المقالات

لقد شُغل العالم السياسي طيلة الأسابيع الماضية بمسألة توسيع منظمة البريكس إلى ست دول جديدة، وكثرت التعليقات والتحليلات لمحاولة فهم أهداف هذه المنظمة ومعايير اختيار الأعضاء الجدد، وكان النقاش على مستوى الرأي العام في مختلف الدول عاديا، ربما اشتغل به السياسيون والنخب المتخصصة أكثر من غيرها، سوى ما حدث في الجزائر من لغط كبير عبر شرائح واسعة في المجتمع بسبب أن المسألة حولها المسؤولون الجزائريون طيلة شهور سبقت اجتماع جوهانسبورغ إلى قضية رأي عام فكانت النتيجة خيبة أمل كبيرة جعلت الكثير يبحث عن فهم الحدث وأبعاده.

لم يعلن قادة البريكس عن معايير اختيار الأعضاء الجدد بشكل واضح ومنهجي، وتركوا المجال لتصريحات بعض زعماء الدول المعنية وتحليلات الساسة والمتخصصين، وقد شعرت أن الرأي العام الجزائري لم يستوعب إلى الآن ما الذي أقصى بلدهم من هذه العضوية التي كانت مرغوبة بشدة من المسؤولين وشرائح واسعة في المجتمع، فأردت أن أساهم في توضيح المسألة بكل موضوعية، بعيدا عن التبريرات الساذجة والمغالطات المقصودة، أو تفسيرات التشاكس وأساليب التشفي.

تنقسم مساهمتي إلى ثلاثة مقالات:

1 ـ هذا المقال: البريكس: الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية (جزءان).

2 ـ الجزائر والبريكس: الأسباب والآفاق.

3 ـ هل البريكس هو البديل؟  

البريكس: الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية (1\2)

لا شك أن المعايير الاقتصادية كانت في طليعة أسس اختيار الأعضاء الجدد في البريكس، فالمنظمة منظمة للتبادل التجاري ابتداء، غير أن المؤشرات الاقتصادية لم تكن هي  الحاسمة إذ ثمة دول لها ثقل اقتصادي معتبر لم تدع لهذا النادي الدولي الاقتصادي الكبير، وعلى رأس تلك الدول اندونيسيا الأقوى اقتصاديا من كل الدول التي تم اخيارها، وكذلك الفييتنام الصاعدة ونيجيريا ذات الثقل السكاني والطاقوي في افريقيا، كما أن البعد الجيوسياسي كان له تأثير كبير في الحسم ولكن لم يكن وحده الذي ميّل الكفة لهذه الدولة أو تلك، فالجزائر تحتل موقعا جغرافيا متميزا بين البحر الأبيض المتوسط وافريقيا، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق ولم يتم اختيارها. لقد دخل في النقاش بين قادة البريكس بعدٌ ثالث رمى بظلاله في المداولات وعلى القرارات التي حققت الإجماع بين الأعضاء الخمسة في تحديد القائمة النهائية وهو البعد الجيواستراتيجي.

لم يعلن قادة البريكس عن المعايير الحاكمة، على المستوى الجيوسياسي والجيواقتصادي والجيواستراتيجي، ولكن يمكننا أن نستشف هذه المعايير من تصريحات المسؤولين في هذا التكتل الدولي بعد نهاية اجتماعهم  في جيوهانسبورغ يوم  22/23/24  أوت الماضي ومنها:

ـ تصريح رئيس جنوب أفريقيا سيريل أرامافوزا، حسب الموقع الإخباري للجزيرة، عن المعايير الاقتصادية في حديثه عن النظام العالمي الاقتصادي الجديد الذي يريد البريكس تحقيقه حيث قال:  ” يعتمد التعافي الاقتصادي العالمي على أنظمة الدفع العالمية التي يمكن التنبؤ بها والبنوك وسلاسل التوريد والتجارة والسياحة والتدفقات المالية التي تعمل بشكل جيد”، ولا شك أن الدول التي تم اختيارها تتوفر على هذه المعايير باستثناء ضعف الفاعلية المالية لإيران بفعل الحصار المضروب على تعاملاتها المالية.

ـ وبحسب مايكل جرين، نائب مدير الاتصال الحكومي بشأن السياسات والخطط في جنوب افريقيا، فإن “من بين أهداف توسيع العضوية خلق فرص لدول البريكس للتجارة دون عوائق مع بعضها البعض باستخدام العملات المحلية”. وكل الدول التي تم اختيارها كانت قد شرعت أو بدأ النقاش بينها للمضي في هذا الطريق.

ـ وأوضح سفير جنوب أفريقيا في منظمة البريكس أنيل سوكالالا  بأن  الأمر الأهم في توسيع قائمة الأعضاء أنها “تتمحور بشكل كبير حول الطاقة” مؤكدا أنه عند اختيار الأعضاء الجدد، ربما يكون البريكس قد أخذ في الاعتبار تسعير منتجات الطاقة، وكيف يمكن لبلدانه تقليل مسؤولياتها وضعفها فيما يتعلق بتكلفة النفط”.

ـ وحدد  سفير جنوب افريقيا بعدا جيوسياسيا مهما حين قال “أن الأمر كان يتعلق بالشرق الأوسط” و”أن اختيار مصر والسعودية وإيران والإمارات” ستدفع بعض دول البريكس إلى التفكير أكثر بسياساتها في الشرق الأوسط، خصوصا الصين والهند” وهو مؤشر على رغبة الأعضاء إلى التركيز والارتكاز على هذا الفضاء الجيوسياسي لتحقيق من خلاله غايات جيواستراتيجية  نحو مزاحمة الولايات الأمريكية فيه إذ لطالما كان خالصا لها.

ـ ولم يتحرج وزير الخارجية الروسي سيرغاي لافروف، الذي مثل بلاده في الاجتماع، في ذكر الأبعاد الجيوستراتيجية التي اعتمد عليها نقاش القادة في جوهانسبورغ لتوسيع عضوية منظمتهم، وفق موقع روسيا اليوم بالعربية، حيث صرح بأن المعايير التي أخذت في الاعتبار لدى مناقشة توسيع مجموعة البريكس كانت ذات أبعاد جيوستراتيجية تشمل “وزن وهيبة الدولة ومواقفها في الساحة الدولية”، وأكد هذا الأمر، بالنسبة للدول العربية، أنيل سوكلالا بقوله لموقع العربية اندبندنت: :”السعودية ومصر والإمارات جزء مهم من المجتمع الدولي، وكذلك من مجتمع الجنوب، وعليه فإن وجود قوى عربية مؤثرة بيننا أمر في غاية الأهمية ومهم بالنسبة لنا، ويمثل إضافة متبادلة”.

لقد كانت معايير اختيار الدول التي توسعت بها البريكس متنوعة ومتداخلة، بين الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي، ركزت على الدول ذات الموقع الجغرافي المؤثر في الشأن السياسي الإقليمي والدولي، وعدد السكان والبيئة الطبيعية البرية والبحرية والممرات والمضائق والثروات، وعن الحجم والأداء الاقتصادي للدول المرشحة وفرص وقدرة اقتصادها على تبادل السلع والخدمات وسهولة حركة الأموال،  وعن المواقف الاستراتيجية من الأحداث والمحاور الدولية، وآثارها الحالية والمسقبيلة في بناء عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه السيطرة للقوى الغربية وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة.

 وضمن هذه المعايير في التوسعة أُخِذ بعين الاعتبار التنوع الجغرافي والتوزيع السكاني بين القارات، فأصبح لآسيا القارة الأكثر تعدادا سكانيا ست دول (الصين والهند وروسيا وإيران والسعودية والإمارات)، ولإفريقيا بعدها ثلاث دول (جنوب افريقيا ومصر واثيوبيا)، مع خصوصية متفق عليها للشرق الأوسط بين افريقيا وآسيا (مصر والسعودية والإمارات)، ثم أمريكا الجنوبية بدولتين (البرازيل والأرجنتين)، ضمن هذا الاختيار تم الاهتمام بحالة التمثيل، فإيران عاصمة المسلمين الشيعة، والسعودية تعد نفسها عاصمة المسلمين جميعا والسنة خصوصا وهي بلد مقر منظمة التعاون الإسلامي، ومصر تعتبر نفسها عاصمة العرب ومقر الجامعة العربية، وأثيوبيا هي عاصمة منظمة الاتحاد الأفريقي

 كما أُخذت إضافة الأعضاء الجدد بعين الاعتبار معيار التوسع المتحكم فيه، حتى لا يؤدي كثرة الأعضاء مرة واحدة إلى التميع أو إنشاء نفوذ أمريكي يلغي مقاصد البريكس كما حدث مع الاتحاد الأوربي الذي بات في داخله دول من شرق أوربا أكثر ارتباطا بالولايات الأمريكية المتحدة وتبعية لها من ارتباطهم وتبعيتهم للاتحاد الأوربي ذاته. ويضاف إلى ذلك أنه تم الاتفاق لضبط قائمة الأعضاء على تدبير استراتيجي يحفظ أمن الطرق والممرات التجارية، وإفساد الخطط الاستراتيجية للولايات المتحدة لاستمرار التحكم في العالم من خلال خلق الأزمات داخل الأمم وبينها، ولعبة التوازنات واختيار في كل إقليم مهم دولة محورية مركزية حليفة لها ثم تعمل على التحكم في صعودها من خلال تشجيع قوة ثانوية تنافسها في محيطها، وقد تكون عملية المصالحة التي تمت بين السعودية وإيران برعاية صينية ضمن هذا المنظور، وفي إطار ما هو مرتقب ستحاول الصين وجنوب إفريقيا  تحقيق المصالحة بين مصر وإثيوبيا بإيجاد حل يرضي الطرفين حول مياه النيل، لتجنب الحرب وتهديد طريق الحرير في خطٍ من أهم خطوطه بين هذين البلدين. ومن جهة أخرى قد يجعل التدبيرُ المشار إليه الحرب الباردة بين الإمارات والسعودية تخف بوجودهما وسط قوى كبرى تبحث عن الاستقرار من أجل أمن التجارة. علما بأن الحروب في العالم لا تضعف الاقتصاد الأمريكي مثلما تضعف غيره، وذلك حين لا تكون الحرب على أرضها المحصنة جغرافيا ولا يُقتل فيها جنودها عبر الحروب الجديدة بالوكالة، كما هو الحال في أوكرانيا اليوم، التي يقول بشأنها الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي: ” تقاتل أمريكا في أوكرانيا إلى آخر جندي أوكراني”، وحتى الأموال التي تنفقها أمريكا في حروب الوكالة تَقدِر عليها بسياسة الدولار المتوفر بالطباعة غير المقيدة والتي تكون، في آخر المطاف، ديونا على الدول التي تحارب على أرضها وبشعبها خدمة للسياسات الأمريكية. وهذا خلافا للصين التي تقوم قوتها على توصيل بضائعها لكل أنحاء العالم، وأيه حرب في طريقها تعطل مصالحها في الوقت الراهن. علاوة على أن الصين وروسيا والهند تعلم أن كل الدول التي تم اختيارها بات يهمها إضعاف العقوبات الأمريكية على الأمم التي تخالف البيت الأبيض من خلال تقليص القبضة الأمريكية على اقتصاديات الدول، وسيؤدي ذلك إلى تخفيف قوة علاقات الأمريكيين  بحلفائهم على أساس أن البريكس قد يوفر لهم مصالح بديلة دون كلفة في مسألة “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، التي يعرف الغرب كيف يستعملها بانتقائية لابتزاز خصومه وحلفائه.

وعلى ضوء تصريحات زعماء البريكس المشار إليها أعلاه، ومن خلال هذه التوضيحات المعيارية يمكننا فحص تحقق مضامينها في الدول الست التي أضيفت دولة دولة:

1 ـ إيران:

… يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

يبين اللقاء السري بين وزيرة الخارجية الليبية مع وزير الخارجية الإسرائيلي الذي فضح أمره هذا الأخير في وسائل الإعلام عدة حقائق منها:
أولا – الطبيعة الاستعلائية المُحتقِرة للمسؤول العربي التي يعتمدها الكيان الصهيوني أثناء محاولاته اختراق العالم العربي دون أي اعتبار لمصير من ورطه هو ذاته في الخيانة.

ثانيا – طبيعة المسؤول العربي المستلب حضاريا الذي يتجرأ على الخيانة من أجل مصالح شخصية متوهمة ولو على حساب قوانين ومصالح بلده، دون أدنى مراعاة للمشاعر والإرادة الشعبية الرافضة للتطبيع مع الكيان الغاصب.
ثالثا – طبيعة الشعب الليبي الحر الذي عبر عن رفضه لهذه الخطوة الآثمة من خلال الاحتجاجات في العديد من أنحاء ليبيا وعبر مؤسساته وأحزابه ومنظماته المدنية، بما مثل ضغطا شديدا على الحكومة للتعامل بصرامة مع الوزيرة وإقالتها والتحقيق في الموضوع وإحالتها للعدالة، وهذه الهبة الشعبية في أجواء الحرية الذي يكفلها توازن القوى في ليبيا، يدل أن التطبيع يكون مستحيلا في الدول العربية والإسلامية حين تكون الحريات والديمقراطية مكفولة للشعوب.
رابعا – لا تمثل العلاقات السرية مع المسؤول العربي بالنسبة للكيان إلا مرحلة قبل الإعلان عنها وتقدير إمكانية تحويلها إلى علاقة رسمية، إذ همه هو التطبيع ولا تطبيع دون ظهور العلاقة، وعملية نشر وزير خارجية الكيان لخبر لقائه في روما مع الوزيرة نجلاء المنقوش هي في حد ذاتها عملية اختراق لجعل التطبيع المجرّم قانونا في هذا البلد ممكنا وقابلا للإنجاز حتى وإن لم تنجح المحاولة الأولى.
خامسا – يحقق الكيان بإعلانه اللقاء مع الوزيرة هدفا مهما وهو ضرب وحدة الصف الليبي في طرابلس الرافض للتطبيع في مواجهة معسكر حفتر المنخرط في عملية التطبيع حسب أخبار متكررة من وكالة الأنبياء الإسرائيلية الرسمية ووسائل إعلام أخرى، وقد تعمد المسؤول الإسرائيلي أن يُكذّب رواية الوزيرة مؤكدا بأن اللقاء كان معدا له مسبقا على أعلى مستوى رسمي ليبي خلافا لتصريحها الذي ادعت فيه أنه كان لقاء عرضيا، مما سيكسر الثقة حتى في رئيس الوزراء الدبيبة نفسه، خصوصا بعد التسريبات التي تفيد أن التوجه التطبيعي صنع في لقاء هذا الأخير مع أمير دولة الإمارات في اللقاء الأخير بإغراءات مالية كبيرة.
سادسا – ستفتح هذه القضية ملفا قانونيا مسنودا بمواد قانونية صارمة إذ يفترض أن تسجن الوزيرة وأن يحكم عليها بثلاث سنوات سجن وفق التشريع الليبي، وهو ما سيمثل فضيحة أخرى لحكومة الطبيبة وستلاحقها المطالبة بالاستقالة، وسيقع تجاذبا سياسيا خطيرا حول هذا الموضوع قد يمثل تهديدا أمنيا آخر يزيد في تعقيد الوضع الليبي الهش.
سابعا – ولمزيد من التأزيم داخل الصف الليبي في طرابلس أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، صباح اليوم، إلى تقارير أفادت بـ”هروب المنقوش على متن طائرة حكومية إلى تركيا بمساعدة جهاز الأمن الداخلي الليبي”، إلا أن الجهاز نفى “أنباء غير مؤكدة بشأن السماح أو تسهيل سفر المنقوش”، مشيراً إلى أنها لم تمر عبر القنوات الرسمية بمنفذ مطار معيتيقة سواء الصالة العادية أو الخاصة أو الرئاسية وفق السياق المتعارف عليه. وإذا تأكد الأمر ستكون هناك مطالبات بطلبها من السلطات التركية التي ستقع في حرج كبير وفي حالة رفضها ستهتز علاقتها بجزء كبير من الشعب الليبي كان متعاطفا معها.
ثامنا – ستمثل هذه القضية إحراجا كبيرا للسلطات الجزائرية التي لا تزال تقاوم موجات التطبيع في كل العالم العربي، الذي أصبح يُكوّن لها خطرا على أمنها القومي، وليس موقفا مبدئيا متعاطفا مع القضية الفلسطينية فقط، وذلك من خلال تمركز الكيان في المغرب على الحدود الغربية الجزائرية وتحالفه مع المخزن تحالفا عسكريا وأمنيا ضد بلادنا. علاوة على محاولات الاختراق في تونس، بل في الجزائر نفسها وفق ما تم اكتشافه مؤخرا بخصوص العمل الاستخباراتي الذي قامت به الإمارات على أرضنا لصالح الكيان.
تاسعا – من مظاهر الخطر في عملية الاختراق مع الشقيقة والجارة ليبيا أنها تمت بوساطة دولة باتت قريبة جدا من الجزائر وتوطدت العلاقات الاقتصادية والتجارية معها كثيرا وهي إيطاليا، إذ صرح مسؤولو الكيان بأن وزير الخارجية الإيطالي هو من رتب وسهل اللقاء بين المسؤول الإسرائيلي والوزيرة الليببة، مما يتطلب من الجزائريين، سلطة وشعبا، الحذر الشديد من أي دولة أوربية، إذ كلها تمثل معسكرا واحدا متحالفا مع الكيان وإن اختلفت المصالح.

د. عبد الرزاق مقري

لم أتناول الشأن السياسي الوطني منذ مدة، ولم أر نقاشا سياسيا وتجاذبا في المواقف والآراء منذ فترة طويلة وكأن السياسة ماتت في بلادنا، حتى استفزني أحدهم بنقاش عابر عن بعض الانجازات التي لم تقنعني صرح بها السيد رئيس الجمهورية في لقائه الأخير مع الصحافة، فرجعت إلى متابعة الحصة كلها حتى أسمع بنفسي ما قيل فلا أكون متقوّلا هاويا أو يهوى المشاكسة لا غير.

إن أهم ما استفزني في لقاء السيد الرئيس مع الصحافة هو تصريحه بأن الناتج الإجمالي الخام للجزائر وصل مقدار 225 مليار دولار في هذه السنة (قبل نهايتها)، وقد كرر هذا الرقم وأكده عدة مرات، بل أضاف أنه يمكن أن يكون في حدود 240 إلى 250 مليار دولار، وهذا الإصرار في ذكر هذا الرقم يدل بأنها ليست هفوة لسان بل ربما يكون قد ناقشه مع مستشاريه، وهو رقم غير معقول لأننا لو سلمنا به وحسبنا نسبة النمو الاقتصادي بين هذه القيمة (ن = 225 مليار دولار) وقيمة الناتج الإجمالي الأخير (ن-1) الذي هو 191,91 مليار دولار لعام 2022 حسب الإحصائيات الرسمية وأرقام البنك الدولي فإن نمو الناتج الإجمالي الخام هو 17.24 علما بأن نمو الناتج الإجمالي الخام (PIB) يحسب كالآتي: (الناتج الإجمالي الخام ن) – ( الناتج الإجمالي الخام ن – 1) ÷ (الناتج الإجمالي الخام ن – 1) × 100.

وحينما نقول أن معدل النمو الاقتصادي للجزائر هو 17.24 % معنى ذلك أن هذا حدث عالمي تاريخي ستتحدث عنه كل وسائل الإعلام لم تحققه حتى الصين في بدايات صعودها الاقتصادي.

كما أن هذا الرقم مخالف لتوقعات الحكومة التي أعلنتها رسميا والتي مفادها أن النمو سيبلغ نسبة 4.1 % عام 2023، وهو كذلك غير منسجم مع مختلف الأرقام الأخرى الرسمية لنمو مختلف القطاعات، ولكن خصوصا غير منسجم تماما مع الحالة الاقتصادية الواقعية التي يعيشها المواطن.

والمشكل في إعلان الأرقام الخاطئة أنه ليس هذه هي المرة الأولى، فقد حدث ذلك في إعلانِ رقمٍ أدهش بعض وسائل الإعلام العالمية يتعلق بعملية استرجاع الأموال المنهوبة، وحجم السوق الموازية، وكذلك ما يتعلق بأرقام ذات اتصال بالنمو الفلاحي وبحجم المياه التي تم تحليتها وغير ذلك، وقد تم التراجع فعلا عن بعض هذه الأرقام.

ربما تكون الأخطاء بسبب الخلط بين الناتج الإجمالي الخام الحقيقي والاسمي، أو ربما هناك نية لتعظيم الأرقام لإخفاء نية المواصلة في الإصدار النقدي التي لا يرى المواطنون آثارها المدمرة في حياتهم إلا من خلال التضخم وغلاء الأسعار.

إن النتيجة الخطيرة في الوقوع في هذه الأخطاء، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة هو تشكيل حالة عدم ثقة في الخطاب الرسمي الاقتصادي لدى الرأي العام الوطني ومع المتعاملين الاقتصاديين من الخارج.

إن التنمية الاقتصادية ليست مجرد أرقام يطلقها المسؤولون، خصوصا في الدول التي لا توجد فيها رقابة حقيقية على الشأن العام، فلا أحد يجادل في أرقام قادة البلد، لا أحزاب ولا مسؤولون سابقون، ولا مجتمع مدني، ولا مراكز دراسات ولا أساتذة جامعيون، ولا صحافيون، وهي حالة تعمقت أكثر في السنوات السابقة في بلدنا، إذ لم نصبح نقرأ لأشخاص كبن بيتور، والعميري، ومقبول، وجابي، وغيرهم، كما كان الحال قبل سنوات، ودون ذكر الذين كانوا يساهمون بآرائهم، وكنا ندعوهم هم الآخرين لندواتنا، ولكن حين تحملوا مسؤولية عابرة في الدولة لم يعودوا إلى التعبير عن آرائهم بعد أن غادروا المنصب.

إن التنمية الاقتصادية الحقيقية بالنسب العالية التي يريد المسؤولون ووسائلهم الإعلامية إقناعنا بها هي تلك التي تُرى في نمو الدخل الفردي بحساب التضخم وتهاوي قيمة العملة، و تُلاحظ في بروز المؤسسات الاقتصادية الناجحة والماركات الجديدة وتطور العمران وشبكات الطرقات والهياكل القاعدية الجبارة.

وبالنسبة لدخل الفرد حين ذكّر السيد الرئيس بأن الأجور تضاعفت بنسبة 47% لم يذكر نسبة ارتفاع الأسعار في السوق، بعيدا عن أرقام التضخم الرسمية.

بإمكان أي معيل أسرة أو ربة بيت أن يذكر له نسبة ارتفاع الأسعار بكل أنواعها، أغلبها ارتفع بنسبة 100% ومنها التي ارتفعت بنسبة 300% وأكثر خلال هذه السنوات الأخيرة.

وقد تجنب الرئيس الجواب عن سؤال القدرة الشرائية مرتين، طرحه عليه ممثل جريدة الخبر الذي حاول أن يكون متميزا بطرح بعض وجهات النظر الأخرى رغم اضطراره أحيانا للإشادة بأعمال الرئيس التي طبعت تدخلات الصحفيين عموما، خلافا لما يكون عليه الإعلامي المهني عند مقابلة الضيف ولو كان مسؤولا إذ يضغ نفسه مدافعا عن الرأي الغائب.

فقد أحسن الصحفي طرح إشكالية ضعف الإنتاج الوطني وعدم بروز مؤسسات اقتصادية كبرى جديدة، وبقاء ربراب وحده متربعا على هذا العرش في القطاع الخاص، فبالفعل لو كان ثمة تطور اقتصادي لبرز في نشوء الشبكات الواسعة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولبرزت بعض المؤسسات الكبرى و”البراندات” الجديدة.

ولكن هذا لا يمكن أن يحصل، إذ لا يزال الفساد ينخر الاقتصاد الوطني، وهو يتمدد يوما بعد يوم في كل المجالات، وأنا شخصيا أعرف أمثلة صادمة عن عرقلة مستثمرين وطنيين يستجيبون للمعايير التي ذكرها السيد رئيس الجمهورية، من قبل إداريين وولاة، وأعرف نماذج ابتزها قضاة وموظفون، ومؤسسات كبيرة تكاد تتوقف عن العمل بسبب الصعوبات والضغوطات التي تتعرض لها، وقد ذكرت نماذج عن هذه الحالات لبعض المسؤولين.

وقد سمعت رئيس الجمهورية يتحدث في الحصة عن الرقمنة، وكأنه وهو الرئيس يشكو لنا عدم تحقيقها في الجزائر، ولا أحد يجهل بأن سبب عرقلة الرقمنة هي شبكات الفساد، وقد سمعت نماذج غريبة في هذا الصدد من موظفين نزهاء، ومن ذلك حالة خطيرة تتعلق برقمنة قطاع الضرائب عالجتها حين كنت رئيسا للحركة، حيث تم التعاقد منذ سنوات مع شركة اسبانية أتمت المشروع وسلمته للمعنيين وأخذت حقها بملايين الدولارات ثم وضع البرنامج في الأدراج، وقد كلفت النواب بتناول الموضوع مع رئيس الحكومة نفسه وأبدى اهتمامه بالمسألة ولكن استمر التأجيل ولا يزال قطاع الضرائب إلى الآن يتعثر للوصول إلى مستوى الرقمنة المانع للفساد، فالذي يجب أن يعلمه السيد رئيس الجمهورية أن الإرادة الشخصية والتشريع – كما تحدث عن ذلك في الحصة – ليس هو ما يحل المشكل، ولكن التدافع هو الذي يضيق على الفساد (les contre-pouvoirs) المتمثل ابتداء في الانتخابات الحرة والنزيهة التي تنتج نوابا نزهاء ومسؤولين وشجعانا، ثم حكومات بوزارات وإطارات نابعة فعلا من الإرادة الشعبية ومسؤولين يخافون الإقصاء الشعبي، ومجتمع مدني مفيد غير انتهازي، وصحافة حرة.

أما عن الاقتصاد الموازي الذي ذكره السيد رئيس الجمهورية في حديثه، فلا يمكن بتاتا أن يُحسب أداؤه في الناتج الإجمالي الخام، لأن الناتج الإجمالي الخام هو مجموع القيم المضافة التي تدخل الدائرة الاقتصادية الرسمية، والاقتصاد الموازي لا يدفع الضرائب فكيف يتم حسابه، والقطاع الموازي يجب التعامل معه لكي لا يبقى موازيا فيكون هامشيا، لا يمثل نصف الكتلة المالية التي تتحرك في السوق كما هو الحال اليوم.

الاقتصاد الموازي سرطان لا يمكن التعايش مع الحجم المدمر للاقتصاد الوطني الذي بلغه، وبدل القيام بالإصلاحات اللازمة التي تنهي الأسباب الحقيقية التي تديم وتوسع الاقتصاد الموازي، كالإصلاح البنكي والضريبي والإداري وإنهاء الفساد وابتزاز التاجر والمتعامل الاقتصادي وتوفير مختلف الخدمات التي يحتاجها المتعامل ليثق في الدولة ومؤسساتها وقوانينها فيُظهر أعماله ويدفع الضريبة التي عليه، فيرتفع الناتج الإجمالي الخام ارتفاعا حقيقيا، بدل ذلك نسمع أحيانا كلاما من بعض المسؤولين وكأنهم يشيدون بالاقتصاد الموازي.

إن رفع الأجور الذي ينفع المواطن الجزائري هو الذي تقابله وفرة في الإنتاج الوطني على مستوى السلع والخدمات التي تدفعها المؤسسات الاقتصادية الناجحة للأسواق المحلية والتي لها القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

أما رفع الأجور في الجزائر فلا علاقة له بالتنمية الاقتصادية، وإنما نتيجة الإصدار النقدي (طباعة النقود) الذي بدأه أحمد أويحيى وصادق عليه برلمان الأغلبية آنذاك ليكون لمدة خمس سنوات وبأعداد هائلة بعيدا عن كل القواعد والمعايير العلمية الاقتصادية لهذا الشأن كما شرحناه مرات عديدة في وقته، وكل المؤشرات تبين بأن هذا الإجراء المهلك للاقتصاد الوطني ولمعيشة المواطنين لا يزال مستمرا، وقد كان أحد المسؤولين شهما معنا، إذ اعترف خارج الإطار الرسمي قائلا لنا: “إن ما نبهتم إليه في مقاومتكم سياسة الإصدار النقدي كان حقا وما نعيشه اليوم من الارتفاع المطرد للأسعار وغلاء المعيشة هو ذلك الذي استشرفتموه في وقته”.

إن من أكثر التفسيرات ظلما لعقول الجزائريين هو التفسير الذي يذهب إليه السيد رئيس الجمهورية حين يطرح عليه سؤال غلاء المعيشة بإرجاعه ارتفاع الأسعار إلى المضاربة الإجرامية فحسب، إذ لا تمثل المواد التي يتم تخزينها بغرض المضاربة شيئا كبيرا بالنسبة لمختلف السلع والخدمات التي ارتفعت أسعارها، على مستوى المواد الغذائية، والمواد المنزلية والكهرومنزلية، ومواد البناء، والسيارات، وكراء المحلات والسكنات، وأسعار العقار، والمواد المدرسية وغيرها.

وحينما نتحدث عن المضاربة، ما هي آثار الحملة العاصفة التي تم إطلاقها، والتي أصابت تجار مجرمين حقيقة، ولكن مست كذلك أبرياء وفق ما جاءنا من شكاوي عائلاتهم، لم تؤثر هذه الحملة كثيرا على المستوى العام لارتفاع الأسعار. علاوة على أهمية التفريق بين المضاربة ومفهوم المخزون (stock) المؤسسي العادي بالنسبة للمواد القابلة للتخزين ضمن الحدود القانونية والمؤسسية المعقولة، إذ لا يمكن معاقبة الناس دون تشريع قانوني يمنع الظلم والفساد والابتزاز، ودون حماية استعمالهم القواعد المؤسسية المعمول بها.

كما أنه لا يمكن الاتكاء على التضخم في الأسواق العالمية لتبرير غلاء المعيشة في الجزائر، فالسكان في الدول الغنية مستاؤون من نقص الرفاه الذي تعودوه بفعل أزمة النظام الرأسمالي ذاته كما بيناه في العديد من المقالات والمداخلات، أما المواطنون في بلادنا فإن الملايين منهم يعيشون صعوبات معيشية جمة إذ الكثير من العائلات المستورة سابقا باتت تلامس مستوى الفقر، فالموظف الذي يأخذ أجرة شهرية في حدود 30.000 دج فقير فقرا مدقعا، والذي يأخذ 40.000 ليس بعيدا عنه، وبالكاد يصل الذي يأخذ 50.000 إلى حفظ توازنه المالي، أما إن كان يدفع أجرة كراء بيته، وزوجته لا تعمل، فهو في تعاسة وعوز كذلك، وليس بعيدا عنه في هذه الحالة من يأخذ 60.000 و 70.000 دج وربما أكثر. ومن أسوء ما نقله لي أحد المواطنين (لم أسمع ذلك بنفسي) أنه حينما سأل صحفي مسؤولا كبيرا عن الموظف الذي يأخذ أجرة 30.000 دج قال له: “ينافيغي” ونحن جميعا نعمل ماذا تعني هذه الكلمة الفرنسية التي عربت إلى الدارجة، أي عليه أن يجد مصدرا آخر، ولو بالرشوة أو السرقة أو غير ذلك، وصدق من قال: ” أن تعميم الرشوة وسيلة حكم في البلدان ضعيفة الأجور”.

وقبل أن نغادر الحديث عن غلاء المعيشة نؤكد ما ذهب إليه السيد رئيس الجمهورية في هذه المقابلة الإعلامية بأن الشعب لا تحركه إلا القضايا الاجتماعية، ولكنه يخطئ حين يقول بأن الشعب الجزائري راض ولم يخرج للشارع، فالشعب الجزائري خرج للشارع بالملايين في الحراك الشعبي بطريقة حضارية سلمية، وعبّر عن رفضه لطريقة إدارة البلاد، وخروجه هذا كان قبل أربع سنوات فقط، والشعوب لا تخرج للشارع في كل سنة، ولكن خروجها يخضع لحالات سننية لا يعرفها إلا الله والراسخون في العلم، وأكثر من يجهلها، في التجارب الإنسانية، هم الحكام.

إن الذي أدعم به كلام رئيس الجمهورية أنه ليست الأحزاب ولا الشخصيات السياسية من يخرج الناس للشارع، ولكن – عبر التاريخ – الحكومات هي التي تخرجهم حينما تفشل في خدمتهم وإسعادهم، ولا أظن أن رئيس الجمهورية يجهل بأن أولئك الموظفين الذين أشرت إليهم سابقا والذين ذكرت أجورهم ليسو في رغد العيش، ربما هم صابرون ولكن ليسو راضين، وهؤلاء بالملايين وليس بالآلاف ولا بعشرات الآلاف، وهؤلاء هم الطبقة الوسطى التي أشار إليها السيد الرئيس، والتي أوافقه الرأي بشأنها كونها هي صمام الأمان في البلدان فعلا. إن هؤلاء تتآكل قدراتهم الشرائية يوما بعد يوم في الجزائر، فالحذر الحذر.

إن الاقتصاد الجزائري لا يزال اقتصادا ريعيا يعتمد على الطاقة، وقد تحدثنا عن الحالة المعيشية الصعبة التي لا ينكرها أحد، أما التحسن الملحوظ في التوازنات الكبرى فسببها ارتفاع أسعار البترول والسياسات الحادة في تقليص الواردات، التي ساهمت في غلاء المعيشة وإعاقة بعض الصناعات.

إن اقتصادنا إنما يربح الوقت بالإصدار النقدي، وقد أعطاه الله فرصة أخرى بارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا.

ولا تزال الطاقة تعاني من مشاكلها الثلاثة التي أشرنا إليها في أعز مراحل البحبوحة المالية في زمن بوتفليقة رحمه الله، حين كانت العصابة تتأسس، لم يتغير شيء في إنتاج الطاقة، لم نصبح نقدر على إنتاج مليون برميل يوميا كما كنا من قبل، وتلك الاكتشافات التي تحدث عنها السيد الرئيس، تم الحديث عنها منذ سنوات، فهي كما قال الخبير في الطاقة والوزير السابق عطّار لن تكون بحجم حاسي مسعود وحاسي الرمل، فلم نر أثرا لها في الإنتاج المعلن عنه رسميا ولا أحد يتوقع ارتفاعا معتبرا في أكثر سيناريوهات الحكومية تفاؤلا، أما مشكلة الاستهلاك المحلي فإن السياسات الشعبوبة المتبعة والتي أكدها السيد الرئيس في مقابلته مع الصحافة لا تزال قائمة، لو تتواصل بهذه الوتيرة لن نجد ما نصدره في أجل منظور، وذلك بتوسيع إنتاج الكهرباء من الغاز بزيادة 150% كما ذكر الرئيس في لقائه دون مراعاة الآثار المستقبلية على قدراتنا التصديرية وعلى التوازنات المالية، ودون سياسات حازمة في الفاعلية الطاقوية، وبحديث كثير عن الطاقات المتجددة منذ 2011 بلا نتائج تذكر، وبلا اهتمام في إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية (التي باتت ربما التحولات في النيجر تتيحها).

أما الأسعار فهي الشيء الوحيد الذي يحرك المسؤول الجزائري فعليا، كما كان يقول الأستاذ بن بيتور “اقتصاد البرميل”، وهو عنصر لا نتحكم فيه، بل ليست لدينا قدرات الاستشراف في تطوراته، وقد تتراجع الأسعار في الوقت الذي نعتقد بأنها سترتفع.

ومن المؤسف حقا أن تكون الأسعار هي التي تؤثر تأثيرا فعليا على السياسات وأذكر في هذا الصدد الهلع الذي أصاب السلطات لما كانت أسعار البترول تتهاوى فأصبحت التحويلات الاجتماعية ودعم الأسعار تمثل قنبلة مميتة لهم فأطلقوا “مبادرة لم الشمل” من أجل تشكيل جبهة واحدة ترافق مراجعة سياسات الدعم وطلبوا مني تعيين من يمثلنا في اللجان الرسمية التي تدرس الموضوع، ولكن ما أن ارتفعت الأسعار بسبب الحرب طووا أمر المبادرة ولم تجتمع تلك اللجان أبدا.

ولا شك أن هذا التصرف دليل على العشوائية والسير في الشأن العام يوما بيوم دون رؤية وطنية جادة وصامدة، ولا رؤية حقيقية إلا رؤية الاعتماد على مداخيل الطاقة الأحفورية غير الدائمة.

ربما يكون إطلاق رقم الإنتاج المحلي هو أهم ما قيل في لقاء الرئيس مع الصحافة مما يثير الانتباه أكثر، ولكن يمكن مناقشة مضامين الخطاب في العديد من الأفكار المتعلقة بالقطاعات التي تم التطرق إليها والتي أتناولها في الفقرات التالية وفق الأهمية وليس وفق تسلسل ورودها في الحصة، وأكتفي في هذا المقال بتسجيل الأفكار التي أراها من وجهة نظري خاطئة وأعود في مساهمات لاحقة ما أمكن لإعطاء البدائل قطاعا قطاعا: – في ما يتعلق بالسكن، بدأ الرئيس متمسكا بالنهج القديم الذي أسسته الشعبوية الرسمية والتي تطبق في الجزائر منذ عقود دون أن تحل مشكل السكن رغم الحجم الهائل من السكنات التي تم بناؤها وتوزيعها منذ بداية التوجه والتي تتجاوز أصلا رقم حجم الطلب المتراكم منذ ذلك الحين كذلك، فرغم كل المجهودات الجبارة التي قامت بها الدولة في هذا القطاع لا تزال أزمة السكن مستمرة وتجر معها حجم عظيم من الفساد والتبذير والفوضى والبناء الرديئ وأحيانا الهش الذي عمق أزمة العمران في الجزائر، وقد أنشأ هذا الأسلوب العمراني ثقافات وعادات اجتماعية سلبية وأزمات نفسية مستعصية عقدت إدارة القطاع أكثر فأكثر.

وما قيل في الحصة من أحد الصحفيين في اللقاء عن نجاح البرامج السكنية الجديدة فإنه يجانب الصواب، إذ كيف يقال أنها نجحت ولم تقيم بعد تقييما موضوعيا من أي جهة كانت، وكيف يقال أنها نجحت والمكتتب لا يأخذ سكنه إلا بعد عشر سنوات وخمسة عشر سنة، وحين يدخلها يضطر لإعادة إصلاحها من الداخل وإذا كان حظه سيئا فمُنح سكنا في الطوابق العليا يدخل في مأساة جديدة، خاصة إذا كان في بيته مسنون أو مرضى، بسبب عدم وجود المصاعد أو اضطرابها الدائم في العديد من الأحياء، ناهيك عن عدم شفافية توزيع المواقع السكنية إذ يُحرم المكتتبون الذين يسكنون الأحياء المفضلة التي بنيت فيها سكنات عدل ويوجهون إلى أحياء أخرى بعيدة، ويؤتى بمكتتبين من أماكن بعيدة بدلهم بدون أي معايير واضحة، ناهيك عن ما يقال ويقال في خلفية هذا التوزيع غير الشفاف الذي قد نعود إليه إذا لزم الحال.

وما يقال عن برنامج عدل يقال عن البرامج الأخرى، ومن القضايا المهمة التي أثارها السيد رئيس الجمهورية بهذا الخصوص نفاذ الجيوب العقارية في العاصمة بما لا يسمح في الاستمرار في بناء سكنات البرامج الجديدة، والسؤال الذي يطرح لماذا تم اقتحام هذه الجيوب حتى نفذت، ثم حين تنفذ ولا تبقى فرصة للبناء في قلب العاصمة يطلب من الجزائريين التفهم كما تمنى رئيس الجمهورية في الحصة. وفي كل الأحوال من كان يريد أن يسكن في قلب العاصمة لن يتفهم ولن يقنعه رئيس الجمهورية ولكنه في الأخير سيقبل بالأمر الواقع حين يكون محتاجا فعلا للسكن.

إن السؤال المطروح في هذا الشأن لماذا تم إفساد الأنساق العمرانية ذات السكنات الفردية في العاصمة بإقحام بنايات شامخة في الجيوب العقارية؟ لماذا حرم السكان من المساحات الخضراء، والملاعب والمرافق وابتلي الجميع بالزحام المروري والكثافة في الفصول الدراسية، والتسبب في نمو الاضطرابات النفسية والآفات الاجتماعية ونشرها في كل مكان. لقد رأيت في الجزائر العاصمة في هذا الشأن حقا تدبيرا عمرانيا يصعب فهم خلفياته، وقد يتطلب منا الغوص أكثر في تلك الخلفيات.

وعلاوة على هذه الأخطاء التدبيرية إن محاولة جعل هذه البرامج هي أساس حل مشكل السكن خاطئ وسنتحدث عن الحلول التي نقترحها لاحقا.

لا شك أن السيد رئيس الجمهورية طرح أفكارا جيدة في العديد من الملفات، ومنها رأيه في أولوية السكة الحديدية، وأذكر أنني كنت أكرر هذا الرأي مرارا في سنوات الانبهار بالطريق السريع شرق غرب، إذ كنت أشرح مرارا بأن الدول التي تطورت اعتمدت على السكة الحديدية، وكنت أضرب المثل بألمانيا، كما بينت بأن التركيز على الطريق السريع على حساب السكة الحديدية كان بتأثير فرنسي، حيث كانت سوق السيارة الفرنسية تعرف ركودا كبيرا، خصوصا في أوربا، وأنها كانت تبحث عن منافذ سوقية أخرى، فوجدت الجزائر لقمة سائغة.

ومن تدابير لوبياتها في هذا الأمر بالإضافة إلى تشجيع الطريق السريع كان تشجيع القرض الاستهلاكي الخاص بالسيارات والذي جعل أعدادا هائلة من الموظفين يقتنون سياراتهم، ويا ليت لو كانت تلك الظروف فرصة للانتقال إلى صناعة السيارة الجزائرية بالشراكة مع شركات لها الاستعداد للانتقال من التصدير إلى الإنتاج بنسب إدماج متصاعدة، ولكن النتيجة كانت أكذوبة “سانبول” التي سميتها آنذاك ” أكذوبة القرن” في مداخلة تجاوزت مليون مشاهدة على اليوتيوب، وفي المقابل تم تدمير كل الماركات الأخرى غير الفرنسية إلى اليوم ومنها بشكل أساسي السيارة الألمانية التي كانت في رواق جيد في بلادنا، ولم تكن عليها مؤاخذات أكثر مما كان على السيارة الفرنسية التي حافظت على فرصتها إلى الآن، وأخشى أن يحدث للسيارة الإيطالية ما حدث للسيارة الألمانية.

إنني أتمنى فعلا أن تكون عزيمة الرئيس في المضي إلى إنجاز مشروع السكك الحديدية عزيمة قوية، ليس بين غار جبيلات وميناء وهران ومن أجل نقل الفوسفات إلى عنابة فقط، كما ذكر، بل لكل جهات الوطن، وقد تحدث مشكورا عن فوائد السكة الحديدية بما يكفي وبما يقيم عليه الحجة فلا داعي للرجوع لذلك، أتمنى أن لا يتم التراجع عن ذلك وأن لا نسمع مرة أخرى ما ذُكر في الحصة بأن خبراءنا قالوا أن الدراسة وحدها تدوم 30 سنة! وقد كان الجواب منقصا لمكانة هؤلاء الخبراء حيث تأكد بأنه سيتم المضي في المشروع بعد انتظار تقدير الصينيين، هؤلاء الصينيون الذين يعتمدون عادة السرعة في الدراسة وفي الإنجاز، وسيكون ذلك في مصلحة الجزائر وفي مصلحته الصين من حيث أن السكة الحديدية ستساهم في امتداد طريق الحرير إلى البحر الأبيض المتوسط قبالة الضفة الجنوبية لأوروبا.

ومن العبارات المثيرة التي أطلقها الرئيس قوله، الحجم العظيم من المياه التي قال بأنه تم تحليتها مما لا يتناسب مع المعقول، وكذلك بأنه يمكن توفير محطات تحلية مياه البحر لكل قرية على الساحل الجزائري، وأظن في هذا الصدد أن مستشاريه لم يضعوا بين يديه كلفة محطة تحلية المياه.

وبسبب الكلفة العالية لهذا الخيار لا يمكنه أن يكون هو الحل الجذري لمشكلة نقص مياه الشرب، كما أن مشاريع “النقل الكبير للمياه” (les grands transfers d’eau) عبر مساحات شاسعة في الصحراء ليست حلا للمشكلة، بسبب كلفتها، وكلفة المشاريع المرافقة كسلسلة المضخات لتجاوز إكراهات العلو، والصيانة عبر مساحات كبيرة.

وأذكر أن الأستاذ بن بيتور شرح خطأ هذه السياسات، وأكد على أن البديل هو إنشاء مدن جديدة أين توجد المياه الباطنية في الصحراء، حيث أن المدن والقرى قامت عبر التاريخ حول الماء، وقد فعل ذلك بعض الدول منها الولايات الأمريكية التي تحولت فيها بعض المناطق الصحراوية إلى جنات ومدن بهيجة عمرت بالسكان. وسنعود لاحقا كما ذكرنا في تقديم أفكار بديلة لحل مشكلة المياه عموما.

ومما يجدر الإشادة به تركيز الرئيس في قضية الأحزاب عن الوحدة الوطنية وبيان أول نوفمبر، وقد كان شعار “النوفمبرية، والنوفمبريون” هو أكثر ما تداولناه في حملتنا الانتخابية عام 2017، ثم جاء الحراك الوطني فجعل الشعار شعارا عاما لتيار عريض في الجزائر، غير أن الذي ننبه إليه أن بيان أول نوفمبر الذي دعا الرئيس إلى الالتفاف حوله يجب أن يكون منهجا عمليا يَظهر في سلوكنا الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأن تكون مرجعيته كاملة بكل مفرداتها ومنها مفردات بنده الأول: “دولة جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، وحينما نتحدث عن البعد الاجتماعي فلا يعني ما فهمتُه مما ذهب إليه الرئيس أنه التوجه الاشتراكي للدولة، وإنما هو النمط الاقتصادي الذي يقوم على التوزيع العادل للثروة والتضامن والتراحم وما يتيح للمجتمع أن يساهم في ذلك وأن يشارك في خلق الثروة بالحرية الاقتصادية وإتاحة الفرصة للكسب الحلال والتنافس النزيه ومنع ممارسات الغش والفساد والمحسوبية التي تفضل جزائريا على جزائري وتؤدي إلى تركيز الثروة عند أشخاص وجهات قليلة، وأن يكون المجتمع المدني حرا مساهما في التنمية الاقتصادية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي، مفيدا لا مستفيدا أو انتهازيا يدور حيث دار الحاكم بحثا عن المصالح الشخصية، كما أن بيان نوفمبر معناه الديمقراطية الحقة التي لا تتدخل فيها الدولة لترجيح كفة المنافسة السياسية والانتخابية لصالح حزب أو شخص أو تيار على حساب حزب أو شخص أو تيار بواسطة الانحياز الإداري والانتخابي وحتى في مجال التوظيف والترقيات وفق الانتماء كما هو جار.

ثم يكون الالتزام ببيان أول نوفمبر حين تكون المبادئ الإسلامية حاكمة حقا في قرارت الدولة وسياساتها وقوانينها ومناهجها التربوية وبرامجها الدينية والإعلامية، ولا يعني التمسك ببيان أول نوفمبر أن يُفرض على الأحزاب من قبل الدولة ولكن أن يكون الشعب هو الحاكم في من هو ممجد له فعلا وملتزم به حقا، وأن يظهر ذلك في الخطاب والسلوك السياسي للأحزاب الذي يقيّمُه المواطن بنفسه ويحكم عليه بصوته الانتخابي، ولو تحقق ذلك ستكون كل الأحزاب نوفمبرية بضغط الرأي العام وتوجهات الناخبين التي تسعى الأحزاب بطبعها لكسبها، فلا يكون تداول سلمي على السلطة إلا في إطار بيان أول نوفمبر كقاعدة جامعة لكل الجزائريين.

ومن المناسب هنا، في حديثنا عن الديمقراطية، التنبيه إلى ضرورة العمل على إزالة اللبس في العمل السياسي في من هو في السلطة ومن هو في المعارضة، ليكون رئيس الجمهورية المستقل عن الأحزاب حالة استثنائية وليست قاعدة سياسية خالدة كما هو الحال في الجزائر، لكي يظهر للجزائريين من الذي في الحكم ومن الذي في المعارضة فلا نجد رئيسا ينقد بصرامة، في اللقاء الأخير مع الصحافة، توجها عرفت به أحزاب الموالاة التي معه في الحكومة في مسألة إطلاق سراح رجال الأعمال المسجونين إذا أرجعوا ما نهبوه، فلا أحد من المتابعين يخفى عليه أن ذلك ظهر في خطاب حزبين من أحزاب الموالاة، كما أنه ليس من الديمقراطية أن يكون رئيس الجمهورية هنا هو النقابة كما قال في حديثه الأخير – حتى وإن كان قوله على سبيل المجاز – بل دوره أن يفسح المجال للحرية النقابية والمنافسة الحرة بين منظماتها في إطار القانون الواحد والممارسات الرسمية العادلة بين كل النقابات، وأن يستمع لمطالبها العادلة وأن تُحل المشاكل الاجتماعية والعمالية بالحوار القائم على المصداقية والنضالية والمصلحة الوطنية، وليس بتسخير النقابات لتكون سندا للحكام كأشخاص وتوجهات، وقد رأينا خطر ذلك، حين وُضع الاتحاد العام للعمال الجزائريين تحت إبط المسؤولين فأصبح جزءا أساسيا من العصابة، فلا نفع العمال ولا نفع البلد.

ومن جهة أخرى، فإن الالتزام ببيان أول نوفمبر معناه إعطاء الأولوية في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية إلى العالم العربي والإسلامي، فيجب أن يظهر ذلك في خطاب المسؤولين، وفي التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية، والتعاون الدولي، وفي تطوير وترقية المنظمات الدولية الإقليمية العربية والإسلامية، وإقامة وتشجيع أي مبادرة تعاون بين الأشقاء، وفي التواصل الشعبي الحر والمفتوح بين المجتمعات في إطار السياحة والتجارة والأعمال والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وغير ذلك، وخصوصا ما يتعلق بالفضاء المغاربي ومشروع وحدة المغرب العربي، وهذا الذي أراده بيان أول نوفمبر في بنده الخارجي: “تحقيق وحدة شمال إفريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.

وغير هذا وذاك مجرد ادعاء نبالغ فيه في حديثنا عن بيان أول نوفمبر، ربما لإحراج بعضنا البعض لا غير.

وفي الأخير يجب الإشادة بالتوجهات الخارجية للرئيس في لقائه مع الصحافة في عموم ما قال، فالتدخل الأجنبي في النيجر خطر على الجزائر والمنطقة فعلا، وتشجيع الحوار الداخلي والحلول التوافقية النجيرية-النجيرية هي الرأي السديد، ومساعدة الجيران والأشقاء وعلى رأسها الجزائر مقدم على تدخل قوى بعيدة عن المنطقة، خصوصا القوى الاستعمارية الفرنسية التي نهبت خيرات النيجر وتركته أفقر بلد في العالم.

وبخصوص العلاقة مع فرنسا يجدر بنا أن نناقش ما قيل في اللقاء الصحفي، لِما الاستماتة في الرغبة في تمتين العلاقة بفرنسا والإعلان عن ذلك بإلحاح، في الوقت الذي يوجد مشكل معها في أبسط قواعد اللياقة والدبلوماسية وهو برنامج الزيارة إلى باريس؟! وبخصوص اللغات من المفيد توسيع تعلم اللغة الانجليزية والفكاك من هيمنة اللغة الفرنسية التي ليست لغة علم ولا لغة تُسعِفُ المتعامل الاقتصادي أو السائح أو الفنان أو الرياضي حيثما ذهب في مختلف دول العالم، وربما نفكر كذلك في تكثيف تعلم اللغة الصينية باعتبار توسع المدى الاقتصادي ومستقبلا المدى الجيوستراتيجي للصين.

ولكن أثناء ذلك يجب الانتباه أن الأمم تنهض بلغتها الوطنية، فلا يجب الاستمرار في تهميش اللغة العربية، التي تحاصَر في التعليم، وبالمناسبة ننبه السيد رئيس الجمهورية بأن الطب لا يُدرّس باللغة العربية، كما قال في لقائه الأخير، ولكن يدرس باللغة الفرنسية.

كما أن العربية تحاصر في كثير من الإدارات التي لا تزال لغتها الرسمية اللغة الفرنسية، والعجيب في الأمر كأننا في دول داخل دولة، بعض الوزارات التزمت بقانون تعميم استعمال اللغة العربية في إدارتها مشكورة مبرورة، ووزارات أخرى لا تزال تتعامل رسميا باللغة الفرنسية، كما أن إنقاذ شرف اللغة العربية مطلوب في المحيط الذي يدنسه مواطنون وليست الدولة، كما هو الشأن مثلا في لافتات المحلات في الشوارع التي أغلبها باللغة الفرنسية، وكل زائر أجنبي يتجول في الجزائر العاصمة والكثير من المدن بإمكانه أن يشعر بأنه في فرنسا وليس الجزائر لهيمنة اللغة الفرنسية في الشوارع.

نختم مناقشتنا الأفكار والأرقام التي أدلى بها السيد رئيس الجمهورية، بالتطرق إلى موضوع عضوية الجزائر في “البريكس” التي كثر حولها النقاش دون أي فهم لطبيعة البريكس وشروط العضوية فيه، فالبريكس منظمة اقتصادية دولية لاقتصاديات صاعدة وصناعية ومنتجة لها أرقام ومؤشرات عالية في الناتج الإجمالي الخام وغيره، تريد أن تواجه مجتمعة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، بتشجيع التبادل بينها لتقوية بعضها البعض ولإنهاء تسلط الدولار الأمريكي على التبادلات المالية العالمية، وقد كررت عدة مرات في هياكل الحركة، منذ بداية الحديث عن الموضوع، بأن الجزائر لا تستطيع أن تكون عضوا في البريكس، بسبب ضعف مؤشراتها الاقتصادية خاصة الناتج الإجمالي الخام، والقدرات التكنولوجية والإنتاجية الصناعية، فهي تستطيع أن تكون قريبة من البريكس ولكن لا تستطيع أن تنال العضوية قبل أن تصبح قوة اقتصادية صاعدة فعليا وليس بالادعاء الذي يقنع السذج في بلادنا.

وفي الأخير وبعد أن عبرنا عن رأينا في ما قاله السيد رئيس الجمهورية بكل صراحة ولكن في إطار الاحترام، سيكون هناك بدون أدنى شك من سينكر عليّ نقد ما يقوله الرئيس، بخلفيات متعددة، قد يفعلها البعض بدافع التزلف للرئيس وشيعته رغبة في المحافظة على المكاسب الشخصية أو السعي لها، وبعضهم من منطلق السذاجة وقلة الزاد ممن يعتبرون أن ما يقال في “نشرة الثامنة” شيء مقدس وأن نقد الخطاب الرسمي مخالف لـ”الوطنية” أو هو خيانة لصالح “قوى أجنبية”، أو بدافع الاتهام الجاهز أنني أريد إظهار نفسي فحسب للترشح للانتخابات الرئاسية، أو ربما بدافع المنافسة الحزبية أو الشخصية بكل أنواعها بأن يجب على الناس جميعا أن يتوقفوا عن الفعل لعل العاجز الكسول الرديئ يجد مجالا للظهور في الأرض الموات.

إن هذا كله لا يهمني أبدا ولا يحركني على الإطلاق، وأنا حقا لست سعيدا أن أجد نفسي مضطرا للتعبير عن رأيي المخالف لما أعتقده خطأ في التوجهات الرسمية، وإنما أفعل ذلك قياما بالواجب كمواطن من حقه وواجبه أن يعبر عن رأيه، وباعتباري شخصية عامة تحملت مسؤوليات كبيرة، ومن ينتظر رأيي كثيرون، بل أن ثمة من أصبح يبالغ في انتقادي عن كثرة اهتمامي بالوضع الدولي مؤخرا والسكوت عن الأوضاع المحلية، وهم محقون في ذلك.

ولا أريد أن أسكت كما سكت الكثيرون، إذ لا يوجد اليوم من ينقد رئيس الجمهورية، كبشر يصيب ويخطئ، ولا يُرجى إصلاح ولا تغيير ولا تحسين ولا تطوير ولا منع للفساد في المؤسسات الرسمية والمجتمعية دون تدافع، يقول الله تعالى: “ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله، قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”، وهذا التدافع وإبداء النصيحة في السر حين يمكن ذلك وفي العلن حين يتوجب ذلك، هو الوضع الطبيعي في الحياة كمسلمين.

فقد كان من هم أفضل منا، رجالا ونساء، ينقدون من هم أفضل من حكامنا، علانية أمام الجمهور، وكذلك كمواطنين يكفل لهم الدستور التعبير عن نقد الرئيس، وكسياسيين هذا واجبهم حينما يكونون في المعارضة، أي غير معنيين بتسيير الشأن العام.

وكل ما نقوله هو آراء بشرية تحتمل الخطأ والصواب، ومن يبين لنا أخطاءنا نكون له من الشاكرين.

والحمد لله رب العالمين.

د. عبد الرزاق مقري

إن يوم عاشوراء يوم من أيام الله، ثبتت النصوص الشرعية لزوم ذكراه بالصيام والطاعة والعبادة، ضمن المنهج التربوي الإسلامي القائم على تكرار مناسبات الذكرى في اليوم والليلة، وفي الأسبوع، وفي مرات عديدة في السنة، حتى تبقى صلة المؤمن بالله دائمة إلى أن يصيبه الأجل فيلقى ربه وهو على ذلك.

ولأهمية يوم عاشوراء كان هو يوم الصيام الواجب على المسلمين قبل أن يصبح صيامه مندوبا بعدفرض صيام شهر رمضان، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_ قَالَت:ْ “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ”. 

غير أن الذي أود التنبيه إليه في هذا المقال، في هذه المناسبة، هو سبب تعظيم هذا اليوم، ألا وهو نجاة سيدنا موسى عليه السلام من فرعون، وصيامه هذا اليوم شكرا لله، مثلما جاء في الحديث: 

أخرج البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_ قَال:َ “قَدِمَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَال:َ مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، ونحن نصومه تعظيماً له”-. قَال:َ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم.ْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”.

فالجدير بنا، نحن المسلمين الذين بقينا على عهد سيدنا موسى وسائر الأنبياء عليهم السلام، وفق منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يكون يوم عاشوراء يوما للعبادة، ولكن كذلك يوما للتأمل في سبب تعظيم هذا اليوم، ألا وهو انتصار الحق على الباطل، ضمن أعظم قصة ورودا في القرآن الكريم، وهي قصة سيدنا موسى عليه السلام. 

إنه حقا لا توجد قصة من قصص الأنبياء احتفى بها القرآن كقصة سيدنا موسى عليه السلام، وما كان الله سبحانه أن يُفصّل في قصة سيدنا موسى لو لم يكن يريد منا أن نتأمل فيها، وإن يوم عاشوراء هو بالفعل يوم لنتدبر في تفاصيل هذه القصة وخصوصا قصة نهاية فرعون.

لقد تتبعت آيات القرآن الكريم حياة النبي موسى عليه السلام كلها، منذ ولادته إذ اضطرت أمه أن ترميه في اليم وحيدا في مهده تتهدده المخاطر، وعند نشأته في قصر فرعون، إذ عطفت عنه زوجة الطاغية، آسيا المؤمنة، فنُجّي من ظلم عظيم أصاب أمة من ذراري قومه، وعند شبابه وفتوته إذ وكز الذي هو من عدوه فقضى عليه، وإذ جمعه القدر وهو هارب من آل فرعون مع رفيقة العمر، عند ماء مدين، في مشهد عامر بمروءة الرجل الصالح وحياء المرأة العفيفة وشهامة النسيب الناصح المعين، وبعدما قفل مغادرا نسيبه النبي شعيب كان قبس النور وشرف الكلام مع رب العزة سبحانه، والتكليف بمهمة مواجهة أكبر طاغية تحدث عنه التاريخ، متسلحا بالحكمة وبيان أخيه هارون وبمعجزة اليد والعصا وباقي الآيات التسع.   

لقد كرر القرآن الكريم قصة تلك المواجهة العظيمة بين موسى وفرعون في مواقع عدة من كتاب الله بأساليب بيانية متنوعة بديعة، جعلها منهجا للمصلحين في كل زمان وهم يواجهون الظالمين في كل مكان. لقد كانت الرسالة التي كُلف بها واضحة تنقسم إلى شقين كما هي رسالة باقي الأنبياء ومن تبعهم من المصلحين، وقف الظلم ونجدة المظلومين، والإيمان بالله واتباع هديه: ((فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى )) طه، ولقد كانت تلك الرسالة تقوم في مبتدئها على اللين في القول: ((اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (43) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (44) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )) طه، وبالحوار والحجة والبيان وإظهار قوة الله في خلقه، ونعمه وآلائه وفضله : (( {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (50) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (51) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (52) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (53) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (54) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى (55) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )) طه.  

غير أن فرعون واجه النبي موسى عليه السلام كما يواجه الحاكم الظالم الداعية المصلح في كل زمان، بالكبر والمن والتشويه و الابتزاز والتهديد: (( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (19) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ))، وبسحر أعين الناس واستغفال السذج منهم، من خلال قلب الحقائق والتدليس وإيهام الناس بما يخالف الواقع: (({وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (57) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (58) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (59) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى )) طه. 

ولكي لا يَسأل أحد من المصلحين معجزةً خارقة في كفاحه ونضاله، إلا ما يقضيه الله ويريده، فلا يعتمد بعد الله إلا على الحجة والبلاغ، تأسيا بخير الأنبياء محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، بيّن الله تعالى كيف أن الخوارق لا تنفع من طَمسَ الكبرُ والظلم قلوبَهم

إذ رغم انصياع السحرة – أدوات فرعون في استغفال الناس – واتباعهم الحق، انقلب فرعون على قواعد المنافسة التي اختارها بنفسه، كما يفعل كل حاكم مستبد حين يتحكم في لعبة الحكم والسياسية فلا يربح فيها إلا هو، بالغش والتزوير والدوس على النصوص التي يكتبها لصالحه أزلامه وأعوانه.

وكما هو حال المستبدين كان عقاب السحرة التائبين شديدا لم يخففه عنهم سوى عمق الإيمان وقوة الثبات والاستخفاف بجبروت الجلاد، وهوان أمر الدنيا حين تتعلق القلوب بالآخرة: ((قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72))) طه.

غير أن كثرة من الناس بقوا يرهبون الفرعون ويطيعونه، قد استجهلهم لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، كما يقول المفسرون، لا يلقي لهم بالا، ولا يهتم بحالهم، إنما يلعب بعقولهم ليستعبدهم لا غير، فكانوا لفترة من الزمن سببا لدوام حكمه وثبات عرشه: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54))) الزخرف.

ولأن الخير وافر في كل قوم، ولأن الكلمة الطيبة تنفع حيث لا يتوقع نفعها، كان ثمة صنف آخر من الناس حول فرعون، لهم شجاعة وذكاء وكياسة في نصرة الحق وأهله، ذكر منهم القرآن مؤمن آل فرعون الذي دافع عن موسى بطريقته وخذّل عنه: ((وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)) غافر.

وبعد أن لم تنفع الكلمة الطيبة، والحجة البليغة، والنصر المبين في المنافسة، عاد موسى للكلمة الشديدة الحازمة في وجه هذا الحاكم الوقح المتسلط: (( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) )) الإسراء.

وبعد أن لم ينفع كل هذا جاء دور تسليط أنواع البلاء في الحياة والمعيشة كالقحط ونزول مستوى نهر النيل، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ومن عظم ظلم فرعون لنفسه وقومه وفسوقهم، أن كانوا يتحايلون على الله، يعلنون مراجعة أمرهم عند كل أزمة، ولكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه إذا انفرجت وعاودهم الريع: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (131) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (132) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (133) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (134) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (135) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ )) الأعراف.

ثم كان في الأخير يوم عاشوراء، اليوم الذي انقلب فيه فرعون على موسى بعد أن سمح له بقيادة قومه وحزبه، وأوشك على الخروج بهم من مصر ، فقرر فرعون ملاحقتهم مستنفرا وسائله الاتصالية في كل أنحاء البلاد، مستصغرا أمر الطائفة المعترضة على كفره وظلمه، المهاجرة خارج بلده خوفا من بطشه، مستغربا أنهم أغاضوه وفارقوه، وأن القاعدة في التعامل مع هؤلاء الذين يريدون الإصلاح الحذر ثم الحذر منهم، على قوس واحدة: (( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60)))

إن عبرا كثيرة نستشفها من هذه الملحمة العظيمة منها: 

– مقاومة الظلم والإصلاح في الأرض والدعوة إلى الإيمان بالله والتواضع للبشر مهمة الأنبياء وكل من سار على دربهم إلى يوم الدين.

– أن القاعدة الأولى في الدعوة والإصلاح اللين، غير أن الاعتقاد بأن ذلك ينفع مع المستبدين في كل الأحوال سذاجة مخالفة لمسيرة الكفاح من أجل الحق.

‐ الأفكار هي ميدان المعركة مع الطغاة، والحجة والبرهان هي أساس العملية الإصلاحية، وإن لم ينفع البلاغ والحجة والبيان مع رؤوس الاستبداد فسينفع في بيئة المعركة ذاتها وفي حشد الأنصار والأعوان، من داخل بلاط الحاكم وفي المجتمع الفسيح.  

‐ أن أساليب الطغاة والمستبدين هي ذاتها في كل وقت: الكبر، احتقار الناس، استعمال السذج، الكذب، الإغواء، قلب الحقائق، التحشيد، الغدر بالمخالفين ولو من الأقربين، الحذر والشك في الجميع، البطش، العدوان والقتل.

– لا يجب اليأس في محيط المستبدين، إذ كلمة الحق تخترق الجدر وتلج القلوب بلا إذن، وتتملك العقول بلا طلب، وتكسب المناصرين والأعوان من كل صوب وحدب، دون الحاجة إلى الاتصال بهم أو معرفتهم، فالفكرة هي الصلة بهم، ولهم أساليبهم وطرائقهم في نصرة الحق وأهله.

‐ في كل زمان أزلام للحكام يزينون لهم ظلمهم، يقتاتون من فتاتهم، ويصدقون سحرهم، يخافونهم ويرهبونهم، لا يحترمهم هؤلاء الحكام ولا يقيمون لهم وزنا، غير أن ضررهم شديد إذ يطيلون بقاء الفساد والاستبداد إلى أن يحل الدمار عليهم وعلى الجميع.

‐ لا يحل العقاب بالظالمين وأشياعهم وقومهم وبلدانهم مرة واحدة، وألوانه عديدة، منها الفرقة والقلق والاضطراب، والشك في كل شيء والرعب من كل مخالف، وكثرة الصراعات، ونشأة القوى المخالفة من وفي البلاط، والفشل في تطوير البلد وعمرانه، والقحط، واضطراب الأحوال الجوية، وغلاء المعيشة، وعدم الاستفادة من الفرص والريوع، والفتن والدماء، وقد تكون النهاية مدمرة تزول بها البلدان وتدمر العروش، ليس بالضرورة بشق البحر وغرق الفرعون كما هي قصتنا في يوم عاشوراء، ولكن في التاريخ نهايات مأساوية للاستبداد لم تتدخل فيها الخوارق من الآيات، وإنما تكون نهاية على قواعد السنن الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتغير.

ومن العبر العظمى أن على المصلحين أداء الذي عليهم، وأن الله كفيلهم وحاميهم، وأنه سيعلمهم سبحانه إن صدقوا كما علم الخضر موسى، وأن فكرتهم، إن كانت من مشكاة النبوة، محمية ومنصورة ولو جاء ذلك بعد وفاتهم.

‐ وفي قصة سيدنا موسى دليل على ذلك، إذ لم تنته معاناته بعد غرق فرعون، وإنما استمرت مع قومه إذ أغضبوه بميولهم الشركية فور نجاتهم، وانقلبوا على أخيه هارون حين ذهب هو لمناجاة ربه، فعبدوا العجل، ولما رجع بالشريعة فقضى على السامري وعجله رفضوا اتباع ما جاء به إلى أن رفع الله فوق رؤوسهم الطور، وحتى أولئك السبعون رجلا الذين لم يعبدوا العجل فاختارهم للقاء الله والاعتذار منه، اشترطوا عليه أن يروا الله جهرة بأنفسهم، إلى أن صعقهم الله فأماتهم ثم أحياهم بتوسل من موسى عليه السلام، تم كانت بعد ذاك محنة التيه أربعين سنة عقابا من الله لبني إسرائيل على عصيانهم أمر دخول البيت المقدس وجبنهم وخورهم وخوفهم الشديد من القوم الجبارين الذين كانوا في الأرض المباركة قبلهم: “قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (25) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ”. 

وعند نهاية التيه، زال معه الجيل الذي عصا الله وتمرد على نبيه واستحكم في أفراده المكر والتحايل على الحق والجدل وتعقيد الأمور على أنفسهم كقصتهم العجيبة مع البقرة، واستبدلوا الذي هو أدنى من المأكل والمشرب وشظف العيش الذي صاروا إليه بما هو خير من ريوع المن والسلوى والظل الظليل الذي كانوا فيه، وبرز جيل جديد بريئ من فساد الذمة والسريرة تحمل ذلك الشظف وعاش بلا ريع وآمن بالله وتوكل عليه فاستحق أهلية الاستخلاف ففتح الله على يديه. 

ومن الأحداث ذات العبرة في قصة موسى أن الله تعالى لم يكتب الفتح على يديه عليه السلام، رغم معاناته الطويلة، وإنما كان التتويج بأيادي جيل الشباب الذي صنعه من ذرية بني إسرائيل الذين قضوا في التيه، فكان الفتح بقيادة واحد منهم هو النبي يوشع بن نون الذي رافق موسى من قبل في السفينة في رحلة من رحلات التأهيل والتكوين التي لقي في آخرها الخضر الذي علمه الحكمة. لقد اكتفى سيدنا موسى عليه السلام في آخر عمره أن طلب قبل موته من الله تعالى أن يكون دفنه أقرب ما يكون إلى بيت المقدس، إذ يقول النبي محمد ﷺ: «دفن عند الكثيب الأحمر -على الطريق إلى القدس- فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكُم قبرَهُ». وهذا هو حال كثير من المصلحين والقادة والزعماء يصنعون الأفكار والأجيال التي تصنع النصر ولكن لا يُكتب لهم التتويج.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

 

سنجدد في الذكرى 61 لعيد الاستقلال، في هذا اليوم 05 جويلية 2023، العهد مجددا، في إطار الاحتفالات المطلوبة، وبعيدا عن لغة الخشب الممجوجة، لكي نفعل ما نستطيع من أجل:

– أن تكون الدولة الجزائرية قوية مزدهرة عادلة حصينة، وأن نحميها ممن يريد تدميرها و/ أو إضعافها خارجيا، وممن يريد تفتيتها وتحليلها من بعض من يسيرها من داخلها إما بسبب الفشل أو الفساد وأو العمالة، و/ أو ممن يسعى لتحويلها أو تقسيمها أو تلوينها على غير لونها من اللوبيات المجتمعية صاحبة النفوذ والتأثير المافيوية أو التابعة لثقافات ومصالح أجنبية.

– أن تضمن الحريات في هذا البلد، في الكلمة والتنظيم وتأسيس الجمعيات والأحزاب وأن يكون التنافس الحر والنزيه في الاقتصاد والسياسة والتعليم والرياضة والعمل الاجتماعي وغير ذلك، وأن تتجسد الديمقراطية الحقة، فلا إرادة فوقية خفية أو علنية، إدارية أو عسكرية أو أمنية أو مالية، تصنع الحكام خارج السيادة الشعبية الحقيقية، أو تفرض المسؤولين بالتزوير الانتخابي والتحايل على الإرادة الشعبية، وتسخير قوة الدولة وسلطة الإدارة لصالح هذا الحزب أو ذات، أو لصالح هذه الفئة أو تلك، أو لصالح هذا الشخص أو ذاك.

– أن تكون الدولة شعبية مدنية يصنع مؤسساتها الشعب ويحمي مؤسساتها الشعب، ويستفيد منها الشعب في كل أنحاء الوطن في إطار العدل والمساواة، وأن تكون كل المؤسسات فيها لصالح الشعب كله، فلا تحيز بين جزء من الشعب وجزء آخر، في إطار دولة القانون، لا على أساس عرقي أو جهوي أو فئوي، ولا على أساس الفساد وشبكات المصالح ولا في إطار اللوبيات الأيديولوجية والثقافية. أن تكون الدولة شعبية لا شعبوية يُضحك فيها على المواطنين بالإجراءات المسكنة للأوجاع والمعالِجة للأزمات اللحظية والاحتياجات الضاغطة على حساب مستقبل الشعب والبلد.

– أن تكون الدولة اجتماعية تحقق الرقي الاجتماعي واليسر في الحياة وكرامة العيش على أساس قيمة العمل والتنمية الاقتصادية وتوسيع فرص الشغل، من خلال الشبكات الممتدة للمؤسسات الاقتصادية في الفلاحة والصناعة والخدمات، التي تقوم على أساس التطور التنكتولوجي والإدارة الرشيدة، والتي يزيد عددها باطراد أكثر مما تنقص، تماما كما هي خلايا الجسم السليم، بما يؤدي إلى رفع مستوى دخل الأفراد والثروة الوطنية، وتوفير البضائع وتيسير القدرة الشرائية وتمكين كل مواطن – بدون وسائط ولا رشوة ولا “معريفة” – من أن يقتني سكنه بالإيجار المتوفر والمقدور عليه في كل مكان في الجزائر، وأن يستطيع القادر والراغب في بناء مسكنه الفردي على التوفير والاقتصاد في حياته وبالخدمات البنكية التي تتماشى مع قناعاته ومعتقداته، وأن يحصل على الخدمات الصحية الضرورية لأمنه الصحي بالمجانية الحقيقية المعتمدة على تغطية الضمان الاجتماعي لكل الأدوية والعمليات الاستكشافية والعلاجية، وأن ينعم بمختلف الخدمات في التنقل والاتصال والسياحة وغير ذلك. وأن تتاح الحرية للمجتمع ليَبني شبكاته التضامنية بعيدا عن سياسات التحكم السلطوي ليكون التضامن لصالح المواطن وليس لصالح رياء وغرور الساسة، وليكون مخفِّفا للأعباء على الدولة وليس لزيادة الأعباء عليها، وذلك من خلال التوزيع العادل للثورة الذي تبنيه مؤسسة الزكاة وشبكات الأوقاف ومختلف المؤسسات المدنية التطوعية الخادمة للإنسان ورقيه الاجتماعي. إذ هذا هو الاقتصاد الاجتماعي الذي يتماشى مع مقاصد بيان أول نوفمبر .

– أن نضمن سيادة بلدنا ودولتنا بالعدل القائم فيها والتفاف الشعب المعتز بها حولها، وبصلاح ووطنية وكفاءة المسؤولين في مؤسساتها، وبقوتها العلمية والاقتصادية وأمنها الغذائي والصحي، وبقدرتها على التعبير عن نفسها خارجيا إعلاميا وفنيا ورياضيا وسياحيا، وبالدفاع عن لغتها الوطنية فلا تنافسها لغة أجنبية في التعاملات الإدارية وفي التعليم وفي الإعلام والأسواق إذ لا سيادة لدولة تسيطرة عليها لغة أجنبية ، وبقوة جيشها المبني على العقيدة العسكرية الوطنية لحماية البلد وأمنه ومقدساته دون التّعطل والانشغال بالتدخل في التنافس السياسي، وبصناعة سلاحه، و كفاءة مخابراته وإداراته، وجاهزية وأعلى مستويات تدريب ضباطه وجنوده، وبملاحقة العملاء الذي يريدون إلحاقنا بثقافة المستعمر وخدمة مصالحه الاقتصادية والجيوستراتيجية، وبحسن اختيار وإدارة التحالفات الإقليمية والدولية، لكي تكون إرادة دولتنا مفروضة في أعماقنا الاستراتيجية وفي المحيط الإقليمي والدولي، فلا يسبقنا حول حدودنا حضور أجنبي يهدد مصالحنا ولا يُصنع العالم المستقبلي في غيابنا.

– أن تكون المبادئ الإسلامية هي الإطار الذي نعمل فيه لتحقيق كل أهدافنا النوفمبرية، فلا نسمح في التردد في ذلك، ولا نتحمل مكائد أبناء وذرية الاستعمار في التشكيك في هويتنا ومحاربة قرآننا وسنة نبينا ولغتنا وكل مقدساتنا، ولا يمكن أن يكون ثمة تشريع يصادم ديننا ولا إجراءات وتصرفات تعاكس مبادئ إسلامنا، وأن نخدم تلك المبادئ في الدراسات والاجتهاد العلمي والمجامع العلمية والفقهية وتكوين الإمام وصيانة كرامته وحقوقه ومنحه حريته في تعليم الناس الدين وتوعيتهم بمقاصده، وأن تظهر الهداية الإسلامية في التعليم وفي الأسرة والعلاقات الاجتماعية وفي الاقتصاد وفي القانون وفي العلاقات الدولية.

‐ أن نجدد حلم وحدة شمال افريقيا ضمن إطاره الطبيعي العربي الإسلامي بأن تكون بدايته النجاح في مشروع وحدة المغرب العربي، وتطهير هذا الفضاء من الصهاينة والعملاء بخطة محكمة حكيمة في التعامل مع الأشقاء المغاربة بما يحررهم من قبضة أعدائهم وأعداء الأمة والجزائر، ويضعف التوجهات الصهيونية والعاملة لصالح القوى الاستعمارية في هذا البلد ولا يقويها، وأن تكون المحبة بين الشعبين هي وقود ذلك بدل الأحقاد التي لا تخدم إلا أعداءنا وأعداء الأمة وتضعفنا كلينا، وأن نرتفع عن صراع الأنداد مع الأشقاء بالاستغلال الأمثل لمقدراتنا التي أنعم الله بها علينا، فلا يطمع أحد في منافستنا أو الكيد ضدنا فتكون الوحدة المغاربية تحصيل حاصل في أمد زمني معين. وإذا ما صلح الأمر كذلك في مصر فإن وحدة النيل ستتحقق فنكوّن معا محور شمال افريقيا بحدود 300 مليون ساكن فيكون ذلك هو طريق حل مشاكل المشرق العربي المعقدة المستعصية، وذلك هو طريق نهضة العالم العربي ثم الوحدة الإسلامية مع الدول الناهضة في العالم الإسلامي كله.

ذلك هو الاستئناف الحضاري المنشود نجد أصوله الفكرية في بيان أول نوفمبر.ولذلك تجديد العهد للعمل من أجله بمناسبة الذكرى 61 لعيد الاستقلال هو مشروع حياة، هو مشروع جيل، هو مشروع أجيال.

عبد الرزاق مقري

يوم الحج الأكبر يوم عظيم من أيام المسلمين أكمل الله به الدين بقوله: ((  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ))، اكتمِلت بفرضه أركان الإسلام الخمسة، وأتم الله به النعمة بفتح مكة وإحباط الأصنام فيها ثم بتحريم دخولها والطواف بالكعبة لغير المسلمين، وإنهاء وثنياتهم وعريهم وفسادهم في هذا المكان الطاهر.

وبقي هذا اليوم يتكرر يشهده الحجاج بالملايين في أعظم تجمع بشري في الأرض، يأتونه من كل حدب وصوب، من كل أنحاء الدنيا، ويتابعه المسلمون في كل أصقاعها، يحضرونه بمشاعرهم ومشاركتهم الحاج في الذكر والطاعة والدعاء وصوم يوم عرفة، ويجعلون فرحته بعد الوقفة في يوم النحر فرحة المسلمين جميعا، اتباعا لسنة المصطفى بأن يكون ذلك اليوم يوم عيدهم الأكبر، يذكرون  فيه  طاعة أبيهم إبراهيم وابنه اسماعيل لربهما، ورحمة الله بهما، عليهما السلام، بأن تكون الطاعة بالتضحية بالأنعام لا بالإنسان، يكررون المشهد في كل حي وفي كل قرية وفي كل بلد في العالم، ليكون يوم العيد يوم أكل وشرب وفرح وسرور وصلة الأرحام والتزاور والتراحم، للأغنياء المضحين والفقراء المشاركين في الأكل من الأضاحي كحق واجب على المضحي، هو من يحمل عناء البحث عن الفقير المحتاج ليكرمه ويدخل السرور على قلبه،  وكأن يوم عيد الأضحى يوم عالمي لسرور الإنسان والتواصل بين الناس ومحاربة الحرمان وسوء التغذية وتحريك سوق الماشية وتدوير المال بدل تكنيزه.

ثم إن ثمة حدث عظيم آخر من الفعاليات الكبيرة التي وقعت أيام الحج الأكبر لا نحتفل به وهو خطبة حجة الوداع، ويجدر بنا أن نفعل ذلك في كل بلاد المسلمين، منذ بداية شهر ذي الحجة، بتنظيم الملتقيات والندوات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وفي المدارس والمساجد والمعاهد، لإعلاء شأن هذه الخطبة العظيمة وتبيان فوائدها للبشرية جمعاء وشرح مقصادها ونصوصها مجملة أو موضوعا موضوعا،  مما فيها من القواعد والمعاني والتوجيهات والمواعظ المفيدة العظيمة.

لقد أنتج الغرب نصوصا في إقرار الحقوق والواجبات التي تنتظم بها حياة البشر فجعلوها عالمية، تُفرض في التشريعات الوطنية، وتدرج في المناهج التعليمية، وتنشر عبر الوسائل الإعلامية، وتفرض على كل الأمم أبعادُها الثقافية الغربية،  ونحن لدينا من النصوص ما هو أقدم واقدس وأبلغ وأشمل منها ولا نحتفي بها ولا نستفيد منها ولا نفيد منها البشرية. وأعظم هذه النصوص الإسلامية نص خطبة حجة الوداع. وهي الخطبة التي كانت قي حجته عليه الصلاة والسلام الأولى والأخيرة في السنة العاشرة للهجرة، وسميت بخطبة الوداع لاحقا لأنها جاءت قرابة ثلاثة شهور قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، وقد تميزت بأسلوبها ومضمونها، إذ كان الأسلوب مما يُدرّس اليوم ويُدرب عليه المتحدثون لجلب انتباه المستمع ( اسمعوا/ لعلي لا ألقاكم/اعقلوا قولي/ ألا هل بلغت/ فما أنتم قائلون/رفع السبابة وتكرار العبارات المفتاحية..)، وكان المضمون يتعلق بالأسس التي يستقيم عليها الاجتماع البشري بإعلان حرمة الدماء والأموال وقدسيتها كقدسية المكان والزمان الذي كان فيه في مكة  المكرمة في الشهر الحرام في عرفة وأيام الحج، وبإعلاء شأن الأمانة التي لا تستقيم الحياة إلا بالالتزام بها، وتأكيد حرمة الربا الذي اتضح جليا في كل الأزمنة وفي زماننا بشكل خاص بأنه هو سبب فساد النظام الاقتصادي العالمي واضطراب الموازين الاجتماعية وانتشار الفقر والعوز والظلم والفساد في الأرض، وأحبط صلى الله عليه وسلم أسباب الضغائن والأحقاد بوضع دماء الجاهلية، ولكي تطمئن النفوس ويثق الناس في ما يلعن أعلن قاعدة العدل ولو على النفس والأهل بأن بدأ عليه الصلاة والسلام بوضع دم وربا أهله،  كما شدد على الأخوة الإسلامية ومنع أخذ أحد شيئا من أحد من غير طيب نفس، وأنكر أشد الإنكار التقاتل وسفك الدماء، وأقر الوحدة الإنسانية بأصل الآدمية الواحد، وأن لا فرق بين الناس على أساس العرق، وأن الأكرم هو التقي، وخص المرأة بما لا يخص به غيرها في خطبته فأوصى بها خيرا وحذر من قهرها وبيّن واجبها تجاه زوجها في صيانة عرضه وغيبته، ودل على حقها عليه وأن الإنفاق واجب الزوج وأن يكون ذلك بالمعروف، وأحبط  عليه الصلاة والسلام بخطبته ما كان يسلط على المرأة من الظلم في العشرة والميراث وبالوأد وقلة تقديرها ومنع حقوقها. وحذر من التلاعب بالمفاهيم والأزمنة لتحريم الحلال وتحليل الحرام، ومن اختلاط الأنساب بسبب العهر والتبني الباطل وادعاء نسب بغير حق،  وأعلن أن أصل كل هداية وفلاح في كتاب الله  فهو الحافظ من الضلال والضياع واضطراب وجهة الأمة ما كان التمسك به ثابتا دائما.

والله نسأله أن يحيي الأمة بهذه الخطبة العظيمة.

د. عبد الرزاق مقري

ورد في الجامع الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال: ((ألا أعلمُكَ كلامًا إذا قلتَه أذهَب اللهُ تعالى همَّكَ وقضى عنكَ دَينَكَ ؟ قُلْ إذا أصبَحتَ وإذا أمسَيتَ ؛ اللهم إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ، وأعوذُ بكَ منَ العجزِ والكسلِ، وأعوذُ بكَ منَ الجُبنِ والبخلِ، وأعوذُ بكَ مِن غلبةِ الدَّينِ وقهرِ الرجالِ)).

إن في هذا الحديث علاج لأكثر الأمراض انتشارا في العالم، وهو القلق والكآبة التي من أسبابها الكبرى الهمّ الذي هو ضيق الصدر خوفا مما يُنتظر، والحزن وهو الأسف الشديد وضيق الصدر على ما وقع. وكلاهما مفسد للمزاح موتر للنفس مبدد للطاقة مقعد عن العمل محبط للمعنويات، وقد يؤدي اشتداده في أقصى درجاته إلى الانتحار، وذلك حين لا يتوفر لصاحبه أي مرجعية تداوي نفسه، وعلى رأسها الإيمان بالله.

يوجه هذا الحديث إلى الاستعاذة بالله من جملة من الحالات النفسية السلبية والأخلاق الذميمة والأوضاع الصعبة في حياة الإنسان. غير أنه علاوة على صيغة الدعاء في الحديث، فإن ثمة تنبيه إلى ما يسبب هذا المرض العضال الذي يفتك بملايين البشر  بشكل مروع في هذا الزمان.

أول هذه الأسباب هو العجز والكسل، والعجز هو عدم القدرة على فعل الشيء لسبب عضوي كالهرم يُعذرُ صاحبه،  أو لسبب نفسي كعلّة في الشخصية تعيب صاحبها كما قال المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس شيئا … كنقص القادرين على التمام.

أما  الكسل فهو ترك الشيء مع القدرة على فعله لطبع سيء دائم، أو لفتور النفس مؤقتا، أو بسبب ضعف الهمة على الشيء. والكسل طريق إلى العجز وكلاهما طريق إلى الفشل وعدم الإنجاز، والفشل وعدم الإنجاز يؤديان إلى وخز الضمير والنظر بالدونية إلى الذات داخليا، وقلة القيمة خارجيا بين الناس، واستمرار هذا الحال يصنع الهم والحزن والاكتئاب.

وفي قلب أسباب العجز والكسل فقدان خلقين من مكارم الأخلاق هما خلق الكرم، الذي سبق أن تحدثنا عنه، وخلق الشجاعة الذي نحن بصدده. فالكرم والشجاعة من أخلاق السيادة وركائز الريادة في مختلف شؤون الناس، فمن كان لئيما بخيلا لا يمكنه أن يسود فهو لا ينفق شيئا من أجل نجاحه، لا ينفق ماله ولا وقته ولا علمه ولا عواطفه، فيكون غير مقدّر في محيطه ولا يملك أدوات نجاحه. كما أن الجبان دائم الرهبة من بيئته، يخاف من كل الناس وكل الأحداث، تُشل إرادته أمام أي خطب، فلا يقتحم الأحداث ولا يواجه المخاطر ولا يثبت أمام من يريد أن يأخذ حقه ويفسد أمره، فيصبح مصيره في يد غيره.

وأسباب البخل والجبن كثيرة من أهمها ما ورد في آخر الحديث، وهو غلبة الدين (وفي رواية للبخاري “ضَلع الدين” أي اعوجاع ظهر المرء بسبب ثقل الدين) وقهر الرجال. غير أن هاتين الحالتين قد تكونان كلاهما بسبب الجبن والبخل، فهما عنصران لبيئة خطيرة تفسد طباع الناس، إذ غلبة الدين وتسلط الرجال وظلمهم يشلان الإرادة، فهي حالة تشبه الحلقة المفرغة، الجبن والبخل يؤديان إلى العجز والكسل، وهذان الأخيران يصنعان الأولَين، ولا حل لهذه البيئة القاهرة للأفراد والمجتمعات إلا سخاء النفس والاستعداد للبذل الواسع في مختلف دروب الخير، فذلك الذي يصنع الرفاه والوفرة ويشجع على النشاط والإنجاز، وكذلك حين تنبعث الشجاعة في الفرد وتشيع في المجتمع،  من قول الحق باللسان إلى بذل المهج في الميدان، يكثر الأبطال المقاومون للظلم والقهر وانتهاك حقوق وكرامة الإنسان.

فإذا توفر كل ذلك تنتشر الإيجابية والسعادة والسكينة والطمأنينة في الناس أفرادا وجماعات ومجتمعات وأوطانا وأمة.

إن هذا الحديث منهج متكامل في الأخلاق والتربية النفسية والسياسة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية، وهو حديث أكرره كثيرا في لقاءاتي ومحاضراتي، وخصوصا مع الشباب، وودت لو يُدرج بهذه المعاني المذكورة في مختلف البرامج التربوية والتكوينية في المنظمات والحركات والمعاهد فإن فيه نهضة الأمة وقومتها الحضارية من جديد.

وليس هذا الحديث هو الحديث الوحيد الذي يستعيذ فيه رسول الله صلى الله عليه من الجبن، بل نجد ذلك في مواقع عديدة من السنة النبوية، ومنها الحديث الذي يوجهنا فيه النبي عليه الصلاة والسلام لتكون الاستعانة بالله من معرّة الجبن على نحو مستقر ومنظم دُبر كل صلاة، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان سعد يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة قيقول: ((إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر)).

إن نفور رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجبن إلى هذا الحد إنما هو تأكيد على أنه شر مستطير لا ينبغي للمؤمن أن يتصف به، ويؤكد ذلك الحديث الصحيح الذي ورد من عدة طرق الذي يقول فيه النبي الكريم:  ((شرُّ ما في رجل شحٌّ هالع، وجبن خالع))، وبالفعل لا يغيب عن مخالطٍ لأحوال الناس كم هو سيء خلق الجبن، وكم هي مهينة شخصية الجبان. والجبان صنفان: صنف يتوارى عن أي مواجهة دون أن يؤذي غيره فيعيش حياته على الهامش بلا إنجاز  ذي بال ولا تاريخ  يذكر، وصنف يخاف المواجهة ولكن يحرص على الكسب بأساليب النفاق المتعددة، لا يملك الشجاعة على المواجهة وركوب المخاطر من أجل تحقيق غاياته، ولكن يسعى للكيد الخفي والإرجاف من بعيد والهمز واللمز، ومصير هذا الجبان الفاعل أسوء من مصير الجبان المسالم، إذ قد يعطف الشجعان على الجبان الذي لا يؤذي وقد يكون محبوبا لخصال أخرى حميدة فيه، وبلا شك يبغض الناس  الجبان المتآمر، وقد يخسر في آخر المطاف ما لم يكن في حسبانه، لفقر نفسه وقلة عقله.

إن القرآن الكريم عامر بقصص الأبطال الشجعان، وعلى رأسهم الأنبياء الأكارم، عليهم السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وحينما نقرأ في القرآن الكريم الآيات التي  تقص قصص الشجاعة والشهامة والنجدة  نجدها ترتبط بقصص محددة ضمن دلالات قرآنية تؤكد أن الشجاعة هي ما يُكتب فعليا في سجل الرجال، بالأقوال والأفعال والمواقف وليس ادعاء بلا برهان، ومن ذلك قوله تعالى في سورة “الشجاعة” التي هي صورة الأنفال عن غزوة بدر: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. 16))، أو قوله في نفس السورة: : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ))، أو قوله في سورة التوبة، السورة الشقيقة لسورة الأنفال؟، في الحديث عن الجهاد: “انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. 41 )). وكان الأمر هنا يتعلق بغزوة تبوك فلم يعذر شيخ ولا شاب ولا فقير ولا غني من الإقدام فيها.

إن الشجاعة من أهم معالي الأخلاق وأشهرها بين البشر، فما تاريخ الأمم إلا تاريخ شجعانها وأبطالها، ولم يكتب لأمة من مجد وسؤدد بغير تضحيات الفرسان أولي النجدة والهمة والشجاعة. فقد يقوم مجتمع بوجود الجبناء ولكن لن يبلغ الأمان والرفاه والعز والمجد بدون هؤلاء الشجعان.

 والشجاعة منبعها قوة ذاتية في قلب الإنسان تجعله يقدم على المخاطر، بالقول أو العمل أو كلاهما، من أجل تحصيل منفعة أو دفع مضرة، وقد تكون المنفعة والمضرة مادية أو معنية، جديرة بأن يضحى من أجلها، والمنفعة والمضرة بالنسبة للمؤمن قد تكون عاجلة في الدنيا أو آجلة في الآخرة. والشجاعة مثل كل الأخلاق الفاضلة وسط بين مذمتين: “الجبن” و”التهور”. وبغير وجود المخاطرة لا يكون الإقدام شجاعة وإنما نشاط وحيوية فحسب، والجبن هو تجنب المخاطرة ولو أدى ذلك  إلى ضياع المصلحة أو حصول المفسدة، والتهور هو تحمل المخاطرة دون ظن بحصول منفعة أو دفع مضرة، أو أن تكون المخاطرة أقل جدوى بكثير مما يتحقق من مصلحة، أو ما يُدفع من مفسدة، كأؤلئك المغامرين الذين يضحون بحياتهم من أجل المال أو الشهرة فحسب.

والشجاعة قرار في لحظة ركوب الخطر تدفع إليه قوة نفسية متمادية، أصلها غضب أو أنفة أو رغبة جامحة في الحصول على شيء ما،  تحضر معها الحكمة وحسن التقدير. والدليل على أن الموقف ينم عن شجاعة حقيقية أن يسنده الثبات والصبر والتحمل عند حصول الألم أو الخسارة في الأول، فلو وقع التراجع على تحقيق المصلحة أو دفع المفسدة بعد اللحظة النفسية الدافعة لركوب الخطر، قولا أو عملا، فإن ذلك مجرد تهور يتحول  إلى الجبن والخور اللذين هما نقيض الشجاعة.

 وقد يكون من الشجاعة الإحجام عن الفعل، قولا أو عملا، أو التراجع عنه لإدراك فرصة يتحقق بها المقصود، فتلك قوة كبيرة وشدة محمودة أشار إليها رسول الله  في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عنه أنه قال: ((ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ)). ولقد كان موقف خالد بن الوليد في تنظيم الانسحاب من معركة اليرموك بسبب الفرق الشاسع في العدد بين جيش المسلمين وجيش الروم شجاعة عظيمة سجل نفسه بها في تاريخ القادة العسكريين العظماء عبر العصور.

ولا يوجد في أشعار العرب توصيف لميزان الاعتدال في خلق الشجاعة كقول أبي الطيب المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان ….. هو أول وهي المحل الثاني

فإذا اجتمعا لنفس مرة  ……     بلغت من العلياء كل مكان

و لربما طعن الفتى أقرانه ……  بالرأي قبل تطاعن الأقران

وإنما الضابط في التحلي بخلق الشجاعة بقاء العزيمة متقدة  للإقدام على الأمر في الوقت المناسب، ولو أدى ذلك إلى بذل النفس كما جاء في كتاب “تهذيب الأخلاق” المنسوب إلى الجاحظ في تعريف الشجاعة: “الإقدام على المكاره، والمهالك، عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت” أو وفق ما ذكره ابن حزم في مصنفه ” الأخلاق والسير” في توضيح الحد الأقصى للشجاعة: (( حد الشَّجَاعَة: بذل النفس للموت، عن الدين، والحريم، وعن الجار المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلمًا في المال، والعرض، وفي سائر سبل الحق، سواء قلَّ من يعارض أو كثر)).

ولا يوجد بالضرورة ارتباط بين القوة والشجاعة، فقد يوجد قوي مفتول العضلات، مكين الوسائل والإمكانات، ولكن يكون خوارا مهينا، وقد يكون ثمة ضعيف البنية معدوم أدوات البطش ولكن يكون مقداما يصرع الأقوياء بقوة قلبه وبثباته ورباطة جأشه وإصراره، ولنا في ضرب الأمثال عن هذا المعنى أبياتٌ للشاعر كُثيِّر عزّة:

تَرى الرَجُلَ النَحيفَ فَتَزدَريهِ ….. وَفي أَثوابِهِ أَسَدٌ مُزيرُ

وَيُعجِبُكَ الطَريرُ فَتَبتَليهِ ….. فَيُخلِفُ ظّنَّكَ الرَجُلُ الطَريرُ

وشرح ابن القيم الجوزية شأن العلاقة بين الشجاعة والقوة في كتابه “الفروسية” بالاستشهاد بشخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: “وكان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر وغيره أقوى منه، ولكن برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال، وهو في ذلك ثابت القلب، ربيط الجأش، يلوذ به شجعان الصحابة وأبطالهم، فيثبتهم، ويشجعهم”.

لقد كانت الشجاعة متأصلة، بالفعل، في شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولم يكن هو الأقوى بين الصحابة، وإنما شجاعته من نبل أصله، وزاده الإيمان العميق والتصديق المطلق شجاعة، ورأى ترجمتها العملية في أسوته وقدوته المصطفى عليه الصلاة والسلام كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن أنس بن مالك في وصف النبي المجتبى قائلا: ((كان أحسنَ الناسِ ، و أجودَ الناسِ ، و أشجعَ الناسِ)).  وفي هذا الحديث ربط آخر بين الشجاعة والكرم وكأنهما خلقان كريمان شقيقان لا يفترقان في نفوس القادة الكبار، وأحسب أن أصل الكرم الشجاعة إذ البذل قرار شجاع يتحمل المخاطرة بنقص ما يُبذل منه.

لا شك أن القوة شرط أساسي للسؤدد، وإعدادها هو مانع اللعدوان من العدو قبل وقوعه، سواء العدو الظاهر أو الخفي،  وفق قوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ. 60))، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرر أبديا أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفي كلٍ خيرٌ)). غير أن القوة الأولى ومبعث كل أنواع القوى هي القوة النفسية التي في داخل الإنسان وعمقه. ويبين النووي في شرحه على مسلم هذا المعنى فيقول: “والمراد بالقوة هنا، عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى”

لا يقتصر التلازم بين خلقي الشجاعة والكرم فقط، وإن كان ذلك ذلك شائع في القادة والسادىة، فالشجاعة تتجلى في مختلف شؤون الحياة، فثمة الشجاعة الغريزية التي يتسلح بها الإنسان للحصول على احتياجاته الإنسانية الأساسية، كمأكله ومشربه وأمانه وسلامته الجسدية، وهناك الشجاعة النفسية التي يسعى بها الإنسان لتحقيق طموحاته في الغلبة والظفر وصيانة عزته وكرامته، ومنها القدرة على قول “لا” أو قول “نعم” والاعتراف بالخطأ والتراجع عنه ولو كان في ذلك مجازفة،  وتوجد الشجاعة العلمية والفكرية التي يلج بها الإنسان فضاءات النقاش والمحاججة، ويقتحم بها دراسة المسائل العلمية العويصة، والتعبير عن الأفكار غير المألوفة، وثمة الشجاعة الاجتماعية التي يندفع بها الإنسان لربط العلاقات مع غيره ممن لا يعرفهم ومن يُحذر التعامل معهم، والحديث في وسط الحشود ومواجهة الجموع، وتوجد الشجاعة الاقتصادية التي يركب بها الإنسان مخاطر الخسارة لتحقيق الأرباح المالية وتوسيع هوامشه الربحية وثروته وموجوداته، كما توجد الشجاعة الفضولية والرغبة في اكتشاف المجهول والسفر إلى مواقع الخطر، وهناك الشجاعة السياسية التي يتجاوز بها الإنسان الخوف من السلطان، ويواجه بها الظلم والطغيان ويتجاسر على المخاوف من أجل محاربة الفشل والرداءة أو المنافسة على الحكم والصولجان، وهناك أشرف أنواع الشجاعة وهي الشجاعة الجهادية، وهي التي تشمل كل ما سبق إن تعلقت النوايا بالمقاصد النبيلة وابتغاء وجه الله، ومن أكرمها الجهاد لإعلاء كلمة الله والذود على الأوطان ومقاومة الظالمين والمفسدين في الأرض، وأعلى مراتبها المخاطرة بالنفس وبذل الدماء زكية من أجل ذلك إرضاء لله تعالى.

ويذهب الناس في أمر الشجاعة مذاهب في الموازنة بين طاعة الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وفي السنة النبوية علاج كامل لهذه المعضلة،  في حديث شريف من جوامع الكلم يصلح أن نستخرج منه قواعد علمية في تسيير الناس أمورهم، في الاجتماع والسياسة والإدارة والاقتصاد وغير ذلك، وهو الحديث الصحيح الذي يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تكون الشجاعة حقيقية وأصيلة باحترام المرء العقود والمواثيق فيطيع رئيسه أو أميره، في أي تجمع بشري منظم كان، في ما تحب نفسه أو تكره، وما له فيه نفع أو حرمان، دون أن يجبن أمام الذين ينازعون أميره، ودون أن يخشى أن يُقال عنه تابع،  ولكن – في نفس الوقت – لا يتردد أن يقول الحق في أي موقع كان، سواء كان في الحراسة أو في الساقة، يقول الحق وهو ضعيف لا يخشى أصحاب المكانة، ويقول الحق وهو قوي ولو ضيع المنصب والجاه والمكانة، لا يخشى في الله لومة لائم، إذ كل الذي يفعله ويقوله، ليس بدافع شخصي ولا لبواعث االحقد الحسد والانتقام، ولكن لوجه الله العزيز الجليل الكريم، فذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي الوليد عبادة بن الصامت قال: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)).

إن هذا الحديث ينبه إلى المخاطر العظيمة التي تنجر عن عدم الاعتراف البيّن أو الضمني بالشرعية التي تتحقق وفق العقود والقواعد المتفق عليها أو المسلّم بها بما يجعل في الأخير للأمر أهلا له،  في الدولة أو الحزب أو الجمعية أو المؤسسة التطوعية أو الربحية. ذلك أن التنازع على موقع الرئاسة خارج الأطر الشرعية المتفق عليها تكون نتيجته دائما الفشل وذهاب الريح، سواء كان التنازع مكشوفا أو بالدسائس والتخريب الخفي، وهو أمر بيّنت النصوص الشرعية أنه لا يجب التساهل معه، لا من أجل هوى السلطان ولكن من أجل المصلحة العامة المؤكدة شرعا. غير أن الحديث نفسه يوجه إلى أن الشجاعة في قول الحق لا تتناقض مع عدم منازعة الحاكم، وتاريخ المسلمين حافل بالعلماء والدعاة والساسة والمصلحين منذ فجر الإسلام إلى اليوم، الذين يضحون من أجل سلامة وأمن واستقرار مجتمعاتهم وأمتهم ولكنهم في نفس الوقت يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخافون في الله لومة لائم، فمن استشهد مقتولا، ومنهم من سجن دهرا، ومنهم من أخرج من بلده وصودر ماله، ومنهم يتعرض للقمع و التضييق، أو الإبعاد والتهميش.

 

د. عبد الرزاق مقري

إن شهر رمضان جامع لكل الطاعات، صيامه ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو في نفس الوقت فسحة تربوية عميقة وواسعة الأثر في تقوية الأركان الأخرى في نفس المسلم، فالاشتغال بالقرآن يعمق معاني شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إذ سماعه وتلاوته يذكران بالله وبصفاته وأسمائه وبمقتضيات التوحيد كلها، وفي رمضان يتمسك الصائمون بالصلاة أكثر من أي شهر آخر فتعمر المساجد ويقبل الناس على النوافل والتراويح وقيام الليل، ولا يوجد شهر يتراحم فيه المسلمون بإطعام الطعام والإنفاق على المحتاجين كشهر الصيام، وفيه تتوافد على بيت الله الحرام حشود المعتمرين من كل حدب وصوب في مظاهر عظيمة تذكر بأيام الحج الأكبر.

وكل هذه الأجواء العبادية البديعة تؤكد أن شهر رمضان هو فعلا شهر للتذكير والتصحيح والتدريب للمحافظة على الأركان وتحصينها بأحزمة عبادية تطوعية يتعوّد عليها المؤمن لما بعد الشهر الرمضاني الفضيل.
ومن أعظم هذه الطاعات التي تشيع وتنمو في هذه المناسبة الصدقة وإطعام الطعام، وقد جاءت النصوص الصحيحة قوية تؤسس لهذا الموسم التراحمي منها الحديث الصحيح الذي وصف فيه أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ((أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ))، ومنها الحديث الحسن الصحيح الذي رواه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره، غير أنه لا ينقصُ من أجر الصائمِ شيئًا))، كما فرض الإسلام زكاة الفطر على كل صائم قادر عند انقضاء الشهر ينفقها عن كل ما تجب عليه نفقته، وفق ما ورد في الصحيحين وما تواتر عن المسلمين فعله منذ العام الأول الذي فرض فيه الصيام إلى اليوم، وهي زكاةٌ لجبر ما نقص من صيام الصائم ولإطعام المحتاج كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». بل إن ثمة مسؤولية عامة على الصائمين لصالح الفقراء والمحتاجين في ديننا، إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يتضامنوا بينهم في العيد حتى يفرح فيه وبه جميع المسلمين، فقيرهم وغنيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم )).
واتباعا لهذا الهدى تفتح أبواب الخير على مصراعيها في أيام رمضان، وتتسع سبل الخيرات، فترى محلات إفطار الصائم في كل الأحياء في كل أنحاء الدنيا، ويخرج الشباب يقابلون المسافرين لإطعامهم على الطرقات في كل مكان، وتفتح البيوت لإكرام الصائمين في كل البلدان، ويتنافس المحسنون ويتفنون في الإنفاق على مختلف المأكولات والمشروبات في موائد الإفطار في المساجد والمطاعم ودور استقبال الصائمين المتنوعة، كل هذا ضمن حركة مالية عظيمة خيرية لا يقع مثلها ولا قريبا منها في أي أمة من الأمم. فإذا أقبل العيد، يأخذ الفقراء مما فضُل عليهم، والأغنياء مما تفضل الله به عليهم، فيوصلوه بأنفسهم وبطيب خاطر للمحتاجين قبل صلاة العيد في دوران للمال نحو الفئات الهشة على نطاق عالمي بديع أدهش الدارسين الاقتصاديين والاجتماعيين من غير المسلمين.
إن ما يحدث في رمضان إنما هو تكثيف لخصيصة إسلامية فريدة في النظام الاجتماعي الإسلامي وقواعد المنظومة التكافلية ببن المسلمين بنيت على أسس متينة منها:

‐ أن المؤمنين في الإسلام إخوة برباط العقيدة وفق قوله تعالى في سورة الحجرات: ((إنما المؤمنون إخوة – 10))، يتعاملون بينهم من منطلق الولاء لبعضهم البعض وفق قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)))، بل هم كالبناء الواحد المتماسك المتناغم وفق الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا))، وهم جسد واحد تتأثر جميع أعضائه بما يصيب أي عضو منه كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)).
‐ وأن المال الذي بين يدي الإنسان إنما هو مال الله جعله سبحانه مستخلفا بين يدي العباد وفق قوله تعالى في سورة الحديد: (( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))). وأن ما يأخذه الفقير من الغني إنما هو حقه مفروض له من صاحب المال الأصلي، قال الله تعالى في سورة المعراج : ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. 24.25))، وفي سورة الإسراء: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . 26))، إذا لم يعطها الغني طواعية تؤخذ منه جبرا من الحاكم وفق قوله سبحانه في سورة التوبة: ((خُذ مِن أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكّيهِم بِها وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَاللَّـهُ سَميعٌ عَليمٌ. 103))».
‐ أقام الإسلام نظاما اجتماعيا اقتصاديا متكاملا لرعاية الفقراء والمساكين، أساسه فرض الزكاة التي قرنها الله تعالى في القرآن الكريم بإقامة الصلاة في اثنتين وثمانين آية كقوله تعالى في سورة البقرة: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ. 43)) وهي ركن من أركان الدين كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله يلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان))، والزكاة ليست مجرد صدقة عادية، بل هي منظومة كاملة اقتصادية اجتماعية هدفها الأسمى هو محاربة الفقر ومختلف آفاته ومخاطره على الفرد والمجتمع، فالله تعالى حدد مصارف الزكاة لكي لا تستعمل في غيرها في قوله تعالى في سورة التوبة: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.60)) وتُركت شروط ومواصفات كل مصرف للفقهاء والمؤسسات المتخصصة لكل عصر لتحديد ذلك، وقد تحولت الزكاة في هذا العصر في كثير من البلدان إلى مؤسسات مالية لخدمة المصارف الثمانية على أساس العلم والدراسات الاقتصادية الاجتماعية. وعلاوة على الزكاة ثمة كثير من التشريعات والابتكارات التي أنشأها الإسلام في منظومته الاجتماعية كالمواريث والأوقاف والكفارات ومختلف أنواع الصدقات.
‐ ولإجبار الله تعالى الأغنياء على الزكاة ولكي لا يخرج حق حرية التملك الذي يقره الإسلام عن مقصده حرّم الله تعالى تكنيز المال الذي لا تخرج منه الزكاة بقوله تعالى في سورة التوبة: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. 34))، فباتت الزكاة ذاتها محفزة لاستثمار المال لكي ينمو، وكلما نما استفاد منه الفقراء، ويفيد هذا المعنى ما رواه الدارقطني والبيهقي بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه قال : (( اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)).
‐ كما حرّم الله أن تبقى الدائرة المالية بين الأغنياء فقط فلا يدخلها غيرهم ولا يستفيد منها المحتاجون كما قال الله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))، ويذكر سيد قطب في تفسير هذه الآية كلاما بديعا في النظرية الاقتصادية الإسلامية والنظام الاجتماعي في الإسلام منه قوله: ” فالملكية الفردية معترف بها في هذا النظرية، ولكنها محددة بهذه القاعدة، قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، ممنوعا من التداول بين الفقراء، فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم الاجتماعي كله، وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد.”، وأهم وسيلة اعتمدها الإسلام لمنع تركيز الثروة في أيادي قليلة، بالإضافة إلى فرض الزكاة، هي تحريم الربا وجعله من الكبائر التي يمحقها الله في قوله تعالى في سورة البقرة: ((يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. 276))، ويحارب مقترفيها كما جاء في سورة البقرة: ((فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ 279 ))، بالإضافة إلى ترتيبات تشريعية أخرى فصلتها السنة النبوية منها تحريم الاحتكار والغش والفساد وغير ذلك. وهذا خلافا للنظام الرأسمالي السائد الذي وضع ثروات الكون كلها عند فئة قليلة لا تمثل 2% من سكان المعمورة فانتشر الفقر والعوز والمرض والجهل في بلدان بكاملها وأعداد هائلة من البشر في مختلف أنحاء العالم.
‐ وعلاوة على حق الزكاة جعل الله تعالى للفقراء حقوقا أخرى في أموال الأغنياء عبر الترغيب الواسع في الصدقات الذي يتكرر بشكل كبير في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، فجعل الله تعالى الصدقة شرطا لبلوغ درجة البر والصلاح وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ. 92))وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عدّ الصدقة هي دليل الإيمان والصلاح فقال في الحديث الذي رواه مسلم: (( الصدقة برهان))، ووعد الله المتصدقين بمضاعفة الأجور يوم القيامة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. 261))، وقوله في سورة الحديد: ((إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ. 18))، وقوله سبحانه في سورة البقرة: ((مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)). وجاءت السنة تؤكد ذلك في سلسلة كبيرة من الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث، الذي يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة عظيمة كافية لرسم التصور الصحيح للمال بالنسبة للمسلم، وهو ما رواه مسلم عن عبد الله بن الشخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي! مَالي! وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)).
‐ ولترغيب الميسورين في الصدقة وعدهم الله تعالى في القرآن الكريم بطرق عديدة بأنه سيبارك في أموالهم ويخلفها وينميها لهم في الدنيا، ومن ذلك قوله تعالى في سورة سبأ: ((وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. 39))، وأكدت السنة النبوية ذلك في أحاديث صحيحة كثيرة منها الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ))، ومنها الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ..)) كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فوائد كثيرة يصيبها المتصدق في حياته الدنيا ومن ذلك دفع البلاء وشفاء المريض وانشراح الصدر وعلاج داء قسوة القلب وغير ذلك.
‐ ولجعل الصدقة سلوكا عاما بين المسلمين، يتصف به الغني كثير المال، والفقير الذي لا مال له، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بأقل المتاح وفق ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة؟))، كما أن أجر المقل قد يسبق أجر المكثر وفق ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها)).
‐ وكما نظم الإسلام الزكاة بتحديد مصاريفها، فإنه نظم مختلف الصدقات ومختلف دروب الإحسان للغير بتحديد الأولويات فيها، فجعل الأهل والأرحام أولى من غيرهم ثم ما سواهم كالجار والصاحب بالجنب وابن السبيل وفق ما جاء في الآية الكريمة في سورة النساء: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36))) وفي الحديث الصحيح: (( ابدأ بنفسِك فتصدق عليها فإن فضل شيءٌ فلأهلِك فإن فضل عن أهلِك شيءٌ لذوي قرابِتك فإن فضل شيءٌ عن ذي قرابِتك فهكذا وهكذا)). وتجب الصدقة كفائيا في حق كل من يتعرض للمهلكة إن لم يأخذها، وتتعين على من يعرف حاله. وقد تجب الصدقة للبعيد في حال العدوان على المسلمين في أي بقعة من بقاع الأرض وفي حين المجاعات والنكبات، وقد حدث في عهد سيدنا عمر قحط لأهل الحجاز فأرسل إلى ولاته بالأنصار ليعينوه في تلك الضائقة فتسابقت الأقطار الإسلامية في الاستجابة إليه.
‐ ولتحقق الصدقة مقاصدها فيقبلها الله من صاحبها وينميها له، وتؤدي فعلا إلى إكرام الفقير والمسكين والمحتاج إليها، وتتسبب في الاستقرار الاجتماعي وتقلص العداوات والصراعات الطبقية فإنه يجب أن تكون بنية طيبة خالصة لله تعالى من مال طيب حلال كما جاء في قوله تعالى في سورة الإنسان: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا 8-12))، وقوله تعالى في سورة البقرة: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. 267)) وعلى نحو ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما تصدَّقَ أحدٌ بصدَقَةٍ منْ طيِّبٍ ، ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطيبَ ، إلَّا أخذَها الرحمنُ بيمينِهِ ، وإِنْ كانتْ تَمْرَةً ، فتربُو في كفِّ الرَّحمنِ حتى تَكونَ أعظمَ مِنَ الجبلِ ، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصيلَهُ)).
‐ ومن شروط وآداب الصدقة وفق هذه النصوص إكرام المتصدق عليه وعدم إشعاره بالمهانة، وعدم إذيته بالتأفف أو بأي شكل من أشكال الحديث أو التصرف وعدم المن عليه بالحال أو المقال أو الاشتراط، فإن الله قد حرم ذلك وجعله مذهبا لأجر التصدق كما قال تعالى في سورة البقرة من الآية 264: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ)). ومما أظهرته الدراسات أن المن والإذية والتعالي أثناء تقديم الصدقة يربي الحقد والضغينة عند الفقير تجاه الغني، وهو عكس المقصد الذي أراده الإسلام وهو أن يفرح المتصدق بتقديم صدقته والنظر إلى الفقير على أنه فرصة للنجاة والبركة وأن يفرح الفقير بالغني ويعدّه فرصة لكرامة العيش.
‐ ومما يساعد على القبول والأجر وكرامة الفقير تقديم الصدقة سرا، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( سبعة يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه .. فذكر الحديث، وفيه: ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه)) .وذلك هو الأصل، إلا أن يكون في إظهارها مصلحة مقدرة تقديرا شرعيا كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة: ((إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .271)).
‐ وفي الأخير لا بد أن نشير أن الإسلام يوسع في مفهوم الصدقة إلى كل أنواع البر التي يراد بها وجه الله وفيها مصلحة للمسلمين ومن ذلك ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، قالَ: تَعْدِلُ بيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قالَ: والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
والله ولي التوفيق

 

د. عبد الرزاق مقري

لقد تم البارحة تشكيل المكتب التنفيذي الوطني الجديد لـحركة مجتمع السلم في الدورة الاستثنائية لمجلس الشورى الوطني شهرا بعد المؤتمر كما ينص عليه القانون الأساسي للحركة، وقمنا بمناسبة الإفطار السنوي الذي نظم في نهاية دورة المجلس بحضور أعضائه والضيوف من الدبلوماسيين ورؤساء الأحزاب والمنظمات بتسليم المهام للقيادة الجديدة، وهذا اليوم هو يوم تاريخي بالنسبة إلي إذ لأول مرة بعد قرابة نصف قرن من الزمن أغادر الهياكل التنظيمية لأدخل مرحلة جديدة لم أعرفها من قبل، لا أتحمل فيها أي مسؤولية تنظيمية بعد أن قضيت حياتي كلها مسؤولا في مختلف المستويات التنظيمية على النحو التالي:

– كانت المرحلة الأولى في آخر سنة من الطور المتوسط وفترة الطور الثانوي في النصف الثاني من عقد السبعينات حيث كنت شابا صغيرا من الطليعة الأولى المؤسسة للعمل الإسلامي في المسيلة تحت قيادة الشيخين الفاضلين صاحبي الفضل علي بعد الوالدين في التربية والتنشئة على الالتزام الديني والأخلاق الإسلامية والدعوة الإسلامية: الشيخ محمد مخلوفي والشيخ أحمد بوساق.

– ثم المرحلة الثانية: مرحلة الجامعة في جامعة سطيف، في النصف الأول من الثمانينيات التي كانت مرحلة التنشئة القيادية العملية الميدانية بكل معانيها والتعرف على الحركات الإسلامية وقادة الصحوة، وكان العمل الدعوي فيها بين الجامعة والمسيلة توليت فيها مسؤوليات كثيرة ومتنوعة.

– ثم المرحلة الثالثة، في النصف الثاني من الثمانينيات، وهي مرحلة تولي القيادة والانخراط في العمل الإسلامي على المستوى الوطني والدخول في مسارات تاريخية كان لها تأثير كبير على ما بعدها بخصوص مسيرتي الدعوية والسياسية وبخصوص تحولات كبرى في تاريخ الحركة الإسلامية والتطورات السياسية في البلاد.

– المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي انتهت البارحة وهي تنقسم ذاتها إلى ثلاث مراحل أخرى:

– المشاركة في التأسيس الرسمي لحركة المجتمع الإسلامي (حمس لاحقا) سنة 1991 وعضوية المكتب التنفيذي الوطني (الأمانة الوطنية للإعلام لمدة وجيزة، الأمانة الوطنية للجالية إلى 1998، الأمانة الوطنية  لحقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني، رئاسة الكتلة البرلمانية، مسؤوليات خارج الوطن) تحت قيادة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى إلى غاية وفاته سنة 2003، وقد دامت أكثر من 12 سنة، وقد كانت مرحلة ممتعة ومفيدة جدا عملنا فيها على حماية البلاد والحركة بنشاط منقطع النظير في الداخل والخارج ضمن ظروف سياسية وأمنية خطيرة جدا. وكان فضل الشيخ محفوظ فيها علي كبيرا بما أخذت منه من أخلاق وفكر ومهارات وعلاقات رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته. 

– نائب رئيس الحركة في عهد الشيخ بوجرة ذكره الله بخير  لعشر سنوات (2003-2013)، وهي مرحلة صعبة ومعقدة جدا بسبب الخلافات التي وقعت بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح ولكن أهم ما وفقني الله إليه في عهدتها الأولى المساهمة الأساسية والحاسمة في المحافظة على الحركة ومنعها من الانهيار بتمسكي بشرعية المؤسسات ثم المساهمة الكبيرة في التطوير من خلال مسؤوليتي في مهمة التخطيط والتدريب التي رسخت المعالم التخطيطية وترقية الموارد البشرية التي كانت نواة التطور الكبير الذي عرفته الحركة لاحقا. كما كانت العهدة الثانية في هذه المرحلة صعبة جدا كذلك بسبب الخلافات في الرؤى السياسية  إلى أن جاءت الأحداث الكبرى في الجزائر وفي العالم العربي سنة 2011 فدعمت استشرافاتي وآرائي السياسية فحملتني تلك التحولات إلى رئاسة الحركة، ضمن أقدار الله التي لم يكن لي فيها أي إرادة ولا مسؤولية، وكان ذلك بأغلبية أكثر من ثلثي الأصوات سنة 2013 زادت نسبتها في مؤتمر عهدتي الثانية سنة 2018. 

– رئيس الحركة لعهدتين لمدة عشر سنوات ( 2013- 2023) يعتبرها الكثير مرحلة تأسيس ثانٍ للحركة ضمن ظروف جديدة تطلبت منا التطوير والتجديد لكي نحافظ على المكتسبات وننطلق من جديد،  وقد عرضنا تقريرا شاملا على ما تم إنجازه في هذه المرحلة على المستوى السياسي والمؤسسي والتنظيمي ضمن مؤشرات قابلة للقياس، وقد صادق المؤتمرون على التقرير بالإجماع وقد ننشره أو ننشر فقرات منه لاحقا.

لقد كانت هذه المراحل الخمسة عامرة بالأحداث، ولو وفقت لكتابة تفاصيل أطوارها ستستفيد الأجيال منها كثيرا وتكون كتابتها مرجعا أساسيا في دراسة وفهم الحركة الإسلامية من داخلها وتفاصيل التطورات الفكرية والاجتماعية والسياسية في الجزائر، ولا أظن أنني سأجد الوقت لكتابة ذلك الآن لأنني لا أنوي التقاعد فأنا أتأهب للدخول في المرحلة الخامسة بحول الله تعالى.

ها أنا أغادر كل تلك المراحل السابقة، من عضو في أسرة تربوية إلى رئيس أسرة، من عضو مكتب ناحية إلى رئيس مكتب ناحية، إلى عضو مكتب منطقة ثم رئيس مكتب منطقة، إلى عضو مكتب جهة ثم رئيس مكتب جهة (حسب أسماء مرحلة السرية)، إلى رئيس مجلس شورى وطني، ثم عضو مؤسس للحركة رسميا وعند الخروج إلى العلانية التنظيمية، إلى أمين وطني في المكتب الوطني إلى نائب رئيس الحركة إلى رئيس الحركة.

ها أنا أغادر  مرتاح البال والضمير،  عزيزا كريما بحمد الله، تجمعني بقادة ومناضلي الحركة علاقات الحب والود والتقدير والاحترام، وسيبقى يجمعنا واجب التعاون على البر والتقوى، في الفضاءات الوطنية والدولية الفسيحة، وفي إطار  حركة مباركة باتت تسير على مناهج تجديدية في مختلف المجالات في موقع سياسي ريادي وبهياكل ومؤسسات قوية ومستقرة ومنسجمة وفاعلة في مختلف مجالات الخير والبر لصالح بلدنا وديننا، ومنظومة قيادية ذات كفاءة ونزاهة وأخلاق وعلاقات ممتدة في كل الاتجاهات، وسمعة طيبة ومكانة مرموقة عند الجميع في الداخل والخارج بحمد الله تعالى.

ها أنا أغادر الهياكل القيادية للانخرط في النضال بلا مسؤوليات ضمن تجربة جديدة لا أعرفها، وفي قلبي مقاصد نبيلة وفي عقلي أحلام كبيرة وبعزيمة أقوى من الجبال وهمة تعانق السحاب لأواصل المساهمة في خدمة بلدي وأمتي وفلسطين والبشرية جمعاء دون ذلك الشعور المتعب المضني الشاق التي يكون على عاتق المسؤول الحزبي في بيئة صعبة وظالمة ومعقدة تتطلب في كل لحظة كمية كبيرة من التقديرات والتوازنات والجهد والوقت يكاد ينسى صاحبها  كل شيء يتعلق بحياته الشخصية، وحتى قناعاته الشخصية في بعض الأحيان حفاظا على من هم معه وما  يكون مسؤولا عليه.

ها أنا أغادر المسؤوليات الحزبية وعمري 63 سنة، لم أحقق الوصول إلى السلطة لأنه لا توجد ديمقراطية في بلادنا إلى الآن، ولأن الوصول للسلطة في بلادنا والبلاد المتخلفة لا علاقة له بالنضال السياسي ولو قضيت فيه كل عمرك ولا علاقة له بالكفاءة ولا بالتضحيات، ولكني حققت بفضل الله تعالى كل أهدافي التي رسمتها في مختلف المجالات الفكرية والدعوية والسياسية والتنظيمية وبنيت بفضل الله أجيالا من الموارد البشرية والمؤسسات في مختلف المجالات الخادمة للدين وللوطن وللأمة في الداخل والخارج، وأثناء ذلك كله لم أضيع أسرتي فحققت في حياتي العائلية بحمد الله وفضله ومنّه سبحانه ما يتمناه كل رب أسرة بصلاح الأولاد ونجاحهم في دراستهم والكفاف والعفاف في حياتهم، وبسيرهم جميعا على نهج والدهم في خدمة دينهم ووطنهم في الحركة وفي مختلف مجالات العمل والنضال.

ها أنا أغادر المسؤوليات الحزبية لاخوض تجارب جديدة، وأنا في سن الثلاثة والستين،  بشعور كبير بالرضا، والشعور بالحرية  والهوامش الواسعة لاستكمال المسيرة وأهداف أخرى كبيرة، ويبدو أن الحياة ستكون جميلة ونافعة وممتعة إن شاء الله تعالى. اللهم آمين.

عبد الرزاق مقري

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَادٌ يحِبُّ الجُودَ ويحِبُّ معَالِيَ الأَخْلاقِ ويَكْرَهُ سَفْسافَها» (رواه الترمذي).

لا أفضل في بدء الحديث عن خلق الكرم والجود من هذا الحديث النبوي الشريف، لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخلق في سياق حديثه عن معالي الأخلاق، وأكد عليه باستعماله أسلوب عطف العام على الخاص لإظهار علو مكانته من بين سائر الشمائل العليّة، وكأنه الأفضل منها جميعها، وزاد في إبراز مكانته باستعمال المقابلة ضمن أساليب البديع في اللغة العربية لترسيخ المعنى وإظهاره في أدق وأوضح صوره، فقال “يحب معالي الأخلاق” (التي أخصّها الجود) وقابلها ب “يكره سفسافها”.

إن الكرم من الصفات العريقة عند الناس جميعا، تفاضل على أساسها الأفراد والأمم، ورفعوا قدر المتصف بها وجعلوها “أصل المحاسن كلها”، وعدّوها من دلائل نبل الأصول والأعراق، ومدحوا بها الأعيان والأكابر، وجعلوها عنوان السيادة، ومن شمائل القيادة، وغاية المجد وسبيل الريادة، لما تشمله من خلال كثيرة في معانيها، كالجود والسخاء والإيثار والإفضال والسماحة والإباء والنبل والنجدة وعلو الهمة والسماحة والشهامة والمروءة والعزة والإحسان، و ألصقوا بنقيضها، في قواميسهم، كل صفات الشح والبخل والجشع والأنانية واللؤم والذل والمهانة.

ولعل اللؤم هو الصفة الذميمة الأشمل نقيض الكرم، وفي هذا يقول أبو الطيب المتنبي، في بيت صار مثلا من أمثال العرب تتناقله الأجيال:

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ … وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا.

أي أن الكريم يأسره عطاء الكريم، في أي مجال من مجالات العطاء، فيظل يقر بفضل المحسن له أبدا، واللئيم ينكر الفضل سريعا ويضجر بالكريم إذ يذكّره وجودُه فضلَه فيتمرد.

واللَّئيم عند العرب، وفق ما جاء في كتاب ” الزاهر في معاني كلمات الناس” لصاحبه محمد بن القاسم الأنباري: الشَّحيح المهِين النَّفس، فإن كان الرَّجل شحيحًا، ولم تجتمع فيه هذه الخصال قيل له: بخيل، ولم يُقَل له: لئيم، يقال لكلِّ لئيم: بخيل، ولا يقال لكلِّ بخيل: لئيم، والعامَّة تخطئ فيهما فتسوِّي بينهما”.

ويتجاوز كثير من الناس عن سائر العيوب في المرء إذا اتصف بالكرم، إذ يغمرهم كرم الكريم بفضله وجوده فلا تبين مساوئه، وقد قال في هذا الإمام الشافعي شعرا ظل يتردد بين الناس منه:

وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا … وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ

تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ …. يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ

والكرم لغة “مصدر كريم، يقال: رجل كرم، قوم كرم، امرأة كرم، وهو كذلك ضد اللؤم” في “إصلاح المنطق” لابن السكيت، وفي معجم المعاني الجامع هو : “العطاء بطيب نفس”، ويعرف في مَعلمة مفردات المحتوى الإسلامي “الجمهرة” بأنه: “صِفَةٌ تَحْمِلُ صاحِبَها على بَذْلِ الخَيْرِ قَلِيلاً كان أو كَثِيراً بِطِيبِ نَفْسٍ دون مُقابِلٍ”. وللكرم مفردات كثيرة تتشابه ذكر القاضي عياض بعضها في سياق تعريفه لصفة الكرم، في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى فقال:(وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، معانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق، فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه أيضا جرأة، وهو ضد النذالة).

فلفظ الكرم – كما يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي، “لفظ جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء، بل الإعطاء من تمام معناه”.

فمنه العطاء من المال، وكل ما يملكه المرء من المقتنيات المادية التي ينتفع بها غيره من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمركب وما يتداوى به وما يستعان به في قضاء الحاجات ورفع المشقات، ومنه العطاء من العلم والمعرفة مما يتعلمه المرء ولو كان حرفا، بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، بلا تحفظ ما أمكن ولا كتمان ولا خوف من أن يسبق المتعلم المعلم، وكل ما يساهم في محاربة الجهل ونشر المعارف وتعليم الناس جميعا والمساعدة على الاكتشاف والابتكار.

ومن الكرم بذل المرء من طاقة جسمه وقوته فيساعد بما أمكنه الضعيف، ويمشي في مصالح الناس، ويحمل على المثقل، ويأخذ بيد التائه والعاجز، ويهب لنجدة المظلوم والدفاع عن المقهور، وقد يصل هذا الجود بالنفس إلى التضحية بالحياة في الميادين التي يتعيّن فيها الجهاد في سبيل الله.

ومنه بذل النصيحة إذ لا يبخل الكريم عن تنبيه غيره لما ينفعه في دينه، وما يصلحه في شأن دنياه وإن لم يُطلب منه ذلك. وذلك هو الدين إذ “الدين النصيحة” وكلما كانت النصيحة في أساليبها الشرعية من الإشفاق والكلمة الطيبة وفي السر ما أمكن، كان الكرم فيها متجليا.

وأساس كل تلك المكارم كرم النفس إذ الكريم لطيف بغيره يهب للناس الحب والمودّة والحنان والرأفة ويوزع على الجميع ابتسامته، إذ ((كلُّ معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق)) كما ورد في الحديث الصحيح، كما يحزن الكريم لكربات الناس من تلقاء نفسه، وتدمع عينه بسهولة حين يرى مآسي العباد، ويود لو يستطيع إعانة كل الخلق بلا مقابل ولا جزاء ولا شكور، كما يظل محافظا على مكارم أهله وأجداده، فلا يسمح لنفسه أن تتدنى حفاظا على أصله، وتأنف نفسه من أن تتصف بصفات اللؤم فيأسره المعروف ويظل مدينا لمن أحسن إليه أبد الآبدين، فلا يزداد بذلك إلا نبلا ورزقا ورفعة بين الخلائق.

إن حب الكرم مغروس في الفطرة البشرية، والكريم مبجل في كل الشرائع والفلسفات والنظم، ومحبوب عند كل الأجناس والأمم، ففي المسيحية يعدّ الكرم من الفضائل السبع، ويقرر التلمود أن صنائع الكرم تتساوى في القدر مع جميع الوصايا، وفي البوذية هو أحد الإكتمالات العشرة، وتحض الكونفوشيوسية أتباعها إلى الاتصاف بخلق الكرم، وفي الفلسفة اليونانية تغنى أرسطو بخلق الكرم في كتابه “علم البيان” وفعل مثله كثير من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين.

ومن أكبر صفات العرب التي أهلتهم لحمل الرسالة المحمدية صفة الكرم، فلم تشتهر أمة بصفة كما اشتهر العرب بهذه الصفة الجليلة، فقد كانوا يتنفاسونها إلى حد المهلكة، ويتغنون بها في أشعارهم، وكان الكريم بالنسبة إليهم أفضل من ذي المنصب، ولا يعدّون السيد سيدا ما لم يكن كريما، وظهر فيهم كِرامٌ اشتهرت أسماؤهم في الآفاق وسُجلت في التاريخ كحاتم الطائي القائل في شعره:

يرى البخيل سبيل المال واحدة … إنَّ الجَوَاد يرى في ماله سبلا

لا تعذليني في مال وصلت به … رحمًا، وخير سبيل المال ما وصلا

وعبد الله بن جدعان القائل:

.إنِّي وإن لم ينل مالي مدى خُلُقِي … وهاب ما ملكت كفِّي مِن المال

لا أحبس المال إلَّا ريث أتلفه … ولا تغيِّرني حال عن الحال

غير أنه لا دين استطاع أن يبني منظومة كاملة خالدة عمليّة للكرم كالإسلام، فالكرم في ديننا مرتبط بعقيدتنا، وركن في عبادتنا، وأساس في أخلاقنا، وحقيقة قائمة في مجتمعاتنا، وتشريعات في حكمنا، وسمة لازمة في حضارتنا.

فالكرم والجود من صفات الله تعالى ونعوت الكمال القائمة بذاته سبحانه، ومنها اشتُّق اسمان من أسمائه الحسنى “الجواد” الذي ورد في السنة النبوية منها الحديث الشريف أعلاه، و”الكريم” الذي ورد كذلك في السنة، وفي القرآن الكريم في بعض الآيات منها قوله تعالى في سورة الانفطار: ((يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ -6)) وخص نفسه في آية أخرى باسم التفضيل “الأكرم” الدال على أنه سبحانه الكريم الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله نظير في قوله تعالى في سورة العلق: ((اقرأ وربك الأكرم . 3)). فهو سبحانه “الأكرم لأن له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بالتقصير” وفق ما قاله الرازي في تفسيره ” مفاتيح الغيب”.

ومبعث الكرم عند المسلم فطرته كغيره من الناس غير أن الإسلام عمّقه في نفسه بأن جعل ما يصدر عنه من أوجه الجود والكرم يكون لوجه الله تعالى، وأن يبتغي بنفقته وبذله نفع من يبذل له الخير بحفظ كرامته، فلا رياء ولا عجب ولا تفاخر ولا منة، موقنا بأن أي خير أنفق منه فهو من الله تعالى وأن الله سيخلفه، وأن يقتصد المانحُ في عطائه فلا تقتير ولا تبذير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا قولا جامعا جعل للكرم أصلا إيمانيا هو التقوى، وأصلا بالنّسَب لمن سمت أصوله، وأصلا بمكارم الأخلاق المتأصلة في البيئة العربية حين تفقه، فقال في الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة عنه: ((قيلَ يا رسولَ اللَّهِ من أَكرَمُ النَّاسِ قال أتقاهُم للَّهِ ، قالوا : ليسَ عن ذلِكَ نسألُك قال يوسُفُ نبيُّ اللَّهِ ابنُ نبيِّ اللَّهِ ابنِ خليلِ اللَّهِ قالوا ليسَ عَن هذا نسألُك قال فعَن معادِنِ العربِ تسألونِِّي ؟ فإنَّ خيارَهم في الجاهليَّةِ خيارُهم في الإسلامِ إذا فقُهوا)).

ولم يترك الإسلام الإنفاق لتطوع الإنسان الكريم كمِنحة يتفضّل بها على المحتاج كما هي سائر الديانات والملل، بل جعلها الله ركنا من أركان الإسلام الخمسة، إذ لا يكون المسلم الميسور مسلما إن لم يعترف بحق الفقير في ماله كما هي مقاصد ركن الزكاة فيبذلها وجوبا لا تطوعا، لوجه الله تعالى وبنفس طيبة كريمة. كما فرض سبحانه زكاة الفطر في آخر شهر رمضان ضمن أكبر عملية إنفاق يدور فيها المال وتوزع فيها الثروة على الفقراء على مستوى العالم بأسره كل سنة بتلقائية عجيبة لم يعرف التاريخ مثلها.

كما أنتج الإسلام محتوى أخلاقيا غزيرا ورسم قيما محكمة ومناهج قويمة في توجيه الناس إلى مكارم الأخلاق ومنها خلق الكرم والجود والسخاء من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية، ومن أقوال ومناقب الصحابة والتابعين وما أنتجه العلماء من مصنفات وموسوعات في علم الأخلاق. فالله تعالى الذي وصف نفسه بالكريم الأكرم جعل القرآن الكريم عامرا في كل أجزائه بالترغيب في بذل الخير بكل أنواعه، وجعل البذل طريق الهداية وسبب النجاة في الآخرة والبركة في الدنيا ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ((لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)).

ورسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان أحسنَ الناسِ ، و أجودَ الناسِ ، و أشجعَ الناسِ)) كما قال أنس بن مالك في الحديث الذي أخرجه البخاري، وكان عليه الصلاة والسلام: ((أجودَ الناسِ بالخيرِ ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ))، ومن أعظم ما حبب رسولَ الله إلى الناس كرمُه كما جاء في حديث أنس بن مالك الذي رواه مسلم قال أنه: ((ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلِموا فإن محمداً يعطي عمن لا يخشى الفقر وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها))، ودعا إلى الكرم بمختلف صوره في أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله – عز وجل -»، وبيّن أن الظلم مرتبط بالشح والاستئثار بالخير وأن ذلك سبب الحروب والفتن في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ علَى أنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُمْ).

وعلى هذا النهج كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قولا وعملا، فهذا أبو بكر الصديق عليه الرضوان يقول، وفق ما ورد في ” ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري: ” الجود حارس الأعراض” وقوله: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” وكان قدوة في ذلك بنبله ورقته، وحزمه عند وفاة نبيه المصطفى، وبصرامته ونجدته في قتال المرتدين، وجاء رضي الله عنه بكل ماله يتصدق به بين يدي رسول الله حين دعا صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصدقة. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا أكرم منه بعد صاحبيه ببذل عطفه وشفقته للمسلمين، ووفائه لنبي الله وتوقيره لأبي بكر الصديق، ونجدته لنصرة الحق والمسلمين، وجاء رضي الله عنه بنصف ماله يتصدق به حين ظن أنه سيسبق أبا بكر فلم يسبقه، وقصص الكرم عند الصحابة والتابعين عند غير هاذين الكريمين في التاريخ كثيرة لا يستوعبها هذا المقال.

وقد أدت هذه المرتكزات العقائدية والأبعاد الإيمانية والأركان التعبدية والتوجيهات الأخلاقية إلى قيام مجتمعات إسلامية ارتفعت فيها المكارم المتوارثة في المجموعات العرقية والبيئات الاجتماعية فصار الكرم تصرفات تلقائية ومؤسسات تتوالد في مختلف المجالات ومناحي الاحتياجات ضمن مؤسسات الزكاة والأوقاف والروابط والمنظمات، وحين قامت الحضارة الإسلامية طغت أبعادها الإنسانية القائمة على تكريم الإنسان وفق قوله تعالى في سورة الإسراء: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا- 70))، بمحاربة الفقر والقضاء عليه في فترات محددة في تاريخ الإسلام، وبالسماحة مع الديانات والملل الأخرى وعدم الإكراه في الدين، وتوفير العلم والتعليم لكل الأجناس من أهل القبلة وغيرهم حتى سهل على الأوربيين الاعتماد على المسلمين في ثورتهم العلمية الأولى، وبالنجدة ونصرة المظلومين وإن لم يكونوا على دينهم، خلافا لما تتصف به الحضارة الغربية اليوم القائمة على الجشع الرأسمالي والاحتكار العلمي وترك أغلب سكان العالم يحطمهم الفقر وتفتك بهم الأمراض وتدمرهم الحروب.

إن صلاح أنفسنا ومجتمعاتنا ونهوض حضارتنا من جديد إنما يتحقق – ذلك كله – بكثرة أصحاب النفوس الكريمة بيننا، وإن بداية ذلك أن يشيع المعروف فينا فيُعرف الكريم بين الناس وتتمايز العوائل والعشائر والقبائل بلزوم الكرم فيها، وأن يبقى المنكر منكرا فلا يستطيع لئيم أن يرفع عقيرته في الساحات ولا يجد لنفسه بين الخلق مكانة، ويصبح الخاطب يبحث في مضارب الكرم بين العائلات ليختار الكريمة بنت الأكارم، ولا تقبل حرة زواجا بغير شهم نبيل كريم، فيُحافَظَ على الفطرة السليمة في البشر وتنمو سلالات الخير والبر، فيكثر الكرم ويشيع، ويقل اللؤم والشح ويضيق.

والطريق إلى ذلك التذكير بالله ورفع لواء التقوى وخوف المولى العزيز الجبار، والتربية السليمة في الأسرة على مكارم الأخلاق، وإعداد وتدريس المناهج الدراسية التي تلقن معاني الكرم والجود والنجدة والإيثار والشهامة، وحذق الأئمة في تحبيب الكرم وأصنافه وأبعاده للمصلين، وأن ينهض المجتمع المدني بتأسيس شبكات عديدة للتطبيقات العملية لخلق الكرم وتوابعه، في المجالات الخيرية والتربوية والتعليمية والصحية والفنية وغير ذلك، وأن تكون الأحزاب وعاء الأكارم لا يثبت فيها فقير النفس واللئيم، وأن تكون الدولة هي حارسة الأخلاق، بالاعتماد على النفوس الكريمة ذات الكفاءة، في التأهيل والتوظيف والترقية، وبالتشريعات الأخلاقية في كل الميادين، وبالقدوة والأسرة الحسنة في القادة والمسؤولين.

 

د. عبد الرزاق مقري

قال الله تعالى في سورة الجمعة: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)))، ويؤكد قولَ الله تعالى حديثُ المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي نحن بصدده (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، فما العبادات الشخصية، من صلاة وصيام وذكر وحج وعمرة إلا لتربية المؤمنين وتذكيرهم حتى يثبتوا على الفطرة التي فطر الله تعالى عليها عباده، أو يعود بهم إليها إذا انحرفوا عنها فيوحدوه سبحانه ويوقروه ويطيعوه، ويكون كل منهم على السلوك السوي الذي يؤهلهم للانسجام مع قوانين الكون المسخر لهم وسنن الاجتماع النافعة لمعاشهم، فيسعدوا في الدارين. وقد يدرك كافر قسطا من مكارم الأخلاق، المغروسة في خلقته، فيعلو شأنه بها في الدنيا، وقد يُحرَمها مؤمن فيفسد بفقدها دينُه، وإن نجا برحمة الله يوم القيامة فلا قومة له أبدا في الحياة الدنيا.

ومن مكارم الأخلاق التي تدل على صحة التدين وقوام صاحبها في شؤون دنياه خلق الأمانة. ولو لا قوة النصوص الدالة على أولوية الصدق في مكارم الأخلاق لكان بدء حديثنا في المقال السابق عن الأمانة أولا. غير أن الأمانة من أجَلّ مظاهر الصدق وفق ما روي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه في السنن الكبرى عن البيهقي: (( أصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة)). بل إن عمر ابن الخطاب لم يكن يعتدّ بإقبال أحدهم على العبادة ما لم ير فيه خلق الأمانة فقال رضي الله عنه في ما ورد عن المحدّث ابن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق: (( لا تغرّني صلاة امرئ ولا صومه، من شاء صام، ومن شاء صلى، لا دين لمن لا أمانة له))، وذكر ابن المفلح في كتابه الآداب الشرعية عن نافع مولى ابن عمر قال: ((طاف ابن عمر سبعًا وصلَّى ركعتين، فقال له رجل مِن قريش: ما أسرع ما طفت وصلَّيت يا أبا عبد الرَّحمن. فقال ابن عمر: أنتم أكثر منَّا طوافًا وصيامًا، ونحن خير منكم بصدق الحديث، وأداء الأمَانَة وإنجاز الوعد)). 

إن هذا الفهم الصحيح للتدين أخذه أصحاب رسول الله أبو بكر وعمر وابنه عبد الله من التوجيه النبوي المتكرر وفق ما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: ((ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له)).

إن صفة الأمانة صفة عظيمة وازنة تجاوز ثقلُها ما تقدر السماوات والأرض على حمله، وحملها الإنسان لما يتمتع به من حرية الاختيار التي اختص بها دون سائر المخلوقات. غير أن ذلك الاختيار الحر غرّه فتحمل مسؤولية لم يُحِط بأبعادها الخطيرة فظلم نفسه وظلم غيره إلا من وفقه الله فصان الأمانة، وهؤلاء قلة من ولد آدم اختارهم الله لكي لا يختل نظام الكون قبل قيام الساعة. قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا – 72- 73)). 

ومما يبين أن خلق الأمانة جُبِل عليه ابن آدم وأن القرآن والسنة إنما جاءا لإحيائه في النفوس، وأن هذا الخلق صفة موقرة عند البشر جميعهم حتى وإن لم يتصفوا بها، وأن المرء تُرفع مكانته بين الناس وينسب نجاحه وظفره إلى أمانته وإن لم يكن في قلبه شيء من الإيمان، وأن ضياع الأمانة هو ضياع الدين وانخرام أسس المجتمع ما ورد في الحديث العظيم الذي رواه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان أنه قال: ((حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدَّثنا أنَّ الأمَانَة نزلت في جذر قلوب الرِّجال، ثمَّ علموا مِن القرآن ثمَّ علموا مِن السُّنَّة. وحدَّثنا عن رفعها. قال: ينام الرَّجل النَّومة فتقبض الأمَانَة مِن قلبه فيظلُّ أثرها مثل أثر الوَكْت. ثمَّ ينام النَّومة فتُقْبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، ويصبح النَّاس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدِّي الأمَانَة، فيقال: إنَّ في بني فلان رجلًا أمينًا. ويقال للرَّجل: ما أعقله، وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبَّة خردل مِن إيمان)) [ الوكت: الأثر اليسير كالنقطة، المجل: القرح في اليد من أثر العمل بالفأس].

إن المعنى اللغوي لكلمة “أمانة” مأخوذ من كلمة “الأمن” وهي مصدر أمِن بالكسر، وكأنها توحي بأن لا أمن ولا أمان في حياة الناس بلا أمانة. ثم استُعمل المصدر على سبيل المجاز في الأعيان، فقيل الوديعة أمانة ونحو ذلك، وكل ما يؤمّن عليه الإنسان أمانة، وفي الإصطلاح تعني كلمة الأمانة كل ما لزم المرءُ أداءه وحفظه.

ومن مرادفات الأمانة والأخلاق المتصلة بها كالإخلاص والوفاء والعدل وغير ذلك مما يتصف به المؤمنون أصحاب المروءات، وعكس الأمانة الخيانة، ويتصل بالخيانة أخلاق ذميمة أخرى كالغدر والخديعة والغش والكذب، وهي صفات تجتمع كلها في المنافق والعياذ بالله، ولذلك ورد في الحديث الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)).

وأصناف ومجالات خلق الأمانة كثيرة، أساسها التعامل مع الله الخالق الرازق بما هو أهل له من الإيمان به وذكره وشكر نعمته وحفظ حرماته والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، ومن الأمانة تعظيم مقام الرسول المصطفى الذي جعله الله سببا لما نحن عليه من الإيمان والإسلام وذلك بالصلاة عليه واتباع سنته ونصرة أمته، فقد قال الله تعالى في سورة الأنفال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ – 27-28)).

ثم ثمة الأمانة تجاه الذات بحفظ البدن وسائر الجوارح، وتجاه ما أنعم الله على المرء من سائر النعم والأرزاق والفرص والمواهب بما يحفظها من الاستعمال المخالف للشرع أو ما يلحق بها الضرر للنفس وللغير.

ومن الأمانة إعطاء حق الولايات وأداء كل مسؤول حق ولايته وعهدته ورعيته، في أي مجال من مجالات المسؤولية وأي مستوى من مستوياتها، من مثل رعاية الأسرة ومسؤولية الأهل والأولاد، وترأس وإدارة شؤون أي مجموعة من الناس أو أي صنف من المخلوقات الحيوانية أو الطبيعية، والمسؤولية على اللجان والهيئات والجمعيات والجماعات والأحزاب، والمديريات، ومختلف المؤسسات التطوعية أو الرسمية.

ومن أعظم أنواع الأمانة القضاء والوزارات ورئاسة الدول إذ بالأمانة في سياسة شؤون الخلق تُحفظ الدنيا ويعم الخير ويأمن الناس وبالخيانة يحل الظلم والفوضى والخراب. ولخطورة هذا الأمر خص الله تعالى شؤون الحكم من عموم أمره بأداء الأمانة في قوله تعالى في سورة النساء: ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا – 58). 

وعدّ العلماء الأمانة من الشروط اللازمة للرئاسة كما ذكر الذهبي في “سير أعلام النبلاء عن الشافعي قال: (آلات الرِّياسة خمس: صِدق اللَّهجة، وكتمان السِّرِّ، والوفاء بالعهد، وابتداء النَّصيحة، وأداء الأمَانَة)، كما أنهم جعلوا خيانة الحاكم من أكبر الكبائر وقد ذكر الحافظ بن حجر هذا في قوله: ((الغدر حرمته غليظة لا سيما من صاحب الولاية العامة ، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير ، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء)) والنصوص في هذا كثيرة معلومة.

ومن الأمانة الوفاء بالعهود، والالتزام بالمواثيق، واحترام قواعد الاحتكام المتفق عليها، التي هي أساس من أسس قيام العمران البشري والاجتماع الإنساني إذ يستحيل التعامل بين الناس وتعسر الحياة ويشقى العباد إذا عمت الخيانة ولم يأمن الخلق في تنفيذ ما يبرمونه من عقود وما يتفقون عليه بينهم. ولذلك شدد الله تعالى في كثير من الآيات على الوفاء بالعهود وغلظ عقوبة الغدر ومنها قوله تعالى في سورة الإسراء: ((وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً- 34)) وقوله في سورة الرعد: ((والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقة ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)).

ثم ثمة مجالات أخرى كثيرة تتعلق بخلق الأمانة تتفرغ عما سبق ذكره، منها ما يتصل بمجال الأموال كالعفة عما ليس للإنسان فيه حق، وإرجاع الودائع لأصحابها وتأدية ما فيه حق للغير في التعاملات المالية المختلفة، وحفظ الفضل فلا غدر ولا نكران، وكتم الأسرار وصيانة الأعراض قولا وعملا، والأمانة في العلوم والمعارف بتأديتها دون تحريف ونسبة الأقوال والمنجزات الفكرية والعلمية إلى أهلها، ومنها نقل الأخبار على حقيقتها، وعدم كتمان الشهادة وأدائها على وجهها دون زيادة ولا تحريف ولا نقصان.

إن هذا الخلق العظيم المتشعبة مجالاته يكون خلقا خاصا بالأفراد تنشأ عليه الناشئة في الأسرة ويتعلمه الشباب في المدارس والمساجد والإعلام، ويأخذه عموم الناس من القدوات الصالحة في المجتمع وحيث المخالطة بين الخلق، ويتحول إلى خلق عام في المجتمع، وضمير جمعي ثابت ومستقر بقيام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإمضاء سنة التدافع، ويُحفظ ويدوم بالقوانين والتشريعات المناسبة، والأهم من ذلك كله صلاح المسؤولين في كل المستويات، وأمانة الرؤساء والملوك والأمراء إذ على صورة الرؤساء تُرسم أخلاق المرؤوسين، ولنا أن نتأمل في هذا النص الذي ذكره ابن المفلح في مصنف الآداب الشرعية: ((لما أُتِي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده ويقول: والله إنَّ الذي أدَّى إلينا هذا لأمين. فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدُّون إليك ما أدَّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت)). 

والله وحده الهادي إلى سواء السبيل وإلى المكارم العلية من الأخلاق.

 

د. عبد الرزاق مقري

الصدق سيد الخُلل الحميدة كلها، وعنده تجتمع مكارم الأخلاق جميعها، الدين بدونه غائب، ولا قوام للدنيا بفقده. حفظه الله بقدر دائم بين المؤمنين تديّنا ليبقى الدين ظاهرا إلى يوم الدين، وحفظه بقدر بين الناس في معاشهم، مؤمنهم وكافرهم، حتى تستمر الحياة. من تديّن بلا صدق كان دينه كالخرقة البالية المنفّرة كيفما زيّنها، والله الهادي إلى سواء السبيل. وقد يعلو في القول والمعاملة شأن صادق غير متدين بين الناس في الدنيا، والله وحده عليم بحاله ومصيره.

كل الأديان والملل والثقافات والحضارات تمجد خلق الصدق، فهو أعظم مكارم الأخلاق التي جاء النبي عليه الصلاة والسلام ليكملها. وتعريفه تعريف واحد عند الأجناس كلهم: “هو التعبير المطابق للحقيقة قولا وعملا”. 

وصف الله تعالى بالصدق نفسه فقال: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾. ﴿ .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ النساء 112. ﴿( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)) النساء 87، وأمر به عباده فقال: ﴿( (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) التوبة 119. 

من صدق من العباد أدخله الله جنته ورضي عنه وأرضاه . قال تعالى: (( قَالَ اللهُ هَذَا يَوْم يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾) المائدة 119.

وبداية الصدق النية الصحيحة في كل قول وعمل قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))، ثم هو الصدق في الحديث، ثم يكون الصدق في العمل بأن لا يخالف الظاهرُ المنمّق الباطنَ السيء ، بل يكون الباطنُ أفضل من الظاهر، وأن لا يعمل المرء خلاف ما يدّعيه أو يأمر به. 

من هداه الله إلى الصدق هداه إلى كل أنواع الخير، ومن حُرِمه أَغرَق نفسه في كل أنواع الشرور والآثام. أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِاللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)).

وعكس الصدق كل خصلة ذميمة يعبر فيها الإنسان عما يخالف الحقيقة، في قوله وتصرفاته، وأسوء تلك الخصال الكذب، وهو الخلق الذميم الذي ينافي الإيمان وفق قوله تعالى: (( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون)) النحل 105، ووفق ما ورد في الحديث المرسل الذي رواه الإمام مالك في الموطأ: ((أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ قال نعم! قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم! قيل له: أيكون المؤمن كذابا! قال لا .. )). 

وهذا القرار النبوي المرعب من الحبيب المصطفى بشأن الكذب منطقي في الفهم والإدراك، إذ تُتحمّل الحياة بصحبة جبان وبخيل ولكنها لا تتحمل صحبة كذّاب. فبالكذب لا مجال لصاينة العهود والمواثيق الضرورية للتعامل بين الأفراد والجماعات، ولا اطمئنان لنقل الأخبار وتسجيل التاريخ، ولا يصلح نقلٌ للعلم، ولا تصلح تجارة ولا إدارة ولا سياسة ولا نهضة ولا عمران ولا حضارة ولا أي شيء مما يجتمع عليه الناس ويعلو فيه شأنهم. وللكذب أشقاء أسوء منه شنّعت النصوص بأصحابها أشد التشنيع كالقذف والبهتان والرياء ونقض العهود والخيانة، وهو السبيل لأسوء أصناف الناس، كذي الوجهين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتي هَؤُلَاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلَاءِ بوَجْهٍ))، والمنافقين الذين جعلهم الله تعالى في أسفل دركات جهنم في قوله عز وجل : (( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا))النساء 145. 

من تحلى بالصدق ألبسه الله كل الحُلل الأخرى من مكارم الأخلاق كالإخلاص والأمانة والشهامة والشجاعة والمروءة والوفاء، مما سنتحدث عن بعضه لاحقا. 

ومن آثار الصدق الثبات والاطمئنان، والثقة في النفس، والعزيمة وقوة الشخصية، ووضوح البيان، والفاعلية، والهيبة والسمعة الطيبة وتقدير الآخرين، ومن علامات الكذب في القول والعمل الاضطراب والارتباك واللجلجة والتردد والشك في الذات والتناقض وضعف العزيمة والخيبة والسمعة السيئة وعدم ارتياح الآخرين لصاحبه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث الصحيح: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة)). ويُكسبُ الصدق بنعمة خالصة من الله تعالى يهبها الله لمن آمن من عباده وفق قوله تعالى: ((.. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ..)) يونس 2، و يُتحصل – لصعوبته وعظمة ودقة أمره – بالدعاء والتضرع إلى الله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ﴾) الإسراء 80، وكما جاء في الحديث الشريف: ((اللهُمّ إنّا نعوذُ بك من أن نُشرك بكَ شيئا نعلمُه، ونستغفرُك لمَا لا نعلُمه))، ويتم تشرّبه في البيئة الصالحة، من الذوات أكارم القوم، والوالدين الصادقين، والأصحاب أصحاب المروءات، وفي المسجد والمدرسة والقدوات والجماعات الصالحة، ويُكسبُ بالتدرب إذ يأنف الصادق أن يقع في ما يريب من شبهة المقال والمظهر، أو أن يكذب ولو كان مازحا، أو أن يُحدّث بكل ما سمع كما ورد في الأحاديث الصحيحة. 

والله نسأله الهداية والثبات وحسن الخاتمة.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية