المقالات

الصدقة والنظام التكافلي في الإسلام

إن شهر رمضان جامع لكل الطاعات، صيامه ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو في نفس الوقت فسحة تربوية عميقة وواسعة الأثر في تقوية الأركان الأخرى في نفس المسلم، فالاشتغال بالقرآن يعمق معاني شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إذ سماعه وتلاوته يذكران بالله وبصفاته وأسمائه وبمقتضيات التوحيد كلها، وفي رمضان يتمسك الصائمون بالصلاة أكثر من أي شهر آخر فتعمر المساجد ويقبل الناس على النوافل والتراويح وقيام الليل، ولا يوجد شهر يتراحم فيه المسلمون بإطعام الطعام والإنفاق على المحتاجين كشهر الصيام، وفيه تتوافد على بيت الله الحرام حشود المعتمرين من كل حدب وصوب في مظاهر عظيمة تذكر بأيام الحج الأكبر.

وكل هذه الأجواء العبادية البديعة تؤكد أن شهر رمضان هو فعلا شهر للتذكير والتصحيح والتدريب للمحافظة على الأركان وتحصينها بأحزمة عبادية تطوعية يتعوّد عليها المؤمن لما بعد الشهر الرمضاني الفضيل.
ومن أعظم هذه الطاعات التي تشيع وتنمو في هذه المناسبة الصدقة وإطعام الطعام، وقد جاءت النصوص الصحيحة قوية تؤسس لهذا الموسم التراحمي منها الحديث الصحيح الذي وصف فيه أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ((أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ))، ومنها الحديث الحسن الصحيح الذي رواه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره، غير أنه لا ينقصُ من أجر الصائمِ شيئًا))، كما فرض الإسلام زكاة الفطر على كل صائم قادر عند انقضاء الشهر ينفقها عن كل ما تجب عليه نفقته، وفق ما ورد في الصحيحين وما تواتر عن المسلمين فعله منذ العام الأول الذي فرض فيه الصيام إلى اليوم، وهي زكاةٌ لجبر ما نقص من صيام الصائم ولإطعام المحتاج كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». بل إن ثمة مسؤولية عامة على الصائمين لصالح الفقراء والمحتاجين في ديننا، إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يتضامنوا بينهم في العيد حتى يفرح فيه وبه جميع المسلمين، فقيرهم وغنيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم )).
واتباعا لهذا الهدى تفتح أبواب الخير على مصراعيها في أيام رمضان، وتتسع سبل الخيرات، فترى محلات إفطار الصائم في كل الأحياء في كل أنحاء الدنيا، ويخرج الشباب يقابلون المسافرين لإطعامهم على الطرقات في كل مكان، وتفتح البيوت لإكرام الصائمين في كل البلدان، ويتنافس المحسنون ويتفنون في الإنفاق على مختلف المأكولات والمشروبات في موائد الإفطار في المساجد والمطاعم ودور استقبال الصائمين المتنوعة، كل هذا ضمن حركة مالية عظيمة خيرية لا يقع مثلها ولا قريبا منها في أي أمة من الأمم. فإذا أقبل العيد، يأخذ الفقراء مما فضُل عليهم، والأغنياء مما تفضل الله به عليهم، فيوصلوه بأنفسهم وبطيب خاطر للمحتاجين قبل صلاة العيد في دوران للمال نحو الفئات الهشة على نطاق عالمي بديع أدهش الدارسين الاقتصاديين والاجتماعيين من غير المسلمين.
إن ما يحدث في رمضان إنما هو تكثيف لخصيصة إسلامية فريدة في النظام الاجتماعي الإسلامي وقواعد المنظومة التكافلية ببن المسلمين بنيت على أسس متينة منها:

‐ أن المؤمنين في الإسلام إخوة برباط العقيدة وفق قوله تعالى في سورة الحجرات: ((إنما المؤمنون إخوة – 10))، يتعاملون بينهم من منطلق الولاء لبعضهم البعض وفق قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)))، بل هم كالبناء الواحد المتماسك المتناغم وفق الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا))، وهم جسد واحد تتأثر جميع أعضائه بما يصيب أي عضو منه كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)).
‐ وأن المال الذي بين يدي الإنسان إنما هو مال الله جعله سبحانه مستخلفا بين يدي العباد وفق قوله تعالى في سورة الحديد: (( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))). وأن ما يأخذه الفقير من الغني إنما هو حقه مفروض له من صاحب المال الأصلي، قال الله تعالى في سورة المعراج : ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. 24.25))، وفي سورة الإسراء: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . 26))، إذا لم يعطها الغني طواعية تؤخذ منه جبرا من الحاكم وفق قوله سبحانه في سورة التوبة: ((خُذ مِن أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكّيهِم بِها وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَاللَّـهُ سَميعٌ عَليمٌ. 103))».
‐ أقام الإسلام نظاما اجتماعيا اقتصاديا متكاملا لرعاية الفقراء والمساكين، أساسه فرض الزكاة التي قرنها الله تعالى في القرآن الكريم بإقامة الصلاة في اثنتين وثمانين آية كقوله تعالى في سورة البقرة: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ. 43)) وهي ركن من أركان الدين كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله يلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان))، والزكاة ليست مجرد صدقة عادية، بل هي منظومة كاملة اقتصادية اجتماعية هدفها الأسمى هو محاربة الفقر ومختلف آفاته ومخاطره على الفرد والمجتمع، فالله تعالى حدد مصارف الزكاة لكي لا تستعمل في غيرها في قوله تعالى في سورة التوبة: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.60)) وتُركت شروط ومواصفات كل مصرف للفقهاء والمؤسسات المتخصصة لكل عصر لتحديد ذلك، وقد تحولت الزكاة في هذا العصر في كثير من البلدان إلى مؤسسات مالية لخدمة المصارف الثمانية على أساس العلم والدراسات الاقتصادية الاجتماعية. وعلاوة على الزكاة ثمة كثير من التشريعات والابتكارات التي أنشأها الإسلام في منظومته الاجتماعية كالمواريث والأوقاف والكفارات ومختلف أنواع الصدقات.
‐ ولإجبار الله تعالى الأغنياء على الزكاة ولكي لا يخرج حق حرية التملك الذي يقره الإسلام عن مقصده حرّم الله تعالى تكنيز المال الذي لا تخرج منه الزكاة بقوله تعالى في سورة التوبة: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. 34))، فباتت الزكاة ذاتها محفزة لاستثمار المال لكي ينمو، وكلما نما استفاد منه الفقراء، ويفيد هذا المعنى ما رواه الدارقطني والبيهقي بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه قال : (( اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)).
‐ كما حرّم الله أن تبقى الدائرة المالية بين الأغنياء فقط فلا يدخلها غيرهم ولا يستفيد منها المحتاجون كما قال الله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))، ويذكر سيد قطب في تفسير هذه الآية كلاما بديعا في النظرية الاقتصادية الإسلامية والنظام الاجتماعي في الإسلام منه قوله: ” فالملكية الفردية معترف بها في هذا النظرية، ولكنها محددة بهذه القاعدة، قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، ممنوعا من التداول بين الفقراء، فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم الاجتماعي كله، وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد.”، وأهم وسيلة اعتمدها الإسلام لمنع تركيز الثروة في أيادي قليلة، بالإضافة إلى فرض الزكاة، هي تحريم الربا وجعله من الكبائر التي يمحقها الله في قوله تعالى في سورة البقرة: ((يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. 276))، ويحارب مقترفيها كما جاء في سورة البقرة: ((فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ 279 ))، بالإضافة إلى ترتيبات تشريعية أخرى فصلتها السنة النبوية منها تحريم الاحتكار والغش والفساد وغير ذلك. وهذا خلافا للنظام الرأسمالي السائد الذي وضع ثروات الكون كلها عند فئة قليلة لا تمثل 2% من سكان المعمورة فانتشر الفقر والعوز والمرض والجهل في بلدان بكاملها وأعداد هائلة من البشر في مختلف أنحاء العالم.
‐ وعلاوة على حق الزكاة جعل الله تعالى للفقراء حقوقا أخرى في أموال الأغنياء عبر الترغيب الواسع في الصدقات الذي يتكرر بشكل كبير في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، فجعل الله تعالى الصدقة شرطا لبلوغ درجة البر والصلاح وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ. 92))وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عدّ الصدقة هي دليل الإيمان والصلاح فقال في الحديث الذي رواه مسلم: (( الصدقة برهان))، ووعد الله المتصدقين بمضاعفة الأجور يوم القيامة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. 261))، وقوله في سورة الحديد: ((إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ. 18))، وقوله سبحانه في سورة البقرة: ((مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)). وجاءت السنة تؤكد ذلك في سلسلة كبيرة من الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث، الذي يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة عظيمة كافية لرسم التصور الصحيح للمال بالنسبة للمسلم، وهو ما رواه مسلم عن عبد الله بن الشخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي! مَالي! وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)).
‐ ولترغيب الميسورين في الصدقة وعدهم الله تعالى في القرآن الكريم بطرق عديدة بأنه سيبارك في أموالهم ويخلفها وينميها لهم في الدنيا، ومن ذلك قوله تعالى في سورة سبأ: ((وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. 39))، وأكدت السنة النبوية ذلك في أحاديث صحيحة كثيرة منها الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ))، ومنها الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ..)) كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فوائد كثيرة يصيبها المتصدق في حياته الدنيا ومن ذلك دفع البلاء وشفاء المريض وانشراح الصدر وعلاج داء قسوة القلب وغير ذلك.
‐ ولجعل الصدقة سلوكا عاما بين المسلمين، يتصف به الغني كثير المال، والفقير الذي لا مال له، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بأقل المتاح وفق ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة؟))، كما أن أجر المقل قد يسبق أجر المكثر وفق ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها)).
‐ وكما نظم الإسلام الزكاة بتحديد مصاريفها، فإنه نظم مختلف الصدقات ومختلف دروب الإحسان للغير بتحديد الأولويات فيها، فجعل الأهل والأرحام أولى من غيرهم ثم ما سواهم كالجار والصاحب بالجنب وابن السبيل وفق ما جاء في الآية الكريمة في سورة النساء: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36))) وفي الحديث الصحيح: (( ابدأ بنفسِك فتصدق عليها فإن فضل شيءٌ فلأهلِك فإن فضل عن أهلِك شيءٌ لذوي قرابِتك فإن فضل شيءٌ عن ذي قرابِتك فهكذا وهكذا)). وتجب الصدقة كفائيا في حق كل من يتعرض للمهلكة إن لم يأخذها، وتتعين على من يعرف حاله. وقد تجب الصدقة للبعيد في حال العدوان على المسلمين في أي بقعة من بقاع الأرض وفي حين المجاعات والنكبات، وقد حدث في عهد سيدنا عمر قحط لأهل الحجاز فأرسل إلى ولاته بالأنصار ليعينوه في تلك الضائقة فتسابقت الأقطار الإسلامية في الاستجابة إليه.
‐ ولتحقق الصدقة مقاصدها فيقبلها الله من صاحبها وينميها له، وتؤدي فعلا إلى إكرام الفقير والمسكين والمحتاج إليها، وتتسبب في الاستقرار الاجتماعي وتقلص العداوات والصراعات الطبقية فإنه يجب أن تكون بنية طيبة خالصة لله تعالى من مال طيب حلال كما جاء في قوله تعالى في سورة الإنسان: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا 8-12))، وقوله تعالى في سورة البقرة: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. 267)) وعلى نحو ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما تصدَّقَ أحدٌ بصدَقَةٍ منْ طيِّبٍ ، ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطيبَ ، إلَّا أخذَها الرحمنُ بيمينِهِ ، وإِنْ كانتْ تَمْرَةً ، فتربُو في كفِّ الرَّحمنِ حتى تَكونَ أعظمَ مِنَ الجبلِ ، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصيلَهُ)).
‐ ومن شروط وآداب الصدقة وفق هذه النصوص إكرام المتصدق عليه وعدم إشعاره بالمهانة، وعدم إذيته بالتأفف أو بأي شكل من أشكال الحديث أو التصرف وعدم المن عليه بالحال أو المقال أو الاشتراط، فإن الله قد حرم ذلك وجعله مذهبا لأجر التصدق كما قال تعالى في سورة البقرة من الآية 264: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ)). ومما أظهرته الدراسات أن المن والإذية والتعالي أثناء تقديم الصدقة يربي الحقد والضغينة عند الفقير تجاه الغني، وهو عكس المقصد الذي أراده الإسلام وهو أن يفرح المتصدق بتقديم صدقته والنظر إلى الفقير على أنه فرصة للنجاة والبركة وأن يفرح الفقير بالغني ويعدّه فرصة لكرامة العيش.
‐ ومما يساعد على القبول والأجر وكرامة الفقير تقديم الصدقة سرا، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( سبعة يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه .. فذكر الحديث، وفيه: ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه)) .وذلك هو الأصل، إلا أن يكون في إظهارها مصلحة مقدرة تقديرا شرعيا كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة: ((إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .271)).
‐ وفي الأخير لا بد أن نشير أن الإسلام يوسع في مفهوم الصدقة إلى كل أنواع البر التي يراد بها وجه الله وفيها مصلحة للمسلمين ومن ذلك ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، قالَ: تَعْدِلُ بيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قالَ: والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
والله ولي التوفيق

 

د. عبد الرزاق مقري

الجود والكرم | مكارم الأخلاق (4)

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَادٌ يحِبُّ الجُودَ ويحِبُّ معَالِيَ الأَخْلاقِ ويَكْرَهُ سَفْسافَها» (رواه الترمذي).

لا أفضل في بدء الحديث عن خلق الكرم والجود من هذا الحديث النبوي الشريف، لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخلق في سياق حديثه عن معالي الأخلاق، وأكد عليه باستعماله أسلوب عطف العام على الخاص لإظهار علو مكانته من بين سائر الشمائل العليّة، وكأنه الأفضل منها جميعها، وزاد في إبراز مكانته باستعمال المقابلة ضمن أساليب البديع في اللغة العربية لترسيخ المعنى وإظهاره في أدق وأوضح صوره، فقال “يحب معالي الأخلاق” (التي أخصّها الجود) وقابلها ب “يكره سفسافها”.

إن الكرم من الصفات العريقة عند الناس جميعا، تفاضل على أساسها الأفراد والأمم، ورفعوا قدر المتصف بها وجعلوها “أصل المحاسن كلها”، وعدّوها من دلائل نبل الأصول والأعراق، ومدحوا بها الأعيان والأكابر، وجعلوها عنوان السيادة، ومن شمائل القيادة، وغاية المجد وسبيل الريادة، لما تشمله من خلال كثيرة في معانيها، كالجود والسخاء والإيثار والإفضال والسماحة والإباء والنبل والنجدة وعلو الهمة والسماحة والشهامة والمروءة والعزة والإحسان، و ألصقوا بنقيضها، في قواميسهم، كل صفات الشح والبخل والجشع والأنانية واللؤم والذل والمهانة.

ولعل اللؤم هو الصفة الذميمة الأشمل نقيض الكرم، وفي هذا يقول أبو الطيب المتنبي، في بيت صار مثلا من أمثال العرب تتناقله الأجيال:

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ … وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا.

أي أن الكريم يأسره عطاء الكريم، في أي مجال من مجالات العطاء، فيظل يقر بفضل المحسن له أبدا، واللئيم ينكر الفضل سريعا ويضجر بالكريم إذ يذكّره وجودُه فضلَه فيتمرد.

واللَّئيم عند العرب، وفق ما جاء في كتاب ” الزاهر في معاني كلمات الناس” لصاحبه محمد بن القاسم الأنباري: الشَّحيح المهِين النَّفس، فإن كان الرَّجل شحيحًا، ولم تجتمع فيه هذه الخصال قيل له: بخيل، ولم يُقَل له: لئيم، يقال لكلِّ لئيم: بخيل، ولا يقال لكلِّ بخيل: لئيم، والعامَّة تخطئ فيهما فتسوِّي بينهما”.

ويتجاوز كثير من الناس عن سائر العيوب في المرء إذا اتصف بالكرم، إذ يغمرهم كرم الكريم بفضله وجوده فلا تبين مساوئه، وقد قال في هذا الإمام الشافعي شعرا ظل يتردد بين الناس منه:

وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا … وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ

تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ …. يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ

والكرم لغة “مصدر كريم، يقال: رجل كرم، قوم كرم، امرأة كرم، وهو كذلك ضد اللؤم” في “إصلاح المنطق” لابن السكيت، وفي معجم المعاني الجامع هو : “العطاء بطيب نفس”، ويعرف في مَعلمة مفردات المحتوى الإسلامي “الجمهرة” بأنه: “صِفَةٌ تَحْمِلُ صاحِبَها على بَذْلِ الخَيْرِ قَلِيلاً كان أو كَثِيراً بِطِيبِ نَفْسٍ دون مُقابِلٍ”. وللكرم مفردات كثيرة تتشابه ذكر القاضي عياض بعضها في سياق تعريفه لصفة الكرم، في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى فقال:(وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، معانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق، فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه أيضا جرأة، وهو ضد النذالة).

فلفظ الكرم – كما يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي، “لفظ جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء، بل الإعطاء من تمام معناه”.

فمنه العطاء من المال، وكل ما يملكه المرء من المقتنيات المادية التي ينتفع بها غيره من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمركب وما يتداوى به وما يستعان به في قضاء الحاجات ورفع المشقات، ومنه العطاء من العلم والمعرفة مما يتعلمه المرء ولو كان حرفا، بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، بلا تحفظ ما أمكن ولا كتمان ولا خوف من أن يسبق المتعلم المعلم، وكل ما يساهم في محاربة الجهل ونشر المعارف وتعليم الناس جميعا والمساعدة على الاكتشاف والابتكار.

ومن الكرم بذل المرء من طاقة جسمه وقوته فيساعد بما أمكنه الضعيف، ويمشي في مصالح الناس، ويحمل على المثقل، ويأخذ بيد التائه والعاجز، ويهب لنجدة المظلوم والدفاع عن المقهور، وقد يصل هذا الجود بالنفس إلى التضحية بالحياة في الميادين التي يتعيّن فيها الجهاد في سبيل الله.

ومنه بذل النصيحة إذ لا يبخل الكريم عن تنبيه غيره لما ينفعه في دينه، وما يصلحه في شأن دنياه وإن لم يُطلب منه ذلك. وذلك هو الدين إذ “الدين النصيحة” وكلما كانت النصيحة في أساليبها الشرعية من الإشفاق والكلمة الطيبة وفي السر ما أمكن، كان الكرم فيها متجليا.

وأساس كل تلك المكارم كرم النفس إذ الكريم لطيف بغيره يهب للناس الحب والمودّة والحنان والرأفة ويوزع على الجميع ابتسامته، إذ ((كلُّ معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق)) كما ورد في الحديث الصحيح، كما يحزن الكريم لكربات الناس من تلقاء نفسه، وتدمع عينه بسهولة حين يرى مآسي العباد، ويود لو يستطيع إعانة كل الخلق بلا مقابل ولا جزاء ولا شكور، كما يظل محافظا على مكارم أهله وأجداده، فلا يسمح لنفسه أن تتدنى حفاظا على أصله، وتأنف نفسه من أن تتصف بصفات اللؤم فيأسره المعروف ويظل مدينا لمن أحسن إليه أبد الآبدين، فلا يزداد بذلك إلا نبلا ورزقا ورفعة بين الخلائق.

إن حب الكرم مغروس في الفطرة البشرية، والكريم مبجل في كل الشرائع والفلسفات والنظم، ومحبوب عند كل الأجناس والأمم، ففي المسيحية يعدّ الكرم من الفضائل السبع، ويقرر التلمود أن صنائع الكرم تتساوى في القدر مع جميع الوصايا، وفي البوذية هو أحد الإكتمالات العشرة، وتحض الكونفوشيوسية أتباعها إلى الاتصاف بخلق الكرم، وفي الفلسفة اليونانية تغنى أرسطو بخلق الكرم في كتابه “علم البيان” وفعل مثله كثير من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين.

ومن أكبر صفات العرب التي أهلتهم لحمل الرسالة المحمدية صفة الكرم، فلم تشتهر أمة بصفة كما اشتهر العرب بهذه الصفة الجليلة، فقد كانوا يتنفاسونها إلى حد المهلكة، ويتغنون بها في أشعارهم، وكان الكريم بالنسبة إليهم أفضل من ذي المنصب، ولا يعدّون السيد سيدا ما لم يكن كريما، وظهر فيهم كِرامٌ اشتهرت أسماؤهم في الآفاق وسُجلت في التاريخ كحاتم الطائي القائل في شعره:

يرى البخيل سبيل المال واحدة … إنَّ الجَوَاد يرى في ماله سبلا

لا تعذليني في مال وصلت به … رحمًا، وخير سبيل المال ما وصلا

وعبد الله بن جدعان القائل:

.إنِّي وإن لم ينل مالي مدى خُلُقِي … وهاب ما ملكت كفِّي مِن المال

لا أحبس المال إلَّا ريث أتلفه … ولا تغيِّرني حال عن الحال

غير أنه لا دين استطاع أن يبني منظومة كاملة خالدة عمليّة للكرم كالإسلام، فالكرم في ديننا مرتبط بعقيدتنا، وركن في عبادتنا، وأساس في أخلاقنا، وحقيقة قائمة في مجتمعاتنا، وتشريعات في حكمنا، وسمة لازمة في حضارتنا.

فالكرم والجود من صفات الله تعالى ونعوت الكمال القائمة بذاته سبحانه، ومنها اشتُّق اسمان من أسمائه الحسنى “الجواد” الذي ورد في السنة النبوية منها الحديث الشريف أعلاه، و”الكريم” الذي ورد كذلك في السنة، وفي القرآن الكريم في بعض الآيات منها قوله تعالى في سورة الانفطار: ((يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ -6)) وخص نفسه في آية أخرى باسم التفضيل “الأكرم” الدال على أنه سبحانه الكريم الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله نظير في قوله تعالى في سورة العلق: ((اقرأ وربك الأكرم . 3)). فهو سبحانه “الأكرم لأن له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بالتقصير” وفق ما قاله الرازي في تفسيره ” مفاتيح الغيب”.

ومبعث الكرم عند المسلم فطرته كغيره من الناس غير أن الإسلام عمّقه في نفسه بأن جعل ما يصدر عنه من أوجه الجود والكرم يكون لوجه الله تعالى، وأن يبتغي بنفقته وبذله نفع من يبذل له الخير بحفظ كرامته، فلا رياء ولا عجب ولا تفاخر ولا منة، موقنا بأن أي خير أنفق منه فهو من الله تعالى وأن الله سيخلفه، وأن يقتصد المانحُ في عطائه فلا تقتير ولا تبذير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا قولا جامعا جعل للكرم أصلا إيمانيا هو التقوى، وأصلا بالنّسَب لمن سمت أصوله، وأصلا بمكارم الأخلاق المتأصلة في البيئة العربية حين تفقه، فقال في الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة عنه: ((قيلَ يا رسولَ اللَّهِ من أَكرَمُ النَّاسِ قال أتقاهُم للَّهِ ، قالوا : ليسَ عن ذلِكَ نسألُك قال يوسُفُ نبيُّ اللَّهِ ابنُ نبيِّ اللَّهِ ابنِ خليلِ اللَّهِ قالوا ليسَ عَن هذا نسألُك قال فعَن معادِنِ العربِ تسألونِِّي ؟ فإنَّ خيارَهم في الجاهليَّةِ خيارُهم في الإسلامِ إذا فقُهوا)).

ولم يترك الإسلام الإنفاق لتطوع الإنسان الكريم كمِنحة يتفضّل بها على المحتاج كما هي سائر الديانات والملل، بل جعلها الله ركنا من أركان الإسلام الخمسة، إذ لا يكون المسلم الميسور مسلما إن لم يعترف بحق الفقير في ماله كما هي مقاصد ركن الزكاة فيبذلها وجوبا لا تطوعا، لوجه الله تعالى وبنفس طيبة كريمة. كما فرض سبحانه زكاة الفطر في آخر شهر رمضان ضمن أكبر عملية إنفاق يدور فيها المال وتوزع فيها الثروة على الفقراء على مستوى العالم بأسره كل سنة بتلقائية عجيبة لم يعرف التاريخ مثلها.

كما أنتج الإسلام محتوى أخلاقيا غزيرا ورسم قيما محكمة ومناهج قويمة في توجيه الناس إلى مكارم الأخلاق ومنها خلق الكرم والجود والسخاء من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية، ومن أقوال ومناقب الصحابة والتابعين وما أنتجه العلماء من مصنفات وموسوعات في علم الأخلاق. فالله تعالى الذي وصف نفسه بالكريم الأكرم جعل القرآن الكريم عامرا في كل أجزائه بالترغيب في بذل الخير بكل أنواعه، وجعل البذل طريق الهداية وسبب النجاة في الآخرة والبركة في الدنيا ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ((لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)).

ورسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان أحسنَ الناسِ ، و أجودَ الناسِ ، و أشجعَ الناسِ)) كما قال أنس بن مالك في الحديث الذي أخرجه البخاري، وكان عليه الصلاة والسلام: ((أجودَ الناسِ بالخيرِ ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ))، ومن أعظم ما حبب رسولَ الله إلى الناس كرمُه كما جاء في حديث أنس بن مالك الذي رواه مسلم قال أنه: ((ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلِموا فإن محمداً يعطي عمن لا يخشى الفقر وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها))، ودعا إلى الكرم بمختلف صوره في أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله – عز وجل -»، وبيّن أن الظلم مرتبط بالشح والاستئثار بالخير وأن ذلك سبب الحروب والفتن في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ علَى أنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُمْ).

وعلى هذا النهج كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قولا وعملا، فهذا أبو بكر الصديق عليه الرضوان يقول، وفق ما ورد في ” ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري: ” الجود حارس الأعراض” وقوله: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” وكان قدوة في ذلك بنبله ورقته، وحزمه عند وفاة نبيه المصطفى، وبصرامته ونجدته في قتال المرتدين، وجاء رضي الله عنه بكل ماله يتصدق به بين يدي رسول الله حين دعا صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصدقة. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا أكرم منه بعد صاحبيه ببذل عطفه وشفقته للمسلمين، ووفائه لنبي الله وتوقيره لأبي بكر الصديق، ونجدته لنصرة الحق والمسلمين، وجاء رضي الله عنه بنصف ماله يتصدق به حين ظن أنه سيسبق أبا بكر فلم يسبقه، وقصص الكرم عند الصحابة والتابعين عند غير هاذين الكريمين في التاريخ كثيرة لا يستوعبها هذا المقال.

وقد أدت هذه المرتكزات العقائدية والأبعاد الإيمانية والأركان التعبدية والتوجيهات الأخلاقية إلى قيام مجتمعات إسلامية ارتفعت فيها المكارم المتوارثة في المجموعات العرقية والبيئات الاجتماعية فصار الكرم تصرفات تلقائية ومؤسسات تتوالد في مختلف المجالات ومناحي الاحتياجات ضمن مؤسسات الزكاة والأوقاف والروابط والمنظمات، وحين قامت الحضارة الإسلامية طغت أبعادها الإنسانية القائمة على تكريم الإنسان وفق قوله تعالى في سورة الإسراء: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا- 70))، بمحاربة الفقر والقضاء عليه في فترات محددة في تاريخ الإسلام، وبالسماحة مع الديانات والملل الأخرى وعدم الإكراه في الدين، وتوفير العلم والتعليم لكل الأجناس من أهل القبلة وغيرهم حتى سهل على الأوربيين الاعتماد على المسلمين في ثورتهم العلمية الأولى، وبالنجدة ونصرة المظلومين وإن لم يكونوا على دينهم، خلافا لما تتصف به الحضارة الغربية اليوم القائمة على الجشع الرأسمالي والاحتكار العلمي وترك أغلب سكان العالم يحطمهم الفقر وتفتك بهم الأمراض وتدمرهم الحروب.

إن صلاح أنفسنا ومجتمعاتنا ونهوض حضارتنا من جديد إنما يتحقق – ذلك كله – بكثرة أصحاب النفوس الكريمة بيننا، وإن بداية ذلك أن يشيع المعروف فينا فيُعرف الكريم بين الناس وتتمايز العوائل والعشائر والقبائل بلزوم الكرم فيها، وأن يبقى المنكر منكرا فلا يستطيع لئيم أن يرفع عقيرته في الساحات ولا يجد لنفسه بين الخلق مكانة، ويصبح الخاطب يبحث في مضارب الكرم بين العائلات ليختار الكريمة بنت الأكارم، ولا تقبل حرة زواجا بغير شهم نبيل كريم، فيُحافَظَ على الفطرة السليمة في البشر وتنمو سلالات الخير والبر، فيكثر الكرم ويشيع، ويقل اللؤم والشح ويضيق.

والطريق إلى ذلك التذكير بالله ورفع لواء التقوى وخوف المولى العزيز الجبار، والتربية السليمة في الأسرة على مكارم الأخلاق، وإعداد وتدريس المناهج الدراسية التي تلقن معاني الكرم والجود والنجدة والإيثار والشهامة، وحذق الأئمة في تحبيب الكرم وأصنافه وأبعاده للمصلين، وأن ينهض المجتمع المدني بتأسيس شبكات عديدة للتطبيقات العملية لخلق الكرم وتوابعه، في المجالات الخيرية والتربوية والتعليمية والصحية والفنية وغير ذلك، وأن تكون الأحزاب وعاء الأكارم لا يثبت فيها فقير النفس واللئيم، وأن تكون الدولة هي حارسة الأخلاق، بالاعتماد على النفوس الكريمة ذات الكفاءة، في التأهيل والتوظيف والترقية، وبالتشريعات الأخلاقية في كل الميادين، وبالقدوة والأسرة الحسنة في القادة والمسؤولين.

 

د. عبد الرزاق مقري

الأمانة | مكارم الأخلاق (3)

قال الله تعالى في سورة الجمعة: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)))، ويؤكد قولَ الله تعالى حديثُ المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي نحن بصدده (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، فما العبادات الشخصية، من صلاة وصيام وذكر وحج وعمرة إلا لتربية المؤمنين وتذكيرهم حتى يثبتوا على الفطرة التي فطر الله تعالى عليها عباده، أو يعود بهم إليها إذا انحرفوا عنها فيوحدوه سبحانه ويوقروه ويطيعوه، ويكون كل منهم على السلوك السوي الذي يؤهلهم للانسجام مع قوانين الكون المسخر لهم وسنن الاجتماع النافعة لمعاشهم، فيسعدوا في الدارين. وقد يدرك كافر قسطا من مكارم الأخلاق، المغروسة في خلقته، فيعلو شأنه بها في الدنيا، وقد يُحرَمها مؤمن فيفسد بفقدها دينُه، وإن نجا برحمة الله يوم القيامة فلا قومة له أبدا في الحياة الدنيا.

ومن مكارم الأخلاق التي تدل على صحة التدين وقوام صاحبها في شؤون دنياه خلق الأمانة. ولو لا قوة النصوص الدالة على أولوية الصدق في مكارم الأخلاق لكان بدء حديثنا في المقال السابق عن الأمانة أولا. غير أن الأمانة من أجَلّ مظاهر الصدق وفق ما روي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه في السنن الكبرى عن البيهقي: (( أصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة)). بل إن عمر ابن الخطاب لم يكن يعتدّ بإقبال أحدهم على العبادة ما لم ير فيه خلق الأمانة فقال رضي الله عنه في ما ورد عن المحدّث ابن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق: (( لا تغرّني صلاة امرئ ولا صومه، من شاء صام، ومن شاء صلى، لا دين لمن لا أمانة له))، وذكر ابن المفلح في كتابه الآداب الشرعية عن نافع مولى ابن عمر قال: ((طاف ابن عمر سبعًا وصلَّى ركعتين، فقال له رجل مِن قريش: ما أسرع ما طفت وصلَّيت يا أبا عبد الرَّحمن. فقال ابن عمر: أنتم أكثر منَّا طوافًا وصيامًا، ونحن خير منكم بصدق الحديث، وأداء الأمَانَة وإنجاز الوعد)). 

إن هذا الفهم الصحيح للتدين أخذه أصحاب رسول الله أبو بكر وعمر وابنه عبد الله من التوجيه النبوي المتكرر وفق ما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: ((ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له)).

إن صفة الأمانة صفة عظيمة وازنة تجاوز ثقلُها ما تقدر السماوات والأرض على حمله، وحملها الإنسان لما يتمتع به من حرية الاختيار التي اختص بها دون سائر المخلوقات. غير أن ذلك الاختيار الحر غرّه فتحمل مسؤولية لم يُحِط بأبعادها الخطيرة فظلم نفسه وظلم غيره إلا من وفقه الله فصان الأمانة، وهؤلاء قلة من ولد آدم اختارهم الله لكي لا يختل نظام الكون قبل قيام الساعة. قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا – 72- 73)). 

ومما يبين أن خلق الأمانة جُبِل عليه ابن آدم وأن القرآن والسنة إنما جاءا لإحيائه في النفوس، وأن هذا الخلق صفة موقرة عند البشر جميعهم حتى وإن لم يتصفوا بها، وأن المرء تُرفع مكانته بين الناس وينسب نجاحه وظفره إلى أمانته وإن لم يكن في قلبه شيء من الإيمان، وأن ضياع الأمانة هو ضياع الدين وانخرام أسس المجتمع ما ورد في الحديث العظيم الذي رواه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان أنه قال: ((حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدَّثنا أنَّ الأمَانَة نزلت في جذر قلوب الرِّجال، ثمَّ علموا مِن القرآن ثمَّ علموا مِن السُّنَّة. وحدَّثنا عن رفعها. قال: ينام الرَّجل النَّومة فتقبض الأمَانَة مِن قلبه فيظلُّ أثرها مثل أثر الوَكْت. ثمَّ ينام النَّومة فتُقْبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، ويصبح النَّاس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدِّي الأمَانَة، فيقال: إنَّ في بني فلان رجلًا أمينًا. ويقال للرَّجل: ما أعقله، وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبَّة خردل مِن إيمان)) [ الوكت: الأثر اليسير كالنقطة، المجل: القرح في اليد من أثر العمل بالفأس].

إن المعنى اللغوي لكلمة “أمانة” مأخوذ من كلمة “الأمن” وهي مصدر أمِن بالكسر، وكأنها توحي بأن لا أمن ولا أمان في حياة الناس بلا أمانة. ثم استُعمل المصدر على سبيل المجاز في الأعيان، فقيل الوديعة أمانة ونحو ذلك، وكل ما يؤمّن عليه الإنسان أمانة، وفي الإصطلاح تعني كلمة الأمانة كل ما لزم المرءُ أداءه وحفظه.

ومن مرادفات الأمانة والأخلاق المتصلة بها كالإخلاص والوفاء والعدل وغير ذلك مما يتصف به المؤمنون أصحاب المروءات، وعكس الأمانة الخيانة، ويتصل بالخيانة أخلاق ذميمة أخرى كالغدر والخديعة والغش والكذب، وهي صفات تجتمع كلها في المنافق والعياذ بالله، ولذلك ورد في الحديث الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)).

وأصناف ومجالات خلق الأمانة كثيرة، أساسها التعامل مع الله الخالق الرازق بما هو أهل له من الإيمان به وذكره وشكر نعمته وحفظ حرماته والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، ومن الأمانة تعظيم مقام الرسول المصطفى الذي جعله الله سببا لما نحن عليه من الإيمان والإسلام وذلك بالصلاة عليه واتباع سنته ونصرة أمته، فقد قال الله تعالى في سورة الأنفال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ – 27-28)).

ثم ثمة الأمانة تجاه الذات بحفظ البدن وسائر الجوارح، وتجاه ما أنعم الله على المرء من سائر النعم والأرزاق والفرص والمواهب بما يحفظها من الاستعمال المخالف للشرع أو ما يلحق بها الضرر للنفس وللغير.

ومن الأمانة إعطاء حق الولايات وأداء كل مسؤول حق ولايته وعهدته ورعيته، في أي مجال من مجالات المسؤولية وأي مستوى من مستوياتها، من مثل رعاية الأسرة ومسؤولية الأهل والأولاد، وترأس وإدارة شؤون أي مجموعة من الناس أو أي صنف من المخلوقات الحيوانية أو الطبيعية، والمسؤولية على اللجان والهيئات والجمعيات والجماعات والأحزاب، والمديريات، ومختلف المؤسسات التطوعية أو الرسمية.

ومن أعظم أنواع الأمانة القضاء والوزارات ورئاسة الدول إذ بالأمانة في سياسة شؤون الخلق تُحفظ الدنيا ويعم الخير ويأمن الناس وبالخيانة يحل الظلم والفوضى والخراب. ولخطورة هذا الأمر خص الله تعالى شؤون الحكم من عموم أمره بأداء الأمانة في قوله تعالى في سورة النساء: ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا – 58). 

وعدّ العلماء الأمانة من الشروط اللازمة للرئاسة كما ذكر الذهبي في “سير أعلام النبلاء عن الشافعي قال: (آلات الرِّياسة خمس: صِدق اللَّهجة، وكتمان السِّرِّ، والوفاء بالعهد، وابتداء النَّصيحة، وأداء الأمَانَة)، كما أنهم جعلوا خيانة الحاكم من أكبر الكبائر وقد ذكر الحافظ بن حجر هذا في قوله: ((الغدر حرمته غليظة لا سيما من صاحب الولاية العامة ، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير ، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء)) والنصوص في هذا كثيرة معلومة.

ومن الأمانة الوفاء بالعهود، والالتزام بالمواثيق، واحترام قواعد الاحتكام المتفق عليها، التي هي أساس من أسس قيام العمران البشري والاجتماع الإنساني إذ يستحيل التعامل بين الناس وتعسر الحياة ويشقى العباد إذا عمت الخيانة ولم يأمن الخلق في تنفيذ ما يبرمونه من عقود وما يتفقون عليه بينهم. ولذلك شدد الله تعالى في كثير من الآيات على الوفاء بالعهود وغلظ عقوبة الغدر ومنها قوله تعالى في سورة الإسراء: ((وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً- 34)) وقوله في سورة الرعد: ((والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقة ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)).

ثم ثمة مجالات أخرى كثيرة تتعلق بخلق الأمانة تتفرغ عما سبق ذكره، منها ما يتصل بمجال الأموال كالعفة عما ليس للإنسان فيه حق، وإرجاع الودائع لأصحابها وتأدية ما فيه حق للغير في التعاملات المالية المختلفة، وحفظ الفضل فلا غدر ولا نكران، وكتم الأسرار وصيانة الأعراض قولا وعملا، والأمانة في العلوم والمعارف بتأديتها دون تحريف ونسبة الأقوال والمنجزات الفكرية والعلمية إلى أهلها، ومنها نقل الأخبار على حقيقتها، وعدم كتمان الشهادة وأدائها على وجهها دون زيادة ولا تحريف ولا نقصان.

إن هذا الخلق العظيم المتشعبة مجالاته يكون خلقا خاصا بالأفراد تنشأ عليه الناشئة في الأسرة ويتعلمه الشباب في المدارس والمساجد والإعلام، ويأخذه عموم الناس من القدوات الصالحة في المجتمع وحيث المخالطة بين الخلق، ويتحول إلى خلق عام في المجتمع، وضمير جمعي ثابت ومستقر بقيام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإمضاء سنة التدافع، ويُحفظ ويدوم بالقوانين والتشريعات المناسبة، والأهم من ذلك كله صلاح المسؤولين في كل المستويات، وأمانة الرؤساء والملوك والأمراء إذ على صورة الرؤساء تُرسم أخلاق المرؤوسين، ولنا أن نتأمل في هذا النص الذي ذكره ابن المفلح في مصنف الآداب الشرعية: ((لما أُتِي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده ويقول: والله إنَّ الذي أدَّى إلينا هذا لأمين. فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدُّون إليك ما أدَّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت)). 

والله وحده الهادي إلى سواء السبيل وإلى المكارم العلية من الأخلاق.

 

د. عبد الرزاق مقري

الصدق منجاة وعليه نجاح التعامل بين الناس | مكارم الأخلاق (2)

الصدق سيد الخُلل الحميدة كلها، وعنده تجتمع مكارم الأخلاق جميعها، الدين بدونه غائب، ولا قوام للدنيا بفقده. حفظه الله بقدر دائم بين المؤمنين تديّنا ليبقى الدين ظاهرا إلى يوم الدين، وحفظه بقدر بين الناس في معاشهم، مؤمنهم وكافرهم، حتى تستمر الحياة. من تديّن بلا صدق كان دينه كالخرقة البالية المنفّرة كيفما زيّنها، والله الهادي إلى سواء السبيل. وقد يعلو في القول والمعاملة شأن صادق غير متدين بين الناس في الدنيا، والله وحده عليم بحاله ومصيره.

كل الأديان والملل والثقافات والحضارات تمجد خلق الصدق، فهو أعظم مكارم الأخلاق التي جاء النبي عليه الصلاة والسلام ليكملها. وتعريفه تعريف واحد عند الأجناس كلهم: “هو التعبير المطابق للحقيقة قولا وعملا”. 

وصف الله تعالى بالصدق نفسه فقال: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾. ﴿ .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ النساء 112. ﴿( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)) النساء 87، وأمر به عباده فقال: ﴿( (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) التوبة 119. 

من صدق من العباد أدخله الله جنته ورضي عنه وأرضاه . قال تعالى: (( قَالَ اللهُ هَذَا يَوْم يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾) المائدة 119.

وبداية الصدق النية الصحيحة في كل قول وعمل قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))، ثم هو الصدق في الحديث، ثم يكون الصدق في العمل بأن لا يخالف الظاهرُ المنمّق الباطنَ السيء ، بل يكون الباطنُ أفضل من الظاهر، وأن لا يعمل المرء خلاف ما يدّعيه أو يأمر به. 

من هداه الله إلى الصدق هداه إلى كل أنواع الخير، ومن حُرِمه أَغرَق نفسه في كل أنواع الشرور والآثام. أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِاللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)).

وعكس الصدق كل خصلة ذميمة يعبر فيها الإنسان عما يخالف الحقيقة، في قوله وتصرفاته، وأسوء تلك الخصال الكذب، وهو الخلق الذميم الذي ينافي الإيمان وفق قوله تعالى: (( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون)) النحل 105، ووفق ما ورد في الحديث المرسل الذي رواه الإمام مالك في الموطأ: ((أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ قال نعم! قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم! قيل له: أيكون المؤمن كذابا! قال لا .. )). 

وهذا القرار النبوي المرعب من الحبيب المصطفى بشأن الكذب منطقي في الفهم والإدراك، إذ تُتحمّل الحياة بصحبة جبان وبخيل ولكنها لا تتحمل صحبة كذّاب. فبالكذب لا مجال لصاينة العهود والمواثيق الضرورية للتعامل بين الأفراد والجماعات، ولا اطمئنان لنقل الأخبار وتسجيل التاريخ، ولا يصلح نقلٌ للعلم، ولا تصلح تجارة ولا إدارة ولا سياسة ولا نهضة ولا عمران ولا حضارة ولا أي شيء مما يجتمع عليه الناس ويعلو فيه شأنهم. وللكذب أشقاء أسوء منه شنّعت النصوص بأصحابها أشد التشنيع كالقذف والبهتان والرياء ونقض العهود والخيانة، وهو السبيل لأسوء أصناف الناس، كذي الوجهين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتي هَؤُلَاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلَاءِ بوَجْهٍ))، والمنافقين الذين جعلهم الله تعالى في أسفل دركات جهنم في قوله عز وجل : (( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا))النساء 145. 

من تحلى بالصدق ألبسه الله كل الحُلل الأخرى من مكارم الأخلاق كالإخلاص والأمانة والشهامة والشجاعة والمروءة والوفاء، مما سنتحدث عن بعضه لاحقا. 

ومن آثار الصدق الثبات والاطمئنان، والثقة في النفس، والعزيمة وقوة الشخصية، ووضوح البيان، والفاعلية، والهيبة والسمعة الطيبة وتقدير الآخرين، ومن علامات الكذب في القول والعمل الاضطراب والارتباك واللجلجة والتردد والشك في الذات والتناقض وضعف العزيمة والخيبة والسمعة السيئة وعدم ارتياح الآخرين لصاحبه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث الصحيح: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة)). ويُكسبُ الصدق بنعمة خالصة من الله تعالى يهبها الله لمن آمن من عباده وفق قوله تعالى: ((.. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ..)) يونس 2، و يُتحصل – لصعوبته وعظمة ودقة أمره – بالدعاء والتضرع إلى الله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ﴾) الإسراء 80، وكما جاء في الحديث الشريف: ((اللهُمّ إنّا نعوذُ بك من أن نُشرك بكَ شيئا نعلمُه، ونستغفرُك لمَا لا نعلُمه))، ويتم تشرّبه في البيئة الصالحة، من الذوات أكارم القوم، والوالدين الصادقين، والأصحاب أصحاب المروءات، وفي المسجد والمدرسة والقدوات والجماعات الصالحة، ويُكسبُ بالتدرب إذ يأنف الصادق أن يقع في ما يريب من شبهة المقال والمظهر، أو أن يكذب ولو كان مازحا، أو أن يُحدّث بكل ما سمع كما ورد في الأحاديث الصحيحة. 

والله نسأله الهداية والثبات وحسن الخاتمة.

 

د. عبد الرزاق مقري

إنما التدين الصحيح حسن الخلق | مكارم الأخلاق (1)

لا شك أن شهر رمضان هو شهر الاستزادة في الطاعات والعبادات، على نحو ما سنتحدث عنه في السلسلة القصيرة الأولى عن: ” أفضل الطاعات في رمضان” وأهمها الصيام والقيام. غير أن ثمة ما يجعل الإنسان يبلغ درجة الصائم القائم دون صيام ولا قيام، وهي الحالة السويّة التي يكون عليها في سائر أيامه، في شهر رمضان وغير شهر رمضان، وما جاءت الطاعات والعبادات المخصوصة في الشهر الفضيل إلا للتدريب عليها لتكون سمة لازمة فيه ألا وهي حسن الخلق. روت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)).

وكما أن الصيام والقيام يتطلبان مجاهدة النفس وإكراهها حتى يتحولان إلى عادة سلسة تستمر ما تم تعهدها، فكذلك الأخلاق الحسنة تتطلب المجاهدة حتى ترتفع النفس إلى مستوى العلياء فتأنف تلقائيا الانحدار إلى سفسافها، كما تتطلب المحافظةُ على الأخلاق السوية مجاهدةً دائمة من صاحبها لكي لا ينقص رصيدها عند أحوال وأهوال المخالطة.

ولعظمة شأن الأخلاق الحسنة جعلها الله تعالى أعظم ما يثقل الموازين وفق قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق)). فهي لذلك أعلى صورة الكمال الإيماني التي يمكن بلوغها على نحو ما يبينه صاحب الخلق العظيم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في الحديث الصحيح:  ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)).

كما أن آثار حسن الخلق تصيب أصحابها في حياتهم الدنيا بعمارة الأرض وبركة الأعمار وفق ما جاء في الحديث الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم:

(( إنَّهُ مَن أُعْطيَ حظَّهُ مِنَ الرِّفقِ، فقَدْ أُعْطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ، وصلةُ الرَّحمِ، وحُسنُ الخُلُقِ وحُسنُ الجِوارِ، يُعمِّرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعمارِ)). فعلى أساس شيوع الأخلاق الفاضلة تنهض الجماعات والجمعيات والأحزاب والدول والأمم، وكلما انحطّت الأخلاق وشاع سيئها أذنت المجموعات والتنظيمات والحضارات البشرية بالانهيار مهما بلغ شأنها من قبل.

إن #الأخلاق هي الحال الذي يكون عليه الإنسان وتصرفاته  التي تصدر  عنه تلقائيا دون تفكير تجاه الأوضاع النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها. والمصدر الأصلي لمعرفة حسن وقبح الخلق  هو الفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها الإنسان كما جاء في قوله تعالى في سورة الروم:

 

((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)))

 فالإنسان مخلوق على تلك الفطرة ثم يطرأ ما يحرفه عنها وفق قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها)) ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. وكل مخلوق من ولد آدم أودع الله فيه معرفة المنكر من تلقاء نفسه وفق ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ   عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ ، والإِثْمُ ما حاكَ في صدْرِكَ ، وكرِهْتَ أنْ يَطلِعَ عليه الناسُ )). 

وأرزاق الأفراد في الأخلاق مقسمة كأرزاقهم في المعاش، ثمة أخلاق فاضلة يهبها الله لبعض عباده جبلّة وبعضها يكسبها الإنسان بالاجتهاد. فقد جاء في الحديث الصحيح  أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لِأَشَجِّ عبدِ القيسِ: (إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ)، فقال: أخُلُقَينِ تَخلَّقتُ بهِما؟ أم خُلُقينِ جُبِلتُ علَيهِما؟ فقال: (بل خُلقَينِ جُبِلتَ عليهما) فقال: الحمدُ للهِ الَّذي جبَلَني على خُلقَينِ يُحِبُّهما اللهُ [ورسولُه]. ولكن في حديث آخر حسن الإسناد: ((إِنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ ، و إِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ، و مَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ ، و مَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ))   

أما المصدر الثاني لتشكل الأخلاق فهي الأعراف والتقاليد والعادات التي تستقر في المجتمعات، حسنها وقبيحها، وهي التي تؤثر في المصدر الأول المتصل بفطرة الإنسان، بإحياء الحسن ودعمه أو تحريفه وبعث القبيح أو إضعافه إطفائه.

 وأما المصدر الثالث فهو الوحي الذي ينزله الله على الأنبياء ليذكر به عباده ما استقر في أنفسهم من إيمان بالله وأخلاق حسنة ويصلح الانحرافات التي تطرأ على النفوس والمجتمعات. ولذلك اختصر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام رسالته بإنه إنما بعث ليكمل النقص الذي طرأ على مكارم الأخلاق في حياة الناس، أي أن تلك الأخلاق مودعة في نفوس كل البشر مهما كانت الانحرافات الدينية والعقائدية والنفسية والاجتماعية التي طرأت عليهم. 

إننا حينما نتأمل في أحوال البشر وتصرفاتهم نجد أن أكثرهم، أو كلهم يقرّ بقبح القبيح من الأخلاق وإن كان يقترفه، وبحسن الحسن من الأخلاق وإن كان لا يتصف به، وقد أردنا في هذه السلسلة الثانية في شهر رمضان أن نذكر بقرابة عشرين خلقا من مكارم الأخلاق المتعارف عليها بين الأمم والتي جاء ديننا الإسلامي لإعلائها، والتي نسأل الله تعالى أن يجعل صيامنا وقيامنا وسائر عباداتنا في هذا الشهر الكريم فرصة لنا جميعا لتجديدها في أنفسنا وإعلاء شأنها بيننا.

 

د. عبد الرزاق مقري

الشيخ أحمد بوساق: عن التعالي والتواضع

حضرت البارحة الدورة التربوية الدورية في بلدية درارية فسمعت موعظة عميقة النفع من الشيخ الفاضل والعالم الجليل أحمد بوساق المدني عن تواضع المصطفى عليه الصلاة والسلام وعن عظمة الله وضعف البشر ومصير المتكبرين. بدأ موعظته بقصة مؤثرة عن أمية بن أبي الصلت، وهو أحد زعماء ثقيف من كبار شعراء العرب، كان موحدا على الحنفية، عليما بالكتب السماوية، يسفه الشرك وعبادة الأصنام، تصف أشعاره الجنة والنار كأنه يقرأ من القرآن الكريم قبل نزوله.

غير أنه كان يتطلع أن يكون هو النبي المنتظر فلما بُعث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يؤمن به ومات كافرا، وركز الشيخ بوساق كيف أن هذا الرجل “وعى” ولم “يزك” وفق ما روي في القصة التي روتها أخته الفارعة بعد إسلامها. فلم ينفعه وعيه إذ لم تزك نفسه.

وقد علق الشيخ بوساق طويلا عن هذا النوع من الأشخاص الذين يَعُدّون أنفسهم شيئا عظيما لأسباب لا وزن لها عند الله فلا يبالي بهم الله تعالى ويفنيهم كبرهم. و كيف يحتقر هؤلاء غيرهم ممن هم في ميزان الله أفضل منهم. ثم ذكر حديثا بديعا في هذا الشأن رواه البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ : ” مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ : ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ ) ، فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ ) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ) .

وذهب شيخنا يُفصّل في هذه المعاني الراقية من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم انطلاقا من اعتراض المشركين عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس لأنه لا يليق بالرسالة ولكن لأنه ليس من علية القوم من مكة أو ثقيف وفق قوله تعالى: (( وقالوا لو لا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم))، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذاته، لم يكن يتطلع يوما من الأيام أن يكون نبيا، وإنما فوجيء بالرسالة حتى ارتعدت فرائصه، وحين خيره الله تعالى بعد البعثة بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا نبيا وفق الحديث الصحيح الذي رواه أحمد: (( جلس جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنظر إلى السماءِ فإذا ملَكٌ ينزلُ فقال جبريلُ هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبلَ الساعةِ فلما نزل قال يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا قال جبريلُ تواضعْ لربِّك يا محمدُ قال بل عبدًا رسولًا)).

حدثنا الشيخ بوساق، بتأثر كبير، كيف كان كبّار قريش يستصغرون هذا الرجل الفقير الذي لم تكن له سابقة في ندوتهم ومجالسهم، فأصبح بعد ذلك أعظم خلق الله ويُذكر اسمه مقرونا باسمه في الآذان والصلوات بين دقيقة وأخرى في هذا الكون وأنشأ أمة عظيمة هي خير الأمم مترامية الأطراف في الدنيا كلها.

وفي كلام نافع مليئ بالشواهد التي يحسنها العلماء نصحنا الشيخ بوساق أن لا يكون في قلوبنا شيء أعظم من الله، لأن الله هو الأعظم الأجل الأكبر، وأنه هو الذي يخفض ويرفع، وأن يكون سندنا عاليا أعلى من كل الأشخاص والغايات و الألقاب وأن الذي ينفعنا في الدنيا والآخرة هو تواضعنا لله وعدم تعالينا على الناس وعدم احتقارنا لأي من خلقه، وأن سند الله الوحيد هو تقواه وفق الحديث الذي ذكره في سياق كلامه جزاه الله خيرا: ((قال – صلّى الله عليه وسلم – في فضيلة التقوى – إذا جمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا فأنصتوا إلى اليوم إنما هي أعمالكم ترد عليكم أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم قلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وفلان أغنى من فلان فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ألا أين المتقون فيرفع للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلون الجنة بغير حساب)).

فيا لها من موعظة نافعة ونحن نستعد لشهر رمضان الفضيل حتى يعرف كل منا حقيقة ضعفه وهوانه على الله وافتقاره إليه سبحانه.. فلا يعتدي أحد على أحد ويشغل كل منا نفسه بما ينفعه عند ربه وما يعظّم شأنه عنده سبحانه، فمن كان الله معه – كما ذكر الشيخ بوساق – كان كل شيء معه. وأعظم ما قيل في هذا الشأن بعد كلام الله تعالى قول رسوله في حديث رواه مسلم: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)).

أحببت أن أنقل بعض معاني الدورة التربوية لتعميم الفائدة.

د. عبد الرزاق مقري

بين عامين: كيف يكون الانتقال ناجحا؟

ليست الأفراح الظاهرية والحفلات المتكلفة هي المهمة في تصرفات الإنسان حين يكون في حالة الانتقال بين عامين من عمره، كما أن اللامبالاة العاجزة والانعزال الكئيب تجاه توالي الأعوام هو لا شك صفة الإنسان السلبي الذي لا يستفيد من الوقت ولا يؤثر في الحياة.

إن الكياسة في تصرفات الإنسان، وهو يلحظ ساعات الزمن تُجهز على عام يحتضر لتصنع عاما جديدا أن يحصي أعماله وخيباته في العام المنتهي، فيفرح بما أنجزه من خير وبر وما حققه من مصالح لنفسه وأهله وبلده وأمته، ويندم عما أقترفه من معاصي، ويحزن لما ارتكبه من أخطاء ويأسف عما فاته من مكاسب وما ضيعه من فرص.

يحاول أن يقيّم أوضاع بلده، وما زاد فيه وما نقص، على معايير علمية واقعية، بعيدا عن النشرات الرسمية والخطابات الشعبوية، فيهلل لكل صالح جميل، يثمنه وينظر كيف يحفظه ويطوره، ويجزع ويغضب عن كل ما يسيئ للوطن، في حاضره ومستقبله، ويستعد لإنكار ذلك المنكر، بقدر استطاعته، لوجهه تعالى أولا، ثم مروءة ورجولة وغيرة وطنية، ثم حمية ضد ذوي الفساد والجاهلية.

كما يرمي ببصره إلى آفاق الأوضاع الإقليمية والدولية، وكيف هو حال الأمم، نزولا وصعودا، وما هو تأثير الأحداث الكبرى في السنة الحالية على مشهد السنة المقبلة، وما هو حظ بلده وأمته في الهوامش التي يفتحها التدافع الدولي.

ثم يسأل نفسه، هل يمكن لي أن أساهم في تلك التحولات لصالح الحق وضد الباطل، لنصرة الإسلام والمسلمين، ولو بالفهم وبالنية، أو بالموقف أو الفعل المقدور عليه، معتقدا بأن ثمة قضية لا تُعدمُ طريقة لخدمتها، في كل الأحوال، هي القضية الفلسطينية التي تُنصر نصرا عظيما بتراكم الأعمال الصغيرة من دعم بالقول الثابت، وبالمساهمة المالية الدائمة، والمشاركة في المناشط الناصرة، والدعاء والاستنصار بالله لها.

وبعد التقييم، ينظر الإنسان الفعّال، المهتم بتوالي الليل والنهار، وتتالي الأعوام وتعاقب الأزمان إلى السنة التي تولد بعزيمة جديدة صارمة لاستدراك ما فات وتحقيق ما يبغي وما يريد من الأعمال الصالحة ذات النفع الخاص والعام، له ولذويه، ولأبناء بلده، وللمسلمين والناس أجمعين، متوكلا على الله موقنا بعونه، متسلحا بما يملك من خبرات وقدرات، قد أحصى عيوبه ونقاط ضعفه فقرر علاجها وإزالتها، وقد درس محيطه وما فيه مما يضره في نفسه وأهدافه، من عدم اليقين الذي هو ميزة العصر الحديث، وعدم العدل والإنصاف في كل أنواع المنافسة الذي هو صفة الوقت الراهن، وصعوبة الكسب الشخصي وتعقد دروب الإصلاح والتغيير الجماعي الذي هو خصيصة الزمن الراهن، وكثرة المظالم وانتشار الشرور والفساد في كل مناحي الحياة.

غير أن ذلك الإنسان الفاعل قد رأى في نهاية السنة ما لم يره المتشائمون من فرص كبيرة تقابل تلك المخاطر، منها فرص رفع الكفاءة والمهارات في مختلف المجالات، وتطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال وسهولة الوصول إلى المعارف وتعلم اللغات، وتنوع أنماط الرزق الحلال وبروز أشكال جديدة من الاستثمارات، وتطور بديع في بناء المؤسسات وأنماط متجددة لبناء المشاريع والمؤسسات والقيادة والإدارة لا تتحكم فيها قوى الشر والبغي مهما فعلت، متهللا بالوعي المتصاعد للشعوب ضد الظلم والاستبداد، والنماذج العديدة لمصارع الظالمين، وعجز الحكام المتسلطين على ضمان سعادة شعوبهم، وخوفهم الدائم على كراسيهم رغم قوة جبروتهم، مستفيدا من النماذج الناجحة في النضال السياسي والإصلاح الاجتماعي والحكم الرشيد، في بلاد المسلمين وغير المسلمين، منشرح الصدر بتراجع قوى الاستكبار الغربي أمام صعود الأقطاب الدولية والإقليمية، عامر القلب بالفأل الجميل لمستقبل الأمة الإسلامية، الصامدة وحدها في وجه الانحرافات الأخلاقية العالمية المدمرة للفطرة الإنسانية المؤذنة بأفول الحضارة الغربية المادية، وبالظن الحسن بمستقبل زاهر للقضية الفلسطينية أمام الأزمات الرهيبة للاحتلال الصهيوني في داخل مجتمعه وفي المعركة النفسية والديمغرافية والعسكرية في مواجهة قوى المقاومة المنجزة.وبعد النظر والدراسة يتجه ذو العزيمة إلى تغيير حاله و العمل على تغيير محيطه بخطط، تجمع بين الصرامة والمرونة، عبر رسم مشهد مستقبلي لما يريد أن يكون عليه في نهاية السنة الجديدة، على أساس مشاريع عملية وأهداف قابلة للقياس يستميت في تنفيذها، أكثر الأحيان نَشِطا، وتارة أقل نشاطا وبعض الأحيان خاملا، ولكن دون انقطاع عن العمل أبدا وفق القاعدة النبوية: ” أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” فلا يسمح بتوقف السير ولو اضطرته الظروف إلى فتور لا يخرج من الطاعة، أو تريث لا يقتل العمل، على سنة المصطفى في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فمن كانت شِرَّتُه إلى سنَّتي فقد أفلح ، ومن كانت فَتْرَتُه إلى غيرِ ذلك فقد هلكَ)). وأحسن الخطط ما وُزعت أهدافها على محورين كبيرين يتفرعان على فروع أخرى أساسية.

أما المحوران فهما ما يتعلق بالرؤية الشخصية وأهداف التطوير الذاتي، وما يتعلق بالشأن العام وخدمة الغير.يندرج تحت المحور الأول خمسة مجالات أساسية في حياة الإنسان: الروح والعقل والصحة والمهنة والحياة الاجتماعية.

يقتصر أغلب الناس عادة في التخطيط السنوي على المجال المهني والمداخيل المادية، وهو لا شك أمر مهم ومؤثر في مصير الإنسان يتطلب التفكير المستمر والتخطيط المحكم والمبادرة الشجاعة واقتحام الفرص وإتقان العمل ليأتي كل عام بمزيد من التوفيق والربح للجميع، له ولمؤسسته وشركائه وزملائه، وبمزيد من الدخول التي تضمن كرامة العيش للنفس والأهل والإنفاق على الطموح وسبل الخير والمحتاجين للعون.

غير أن الحياة المادية وحدها لا تجلب السعادة، بل قد تكون وبالا على اللاهث وراءها دون توازن مع المتطلبات الأخرى.

إن النجاح الحقيقي هو تطويع النفس لتجنب ما نهى الله عنه والقيام بما أمر به، والفوز المطلق إنما هو الفوز بالجنة ورضوان الله العزيز الحكيم، فمن أعظم النصوص التي ترتبط بوقفة التأمل بين عامين ما يتعلق بالحالة الإيمانية والاستقامة السلوكية، ومن ذلك ما ورد في الحديثين الجليلين الصحيحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك.)) وقوله: ((لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ)).

فلا معنى للانتباه إلى نهاية سنة وإقبال أخرى ما لم يكن فيه محاسبة للنفس على هفواتها وإلزامها التوبة النصوح والعزم على عدم الرجوع إلى ما يفسد الدين ويجلب غضب الديان، ورسم برنامج تطوع النفس للالتزام بالأركان والواجبات على أحسن وجه، وعلى رأسها سلامة القلب وإقامة الصلاة، ثم المسارعة إلى النوافل قدر الإمكان، حتى تصبح الطاعة عادة سلسة في الحياة يأنس بها القلب وتلين لها الجوارح.

ومن أسباب ارتقاء الإنسان وصلاح دينه ودنياه ازدياده في العلم، في ما يتعلق بحسن عبادته وفهمه لدينه وما يتصل باختصاصه ومجال عمله أو وظيفته، ثم ما يتعلق بالمعارف والمهارات التي تساعده في النجاح في ما أهمه في حياته في العمل التطوعي ومختلف دروب البر والخير لخدمة أهله وبلده وأمته، ثم في كل ما يزيده فهما وحكمة وإدراكا لما يحدث حوله حتى تكون أحكامه عادلة، ومواقفه فاعلة، وأعماله محكمة.

ويكون التحصيل العلمي من خلال التعلم المنهجي الأكاديمي الذي لا سن له، ومن خلال المطالعة الدائمة والتعلم المستمر، في كل أطوار العمر بجميع الأشكال المُحصِّلة.

وما يجعل العلم يرسخ في الذهن ويتحول إلى حقيقة ماثلة، تحويله إلى سلوك عملي، ثم دفع زكاته بالتعليم والتدريس والكتابة والتأليف والمحاورة النافعة مع أهل الفكر والعلم.

فمن انتبه في آخر السنة إلى ضياع العمر دون زيادة العلم فليجعل لنفسه برنامجا تعليميا يرفع به مكانته وينمي به قدراته ويتميز به عن الأقران، وصدق الله العظيم إذ يقول: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))، وفي قوله: (( ‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)).

ولا يمكن للإنسان أن يحقق شيئا كثيرا، في الغالب، من النجاح في شؤونه المهنية، أو في حياته الدينية، أو في مدارجه العلمية، ما لم يكن سليم الجسم، خاليا من الأمراض المقعدة أو المعطلة أو المؤذية.

ومن العجائب أن المرء لا يشعر بأهمية الصحة في إنجاز مهامه وتحقيق أمانيه إلا حينما تحيط به الأمراض وتفتك به الأسقام. إنه لم يعد أحد يجهل، بسبب انتشار الثقافة الصحية، كيف يحافظ الإنسان على صحته ويضمن رشاقة جسمه ويطيل أمد قوته، من خلال الرباعية الذهبية المعلومة لدى الجميع، الأكل الصحي الخالي من المواد الضارة والقائم على التوازن الغذائي وعدم الإسراف، والحركة الدائمة للجسم من خلال الرياضة التلقائية المرتبطة بطبيعة العمل ونمط الحياة أو الرياضة المبرمجة وعلى رأسها المشي و العدْو، والتحكم في ضغوطات العمل والقلق والانفعال ومختلف الهزات والأزمات النفسية، مع الوقاية من الأمراض بالفحوصات الدورية واستكشاف الأسقام قبل استفحالها ومعالجتها بجدية واهتمام.

فمن كان مريضا في آخر السنة فليداوي نفسه، ومن كان معافا فليقوي قدراته البدنية وليتحتط لأمراض الخمول ببرنامج يحفظ به صحته على نحو ما ذكرناه يشرع فيه فورا في الأسبوع الأول من السنة الجديدة.

إن الحياة لا معنى لها ولو كان المرء ميسورا في ماله نشيطا في عباداته سليما في جسمه، إن كانت أحواله العائلية مأزومة ووشائجه الإجتماعية ممزقة.

لا يكون قد أدى واجبه ذلك الذي قيّم ما مضى وخطط لما يأتي إن لم يصارح نفسه بخصوص علاقاته بغيره، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( خيركم خيركم لأهله)) وإذ يقول: (( الدين المعاملة)) وفي قوله: (( خير الناس أنفعهم للناس))، والنصوص في ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى يجمعها قول رسول الله في حجة الوداع: (( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))، بل إن الله يغفر يوم القيامة ما بينه وبين العبد ولا يغفر للعبد ما عليه من حقوق للعباد، إلا بالصفح، أو أن يأخذوها منه في الدنيا أو يوم الحساب.

فلا يكون الإنسان قد عبَر بين عامين بسلام ما لم ينظر إلى حاله مع والديه وزوجته وأولاده وأرحامه وجيرانه وأصحابه ورفاقه، وكل من لهم عليه حق بنص شرعي أو عقد أو ميثاق، فيعالج على الفور ما يمكن معالجته ويخطط لإصلاح ما بينه وبين غيره بعزم وصدق حتى تكون بيئته الاجتماعية سليمة مستقرة هانئة نامية نافعة له ولغيره.

أما المحور الثاني المتعلق بدور الإنسان في الشأن العام وخدمة الغير فهي تبدأ بمراجعة الغايات الكبرى التي يعيش لأجلها، وما هي مكانة بلده وأمته في قلبه وفي حياته، وهل هو كائن يعيش لنفسه، لا يهمه ما يحدث حوله، غير واع بتأثير التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاقليمية والدولية على مستقبله ومستقبل أهله وأولاده.

فإن شعر بهذا التقصير المشين وهو يغادر السنة المنصرمة فليفزع إلى خطة جديدة للسنة المقبلة يعبد بها ربه بفعل الخير ونصرة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق قوله تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون)).

يؤطر فعل الخير في الشأن العام مساران متلازمان، أولهما الاهتمام بالشأن السياسي، فلا إصلاح لشؤون الناس دون صلاح السياسة وإقبال المصلحين عليها، وإنما يسعى المستبدون لإفساد السياسة وتشويه الساسة وغلق مجال الفعل السياسي ونشر اليأس في الحياة السياسية من أجل بقائهم على كراسيهم أبد الآبدين فلا ينشأ بين الناس بديل سياسي يهدد عروشهم، وأكبر حالة وعي تحدث للإنسان في بداية السنة الجديدة أن يتصالح مع السياسة على أصولها الحقة، القائمة على الصدق والرؤى السليمة والنضال والاستعداد للتضحية، البعيدة عن الفساد والظلم والانتهازية والزبونية، فينخرط في حزب قائم على تلك الأصول، أو يسنده من بعيد، أو يؤسس حزبا أو يجد لنفسه طريقة فاعلة يضمن بها موازين قوة سياسية لصالح الحق والعدل والفضيلة، ضد الفساد والفشل والاستبداد.

وعلاوة على العمل الحزبي السياسي فإن في مسارات المجتمع المدني الفسيح ما يتيح الفرصة لتحقيق الإصلاح الاجتماعي العميق وتأهيل المورد البشري الضروري للقومة والنهضة، والتطوير الاقتصادي والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي وبناء الحواضن الاجتماعية الداعمة للنهوض الحضاري والرأي العام الراسخ الضامن لديمومة انتصار الحق المبين.

قد يظهر للقارئ أن هذه الرؤية الانتقالية بين عامين صعبة وشاقة، وهي في الحقيقة ليست كذلك حين يُتحكم في الأوقات الضائعة والانشغالات التافهة، سيجد الإنسان بإتقان التخطيط والإصرار على التطوير وقتا فسيحا يعطي فيه لكل حق حقه، وتبقى له ساعات وأسابيع للمرح والمتعة والفسحة، وتكون السعادة أكثر عند تقدم العمر العامر بالإنجاز، وتكون الجائزة الكبرى والسرور الدائم في الجنات العليّة المخصصة لأصحاب الهمم العليا. والله ولي التوفيق.

 

د. عبد الرزاق مقري

رسالة لرؤساء وملوك العالم العربي

هذه رسالة وجهتها لرؤساء وملوك العالم العربي قبل انعقاد اجتماع الجامعة

الأسبوع الماضي في الجزائر أحببت أن أنشرها للرأي العام..

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السادة رؤساء وملوك الدول العربية الشقيقة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أهلا وسهلا بكم في بلدكم الجزائر، متمنيا لكم إقامة طيبة في بلد الشهداء بمناسبة ذكرى الفاتح من شهر نوفمبر شهر الجهاد والبطولات، سائلا الله تعالى أن تكلل أعمالكم في الدورة 31  للجامعة العربية بالنجاح بما يخدم بلداننا جميعا ويحقق مصالح شعوبنا.

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

يعيش العالم اليوم أحداثا كبرى على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعسكرية والأمنية تنبئ بأنه ستقع تحولات كبرى تغير وجه المعمورة، وبالرغم من الكوارث الكبرى التي تسببت فيها المنظومة الدولية الراهنة ضد الإنسان والطبيعة فإن ثمة هوامش تتاح بإمكانها أن تساهم في بروز عالم جديد متعدد الأقطاب أرحم بالعباد وبالكرة الأرضية التي نعيش فيها. وبالرغم من أن الإمكانات الكبرى الجغرافية والسكانية وعلى مستوى الموارد الكبرى التي تتمع بها الأمة العربية لم تستطع احتلال مكانة مرموقة مركزية بين الأمم تؤهلها لتكون قطبا من الأقطاب المشكلة لعالم الغد.

ورغم مؤاخذاتنا الكبيرة على أداء الجامعة العربية التي باتت تمثل رمزا من رموز خيبات الأمل التي تعيشها شعوبنا في العالم العربي فإننا في حركة مجتمع السلم نتمسك بها كإطار جامع للأوطان العربية وفرصة جاهزة لتصحيح الأداء وتحقيق الطموحات والأهداف التي تنص عليها مواثيقها لصالح الدول والشعوب.

وإنه لشرف لنا أن نستقبل أشقاءنا العرب في بلادنا، والشرف مضاعف أن يكون الاستقبال بمناسبة الفاتح من شهر نوفمبر ، ذكرى الثورة التحريرية المجيدة، التي حظيت بدعم كبير من  إخواننا في العالم العربي، ونصرة مشهودة  للمجاهدين  الجزائريين حتى تحقق لنا النصر على الاستعمار الفرنسي البغيض، وإننا لنتمنى التوفيق الكامل للدورة وأن تتوج بالنجاح البيّن،  وأن تكون دورة حاسمة في بعث حيوية هذا المجمع القومي المهم وتطويره، كما نشكر السلطات الجزائرية على المجهودات الكبيرة التي بذلتها وتبذلها في جمع البيت العربي واستضافة الاجتماع في الجزائر والتمهيد له بإنجاز مهم يتعلق بالمصالحة الفلسطينية.

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

إن العالم العربي يحتل قلب العالم، وهو همزة الوصل بين كل القارات، وبه ممرات بحرية وبرية وجوية ومضايق وقنوات وموانئ  لا غنى عنها في حركة النقل لكل الشعوب،  ويصل تعداد سكانه 423 مليون نسمة، وله موارد بشرية وطبيعية ومقدرات سياحية وفلاحية وصناعية وثقافية وحيوانية ضخمة ومتكاملة تتجاوز مجتمعة مقدرات أغلب الأمم القوية في العالم.

غير أن الفاعلية في التسيير والفساد المستشري منع الدول العربية من الصعود كما هو حال دول أخرى صعدت هي أقل منها من حيث الإمكانيات والفرص، وبقيت دولنا للأسف الشديد  تعيش أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية متعددة، يغرق كثير من شعوبها في صعوبة المعيشة والأمية والأزمات الغذائية والصحية والتعليمية والإسكانية وغيرها.   .

السادة ملوك ورؤساء الدول العربية،

إننا نود أن يكون اجتماعكم اليوم وثبة حقيقية للإقلاع وإن ذلك ضروري وممكن إذا انطلق العمل المشترك على رؤية جديدة وعمل جاد ودؤوب وفق ما ننصح به على النحو التالي:

أولا – يمكن بدأ الإصلاحات بتطوير المنظومة الفكرية والهيكلية للجامعة نفسها بما يجعلها أكثر تمثيلا للشعوب وأكثر مرونة في معالجة المشكلات وأسرع في اتخاذ القرارات وأوسع مدى في مشاركة الأطراف وأكثر إنصافا في تحمل المسؤوليات، على أن تكون الرؤية العامة المستقبلية هو تحقيق الوحدة العربية ضمن النظريات الوظيفية والتكاملية في العلاقات الدولية.

ثانيا – ومن أبرز  مقاصد هذه النظريات  هو تشجيع تبادل المنافع البسيطة وتفضيل الاستثمار العربي مرورا بالسوق المشتركة لاحقا وفتح الحدود،  وصولا  إلى العملة الموحدة ثم إنجاز الوحدة التي تُحفظ فيها سيادة كل دولة في إطار الموقف الخارجي الموحد والدفاع المشترك والمؤسسات البرلمانية العربية المنتخبة انتخابا مباشرا،  والمؤسسات التنفيذية المركزية العربية.

– ثالثا – إن ضمان تطور أداء الجامعة العربية والسير قُدما نحو إنجاز حلم الوحدة العربية هو صيانة السيادة العربية في المؤسسات الرسمية والشعبية  وتجنب التبعية للقوى الأجنبية ونبذ وتجريم الاستعانة بالأجنبي ضد الأشقاء، وعدم تدخل الأشقاء العرب في شؤون بعضهم بعضا لإلغاء الإرادة الشعبية، أو إضعاف وإرباك الحكومات أو استغلال الخيرات خارج إطار الاتفاقيات الشفافة والعادلة.  ثم التوجه معا إلى العالم خصوصا نحو عالمنا الإسلامي الفسيح وأشقائنا في الدين الذين يحقق محورنا المشترك معهم أقوى المحاور في العالم للأسباب الحضارية والسكانية والجغرافية والطبيعية التي يزخر بها، والتوجه معا نحو إفريقيا – بدل التنافس والتصارع في أرجائها – هذه القارة الكنز  التي تتنافس عليها اليوم الأمم ونحن الأقرب إليها تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا ومن حيث المصالح.

رابعا – إن تحقيق هذا الحلم لا يمكن أن يتم دون حل الخلافات البينية والجماعية وتحريم المقاطعة وقطع العلاقات وغلق الحدود مهما كان حجم المشاكل، والسعي الحثيث والصادق والدائم لفك النزاعات بالحوار والوساطات العربية، وفي حالة استعصاء أي مشكلة يتم تجاوزها وعدم إلغاء كل أوجه التعاون الأخرى بسببها، واستعمال الوسائل العصرية لمتابعة حل تلك المشكلات المستعصية، والاستفادة من أبعادنا الروحية التي تحث على إصلاح ذات البين والأخوة الإسلامية.

خامسا – ولا يمكن تصور قيام وحدة عربية دون الموقف الموحد من القضية الفلسطينية والوقوف المشترك ضد الاحتلال الصهيوني وتجريم التطبيع ودعم المقاومة  وعدم الضغط على الفلسطينيين بغرض توريطهم مرة أخرى في المسار التفاوضي العقيم والتسويات المهلكة لأرضهم وشعبهم وللمقدسات وحق العودة،  فلا مستقبل لدولة الكيان الصهيوني؟  والقضية الرابحة مستقبلا هي قضيتنا المركزية وهي القضية الجامعة لكل الشعوب العربية والإسلامية.

سادسا  – ومما يجعل الروح تسري في الجامعة العربية فيُقرب الأشقاء لبعضهم بعضا هو إعلاء البعد الحضاري الإسلامي المشترك، فحضارتنا حضارة عالمية علمت الغرب ونقلت لحضارتهم علوم وحكمة الأمم السابقة، فكيف لا تكون لنا ملهمة للنهوض من جديد لا سيما وأن كل الحضارات تتنافس في إظهار تميزها الحضاري ولا تقبل غريبا عنها يكون في بلدانها إذا أراد المحافظة على انتمائه  – كما هي بالخصوص الحضارية الغربية –

لا شك أننا سننفع أنفسنا بديننا الإسلامي القويم لما يتضمنه من أبعاد روحية مهذِّبة وقيم إنسانية هادية وأفكار تجديدية لا تزال رائدة في مختلف المجالات الاقتصادية والقانونية والسياسية وغيرها. ويمكننا أن نفيد البشرية بحضارتنا التي تحفز على التعارف والتعايش بين الشعوب والقبائل وتنهى عن الظلم والعدوان مطلقا.

سابعا –  كما أن في تنوعنا الطبيعي والثقافي وفي طبيعة الموارد البشرية في العالم العربي الفسيح ثروة عظيمة يمكنها أن تجعل في التبادل السياحي والأدبي والفني والعلمي  والرياضي بهجة للشعوب تحبب أوطاننا العربية لنا وتشدد أواصر  الأخوة بيننا وترفع من أداء أبطالنا ومبدعينا وعلمائنا ومؤسساتنا المدنية ذات الاختصاص، لنذهب بعد ذلك معا للالتقاء الإنساني في مختلف المجالات متعاونين متآزرين وبما يجعل بلداننا قبلة سياحية واسعة متكاملة  للتمتع بخصائصها الطبيعية الخلابة،  والاستفادة الحضارية البديعة من حكمتها وعراقتها، والتبادل الاقتصادي الثقافي النافع للجميع.

وفي الأخير تقبلوا مني، السادة رؤساء وملوك الدول العربية أسمى عبارات الترحيب والتقدير .

 

د. عبد الرزاق مقري

رئيس حركة مجتمع السلم – الجزائر –

الجزائر يوم 30 أكتوبر 2022م

الموافق ل: 04 ربيع الآخر 1444هـ

عثمان سعدي رحمة الله عليه.. الشاوي المعتز بانتسابه للعروبة يترجل

إنه المجاهد والمناضل الفذ اللموشي الشاوي التبسي الحر الذي لم يغير ولم يبدل حتى توفاه الله وهو سن 92 عاما رحمه الله رحمة واسعة، إنه أحد أستاذتنا الكبار الذين ساهموا في وعينا الوطني وفهمنا لطبيعة الصراع الحضاري القائم في بلدنا.

لقد كان ثمرة من ثمار النهضة الجزائرية الباديسية حيث تخرج من معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة 1956، وكان ثوريا بتلك الروح التلقائية التي صاحبته طيلة حياته فالتحق بالثورة التحريرية منذ البداية وكان من طلائع جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها وأمينها الدائم في القاهرة أثناء الكفاح المسلح.

لم يقبل أن يبقى شيءٌ يربطه بالإدارة الاستعمارية بعد المجازر الهمجية الاستعمارية في 8 ماي 1945 فهجر المدرسة الفرنسية. ولحبه للغة القرآن منذ شبابه أخذ الإجازة في الآداب من جامعة القاهرة أثناء الثورة والماجستير عام 1979 في دمشق والدكتوراه من جامعة الجزائر عام 1986.

اشتغل رحمه الله في السلك الدبلوماسي لسنوات طويلة فاشتهر مقامَه في بلدين عربيين مهمين معروفين بدعمهما الكبير للثورة التحريرية هما العراق وسوريا فدوّن في كتابين ولع نخبها بالكفاح الجزائري في 255 قصيدة من العراق أبدع رسمها 107 شاعر وشاعرة عن بطولات وتضحيات أشقائهم الجزائريين، و199 قصيدة من سوريا خلد فيها 64 شاعرا وشاعرة روعة وأمجاد ملحمتنا النوفمبرية العظيمة.

وبعد خروجه من المهام الرسمية واصل كفاحه داخل حزب جبهة التحرير الوطني وفي المجلس الشعبي الواطني فكان عضوا في لجنة التعريب الرسمية مع عدد من الرجال الكبار الذين ندين لهم بالوجهة الإسلامية العربية التي أخذتها الجزائر على مستوى المنظومة التربوية وقانون الأسرة وتعريب التعليم، رغم النقائص الكبيرة في هذه المسارات التي تسببت ولا تزال تتسبب فيها القوى الموالية للاستعمار.

وكم هي كبيرة وتاريخية تلك اللحظة التي حكى لي عنها أحد هؤلاء الأبطال حينما أنهوا ملف التعريب ولم يبق إلا أن يُعرض لاعتماده رسميا فنزل عليهم ضباط ببذلاتهم العسكرية ( يعرفهم جيلنا باسم “ضباط فرنسا”) لمنع عرض الملف حتى أدّت المواجهة إلى التشابك بالأيدي، وكان عثمان سعدي أحد الحاضرين في المشادة التاريخية.

لقد أهله مستواه العلمي لأن يكون دفاعه عن الثوابت الوطنية على أساس أكاديمي، مما زاد في مصداقية آرائه وجعل كتبه مراجع مهمة يعتمد عليها الباحثون، ويستند عليها المناضلون أمثاله من أجل أصالة هذا الوطن ومكانة اللغة العربية فيه، ومن تلك الكتب “قضية التعريب في الجزائر: قضية شعب ضد الهيمنة الفرنكوفونية” – 1990، “معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية” – 2007، تحقيق كتاب الشيخ البشير الإبراهيمي “التراث الشعبي والشعر الملحون” – 2010، بالإضافة إلى عدد من كتب القصص والشعر والتاريخ.

بعدما خرج عثمان سعدي من مواقع المسؤولية الرسمية واصل نضاله في المجتمع، من خلال الكتاب والمقالة والمحاضرة وحضور المؤتمرات والندوات التي تنظمها الأحزاب والمنظمات المؤمنة بما يؤمن به بشأن الثوابت الوطنية، وكان من أفضل ضيوفنا في فعالياتنا الثقافية والسياسية في حركة مجتمع السلم، وكانت جمعية الدفاع عن اللغة العربية التي أسسها وترأسها هي التي اشتهر بها في ساحات الدفاع عن اللغة العربية.

لقد كان عثمان سعدي من البربر الأقحاح ولكنه آمن بأن اللغة العربية واللغة البربرية شقيقتان تنتميان إلى وعاء لساني واحد وحضارة واحدة، تماما كما كان يعتقد شيخه عبد الحميد بن باديس الصنهاحي الأمازيغي صاحب مقولة “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب” والأبطال الذي فجروا الثورة، عربيهم وأمازيغيهم، بعد أن حددوا الهدف بأن الدولة التي يقاتل الجزائريون من أجلها في سبيل الله جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، وأن الوحدة الإقليمية المنشودة هي “وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.

لقد كانت خيبة أمل عثمان سعدي كبيرة حين أدرك حجم الاختراق الاستعماري المتصاعد في أجهزة النظام السياسي وبعض هياكله الحزبية والجماهيرية، فصار معارضا صلبا لكل سياسات التفريط الرسمية في حق اللغة العربية ومنها تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية وتحدّث مسؤولين كبار بلغة المستعمر في المناسبات الرسمية ومع شعبهم، وغير ذلك من السياسات الممنهجة لدى اللوبيات الاستعمارية داخل الدولة وفي المجتمع لاستمرار الوصاية الفرنسية على الجزائر. وقد ناله رحمه الله كثيرا من التضييق والملاحقة من هؤلاء الذين استغلوا الفتن التي أصابت الجزائر لصالحهم إذ صار لهم نفوذ تجبروا به على كثير من الوطنيين الصادقين من مختلف التيارات.

وفقنا الله لحضور الصلاة عليه في مسجد حمزة بدالي ابراهيم ثم مرافقته إلى مثواه الأخير في مربع الشهداء في مقبرة العالية فرأينا نهاية جيل كامل من أمثاله سبقوه إلى رحمة الله فلم نلحظ إلا عددا قليلا ممن بقي منهم، ولم نر حضورا كبيرا للجيل الجديد الذي لم تعمل الجهات الرسمية ووسائل إعلامها على التعريف به وفتح المجال له في الفترات الأخيرة من عمره رحمه الله رحمة واسعة، ولكنه هو اليوم عند العادل الرحمن الرحيم، فأسأل الله تعالى أن يتقبل جهده وجهاده وكفاحه ونضاله وأن يجعل كل ما بذله حسنات جارية له، أما الإسلام والعربية فإنهما محفوظان بحفظ الله تعالى القائل (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) ومما يثلج الصدور بروز أجيال شبابية جديدة متمسكة بأصولها وثوابت وطنها في كل أنحاء البلاد من العرب والأمازيغ ولله الحمد والمنة.

كان عثمان سعدي رحمه يستعمل كلمة “البربر”، وهي الكلمة التي كنا نتستعملها جميعا إلى غاية نهاية الثمانينيات قبل أن تتغير وتصبح كلمة أمازيغ هي المعتمدة رسميا ثم شعبيا. ولكن كلمة ” البربر” هي الأكثر رسوخا في كتب التاريخ. احتراما لذكراه، والتزاما بالسنة بأن يدعى المرء بأحب الأسماء إليه ثبّتنا ما كان ينسب نفسه إليه، فشكرا لمن نبهنا.

 

د. عبد الرزاق مقري          

رئيس حركة مجتمع السلم

بيان السياسة العامة: عن السياسة أخيرا

أكرر مرة أخرى فأقول إن النظام الجزائري لا يؤمن ولم يؤمن يوما بالأحزاب، منذ أن فُرضت عليه التعددية بعد أحداث أكتوبر وهو يتحايل عليها، وأراه اليوم كأنه يريد فرض الرؤية الحزبية الصينية، بالوصول إلى حزب واحد، ليس بالقرار ولكن بالأمر الواقع.

من استطاع أن يُدمِج من الأحزاب يدمجها ويفقدها سيادة مؤسساتها مقابل جاه زائف وفتات لقادتها، ونصبح أمام حزب واحد في الواقع وإن تعددت أسماء الأحزاب، ومن لم يستطع إدماجه يستمر في المحاولة دون هوادة لِمَا يملكه من قوة جبّارة، ولِمَا يتوفر في الساحة من نفوس في الأحزاب جاهزة لذلك. فإن يئس بعد طول المحاولة أو تجاوز قادة الحزب الرافض للإدماج السقف المسموح به، يعمل على تهميشمهم وتقزيمهم مهما كان لهم من فضل على البلد، ومهما كانت مكانتهم، كما فعل مع الأستاذ عبد الحميد مهري والشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله في آخر مشوارهما السياسي.

غير أنه مهما حاول فرض منطق الحزب الواحد في الجزائر الحالية لن ينجح، فمن ناحية قد أصبحت التعددية متأصلة في بلادنا، و بات التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي خارج منظومة الحكم هو الأمر الواقع الذي لا يمكن استئصاله، ومن ناحية أخرى لا توجد أية مقارنة بين الحالتين الصينية والجزائرية سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

إن الحزب الشيوعي الصيني يقوم على تدافعات وتحالفات مدنية، تضمن الرقابة والتنافس الحقيقي داخل الحزب الواحد، وينص القانون الصيني صراحة على قيادة الحزب للقوات المسلحة الصينية، والجيش يلتزم بمنطق السيطرة المدنية المطلقة للحزب الشيوعي على الجيش وفق مبدأ “الحزب يقود البندقية” الذي أطلقه ماو تسي تونغ. أما في الجزائر فالحزب ثم الأحزاب مجرد أجهزة وواجهات لا علاقة لها بشؤون الدولة على الإطلاق، وحتى حينما “تنجح” في الانتخابات لا تحكم، ومنذ الاستقلال بقي الجيش هو الذي يختار الرئيس، والضباط السامون هم الذين يُسخّرون إمكانيات الدولة للفصل في الانتخابات لكي يمر مرشحهم في الانتخابات ثم يتركون له هوامش في تسيير الدولة، فإن اختلف الرئيس مع هؤلاء الضباط الذين أوصلوه للحكم فالجيش هو الذي يحسم الخلاف لصالح البذلة الخضراء.

هكذا وقع بين بن بلة وبومدين، وهكذا وقع بين الشادلي والذين اختاروه في البداية وأقالوه في النهاية، وهكذا وقع بين زروال وعصبة زملائه الضباط لما اختلف معهم، وهكذا وقع مع محمد بوضياف، وهكذا وقع مع بوتفليقة الذي جاء باتفاق مع ضباط المؤسسة وحاول الاستمرار في العهدة الخامسة تحت صغط ضباط آخرين، ثم غادر تحت ضغط هؤلآء الآخِرين بسبب الحراك الشعبي.

وعلاوة على كل ذلك، النظام الصيني نجح في التجديد ونجح في تحقيق الثروة، ونجح ليجعل الدولة قوة عظمى، فأي نجاح يُسَوِّقه النظام السياسي لكي يقبل الناسُ أن يكونوا تحت رِدائه فيدمجهم في منظومة سياسية واحدة. لو حقق النظام السياسي ما يُرضي المواطنين في احتياجاتهم المعيشية الاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى ما يتطلعون إليه من حرية وكرامة لصار احتمال ابتلاع الأحزاب ومناضليها وحواضنها الاجتماعية والشعب الجزائري كله واردا. إن الناس يغلبهم الإنجاز وما يحصل لهم من رضا حين تتحقق مصالحهم، أما الإكراه فلن يحقق شيئا مفيدا.

لقد حدد الله تعالى الاحتياجات الأساسيات في سورة قريش فجعل نعمتي القوت والأمن من أعظم النعم التي يشكر الناسُ عليها ربَّهم، ثم فصّل العلماء المسلمون تلك الاحتياجات وفق مقاصد الشريعة الخمسة، حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال، ثم زاد العلماء المتأخرون مقصد الحرية وكرامة الإنسان بالاستناد إلى ما ورد من نصوص صارمة في الكتاب والسنة عن ذلك، وقد فصلنا في برنامجنا الحلم الجزائري كل ذلك في فصل “هرم الاحتياجات”. فالنظام السياسي الذي يستطيع كسب الدعم الحقيقي من الشعب هو الذي يوفر الاحتياجات ويحقق مقاصد الحكم.

يمكننا أن نستند في محاسبة السلطة الجزائرية على مدى توفير البيئة التي تضمن احتياجات المواطنين إلى أي سلم من سلالم الاحتياجات التي وضعها العلماء المعاصرون، ومنها “هرم ماسلو” الأكثر شهرة.

يحدد ماسلو مراتب الاحتياجات فيبدأها بالاحتياحات الفيزيولوجية التي تتعلق بالغذاء والتنفس والماء والنوم والإخراج والجماع، واحتياجات الأمان التي تتعلق بالسلامة الجسدية وأمن الأموال والموارد والأمان الأسري والصحي والوظيفي، والاحتياجات الاجتماعية التي تتعلق بالعلاقات الأسرية والاجتماعية والتعلم والصداقة والمحبة، والحاجة للتقدير ومنها المكانة والهيبة والثقة والشعور بالإنجاز والاحترام المتبادل، وتحقيق الذات ومنها تحقيق الإنجازات والتطور والإبداع.

لو نفصل في مدى توفر أوغياب حاجات الناس على أساس مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية التي بنينا عليها “هرم الاحتياجات” في برنامجنا لاستطعنا أن نحدد مسؤولية الدولة على الوضع القائم بشمول ودقة، ولكن نترك ذلك حاليا لصعوبة الاتفاق على قاعدة التقييم، ونكتفي بالنظر إلى أداء السلطة الحاكمة على أساس “هرم ماسلو”، فلو حاسبنا النظام السياسي وفق هذا الهرم بدء بالاحتياجات الأدنى الأكثر ضرورة لجميع الناس، إلى أعلاها المتعلقة بالإبداع والتطوير، الذي يحققه السكان لأنفسهم حين تتوفر لهم البيئة الصالحة لذلك، سنجد أن المشكل في بلدنا يبدأ من الأسفل، على مستوى الاحتياجات الأساسية الأكثر إلحاحا، فالعدد الكبير من الجزائريين لا همّ له سوى الكفاح من أجل القوت بسبب غلاء المعيشة والبطالة والندرة، وكثير منهم ينتظرون لسنوات الطويلة لكي يحصل الواحد منهم على مسكن، يحقق فيه حاجته للزواج والاستقرار، وقد لا يحصل على السكن أبدا فيعيش في مراقد لا إنسانية أو يُذهب نصف مرتبه أو أكثر في الكراء، ولو ندقق ونفصل في أغلب ما ذكرناه عن هرم ماسلو سنجد نقائص بعضها نقائص خطيرة، كما هي الحاجة للأمن النفسي والعقلي والجسدي لما نراه من انتشار للمخدرات والمهلوسات، لا أقول في كل مدينة، بل في كل حي من الأحياء، حتى صارت مصدر استرزاق أساسي تتورط فيه شبكات إجرام لها امتداداتها داخل القضاء والأجهزة الأمنية، تدمر ملايين الجزائريين وأعدادا هائلة من العائلات والأسر وتتسبب في جرائم لا حصر لها. ولئن تم القضاء على الإرهاب في الحزائر بحمد الله فقد خلفه خوف آخر لا يقل فداحة وهو انتشار الجريمة بكل أشكالها في كل أنحاء الوطن.

و أما الحديث عن المراتب الأعلى في هرم ماسلو المتعلقة بالتقدير وتحقيق الذات فإن دور الدولة يكاد يكون غائبا في صناعة المبدعين، ولذلك عددهم قليل في بلادنا. لا شك أن الدولة الجزائرية حققت إنجازا مهما في تعميم التعليم، ولكنها لم تفعل شيئا ذا بال لصناعة المتميزين بسبب اختلال المنظومة التربوية وانتشار الفساد بكل أنواعه في إدارتها وكوادرها التعليمية، وانتهى بنا المطاف بسبب ضعف التعليم الرسمي أن التلاميذ والطلبة صاروا يهجرون أقسامهم من أجل دروس الدعم خارج المدارس.

إنه فعلا لا توجد منظومة ولا بيئة لصناعة المتميزين والمبدعين، ومن وصل من الجزائريين إلى مستوى تحقيق الذات بمواهبه وإصراره الشخصي فإنه يكون قد فعل ذلك في مواجهة تحديات ومصاعب وعراقيل لا حد لها، والعديد منهم يواصلون تحقيق طموحاتهم بالهجرة إلى بلدان أخرى تستأثر بما يحققونه لها من إنجازات.

أين نحن من الصين؟ بل أين نحن من بلدان مسلمة مثلنا؟ أين نحن من تركيا ومن ماليزيا ومن أندونيسيا مثلا؟ إن النظام السياسي لن يستطيع فرض إرادته على الجميع فيحشر الكل في حزب واحد فعليا ولو تعددت أحزابهم شكليا ، سيبقى ينمو من مَدد الانتهازيين والطفيليين فحسب، وهؤلاء سيكونون هم حتفه في الأخير.

إن نظاما لم يستطع حل مشكل المعيشة لعموم الجزائريين رغم الإمكانيات الجبارة التي توفرت لديه لا يستطيع أن يفرض أي رؤية سياسية على شعبه.

ولعدم ثقتهم في أنفسهم أخذ المسؤولون الحاليون يبالغون في التضييق على مجال الحريات حتى تجاوزوا كل من سبقهم في ذلك، بل أصبح الناس يقولون يا ليتنا نعود إلى زمن ما قبل الحراك الشعبي.

لم تعرف الساحة الإعلامية تحكما كالذي نراه إلا ما كان في زمن الحزب الواحد، فالتلفزيون الجزائري طغت عليه تغطية الأنشطة الرسمية، وصورة مختلف المؤسسات الرسمية في الإعلام العمومي في وضع يصلح أن يكون بحثا أكاديميا عن حالات سيطرة الدولة على المجتمع، كل البرامج تدور حول رأي واحد هو الرأي الرسمي. ثم تأتي الفضائيات كلها كأنها تفريعات للتلفزيون العمومي، وكأنه يحكمها مدير واحد ورئيس تحرير واحد.

وبسبب التفنن في وسائل التحكم في المؤسسات الإعلامية “الخاصة” أصبح مسؤولوها يراقبون أنفسهم بأنفسهم، وبدون أوامر من الجهات التي تراقبهم، يحاولون أن يتوقعوا رد فعل السلطات الحاكمة من أي خبر يذيعونه، أو ضيف يدعونه، أو برنامج يبثونه، إلى درجة المبالغة في التضييق على مجال حريتهم بما لم يُفرَض عليهم، ومن حاول منهم التحرر ولو نسبيا من مرض الرقابة الذاتية، تأتيه حادثة ترجعه إلى حالة الرُهاب من غضب السلطات، كحادثة ذلك الصحفي المسكين الذي نقل خبرَ إرجاع دول أوربية للتمور الجزائرية فأدخِل السجن بالرغم من أن الخبر منشور في مواقع وزارات فرنسا التي لا يتوقف الذين سجنوا الصحفي عن بسط البساط الأحمر لمسؤوليها الكبار والصغار .

وفي محاولة يائسة غير مثمرة يحاول المسؤولون عن المؤسسات الإعلامية توفير بدائل لزعماء الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية ذات الرصيد الطويل والكبير بإبراز وجوه جديدة مندمجة في المنظومة الأحادية، تتحدث في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية الحقيقية كما يشتهي الحكام المتحكمون، والغريب في الأمر أن مؤسسات إعلامية معربة ومفرنسة حملت لواء “الاستقلالية” والدفاع عن الحريات والديموقراطية لسنوات دخلت الصف وصارت جرائدها ومواقعها الالكترونية نسخا طبق الأصل لجرائد الرداءة والتزلف، بل أصبحوا يتقربون إلى الحاكم بالتحريش ضد العدد القليل من السياسيين والإعلاميين والناشطين الذين رفضوا الاندماج وبقوا ثابتين على قناعتهم بأنه لا مستقبل للجزائر دون ضمان الحقوق والحريات والديموقراطية.

أما بالنسبة لسياسة التعامل مع المجتمع المدني فلم يعرف هذا المجال حالة انحراف كما هو الحال في هذه المرحلة، سواء من حيث الاستراتيجية العامة في ما تريده السلطة من المجتمع المدني، أو على المستوى الجزئي الذي يتعلق بحقوق الإنسان الجزائري في التنظيم وخدمة طموحاته.

أما الناحية الاستراتيجية العامة التي تسير عليها السلطة فهي محاولة خلق بدائل للأحزاب القائمة وتشكيل حاضنة اجتماعية مرتبطة بها تزاحم الأحزاب في اختصاصاتها وتأهيل طبقة قيادية زبونية جديدة، وكل ذلك عن طريق تشكيل شبكة جمعيات موالية للنظام الحاكم ورجاله، وتسخير كل الوسائل الإدارية والأمنية والإعلامية والمالية للدولة، مع تشكيل هيئات جديدة تجمعت فيها كتل انتهازية رهيبة وخطيرة على الدولة قبل المجتمع لن يكون لها من هم في مجالسها إلا المنح المالية والامتيازات المادية، وإن لم تعط هي نفسها ستعطل تلك المجالس، مما يجعل النظام السياسي يضطر لمسايرتها حتى يحفظ زبائنه الطفيليين. وفي نفس الوقت، على المستوى الجزئي، التضييق الشديد في النشاط الجمعوي على المناضلين السياسيين المستقلين أو الذين ينتمون أو يُشك في انتمائهم لأحزاب سياسية، الذين يعتمد عملهم على القناعة والتطوع، خصوصا إذا كانت هذه الأحزاب أو تلك الشخصيات المستقلة معارضة للمنظومة القائمة.

وما نقوله هنا لدينا عليه أمثلة لا حصر لها على محاولات نشطاء تأسيس جمعيات باءت بالفشل، تم التعامل معهم خارج القانون من قبل مصالح وزارة الداخلية المختصة، حيث ترفض هذه الأخيرة استقبالهم، وإذا استقبلتهم بعد شهور من الإصرار على دفع ملف الاعتماد ترفض منحهم وصل الاستلام الذي يحفظ حقوقهم التي تنص عليها القوانين، وحين يودعون الملف ينتظرون، أحيانا سنوات، وإذا تم اعتمادهم، تتكرر المعاناة عند كل تجديد لهياكل الجمعية وفق ما تنص عليه القوانين. وبطبيعة الحال لا يعاني من هذا التضييق المحظوظون الموالون للحاكم أو من لهم صلات أيديولوجية أو مصلحة نافذة داخل الدولة.

حينما نرى هذه الممارسات اللاحضارية التي تنبئ عن تخلف فضيع لدى المسؤولين على هذا القطاع الاستراتيجي المهم لنهضة الأمم يزيد تقززنا واشمئزازها عندما نسمع ادعاءات المسؤولين عن المكاسب الدستورية والقانونية في مجال الحريات.

لو كان ثمة صدق في التشريع ولم يكن الحكام يتلاعبون بالنصوص من أجل تزيين الواجهة لتغليط الرأي العام الدولي والمحلي، لما وُضعت مادة في الدستور تنص على تأسيس الجمعيات بمجرد الإخبار، ثم يعطلون قانون الجمعيات الجديد الذي يحدد آلية ذلك ويبقى الوضع أسوء مما كان عليه، وقد يأتي القانون بشكل مغاير للضمانات الدستورية ويفرغها من محتواها كما تعودنا على ذلك في مراحل سابقة.

إن هذا الوضع يجب أن يتغير لأنه مضر بالبلد، من شأنه أن يتسبب في يأس وإحباط المواطنين، وفي خمول المجتمع، وفقدان البلاد المؤسسات الوسيطة الحافظة من المواجهة المباشرة بين الشعب والدولة في زمن الأزمات.

وإذا استمر هذا التضييق في مختلف المجالات قد ينتهي يوما ما إلى الانفجار، وحتى إن لم يتمرد الشعب على دولته فإن الوضع القائم لا يساهم في تشكيل جبهة داخلية قوية وصلبة أمام المخاطر الخارجية. إنه ليس تحسن مداخيل البترول والسياسات والتصريحات الشعبوية هو ما يمنع من الوصول إلى هذا الوضع الخطير المتوقع، وإنما هو الحكم الراشد وحسن استعمال الموارد البشرية والمالية

 

د. عبد الرزاق مقري

جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية الجزائرية: عن المصالحة الفلسطينية (2)

لقد علمتنا الثورة التحريرية الجزائرية أنه لا يمكن تحقيق النصر على الاحتلال دون وحدة وطنية، جبهة وطنية واحدة، وأفضل طريق للوحدة هو الحوار والمفاوضات، ولكن حين يكون الخلاف حول استراتيجية المقاومة، فلا يؤمن بها أحد الأطراف المعنية، يصبح الحديث عن الوحدة حديثا عبثيا لا يتعلق إلا بالصورة والمشهدية وكسب الموقف وربح الوقت،

وكل اتفاق وحدوي لا يقوم على أساس رفض الاحتلال ومواجهته بالقوة ثم بكل أنواع النضال لا يكتب له النجاح، ومن يتراجع عن اتفاق الوحدة عادة إنما هو الذي لا يؤمن بالمقاومة، أو حينما يبالغ هذا الأخير في تعطيلها، ولكن الوحدة ستتحقق يوما ما ما دام الحق وراءه طالب، ستتحقق بالأمر الواقع في الميدان ثم ينجز وعد الاستقلال … ولو بعد حين.

وفي هذا السياق بدل أن نحرج الفلسطينيين بدعوتهم لوحدة لا يمكن أن تتحقق، مهما كانت المحاولات والإعلانات والنوايا الطيبة، يجب أن نسألهم أولا عن موقفهم من الاحتلال وعن استراتيجية المقاومة المسلحة كأولوية في الكفاح ضد الاحتلال، كما هي تجارب البشر في تصفية الاستعمار، وعلى رأسها التجربة الجزائرية، وفي ذلك كله يجب أن يُسألوا عن سيادتهم على قرارهم.

زارني عزام الأحمد عضو قيادي بارز في حركة فتح، وممثل عباس في الإمضاء عن إعلان الجزائر للم الشمل في مكتبي ذات يوم فلامني على انحيازنا لفصيل واحد من الفصائل الفلسطينية، فأعلمته أن نشأتي وطفولتي كانت فتحاوية، نتغنى بأناشيدها ونتابع نداء صوت فلسطين في الإذاعة الوطنية ” لتحرير فلسطين كل فلسطين” ثم قلت له: ولكن حينما ظهر من تبنّى المقاومة أكثر منكم ودفع الشهداء من الأهل والأولاد ومن أنفسهم صرنا نسندهم بما نستطيع، ونحن نسند كل مقاوم فلسطيني كائنا من كان”. بدأ الأحمد يتحدث – كما هو متوقع – عن بطولات مقاومة فتح وعن سبقها وعن الرصاصة الأولى وما شابه ذلك. ولكن حينما فاجأته بسؤال استنكاري عن مسألة التنسيق الأمني، وبينت له أن التورط في هذا العمل المشين لا يليق بأصحاب الرصاصة الأولى لم يجد شيئا ذا بال يقوله لي.

لا أحد منا كجزائريين يستطيع إخفاء إعجابه بأبي عمار ياسر عرفات وبسبقه وبنضاله وصبره وثباته، ولكن رهانه على المفاوضات عبر مسار أوسلو كان وبالا على القضية الفلسطينية. ولا أحد من جيلنا يستطيع نزع التعلق العاطفي بفتح الرصاصة الأولى ولكن استمرار قادة فتح وقادة منظمة التحرير في زعمهم التمثيل الحصري للشعب الفلسطيني رغم تغير المعطيات على الأرض وفشل رهانهم على المفاوضات لا يستساغ أبدا، والعجيب أنه برغم الإجماع الفلسطيني والعربي والإسلامي على الفشل الذريع لهذه المفاوضات لا تزال قيادة فتح ومنظمة التحرير تراهن عليها، بل إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لا يتحرج في الإعلان، صراحة وبكل وضوح، بأنه لا يؤمن بالعمل المسلح ضد الاحتلال!  في مصادمة تامة للتاريخ وللأعراف السماوية والدولية وللشعب الفلسطيني ذاته، وللساحة الجهادية المتفاعلة في الضفة الغربية.. وليس غزة فقط!

لن يشفع لفتح فضلها السابق كما لم يشفع لمصالي الحاح سبقه في الدعوة للاستقلال، لن يشفع لفتح سبقها ما لم تزينه بما بدأت به فتتخلى عن أوسلو وما يشبهه في نهج المفاوضات العدمية، وإلا فإنها ستخسر كل شيء، بل ربما سيأتي اليوم الذي يتخلى فيه عنها من يدفعها إلى ما هي عليه من سياسات خاطئة، كما كانت نهاية من تورط في التنسيق الأمني مع الاحتلال الفرنسي في زمن ثورتنا المجيدة.  إن لنا في التجربة الثورية الجزائرية في ما سردناه في المقال السابق ما يؤكد فكرنا وتوجهنا حقا. إنه لا مكانة للسبق ولا للزعامة التاريخية، ولا حتى للتأييد الدولي حينما يتعلق الأمر بمقاومة الاحتلال، إنما القيادة كل القيادة، والزعامة كل الزعامة لمن يقاوم فعليا على الأرض، وكل من يتآمر على المقاوم، وينسق مع الاحتلال ضده هو خائن مهما كان تاريخه ومرتبته، ومهما كانت مبرراته، وحاشا شرفاء فتح والمنظمة أن يكونوا هكذا.

لا يعلم عزام الأحمد حين التقيته في مكتبي أن ثمة من المجاهدين من أقربائنا وجيراننا في حي العرقوب المجاهد بالمسيلة (مسقط رأس محمد بوضياف رأس مجموعة 22   الذين فجروا الثورة) من قُتل على الأيادي الآثمة لقوات (م . ب) أثناء الثورة، في سجون سلطته بسجن البراردة ومعتقل تامسة، أو في حواجزه الأمنية والعسكرية، فأنا أعلم جيدا ما معنى التنسيق الأمني مع الاحتلال. لقد كنت أسمع عن مأساة ضحايا جيش (م. ب) في شبابي بعد الاستقلال، ومن ذلك مأساة الشاب اليتيم صلاح الدين، وحيد أمه الثكلى قريب، الذي قَتل العملاءُ والده في حاجز نواحي عين الحجل بولاية المسيلة حين كشفوا انتماءه لجبهة التحرير.

وعلى هذه الخلفية لا أؤمن على الإطلاق بأنه يمكن تحقيق الوحدة بين الفلسطينيين ما دام أحد الطرفين يريد تحرير كل فلسطين ويقاتل من أجل ذلك، ويدفع الأثمان غالية، ويسير على نهج ثورتنا النوفمبرية المباركة التي رفضت التنازل عن أي شبر من الجزائر حين عرض ديغول فصل الصحراء عن الجزائر، والطرف الآخر تنازل عن قرابة 80% من بلاده ويريد تحرير الباقي بالمفاوضات مع قوة احتلال لا تعترف أصلا بوجود فلسطين ولا بعودة أهلها إلى ديارهم وتستعمل المفاوضات لمزيد من الاستيطان وتهويد القدس وحصار غزة وقصف المدنيين العزل وتصفية قادة المقاومة وتدمير الإنسان الفلسطيني وتشتيت الأمة العربية. ويزيد هذا الطرف المفاوض في تعميق الخلاف بين الأشقاء بملاحقة المقاومين وتعذيبهم في سجونه، بل وقتلهم.

إن جر حركة حماس وباقي فصائل المقاومة لكي يسيروا على نهج المبادرة العربية ويتنازلوا عن جزء عزيز من أراضيهم وديارهم جريمة لا تغتفر ولا تُمحى من التاريخ. من أراد من العرب أن يسير في ركب التطبيع مع الكيان سواء اعترف هذا الكيان المحتل بالمبادرة العربية أو قبل ذلك فذلك شأنه، وأمره عند الله وأمام التاريخ ومع الشعوب العربية والإسلامية الثابتة الصامدة، ولكن ليس من حقه أن يكون وصيا على أهل الأرض، وليس مقبولا أن يبتزهم ويستغل قلة حيلتهم وفقرهم واحتياجاتهم الأساسية وهوانهم على كبّار العالم فيدفعهم ليعترفوا بالمحتل ويتنازلوا عن حقوقهم. ومن أراد المساهمة في عمل تاريخي شريف عظيم يؤدي إلى الوحدة بين الفلسطينيين عليه أن يستبين أمر الفصائل في شأن إرادة التحرير وموقفهم من المقاومة المسلحة، وأن يسألهم عن سيادتهم على قرارهم أولا.

د. عبد الرزاق مقري

جبهة التحرير الوطني (FLN) والحركة الوطنية الجزائرية (MNA): عن المصالحة الفلسطينية

لكل زمن فكره، لكل زمن رجاله، ولكل زمن إنجازاته. وقليل من الناس من يستطيع أن يتكيف ليواكب الأزمنة المختلفة، يقولون في علم الإدارة أن 5% فقط من الناس يستطيعون التكيف مع التحولات وتجديد أنفسهم للاستمرار في الريادة.

بعد ان انتهت مرحلة المقـ.ـاومة الشعبية الجزائرية المسلحة التي واجهت الاحتـ.ـلال الفرنسي مدة سبعين سنة تقريبا، منذ دخوله سنة 1830 إلى بداية القرن العشرين خلفتها المقـ.ـاومة السياسية الوطنية التي صار دورها مواجهة مخططات فرنسة الجزائر وسلخها من انتمائها الحضاري بالتجهيل والتنصير ومحاربة اللغة العربية والتفريق العرقي، علاوة على التجويع ومختلف وسائل الإبادة والاحلال الاستيطاني بجلب سكان جدد من مختلف أنحاء أوربا.

استطاعت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن تحقق بمدارسها وبرامجها الموجهة لصناعة الإنسان نهضة عربية إسلامية جزائرية، كما حارب النخبيون قانون الأهالي وحاولوا تحسين ظروف الجزائريين دون أن يتحقق لهم ما أرادوه، وفي أوج قوة تياري الإصلاح الديني والإصلاح القانوني أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي سنة 1936، برز مصالي الحاج الذي كان نضاله قبل ذلك بين شبكات العمال الجزائريين والمغاربة في فرنسا ضمن حزب نجم شمال افريقيا.

حين برز مصالي الحاج في الجزائر كانت رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد تحققت إذ نشأ تيار كبير من الوطنيين آمنوا بمقولة الشيخ عبد الحميد بن باديس “إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد…، في لغتها، وفي أخلاقها، وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري”. وبعد هذا الإنجاز أصبح الشعب الجزائري يتطلع إلى شيء جديد: هو الاستقلال.

فهم مصالي حاجة الجزائريين فجاء يحضر المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في ملعب 20 أوت سنة 1936 بالرغم من أنه لم يكن معنيا وفرض نفسه على المنظمين. كان الحضور يتطلعون إلى ما سيقوله الزعماء الكبار الذين ألفوهم – ومنهم رمز الأمة الجزائرية عبد الحميد بن باديس – عن رحلتهم إلى فرنسا وجواب السلطة الاستعمارية في باريس عن مطالب الحقوق، فأخذ مصالي الحاج الكلمة فألهب بها مشاعر الجمهور وخرجوا به من الملعب يحملونه على أكتافهم … لقد دار الزمن لصالح مصالي الحاج.

كانت حركة واحدة، وعبارة واحدة كافيتين لتغيير مسار التاريخ. حمل الرجل حفنةً من التراب ونادى في جمهور لا يعرفونه: ” هاذي بلادنا! هاذي ارضنا! ويجب على الاستعمار أن يخرج، الاستقلال! الاستقلال!

في وقت قياسي شكل مصالي الحاج “حزب الشعب الجزائري” في أنحاء البلاد كلها، وصارت فكرة “الاستقلال” هي الفكرة الآسرة والجامعة للشعب الجزائري. وهكذا فُتح قسمٌ جديد في مدرسة الحركة الوطنية بات هو الأكثر استقطابا والأكثر تخريجا للقادة والأكثر تأثيرا في الشعب والأكثر ضغطا على الاستعمار الفرنسي، وفي الساحة الدولية.

حين اندلعت الحرب العالمية الثانية استعملت فرنسا المنهزمة أمام هتلر أعدادا كبيرة من الشعب الجزائري لاسترجاع كرامتها، وبدعم من الحلفاء أُطلِق “وعدٌ ما” بأن من حق الشعب الجزائري أن يتطلع إلى الاستقلال وأن المسألة ستناقش بعد نهاية الحرب. عند انتهاء الحرب خرج الجزائريون في يوم 8 ماي 1945 للشوارع سلميا يطالبون إنفاذ حقهم في الحرية كغنيمة من غنائم حرب طاحنة ذهب ضحيتها 60 مليون قتيل من أجل الحرية وضد العنصرية. لم يُرِدها الفرنسيون المتمسكون ب”الجزائر الفرنسية” هكذا فاقترفوا مجزرة مروعة في حق طلاب الاستقلال راح ضحيتها 45 ألف شهيد.

كانت أحداث 8 ماي 1945 حدا فاصلا بين مرحلتين: مرحلة المطالبة بالاستقلال بالوسائل السلمية ومرحلة الانتقال إلى العمل المسلح من أجل ذلك. كانت خيبة الأمل شاملة لدى كل منظمات وقادة التيار الوطني، الجمعية والاندماجيون وتيار الاستقلال، فلا بد من مبادرة تخرج الحركة الوطنية من الجمود الذي وقعت فيه، والذي لا يخدم إلا الاحتـ.ـلال. شيء طبيعي أن يكون حزب الشعب بقيادة مصالي الحاج هو المبادر فأسس المنظمة الخاصة ( أو المنظمة السرية) للإعداد للعمل المسلح، وكان عناصرها كلهم شباب. وقع ذلك في مؤتمر حزب الشعب يومي 15-16 فبراير 1947 الذي تشكلت فيه حركة انتصار الحريات الدينوقراطية كواجهة قانونية لحزب الشعب الجزائري الذي دخل السرية بعد أن تم حله من الإدارة الاستعمارية. غير أن الأحداث الداخلية للتيار الوطني كله غيرت المسارات. نشبت خلافات في كل الاتجاهات، وكان الخلاف الأشد بين مصالي الحاج وأعضاء اللجنة المركزية الذين ينتمون إلى الجيل الثاني الذي حنكه النضال والسجون واحداث الحرب العالمية فلم يصبح يقبل قرارات الزعيم دون مؤسسية. التزم شباب المنظمة الخاصة، الذين يمثل أغلبهم الجيل الثالث، الحياد وكانوا يلومون الجميع على انشغالهم بالخلافات والتخلي عن دعمهم للانتقال الفعلي إلى العمل المسلح.

في الفاتح من نوفمبر 1954 فجر الشبابُ الثورةَ وأسسوا جبهة للتحرير الوطني ودعوا كل الأحزاب والقوى الوطنية للالتحاق بها على قاعدة واحدة هي lلجـ.ـهاد المسلح من أجل تحرير الجزائر. وعلى زغردة الرصاص وعبق البارود يكون اعتماد كل أشكال النضال الأخرى، الشعبية والدبلوماسية والعمالية والطلابية والفنية والرياضية وغير ذلك.

التحق العلماء والنخبويون والمركزيون جميعا وبعض الشيوعيين، أفرادا، وحلوا كياناتهم، سوى الحزب الشيوعي الذي بقي تابعا للحزب الشيوعي الفرنسي.

غير أن المعضلة الكبرى تمثلت في أن أب فكرة الاستقلال لم يتقبل أن أبناء أبنائه يفجرون الثورة دون المرور عليه فلم يعترف بهم، ولا بثورتهم، وأسس حزبه “الحركة الوطنية الجزائرية” ليبقى يطالب بالاستقلال ولكن دون مواجهة مسلحة. لم تقبل جبهة التحرير الوطني أن يكون للثورة رأسان، ولم تراع في مصالي الحاج مكانته وسبقه إذ تخلف عن إعلان lلجـ.ـهاد ورفض الالتحاق به.

تعقّد الأمر أكثر حينما أسس رجل من أتباع مصالي المخلصين (م . ب) جيشا مسلحا لمواجهة جبهة وجيش التحرير الوطني، ثم دخل هؤلاء الوطنيون “القدماء” في تنسيق عسكري وأمني مع جيش الاحتـ.ـلال، وتورطوا في جرائم مروعة ضد إخوانهم الجزائريين، وأصبحت المواجهة المسلحة بين الطرفين شاملة في الجزائر وعلى الأرض الفرنسية ذاتها وسط المغتربين الجزائريبن . وعند ظهور الخيانة وتجليها رفض كثير من أعضاء الحركة الوطنية الجزائرية المصالية هذا الانحراف، وكثير منهم التحق بالجهة المقـ.ـاومة للاحتلال، بل حتى مصالي الحاج نفسه أصابه كثير من الحرج ودعا إلى وقف الاقتتال ولكنه لم يتخل عن حزبه ولم يلتحق بالثورة، وربما تكون صحوة مصالي الحاج المتأخرة هذه ما جعل دولة الاستقلال تمنحه الجنسية الجزائرية دون منحه جواز السفر إلى أن مرض مرض وفاته، وحين توفي رحمه الله نُقل جثمانه من فرنسا ليدفن في الجزائر، وبعد سنوات أعيد الاعتبار لمكانته الأولى في الحركة الوطنية وسميت منشآت رسمية باسمه.

لم يتوقف الخـ.ـائن ( م . ب ) عن التنسيق الأمني مع الاحتـ.ـلال وقتال المجاهدين، بل تبرأ من تبعيته لحزب مصالي الحاج، وبقي يواصل خيانته حتى لحقته الهزيمة و قُتل معزولا لم يأسف عليه أحد، حتى فرنسا التي كانت تسلحه لم تأسف عليه إذ تقول المصادر الفرنسية أنه صار عبئا عليها فتخلت عنه في آخر المطاف وانتهى به المطاف معزولا حتى داخل عشيرته.

بعد ما تجاوز الخلاف بين الأشقاء مستوى الخلاف السياسي وصارت الحركة الوطنية الجزائرية، وخصوصا ذراعها العسكري، ألعوبة في يد الاحتـ.ـلال، لم يصبح ممكنا تحقيق أي تقارب بين الطرفين. لقد بدأ الخلاف حول استراتيجية تصفية الاستعمار، بين استراتيجية المقـ.ـاومة واستراتيجية المفاوضات السياسية دون قتال، ثم تحول الخلاف إلى مواجهة مسلحة وتنسيق أمني تورط فيه الطرف الأسبق والأقدم في النضال الوطني وفق ما كان يدعيه!

لم يتوقف النزاع إلا برجوع فئة كبيرة من أعضاء وأنصار الحركة الوطنية الجزائرية المصالية إلى الموقف الوطني الصائب والسائد بين الجزائرين ثم بالحسم المسلح مع من بقي في الخيانة. ومن عبقرية الثورة التحريرية أن كثيرا من زعماء الفصائل والشخصيات، لم يساهموا في تفجير الثورة والتحقوا بها متأخرين، استطاعوا أن يجدوا لهم مكانة في صفوفها الأولى لما رجعوا إليها بصدق، بل حتى أولئك الاندماجيون الذين لم يكونوا يؤمنون بالشخصية الجزائرية المستقلة عن فرنسا صاروا قادة فيها كأمثال فرحات عباس رئيس حزب الاتحاد من أجل البيان والديموقراطية الذي وجد نفسه رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة.

لقد علمتنا الثورة التحريرية الجزائرية أنه لا يمكن تحقيق النصر على الاحتـ.ـلال دون وحدة وطنية، جبهة وطنية واحدة، وأفضل طريق للوحدة هو الحوار والمفاوضات، ولكن حين يكون الخلاف حول استراتيجية المقـ.ـاومة، فلا يؤمن بها أحد الأطراف المعنية، يصبح الحديث عن الوحدة حديثا عبثيا لا يتعلق إلا بالصورة والمشهدية وكسب الموقف وربح الوقت، وكل اتفاق وحدوي لا يقوم على أساس رفض الاحتـ.ـلال ومواجهته بالقوة ثم بكل أنواع النضال لا يكتب له النجاح، ومن يتراجع عن اتفاق الوحدة إذا وقعت إنما هو الذي لا يؤمن بالمـ.ـقاومة، ثم ستتحقق الوحدة يوما ما بالأمر الواقع في الميدان وينجز وعد الاستقلال … ولو بعد حين.

يتبع..

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية