المقالات

الاستبداد والاندماجيون الجدد

داء الاندماجية حقيقة اجتماعية تتكرر في كل الأزمنة، تتشكل في أزمنة الاستعمار بدافع القابلية للاستعمار وفق النظرية البنّابية، وتطفو على السطح في حقب الاستبداد تصممها “القابلية للاستبداد” على نحو ما نراه في ظل أنظمة ما بعد الاستقلال.

لقد كان الاندماجيون في زمن الاستعمار يتطلعون إلى أن يصبحوا فرنسيين بتمام المواطنة الفرنسية فتركوا الانتماء لوطنهم وتاريخهم، وراحوا يتوسلون بكل الأسباب للمحتلين ليمنحوهم الحقوق التي تُمنح للمعمرين وليخرجوا من مرتبة “الأهالي” في القانون الفرنسي. وبعد سنوات طويلة أدركوا بأن فرنسا تستعملهم لتشتيت الصف الوطني ولا تعطيهم شيئا، بل تحتقرهم، وحين انفجرت الثورة التحريرية التحق بعضهم بها وغسلوا تاريخهم بمسيرتهم النضالية الجديدة ودخلوا التاريخ بإنابتهم إلى الله واتباعهم بوصَلة الوطن. ولكن منهم من بقي يؤمن بفرنسا بالرغم من أنها لم تؤمن بهم مطلقا حتى وهي تخرج من الجزائر تجر أذيال الهزيمة.

إن هذا الذي حصل في الجزائر إبان الاستعمار حصل في كثير من البلدان التي احتُلت من قبل قوى أجنبية في تكرارٍ للتاريخ لا يتوقف، ذلك أن التاريخ يكرر نفسه رغمًا عنه إذ هو محكوم بسنن اجتماعية لا تتغير ولا تتبدل تحكم المجتمعات الإنسانية كلها، تماما كما هي القوانين الكونية التي تحكم الكون كله.

ومن هذه الظواهر السننية: سنة “#القابلية_للاستبداد” التي تفسر حالة النخب التي تنزع للاندماج في الأنظمة الفاسدة المستبدة حيثما وُجدت، في كل مجتمع، بشكل متكرر كتكرار التاريخ نفسه. ومن هؤلاء الاندماجيين الجدد في عصرنا الحالي، ما نراه في بلادنا الجزائر وفي مختلف البلدان العربية، من نخب لا هم لها سوى الالتحاق بمنظومات الاستبداد الغالبة، بتِعلّة أخلاقية كاذبة أو خاطئة، بعضها منبعها السذاجة، وبعضها مصدرها خوف أو طمع النفسيات الضعيفة، وبعضها هو الفساد عينه.

يتصرف الاندماجيون تجاه الاستبداد كما يتصرف الاندماجيون تجاه الاحتلال. إنهم نخب من خارج النظام السياسي يشعرون بالتهميش والظلم، وربما القهر. ليس هؤلاء الاندماجيون من عصبة الحكم ولا من خاصته، وربما ليسو حتى من أعوانه، فيرغبون في الاندماج فيه لينالوا نفس الفرص والحقوق التي يتمتع بها من هم في صلب الحكم.

لا يؤمن هؤلاء الاندماجيون بأن النضال السياسي مجدي في كسب الحقوق، ويعتقدون أن الحاكمَ متغلبٌ إلى الأبد، وأنه لا توجد فرص للتغيير مطلقا، وأن الأولى اغتنام الهوامش التي يتيحها المستبد والعمل على الارتقاء في المصالح وفق القواعد التي يضعها الاستبداد بنفسه. غير أن السنن تتكرر في كل مرة، فلا يعطي الحاكم المستبد شيئا ذا بال لهؤلاء، كما لا يعطي المستعمر شيئا “للأهالي”. ولكثرة هؤلاء الاندماجيين يخطف الحاكم المستبد، بين الحين والحين، واحدا منهم ليُلبِسه النياشين الرسمية في مراتب دنيا من الحكم حتى يُبقي غيرَه ممن هو على طبعه على الطمع الأبدي بأنه ربما هو كذلك سيصل!

إن خُلق الاستبداد هو ذات خلق الاستعمار في كل مكان وزمان، يتصف صاحبُه بكل صفات التكبر والاستعلاء واحتقار من هم ليسو منه – خصوصا من يتزلف له – ويغتر بوسائل القوة والإكراه حتى يتربّبَ فلا يرى في الكون غير نفسه، وتكون النتيجة أن يُغَلَّف على عقله، حتى يصبح غبيا في أحكامه وتصوراته، مهما كانت شهاداته وتراكم تجاربه، فلا يرى حقا غير ما يراه هو حقا، وحين يعطي للاندماجيين ما يعطيهم ينظر إليهم بنظرة الاحتقار مهما اضطرته إكراهات استغلالهم لمدحهم وإطرائهم.

إن منهج الاندماجية منهج شائع في الساحة السياسية في كل البلاد العربية، ومنها المغرب والجزائر، وهو منهج ابتلي به التيار الوطني أولا فدمَّر أحزابا وطنية عريقة وجعلها خِرقا يمسح بها المستبدون كل مساوئهم حتى انتهى دورها في الأمة، كما ابتلي بها التيار العلماني إذ أسقط رموزَهم ومراجعهم في مهاوي الطفيلية والزبونية حتى جعلهم أضحوكة في ما يزعمه هؤلاء بشأن ما ادعوه من بطولة زائفة في النضال من أجل الديموقراطية ومعارضة الحكام. ثم جاء الدور على الإسلاميين فبرز منهم من تفنن في محاولات الاندماج في الاستبداد حتى صاروا سادة ورموزا في التزلف والانتهازية.

إن ما رأيناه من انهيارات قيمية وأخلاقية عند بعض رموز الحركة الإسلامية في المغرب مؤخرا هو شيء مما نقوله في هذا السياق عن الاندماجيين.

لا نُعمم ولا نلغي فضل أصحاب الفضل حينما يخطئون ونسأل الله أن يثبتنا جميعا فلا أحد يأمن على نفسه، ولا نستهين بصعوبة المواجهة مع الاستبداد وتعقيداتها ومتطلباتها، غير أن النصيحة واجبة حتى لا يُصبح الخطأ مصنعا لأخطاء على منواله.

وبخصوص الانهيارات التي وقعت في مسألة التحشيد “بالنفس والمال” للزحف على تندوف وإنكار وجود موريتانيا فإني لا أرى فيها – لفضاعتها – سوى الرغبة في نيل رضا الحاكم من أجل الاندماج في نظامه، طمعا في شيء ما عنده، لا ندري ما هو، أو خوفا مما قد يعاقب به المستبدُ من يخالفه.

يحاول أولئك الإسلاميون أن يغطوا على ضعفهم النفسي والفكري بتأصيلات شرعية مقاصدية فيلحقوا بالإسلام وبمشروع الاستنهاض الحضاري للأمة ضررا كبيرا، من حيث سمعته وتوهجه الشعبي ووحدة العاملين له ومعنويات الساعين إليه، بل صاروا خطرا لفرط تعنتهم، والإصرار على عدم الرجوع على أخطائهم نذر حرب وخطرا على وحدة الأمة ذاتها.

ومن أغرب ما لوحظ في المحنة الأخيرة المتعلقة بخطأ الشيخ الريسوني – غفر الله له وأقال عثرته- هو تجند النخب الاندماجية في البلدين للحديث عن الاستعداد للحرب وكأننا نتحدث عن شعبين عدوين لا حرج أن تسيل دماؤهم في مواجهة مسلحة تدمرهم جميعا تماما وفق ما تقتضيه خطط الصهاينة والقوى الاستعمارية. وما تلك المواقف المتبادلة – في حقيقة الأمر – إلا تزلفا للحاكم هنا وهناك.

كان بإمكان الريسوني أن يئد الفتنة التي صنعها بجملتين قصيرتين يقدم فيهما اعتذارا واضحا للجزائر وموريتانيا بدل التوسع في التبريرات التي اختلق فيها كلاما جديدا، بعيدا عما قاله، نصا وروحا، بما يزيد في كسر مصداقيته ومكانته، وبما يحوله من مشروع “رجل أمة” و”رجل مستقبل” إلى مشروع رجل لتجزئة الأمة، ومشروع رجل قابع في التاريخ، لا ليستلهم من التاريخ حكمه وسننه، بل ليغرق في خرائطه المتحولة وليعتز بسلطان ظالم اعتدى على جيرانه في القرن السابع عشر بدل أن يسعى إلى وحدة مغاربية عصرية بالرضا والتعاون والتكامل.

إنني لا أجد غرابة في ما أبان عليه الشيخ الريسوني، فقد رأيت رجالا مثله في بلادي وبلاد أخرى وهبهم الله من العلم والمكانة في نفوس الناس في بادئ أمرهم ما يجعل جاههم بين الناس أعلى من جاه الحكام والسلاطين، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا من المتزلفين الباحثين عن رضا مسؤولين سياسيين أقل شأنا منهم، لا خلاق لهم ولا نجاح في خدمة البلاد والعباد، فنزلت مراتبهم عند الخلق، بما يضر مشروعهم الإسلامي الحضاري، لو لا أن الله غني عن العالمين يقيض لخدمة الإسلام غيرهم ممن هم أفضل وأعز وأكرم. ونسأل الله أن يقيل عثراتنا جميعا، وأن يستخدمنا دوما، ولا يستبدلنا أبدا.

غير أنني والله لقد حزنت كثيرا ، لهذه السقطة وما تبعها من إصرار، كما يحزن كل مؤمن يعرف حجم البلاء المتعلق بكسر المرجعيات وسقوط قيمة العلماء في الأمة. لا سيما وأن الشيخ الريسوني كان من العلماء المجدين في العلم الواعدين في تجديد المرجعية الشرعية في الأمة، لو لم يصر ويستكبر فلم يعتذر، أو على الأقل لم يبرر ، حتى لأنه جعل سبب استقالته من رئاسة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين أن يبقى حرا في آرائه. وأي آراء هي تلك الآراء؟ إنه والله لمبرر مخيف يدل على أن الرجل سيبقى في صراع مع الخرائط الجغرافية المتضاربة البائدة، بدل السعي للوحدة والتقريب بين الإخوة.

إن الأزمة في حقيقة الأمر أزمة منهج قبل أن تكون أزمة أشخاص، إنها أزمة ” الاندماجية الجديدة” التي حلت في أوساط من كان يُرجى منهم الصبر على مكاره التغيير والإصلاح في المجتمع ولبناء دول مؤهلة لصناعة النهضة. أزمة منهج تجلت في ردود أفعال الإسلاميين التحشيدية بعبارات الحرب والاقتتال في الجزائر وفي المغرب كلاهما.

إنها أزمة منهج يتبعه هؤلاء النخب من الإسلاميين الذين باتوا حريصين على السلطة والتقرب من السلطة أكثر من حرصهم على الدولة وتشييد الدولة، منهج يُضيّع الدول التي يريدون حمايتها كما يدّعون، أو التمكين لمشروعهم داخلها كما يقصدون، أو بالحرص على السلطة لأنفسهم لا لمشروعهم بالنسبة لبعضهم وفق ما يٌضمرون.

إن هؤلاء جميعا، مهما كانت دوافعهم، نبيلة أو سقيمة، بيّنة أو دفينة، قد أفسد مشروعَهم حرصُهم على السلطة وإرضاءُ السلطان، وهم في ذلك لا يعرفون الفرق الذي شرحه ابن خلدون بين “مفهوم الملك” الذي هو عنده الدولة، وكان في زمنه يؤخذ بالغلبة، و”مفهوم الرئاسة” الذي هو عنده مجرد وظيفة. أي أنهم لا يفرقون بين مفهوم الجاه الزائل والمنصب العابر الذي تمنح الأنظمةُ بعضَ فتاته و مفهوم الحكم المكين الذي إن صلح صلح البلد كله و لا شرعية له في العصر الحديث إلا بالاختيار الحر للشعب.

إن حرص الاندماجيين الجدد على السلطة، دون رؤية ولا شراكة ولا تأثير فيها نحو نهضة بلدهم وكرامة الإنسان فيه، من شأنه أن يعطل الفكرة ويضيّع المشروع ويضر بالبلد ويمعن في تكبيل الحريات، ولن يُرفع التعطيلُ الذي يتسببون فيه ما لم تتحقق الكفاية بغيرهم، كما ونوعا. وحتى هؤلاء الاندماجيون الجدد من “المصلحين الإسلاميين” ستخيب آمالهم في حسن ظنهم في الاستبداد في آخر المطاف، كما خابت آمال الاندماجيين من الوطنيين في حسن ظنهم بالاستعمار، فمنهم من يعود إلى رشده، كحال فرحات عباس، ومنهم من يستمر في الخضوع للاستبداد حتى تسجل أسماؤهم في قوائم الخزي في التاريخ، كأؤلئك الذين استمروا في الانهيار مع الاستعمار.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

بعد عودة ماكرون إلى بلاده: العلاقات الجزائرية الفرنسية، ما الحل؟

إن علاقة الجزائر بفرنسا بكل تناقضاتها الظاهرية ومخفياتها العميقة تمتد لستين سنة، ورغم قدمها منذ الاستقلال لم يحدث أن استفادت الجزائر من هذه العلاقة أبدا، ولن يتغير شيء لصالح الجزائر بعد زيارة ماكرون وسيبقى الأمر كما هو ما لم يحدث تغيير جذري في العلاقات الجزائرية الفرنسية:

 

– على الصعيد الاقتصادي بقيت الجزائر بقرا حلوبا لصالح فرنسا تتمتع مؤسساتها الاقتصادية بامتيازات لا تأخذها مؤسسات دول أخرى دون أن يساهم ذلك في تطور الاقتصاد الجزائري أو نقل التكنولوجيا أو المهارات الإدارية أو الكفاءات الخدمية أو دخول الأسواق العالمية. وحينما توفرت سيولة مالية ضخمة في زمن بوتفليقة بسبب الضخ اللامحدود للخيرات الطاقوية المخبوءة تحت الأرض استُعمل جزء كبير من تلك الكتلة المالية العظيمة لإنقاذ مؤسسات اقتصادية فرنسية مفلسة، ولدعم الإنتاج الفلاحي والصناعي الفرنسي والمؤسسات الخدمية الفرنسية. ثم انتهت البحبوحة المالية والجزائر مفلسة قد ذاب صندوقها لضبط الموارد وانكمش احتياط الصرف، ولو لا المقاومة الوطنية والإسلامية وحجم الخيرات التي منحها الله للبلاد لكان مصيرنا شبه مصير بعض الدول الافريقية المفلسة جنوب الصحراء التي باع حكامها بلدانهم للراشي الفرنسي.

 

– على صعيد الإدارة والتسيير بقيت الإدارة الجزائرية مسكونة بداء البيروقراطية الفرنسية الثقيلة الرديئة التي تعمل فرنسا ذاتها على التخلص منها بلا جدوى لتلتحق بأنماط الإدارة الانجلوسكسونية واليابانية والصينيه المتنافسة على الشفافية والكفاءة، وبقي كثير من الإداريين الجزائريين معقدين في تعاملاتهم مع أنفسهم ومع الجمهور بثقافة التعالي الفرنسية الفارغة، والتقعّر اللغوي المفرنس المتخلف، والرداءة اللاتينية الغائرة في التقهقر والرجعية التي زادتها رواسب العقلية الاشتراكية سوء وفشلا.

 

– على الصعيد الثقافي ظلت الثقافة الفرنسية تنافس الثقافة العربية الأصيلة وتلغي الثقافة الأمازيغية العريقة، تهيمن لغتها على الشوارع ولافتات المحلات، ولا يشعر المسؤولون الرديؤون وعديمو التثقف بأنهم مسؤولون إلا حينما يتخاطبون بلغة المستعمر، ولا تشعر الأقلية الجزائرية المستلبة حضاريا بالوجود في الكون إلا بمخاطبة أفرادها، بعضهم بعضا، ومخاطبة أولادهم، بلغة فرنسية ركيكة، فقيرة في عدد الكلمات المستعملة وهشّة في بنائها ومعانيها. وبات هذا الوضع النفسي والاجتماعي يتسبب في اهتزاز مستدام لاستقرار البلاد، وصراع عدمي على الهوية، وخلق تيارات من الجزائريين موسومة ب”القابلية للاستعمار”، وطوابير من البشر عميلة مستعدة لخدمة ثقافة ومصالح الأجنبي على حساب ثقافة ومصالح البلد.

 

– على مستوى التعليم بقي النمط الفرنسي والمناهج الفرنسية المنقولة تتسبب في تدمير المنظومة التربوية والمسارات التعليمية الجزائرية حتى باتت المدرسة فارغة من محتواها تعمل شبكات المدارس الخاصة التابعة للمناهج التعليمية الفرنسية حرفيا على أن تحل محلها، دون أي مراعاة لواقع التعليم الفرنسي التعيس في فرنسا ذاتها، والذي بات يتجه للمناهج العالمية الأخرى. وأدى التردد في الاستراتيجية اللغوية، ومنع الاستفادة من اللغات غير اللغة الفرنسية، والفشل المزمن للانتقال للغة الإنجليزية بفعل مكائد اللوبيات الفرنسية، وفشل التعريب لصالح الرجوع المتدرج للغة الفرنسية في العديد من المواد وخصوصا في المستوى الجامعي إلى انخطاط مستوى الجامعات الجزائرية وبقائها في أدنى مراتب المستويات الجامعية في العالم.

 

– على مستوى السياسة الخارجية واستراتيجيات العلاقات الدولية، بقيت فرنسا خصما أصيلا ودائما للمصالح الجزائرية وخياراتنا في الساحة الدولية، لا يبالي الحكام الفرنسيون في مواقفهم العنصرية مع الجالية الجزائرية بالدولة الجزائرية ومسؤوليتها تجاه مواطنيها في الخارج، ومن ذلك مسألة التأشيرات والخطاب التحريضي للسياسيين بمناسبة أي انتخابات. ولا يهمها في سياسات “الاسلاموفوبيا” وقرارات التضييق على الشعائر الإسلامية، كقضية الخمار والتصريحات المهينة للمسلمين على سبيل المثال، ما يحس به الشعب الجزائري المسلم الذي يزعم رؤساء فرنسا أنهم يريدون صداقته. ولا يكترث المسؤولون الفرنسيون مطلقا بردود الأفعال الرسمية الجزائرية تجاه رعايتهم ودعمهم للقوى الانفصالية الإرهابية المقيمة في فرنسا، ولا يتوقفون أبدا عن زعزعة الاستقرار المغاربي بتدخلهم بين الأشقاء وبريادتهم السياسية المكشوفة الداعمة للتوجهات التغريبية الاستعمارية وlلصـ@ـيونية للنظام المغربي على حساب الجزائر. علاوة على المحاولات الفاشلة، إلى الآن، لجر الجزائر إلى ركب التطـ.بيع والتبعية للمعسكر الغربي الغاشم.

 

إنه لا أحد من المسؤولين في الدولة الجزائرية، ولا المستلبين ثقافيا وحضاريا في المجتمع الجزائري يستطيع أن ينكر ما ذكرته في هذا المقال، ولكنها “القابلية للاستعمار” كما يقول مالك بن نبي رحمه الله، وعقد النقص والنفسيات المنهارة لدى هؤلاء، والحرص على السلطة والمصالح الشخصية!

 

ومن أعظم الجرائم التي تسبب فيها أصحاب القرار الفرنسيون، مثلهم مثل القوى الاستعمارية الغربية بل أكثر منها، دعمهم للوبياتهم وللتابعين لهم أو المتأثرين بهم بسبب رجاء الدعم أو الخوف على الكرسي داخل النظام السياسي ذاته، والمحاربة في السر والعلن للقوى الوطنية الجزائرية ذات السيادة في ثقافتها وقرارها، بما جعل الرداءة تتسع وتستقر في ظل الاستبداد المانع للحريات المنشئة للإبداع، فباتت تلك الرداءة تفعل فعلها في تأخر الجزائر وتقهقرها بإرادة جزائرية داخلية.

 

وعليه لن تتخلص الجزائر من القيد الفرنسي المانع للنهضة والتطور إلا حينما تتحرر الإرادة الشعبية من سياسات التحكم التي تفرضها القوى الفاعلة في النظام السياسي على الشخصيات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لتكون تابعة عديمة الإرادة والفاعلية. كما لا يمكن أن يقع التغيير الذي يقضي على اللوبيات الفرنسية المظلمة الخفاشية التي تديم التبعية إلا حينما تتحق السيادة الشعبية بالانتخابات الحرة والنزيهة، هذه الانتخابات التي لا يزال يؤثر فيها، إلى اليوم، الإرادات السلطوية الخفية والعلنية، الفوقية والتحتية، والقبلية والأثنائية والبعدية. ولا أمل في بناء سياسة خارجية جزائرية مستقلة كلية عن “العقدة الفرنسية” مبنية على الندية، فعليا وليس ادعاء، وقاعدة الربح للجميع مع كل الأمم، إلا بظهور طبقة قيادية من المسؤولين الجزائريين، واثقين في أنفسهم معتزين بهويتهم، أصحاب رؤى ونزاهة وكفاءة، لا يخافون إلا من الله، ويستقوون به سبحانه وبمواطنيهم، يضعون انفسهم تحت الرقابة الشعبية بصدق في كل ما يقومون به دون تدليس ولا تحايل. وإن ذلك لآت … يرونه بعيدا ونراه قريبا.

 

د. عبد الرزاق مقري

الريسوني يستدعي الحرب؟!

في سقطة لن تمحى من التاريخ ولن تنساها الأجيال وسيكون وزرها عند الله أعظم لو ينبني عليها عمل، فيأتي من حكام المغرب من يستعمل هذه الفتوى التي أطلقها “رئيس اتحاد العلماء المسلمين” على الهواء ليجر المغاربة إلى تخطي الحدود مع الجزائر ليحتلوا جزءً من أرضها فتسيل الدماء من الطرفين، وتدخل المنطقة في حـ.رب مدمرة لا تنتهي.

لم يُظهِر الريسوني بسالةً في مواجهة انحرافات حكامه المتعددة والمتكررة كهذه الشجاعة الكبيرة التي أبان عليها في عدوانه على الجزائر، ولا أراه سوى رجل أرهبه الخوف من مولاه بسبب إعلان رفضه المحتشم لتطبيع علاقة بلاده مع الكـ.يان ص المحتل فأراد تقديم عربون الولاء على حساب دماء الأشقاء المسلمين الجزائريين والمغاربة.

لا شك أن هذا “الناطق باسم العلم والعلماء!” لم يكن واعيا أو غير مبال بالأبعاد السياسية والاجتماعية لسقطته المدوية هذه. لا شك أن لعبة التوازن – التي لا يحسنها – على خيوط السياسة الرقيقة التي لعبها أودت مصداقيته، تماما مثلما يحدث لكثير من المشايخ حينما تغلبهم إكراهات السياسة فلا يحسنون السكوت.. وحاشا مشايخ آخرين سادة في السياسة وسادة في الشريعة.

لا يخفى على أحد موقف الريسوني من قضية الصحراء الغربية، وذلك رأيه، ولا أحد يلومه عليه، والآراء في الموضوع متعددة بأبعادها التاريخية والسياسية والقانونية والدولية والواقعية، والنقاش والحوار يسع كل الآراء، والحجة غلّابة، ما لم تنحرف المواقف إلى الإضرار بالغير أو إلى العمالة أو العدوان أو فتنة المسلمين.

وما قاله الريسوني هو العدوان ذاته، وهي شرارة أُطلقت في زمن يعج بالفتنة، دوليا وأقليميا، في أرض سكنها أشرس عدو للأمة، فباتت كالبرميل الذي لا ينتظر إلا الصاعق الذي يُلهب النار. فهل رشّح الريسوني نفسه ليكون ذلك الصاعق أو صاعقا من تلك الصواعق؟لقد صدق رسول الله صلى عليه وسلم حين قال في الحديث المتفق عليه: ((إنَّ الْعَبْد لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ)). وهل الحروب إلا طلقات لسان قبل طلقات الرصاص.

وما دام قد دعا هذا العالم الشرعي إلى الحرب بين الأشقاء كان الأولى له أن يدعو إلى حرب ضد العدو ص الغاصـ.ب الذي حط رحاله في بلاده، كان الأولى له أن يدعو إلى مسيرات خضراء أو حمراء أو صفراء أو بيضاء أو سوداء .. بأي لون شاء .. يقودها بنفسه في مختلف ساحات المغرب، لا تنخفض راياتها حتى يتراجع أميره ومولاه وسيده عن سياسات التطبيع المدمرة للمغرب وللجزائر ولموريتانيا ولفلسطين ولكل المنطقة ولكل العالم العربي والإسلامي.

ويا ليته دعا كذلك إلى “الجهاد بالنفس والمال” – كما قال بشأن تندوف الجزائرية – ليتجه ملايين المغاربة إلى تحرير سبتة ومليلية المغربيتين اللتين لا زالتا تحت الاحتلال الإسباني. تلك هي مسيرات الشرف! أما المسيرات لغزو الجزائر واقتلاع أرض تندوف من جغرافيتها فما هي إلا فتنة عمياء وضع نفسه على رأسها والعياذ بالله.

أما من حيث التحقيق العلمي حول “الامبراطورية المغربية العظمى” التي يريد بناءها بأوهام الفتنة فلست أدري من أي مرحلة من مراحل التاريخ يريد أن يبدأ؟ وما هي الدولة من الدول التي تعاقبت على المنطقة التي يؤقت على زمنها حدود الزمن الراهن؟ وأية جغرافية من الجغرافية المتحركة بين دول المنطقة عبر القرون الغابرة يريد تثبيتها؟ هل هي الدولة الحمادية (1014-1152) “الجزائرية” التي وصلت في أقصى اتجاهها غربا إلى مدينة فاس، وأبعد من فاس، فنقول فاس جزائرية، أم نحسب كذلك أنّ وجدة وتاوريرت وفجيج جزائرية لأنها كانت تابعة للجزائر في أحد أزمة الدولة الزيانية “الجزائرية” (1235-1554)، أم هو زمن الدولة الجزائرية في زمن الإيالة (1515-1832) حينما صار وادي ملوية هو الحاجز الطبيعي الذي اعترفت الدولة السعدية (المغرب حاليا) بأنه هو الحدود الجغرافية بين البلدين فنقول بأن كل المدن المغربية الموجودة شرق وادي ملوية جزائرية حاليا.

إن الدماء الجزائرية التي سالت في الغرب الجزائري في مواجهة الإسبان من جهة والدولة السعدية (المغرب حاليا) من جهة أخرى كثيرة، إذ لم يتوان حكام الجزائر في العهد العثماني من إرسال الجيوش تلو الجيوش للمحافظة على حدود الدولة غربا إلى غاية وادي ملوية، وقد أثمرت تلك العزائم فثبّتت الحدود وكانت مدن كوجدة وغرسيف وفجيج يدفع أهلها الضرائب لحكام الإيالة الجزائرية.

والغريب في ماقاله الريسوني في قضية الحدود أنه يؤمن بخريطة علال الفاسي التي تتسع ليس إلى بشار وتندوف فقط، بل إلى أدرار والأغواط وعين صالح، مما يجعلنا نفهم قول من يقول من الجزائريين بأن سكوتنا على أطماع المغرب في الصحراء الغربية سيجعل حكام هذا البلد وبعض نخبه (ومنهم الريسوني) يطمعون في التوسع داخل الغرب الجزائري، وأي حالة ضعف تصيب بلادنا لا قدر الله سيأتينا وقتها البلاء من جيراننا على غرب بلادنا بالمغرب.

لست أدري كيف يقول الريسوني هذا الكلام وهو يعرف أن توسع الدولة العلوية في جنوب الغرب الجزائري كان عدوانا على الجزائر في منتصف القرن السابع عشر في زمن محمد بن الشريف السجلماسي العلوي حين كانت الجزائر تمر بحالة ضعف، ولم يقبل باشا الجزائر آنذاك هذا العدوان فأرسل له السفراء والرسائل ومما جاء فيها: “لقد خرقت على الإيالة العثمانية جلباب صورها الجدير من وجدة الأبلق إلى حدود الجريد” ” نحن جئناك لتعمل معنا شريعة جدك وتقف عند حدك، فما كان جدك يحارب المسلمين، ولا يأمر بنهب المستضعفين ولا بالغارة على الضعفاء والمساكين”، وقد اعترف الشريف بسوء عمله ووعد عن الكف ولكنه لم يف .. وانتقم الله من هذا الرجل الظلوم الشديد فقتله أخوه الرشيد في قتال بينهم.

إننا والله لا نقول هذا الكلام لنستعمل التاريخ فنطالب للجزائر من المغرب ما هو كائن من الأراضي في هذا البلد الشقيق شرق وادي ملوية، فنكون مثل الريسوني نستعمل الخرائط المتحركة عبر الزمن الغابر لإشعال نار الفتنة في الزمن الحالي، إنما نريد وحدة مغاربية بالتراضي وفق نظرية التكامل في العلاقات الدولية كما فعلت أمم أخرى أقل تجانسا منا.

غير أني والله لأرى هذا الريسوني قد بات أميرا من أمراء الحروب القذرة المعطِّلة لوحدة الأمة ونهضتها باستدعاء مَلكه إليها بقوله: “المغرب مستعد إذا دعا جلالة الملك للجهاد بالنفس والمال .. إذا دعا بأي شكل، بالمال، لمسيرة إلى تندوف، العلماء والدعاة مستعدون للمسيرة إلى تندوف، ليس إلى الصحراء فقط بل إلى تندوف”.

والله إني لأراه واحدا من أولئك المغامرين العلويين في زمن محمد بن الشريف الذين أغاروا على ضعفاء القبائل الفقيرة المتناثرة في الحدود الغربية الجنوبية الجزائرية، فكانت الحصيلة إراقة دماء لا حد لها من الشعبين المسلمين، ثم كانت النتيجة في آخر المطاف أن الأرض رجعت لأصحابها بفضل الله تعالى العادل الحق وبفضل دماء الشهداء الأبرار.

والغريب في الأمر كذلك أنه يتحدث عن الحدود الموروثة عن الاستعمار، وسلطانه عبد الحفيظ العلوي هو الذي أمضى معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب بالحدود الحالية. وهذا الاستعمار ذاته – الذي حرص على الأرث الحقيقي للحدود الجغرافية للإيالة الجزائرية – هو الذي حاول غدر الجزائر في حدودها المعلومة تاريخيا وجغرافيا بالتنازل قبيل الاستقلال للرجل الشريف حقا “السلطان محمد الخامس” مقابل التوقف عن دعم الثورة الجزائرية فلم يجد عنده مبتغاه.

والغريب في الأمر كذلك أن الريسوني يجهل أن الدول التي اتفقت على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار هي الدول التي اجتمعت في مؤتمر باندونغ عام 1955 لمناهضة الاستعمار، وهي كذلك الدول الافريقية التي حاربت شعوبها الاحتلال حين دعت في أول اجتماع لمنظمة الوحدة الافريقية عام 1963 إلى احترام الحدود التي أُخِذت من الاستعمار لتجنب استدامة النزاعات الحدودية.

وأغرب ما في الأمر في كل ما قاله الريسوني هو استدراكه بعد عدوانه اللفظي على موريتانيا الشقيقة حيث صرح أنه ما دام المغرب قد اعترف بحدود موريتانيا فنترك الأمر للتاريخ، وجهل أو تجاهل أنه تم ترسيم الحدود الجزائرية المغربية بشكل نهائي كذلك بموجب اتفاقية ثنائية وقّع عليها الجانبان بتاريخ 15 جوان 1972 وتم التصديق عليها من مجلس النواب المغربي وتم تبادل وثائق التصديق بين وزيري خارجية البلدين يوم 14 ماي 1989.

وفي الأخير : إذا كان ثمة حقيقة واحدة تغنينا عن كل الاعتبارات القانونية والتاريخية التي أشرت إليها – والتي كان ينبغي أن يقف أمامها الريسوني بإجلال واحترام فلا تحدثه نفسه الأمارة بالسوء بما تلفظ به من كلام مشين منشئ للفتنة والعداوة – هي تلك الدماء الغزيرة التي قدمها الجزائريون في المقاومة الشعبية والثورة التحريرية النوفمبرية وكل أنواع التضحيات في كل شبر من بلادهم من أجل نيل استقلالها وافتكاك أرضهم كاملة كما هي اليوم من الاستعمار الفرنسي، وضمن هذه الأراضي أراضي الجنوب العزيز الذي استمرت الثورة التحريرية سنتين أخريين من أجله بعد عام 1960 حينما هُزم ديغول فحاول الخروج من الجزائر دون الصحراء.

على علماء الأمة أن ينكروا استدعاء الحرب – بين دولتين مسلمتين شقيقتين – الذي تورط فيه الريسوني، وعليه أن يستقيل من رئاسة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين أو أن يقيلوه!

 

د. عبد الرزاق مقري

الحضارة الغربية والمسألة الدينية | الجزء الثاني

عرضنا في المقال السابق فكرة عامة عن نشأة الحضارة الغربية على أساس ديني وفق ما أكده علماء التاريخ وفلاسفة الحضارة بخصوص كل الحضارات البشرية، ثم أشرنا بشكل عام كيف انسلخت تلك الحضارة الغربية عن ديانتها المسيحية التي مثلت لها قاعدة الانطلاق للتحدي الحضاري الذي فرضه المسلمون على أوربا، فشاعت فيها المذاهب الوجودية والمادية والعلمانية والإباحية. وانطلقنا في تأطير موضوعنا على أساس التطورات التي تحدث للحضارات من مرحلة الروح إلى مرحلة العقل إلى مرحلة الغريزة التي شرحها الأستاذ مالك بن نبي في العديد من مساهماته، لا سيما في كتابه شروط النهضة، والتي أكدها قبله عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته، وثبتتها الدراسات التاريخية للعديد من الفلاسفة بينهما. وفي هذا المقال سنبدأ في الحديث عن الخطوط العامة لهذه الرحلة الطويلة في حياة الحضارة الغربية.

خلافا لما يعتقد كثير من الناس وما يشيعه العلمانيون وخصوم الفكرة الدينية لم يكن التطور العلمي للحضارة الغربية منفصلا عن الدين، أو مخاصما له منذ النشأة. لقد كانت بداية الاهتمام بالعلوم في القرون الوسطى بأوروبا عن طريق الكنيسة، ضمن محاولة اللحاق بالعالم الإسلامي الذي كان يعيش عصره الذهبي.

لقد قامت الكنيسة ببناء المعاهد ومدارس التكوين المتقدم حول كاتدرائياتها ضمن ما كان يسمى تاريخيا ” مدارس الكاتدرائية”[1]، وهي الأنوية الأولى للعديد من الجامعات التي اشتهرت في قرون لاحقة في أوربا، وكانت تلك المعاهد هي المراكز الوحيدة في أوربا للبحث العلمي قبل أن يجافي العلمُ الدينَ لأسباب سنبينها أدناه، بل إن بواكير وضع المنهج التجريبي في أوربا كان في عهد القرون الوسطى الأوربية على يد علماء من رجال الدين المسيحيين من أبرزهم روجر بيكون الإنجليزي (Roger Bacon – 1214-1294) الذي كان راهبا فرنسيكانيا وعالم فيزياء وعالم بصريات وهو يُعَد أول أوربي وضع قواعد المنهج العلمي اعتمادا على أعمال العالم الإسلامي الموسوعي ابن الهيثم. [2]
وقد أثمرت المجهودات العلمية للكنيسة بروز الأيقونات العلمية التي اشتهرت في عصر النهضة بعلمها الطبيعي والتزامها الديني. فلو عددنا العلماء والفلاسفة الكبار الذين كان لهم التأثير الجوهري في إخراج أوربا من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم في عصر النهضة، والذين كانوا وراء الثورة العلمية الأوربية، لوجدنا في مقدمتهم نيكولاس كوبرنيكوس (Nicolaus Copernicus – 1474-1543) و جوهانس كبلر ( Johannes Kepler – 1572-1630) وغاليليو غاليلي (Galileo Galilei – 1564-1642) و رينيه ديكارت (René Descartes – 1596-1650) وإسحاق نيوتن ( Isaac Newton – 1643-1727)، وكل هؤلاء كان بعضهم من رجال الدين والبعض الآخر معروفين بشدة تدينهم، وإنما كانت لهم الجرأة على نقد المسلمات العلمية الكنسية الخاطئة، خصوصا المسلمات الكنسية المعتمدة على النظريات الإغريقية لدى بطليموس وأرسطو القائلة بمركزية الأرض وعدم دورانها حول الشمس.
لم تكن الاجتهادات العلمية لهؤلاء محرجة للكنيسة في بادئ الأمر، بل كانت الكنائس والأديرة ومعاهد الكاتدرائيات هي مراكز تلقّيهم ثم تعليمهم العلم، ولكن تنامي أثر الحركة العلمية في المجتمعات الأوربية في عصر النهضة وتوجه العلماء أكثر فأكثر نحو الاستقلالية عن الأفكار الدينية التي لم يستوعبها العلم، علاوة على ترنح مكانة الكنيسة في ظل صراعها الديني مع حركة الإصلاح البروتاستنتية هو ما جعل الكنيسة تقاوم من أجل مرجعيتها وسلطتها ضد كل من يخالف مسلماتها في تفسير الكون.

لقد كان نيكولاس كوبرنيكوس البولندي طبيبا وعالم رياضيات وعالم فلك [3]، وفي نفس الوقت كان رجل دين شغل مناصب دينية برتبة مطران واستُقبلت أبحاثه عن حركة الأرض وعدم مركزيتها ودورانها حول الشمس بحفاوة في بلاط البابا بولس الثالث سنة 1543 قبل أن تنقلب الكنيسة على العلم، ويعتبر هو مطلق الثورة العلمية التي غيرت مصير أوربا.
أما يوهانس كبلر فكان عالم رياضيات وفيزياء وفلكي ألماني أثرى نظام كوبرنيكوس عن مركزية الشمس وابتكر القوانين التي تسمى باسمه “قوانين كبلر” التي تشرح العلاقات الرياضية التي تسير عليها الكواكب في مداراتها، وهي العلاقات التي استعملها نيوتن لتطوير نظرية الجاذبية في الكون، وكان في نفس الوقت رجلا لوثريا متدينا، بدأ التدريس في المدرسة الإنجيلية بغراس بالنمسا، ورغم اكتشافاته العلمية المهمة لم يخف رغبته في أن يكون قسا بروتتستانتيا واعتبر أن ما يقوم به من أبحاث في العلوم الرياضية والفلكية هو واجب ديني لفهم إبداع الخالق في خلق الكون. وأثناء الحرب الدينية فُرض عليها التحول إلى الكاثوليكية فرفض ذلك وتمسك بمذهبه البروتاستنتي اللوثري رغم بعض اعتراضاته عليه، وتحول إلى مدينة براغ حيث اشتغل مع عالم فلك آخر مشهور هو تيكو براه.

أما غاليليو غاليلي الفيلسوف والعالم الفلكي والفيزيائي الإيطالي مفسر وناشر نظريات كوبرنيكوس، فكان صديقا مقربا للبابا أوربان الثامن وقد تمت محاكمته سنة 1632 لأسباب سياسية تتعلق بحرص الكنيسة على المحافظة على المكانة والسلطة الاجتماعية أكثر منها لأسباب دينية، بالنظر لتسفيه العلم المتصاعد لقطعياتها البالية، ولو لا صداقته مع البابا لكان مصيره الحرق كما وقع لبعض العلماء غيره.
وأما ديكارت عالم الفلك والعالم الرياضي والفيزيائي الفرنسي الذي شكل النواة الأولى لعلم “الهندسة التحليلية” فهو مؤسس الفلسفة الحديثة الذي اعتمد على كتاباته حول “الكوجبتو” أو مبدأ الشك[4] مختلف التيارات الوجودية والوضعية بعده، وهو ذاته الذي عمل في كتابه “التأمل” على إثبات وجود الله، وهو من قال[5]: “أن الله كامل عادل لا منتهي و لا محدود، وأنه هو الهادي إلى وجود العالم المادي، وأن “العقل لا يحول دون التصديق أن الأشياء التي نزل بها الوحي الإلهي هي أكثر يقينية من أرسخ معرفتنا وأجدرها بالثقة”، وحاول البحث عن نقطة التقاء مع الكنيسة، وكان يتفادى أي صراع معها إلى حد أنه أخفى كتابه “العالم” عندما سمع بمحاكمة غاليليو، واعتقد أن الكنيسة ستُصلح نفسها وأن فيزياءه ستحل محل فلسفة أرسطو حول نظام الكون في تعاليم الكنيسة، وهو كذلك الفيلسوف الذي درس في حياته في “كلية لافليش اليسوعية” سنة 1606 ودرس الرياضيات والعمارة في الجيش البروتستانتي بهولندا سنة 1618، وهو يرقد في مدفنه في إحدى الكنائس قرب باريس.
وأما بخصوص إسحاق نيوتن العالم الرياضي والفيزيائي الإنجليزي، مكتشف نظرية الجاذبية، فقد كان شغوفا بدراسة الإنجيل واعتبر نفسه مكلّفا من الله تعالى لفك “شفرة الكتاب المقدس” وانتهى إلى الإقرار بوجود التحريف فيه وكان مسيحيا موحدا يعتبر التثليث هو الخطيئة الكبرى التي انتهت إليها المسيحية[6].
إن البيّنات التي تدل على أن البعد الديني كان هو محرك عصر الثورة العلمية الأوربية كثيرة غير أن أنصار العلمانية في أوربا في الغرب وفي سائر أنحاء العالم، لا سيما في بلادنا العربية الإسلامية، يستعملون ما آلت إليه العلاقة بين العلم والدين المسيحي بين القرنين السابع عشر والثامن عشر ليقرروا استحالة النهضة دون الفصل بين الدين والحياة العامة متناسين حقائق التاريخ، إما جهلا حقيقيا بالتاريخ أو إنكارا له. ولكي يسهل عليهم التعميم لا يتجهون إلى تقييم خصوصية الكنيسة الكاثوليكية في خوضها معركتها الخاسرة ضد العلم، أو خصوصية الديانة البروتاستنتية بشأن مسؤوليتها في التمكين للتوجيهات الحداثية الإنسانية المجردة عن الدين من أجل إضعاف الكنيسة، وفي تورطها في فتنة الصراع الديني، ثم مسؤوليتها في بروز الاستغلال الرأسمالي وفي خلق الفروق الاجتماعية ومأساة الفقراء في أوربا خصوصا بعد الثورة الصناعية في انجلترا.
إن الصراع بين الكنيسة المسيحية والعلم ما كان له أن يكون لو كانت الحدود بينهما مرسومة على هداية دينية حقيقية كما حدث مع الحضارة الإسلامية وفق ما بيناه في المقال السابق.
لم تكن الكنيسة تضجر بالعلم حينما كان يُؤخذ ويتطور في صروحها الدينية، بل كان من الممكن أن تُراجع بعض مسلماتها بنفسها – كما حاولت حركة الإصلاح البروتستانتية فعله – لو لم يغلبها الزخم العلمي المدفوع بأنوار الحضارة الإسلامية والذي أصبح يكشف حجم التحريف الذي يسكن المعتقدات المسيحية.

لقد كانت المعتقدات المسيحية خليطا من النصوص الإنجيلية والتوراتية والتحريفات التي طرأت عليها، والفلسفات الإغريقية مثل آراء أرسطو ونظريات بطليموس، وما أضافه بعض علماء الدين المسيحي الكبار من آراء أمثال القديس أوغسطين وكليمان الاسكندري وتوماس الأكويني، وقد جعلت الكنيسة هذه النصوص كلها قطعيات مقدسة لا يجب أن يحوم حولها الشك. وبسبب أن رواد النهضة العلمية أمثال كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر وديكارت كانوا قد بدؤوا مسيرتهم العلمية في المعاهد الكنسية، وكانت شخصياتهم متأثرة بالتربية الدينية لم يتعاملوا مع الصعوبات التي وجدوها مع القطعيات الكنسية وتشدد رجالها بالتراجع عن انتمائهم الديني أو مهاجمة الكنيسة أو المجاهرة بإنكار معلوماتها عن الكون، فكوبارنيكوس الراهب لم يعش حالة الصراع في حياته، وجاليليو تراجع عن نقده لمركزية الأرض في الكون انصياعا وخوفا من الكنيسة بالرغم من أنه رأى بطلان النص الديني بعينه حينما وجه تلسكوبه إلى السماء، بل إن ديكارت كان يدعو إلى ضرورة تطبيق المنهج العلمي التجريبي على كل الظواهر الطبيعية ولكن كان يرفض ذلك بخصوص النصوص الدينية وكان متأسيا في ذلك بتوجهات بيكون قبله التي بلورها في القرون الوسطى عن المنهج التجريبي وفق ما ذكرناه أعلاه. ومن القلائل الذين جهروا بأفكارهم المصادمة للمعتقدات الكنسية إلى غاية نهاية القرن السادس عشر هو عالم الدين والفيلسوف وعالم الفلك والرياضيات الإيطالي جوردانو برونو (Giordano Bruno 1548-1600) الذي تم حرقه سنة 1600 في ساحة عامة في روما من قبل الكنيسة بتهمة الهرطقة.
غير أنه حينما انتشرت “الثورة العلمية النيوتونية” ضعفت حجة الكنيسة ولم يبق لها من مدافع سوى العنف المتصاعد ضد العلم. لقد فسر “قانون الجاذبية” الذي ابتكره إسحاق نيوتن انتظام حركة الأجرام السماوية وبيّن بالأدلة العلمية أن الكون يسير ضمن قوانين عقلانية منضبطة وأن القوانين الرياضية والفيزيائية التي تُسيّر الطبيعة يمكن اكتشافها بالتجربة ورأى نيوتن أن الله هو الخالق الأعلى الذي لا يمكن إنكار وجود بسبب عظمة كل الخلق، وأن العالم محكوم بإله متحكم هو مصمم الكون وصانعه حسب أسس منطقية كونية، يمكن اكتشافها من البشر ليحققوا أهدافهم في الحياة[7].

وبالرغم من أن إسحاق نيوتن كان مؤمنا موحدا فقد ساهمت نظرياته بشكل أساسي في بروز المذهب الطبيعي الذي يعتبر أن الكون ماكنة متقنة تسير من تلقاء نفسها دون حاجة لإرادة خارجة عنها، في تحريف واضح لما أراده نيوتن نفسه الذي كان أقرب إلى الفطرة من عبّاد الطبيعة هؤلاء، فبالرغم من أنه هو مكتشف قوانين الحركة والجاذبية فقد حذر من اعتبار العالم مجرد آلة، وقال أن الجاذبية تشرح حركة الكواكب لكنها لا تشرح من حرك الكواكب، فالله يحكم كل شيء ويعرف كل ما هو موجود أو يمكن فعله[8].
كما أن نيوتن كان أعمق بصيرة كذلك من الكنيسة التي أنكرت القوانين التي تُسيّر الكون بحجة أن كل شيء يسير بمشيئة الله فأكد أن الكون يسير من تلقاء نفسه وفق قوانين صارمة ولكن من وراء خلقه والقوانين التي تسيره إله واحد له القدرة على التدخل في خلقه وقت ما شاء. إن الذي يعرف سيرة هذا العالم الرياضي والفيزيائي الفذ يعلم أنه كان كذلك عالم دين كتب في الإلهيات أكثر مما كتب في علوم الطبيعة ومع ذلك لم يسلم من منع رجال الدين لكتبه وإسهاماته العلمية.

لقد تسببت الثورة النيوتونية في تأجيج ثورة العلم في مختلف الاختصاصات ومعها ثورة متصاعدة ضد المسلمات الكنسية التي تجاوزتها الأحداث، فزاد ذلك في طغيان وعدوان رجال الدين على العلم والعلماء، حفاظا على مكانتهم ومرجعيتهم ومصالحهم. وبقدر ما كان العلم يُزحزِح المرجعيةَ الدينية في فهم الكون نهائيا في آخر القرن السابع عشر كانت التطورات الفلسفية الأوربية لا تكتفي بإبعاد الكنيسة عن المسائل العلمية بل باتت تحاصرها في مختلف مناحي الحياة. ولما حلت الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستنت في القرنين السادس عشر والسابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وخصوصا حرب الثلاثين عاما، تضعضعت المرجعية الدينية في شأن الحكم والسياسة من خلال صلح وستفاليا كما سنرى لاحقا.
لم يكن الصراع الذي نشأ بين الدين والعلم أثناء عصر النهضة الأوربية ضروريا، وكان يمكن أن لا يتفاقم في القرن السابع عشر حينما اتسع إلى ساحات الأدب والفنون والفلسفة والفكر ونظريات المعرفة والسياسة والاجتماع ليصل إلى ذلك الصدام التاريخي في العصر المسمى “الأنوار ” في القرن الثامن العاشر لينتهي إلى حالة الفراق النهائي في القرن التاسع عشر. لم يكن للبشرية أن تبتلى بالجدال التعيس الأبدي بين الدين والعلم الذي فرضه التاريخ الأوربي الخاص على سكان الأرض جميعا لو لا انحراف المعتقدات الكنسية وطغيان رجال الدين من جهة، والانفلات المتدرج من الإيمان بالغيب ومن الرقابة الدينية، الموصل إلى الغرور اللامتناهي لدى الفلاسفة الغربيين من جهة أخرى. لقد كان الصراع في حقيقة الأمر بين الكنيسة والعلم وليس بين العلم والدين.

لم تكن الكنيسة الكاثوليكية تتوقع أن الثورة العلمية التي نشأت بذورها في معاهدها ستغلبها، ولم يع رجالها أن العلم اليقيني لا يتماشى إلا مع الوحي الصحيح. لقد ساعد انكسار المسلمات الكنسية ودخول الشك الواسع فيها بسبب الانتشار الواسع لأفكار كوبرنيكوس وجاليليو وبرونو وثبات أساسياتها بالمشاهدة عبر التلسكوب في القرن السابع عشر إلى مزيد من التباعد بين المجال الديني والمجال العلمي، وكانت قوانين نيوتن حاسمة في تأسيس المذاهب الطبيعية.
كان هؤلاء العلماء الذين فجروا الثورة العلمية الأوربية فلاسفة كذلك، إذ كان عصر النهضة عصر العلماء الموسوعيين، ولكن لم يؤد اهتمامهم بالفلسفة إلى البحث عن مخاصمة الدين، خلافا للعلماء الذين اشتهروا بملمحهم الفلسفي أكثر من اهتماماتهم بالعلوم الكونية.

لقد كانت المعركة التي خاضتها الكنيسة مع الاتجاهات الفلسفية أكثر ضراوة من صراعها مع الاكتشافات الكبرى في علوم الطبيعة. ويمكننا القول أن رفض الكنيسة لاكتشافات علوم الفلك والرياضيات والفيزياء هو ما جعل الاهتمام بالفلسفة يتعاظم عند العلماء لمواجهة أطروحات الكنيسة.
ومما يجدر الانتباه إليه أن رواد العلوم الكونية، الذين كانوا كذلك فلاسفة، لم يكونوا يرغبون في مواجهة الكنيسة ولم يكونوا متنكرين للدين، خلافا للعلماء الذين اشتهروا بالفلسفة، فهؤلاء هم من ناصبوا الكنيسة العداء ونظّروا لإخراجها من الشأن العام، ثم من حياة الناس لاحقا. فلئن كانت الاكتشافات العلمية الكونية هي التي زعزعت مصداقية الكنيسة بشكل تقلائي، حين كشفت زيف معطياتها العلمية “المقدسة” وفق ما بيناه أعلاه، فإن الذين نظموا وأطروا إخراج الديانة المسيحية من الحياة العامة هم الذين انصب اهتماهم أكثر على الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة ومختلف مجالات الفكر، ولو أردنا أن نعدد الفلاسفة الأكثر تأثيرا في القرن السابع عشر في التنظير لإنهاء المرجعية الدينية كقيمة عليا في اجتماع الناس لكان من أبرزهم الفيلسوف الأنجليزي توماس هوبس (Thomas Hobbes 1588-1679) والهولندي باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza 1632-1677)، والانجليزي جون لوك ( john locke 1632-1684). سنبين في المقال المقبل بحول الله كيف أثّر هؤلاء الفلاسفة وأمثالهم في رسم العلاقة بين الدين والعلم والسياسة على نحو جديد، ثم نتحدث عن فلاسفة الأنوار الأساسيين الذين نقلوا الصراع مع الدين إلى مستوى العدمية والإنكار المتبادل. وفي مقالات لاحقة نفصل بإذن الله تعالى في دور الإصلاح الديني البروتستنتي في التمكين للمذاهب الطبيعية والوجودية والليبيرالية وتوجهات الفردانية ضمن تحالفات موضوعية تاريخية ضد الكنيسة، وخلفية ذلك في محاولة الغرب اليوم إنشاء بروتسنتية إسلامية تؤدي نفس الدور في العالم الإسلامي، وبعد ذلك سنتطرق إلى أثر الصراع الأوربي العثماني في تحديد علاقة أوربا المسيحية مع الديانة الإسلامية، لنختم سلسلة هذه المقالات في تبيان إجابات الحضارة الإسلامية عن اعتراضات فلاسفة المذاهب الطبيعية والعلمانية، التي استفادوا من علومها ولم يستفيدوا من هدايتها … لنسأل في الأخير: ماذا لو كان المسلمون في ذلك الوقت – بين القرن الخامس عشر والتاسع عشر – في المستوى الحضاري المطلوب؟ ولنكمل البحث لاحقا هل تستطيع الحضارة الإسلامية أن تُستأنف من جديد بهدايتها وأهليتها العلمية لإنقاذ البشرية من أوهام الشك والإلحاد والإباحية التي تسبب فيها ذلك الصراع النكد الذي حدث بين المسيحية والعلم؟

 

د. عبد الرزاق مقري

الحضارة الغربية والمسألة الدينية | الجزء الأول

ملاحظة: هذا المقال هو الأول عن ” الحضارة الغربية والمسألة الدينية” وهو المقال الثاني ضمن سلسلة مقالات حول دور الدين في الانبعاث الحضاري البشري، شرعت في نشره بمناسبة ذكرى هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
لا شك أننا حينما نتحدث عن شرط توفر الفكرة الدينية في نشوء الحضارات الإنسانية الكبرى يرفع المعارضون لهذه الحقيقة حالة الحضارة الغربية وكيف أنها وصلت إلى مستويات مدهشة من التطور العلمي بعيدا عن الدين، بل إن بعضهم قد يقول بأن الحضارة الغربية ما كان لها أن تكون لو لم تتخلص من المرجعية الدينية. وإذا كان من يتحدث بهذا الادعاء مقتنعا بقوله – ولم يكن سبب اعتقاده ذلك خلفيات عدائية للدين – فهو لا شك غير مطلع على الحقائق التاريخية، وهو يصف المشهد الراهن للحضارة الغربية ويتحدث عن ما آلت إليه في تطوراتها الأخيرة، معتقدا أن هذا كان حالها في الأول دون أن يكون له علم بتطور الحضارات بين النشأة والنضج والأفول.
إن كل من تمعن في حالة الحضارة الغربية، من العلماء والفلاسفة والمفكرين، توصل إلى أن الحضارة الغربية تعيش مرحلتها الأخيرة من دورتها الحضارية، وأن الصفات التي صارت ملازمة لها هي خصائص أفول الحضارات. غير أن الالتباس الذي قد يحدث عند بعض الناس هو قِدم هذا الحديث منذ كتاب ” انحدار الغرب” الذي كتبه الفيلسوف الشهير أوسفالد شبينغلر (Oswald Spengler) في صيف عام 1918 الذي يقول فيه أن الغرب يعيش أيام خريفه وأنه أصبح لا يعرف غاية حقيقية يتوجه إليها.
إنه لا غرابة أن يكون الحديث عن بداية أفول الحضارة الغربية قديما، ولو دام قرنا من الزمن أو أكثر، فالحضارة تبدأ بالأفول مدة طويلة قبل سقوط كيانها السياسي وظهور حضارات أخرى عليها، فالحضارة الإسلامية توقفت عن العطاء الحضاري أكثر من أربعة قرون قبل هزيمة كيانها السياسي كما أشرنا إليه في الجزء الأول من هذا الموضوع، وكذلك الحضارة الرومانية قبلها، بدأت تتداعى قرونا قبل انهيار عاصمتها الغربية تحت ضربات الجرمانيين، ثم عاصمتها الشرقية تحت ضربات المسلمين.
ولو طبقنا على الحضارة الغربية نظريات الأفول والصعود التي درسها علماء الاجتماع والتاريخ كابن خلدون وتوينبي وشبينغلر لظهر لنا الشبه في خصائص الأفول بين ما هو حاصل الآن للغرب وما حصل للحضارات البشرية أثناء سقوطها، بل نستطيع أن نقول من خلال المقارنة أن الغرب في مرحلة متقدمة من خصائص التحلل الحضاري. وربما النموذج الأدق الذي يسمح لنا بقياس حال الحضارة الغربية هو نموذج مالك بن نبي المقسم بين فترة الروح وفترة العقل وفترة الغريزة. إن كل شيء في حضارة الغرب اليوم يدل على أنها حضارة الغريزة، وأن سقوطها سيأتي من انهياراتها الحضارية الداخلية أكثر من التهديدات الخارجية التي تحوم حولها في محيطها الخارجي.
لقد اهتم كثير من الفلاسفة الغربيين بدراسة الانهيارات الداخلية للغرب بعد شبينغلر وحذروا قومهم منها في مقالاتهم وكتبهم، من ذلك كتاب “صعود وسقوط القوى العظمى” الذي صدر سنة 1987 لصاحبه السياسي والمفكر الشهير بول كندي ( Paul kennedy ) الذي توقع الصعوبات التي ستواجهها أمريكا بسبب كلفة العَظمة، كما كان حال الامبراطورية البريطانية قبلها، وكذلك الامبراطورية الرومانية في أواخرها، التي كانت تبدو عظيمة ولكنها كانت تتجه للأفول، وكذلك كتاب “موت الغرب” لصاحبه باتريك بوكانان (Patrick j. Buchanan) المساعد والمستشار الخاص للعديد من الرؤساء الأمريكيين (رتشرد نيكسن وجيرالد فورد ورونالد ريغان) الذي يتحدث فيه عن خطر التراجع الديموغرافي في الغرب وتحكم الغرائز في المجتمع، وعزوف الشباب عن الزواج، وأثر الهجرة غير الشرعية، وانتشار الجريمة والبطالة. ومما يقوله في كتابه الذي صدر سنة 2001: ” يبدو أن مذهب المتعة الجديد غير قادر على إعطاء الناس سببا للاستمرار في العيش” و ” أن الإنسان الغربي قرر أنه يستطيع عصيان الله دون عواقب وأنه هو من يصبح إلها”.
لقد نشأت الحضارة الغربية على أسس دينية مسيحية وفق ما سنبينه لاحقا، ولكنها بدأت تفقد مرجعيتها الدينية بالتدرج عبر سنوات “النهضة الأوربية” إذ لم تستطع مواكبة زخم الثورة العلمية الأوربية بالرغم من أنها ساهمت في التمهيد لها، كما تسببت نتائج ظهور المذهب البروتستانتي وتحالفه الموضوعي مع التيارات الإنسانية العلمانية، والحروب الدينية بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية، في إنهاء مكانة الدين في الحكم، ثم جاءت فترة الأنوار بكم هائل من الفلسفات الوجودية والإلحادية والغرائزية لتصبح القيم الإنسانية والمعايير العقلية المجردة عن أي خلفية دينية هي المرجعية العليا للحضارة الغربية، ليس في الشأن العام فقط عند الغربييين بل حتى في حياتهم الشخصية، ومع مرور الزمن انفلت الإنسان الغربي من عِقال الدين فأصبح حسب الإحصائيات الحديثة إما لا يؤمن بأي دين، أو لا يمثل الدين بالنسبة إليه سوى انتماء ثقافي لا أثر له في خياراته الشخصية، وأصبح السؤال الكبير الذي يطرحه العلماء والباحثون هل بقي الغرب مسيحيا كما جاء في العديد من الدراسات الحديثة، منها كتاب الفيلسوفة الفرنسية شانتال دولصول (Chantal Delsol) “نهاية المسيحية” الصادر سنة 2021 أو كتاب ” كيف لم يصبح عالمنا مسيحيا” للمؤلف غليوم كوشي (Guillaume Cuchet) الصادر سنة 2018، أو كتاب الفيلسوف المشهور أولفيي روي (Olivier Roy) الصادر سنة بعنوان 2020 تحت عنوان “هل أوربا مسيحية؟” أو غير ذلك من الدراسات الغربية التي تحاول فهم أبعاد خلاء الكنائس من روادها أو الفضائح المتنامية لرجال الدين بين جدران الكنائس، و نفور أعداد كبيرة من السكان من الرموز الدينية ومن الالتزام الديني، وظاهرة التفكك الأسري وانتشار حياة العزوبية، وشيوع العلاقات خارج زواج، والأولاد غير معروفي النسب، وانتشار وتحول المثلية إلى حالة اجتماعية تشجعها وتحميها القوانين، بل عودة بعض المعتقدات والاحتفالات الوثنية بين بعض الفئات من السكان، وظهور بعض الفرق المسيحية المتشددة كرد فعل لانهيار الدين، خصوصا في أمريكا. وقد حددت الفيلسوفة شانتال دولصول متى انفصلت الحضارة الغربية عن الديانة المسيحية في كتابها المشار إليه أعلاه قائلة: “إن الحضارة التي تعتمد أعرافها وقوانينها على العقائد المسيحية اضمحلت منذ نهاية القرن العشرين لصالح الحداثة والقيم الإنسانية” دون أن تقدر القيم الإنسانية المجردة عن الدين أن تتحكم في نوازع الإنسان المضرة بالإنسان ذاته وبمحيطه وبيئته. وما ذهبت إليه هذه الكاتبة هو ما يقوله كل الباحثين في التاريخ الأوربي والحضارة الغربية، أي أن الحضارة الغربية كانت قبل هذا التاريخ ذات اعتقاد مسيحي يؤثر في الفكر وفي السلوك، وبعد فترة صراع بين العقل والدين تغلب العقل، ثم انهار كلاهما وجاء زمن الغريزة بمظاهره المناقضة للفطرة الإنسانية، البعيدة عن كل معقولية.
إن المعطيات التاريخية التي تُبين أن الحضارة الغربية انطلقت على أساس ديني كغيرها من الحضارات البشرية كثيرة. لقد كانت الفكرة الدينية المسيحية هي الوعاء الذي تشكل فيه رد الفعل الحضاري في مواجهة أنوار التفوق الإسلامي المحيط بأوروبا من شرقها في بلاد الشام والأناضول ومن جنوبها من شمال افريقيا ومن غربها في الأندلس في زمن القرون الوسطى المظلمة في أوربا، سواء من خلال التعايش والاستفادة من الأبعاد الحضارية الإسلامية في زمن السلم، أو من خلال الحروب والمواجهات الدامية التي لم تتوقف منذ معركة مؤتة.
لقد كانت أوربا المسيحية تحمل في قرونها الوسطى المظلمة مشاعر متناقضة تجاه المسلمين، مشاعر الانبهار والإعجاب ومشاعر الحقد والمكايدة، وكان ملجؤها في تحصين نفسها التترس بمعتقداتها المسيحية. لقد رأت أوربا المسيحية ذات الأصول الإغريقية أن الديانة الإسلامية الزاحفة آنذاك قد جاءت لتسفهها وتقوض عراها في مهد المسيح في بيت المقدس، وأن الأمة الإسلامية الصاعدة قد أتت لتسرق منها أصولها الإغريقية الرومانية فتدمجها في لغتها ومعارفها العربية في مهد فلاسفتها في مصر وفي الأناضول وتخوم أثينا وروما.
لقد استفادت أوربا من الحضارة الإسلامية، بين تلامس التعايش أو احتكاك الصراع، فأنتجت في مجال المعتقدات ديانة جديدة لتصحيح انحرافات الكنيسة هي الديانة المسيحية البروتاستنتية، وأقبلت في مجال العلوم الكونية، بروح مسيحية عالية، على مناهج وعلوم المسلمين، سواء المترجمة إلى العربية من الحضارات القديمة، لا سيما الاغريقية، أو المبتكرة من فطاحلة علماء المسلمين، التي تُدرّس في جامعات الحواضر الإسلامية الكبرى في المشرق والمغرب، للمسلمين وغير المسلمين، ومنها القريبة من أوربا كالأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا، أو التي تُنقل عن طريق الكتب والمكتبات العظيمة التي كانت تحملها قوافل المسلمين إلى كل أنحاء الدنيا كسيمة أساسية من سمات الحضارة الإسلامية.
يمكننا أن نحدد معالم تأثير الفكرة الدينية المسيحية في النهضة الأوربية، وأسباب ومسارات الافتراق التاريخي بين الدين من جهة، والعلم والسياسة من جهة أخرى، وفق ثلاثة مسارات كبيرة هي:
– البعد الفلسفي والعلمي.
– البعد السياسي.
– البعد الخارجي.

 

د. عبد الرزاق مقري

الهجرة: الفكرة الدينية والاستنهاض الحضاري للأمة

“الفكرة دينية” عبارة شهيرة للفيلسوف الجزائري الكبير مالك بن نبي استعملها في بعض كتبه وبشكل أساسي في كتاب ” شروط النهضة”  أثناء  شرحه سبل التوصل إلى الاستئناف الحضاري للمسلمين بعد حالة الخمول والتقهقر والتخلف التي هم عليها منذ قرون، معتبرا أن لا انبعاث للحضارة إلا على أساس ديني، مستأنسا في قناعته بدراسة التاريخ ومؤكدا ما ذهب إليه غيره قبله  من الفلاسفة وعلماء العلوم التاريخية والاجتماعية الكبار الذين أجمعوا أن نشأة كل الحضارات التي عرفتها البشرية إنما أساسها الدين.

حينما يتطرق المؤرخون إلى الحضارة التي عرفها المسلمون يسمونها الحضارة الإسلامية نسبة إلى دينهم. وذلك هو فعلا ما سجله التاريخ إذ بزغت الفكرة المنشئة للحضارة في غار حراء ببداية نزول القرآن الكريم، وبعد أن صارت الفكرة حالة اجتماعية في جزيرة العرب بحثت لها عن أرض تقيم فيها دولتها فكانت يثرب هي المأوى، وكان يوم الهجرة الذي نعيش ذكراه هو منطلق تأسيس الدولة ثم صار تاريخ المسلمين كله يُؤقّت وفق هذا اليوم العظيم، وكان ذلك اليوم هو أول يوم لنهضة العرب بكيان سياسي جديد ذي رؤية عالمية صنعت حضارة إنسانية اندمجت فيها وساهمت في قيادتها أعراق كثيرة عبر قرون طويلة من الزمن.

تعودت أن أكتب في كل عام مقالا بمناسبة ذكرى هجرة المصطفى صلى عليه وسلم من مكة إلى مدينة أُبرِز فيه كل مرة ملمحا جديدا من ملامح ذلك اليوم العظيم، وقد اخترت هذه السنة أن أتحدث عن البعد الديني في صناعة الحضارة الإسلامية انطلاقا من يومِط قيام دولة المسلمين في يثرب بعد الهجرة،  ولعلني أضيف بعض البَيّنات التي تؤكد دور الدين في قيام الحضارة، ولأضع، في مقابل ذلك، الفكرة العلمانية في حيزها التاريخي الأوربي ضمن مسار قيام وسقوط الحضارات.

إن الهجرة النبوية الشريفة هي الدليل القاطع على مركزية الدين في بناء الدولة ونهضة العرب ونشأة الحضارة الإسلامية وشذوذ ما يُنكِر ذلك من الأفكار في عالم السياسة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي  أمرنا الله أن نتأسى به وأن يكون قدوتنا  وفق قوله سبحانه وتعالى: (( ولكم في رسول الله أسوة حسنة))، تصرف عند وصوله المدينة كرجل سياسي يبني دولة حديثة بإعلانه “وثيقة المدينة” التي تُعد وثيقة دستورية كاملة الأركان بالمصطلح العصري، حددت الحقوق ومعنى المواطنة لسكان دولته الحديثة، من كان منهم مسلما ومن كان على غير عقيدة الإسلام، ومن خلال تحديد بناء المسجد كمقر لحكومته، وبواسطة إرساء مفهوم الأخوة كوشيجة أساسية بين السكان جميعا، وكذلك من خلال تدشين سوق جديدة بديلة عن السوق التقليدية التي يسيطر عليها اليهود وفق رؤية اقتصادية حديثة للدولة الناشئة.

لقد كانت الهجرة النبوية هي الخطوة التاريخية التي انتقلت فيها الفكرة الدينية الإسلامية من التَّمثُل بها لدى الأشخاص المؤمنين بها والمناصرين لها، ومن الحالة الاجتماعية التي صارت إليها في مكة ثم في المدينة إلى الكيان السياسي الذي حوّلها إلى قوانين وإجراءات ومسؤوليات، وعلاقات سلم وحرب ومعاهدات، وَحَّدت سكان الجزيرة العربية وصنعت لهم مصيرا جديدا، ثم اتجهت في حياته عليه الصلاة والسلام إلى خارح الجزيرة لتعلن عن عالميتها ورؤيتها الخارجية المستقبلية من خلال الرسائل الموجهة إلى ملوك الدنيا في ذلك الوقت (ملوك الحبشة والبحرين وعمان واليمن ومصر والروم واليمامة والغساسنة وفارس)  و من خلال الألوية التي عقدها (مؤتة وتبوك وبعث أسامة) لصد الاعتداءات التي بدأتها جيوش الروم، الأمة الأقوى حينئذ المتهَيِّبة من الأمة الإسلامية الصاعدة.

بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام انشغل المسلمون بحروب الردة فكانت تلك الحروب الأهلية مناورات عسكرية شاملة بحق، بالذخيرة الحية كما يُقال اليوم،  تشكلت من خلالها جيوش المسلمين التي باشرت الفتوحات الإسلامية في كل أنحاء العالم القديم ابتداء بقضائها المبكر على الدولة المتداعية في فارس في عهد الفاروق رضي الله عنه، والانخراط في المواجهة الطويلة مع الامبراطورية الرومانية البيزنطية إلى أن أسقط محمد الفاتح عاصمتها القسطنطينية في القرن الخامس عشر.

لقد كانت الفكرة الدينية التي بزغت في غار حراء بمكة وأقامت الدولة في المدينة هي الروح الدافعة لتلك الفتوحات، وهي المُنشئة للنهضة العلمية التي جعلت المسلمين يهتمون بالإبداعات الحضارية للأمم السابقة في البلاد التي فتحتها واحتكت بها، فترجموا علومها وزرعوا فيها الروح الدينية وأخضعوا معارفها للمقاصد الشرعية الإسلامية وزادوا عليها ابداعاتهم وابتكاراتهم في مختلف الفنون والعلوم عبر الصروح الجامعية التي يدرس فيها الطلبة من مختلف الأجناس والأعراق بلسان عربي مبين فأهدوا للبشرية  أسمى حضارة إنسانية عرفها التاريخ وأكثرها رحمة بالخلق ومن أطولها استغراقا في الزمن.

لقد كان يوم الهجرة هو اللبنة الأولى لصرح الحضارة الإسلامية والأساس الأول للمنظومة القيمية للدولة الإسلامية، ثم اكتملت صياغة النموذج السياسي والاجتماعي في عهد الراشدين، ثم انطلقت الثورة الحضارية العلمية  في زمن الأمويين ووصلت إلى ألَقِها في العهد الذهبي في زمن العباسيين في القرن التاسع الميلادي، ثم تحقق فيها ما قضاه الله في الناس من سنة التداول وفق قوله تعالى ((وتلك الأيام نداولها بين الناس)) فكان سقوط بغداد على يد المغول في منتصف القرن الثالث عشر أمارة الانحدار نحو الأفول إلى أن انطفأت الحضارة الإسلامية في حدود القرنين الخامس عشر والسادس عشر تزامنا مع عصر امبراطوريات البارود الإسلامية (الدولة العثمانية، الدولة الصفوية، دولة مغول الهند) التي استطاعت واحدة منها، وهي الدولة العثمانية، أن تفتك اعتراف علماء الأمة بأنها هي الأجدر بأخذ لقب الخلافة الإسلامية في عهد سليم الأول بعد إنهائه دولة المماليك، الراعية للخلافة العباسية الصورية. 

وكان العثمانيون هم الأجدر بذلك حقا إذ على أيديهم تحققت نبوة فتح القسطنطينية ومن خلالهم استمرت الفتوحات في اتجاه الغرب المسيحي الذي لم يتوقف عن التحرش بالمسلمين منذ  معارك مؤتة وتبوك وبعث أسامة في بداية القرن السابع الميلادي التي كان سببها تحرشات الروم بالمسلمين للقضاء على الدين الجديد قبل استفحال أمره – كما زعموا – وفق ما تذكره كتب السير والتاريخ.

لقد عظُم شأن الأتراك كحاملي لواء الإسلام قرابة ستة قرون، من أول القرن الثالث عشر إلى بدايات القرن العشرين، غير أن تميزهم انحصر في الجوانب القانونية والإدارية والعسكرية ولم يسهموا كثيرا في الجوانب الحضارية العلمية، فكان حالهم كحال الامبراطورية الرومانية إذ دامت بالقوة الإدارية والعسكرية وكانت في الجوانب العلمية والفلسفية عالة على الحضارة الإغريقية. بلغ أوج القوة العسكرية للأتراك عند فتح القسطنطينية سنة 1453م وبدأت في التراجع بعد فشل حصار فيينا سنة 1683م، وفي تلك الفترة كان يظهر للمطّلع على الأحداث التاريخية دو تأمل أن ثمة تماثلا في القوة بين العثمانيين وملوك أوربا، غير أن المتمعّن في وقائع التاريخ يدرك أن المسلمين بقيادة الأتراك كانوا في زمن الأفول الحضاري وكان الأوروبيون في مرحلة النهضة الحضارية. كما أن المسلمين في زمن سقوطهم كانوا يبتعدون عن دينهم وكان الأوربيون في زمن نهوضهم، يجددون تمسكهم بدينهم كما سنبينه لاحقا.

سقطت الدولة الإسلامية في بداية القرن العشرين عند إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية سنة 1924 بعد أن أفَلت الحضارةُ الإسلامية أربعة قرون من قبل. وقد كانت الفكرة الدينية هي صانعة الحضارة في الأمة الإسلامية في منشئها المشحون بالقيم والقوة الروحية في الدولة والمجتمع في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وحين غلبت العصبية العشائرية مرجعية الشورى الشرعية في الحكم، وصار الحكم لمن غلب منذ عهد الأمويين، ظلت الفكرة الدينية متجذرة في المجتمع، تتحصن بالعلماء العاملين المجاهدين الذين وإن كانوا قد أفتوا بشرعية الحاكم المتغلب تجنبا لاستمرار الفتنة بين المسلمين قد قادوا المجتمع لمنع السلطان من أن يفارق القرآن عبر شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنتج تاريخ المسلمين حكاما صالحين مصلحين وحكاما فاسدين فرض عليهم الجو الإسلامي الغالب بين الناس الالتزام   بأحكام الإسلام في السياسة والحكم بشكل عام، كما قاد علماء الدين النهضة الإسلامية بأنفسهم ببعث حركة الأوقاف التي أطّرت الثورة العلمية الإسلامية ومنحتها استقلاليتها من الناحية المادية واتجاهاتها العلمية بتأسيس الجامعات والإنفاق على الطلبة والأساتذة وأدوات التعليم،  وببروز العلماء الموسوعيين في الشريعة والطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغير ذلك من العلوم، فبقي الوحي والعقل مجتمعان يضمنان استمرار الحضارة في كل مجالاتها، إلى أن انغمس المجتمع الإسلامي ذاته في الشهوات وأصابه الخمول وتسربت إليه اتجاهات القدرية والقبورية فلم يصبح للحكم الإسلامي حاضنة اجتماعية خالصة، تسنده أو تحرصه أو تردعه، فدالت الأيام على دولة الإسلام فسقطت بتآمر اليهود والنصارى، وتحالف النفاق والعمالة والجهالة من المسلمين، وحل محلها الدولة العلمانية التي ربطت مصيرها بقوى الاستعمار فاستدام التخلف وطال أمده.

إن المتمعن في تاريخ الحضارة الإسلامية يلحظ تطورها بين النهوض والفتور والسقوط بقدر قربها أو بعدها عن الدين. كما أن الشعوب التي احتوتها الحضارة الإسلامية من عرب وعجم لم يكن لمجملها في يوم من الأيام شأن في التاريخ بغير الإسلام، خصوصا الشعوب العربية والتركية التي تداولت الخلافة الإسلامية العالمية.

لم تشمل الحضارة الإسلامية دولة واحدة، بل تعاقبت عليها دول كثيرة من عرب وعجم، وقد خضعت كل تلك الدول إلى نظرية التداول التي أبدعها ابن خلدون حين حدد مراحلها الخمس وأجيالها الثلاثة، وكان الجيل الأول بعد النبوة يُخضعُ مطلبَ العصبية، الضرورية لاستقرار الدولة الناشئة،  للفكرة الدينية المنشئة للحضارة الخالدة،  فكان الجيل الأول – مؤسس الدولة – على نحو ما قاله ابن خلدون جيل البداوة والبسالة والشجاعة والتقشف والاكتفاء بالضروري من العيش في أحوالهم، يشتركون جميعا  في المجد، لم يغرهم ما بُسط لهم من ملك وعز ورفاه عبر الفتوحات التي أطلقوها، يتمسكون بالفكرة الدينية ويمثلونها أحسن تمثيل، ثم جاء مَن بعدهم فانتقلوا بالدولة  إلى الحضارة وإحكام الصنائع والإبداع في العلوم باسم الدين فكانت لهم في البداية قوة وازدهار وهيبة ثم جاء من انشغل بالتفنن بملذات الحضارة والانشغال بمنتجاتها بدل الزيادة فيها فبلغ الترف فيهم غايته فنسوا تضحيات جيل التأسيس وظنوا أن النعيم مخصوص لهم من السماء ففسدت أخلاقهم وطباعهم وانسلخوا عن هدي دينهم وانقلب التناصر بينهم إلى تنافر وتترسوا بالجند والعسكر، لا ليزيدوا في الفتح والملك ولا ليقهروا به طالب ملكهم من الخارج، ولكن ليتصدوا إلى بني قومهم ممن لم يعجبهم حال أمرائهم، ثم استعانوا بالموالي ثم بأطراف خارجية على بعضهم بعضا فكانت النهاية. ولعل مما ساهم  في إطالة حضارة الإسلام ودوام سلطانه تداول العصبيات والأعراق على الحكم باسم الإسلام وفق نظرية التداول الخلدونية، فكانت كل دولة حديثة تجدد أمر الأمة وتحمل على عاتقها عز الإسلام ومجده وتُوسِّع جغرافية الإسلام وتزيد في عدد معتنقيه وحجم موارده وخيراته ثم تشيخ وتُهزم وتسقط داخل إطار الأمة، وكان كل قادة دولة حديثة يبررون  طلب الملك لإزالة الظلم والفساد وحين يُمَكَّنون  يحاولون فعل أحسن مما فعل من قبلهم حتى كانت النهاية في آخر عهد الدولة العثمانية بكثرة الخَبث في الداخل والتنكر التام للدين من فئات من المسلمين وبتصاعد قوة الأمم الغربية الصاعدة الساعية لإزالة حكم الإسلام واستعمار بلاده، وحينما جاء الرجل الصالح عبد الحميد الثاني للحكم كان سهم الانحدار قد بلغ القاع فلم يكن تحويل اتجاهه نحو الأعلى ممكنا.

ولو ننظر إلى أمر الحضارة الإسلامية بشكل أوسع بغض النظر عن الدول التي تداولت فيها لفهمنا علاقة الدين بنهوضها وسقوطها وفق البيان الذي رسمه مالك بن نبي عن تداول الحضارات في كتابه “شروط النهضة ” حيث يعتبر أن المرحلة الأولى في كل حضارة هي مرحلة الروح التي تضمن نشأتها، ثم تعقبُها مرحلة العقل التي تصنع منتجاتِها، ثم تليها مرحلة الغريزة التي تتسبب في نهايتها.

يضع مالك لشروط النهضة ثلاثة عناصر: التراب ( ويقصد بها الإمكانيات المادية الطبيعية) والوقت والإنسان، ولكن لكي تتفاعل هذه العناصر الثلاثة بشكل إيجابي ولكي تكون مؤهلة لصناعة النهضة يجب أن توفر مركبٌ (catalyseur) أساسي يتدخال بينها وهو مركب “الفكرة الدينية”. ويعتبر مالك بن نبي أن الفكرة الدينية عملت عملها في أجواء المدينة بعد الهجرة النبوية الشريفة،  ولكن  تغير حالها بعد ذلك في أجواء معركة صفين التي نقلت الأمة من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض ثم كانت نهاية الحضارة الإسلامية مع إنسان ما بعد الموحدين حيث انتشر الخمول والعجز في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر.

يؤكد فطاحلة علم التاريخ والاجتماع و تداول الحضارت ، ابتداء من  ابن خلدون – مؤسسه الأول – الذي يقول :” أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها”  إلى  علمائه الكبار وفلاسفته المشهورين، أمثال توينبي الذي يعتبر أن : التفسير النهائي للتاريخ تفسير ديني في جوهره”  والمؤرخ الفرنسي فرانسوا جيزو والفيلسوف كسرلنج الذي يعتبر “أن الروح المسيحية ومبدأها الأخلاقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوربا سيادتها التاريخية” ،  إلى فيلسوف الأمة مالك بن نبي صاحب نظرية ” مركب الفكرة الدينية”  أنه لا نشوء للحضارات بغير الباعث الديني. ويمكننا أن نضيف فنقول أن تأثير الدين في الحضارات بعد نشوئها من حيث عدلها ونفعها للإنسان ومن حيث طول وجودها مرتبط بصحة الفكرة الدينية ذاتها. فلما كانت الفكرة الدينية الإسلامية مصدرها الوحي الصحيح المحفوظ من التحريف استطاعت أن  تصنع حضارة إنسانية عالمية أدمجت كل الأعراق والأجناس في قيادتها منذ لحظتها الأولى، وحين نُقلت إلى الناس عبر الفتوحات والدعاة تركتهم أحرارا في اعتناقها، وكانت الفكرة الإسلامية هي الدافعة للتفكر في النفس وفي ملكوت السماوات والأرض،  وهي التي جعلت العلم والتعلم من أزكى العبادات كما جعلت التعلم طريقا للإيمان. ولهذه الدوافع الإيمانية لم يستقل العلم عن الإيمان في الإسلام أبدا، ولم يجاف العقلُ الوحيَ مطلقا،  بل على العكس من ذلك توقف  العطاء العلمي وفتُرت الحضارة حين ضعُف الإيمان وانغمس المجتمع في الملذات. وحين حوربت الفكرة الدينية في الدولة غرقت الأمة كلها في التخلف.

قد يجادل البعضُ بأن الحضارة الغربية نشأت على غير دين وأنها إنما لمعت حين انفصلت عن الدين من خلال الفكرة العلمانية، وهذا تفكير خاطئ يخالف حقائق التاريخ التي تؤكد بأن الحضارة الغربية نشأت على أساس الديانة المسيحية، وأن الانفصام النكد بين العلم والإيمان، وبين السياسة والدين، طرأ لاحقا في وقت مبكر بسبب انحراف الفكرة الدينية المسيحية وهذا الذي سنُبيّنه في المقال المقبل بحول الله. 

 

د. عبد الرزاق مقري

في ذكرى التأسيس.. بعض المعلومات للأجيال

قمنا في الندوة التي نظمت بمناسبة الذكرى 19 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله بتكريم الحاج لخضر بكار، كمبادرة أولى لتكريم المؤسسين الأحياء منهم والأموات رحمهم الله تعالى. والحاج بكار أهل لأن يُكرم، فهو من أبرز وأهم المؤسسين لحركة المجتمع الإسلامي (حركة مجتمع السلم حاليا)،

وكان مساندا للشيخ محفوظ بالرأي والمعلومات وبعلاقاته الممتدة مع رموز الثورة التحريرية والقادة السياسيين الكبار الذين كانوا مع هواري بومدين، كما دعمه بالمال والإمكانيات المادية حيث كان المقر الوطني الأول للحركة – ولسنوات عديدة – ملكا له في بلكور، وهو المقر الذي اتُّخذ فيه قرار تأسيس الحزب بعد نقاش بيننا صعب ومعقد غادر على إثره الحركةَ رجالٌ أفاضل من المؤسسين التاريخيين.

حينما زرت الحاج بكار لأخبره عن نيتنا لتكريمه تأثر كثيرا وأخذ يقص لي بعض القصص المفيدة والمؤثرة عن علاقاته وأعماله مع الشيخ محفوظ والعديد من الأشخاص الذين كان على علاقة بهم، وعن رأيه وتقييمه لكثير من التحولات التي عرفتها الحركة، ومن أبرز ما حدثني عنه بعض الإجراءات التفصيلية في ملف التأسيس الذي سُلم للداخلية. سلمني بعد ذلك وصل تأسيس الحركة والقائمة الإسمية للأعضاء المؤسسين، وتعود أهمية الوثيقة أنها مكتوبة بخط الشيخ بوسليماني كما أخبرني.

طلب مني الحاج بكار أن أعلق القائمة في المقر ورأيت مفيدا أن أنشر الوصل والقائمة لإعلاء شأن السابقين خاصة الذين تحملوا عبء قرار تأسيس الحزب في مواجهة النقد اللاذع من داخل الصف وخارجه والتهديات الكبيرة تجاه الموقف في ذلك الوقت وهي فرصة للتذكير ببعض تفاصيل تأسيس الحركة قانونيا.

بعد تأسيس الحركة أصبحت – كحزب سياسي قانوني- هي الواجهة العلنية للجماعة (بعدما كانت جمعية الإرشاد والإصلاح هي الواجهة القانونية). بقيت الجماعة تعمل في السر ( كما كانت كل الحركات السياسية في زمن الحزب الواحد) ولكن بعد سنوات قليلة تمت عملية التكييف والدمج للخروج نهائيا للعلن، وقد تم اختيار كلمة “حركة” بدل كلمة “حزب” لنبقى في دائرة المهمة الإصلاحية والاستنهاض الحضاري فكريا وسياسيا ومجتمعيا، كما نحن عليه إلى الآن بحمد الله، وقد خضنا الانتخابات الرئاسية سنة 1995 بهيكل مدمج واحد كما نحن عليه الآن مع التطويرات الهيكلية مرحلة بعد مرحلة.

كان الشيخ بوسليماني هو رئيس لجنة إعداد إجراءات التكييف ودمج الجماعة مع الحزب وقد تشرفت أن أكون معه في اللجنة وكانت النقاشات التي خضناها في الموضوع هي بداية اهتمامي الفكري بالتطوير الهيكلي والإداري للحركة الإسلامية والذي عرف تقدما مميزا في السنوات الأخيرة.

وللتذكير أسس الشيخ محفوظ نحناح جماعته في ولاية البليدة وكان موقع قدمه في العاصمة في بلدية المَدنية أولا، وبعد أن دخل السجن توقف نمو انتشار جماعته لصالح جماعات إسلامية أخرى، وبعد خروجه من السجن سنة 1981 استأنف نشاطه بحيوية كبيرة فالتحق به أنصار كثر من مختلف الولايات كانوا قد أسسوا أنفسهم على أساس الفكرة دون أن تكون لهم علاقة بالشيخ محفوظ نحناح، ولكن الحتقوا بجماعته على خلفية الفكرة التي كان يحملها والمنهج الذي كان يتبعه وبسبب شخصيته الجذابة وبيانه المؤثر، وضمن سياقات تاريخية عملت لصالحه، ولم تكتمل عشرية الثمانينات حتى صارت جماعته الأقوى والأظهر في الجزائر.

سبق لي أن تحدثت عن كثير من تفاصيل هذه المسيرة سنة 2016 في سلسلة برنامج مراجعات على قناة الحوار اللندنية مع الأستاذ عزام التميمي حفظه الله، ولكن كان حديثي ضمن إطار عام فقط، وقد أعود في وقت لاحق ( أو في وقت قريب إذا تطلب الأمر ذلك) لأكتب مزيدا من التفاصيل وأدلي بشهادتي عن التأسيس والمؤسسين في الولايات التي نشطت فيها في النصف الثاني من السبعينات وعقد الثمانينات، خصوصا في ولاية المسيلة ثم ولاية سطيف وولاية برج بوعريريج وولاية بجاية وكيف تعرفنا على الشيخ محفوظ نحناح رحمه، وعلاقتي بالعمل الإسلامي في مختلف الجامعات والولايات آنذاك، وكيف كانت العلاقة مع الشيخ محفوظ وكيف تطورت، ومن وجدناه معه وكيف كانت جماعته وكيف تطورت، وكيف كانت الجماعات الإسلامية الأخرى وكيف كانت العلاقة بينها.

اقترح علينا أحد الأفاضل أن ننظم لقاء عاما للمؤسسين على المستوى المحلي، وربما نطلب من هؤلاء الأفاضل أن يكتبوا حقيقة ما عاشوه في فترة التأسيس، كل في بلديته وولايته وكيف التحقوا بجماعة الشيخ محفوظ، حتى لا نستأثر نحن، المعروفين، بكتابة تاريخ الحركة الإسلامية في بلادنا. وسيكون في ذلك فائدة للأجيال المستقبلية، ضمن تطورات جارية ولاحقة سيتغير فيها كل شيء.

 

د. عبد الرزاق مقري

في الذكرى 12 لأسطول الحرية

مرت البارحة الذكرى 12 لملحمة أسطول الحرية، وكان أسطول الحرية محاولة تاريخية لكسر الحصار على قطاع غزة من خلال توجيه عدد من السفن المحملة بالبضائع من مواد غذائية وأدوية ومواد بناء ولعب أطفال وغيرها نحو غزة بمشاركة قرابة 700 ناشط من أكثر من 40 دولة من مختلف أنحاء العالم.

وقد كان الوفد الجزائري من 31 فردا هو الأكثر عددا بعد الأتراك، وشاركنا بسفينة محملة بالبضائع هي الأكبر بعد سفينة مرمرة، كما ساهمنا في اقتناء سفينة أخرى للركاب.

شرفني الله تعالى بأن كنت عضوا في اللجنة التابعة لحركة غزة الحرة الدولية التي خططت للحملة رفقة منظمة الإغاثة التركية، وكان معي في اللجنة الشيخ أحمد الإبراهيمي، وبعد ذلك توليت رئاسة الوفد الجزائري الذي ضم أفاضل الناس من النساء والرجال والشباب، من القادة الأخ العزيز محمد ذويبي الأمين العام السابق لحركة النهضة الذي أصيب في عينه أثناء الهجوم علينا، ومن الشباب النائب الحالي عز الدين زحوف الذي صنع لنفسه مكانة مرموقة في الحراك الشعبي ثم في العمل النيابي، وكذا ابني مصطفى مقري الذي سلط عليه الصهاينة أذى شديدا، واستطاع تهريب كثير من المواد الإعلامية ذات الفائدة الكبيرة في رقائق دسها في أماكن خفية في ثيابه، وقد أظهر الوفد كله بسالة وشجاعة أشادت بها الوفود الأخرى في محاولات صد ركوب جنود lلاحتلال السفينة ولم يترك الجزائريون مكانهم حين هجم الجيش الصـهيوني على السفينة حتى ألقي القبض على الجميع وتم تكبيل أيدينا واقتيادنا إلى سجن بئر السبع وللعلم تم الهجوم على القافلة فجر يوم 31 ماي 2010 حيث اقتحمت قوات خاصة تابعة للبحرية lلإسرائيلية في المياه الدولية فجر الاثنين كبرى سفن القافلة “مافي مرمرة” التي كانت تحمل 581 متضامنًا أغلبهم من الأتراك ومن حركة غزة الحرة – كان ضمنهم الوفد الجزائري كله – حقق أسطول الحرية نتائج كبيرة في تحويل الرأي العام العالمي لصالح غـزة والقضية الفلسـطينية ودعم ثبات الفسطينيين وزاد في عزيمة النشطاء وإطلاق زخم كبير لقوافل كسر lلحصار البرية، ومحاولات أخرى بَحرية، كانت الجزائر حاضرة فيها، ابتداء من قافلة شريان الحياة 5 التي شاركنا فيها بعشرات النشطاء وبأربعين سيارة إسعاف وحمولات كبيرة من مختلف البضائع، ثم وجهنا أكثر من 40 قافلة أخرى بحمد الله، ولا تزال مجهودات دعم القضية lلفلسـ.طينية قائمة بمختلف الأشكال.

كُتبت كثير من الإسهامات والكتب وأشعر بكثير من التفريط في عدم تدوين تفاصيل هذه الغزوة العظيمة التي كنا فاعلين فيها وليس مجرد متابعين وكاتبين عنها، ونسأل الله أن يعيننا على الاستدراك وأن يتقبل من الجميع.

د. عبد الرزاق مقري

علامات التوفيق في رمضان

رمضان .. أحلى وأمتع وأنفع الشهور. ربح فيه المجدون المحظوظون، وإن للظفر ببركته وخيره وفضله لعلامات بديعة وأمارات جليلة تظهر في حال الصائم بعد رمضان.

أول ذلك حال الشعور النفسي بالراحة والطمأنينة والسكينة، وامتلاء القلب بالرحمة والعطف والرقة، والشعور بالقرب من الله تعالى، وانجذاب النفس للخير وحب المؤمنين، ثم الإدراك العقلي بعدم أهمية أي شيء ما لم يكن موصولا برضوان الله ونصرة الدين وخدمة المسلمين، الأقرب فالأقرب على نهج المصطفى الأمين. ثم النفور من المعصية ومما يقرب من فساد الدين والفتن والفسوق والعصيان، ثم رسوخ أساسيات الطاعة والعبادة في السلوك اليومي كعادات متأصلة لا يأتي عليها الزمن ولا يفتها ولا يزعزعها بإذن الله، والمسارعة بقدر الإمكان في الاستزادة في ذلك بعون الله، مع التوبة والإنابة السريعة بعد كل كبوة، إذ دوام الحال الواحد من المحال، وإنما العبرة في أغلب ما يستقر فيه الحال، إلى أن يأتي رمضان المقبل بحول الله فيعيد المؤمن الكرة لترميم ما فسد من طبعه والتزود من أجل الارتقاء في مدارج السالكين أكثر وأكثر. ومن قبَضه الله عز وجل قبل ذلك وهو على ذلك قُبِض على خير عظيم. ولا يأْس ولا قنوط لمن لم يحظَ بوافر تلك النعم الظاهرة في شهر رمضان، فلا أحد يدري من المقبول، كثير العبادة أم قليلها، ورب عمل قليل تعظمه النية، وفرص الإنابة قائمة في كل لحظة وفي كل حين، فرب شهر رمضان هو رب سائر الشهور والأيام. والله نسأله أن يطيل أعمارنا، من جدّ منا ومن قصّر، حتى ندرك شهر رمضان المقبل فننال فيه جميعا أعلى وأفضل وأجل ما يُدرك المؤمن من الخير والبر والرحمة والرزق والصحة والعافية والهناء، وندعوه عز وجل أن لا يدركنا الشهر المقبل إلا وقد بات حال أوطاننا وأمتنا على أحسن حال، ولعلنا نرى فتحا عظيما في فلسطين. آمين.

 

عبد الرزاق مقري

التدين الصحيح

التدين الصحيح هو أن تسلم النيّات والمقاصد لتكون لله، وأن يعمر القلب بحبه سبحانه وحب رسوله والمؤمنين وبالخوف منه عز وجل والرجاء فيه وحسن الظن به، وأن يتحقق الإيمان بالغيب ويصح الاعتقاد على نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهو خلو الفؤاد من كل أنواع الشرك الكبير والكفر والنفاق، وكل أنواع الشرك الصغير، كالرياء، والحلف بغير الله واعتقاد النفع والضرر عند غيره عز وجل، و سلامة الصدر من الآثام القلبية كالحقد والحسد والكبر والشحناء والبغضاء، وهو مع ذلك اجتناب معاصي الجوارح كلها، والتوبة الدائمة عند كل تقصير، والالتزام بأركان الإسلام الخمسة جميعها، كلما وجبت وحان وقتها، وجعل الصلاة منها محور الحياة وبوصلة الاهتداء، ثم المسارعة لمختلف الطاعات والعبادات على طريق الوِلاية والرضوان بقدر الاستطاعة والإمكان، مع بذل الحقوق للغير والعدل في الناس، قريبهم وبعيدهم، ومع الحيوانات وسائر الدواب و كل مكونات المحيط، وحسن الخُلق، وعدم الظلم والعدوان، واجتناب المحرمات في المعاملات كالربا والرشا والنهب والغصب والغش والتزوير والتدليس والسرقة والضرر والفساد أو الإعانة على ذلك، مع تعلم المعلوم من الدين بالضرورة أو سؤال أهل العلم في ما يجب من أمر الدين، وإتقان العمل وحفظ الأمانة، والصدق في القول والعمل، والاستزادة في العلم بقدر المستطاع، والسعي لفهم الحياة والقوانين والسنن الاجتماعية والتدبر والتذكر في الآلاء، والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق المقاصد والضوابط الشرعية المعتبرة، المعلومة عند العلماء الصالحين المصلحين، والاهتمام بالشأن العام وإصلاح الأوطان والمساهمة في نموها وتطورها وازدهارها وفق الاستطاعة والمقدور عليه، ومقاومة الظلم وانتهاك الحقوق وموالاة الله ورسوله والمؤمنين دون غيرهم، وحب الخير للبشرية جمعاء، والحب في الله والبغض فيه، والسعي لإسعاد المسلمين وتوحيدهم ونهضتهم وارتقائهم الحضاري، وتخليصهم من الاحتلال والعدوان، والمساهمة في نصرة فلسطين إلى أن يتحقق النصر والتحرير.

 

د. عبد الرزاق مقري

غزوة بدر ننصر الله كما يريد لا كما نريد

حينما يقرأ المؤمن القرآن بتدبر تمر عليه آيات وكأنه يقرأها لأول مرة، ويستنبط منها من المعاني والعظات ما لم يدركه من قبل، وربما لم يقرأها في أي تفسير. فالقرآن ثابت في لفظه وفي معانيه اللغوية العربية، وأحكامه القطعية الدلالية وما فسره رسول الله صلى عليه وسلم في الحديث صحيح وما أجمع عليه العلماء. غير أن معانيه، في إطار ذلك تتجدد، وفق النوازل المتجددة وأحوال الناس المتتالية عبر الأزمنة والأمكنة، بل يجد كل فرد فيه ما يؤنسه ويقوده ويوجهه حسب كل مرحلة من مراحل حياته.
وكذلك هي السيرة النبوية، ليست حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم قصصا جامدة تُتلى وتحفظ للبركة أو المتعة، أو تفهم فهما تقليديا جامدا بل هي منهاج للحياة، ومفاتيح لفتح الأبواب المستعصية، و قصص نموذجية للقياس عليها والتأسي بها في مختلف مناحي الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال الله تعالى: (( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)الأحزاب)). وقوله : (( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .. 157 الأعراف)). والأمر بالتأسي برسول الله موجه للمسلمين إلى قيام الساعة، فلا شك عندئذ أن كل الأمم والأفراد، عبر الأزمنة والأمكنة، سينتفعون من حياته عليه الصلاة والسلام في حياتهم كأفراد وجماعات، في القضايا الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية، والسياسية، والدولية وغيرها.
لقد درستُ السيرة النبوية في وقت مبكر من حياتي، ودرَّستُها مرتين في الثمانينات في مسجد الجامعة بسطيف وفي بعض مساجد بلدية المسيلة، ومع ذلك لا تتوقف المعاني الجديدة التي تخطر ببالي كلما تناولت نصا من نصوصها حسب الأحوال والأوضاع التي أمر بها، وكأنني أطلع عليه لأول مرة.
فلو أراد مُطّلع على السيرة النبوية، منخرطٌ في الكفاح على منوال كفاح رسول الله أن يكتب كتابه في السيرة النبوية لأخرج للمسلمين، ربما، نسخة جديدة فيها من المعاني ما لم يتناولها غيره،
فلو تحدثنا عن غزوة بدر فقط لأمكن كتابة كتاب خاص بها لما فيها من عبر وحكم وملح وعظات لا تتوقف.
وقد رأيت أن أتطرق، بمناسبة ذكرى غزوة بدر هذه السنة إلى جانب واحد من محطاتها المفيدة المشوقة، وهي المحطة التي وصفها الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الانفال في قوله تعالى: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)).
تتحدث هذه الآية عن وضعية صعبة ومعقدة وخطيرة وقع فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم، حيث أن رسول الله حاول اعتراض قافلة قريش وهي متجهة إلى الشام ليسترجع المسلمون شيئا من أموالهم التي صادرها المشركون في مكة غير أنه حينما وصل مكانا يسمى (ذا العشيرة) وجد العير قد فاتته منذ أيام، وبقي يترقب رجوعها وهو في المدينة إلى أن علم بأنها في طريقها من الشام إلى مكة محملة بأموال وبضائع كثيرة.
لم يدع رسول الله إلى النفير العام وجعل الخروج معه في هذه المهمة على الخيار، ولم ينكر على من لم يخرجوا. ولما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين لملاقاته أرسل رجلا معه اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري ليسرع إلى قريش فيخبرهم بأن أموالهم في خطر وغيّر وجهة العير نحو الساحل البحري. أعدت قريش العدة وخرجت بجل بطونها وزعمائها يقودهم أبو جهل ومعه نحو ألف وثلاثمائة مقاتل، ومائة فارس، وستمائة درع وجمال كثيرة. وعندما تأكد أبو سفيان من نجاة القافلة أرسل إلى قريش يدعوهم إلى الرجوع فلم يجيبوه وعزموا على القتال حيث أدركوا أن تهديد قوافلهم يمثل خطرا على اقتصادهم فلا بد من استئصال شأفة المسلمين حتى لا يقدرون على ذلك في مقدم الأيام.
حين علم الصحابة بقدوم جيش عظيم إليهم خارج ديارهم، اشتد الأمر على بعضهم وخافوا هذا اللقاء الدامي الذي لم يكن في الحسبان، فهم لم يخرجوا بسلاح الحرب إذ لم تكن معهم إلا سيفوهم التي تكفي لاعتراض عير قريش فحسب، وكان عددهم بنحو ثلث عدد جيش الكفار في حدود بضعة عشر وثلاثمائة رجل، ولم يكن معهم إلا فارسان. فأنزل الله الآيات السابقة ليعالج الموقف ويؤكد حقيقة لزم على المسلمين أن يتمثلوها إلى يوم الدين وهي أن الله تعالى هو من يقدر كيف تكون تفاصيل مناصرة الدين، وما على المسلمين إلا تسديد نواياهم، وإعداد ما استطاعوا من العدة، وأن يتأهبوا دوما للجهاد والكفاح ولو في أسوء الظروف.
لم يكن في بيعة العقبة الثانية ما يلزم الأنصار بالقتال خارج ديارهم إذ عاهدوا رسول الله على نصرته في يثرب، فتقصّدهم رسول الله في المشورة حيث لم يكتف بظهور إصرار المهاجرين على القتال حتى تكلم سعد ابن معاذ حامل لواء الأنصار في الغزوة قائلا:
((إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحرَ لأخَضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَاد لفعلنا – رواه مسلم)) فعزم نبي الله صلى الله عليه وسلم عندئذ على لقاء العدو قائلا: «سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)).
إن الآيات التي نزلت في هذا الشأن لم تكن تقصد قادة وأبطال المهاجرين والأنصار، ولكن كانت موجهة إلى صنف من المسلمين موجودين في كل زمن، لا يرغبون في العمل لصالح دينهم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكفاح من أجل أوطانهم وقضاياهم إلا إذا لم يكن ثمة خطر، ويكبر عليهم دوما الفرق في القوة بينهم وبين أعدائهم أو خصومهم، وبعضهم يُكثر الإرجاف والجدال في صفوف المؤمنين العازمين على الكفاح في الظروف الصعبة، باتهامهم بالتهور تارة، وقلة الحكمة تارة. وإن هي في حقيقة الأمر إلا نفوسهم الضعيفة وعزائمهم المنكسرة وهممهم الهابطة، أو حرصهم على الدنيا بالمحافظة على مكاسبهم الشخصية وطموحاتهم المَخفية، بالرغم من أن المعارك التي يخوضونها في هذا الزمن سلمية ضمن منهج سلمي وسطي لا خطر داهم عليهم في أرواحهم وأموالهم كما كان حال الصحابة الذين رهبوا القتال فنزلت فيهم الآيات تلومهم وتصحح معتقدهم وتقوّم نفوسهم. ولو نظر هؤلاء الذين يشترطون على الله في ظروف المواجهة إلى سِيَر الكبار والعظماء لرأوا بأن حياتهم كلها محاطة بالمخاطر وأنهم لم يصنعوا التاريخ إلا بخوض غمار المصاعب والأهوال، وما جُعلت الجنة إلا محفوفة بالمكاره.
لا شك أن المسلمين مطالبون بأن يسألوا الله العافية وأن لا يتمنوا لقاء الكريهة ولكنه سبحانه طلب منهم، في نفس الوقت، أن يثبتوا إذا اختار لهم غير ما يريدون في حياتهم النضالية، فليس من التوكل على الله وليس من توقيره والحياء منه أن يشترط المؤمن على الله ظروفا مخصوصة لكي يقوم بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا بيّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قائلا: (( لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا )).
ومن صبر وثبت فإن وعد الله بالنصر قائم إلى يوم القيامة، النصر في الدنيا والفوز يوم القيامة. يقول الله تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) غافر)).

د. عبد الرزاق مقري

رمضان: نغير العادات لنثبت على الطاعات

إن رمضان هو شهر الخير والبركات، من كان قبله مجدّا وكانت الطاعات والعبادات في حياته عادات يزداد فيه فضلا حتى يكون عمره كله في البر والتقى والأعمال الصالحات، ومن أقبل عليه رمضان وكان من قبل مقصرا، فليغتنم مِنحَ الشهر الكريم وأجواءَه، لكي يغير عاداته فتتغير بعده حياته.

إنما حياة الإنسان عاداته، فمن تعود الخير سهُل عليه فعله، ومن تعود الشر غلب الرّان على قلبه، وبات اقتراف الآثام عنوان حياته. ومن ألف العجز والكسل صعُب عليه النهوض للمعالي، ولو لم يكن من الآثمين، واستغرق أجله في التوافه والاهتمامات الدونية، والرغبات الصغيرة، ويظل الارتفاع بهمته كمن يصعد الجبال الشاهقة، فلا يحظى بمكانة بين السابقين السابقين.

ولا يكون الإنسان هكذا أو هكذا أو هكذا إلا بما تعوّده وألف عمله.

لقد جعل الله شهر رمضان فرصة لتغيير العادات، فهو دورة تربوية سنوية دبّرها المدبر سبحانه لنصحح مسارنا ونغير حالنا، وذلك وفق منح ربانية وتشريعات إلهية منها الذي يلي:

١ – تصفيد الشياطين وترك المؤمن بينه وبين نفسه الأمارة بالسوء فحسب حتى يسهل عليه التحكم فيها، فلا تعينها عليه وسوسة الشيطان. فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ) رواه البخاري (3277) ، ومسلم (1079).

وفي رواية لمسلم: ( وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)

٢ – تحديد الهدف من الصيام، وهو تقوى الله، بما يجعل الصائم يحاسب نفسه أثناء ليله ونهاره هل هو يقترب نحو الهدف أم لا، إذ قال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة 183))). والتقوى حالة قلبية يصفّى فيها الفؤاد من النوايا السيئة وأنواع الشرك الصغير والكبير، والحسد والأحقاد، وسائر الآفات المعلومة لدى الله تعالى المخفية عن الناس، وما تكون عليه الجوارح من إقبال على الطاعات وابتعاد عن المعاصي والموبقات.

٣ – اختيار رمضان ليكون شهر القرآن وتوجيه المؤمنين فيه إلى الانشغال بآي الذكر الحكيم، إذ تدبُّر القرآن في التلاوة والتراويح والقيام هو بالنسبة للمؤمن بمثابة المراجعة الشاملة لنفسه وحالها وحقيقتها، بعرضها، مرة في السنة على الأقل، على الهداية القرآنية الموجهة للناس حتى يبين لهم الحق من الباطل ويفرقوا بين ما ينفعهم وما يضرهم، يقول عز وجل: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)).

٤ – التحذير الشديد من فساد الصيام باقتراف الموبقات والمعاصي وتشديد العقوبة عليها في رمضان. عن أبي هريرة رضي الله عنه، ((مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) أخرجه البخاري.

٥ – الترغيب في المسارعة في العبادات وسائر القربات وتعظيم الأجر والثواب في ما يقوم به الصائم. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل عمل أبن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) [أخرجه مسلم 2760]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه [البخاري 38، ومسلم 1817]

٦ – جعل رمضان شهرا اجتماعيا للأنس والمودة والتضامن، وللتآزر المتبادل بين المؤمنين على الطاعات، بالإقبال الكبير على الصلوات في المساجد والتراويح والقيام وحلقات الذكر والمواعظ، والتنافس على الصدقات وإطعام الصائم، والاجتماع العائلي على موائد الإفطار، فيكون ذلك الجو العام دافعا على الخير للجميع، مشجعا للأضعف غير المتعود على العبادات، قاهرا للمتمرد الأجرء على الموبقات.

٧ – جعل المؤمنين جميعا، فقيرهم وغنيهم، ينخرطون في عملية تضامن عالمية، هي الأكبر والأشمل في تاريخ البشرية وإلى يوم القيامة، وهي زكاة الفطر التي يجبر بها الله ما نقص من الطاعات ويزكي بها ما صلح من الأعمال، وينزل بها الرحمة في قلوب ومجتمع المؤمنين،

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين” (رواه البخاري ومسلم).

٨ – جعل الله شهر رمضان شهر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو شهر غزوة الفرقان، غزوة بدر، التي غير الله بها مجرى التاريخ وانتقل الإسلام بها من حالة الدفاع إلى الغزو والفتوحات، ثم معارك حاسمة أخرى في التاريخ الإسلامي ومنها فتح مكة، القادسية، فتح عمورية، فتح الأندلس، معركة الزلاقة، عين جالوت، ومنها كذلك حرب أكتوبر. بما يجعل المؤمن يدرك بأن رمضان هو شهر لنصرة الإسلام وبما يدفعه إلى التأمل في حقيقة ما يقوم به لصالح دينه وأمته.

إن كل هذا التدبير الرباني في شهر واحد جدير بأن يغير حياة المؤمن الصائم لو أدرك معانيه والتقط خيطه الرحيم واتبع سبيله، فاغتم تصفيد الشياطين ليتسلط على نفسه فيعوّدها كره المعاصي وتجنبها، وحب الطاعات والإقبال عليها، مركزا على الهدف الأوحد بأن يخرج من الشهر وقد صار مؤمنا تقيا، مستعينا بتطييب قلبه بقراءة القرآن وتدبره، يعلق قلبه بالمساجد، يأنس بصحبة المؤمنين ويتقوى بهم في التراويح والجماعات، يأنس بالخلاوات مع ربه، وقيام الليل في سربه ومع أهله، يعوّد لسانه على ذكر الله ذكرا كثيرا قائما وقاعدا وعلى جنبه، يسعى لأن يكون لطيفا بأهله مسامحا غيره، مشفقا على الفقراء والمساكين والمحتاجين، يبذل من ماله، معسرا كان أو ميسرا، موقنا بأن ما يقدمه من خيرٍ الله يخلفه، يكثر الدعاء لنفسه وأهله وبلده وأمته، ولفلسطين لعل الفتح والتحرير يكون قريبا إذ لاحت أماراته، ينخرط بما يستطيع في فعل الخير العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة المصلحين في ما يبذلونه.

إن الثبات بعد شهر الصيام، ومواصلة الطريق على النهج الرمضاني العام في سائر الشهور يتحقق لو تحولت الاستقامة إلى عادة، وأكبر الخسران أن يكون الإقبال على الطاعات في رمضان مجرد طفرة طارئة عابرة يدفع إليها الجو العام ويساعد عليها تصفيد الشياطين. فلنسدد المقصد في هذا اليوم الأول من الشهر ولنعزم على تغيير أنفسنا إلى الأبد والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية