لا شك أن أهم خلل في الجانب السياسي للبلاد هو ما نراه من التحولات والانقلابات المتتالية للأوضاع داخل منظومة الحكم ذاتها. نتابعها جميعا دون أن نفهم مغزاها. ولعدم توفر الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومة صار ملايين الجزائريين يتغذّون بخصوصها من منابر اليوتيوب والوسائط الاجتماعية المختلفة التي سيطر عليها نشطاء يقيمون في الخارح يقولون أن مصادرهم من داخل المؤسسة العسكرية ومن مختلف مؤسسات الدولة. وحتى وإن لم نهتم بأخبار هؤلاء فإن القرارات الرسمية بشأن ما يحدث تجعل الحليم حيران.
حينما اهتز عرش الحكم بتأثير الحراك الشعبي فسقطت رؤوس كبيرة وبقي النظام قائما قلنا ذلك أمر طبيعي، من عادة الأنظمة الشمولية أن تضحي ببعض رموزها لتستمر في الوجود. ولكن أن تستمر الرؤوس تتساقط إلى اليوم فإن ذلك دليل على عدم استقرار النظام، وليقل المسؤولون والمساندون لهم والطامعون فيهم والخائفون منهم ما يشاؤون في تبرير هذه الظاهرة الجزائرية الخالصة، إنه عدم الاستقرار السياسي.
ولو نحسب عدد قادة أحزاب الموالاة وعدد الجنرالات وعدد الوزراء وعدد الولاة وعدد مسؤولي المؤسسات الذين سُجنوا أو هرَبوا أو هم تحت الرقابة القضائية لقلنا بأنه لم يكن أحد إذن صالحا في هذه الدولة. ماذا نقول للأجيال عن تاريخنا المعاصر حينما يتداول على قيادة المخابرات الخارجية والداخلية عدة ضباط سامين في وقت قصير، أكثرهم أقيلوا ودخلوا السجن بتهم خطيرة تجعلنا نخاف فعلا على حال دولتنا من النظام الذي يسكنها والسلطة التي تحكمها؟
نكون في فترة ما تحت سلطة ضابط سام يراقبنا ويتجسس علينا وربما يكيد لنا المكائد باسم الوطنية وتحت عنوان حماية الدولة، ثم فجأة يصبح هو المجرم وهو المتآمر على الدولة أو هو الفاسد ويدخل السجن. ولو كانت الحالة عابرة لقلنا إنما الناس بشر ولا بد أن ينحرف بعضهم، ولو كانت المناصب التي وصلوا إليها في المراتب الدنيا، التي لا تتطلب تدقيقا في سِيَرهم وسوابقهم وعلاقاتهم ومستوياتهم، ربنا نقول لا حرج في ذلك إنما هم من عموم الناس الذين فيهم الصالح والطالح.
لا يفارق عقلي خصومةٌ وقعت بيني وبين أحد الأصدقاء حول شخصية وصلت إلى مراتب عليا في الدولة، كان يريد صاحبي أن يقنعني بكل الوسائل، “المقبولة وغير المقبولة”، بأن ذلك المسؤول رجل دولة، نزيه، ومن التيار الوطني الذي يجب أن ندعم أصحابه وتكون لنا علاقة بهم، ثم فجأة يقالُ هذا الرجل من منصبه ويصبح متابعا ويدخل السجن. لست أدري ماذا يقول صاحبي بعد أن سقط صاحبه؟
لا أريد أن أحكم على أيٍّ من هؤلاء المتابَعين، إنما هي ظلمات بعضها فوق بعض، لا يستطيع الغريب عن الدار مثلنا أن يفهم ما في داخلها، أو من صعد من أهلها كيف صعد ومن نزل في ما نزل. ولكن ربما بعد هذه الحادثة سيقف صديقي على حكمة موقفنا بأن لا نقترب بأي حال من الأحوال من صراعات الأجنحة داخل السلطة، فلا نُحسب على أي منها، ولكن نواجهها كلها عند الاقتضاء لمصلحة بلدنا، وحين يُحسن أيٌّ منهم لا نتهيب أن نقول بأنه أحسن في العمل الذي أحسن فيه لا أكثر.
إن موقف الفرجة الذي تعطيه لنا أخبار الصراعات والتعيينات والإقالات، والنزول من أعلى المراتب إلى أكثر السجون عتمة، ومن أعمق غار فيها إلى أعلى شرفات الحكم لا تثير فينا الفضول كما هو حال كثير من النخب الجزائرية، ولكن تجعل قلوبنا تتقزز إلى حد التقيؤ ، وتجعل صدورنا تغلي من الغضب لما آل إليه بلدنا. لا شك أن المؤسسة العسكرية تسير بقاعدة الانضباط ولم نصل بعد إلى الخوف على وحدتها، ولكن ما هو حجم الضرر الذي أصاب أمننا ومصالحنا ما دام العديد ممن كانوا مسؤولين عن الأمن صاروا متهمين بتهديده. إنه لا ينفع أن تتعامل النخب مع المؤسسة العسكرية من منطلق الطمع أو الخوف، فيقول بعضهم لا يوجد مشكل داخل المؤسسة، فمن أخفى داءه قتله.
هذه المؤسسة مؤسستنا جميعا، وقد بينت هذه الأحداث بأن من فيها ليسو بالضرورة أكثر وطنية ممن ليسو فيها. ومن فيها وعلى رأسها بشر يصيبون ويخطئون، ويأكلون الطعام ويتنفسون ويمشون على أديم الأرض كغيرهم من ولد آدم، وهم ليسو فوق المساءلة، وإن بقيت الثغرات مفتوحة إلى هذا الحد وهذا المستوى ومتكررة في الزمن فهم ليسو في مستوى المسؤولية الملقاة عليهم. وهذا الكلام الذي أكتبه هو الكلام الوطني الحق، أقوله وأنا داخل البلد، ولا يوجد غير الله من أعتمد عليه، ولا نريد بذلك تحديا غير أن نقول ما نعتقد أنه حق وأنه مفيد.
وما يحدث في المؤسسة العسكرية يحدث مثله في المؤسسات المدنية، لم تصبح ثمة معايير معلومة يمكن أن نراقب على أساسها السلطات العمومية، يُقال بعضُ المسؤولين، ومنهم من يدخل السجن، ثم فجأة يعودون إلى المسؤوليات المركزية والمحلية العليا، بل إن فيهم من تشيع عنه تهمةُ الفساد حتى نفرح حين يُقال، ثم في مرحلة لاحقة يُعاد إلى منصبه. وهناك من نعرف نزاهتَهم واستقامتهم ولكن يُبعدون إلى الأبد.
ومن عجائب معايير التعيين في المناصب اعتلاء بلاطوهات الفضائيات فرأينا نخبا أظهروا حساسياتهم في الإعلام من الأحزاب، وبعضهم برعوا في التزلف، فصاروا وزراء ومدراء دون أي اطلاع على مستوى الكفاءة والنزاهة لديهم، فرأينا منهم من تسبب في خيبةِ أملِ من عيّنه فأقيل بعد ذلك، ومنهم من لا يزال يتسبب في خيبات الأمل، ويقع في الأخطاء المتتالية، ويظلم الإطارات ويعتدي على الضعفاء، ولا زال ثابتا في منصبه، ربما لا لشيء إلا أنه ثبت على التملق وصارت له “علاقات”!
أما أحزاب الموالاة فلا أقول عنها شيئا لأن قادتها زملاء ولكن أرجو أن يُعبّروا يوما ما علانية عن حجم التهميش وأحيانا الإهانة لبعض إطاراتهم، بما يتحدثون به في لقاءتهم المغلقة. ولكن بغض النظر عن الاحترام الذي يجب عليّ أخلاقيا أن أظهره لهم، وأن نتناصح بيننا بشأنه، حتى نبني بيئة سياسية جادة تحفظ الجزائريين من الكفر بالأحزاب والسياسة والساسة جميعهم، هم في المحصلة ضحايا النظام السياسي كذلك. كم من مرة سمعت قادة جبهة التحرير يقولون نحن لم نحكم أبدا، سمعتها من الأجيال القديمة التي اعتبرت أن الحزب الواحد كان مجرد جهاز، ولا يزال البعض من الأجيال الجديدة يعتبرونه كذلك. وبالرغم من أنني لم أقبل هذه الحجة من كبار قادة جبهة التحرير حين تعرفت عليهم أكثر في المجلس الشعبي الوطني وفي مؤسسة القدس العالمية وفي منظمة الفضاء المغاربي والعديد من المناسبات في الداخل والخارج، وفي مختلف محطات الكفاح المشترك من أجل ثوابت الأمة والوطن، فإنني لا أنكر أبدا فضل بعض كبار هؤلاء علي، حيث لا يُقدر بثمن ما استفدته من خبرتهم، وعقولهم، ومعلوماتهم، ومعاني الوطنية الصادقة التي التمستها فيهم، فهم يذكرونني بوالدي وأعمامي وأخوالي، رحمهم الله جميعا، الذين تشربت من قصص جهادهم ونضالهم، ومن استقامتهم، المعنى الحقيقي للوطنية، ولكن واسفاه! أين ذلك الجيل؟ وأين ذلك الزمن؟
ومما لاحظته في هذا الجيل أنه رغم اعتزازهم بتاريخهم النضالي في جبهة التحرير، فلم يكن لهم نفس حزبي متعصب، وبالرغم من أننا ننتمي لحزب عريق آخر كانوا يروننا امتدادا لهم. وكم تأثرت حينما لمت أحدَهم عن تراجعه عن الاهتمام بمراتب الصدارة في جبهة التحرير كضمان لخطها الوطني الأصيل، حيث قال لي: “يا سي عبد الرزاق احنا تعبنا والمشعل راه في ايديكم”، أي أنه اعتبرني امتدادا له، بسبب الانتماء الوطني المشترك، بالرغم من أني أعارض حزبه سياسيا.
إنه لا يقلقنا أبدا أن تكون جبهة التحرير حزبا سياسيا قويا، ولا أي حزب من الأحزاب الوطنية والإسلامية، فقوتها ضمان لهوية البلد والوفاء لبيان أول نوفمبر. بل لا يقلقنا أن تقوى الأحزاب العلمانية كذلك، فقوتها يدخلها التنافس الديمقراطي ويخرجها من حالة الانغلاق التي تلجأ إليها الأقليات الأيديولوجية عادة. إنما الذي يقلقنا هو ما يقوم به النظام السياسي من عمل منهجي دؤوب لإفساد الأحزاب وإضعافها وابتزازها والتآمر عليها ومحاولة استبدالها بشخصيات وأوعية اجتماعية موالية فارغة وانتهازية.
كنت في يوم من الأيام في ” جنان الميثاق” أيام جلسات الحوار مع الرئيس السابق زروال بين جبلين كبيرين، الشيخ محفوظ نحناح والأستاذ عبد الحميد مهري، أسمع حوارهما الراقي، يُسمِّي الأستاذُ مهري الشيخَ محفوظ “شيخنا” وهو أكبر منه سنا، والشيخ محفوظ، الأستاذ الجامعي ومربي طبقات قيادية متتالية والمفكر المحاضر في كل أنحاء العالم، يقول للأستاذ مهري “أستاذ الجيل”. سمعت في هذا الحوار الأستاذ مهري يقول للشيخ محفوظ: “إن النظام السياسي مخطئ حين يعتقد بأنه يخدم الدولة بعمله على إضعاف الأحزاب”. وقد تحقق استشراف الأستاذ مهري فعلا، لم تجن الدولة بإضعاف الأحزاب إلا الخراب الاقتصادي والاجتماعي والصراعات الثقافية وتكوين المافيا والعصابات.
..يتبع
د. عبد الرزاق مقري
أعدت الحكومة على جناح السرعة النصوص التنظيمية لقانون الاستثمار على غير العادة مقارنة بالعديد من القوانين الأخرى. لا شك أن هذا أمر جيد باعتبار حاجة الجزائر الملحة للاستثمار،
غير أن اللافت هو السرعة التي أقبل بها الوفد الفرنسي للاستفادة من هذا التطور الجديد. يقال بأنه كان للفرنسيين دور خبرة مهم في بلورة قانون الاستثمار الجديد ونصوصه، وربما ها هم يأتون قبل غيرهم للاستفادة منه، لا شك أن حصول المعلومة عندهم عن الجزائر أسرع وأسهل!لم تستفد الجزائر من العلاقات المميزة مع فرنسا، فلقد امتصت خيراتِنا واستعملت أموال بترولنا لتحريك مصانعها ودعم فلاحيها وتنمية مؤسساتها الخدمية، مصانع كبرى مفلسة أنقِذت بالطلبيات الجزائرية، وبقيت تسمم أوضاعنا الثقافية، وتقف دوما ضد توجهاتنا الدولية.
ولكن رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه يبشران بأن هذه المرة ستكون انطلاقة جديدة في العلاقات مع فرنسا.
لست أدري هل ستكون لصالح الجزائر، أو على الأقل لصالح الطرفين، والله لا أظن ذلك. فرنسا دولة استعمارية تسببت في تفقير الشعوب الافريقية التي استعمرتها، وفي الوقت الذي تثور فيه هذه الشعوب عليها يقول حكامنا أن العلاقة معها في أعلى مستوياتها تاريخيا.
من يعلم؟ لعل اللوبيات الفرنسية داخل الجزائر أقوى من اللوبيات الفرنسية في الدول الافريقية! لا يوجد شيء ذو بال في الاتفاقيات التي أبرمتها رئيسة الوزراء الفرنسية “بورن” مع رئيس الوزراء الجزائري “أيمن”، أغلبها تعبير عن نوايا، سوى الاتفاقات التي تهم فرنسا فقد تم إبرامها بشكل قطعي مثل الاتفاقيات حول القطاع الفلاحي، والمدارس التعليمية، وهياكل دعم المؤسسات، وهي كلها قطاعات متخلفة في فرنسا أو استغلالية، وتحمل مخاطر جمة لاقتصادنا وثقافتنا.
أما القضايا الخلافية فتم التصرف معها وفق الإرادة الفرنسية، أي السكوت عنها، بمعنى إهمالها. نحن نتحدث هنا عن قضايا الذاكرة التي اقتصرت هذه المرة على هدية فرنسية لقِطعٍ نقدية تاريخية جزائرية هي في الأصل ملكنا، ونحن نتحدث كذلك عن ملف التأشيرات الذي سُيِّر وفق الشروط الفرنسية، أي اختيار الجزائريين المفيدين لفرنسا لدعم هجرة عقول بلادنا ورؤوس أمواله، أما التأشيرات المتعلقة بمصالح الجزائريين العاديين التي لا حد لها في فرنسا فلا ينظر لها.
دون أي اعتبار للعدد الهائل للعلاقات العائلية الجزائرية مع المقيمين من شعبنا فيها، ولا أي اهتمام بحقيقة أن الدول المستعمِرة في العالم بأسره يتوجه إليها سكان البلاد المستعمَرة التي حطمها الاستعمار وأغرقها في التخلف وسلم حكمها لأتباعه والمتأثرين به، فهؤلاء السكان لا حيلة لهم إلا أن يتوجهوا لقضاء احتياجاتهم في العمل والصحة والتعليم وغير ذلك. ونحن نتحدث كذلك عن ضرورة الاعتراف والاعتذار والتعويض الذي لن يسقط بالتقادم رغم تنازل السلطات الحالية عن ذلك.
ويمكننا أن نتحدث كذلك عن السكوت عن إيواء رأس المنظمة الانفصالية التي اعتبرها المسؤولون، أصدقاء فرنسا، منظمة إرهـ.ـابية، وكذلك السكوت المطبق عن حقيقة أن السياسة المغربية تجاه الصحراء الغربية داعمها الأول والأساسي والدائم والشرس هو فرنسا. فلست أدري، تبعا لذلك، كيف أن الحساسية تجاه المغرب شديدة منذ سنوات طويلة، وحليفها الاستراتيجي الذي يسندها في أوربا وفي افريقيا وفي العالم بأسره لا تتوجه له هذه الحساسية.
في كل الأحوال، لا يوجد شيء جديد في زيارة “بورن” ووفدها الكبير للجزائر، فهو كما يدل عليها اسمها، في التعريف القاموسي لاسم وفعل “بورن”: العلاقات “محددة” و “محدودة” بمعالم صلبة لن تتغير، وعقول النخبة الفرنسية “متصلبة” لا تتغير، وأفق العلاقات محدود.
كل ما في الأمر أننا سنفيق بعد مدة بأن فرنسا وحدها هي التي استفادت من هذه العلاقات. لم تكن العلاقات الفرنسية الجزائرية تمثل مشكلة لدينا كعلاقة بين دولتين، ولكن الذي نرفضه، والذي سنبقى نحاربه، هو علاقة التبعية والتفريط في مصالح بلدنا، وقبول تأثير اللوبيات الفرنسية، الذي كان ولا يزال مستمرا.
غير أن الشيء الذي أردت أن أقف عنده في الختام هو التذكير بأننا لم نشارك في الانتخابات الرئاسية 12/12 لأن الشعب كان لا يزال في الشارع وقررت مؤسساتنا أن لا نخون الحراك الشعبي، ولكن لم ندع لمقاطعتها لأنه في الأخير ستعود الانتخابات إلى مجراها الذي كانت عليه لأن حالة الانقسام التي كانت تجري في الشارع لم تكن تبشر بالخير.
ولكن! السؤال المطروح: ما هو شعور أفراد الكتلة الشعبية الكبيرة الذين ساندوا الانتخابات بحجة أن الدولة الجزائرية قد استقامت وأن الحكام الجدد سيقطعون “دابر فرنسا” وسينهون وصايتها علينا؟ كان الاتهام الموجه للذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات أنهم أولاد فرنسا، فماذا تقول الأغلبية الساحقة التي ساندت الرئيس وتوزعت بين كل المرشحين؟ ماذا يقولون والذين تحققت أهدافهم هم الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات واستعملوا العنف في فرنسا لمنعها؟ هل سيراجعون ما كنا نقوله لهم بكل حب وإشفاق بأن ما كانوا يعتقدونه بأن الزمن زمن نهاية النفوذ الفرنسي بإرادة رسمية فوقية وهمٌ عظيم، وحيلة خبيثة استعملتها المخابر لتفويت فرصة حقيقية للتغيير؟نحن نحترم آراء الجميع ولكن أرجو أن يكون تصريح المسؤولين بأن العلاقات الفرنسية الجزائرية قد وصلت إلى المستوى الأعلى تاريخيا، وما يرونه من فًرشٍ مستمر للبساط الأحمر لحكام فرنسا، قد أحدث هزة في العقول؟
د. عبد الرزاق مقري
يوجد في عالم السياسة ساسة يربطون مواقفهم من الأنظمة المستبدة وفق الأحوال الذي تكون عليها تلك الأنظمة من قوة أو الضعف. فإن كانت الظروف مُهلكة لتلك الأنظمة يتشجع أولئك الساسة على محاربتها وربما انتهجوا نهجا متشددا ومتعجلا لتسريع نهايتها. أما إذا كانت الرياح متجهة لصالح أشرعة المستبدين، خفظوا أصواتهم حتى تكاد تنسى، ومنهم من يتوارى ليعيش حياته بعيدا عن السياسة، ومنهم من يلتحق بالحكام الأقوياء تائبا، وربما ذليلا، وقليل منهم من يصمد ويصبر فيؤدي الذي عليه في مواجهة الفساد والفشل والاستبداد، ولو بدون نتيجة تذكر، إخلاصا لله تعالى إن كان مبعثه دينيا، أو إشفاقا على وطنه إن كان الدافع وطنيا، أو رجولة ومروءة من أجل المبدء، وقد يكون الدافع ذلك كله.
أين النقاش السياسي الذي كان يميز الحياة السياسية في بلادنا رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد في مراحل عدة سابقة؟ هل يُعقل أن تناقش السياسة العامة للحكومة في البرلمان فلا يوجد في الساحة ساسة كبار ومتخصصون متميزون يكشفون زيف ادعاء المسؤولين؟ سوى أصوات قليلة مبحوحة محاصرة، منها قادة حركة مجتمع السلم. هل صار الساسة في داخل البلاد، الذين ادعوا معارضة النظام السياسي من قبل، ينتظرون حتى يتحرك الشعب لكي يتكلموا؟ هل ينتظرون أمواج التغيير تأتي وحدها لكي يركبوها؟
لا تجود الأقدار دائما بإظهار أسرارها سريعا، قد يحدث ذلك فيُفضَح الباطلُ على العجل ولا تطول معاناة محاربيه، وقد يطول إظهار الحق وابطال الباطل فينعم الفاسدون بفسادهم دهرا طويلا، ويموت الأبطال دون التنعم بثمار كفاحهم، ولكن مهما طال الزمن ستُنصِف الأقدارُ الرجالَ، سواء الذين قضوا نحبهم أو الذين بقوا ثابتين ينتظرون ولم يبدلوا تبديلا. وهل يضيعُ أجرُ المحسنين عند الله تعالى؟ وهل ظَلم التاريخُ صانعيه يوما، فلم يضع لكل فاعل فيه وسما، بالسوء أو المجد؟
إن الله لا يضيع أجر العاملين يوم القيامة فيعطي لكلٍّ حسب جهده ويزيد من يشاء برحمته، ولكن يوزّع في كل زمن ولكل واحد بمقادير مختلفة لا يعلم حكمتها إلا هو سبحانه، ولكنها بكل تأكيد عادلة في حق صاحبها بما يَصلُح له و ما يُصلِحه. فثمة من المصلحين من يأتي بهم الله في مرحلة لا يمكن فيها تحقيق شيء سوى وقف الانهيار في أممهم، فينجحون في ذلك أيما نجاح، ولكن قليل من ينتبه إلى عظيم صنعهم. ومنهم من يجيء في مرحلة لا تتحمل سوى التطوير وإضافة لبنات أساسية لما سبق، فيؤدون المهمة بكفاءة ويتسببون في تحسين أوضاع بلدانهم ولكن لا يُكتب على أيديهم الحسم الذي يذكره الناس جميعا، وهناك من يختصهم الله بالحسم في آخر مسيرة كفاح لم يحضروا جل ما سبق منها، فيدخلون التاريخ من بابه الواسع إذ يكون الإنجاز نهائيا مدويا يشهده جميع الناس ويشهدون عليه.
إن الأمثلة في التاريخ على تنوع هذه الأرزاق المُقدّرة كثيرة، من أهمها الحسم الذي صنعه صلاح الدين الأيوبي ضمن مسار لم يطلقه هو، بل كان رائده الأول رجل أفضل منه عند العارفين، هو نور الدين زنكي، ولكن عموم الناس لا يذكرون إلا صلاح الدين الأيوبي، وذلك فضل الله في الدنيا يعطيه من يشاء.
ولو أردنا أن نسقط هذه الحقيقة السننية على تاريخ كفاح المصلحين في الجزائر والمناضلين من أجل تخليصها من الفساد والاستبداد ولغرض تطورها ونهضتها لوجدنا رجالا كُثرا على هذا المسار لا يعرف الناسُ أغلبَهم. منهم من رفض الانحراف من أول يوم حين تم فُرض الاستبداد بعد الاستعمار و تم إمضاء المناهج والتوجهات المستوردة المناقضة لعهد الشهداء وبيان أول نوفمبر، و التي أغرقت البلد في التخلف وضياع فرص الإقلاع والنهوض، ومنهم من كان له أثر في تأليف القادة وتأسيس المنظمات والأحزاب المناضلة حتى صار تأثيرهم ملموسا وإنجازاتهم شاهدة، ولكن لا أحد منهم حَسَم الأمر، فرغم كل التضحيات لا يزال نفس النظام الحاكم منذ الاستقلال يكرر نفسه ويكرر إخفاقاته، تتكرر أمامه الفرص ويكرر إهدارها بلا هوادة.
لقد كان النظام السياسي في شدة وهلع بسبب استدامة تراجع أسعار البترول واقتراب نضوب احتياطي الصرف بما جعله يشعر بوشوك حالة الإفلاس فأخذ يؤجلها بطباعة النقود والتقليص الحاد للواردات، ووقف المشاريع والتفكير في التراجع عن سياسة الدعم المعممة، فإذا به تنزل عليه فرصة من السماء سببها دماءٌ تسيل وأرواحٌ تزهق في أرض بعيدة تشهد حربا طاحنة، تبدو مزمنة، تسببت في ارتفاع أسعار البترول.
إن الأنظمة المستبدة تسكن الدول التي تحكمها كما يسكن الجان الجسد حتى يصبح انهيارها هو انهيار الدولة ذاتها، ولذلك، بقدر ما حزنا على الشعوب التي تأكلها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، سعدنا بالنّفَس الجديد الذي أُعطِي لبلدنا. غير أن نجاة البلدان ليس بالخيرات التي تنعم بها وإنما برشاد حكامها، فكم من دول غنية قوية جنى عليها حكامها رغم ثرائها، وقد بيّن العلامة عبد الرحمن بن خلدون ذلك بحديثه عن أطوار الدول وكيف تنهض بالتجرد والبسالة والتعفف وكيف تسقط بالفساد والظلم والترف، ومن أسباب سقوطها انشغال الحكام بنعيم خيراتها بدل خدمتها. وقد صدق مؤرخ الحضارات توينبي كذلك حين قال بأن الحضارات لا تسقط بسبب عدوان خارجي ولكنها تنهار من الداخل وقد أوجز بقوله: “الدول لا تموت ولكنها تنتحر”.
إننا حينما نقرأ ما ورد في بيان السياسة العامة وما نسمعه من المسؤولين في مجال مكتسبات الحريات والسياسة والديمقراطية والمؤسسات نشعر وكأنهم يتكلمون عن بلد آخر.
بعد أن تحدثنا عن الشأن الاقتصادي في المقال السابق لست أدري من أين أبدأ لأبين عكس ما يدعون في الشأن السياسي: هل من حالة اللاستقرار السياسي من داخل النظام نفسه، أم من ضعف المؤسسات، أم عن أحادية الرأي الذي وصلت إليه كل المؤسسات الإعلامية، أم عن إفساد العمل السياسي برمته، أم عن نهج التحكم والاستغلال الجاري لمنظمات المجتمع المدني، أم عن حالة الفساد المهيكل، أم عن موقع بلدنا ضمن التحولات الدولية القائمة.
يتبع..
د. عبد الرزاق مقري
بدأت الصحوة الإسلامية معتدلة وسطية سلمية علمية، وبعد أن صُبّ على الدعاة القمعُ في مصر في زمن الملك فاروق، وخصوصا في زمن جمال عبد الناصر، وكذا في بعض الدول العربية، خصوصا الاشتراكية الشيوعية، بدأت تظهر توجهاتٍ ردود الأفعال المتشددة المتطرفة في من قُبض عليهم وعُذبوا وأُعدِم رفقاؤهم، والعديد من الدعاة من أهل العلم والثقافة والشهادات العليا لجؤوا إلى المملكة العربية السعودية في زمن الملك فيصل رحمه الله فكانوا هم ركائز التطور في المؤسسات التعليمية والتربوية والمؤسسات المجتمعية في هذا البلد، وبسبب طول مكوثهم فيه تأثروا بالمذهب الوهابي المتحالف رجاله آنذاك مع العرش فظهرت في كل الحركات الإسلامية مسحة سلفية في الفقه والسلوك، ولم يكن التوجه السلفي آنذاك عنيفا ولا مخاصما للعلماء والدعاة، بل كان وسطيا مساهما مساهمة كبيرة في الدعوة الإسلامية، ومن دلائل ذلك ما نُشر عن أئمته، أمثال الشيخ ابن باز والشيخ الألباني من كلام طيب عن علماء الإخوان المسلمين، كالشيخ حسن البنا والشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي رغم الاختلافات الفقهية بينهم رحمهم الله جميعا.
وفي فترة الثمانينيات وجّه العديد من علماء الوسطية والاعتدال شباب الصحوة إلى مجالات التجديد والتطوير في الفكر، والحكمة في الدعوة والمشاركة الاجتماعية ومسارات النهوض الحضاري، ونبهوا إلى ضرورة الابتعاد عن كل أنواع التقوقع والتشدد في مسائل الفكر والفقه والزي والسلوك والعلاقات ودعوا إلى نبذ الخصومات وإلى احترام أعراف الناس وما استقرت عليه المجتمعات الإسلامية من المذاهب والعادات في الإطار العام للشريعة الإسلامية. وكان من أبرز وأشهر وأعلم هؤلاء الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي رحمهما الله.
وبفعل تأثرنا بالمسحة السلفية كان الكثير منا، كشباب، ينقد هذين العالمين الجليلين ونعتبرهما متساهلين في الدين ثم بيّنت لنا الأيام وما استزدناه من علم وتجربة عظمة هذين الرجلين وسبقهما في تحليل مشكلات الأمة وما اقترحاه لها من حلول باجتهاداتهما العلمية. وكانت بيئتنا المغاربية الجزائرية الباديسية البَنّبية خيرَ معين على نضجنا وفهم آفاق الفكر الرحيب لذانك الجبلين، كما كان لصرخة الهضيبي في كتابه “دعاة لا قضاء” جليل الأثر.
لقد كان تأثير هؤلاء العلماء والمفكرين كبيرا في الجزائر من خلال كتبهم وأشرطتهم وزيارتهم الدورية للجزائر في ملتقى الفكر الإسلامي وغيره من المناسبات، وكان دور الشيخين الغزالي والقرضاوي بليغا في ترشيد الصحوة الإسلامية الجزائرية، وكان الفضل الأول للشيخ محمد الغزالي من خلال إشرافه العلمي في جامعة الأمير عبد القادر، وبرنامجه التلفزيوني كل اثنين الذي كان من أكثر البرامج متابعة وقد صار رحمه صديقا حبيبا لعوام الناس ومثقفيهم ومسؤوليهم، ولم يكن يخفى على أحد العلاقة المميزة بين هذا المجدد الجليل ورئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد. وبعد رحيل الشيخ الغزالي خلفه الشيخ القرضاوي رحمهما الله في الجامعة، غير أنه لم يطل كثيرا كالشيخ الغزالي.
استقطبت الجامعة الإسلامية أعدادا كبيرة من إطارات الصحوة من مختلف الاختصاصات العلمية الذين سجلوا أنفسهم للدراسة فيها. كنت أريد أن أدرس العلوم الإسلامية بعد حصولي على شهادة البكالوريا في دورة 88 / 89، ضمن موجة ذلك الزمن، ولكن والدي رحمه الله أرادني أن أدرس الطب فأطعته ولم أندم على ذلك رحمه الله رحمة واسعة، ولكن بسبب شغفي بالعلوم الإسلامية درَستُها عصاميا في البداية، ثم درّستها عبر سنوات في المدرسة الشرعية بجامع أسامة بن زيد بمدينة المسيلة، ثم أسست مع إخواني مدرسة شرعية في مسجد جامعة سطيف ذاع صيتها وانتفع بها كثير من الأطباء والمهندسين وذوي الاختصاصات الأدبية، وفي كل تلك المسيرة كان علم الشيخ القرضاوي هو دليلنا الأول، فلا نطمئن لمسألة إلا إذا اطلعنا على رأيه فيها، ولا يَحسم الخلاف العلمي بيننا سوى قولِه في المسألة رحمه الله تعالى.
بعد أن تحصلت على الدكتوراه في الطب، وولجت غمار السياسة رجع لي الحنين القديم إلى الشريعة فأنفذت إرادتي وتحصلت على شهادة الماجستير في الشريعة والقانون وواصلت المسيرة مع الدكتوراه في نفس الكلية حول موضوع في الاقتصاد برؤية إسلامية، وبقي مرجعي الأول دائما في ذلك هو الشيخ القرضاوي رحمه الله تعالى.
لقد كان تعلقي بالعلماء كبيرا، وكبرت على احترامهم جميعا، فلا أخوض أبدا في الاختلافات بينهم وأرى في مواقفهم وسلوكاتهم الشخصية ما يسعه شرع الله تعالى، وإن اقتنعت بخطئهم في تصرف من تصرفاتهم، أعبر عن ذلك بأدب وأنظر إلى خلالهم الحميدة وأفضالهم الواسعة فلا يبقى لما أراه فيهم من خطأ بشري أثر، ومن منا لا يخطئ.
لقد تعلمت هذا السلوك من مخالطتي للعلماء، خصوصا أستاذي الأول في مدينة المسيلة وشيخي الدائم الدكتور أحمد بوساق، وصاحب الفضل علي المربي الأبدي الشيخ محمد مخلوفي. كما كان تأثري بأدب ورِقّة الشيخ الغزالي كبيرا، حين كنت أزوره وأستنصحه وهو في الجزائر، فتجذبني إليه أبعاده الإنسانية أكثر من علمه الغزير المتجدد، وقد كان له أثر كبير في خيارات أساسية وحاسمة في حياتي الدعوية.
أما الشيخ القرضاوي فقد نهلت من علمه وفكره وأدبه بواسطة كتبه ومحاضراته وندواته طيلة الثمانينيات، ثم كان أول لقاء مباشر به سنة 1989 في لقاء لمجلس الشورى الوطني للحركة قبل التأسيس الرسمي للحزب في إحدى الفيلات في الجزائر العاصمة، يملكها أحد رفاق الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وكنا نناقش في ذلك المجلس الرأيَ بشأن تأسيس الحزب، وكنت قدمت ورقة بهذا الخصوص في ذلك المجلس.
كانت مؤسسة القدس منظمة دولية غير حكومية اجتمعت فيها مختلف مكونات الأمة، من سنة وشيعة ومسيحيين، ومن الإسلاميين والقوميين، فكان الشيخ القرضاوي هو رئيس المؤسسة وينوبه عالم شيعي وشخصية مسيحية وأخرى قومية.
ثم تشرفت باستقباله مع زوجته المصرية إسعاد عبد الجواد أم أولاده في بيتنا في المسيلة سنة 1990، وكانت زوجته رحمها متعبة جدا أخبَرت والدتي وزوجتي بأنها منهكة وأنها لم تصبح قادرة على تحمل أعباء السفر مع زوجها الشيخ القرضاوي رحمهما الله، ولعل ذلك هو السبب الذي دفع الشيخ القرضاوي للزواج آنذاك بامرأة ثانية تتحمل معه المشاق التي كان يكابدها في أعماله وأسفاره التي لا تتوقف.
قدم الشيخ القرضاوي أثناء زيارته لمدينة المسيلة درسا في الجامعة ودرسا في مسجد الصحوة أسامة بن زيد فجمع في مقدمة درسه بالجامع التكامل في الإسلام بين الجامع والجامعة، والدين والعلم، ثم راح يفسر سورة العصر، وكان قد قرأ بها في إمامته للمصلين في صلاة المغرب، فأبدع في التفسير أيما إبداع.
بعد أن غادر الشيخ القرضاوي الجزائر بإلحاح من عائلته بسبب مرضه، حاول الدكتور عمار طالبني، وفق ما أخبرنا به، أن يقنعه بالتعاقد سنة أخرى لرئاسة المجلس العلمي في جامعة الأمير عبد القادر فذهب إليه إلى القاهرة برئاسة وزير التعليم العالي آنذاك، فلم يفلح إذ عارض أهله سفره، ولكنه بقي يزور الجزائر بين الحين والحين بدعوات رسمية أو شعبية، وذات يوم في شهر أب/أغسطس سنة 2007 أصابته وعكة صحية شديدة فقامت الدولة الجزائرية برعايته صحيا في المستشفى العسكري بالجزائر العاصمة، وزاره في مشفته رئيس الجمهورية وعدد من المسؤولين الكبار. لم يكن مسموحا لغير الرسميين بزيارته فطلبت من أحد وزرائنا آنذاك د. إسماعيل ميمون أن يزوره ويبلغه سلامي وسلام تلامذته في الجزائر فسعد بذلك رحمه.
غير أن المشروع الأكبر الذي شرفني الله بالعمل فيه بشكل مباشر مع الشيخ القرضاوي هو مؤسسة القدس العالمية. كانت مؤسسة القدس منظمة دولية غير حكومية اجتمعت فيها مختلف مكونات الأمة، من سنة وشيعة ومسيحيين، ومن الإسلاميين والقوميين، فكان الشيخ القرضاوي هو رئيس المؤسسة وينوبه عالم شيعي وشخصية مسيحية وأخرى قومية. وكان رئيس مجلس الإدارة الشيخ فيصل مولوي من لبنان رحمه الله، والأمين العام أكرم العدلوني ذكره الله بخير، وللمؤسسة مجلس أمناء يتشكل من العديد من الشخصيات من مختلف أنحاء العالم، منهم كثير من النشطاء الجزائريين، وافتتحت المؤسسة فروعا في العديد من الدول منها الجزائر.
كنت من أكثر الأعضاء الجزائريين في مجلس الأمناء نشاطا، من حيث جمع التبرعات والاتصالات، ولعله لهذا السبب اختارني الشيخ القرضاوي لأكون أمينا عاما لفرع الجزائر وكتب لي الشيخ فيصل مولوي بذلك تكليفا كتابيا لا زلت أحتفظ به، وقد وفقني الله أن أجمع لفرعنا كفاءات عديدة من مختلف التيارات، فكان أكثر الفروع في العالم نشاطا. فأسست، وفق مخطط المؤسسة عالميا، رابطة الشباب من أجل القدس، رابطة النساء من أجل القدس، ورابطة الأئمة والدعاة من أجل القدس، ورابطة رجال الأعمال من أجل القدس. أطلق الشيخ القرضاوي آنذاك مشروع “وقف الأمة” على أن يُؤسَّس في كل بلد وقفٌ لدعم المقدسيين وتثبيتهم في أرضهم، فوعد الكثير من النشطاء بذلك في بلدانهم، غير أن الوقف الوحيد الذي تم إنجازه فعليا هو وقف الجزائر بجهود شعبية بحمد الله تعالى، وسيبقى هذا الوقف حسنة جارية للشيخ القرضاوي ولكل من ساهم في إقامته بحول الله عز وجل.
ومن مشاريع مؤسسة القدس التي ثبتت مشروع شباب من أجل القدس وكان فرع الجزائر هو أنشط الفروع، ولا يزال إلى الآن قائما باسم آخر. ومن أكبر إنجازات فرع الجزائر التوصل، من خلال رجال فضلاء في الدولة الجزائرية، إلى استضافة مؤتمر القدس الخامس أيام 26-28 مارس 2007، حضره أكثر من 200 شخصية، على رأسها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس، والقاضي الشيخ فيصل مولوي، والشيخ عكرمة صبري، والمطران عطا الله حنا، والسيد علي أكبر محتشمي، والأستاذ منير شفيق، والشيخ قاضي حسين أحمد، والشيخ حارث الضاري، والقيادات البارزة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” كلها وعدد من الشخصيات السياسية والدينية وأصحاب الفكر والرأي في عدد من الدول العربية والإسلامية.
أصبحت علاقتي بالشيخ القرضاوي تتوطد أكثر فأكثر، من خلال مؤسسة القدس، كما صرت ألتقي به في مختلف المناسبات الدعوية والفكرية والعلمية العالمية حتى صار يعتبرني من تلاميذه المخلصين رحمه الله رحمة واسعة، وقد شرفني عليه الرضوان بأن اتصل بي شخصيا سنة 2016 ليطلب مني المشاركة في ذكرى بلوغه 90 بكتابة موضوع عنه فكتبت بحثا عن علمه وفضله على الصحوة تحت عنوان “الشيخ القرضاوي إمام الثورات العربية” نُشر ضمن المجلدين الكبيرين اللذين احتويا شهادات ومقالات وبحوث تلاميذه من العلماء والساسة والدعاة من كل أنحاء العالم.
أسأل الله تعالى أن يديم نفعنا بعلمه وأن ينفعه بما نعمل وأن يتغمده برحمته الواسعة. آمين.
د. عبد الرزاق مقري
خلافا لتفاعلات الرأي العام حول مقاصد حركة مجتمع السلم من مناقشة بيان السياسة العامة فإن هدفنا الأول ليس رئيس الحكومة، فما رئيس الحكومة إلا قطعة في منظومة، والمشكلة الحقيقية هي في منظومة الحكم كله. إنه حينما تكون الماكنة كلها متهالكه لا يصبح مهما أن تسأل عن قطعة الغيار التي تبدلها، هل هي صالحة ومناسبة أم لا؟
وفي هذه الحالة كثيرا ما يتكرر تغيير القطع، فلا يدري أحد حينما تُغيّرُ القطعةُ هل كانت هي ذاتها فاسدة فعقّدت حال المنظومة أكثر، أم أنها كانت صالحة فلم ينفع صلاحها الماكنة إذ الماكنة نفسها في حالة مزرية وهي المقصودة بالتغيير وليست القطعة. فلا نريد أن نظلمه أو نظلم من كان صالحا من وزرائه، ولكن في كل الأحوال رئيس الوزراء يتحمل المسؤولية سواء كان مناسبا لهذا المنصب السامي أم لا.
وباعتبار أن البرلمان مسَيطر عليه بنسبة أكثر من 80% من نواب الموالاة الذين يتبعون الحكم، وليس الحكومة، فإننا سنسمع هجوما واسعا على هذه الحكومة ووزرائها من العديد من أعضاء المجموعات البرلمانية الذين تقبع أحزابها فيها ولكن في آخر المطاف سيصوتون لصالح بيان السياسة العامة، وحتى وإن أقدمت المجموعة البرلمانية المعارضة الوحيدة المتمثلة في كتلة حركة مجتمع السلم على تقديم ملتمس الرقابة للإطاحة بالحكومة فإن المشروع ستسقطه الأغلبية الساحقة التي أنتجتها انتخابات قاطعها أغلبية واسعة من الناخبين وشُوهت بإبداع تزويري جديد بيّنا دلائله وبراهينه للمسؤولين بما لا يمكن رده. وسيبقى التصويت الأخير على بيان السياسة العامة موقفا سياسيا فارقا بين أغلبية ستقول نعم لاستمرار الوضع بكل ما يحمله من مخاطر للبلد، وأقلية معارضة شامخة مقاومة ستتحمل مسؤوليتها التاريخية مرة أخرى برفض فرض الأمر الواقع من منطلق الواجب أولا والتاريخ ثانيا، ثم لعل الجزائريين يتذكرون يوما ما!
كان من المنطقي أن نبدأ بتقييم الوضع السياسي في تناولنا الرد على بيان السياسة العامة، ولكن باعتبار أن المنتظر أكثر من الحكومة هو ما يتعلق بالنتائج على الصعيد الاقتصادي سنبدأ بالحديث عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وفي المقال المقبل سنتحدث عن الجانب السياسي.
وقبل ذلك لا نبد أن نشيد باحترام الشكل في عرض بيان السياسة العامة على البرلمان، إذ لأول مرة يُحترم الدستور في هذا الشأن، ومهما كانت ضآلة حجم هذا الإنجاز نفرح به، لأن من مآسينا أن حتى المكتسبات الجيدة التي تأتي بها الدساتير والقوانين والمراسيم نحرم منها بعدم تطبيقها، أو بتطبيعها بأشكال منحرفة أو متحيزة تفرغها من محتواها، ورحم الله الشيخ محفوظ رحمه حين قال عن النظام الجزائري: ” يكتبون النصوص بالأيدي ويدوسون عنها بالأرجل” أو قوله “مشكلة الجزائر في اللصوص وليس في النصوص”.
غير أننا نلوم الحكومة عن تبريراتها في المقدمة لتُعذِر نفسها مسبقا عما قد يرفعه النواب من دلائل القصور في أدائها حين تحدثت الوثيقة عن العوائق التي تسبب فيها الغلق أثناء الوباء وآثار الحرب الدائرة في أوكرانيا، ولئن كان الحديث عن أثر الوباء مقبولا، فإن التعذر بالحرب غير مقبول إذ أنتجت وضعا ماليا مريحا للدول المنتجة للطاقة، أعطى النظام السياسي نفَسًا لم يكن يحلم به، وهو فرصة سانحة لتطوير الاقتصاد بحسن استغلال زيادة المداخيل بالعملة الصعبة.
إن تقييم الخطط والسياسات والبرامج يكون سهلا حينما تكون صياغتها بأهداف وعبارات وأرقام قابلة للقياس، وذلك من مسلمات علم التخطيط ومعايير الحكم الراشد، وهو ما لم يكن حاضرا في مخطط عمل الحكومة الذي على أساسه يتم تقديم بيان السياسة العامة وعلى أساسه يتم التقييم، ولكن كان مخطط عمل الحكومة إنشاء وجملا متراكمة تتحدث عن طموحات لا ضابط لها ولا يمكن متابعة مدى إنجازها، وكذلك – على ذات المنوال – جاء بيان السياسة العامة بمثابة وثيقة فضفاضة العبارات، بصياغات عامة يستحيل التأكد من صحتها، وما علينا إلا أن نصدق ما يقال فيها بدون أي قدرة على قياسها. و ما جاء فيها من مؤشرات رقمية فهو إما وعود مستقبلية – كأن الوثيقة هي ذاتها برنامج جديد أو برنامج مكمل كما هو حال الأربعين مشروع قانون التي تقول الحكومة في وثيقتها بأنها ستصدر في المستقبل لمعالجة الخلل – وإما أرقام غير ذات أو غير دقيقة أو غير ذات مصداقية.
ومن جوانب نقص المصداقية في الأرقام كونها لا ترتكز على قاعدة بيانية منشورة ومتعارف عليها كما هو حال الحكومات التي تخضع لمعايير الحكم الراشد في العالم. كيف يمكننا أن نصدق الأرقام التي يتحكم فيها عدد قليل من الأشخاص لا ندري من هم وكيف يبنون أرقامهم وعلى أي أساس. كيف نصدق تلك المؤشرات إذا كانت أرقام الديوان الوطني للإحصاء متجمدة في موقعه الالكتروني لم تتغير منذ سنوات، كحال مؤشر استهلاك العائلات الذي يعود إلى سنة 2011 في حين أن المطلوب حكوميا أن يتجدد كل ثلاثة أشهر، بل كحال المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المتوقفة منذ 2006. ولا نريد أن نلوم مسؤولي الديوان الوطني للإحصاء، وإن كانوا يتحملون جزء من المسؤولية، ما دامت الجزائر لا تملك منظومة معلوماتية شفافة وفاعلة وملزمة للمؤسسات العمومية والخاصة. ولا أظن أن الجزائر لا تقدر على الانتقال إلى نظام معلوماتي عصري ينقلنا إلى مستوى الحكومة الالكترونية، فدول أقل إمكانيات منا فعلت ذلك، ولكنها الرغبة في فرض الغموض في الحكم من أجل التحكم ومنع التغيير المهدد لاستمرار الاستبداد والفساد.
حينما فُرض على الجزائر المضي إلى الهوية البيوميترية لأسباب أمنية محلية ودولية فعلت ذلك ونجحت فيه، والذي ينجح في الهوية البيوميترية يستطيع أن ينظم انتخابات إلكترونية، ويستطيع أن يوسع قاعدة البيانات في كل اتجاه. تستطيع الجزائر أن تكون لديها مؤشرات اقتصادية واجتماعية منشورة وشفافة ومحينة في كل وقت فلا نضطر أن نصدق ما يعرضه علينا الإداريون الرسميون فلا نستطيع مراجعته إذ ليس لدينا الوقت وآليات ذلك.
ولو أردنا أن نضرب أمثلة على عدم دقة الأرقام أو التجاوز في تفسيرها، فإننا سنجد على المستوى الأدنى مثالا بسيطا على التدليس والتلفيق في الأرقام التي يسهل كشفها حين تتوفر أدوات التدقيق فيها. ويتعلق الأمر بما جاء في بيان السياسة العامة بأنه تم الإجابة على مائة بالمائة من الأسئلة الشفوية التي طرحها النواب على الحكومة وهو ما يكذبه هؤلاء مطلقا. ولعل هذا التجاوز اللأخلاقي صنعةٌ أخرى لنوع من المسؤولين في الاختصاص يتفنون في القيام بوظائف لا علاقة لها بمهمتهم لإفساد ممثلي الشعب وأحزابهم، بالتطميع تارة وبالتخويف تارة، وقد سبق لنا أن كشفنا ذلك في ندوة صحفية سابقة، وبدل أن يتم التصرف مع هذا النوع من الوجوه الرسمية لحفظ مصداقية الدولة ظهرت وجوه أخرى على شاكلتها في قطاعات وزارية أخرى للأسف الشديد.
وعلى المستوى الأعلى يمكننا أن نتحدث عن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية حسب أرقام الحكومة التي لا تتناسب مطلقا مع مستوى المعيشة التي لا تزال آخذة في التدهور، بما لا يمكن إنكاره مطلقا، ولو كان مسموحا في بلادنا بنشاط مؤسسات سبور الآراء واستطلاع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الخاصة لأمكن كشف الحقيقة بسؤال طبقة العمال الذين لا تتجاوز أجورهم 30 و 40 و 50 ألف دينار، بل أكثر من ذلك، كيف هي حياتهم وكيف باتت مرتباتهم لا يبقى منها شيء قبل نهاية شهر، وبالنسبة للبعض قبل نهاية نصف الشهر. أما من كان دخلُهم دون ذلك فهم يكافحون من أجل المعيشة وليس من أجل الحياة الكريمة لهم ولأهلهم وأولادهم. ولفداحة ارتفاع الأسعار التي تلسع الأغلبية الساحقة من المواطنين، لم تستطع الحكومة تخفيض معدل التضخم كثيرا فبقي رسميا يلامس الرقمين، أي قرابة 10%، والمعلوم أن التضخم حين يتجاوز الرقمين على أصحاب القرار أن ينتبهوا بأن مواطنيهم يعيشون العنت، مع أن الرقم المصرح به في بيان السياسة العامة لا يمثل حالة غلاء المعيشة الحقيقية التي يكابدها المواطن.
ولست أدري كيف يبتهج المسؤولون بالتطور الإيجابي للميزان التجاري وميزان المدفوعات ويخفون عن الناس بأن ذلك التحسن لا علاقة له بالنشاط الاقتصادي وإنما سببه التقليص الحاد للواردات وارتفاع أسعار المحروقات، أما انخفاض الواردات فهو تصرف سياسي لا علاقة له بالمنطق الاقتصادي، فهو سبب رئيسي لارتفاع الأسعار بسبب الندرة التي خلقها في الأسواق، وفي ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي والخدمات بنقص المواد الأولية التي يدفع في المحصلة فروقَها المواطنُ من جيبه في مختلف مناحي الحياة.
إنه لا يخفى على مثقف متوسط المعارف بأن إجراء منع الواردات تقوم به الحكومات لحماية ما يماثلها من إنتاج وطني لفترة محددة وليست سياسة مالية شاملة وحادة ودائمة تتعلق ببضائع تمس احتياجات أساسية أو ضرورية لا يوجد ما يشبعها محليا، وقد كانت لي فرص عديدة استمعت فيها لأصحاب مؤسسات صناعية وخدمية في مختلف المجالات وفهمت منهم الأثر السلبي عليهم وعلى زبائنهم لهذه السياسات المانعة للحرية الاقتصادية. ومما يدل على أن هذه الإجراءات سياسية ولا علاقة لها بالتدبير الاقتصادي الحكيم الاحتكارات الجديدة التي بدأت تنشأ من جديد من المحظوظين الذين يُسمح لهم بالاستيراد دون غيرهم.
ومن دلائل عدم تطور التنمية الوطنية تواضع حجم الصادرات الذي لا يزال لم يصل 5 مليار دولار، رغم الوعود العريضة التي أطلقها رئيس الجمهورية نفسه بهذا الشأن منذ وصوله لسدة الحكم قبل ثلاث سنوات، ولا يبدو أن هذا الرقم سيرتفع كثيرا عند نهاية عهدته، أي بعد سنتين تقريبا، ولقد بات واضحا بأننا في سنة 2024 سنبقى كما نحن تحت رحمة مداخيل المحروقات.
إن المعلوم في علم الاقتصاد وفي التجارب الحكومية في العالم أن أجل نجاح التنمية وبداية تحقيق الإقلاع الاقتصادي الداخلي والتوجه إلى الأسواق العالمية هو خمس سنوات، إذا توفرت الإمكانيات وكان الحكم راشدا. وقد رأينا ذلك يتحقق في العالم الإسلامي في التجربة الماليزية والاندنوسية والتركية، ففي تركيا مثلا التي كانت سنة 1999 في حالة إفلاس انتقلت صادراتها في نهاية العهدة الأولى لحزب العدالة والتنمية بين 2002 – 2007 من 30 مليار دولار إلى 130 مليار دورلار.
إن النظام السياسي في الجزائر لم يفهم بعد بأن مصير التنمية وأمن البلد ومستقبل الأجيال مرتبط بالمؤسسة الاقتصادية التي توفر الشغل، وتنتج البضائع والسلع بما يؤدي لخفض الأسعار ونسب التضخم، وتصنع ارتفاع معدل النمو، وترفع معدل الناتج المحلي الإجمالي ( مؤشر غناء الدولة) ومعدل نصيب الفرد منه ( رفاه الأفراد)، وترفع مستوى الصادرات خارج المحروقات، وتديم استقرار الميزان التجاري وميزان المدفوعات بشكل إيجابي وآمن.
ولعدم ثقة نظام الحكم في نفسه لم يرسم لنا حلما قابلا للقياس – كما فعلت حركة مجتمع السلم في برنامجها – يعلن فيه للرأي العام ما هو الحيز الزمني الذي تستطيع الجزائر أن تحقق فيه الأمن الغذائي وتصل المراتب التنافسبة المتقدة اقليميا ودوليا في الصناعة والخدمات، على أساس علمي تتكامل فيه الجامعات وابتكاراتها مع المؤسسات وحسن إدارتها، ومتى تستطيع الجزائر التحرر من التبعية للمحروقات، وتصبح بضائعنا تجوب أسواق العالم، ونحن نصبح بلدا قويا مهابا يصنع أسلحته بنفسه فلا تؤثر فيه سلبا التحولات الإقليمية والدولية بل يؤثر فيها هو بحكمته ومكنته. لا نجد شيئا من هذا، فالقيادة الجزائرية لم ترسم حلما نندفع جميعا إلى تحقيقه، حكومة بعد حكومة، عهدة بعد عهد، حتى وإن تداولت الأحزاب على الحكم.
إن المجهودات الكبيرة التي يبذلها النظام السياسي لتوسيع شبكة المؤسسات ومحاولاته تحسين البيئة القانونية للأعمال لن تُرى ثمارُها إلا بتحقيق الحرية الاقتصادية الضامنة لفاعلية المؤسسات وجودة أدائها وسلعها على أساس التنافسية وعدالة الفرص. ولا يمكن تحقيق ذلك بدون القدرة على الرقابة على الشأن العام. لا يزال الغلق هو سيد الموقف في الجزائر في كل المجالات ومنها أساسا المجال الاقتصادي، لا يزال الفساد يفسد بيئة الأعمال كذلك السرطان الذي يتمدد في الجسم فتقتل الخلايا الفاسدة الخلاية السليمة حتى تقضي على الكيان كله. لا يزال التاجر والصناعي المتعفف عن الحرام يجد صعوبات كبيرة لنمو عمله رغم الكفاءة والتجربة، ولا يزال من يُشكُّ في ولائه للسلطة القائمة، أو ربما لشخص أو أشخاص في السلطة، تُعرقَل أعمالُه بكل الوسائل، ولا تزال ذهنية تشكيل العصب المالية في محيط السلطة الحاكمة بالمحسوبية والقرارات الفوقية وسيلة من وسائل الحكم والتحكم، وما نسمعه من أخبار في هذا الصدد مرعبة ومخيفة. وأمام هذا الوضع بتنا نرى حلمنا يتبخر بشأن استرجاع الأموال المنهوبة التي كانت محورا أساسيا في الحملة الانتخابية لرئيس الجمهورية إذ بعد ثلاث سنوات من حكمه لم نسمع خبرا ذا بال يسعدنا برجوع أموالنا التي نهبها ” السرّاقون”. وما تم التصريح به في بيان السياسة العامة في هذا الشأن محبط حقا فهو يتحدث عن تنفيذ 49 إنابة قضائية دولية من 219 إنابة ولكن لم يخبرنا عن نتيجة هذه الإنابات وما تم تحصيله، كما لا يزال يراودنا الخوف من أن يتم التفريط في الثروة المنهوبة من خلال الصلح الجزائي مع بارونات الفساد الذي تم تشريعه في قانون المالية 2022 الذي عارضناه لغموضه وعدم جدواه ولتشجيعه تكوين عصابات جديدة. إن هذا السكون المطبق عن هذا الصلح المزعوم يمنع استعمال حق الرقابة عليه من النواب والسياسيين ووسائل الإعلام، ويدخل الريب في أبعاده وحقيقته.
إنه لو لا الصدور العامرة باليقين والتجربة القائمة على فهم السنن لأصابنا اليأس. إن ثقتنا في الله سبحانه كبيرة بأنه يمهل ولا يهمل، وفي الشعب الجزائري بأنه سيصبر لعل القوم يعقلون، ولكن غضبته لن تتأخر حين تتراكم أسباب ذلك مرة أخرى، وسيقول ذات يوم مجددا إن لم يقع التغيير الحقيقي “كليتو البلاد يا سراقين”، ولن تسلم الجرة في كل مرة!
ثم إنه من المؤسف حقا أن تُستعمل هذه النعمة الربانية في كل مرة لإنقاذ السلطة بدل إنقاذ البلاد. لقد أطلق رئيس الجمهورية مشروعا كبيرا للم الشمل سمعنا منه بأنه يريده من أجل العمل المشترك لحل مشكلة التحويلات الاجتماعية وإعادة النظر في سياسة الدعم لكي تكون موجهة لمستحقيها، وقدمنا له رأينا بأن الحل الحقيقي هو توسع دائرة المؤسسات الاقتصادية نوعا وكما، وتناقشنا معا نقاشا إيجابيا بخصوص القطاع الموازي وقدمنا رأينا بأن الحل لا يقتصر على التدابير المالية الجزئية لتشجيع أرباب المال على إدخال أموالهم الدائرة الاقتصادية الحقيقية، ولا حتى في الصيرفة الإسلامية ( على نحو ما جاء كذلك في بيان السياسة العامة) وإنما يكمن ذلك في الحكم الراشد الذي يحفظ رجال الأعمال من جشع المسؤولين فيضطرون للتخفي وعدم الرغبة في تطوير أعمالهم حتى لا تفرض عليهم الشراكات قصريا مع أصحاب النفوذ وذويهم. كما يكمن كذلك في التوافق الوطني القائم على الحرية والديموقراطية بما يضمن الاستقرار وثقة المواطنين، وفي مختلف الإصلاحات البنكية وفي قطاع الضرائب والجمارك وسلط الرقابة التقنية والتكوين وتطوير الموارد البشرية، فإن تحقق ذلك ستصب على البلد الاستثمارات والموارد المالية من الداخل والخارج بلا حدود، ويصبح الجزائري يوفر احتياجاته كريما بعرق جبينه وعمل يده، فتوجّه مداخيل المحروقات عندئذ إلى التعليم والصحة والهياكل القاعدية، ولا يصبح مع مرور الزمن ملف الدعم الاجتماعي ملفا ثقيلا يتعلق به مصير البلد.
ولكن للأسف الشديد ما أن ارتفعت أسعار المحروقات طوي الحديث عن لم الشمل وعن ملف الدعم الاجتماعي، ورجع الخطاب الرسمي إلى أنغام الشعبوية المدمرة للاقتصاد الوطني في أمد متوسط وقد يكون قريبا إذا انهارت أسعار المحروقات لسبب من الأسباب الخارجية.
ومن أغرب ما سمعته في حياتي في الخطاب الشعبوي الرسمي، بما يتناقض كلية مع أبجيات الاقتصاد قول القائل ” أننا سنزيد في أجور العمال ما دامت أسعار المحروقات زادت”، والسؤال الكبير المطروح: وإذا تراجعت أسعار المحروقات، هل سيتم تخفيض الأجور؟ ومن أخطر أنواع الشعبوية الأخرى طريقة التعامل مع منحة البطالة إذ تُعطى المنحة دون أفق للتشغيل، خلافا لمختلف التجارب الدولية الناجحة، إذ يسجل في قوائم المستفيدين بشكل مؤقت المسجلين في قوائم طالبي الشغل. أما عندنا فإنه يعطى للبطال منحة ترتفع أكثر عند ارتفاع أسعار البترول دون أي مسؤولية على مستقبل استقرار البلاد، إذ ما الذي يهدئ هؤلاء الجزائريبن المغرر بهم إذا ما عجزت الدولة على الالتزام بهذه المنحة في أفق منظور. وبالرغم من أن سلبيات هذا الإجراء لم تتأخر في الظهور من حيث ساهم في تضخيم القطاع الموازي إذ بات كثير من العمال يطلبون من أرباب المؤسسات التي يشتغلون فيها أن يتوقفوا عن تأمينهم في الضمان الاجتماعي لكي يتمكنوا من الحصول على منحة البطالة، كما أن كثيرا منهم فقدوا الحماسة للتكوين المهني.
لست أدري كيف يجرؤ المسؤولون على هذه السياسة الشعبوية الخطيرة، هل تصل فتنة السلطة والاستمرار فيها إلى أن يصبح الناس لا يبصرون. إنه من العيب ومن المؤسف جدا أن يتم ستغلال فرصة ارتفاع أسعار المحروقات من أجل السلطة بدل استعمالها لخدمة الاقتصاد الوطني.
كان الأولى، والأكثر وطنية، أن تستعمل المداخيل الجديدة من ارتفاع أسعار المحروقات لتوفير الإمكانيات المؤدية لتحسين المزج الطاقوي في بلادنا عن طريق النجاح في الاستثمار في الطاقات المتجددة التي لم يخبرنا بيان السياسة العامة عن أي نتيجة مرضية بشأنها، وبالتوجه للطاقة النووية السلمية، ولكي نطور السياسات ونملك الوسائل لتحقيق الفعالية الطاقوية في مجال العمران والنقل والصناعة وغير ذلك، حتى نخفف من التبعية للمحروقات وربما نترك شيئا منها للأجيال المستقبلية إن لم تنفذ منا في آجال متوسطة كما يخيفنا به المسؤولون الحكوميون بين الحين والحين دون أن يفعلوا شيئا لتأخير ذلك. كما يمكننا استغلال المداخيل الجديدة لحسن استكشاف واستغلال الخيرات الأخرى التي أشار إلى بعضها بيان السياسة العامة، مع ذكرٍ بائسٍ في طريقة استغلال أحد منها، وهي الذهب، بما يجعلنا نطرح ألف سؤال، عن تاريخ ومستقبل هذا المعدن النفيس الذي تتمتع بلادنا بثالث احتياطي منه في أفريقيا حسب تقرير مجلس الذهب العالمي. وبالرغم من عدم ثقتنا في الصرامة في تطبيق القوانين، فإننا نؤكد بأن التأخر في إصدار قانون المناجم أمر غير مفهوم ولا مقبول، ولعل وجوده يوفر للمقاومين من أجل حفظ ثروة البلد ما يساعدهم على الرقابة على الشأن العام في هذا المجال.
غير أن الاستغلال الأمثل والأفضل الذي يتيحه ارتفاع أسعار المحروقات هو تنمية شبكة المؤسسات الاقتصادية الجزائرية، كما ونوعا، وذلك بتوفير السيولة لتمويل المشاريع التنموية، ولا يكون ذلك أبدا عن طريق القطاع العام من أجل مزيد من التحكم كما تتوجه إليه الدولة وكأن المسؤولين يحنون إلى زمن الاشتراكية الستالينية التي جعلت البلد يجشو على ركبتيه، ويظهر ذلك التوجه من خلال العديد من الإجراءات والقرارات، منها اختي
ار إعادة هيكلة القطاع العمومي، حسب ما جاء في بيان السياسة العامة، من خلال شركة عمومية لإنتاج العربات وتركيبها تضم 40 مؤسسة، ضمن سياسات غامضة بشأن عام بخصوص مشكلة تركيب وصناعة السيارة في الجزائر، التي غرقت في صياغة دفتر شروط وكأن الأمر يتعلق بصناعة صاروخ عابر للقارات، بما جعل الجزائري متوسط الحال يكاد ييأس من امتلاك سيارته، ومن كانت عنده سيارة قديمة شد عليها بالنواجذ للغلاء الفاحش في سوق السيارات، الراكد أصلا. وفي كل الأحوال لا يزال القطاع الصناعي كله متواضعا تدل عليه مؤشرات نموه، كما يدل عدم استغلال المناطق الصناعية التي لا يوجد منها سوى 694 منطقة، وكثير منها غير مستغل وفق ما صرح به بيان السياسة العامة أنه تم استرجاع منها 1500 هكتار.
إنما تكون الطفرة الاقتصادية من خلال القطاع الخاص على أساس نظام متجدد على المستوى البنكي والنظام المالي والجمركي وعلى مستوى الضرائب، ومراقبة الإنجاز والجودة بعيدا عن الفساد الذي لا تقهره إلا الشفافية والتنافس الحر. ومن أراد أن يتأكد فلينظر إلى اقتصادات الدول الصاعدة هل صنعت طفرتها بغير القطاع الخاص؟ ونح في كل الأحوال إلى نرى في برنامجنا أن يبقى القطاع العام يستغل في القطاعات الاستراتيجية وفي القطاعات غير المرحبة كثيرا ذات الاحتياج الاجتماعي إلى أن تثمن، ويكون الرهان الأكبر في تحريك الاقتصاد على القطاع الخاص في كل المجالات الأخرى، ويضاف إلى القطاعين القطاع التكافلي المعبر عن انتمائنا الثقافي والمحقق للتضامن وتوسيع توزيع الثروة على المواطنين.
لعل النظام السياسي مهوس بالتجربة الاشتراكية الصينية، كما هو ملاحظ في تصرفاته السياسية ( كما سنبينه لاحقا أثناء حديثنا عن الشق السياسي)، فإن كان الحنين إلى الاشتراكية والأحادية يقود إلى التجربة الصينية فعلي المسؤولين أن يعلموا أن الصين ليس بلدا مغلقا كما يعتقده الكثير ، فهو ليس كما كان في عهد ماوتسي تونغ. صين اليوم دولة تقوم على الحزب الواحد حقيقة ولكن نظامه نظام مدني يُصنع رؤساؤه من خلال التنافس أو التوافق بين المدنيين لا غير، وتتبع لجنة الشؤون العسكرية المكتب السياسي ابتداء وآخرا، والتدافع بين الآراء والتوجهات والمصالح داخل الحزب كبير وليست الأمور في يد مركز قوة واحد مسيطر إلى الأبد، ولم تتطور الصين حتى غيرت نفسها من الداخل انطلاقا من النصف الثاني من السبعينات بيد رجال إصلاحيين انفتحوا على العالم وشجعوا القطاع الخاص إلى أبعد حدود واعتمدوا على التطور العلمي والإبداع الإداري حتى صارت الصين أكبر قوة اقتصادية تخدم الفكرة الرأسمالية العالمية، وقد عبر القائم بالأعمال الصيني عن السبيل الذي اتبعته الصين لتصبح قوة دولية في حفل بمناسبة ذكرى إنشاء جمهورية الصين الشعبية في سفارتها بالجزائر في ثلاث كلمات: “التجديد، ثم الغنى، ثم القوة” أي أن الصين لم تتطور حتى تجددت، أما أصحابنا فإنهم يريدون أن تتطور الجزائر دون أن تتجدد. ولست هنا بصدد التسويق للتجربة الصينية، فإنما نستفيد من تجاربها الإيجابية المدهشة ولكن لنا عليها مؤاخذات أساسية ليس المجال للحديث عنها. ولنا نموذجنا الخاص الذي يستند إلى تجربة صنعت حضارة عالمية عظيمة، وكل مآسي المنظومة الرأسمالية الحالية تدل على أهلية مشروعنا الحضاري من جديد، بشكل متجدد يستفيد من كل التجارب البشرية.
إن الجزائر بعيدة عن النموذج الصيني، وبعيدة كل البعد عن النماذج الناجخة العالمية القائمة، والحديث عن الانضمام إلى مجموعة البريكس مزحة كنت قد علقت عنها منذ سمعت عنها في وسائل الإعلام، فلا الناتج المحلي الخام يسمح لها بذلك، ولا المعايير العلمية والإدارية والقانونية والهيكلية وحجم الأسواق والمساهمة في التجارة العالمية تسمح لها بذلك. وأنا تعجبت حقيقة من هذا الطموح ونحن من أكثر الدول تخلفا في مجال الأنترنت سواء من حيث التدفق أو الهياكل أو النظم أو الكفاءة، أو حتى الثقافة، كيف نطمح لذلك والتجارة في العالم كلها بالدفع الالكتروني ونحن لا زلنا في مستويات متخلفة جدا، عبرت عنها وثيقة بيان السياسة العامة ذاتها التي تتحدث عن تعميم استلام 40 ألف تاجر لأجهزة الدفع في مقابل وجود مليون ونصف تاجر متحصل على سجل الكتروني ومليونين ومائتي ألف مسجل أي نسبة لا تتجاوز 2.6 %. ويدل على حالنا كذلك، بشكل مذل، ما حققه جيراننا في العالم العربي القريب والبعيد في هذا الشأن. إن مكاننا في مجموعة البركس الذي يمكن أن يقبل لأسباب جيوستراتيجية أولا قبل الاقتصاد هو العضو الملاحظ، وقد يكون ذلك مفيدا لكي نجلس في الأطراف نلاحظ كيف تتطور الأمم لعلنا نحاكيهم.
وإن مما يدل على الابتعاد عن معايير الحكم الراشد، والاعتماد على سياسة التحكم المانعة للإبداع الاتجاه أكثر فأكثر للمركزية المفرطة والتسيير الإداري للاقتصاد وتغييب السلطة التنفيذية لكل السلط وعدم وجود أي سبيل من سبل التحكيم العصري، فسلطات الولاة تتضخم أكثر فأكثر، وكثير من هؤلاء عاجز على اتخاذ القرارات لصالح التنمية خوفا من تهمة الفساد، أو القرارات المضرة بالتنمية لقلة الكفاءة أو النزاهة، وفي المقابل بلديات عاجزة أو تابعة أو غير ذات كفاءة، ومن كانت له الإرادة والمهارة للعمل والمبادرة لا تتوفر له الصلاحيات لذلك، ولا يبدو أنه توجد نية لإصدار قانون البلدية والولاية المؤجل دائما كما هو مذكور في بيان السياسة العامة، والخوف أنه حين يأتي يأتي لتكبيل المجالس لا لتحريرها كما هو حال النصوص التي انتُظِرت لتوفّر الحرية والحقوق والعدالة فكانت كلها لصالح السلطة التنفيذية لمزيد من الغلق والتحكم.
…. يتبع
د. عبد الرزاق مقري
كما هي عادتنا عند كل مناسبة للتقييم الحكومي منذ العهد السابق نقدم آراءنا وملاحظاتنا وبدائلنا.
يفعل ذلك نوابنا بكل كفاءة واقتدار من خلال الدراسة الجماعية وما يقدمه المتخصصون في أيامهم الدراسية وما تجود به اللجان القطاعية المتخصصة للحركة، وما يظهر من أداءات فردية متميزة لرجالنا في داخل البرلمان وخارجه.
وأضيف من جهتي إلى هذه الجهود المباركة أثناء تلك المناسبات سلسلة مقالات علمية سياسية واقتصادية واجتماعية كما هي العادة. لقد نشرت مقالاتي عن مواقفنا في معارضة حكومات العهد السابق ضمن كتاب أمضيته في معرض الكتاب الدولي بالجزائر تحت عنوان: ” قبل الحراك: التيه الحكومي”.
وقد كتبت في هذا العهد “الجديد” سلسلة مقالات عن مخطط عمل الحكومة الحالي وعن بعض قوانين المالية، وسأضيف إليها مقالات أخرى عن بيان السياسة العامة وأصدر الكل، بإذن الله، في كتاب يقارب النهاية تحت عنوان: ” بعد الحراك: استمرار التيه”.
وأسأل الله تعالى أن يكون كل ما أكتبه خالصا لا نريد به إلا القيام بالواجب وخدمة بلدنا وأمتنا، كما أن نقدنا للحكومة لا يعني أن كل من الحكم فاسدون أو فاشلون، أنا شخصيا أعرف كثيرا من الصادقين أصحاب الكفاءة العالية، ولكن للأسف الشديد السير العام تائه، وأرباب الفساد والرداءة تأثيرهم مسيطر، وواجبنا أن نستمر في النضال إلى أن نحقق المعنى الحقيقي للحكم الراشد الذي تتحدث عنه آثاره في حياة الناس وليس التقارير التي لا تقنع حتى أصحابها.
إن ما ورد في بيان السياسة العامة يؤكد بأن البلد يحتاج إلى التغيير ويؤكد صوابية تواجهاتنا كحزب وطني معارض ينقد وينصح ويؤهل نفسه كل يوم ليكون هو البديل، وهو نقطة الالتقاء للوطنيين الصادقين في كل مكان، أولئك الذين يمارسون السياسة من أجل خدمة البلد وإسعاد الشعب والاستئناف الحضاري للأمة، وليس من أجل الكرسي ومنافعه العابرة وجاهه الزائل.
وكما أعطتنا الأيام الحق وباركت بقاءنا في الساحة، واستمرار نضالنا، وتحقيق نتائج تؤكدها الأرقام الصماء والأوضاع المشهودة للعيان، رغم الصعوبات والتحديات، ستؤكد الأيام صوابية مواقفنا وآرائنا مرة أخرى، ليس لأننا أفضل من غيرنا استشرافا وأعلم ممن في الساحة، ولكن لأننا تحملنا مسؤولية التعبير عن مواقفنا في كل الظروف، متوكلين على الله، وعرّضنا أنفسنا لكل السهام والتآمرات من كل حدب وصوب، لم نختف و لم نتوار كما أراده خصومنا، أو كما يفعله بعض الحسّابين – من مختلف الأحزاب والتيارات – الذين رفعوا رؤسهم وقت الحراك ثم اختفوا، وبقوا يتربصون لعل الأيام تجود عليهم بمكاسب دون نضال في سائر الأيام، فتضعهم كحبة “حب الملوك فوق الكعكة المُجهّزة”.
أما نحن فقد حَسِبنا لصالح بلدنا وأمتنا وحركتنا، ولم نحسب لصالح أنفسنا وطموحاتنا، متيقنين بأن الأمر لله كله، هو الضار والنافع وحده جل في علاه. نعم نقولها بملء الفيه، لم نحسب لأنفسنا، حسبنا فقط لصالح مبادئنا وبلدنا، ونحن واثقون، في الله ثم في مناضلينا وفي شعبنا، بأن جهدنا لن يذهب سدى. لا يخيفنا اختلال موازين القوة لصالح من بيدهم الحكم أبدا.
نحن سادة دراسات علم السنن، نحن متسلحون بالعلم في عملنا السياسي، كُتبنا المفضلة هي مقدمة ابن خلدون وشروط النهضة لمالك بن نبي وما كتبه المعاصرون بمختلف اللغاة عن نهوض وسقوط الدول والأمم.
نحن نعرف كيف يصبح القوي – الذي يصل بقوته إلى أن “يتربب” فيعبده الضعفاء – كيف يضعف هو ذاته ويزول حين يتكبر فلا يصلح نفسه، ونعرف كيف يصبح الضعفاء الذين يزدريهم المتزلفون والساذجون أقوياء حين يكونون صادقين وجادين ومضحين وفاعلين، وقد يحدث ذلك بين عشية وضحاها من حيث لا يحتسبون. .. ولا يقين بذلك في معيار الزمن، إنما هي تقديرات، فلا نضيق بالدهر وتقلباته ولا نضجر. ” فإن الله هو الدهر يقلب ليله ونهاره”.
إنما علينا الجهد المتبصر، وجهدنا مستمر بحول الله، لا توقفه التحولات والتطورات، وقد عملنا لسنوات ليكون الأمر كذلك، ولا يضيع الله أجر المحسنين.
ومما يضمن استمرار هذا الجهد إلى أن يثمر فنكون في الحكم يوما ما نطبق برنامجنا لصالح البلاد والعباد، ضمن معايير ديموقراطية حقيقية وتوافق وطني صادق وفاعل، هو أن ما نقوم به، سواء على مستوى البرلمان، أو عبر الخطاب السياسي، أو في التجمعات والندوات، أو من خلال العمل الجواري، أو على مستوى العلاقات، إنما هو عمل جماعي تقوده قيادة جماعية في المكتب التنفيذي الوطني والقيادات المحلية وفي المؤسسات، كل واحد منهم في مستوى رئيس حزب سياسي، بمستوياتهم العالية، بتاريخهم، وثباتهم، وتضحياتهم، وأخلاقهم، وما أنفقوه من أوقاتهم ومن صحتهم، وما حققوه من نتائج على كل الأصعدة بعون الله وتوفيقه، حتى صارت الحركة مؤسسة كبيرة مستقرة منسجمة تسير على أصول التخطيط العصري والإدارة الاستراتيجية وفق رؤية ولجت أعماق الضمائر والنفوس، تتنقن إدارة التنوع والاختلاف في وجهات النظر ضمن لوائح وقوانين عادلة.
وحول هذه المنظومة القيادية ذات الكفاءة قاعدة نضالية في كامل التراب الوطني مضحية ومنشغلة في عمومها بالإنجاز، برهنت مرات ومرات على كامل الثقة في مسؤوليها، في إطار الحب المتبادل والتقدير الكامل، وحول هؤلاء المناضلين قاعدة شعبية وفية في كل أنحاء الوطن، هي بعد الله التي ضمنت التطور السياسي والاجتماعي للحركة وخففت عنا مظالم ومهالك التزوير الانتخابي بما جعلنا في موقع الريادة والشهادة على الناس.
نحن بحق، كما قال لي أحد المسؤولين السابقين الكبار في الدولة: حزب حكم (Un parti de gouvernement)، وسنناقش بيان السياسة العامة من هذا المنطق، من موقعنا كحزب معارض وفق ما تنص عليه الدستورية والقانونية … على ما فيها من قصور.
يتبع..
د. عبد الرزاق مقري
لم يكن نبيا ولكن كان من ورثة الأنبياء، لم يكن معصوما ولكن هدى الله به خلقا كثيرا، أخطأ وأصاب، ولكنّ أخطاءه تغرق في بحر صوابه. إنه الشيخ القرضاوي رحمه الله، هكذا نحسبه ولا نزكي على الله أحدا. لقد كان شمسا من شموس الأمة التي أزاح بها ظلمات الجهل والشرك، لقد كان قطبا من أقطاب صناعة حلم الانعتاق من ربقة لاستعمار والاستبداد،
لقد كان قائدا من صنّاع القادة الذين أزاحوا من النفوس الشك في إمكانية قومة الإسلام ونهضته، لقد كان مؤلفا للكتب وللرجال وصانعا للمشاريع والمؤسسات. لم يكن يريد رحمه الله من كل ما فعل إلا أن يختم حياته بالشهادة على أرض فلسطين، بأن يُقصف بصاروخ فلا يبقى شيء منه كما صرح ذاته ذات يوم، ولكن ها هو – عليه الرضوان – يموت على فراشه راضيا بقضاء الله، ولعل الله يبلغه منازل الشهداء بفضله سبحانه وإحسانه.إن الحياة بعد الشيخ القرضاوي ستستمر ومشروعه سيحمله غيره، ولئن كان العلم ينقص بقبض العلماء فإن الله سيبعث في هذه الأمة من يخلفه إذ الحلم لم يتحقق بعد، وقد بانت آماراته رغم العتمة لمن يبصر ويتبصر، والصحوة التي صنعها مع أمثاله ماضية، وستكون بعد الصحوة نهضة بإذن الله تعالى.ليس الشيخ القرضاوي رائدا من الرواد الذين صنعوا قرن الصحوة الإسلامية فحسب، بل هو باعث لحركة تجديدية لقرن مقبل ستنهض فيه الأمة العربية الإسلامية بحول الله وقوته. لقد كان رحمة الله عليه تلميذا نجيبا فاعلا مبدعا من تلاميذ الرعيل الأول للحركة الإصلاحية التي بزغت في بداية القرن الماضي، وآخر الذي قبله. ولا يُخفي الشيخ القرضاوي انتماءه لأعرق مدارسها، جماعة “الإخوان المسلمون”، ولا يتردد في ذكر فضل مؤسسها عليه الشيخ حسن البنا رحمه الله. غير أن الشيخ القرضاوي أراد أن يكون عالما للأمة كلها بكل اتجاهاتها الإصلاحية، فلم يسعه أي تنظيم، فبات بحق هو مرشد كل التنظيمات الإحيائية في كل أنحاء الدنيا دون أن يكون فيها. نشأ منذ طفولته على موائد القرآن والعلم الشرعي، وتدرج في التحصيل العلمي حتى بلغ فيه مرتبة الشرف الأولى، تخرج من الأزهر الشريف مرجعا علميا لا يشق له غبار، تسعى إليه المجامع الفقهية والجامعات الدولية ومراكز الدراسات في كل أنحاء الدنيا فلا يبلغ كمال إنجازاتها إن لم يكن مساهما فيها، لا يحتاج أن يُضاف إلى إسمه المجرد أي لقب ليُعرَّف به، بل أصبح هو المرجع الأعلى الذي تفهم به المسائل العلمية وقضايا الأمة، فهو العالم المجدد والفقيه الأصولي، والمقاصدي الأريب الأديب، الذي أضحت كتبه، بعددها ونوعها، بحرا لا شاطئ له في الفكر والعلم الشرعي وفي الدعوة والأدب والسياسة وفي مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية. غرف من بحره ملايين المسلمين عبر الأجيال، حتى صارت أعداد تلاميذه في كل أصقاع الدنيا لا تحصى، لم يَعرِف جلهم، ولكنهم يعرفونه كلهم، كان يوجههم من قريب ومن بعيد، وها هم اليوم يدعون له من كل صوب، يقيمون له صلاة الغائب في كل ساعات اليوم، حيثما طلعت الشمس على الأرض، في مشاهد متكررة معتادة عند وفاة العلماء المصلحين الذين تقهر جنائزُهم شانئيهم، ويُظهر رفعُ ذكرِهم عند وفاتهم مكانتَهم، بما يُبطل مزاعم وأراجيف من كاد لهم في حياتهم.لم يكن الشيخ القرضاوي عالم شريعة فحسب، بل عالما متبصرا بالواقع الذي يعيشه ويعيشه المسلمون وتعيشه البشرية كلها، عايش في شبابه تحولات المجتمع المصري والمجتمعات العربية في كفاحها من أجل الاستقلال، وعاش نكبة احتلال فلسطين وما قابلها من جهاد وبطولات، وما أحاط بها من مآسي وخيانات، ثم شهد قيام الدولة الوطنية العربية وفرضَ الاتجاهات العلمانية بكل أشكالها، وشهد فشَلَ أنظمتها في تحقيق التنمية وضمان الحقوق وإنجاز وعد تحرير فلسطين، إلى أن سقط المشروع القومي العلماني سنة 1967، بشقيه الاشتراكي والرأسمالي، عند هزيمة جيوشه في حرب الأيام الستة أمام جيش الاحتلال الصهيوني. وحين صارت القوى الحاملة للمشروع الحضاري الإسلامي بعدئذ هي البديل الوحيد المعروض على الشعوب كان هو من سادته ومنظريه وقادته، إلى أن جاء وعد التغيير عبر ثورات الربيع العربي، فكان دخوله المظفر ميدان التحرير بالقاهرة هو لحظة تتويجه ملكا على كل عشاق الحرية، بعد جهاد قرابة قرن من الزمن.كان يكفيه أن يتوقف عن العطاء في تلك اللحظة إذ أدى الذي عليه بالتمام والكمال ولتأخذ الأجيال بعده مسؤوليتها في المرحلة الجديدة للانتقال من قرن الصحوة في المجتمعات الإسلامية إلى قرن جديد سيكون قرن نهضة الأمة بعبور الفكرة إلى الدولة، إذ لا نهوض ولا استئناف حضاري دون مكنة الدولة ومقدّراتها.لقد سبقت الصحوة الإسلامية مجهودات فكرية وعلمية وسياسية فردية وصفت المشكلة واقترحت الحلول في إطارها العام، ومن تلك المجهودات صيحات ونداءات وتوجيهات ونظريات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. ثم جاء علماء ودعاة مجددون قعّدوا طرائق العمل وأنشؤوا التنظيمات الحاملة للمشروع والفوا رجالها وقادتها. وحينما حققت الصحوة إنجازها الدعوي في الثلث الأخير من قرنها الذي يشرف على النهاية نهض مفكرون مستشرفون يحاولون بمجهوداتهم الفردية دفع الأمة وحركاتها الإحيائية إلى المستقبل من أجل النهضة بعد الصحوة. من هؤلاء، ممن عرفتهم ودرست فكرهم أكثر من غيرهم، الشيخ محمد الغزالي والأستاذ مالك بن نبي، ولكن من أكثرهم إنتاجا وتأسيسا للمشاريع والمنظمات والمؤسسات الخادمة للنهضة كان الشيخ القرضاوي رحمه الله. كان هؤلاء السادة جميعا يحاولون توسيع آفاق الدعاة وجعلهم يضيفون إلى اهتماماتهم الدعوية والتنظيمية والفقهية، الاهتمام بعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون والفنون والسياسة والعلاقات الدولية برؤية إسلامية، مما لم يكن مدرجا في برامجهم التكوينية والتأهيلية، و كذا بناء المؤسسات الخادمة لذلك، بما يؤهل حملة المشروع الإسلامي لمرحلة مقبلة حتمية سيقابلونها حينما تطالبهم الشعوب بخدمتهم في أمور دنياهم، عبر المجالس المنتخبة والمؤسسات الحكومية، بعد أن وثقت فيهم واتبعتهم من قبل كدعاة في أمور دينهم.لن تذهب الوقفة التاريخية لزعيم الصحوة، الشيخ القرضاوي، في ميدان التحرير سُدى. إنما كانت تلك الوقفة رمزية تدل على نهاية مرحلة وولوج مرحلة جديدة، ولا شك أن لكل مرحلة جديدة أتعابها وشكوكها واضطراباتها وخلافاتها، بل أحيانا فتنها. ولكن بكل تأكيد سيعرف مشروع الاستنهاض الحضاري للأمة الذي عاش من أجله فقيدُنا التوفيق والنجاح والنصر المبين، وستقوم دول ومجموعات دولية لخدمته، وستكون لنا دول ناهضة متطورة قوية وفق برنامجه، وسينعم على مقاصده الناس بالكرامة والعدل، وستحرر فلسطين على رؤيته، وسينتهي ويزول الطغاة الجبابرة أعداء مشروع الأمة، وسيطويهم الزمن مشنّعا بذكراهم كما حصل لمن سبقهم ممن على شاكلتهم، هؤلاء الذين انقلبوا على حرية الشعوب، هؤلاء المتسببون في تأخر بلدانهم وتبعيتها لأعداء أمتهم، هؤلاء الذين ظلموا الشيخ القرضاوي ولم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة، ولم يراعوا مكانته ولا سنه، ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. كما أن التاريخ سيفضح أزلام هؤلاء من العلماء والسياسيين والإعلاميين وأشباه المثقفين الذين شاركوا في محاولة اغتيال نهجه وإنهاء أثره حيا، هؤلاء جميعا الذين يُشيدون برجال الدين من النصارى واليهود والهندوس، ويرسلون التعازي بوفاة كل أعلام الملل، ولا يعزون الأمة في إمامها، بل منهم من يتشفى ويذكر الرجل بالسوء ميتا بما ليس فيه.ولئن حاول هؤلاء جميعا قتله بالحكم عليه بالإعدام، ونجحوا في إخراجه من بلده، فإنهم لم يفلحوا في تقييده إذ بقي حرا يصدع بالحق كما كان طيلة حياته، إلى أن لزم الفراش وتوفاه الله رحمة الله عليه. سيبقى الشيخ القرضاوي شامخا في الزمن وسينصفه التاريخ وستُكتب بشأنه الكتب وتشيّد جامعات، وستسمى باسمه مؤسسات مجتمعية وحكومية، وسيُرسّخ في الآفاق أنه هو رائد الوسطية الحقة، وسلطان ميزان الاعتدال، ورمز المحبة والحلم والكرم والسماحة، والله نسأل أن يجعله في عليين مع الأنبياء والشهداء والصالحين في جنات رب العالمين.
د. عبد الرزاق مقري
اقتصرت العلاقة مع الإخوة المسؤولين في الحركة وعموم المواطنين الذين التقيناهم من الجالية في اللقاءات والنقاشات السياسية والفكرية والاجتماعية الممتعة والمفيدة، أما البرنامج السياحي فقد قمت به مع العائلة وكان الدليل فيه ابني مصطفى في مونتريال وتورنتو، وابنة أختي صفا بارك الله فيهما.
وكانت الجولة السياحية فرصة لمعرفة هذا البلد القارة من حيث طبيعته الجميلة المدهشة وعمرانه البديع الخلاب ونظامه المتقن المتميز، وفي نفس الوقت كانت مساءلتي لتاريخ كندا، عند كل معلم تاريخي أمرّ عليه أو محميةٍ طبيعية أصادفها، عن الحجم المروع لجرائم الإنسان الأبيض في حق السكان الأصليين، كما أن التعرف على الإنسان الكندي يُلقي في نفسك حيرة في التوفيق بين الوجه اللطيف المؤدب البشوش عند أغلبهم والوجه المقزز من حيث مظاهر العري والانحلال وانتشار مجموعات المثليين وسقوط أعداد هائلة من الناس في الإدمان، ترى بعضهم كالخرق الممزقة يفترشون الأرض العارية في الطرقات، ومن الغرائب أن المارجوانة (الحشيش) تباع قانونيا في كل مكان.
ولكن في كل محطة سياحية تأخذ ألبابنا بجمالها وحسن تنظيم شأنها أتذكر أن شيئا من هذا يمكن أن يُقام في بلادنا، متعددة التضاريس الطبيعية بما يستقطب ملايين السياح، خصوصا الجزائريين الذين يذهبون بالملايين إلى بلدان أخرى كل سنة، ولا يعرفون ما في بلدهم من جمال أخاذ بديع، لغياب الثقافة والسياسات والخدمات والمرافق السياحية عندنا.
بدأنا برنامجنا السياحي بالعيش لمدة أسبوع في جو عائلي حصري مع شقيقتي وأولادها وزوجتي وابني في كوخ على ضفاف بحيرة في منطقة رستول. والكوخ هو ترجمة كلمة “cottage” بالإنجليزية وهو مسكن من الخشب، بأحجام متعددة يقام بعيدا عن المدينة، وكل بحيرات كندا محاطة بأعداد هائلة من الأكواخ الجميلة المجهزة بكل مستلزمات الحياة. وللعلم كندا تحتل المرتبة الثالثة من احتياطي المياه العذبة في العالم بعد البرازيل وروسيا تمتد لثلاثة آلاف وثلاثمائة كلم مربع، وعدد البحيرات فيها يتجاوز 30000 بحيرة، وهو رقم يتجاوز عدد بحيرات باقي العالم، ومساحات سطوح الكثير منها شاسعة يخيل إليك حين تقف على ساحلها الرملي أنك تقف على شاطئ البحر، منها خمسة كبرى هي بحيرة سوبريور، وبحيرة هورون، وبحيرة ميشيغان، وبحيرة أونتاريو، وبحيرة إيري، بعضها مشترك بين كندا والولايات المتحدة، وقد تقع في هذه البحيرات عواصف كعواصف البحار، وقد اطلعنا في أحد قاعات العرض على قصة مرعبة لغرق باخرة أدموند فيتزيرالد سنة 1975 على إثر عاصفة كبيرة في أعالي بحيرة سوبريور وقد هلك في الحادث طاقم السفينة كله المكون من 29 فردا.
ولكثرة المياه والظروف المناخية المناسبة لا تكاد تجد مكانا في كندا لا توجد فيه مساحات خضراء وأشجار متنوعة الأحجام والأنواع والأعمار ، وهو بلد تغطي غاباته أكثر من ثلاثة ملايين كلم مربع، تمثل 31,6 % من مساحته، تحتوي على محميات طبيعية شاسعة للنباتات والطيور والحيوانات.
لا يواجه السكان الكنديون أي مشكل في كسب تلك المساكن الخشبية في وسط الغابات وعلى ضفاف البحيرات، وكثير منهم يستعملها للاستجمام في فترات العطل وللصيد وللتفكر والتأمل ومراجعة الذات، وهي كذلك أماكن مناسبة لاجتماعات مجموعات العمل في دورات عملية مركزة بعيدا عن ضوضاء المدينة ومقرات الشركات والمؤسسات المختلفة الكبرى، كما يأوي إليها الكتاب والمألفون لإنهاء أعمالهم الفكرية والأدبية والعلمية في جو بديع مساعد على التخيل والإبداع، وبعضهم يستعملها كمشروع ربحي للكراء للآخرين، كالكوخ الذي سكناه الذي تملكه امرأة كبيرة السن كانت زميلة في العمل لابني مصطفى خرجت للتقاعد فمنحته له بمناسبة زيارتنا بسعر معقول جدا.
يتكون هذا الكوخ الخشبي من مبنى أساسي، مدخله مرصع بنباتات وأزهار زادَها حسنُ الترتيب نضارة، فيه ثلاث غرف تُطل نوافذها على مناظر الأشجار الخضراء المتشابكة النّظرة والمياه الهادئة الرقراقة، وتتسلل منها أصوات الطيور الغنّاءة، والحيوانات البرية المؤنِسة، ويتوسطه مطبخ وبهو كبير وحمام، مرتب بشكل فني جميل، ومزين بلوحات من الرسم التشكيلي ذي الألوان اللطيفة وبعض العبارات الإنجليزية المُرحّبة، وفي مختلف مساحاته قطع من الأثاث البسيط الأنيق المريح. وعند الخروج من المبنى من بابه الخلفي تجد نفسك تقف على شرفة خشبية في مكان مرتفع بالنسبة لسطح البحيرة، تمنح لك رؤيةً كاملةً على المكان الذي تسكن فيه، فترى على يمينك كوخا صغيرا مليئا بأدوات متنوعة للإصلاحات الكهربائية والترصيصية والخشبية وغير ذلك، وآلة وساحة للشواء، وعلى يسارك تلحظ مكانا خارج البيت مُعَدا بطاولات وأرائك تُستعمل للجلوس خارج البيت بالليل، بعضه محميا بشباك مانع لدخول البعوض، إذ لا يمكن في أغلب مناطق كندا الرطبة أن تبقى خارج البيت ليلا دون حماية من البعوض، فالبعوض هو ابن شرعي لكندا، بل هو الغالب في الأجواء ليلا، لكثرة المياه والأعشاب والبحيرات.
وحينما تنظر من الشرفة إلى الأسفل ترى سلما خشبيا طويلا ينزل مُتمَوِّجا يمينا وشمالا إلى غاية شاطئ البحيرة. وقبيل الشاطئ تجد كوخا آخر صغيرا، أقل تحصينا، للعمل والمبيت لمن لا يريد الرجوع إلى المبنى الأساسي في النهار، أو ليبيت فيه ليلا إن كان يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة احتكاكات مباشرة محتملة بحيوانات فضولية أو جائعة. وعند الشاطئ يتيح لك جسرٌ خشبيٌ صغير الوصولَ إلى المياه العميقة للبحيرة، يُستعمل للقفز في الماء بغرض السباحة، أو الوقوف عليه من أجل صيط الأسماك، أو الجلوس الفردي للتأمل، أو الجلوس الجماعي على كراس مُعدًّةٍ لذلك، باثنين أو ثلاثة من الأحبّاء لتجاذب أطراف الحديث، أو ببساطة للجلوس على الحافة فتُدلّي رجليك في الهواء لتجعلها تنعم بنسمات الجو الرطيب أو تلامس برودة المياه المنعشة وتترك عقلك معها يسيح في خيالات لا ضابطة لها.
وعلى جانبي الجسر ثمة أربعة قوارب صغيرة ( كاياك) للتوغل داخل البحيرة عن طريق التجديف، بغرض صيد السمك أو الرياضة أو التدبر أو المغامرة. وحين يأخذ الزائر حظِّه من البحيرة وشواغلها يتطلع إلى اكتشاف عالم الغابات فيتوغل فيها ضمن برامج رحلات المشي الجماعية أو على الدرّاجات الهوائية، أو يًختلي بنفسه ماشيا أو راكضا.
توزعت أوقاتُنا بين ذلك كله،
لقد كانت البداية مع السباحة ولكنها لم ترقني كثيرا مقارنة مع السباحة في مياه البحر ولأنني وجدت نفسي أسبح وحدي إذ لم يشاركني أحد من المجموعة، سوى ما وجدته من متعة في القفز من على الجسر العائم التي كررتها حتى مللتها. غير أن المتعة التي لا تنسى كانت في التجديف على القوارب الصغيرة، التي تبدو للوهلة الأولى صعبة مخيفة، خاصة بالنسبة للنساء، ولكن بعد تجريبها يتحول الركوب عليها ممتعا ميسورا. توغلنا فوق المراكب مرات عديدة نحو وسط وأطراف البحيرة الشاسعة، وكانت أحسن فترات ركوب الزورق عند الشروق أو الغروب إذ تكون مناظر الطبيعة في أبهى رُوائها.
في مرة من المرات توغلت بعيدا عن الشاطئ وحدي، فاشتدت الرياح فجأة فأخذ قاربي يهتز بقوة كأنه ضجر مني، وتشكل تيارٌ مائي قوي جعل تجديفي بلا فائدة فلم ترغب مركبتي إلا في طاعة اتجاه التيار المعاكس لجهة الشاطئ البعيد. ورغم الأمان الذي تمثله طبيعة صنعة الزورق غير القابل للانقلاب، وتوفر صدرية النجاة، وإتقاني السباحة منذ طفولتي، شعرت بشيء من القلق تغلبت عليه برباطة الجأش. لاحظ ابن أختي أنَس صعوبة رجوعي إلى الشاطئ فأقبل نحوي يتحدى التيار، وهو شاب قوي البنية متخصص في التدريب الرياضي، فوصل إلى جانبي بسرعة البرق، فقدم لي نصائح في كيفية التجديف التي تصلح للحالة التي كنت عليها بما أخرجني بحمد الله مما اعتقدته مأزقا غير متوقع وقعت فيه. ولكن كان الأمر يكون في كل الأحوال سهلا حيث سينقلني التيار إلى ضفة من ضفاف البحيرة، ولو بعيدا عن الشاطئ الذي أريده، فأرجع إلى محلي ماشيا، إذ لم أكن في بحيرة من البحيرات الشاسعة الخطرة.
أما عن اصطياد السمك فهي مهمة لم أنجح فيها هذه السنة تماما، خلافا لابني مصطفى الذي حظي ببعض الأسماك واكتفيت أنا للأسف الشديد بمسك الصنارة وأخذ بعض الصور التقطها لي الشباب، بعضها دون علمي، تظهر جانبا آخر من فوائد الصيد، سليت بها نفسي لكي لا تؤنبي عن فشلي في اقتناء ولو سمكة واحدة، ومن تلك الفوائد التدرب على الصبر، والذكر ومراجعة القرآن الكريم، وإمكانية المطالعة أثناء انتظار اهتزاز القصبة للمسارعة إلى جذب خيط الصيد المجدول بعد ابتلاع السمكة الطعم، أو لترك الخيال يطوف في مختلف أنحاء مشاغل العقل، ومحاولة البحث عن حلول فكرية لمعضلات تنتظر بعد نهاية العطلة.
و من الأعمال الدائمة في محيط الكوخ ما نشغل به أنفسنا بما يؤنس ويمتع، وبما يقرب المتساكنين في الرحلة إلى بعضهم بعضا، منها حفلة شواء السمك واللحم وبعض الخضر الموسمية، أو تطويع الآلة المصنوعة للشواء لتؤدي دور طهي “المحجوبة”، و في كل ليلة نجلس حول النار في مكان مصمم لذلك على شاطئ البحيرة، حُفِرت فيه حفرةٌ وُضعت فيها قصعةٌ حديديةٌ ملئت بالجمر الأسود، ومن مكان بعيد في الأعلى مخصص لتخزين الحطب، نجلب لها بعض الأخشاب المقطعة لغرض الاحتراق .
لقد كان مصطفى هو مهندس إشعال النار على الطريقة الهرمية الأكثر شيوعا بين تقنيات إشغال النار أثناء التخييم، ومن جماليات الحدث أنه لا يوجد في المكان نور غير نور النار، المتفضلة علينا بدفئها في جو أخذ يبرد أكثر فأكثر بعد غروب الشمس. أما عن الحديث المتداول حول النار فهي أي حديث، المهم أن نتكلم، نتكلم عن أي شيء مفيد أو غير مفيد، تارة يكون مفيدا بذكر الله وتذكر عظمته وأفضاله ونعمه، وتارة عن شؤون العائلة وتحديات الحياة والمشاريع الفردية والجماعية، وتارة تدخلات من هذا أو ذاك لمعاكسة هذا لذاك، أحيانا تنتهي المعاكسة بالضحك وتارة تنتهي بزعل يقتضي إصلاح الوضع على عجل. ولكن أكثر ما يتداوله المتحلقون عن النار النكت، وكنت أنا أكثر من يقصها، تارة بشكل تلقائي، وتارة تكلفا لتحفيز الآخرين، وتكون النكة لطيفة مضحكة مرة ومرة، وتكون سامجة بلا معنى بين الحين والحين، وحين لا تكون مضحكة، يتظاهر الحضور بالضحك، ولكن يحدث أن يتجرأ أحدهم فيقول “ما تضحكش” فيضحك القوم لذلك.
ومن أمتع أيام الحياة البرية في الكوخ وحوله رحلات المشي الجماعي داخل الغابة، عبر مسارات متعددة، طويلة أو قصيرة، صعبة أو منبسطة، تعرضها عليك مخططات مديرية الغابات المعلقة في كل الأنحاء، ولم نكن نرض بغير المسالك الصعبة بما يتيحه الوقت المبرمج، وأكبر ما ينعم به المشّاء في الغابة عبر منسطاتها ومرتفعاتها ومنحدراتها السكينة النفسية الفردية، والبهجة العائلية الجماعية، أثناء السكوت الطويل تارة، والحديث الثنائي تارة، وكلما اشتد الخطو وتورط الفرد بالتوغل في أعماق الغابة يكون قد اختبر قدراته الصحية. والحمد لله على فضله، لم يسبقني الشباب في الفرقة الماشية في شيء، وكأن الستين ونيف صارت عشرينية أو ثلاثينية! وكم ذكرتني هذه الرحلة بالأيامي الخوالي في سن العشرين وقبله، في أواخر السبعينات وبداية الثمانينيات، في الطور الثانوي وبداية الجامعة، حينما كنا نخرج في رحلات برية إلى جبل المعاضيد وغاباته نتسلق الجبال ونسبح في برك الماء وننشد ونصلي وننظم المسابقات الرياضية والثقافية .. فيا له من زمن جميل غابر!
وفي يوم آخر في الغابة في كندا كانت الرحلة على الدراجات الهوائية الجبلية ذات العجلات القوية المفلطحة كثيرة العقد والمحفوظة من الفتق والثقوب، ونظام تعليق أمامي أو مزدوج من أجل امتصاص الصدمات، ومسهلات تُضبط باليد للتحكم في السرعة أثناء المنحدرات أو المرتفعات الحادة. والسير على الدراجة في المسالك الغابية الجبلية غير الممهدة لمسافات طويلة يمثل تحديا جادا لا يقدر عليه إلا صاحب الإصرار والمهارة والبنية القوية، لكثرة المطبات وأغصان الأشجار الصلبة المحدودبة التي تخترق الطرقات بين الحين والحين، بلا إذن ولا تنبيه، وكثرة الالتواءات وتشابك الأغصان وحدية الصعود والنزول من هضبة إلى هضبة. والحق يقال، وبكل تواضع، أنني فاجأت نفسي وتفاجأ من كان معي في المسار معي بتفوقي على الشباب في أصعب مرتفع إذا لم أتوقف حتى بلغت القمة وتركت ورائي الشباب قد حبسهم في وسط المرتفع التعب، وأدركت عندها أهمية مواضبتي على الرياضة في حياتي العادية، ولعل أحدهم اعتقد بأنه تركني أسبقه احتراما، ولكنه مجرد ادعاء إذ رأيت بنفسي كيف كان ذلك الشاب الحبيب القوّال، بينه وبين نفسه، يلهث من التعب وأنا أتجاوزه شامخا على دراجتي.
ومما يزيد الرحلة داخل الغابة وحولها متعة وبهجة ما نراه من طيور وما يدب على الأرض، بما يجعلك تعيش في حديقة حيوانات شاسعة طبيعية مفتوحة تتعايش فيها كل المخلوقات، يعرف فيها كل أحد حدوده، وحقوقه وواجباته. أما الطيور، فهي في هذا الموئل الإحيائي الغرير خطّافة للألباب بأصنافها العديدة متنوعة الألوان والأصوات، فأما الأصوات فيا لها من تغريدات أخّاذة، تذكرك بتسبيح الكائنات لله الخالق المبدع العلي القدير، فتارة تسمع صوت الزغردة، وتارة تسمع ضجيجا بأنغام مميزة سريعة، وتارة تسمع صوتا صارما قويا مزعجا، وتارة تسمع صوتا ممتلئا كالأغاني المنخفضة المتباينة الرقيقة، وتارة يخيل إليك أنك تسمع صوت الجرس أو صوت الناي أو صوت قرع الطبول، وفي مرة من المرات حينما تتبعت مصدر صوت قرع الطبل في أعلى شجرة قديمة طويلة رأيت لأول مرة في حياتي طائر “نقار الخشب” منهمكا في ضرب جذع الشجرة بمنقاره بحثا عن الديدان والحشرات واليرقات، لا يمل من النقر ولا يتألم رأسه من كثرة الضرب، وكأن أنسجة ليفية تضعف الصدمة بين منقاره وجمجمته، وله مخالب قوية وذيل خشن للتمسك بالغصن أثناء مقارعته، وله ريش بألوان بديعة حسب أصنافه الكثيرة، كالأنواع الزيتونية الذهبية، أو ذات الوجنة السوداء، أو النوع الرمادي، أو زغبي الريش، أوذي الرقبة الحمراء وغير ذلك.
وأثناء سيرنا بالسيارة على طريقٍ تحيط به الأشجار والمروج لمحنا غزالتين من غير النوع الذي عندنا في جنوب الجزائر، تهيأ لي أن غزلاننا أجمل وأكثر رشاقة، ومن اللافت أن الغزالتين لم تفرا من السيارة بل بقيتا ترقبها من بعيد وكأنها متعودةٌ على المشهد وآمنة على حالها، تمنيت لو كانت الغزالتين من نوع غزال “الآيل” ذات القرون الكبيرة المتشعبة إذ كندا وشمال أمريكا هي موطن الآيل الأكبر حجما في العالم فأكون قد شهدت شيئا مميزا، ولربما يكون ذلك في فرصة أخرى.
وفي مرة أخرى في هذه الرحلة رأينا أثناء انتقالنا للغابة ذئبا أمريكا (كويوتي)، يجري بسرعة متوسطة على طريق السيارات نحو الأشجار الكثيفة ليختفي فيها، لا أدري هل خوفا من الإنسان إذ الإنسان أول تهديد لنوعه، أم سعيا وراء فريسة من الأرانب البرية أو القوارض المنتشرة التي يقتات بها عادة. حجم الكيوتي أقل من حجم الذئب الرمادي المشهور وأكثر جمالا منه، يُمتع الرائيَ بفروه المختلط بين الرمادي والبني والبرتقالي الداكن الذي يميل إلى الاحمرار مع خطوط سوداء طولية، ولعل العواء الذي نسمعه في الصباح الباكر أو المساء هو مصدره.
ومما رأيناه في العديد من الأماكن في رحلتنا حيوانا ثديا اسمه “الراكون”، وهي كلمة يطلقها عليه السكان الأصليون، وتعني عندهم الذي يدلك بيديه، ويسمى كذلك الراكون الغاسل لأنه يغسل طعامه بالماء قبل غسله، وله رأس عريض يشبه وجه الثعلب، وأذنان صغيرتان منتصبتان،
وجسم بحجم جسم القط السمين، يغطي بدنه فِراءٌ من الشعر البني والرمادي والأبيض، تزينه خطوط سوداء من الرأس إلى آخر الظهر. وفي مرة من المرات عبَر راكونٌ ذكرٌ مع أنثاه الطريق دون صغارهما الثلاث خوفا من المارة الراجلين، فتوقف الجميع ليسمحوا لهم بالالتحاق بوالديهما ولكن اندفع طفلان صغيران نحو هذه الحيوانات الصغيرة لإمساكها أو اللعب معها دون وعي ففرت الراكونات الصغيرة ولا ندري كيف كان مصيرها.
غير أن الحيوان المميز الذي تجده في كندا في كل مكان بكل ألوانه وأشكاله فهو السنجاب، ولو أردت أن تسأل نفسك ما هي الحيوانات التي ترمز لكندا لجعلت السناجب واحدة منها، وربما أولها، فهي في الغابة والحدائق والطرقات وحول المنازل، وإذا ما منحتها شيئا من الطعام تتعود عليك وتأتي تطرق عليك باب بيتك، والسناجب من الثديات القوارض، يغطي جسمَها فراءٌ ناعم غزير ذو ألوان متعددةٍ من الأحمر إلى البني إلى البني المائل للاحمرار إلى الرمادي إلى الأسود، وهي تأكل كل شيء تقريبا ولكنها نباتية أكثر، تلتهم بقواطعها الحادة بذور الأشجار والخضر والفواكه وثمار المكسرات المختلفة.
وهناك حيوانات كثيرة أخرى تجدها في كل النواحي تعاملت معها وغذّيتها وأخذت معها بعض الصور لا أقف عندها لأنها مألوفة عندنا كالأرانب البرية والبط والوز وغيرها، ومن الحيوانات المنتشرة بأنواع عديدة في كندا الدببة، غير أنني حُرمت من رؤيتها رغم توغلي مع الشباب في غابة كُتبت تحذيرات في أماكن عديدة فيها من وجود هذا النوع من الحيوانات الخطرة، وفي وسط الغابة أخذت أصرخ مداعبا الشباب ” أيها الدب الجبان أخرج لنراك”، ولكنه لم يخرج، ولربما يكون قد أشفق علينا، أو اعتبرنا ضيوفا استحى من أن يؤذينا!
أما عن عالم الأشجار والنباتات فقد رأينا العجب العجاب مما لا يمكن حصره من حيث الأنواع والأشكال والأحجام، كالبلوط والأرز والقيقب والدردار والجوز واللوز والبندق والتوت بمختلف أنواعه والتنوب بمختلف انواعه وأشجار مختلف الفواكه، أما النباتات والأزهار فعبثا أحاول تعدادها.
لقد وصلت إلى حالة من التعب في كتابة هذا المقال، فلا أراني أقدر على إشراك القارئ في الرحلة من حيث التفصيل أكثر! حقا لا أستطيع المواصلة أكثر من هذا!
ولكن لا يمكن أن أغادر دون الحديث عن الشجرة التي ترمز ورقتها إلى كندا ويتوسط رسمُها علمَ دولة كندا منذ فبراير 1965 وهي شجرة القيقب. وشجرة القيقب توجد في كندا وأوروبا وروسيا، تصل أنواعها إلى أكثر من مائة نوع، بألوان مختلفة، ومنها القصير الذي يبلغ 12 مترا، ومنها الطويل الذي يبلغ 30 مترا، وكل جمالها في أوراقها، خصوصا حين تتلون في فصل الخريف، وهي أوراق تنمو في أزواج، تمتد كل ورقة في اتجاه معاكس لنمو الأخرى، ويشتهر صنف منها بعسلها الذي يؤخذ منها ” شراب القيقب” أو شراب الاسفندان” وهو شراب يصنع من نسغ (عصارة) الأوعية الخشبية بفتح ثقوب في الجذور والجذوع توضع فيها أنابيب يتدفق من خلالها الشراب إلى الآنية المتصلة بها. وهذا الشراب مفيد جدا للصحة حيث يحتوي على مواد مضادة للأكسدة تنفع في منع تصلب الشرايين وسلامة القلب ولرفع مستوى المناعة، ويتكون من نسبة عالية من الفيتامين ب النافعة للتمثيل الغذائي، ومن العديد من المعادن المهمة كالبوتاسيوم والمنغانزيوم والكالسيوم، ويستعمل كبديل صحي جيد للسكر الأبيض بالنسبة لمرضى السكري. ولكن شراب القيقب مشهور أكثر في المجال السياحي إذ يوضع في قارورات زجاجية جميلة بعضها على شكل ورقة شجرة القيقب تباع في المطارات والحدائق وصالات المعارض ومختلف المُركبات السياحية، وكل أجنبي سائح يريد تقديم هدية فإن من الأشياء الأولى التي يفكر فيها شراب ( أو عسل) القيقب.
وفي الأخير أرجو أنني قد أشركت القارئ بهذه المحطة من رحلتي إلى كندا، وقد بقيت محطات أخرى كثيرة مفيدة، رأيتها في تورنتو أو أوتاوا أو مونتريال، علاوة على ما كنت أنوي كتابته في تاريخ كندا وما حدث من أحداث وحشية اقترفها الإنجليز والفرنسيون في حق السكان الأصليين في هذا البلد، لن أستطيع بكل تأكيد التفصيل فيها هذه الأيام حيث أن العطلة انتهت وعدت إلى ضغوطات الأنشطة والأعمال التي تنتظرني في المجال الفكري والعلمي والسياسي والاجتماعي والعديد من فضاءات المجتمع المدني في الداخل والخارج ولن يكون لدي الوقت لذلك، ولكن الوعد قائم بالرجوع إلى كل تلك التفاصيل، بغرض إنشاء أدب السياحة الفكرية والسياسية والترفيهية، ونقل التجارب وإمتاع الناس، والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.
د. عبد الرزاق مقري
1 – لقاءات الأحبة
لم يحدث أن غبت عن الوطن لمدة طويلة كما هي رحلتي التي انتهت اليوم إلى كندا، لا شك أن اقتراب نهاية عهدتي في هياكل الحركة تقتضي مني التخفف من المسؤوليات قبل الأوان ليكون الانتقال سلسا في موعده لمصلحة الحركة ومصلحة الجميع، غير أن ثمة أسباب أخرى كثيرة اقتضت هذا الغياب الطويل، منها المسؤولية تجاه جاليتنا الجزائرية التي حملتنا إياها النتيجة الانتخابية التشريعية الأخيرة خارج الوطن حيث صرنا القوة السياسية الأولى بحصولنا على ثلاثة مقاعد من ثمانية، فاقتضى ذلك الاتصال بحاضنتنا خصوصا، وعموم الجزائريين عموما، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، للاستماع لانشغالاتهم ومزيد من التأطير وأخذ الحكمة والخبرة من الرصيد الوطني العظيم المتناثر في مختلف البلدان.
وكانت الزيارة كذلك لأسباب عائلية، بنفس الدرجة من الأهمية، لزيارة أختي وأولادها في غربتهم الموحشة بعد وفاة زوجها الأخ العزيز يوسف موسود، وكذلك زيارة ابني مصطفى المقيم في كندا والذي لم يتيسر له السفر إلى البلد في الفترة الأخيرة بسبب ظروف عمله.
وعلاوة على كل ذلك حينما يزور المرء بلدا مثل كندا، بشساعته وجمال طبيعته، وتنوع تضاريسه، وتجربته في بلوغ أعلى مستوى التطور، وتاريخه المشحون بالأحداث المأساوية الاستعمارية الكبرى، فإن المرء المهتم بدراسة أحوال الأمم يهمه أن يقف عند مختلف المناظر والمشاهد والمعالم التاريخية لهذا البلد ليستلهم منها الدروس ويسجل عليها ملاحظاته.
لقد كانت البداية في مونتريال بلقاء مفتوح مع الجمهور في قاعة عمومية بين نائبي الحركة عن الجالية، د. عبد الوهاب يعقوبي والسيد إبراهيم دخينات، حيث عرضا ما يقومان به من أنشطة لصالح الجزائريين خارج الوطن من نقل لاهتماماتهم ومعاناتهم. لا شك أن كل أحد من الحضور قد تمتع بما أظهره د. عبد الوهاب من تحكم وعلم بالمواضيع المطروحة وعن آليات حلها والقوانين المتعلقة بها وكيف تتعامل الدول الأخرى حيالها والخطوات التي تم اتخاذها من حيث الاتصالات والوساطات مع الجهات الحكومية وعلى مستوى التشريع والعلاقات، وما كان لعمل الجالية أن يتطور لو لا الخبرة وحجم العلاقات والمعارف والتجارب التي يتمتع بها الأستاذ إبراهيم، وقد حضرت جانبا من النقاش فشعرت بكثير من الفخر بممثلينا في البرلمان والتكامل بينهم، كما سعدت كثيرا بالصراحة والقوة والكفاءة التي أظهرها الحضور في عرض المشاكل المتعددة والمتنوعة التي يعاني منها الجزائريون في كندا، كعينة لمتاعب أهلنا في بلاد الغربة.
لقد كنت أعرف الكثير عن تلك المشاكل حين كنت الأمين الوطني للجالية في المكتب التنفيذي الوطني بين سنتي 1991 و1998، ولكنني اندهشت لتفاقمها وتعقدها مع مرور الزمن، وقد سعدت كثيرا بالوعي الذي أبان عنه العديد من المتدخلين والمتدخلات، بخصوص التطورات الحاصلة وخصوصيات البلد الذي يعيشون فيه وعن استعدادهم للقيام بواجباتهم تجاه بلدهم انطلاقا من أماكن إقامتهم. وعند نهاية النقاش قدمت للحضور كلمة مختصرة عن رؤية الحركة للنهضة بالبلد في مختلف الجوانب وعن العوائق المانعة لذلك وعما نقوم به من أعمال للإصلاح السياسي والاجتماعي وشعرت في مختتم اللقاء بأننا أدخلنا كثيرا من السرور على الحضور، عبّرت عنه الأجواء اللطيفة الطيبة والأحاديث الجانبية المفيدة في أروقة المركز العمومي الذي تم فيه اللقاء.
وعلاوة على الأشخاص الطيبين الذين تعرفت عليهم لأول مرة، سعدت كثيرا باللقاء بإخوة أفاضل من الجالية أعرفهم منذ سنوات طويلة عاد بي الزمن لرؤيتهم إلى ملاحم كبيرة خضناها معا خارج الوطن في زمن فتنة التسعينيات خارج البلاد، كما عادت بي الذاكرة لتلك الجولات المارتونية التي قمت بها مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في مختلف بلدان العالم دفاعا عن منهجنا وبلدنا وما تعرضنا له من تهديدات جمة، بعضها لا يزال محفوظا بالصورة والصوت كشهادات على التاريخ، نرجو أن تشهد علينا عند الله تعالى إذ قد نبهنا وحذرنا من المخاطر التي وقعت قبل وقوعها، ودعونا إلى كل أنواع البر والخير فلم يُسمع لنا، ولعل تلك التسجيلات تبقى شاهدة كذلك في وجه المنكرين والجاحدين والمتحاملين.
وبعد لقاء مونتريال كانت فرص أخرى للقاءات وزيارات إضافية مع الجزائريين في العاصمة الكندية أوتاوا حيث نظمنا لقاءين آخرين مع الجزائريين الأول في المركز الإسلامي ابن رشد والثاني في المركز الإسلامي “السلام”، كما كانت لي فرصة للقاء منسق مكتب الحركة في كندا بتورونتو الدكتور نصر الدين بنعايشة وزيارته في بيته والتعرف على أهله وأولاده الأفاضل.
في كل اللقاءات التي أقمناها مع الجالية كان الحديث عن المعاناة يتجدد، في كل مكان، بأشكال متعددة، حتى لكأنه يخيل إليك أنه لا توجد جالية غاضبة على أوضاعها في علاقتها بحكوماتها كما هي الجالية الجزائرية، أو يصيبك إحساس أن ثمة من المسؤولين في الدولة الجزائرية من يتعمد إيذاء مواطنينا في الخارج وإبعادهم جسديا ومعنويا عن بلدهم، خصوصا ما يتعلق بغلاء تكلفة تذاكر السفر عبر الخطوط الجوية الجزائرية. وكم كان مؤثرا حديث أحد الإطارات الجزائرية في لقاء جانبي عن حرمان أولاده من زيارة بلدهم الأصلي لسنوات طويلة بسبب أن رحلة عائلية واحدة إلى الجزائر تقضي على مدخراته لسنوات طويلة، والغريب في الأمر أنه رغم العجز في خدمة مصالح سكاننا في الخارج بقي المسؤولون الجزائريون متعالين وغير مبالين بتنظيم الناس أنفسهم للدفاع عن مصالحهم والمحافظة على هويتهم والتضامن بينهم، عبر المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات المدنية والمنظمات ذات الاختصاص، بل بقي المسؤولون الجزائريون، منذ عرفناهم إلى اليوم، يتهيبون ويشكّون في كل مبادرة تنظيمية للجزائريين في الخارج، خلافا لبلدان أخرى جارة أو شقيقة عرف حكامها كيف يتواصلون مع مواطنيهم في كل البلدان، بمختلف تياراتهم، حتى جعلوهم رافدا لقوة بلدهم، فتغلبوا على الجزائر في كثير من الاستحقاقات بقدرتهم هذه على حشد مواردهم البشرية بالتواضع لهم وقبول التنوع في أفكارهم وقناعاتهم. وأنا في هذا الشأن شاهد فاعل، قديما في زمن الشيخ محفوظ رحمه الله، وحاليا بصفتي رئيسا للحركة، إذ عرضنا على السلطات الجزائرية التعاون خارج البلد لمصلحة البلد فلم يأبهوا لذلك، ولا يزالون إلى اليوم على نفس نهج الاستعلاء والتكبر والانغلاق، لا يسمعون النصيحة ولا تهمهم أفكار الآخرين، ولا يحبون من يريد خدمة البلد، ولا يرغبون إلا في التابعين الذين يقبلون أن يتحولوا إلى مُخبِرين أمنيين بدل مبدعين أحرار، ولو لا واجب التحفظ لحكيت قصصا غريبة في هذا الشأن. وقد أخبررني عبد الوهاب عن أحداث عديدة وقعت له مع دبلوماسيين متكبرين رديئين.
ولكن حتى لا نعمم فنظلم الناس، لا بد أن نشهد أن هناك شخصيات سوية وخلوقة في السلك الدبلوماسي الجزائري يتمتعون بالكفاءة، رأينا منهم التواضع في التعامل ولهم آثار إيجابية في القنصليات والسفارات التي يشرفون عليها، وقد حضرت جزء من مداخلة القنصل العام في كندا أثناء اللقاء الذي نظمناه في مونتريال فكان متواضعا في مداخلته ناصحا للحضور مستعدا للتعامل مع مشاكل الجزائريبن، وقد سبق لي أن التقيته في ماليزيا حين كان قنصلا هناك.
غير أن الصورة العامة لحال الجالية غير مُرض، والمسؤولون الجزائريون لم يقوموا إلى الآن بما يخدم مصالح الجزائريين في الخارج، بالرغم من أن الحلول المقترحة معقولة، وكثير منها قابل للإنجاز، ونحن كحركة لم نفرط في تقديم الاقتراحات العملية، سواء المدرجة في برنامجنا ” الحلم الجزائري” أو عبر ما تقدمه كتلتنا البرلمانية ونوابنا عن الجالية، عبر المبادرات التشريعية، والأسئلة الكتابية والشفوية، والعلاقات والاتصالات. والحمد لله نحن فخورون بما يقدمونه، وذلك جزء من عاجل بشرى الحركة.
ومن الجوانب الإيجابية التي سعدنا بها كثيرا في لقاءاتنا بأفراد الجالية المستويات العلمية والمهنية العالية التي يمثلونها، إذا التقينا وتعرفنا، حيث ما ذهبنا في هذا البلد الفسيح، على دكاترة كبار في مختلف الاختصاصات لهم مكانة مرموقة في الدوائر البحثية والجامعية والخدمية والصناعية، وأصحاب أخلاق عالية وسمت مرموق، كثير منهم تحصلوا قديما على منح دراسية من الجزائر، ولمّا لم يجدوا كيف يفيدوا بلدهم بعلمهم بقوا، أو رجعوا، إلى كندا، فهم يخدمون استمرار نهضة هذا البلد الأجنبي، ولا يستفيد منهم بلدهم في شيء.
لا شك أن هذه الحالة عامة في مختلف البلدان التي هاجرت، ولا تزال، تهاجر إليها الأدمغة الجزائرية إذ لم تجد التقدير والاحترام وفرص الارتقاء في موطنها الأصلي، ولا غرو أن هذه الظاهرة هي مظهر من مظاهر التخلف التي أشار إليها مالك بن نبي حينما بيّن في كتابه ” شروط النهضة” بأن مشكلتنا ليست في عدم امتلاك الصاروخ، والمستويات التكنولوجية العالية، ولكن مشكلتنا في غياب النظام وفقدان القيم الإنسانية الحضارية، مشكلتنا في الإنسان العاجز “رجل القلة” أو ” إنسان النصف” الذي لا يمشي في التاريخ، الإنسان الرديئ الكسول، المُعقّد، الذي لا يؤمن بنفسه وقيمه، الإنسان صاحب القابلية للاستعمار. ولنا أن نتصور لو يصلح حال بلدنا حين يتولاه في كل المستويات مبدعون مجدون فاعلون متحضرون، كيف يمكننا عندئذ استغلال هذه الطاقات الجبارة بما يجعلها ترقى بعلمها ماديا ومعنويا ويرقى بها البلد، وبما يجعلنا نوجه التكنولوجيا نحونا لنأخذ حظنا منها، كما فعلت أمم أخرى كسبت الحكم الراشد أولا فاستقطبت العلماء وكسبت التكنولوجيا بعدئذ.
ومما أعجبني في اللقاء بالجالية صراحة النقاش وذكر بعضهم مؤاخذاتهم على الحركة، خصوصا في الجانب السياسي، لا سيما ما يتعلق بالعلاقة بالنظام السياسي في فترات سابقة، وأثناء الحراك الشعبي، مما أتاح لي فرصة الاسترسال في شرح رؤى الحركة وتبيين مواقفها في مختلف القضايا، خصوصا في لقاءات أوتاوا، ولم أجد في حقيقة الأمر صعوبة كبيرة في إقناع الحضور ممن ناقشت معهم هذه الأمور، في مختلف الشؤون السياسية وتطورات الحراك الشعبي، فرأيت بعضهم يتحول وجهه، من بداية النقاش إلى نهايته، من حالة العبوس والنظرات المريبة إلى حالة الانشراح والابتسامات العريضة، وأستطيع أن اقول بأنني رجعت من كندا بصداقات جزائرية جديدة أعتز بها.
ومن أهم الزيارات لأحبتنا المقيمين في كندا زيارة عائلة أخينا علي سعدي رحمه الله تعالى، الذي كان قد توفي قبل قرابة ثلاث سنوات وكتبت بشأنه مرثية ذكرت فيها فضله ومناقبه، وقد التقيت في بيت الفقيد بزوجته وبعض أولادها ووالدتها ووالدها سي عبد الحميد، وتمت الزيارة بفضل الدكتور فؤاد صاحب الفضل بربط علاقة الشيخ محفوظ نحناح بسي عبد الحميد في نهاية الثمانينيات، ثم أصبح سي عبد الحميد صديقا مقربا من الشيخ محفوظ نحناح رحمه يزوره أثناء إقامته الطويلة في السعودية بمناسبة الحج والعمرة، وقد أتيحت لي الفرصة أن أتعرف عليه وألتقيه صحبة الشيخ رحمه الله هناك. وقد فرحت بي الأسرة الكريمة جزاهم الله خيرا، وذكرنا كثيرا من معارفنا المشتركة وعن أوضاع البلد، وسي عبد الحميد رجل فاضل صاحب مكانة، وداعية مثابر على فعل الخير، قام بتشييد مسجد في بجاية مسقط رأسه، ومسجد في بلد آسوي بعيد كمركز إسلامي للدعوة اهتدى عن طريقه عدد من ساكنة ذلك البلد. وقد خرجت سعيدا من عندهم لما وفقني الله إليه من قيام للواجب وفاءً لأخي وصديقي العزيز علي سعدي رحمه الله.
وحينما رأيت أثر وجود سي عبد الحميد وزوجته على ابنتهما وأولادهما، وعمق التأثر والعاطفة الفياضة بينهما وما رأيته مثل ذلك في زيارتي لشقيقتي وأبنائها، حمدت الله على نعمة الإسلام وإعلائه شأن الأرحام وما أودعه في مجتمعاتنا من تراحم وتضامن.
لقد كان الفضل في نجاح الزيارة العائلية لابني مصطفى بحسن إعدادها وتنظيمها وإنفاقه عليها، ولا غرابة أن يفعل ذلك برا بوالديه وصلة رحم ووفاء لعمته وزوجها الفقيد اللذين احتضناه من أول يوم نزل فيه كندا بعد تخرجه من الجامعة الجزائرية، إذ توسطا له في أول شغل له في محطة لبيع الوقود، ثم اشتغل في المطعم الذي كسبه يوسف رحمه إلى أن استطاع التسجيل في الجامعة من أجل تكوين مهني قريب من اختصاصه الجامعي في الجزائر، وواصل مساره المهني من وظيفة إلى وظيفة إلى أن استقر في وظيفة جيدة في تورنتو، فجزاه الله خيرا من شاب ملتزم خلوق منفق كريم.
لقد كنت اعرف التزام الأخ يوسف قبل أن أصاهره، وعرفته أثناء حياته صهرا مؤمنا وقافا عند حدود الله، وبالطبع أعرف أختي منذ طفولتي اذا كنا قريبين لبعضنا البعض كثيرا وانخرطت معي في الدعوة الإسلامية منذ نعومة أظافرها، وكانت من الزمرة الأولى من المحجبات في بلدة المسيلة، فأكد لي ما رأيته من التزام للأولاد والتفافهم حول والدتهم، وتضامن بينهم حقيقة حفظ الله لعمل وأجر المحسنين وفق قوله الله تعالى في سورة الكهف: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)))، وقوله في سورة الكهف كذلك عن حفظ ذرية الصالحين بعد مماتهم: (( وكان أبوهما صالحا))، وإني لأرجو أن تتحقق رحمته سبحانه في هذه العائلة فيلحق الله الذرية بمكانة الآباء الصالحين عنده ولو كانت الذرية دون فضل الآباء إن هم اتبعوهم في الإيمان وفق ما بينه سبحانه في سورة الطور: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21))).
ما شعرت به أثناء زيارتي لبيت أخي علي، هو ذاته ما شعرت به أثناء وجودي في بيت شقيقتي مع أبنائها، آثار للحزن عميقة وطيف الفقيد يحوم بالبيت في كل مكان، ولكنهما بيتان عامران بالصبر والإيمان بحمد الله، ومن حظ زوجة الشيخ علي حضور والديها معها يشاركانها آلامها ويقفان معها في محنتها، ويواسيان الأولاد لكي يكلموا حياتهم بصبر وعزيمة، ولذات السبب بقيت والدتي مع ابنتها – شقيقتي – أكثر من نصف عام بعد الوفاة لإعانتها والأولاد على الصبر والتحمل رغم مرض الوالدة والمشقة الشديدة للسفر عليها، ومن أهم أسباب بقائي الطويل نسبيا في كندا في حقيقة الأمر استكمال هذا الواجب، وقد حققتُ بفضل الله الهدف إذ خففت على الأخت الكريمة من حالة الحزن القاتل والانعزال المدمر وأسأل الله أن يتم لها والأولاد بخير.
يتبع في مقالات مقبلة نتحدث بحول الله عن عدد من المحطات السياحية وما استلهمناه من فوائد وعبر.
د. عبد الرزاق مقري
حينما ترأس حزب العدالة والتنمية المغربي الحكومة سنة 2011 في أجواء الربيع العربي كتبت مقالا حذرت من الحالة التي وصل إليها هذا الحزب الصديق في الانتخابات التشريعية في هذه الانتخابات التشريعية الأخيرة سنة 2021.
اعتبر قادة “البيجيدي” ومناضلوه في ذلك الوقت أنهم أحدثوا اختراقا كبيرا في الشأن السياسي كإسلاميين، وكانوا لا شك محقين في ذلك. واعتقدوا آنذاك، ومعهم الكثير من الملاحظين في العالم العربي أن الحالة المغربية تمثل استثناء حيث وقع التغيير “الفعلي” دون الحاجة إلى ثورة شعبية عاصفة، وأخذ البعض يبالغ في الإطراء على حكمة ملك المغرب المغربي محمد السادس.
ما نبهت إليه يومذاك كان ينبع من واقع تجربتنا في الجزائر وملاحظاتنا لكثير من التجارب، أن الحكمة الملكية التي يتحدثون عنها ما هي إلا تدبير اتجه إليه الحاكم المطلق في المغرب بتوجيه ونصائح غربية فرنسية أمريكية لتجاوز فورة الربيع العربي. كان لدى الملك محمد السادس العديد من الأحزاب القريبة من القصر، منها التجمع الوطني للأحرار (الحزب الأول في الانتخابات الأخيرة) الذي أسسه أحمد عصمان سنة 1978 (صهر الملك الحسن الثاني وزوج عمة الملك الحالي محمد السادس) ويرأسه حاليا رجل الأعمال عزيز أخنوش (رئيس الوزراء المرتقب المعروف بعدائه للإسلاميين وللحجاب في المؤسسات الرسمية ورئيس وفد مغربي في مؤتمر الماسونية بأثينا سنة 2008)، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه صديق الملك محمد السادس فؤاد عالي الهمة (مهندس ملف التطبيع مع الملك قبل كشفه للحكومة) سنة 2008 بتدبير ملكي لمواجهة صعود الإسلاميين المتمثل حزبيا في حزب العدالة والتنمية، وقد كان يُعدُّ ليكتسح الانتخابات التشريعية سنة 2011.
غير أن معطيات الربيع العربي غيرت المشهد والواقع والموازين، وأمام موجة العنفوان الشعبي الذي كان يملأ شوارع المدن المغربية لم يكن لدى النظام قدرات اقتصادية ومالية تسمح له باستيعاب الشارع كما وقع في الجزائر، ولم يكن بإمكانه انتهاج نهج القمع البوليسي الشامل الذي قد يؤدي إلى انفلات لا تقبله الدول الأوربية المهددة دوما بالهجرة من وعن طريق المغرب.
وجد الملك نفسه في حالة عجز أمام قوى معارضة إسلامية ويسارية صلبة وشديدة المراس لها تأثير كبير على الشارع، فكانت الحيلة أن يُفسح المجال، بعدم التزوير، لحزب العدالة والتنمية للتقدم الانتخابي وتشكيل الحكومة فيقتنع الناس بأن التغيير بالصندوق ممكن ولا داعي للثورة، ويجعل الملك بينه وبين الشعب حزبا إسلاميا بهذه الخطة، إن نجح في التنمية وإرضاء الناس سيعود الفضل للملك أولا وإن فشل فإن سقوطه في وقت لاحق سيكون طبيعيا ويعود الملك إلى ورقته الأولى ” الأصالة والمعاصرة” أو أي حزب من أحزاب البلاط.
علم الملك بمتابعته لخطاب الإسلاميين وعن طريق استخباراته أن حزب العدالة والتنمية له قابلية للبقاء تحت السقف المحدد من القصر.
كانت البداية جيدة بالنسبة للبيجيدي بعد نجاحه في انتخابات نوفمبر 2011 التي حاز فيها المرتبة الأولى بنسبة 27.08 % (107 مقعدا في مجلس النواب من 395) تحت قيادة عبد الإله بنكيران سواء في مجال التنمية حيث أبلى الحزب بلاء حسنا وفق الظروف الاقتصادية الصعبة للمغرب وما هو متاح له من هوامش القرار والصلاحيات، أو ما يتعلق بمستوى النزاهة لدى أفراده، وكان للوزن القيادي لبنكيران أثر في استمرار هيبة الحزب واستمرار صعوده رغم تماهيه مع المخزن والعجز التام لفعل أي شيء تجاه امبراطورية الفساد في القصر المسيطرة على البلاد كلها بل السكوت عن ذلك والتعايش معه.
أحس الملك ومن ينصحه من الخلف بأن شخصية بنكيران قد تهدد خطة استيعاب الحزب وتمام تدجينه، بل أصبحت رمزية بنكيران وكاريزميته تنازع رمزية الملك عند الشعب لِما تمتّع به عبد الإله من شعبية واسعة عند بسطاء المغاربة، فكان قرار الملك إسقاط بنكيران بعدم السماح له بتشكيل الحكومة على إثر الانتخابات التشيرعية سنة 2016 التي فاز فيها الحزب بالمرتبة الأولى مجددا (125 مقعدا في مجلس النواب) ، وذلك من خلال التحكم في الأحزاب الناجحة الأخرى لكي تمتنع عن الانضمام للتحالف الجديد حتى يقدم الحزب الفائز بالمرتبة الأولى شخصا آخر لقيادة الحكومة غير بنكيران، وكان العثماني هو الشخص المعين كما كان متوقعا، بعد احتباس في المفاوضات دام خمسة أشهر.
حاول بنكيران المقاومة داخل حزبه ولكن المؤسسية غلبته فلم يتم التضامن معه بشأن رئاسة الحكومة ولم يُسمح له بالاستمرار في الأمانة العامة لعهدة ثالثة برفض إخوانه فتح العهدات في مؤتمرهم وجاء بدله غريمه وصديقه العثماني لرئاسة الأمانة العامة.
بقي بنكيران داخل الحزب يُظهر بين الحين والحين عدم رضاه على أداء رئيس الوزراء الجديد في قضايا أساسية، وأدى هذا التحول إلى رجّة داخلية وبروز خلافات واستقطاب غير مسبوق غذته التحولات اللاحقة.
كانت العهدة الثانية لحزب العدالة والتنمية في الحكومة والأولى للعثماني في قيادتها، صعبة ومعقده على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاقليمية والدولية، تراجع فيها بريق الحزب وأصبح الملك يتوغل أكثر فأكثر في العلاقة والتبعية للقوى العربية والدولية الأكثر عداوة وحقدا على التيار الإسلامي، وبعد تجاوز مخاطر هبة الربيع العربي لم يصبح ظهور علاقة الملك بأصدقائه وأتباعه من نخب المال والأعمال وأباطرة الفساد تمثل خطرا على النظام، ولم تصبح الحاجة قائمة لحزب إسلامي مبدئي يخفي عدم رضاه على فساد الدولة ويظهر الولاء والتبعية للملك فآن الأوان لوضعه على المحك حتى يفقد كل عذريته وهو في الحكم أو يخرج منه قبل نهاية عهدته الحكومية الثانية.
لقد كان السيناريو المفضل أن يخرج هذا الجسم الغريب في الدولة من الحكم بخسارة انتخابية مدوية بعد نهاية الحاجة إليه، وكانت الخطة ثلاثية الأبعاد: أولا أن تمرر باسمه كل الموبقات التي يكرهها الشعب المغربي وتناقض مبادئ الحزب الإسلامي ويحتاجها القصر وهي ثلاث قضايا أساسية، التطبيع مع الكيان الصهيوني بإمضاء العثماني نفسه نيابة عن كل أفراد حزبه، فرنسة التعليم، وتقنين إنتاج المخدرات ” القنب الهندي” علاوة على تنازلات فرعية أخرى كثيرة، ثانيا أن يُسلط عليه التشويه وحملات الشيطنة في ما هو مخطئ فيه وما هو مظلوم والتعتيم على كل إنجازاته في الحكومة بترسانة إعلامية عظيمة ممولة من رجال الأعمال داخليا والأطراف المعادية خارجيا، ثالثا التلاعبات الانتخابية التي تعمق خسارته إن خسر، كما وقع فعليا، وتفرض خسارته إن صمد انتخابيا.
لقد كانت نتيجة الخسارة مدوية وعميقة أبعدته عن حالة التراجع العادي للأحزاب التي تسيّر الحكومات في وضع اقتصادي صعب، وحرمته من الموقع التداولي في الديمقراطيات العريقة كحزب معارض في المرتبة الثانية أو الثالثة، يمكنه أن يعود للحكم بشكل طبيعي وغير مستغرب.
لقد حل في المرتبة الثامنة ب12 مقعدا في مجلس النواب بما لا يسمح له حتى بتشكيل مجموعة برلمانية.
إن هذه الخسارة تعد انتصارا لمنهج الإدماج في التعامل مع الإسلاميين من أجل إضعافهم وإنهائهم شعبيا والتخلص منهم في الأخير كمشروع بديل لأنظمة الحكم في العالم العربي، مع إمكانية إبقائهم في المشهد السياسي ضعافا لتزيينه وشرعنة “ديمقراطية الواجهة”.
إن منهج الإدماج في التعامل مع الإسلاميين منهج مؤطر أمريكيا من قبل الديمقراطيين خصوصا ومن أغلب الدول الأوربية، ومطبق منذ القدم في الكويت واليمن والأردن، وأخذ هذا التوجه أهمية كبيرة في المغرب العربي بعد الربيع العربي لاعتبارات يطول شرحها.
وهو منهج يقابل خيار الاستئصال الذي لا يقبل أن يستفيد الإسلاميون بأي موقع في الساحة السياسية، ويعتبر أن أي شبر يحوزه هؤلاء بالمشاركة السياسية يتقوون به فيصعب إنهاء وجودهم من ساحات الشأن العام، وهو منهج اليمين الأمريكي المتشدد الذي أفرز الظاهرة “الترامبية”، وعدد من التيارات المتطرفة في أوربا وخاصة في فرنسا، وهو مطبق في العالم العربي في دول الخليج وفي مصر حاليا، وفي العراق وسوريا وتونس سابقا.
لا أظن أن الملك فكر في أمر إنهاء الإسلاميين سياسيا وحده، أعتقد جازما بأنه شُجّع من جهات عربية معلومة ذات توجه استئصالي لتسريع الأمر وعدم ترك أي فرصة قريبة لحزب العدالة والتنمية ليصحح أخطاءه. فالملك يحتاج إلى أموال عربية كبيرة يواجه بها مشاكله الداخلية والخارحية، وقد يحصل عليها فعلا الآن بعد التخلص من حزب العدالة والتنمية.
غير أن هؤلاء وحليفهم الملك ورجال الأعمال في الداخل المغربي سينفقون أموالهم ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، فالحركة الإسلامية في المغرب متجذرة ولها ركائز قوة أخرى كثيرة غير العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية ذاته له إمكانات بشرية وهيكلية وفكرية كبيرة ومتنوعة تسمح له بالاستدراك إذا اعترف بأخطائه وجدد نفسه، مع التنبيه بأن بنكيران الذي طلب من العثماني الاستقالة لن يستطيع أن يكون البديل إن لم يكن هو ذاته ضمن موضوع التجديد، إذ لا يختلف فكريا مطلقا مع العثماني في أبرز القضايا الفكرية والسياسية التي أضعفت الحزب.
وإذ أقول هذا فإني أشبه أمرهم بأمر حركة مجتمع السلم في الجزائر التي لم تستطع الوقوف بعد عثراتها والرجوع للصدارة والتحرر من التبعية العقيمة للنظام السياسي وإبراز أجيال قيادية جديدة وتحقيق نتائج جيدة في الانتخابات التشريعية السابقة رغم التزوير إلا بمجهود تجديدي شامل في الفكر والسياسة والعمل الاجتماعي استهدف كبار قادة الحزب السابقين الذين كان عدد منهم يتصارعون بينهم، ليس على أساس فكري تجديدي، بل من يكون منهم أقرب إلى السلطة.
ولا تزال حركة حمس إلى الآن تكافح للتخلص من أخطاء الماضي ولم تصل بعد إلى التجديد الكامل المؤهل للريادة والاستنهاض الحضاري حيث أنها تأخرت كثيرا قبل الانطلاق في هذه المسيرة التجديدية التاريخية، وكلما بدأ حزب العدالة والتنمية المغربي سريعا بعد النكسة كلما كان الاستدراك أقرب.
لقد نصحت العديد من قادة حزب العدالة والتنمية ليعتقوا أنفسهم من فخ التطبيع ولو أدى بهم الحال إلى الخروج من الحكومة و قلت ما مفاده أن الانتخابات التشريعية قريبة وستكون لكم حظوة كبيرة عند الناخبين لو استقلتم من الحكومة بسبب التطبيع الذي أريد لكم أن تكونوا أنتم من يمضيه ويتصدره، وحتى إن تعرضتم للتزوير الانتخابي فستكون خسارتكم مشرفة، وأنكم إن صممتم على الفعل المشين ستدفعون الثمن في الانتخابات المقبلة بمذلة.
للأسف الشديد حصل الذي خشيته، ولم ينفعهم حتى استغلال رمزية حماس الفلسطينية وقائدها المجاهد أبو العبد هنية ووفده المرموق حين استقدموهم لزيارتهم (في وقت غير مناسب بالنسبة للقضية الفلسطينية) طمعا في معالجة الأثر الشعبي السلبي على مصيرهم الانتخابي … وفي الأخير انتقمت فلسطين وخسر حزب العدالة والتنمية.
قد تكون خسارة حزب العدالة والتنمية بهذا الشكل الموجع سببا لاستفاقة الحركة الإسلامية كلها وليس هذا الحزب فقط، هذا الحزب الذي عوِّل عليه كثيرا في تقديم نموذج ناجح يتسم بالديمومة والتطور المتصاعد.
إن هذا الدرسَ البليغ درسٌ لكل حركات المشاركة السياسية الحكومية العقيمة التي باتت تزيد في عمر الأنظمة الفاسدة الفاشلة العميلة في كل العالم العربي، من حيث أرادت هذه الحركات الإسلامية بالنسبة لبعضها، ومن حيث لم ترد بالنسبة لأغلبها.
إن سبب خسارة حزب العدالة والتنمية ليس أداؤه بل منهجه، هو ذلك المنهج الذي يدور حول عبارات أضحت فارغة تنتمي للغة الخشب مثل التنازل من “أجل الوطن”، “سلامة الدولة”، ” استقرار الوطن”، “حماية الديمقراطية”، “المصلحة العامة”، “قطع الطريق على العلمانيين”، “دفع المفاسد أولى من جلب المصالح”..الخ. لقد أظهر هذا المنهج المتبع من مختلف الحركات الإسلامية التي تُحشر كلُّها من طرف خصومها في “جماعة الأخوان المسلمين” ليسهل ضربها بأنه منهج تجاوزه الزمن وأصبح يحقق عكس مقاصده المعلنة إذ كل الأنظمة التي يتنازل لها قادة التيار الإسلامي تشتغل بشكل منهجي ضد تلك المقاصد، وما قبولهم لمشاركة الإسلاميين في التسيير الحكومي إلا لضرب ذات المقاصد، وبمساهمة هؤلاء الإسلاميين.
ومما عقد مسيرة هؤلاء القادة السياسيين الذين جاؤوا من حركات دعوية إحيائية إصلاحية أن طول اتباع منهج المشاركة العقيمة أنتج قيادات صار لها نفوذ في مؤسسات أحزابهم ألفوا امتيازات الحكم وأهبّته ووجاهته وخدماته وعيشه الهانئ، وصار لبعضهم أصدقاء وعلاقات ووشائج شخصية مع نخب الفساد وأعداء المشروع في الحكم، فلم تصبح لهم القدرة على اتخاذ قرار مغادرة هذا الواقع المألوف، وركوب مخاطر المعارضة وإغضاب الحكام، بل منهم من أصبح هو ذاته فاسدا ويسعى لاستغلال حزبه والانتفاع بمنهج المشاركة لمصلحته الشخصية، على هامش جسمهم الكبير الذي أضحى عاجزا على التصرف تجاه هذه الحالات الشاذة.
وزاد في ابتعادهم عن أهدافهم الإحيائية الأصلية انغماسهم كليا في السياسة دون أن يوجدوا لمشروهم مؤسسات ومشاريع ومسالك لإصلاح المجتمع وخدمته والتأثير فيه والاستفادة منه لإعلاء شأن المعروف وحطّ رؤوس مختلف المناكر.
ومن أخطر ما توصل إليه هذا الواقع أن هؤلاء صاروا يفتون لأنفسهم ويغلّطون أتباعهم بليّ النصوص وابتكار توجهات فكرية يلحقونها ب “فقه المقاصد” من غير وجه حق، ومن أغرب ما أجيب به قادة حماس حين سألوا قادة حزب العدالة والتنمية عن سبب التنازل في مسألة التطبيع قولهم ” إنها إكراهات الحكم!” فما هي إلا شهور قليلة حتى سقطوا من الحكم سقوطا سريعا مذهلا، ولم يخف الصهاينة الذين طبعوا معهم ابتهاجهم بصعود أصدقائهم المغاربة المطبعين الأصليين في هذه الانتخابات الأخيرة، وسقوط الإسلاميين الملحَقين بالتطبيع خلافا لمبادئهم.
لقد بدأ سقوط منهج المشاركة العقيم منذ سنوات، وهو في حالة تسارع مع الأحداث المتتالية والمتسارعة في تونس والمغرب ومن قبل في الجزائر ومن قبل في دول المشرق العربي، ولعل خسارة العدالة والتنمية هي الصدمة التي تدفع للتفكير في الخروج نهائيا من هذا المنهج ليتخفف الإسلاميون عن أنفسهم من ثقل مسؤولية “التازل من أجل الدولة واستقرار الوطن وتحقيق الديمقراطية” – كما يقولون – فلا يجعلوا لأنفسهم سقفا في الكفاح من أجل الحريات والتغيير الفعلي للواقع البئيس الذي يعيشه عالمنا العربي، الذي لا سبب له سوى الأنظمة الفاسدة الفاشلة العميلة التي يتنازلون لها لأجل مجرد قبولهم في الساحة السياسية دون فاعلية لتغيير واقع الأوطان والأمة والشعوب، فإما أن يكونوا في الحكم مشاركين فعليا وفق حجمهم الانتخابي في انتخابات حقيقية حرة ونزيهة أو ممكنين بواسطة الإرادة الشعبية من أجل تطبيق برامجهم لنهضة بلدانهم، أو يكونوا في المعارضة يعملون ما بوسعهم من أجل التغيير، ولو طال بهم الزمن، فلا يضعهم المستبدون بينهم وبين الشعب، وليبحثوا لأنفسهم عن طرق عصرية جديدة غير مألوفة للنضال السياسي، بين التوجهات الإصلاحية والتوجهات الثورية السلمية، يضعفوا بها الأنظمة الفاسدة دون صدام معها ما أمكن، ويسألوا العافية من الله وحده، حتى تعتدل موازين القوة لصالح التغيير الفعلي بمشاركة الأنظمة القائمة أو ضدها أو لإنهائها، بالتحالف مع قوى المجتمع المتعددة وفواعل السنن الغلابة.
إن فعلوا ذلك لن ينفع لإنهائهم لا نهج الإدماج ولا نهج الاستئصال، لأن المواجهة المباشرة عندئذ ستكون بين الأنظمة والشعب، فما هم إلا جزء من الشعب.
وإن كانوا غير قادرين على المواجهة وسط الشعب، أو اشترطوا على الله لأنفسهم عدم التعرض لأي خطر، فليخرجوا من السياسة ويكتفوا بالعمل في المجتمع، أو يبقوا في بيوتهم وليتركوا المواجهة بين الشعب والأنظمة الفاسدة فسيجد الشعب طريقه في يوم من الأيام.
د. عبد الرزاق مقري
هناك مثل في بلادنا له معنى نفسي و اجتماعي كما هو شأن الأمثال الشعبية: “الظَّهر اللاّطي يسهل ركوبو”. لم يكن ذلك الصحفي المسكين سوى رجل يسهل قهره، قام بمهته في نقل خبر كان قد نشرته السلطات الفرنسية في موقع حكومي رسمي وتناقلته وسائل الإعلام الفرنسية والأوربية. وبعد أن تم إلقاء القبض على الصحفي تحركت أجهزة البروبغاندة المعلومة، و بعض وسائل إعلامنا التابعة، والعقول الساذجة عبر الوسائط الاجتماعية لجعله “كبش فداء” للتغطية على جريمة اقتصادية وأخلاقية في حق وطننا المغبون المسكين.
إذا كانت الجريمة هي تصنيف دقلة نور كمادة غير صحية بمبيدات ممنوعة من قبل المخابر الفرنسية و رد ما تم تصديره منها إلى ذلك البلد فإن المجرم ليس الصحفي، بل هي السلطات الفرنسية التي استُقبل رئيسُها في بلادنا قبل أيام استقبال الحلفاء، وتم إعطاؤه عبر الاتفاق المبرم ما لم يعط لغيره، وشُيِّع في مغادرته تشييع الفاتحين. لا يمكن، بالطبع، لوم أي بلد يرفض مادة ممنوعة وفق معاييره القانونية مهما كانت الخصومة معه، ولكن المشكل في ازدواجية المعايير في الموقف من الصحفي ومن السلطات الفرنسية.
يتحدث بعضهم عن رفض الصحفي تقديم مصدر معلوماته، بكل احتيال أو سذاجة، مع أن المصدر منشور في موقع رسمي للحكومة الفرنسية كما قلنا، وها هو رابط الخبر نضعه في أسفل هذا المقال.
ويعتمد البعض الآخر ، بكل مكر أو سذاجة، في إغراق الصحفي باتهامه بأنه أعطى فرصة للأعداء لضرب الجزائر. وهم يقصدون، وتارة يصرحون، بأن هذا العدو هو المغرب. مع أن أبواق الدعاية المغربية مصدر خبرها الأول هو فرنسا وليس الصحفي. علاوة على أن البلدين الشقيقين قد توغلا في مخطط الشحن لخدمة أهداف الاستعمار الغربي الصهيوني قبل ذلك، وقد كان الاشتباك بالأيادي بين أبنائنا الأبرياء المشحونين من البلدين في نهائي كأس العرب للناشئين قبل سبع عشرة سنة تعبيرا مخيفا عن ذلك، وما هو آت في هذا الشأن نسأل الله فيه العافية.
ربما كان بإمكان السلطات الفرنسية أن تتصرف بمقتضى “الصداقة” المعلنة لتجنيب الجزائر الفضيحة ليكون رد التمور ردا جميلا، إذا كانت معالجتها الكيميائية تتعارض مع معاييرها وقوانينها كما يقولون.
ولكن ما قصة معالجة التمور بمبيدات غير صحية؟ ما حقيقة الأمر؟ ومن المسؤول؟ هذا هو السؤال الذي يُطرح قبل الحديث عن موضوع تصدير التمور، وقبل ردها من قبل السلطات الفرنسية؟ وقبل نقلها في وسائل الإعلام، ودون الحاجة للسجن الظالم للصحفي.
كثير ممن أنكروا على الصحفي، وأنكروا علينا بياننا المندد بسجنه، رفعوا حجة معيشة الفلاحين وما سيتعرضون إليه من مخاطر في تسويق منتجاتهم في هذا الموسم والمواسم القادمة.
لا شك أن الفلاح هو الضحية الكبرى في كل هذه القضية، ولكن من الذي أضر به؟ أليست المصالح الحكومية المختصة المشرفة على تحديد ومراقبة معايير معالجة المنتجات الفلاحية وتسويقها؟ كيف يستطيع الفلاح أن يعرف هذه المعايير؟ ومن أين يحصل على مواد المعالجة؟ وإذا تجاوز بعضُ الفلاحين المعايير عالمين ومتعمدين فمن يمنعهم؟ وهل يمكن تصدير أي منتج فلاحي دون رقابة حكومية؟ وإذا كان لا بد من تسيير الأمر مع السلطات الفرنسية لكي تتعامل مع المشكل بما لا يضر المصلحة الجزائرية فمن يقوم بذلك؟
كل هذه الأسئلة توجه لمسؤول واحد، هي السلطات الجزائرية! وبدل إجراء تغييرات حكومية شكلية لا تغير من الأمر شيئا كان الأولى النظر في سوء التدبير الشامل الذي يطبع منظومة الحكم كلها، والتي لا تعد أزمة التمور إلا واحدة منها.
والسؤال الآخر الكبير الذي يُطرح: ما هو مصير هذه التمور التي وصفت بأنها غير صحية؟ ما هي حقيقة الأمر؟ وهل ستتلف هذه التمور إذا كانت خطيرة على الصحة أم سيتم تدويرها في السوق الجزائرية ليستهلكها المواطن الجزائري؟ وهل ثمة مواد فلاحية أخرى تعالج بشكل غير صحي في بلادنا
لا نعلمها؟
د. عبد الرزاق مقري
يندرج هذا المقال ضمن سلسلة مقالات تتحدث عن صعود وسقوط الحضارات وعن تأثير الفكرة الدينية في ذلك، وقد وصل بنا الحديث في هذا الموضوع المتشعب إلى متابعة نشوء الحضارة الغربية على أساس ديني كغيرها من الحضارات البشرية في نهاية القرون الوسطى وبداية عصر النهضة
وكيف بدأ العلم يفارق الدين ثم يخاصمه في القرن السابع عشر وما بعده لأسباب فلسفية علمية، ودينية سياسية، وخارجية دولية. وقد بدأنا في التفصيل في السبب الأول المتعلق بالظروف التي جعلت الفلاسفة والعلماء الأوربيين يُحرجون ثم يخافون ثم ينقلبون على الدين ابتداء من طبقة العلماء والفلاسفة الذين كانوا هم ذاتهم من رجال الدين أو متدينين، إلى طبقة الفلاسفة والعلماء الذين حاولوا التوفيق بين الحقائق العلمية والمسلمات الدينية، إلى الذين أنكروا المقدسات المسيحية أو خاصموا الدين وأنكروا الوحي.
وقد تحدثنا في المقالين السابقين عن العلماء والفلاسفة الأبرز من الطبقة الأولى والعلماء الطبيعيين الأكثر تأثيرا في الطبقة الثانية، وسنتحدث في هذا المقال عن الفلاسفة الذي مهّدوا الطريق لخروج الحضارة الغربية من الارتباط بالدين في الشأن السياسي ونشوء معتقدات لا دينية صارت شائعة في الغرب ( ثم في العالم) ضمن تاريخ أوربي خالص لا علاقة له بتاريخ الحضارات الأخرى.
إن كل مهتم بتاريخ الفلسفة وتطور العلوم في أوربا يندهش من الكم الهائل من الفلاسفة والعلماء الذي وجدوا أنفسهم في صراع مرير بين الحقائق العلمية التي توصلوا إليها بالتحليل العلمي والمنهج التجريبي والمعتقدات الدينية المسيحية واليهودية التي لم يستسغها العلم الذي توصلوا إليه، فاتجهوا إلى إنكار الدين أو على الأقل إبعاده عن الحياة العامة. غير أننا سنكتفي بثلاثة منهم هم الأبرز والأكثر تأثيرا في القرن السابع عشر الذي حُسم في آخره الصراع بين العلم والدين لصالح العلم وهم توماس هوبس وجون لوك وباروخ سبينوزا. لنتحدث في المقال المقبل بحول الله عما يسمى عصر التنوير وتأثيره على الصورة التي عليها الحضارية الغربية اليوم في علاقتها بالدين، وما هو المستقبل المتوقع لها وفق نظريات علماء فقه التاريخ وحضارات الأمم مثل عبد الرحمن بن خلدون وأرنولد توينبي وديورانت ومالك بن نبي.
توماس هوبس (Thomas Hobbes 1588-1679)
توماس هوبس فيلسوف وسياسي إنجليزي أثر كثيرا في بروز الفلسفة الحديثة في أوربا في بداية القرن السابع عشر، التي أطرت خروج المرجعية الدينية المسيحية من الحكم وجعلتها تحت سلطة الدولة بعد أن كانت الدولة تحتها، كما ساهم في انتشار الفلسفة المادية. ويعتبر هوبس من أهم الفلاسفة الذين ابتعدوا عن التوجهات التوفيقية بين المعتقدات الدينية والحقائق العلمية التي كان عليها فلاسفة القرن الخامس عشر والسادس عشر وبعض معاصريه في القرن السابع عشر، مثل رينيه ديكارت وغاليليو. كما يعتبر هوبس من المساهمين في بروز “الليبرالية” واتجاهاتها الفكرية الاقتصادية في القرن العشرين، كما يعتبر الوريث الأبرز للفلسفة السياسية الواقعية التي أسس لها نيكولاس ماكيافيل وبعده جون بودان، و”الاتجاه السياسي الواقعي” المهيمن في العلاقات الدولية في العصر الراهن.
اعتبر هوبس في كتابه ” عن المواطن” (De Civet) الذي صدر سنة 1642 أن الحل للحروب الدينية التي عاصرها أن توضع السلطة الدينية تحت تصرف الحاكم كوظيفة من وظائفه السلطوية. غير أن مساهامته الأهم وردت في كتابه ” التنين” (Le leviathan) الذي كتبه 1614 واعتبر فيه أن الحالة الطبيعية للإنسان حالة متوحشة وأن ” الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، حريص بطبعه على البحث عن مصالحه دون مصالح غيره، وأنه على استعداد دائم للاستيلاء على ما في يد غيره مما هو في حاجة إليه، وأنه غير مجبول على الحياة الاجتماعية وأن الحالة الطبيعية التي يكون عليها أصليا هي حالة الحرب الدائمة، ” حرب الكل ضد الكل”، غير أن الناس حسبه يمكنهم أن يتحولوا إلى “الحالة المدنية” من خلال اتفاقهم عبر “عقد اجتماعي” على التنازل على جزء من حقوقهم الطبيعية لواحد منهم يحكمهم ليمنع عدوان بعضهم على بعض ويضمن أمنهم وحياتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية، على أن يكون الحكم الذي يخضعون له مطلقا يتمتع بكامل “السيادة” والحق في الإكراه بالقوة، وأن لا تكون مرجعيته دينية بل يكون هو صاحب الشرعية الوحيدة في سن القوانين، ويعتبر هوبس أن الحكم الأنسب لتحقيق المصلحة الوطنية ومصالح الأفراد هو الملكية المطلقة.
وبالرغم من اتجاهاته الدينية المعادية للهيمنة الكنسية ودعوته للعقد الاجتماعي الذي يمنح الشرعية للحاكم دون غيره، يُعتبر هوبس عند كثير من الفلاسفة الذين عاصروه والذين جاؤوا من بعده أنه موغل في اتجاهه المحافظ المعادي للديمقراطية بسبب وقوفه مع الملك الانجليزي شارل الأول ضد التيار البرلماني. وبسبب موقفه السياسي هذا لجأ إلى فرنسا سنة 1640 عندما مالت الأحداث في إنجلترا لصالح البرلمان في ومكث في فرنسا قرابة عشر سنوات كلف أثناءها سنة 1647 لفترة برعاية وتعليم الأمير الانجليزي اللاجئي في فرنسا الذي سيصبح لاحقا ملك إنجلترا شارل الثاني.
اتهم هوبس بالإلحاد وأن كتبه تدعو لتقويض الأخلاق واعتبره الكثير في بلاط الملك والبرلمان بأنه المتسبب في جلب المصائب الطبيعية التي وقعت في إنجلترا مثل داء الطاعون ستة 1665 والحريق الكبير في لندن سنة 1966، غير أن قربه من الملك شارل الثاني وفر له الحماية ومكنه من العودة إلى لندن على لا يعود للكتابة باللغة الإنجليزية في القضايا الدينية والسياسية.
كتب هوبس نسخة جديدة لكتابه التنين باللغة اللاتينية بأمستردام سنة 1668 أضاف فيها فصولا ثيولوجية دافع فيها عن نفسه من تهمة الإلحاد ولكنه ذهب بعيدا في إنكار كثير من المعتقدات المسيحية كالإيمان بالله دون الإقرار بالرعاية الإلهية للكون واعتبار الدين حالة نفسية طبيعية متعلقة بالخوف من المستقبل وإنكاره لوجود الملائكة، مع تأكيده للإيمان بعذاب جهنم كوسيلة لكسب طاعة المواطنين لخوفهم من العذاب الأخروي.
يعتبر هوبس من رموز تيار ” الربوبيين” ومن التيار الواقعي الذي أسس له من قبله نيوكالا مكيافيللي الذي ينظر إلى الدين كضرورة اجتماعية تستعمل للتأثير على الناس، وهناك من يعتبره بأنه وضع نفسه في موقع نبي جديد لأوربا، وهذه الحالة شائعة عند كثير من الفلاسفة بسبب الفراغ الديني المهول الذي صنعته الانحرافات الكنسية، قبل أن يغلب التيار الإلحادي وتيار “اللاأدريين” بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين.
جون لوك (john locke 1632-1684)
طبيب وفيزيائي واقتصادي وعالم اجتماع وفيلسوف.
من أكثر من أثر في حركة التنوير في فرنسا وأمريكا وفي تجسيد الفكر العلماني في الشأن العام السياسي والاجتماعي. وهو من الآباء الأولين لنشوء الليبرالية السياسية والاقتصادية، والتوجهات الفردانية، ومن أوائل فلاسفة المنهج التجريبي وممن أسس فلسفة العلوم أو الابستمولوجيا. وأشهر مساهماته هو ما يتعلق بفكرة :القانون الطبيعي” و”العقد الاجتماعي” إلى جانب هوبس من قبله، وجان جاك روسو من بعده، على ما يوجد بينهم من اختلافات جوهرية في هذا الموضوع.
لقد كان جون لوك رجلا موسوعيا متحكما في العديد من اللغات ومنها اللغة العربية وكان مطلعا على إسهامات الفلاسفة المسلمين، على رأسهم الفرابي وابن رشد وابن الطفيل وابن خلدون، الذين سبقوه في العديد من أفكاره الأساسية ومنها ما يتعلق بالمنهج التجريبي، وخصوصا ما يتعلق بفكرة احتياج الإنسان للحياة الاجتماعية من أجل أن يتعاون البشر على تحقيق مصالحهم ومنها حاجتهم لحاكم تنتظم به شؤونهم.
وبقدر تأثر جون لوك بالفلسفة الإسلامية واطلاعه الواسع على الفلسفة الاغريقية ومن سبقه من الفلاسفة الأوربيين، أمثال ديكارت وماكيافيل وهوكر وهوبس، تأثر كثيرا بالأحداث السياسية والصراعات الدينية في أوربا وخصوصا في بلاده انجلترا. وتعتبر كتبه الأساسية هي استجابة لتلك الأحداث منها كتاب “التسامح” الذي عالج به تعدد المذاهب البروتستنتية الناشئة المتصارعة في بريطانيا، وكتاب “عن الفهم الإنساني” الذي تناول فيه المنهج التجريبي وكتاب “الحكومة المدنية” الذي فصل فيه مبدأ العقد الاجتماعي.
بالرغم من أن جوك لوك كان يؤمن بمركزية العقل في المعرفة غير أنه يعتبر أن التجربة هي التي تغذي العقل بالمعارف، وذلك عكس فلاسفة التيار العقلاني مثل ديكارت ولايبتز وسبينوزا، وقد ذهب بعيدا في ذلك إلى حد إنكار الأفكار والمعارف والأحاسيس الفطرية فيعتبر أن الإنسان يولد صفحة بيضاء (tabula rasa) وتأتي الخبرة التجريبية تكتب عليها ما تشاء. وكانت هذه الفلسفة التجريبية المطلقة (l’empirisme) علامة أساسية لابتعاد جون لوك عن المسألة الدينية، فهو خلافا لديكارت يعتبر أن الإنسان عليه أن يصل إلى الأفكار اليقينية بالمنهج التجريبي، أما ما يتعلق بالمعتقدات الدينية فهي متعلقة بالمسلمات الإيمانية التي إذا كانت تنفع في المجالات التي لا يدركها العلم فإنها لا يجب أن تناقض ما تم إثباته يقينيا بالعلم.
ينظر لوك إلى الدين كحقيقة اجتماعية يجب أن تبقى في الإطار الفردي بما يحقق السلام الداخلي ويوجه للأخلاق الفاضلة. ولا يحق للحاكم أن يهتم بالشؤون الدينية. فإن الله، بالنسبة للوك، لم يكلف أحدا بتحقيق السلام الداخلي للبشر، ولو أراد الحاكم ذلك لا يستطيع لتعدد الديانات، غير أنه يستطيع فرض ديانة دون غيرها إذا كان ذلك مفيدا للحكم.
ولوك في حد ذاته عرف اضطرابات في معتقداته، فهو بالرغم من أنه كان خريج المعهد الكنسي إلا أنه انتهى في آخر عمره إلى إنكار التثليث، ولهذا يعتبره بعض الباحثين في فلسفته بأنه كان يتبع ديانة مسيحية توحيدية أريسية أو سوسينيانية، ويعتبره آخرون أنه كان ربوبيا يؤمن بالله دون الإيمان بالأديان، ويعد منهجه التجريبي المطلق المنكر للفطرة البشرية هو ما يرجح ابتعاده عن المعتقدات الدينية.
يعتبر لوك من مؤسسي النزعة الفردانية الليبيرالية على أساس مقاربته للقانون الطبيعي حيث يعتبر أن الإنسان يولد حرا ويبقى حرا كفرد وليس كعضو في المجتمع، وأنه لا سلطان لأي قوة اجتماعية عليه سوى ما يكتشفه بعقله من حدود لحريته من خلال التجربة. وأن حقوقه الطبيعية تتمثل في الحق في الحياة والحرية والتملك وتأسيس عائلة وفي الدفاع عن هذه الحقوق. وهو، خلافا لنظرة هوبس للقانون الطبيعي، لا يعتبر أن الإنسان كائن متوحش في حرب دائمة مع أخيه الإنسان، بل من القوانين الطبيعية ضمان استمرار النوع البشري باحترام كل إنسان حر لحياة وحرية وأملاك الآخر حين تكون حياته وحريته وأملاكه غير مهددة. وإنما يتفق مجموع الناس على التنازل للحاكم ليحكم بينهم وليحتكر قوة الإكراه حتى يحمي الحقوق الطبيعية لكل فرد منهم، غير أن سلطة الحاكم ليست مطلقة، كما هي عند هوبس، فهي مقيدة بالقوانين التي يصدرها الشعب عن طريق ممثليه، ومن حق السكان الاعتراض على السلطات التنفيذية، بل مقاومتها بالثورة عليها في حالة الإخلال بالعقد.
لقد تواءمت أفكار جون لوك مع الحالة السياسية في انجلترا وايرلندا واسكتلندا وتراجع الملكية المطلقة لصالح السلطات البرلمانية، ولذلك يعتبر لوك من منظري توازن الحالة السياسية والقانونية التي انتهت إليها الملكية الدستورية البريطانية، غير أن أفكار لوك كانت أساسا فلسفيا مؤثرا للحركة التنويرية في أواخر القرن الثامن عشر التي قوضت الملكية المطلقة وأزاحت الدين عن الحكم في فرنسا ورسخت النمط الجمهوري في هذا البلد وفي الولايات الأمريكية المتحدة.
يخالف جون لوك توماس هوبس في فلسفته المادية ويعتبر أن ثمة حقائق غيبية غير مادية لا يستطيع الإنسان فهمها، ولكنه يضع هذه الحقائق، مثل هوبس، في المستوى الشخصي وأن لا يكون لها علاقة بالحكم، وأن القوانين التي تحكم الناس يجب أن تكون وضعية هدفها حماية الحقوق الطبيعية للإنسان.
وباعتبار أن لوك يعتبر الملكية حقا مطلقا تكتسب بالعمل فإنه يعتبر أن دور الحاكم حماية المُلاّك وليس التدخل في شؤونهم الاجتماعية، وأن كل إنسان مالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأن كل ما يقع تحت يد إنسان مما هو متروك من غيره يصبح ملكه إذا خدمه وأحياه.
وعلى أساس هذه الأفكار الليبيرالية، المجردة من الأبعاد الأخلاقية النابعة من الوحي والفطرة الإنسانية، يُعتبر لوك من مؤسسي الليبرالية ونظامها الرأسمالي المتناقض في مسألة إحقاق حقوق الإنسان، فهو من أبرز الفلاسفة الذين برّروا نهب أراضي الهنود الحمر في أمريكا بحجة أنها أراضي غير مستغلة، بل أجاز في كتابه الشهير “عن الحكومة المدنية” اعتبار الهنود الذين يقاومون “المعمرين” الأوربيين كالمجرمين الذين يجب قتلهم كما تُقتل الوحوش. وعلى أساس أفكاره الليبرالية كان جون لوك من أكبر مؤسسي وداعمي شبكات تجارة الرق وكان مساهما أساسيا في الشركة المَلكية الافريقية التي تُعد من أهم ركائز تجارة الرقيق وقد ملك في حياته عشرات العبيد. وخلافا لآرائه بأن لا يحمل الإنسان وزر غيره وأن الأولاد لا يرثون العقوبة يقرر في كتابه أن العبودية حالة أبدية تورث عبر الأجيال وأن دخول العبد الأسود المسيحية لا يعطيه حق الحرية عند سيده، وأن هؤلاء السادة المُلاك يملكون السلطة المطلقة على العبيد مهما كانت آراء وديانة هؤلاء العبيد.
إن هذا السبيل المتنافض بين القول والفعل لدى هذا الفيلسوف الأوربي الكبير الذي يُعد مرجعا أساسيا لفلسفة الحقوق والحرية والديموقراطية هو ذات السبيل الذي سلكه المستعمرون الأوربيون باسم المسيحية في العالم الجديد الذي اكتشفوه أو في البلدان التي احتلوها، فالحضارة الغربية لا تخالف توجهها في التعامل مع الشعوب الأخرى من حيث الظلم والقهر والاستغلال والعنصرية سواء أثناء تمسكها بديانتها المسيحية في نشأتها أو أثناء ابتعادها المتدرج عن الدين.
كما أننا حينما نتابع كتابات جون لوك، هذا الفيلسوف الإنساني الكبير، نفهم خلفيات الفكر الاستغلالي لليبرالية الغربية تجاه الفئات الضعيفة الذي صرنا نراه اليوم حتى داخل المجتمعات الغربية. فلوك قعّد لصالح الماكنة الصناعية الرأسمالية الصاعدة التي انتجتها الثورة الصناعية ابتداء من القرن الثامن عشر فنظّر لكيفية تشغيل الأطفال والنساء ضمن الظروف القاسية المعروفة في تلك الفترة، ودعا في كتابه ” أتلانتيس” (Atlantis) إلى التحكم في الفقراء ومنع حركة المتسولين وسجنهم في ملاجئ العمل (workhouses).
باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza 1632-1677)
لقد ساهم الفكر المادي لهوبس والفكر التجريبي لجون لوك في صياغة مفهوم العقد الاجتماعي المشكِّل للحكومة المدنية المتجردة من المرجعية الدينية في نقل الحضارة الغربية إلى مرحلة العقل كحاكم مطلق في شؤون الناس، مع محاولات هاذين العالمين تقديم تفسيرات دينية على أساس العقل، ولو بدرجة أقل احتراما للدين من الفلاسفة الذين اهتموا بالتوفيق بين العقل والدين كرينيه ديكارت على سبيل المثال. غير أن باروخ زينوزا كان أجرء فلاسفة زمانه في إهمال الحالة الدينية في التفكير الفلسفي، فقد كان يرى في كتابه ((رسالة في اللاهوت والسياسة)) أن العلم والإيمان منفصلين، وأن العقل ليس خادما للاهوت، ويعتبر أن معرفة الحقيقة هي مهمة الفلسفة التي تعتمد على الأفكار والمبادئ والقوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الأشياء والتي يتم التوصل إليها بدراسة الطبيعة وحدها، أما الإيمان فيقوم على التسليم بواقعة الوحي. وهو يعتبر أن الله موجود ضمن حقيقة مادية لا روحية متمددة في الأشياء كلها عبر الجزيئات المكونة لكل شيء. وبالنظر لهذا المعتقد اعتبر سبينوزا بأنه من فلاسفة الحلول، واعتبره كثير من الفلاسفة الدارسين لحياته وأفكاره ملحدا. ولكن فلسفته الأكثر تأثيرا في من جاء بعده ابتداء من عصر الأنوار هو اعتبار أن الطبيعة هي ذاتها الله فأصبح كل ما يتعلق بصفات الخالق يسمى “الطبيعة” بدل “الله”، ويعتبر هذا الإله الذي يسمى الطبيعة قوة لامتناهية مندمجة مع الكون الذي يسير وفق قوانين ثابتة لا يتدخل في شأنها أي قوة أخرى.
وصلت جرأة زينوزا إلى اعتبار أن الكتب الدينية اليهودية مجرد نصوص كتبها مؤرخون جاؤوا بعد سيدنا موسى عليه السلام، وقد توصل إلى ذلك على أساس الدراسات التاريخية للنصوص المقدسة، وهو يُعد بذلك أول فيلسوف ساهم في بروز فلسفة “النقد الأعلى”، وهي الفلسفة التي يُقصد بها الدراسات التاريخية النقدية للنصوص الدينية اليهودية والمسيحية كاختصاص أخذ معالمه في القرن الثامن عشر، وكان أساسا لإنكار الكتب المقدسة من قبل العديد من فلاسفة عصر الأنوار.
ولد سبينوزا من عائلة يهودية سفاردية من البرتغال لجأت إلى هولندا فرارا من حملات ” محاكم التفتيش” بعد سقوط الأندلس، وقد ساهمت أجواء التسامح الديني في هولندا حين اللجوء إليها باروخ سبينوزا في التعبير عن آرائه المخالفة لمعتقدات أهله التوراتية فتم إصدار قرار ديني بطرده ( حِرم باليهودية) من الطائفة اليهودية من قبل المرجعيات الدينية اليهودية وكان عمره آنذاك 23 سنة، كما أن المرجعيات الدينية المسيحية اتهمته كذلك بالزندقة، وقد تعرض إلى محاولة اغتيال. وبالرغم من أن ملهمه الأساسي كان رينيه ديكارك في الفلسفة العقلانية فقد ذهب بعيدا عنه في مخاصمة الأديان ضمن التطور المتدرج لابتعاد الحضارة الغربية عن أبعادها الدينية الأولى.
الكتاب الأبرز والأكثر شهرة وتأثيرا لسبينوزا هو كتاب ” الأخلاق” وهو كتاب فلسفي نشره أصدقاؤه بعد وفاته سنة 1677 يهتم بالميتافيزيقة والانطلوجية والابستمولوجية يتحدث فيه عن الإله والكون والجوهر والمعرفة والفهم الإنساني، يظهر فيه اختلافه مع فلسفة ديكارت بانكاره التفريق بين الله الخالق والكون المخلوق وبين الجسد والفكر والروح والمادة، إذ يعتبر سبينوزا أن الله والطبيعة شيء واحد، وليس هناك طبيعة أخرى خلقها الله، وأن التكوينات الطبيعية في الكون والإنسان هي أشكال وخصائص الله، وأن الجسد والفكر، وكذا الروح والمادة شيء واحد، وأن كل أفكار البشر لها غاية نهائية واحدة وهي الوصول إلى السعادة والسلوك السليم والمجتمع العقلاني، و أن معرفة الخير والشر هو شأن متصل بما ينفع الإنسان في وجوده أو يضره، ما يسعده أو يحزنه، وأن التصرفات الأخلاقية منشأها معرفة الإنسان لانفعالاته بما يحقق له السعادة ويبعد عنه الأحزان.
لا يؤمن سبينوزا بالسببية فلا ضرر ولا نفع يجريه الله بسبب تصرفات الناس حسبه، كما يعتبر أن لله والطبيعة جوهر واحد لا متناهي لا يحتاج وجوده لموجود غيره، وفي المحصلة يمكن القول أن سبينوزا قد أنشأ دينا جديدا الإله فيه هو الطبيعة، وتعاليمه هي الأخلاق الفاضلة التي لا تحتاج للوحي للوصول إليها ولكن يمكن إدراكها بالعقل وأن إدراك السمو الإنساني يكون بالعلم، وقد صار لسبينوزا أتباع لديانته الجديدة، خصوصا بعد مماته، فكان هو من أكبر ملهمي فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر وما بعده الذين أنهوا العلاقة كليا بين الدين والعلم والدين والسياسة ورسموا معالم اللادينية في أوربا والتيار الواسع من العلماء الربوبيين واللادرييين الذين يؤمنون ب”الإله الطبيعة” أو الإله الذي خلق الكون ولكن لا يتدخل في شؤونه وفق تلك العبارة المشهورة عن انشتاين سنة 1992 ” إنني أؤمن بإله سبينوزا، الذي يكشف نفسه في الانسجام مع كل ما هو موجود، وليس بإله يهتم بأقدار وأفعال البشر».
إننا لا ندري هل سبينوزا كان فيلسوفا ألمعيا زاهدا غير مبتهج بزخارف الدنيا ( وفق ما كتب عن سيرته) أبعده عن الهداية انحراف ديانته اليهودية وانحراف الديانة المسيحية السائدة في أوربا أم أنه كان من الفلاسفة “الشياطين” الذين ساهموا أنفسهم في سلخ أوربا ثم قطاعات واسعة من البشرية من الإيمان بالله الواجد الموجود القادر القاهر دون أن يعطوا للناس الذين اتبعوهم أجوبة عما كانوا يسألونه قبل أن يكفروا بالغيب.
لم ينته القرن السابع عشر حتى كانت المعركة قد أذنت بخسارة الكنيسة وتراجع تأثير المسيحية كلها في حياة الناس ودخلت أوربا القرن الثامن عشر ولها ديانة جديدة هي المذهب الطبيعي العقلي بشقيه اللادينيين، الشق الذي يؤمن بإله خالق لا يأمر ولا ينهى ولم يرسل أنبياء ولم يوح بشيء ولا يتطلب الإيمان به الصلاة له ولا مراعاته في الفكر والسلوك وهم الذين يسمون ب”الربوبيين” (les Deistes) ، أو بالشق الإلحادي الذي كفر بوجود الإله أصلا وسخِر أصحابه من هؤلاء ” الربوبيين”، واعتبروا أن الإيمان بهذا الإله الذي لا دور له ولا فائدة منه سخافة تجاوزتها النظريات الطبيعية وهؤلاء هم “الدهريون” أو ” الملاحدة” (les Athés).
لقد تسبب عنف وعدوان محاكم التفتيش في تشكيل رغبة جامحة لدى العلماء والفلاسفة لتصفية حسابهم مع الكنيسة والخروج نهائيا من دائرة المقدس المظلم فكانت الاتجاهات العلمية هي المصباح المنير الذي كشف لهم طريق الخلاص من الماضي دون بصيرة لما سيكون عليه العالم لاحقا، فكان القرن الثامن عشر الذي سموه “عصر الأنوار” هو القرن الذي تمردوا فيه كلية عن المعتقدات الدينية فبرز جيل جديد من الفلاسفة والعلماء جاهروا بلادينيتهم أو إلحادهم ، وكان الزخم الكبير لحركة التنوير في فرنسا من خلال عدد كبير من الفلاسفة من أشهرهم وأكثرهم تأثيرا الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي فولتير (Voltaire 1694-1778)، والفيلسوف والكاتب والعالم النباتي جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau 1712-1778)، والفيلسوف والأديب والسياسي مونتسكيو (Charles Louis De Montesquieu 1712-1778)، والكاتب والأدييب والموسوعي دينيس ديدرو (Denis Diderot 1713-1784). كما كان لحركة التنوير تأثير كبير في الثورة الأمريكية وصياغة إعلان الاستقلال الأمريكي من قبل الآباء المؤسسين للولايات الأمريكية المتحدة ومن هؤلاء الكاتب والثوري والمنظر السياسي توماس بين (Thomas Paine 1792-1795 ).والكاتب الموسوعي والأديب والديبلوماسي السياسي بنجامين فرنكلين ( Benjamin Franklin 1706-179 ) والرئيس الرابع للولايات الأمريكية المتحدة توماس جيفرسن (thomas Jefferson 1743-1826)، وممن ظهر في المملكة البريطانية الفيلسوف والاقتصادي والمؤرخ الاسكتلندي دافيد هيوم (David Hume 1711-1776)، والاقتصادي آدم سميث (Adam Smith 1723-1790)، والفيلسوف الألماني الشهيرإيمانويل كانت (Immanuel Kant 1724-1804).
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com