المقالات

لا شك أن شهر رمضان هو شهر الاستزادة في الطاعات والعبادات، على نحو ما سنتحدث عنه في السلسلة القصيرة الأولى عن: ” أفضل الطاعات في رمضان” وأهمها الصيام والقيام. غير أن ثمة ما يجعل الإنسان يبلغ درجة الصائم القائم دون صيام ولا قيام، وهي الحالة السويّة التي يكون عليها في سائر أيامه، في شهر رمضان وغير شهر رمضان، وما جاءت الطاعات والعبادات المخصوصة في الشهر الفضيل إلا للتدريب عليها لتكون سمة لازمة فيه ألا وهي حسن الخلق. روت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)).

وكما أن الصيام والقيام يتطلبان مجاهدة النفس وإكراهها حتى يتحولان إلى عادة سلسة تستمر ما تم تعهدها، فكذلك الأخلاق الحسنة تتطلب المجاهدة حتى ترتفع النفس إلى مستوى العلياء فتأنف تلقائيا الانحدار إلى سفسافها، كما تتطلب المحافظةُ على الأخلاق السوية مجاهدةً دائمة من صاحبها لكي لا ينقص رصيدها عند أحوال وأهوال المخالطة.

ولعظمة شأن الأخلاق الحسنة جعلها الله تعالى أعظم ما يثقل الموازين وفق قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق)). فهي لذلك أعلى صورة الكمال الإيماني التي يمكن بلوغها على نحو ما يبينه صاحب الخلق العظيم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في الحديث الصحيح:  ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)).

كما أن آثار حسن الخلق تصيب أصحابها في حياتهم الدنيا بعمارة الأرض وبركة الأعمار وفق ما جاء في الحديث الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم:

(( إنَّهُ مَن أُعْطيَ حظَّهُ مِنَ الرِّفقِ، فقَدْ أُعْطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ، وصلةُ الرَّحمِ، وحُسنُ الخُلُقِ وحُسنُ الجِوارِ، يُعمِّرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعمارِ)). فعلى أساس شيوع الأخلاق الفاضلة تنهض الجماعات والجمعيات والأحزاب والدول والأمم، وكلما انحطّت الأخلاق وشاع سيئها أذنت المجموعات والتنظيمات والحضارات البشرية بالانهيار مهما بلغ شأنها من قبل.

إن #الأخلاق هي الحال الذي يكون عليه الإنسان وتصرفاته  التي تصدر  عنه تلقائيا دون تفكير تجاه الأوضاع النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها. والمصدر الأصلي لمعرفة حسن وقبح الخلق  هو الفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها الإنسان كما جاء في قوله تعالى في سورة الروم:

 

((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)))

 فالإنسان مخلوق على تلك الفطرة ثم يطرأ ما يحرفه عنها وفق قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها)) ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. وكل مخلوق من ولد آدم أودع الله فيه معرفة المنكر من تلقاء نفسه وفق ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ   عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ ، والإِثْمُ ما حاكَ في صدْرِكَ ، وكرِهْتَ أنْ يَطلِعَ عليه الناسُ )). 

وأرزاق الأفراد في الأخلاق مقسمة كأرزاقهم في المعاش، ثمة أخلاق فاضلة يهبها الله لبعض عباده جبلّة وبعضها يكسبها الإنسان بالاجتهاد. فقد جاء في الحديث الصحيح  أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لِأَشَجِّ عبدِ القيسِ: (إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ)، فقال: أخُلُقَينِ تَخلَّقتُ بهِما؟ أم خُلُقينِ جُبِلتُ علَيهِما؟ فقال: (بل خُلقَينِ جُبِلتَ عليهما) فقال: الحمدُ للهِ الَّذي جبَلَني على خُلقَينِ يُحِبُّهما اللهُ [ورسولُه]. ولكن في حديث آخر حسن الإسناد: ((إِنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ ، و إِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ، و مَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ ، و مَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ))   

أما المصدر الثاني لتشكل الأخلاق فهي الأعراف والتقاليد والعادات التي تستقر في المجتمعات، حسنها وقبيحها، وهي التي تؤثر في المصدر الأول المتصل بفطرة الإنسان، بإحياء الحسن ودعمه أو تحريفه وبعث القبيح أو إضعافه إطفائه.

 وأما المصدر الثالث فهو الوحي الذي ينزله الله على الأنبياء ليذكر به عباده ما استقر في أنفسهم من إيمان بالله وأخلاق حسنة ويصلح الانحرافات التي تطرأ على النفوس والمجتمعات. ولذلك اختصر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام رسالته بإنه إنما بعث ليكمل النقص الذي طرأ على مكارم الأخلاق في حياة الناس، أي أن تلك الأخلاق مودعة في نفوس كل البشر مهما كانت الانحرافات الدينية والعقائدية والنفسية والاجتماعية التي طرأت عليهم. 

إننا حينما نتأمل في أحوال البشر وتصرفاتهم نجد أن أكثرهم، أو كلهم يقرّ بقبح القبيح من الأخلاق وإن كان يقترفه، وبحسن الحسن من الأخلاق وإن كان لا يتصف به، وقد أردنا في هذه السلسلة الثانية في شهر رمضان أن نذكر بقرابة عشرين خلقا من مكارم الأخلاق المتعارف عليها بين الأمم والتي جاء ديننا الإسلامي لإعلائها، والتي نسأل الله تعالى أن يجعل صيامنا وقيامنا وسائر عباداتنا في هذا الشهر الكريم فرصة لنا جميعا لتجديدها في أنفسنا وإعلاء شأنها بيننا.

 

د. عبد الرزاق مقري

حضرت البارحة الدورة التربوية الدورية في بلدية درارية فسمعت موعظة عميقة النفع من الشيخ الفاضل والعالم الجليل أحمد بوساق المدني عن تواضع المصطفى عليه الصلاة والسلام وعن عظمة الله وضعف البشر ومصير المتكبرين. بدأ موعظته بقصة مؤثرة عن أمية بن أبي الصلت، وهو أحد زعماء ثقيف من كبار شعراء العرب، كان موحدا على الحنفية، عليما بالكتب السماوية، يسفه الشرك وعبادة الأصنام، تصف أشعاره الجنة والنار كأنه يقرأ من القرآن الكريم قبل نزوله.

غير أنه كان يتطلع أن يكون هو النبي المنتظر فلما بُعث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يؤمن به ومات كافرا، وركز الشيخ بوساق كيف أن هذا الرجل “وعى” ولم “يزك” وفق ما روي في القصة التي روتها أخته الفارعة بعد إسلامها. فلم ينفعه وعيه إذ لم تزك نفسه.

وقد علق الشيخ بوساق طويلا عن هذا النوع من الأشخاص الذين يَعُدّون أنفسهم شيئا عظيما لأسباب لا وزن لها عند الله فلا يبالي بهم الله تعالى ويفنيهم كبرهم. و كيف يحتقر هؤلاء غيرهم ممن هم في ميزان الله أفضل منهم. ثم ذكر حديثا بديعا في هذا الشأن رواه البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ : ” مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ : ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ ) ، فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ ) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ) .

وذهب شيخنا يُفصّل في هذه المعاني الراقية من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم انطلاقا من اعتراض المشركين عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس لأنه لا يليق بالرسالة ولكن لأنه ليس من علية القوم من مكة أو ثقيف وفق قوله تعالى: (( وقالوا لو لا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم))، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذاته، لم يكن يتطلع يوما من الأيام أن يكون نبيا، وإنما فوجيء بالرسالة حتى ارتعدت فرائصه، وحين خيره الله تعالى بعد البعثة بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا نبيا وفق الحديث الصحيح الذي رواه أحمد: (( جلس جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنظر إلى السماءِ فإذا ملَكٌ ينزلُ فقال جبريلُ هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبلَ الساعةِ فلما نزل قال يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا قال جبريلُ تواضعْ لربِّك يا محمدُ قال بل عبدًا رسولًا)).

حدثنا الشيخ بوساق، بتأثر كبير، كيف كان كبّار قريش يستصغرون هذا الرجل الفقير الذي لم تكن له سابقة في ندوتهم ومجالسهم، فأصبح بعد ذلك أعظم خلق الله ويُذكر اسمه مقرونا باسمه في الآذان والصلوات بين دقيقة وأخرى في هذا الكون وأنشأ أمة عظيمة هي خير الأمم مترامية الأطراف في الدنيا كلها.

وفي كلام نافع مليئ بالشواهد التي يحسنها العلماء نصحنا الشيخ بوساق أن لا يكون في قلوبنا شيء أعظم من الله، لأن الله هو الأعظم الأجل الأكبر، وأنه هو الذي يخفض ويرفع، وأن يكون سندنا عاليا أعلى من كل الأشخاص والغايات و الألقاب وأن الذي ينفعنا في الدنيا والآخرة هو تواضعنا لله وعدم تعالينا على الناس وعدم احتقارنا لأي من خلقه، وأن سند الله الوحيد هو تقواه وفق الحديث الذي ذكره في سياق كلامه جزاه الله خيرا: ((قال – صلّى الله عليه وسلم – في فضيلة التقوى – إذا جمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا فأنصتوا إلى اليوم إنما هي أعمالكم ترد عليكم أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم قلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وفلان أغنى من فلان فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ألا أين المتقون فيرفع للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلون الجنة بغير حساب)).

فيا لها من موعظة نافعة ونحن نستعد لشهر رمضان الفضيل حتى يعرف كل منا حقيقة ضعفه وهوانه على الله وافتقاره إليه سبحانه.. فلا يعتدي أحد على أحد ويشغل كل منا نفسه بما ينفعه عند ربه وما يعظّم شأنه عنده سبحانه، فمن كان الله معه – كما ذكر الشيخ بوساق – كان كل شيء معه. وأعظم ما قيل في هذا الشأن بعد كلام الله تعالى قول رسوله في حديث رواه مسلم: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)).

أحببت أن أنقل بعض معاني الدورة التربوية لتعميم الفائدة.

د. عبد الرزاق مقري

ليست الأفراح الظاهرية والحفلات المتكلفة هي المهمة في تصرفات الإنسان حين يكون في حالة الانتقال بين عامين من عمره، كما أن اللامبالاة العاجزة والانعزال الكئيب تجاه توالي الأعوام هو لا شك صفة الإنسان السلبي الذي لا يستفيد من الوقت ولا يؤثر في الحياة.

إن الكياسة في تصرفات الإنسان، وهو يلحظ ساعات الزمن تُجهز على عام يحتضر لتصنع عاما جديدا أن يحصي أعماله وخيباته في العام المنتهي، فيفرح بما أنجزه من خير وبر وما حققه من مصالح لنفسه وأهله وبلده وأمته، ويندم عما أقترفه من معاصي، ويحزن لما ارتكبه من أخطاء ويأسف عما فاته من مكاسب وما ضيعه من فرص.

يحاول أن يقيّم أوضاع بلده، وما زاد فيه وما نقص، على معايير علمية واقعية، بعيدا عن النشرات الرسمية والخطابات الشعبوية، فيهلل لكل صالح جميل، يثمنه وينظر كيف يحفظه ويطوره، ويجزع ويغضب عن كل ما يسيئ للوطن، في حاضره ومستقبله، ويستعد لإنكار ذلك المنكر، بقدر استطاعته، لوجهه تعالى أولا، ثم مروءة ورجولة وغيرة وطنية، ثم حمية ضد ذوي الفساد والجاهلية.

كما يرمي ببصره إلى آفاق الأوضاع الإقليمية والدولية، وكيف هو حال الأمم، نزولا وصعودا، وما هو تأثير الأحداث الكبرى في السنة الحالية على مشهد السنة المقبلة، وما هو حظ بلده وأمته في الهوامش التي يفتحها التدافع الدولي.

ثم يسأل نفسه، هل يمكن لي أن أساهم في تلك التحولات لصالح الحق وضد الباطل، لنصرة الإسلام والمسلمين، ولو بالفهم وبالنية، أو بالموقف أو الفعل المقدور عليه، معتقدا بأن ثمة قضية لا تُعدمُ طريقة لخدمتها، في كل الأحوال، هي القضية الفلسطينية التي تُنصر نصرا عظيما بتراكم الأعمال الصغيرة من دعم بالقول الثابت، وبالمساهمة المالية الدائمة، والمشاركة في المناشط الناصرة، والدعاء والاستنصار بالله لها.

وبعد التقييم، ينظر الإنسان الفعّال، المهتم بتوالي الليل والنهار، وتتالي الأعوام وتعاقب الأزمان إلى السنة التي تولد بعزيمة جديدة صارمة لاستدراك ما فات وتحقيق ما يبغي وما يريد من الأعمال الصالحة ذات النفع الخاص والعام، له ولذويه، ولأبناء بلده، وللمسلمين والناس أجمعين، متوكلا على الله موقنا بعونه، متسلحا بما يملك من خبرات وقدرات، قد أحصى عيوبه ونقاط ضعفه فقرر علاجها وإزالتها، وقد درس محيطه وما فيه مما يضره في نفسه وأهدافه، من عدم اليقين الذي هو ميزة العصر الحديث، وعدم العدل والإنصاف في كل أنواع المنافسة الذي هو صفة الوقت الراهن، وصعوبة الكسب الشخصي وتعقد دروب الإصلاح والتغيير الجماعي الذي هو خصيصة الزمن الراهن، وكثرة المظالم وانتشار الشرور والفساد في كل مناحي الحياة.

غير أن ذلك الإنسان الفاعل قد رأى في نهاية السنة ما لم يره المتشائمون من فرص كبيرة تقابل تلك المخاطر، منها فرص رفع الكفاءة والمهارات في مختلف المجالات، وتطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال وسهولة الوصول إلى المعارف وتعلم اللغات، وتنوع أنماط الرزق الحلال وبروز أشكال جديدة من الاستثمارات، وتطور بديع في بناء المؤسسات وأنماط متجددة لبناء المشاريع والمؤسسات والقيادة والإدارة لا تتحكم فيها قوى الشر والبغي مهما فعلت، متهللا بالوعي المتصاعد للشعوب ضد الظلم والاستبداد، والنماذج العديدة لمصارع الظالمين، وعجز الحكام المتسلطين على ضمان سعادة شعوبهم، وخوفهم الدائم على كراسيهم رغم قوة جبروتهم، مستفيدا من النماذج الناجحة في النضال السياسي والإصلاح الاجتماعي والحكم الرشيد، في بلاد المسلمين وغير المسلمين، منشرح الصدر بتراجع قوى الاستكبار الغربي أمام صعود الأقطاب الدولية والإقليمية، عامر القلب بالفأل الجميل لمستقبل الأمة الإسلامية، الصامدة وحدها في وجه الانحرافات الأخلاقية العالمية المدمرة للفطرة الإنسانية المؤذنة بأفول الحضارة الغربية المادية، وبالظن الحسن بمستقبل زاهر للقضية الفلسطينية أمام الأزمات الرهيبة للاحتلال الصهيوني في داخل مجتمعه وفي المعركة النفسية والديمغرافية والعسكرية في مواجهة قوى المقاومة المنجزة.وبعد النظر والدراسة يتجه ذو العزيمة إلى تغيير حاله و العمل على تغيير محيطه بخطط، تجمع بين الصرامة والمرونة، عبر رسم مشهد مستقبلي لما يريد أن يكون عليه في نهاية السنة الجديدة، على أساس مشاريع عملية وأهداف قابلة للقياس يستميت في تنفيذها، أكثر الأحيان نَشِطا، وتارة أقل نشاطا وبعض الأحيان خاملا، ولكن دون انقطاع عن العمل أبدا وفق القاعدة النبوية: ” أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” فلا يسمح بتوقف السير ولو اضطرته الظروف إلى فتور لا يخرج من الطاعة، أو تريث لا يقتل العمل، على سنة المصطفى في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فمن كانت شِرَّتُه إلى سنَّتي فقد أفلح ، ومن كانت فَتْرَتُه إلى غيرِ ذلك فقد هلكَ)). وأحسن الخطط ما وُزعت أهدافها على محورين كبيرين يتفرعان على فروع أخرى أساسية.

أما المحوران فهما ما يتعلق بالرؤية الشخصية وأهداف التطوير الذاتي، وما يتعلق بالشأن العام وخدمة الغير.يندرج تحت المحور الأول خمسة مجالات أساسية في حياة الإنسان: الروح والعقل والصحة والمهنة والحياة الاجتماعية.

يقتصر أغلب الناس عادة في التخطيط السنوي على المجال المهني والمداخيل المادية، وهو لا شك أمر مهم ومؤثر في مصير الإنسان يتطلب التفكير المستمر والتخطيط المحكم والمبادرة الشجاعة واقتحام الفرص وإتقان العمل ليأتي كل عام بمزيد من التوفيق والربح للجميع، له ولمؤسسته وشركائه وزملائه، وبمزيد من الدخول التي تضمن كرامة العيش للنفس والأهل والإنفاق على الطموح وسبل الخير والمحتاجين للعون.

غير أن الحياة المادية وحدها لا تجلب السعادة، بل قد تكون وبالا على اللاهث وراءها دون توازن مع المتطلبات الأخرى.

إن النجاح الحقيقي هو تطويع النفس لتجنب ما نهى الله عنه والقيام بما أمر به، والفوز المطلق إنما هو الفوز بالجنة ورضوان الله العزيز الحكيم، فمن أعظم النصوص التي ترتبط بوقفة التأمل بين عامين ما يتعلق بالحالة الإيمانية والاستقامة السلوكية، ومن ذلك ما ورد في الحديثين الجليلين الصحيحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك.)) وقوله: ((لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ)).

فلا معنى للانتباه إلى نهاية سنة وإقبال أخرى ما لم يكن فيه محاسبة للنفس على هفواتها وإلزامها التوبة النصوح والعزم على عدم الرجوع إلى ما يفسد الدين ويجلب غضب الديان، ورسم برنامج تطوع النفس للالتزام بالأركان والواجبات على أحسن وجه، وعلى رأسها سلامة القلب وإقامة الصلاة، ثم المسارعة إلى النوافل قدر الإمكان، حتى تصبح الطاعة عادة سلسة في الحياة يأنس بها القلب وتلين لها الجوارح.

ومن أسباب ارتقاء الإنسان وصلاح دينه ودنياه ازدياده في العلم، في ما يتعلق بحسن عبادته وفهمه لدينه وما يتصل باختصاصه ومجال عمله أو وظيفته، ثم ما يتعلق بالمعارف والمهارات التي تساعده في النجاح في ما أهمه في حياته في العمل التطوعي ومختلف دروب البر والخير لخدمة أهله وبلده وأمته، ثم في كل ما يزيده فهما وحكمة وإدراكا لما يحدث حوله حتى تكون أحكامه عادلة، ومواقفه فاعلة، وأعماله محكمة.

ويكون التحصيل العلمي من خلال التعلم المنهجي الأكاديمي الذي لا سن له، ومن خلال المطالعة الدائمة والتعلم المستمر، في كل أطوار العمر بجميع الأشكال المُحصِّلة.

وما يجعل العلم يرسخ في الذهن ويتحول إلى حقيقة ماثلة، تحويله إلى سلوك عملي، ثم دفع زكاته بالتعليم والتدريس والكتابة والتأليف والمحاورة النافعة مع أهل الفكر والعلم.

فمن انتبه في آخر السنة إلى ضياع العمر دون زيادة العلم فليجعل لنفسه برنامجا تعليميا يرفع به مكانته وينمي به قدراته ويتميز به عن الأقران، وصدق الله العظيم إذ يقول: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))، وفي قوله: (( ‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)).

ولا يمكن للإنسان أن يحقق شيئا كثيرا، في الغالب، من النجاح في شؤونه المهنية، أو في حياته الدينية، أو في مدارجه العلمية، ما لم يكن سليم الجسم، خاليا من الأمراض المقعدة أو المعطلة أو المؤذية.

ومن العجائب أن المرء لا يشعر بأهمية الصحة في إنجاز مهامه وتحقيق أمانيه إلا حينما تحيط به الأمراض وتفتك به الأسقام. إنه لم يعد أحد يجهل، بسبب انتشار الثقافة الصحية، كيف يحافظ الإنسان على صحته ويضمن رشاقة جسمه ويطيل أمد قوته، من خلال الرباعية الذهبية المعلومة لدى الجميع، الأكل الصحي الخالي من المواد الضارة والقائم على التوازن الغذائي وعدم الإسراف، والحركة الدائمة للجسم من خلال الرياضة التلقائية المرتبطة بطبيعة العمل ونمط الحياة أو الرياضة المبرمجة وعلى رأسها المشي و العدْو، والتحكم في ضغوطات العمل والقلق والانفعال ومختلف الهزات والأزمات النفسية، مع الوقاية من الأمراض بالفحوصات الدورية واستكشاف الأسقام قبل استفحالها ومعالجتها بجدية واهتمام.

فمن كان مريضا في آخر السنة فليداوي نفسه، ومن كان معافا فليقوي قدراته البدنية وليتحتط لأمراض الخمول ببرنامج يحفظ به صحته على نحو ما ذكرناه يشرع فيه فورا في الأسبوع الأول من السنة الجديدة.

إن الحياة لا معنى لها ولو كان المرء ميسورا في ماله نشيطا في عباداته سليما في جسمه، إن كانت أحواله العائلية مأزومة ووشائجه الإجتماعية ممزقة.

لا يكون قد أدى واجبه ذلك الذي قيّم ما مضى وخطط لما يأتي إن لم يصارح نفسه بخصوص علاقاته بغيره، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( خيركم خيركم لأهله)) وإذ يقول: (( الدين المعاملة)) وفي قوله: (( خير الناس أنفعهم للناس))، والنصوص في ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى يجمعها قول رسول الله في حجة الوداع: (( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))، بل إن الله يغفر يوم القيامة ما بينه وبين العبد ولا يغفر للعبد ما عليه من حقوق للعباد، إلا بالصفح، أو أن يأخذوها منه في الدنيا أو يوم الحساب.

فلا يكون الإنسان قد عبَر بين عامين بسلام ما لم ينظر إلى حاله مع والديه وزوجته وأولاده وأرحامه وجيرانه وأصحابه ورفاقه، وكل من لهم عليه حق بنص شرعي أو عقد أو ميثاق، فيعالج على الفور ما يمكن معالجته ويخطط لإصلاح ما بينه وبين غيره بعزم وصدق حتى تكون بيئته الاجتماعية سليمة مستقرة هانئة نامية نافعة له ولغيره.

أما المحور الثاني المتعلق بدور الإنسان في الشأن العام وخدمة الغير فهي تبدأ بمراجعة الغايات الكبرى التي يعيش لأجلها، وما هي مكانة بلده وأمته في قلبه وفي حياته، وهل هو كائن يعيش لنفسه، لا يهمه ما يحدث حوله، غير واع بتأثير التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاقليمية والدولية على مستقبله ومستقبل أهله وأولاده.

فإن شعر بهذا التقصير المشين وهو يغادر السنة المنصرمة فليفزع إلى خطة جديدة للسنة المقبلة يعبد بها ربه بفعل الخير ونصرة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق قوله تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون)).

يؤطر فعل الخير في الشأن العام مساران متلازمان، أولهما الاهتمام بالشأن السياسي، فلا إصلاح لشؤون الناس دون صلاح السياسة وإقبال المصلحين عليها، وإنما يسعى المستبدون لإفساد السياسة وتشويه الساسة وغلق مجال الفعل السياسي ونشر اليأس في الحياة السياسية من أجل بقائهم على كراسيهم أبد الآبدين فلا ينشأ بين الناس بديل سياسي يهدد عروشهم، وأكبر حالة وعي تحدث للإنسان في بداية السنة الجديدة أن يتصالح مع السياسة على أصولها الحقة، القائمة على الصدق والرؤى السليمة والنضال والاستعداد للتضحية، البعيدة عن الفساد والظلم والانتهازية والزبونية، فينخرط في حزب قائم على تلك الأصول، أو يسنده من بعيد، أو يؤسس حزبا أو يجد لنفسه طريقة فاعلة يضمن بها موازين قوة سياسية لصالح الحق والعدل والفضيلة، ضد الفساد والفشل والاستبداد.

وعلاوة على العمل الحزبي السياسي فإن في مسارات المجتمع المدني الفسيح ما يتيح الفرصة لتحقيق الإصلاح الاجتماعي العميق وتأهيل المورد البشري الضروري للقومة والنهضة، والتطوير الاقتصادي والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي وبناء الحواضن الاجتماعية الداعمة للنهوض الحضاري والرأي العام الراسخ الضامن لديمومة انتصار الحق المبين.

قد يظهر للقارئ أن هذه الرؤية الانتقالية بين عامين صعبة وشاقة، وهي في الحقيقة ليست كذلك حين يُتحكم في الأوقات الضائعة والانشغالات التافهة، سيجد الإنسان بإتقان التخطيط والإصرار على التطوير وقتا فسيحا يعطي فيه لكل حق حقه، وتبقى له ساعات وأسابيع للمرح والمتعة والفسحة، وتكون السعادة أكثر عند تقدم العمر العامر بالإنجاز، وتكون الجائزة الكبرى والسرور الدائم في الجنات العليّة المخصصة لأصحاب الهمم العليا. والله ولي التوفيق.

 

د. عبد الرزاق مقري

هذه رسالة وجهتها لرؤساء وملوك العالم العربي قبل انعقاد اجتماع الجامعة

الأسبوع الماضي في الجزائر أحببت أن أنشرها للرأي العام..

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السادة رؤساء وملوك الدول العربية الشقيقة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أهلا وسهلا بكم في بلدكم الجزائر، متمنيا لكم إقامة طيبة في بلد الشهداء بمناسبة ذكرى الفاتح من شهر نوفمبر شهر الجهاد والبطولات، سائلا الله تعالى أن تكلل أعمالكم في الدورة 31  للجامعة العربية بالنجاح بما يخدم بلداننا جميعا ويحقق مصالح شعوبنا.

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

يعيش العالم اليوم أحداثا كبرى على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعسكرية والأمنية تنبئ بأنه ستقع تحولات كبرى تغير وجه المعمورة، وبالرغم من الكوارث الكبرى التي تسببت فيها المنظومة الدولية الراهنة ضد الإنسان والطبيعة فإن ثمة هوامش تتاح بإمكانها أن تساهم في بروز عالم جديد متعدد الأقطاب أرحم بالعباد وبالكرة الأرضية التي نعيش فيها. وبالرغم من أن الإمكانات الكبرى الجغرافية والسكانية وعلى مستوى الموارد الكبرى التي تتمع بها الأمة العربية لم تستطع احتلال مكانة مرموقة مركزية بين الأمم تؤهلها لتكون قطبا من الأقطاب المشكلة لعالم الغد.

ورغم مؤاخذاتنا الكبيرة على أداء الجامعة العربية التي باتت تمثل رمزا من رموز خيبات الأمل التي تعيشها شعوبنا في العالم العربي فإننا في حركة مجتمع السلم نتمسك بها كإطار جامع للأوطان العربية وفرصة جاهزة لتصحيح الأداء وتحقيق الطموحات والأهداف التي تنص عليها مواثيقها لصالح الدول والشعوب.

وإنه لشرف لنا أن نستقبل أشقاءنا العرب في بلادنا، والشرف مضاعف أن يكون الاستقبال بمناسبة الفاتح من شهر نوفمبر ، ذكرى الثورة التحريرية المجيدة، التي حظيت بدعم كبير من  إخواننا في العالم العربي، ونصرة مشهودة  للمجاهدين  الجزائريين حتى تحقق لنا النصر على الاستعمار الفرنسي البغيض، وإننا لنتمنى التوفيق الكامل للدورة وأن تتوج بالنجاح البيّن،  وأن تكون دورة حاسمة في بعث حيوية هذا المجمع القومي المهم وتطويره، كما نشكر السلطات الجزائرية على المجهودات الكبيرة التي بذلتها وتبذلها في جمع البيت العربي واستضافة الاجتماع في الجزائر والتمهيد له بإنجاز مهم يتعلق بالمصالحة الفلسطينية.

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

إن العالم العربي يحتل قلب العالم، وهو همزة الوصل بين كل القارات، وبه ممرات بحرية وبرية وجوية ومضايق وقنوات وموانئ  لا غنى عنها في حركة النقل لكل الشعوب،  ويصل تعداد سكانه 423 مليون نسمة، وله موارد بشرية وطبيعية ومقدرات سياحية وفلاحية وصناعية وثقافية وحيوانية ضخمة ومتكاملة تتجاوز مجتمعة مقدرات أغلب الأمم القوية في العالم.

غير أن الفاعلية في التسيير والفساد المستشري منع الدول العربية من الصعود كما هو حال دول أخرى صعدت هي أقل منها من حيث الإمكانيات والفرص، وبقيت دولنا للأسف الشديد  تعيش أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية متعددة، يغرق كثير من شعوبها في صعوبة المعيشة والأمية والأزمات الغذائية والصحية والتعليمية والإسكانية وغيرها.   .

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

إننا نود أن يكون اجتماعكم اليوم وثبة حقيقية للإقلاع وإن ذلك ضروري وممكن إذا انطلق العمل المشترك على رؤية جديدة وعمل جاد ودؤوب وفق ما ننصح به على النحو التالي:

أولا – يمكن بدأ الإصلاحات بتطوير المنظومة الفكرية والهيكلية للجامعة نفسها بما يجعلها أكثر تمثيلا للشعوب وأكثر مرونة في معالجة المشكلات وأسرع في اتخاذ القرارات وأوسع مدى في مشاركة الأطراف وأكثر إنصافا في تحمل المسؤوليات، على أن تكون الرؤية العامة المستقبلية هو تحقيق الوحدة العربية ضمن النظريات الوظيفية والتكاملية في العلاقات الدولية.

ثانيا – ومن أبرز  مقاصد هذه النظريات  هو تشجيع تبادل المنافع البسيطة وتفضيل الاستثمار العربي مرورا بالسوق المشتركة لاحقا وفتح الحدود،  وصولا  إلى العملة الموحدة ثم إنجاز الوحدة التي تُحفظ فيها سيادة كل دولة في إطار الموقف الخارجي الموحد والدفاع المشترك والمؤسسات البرلمانية العربية المنتخبة انتخابا مباشرا،  والمؤسسات التنفيذية المركزية العربية.

– ثالثا – إن ضمان تطور أداء الجامعة العربية والسير قُدما نحو إنجاز حلم الوحدة العربية هو صيانة السيادة العربية في المؤسسات الرسمية والشعبية  وتجنب التبعية للقوى الأجنبية ونبذ وتجريم الاستعانة بالأجنبي ضد الأشقاء، وعدم تدخل الأشقاء العرب في شؤون بعضهم بعضا لإلغاء الإرادة الشعبية، أو إضعاف وإرباك الحكومات أو استغلال الخيرات خارج إطار الاتفاقيات الشفافة والعادلة.  ثم التوجه معا إلى العالم خصوصا نحو عالمنا الإسلامي الفسيح وأشقائنا في الدين الذين يحقق محورنا المشترك معهم أقوى المحاور في العالم للأسباب الحضارية والسكانية والجغرافية والطبيعية التي يزخر بها، والتوجه معا نحو إفريقيا – بدل التنافس والتصارع في أرجائها – هذه القارة الكنز  التي تتنافس عليها اليوم الأمم ونحن الأقرب إليها تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا ومن حيث المصالح.

رابعا – إن تحقيق هذا الحلم لا يمكن أن يتم دون حل الخلافات البينية والجماعية وتحريم المقاطعة وقطع العلاقات وغلق الحدود مهما كان حجم المشاكل، والسعي الحثيث والصادق والدائم لفك النزاعات بالحوار والوساطات العربية، وفي حالة استعصاء أي مشكلة يتم تجاوزها وعدم إلغاء كل أوجه التعاون الأخرى بسببها، واستعمال الوسائل العصرية لمتابعة حل تلك المشكلات المستعصية، والاستفادة من أبعادنا الروحية التي تحث على إصلاح ذات البين والأخوة الإسلامية.

خامسا – ولا يمكن تصور قيام وحدة عربية دون الموقف الموحد من القضية الفلسطينية والوقوف المشترك ضد الاحتلال الصهيوني وتجريم التطبيع ودعم المقاومة  وعدم الضغط على الفلسطينيين بغرض توريطهم مرة أخرى في المسار التفاوضي العقيم والتسويات المهلكة لأرضهم وشعبهم وللمقدسات وحق العودة،  فلا مستقبل لدولة الكيان الصهيوني؟  والقضية الرابحة مستقبلا هي قضيتنا المركزية وهي القضية الجامعة لكل الشعوب العربية والإسلامية.

سادسا  – ومما يجعل الروح تسري في الجامعة العربية فيُقرب الأشقاء لبعضهم بعضا هو إعلاء البعد الحضاري الإسلامي المشترك، فحضارتنا حضارة عالمية علمت الغرب ونقلت لحضارتهم علوم وحكمة الأمم السابقة، فكيف لا تكون لنا ملهمة للنهوض من جديد لا سيما وأن كل الحضارات تتنافس في إظهار تميزها الحضاري ولا تقبل غريبا عنها يكون في بلدانها إذا أراد المحافظة على انتمائه  – كما هي بالخصوص الحضارية الغربية –

لا شك أننا سننفع أنفسنا بديننا الإسلامي القويم لما يتضمنه من أبعاد روحية مهذِّبة وقيم إنسانية هادية وأفكار تجديدية لا تزال رائدة في مختلف المجالات الاقتصادية والقانونية والسياسية وغيرها. ويمكننا أن نفيد البشرية بحضارتنا التي تحفز على التعارف والتعايش بين الشعوب والقبائل وتنهى عن الظلم والعدوان مطلقا.

سابعا –  كما أن في تنوعنا الطبيعي والثقافي وفي طبيعة الموارد البشرية في العالم العربي الفسيح ثروة عظيمة يمكنها أن تجعل في التبادل السياحي والأدبي والفني والعلمي  والرياضي بهجة للشعوب تحبب أوطاننا العربية لنا وتشدد أواصر  الأخوة بيننا وترفع من أداء أبطالنا ومبدعينا وعلمائنا ومؤسساتنا المدنية ذات الاختصاص، لنذهب بعد ذلك معا للالتقاء الإنساني في مختلف المجالات متعاونين متآزرين وبما يجعل بلداننا قبلة سياحية واسعة متكاملة  للتمتع بخصائصها الطبيعية الخلابة،  والاستفادة الحضارية البديعة من حكمتها وعراقتها، والتبادل الاقتصادي الثقافي النافع للجميع.

وفي الأخير تقبلوا مني، السادة رؤساء وملوك الدول العربية أسمى عبارات الترحيب والتقدير .

 

د. عبد الرزاق مقري

رئيس حركة مجتمع السلم – الجزائر –

الجزائر يوم 30 أكتوبر 2022م

الموافق ل: 04 ربيع الآخر 1444هـ

إنه المجاهد والمناضل الفذ اللموشي الشاوي التبسي الحر الذي لم يغير ولم يبدل حتى توفاه الله وهو سن 92 عاما رحمه الله رحمة واسعة، إنه أحد أستاذتنا الكبار الذين ساهموا في وعينا الوطني وفهمنا لطبيعة الصراع الحضاري القائم في بلدنا.

لقد كان ثمرة من ثمار النهضة الجزائرية الباديسية حيث تخرج من معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة 1956، وكان ثوريا بتلك الروح التلقائية التي صاحبته طيلة حياته فالتحق بالثورة التحريرية منذ البداية وكان من طلائع جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها وأمينها الدائم في القاهرة أثناء الكفاح المسلح.

لم يقبل أن يبقى شيءٌ يربطه بالإدارة الاستعمارية بعد المجازر الهمجية الاستعمارية في 8 ماي 1945 فهجر المدرسة الفرنسية. ولحبه للغة القرآن منذ شبابه أخذ الإجازة في الآداب من جامعة القاهرة أثناء الثورة والماجستير عام 1979 في دمشق والدكتوراه من جامعة الجزائر عام 1986.

اشتغل رحمه الله في السلك الدبلوماسي لسنوات طويلة فاشتهر مقامَه في بلدين عربيين مهمين معروفين بدعمهما الكبير للثورة التحريرية هما العراق وسوريا فدوّن في كتابين ولع نخبها بالكفاح الجزائري في 255 قصيدة من العراق أبدع رسمها 107 شاعر وشاعرة عن بطولات وتضحيات أشقائهم الجزائريين، و199 قصيدة من سوريا خلد فيها 64 شاعرا وشاعرة روعة وأمجاد ملحمتنا النوفمبرية العظيمة.

وبعد خروجه من المهام الرسمية واصل كفاحه داخل حزب جبهة التحرير الوطني وفي المجلس الشعبي الواطني فكان عضوا في لجنة التعريب الرسمية مع عدد من الرجال الكبار الذين ندين لهم بالوجهة الإسلامية العربية التي أخذتها الجزائر على مستوى المنظومة التربوية وقانون الأسرة وتعريب التعليم، رغم النقائص الكبيرة في هذه المسارات التي تسببت ولا تزال تتسبب فيها القوى الموالية للاستعمار.

وكم هي كبيرة وتاريخية تلك اللحظة التي حكى لي عنها أحد هؤلاء الأبطال حينما أنهوا ملف التعريب ولم يبق إلا أن يُعرض لاعتماده رسميا فنزل عليهم ضباط ببذلاتهم العسكرية ( يعرفهم جيلنا باسم “ضباط فرنسا”) لمنع عرض الملف حتى أدّت المواجهة إلى التشابك بالأيدي، وكان عثمان سعدي أحد الحاضرين في المشادة التاريخية.

لقد أهله مستواه العلمي لأن يكون دفاعه عن الثوابت الوطنية على أساس أكاديمي، مما زاد في مصداقية آرائه وجعل كتبه مراجع مهمة يعتمد عليها الباحثون، ويستند عليها المناضلون أمثاله من أجل أصالة هذا الوطن ومكانة اللغة العربية فيه، ومن تلك الكتب “قضية التعريب في الجزائر: قضية شعب ضد الهيمنة الفرنكوفونية” – 1990، “معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية” – 2007، تحقيق كتاب الشيخ البشير الإبراهيمي “التراث الشعبي والشعر الملحون” – 2010، بالإضافة إلى عدد من كتب القصص والشعر والتاريخ.

بعدما خرج عثمان سعدي من مواقع المسؤولية الرسمية واصل نضاله في المجتمع، من خلال الكتاب والمقالة والمحاضرة وحضور المؤتمرات والندوات التي تنظمها الأحزاب والمنظمات المؤمنة بما يؤمن به بشأن الثوابت الوطنية، وكان من أفضل ضيوفنا في فعالياتنا الثقافية والسياسية في حركة مجتمع السلم، وكانت جمعية الدفاع عن اللغة العربية التي أسسها وترأسها هي التي اشتهر بها في ساحات الدفاع عن اللغة العربية.

لقد كان عثمان سعدي من البربر الأقحاح ولكنه آمن بأن اللغة العربية واللغة البربرية شقيقتان تنتميان إلى وعاء لساني واحد وحضارة واحدة، تماما كما كان يعتقد شيخه عبد الحميد بن باديس الصنهاحي الأمازيغي صاحب مقولة “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب” والأبطال الذي فجروا الثورة، عربيهم وأمازيغيهم، بعد أن حددوا الهدف بأن الدولة التي يقاتل الجزائريون من أجلها في سبيل الله جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، وأن الوحدة الإقليمية المنشودة هي “وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.

لقد كانت خيبة أمل عثمان سعدي كبيرة حين أدرك حجم الاختراق الاستعماري المتصاعد في أجهزة النظام السياسي وبعض هياكله الحزبية والجماهيرية، فصار معارضا صلبا لكل سياسات التفريط الرسمية في حق اللغة العربية ومنها تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية وتحدّث مسؤولين كبار بلغة المستعمر في المناسبات الرسمية ومع شعبهم، وغير ذلك من السياسات الممنهجة لدى اللوبيات الاستعمارية داخل الدولة وفي المجتمع لاستمرار الوصاية الفرنسية على الجزائر. وقد ناله رحمه الله كثيرا من التضييق والملاحقة من هؤلاء الذين استغلوا الفتن التي أصابت الجزائر لصالحهم إذ صار لهم نفوذ تجبروا به على كثير من الوطنيين الصادقين من مختلف التيارات.

وفقنا الله لحضور الصلاة عليه في مسجد حمزة بدالي ابراهيم ثم مرافقته إلى مثواه الأخير في مربع الشهداء في مقبرة العالية فرأينا نهاية جيل كامل من أمثاله سبقوه إلى رحمة الله فلم نلحظ إلا عددا قليلا ممن بقي منهم، ولم نر حضورا كبيرا للجيل الجديد الذي لم تعمل الجهات الرسمية ووسائل إعلامها على التعريف به وفتح المجال له في الفترات الأخيرة من عمره رحمه الله رحمة واسعة، ولكنه هو اليوم عند العادل الرحمن الرحيم، فأسأل الله تعالى أن يتقبل جهده وجهاده وكفاحه ونضاله وأن يجعل كل ما بذله حسنات جارية له، أما الإسلام والعربية فإنهما محفوظان بحفظ الله تعالى القائل (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) ومما يثلج الصدور بروز أجيال شبابية جديدة متمسكة بأصولها وثوابت وطنها في كل أنحاء البلاد من العرب والأمازيغ ولله الحمد والمنة.

كان عثمان سعدي رحمه يستعمل كلمة “البربر”، وهي الكلمة التي كنا نتستعملها جميعا إلى غاية نهاية الثمانينيات قبل أن تتغير وتصبح كلمة أمازيغ هي المعتمدة رسميا ثم شعبيا. ولكن كلمة ” البربر” هي الأكثر رسوخا في كتب التاريخ. احتراما لذكراه، والتزاما بالسنة بأن يدعى المرء بأحب الأسماء إليه ثبّتنا ما كان ينسب نفسه إليه، فشكرا لمن نبهنا.

 

د. عبد الرزاق مقري          

رئيس حركة مجتمع السلم

أكرر مرة أخرى فأقول إن النظام الجزائري لا يؤمن ولم يؤمن يوما بالأحزاب، منذ أن فُرضت عليه التعددية بعد أحداث أكتوبر وهو يتحايل عليها، وأراه اليوم كأنه يريد فرض الرؤية الحزبية الصينية، بالوصول إلى حزب واحد، ليس بالقرار ولكن بالأمر الواقع.

من استطاع أن يُدمِج من الأحزاب يدمجها ويفقدها سيادة مؤسساتها مقابل جاه زائف وفتات لقادتها، ونصبح أمام حزب واحد في الواقع وإن تعددت أسماء الأحزاب، ومن لم يستطع إدماجه يستمر في المحاولة دون هوادة لِمَا يملكه من قوة جبّارة، ولِمَا يتوفر في الساحة من نفوس في الأحزاب جاهزة لذلك. فإن يئس بعد طول المحاولة أو تجاوز قادة الحزب الرافض للإدماج السقف المسموح به، يعمل على تهميشمهم وتقزيمهم مهما كان لهم من فضل على البلد، ومهما كانت مكانتهم، كما فعل مع الأستاذ عبد الحميد مهري والشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله في آخر مشوارهما السياسي.

غير أنه مهما حاول فرض منطق الحزب الواحد في الجزائر الحالية لن ينجح، فمن ناحية قد أصبحت التعددية متأصلة في بلادنا، و بات التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي خارج منظومة الحكم هو الأمر الواقع الذي لا يمكن استئصاله، ومن ناحية أخرى لا توجد أية مقارنة بين الحالتين الصينية والجزائرية سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

إن الحزب الشيوعي الصيني يقوم على تدافعات وتحالفات مدنية، تضمن الرقابة والتنافس الحقيقي داخل الحزب الواحد، وينص القانون الصيني صراحة على قيادة الحزب للقوات المسلحة الصينية، والجيش يلتزم بمنطق السيطرة المدنية المطلقة للحزب الشيوعي على الجيش وفق مبدأ “الحزب يقود البندقية” الذي أطلقه ماو تسي تونغ. أما في الجزائر فالحزب ثم الأحزاب مجرد أجهزة وواجهات لا علاقة لها بشؤون الدولة على الإطلاق، وحتى حينما “تنجح” في الانتخابات لا تحكم، ومنذ الاستقلال بقي الجيش هو الذي يختار الرئيس، والضباط السامون هم الذين يُسخّرون إمكانيات الدولة للفصل في الانتخابات لكي يمر مرشحهم في الانتخابات ثم يتركون له هوامش في تسيير الدولة، فإن اختلف الرئيس مع هؤلاء الضباط الذين أوصلوه للحكم فالجيش هو الذي يحسم الخلاف لصالح البذلة الخضراء.

هكذا وقع بين بن بلة وبومدين، وهكذا وقع بين الشادلي والذين اختاروه في البداية وأقالوه في النهاية، وهكذا وقع بين زروال وعصبة زملائه الضباط لما اختلف معهم، وهكذا وقع مع محمد بوضياف، وهكذا وقع مع بوتفليقة الذي جاء باتفاق مع ضباط المؤسسة وحاول الاستمرار في العهدة الخامسة تحت صغط ضباط آخرين، ثم غادر تحت ضغط هؤلآء الآخِرين بسبب الحراك الشعبي.

وعلاوة على كل ذلك، النظام الصيني نجح في التجديد ونجح في تحقيق الثروة، ونجح ليجعل الدولة قوة عظمى، فأي نجاح يُسَوِّقه النظام السياسي لكي يقبل الناسُ أن يكونوا تحت رِدائه فيدمجهم في منظومة سياسية واحدة. لو حقق النظام السياسي ما يُرضي المواطنين في احتياجاتهم المعيشية الاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى ما يتطلعون إليه من حرية وكرامة لصار احتمال ابتلاع الأحزاب ومناضليها وحواضنها الاجتماعية والشعب الجزائري كله واردا. إن الناس يغلبهم الإنجاز وما يحصل لهم من رضا حين تتحقق مصالحهم، أما الإكراه فلن يحقق شيئا مفيدا.

لقد حدد الله تعالى الاحتياجات الأساسيات في سورة قريش فجعل نعمتي القوت والأمن من أعظم النعم التي يشكر الناسُ عليها ربَّهم، ثم فصّل العلماء المسلمون تلك الاحتياجات وفق مقاصد الشريعة الخمسة، حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال، ثم زاد العلماء المتأخرون مقصد الحرية وكرامة الإنسان بالاستناد إلى ما ورد من نصوص صارمة في الكتاب والسنة عن ذلك، وقد فصلنا في برنامجنا الحلم الجزائري كل ذلك في فصل “هرم الاحتياجات”. فالنظام السياسي الذي يستطيع كسب الدعم الحقيقي من الشعب هو الذي يوفر الاحتياجات ويحقق مقاصد الحكم.

يمكننا أن نستند في محاسبة السلطة الجزائرية على مدى توفير البيئة التي تضمن احتياجات المواطنين إلى أي سلم من سلالم الاحتياجات التي وضعها العلماء المعاصرون، ومنها “هرم ماسلو” الأكثر شهرة.

يحدد ماسلو مراتب الاحتياجات فيبدأها بالاحتياحات الفيزيولوجية التي تتعلق بالغذاء والتنفس والماء والنوم والإخراج والجماع، واحتياجات الأمان التي تتعلق بالسلامة الجسدية وأمن الأموال والموارد والأمان الأسري والصحي والوظيفي، والاحتياجات الاجتماعية التي تتعلق بالعلاقات الأسرية والاجتماعية والتعلم والصداقة والمحبة، والحاجة للتقدير ومنها المكانة والهيبة والثقة والشعور بالإنجاز والاحترام المتبادل، وتحقيق الذات ومنها تحقيق الإنجازات والتطور والإبداع.

لو نفصل في مدى توفر أوغياب حاجات الناس على أساس مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية التي بنينا عليها “هرم الاحتياجات” في برنامجنا لاستطعنا أن نحدد مسؤولية الدولة على الوضع القائم بشمول ودقة، ولكن نترك ذلك حاليا لصعوبة الاتفاق على قاعدة التقييم، ونكتفي بالنظر إلى أداء السلطة الحاكمة على أساس “هرم ماسلو”، فلو حاسبنا النظام السياسي وفق هذا الهرم بدء بالاحتياجات الأدنى الأكثر ضرورة لجميع الناس، إلى أعلاها المتعلقة بالإبداع والتطوير، الذي يحققه السكان لأنفسهم حين تتوفر لهم البيئة الصالحة لذلك، سنجد أن المشكل في بلدنا يبدأ من الأسفل، على مستوى الاحتياجات الأساسية الأكثر إلحاحا، فالعدد الكبير من الجزائريين لا همّ له سوى الكفاح من أجل القوت بسبب غلاء المعيشة والبطالة والندرة، وكثير منهم ينتظرون لسنوات الطويلة لكي يحصل الواحد منهم على مسكن، يحقق فيه حاجته للزواج والاستقرار، وقد لا يحصل على السكن أبدا فيعيش في مراقد لا إنسانية أو يُذهب نصف مرتبه أو أكثر في الكراء، ولو ندقق ونفصل في أغلب ما ذكرناه عن هرم ماسلو سنجد نقائص بعضها نقائص خطيرة، كما هي الحاجة للأمن النفسي والعقلي والجسدي لما نراه من انتشار للمخدرات والمهلوسات، لا أقول في كل مدينة، بل في كل حي من الأحياء، حتى صارت مصدر استرزاق أساسي تتورط فيه شبكات إجرام لها امتداداتها داخل القضاء والأجهزة الأمنية، تدمر ملايين الجزائريين وأعدادا هائلة من العائلات والأسر وتتسبب في جرائم لا حصر لها. ولئن تم القضاء على الإرهاب في الحزائر بحمد الله فقد خلفه خوف آخر لا يقل فداحة وهو انتشار الجريمة بكل أشكالها في كل أنحاء الوطن.

و أما الحديث عن المراتب الأعلى في هرم ماسلو المتعلقة بالتقدير وتحقيق الذات فإن دور الدولة يكاد يكون غائبا في صناعة المبدعين، ولذلك عددهم قليل في بلادنا. لا شك أن الدولة الجزائرية حققت إنجازا مهما في تعميم التعليم، ولكنها لم تفعل شيئا ذا بال لصناعة المتميزين بسبب اختلال المنظومة التربوية وانتشار الفساد بكل أنواعه في إدارتها وكوادرها التعليمية، وانتهى بنا المطاف بسبب ضعف التعليم الرسمي أن التلاميذ والطلبة صاروا يهجرون أقسامهم من أجل دروس الدعم خارج المدارس.

إنه فعلا لا توجد منظومة ولا بيئة لصناعة المتميزين والمبدعين، ومن وصل من الجزائريين إلى مستوى تحقيق الذات بمواهبه وإصراره الشخصي فإنه يكون قد فعل ذلك في مواجهة تحديات ومصاعب وعراقيل لا حد لها، والعديد منهم يواصلون تحقيق طموحاتهم بالهجرة إلى بلدان أخرى تستأثر بما يحققونه لها من إنجازات.

أين نحن من الصين؟ بل أين نحن من بلدان مسلمة مثلنا؟ أين نحن من تركيا ومن ماليزيا ومن أندونيسيا مثلا؟ إن النظام السياسي لن يستطيع فرض إرادته على الجميع فيحشر الكل في حزب واحد فعليا ولو تعددت أحزابهم شكليا ، سيبقى ينمو من مَدد الانتهازيين والطفيليين فحسب، وهؤلاء سيكونون هم حتفه في الأخير.

إن نظاما لم يستطع حل مشكل المعيشة لعموم الجزائريين رغم الإمكانيات الجبارة التي توفرت لديه لا يستطيع أن يفرض أي رؤية سياسية على شعبه.

ولعدم ثقتهم في أنفسهم أخذ المسؤولون الحاليون يبالغون في التضييق على مجال الحريات حتى تجاوزوا كل من سبقهم في ذلك، بل أصبح الناس يقولون يا ليتنا نعود إلى زمن ما قبل الحراك الشعبي.

لم تعرف الساحة الإعلامية تحكما كالذي نراه إلا ما كان في زمن الحزب الواحد، فالتلفزيون الجزائري طغت عليه تغطية الأنشطة الرسمية، وصورة مختلف المؤسسات الرسمية في الإعلام العمومي في وضع يصلح أن يكون بحثا أكاديميا عن حالات سيطرة الدولة على المجتمع، كل البرامج تدور حول رأي واحد هو الرأي الرسمي. ثم تأتي الفضائيات كلها كأنها تفريعات للتلفزيون العمومي، وكأنه يحكمها مدير واحد ورئيس تحرير واحد.

وبسبب التفنن في وسائل التحكم في المؤسسات الإعلامية “الخاصة” أصبح مسؤولوها يراقبون أنفسهم بأنفسهم، وبدون أوامر من الجهات التي تراقبهم، يحاولون أن يتوقعوا رد فعل السلطات الحاكمة من أي خبر يذيعونه، أو ضيف يدعونه، أو برنامج يبثونه، إلى درجة المبالغة في التضييق على مجال حريتهم بما لم يُفرَض عليهم، ومن حاول منهم التحرر ولو نسبيا من مرض الرقابة الذاتية، تأتيه حادثة ترجعه إلى حالة الرُهاب من غضب السلطات، كحادثة ذلك الصحفي المسكين الذي نقل خبرَ إرجاع دول أوربية للتمور الجزائرية فأدخِل السجن بالرغم من أن الخبر منشور في مواقع وزارات فرنسا التي لا يتوقف الذين سجنوا الصحفي عن بسط البساط الأحمر لمسؤوليها الكبار والصغار .

وفي محاولة يائسة غير مثمرة يحاول المسؤولون عن المؤسسات الإعلامية توفير بدائل لزعماء الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية ذات الرصيد الطويل والكبير بإبراز وجوه جديدة مندمجة في المنظومة الأحادية، تتحدث في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية الحقيقية كما يشتهي الحكام المتحكمون، والغريب في الأمر أن مؤسسات إعلامية معربة ومفرنسة حملت لواء “الاستقلالية” والدفاع عن الحريات والديموقراطية لسنوات دخلت الصف وصارت جرائدها ومواقعها الالكترونية نسخا طبق الأصل لجرائد الرداءة والتزلف، بل أصبحوا يتقربون إلى الحاكم بالتحريش ضد العدد القليل من السياسيين والإعلاميين والناشطين الذين رفضوا الاندماج وبقوا ثابتين على قناعتهم بأنه لا مستقبل للجزائر دون ضمان الحقوق والحريات والديموقراطية.

أما بالنسبة لسياسة التعامل مع المجتمع المدني فلم يعرف هذا المجال حالة انحراف كما هو الحال في هذه المرحلة، سواء من حيث الاستراتيجية العامة في ما تريده السلطة من المجتمع المدني، أو على المستوى الجزئي الذي يتعلق بحقوق الإنسان الجزائري في التنظيم وخدمة طموحاته.

أما الناحية الاستراتيجية العامة التي تسير عليها السلطة فهي محاولة خلق بدائل للأحزاب القائمة وتشكيل حاضنة اجتماعية مرتبطة بها تزاحم الأحزاب في اختصاصاتها وتأهيل طبقة قيادية زبونية جديدة، وكل ذلك عن طريق تشكيل شبكة جمعيات موالية للنظام الحاكم ورجاله، وتسخير كل الوسائل الإدارية والأمنية والإعلامية والمالية للدولة، مع تشكيل هيئات جديدة تجمعت فيها كتل انتهازية رهيبة وخطيرة على الدولة قبل المجتمع لن يكون لها من هم في مجالسها إلا المنح المالية والامتيازات المادية، وإن لم تعط هي نفسها ستعطل تلك المجالس، مما يجعل النظام السياسي يضطر لمسايرتها حتى يحفظ زبائنه الطفيليين. وفي نفس الوقت، على المستوى الجزئي، التضييق الشديد في النشاط الجمعوي على المناضلين السياسيين المستقلين أو الذين ينتمون أو يُشك في انتمائهم لأحزاب سياسية، الذين يعتمد عملهم على القناعة والتطوع، خصوصا إذا كانت هذه الأحزاب أو تلك الشخصيات المستقلة معارضة للمنظومة القائمة.

وما نقوله هنا لدينا عليه أمثلة لا حصر لها على محاولات نشطاء تأسيس جمعيات باءت بالفشل، تم التعامل معهم خارج القانون من قبل مصالح وزارة الداخلية المختصة، حيث ترفض هذه الأخيرة استقبالهم، وإذا استقبلتهم بعد شهور من الإصرار على دفع ملف الاعتماد ترفض منحهم وصل الاستلام الذي يحفظ حقوقهم التي تنص عليها القوانين، وحين يودعون الملف ينتظرون، أحيانا سنوات، وإذا تم اعتمادهم، تتكرر المعاناة عند كل تجديد لهياكل الجمعية وفق ما تنص عليه القوانين. وبطبيعة الحال لا يعاني من هذا التضييق المحظوظون الموالون للحاكم أو من لهم صلات أيديولوجية أو مصلحة نافذة داخل الدولة.

حينما نرى هذه الممارسات اللاحضارية التي تنبئ عن تخلف فضيع لدى المسؤولين على هذا القطاع الاستراتيجي المهم لنهضة الأمم يزيد تقززنا واشمئزازها عندما نسمع ادعاءات المسؤولين عن المكاسب الدستورية والقانونية في مجال الحريات.

لو كان ثمة صدق في التشريع ولم يكن الحكام يتلاعبون بالنصوص من أجل تزيين الواجهة لتغليط الرأي العام الدولي والمحلي، لما وُضعت مادة في الدستور تنص على تأسيس الجمعيات بمجرد الإخبار، ثم يعطلون قانون الجمعيات الجديد الذي يحدد آلية ذلك ويبقى الوضع أسوء مما كان عليه، وقد يأتي القانون بشكل مغاير للضمانات الدستورية ويفرغها من محتواها كما تعودنا على ذلك في مراحل سابقة.

إن هذا الوضع يجب أن يتغير لأنه مضر بالبلد، من شأنه أن يتسبب في يأس وإحباط المواطنين، وفي خمول المجتمع، وفقدان البلاد المؤسسات الوسيطة الحافظة من المواجهة المباشرة بين الشعب والدولة في زمن الأزمات.

وإذا استمر هذا التضييق في مختلف المجالات قد ينتهي يوما ما إلى الانفجار، وحتى إن لم يتمرد الشعب على دولته فإن الوضع القائم لا يساهم في تشكيل جبهة داخلية قوية وصلبة أمام المخاطر الخارجية. إنه ليس تحسن مداخيل البترول والسياسات والتصريحات الشعبوية هو ما يمنع من الوصول إلى هذا الوضع الخطير المتوقع، وإنما هو الحكم الراشد وحسن استعمال الموارد البشرية والمالية

 

د. عبد الرزاق مقري

لقد علمتنا الثورة التحريرية الجزائرية أنه لا يمكن تحقيق النصر على الاحتلال دون وحدة وطنية، جبهة وطنية واحدة، وأفضل طريق للوحدة هو الحوار والمفاوضات، ولكن حين يكون الخلاف حول استراتيجية المقاومة، فلا يؤمن بها أحد الأطراف المعنية، يصبح الحديث عن الوحدة حديثا عبثيا لا يتعلق إلا بالصورة والمشهدية وكسب الموقف وربح الوقت،

وكل اتفاق وحدوي لا يقوم على أساس رفض الاحتلال ومواجهته بالقوة ثم بكل أنواع النضال لا يكتب له النجاح، ومن يتراجع عن اتفاق الوحدة عادة إنما هو الذي لا يؤمن بالمقاومة، أو حينما يبالغ هذا الأخير في تعطيلها، ولكن الوحدة ستتحقق يوما ما ما دام الحق وراءه طالب، ستتحقق بالأمر الواقع في الميدان ثم ينجز وعد الاستقلال … ولو بعد حين.

وفي هذا السياق بدل أن نحرج الفلسطينيين بدعوتهم لوحدة لا يمكن أن تتحقق، مهما كانت المحاولات والإعلانات والنوايا الطيبة، يجب أن نسألهم أولا عن موقفهم من الاحتلال وعن استراتيجية المقاومة المسلحة كأولوية في الكفاح ضد الاحتلال، كما هي تجارب البشر في تصفية الاستعمار، وعلى رأسها التجربة الجزائرية، وفي ذلك كله يجب أن يُسألوا عن سيادتهم على قرارهم.

زارني عزام الأحمد عضو قيادي بارز في حركة فتح، وممثل عباس في الإمضاء عن إعلان الجزائر للم الشمل في مكتبي ذات يوم فلامني على انحيازنا لفصيل واحد من الفصائل الفلسطينية، فأعلمته أن نشأتي وطفولتي كانت فتحاوية، نتغنى بأناشيدها ونتابع نداء صوت فلسطين في الإذاعة الوطنية ” لتحرير فلسطين كل فلسطين” ثم قلت له: ولكن حينما ظهر من تبنّى المقاومة أكثر منكم ودفع الشهداء من الأهل والأولاد ومن أنفسهم صرنا نسندهم بما نستطيع، ونحن نسند كل مقاوم فلسطيني كائنا من كان”. بدأ الأحمد يتحدث – كما هو متوقع – عن بطولات مقاومة فتح وعن سبقها وعن الرصاصة الأولى وما شابه ذلك. ولكن حينما فاجأته بسؤال استنكاري عن مسألة التنسيق الأمني، وبينت له أن التورط في هذا العمل المشين لا يليق بأصحاب الرصاصة الأولى لم يجد شيئا ذا بال يقوله لي.

لا أحد منا كجزائريين يستطيع إخفاء إعجابه بأبي عمار ياسر عرفات وبسبقه وبنضاله وصبره وثباته، ولكن رهانه على المفاوضات عبر مسار أوسلو كان وبالا على القضية الفلسطينية. ولا أحد من جيلنا يستطيع نزع التعلق العاطفي بفتح الرصاصة الأولى ولكن استمرار قادة فتح وقادة منظمة التحرير في زعمهم التمثيل الحصري للشعب الفلسطيني رغم تغير المعطيات على الأرض وفشل رهانهم على المفاوضات لا يستساغ أبدا، والعجيب أنه برغم الإجماع الفلسطيني والعربي والإسلامي على الفشل الذريع لهذه المفاوضات لا تزال قيادة فتح ومنظمة التحرير تراهن عليها، بل إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لا يتحرج في الإعلان، صراحة وبكل وضوح، بأنه لا يؤمن بالعمل المسلح ضد الاحتلال!  في مصادمة تامة للتاريخ وللأعراف السماوية والدولية وللشعب الفلسطيني ذاته، وللساحة الجهادية المتفاعلة في الضفة الغربية.. وليس غزة فقط!

لن يشفع لفتح فضلها السابق كما لم يشفع لمصالي الحاح سبقه في الدعوة للاستقلال، لن يشفع لفتح سبقها ما لم تزينه بما بدأت به فتتخلى عن أوسلو وما يشبهه في نهج المفاوضات العدمية، وإلا فإنها ستخسر كل شيء، بل ربما سيأتي اليوم الذي يتخلى فيه عنها من يدفعها إلى ما هي عليه من سياسات خاطئة، كما كانت نهاية من تورط في التنسيق الأمني مع الاحتلال الفرنسي في زمن ثورتنا المجيدة.  إن لنا في التجربة الثورية الجزائرية في ما سردناه في المقال السابق ما يؤكد فكرنا وتوجهنا حقا. إنه لا مكانة للسبق ولا للزعامة التاريخية، ولا حتى للتأييد الدولي حينما يتعلق الأمر بمقاومة الاحتلال، إنما القيادة كل القيادة، والزعامة كل الزعامة لمن يقاوم فعليا على الأرض، وكل من يتآمر على المقاوم، وينسق مع الاحتلال ضده هو خائن مهما كان تاريخه ومرتبته، ومهما كانت مبرراته، وحاشا شرفاء فتح والمنظمة أن يكونوا هكذا.

لا يعلم عزام الأحمد حين التقيته في مكتبي أن ثمة من المجاهدين من أقربائنا وجيراننا في حي العرقوب المجاهد بالمسيلة (مسقط رأس محمد بوضياف رأس مجموعة 22   الذين فجروا الثورة) من قُتل على الأيادي الآثمة لقوات (م . ب) أثناء الثورة، في سجون سلطته بسجن البراردة ومعتقل تامسة، أو في حواجزه الأمنية والعسكرية، فأنا أعلم جيدا ما معنى التنسيق الأمني مع الاحتلال. لقد كنت أسمع عن مأساة ضحايا جيش (م. ب) في شبابي بعد الاستقلال، ومن ذلك مأساة الشاب اليتيم صلاح الدين، وحيد أمه الثكلى قريب، الذي قَتل العملاءُ والده في حاجز نواحي عين الحجل بولاية المسيلة حين كشفوا انتماءه لجبهة التحرير.

وعلى هذه الخلفية لا أؤمن على الإطلاق بأنه يمكن تحقيق الوحدة بين الفلسطينيين ما دام أحد الطرفين يريد تحرير كل فلسطين ويقاتل من أجل ذلك، ويدفع الأثمان غالية، ويسير على نهج ثورتنا النوفمبرية المباركة التي رفضت التنازل عن أي شبر من الجزائر حين عرض ديغول فصل الصحراء عن الجزائر، والطرف الآخر تنازل عن قرابة 80% من بلاده ويريد تحرير الباقي بالمفاوضات مع قوة احتلال لا تعترف أصلا بوجود فلسطين ولا بعودة أهلها إلى ديارهم وتستعمل المفاوضات لمزيد من الاستيطان وتهويد القدس وحصار غزة وقصف المدنيين العزل وتصفية قادة المقاومة وتدمير الإنسان الفلسطيني وتشتيت الأمة العربية. ويزيد هذا الطرف المفاوض في تعميق الخلاف بين الأشقاء بملاحقة المقاومين وتعذيبهم في سجونه، بل وقتلهم.

إن جر حركة حماس وباقي فصائل المقاومة لكي يسيروا على نهج المبادرة العربية ويتنازلوا عن جزء عزيز من أراضيهم وديارهم جريمة لا تغتفر ولا تُمحى من التاريخ. من أراد من العرب أن يسير في ركب التطبيع مع الكيان سواء اعترف هذا الكيان المحتل بالمبادرة العربية أو قبل ذلك فذلك شأنه، وأمره عند الله وأمام التاريخ ومع الشعوب العربية والإسلامية الثابتة الصامدة، ولكن ليس من حقه أن يكون وصيا على أهل الأرض، وليس مقبولا أن يبتزهم ويستغل قلة حيلتهم وفقرهم واحتياجاتهم الأساسية وهوانهم على كبّار العالم فيدفعهم ليعترفوا بالمحتل ويتنازلوا عن حقوقهم. ومن أراد المساهمة في عمل تاريخي شريف عظيم يؤدي إلى الوحدة بين الفلسطينيين عليه أن يستبين أمر الفصائل في شأن إرادة التحرير وموقفهم من المقاومة المسلحة، وأن يسألهم عن سيادتهم على قرارهم أولا.

د. عبد الرزاق مقري

لكل زمن فكره، لكل زمن رجاله، ولكل زمن إنجازاته. وقليل من الناس من يستطيع أن يتكيف ليواكب الأزمنة المختلفة، يقولون في علم الإدارة أن 5% فقط من الناس يستطيعون التكيف مع التحولات وتجديد أنفسهم للاستمرار في الريادة.

بعد ان انتهت مرحلة المقـ.ـاومة الشعبية الجزائرية المسلحة التي واجهت الاحتـ.ـلال الفرنسي مدة سبعين سنة تقريبا، منذ دخوله سنة 1830 إلى بداية القرن العشرين خلفتها المقـ.ـاومة السياسية الوطنية التي صار دورها مواجهة مخططات فرنسة الجزائر وسلخها من انتمائها الحضاري بالتجهيل والتنصير ومحاربة اللغة العربية والتفريق العرقي، علاوة على التجويع ومختلف وسائل الإبادة والاحلال الاستيطاني بجلب سكان جدد من مختلف أنحاء أوربا.

استطاعت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن تحقق بمدارسها وبرامجها الموجهة لصناعة الإنسان نهضة عربية إسلامية جزائرية، كما حارب النخبيون قانون الأهالي وحاولوا تحسين ظروف الجزائريين دون أن يتحقق لهم ما أرادوه، وفي أوج قوة تياري الإصلاح الديني والإصلاح القانوني أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي سنة 1936، برز مصالي الحاج الذي كان نضاله قبل ذلك بين شبكات العمال الجزائريين والمغاربة في فرنسا ضمن حزب نجم شمال افريقيا.

حين برز مصالي الحاج في الجزائر كانت رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد تحققت إذ نشأ تيار كبير من الوطنيين آمنوا بمقولة الشيخ عبد الحميد بن باديس “إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد…، في لغتها، وفي أخلاقها، وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري”. وبعد هذا الإنجاز أصبح الشعب الجزائري يتطلع إلى شيء جديد: هو الاستقلال.

فهم مصالي حاجة الجزائريين فجاء يحضر المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في ملعب 20 أوت سنة 1936 بالرغم من أنه لم يكن معنيا وفرض نفسه على المنظمين. كان الحضور يتطلعون إلى ما سيقوله الزعماء الكبار الذين ألفوهم – ومنهم رمز الأمة الجزائرية عبد الحميد بن باديس – عن رحلتهم إلى فرنسا وجواب السلطة الاستعمارية في باريس عن مطالب الحقوق، فأخذ مصالي الحاج الكلمة فألهب بها مشاعر الجمهور وخرجوا به من الملعب يحملونه على أكتافهم … لقد دار الزمن لصالح مصالي الحاج.

كانت حركة واحدة، وعبارة واحدة كافيتين لتغيير مسار التاريخ. حمل الرجل حفنةً من التراب ونادى في جمهور لا يعرفونه: ” هاذي بلادنا! هاذي ارضنا! ويجب على الاستعمار أن يخرج، الاستقلال! الاستقلال!

في وقت قياسي شكل مصالي الحاج “حزب الشعب الجزائري” في أنحاء البلاد كلها، وصارت فكرة “الاستقلال” هي الفكرة الآسرة والجامعة للشعب الجزائري. وهكذا فُتح قسمٌ جديد في مدرسة الحركة الوطنية بات هو الأكثر استقطابا والأكثر تخريجا للقادة والأكثر تأثيرا في الشعب والأكثر ضغطا على الاستعمار الفرنسي، وفي الساحة الدولية.

حين اندلعت الحرب العالمية الثانية استعملت فرنسا المنهزمة أمام هتلر أعدادا كبيرة من الشعب الجزائري لاسترجاع كرامتها، وبدعم من الحلفاء أُطلِق “وعدٌ ما” بأن من حق الشعب الجزائري أن يتطلع إلى الاستقلال وأن المسألة ستناقش بعد نهاية الحرب. عند انتهاء الحرب خرج الجزائريون في يوم 8 ماي 1945 للشوارع سلميا يطالبون إنفاذ حقهم في الحرية كغنيمة من غنائم حرب طاحنة ذهب ضحيتها 60 مليون قتيل من أجل الحرية وضد العنصرية. لم يُرِدها الفرنسيون المتمسكون ب”الجزائر الفرنسية” هكذا فاقترفوا مجزرة مروعة في حق طلاب الاستقلال راح ضحيتها 45 ألف شهيد.

كانت أحداث 8 ماي 1945 حدا فاصلا بين مرحلتين: مرحلة المطالبة بالاستقلال بالوسائل السلمية ومرحلة الانتقال إلى العمل المسلح من أجل ذلك. كانت خيبة الأمل شاملة لدى كل منظمات وقادة التيار الوطني، الجمعية والاندماجيون وتيار الاستقلال، فلا بد من مبادرة تخرج الحركة الوطنية من الجمود الذي وقعت فيه، والذي لا يخدم إلا الاحتـ.ـلال. شيء طبيعي أن يكون حزب الشعب بقيادة مصالي الحاج هو المبادر فأسس المنظمة الخاصة ( أو المنظمة السرية) للإعداد للعمل المسلح، وكان عناصرها كلهم شباب. وقع ذلك في مؤتمر حزب الشعب يومي 15-16 فبراير 1947 الذي تشكلت فيه حركة انتصار الحريات الدينوقراطية كواجهة قانونية لحزب الشعب الجزائري الذي دخل السرية بعد أن تم حله من الإدارة الاستعمارية. غير أن الأحداث الداخلية للتيار الوطني كله غيرت المسارات. نشبت خلافات في كل الاتجاهات، وكان الخلاف الأشد بين مصالي الحاج وأعضاء اللجنة المركزية الذين ينتمون إلى الجيل الثاني الذي حنكه النضال والسجون واحداث الحرب العالمية فلم يصبح يقبل قرارات الزعيم دون مؤسسية. التزم شباب المنظمة الخاصة، الذين يمثل أغلبهم الجيل الثالث، الحياد وكانوا يلومون الجميع على انشغالهم بالخلافات والتخلي عن دعمهم للانتقال الفعلي إلى العمل المسلح.

في الفاتح من نوفمبر 1954 فجر الشبابُ الثورةَ وأسسوا جبهة للتحرير الوطني ودعوا كل الأحزاب والقوى الوطنية للالتحاق بها على قاعدة واحدة هي lلجـ.ـهاد المسلح من أجل تحرير الجزائر. وعلى زغردة الرصاص وعبق البارود يكون اعتماد كل أشكال النضال الأخرى، الشعبية والدبلوماسية والعمالية والطلابية والفنية والرياضية وغير ذلك.

التحق العلماء والنخبويون والمركزيون جميعا وبعض الشيوعيين، أفرادا، وحلوا كياناتهم، سوى الحزب الشيوعي الذي بقي تابعا للحزب الشيوعي الفرنسي.

غير أن المعضلة الكبرى تمثلت في أن أب فكرة الاستقلال لم يتقبل أن أبناء أبنائه يفجرون الثورة دون المرور عليه فلم يعترف بهم، ولا بثورتهم، وأسس حزبه “الحركة الوطنية الجزائرية” ليبقى يطالب بالاستقلال ولكن دون مواجهة مسلحة. لم تقبل جبهة التحرير الوطني أن يكون للثورة رأسان، ولم تراع في مصالي الحاج مكانته وسبقه إذ تخلف عن إعلان lلجـ.ـهاد ورفض الالتحاق به.

تعقّد الأمر أكثر حينما أسس رجل من أتباع مصالي المخلصين (م . ب) جيشا مسلحا لمواجهة جبهة وجيش التحرير الوطني، ثم دخل هؤلاء الوطنيون “القدماء” في تنسيق عسكري وأمني مع جيش الاحتـ.ـلال، وتورطوا في جرائم مروعة ضد إخوانهم الجزائريين، وأصبحت المواجهة المسلحة بين الطرفين شاملة في الجزائر وعلى الأرض الفرنسية ذاتها وسط المغتربين الجزائريبن . وعند ظهور الخيانة وتجليها رفض كثير من أعضاء الحركة الوطنية الجزائرية المصالية هذا الانحراف، وكثير منهم التحق بالجهة المقـ.ـاومة للاحتلال، بل حتى مصالي الحاج نفسه أصابه كثير من الحرج ودعا إلى وقف الاقتتال ولكنه لم يتخل عن حزبه ولم يلتحق بالثورة، وربما تكون صحوة مصالي الحاج المتأخرة هذه ما جعل دولة الاستقلال تمنحه الجنسية الجزائرية دون منحه جواز السفر إلى أن مرض مرض وفاته، وحين توفي رحمه الله نُقل جثمانه من فرنسا ليدفن في الجزائر، وبعد سنوات أعيد الاعتبار لمكانته الأولى في الحركة الوطنية وسميت منشآت رسمية باسمه.

لم يتوقف الخـ.ـائن ( م . ب ) عن التنسيق الأمني مع الاحتـ.ـلال وقتال المجاهدين، بل تبرأ من تبعيته لحزب مصالي الحاج، وبقي يواصل خيانته حتى لحقته الهزيمة و قُتل معزولا لم يأسف عليه أحد، حتى فرنسا التي كانت تسلحه لم تأسف عليه إذ تقول المصادر الفرنسية أنه صار عبئا عليها فتخلت عنه في آخر المطاف وانتهى به المطاف معزولا حتى داخل عشيرته.

بعد ما تجاوز الخلاف بين الأشقاء مستوى الخلاف السياسي وصارت الحركة الوطنية الجزائرية، وخصوصا ذراعها العسكري، ألعوبة في يد الاحتـ.ـلال، لم يصبح ممكنا تحقيق أي تقارب بين الطرفين. لقد بدأ الخلاف حول استراتيجية تصفية الاستعمار، بين استراتيجية المقـ.ـاومة واستراتيجية المفاوضات السياسية دون قتال، ثم تحول الخلاف إلى مواجهة مسلحة وتنسيق أمني تورط فيه الطرف الأسبق والأقدم في النضال الوطني وفق ما كان يدعيه!

لم يتوقف النزاع إلا برجوع فئة كبيرة من أعضاء وأنصار الحركة الوطنية الجزائرية المصالية إلى الموقف الوطني الصائب والسائد بين الجزائرين ثم بالحسم المسلح مع من بقي في الخيانة. ومن عبقرية الثورة التحريرية أن كثيرا من زعماء الفصائل والشخصيات، لم يساهموا في تفجير الثورة والتحقوا بها متأخرين، استطاعوا أن يجدوا لهم مكانة في صفوفها الأولى لما رجعوا إليها بصدق، بل حتى أولئك الاندماجيون الذين لم يكونوا يؤمنون بالشخصية الجزائرية المستقلة عن فرنسا صاروا قادة فيها كأمثال فرحات عباس رئيس حزب الاتحاد من أجل البيان والديموقراطية الذي وجد نفسه رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة.

لقد علمتنا الثورة التحريرية الجزائرية أنه لا يمكن تحقيق النصر على الاحتـ.ـلال دون وحدة وطنية، جبهة وطنية واحدة، وأفضل طريق للوحدة هو الحوار والمفاوضات، ولكن حين يكون الخلاف حول استراتيجية المقـ.ـاومة، فلا يؤمن بها أحد الأطراف المعنية، يصبح الحديث عن الوحدة حديثا عبثيا لا يتعلق إلا بالصورة والمشهدية وكسب الموقف وربح الوقت، وكل اتفاق وحدوي لا يقوم على أساس رفض الاحتـ.ـلال ومواجهته بالقوة ثم بكل أنواع النضال لا يكتب له النجاح، ومن يتراجع عن اتفاق الوحدة إذا وقعت إنما هو الذي لا يؤمن بالمـ.ـقاومة، ثم ستتحقق الوحدة يوما ما بالأمر الواقع في الميدان وينجز وعد الاستقلال … ولو بعد حين.

يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

لا شك أن أهم خلل في الجانب السياسي للبلاد هو ما نراه من التحولات والانقلابات المتتالية للأوضاع داخل منظومة الحكم ذاتها. نتابعها جميعا دون أن نفهم مغزاها. ولعدم توفر الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومة صار ملايين الجزائريين يتغذّون بخصوصها من منابر اليوتيوب والوسائط الاجتماعية المختلفة التي سيطر عليها نشطاء يقيمون في الخارح يقولون أن مصادرهم من داخل المؤسسة العسكرية ومن مختلف مؤسسات الدولة. وحتى وإن لم نهتم بأخبار هؤلاء فإن القرارات الرسمية بشأن ما يحدث تجعل الحليم حيران.

حينما اهتز عرش الحكم بتأثير الحراك الشعبي فسقطت رؤوس كبيرة وبقي النظام قائما قلنا ذلك أمر طبيعي، من عادة الأنظمة الشمولية أن تضحي ببعض رموزها لتستمر في الوجود. ولكن أن تستمر الرؤوس تتساقط إلى اليوم فإن ذلك دليل على عدم استقرار النظام، وليقل المسؤولون والمساندون لهم والطامعون فيهم والخائفون منهم ما يشاؤون في تبرير هذه الظاهرة الجزائرية الخالصة، إنه عدم الاستقرار السياسي.

ولو نحسب عدد قادة أحزاب الموالاة وعدد الجنرالات وعدد الوزراء وعدد الولاة وعدد مسؤولي المؤسسات الذين سُجنوا أو هرَبوا أو هم تحت الرقابة القضائية لقلنا بأنه لم يكن أحد إذن صالحا في هذه الدولة. ماذا نقول للأجيال عن تاريخنا المعاصر حينما يتداول على قيادة المخابرات الخارجية والداخلية عدة ضباط سامين في وقت قصير، أكثرهم أقيلوا ودخلوا السجن بتهم خطيرة تجعلنا نخاف فعلا على حال دولتنا من النظام الذي يسكنها والسلطة التي تحكمها؟

نكون في فترة ما تحت سلطة ضابط سام يراقبنا ويتجسس علينا وربما يكيد لنا المكائد باسم الوطنية وتحت عنوان حماية الدولة، ثم فجأة يصبح هو المجرم وهو المتآمر على الدولة أو هو الفاسد ويدخل السجن. ولو كانت الحالة عابرة لقلنا إنما الناس بشر ولا بد أن ينحرف بعضهم، ولو كانت المناصب التي وصلوا إليها في المراتب الدنيا، التي لا تتطلب تدقيقا في سِيَرهم وسوابقهم وعلاقاتهم ومستوياتهم، ربنا نقول لا حرج في ذلك إنما هم من عموم الناس الذين فيهم الصالح والطالح.

لا يفارق عقلي خصومةٌ وقعت بيني وبين أحد الأصدقاء حول شخصية وصلت إلى مراتب عليا في الدولة، كان يريد صاحبي أن يقنعني بكل الوسائل، “المقبولة وغير المقبولة”، بأن ذلك المسؤول رجل دولة، نزيه، ومن التيار الوطني الذي يجب أن ندعم أصحابه وتكون لنا علاقة بهم، ثم فجأة يقالُ هذا الرجل من منصبه ويصبح متابعا ويدخل السجن. لست أدري ماذا يقول صاحبي بعد أن سقط صاحبه؟

لا أريد أن أحكم على أيٍّ من هؤلاء المتابَعين، إنما هي ظلمات بعضها فوق بعض، لا يستطيع الغريب عن الدار مثلنا أن يفهم ما في داخلها، أو من صعد من أهلها كيف صعد ومن نزل في ما نزل. ولكن ربما بعد هذه الحادثة سيقف صديقي على حكمة موقفنا بأن لا نقترب بأي حال من الأحوال من صراعات الأجنحة داخل السلطة، فلا نُحسب على أي منها، ولكن نواجهها كلها عند الاقتضاء لمصلحة بلدنا، وحين يُحسن أيٌّ منهم لا نتهيب أن نقول بأنه أحسن في العمل الذي أحسن فيه لا أكثر.

إن موقف الفرجة الذي تعطيه لنا أخبار الصراعات والتعيينات والإقالات، والنزول من أعلى المراتب إلى أكثر السجون عتمة، ومن أعمق غار فيها إلى أعلى شرفات الحكم لا تثير فينا الفضول كما هو حال كثير من النخب الجزائرية، ولكن تجعل قلوبنا تتقزز إلى حد التقيؤ ، وتجعل صدورنا تغلي من الغضب لما آل إليه بلدنا. لا شك أن المؤسسة العسكرية تسير بقاعدة الانضباط ولم نصل بعد إلى الخوف على وحدتها، ولكن ما هو حجم الضرر الذي أصاب أمننا ومصالحنا ما دام العديد ممن كانوا مسؤولين عن الأمن صاروا متهمين بتهديده. إنه لا ينفع أن تتعامل النخب مع المؤسسة العسكرية من منطلق الطمع أو الخوف، فيقول بعضهم لا يوجد مشكل داخل المؤسسة، فمن أخفى داءه قتله.

هذه المؤسسة مؤسستنا جميعا، وقد بينت هذه الأحداث بأن من فيها ليسو بالضرورة أكثر وطنية ممن ليسو فيها. ومن فيها وعلى رأسها بشر يصيبون ويخطئون، ويأكلون الطعام ويتنفسون ويمشون على أديم الأرض كغيرهم من ولد آدم، وهم ليسو فوق المساءلة، وإن بقيت الثغرات مفتوحة إلى هذا الحد وهذا المستوى ومتكررة في الزمن فهم ليسو في مستوى المسؤولية الملقاة عليهم. وهذا الكلام الذي أكتبه هو الكلام الوطني الحق، أقوله وأنا داخل البلد، ولا يوجد غير الله من أعتمد عليه، ولا نريد بذلك تحديا غير أن نقول ما نعتقد أنه حق وأنه مفيد.

وما يحدث في المؤسسة العسكرية يحدث مثله في المؤسسات المدنية، لم تصبح ثمة معايير معلومة يمكن أن نراقب على أساسها السلطات العمومية، يُقال بعضُ المسؤولين، ومنهم من يدخل السجن، ثم فجأة يعودون إلى المسؤوليات المركزية والمحلية العليا، بل إن فيهم من تشيع عنه تهمةُ الفساد حتى نفرح حين يُقال، ثم في مرحلة لاحقة يُعاد إلى منصبه. وهناك من نعرف نزاهتَهم واستقامتهم ولكن يُبعدون إلى الأبد.

ومن عجائب معايير التعيين في المناصب اعتلاء بلاطوهات الفضائيات فرأينا نخبا أظهروا حساسياتهم في الإعلام من الأحزاب، وبعضهم برعوا في التزلف، فصاروا وزراء ومدراء دون أي اطلاع على مستوى الكفاءة والنزاهة لديهم، فرأينا منهم من تسبب في خيبةِ أملِ من عيّنه فأقيل بعد ذلك، ومنهم من لا يزال يتسبب في خيبات الأمل، ويقع في الأخطاء المتتالية، ويظلم الإطارات ويعتدي على الضعفاء، ولا زال ثابتا في منصبه، ربما لا لشيء إلا أنه ثبت على التملق وصارت له “علاقات”!

أما أحزاب الموالاة فلا أقول عنها شيئا لأن قادتها زملاء ولكن أرجو أن يُعبّروا يوما ما علانية عن حجم التهميش وأحيانا الإهانة لبعض إطاراتهم، بما يتحدثون به في لقاءتهم المغلقة. ولكن بغض النظر عن الاحترام الذي يجب عليّ أخلاقيا أن أظهره لهم، وأن نتناصح بيننا بشأنه، حتى نبني بيئة سياسية جادة تحفظ الجزائريين من الكفر بالأحزاب والسياسة والساسة جميعهم، هم في المحصلة ضحايا النظام السياسي كذلك. كم من مرة سمعت قادة جبهة التحرير يقولون نحن لم نحكم أبدا، سمعتها من الأجيال القديمة التي اعتبرت أن الحزب الواحد كان مجرد جهاز، ولا يزال البعض من الأجيال الجديدة يعتبرونه كذلك. وبالرغم من أنني لم أقبل هذه الحجة من كبار قادة جبهة التحرير حين تعرفت عليهم أكثر في المجلس الشعبي الوطني وفي مؤسسة القدس العالمية وفي منظمة الفضاء المغاربي والعديد من المناسبات في الداخل والخارج، وفي مختلف محطات الكفاح المشترك من أجل ثوابت الأمة والوطن، فإنني لا أنكر أبدا فضل بعض كبار هؤلاء علي، حيث لا يُقدر بثمن ما استفدته من خبرتهم، وعقولهم، ومعلوماتهم، ومعاني الوطنية الصادقة التي التمستها فيهم، فهم يذكرونني بوالدي وأعمامي وأخوالي، رحمهم الله جميعا، الذين تشربت من قصص جهادهم ونضالهم، ومن استقامتهم، المعنى الحقيقي للوطنية، ولكن واسفاه! أين ذلك الجيل؟ وأين ذلك الزمن؟

ومما لاحظته في هذا الجيل أنه رغم اعتزازهم بتاريخهم النضالي في جبهة التحرير، فلم يكن لهم نفس حزبي متعصب، وبالرغم من أننا ننتمي لحزب عريق آخر كانوا يروننا امتدادا لهم. وكم تأثرت حينما لمت أحدَهم عن تراجعه عن الاهتمام بمراتب الصدارة في جبهة التحرير كضمان لخطها الوطني الأصيل، حيث قال لي: “يا سي عبد الرزاق احنا تعبنا والمشعل راه في ايديكم”، أي أنه اعتبرني امتدادا له، بسبب الانتماء الوطني المشترك، بالرغم من أني أعارض حزبه سياسيا.

إنه لا يقلقنا أبدا أن تكون جبهة التحرير حزبا سياسيا قويا، ولا أي حزب من الأحزاب الوطنية والإسلامية، فقوتها ضمان لهوية البلد والوفاء لبيان أول نوفمبر. بل لا يقلقنا أن تقوى الأحزاب العلمانية كذلك، فقوتها يدخلها التنافس الديمقراطي ويخرجها من حالة الانغلاق التي تلجأ إليها الأقليات الأيديولوجية عادة. إنما الذي يقلقنا هو ما يقوم به النظام السياسي من عمل منهجي دؤوب لإفساد الأحزاب وإضعافها وابتزازها والتآمر عليها ومحاولة استبدالها بشخصيات وأوعية اجتماعية موالية فارغة وانتهازية.

كنت في يوم من الأيام في ” جنان الميثاق” أيام جلسات الحوار مع الرئيس السابق زروال بين جبلين كبيرين، الشيخ محفوظ نحناح والأستاذ عبد الحميد مهري، أسمع حوارهما الراقي، يُسمِّي الأستاذُ مهري الشيخَ محفوظ “شيخنا” وهو أكبر منه سنا، والشيخ محفوظ، الأستاذ الجامعي ومربي طبقات قيادية متتالية والمفكر المحاضر في كل أنحاء العالم، يقول للأستاذ مهري “أستاذ الجيل”. سمعت في هذا الحوار الأستاذ مهري يقول للشيخ محفوظ: “إن النظام السياسي مخطئ حين يعتقد بأنه يخدم الدولة بعمله على إضعاف الأحزاب”. وقد تحقق استشراف الأستاذ مهري فعلا، لم تجن الدولة بإضعاف الأحزاب إلا الخراب الاقتصادي والاجتماعي والصراعات الثقافية وتكوين المافيا والعصابات.

 

..يتبع

 

د. عبد الرزاق مقري

أعدت الحكومة على جناح السرعة النصوص التنظيمية لقانون الاستثمار على غير العادة مقارنة بالعديد من القوانين الأخرى. لا شك أن هذا أمر جيد باعتبار حاجة الجزائر الملحة للاستثمار،

غير أن اللافت هو السرعة التي أقبل بها الوفد الفرنسي للاستفادة من هذا التطور الجديد. يقال بأنه كان للفرنسيين دور خبرة مهم في بلورة قانون الاستثمار الجديد ونصوصه، وربما ها هم يأتون قبل غيرهم للاستفادة منه، لا شك أن حصول المعلومة عندهم عن الجزائر أسرع وأسهل!لم تستفد الجزائر من العلاقات المميزة مع فرنسا، فلقد امتصت خيراتِنا واستعملت أموال بترولنا لتحريك مصانعها ودعم فلاحيها وتنمية مؤسساتها الخدمية، مصانع كبرى مفلسة أنقِذت بالطلبيات الجزائرية، وبقيت تسمم أوضاعنا الثقافية، وتقف دوما ضد توجهاتنا الدولية.

ولكن رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه يبشران بأن هذه المرة ستكون انطلاقة جديدة في العلاقات مع فرنسا.

لست أدري هل ستكون لصالح الجزائر، أو على الأقل لصالح الطرفين، والله لا أظن ذلك. فرنسا دولة استعمارية تسببت في تفقير الشعوب الافريقية التي استعمرتها، وفي الوقت الذي تثور فيه هذه الشعوب عليها يقول حكامنا أن العلاقة معها في أعلى مستوياتها تاريخيا.

من يعلم؟ لعل اللوبيات الفرنسية داخل الجزائر أقوى من اللوبيات الفرنسية في الدول الافريقية! لا يوجد شيء ذو بال في الاتفاقيات التي أبرمتها رئيسة الوزراء الفرنسية “بورن” مع رئيس الوزراء الجزائري “أيمن”، أغلبها تعبير عن نوايا، سوى الاتفاقات التي تهم فرنسا فقد تم إبرامها بشكل قطعي مثل الاتفاقيات حول القطاع الفلاحي، والمدارس التعليمية، وهياكل دعم المؤسسات، وهي كلها قطاعات متخلفة في فرنسا أو استغلالية، وتحمل مخاطر جمة لاقتصادنا وثقافتنا.

أما القضايا الخلافية فتم التصرف معها وفق الإرادة الفرنسية، أي السكوت عنها، بمعنى إهمالها. نحن نتحدث هنا عن قضايا الذاكرة التي اقتصرت هذه المرة على هدية فرنسية لقِطعٍ نقدية تاريخية جزائرية هي في الأصل ملكنا، ونحن نتحدث كذلك عن ملف التأشيرات الذي سُيِّر وفق الشروط الفرنسية، أي اختيار الجزائريين المفيدين لفرنسا لدعم هجرة عقول بلادنا ورؤوس أمواله، أما التأشيرات المتعلقة بمصالح الجزائريين العاديين التي لا حد لها في فرنسا فلا ينظر لها.

دون أي اعتبار للعدد الهائل للعلاقات العائلية الجزائرية مع المقيمين من شعبنا فيها، ولا أي اهتمام بحقيقة أن الدول المستعمِرة في العالم بأسره يتوجه إليها سكان البلاد المستعمَرة التي حطمها الاستعمار وأغرقها في التخلف وسلم حكمها لأتباعه والمتأثرين به، فهؤلاء السكان لا حيلة لهم إلا أن يتوجهوا لقضاء احتياجاتهم في العمل والصحة والتعليم وغير ذلك. ونحن نتحدث كذلك عن ضرورة الاعتراف والاعتذار والتعويض الذي لن يسقط بالتقادم رغم تنازل السلطات الحالية عن ذلك.

ويمكننا أن نتحدث كذلك عن السكوت عن إيواء رأس المنظمة الانفصالية التي اعتبرها المسؤولون، أصدقاء فرنسا، منظمة إرهـ.ـابية، وكذلك السكوت المطبق عن حقيقة أن السياسة المغربية تجاه الصحراء الغربية داعمها الأول والأساسي والدائم والشرس هو فرنسا. فلست أدري، تبعا لذلك، كيف أن الحساسية تجاه المغرب شديدة منذ سنوات طويلة، وحليفها الاستراتيجي الذي يسندها في أوربا وفي افريقيا وفي العالم بأسره لا تتوجه له هذه الحساسية.

في كل الأحوال، لا يوجد شيء جديد في زيارة “بورن” ووفدها الكبير للجزائر، فهو كما يدل عليها اسمها، في التعريف القاموسي لاسم وفعل “بورن”: العلاقات “محددة” و “محدودة” بمعالم صلبة لن تتغير، وعقول النخبة الفرنسية “متصلبة” لا تتغير، وأفق العلاقات محدود.

كل ما في الأمر أننا سنفيق بعد مدة بأن فرنسا وحدها هي التي استفادت من هذه العلاقات. لم تكن العلاقات الفرنسية الجزائرية تمثل مشكلة لدينا كعلاقة بين دولتين، ولكن الذي نرفضه، والذي سنبقى نحاربه، هو علاقة التبعية والتفريط في مصالح بلدنا، وقبول تأثير اللوبيات الفرنسية، الذي كان ولا يزال مستمرا.

غير أن الشيء الذي أردت أن أقف عنده في الختام هو التذكير بأننا لم نشارك في الانتخابات الرئاسية 12/12 لأن الشعب كان لا يزال في الشارع وقررت مؤسساتنا أن لا نخون الحراك الشعبي، ولكن لم ندع لمقاطعتها لأنه في الأخير ستعود الانتخابات إلى مجراها الذي كانت عليه لأن حالة الانقسام التي كانت تجري في الشارع لم تكن تبشر بالخير.

ولكن! السؤال المطروح: ما هو شعور أفراد الكتلة الشعبية الكبيرة الذين ساندوا الانتخابات بحجة أن الدولة الجزائرية قد استقامت وأن الحكام الجدد سيقطعون “دابر فرنسا” وسينهون وصايتها علينا؟ كان الاتهام الموجه للذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات أنهم أولاد فرنسا، فماذا تقول الأغلبية الساحقة التي ساندت الرئيس وتوزعت بين كل المرشحين؟ ماذا يقولون والذين تحققت أهدافهم هم الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات واستعملوا العنف في فرنسا لمنعها؟ هل سيراجعون ما كنا نقوله لهم بكل حب وإشفاق بأن ما كانوا يعتقدونه بأن الزمن زمن نهاية النفوذ الفرنسي بإرادة رسمية فوقية وهمٌ عظيم، وحيلة خبيثة استعملتها المخابر لتفويت فرصة حقيقية للتغيير؟نحن نحترم آراء الجميع ولكن أرجو أن يكون تصريح المسؤولين بأن العلاقات الفرنسية الجزائرية قد وصلت إلى المستوى الأعلى تاريخيا، وما يرونه من فًرشٍ مستمر للبساط الأحمر لحكام فرنسا، قد أحدث هزة في العقول؟

 

د. عبد الرزاق مقري

يوجد في عالم السياسة ساسة يربطون مواقفهم من الأنظمة المستبدة وفق الأحوال الذي تكون عليها تلك الأنظمة من قوة أو الضعف. فإن كانت الظروف مُهلكة لتلك الأنظمة يتشجع أولئك الساسة على محاربتها وربما انتهجوا نهجا متشددا ومتعجلا لتسريع نهايتها. أما إذا كانت الرياح متجهة لصالح أشرعة المستبدين، خفظوا أصواتهم حتى تكاد تنسى، ومنهم من يتوارى ليعيش حياته بعيدا عن السياسة، ومنهم من يلتحق بالحكام الأقوياء تائبا، وربما ذليلا، وقليل منهم من يصمد ويصبر فيؤدي الذي عليه في مواجهة الفساد والفشل والاستبداد، ولو بدون نتيجة تذكر، إخلاصا لله تعالى إن كان مبعثه دينيا، أو إشفاقا على وطنه إن كان الدافع وطنيا، أو رجولة ومروءة من أجل المبدء، وقد يكون الدافع ذلك كله.

أين النقاش السياسي الذي كان يميز الحياة السياسية في بلادنا رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد في مراحل عدة سابقة؟ هل يُعقل أن تناقش السياسة العامة للحكومة في البرلمان فلا يوجد في الساحة ساسة كبار ومتخصصون متميزون يكشفون زيف ادعاء المسؤولين؟ سوى أصوات قليلة مبحوحة محاصرة، منها قادة حركة مجتمع السلم. هل صار الساسة في داخل البلاد، الذين ادعوا معارضة النظام السياسي من قبل، ينتظرون حتى يتحرك الشعب لكي يتكلموا؟ هل ينتظرون أمواج التغيير تأتي وحدها لكي يركبوها؟

لا تجود الأقدار دائما بإظهار أسرارها سريعا، قد يحدث ذلك فيُفضَح الباطلُ على العجل ولا تطول معاناة محاربيه، وقد يطول إظهار الحق وابطال الباطل فينعم الفاسدون بفسادهم دهرا طويلا، ويموت الأبطال دون التنعم بثمار كفاحهم، ولكن مهما طال الزمن ستُنصِف الأقدارُ الرجالَ، سواء الذين قضوا نحبهم أو الذين بقوا ثابتين ينتظرون ولم يبدلوا تبديلا. وهل يضيعُ أجرُ المحسنين عند الله تعالى؟ وهل ظَلم التاريخُ صانعيه يوما، فلم يضع لكل فاعل فيه وسما، بالسوء أو المجد؟

إن الله لا يضيع أجر العاملين يوم القيامة فيعطي لكلٍّ حسب جهده ويزيد من يشاء برحمته، ولكن يوزّع في كل زمن ولكل واحد بمقادير مختلفة لا يعلم حكمتها إلا هو سبحانه، ولكنها بكل تأكيد عادلة في حق صاحبها بما يَصلُح له و ما يُصلِحه. فثمة من المصلحين من يأتي بهم الله في مرحلة لا يمكن فيها تحقيق شيء سوى وقف الانهيار في أممهم، فينجحون في ذلك أيما نجاح، ولكن قليل من ينتبه إلى عظيم صنعهم. ومنهم من يجيء في مرحلة لا تتحمل سوى التطوير وإضافة لبنات أساسية لما سبق، فيؤدون المهمة بكفاءة ويتسببون في تحسين أوضاع بلدانهم ولكن لا يُكتب على أيديهم الحسم الذي يذكره الناس جميعا، وهناك من يختصهم الله بالحسم في آخر مسيرة كفاح لم يحضروا جل ما سبق منها، فيدخلون التاريخ من بابه الواسع إذ يكون الإنجاز نهائيا مدويا يشهده جميع الناس ويشهدون عليه.

إن الأمثلة في التاريخ على تنوع هذه الأرزاق المُقدّرة كثيرة، من أهمها الحسم الذي صنعه صلاح الدين الأيوبي ضمن مسار لم يطلقه هو، بل كان رائده الأول رجل أفضل منه عند العارفين، هو نور الدين زنكي، ولكن عموم الناس لا يذكرون إلا صلاح الدين الأيوبي، وذلك فضل الله في الدنيا يعطيه من يشاء.

ولو أردنا أن نسقط هذه الحقيقة السننية على تاريخ كفاح المصلحين في الجزائر والمناضلين من أجل تخليصها من الفساد والاستبداد ولغرض تطورها ونهضتها لوجدنا رجالا كُثرا على هذا المسار لا يعرف الناسُ أغلبَهم. منهم من رفض الانحراف من أول يوم حين تم فُرض الاستبداد بعد الاستعمار و تم إمضاء المناهج والتوجهات المستوردة المناقضة لعهد الشهداء وبيان أول نوفمبر، و التي أغرقت البلد في التخلف وضياع فرص الإقلاع والنهوض، ومنهم من كان له أثر في تأليف القادة وتأسيس المنظمات والأحزاب المناضلة حتى صار تأثيرهم ملموسا وإنجازاتهم شاهدة، ولكن لا أحد منهم حَسَم الأمر، فرغم كل التضحيات لا يزال نفس النظام الحاكم منذ الاستقلال يكرر نفسه ويكرر إخفاقاته، تتكرر أمامه الفرص ويكرر إهدارها بلا هوادة.

لقد كان النظام السياسي في شدة وهلع بسبب استدامة تراجع أسعار البترول واقتراب نضوب احتياطي الصرف بما جعله يشعر بوشوك حالة الإفلاس فأخذ يؤجلها بطباعة النقود والتقليص الحاد للواردات، ووقف المشاريع والتفكير في التراجع عن سياسة الدعم المعممة، فإذا به تنزل عليه فرصة من السماء سببها دماءٌ تسيل وأرواحٌ تزهق في أرض بعيدة تشهد حربا طاحنة، تبدو مزمنة، تسببت في ارتفاع أسعار البترول.

إن الأنظمة المستبدة تسكن الدول التي تحكمها كما يسكن الجان الجسد حتى يصبح انهيارها هو انهيار الدولة ذاتها، ولذلك، بقدر ما حزنا على الشعوب التي تأكلها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، سعدنا بالنّفَس الجديد الذي أُعطِي لبلدنا. غير أن نجاة البلدان ليس بالخيرات التي تنعم بها وإنما برشاد حكامها، فكم من دول غنية قوية جنى عليها حكامها رغم ثرائها، وقد بيّن العلامة عبد الرحمن بن خلدون ذلك بحديثه عن أطوار الدول وكيف تنهض بالتجرد والبسالة والتعفف وكيف تسقط بالفساد والظلم والترف، ومن أسباب سقوطها انشغال الحكام بنعيم خيراتها بدل خدمتها. وقد صدق مؤرخ الحضارات توينبي كذلك حين قال بأن الحضارات لا تسقط بسبب عدوان خارجي ولكنها تنهار من الداخل وقد أوجز بقوله: “الدول لا تموت ولكنها تنتحر”.

إننا حينما نقرأ ما ورد في بيان السياسة العامة وما نسمعه من المسؤولين في مجال مكتسبات الحريات والسياسة والديمقراطية والمؤسسات نشعر وكأنهم يتكلمون عن بلد آخر.

بعد أن تحدثنا عن الشأن الاقتصادي في المقال السابق لست أدري من أين أبدأ لأبين عكس ما يدعون في الشأن السياسي: هل من حالة اللاستقرار السياسي من داخل النظام نفسه، أم من ضعف المؤسسات، أم عن أحادية الرأي الذي وصلت إليه كل المؤسسات الإعلامية، أم عن إفساد العمل السياسي برمته، أم عن نهج التحكم والاستغلال الجاري لمنظمات المجتمع المدني، أم عن حالة الفساد المهيكل، أم عن موقع بلدنا ضمن التحولات الدولية القائمة.

يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

بدأت الصحوة الإسلامية معتدلة وسطية سلمية علمية، وبعد أن صُبّ على الدعاة القمعُ في مصر في زمن الملك فاروق، وخصوصا في زمن جمال عبد الناصر، وكذا في بعض الدول العربية، خصوصا الاشتراكية الشيوعية، بدأت تظهر توجهاتٍ ردود الأفعال المتشددة المتطرفة في من قُبض عليهم وعُذبوا وأُعدِم رفقاؤهم، والعديد من الدعاة من أهل العلم والثقافة والشهادات العليا لجؤوا إلى المملكة العربية السعودية في زمن الملك فيصل رحمه الله فكانوا هم ركائز التطور في المؤسسات التعليمية والتربوية والمؤسسات المجتمعية في هذا البلد، وبسبب طول مكوثهم فيه تأثروا بالمذهب الوهابي المتحالف رجاله آنذاك مع العرش فظهرت في كل الحركات الإسلامية مسحة سلفية في الفقه والسلوك، ولم يكن التوجه السلفي آنذاك عنيفا ولا مخاصما للعلماء والدعاة، بل كان وسطيا مساهما مساهمة كبيرة في الدعوة الإسلامية، ومن دلائل ذلك ما نُشر عن أئمته، أمثال الشيخ ابن باز والشيخ الألباني من كلام طيب عن علماء الإخوان المسلمين، كالشيخ حسن البنا والشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي رغم الاختلافات الفقهية بينهم رحمهم الله جميعا.

وفي فترة الثمانينيات وجّه العديد من علماء الوسطية والاعتدال شباب الصحوة إلى مجالات التجديد والتطوير في الفكر، والحكمة في الدعوة والمشاركة الاجتماعية ومسارات النهوض الحضاري، ونبهوا إلى ضرورة الابتعاد عن كل أنواع التقوقع والتشدد في مسائل الفكر والفقه والزي والسلوك والعلاقات ودعوا إلى نبذ الخصومات وإلى احترام أعراف الناس وما استقرت عليه المجتمعات الإسلامية من المذاهب والعادات في الإطار العام للشريعة الإسلامية. وكان من أبرز وأشهر وأعلم هؤلاء الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي رحمهما الله.

 وبفعل تأثرنا بالمسحة السلفية كان الكثير منا، كشباب، ينقد هذين العالمين الجليلين ونعتبرهما متساهلين في الدين ثم بيّنت لنا الأيام وما استزدناه من علم وتجربة عظمة هذين الرجلين وسبقهما في تحليل مشكلات الأمة وما اقترحاه لها من حلول باجتهاداتهما العلمية. وكانت بيئتنا المغاربية الجزائرية الباديسية البَنّبية خيرَ معين على نضجنا وفهم آفاق الفكر الرحيب لذانك الجبلين، كما كان لصرخة الهضيبي في كتابه “دعاة لا قضاء” جليل الأثر.

لقد كان تأثير هؤلاء العلماء والمفكرين كبيرا في الجزائر من خلال كتبهم وأشرطتهم وزيارتهم الدورية للجزائر في ملتقى الفكر الإسلامي وغيره من المناسبات، وكان دور الشيخين الغزالي والقرضاوي بليغا في ترشيد الصحوة الإسلامية الجزائرية، وكان الفضل الأول للشيخ محمد الغزالي من خلال إشرافه العلمي في جامعة الأمير عبد القادر، وبرنامجه التلفزيوني كل اثنين الذي كان من أكثر البرامج متابعة وقد صار رحمه صديقا حبيبا لعوام الناس ومثقفيهم ومسؤوليهم، ولم يكن يخفى على أحد العلاقة المميزة بين هذا المجدد الجليل ورئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد. وبعد رحيل الشيخ الغزالي خلفه الشيخ القرضاوي رحمهما الله في الجامعة، غير أنه لم يطل كثيرا كالشيخ الغزالي.

استقطبت الجامعة الإسلامية أعدادا كبيرة من إطارات الصحوة من مختلف الاختصاصات العلمية الذين سجلوا أنفسهم للدراسة فيها. كنت أريد أن أدرس العلوم الإسلامية بعد حصولي على شهادة البكالوريا في دورة 88 / 89، ضمن موجة ذلك الزمن، ولكن والدي رحمه الله أرادني أن أدرس الطب فأطعته ولم أندم على ذلك رحمه الله رحمة واسعة، ولكن بسبب شغفي بالعلوم الإسلامية درَستُها عصاميا في البداية، ثم درّستها عبر سنوات في المدرسة الشرعية بجامع أسامة بن زيد بمدينة المسيلة، ثم أسست مع إخواني مدرسة شرعية في مسجد جامعة سطيف ذاع صيتها وانتفع بها كثير من الأطباء والمهندسين وذوي الاختصاصات الأدبية، وفي كل تلك المسيرة كان علم الشيخ القرضاوي هو دليلنا الأول، فلا نطمئن لمسألة إلا إذا اطلعنا على رأيه فيها، ولا يَحسم الخلاف العلمي بيننا سوى قولِه في المسألة رحمه الله تعالى.

بعد أن تحصلت على الدكتوراه في الطب، وولجت غمار السياسة رجع لي الحنين القديم إلى الشريعة فأنفذت إرادتي وتحصلت على شهادة الماجستير في الشريعة والقانون وواصلت المسيرة مع الدكتوراه في نفس الكلية حول موضوع في الاقتصاد برؤية إسلامية، وبقي مرجعي الأول دائما في ذلك هو الشيخ القرضاوي رحمه الله تعالى.

لقد كان تعلقي بالعلماء كبيرا، وكبرت على احترامهم جميعا، فلا أخوض أبدا في الاختلافات بينهم وأرى في مواقفهم وسلوكاتهم الشخصية ما يسعه شرع الله تعالى، وإن اقتنعت بخطئهم في تصرف من تصرفاتهم، أعبر عن ذلك بأدب وأنظر إلى خلالهم الحميدة وأفضالهم الواسعة فلا يبقى لما أراه فيهم من خطأ بشري أثر، ومن منا لا يخطئ.

لقد تعلمت هذا السلوك من مخالطتي للعلماء، خصوصا أستاذي الأول في مدينة المسيلة وشيخي الدائم الدكتور أحمد بوساق، وصاحب الفضل علي المربي الأبدي الشيخ محمد مخلوفي. كما كان تأثري بأدب ورِقّة الشيخ الغزالي كبيرا، حين كنت أزوره وأستنصحه وهو في الجزائر، فتجذبني إليه أبعاده الإنسانية أكثر من علمه الغزير المتجدد، وقد كان له أثر كبير في خيارات أساسية وحاسمة في حياتي الدعوية.

أما الشيخ القرضاوي فقد نهلت من علمه وفكره وأدبه بواسطة كتبه ومحاضراته وندواته طيلة الثمانينيات، ثم كان أول لقاء مباشر به سنة 1989 في لقاء لمجلس الشورى الوطني للحركة قبل التأسيس الرسمي للحزب في إحدى الفيلات في الجزائر العاصمة، يملكها أحد رفاق الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وكنا نناقش في ذلك المجلس الرأيَ بشأن تأسيس الحزب، وكنت قدمت ورقة بهذا الخصوص في ذلك المجلس. 

كانت مؤسسة القدس منظمة دولية غير حكومية اجتمعت فيها مختلف مكونات الأمة، من سنة وشيعة ومسيحيين، ومن الإسلاميين والقوميين، فكان الشيخ القرضاوي هو رئيس المؤسسة وينوبه عالم شيعي وشخصية مسيحية وأخرى قومية.

ثم تشرفت باستقباله مع زوجته المصرية إسعاد عبد الجواد أم أولاده في بيتنا في المسيلة سنة 1990، وكانت زوجته رحمها متعبة جدا أخبَرت والدتي وزوجتي بأنها منهكة وأنها لم تصبح قادرة على تحمل أعباء السفر مع زوجها الشيخ القرضاوي رحمهما الله، ولعل ذلك هو السبب الذي دفع الشيخ القرضاوي للزواج آنذاك بامرأة ثانية تتحمل معه المشاق التي كان يكابدها في أعماله وأسفاره التي لا تتوقف.

قدم الشيخ القرضاوي أثناء زيارته لمدينة المسيلة درسا في الجامعة ودرسا في مسجد الصحوة أسامة بن زيد فجمع في مقدمة درسه بالجامع التكامل في الإسلام بين الجامع والجامعة، والدين والعلم، ثم راح يفسر سورة العصر، وكان قد قرأ بها في إمامته للمصلين في صلاة المغرب، فأبدع في التفسير أيما إبداع.

بعد أن غادر الشيخ القرضاوي الجزائر بإلحاح من عائلته بسبب مرضه، حاول الدكتور عمار طالبني، وفق ما أخبرنا به، أن يقنعه بالتعاقد سنة أخرى لرئاسة المجلس العلمي في جامعة الأمير عبد القادر فذهب إليه إلى القاهرة برئاسة وزير التعليم العالي آنذاك، فلم يفلح إذ عارض أهله سفره، ولكنه بقي يزور الجزائر بين الحين والحين بدعوات رسمية أو شعبية، وذات يوم في شهر أب/أغسطس سنة 2007 أصابته وعكة صحية شديدة فقامت الدولة الجزائرية برعايته صحيا في المستشفى العسكري بالجزائر العاصمة، وزاره في مشفته رئيس الجمهورية وعدد من المسؤولين الكبار. لم يكن مسموحا لغير الرسميين بزيارته فطلبت من أحد وزرائنا آنذاك د. إسماعيل ميمون أن يزوره ويبلغه سلامي وسلام تلامذته في الجزائر فسعد بذلك رحمه.

غير أن المشروع الأكبر الذي شرفني الله بالعمل فيه بشكل مباشر مع الشيخ القرضاوي هو مؤسسة القدس العالمية. كانت مؤسسة القدس منظمة دولية غير حكومية اجتمعت فيها مختلف مكونات الأمة، من سنة وشيعة ومسيحيين، ومن الإسلاميين والقوميين، فكان الشيخ القرضاوي هو رئيس المؤسسة وينوبه عالم شيعي وشخصية مسيحية وأخرى قومية. وكان رئيس مجلس الإدارة الشيخ فيصل مولوي من لبنان رحمه الله، والأمين العام أكرم العدلوني ذكره الله بخير، وللمؤسسة مجلس أمناء يتشكل من العديد من الشخصيات من مختلف أنحاء العالم، منهم كثير من النشطاء الجزائريين، وافتتحت المؤسسة فروعا في العديد من الدول منها الجزائر.

كنت من أكثر الأعضاء الجزائريين في مجلس الأمناء نشاطا، من حيث جمع التبرعات والاتصالات، ولعله لهذا السبب اختارني الشيخ القرضاوي لأكون أمينا عاما لفرع الجزائر وكتب لي الشيخ فيصل مولوي بذلك تكليفا كتابيا لا زلت أحتفظ به، وقد وفقني الله أن أجمع لفرعنا كفاءات عديدة من مختلف التيارات، فكان أكثر الفروع في العالم نشاطا. فأسست، وفق مخطط المؤسسة عالميا، رابطة الشباب من أجل القدس، رابطة النساء من أجل القدس، ورابطة الأئمة والدعاة من أجل القدس، ورابطة رجال الأعمال من أجل القدس. أطلق الشيخ القرضاوي آنذاك مشروع “وقف الأمة” على أن يُؤسَّس في كل بلد وقفٌ لدعم المقدسيين وتثبيتهم في أرضهم، فوعد الكثير من النشطاء بذلك في بلدانهم، غير أن الوقف الوحيد الذي تم إنجازه فعليا هو وقف الجزائر بجهود شعبية بحمد الله تعالى، وسيبقى هذا الوقف حسنة جارية للشيخ القرضاوي ولكل من ساهم في إقامته بحول الله عز وجل.

ومن مشاريع مؤسسة القدس التي ثبتت مشروع شباب من أجل القدس وكان فرع الجزائر هو أنشط الفروع، ولا يزال إلى الآن قائما باسم آخر. ومن أكبر إنجازات فرع الجزائر التوصل، من خلال رجال فضلاء في الدولة الجزائرية، إلى استضافة مؤتمر القدس الخامس أيام 26-28 مارس 2007، حضره أكثر من 200 شخصية، على رأسها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس، والقاضي الشيخ فيصل مولوي، والشيخ عكرمة صبري، والمطران عطا الله حنا، والسيد علي أكبر محتشمي، والأستاذ منير شفيق، والشيخ قاضي حسين أحمد، والشيخ حارث الضاري، والقيادات البارزة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” كلها وعدد من الشخصيات السياسية والدينية وأصحاب الفكر والرأي في عدد من الدول العربية والإسلامية.

أصبحت علاقتي بالشيخ القرضاوي تتوطد أكثر فأكثر، من خلال مؤسسة القدس، كما صرت ألتقي به في مختلف المناسبات الدعوية والفكرية والعلمية العالمية حتى صار يعتبرني من تلاميذه المخلصين رحمه الله رحمة واسعة، وقد شرفني عليه الرضوان بأن اتصل بي شخصيا سنة 2016 ليطلب مني المشاركة في ذكرى بلوغه 90 بكتابة موضوع عنه فكتبت بحثا عن علمه وفضله على الصحوة تحت عنوان “الشيخ القرضاوي إمام الثورات العربية” نُشر ضمن المجلدين الكبيرين اللذين احتويا شهادات ومقالات وبحوث تلاميذه من العلماء والساسة والدعاة من كل أنحاء العالم.

 

أسأل الله تعالى أن يديم نفعنا بعلمه وأن ينفعه بما نعمل وأن يتغمده برحمته الواسعة. آمين.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية