين سيُثقل كاهلها لسداد تكلفتها، وحسب تقديرات أمريكية مختصة من المتوقع أن تصل تقديرات فوائد قروض الولايات المتحدة من أجل الحرب بحلول سنة 2050 إلى 6.5 تريليون دولار. وهذا علاوة على الخسائر الأفغانية في الحرب التي وصلت إلى مقتل قرابة 66 ألف أفغاني من الجيش والشرطة، و111 ألف مدني على الأقل وفق بعثة الأمم المتحدة، علاوة على عمال الإغاثة والصحفيين.
حينما قررت أمريكا غزو أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بنت قرارها على تِعلّة كاذبة تتعلق بملاحقة الإرهاب الذي صنعته ووظفته استخباراتها، وإنما كان الهدف الحقيقي خيرات أفغانستان وممرات الطاقة والتمركز في وسط آسيا لمراقبة الصين وروسيا عن قرب.
كانت هذه الحرب خاسرة منذ بداياتها أمام شعب مصر على قتال المحتل كعادته، تمظهر في هذه الفترة في ظاهرة طالبان، وكانت الهزيمة قد حلت بأمريكا قبل مجيئ بايدن، ولكن الرؤساء من قبله كانوا يخفونها، طمعا في إعداد وضع سياسي تابع لهم بعد خروجهم، يخفف عنهم وطأة الاعتراف بالهزيمة، ويحقق لهم، ربما، مكاسب بعدية. يقول الصحفي في الواشنطن بوست كريغ وايتلوك: “تظهر المقابلات والوثائق، التي لم ينشر منها الكثير سابقا، كيف أخفقت إدارة الرؤساء جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب الحقيقة لعقدين، كانوا يخسرون الحرب ببطء رغم دعمهم لها بصورة جارفة، وبدلا من الاعتراف اختار القادة السياسيون والعسكريون دفن أخطائهم وترك الحرب تمضي على غير هدى”.
لقد كان كل رئيس من رؤساء أمريكا يعلم بأنهم انهزموا في أفغانستان، كما انهزموا من قبل في فيتنام وفي العراق. ولكن كان كل رئيس يترك خزي إعلان الهزيمة للرئيس الذي يأتي بعده. وحينما جاء بايدن للحكم وجد أمريكا مريضة قد فقدت سلطتها على العالم، في داخلها تحول التنوع الذي كان يمثل ثراء في الحلم الأمريكي إلى كابوس مزعج، وإلى صراعات داخلية وتمزق عرقي بات يهدد استقرار أمريكا ويجرها إلى الأسفل، وزادت أزمة الرأسمالية المالية من توتير الجبهات الاجتماعية وتعميق الفروق في الشعب الواحد، وصارت القدرات المالية اللامحدودة غير قادرة على الإنفاق على التوسع الامبراطوري العالمي – وكأننا نعيش العهد الأخير للامبراطورية الرومانية وما شابهها عبر التاريخ – وظهرت قوى دولية وإقليمية جديدة تزاحم النفوذ الأمريكي في كثير من أرجاء العالم، وتغلبه في كثير من الأحيان.
أعطى أوباما سنة 2014 وهما بأن أمريكا ستخرج من أطول حرب في تاريخها بطريقة مسؤولة، وأن قواته تقوم بمهام غير قتالية، وأعلن ترمب صراحة بأن أمريكا لا بد أن تخرج من أفغانستان ودشن بنفسه المفاوضات مع طالبان، ولكن لم يستطع الجيش الأمريكي في حكميهما التوقف عن القتل في صفوف الأفغان، بالضربات الجوية التي لم تقض في الغالب إلا على الأطفال والنساء، كما أن توابيت الجنود الأمريكيين لم تتوقف عن السفر نحو مثواها الأخير في بلادها.
حاول بايدن دعم المفاوضات مع طالبان ليتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأفغاني أشرف غني ليكون خروج أمريكا بعد إنجاز سياسي كبير ربما يُختَم بحفل في العاصمة الأفغانية تُقدِم فيه الأطراف الأفغانية المتصارعة الشكر لأمريكا، ويطوِي قائدٌ عسكري أمريكي علم بلاده ضمن مراسيم العظمة والموسيقى العسكرية الاستعلائية الهوليودية، ولكن ذلك لم يحدث!
كانت طموحات أشرف غني كبيرة في البقاء في الحكم مع إمكانية إشراك طالبان في الحكومة مشاركة شكلية بعد تسليم سلاحها، فرفع سقوف اشتراطاته، غير أن سوء تقديره لحاجة أمريكا إليه أسقطه من شرفات غروره.
أعلن بايدن صراحة قرفه من هذه الرئيس الذي صنعوا له دولة وأنفقوا عليه مليارات الدولارات ودربوا جيشه وحموا قصره. لم يدرك أشرف غني بأن أمريكا تريد الفرار بجلدها وأن كل ما تريده منه أن يوفر لها خروجا آمنا وربما مشرفا، فلما اعتقد بأن أمريكا ستبقى رغما عنها لحماية مصالحها فسدت كل حساباته.
كل الدراسات وتقارير مراكز الاستشراف كانت تشير إلى اقتراب خروج نهائي لأمريكا، ولكن أشرف لم يقرأها هكذا، فما إن تأكد من حوله بأن أمريكا قررت الخروج تهاوت دولته التي كان يسيرها بالفساد والمناورات، واتضح بأنه لا رابط من عقيدة دينية أو قومية أو وطنية تجمع من في الإدارة والجيش من الأفغان، فاستسلم أغلبهم لطالبان والتحقوا بهم، وترك الخدمة كثيرهم، وفر بعضهم إلى المطار رابطا مصيره بالمحتل، والتجأ بعضهم إلى وادي بانشير موقع الصداع القديم الجديد لطالبان.
لقد تصرف أشرف غني ومن معه كتصرف المستوطنين الأوربيين و”الحركى” (الخونة) الجزائريين حينما رفضوا قرار ديغول الخروج من فرنسا بعدما أدرك هزيمة بلاده فقرر التفاوض على استقلال الجزائر، حاولوا المقاومة وتحولوا إلى كيانات إرهابية عبر المنظمة المسلحة الخاصة وفي الأخير خسروا كل شيء إذ خرجوا عن بكرة أبيهم من الجزائر وخسرت معهم فرنسا لأنهم حرموها من خروج هادئ تزين به صورتها في العالم، أو ربما يبقون في الجزائر كقوى شعبية كبيرة تديم فرنسا بهم وجودا جزئيا على الأرض.
مثّل خروج أمريكا من أفغانستان وجها من وجوه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المتخوفة من الصعود الثابت والشامل للصين في الريادة العالمية، والعودة الصارمة لروسيا. كانت أمريكا تتمنى لو يكون خروجها محسوبا فتترك من يضمن مصالحها ويديم وجودا بالوكالة خالصا لها في قلب آسيا الوسطى لمواجهة غريميها الصين وروسيا ولكن ذلك لم يحدث، ولم تصبح حجة بايدن أمام النخب الأمريكية مقبولة بأن أمريكا خرجت من أفغانستان حتى لا تُستنزف في مواجهة المخاطر الجديدة، إذ قال له قومه لقد سلّمتَ أفغانستان للإسلاميين والصين وروسيا وإيران وباكستان وربما تركيا. ولا أخاله إلا قد حفظ ما يمكن المحافظة عليه بقراره الشجاع، ضمن حالة صراع محمومة بين الأمم لكسب صداقة سادة أفغانستان الجدد بالنظر للأهمية الاستراتيجية لهذا البلد، والرسائل الإيجابية التي أرسلها قادة طالبان إلى العالم والشروع في التفاوض المباشر مع دول جوار، إضافة إلى استمرار التفاوض مع قوة الاحتلال المغادرة.
حين جاءت أمريكا بعساكرها لمنطقة الشرق الأوسط كان خصمها الأول هو الخطر الأخضر، أو الحضارة الإسلامية على حد قول صامويل هنتنتن في دراسته الشهيرة “صدام الحضارات” وكان صعود الحركات الإسلامية في الحياة الاجتماعية والثقافية، وفي الانتخابات في العديد من الدول الإسلامية والعربية هاجسا لأمريكا تخشى أن يغير الأنظمة التابعة لها في العالم الإسلامي والعربي، لم تنجح أمريكا في التحكم في صعود الهوية السياسية الإسلامية في عدد من بلاد العجم، بشكل أو بآخر، ولكنها نجحت في ذلك، إلى الآن، في العالم العربي بدعم حلفائها الأوربيين وعملائها العرب.
لم تنتبه أمريكا كثيرا، أثناء صراعها من أجل الحفاظ على الأمر الواقع في المنطقة العربية خدمة لمصالحها وحماية الكيان الصهيوني، لصعود الصين العظيم اقتصاديا وعبر مشاريعها الاستراتيجية الدولية الكبرى، وانتماءاتها الكونفوشيوسية، ونموذجها الأيديولوجي البديل، رغم تحذيرات العديد من الكتّاب ومراكز الدراسات الأمريكية، كما فوجئت بعودة روسيا بقوميتها السلافية وحضارتها المسيحية الأرثذكسية الشرقية وباستحضار أمجادها القيصرية، وكوابيسها السوفياتية. وفي نفس الوقت خرج عن الطوق، أو تحاول ذلك، قوى إقليمية إسلامية حيّة وطَموحة، كتركيا وإيران وباكستان وماليزيا، كما أصبحت حليفتها أوربا مثقلة بالأزمات الاقتصادية والتمزقات الاجتماعية تبحث عن مصيرها بعد ظهور أماراة الأفول الأمريكي، بل إن الربيب الصهيوني صار يقيم أحلافا جديدة في المحيط العربي دون إذنها، وتتوجه أموال الشبكات المالية اليهودية العالمية للاستثمار في بلاد الحزب الشيوعي الصيني أكثر من ذي قبل.
لا يعني هذا الحديث أن أمريكا ستسقط فورا، ليس هذا شأن الامبراطوريات، وإنما هو حال الدول الضعيفة الهزيلة التي تسقط فجأة كالثمرة المارقة المثقلة بالعفن من عرفها. إن أفول أمريكا هو الأفول الامبرطوري الذي بدأ كي لا يتوقف عبر مراحل من الزمن.
لقد أحسن بول كينيدي الوصف – وغيره كثير من الكتاب – في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى” حين شبه أمريكا بما أصاب دولا عظمى قبلها، توسعت كثيرا فاضطرت للإنفاق أكثر من طاقتها للحفاظ على وجودها ونفوذها فكانت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية سببا في تراجعها إلى أن أصبحت دولا عادية وخلَفها في الريادة الدولية، أو شاركها، غيرها.
حين ننظر إلى المؤشرات الاقتصادية وحدها، نرى بما هو قابل للقياس بأن أمريكا تتراجع في ميدان السباق الدولي، سواء ما تعلق بمعدلات النمو، ونصيبها في الإنتاج العالمي، وحصتها في التجارة الدولية، وقوتها التنافسية، ووضع الإنتاجية، وحجم النفقات، ومستويات الادخار، وتقلبات قيمة الدولار والثقة فيه كوسيلة للتبادل العالمي، كل ذلك في تراجع مستمر، خصوصا في مواجهة الصين التي قررت أن تكون القوة الاقتصادية الأولى سنة 2030، و ربما القوة العسكرية الأولى سنة 2040. وحتى وإن لم تكن هي كذلك وحدها، سيكون مجموع القوى الحية الصاعدة في منظمة دول شنغهاي للتعاون هي من يقضي على الهيمنة الأمريكية نهائيا، خصوصا حين تطبق هذه الأمم فعليا قرارها بالتخلي عن الدولار الأمريكي في التعاملات المالية بينها.
للأسف الشديدة هذه الفراغات الشديدة التي تركها التراجع الأمريكي لا توجد فيها دولة واحدة من العالم العربي، لا توجد فيها دولة واحدة من هذه الدول الخائبة، رغم مقدراتها الهائلة من حيث الموارد الحضارية والطبيعية والبشرية والجيوستراتيجية. والغريب في أمر هؤلاء الفاشلين الفاسدين، وحلفائهم من النخب المستلبة، أن أكثرهم حزن لانتصار طالبان وهزيمة أمريكا في أفغانستان أكثر من حزن الرئيس الأمريكي بايدن نفسه. لقد حزن هؤلاء لأنهم تعودوا مهنة الحاجب الحارس على المصالح الأمريكية في بلدانهم، وحين لم يصبح لأمريكا مصالح كبرى عندهم تركتهم ينتحبون. لم يفهم هؤلاء أبدا أن هذه الهزيمة الأمريكية في أفغانستان هي فرصة لمن كان حيا من الأمم إذ هي حالة رمزية تدل مرة أخرى بأن أمريكا لم تصبح قادرة على منع صناعة النجاح والنموذج في أي دولة في العالم.
حين قرر صاحب القرار الأمريكي الخروج من أفغانستان لم يستشر حلفاءه الأوربيين ولم يأبه بعبيده المنفصلين عن هويتهم ووطنيتهم في أفغانستان وفي البلاد العربية والإسلامية. غير أن الأوربيين فهموا الدرس فورا فاجتمعوا في لقاء غير رسمي لوزراء الدفاع الأوربي في الثاني من شهر سبتمبر ناقشوا فيه مشروع قوة دفاعية مشتركة ليعتمدوا على أنفسهم على إثر أحداث أفغانستان فقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي جوزيف بوريك في الاجتماع قولا معبرا عن كل ما نقوله في هذا المقال: “هناك أحيانا أحداث تُحفز التاريخ وتُحدث انطلاقة، وأعتقد أن أفغانستان واحدة من هذه الحالات” وقال: “نطمح إلى تقديم الخطة للاتحاد خلال الأشهر المقبلة وأحداث أفغانستان عجلت بالأمر، الحاجة لدفاع أوروبي أكثر قوة باتت جلية أكثر من ذي قبل”.
أما حكامنا في العالم العربي كله فإن مستواهم الحضاري، وحالتهم النفسية والفكرية والأخلاقية، لم تؤهلهم لفهم ما فهمته الأمم الحية الصاعدة إزاء الأفول الأمريكي، وما فهمه الأوربيون حلفاء أمريكا، بل ما فهمه الصهاينة أنفسهم، وبقوا في تيههم يتنافس بعضهم على دعم بني صهيون بالتطبيع والخيانة علهم يتقربون بدولة الكيان إلى أمريكا التي باتت منشغلة بنفسها، يواصلون الصراعات بينهم ويغذون العداوات، يشغلون مواطنيهم بالأوهام والخلافات والأزمات وخيبات الأمل وقطع آفاق المستقبل، مواطنيهم، لا هم لهم سوى كسر المعارضين، ولو في إطار القانون، و تحجيم الحركات الإصلاحية صاحبة مشروع إحياء الأمة، لا تشتغل عقولهم إلا من أجل ضمان نصاب البقاء في الحكم.
فاللهم اهدهم يا رب، وإن هديتهم فصلحوا وأصلحوا فاجعلنا عونا لهم وخذ منا وزد لهم ليقووا على الخير، وإن لم يكونوا أهلا للهداية فاللهم أرحنا منهم بما شئت، ولا تجعل لهم علينا سلطانا واجعل الصالحين منا هم الوارثين، واجعلنا من هؤلاء الصالحين المصلحين ..آمين.
د. عبد الرزاق مقري
إن الدولة المغربية تأتي في الصنف الأول ضمن الدول العربية التي أضاعت سيادتها، فهي دولة وظيفية لا تملك قرارها، تشتغل لصالح فرنسا والكيان الصهيوني ضمن المحور الغربي والمظلة الأمريكية الأعلى.
والمغرب بلد ضعيف بدون مقدرات يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية لم تستطع، أو لم ترد، دول المحور الذي ينتمي إليه إخراجه منه، ويسعى نظامه لإشغال الرأي العام المغربي بإدخال الجزائر عنوة في موضوع ملف الصحراء الغربية، بالرغم من أن الحالة الراهنة هي ذاتها التي كانت زمن التقارب الجزائري المغربي أثناء حكم الشادلي والحسن الثاني، حينما اتفق البلدان على تحسين العلاقات ثم الشروع في تأسيس مشروع المغرب العربي دون اشتراط الاتفاق على ملف الصحراء، أي التقارب بين البلدين وترك موضوع الصحراء الغربية جانبا عند الأمم المتحدة. فالذي غير سياسته هو المخزن في زمن محمد السادس وليس الجزائر. وللضغط على الجزائر وجرها إلى واقع جديد اتجه المغرب إلى سياسة عدائية جديدة متصاعدة في ملفات خطيرة جدا خصوصا موضوع جلب الكيان الصهيوني إلى المنطقة رسميا بعد ما كان موجودا فعليا قبل فترة طويلة وتطبيع العلاقة الدبلوماسية علنيا ودعمه لإدخاله كعضو مراقب في الاتحاد الافريقي، وكذلك دعم تنظيم ” الماك” الانفصالي المرتبط علانية بالكيان الصهيوني والوصول بلا مواربة وبكل خسة إلى الدعوة الرسمية من قبل الممثل الدائم للمغرب في الأمم المتحدة إلى إقامة “دولة القبايل” في الجزائر، علاوة على الحرب القائمة من خلال التصدير الإجرامي للمخدرات إلى الجزائر، علما بأن المغرب من أبرز البلدان تصديرا للعالم القنب الهندي (الكيف أو الحشيش) مثلها مثل أفغانستان وقدد قرر الترسيم القانوني لزراعته وإنتاجه.
رغم كل هذا يُعتبر قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب قرارا متسرعا كان يفترض مشاورة الشركاء السياسيين في الموالاة وفي المعارضة بشأنه – كما تفعل الدول الديمقراطية في مثل هذه الأمور الهامة ذات الأثر المتعدي – لو كان النظام السياسي الجزائري يؤمن حقيقة بالأحزاب والوجود الطبيعي والمفيد للمعارضة.
إن حركة مجتمع السلم، على سبيل المثال، ليست جهازا ملحقا بالحكومة عليه أن يؤيد ويشرح موقفها. وبالإضافة إلى ذلك فإن قطع العلاقات مع بلد شقيق، مهما كانت عدوانية نظامه على بلادنا، ليس بالأمر الهيمن، وقد حدث أن بلدان في حالة حرب ولا تقطع العلاقات وتترك مجالا للديبلوماسية.
ولئن كانت العلاقات السياسية والاقتصادية مقطوعة فعليا بين البلدين منذ سنوات، لم يكن الأمر يتطلب تعميق آثار الأزمة على المستوى الاجتماعي بين الشعبين للترابط الوثيق بين الناس العاديين العابر للحدود وللسياسة بين البلدين، وعلى المستوى المعنوي في الساحة العربية كلها، التي ضجر سكانها من التشتت والضعف الذي هم فيه. كان يمكن تخفيض مستوى التمثيل كرسالة للنظام المغربي وحلفائه، مع أخذ كل الاحتياطات الصارمة لمنع الاختراق الصهيوني عن طريق المغرب، بسبب أن التطبيع المغربي هو الأخطر في العالم العربي بسبب بعده الاجتماعي.
وإذا كان السبب المباشر لقطع العلاقات هو دعم منظمة الماك الانفصالية فإن فرنسا تأوي رأس هذا التنظيم وتوفر له الحماية والدعم، وعناصره الأشرس والأكثر تطرفا موجودين على أرض هذا البلد، وإذا كانت الخلفية هي التطبيع الرسمي فإن دولة الإمارات هي عرابته عند العرب ومشجعته وداعمته في منطقتنا، كما أن أكبر عراب للكيان الصهيوني في أفريقيا هي فرنسا، وما الدولة المغربية في هذا الموضوع وفي هذه الساحة إلا خادمة لأسيادها، وما ابتهاج مدير مكتب وكالة الأنباء المغربية (الرسمية) بعضوية الكيان في الاتحاد الافريقي الا رجع صدى للابتهاج الصهيوفرنسي، علاوة على أن مصائبنا الثقافية والاقتصادية الأكبر تأتينا دائما من فرنسا ولوبياتها، وقد نبين لاحقا بالأمثلة الساطعة كيف نجت المصالح الفرنسية من موجة الحراك الشعبي، بل زادت، بالرغم بأن فضائحها هي التي سلط عليها الحراكيون الأصلاء الضوء بالأدلة والعبارات الأكثر وضوحا أثناء الحراك الشعبي، ويجب أن نتذكر ذلك الشعار الذي زلزل شوارع العاصمة في جمعاته الأولى “ماكانش الخامسة يا ولاد فرانسا” .
وفي الأخير يجب أن نقولها بكل صراحة بأن الجزائر كانت قادرة على الريادة المغاربية بالتفوق والتميز في مختلف الجوانب، خاصة في الجانب الاقتصادي بما يمنع المغرب من أن يتحول إلى وكيل للصهاينة وقوى الاستعمار كما هو الآن، وكان للجزائر كل الإمكانيات لذلك لو لا فساد العصابة التي جعلتنا بلدا ضعيفا يطمع نظام المخزن العميل في الاستثمار في ظروفنا الصعبة لتغيير الحدود الراسخة في العلاقة بين البلدين رغم مشكلة الصحراء الغربية.
ومع الفرص الضائعة نقول بأن الحل الجذري في العلاقة مع المغرب، في حالة انسداد الأفق وعدم القدرة على حل المشكل بالحوار، هو التفوق والارتفاع عن الندية ولا يزال الأمر ممكنا.
إن الحل لمشكلة المغرب هو نهضة الجزائر على كل الأصدعة وخاصة على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي وبتمتين الجبهة الشعبية على أسس ديمقراطية حقيقية وليس بالاعتماد على أصوات الانتهازية، الأكثر ابتهاجا بقطع العلاقة مع المغرب من النظام السياسي نفسه.
وفي حالة استمرار النظام المغربي في غيّه أحسن طريقة لتجاوزه مغاربيا ليس قطع العلاقات ولكن القدرة على إعانة الأشقاء التوانسة والليبيين لحل مشاكلهم والسعي لتحقيق وحدة المغرب العربي بدون المغرب – فلا مغرب عربي أبدا دون الجزائر- إلى أن يعود إلى وضعية ما قبل التطبيع ويترك دعم الحركة الانفصالية على الأقل، مع ضرورة الاهتمام بالعمق الافريقي، والمساهمة في محاصرة المخططات الفرنسية والمغربية والصهيونية الدعائية للجزائر وفلسطين في هذا العمق الاستراتيجي، وعدم الثقة في أي تنسيق مع فرنسا في الساحل لأنها هي المسؤولة عن كل مآسي الأفارقة كما يقول المثقفون الأفارقة أنفسهم.
ويكون الوجود الفاعل في أفريقيا بالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء القدماء ذوي الثقل الأفريقي والتعاون مع القوى الدولية الصاعدة المهتمة بأفريقيا.
د. عبد الرزاق مقري
حين ذكّر جو بايدن رئيس الولايات الأمريكية المتحدة بالكلمة المشهورة: “أفغانستان مقبرة الغزاة” كان ذلك في سياق تبريره للشعب الأمريكي أسباب قراره الخروج من أفغانستان. لا يستطيع أحد أن يسحب هذه الخصيصة من الشعب الأفغاني المجاهد، إذ أن تاريخه عامر عبر العصور فعلا بمقارعته بجلد وصبر لكثير من قوى الاحتلال، والتغلب عليها.
غير أن هذه الميزة هي ميزة أي شعب لم تبتلعه الحضارة الغالبة ثقافيا وفكريا ووجدانيا. فالاستعمار الفرنسي، مثلا، بقي أكثر من قرن في الجزائر، ولكن حينما حافظ على هويته وأصالته قاوم سبعين سنة بالسلاح، ثم قرابة نصف قرن ثقافيا وسياسيا ثم أخرج الاستعمار بالثورة النوفمبرية المباركة. وكم هو الشبه كبير في تلك الصور التي بينت خروج الجنود الأمريكييين ومعهم الأعداد المكدسة من الأفغان الذين ربطوا مصيرهم بالاحتلال، مع صور جيوش الاستعمار الفرنسي مدحورة، وذلك الهروب السريع المذل لمئات الآلاف من المستوطنين، ومن “الحركى” الجزائريين الذين باعوا ضمائرهم للاستعمار ووثقوا به.
لا شك أن المسألة الأفغانية معقدة، للأهمية الاستراتيجية لأفغانستان، ولا شك أن ثمة لعبة دولية ما خلف الأحداث، ولكن المؤكد أن الشعب الأفغاني نال استقلاله بالسلاح، وما تم من اتفاقيات دولية لا نعلمها شأن أفغاني، و الحكم على كل شيء في وقته عند ظهوره. فالشعب الجزائري لم ينتبه إلى التنازلات التي قدمت للاستعمار الفرنسي في اتفاقيات إيفيان إلا بعد عقود من الاستعمار، ولا زال النقاش قائما حول الموضوع ولا ندري بدقة أبعاد تلك التنازلات وآثارها على جزائر ما بعد الاستقلال. فقضية أفغانستان في أصلها ومبتدئها قضية تصفية استعمار لا يسع كل حر إلا أن يباركها، وما هو آت نحاول فهمه معا من خلال ما نتحصل عليه من معلومات ويكتبه المحللون ومراكز الدراسات، وهذه مساهمة منا عبر المحاور الآتية:
أولا – الأطراف الفاعلة.
ثانيا – النتائج والدلالات .
ثالثا – المآلات والواجبات.
وسندقق في هذه المحاور عبر عدة نقاط تحت كل محور.
أولا – الأطراف الفاعلة:
1 – حركة طالبان:
حركة طالبان حركة أفغانية، التعرف عليها والحكم عليها يكون وفق بيئتها وظروف نشأتها، ولا يوجد سبب لاعتبارها حركة إرهابية، فإن كان السبب هو منهجها الفكري فثمة حركات إسلامية أخرى موالية للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي هي على منهجها الفكري من حيث التشدد، وإن كان السبب هو حمل السلاح فإن وجود الاحتلال في أي بلاد هو ما يعطي الشرعية لاستعمال السلاح، ولا ننسى أن فرنسا كانت تسمي المجاهدين الجزائريين إرهابيين.
نشأت حركة طالبان سنة 1994 في ولاية قندهار على الحدود مع باكستان على يد الملا محمد عمر مجاهد (1959-2013)، وتسمى طالبان لأنها نشأت وسط طلبة المدارس الدينية وأغلب أفرادها من البشتون الذين يمثلون 38% من الشعب الأفغاني البالغ عدده 39 مليون نسمة. يذهب المتابعون إلى تفسيرات كثيرة لظهورها المفاجئ عند النشأة، فثمة من يقول أن المخابرات الباكستانية هي وراء تأسيسها، بدعم أمريكي سعودي، لمواجهة شاه مسعود ورباني القويين آنذاك واللذين ينتميان للحركة الإسلامية ذات المنهج الوسطي، وهناك من يذهب عكس ذلك فيقول أن فكرة تأسيس طالبان تعود لمبادرة من المولوي فضل الرحمن أمير جمعية العلماء المسلمين الباكستانيين، حين كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية للبرلمان الباكستاني، بالتشاور مع برهان الدين رباني وعبد رب الرسول سياف لمواجهة قوات حكمتيار آنذاك العدو اللدود لشاه مسعود. وثمة رواية طالبان على لسان مؤسسها الملا عمر الذي صرح بأنه فكر في جمع طلبة المدارس لتأسيس الجماعة حين كان طالبا من أجل الحد من الفساد الذي استشرى، وضياع الأمن بسبب انتشار السلاح.
ومها كانت خلفيات تأسيس هذه الجماعة فإن الظروف التي كانت عليها أفغانستان تساعد على بروز حركة مخَلِّصة، قوية وغير متورطة في المآسي التي كان يشكو منها الشعب الأفغاني.
كانت الحرب الأهلية قبيل ظهور طالبان تدمر كل شيء في أفغانستان، ولم تنجح أي وساطة في التوفيق بين الفصائل المتقاتلة على الحكم بعد خروج الروس، إذ قُتل فيها أكثر من 40 ألفا، وعدد هائل من الجرحى والمعطوبين، وخسائر مادية عظيمة، وكانت البلاد في فوضى عارمة، مجزأة بين الجماعات الأقوى، فحكومة رباني وشاه مسعود تسيطر على 7 ولايات في شمال ووسط أفغانستان، ويسيطر القائد الشيوعي رشيد دستم على 6 ولايات في الشمال، و”شورى ننجهار” تحكم 3 ولايات في الشرق، وإسماعيل خان في غرب البلاد، وباقي الولايات متروكة لنفسها بدون أي حكم. وقد أدت هذه الفوضى إلى ظهور نظام اجتماعي واقتصادي إجرامي مدمر للبلاد حول بعض أمراء الحرب الذين تعاظمت ثرواتهم بسبب السيطرة على تجارة المعادن والسلاح والسيطرة على الخدمات الإدارية، وفي مقابل ذلك بقي الشعب الأفغاني يزداد فقرا. أضحت الرذائل التي يمقتها الضمير الجمعي الأفغاني، ضمن هذه الظروف، تنتشر كالهشيم وأضحت مخططات الاستعمار السوفياتي لإفساد السكان من أجل السيطرة عليهم تتجسد أكثر من زمن وجوده، لا سيما وسط الجهات الذي يحكمها دستم فلا يستطيع أحد معالجتها. ولم تكف هذه المصائب المنصبة على الشعب الأفغاني حتى وجد نفسه، في ظل الانفلات الأمني، تحت سيطرة عصابات تجارة المخدرات والسرقة والاختطاف والابتزاز وأخذ الإتاوات من التجار لتجنب العدوان، والاقتتال في الشوارع أحيانا يروح ضحيته المارة الأبرياء.
إن كل هذه الظروف هي التي جعلت الشعب الأفغاني يتطلع إلى مخَلِّص، فلما ظهرت قوة ذات بنية صلبة تعتمد على عدد كبير من طلاب المدارس الدينية غير متورطة في مآسي الشعب الأفغاني، بل تعلن أنها جاءت لتخلصه منه، وعلى أساس ديني، كان طبيعيا أن يحتفي بها هذا الشعب المسلم المظلوم وينصرها ويسندها. لقد كنا جميعا في ذلك الوقت نتوجس من صعود طالبان السريع، ولكنْ فهمُنا للظروف التي نشأت فيها، وانكسار كل المشاريع الإصلاحية ومنها مشاريع التيار الإسلامي الذي نعرفه جعلنا نُنَسّب موقفنا منها ونتمنى لها التوفيق والعمل بما يشرف الإسلام ويخدم الأفغان.
بعد أن نجحت طالبان في مسح وجود كل القوى المتصارعة دخلت كابول منتصرة سنة 1996 وحكمت أفغانستان كلها إلى غاية 2001 ثم أسقطتها الولايات الأمريكية المتحدة بذريعة مكافحة الإرهاب وأصبحت أفغانستان بلدا محتلا من جديد ، وسنعود للحديث عن هذه الذريعة حين نتحدث عن طرف الولايات الأمريكية المتحدة.
أثناء حكمها حققت طالبان جملة من الإنجازات وأخفقت في أخرى، أمّا ما نجحت فيه فمنه تحقيق الوحدة الترابية لأفغانستان، وإنشاء نظام قضائي وإداري واحد، القضاء على الفساد السياسي والمالي، ووقف زحف الفساد الأخلاقي، ملاحقة تجارة المخدرات وحرق حقولها، جمع الأسلحة وإنهاء نفوذ أمراء الحرب. وأما ما اخفقت فيه فهو كله مرتبط بمنهجها، ولا يمكن اتهام قادتها قي مقاصدهم أبدا، فهم كأشخاص بقوا بعيدين عن الفساد ومختلف أنواع الانحرافات الشخصية، ولكن كحركة تسبب لهم منهجهم في مشاكل كبيرة حين حكموا، فهم حركة لا تؤمن بالتنظيم الحديث وبالمؤسسية العصرية، إنما تسير بتأثير قادتها، والأمير هو وحده صاحب القرار إذ الشورى عندهم معلمة وليست ملزمة، أي أن الشورى موجودة في مؤسسات إدارية تقليدية بسيطة ولكن الأمير يستنير بها ولا يُلزم فيها بشيئ، ومجال الاجتهاد خارج ما تعلموه في مذهبهم الفقهي ليس محببا عندهم ولا يملكون أدواته، ثم حرمهم تشددهم المذهبي وانغلاقهم عن المحيط الخارجي من أن يستفيدوا من غيرهم. وحينما حكموا أفغانستان في السنتين اللتين تمكنوا فيهما سيّروا الحكم، بكل تعقيداته، بعزائم منهجهم في الجماعة، فظهرت عيوبهم وبان قصورهم في مواضيع حساسة كقضايا المرأة والتعليم والحريات والتنمية والعلاقات الدولة، وأعطوا في المجمل صورة غير جيدة للمشروع الإسلامي في الحكم.
وأما عن رجوعهم المباغت للحكم في هذا الشهر فأكاد أجزم بأنهم ليسو أفضل موجود في أفغانستان في شأن السياسة والإدارة وشنشنات المفكرين والمتحدثين وأرباب التنظيمات، ولكن كانوا فقط في المكان المناسب حين فشلت ترتيبات الأمريكان وحلفائهم وعملائهم ورجع الفساد والظلم والجريمة وتعمقت العمالة ضمن ما سنشرحه لاحقا، وغابت الحركات الإسلامية العريقة التي كان لها الفضل في دحر جيش الاتحاد السوفياتي عن الفعل. لقد اصطفى الله ” الطالبانيون” ليكونوا الوارثين بسبب صبرهم وجهادهم واستقامتهم. ومهما كانت الأسباب المباشرة وغير المباشرة والترتيبات التي قام بها هؤلاء هؤلاء ( التي سنشرحها في حلقة مقبلة) هم اليوم في الحكم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأما المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله فإن مدخلاته كثيرة، ومن أهم مدخلاته: ماذا سيكون عليه الطالبان في إدارة الانتقال السياسي وكيف سيكون حالهم في الحكم. لا شك أن كثيرا من تصريحاتهم مشجعة جدا وتدل بأن ثمة مراجعات ولكن الواقع على الأرض وتفاعلات المدخلات الأخرى هو ما سيحكم على التجربة من جديد.
د. عبدالرزاق مقري
اختارت مجموعةُ 22 الستةَ التاريخيين لتحضير تفجير الثورة وقسموا مناطق البلاد بينهم: مصطفى بن بولعيد (مسؤول المنطقة الأولى)، ديدوش مراد (المنطقة الثانية) ، كريم بلقاسم (المنطقة الثالثة)، رابح بيطاط (المنطقة الرابعة) العربي بن مهيدي (المنطقة الخامسة)، محمد بوضياف (المنسق العام)، بالإضافة إلى القادة التاريخيين الذين كانوا في مصر وهم بن بلة، آيت أحمد وخيضر.
وكان في حساب هؤلاء الأبطال أن يعقدوا اجتماعا سنة بعد الانطلاقة للتقييم والتنظيم، غير أن الصعوبات الكبيرة التي واجهتتها الثورة في سنتها الأولى لم يسمح بذلك. وبعد أن غيرت هجومات الشمال القسنطيني الموازين وحققت الأهداف الكبرى التي ذكرناها في المقال السابق، وبعد أن التف الشعب بمجمله بالثورة والتحق المركزيون ومختلف منظمات وشخصيات الحركة الوطنية من خارج حزب الشعب بالجبهة، أصبحت مسألة عقد مؤتمر عام لتنظيم الثورة مسألة حيوية لمواصلة الكفاح على أسس مؤسسية وتنظيمات وقواعد إدارية وعسكرية ورؤية سياسية وديبلوماسية واضحة، ومتفق عليها.
تم اختيار يوم 20 أوت تيمنا بمناسبة هجومات الشمال القسنطيني ولاعتبار المؤتمر في حد ذاته نتيجة لتلك المعارك التاريخية المباركة. ومن المشاكل التي واجهت مؤتمر الصومام تفكك المنظومة القيادية المسؤولة عن الثورة عند انطلاقها، فمصطفى بن بولعيد استشهد والمنطقة الأولى التي كان يرأسها تعيش أزمة كبيرة، ومحمد بوضياف سافر إلى فرنسا، وقيادات مهمة كانت خارج الوطن في مصر على غرار بن بلة وآيت أحمد وخيضر.
كانت الفكرة الأولى أن ينظم المؤتمر الجامع في المنطقة الثانية بالشرق الجزائري حتى يسهل التحاق القادة الذين في الخارج عبر الحدود مع تونس، ولكن حينما تأكد عدم حضورهم تحول اللقاء إلى أعالي وادي الصومام (إفري أوزلاڤن)، في وسط البلاد لتسهيل حضور المناطق الأخرى وبسبب تحصيناتها الجغرافية وإمكانية الانسحاب بأمان إلى غابة أكفادو.
كُلف العربي بن مهيدي برئاسة المؤتمر لمكانته وحكمته وباعتباره واحد من مجموعة الستة، وعبان رمضان مساعدا وكاتبا للمجهودات الكبيرة التي بذلها لتحضير المؤتمر . حضر هذا الاجتماع التاريخي قادة بابرزين على غرار زيغود يوسف ولخضر بن طوبال وكريم بلقاسم، وأعمر أوعمران، وسليمان دهيليس، وعلي خوجة، وعلي ملاح، ومحمدي السعيد، وعبد الحفيظ أمقران وغيرهم. وكلف عميروش بحماية المؤتمر باعتباره مسؤولا في المنطقة الثالثة التي يقع فيها المؤتمر
استطاع المؤتمر أن يتوصل إلى نتائج تنظيمية وسياسية كبرى سمحت للثورة أن تكون في مستوى الزخم الذي وصلت إليه، وأن تعطي رسالة للخارج بأن الثورة متحكمة على الأرض ولا يمكن استئصالها وأنها مستعدة ومؤهلة للتفاوض في كيفية إنهاء الاحتلال. ومن القرارات المهمة التي انتهى إليها الاجتماع تأسيس المجلس الوطني للثورة الجزائرية ولجنة التنسيق والتنفيذ، وتوحيد قيادات جيش التحرير وهيكلة صفوفه، وتجديد التقسيم الجغرافي للوطن من مناطق إلى ولايات مع إضافة ولاية سادسة للجنوب الكبير، وتأسيس جهاز القضاء وتوجيه وتنظيم النضال المدني والمنظمات الشعبية على مستوى العمال والطلبة وفدرالية الخارج. واتخذ المؤتمر قرارين كبيرين تسببا في خلافات شديدة وهو أولوية السياسي على العسكري، وأولوية الداخل على الخارج، علاوة على صياغة لغوية في الوثيقة تسببت في شكوك خطيرة وأدت إلى انقسامات كبيرة بين الجزائريين تتعلق بهوية الدولة حيث أكد المؤتمر بأن الدولة المنشودة ستكون جمهورية ديمقراطية واجتماعية وليست ملكية أو ثيوقراطية بائدة، ولم تذكر عبارة ضمن إطار المبادئ الإسلامية التي كانت في بيان أول نوفمبر.
مباشرة بعد انتهاء مؤتمر الصومام بدأت الخلافات بشأنه، ثم اختفت هذه الخلافات مع أصحابها من جيل المجاهدين وبقيت على مستوى المثقفين والمهتمين، وبشكل غريب انتقلت هذه الخلافات إلى أجيال الاستقلال من عموم المواطنين في أجواء الحراك الشعبي وضمن حالة الاستقطاب الكبيرة التي حدثت.
كانت أسباب الاعتراضات في صفوف المجاهدين متنوعة، بدأت بالشك في قصة “البغلة” التي هربت بالوثائق ووقعت في أيادي الاستعمار، إذ لم يصدقها البعض واعتبروها خيانة حدثت، واعتبرت قيادات مهمة من منطقة الأوراس التي لم يحضر ممثلوها أن المؤتمر إهانة للمنطقة الأولى وخيانة لرجالها، وصرح عمار بن عودة بأن المؤتمر خرج عن مبادئ أول نوفمبر وأنه اتجه اتجاهات شيوعية ولائكية، واتجه بن بلة لنفس الاتجاه، وهناك من اعتبر المؤسسات المنبثقة عن المؤتمر انقلاب على القيادة الشرعية التاريخية على غرار ما صرح به أحمد محساس، وهناك ممن حضر المؤتمر وكان عضوا في مؤسساته ثم طعن في قراراته وتوجهاته على غرار بن طوبال والشهيد زيغود يوسف، حسب ما ذكر في بعض المراجع والشهادات.
لم تؤثر هذه الاختلافات في مسار الثورة وغلبت ديناميتها مجمل الخلافات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية، بل لم تؤثر حتى على سمعة الثورة عند الشعب الجزائري وفي الخارج حتى تحقق الاستقلال. ثم أسكت الصراع على السلطة غداة الاستقلال هذه الخلافات وأصبح الفرز بين المجاهدين على نحو آخر .
وإذا أردنا أن ندقق في الاختلافات بموضوعية سنجدها ذات طابع شخصي في الغالب، أثرت فيها الظروف والتكوين والصراعات والخلفيات التي كان عليها القادة المؤثرون، دون إغفال الأبعاد الأيديولوجية التي تضمنتها بعض النصوص التي قد تكون من تأثيرات بعض الكتاب اليساريين الذين التحقوا بالثورة كأفراد بعد أن رفض حزبهم حل نفسه كما فعلت الجمعية واتحاد البيان الجزائري، وكان منهم مقررون في المؤتمر.
ولكن، مع كل هذا، لو كانت ثمة فرص للحوار بين المجاهدين ثم بين جيل الاستقلال المهتمين بتاريخ الثورة ونصوصها لما كان ثمة سبب للصراع والتشتت ولما أتيحت فرصة للمتطرفين للتركيز على جوانب الخلاف على حساب ما يجمع الجزائريين ويضمن الميراث الأصيل للثورة.
ومن الملاحظات التي يمكن أن نسجلها حين نقيم مؤتمر الصومام بموضوعية ما يلي:
– لا يوجد تناقض ولا صراع بين بيان أول نوفمبر ومؤتمر الصومام، فبيان أول نوفمبر رؤية أبدية خالدة تتجاوز الحيز الزمني للثورة يبقى السعي لتجسيد كل بنوده ما بقي نوفمبريون أصلاء في الجزائر يكافحون من أجل ذلك، وسيبقى بيان نوفمبر هو المرجع الجامع للجزائررين ولو بعد قرون، كما هي الوثائق المؤسسة “للثورة المجيدة” في بريطانيا، و”الثورة الأمريكية” و”الثورة الفرنسية” التي تزال مرجعيات ثابتة في بلدانها، في حين أن مؤتمر الصومام هو مؤتمر لتنظيم الثورة ينتهي دوره مع انتهاء الحيز الزمني للثورة وقيام الدولة الجزائرية المستقلة. ومحاسبة القائمين على الدولة عن وفائهم للثورة يكون على أساس رؤية الثورة في بيان أول نوفمبر وليس على أساس تنظيماتها في مؤتمر الصومام التي انتهت بانتهاء الثورة.
– حتى إن توقفنا عند الشكوك الأيديولوجية واعتبرنا نزع كلمة ” ضمن إطار المبادئ الإسلامية” عمل مقصود من البعض لا يمكن أن نتهم رئيس المؤتمر العربي بن مهيدي الرجل المتدين ابن جمعية العلماء بذلك، كما لا يمكن أن نتهم زيغود زيغود تلميذ ابن باديس وابن الكتاتيب، أو أن نتهم محمدي السعيد بذلك كذلك وهو الذي كام يخاصم بتشدد من أجل الإسلام. علاوة على أن وثيقة الصومام أكدت على المشترك الحضاري واللغوي لشمال أفريقيا، وهو أمر لا يعجب العلمانيين الصوماميين المتشددين الذين يرفضون الحضارة العربية الإسلامية. وفي كل الأحوال لا يمكن اعتبار وثائق الصومام حاكمة على بيان أول نوفمبر الذي كان وبقي محل إجماع، ولم يقع حوله خلاف مثل مؤتمر الصومام، ولم يكن ثمة شخص في مؤتمر الصومام شكك في بيان أول نوفمبر.
– لو نبتعد عن خلفيات الأشخاص الذين كتبوا النصوص لا نجد تناقضا بين مفهوم الدولة المدنية ورفض الدولة الثيوقراطية التي يتحدث عنها المتحمسون لمؤتمر الصومام وعبارة ” ضمن إطار المبادئ الإسلامية” التي يتمسك بها من يريدون المحافظة على أصالة الثورة وأهدافها، لأنه ببساطة لا يوجد في الإسلام ثيوقراطية. والعلمانيون الذين يتحصنون بمؤتمر الصومام لإثبات أيديولوجيتهم متأثرون بتاريخ الصراع بين الكنيسة والفلاسفة في القرون الوسطى وفي عصر النهضة وعهد الثورة الصناعية في أوربا، ولا يعرفون شيئا عن الإسلام وحضارته بسبب ثقافتهم الغربية، أو متحاملون مأجورون، وإقناعهم أو إفحافهم لا أسهل منه. فلا داعي للدخول في صراع معهم حول مؤتمر الصومام ولكن الأفضل جرهم إلى ساحة النقاش الفكري.
– أما الحكم على مبدأ “أولوية الداخل على الخارج والسياسي على العسكري” فيجب أن يكون نسبيا وأن يحضر فيه الصراع الذي كان بين القادة. فلا أتصور أن عبارة أولوية الداخل على الخارج تتعلق برؤية سياسية لما بعد الثورة يقصد بها دولة الاستقلال، لا أعتقد أن هذه هي الخلفية، لأنه كيف يمكن الحديث عن أولوية الداخل على الخارج حين نتحدث عن دولة؟ وإنما كانوا يقصدون أنهم لا يقبلون إملاءات القيادات التاريخية التي كانت خارج الوطن ومنهم بوضياف وبن بلة وآية أحمد وخيضر، ونصاب الحق في هذا أن القاعدة صحيحة بالتجريد، ولكن لا يمكن إنكار فضل القادة المفجرين للثورة خاصة محمد بوضياف الذي كان رئيس اللجنة الثورية للوحدة والعمل قبل اجتماع مجموعة 22، وهو الذي انتخبته هذه المجموعة ليكون على رأس مجموعة الستة وهو الذي تم انتخابه منسقا عاما للثورة بين قيادات المناطق وبين الداخل والخارج. فالبرغم من أن وثائق الصومام نصت على مبدأ القيادة الجماعية كان ينبغي إعطاء اعتبار خاص للقادة التاريخيين وذكرهم في الوثائق.
– وبخصوص أولوية السياسي على العسكري فهي مشكلة وقعت في أغلب الثورات المسلحة عند مختلف الشعوب، حيث كان تأثير العسكري هو دائما الغالب في المواجهات المسلحة مع العدو، ولكن يضل المبدأ صحيحا من حيث آليات اتخاذ القرار والتمثيل السياسي للثورة، ولو احترمت لجنة التنسيق والعمل ثم الحكومة المؤقتة الأولى والثانية، أو ربما لو كانت هذه الهيئة في مستوى المنتظر منها، لما وقعت الأزمات الكبرى التي عاشتها الجزائر قبيل الاستقلال وبعده. وفي كل الأحوال إن التنصيص على هذه القاعدة أثناء الثورة من المجاهدين أنفسهم يعطي مصداقية وقوة وشرعية لمن كافح ويكافح من أحل مدنية الدولة الجزائرية في الشكل والمضمون، وفي النصوص والحقيقة على الواقع، لأنه لا يوجد أي سبب ليكون الحكم عسكريا بعد الاستقلال وإلا يمكننا أن نقول بأننا متخلفون عن المستوى الراقي الذي وصلت إليه الثورة وقادة الثورة.
وفي الأخير يمكننا أن نخلص إلى أن مؤتمر الصومام حدث تاريخي ومنعطف حاسم نظم في وقته، بعد نجاح تعميم الثورة على إثر هجومات الشمال القسنطيني، ولو لم يحدث لدخلت الثورة في فوضى كبيرة ولما حققت اختراقاتها الكبرى عسكريا ومدنيا ودبلوماسيا، وأما ما يتعلق بأسباب الخلافات الأيديولوجية فيمكن تجاوزها، واعتراض قادة المنطقة الأولى على عدم تمثيلهم يتفهم مهما كانت الوضعية التي كانوا عليها بعد وفاة بن بولعيد رحمه الله، وما يتعلق بأولوية الداخل على الخارج فقد طواها الزمن، والنظام الذي تم اختياره للثورة يبقى للتاريخ، وأولوية السياسي على العسكري مسألة كفاح ضمن سياقات جديدة يُستأنس فيها بنصوص مؤتمر الصومام.
د. عبد الرزاق مقري
لو أردنا أن نحصي أيام الثورة العظمى ومآثرها الكبرى لما كفت مجلدات ضخمة لكثرة الوقائع البطولية في كل ولاية، بل في كل قرية ودشرة، ولست أدري أين وصلت وزارة المجاهدين في مشروع توثيق شهادات الشهود على إحداثيات الثورة الذي انطلق منذ كان عدد كبير منهم أحياء.
غير أني بعد طول اهتمامي بتاريخ الثورة، وما سمعته من المجاهدين منذ طفولتي وما قرأت عنه وكتبت فيه أرى أن ثمة ثلاثة تواريخ تسبق غيرها في الأهمية وهي: الانطلاقة في 01 نوفمبر 1954، هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، الانتفاضة الشعبية الكبرى في 11 ديسمبر 1960 إلى أن جاء يوم الاستقلال الأغر المعلن عنه يوم 05 جويلية 1962.
وفي هذه المناسبة المباركة لهجومات 20 أوت نسترجع الأحداث ونقف عند العبر والعظات .
جاءت أحداث 20 أوت بعد قرابة سنة من اندلاع الثورة، وقد وصلت في تلك المرحلة إلى نقطة الانعطاف، إما تثبيت هبة نوفمبر وتأكيد الإنجازات أو انكسار المسار وقبر الثورة والعودة إلى هيمنة الاستعمار والشك في الذات.
كانت الثورة قد حققت إنجازات مهمة منها بدايات تأطير الشعب ضمن اهياكلها المدنية لضمان احتضان الثوار وجمع الاشتراكات وتوعية الجماهير، وتأسيس بعض المنظمات كاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين (جويلية 1955)، ونقل الثورة على الأرض الفرنسية بتأسيس فيدرالية جبهة التحرير هناك (ديسمبر 1955)، وعلى الصعيد الخارجي توطت الصلة مع الأشقاء والأصدقاء، وتحقق اختراق دبلوماسي كبير بتسجيل القضية الجزائرية في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا (24 أبريل 1955) للدول التي أسست منظمة عدم الانحياز.
غير أن الثورة واجهت ردة فعل غاية في العنف والهمجية من جيش الاحتلال ضد المجاهدين والمدنيين لترهيب الجزائريين معنويا وإيهام الداخل والخارج بأن فرنسا لا تزال قوة كاسحة تتحكم في الأوضاع، فنزلت للجزائر تعزيزات عسكرية غير مسبوقة وعمد الاحتلال إلى القيام بعمليات تمشيطية واسعة، خاصة في الأوراس، ظنا منه بأن الثورة معزولة في مهد انطلاقها، ولكسر شوكة المجاهدين استهدف القادة فألقِي القبض على بعض مفجري الجهاد كمصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط واستشهد قائد المنطقة الثانية ديدوش مراد.
لم تكن هجومات 20 أوت أعمالا بطولية بلا أهداف، بل ما حققته من نتائج أظهر عبقرية الثورة الجزائرية وأنها ظاهرة عالمية رائدة في تاريخ الثورات الكبرى في تاريخ البشرية.
تم اختيار يوم 20 أوت للتضامن مع الأشقاء المغاربة بمناسبة ذكرى نفي السلطان محمد الخامس بالمغرب لإظهار البعد المغاربي للثورة، وكان ثمة بعد إقليمي وعالمي لإشعار الدنيا بأن ثمة شعب قد كسر أغلاله وأنه هو السيد على الأرض، وحتى تصل رائحة البارود وعمق دماء الشهداء إلى الأشقاء في العالم العربي والإسلامي فينتبهوا بأن ثمة شعب عربي مسلم في الجزائر تحت الاحتلال يقاوم بشهامة نادرة فتقوى عزائمهم لدعم كفاحه، وليدرك الأحرار في العالم بأسره بأن عشقهم للحرية له قصة مشوقة في أرض الجزائر فيضغطوا على حكوماتهم الاستعمارية أو المترددة، ولتدخل المقاومة الجزائرية في اللعبة الدولية فتراهن عليها دول المعسكر الشرقي لإرهاق الرأسمالية الامبريالية، وسيساعد ذلك كله في كسب معركة الأخلاق عالميا، وعلى ساحة الدبلوماسية في محافلها .
ولتحقيق ذلك كله يجب إذلال فرنسا عسكريا في الميدان على أرض الجزائر، حتى تفقد أملها كلية في الرجوع بالقضية إلى ما قبل نوفمبر، وأن محاولات خلق القوة الثالثة المندمجة التي سعى إليها الحاكم الجديد جاك سوستال آنذاك أحلام زائلة، فكانت العمليات شاملة عبر ثلاثة أيام في ما يقارب 39 هدفا بين عمليات فدائية ضد العدو، وتصفية الخونة والعملاء، وحرق مزارع المعمرين، وعلاوة على ذلك إنهاء مساحات التماس مع الإدارة الفرنسية في المجالس المحلية التي كانت تزورها ضد مرشحي الحركة الوطنية، بدعوة من استطاعوا افتكاك مقاعدهم بالانسحاب والالتحاق بالثورة بعد مرور قرابة سنة من اندلاعها، إذ لم يبق من حل مع الاستعمار بعد رسوخ نهج الجهاد في نفوس الجزائريين إلا حل واحد ولا شيء معه: إنه البارود.
وبالفعل اندمج الشعب الجزائري قاطبة في الثورة، وأدركت الأقلية العميلة “الحركى” حقيقة مصير الخيانة، وانتهى تردد أحزاب وشخصيات الحركة الوطنية فاندمجوا مع إخوانهم في الكفاح وصار للجزائر جبهة واحدة موحدة، وتصدع الرأي العام الفرنسي تجاه القضية الجزائرية، وارتفعت معنويات ونخب الأشقاء في العالم العربي والإسلامي، وسُجلت القضية الجزائرية في الجلسة العاشرة للأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1956.
ولهذا كله نقول بأن معارك 20 أوت 1955 فاصلة في تاريخ الثورة تشتمل على دروس عظيمة في النضال والتضحية والسياسة والدبلوماسية والعمل الشعبي، وفي مسائل التخطيط والقيادة والإدارة والتنظيم والاتصال والتواصل. وقبل ذلك كله في الصدق مع الله وحسن التوكل عليه والوطنية الحقة والأخوة والوحدة والتعاون والتضامن.
فكيف يمكن لشعب وهبه الله هذا الكنز العظيم وهذه المرجعيات الخالدة أن يُضيّع معالمه وأن يتفرق ويشك في هويته وتاريخه، وأن يلعب الاستعمار ببعض نخبه بعد قرابة ستين سنة من الاستقلال وبعد هذه التضحيات العظيمة.
إن هذه الذكرى من أيام الله سبحانه، التي نذكره فيها ونشكره، ونعاهده على الوفاء لثورة نوفمبر ولعهدها وبيانها ودماء شهدائها.
والحمد لله رب العالمين.
د. عبد الرزاق مقري
حينما نرى ذلك المشهد الهمجي في الأربعاء ناث إيراثن والتواطؤ العام على القتل نشعر بأنه وضع غير طبيعي انهار فيه الضمير الجمعي ولم يصبح في المنطقة، على الأقل في مثل تلك اللحظات، حس اجتماعي للنهي عن ما هو منكر في الفطرة البشرية، ووفق التشريعات الدينية أو القانونية، بغض النظر عن حيثيات القضية، سواء كانت الجريمة عنصرية، أو جريمة همجية لأسباب ودوافع سادية بربرية تتجاوز مسألة حرق الغابات.
كيف يصل مجتمع ما إلى هذه الحالة المفزعة، الخطيرة على سلامة الأفراد والمجتمعات؟ حاولنا أن نعالج الأمر سياسيا وقد نعود إلى ذلك، ونحاول عبر هذه الأسطر أن نساهم في المعالجة من زاوية شرعية إسلامية، وأقول من البداية حتى لا يؤل حديثنا بأن الأمر لا يتعلق بمجتمع يسكن فيه هذا العرق السكاني أو ذاك، إنما هي حالة سننية تعطي نفس المخرجات حينما تخضع لنفس المدخلات.
حينما نرى مناكر عظمى تقترف في منطقة ما ولا يوجد من يستطيع أن يرفع صوته لينكرها معنى ذلك أن الضمير الجمعي قد انهار، وسبب شيوع المنكر وانتصاره واهتزاز حصانة المجتمع هو، في ديننا، سقوط شعيرة من أكبر الشعائر الدينية الإسلامية، وهي شعيرة التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونتيجة انهيار شعيرة الأمر بالمعروف والنهي هو ضياع الدنيا والدين، والمحصلة النهائية معروفة لدى المسلمين: إنه الدمار والعياذ بالله، يقول الله تعالى: (( وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ))، وقوله تعالى: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (*) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) سورة المائدة: 79،78
وفي الحديث الشريف عَنْ حُذيفةَ ، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ رواه الترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ.
لا شك أن الخوف من الله وابتغاء الأجر هو أساس قيام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أن صلاح أمر المجتمعات في أمور دنياهم يمكن أن يتحقق، ولو كانوا غير مسلمين لو حافظوا على ضميرهم الجمعي بالثقافة المجتمعية المناسبة وتحقيق التدافع في إطار القانون. فحينما قال الله تعالى: (( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) )) وحينما قال: ((( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الروم:41 ))، تحدث عن الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم. ولهذا السبب نجد كثيرا من المجتمعات غير المسلمة منعوا الفساد واللاعقاب فصاروا مجتمعات مستقرة وقوية، ومجتمعات أخرى مسلمة وغير مسلمة تسلط فيها الفسدة، وأفلت الظالمون من العقاب، فسلط الله عليها كل أنواع العذاب.
إن العقاب بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واللاعقاب أنواعه كثيرة على نحو ما ذكره الله تعالى في الآية السابقة المتعلقة بشيوع الفساد في البر والبحر، وفي قوله سبحانه: (( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته زينب رضي الله عنها: ((أنهلك وفينا الصالحون . قال نعم إن كثر الخبث)). رواه مسلم .
ومن أنواع العقاب الفتن الداخلية والأزمات وتسلط الحكام الظالمين والأمراض والكوارث الطبيعية وغير ذلك، وقد تكون بعض الأزمات تنبيها للتوبة، ويتأكد العذاب في الأمم حين لا يبقى من ينكر المنكر نهائيا أو لا تتحقق الكفاية منه حتى يظهر الفساد ويغلب.
وإن لم يتم الاستدراك في منطقة القبائل سيصل الحال إلى نقطة اللارجوع ولا يمكن معالجة الأمر أبدا، بل سيبتلع الفساد والمنكر أعدادا كبيرة من ضعفاء الناس، الذين ينخرطون في شيع وعصب وجماعات ليسو منها في الأصل دون ن يشعروا، وتبدأ مسيرة الانخراط بالجبن وإيثار العافية، ثم ينتقل السكوت إلى تبرير المناكر، والذي هو في حقيقة الأمر تبرير مواقف هؤلاء الضعفاء المتخاذلة، ومما لاحظناه في منطقة القبائل مؤخرا أن كثيرا من الجرائم الخطيرة أصبحت تبرر ، ولا تكاد تسمع لها إنكارا ومن ذلك:
– عدم انكار استضافة زعيم تنظيم انفصالي عميل لدول أجنبية وللصهاينة داخل احدى المؤسسات الرسمية (جامعة تيزي وزو) لتقديم محاضرة عند بعد للطلبة وتبرير ذلك، في الوقت لا يستطيع أي مسؤول سياسي معارض في إطار القانون أن يضع قدمه محاضرا في أي جامعة.
– عدم انكار ما يهدد الوحدة الوطنية من استعراضات انفصالية علنية وبحضور رايات الانفصاليين العملاء والاجتهاد الدائم في تبرير ترك هذا السلوك يتمادى، ويتم التهجم بقسوة، في نفس الوقت، على القوى السياسية الوطنية بلا هوادة لأي رأي سياسي أو فكري مخالف لخيارات التيار المهيمن في المنطقة.
-عدم انكار إنزال العلم الوطني داخل إحدى الثانويات واستبداله بعلم انفصالي.
– عدم انكار جريمة ذبح امام مسجد في محرابه وتقديم تأويلات لصالح الجاني.
– عدم انكار التعدي على حرمة المساجد وعدم محاسبة من تفاخر عبر الوسائط الاجتماعية بببث الاغاني فيها.
– … الخ
ومن العجب العجاب أن حتى جريمة القتل الجماعي لشاب عين مليلة لم ينكرها رؤوس التيار العلماني المتطرف الذين يلاحقون خصومهم أيديولوجيا على أبسط الهفوات، ويصنعون لهم هفوات كثيرة باطلا وزورا.
ليس هذا الصنف من الناس بالطبع من يهمنا، فهم جزء أصيل في الأزمة، ولكن يهمنا النخب الوطنية والإسلامية في المنطقة، وكذا المواطن الجزائري البسيط فيها، كيف يصل بهم الحال أن يصبحوا يبررون للمطرفين وللمجرمين، ومن غرائب مبررات التبرير قول من يقول: “يجب السكوت لكي لا تكون فتنة” تماما كما هو حال أولئك الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص لهم في الجهاد في سبيل الله، فلا يخرجون معه لمواجهة أحزاب وعصب الضلال، فقال عنهم الله تعالى: (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) التوبة 49، فأي فتنة أعظم من أن يُسكت عن هؤلاء الفسدة فيسيطرون على منطقة بكاملها في البلاد كما نراه الآن يتحقق شيئا فشيئا.
حينما يصل التبرير إلى هذا الحد معنى ذلك أن آخر مراتب الإنكار تلاشت وفق الميزان الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم في الصحيح.
إنه لا يطمع عاقل أن تخلو بلدية أو ولاية أو جهة، أو أي مكان في العالم من الفساد والمفسدين كلية، ولكن المطلوب أن تُرفع شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون الضمير الجمعي سليما، فلا يضر أن تكون بعض الضمائر الفردية منحطة. المطلوب أن يرفع المعروف رأسه ويتوارى المنكر فيخشى أن يظهر، لا خوفا من القانون فقط بل قبل ذلك من المجتمع الصالح المحصن بالخير الذي يتعاون فيه الناس على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان كما قال الله تعالى: (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )).
و لا بد أن نذكر بأن المسؤولية عن إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر عليها هي مسؤولية الفرد والمجتمع والدولة، فالنصيحة شرط من شروط الإيمان كما قال الله تعالى: (( الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))،
والقول الفصل في الأخير أنه لا يمكن لمؤمن أن يجامل أحدا على الباطل ولو كان من أقرب أقربائه ومن عشيرته وعرقه كما بينت هذه الآية الكاشفة الصارمة الواضحة؛
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)
صدق الله العظيم
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com