المقالات

كنت قبل يومين أهم بالسفر خارج الوطن فإذا بي أخبر في موقع شرطة الحدود أنني ممنوع من الخروج، وعند مناقشتي الضابط الذي كلف بإخباري وجدته لا يعرف شيئا عن الموضوع سوى أنني ممنوع وأنه لا يعرف غير هذا.

لقد تأكد لدي بأن سبب منعي من مغادرة التراب الوطني له علاقة بالقضية الفلسطينية، وبغض النظر عن السبب وعن قضيتي الشخصية فإن هذا الإجراء الأمني المخالف للدستور والقوانين ولمبادئ الحقوق الأساسية للمواطن يدل على استخفاف السلطات بظروف ومصائر الناس، دون أي اكتراث بما قد يلحق المسافر من الأذى في مصالحه المادية والمعنوية والنفسية وربما الصحية والتعليمية وغير ذلك، وكذا مصالح من لهم علاقة به وبسفره.

وهو إجراء يدل كذلك على جرأة كبيرة في الدوس على الدستور والقوانين والأخلاق بمجرد الوهم من غير سؤال ولا حوار مع المعني وبدون أي احترام له كإنسان وكمواطن حر.

1 – أقوم بنشر الخبر بنفسي للرأي العام وملابساته وآثاره بعدما لم أفلح في حل المشكل عن طريق الاتصال بالجهات المعنية للأسف الشديد ولم أستطع استئناف سفري للوجهة التي كنت أريدها والقيام بأعمالي وفق برنامجي وتحقق الضرر الذي لحق بي.

علما بأن الخبر قد تم تداوله في عدة دوائر منذ وقوعه، وأؤكد بالمناسبة لمن يهمه الأمر بأنني لست متابعا قضائيا، وأثناء الليلة التي وقعت فيها مجزرة المستشفى الأهلي في غزة والتي خرجت على إثرها للشارع بشكل تلقائي دون تنسيق مع أحد ودعوت عبر هاتفي الناس للخروج لإظهار غضبنا كجزائريين ضد الصهاينة مثل غيرها من الشعوب في العالم أخبِرت رسميا بأنه لا توجد أي متابعة قانونية.

2 – يشرفني كثيرا أن أتعرض لهذا الاعتداء الرسمي بسبب مناصرتي للقضية الفلسطينية، وسعادتي لا توصف أنني أتحمل ضمن الملحمة التاريخية العالمية التي دشنها طوفان الأقصى هذا الجزء اليسير من الأذى الذي لا وزن له مقارنة بما يكابده أهلنا في غزة.

إن مواقفي في معارضة النظام السياسي التي تجعلهم ينتقمون مني بسببها كثيرة منذ سنوات، في مجال السياسة والحريات والاقتصاد ومكافحة الفساد، ولكن الحمد لله أن القضية التي اعتدي علي بسببها هي قضية مقدسة لا يختلف عليها الجزائريون.

3 – إن عملي للقضية الفلسطينية ليس جديدا ولا يوجد أي سبب للتحسس منه بخصوصي من قبل السلطات، فقد كنت الأمين العام لفرع مؤسسة القدس العالمية تحت رئاسة الشيخ شيبان والأستاذ عبد الحميد مهري رحمهما الله، وكنت رئيس الوفد الجزائري لأسطول الحرية وبعد خروجنا من السجن الإسرائيلي في فلسطين المحتلة بعد هجوم الجيش الصهيوني على سفينة مرمرة نقلتنا طائرة خاصة رسمية جزائرية من الأردن إلى الجزائر، وكنت رئيس الوفد الجزائري في قافلة شريان الحياة 5 الذي ضم أكثر من مائة فرد جزائري والعديد من القوافل بعد ذلك وكنت بخصوصها في اتصال دائم مع سفارتنا في مصر، وشاركت في مسيرة العودة التأسيسية الأولى في الأردن نحو الحدود الفلسطينية المحتلة، ونظمت وشاركت في مسيرات ومهرجانات لا تحصى لنصرة فلسطين في الجزائر وخارجها، وعلاقتي مع الفلسطينيين مكشوفة واضحة لا تخفى على أحد وأنا عضو في حركة جزائرية اسمها الأول “حماس” نشأت كجزء من مسيرة الأمة لتحرير فلسطين، ومن بلد اسمه الجزائر شعاره الخالد “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وأنا إذ أتعرض للأذى بسبب انخراطي في تحولات طوفان الأقصى فإن ذلك شرف لي أكثر من أي مساهمة سابقة بالنظر للتحولات التاريخية التي أنشأها هذا الطوفان المبارك، الذي كنت أستشرفه دون أي معلومات سابقة عنه، وتحدثت عن ضرورة تصعيد المقاومة لإنقاذ القضية الفلسطينية من الضياع أياما قليلة قبل وقوعه، ووقع كما كنت أتوقعه وثمة شهود على ذلك، فكيف لا أحتفي به وكان جزء من فكري ومشاعري كان متعلقا به قبل حدوثه.4 – كنت أثناء منعي من مغادرة التراب الوطني متجها إلى الدوحة وماليزيا، وكان برنامجي في الدوحة هو زيارة مجاملة وتهنئة للقائد هنية والقيادة الفلسطينية في اليوم الموالي، وبعدها القيام باتصالات لإبرام اتفاقات شراكة لعقد المؤتمر الدولي السابع لمنتدى كوالالمبور الذي سيعالج الانهيار القيمي والأخلاقي في العالم، وسيركز على انهيار القيم الأخلاقية للدول الغربية تجاه المحرقة الجارية في غزة، بمشاركة شخصيات من مختلف أنحاء العالم من المسلمين وغير المسلمين، ومن ذلك الالتقاء وفق مواعيد مضبوطة مع عدد من العلماء على رأسهم الشيخ الددو والشيخ الصلابي.

وأما في ماليزيا فكنت سألتقي مع الدكتور مهاتير رئيس منتدى كوالالمبور لمناقشة المؤتمر وقضايا المنتدى بصفتي الأمين العام، بالإضافة إلى لقاءات أخرى مهمة مع العديد من الشخصيات حول قضايا المسلمين والقضية الفلسطينية، علاوة على ندوة كنت سأقدمها عن كتابي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”.

وقد اتصل بي من كان لي معهم مواعيد للسؤال عن تأخري فلم أخبرهم بعد، وبالرغم من أن سبب منعي مخجل سأضطر لمراسلتهم بعدم قدرتي على السفر.

5 – هذا التضييق يدل على أنني أصبحت مستهدفا بشكل مباشر من النظام السياسي وقد أقدم على هذا التجاوز الظالم ضمن سياسة التحكم في الجميع المتبعة من قبل، وبغرض العزل السياسي المتعلق بالتحولات الجديدة، وبالاعتماد على حالة الركود السياسي والحقوقي العام في البلاد، وبالنظر أنه لا توجد قوة خارجية تسندني على غرار ما تفعله فرنسا وأمريكا والدول الأوربية حين يتم التضييق على أصدقائهم وحلفائهم أو عملائهم من النشطاء السياسيين الجزائريين، بل إن سبب التضييق عليّ المتعلق بالقضية الفلسطينية سيجعل هؤلاء الغربيبن يسعدون بذلك، وقد سبق لهم التحريش ضدي عبر أحد وكلائهم كما قد أبينه لاحقا، ولكن ثقتي في الله كبيرة وتوكلي عليه عظيم، وسأبقى أكافح من أجل ما أؤمن به بأنه حق ولو كنت وحدي ولا يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا والأيام دوّارة، والله سبحانه أقوى من الظالمين جميعا، وحسبنا مولانا عز وجل وهو نعم الوكيل.

وصدق الله تعالى إذ يقول: ” إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور”.

6 – إن هذا المستوى من تكميم الأفواه ومنع الحريات لم أر مثله من قبل، رغم طول سنوات النضال في العمل السياسي، فقد خرجنا في مسيرات في الشوارع منذ بداية التعددية دون ترخيص في وقت الإرهاب وفي ظروف أمنية أخطر بكثير من أي وقت، ووقع التدافع بيننا وبين رجال الأمن في الشارع، دون أي حقد ولا ضغينة، فلم يُحاسب أحد ولم يتابع أحد ولم يُمنع أحد من السفر .

لقد خرجنا للشوارع دون ترخيص في زمن زروال وبوتفليقة، ضد التزوير، ومن أجل العراق، وتضامنا مع غزة والمقاومة، وضد العهدة الرابعة، وضد الغاز الصخري وضد الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتم التصرف مع أي كان بالشكل المعمول به حاليا في هذه الفترة.

7 – لم أتوقف أنا شخصيا عن نقد بوتفليقة بأقوى العبارات، واتهمت نظامه بالفساد والفشل وتخريب البلد، وحين أغضبته مُنعت شخصيا من التلفزيون الرسمي ولم أمنع من القنوات الخاصة ولم أمنع من السفر، بل قمت بنقد القايد صالح ذاته رحمه الله، ومن قبل قمت بنقد المخابرات والجنرال توفيق، وكل تصريحاتي موثقة إلى الآن في الوسائط الاجتماعية ولم يقم أي واحد من هؤلاء الرجال الأقوياء بمنعي من السفر، ورغم انزعاجهم من توجهي السياسي كانوا جميعا يدركون بأنه ليست لي أي حسابات شخصية وأتحرك بقناعتي من تلقاء نفسي وأنهم ليسوا وطنيين أكثر مني.

8 – يجب أن نقول بكل وضوح بأن هذه المرحلة هي أكثر المراحل تضييقا للحريات، سياسيا وإعلاميا واقتصاديا ومجتمعيا، وأن هذا التضييق الذي تجاوز الحدود لا يدل على قوة السلطة الحاكمة ولكن على ضعفها، وأن البلد سيضعف معهم بتصرفاتهم هذه، وأن قمع الحريات مهما اشتدت ومهما كان ضحاياه لن يدوم، وإنما يُسجّل بأسوء الذكريات باسم أصحابه عند الله وفي التاريخ، المستبدين منهم والمناضلين والساكتين.

ملاحظة في الأخير: قال لي بعض الأصدقاء لو تمتنع عن الحديث في وسائل الإعلام أفضل.

فقلت لهم لا يوجد شيء أفضل مع النظام السياسي الجزائري، تتحدث مشكلة وتسكت مشكلة، إذا الأفضل أن أتحدث حتى يسمع الناس مني ولا يسمعون عني ولعل ذلك يساهم في وعي الناس.

وأنا مطلع على تجارب من قبلي سكتوا فقتلهم النظام السياسي سياسيا في صمت، من هؤلاء عبد الحميد مهري، منذ أن انقلبوا عليه وهو ساكت فلم ينفع صمته ومات بغيضه، وأصبح حزبه متحكما فيه من خارج مؤسساته، وبعده الشيخ محفوظ دمروا حياته السياسية منذ أن أصر على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1999، طعنوه في تاريخه وحاصروه ثم أضعفوه في الانتخابات التشريعية عام 2002، فمات بغيضه في صمت، فلم يتكلم عن أوجاعه وغضبه من النظام السياسي إلا معنا في محيطه الضيق، وكانت النتيجة أنه أصيب بالعديد من الأمراض ومات وعمره 61 عاما (أقل من السن الذي أنا فيه)، وضعف حزبه بعده وانقسم إلى عدة أجزاء، وبقي النظام السياسي، في المقابل، يكرر تجارب الفشل والفساد ويُغرق البلد في التخلف إلى أن وصل إلى الحضيض الذي ثار عليه الحراك الشعبي، وذهب سكوتهم وتضحياتهم سدا من هذه الزاوية.

وهذا النهج السياسي الذي أسلكه – ليس من اليوم فقط – بكل إيمان ومسؤولية، هو الذي نفع الحركة التي كنت على رأسها، ونفع الفعل السياسي في الجزائر.

وحتى وإن لم يكن في الوقوف مع المبدأ أي كسب مرحلي وكانت فيه تضحيات فذلك هو الصواب وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

عبد الرزاق مقري.

 

ثانيا – تقدير الموقف إلى الآن

حينما أعلن القائد الأعلى لكتائب عز الدين القسام عن بدء عملية طوفان الأقصى يوم 07 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وجّه نداءه إلى الأمة كلها، وركز على الفلسطينيين جميعهم، في غزة والضفة الغربية والقدس وفي الأرض المحتلة سنة 48، وقصد بلدان الطوق بمصر والأردن ولبنان وسوريا، ثم المسلمين جميعا في كل بلدانهم من طنجة إلى جاكرتا.

لا أظن أن الضيف كان يعتقد بأن غزوة أكتوبر ستكون هي الحاسمة وحدها فورا في تحرير فلسطين والمسجد الأقصى، لا أظن إلا أنه أدرك بأن القضية الفلسطينية تراوح مكانها، وأن الأمة الإسلامية لا تأخذ وجهتها نحو مجدها وسؤددها واستنهاضها الحضاري، وأن الأمر يتطلب نفيرا عاما في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين وتحرير الأمة كلها، تحرير العقول والنفوس والإرادات، لينظر كل عربي ومسلم، وكل جمعية وجماعة ومنظمة وحزب ومؤسسة، وكل حكومة وكل دولة إلى الأمور على حقيقتها، بعيدا عن الأهواء والأوهام، بميزان المبادئ والمصالح الشرعية.

لا شك أن تجاوب الأمة لم يكن كما أراده قادة المقاومة، فلا الفلسطينيون في الضفة الغربية تحركوا في مجملهم لمواجهة الاحتلال وتغيير المعادلة الفلسطينية المتحكم فيها من قبل عباس وسلطته وتنسيقه الأمني، ولا تحركوا بما كان منشودا في القدس والخط الأخضر.

كما أن التحركات الشعبية في الأردن لم تتوصل إلى إجبار السلطات لإنهاء اتفاقيات وادي عربة أو الاقتراب من الحدود، ولا حدث شيء في مصر، من داخل النظام أو على المستوى الشعبي، يحرج الحكام لينهوا التطبيع الرسمي أو على الأقل يهددون بذلك، أو على أقل الواجب يفتحون معبر رفح ويتحملون مسؤولية نجدة المدنيين وإدخال المساعدات، وبقيت الساحة المصرية للأسف الشديد، من أهدأ الساحات في العالم العربي والإسلامي تجاه ما يحدث في فلسطين.

وللإنصاف يمكن أن نعتبر الدور القطري هو أهم الأدوار من الناحية الرسمية من خلال تحمل مسؤولية التغطية الإعلامية المستمرة التي تقوم بها قناة الجزيرة والتي تفضح أمام العالم كله الحقيقة الإجرامية للصهاينة وتنقل بالصور وتحليلات المختصين منجزات المقاومة، خصوصا ما يؤديه الضابط المتقاعد الشهم فايز الدويري.

وخلافا لما يقوله أصحاب الحسابات السياسية والطائفية، ما فعلته الصور التي تبثها الجزيرة – رغم ما تنشئه من ألم لا يُتحمل – ساهمت أكثر من غيرها في قلب الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وضد الاحتلال الصهيوني، وذلك مكسب استراتيجي كبير سيُحدث فرقا كبيرا في القضية لاحقا بحول الله، علاوة على ثقة المقاومة فيها في المفاوضات القائمة من أجل تبادل الأسرى.

كما لا يستهان في ما حققته الصور الفضيعة في كشف الوضاعة الأخلاقية السحيقة للمطبعين والمتخاذلين العرب، البادين والمتخفين.

أما عن “محور المقاومة” كما يسميه أصحابه فقد ظهر بأنه محور سياسي – أكثر من أي شيء آخر – لخدمة مشاريع سياسية لإيران وحزب الله، ورغم خيبة الأمل في موقف هؤلاء – بالنسبة لمن كانت توقعاتهم عالية في دخولهم المعركة – فإن ثمة وجه إيجابي في الأمر حيث بدا جليا بأن المقاومة الفلسطينية ذات قرار فلسطيني سيادي وأنها لا تتحرك إلا في إطار المصلحة الفلسطينية ورؤية التحرير.

ومؤسف أن نقول أن الأمة لا تزال بعيدة عن مفهوم وحدة المصير، وأن أجزاءها الأقرب لبعضها البعض في مقاومة الكيان الصهيوني لا تعرف مفهوم عبارة ” أكِلت يوم أكل الثور الأبيض”.

وقد بين تفرد المقاومة الفلسطينية في الانخراط الكامل في المواجهة المسلحة ضد الصهاينة في هذه الواقعة المصيرية أن من يقود المعارك التاريخية في الأمة ضد أعدائها – وليس في المعارك البينية بين المسلمين – هي طائفة مؤمنة تمثل الأغلبية السنية في الأمة، وأن القوى الشيعية التي اعتبر بعض قادتها الكبار – الذين يتوفرون على مكنة عسكرية لا يستهان بها – بأن الكيان الصهيوني هو أهون من بيت العنكبوت قد ضيعوا فرصة التموقع في الطليعة القيادية لإنهاء وجود هذا البيت الهش حسب تعبيرهم، ولن يكون لهم ذلك في المستقبل، إذ أصبح واضحا بأنه لم يصبح يُنظر إليهم لدى غالبية المسلمين إلا في مستوى القوة الثانوية المشاركة مع جسم الأمة الكبير في معركة إنهاء الاحتلال، وهم في كل الأحوال أفضل من الحكام العرب العملاء والمتخاذلين جميعهم، من حيث مساعدتهم الفعلية للمقاومة الفلسطينية طيلة السنوات بغض النظر عن مقاصدهم.

وفي كل الأحوال – وبكل صدق – يُشكر حزب الله على ما يقوم به من إشغال لجزء من القوة الإسرائيلية في جنوب لبنان، كما يُشكر الحوثيون البعيدون عن أرض المعركة على مبادراتهم ومحاولاتهم لإيذاء الاحتلال، دون الدخول في النقاش العقيم حول النوايا الذي يفضّله بعض المنشغلين بالكلام عن العمل في زمن احتدام المعركة.

وبالنسبة للأتراك فإن خيبة الأمل فيهم كبيرة كذلك، إذ لم يستجيبوا هم بدورهم لهذه الفرصة التاريخية العظيمة لإنهاء التطبيع والانخراط في حركة التاريخ المؤدية حتما إلى إنهاء الكيان، خلافا لما يريدونه ولما يُصرّون عليه بشأن حل الدولتين رغم الوضوح البيّن القطعي بأن قادة الاحتلال المتحكمين في المؤسسات الرسمية والمجتمعية الصهيونية لا يؤمنون بذلك ويعملون بشكل منهجي على الإبادة الجماعية وتهجير الفلسطينيين وبناء المستوطنات ليأخذوا فلسطين كلها، بدعم أمريكي أوربي وتواطئ خفي من بعض العرب، بما جعل المعادلة صفرية ستنتهي إما بدولة إسرائيلية واحدة أو دولة فلسطينية واحدة، وأن الشعب الذي سيبقى على الأرض الفلسطينية هو الشعب المتمسك بها الذي ليست له إلا جنسية واحدة هي الجنسبة الفلسطينية.

لقد كنت حاضرا في صبيحة اليوم السابع من أكتوبر في مؤتمر العدالة والتنمية كضيف حينما بدأت تصل أخبار الأحداث الجارية في فلسطين، وسمعت بنفسي الموقف الباهت للسيد أردوغان، ولم يتغير خطابه إلا بعد استفحال قتل النساء والأطفال في غزة وتحرك المعارضة وبعض حلفائه.

ولا شك أن تصريحاته الحالية أقوى بكثير من تصريحات كل الحكام العرب، وأجرأ وأشجع، تنم عن عِزّة شامخة وسيادة في القرار، ولكنها إلى الآن لم تتجاوز مستوى الخطاب، وكل ما تصرح به القيادة التركية بخصوص الشحنات الكبيرة للمساعدات لا ترفع تركيا إلى مستوى ما توقعته الأمة من قادتها إذ دول كثيرة تستعد لإرسال طائرات وبواخر.

ولو أرادت الحكومة التركية أن تستدرك فعلا في هذه الأيام فلترسل، أو تسمح بأسطول حرية آخر تحميه ببوارجها العسكرية لإغاثة أهل غزة والمساهمة في كسر الحصار ، أو على الأقل تسمح للبواخر بالانطلاق من موانئها، وفي العالم ناشطون غير مسلمين كثر لهم الاستعداد للتضحية بحياتهم من أجل الحرية والإنسانية، وفي العالم الإسلامي أعداد لا حصر لها من مشاريع الشهادة الذين يتوقون أن يموتوا في سبيل الله فداء لفلسطين.

ولو حدث ذلك بأعداد كبيرة من السفن والناس ثم قام جيش الاحتلال باقتراف جريمة أخرى في حقهم لزاد ذلك في تسارع انهيار هذا الكيان المجرم.

كما أن تحركات الشعوب في البلاد العربية والإسلامية الأخرى ليست بالمستوى الذي يتناسب مع أهمية وعمق وأبعاد معركة طوفان الأقصى إلى الآن، رغم اتساعها وانتشارها في العديد من الدول.

وقد تأكد، خصوصا في العالم العربي، بأن الأنظمة قد توصلت إلى تحجيم أثر القوى الحية، ومنها التيار الإسلامي.

ومن ذلك ما نراه في دول مطبّعة كان المفروض أن تكنس فيها الشعوب سفارات العدو، أو الدول غير المطبعة التي بقي الحراك فيها محدودا، كما هو الحال في الجزائر، وفق ما أراه بنفسي، إذ أغلِقت الساحات أمام المحتجين على جرائم الكيان الصهيوني، ولم يجرأ حتى النواب المحصّنون قانونا أن يقفوا وقفة احتجاج أمام السفارة الأمريكية، وبقي الطلبة في سكون مطبق في جامعاتهم، خلافا لما كنا نقوم به خلال سنوات طويلة من قبل.

إن كل هذا الوضع المزري الذي أصفه دون مواربة لا يشير إلى فشل أهداف طوفان الأقصى، بل على العكس من ذلك يؤكد الانتصار المتعاظم، إذ لو لا الطوفان لاستمر هذا المسار الموصوف الخطر على الأمة في الاتساع.

ربما لم يحقق الطوفان على الفور ما أراده “الضيف”، وذلك مراد الله، ولكن ستُحدث موجاته المتلاحقة أثرا عظيما مع الوقت بصور أخرى غير التي تمناها أبطال المقاومة، ولن يكون العالم بعد الطوفان كما كان قبله، وسنساهم في تبيين ذلك في المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة بحول الله.

إن الآثار الإيجابية العميقة التراكمية المؤكدة لمثل هذه المعارك البطولية تشهد بها مثيلاتها في ثورات الشعوب، فهي ليست عملا جنونيا غير محسوب، بل إنها عمل ثوري عاقل ومدروس، ولنا على رشده شواهد من تاريخ ثورات الشعوب ضد الاحتلال، وسعي الأمم لقومتها، وحركة التاريخ لتحرير الإنسان، ويمكن أن نضرب في ذلك مثالين، مثال من الثورة التحريرية الجزائرية ومثال من الثورة الفيتنامية.

لقد دفعت نفس الظروف التي شكلت إرادة الطوفان الفلسطيني في 07 أكتوبر 2023 قادة الثورة التحريرية الجزائرية، على رأسهم الشهيد زيغود يوسف رحمه الله، إلى القيام بعملية مشابهة في 20 أوت 1955 بعد ما لاحظوا تركيز ضربات جيش الاحتلال الفرنسي على مركز قوة الثورة في منطقة جبال الأوراس، وقلة التجاوب الشعبي في عموم الجزائر مع الاندفاعة الثورية الأولى بعد عام من اندلاعها في الأول من نوفمبر عام 1954 ، فقرروا توسيع العمليات في مناطق واسعة في قرابة مائة منطقة بين مدينة وقرية في الشمال القسطنطيني بالشرق الجزائري، استهدفوا من خلالها المنشآت والمراكز العسكرية ومزارع المعمرين وتمكنوا من السيطرة المطلقة المؤقة على العديد من المدن والقرى، وكان رد فعل سلطات الاستعمار شن حملة قتل وتوقيف وحشية لا مثيل لها أحرقت فيها قرى بكاملها برجالها ونسائها وأطفالها ودوابها، ودكتها بالمدافع جوا وبرا لعدة أيام وذهب ضحية تلك الحملة الانتقامية قرابة 12000 جزائري أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، تماما مثلما يقع اليوم في غزة، بل ثمة أعداد كبيرة من الجزائريين دفنوا أحياء بالجرافات في قبور جماعية، ومن أراد التوسع في الاطلاع أكثر فليكتب على محركات البحث عبارة “هجمات الشمال القسنطيني”.

ولكن رغم هذه التضحيات فإن النتيجة لصالح الثورة كانت عظيمة رغم الحرج الشديد والذهول الذي أصاب عموم الجزائريين في بداية الأمر إذ أدت جرأة المجاهدين التي كسرت جدار الخوف، وجرائم الاحتلال التي رسمت القطيعة التامة مع الاحتلال، إلى انخراط كامل للشعب الجزائري في كل البلاد في صف الثورة النوفمبرية المباركة، وعلى إثر ذلك تأكدت مرجعية جبهة التحرير في قيادتها الثورية وتراجع نهج المفاوضات مع الاستعمار من أجل الحقوق، وانهارت اطروحة ” الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمّرون، ودُولت القضية الجزائرية وأصبح لها أنصار في كامل المعمورة وفي داخل فرنسا ذاتها، ومنذ ذلك اليوم تسارع العد التنازلي للاحتلال الفرنسي إلى أن اندحر ستة أعوام بعد “هجومات الشمال القسنطيني” فعُدّت هذه الهجومات عند المجاهدين الجزائريين وكثير من المؤرخين الانطلاقة الثانية للثورة التحريرية، ولذلك سمي هذا اليوم بعد الاستقلال رسميا ب”يوم المجاهد” وبقينا نحتفل به إلى اليوم.

وهكذا سيكون يوم 07 أكتوبر اسمه “يوم المقاومة” في فلسطين المستقلة بحول الله.

وفي الفيتنام شن الثوار الشماليون “الفييت كونغ” في يناير 1968 هجومات بقيادة الجنرال جياب شبيهة إلى حد بعيد بهجومات طوفان الأقصى، وتُعرف تلك الهجمات باسم “هجومات تيت”، لأنها وقعت في أيام الاحتفالات برأس السنة القمرية الفيتنامية المسماة “تيت” وكان هدفها كما بينه الثوار الفيتناميون هو كسر الجمود الذي أصاب الكفاح ضد الاحتلال الأمريكي قبلها.

كان الفيتناميون الجنوبيون وحلفاؤهم الأمريكانيون منغمسين في حفلاتهم معتقدين بأنهم في هدنة ضمنية بسبب الاحتفالات لا يقع فيها القتال، فإذا بهم يفاجؤون بهجومات مسلحة كاسحة منسقة ضدهم استهدفت مائة موقع شمل المراكز والقواعد العسكرية والبعثات الدبلوماسية الأمريكية، مثلما كان الهجوم الفلسطيني بمناسبة احتفال كبير كان يقام في غلاف غزة يسمر فيه العسكريون والمعمرون.

ومثلما قام الفلسطينيون بالتمويه وإشغال الإسرائيليين بضربات صاروخية بعيدة عن المواقع المستهدفة، قام الفييت كونغ قبل الهجومات البرية بشن قصف مدفعي ضخم على منطقة خه سانة استقطب القوات الأمريكية مما ساعدهم على الانتشار في عدة مناطق واحتلالها مؤقتا.

وقد كان رد الفعل الأمريكي عنيفا جدا، خصوصا في مدينة “هوي”، اعتمد على التفوق الجوي والمدفعي وراح ضحيته 14300 مدني وجرح 24000 وأجبر 630000 على الفرار من ديارهم.

يؤكد المؤرخون بأن الجيش الأمريكي المحتل والجيش الجنوبي الفييتنامي التابع له ألحقوا ضررا كبيرا في الثوار الشماليين كاد يشل قدراتهم، ولكن تلك المعركة كانت هي بداية نهاية الوجود الأمريكي وانتصار الثورة الفيتنامية وتوحيدها للبلاد تحت راية الاستقلال.

كان الثوار الفيتناميون يتوقعون أن تقع، على إثر معارك “تيت” ثورة شعبية ضد الأمريكان وضد الحكومة الفيتنامية الجنوبية الموالية لهم، كما اعتقد المقاومون الفلسطينيون بأن طوفان الأقصى سيؤدي إلى ثورة الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني والحكومة الفلسطينية المتعاونة معها سياسيا وأمنيا، ولكن لا “هجومات تيت” نجحت في ذلك ولا الطوفان انفجر في الضفة الغربية.

ولكن الذي وقع بسبب تلك الهجومات هو الخسارة السياسية والإعلامية الكبرى للحكومة الأمريكية والتغيّر الجذري للرأي العام الأمريكي ضد التدخل في فييتنام، وقد تجند عدد كبير من الصحفيين الأمريكيين لأجل ذلك، كما كان من نتائج الهجومات انهيار معنويات الجنود الأمريكيين وانتشار المخدرات والتسكع وقلة الانضباط في صفوفهم، وكذلك توسع كراهية الفيتناميين في الجنوب ضد حكومتهم العميلة رغم عدم ثورتهم عليها، وانخراطهم الكلي في الشمال مع الثوار، وقد كانت من نتائج تلك الأحداث التخلي المفاجئ للرئيس جونسن عن الترشح لدورة موالية في عام 1968 ودخول الشك وسط المسؤولين الأمريكيين في عدالة وجود جيشهم في فييتنام وفي إمكانية بقائه هناك إلى أن حسم الأمر نهائيا بعد سبع سنوات من معركة “تيت” التاريخية باستقلال فيتنام.

يمكننا أن نقول بذكر مثالي “هجمات الشمال القسنطيني” عام 1955 في الجزائر، و”هجمات تيت” عام 1968 في فيتنام بأن التاريخ يعيد نفسه في طوفان الأقصى هذا العام 2023، وأن النتائج الإيجابية ستُكرر نفسًها بحول الله، رغم وجود العديد من الفروقات، من حيث الوضع الدولي والواقع المحلي الفلسطيني.

وهذا الذي سنتطرق إليه في المقال المقبل بإذنه سبحانه.

د. عبد الرزاق مقري

يتضمن هذا الموضوع ثلاثة أجزاء

أولا – هل كانت معركة طوفان الأقصى ضرورية؟

ثانيا – تقدير الموقف إلى الآن.

ثالثا – ماذا تحقق من أهداف وما هي السيناريوهات الممكنة؟

أولا – هل كانت معركة طوفان الأقصى ضرورية؟

هل كانت العملية البطولية “طوفان الأقصى” ضرورية وتتطلب كل التضحيات الجسيمة التي يقدمها الشعب الفلسطيني في غزة منذ وقوعها يوم 07 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؟

لو كنا نريد للجيل الذي يسكن الأرض الفلسطينية المباركة في هذا الزمن أن يعيش مهينا تحت سيطرة الاحتلال وأن يكون مبلغ علمه تحسين ظروفه المعيشية وأن يُورّث الذل والاستكانة لجيل بعده سنقول أن هذه هذه العملية خاطئة وقد جرّت على أهل غزة الويلات وهي تنقل الويل بالتدرج إلى الضفة الغربية.

ولكن إذا كان طوفان الأقصى هو عزمة شعب أبي أراد أن يضحي بكل شيء وأن بتحمل كل المآسي والآلام من أجل تحرير بلده فذلك هو الصواب وتلك الحكمة والشجاعة والعمل الصالح الذي يكتبه الله لهم في صحائفهم ويسجله التاريخ لصالحهم.

لا تذكر الشعوب المحتلة تضحياتها الجسام بعد قهرها المحتل وإخراجه من أرضها إلا بالعزة والمجد والفخار.

فهل ندم الفيتناميون على قتلاهم في حربهم ضد فرنسا، ثم ضد أمريكا الذين بلغ تعدادهم أكثر من ثلاثة ملايين في ثمان سنوات، وجرحاهم ومفقوديهم بأضعاف ذلك؟! وهل يندم الجزائريون على المليون والنصف من الشهداء في السنوات السبع في الثورة التحريرية النوفمبرية والملايين السبع من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمفقودين طيلة سنوات الاحتلال كلها!؟

ألم تتحول تضحيات الشعوب أثناء محاربة المحتلين إلى ذكريات مجيدة تدل على ثباتهم وعظمتهم وشموخهم. والله ما الفلسطينيون إلا من هذه الشعوب الأبية، بل هم أفضل من ذلك إذ ذكر النبي الكريم ثباتهم وخلّده في حديثه الشريف في مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”.

إن الذي يفهم المآل الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية من خلال الكيد الصهيوني والغربي والخيانة العربية سيدرك بأن هذه المعركة كان لا بد منها إذ لم يبق لفلسطين وللأمة الإسلامية شيء تخسره بميزان المبادئ والمصالح الحقيقية لعموم الناس، لا بميزان المكاسب الشخصية والمصالح الذاتية.

فصفقة القرن التي فشلت سياسيا صارت تقترب إلى التجسيد الفعلي على الأرض بالأمر الواقع. ومن ذلك أن كتائب المقاومة في غزة تحولت إلى جيش دفاعي لحماية غزة وحدها، فإذا توفر الجيش والسلطة والشعب والإقليم فقد باتت غزة دولة قائمة بذاتها لا ينوي الاحتلال إعادة احتلالها أبدا وما عليه إلا أن يضيف لها جزء من سيناء ليكون ذلك هو الوطن البديل للفلسطينيين، وفي انتظار توفر شروط ذلك يبقى قطاع غزة يعاني ويلات الحصار الظالم الدائم، وحتى وإن عملت المقاومة على ضرب الصواريخ انتصارا للقدس دون تقدم بري فإنها لن تغير المعادلة إلا قليلا.

وأما الضفة الغربية فإن اتساع المستوطنات وطرد الفلسطينيين من أراضيهم وقراهم قد قضى نهائيا على حلم الأنظمة العربية في التصالح الشامل مع دولة الاحتلال إذا قبلت حل الدولتين، ومع مرور الزمن وتعمق الهوان العربي سيُحيي الصهاينة مشروع الترحيل إلى الأردن لسكان الضفة من الفلسطينيين، ومن بقي منهم سيكون كثير منهم مندمجا في المشروع الصهيوني نفسيا وفكريا وربما ثقافيا لا يفكر في بلد اسمه فلسطين مطلقا، تماما كما وقع للسكان الأصليين في الأمريكيتين، وتؤكد صعوبةُ تجذر المقاومة في عموم الشعب الفلسيطيني في الضفة الغربية خطورةَ المآل إن لم يقع ما يغير ذلك.

وأما القدس فقد طمس معالمَها الإسلامية العربية مشاريعُ التهويد المستمرة، والمسجد الأقصى – عنوان معركة الطوفان – قد توصّل المحتلون إلى فرض التقسيم الزماني الذي كان يبدو مستحيلا في سنوات مضت، والسعي إلى مرحلة التقسيم المكاني جاريا وربما التوصل يوما إلى هدمه كلية لإقامة “الهيكل” المزعوم على أنقاضه ما لم يُحدث الله أمرا.

وأما الفلسطينيون في فلسطين التاريخية المحتلة سنة 1948 فهم يعيشون ضمن نظام التمييز العنصري الأكثر قسوة ووفق مخططات إفساد الأجيال الشابة فكريا وأخلاقيا وصحيا وثقافيا، وقد يأخذون هم كذلك نصيبهم يوما ما من الترحيل إلى الأردن أو غزة وسيناء ضمن مشروع صفقة القرن.

وفي العالم العربي كان التطبيع قبل طوفان الأقصى يتسع اطّرادا وتتسارع إليه الأنظمة الحاكمة الواحدة تلو الأخرى، في السر والعلن، بين خائن عميل، أو خائف ذليل، أومنصرف عن القضية الفلسطينية قد شغله الكرسي والعرش يخاف على مصيره من شعبه، وجميعهم في صراع بيني نكد يدّخرون لبعضهم البعض ميزانيات جبارة لشراء سلاح لم يشأ أبدا أن يتجه الوجهة الصحيحة ضد الكيان الصهيوني.

إن هؤلاء الحكام المتخاذلين لا يدركون بأن غفلتهم ستعيد لليمين الإسرائيلي الحاكم رغبته في إحياء مشروع أسوء من مشروع صفقة القرن، وهو مشروع إسرائيل الكبرى فيذهب جزء كبير من بلدانهم ثم نكون جميعا- لا قدر الله – أغلبية عربية مهينة تقودها أقلية يهودية عاتية.

أما التيار الإسلامي المعول عليه لتحرير الأمة وتحقيق نهضتها فقد بات معطلا لا يقدر على التغيير، إما مهشما بالاستئصال أو مجمدا سياسيا بالإدماج في منظومات الحكم الفاسدة، أو عاجزا لا يقدر على شيء ذي تأثير فعلي في الموازين في بلدانه.

حقيقة لم يكن ثمة شيئ يخسره الفلسطينيون، أو تخسره الأمة في هذه الحلقة المفرغة التي توحّلت فيها، فكان طوفان الأقصى هو محرك المياه الراكدة المتعفنة، المحرر من الركود القاتل، الفاتح لعهد جديد، أي شيء مستجد فيه أفضل مما نحن عليه، بميزان مصير المشروع لا مصائرنا الشخصية، ولعل الطوفان يدفع بإذن الله إلى بداية نهضة الإسلام والمسلمين، وستبقى القضية الفلسطينية هي بوصلة الأمة نكون بخير ما كانت بخير، ونضل ونشقى ما شقت وضلت الطريق.

فلو ركزنا على القضية الفلسطينية فقط، لأدركنا بأن من خطط ونفذ لمعركة طوفان الأقصى كان يدرك أن القضية الفلسطينية في مأزق، في غزة والضفة والقدس وفي الداخل الفلسطيني، وأن هذه القضية المقدسة آيلة لما هو أسوء بتخطيط أمريكي صهيوني ودعم عربي كما بيناه أعلاه، وبتعطيل مهيكل لأي وثبة فلسطينية وطنية أوقومية أوإسلامية من قبل السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني مع الصهاينة.

وقد نجحت هذه الحسابات المباركة إلى نقلنا جميعا إلى وضع جديد نكون فيه أكثر حرية وطموح وإنجاز لصالح بلداننا ولصالح أمتنا، وإنها لخطوة ثابتة في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين وستثبت الأيام القادمة ذلك بإذن الله.

يتبع ..

د. عبد الرزاق مقري

لعل مما يمكن الاستفادة منه في ظل معركة طوفان الأقصى القائمة اليوم هو التشابه الكبير، من حيث البواعث والآثار، مع هجوم الشمال القسنطيني، ذلك أنه بعد اندلاع الثورة التحريرية تركزت الفاعلية في الأوراس أكثر فتوجه لها جيش الاحتلال لاستئصالها، كما أن الشعب الجزائري لم يكن قد اندمج كلية وفي مختلف أنحاء الوطن مع الثورة، وكان الجدال داخل الحركة الوطنية

لم يحسم بعد بين أنصار مصالي الحاج الذي كان يفضل المفاوضات وشباب جبهة التحرير الوطني الذين اختاروا السلاح، علاوة على أن القضية الجزائرية لم تكن قد وصل زخمها إلى الساحة الدولية، فعالج الثوار الجزائريون كل هذا بعملية موجعة وشاملة ومذلة ضد الاحتلال تمثلت في الضربة القوية التي وجهت له في مواقع عدة بكل الوسائل وفي كل الاتجاهات في عدد من الولايات انطلاقا من ولاية سكيكدة تحت القيادة البطل الشهيد زيغود يوسف، سواء باستهداف الجنود ومراكز الشرطة والجيش، أو صوب المعمرين في المزارع التي أخذوها سابقا من أهلها الأصليين، فكان رد فعل الجيش الفرنسي شديد العنف في حق المدنيين من حيث أنه لم يجد أين يضرب الثوار الذين كانوا بالنسبة إليه في ذلك الوقت كالأشباح فأفرغ جام غضبه على السكان. ورغم التضحيات في صفوف المدنيين التي بلغت 12000 شهيد حققت العملية أهدافها بكسر الحصار على الأوراس وتعميم الثورة في كامل التراب الوطني وبتعمق إيمان الشعب بالثورة والتحامه بها، وحسمت تلك الجومات المرجعية الشعبية لصالح جبهة التحرير الوطني، وارتفت معنويات المجاهدين، وبدأت السلطات الاستعمارية تشعر بأن فكرة “الجزائر الفرنسية” أمام خطر وجودي، كما انتبه الأشقاء العرب إلى جدية الأحداث الثورية في الجزائر فشرعوا في دعمها بفاعلية وأخذ المعسكر الشرقي آنذاك وأحرار العالم، حتى في البلاد الغربية، يراهنون على الثورة كمعطى جديد سيساهم في إضعاف الامبريالية الغربية، فاستحق ذلك اليوم المبارك 20 أوت 1955 أن يسمى يوم المجاهد.

إن هذه المعطيات والتحولات التي نتحدث عنها هي ذاتها التي تعيشها القضية الفلسطينية، قبل طوفان الأقصى وأثناءه، وسيكون ذلك بعده بحول الله، وأرجو أن يسمى هذا اليوم يوم المقاومة. لقد كانت القضية الفلسطينية تراوح مكانها بحصار غزة مع محاولة الكيان الإسرائيلي جعل كتائب عز الدين القسام ومعها كتائب الفصائل الأخرى مجرد جيش لحماية غزة التي لا يريد الصهاينة أصلا إعادة احتلالها قبل الطوفان الذي صُب عليها يوم 7 أكتوبر، وكانت المستوطنات تتوسع في الضفة  الغربية حيث تجثم سلطة أوسلو على صدور الفلسطينيين وتشتغل لصالح الاحتلال وتخون المقاومة بواسطة التنسيق الأمني، والإعتداءات على المسجد الأقصى لا تتوقف، وتهويد القدس على قدم وساق، وفلسطينيو 48 يعيشون تحت ظل الفصل العنصري، ومنظمة التحرير تواصل ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني رغم فقدان شرعيتها باستمرار اعتمادها على المفاوضات ومعاداة فصائل المقاومة، والحكومات العربية تسارع إلى التطبيع مع الكيان، أو إلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية فلسطينية لا تعنيهم كثيرا، بل تمثل بالنسبة لبعضهم عبئا  يجب وضعه على الهامش وتسليمه للمخططات الصهيونية والغربية.

لا شك أن النضال الفلسطيني لم يتوقف منذ النكبة وما سبقها، فرغم هزيمة الجيوش العربية عام 1967، والنصر الذي لم يكتمل  في حرب اكتوبر 1973 والذي تم الالتفاف عليه بالتطبيع المصري في كامب ديفيد، واجتياح الصهاينة لبنان عام 1982 لتصفية منظمة التحرير، استطاع الفلسطينيون أن يأخذوا أمرهم بيدهم في الانتفاضة الأولى عام 1987 التي برزت فيها حركة حماس. وبعد إدخال القضية الفلسطينية في النفق المظلم لاتفاقيات أوسلو عام 1993 من أجل  القضاء على روح الانتفاضة عاود الفلسطينيون الكرة في انتفاضة الأقصى المسلحة عام 2000، ومنذ ذلك الوقت نشأ صراع كبير على مرجعية الشعب الفلسطيني بين حركة حماس ومنظمة التحرير التي  اعترفت بإسرائيل وتركت عمليا المقاومة وصارت تتآمر عليها بواسطة التنسيق الأمني، إلى أن حسم الشعب الفلسطيني في أمر المرجعية التي يفضلها بانتصار حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006. وبعد أن رفض المجتمع الدولي في زمن الأحادية الغربية نتيجة الانتخابات وكثر التآمر على فصائل المقاومة وقع الحسم العسكري الحمساوي في غزة، وعندئذ صارت المواجهة مفتوحة بين الكيان الصهيوني وكتائب عز الدين القسام من خلال الحروب العديدة التي تم فيها إذلال الاحتلال، في 2008 و 2012 و 2014 و 2021 و 2022. وبعد سلسلة هزائمه قرر الاحتلال تجنب المواجهة مع القسام والمضي في تصفية القضية الفلسطينية على النحو الذي تحدثنا عنه أعلاه، فكان رد فعل كتائب المقاومة الاشتباك معه بالصواريخ الموجهة إلى تل أبيب وغيرها، ضمن استراتيجية وحدة الساحات، بسبب العدوان على القدس ولدعم المجهود المقاوم في الضفة الغربية والقدس التي ابتكر فيه الفلسطينيون طرق الطعن والدهس رغم الاحتلال ومكائد السلطة الفلسطينية. وصار في المحصلة عنوان المعارك منذ معركة سيف القدس هو القدس والأقصى. غير أن كتائب القسام ومختلف فصائل المقاومة أدركوا بأنه بغير الهجوم المباشر على العدو لن يقع تغيير حاسم في القضية الفلسطينية فكان طوفان الأقصى الذي تفجر يوم 07 أكتوبر  2023 والذي قبل أن تنجلي المعركة قد حقق 12 هدفا على الأقل يمكن حصرهم على النحو التالي:

كسر هيبة الجيش الإسرائيلي وإظهار ضعفه وإمكانية الانتصار عليه وأنه مجرد منظمة إرهابية مجرمة لا تقدر إلا على قتل الأطفال والنساء بالقذائف والصواريخ، وهو رغم تسلحه الجبار ومشاركة أمريكا معه في الحرب لم يقدر على تحقيق أهدافه المعلنة المتمثلة في إنهاء حماس وتهجير أهل غزة بعد قرابة شهر من التدمير الشامل.

مزيد من التمزق داخل المجتمع الإسرائيلي: وهي حالة كانت قائمة قبل طوفان الأقصى وتعمقت بعده وصلت إلى التلاسن عبر وسائل الإعلام بين المجرم نتنياهو والدمويين قادة الجيش، ولأول مرة يتم توجيه النقد للقيادة السياسية والعسكرية الصهيونية أثناء الحرب، وكل المؤشرات تدل بأن نتنياهو قد انتهى سياسيا وأن المجتمع الإسرائيلي قد تصيبه اضطرابات سياسية واجتماعية عميقة بعد نهاية المعركة تزيد في تقريب نهايته.

عدم الشعور بالأمان لدى المستوطنين وسكان الكيان من اليهود، الذي يعبر عنه إفراغ غلاف غزة والشمال الفلسطيني من السكان المستوطنين، وموجة الخروج الجماعي من إسرائيل والتصريحات المتتالية لكثير من العائلات والنخب بأن لا مستقبل للعيش في إسرائيل. وقد سبق أن تحدثت عن هذا السيناريو في الجامعة الصيفية بتلمسان عام 2010 معتمدا على دراسة أوربية استشرفت أشكال نهاية دولة الكيان ومنها الخروج الجماعي للسكان اليهود الذين أكثرهم يحمل جوازات أخرى ولهم صلات وعلاقات وأسر في كثير من الدول، وأن ذلك سيحدث عندما لا يشعرون بالأمان حين يصبح ممكنا توجيه ضربات صاروخية مكثفة وفي العمق الإسرائيلي، وقد يكون ذلك من جهات غير حكومية. وهو ما نعيشه اليوم وما سيتعاظم في المستقبل بحول الله.

تكبيد العدو خسائر اقتصادية فادحة: حيث توقف عن الشغل بسبب الحرب أكثر من مليون ونصف عامل وتصل الخسائر الاقتصادية الصهيونية إلى أكثر من  38 مليار دولار ويقدر أن عجز الميزانية في آخر السنة سيتجاوز 4 بالمائة وما يوازي 3.5 من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك كثير من الدراسات والمساهمات في هذا الشأن يمكن الاطلاع عليها.

افتكاك المقاومة مركز المرجعية والمصداقية لدى الشعب الفلسطيني، وذلك وجه من أوجه التاريخ حين يعيد نفسه إذ نفس الحالة بالضبط تحققت بعد معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني ومنظمة فتح والجبهة الشعبية وفصائل أخرى عام 1968 ضد جيش الكيان الإسرائيلي حين عبر نهر الأردن للقضاء على مراكز المقاومة في الأردن ففشل في ذلك، وكانت منظمة فتح قد أبلت بلاء حسنا في هذه المعركة فنالت ثقة الشعب الفلسطيني وأقبل عليها المنخرطون فيها بأعداد كبيرة وتم الاعتراف بها من قبل كل الدول العربية والقوى الدولية المعادية للغرب، وهذا الذي يحدث بالضبط في معركة طوفان الأقصى، إذ باتت كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس، ومعها كتائب سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي هي عنوان فلسطين عند الفلسطينيين وفي الشارع العربي، بل حتى عند خصومها، ومن حق حماس بعد هذه المعركة أن تفرض أجندتها التحررية في الساحة الوطنية الفلسطينية، خصوصا بعد إفشال مبادرة “إعلان الجزائر” من أجل المصالحة الفلسطينية من قبل السلطة ومن وراءها من الدول العربية والغربية.

صناعة جيل جديد من المقاومين الذين سيعملون في سبيل الله على الانتقام لأهاليهم من النساء والأطفال الذين تم إبادتهم جماعيا في هذه المعركة، وسيكون هذا الجيل أكثر شراسة وعزيمة وتضحية ليثخن في العدو بكل الوسائل، لا سيما وأن فكرة المقاومة صارت راسخة في المجتمع الفلسطيني بنتها وربتها حركة حماس، وأعدت لها العدة ودربت عليها أعدادا كبيرة من الشباب، على أساس الفكرة الإسلامية الحصينة المحصنة، بما يمنع قتل عزائم الناس وتدجينهم بالقمع الشديد والإبادة والقتل الجماعي ثم الإلحاق الحضاري، كما حدث لليابان والألمان بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حدث من قبل للسكان الأصليين في القارة الأمريكية.

كسر موجة التطبيع: حيث تشكل ضغط شعبي وأخلاقي كبير على الدول العربية المطبعة عمّق عدم شرعيتها. والإنجاز التاريخي في هذا المجال يتمثل في كسر المد التطبيعي في المملكة العربية السعودية الذي كان يمثل خطرا عظيما على القضية الفلسطينية وعلى الأمة العربية والإسلامية كلها، وقد زاد في افتضاح أمر المطبعين طرد كولومبيا وبوليفيا السفير الإسرائيلي من بلديهما، ومن المشاريع التطبيعية الخطيرة التي تم ضعف جدوى إنجازها مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والمملكة العربية السعودية ودولة الكيان وأوربا الذي كان سيغير شكل التجارة العالمية ويمثل خطرا على مصر وقناة السويس ويجعل الصهاينة في وضع اقتصادي مركزي عالميا.

رجوع القضية الفلسطينية للساحة الشعبية العربية: من حيث أن مخططات شغل الشعوب العربية والإسلامية بنفسها ودفعها لنسيان القضية الفلسطينية انكسرت ورجعت فلسطين في مركز اهتمام الشعوب الذي عبرت عنه المظاهرات والمسيرات الضخمة والأنشطة المتنوعة التي لا تتوقف لصالح المقاومة وفلسطين في مختلف الدول العربية والإسلامية.

إفساد مخططات الدول العربية التي أرادت جعل القضية الفلسطينية على الهامش بحجج واهية تعتمد على وطنية زائفة وترديد عبارة “لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين” لأن “قادتهم متصالحون مع إسرائيل” وأنه “لا يجب أن نضحي بأوطاننا من أجل فلسطين”، وهي أفكار القلوب المريضة والعقول الصغيرة التي ألغت البعد العقدي الديني في القضية والتي لا تدرك بأن مصير كل بلد عربي ومسلم مرتبط بالقضية الفلسطينية من حيث أن الغرب لا يسمح لأي بلد في المنطقة أن يماثل أو يتفوق على الكيان الإسرائيلي في أي مجال، والطريق إلى ذلك هو منع أي دولة من دولنا من أن تنهض. علاوة على أن الأنظمة العربية استطاعت أن تتحكم في شعوبها وتخرجهم من معادلة التغيير بالقمع والتحايل والتزوير والإفساد الخلقي وبإشغالهم بلقمة العيش،  فإذا بالشارع ينفجر من جديد للتضامن مع أهل غزة ولمناصرة المقاومة ولم يستطع أغلب الحكام منع ذلك، ولهذا تعتبر الدول العربية حماس وفصائل المقاومة خطرا عليها وبعضها يتمنى سرا لو أن الكيان الإسرائيلي يستطيع القضاء عليها  لأنها هي التي أصبحت تبقي الشعوب حية مهتمة بمصيرها.

التحول الكبير في الرأي العام العالمي والغربي لصالح القضية الفلسطينية وضد دولة الكيان: ولعل من أكبر خسائر الإسرائيليين في معركة طوفان الأقصى، والأكثر إيلاما لهم انهيار روايتهم الكاذبة في صراعهم مع الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي، إذا بان جرمهم للعالم رغم تحكمهم في وسائل الإعلام في العالم وتعتيمهم الشديد على الحقيقة وملاحقة الكلمة الحرة المعبرة عن الواقع، فقد استطاعت صور الدمار وقتل الأطفال والنساء والتجويع والحرمان من الكهرباء والماء أن تنفذ إلى كل أنحاء العالم من خلال الإعلام الموازي فأحدثت صدمة في الضمير العالمي الشعبي ولدى كثير من الدول والمنظمات الدولية والشخصيات السياسية والفكرية والفنية والأدبية، وهي حالة لو أنفق عليها الفلسطينيون ملايير الدولارات في العلاقات العامة ما تمكنوا من الوصول إليها، ويدرك الكيان الصهيوني بأن داءه التاريخي هو كره الشعوب له والذي حين يبلغ مداه ينقلب عليهم بشكل دراماتيكي.

التأثير في الموقف التركي: لقد كانت تركيا تسير مطمئنة واثقة نحو رؤية خاطئة بخصوص القضية الفلسطينية، إذ كانت تعتقد أنها ستكون، ضمن رؤية قرن تركيا، هي راعية منطقة الشرق الأوسط الذي سيتجه إلى ضعف دولة الكيان وضعف الدول العربية وأن الجميع سيكون في حاجة للحماية التركية فتفرض حل الدولتين وتشرف عليه وترعاه، وهو ما شرحته في العديد من المقالات وفي بعض كتبي منها الكتاب الأخير “الحلقة المفقودة”، ثم جاء طوفان الأقصى فأرجع مسار التاريخ إلى طريقه المحتوم المتمثل في حتمية نهاية دولة الكيان، وقد تلقف أردوغان والساسة والمفكرون الأتراك الرسالة وأدركوا بأن الزمن قد يتجاوزهم ويعطي الفرصة والشرف لغيرهم فرجعوا إلى الاشتباك اللفظي مع الكيان بما لم يكونوا يرغبون فيه مطلقا، وإنما يختلف الأتراك مع الدول العربية أنهم لا يعادون حماس بل يعتقدون بأنها طرف أساسي في المستقبل وأنه يمكن ترويض قادتها لقبول حل الدولتين، وربما سيبقون على قناعتهم إلى أن تكون مفاجأتهم أكبر حين يدركون بأنهم مخطئون في تقديراتهم لمستقبل المنطقة وما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

مزيد من افتضاح أمر الدول الغربية في نظر الرأي العام العالمي ولدى قطاعات واسعة من شعوبهم، وانغماسهم أكثر في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بسبب اضطرارهم للرجوع لمنطقة الشرق الأوسط بعدما قرروا التخفف من الحضور فيها للتفرغ إلى الصين وروسيا، وقد رجعوا إلى المنطقة لشعورهم بأن ثمة خطر وجودي على دولة الكيان وأن تأمينها من خلال التطبيع وسط الأنظمة العربية أثناء انشغالهم بالصين وروسيا لم يصبح مجديا، وستكون كلفة هذا التحول الاستراتيجي المتعجل وغير المدروس أكبر في المستقبل على مستوى الانسجام الداخلي لدولهم وفي مواجهة الدول الصاعدة.

 

د. عبد الرزاق مقري

إنه من المفيد أن تُكثف الكتابة والإنتاج السمعي البصري في تاريخ الثورة النوفمبرية بأشكال متجددة جذابة، وذلك لسببين على الأقل، بسبب صعود أجيال جديدة مقطوعة عن السردية الشفوية للثورة التحريرية خلافا لجيل الاستقلال الذي نشأ أفراده على قصص الجهاد والاستشهاد التي استمعوا إليها مباشرة من جيل المجاهدين مباشرة، وبسبب تصاعد ثورة التحرير في فلسطين بعد معركة طوفان الأقصى لكي تستفيد المقاومة الفلسطينية من تجربتنا الثورية الخالدة.

لقد نشأ جيلنا فعلا في سنوات الاستقلال الأولى على التعلق العقلي والعاطفي الشديد بثورة نوفمبر المجيدة، لا من خلال قراءة التاريخ من الكتب ولكن بالاستماع لأحداث كانت قريبة الوقوع من صانعيها مباشرة. أذكر جيدا أيام الطفولة الجميلة التي عشناها في وسط العائلات الثورية في حي “العرقوب” العتيق بالمسيلة، وهو من معاقل الفداء والمنظمة الثورية المدنية في المنطقة، ومسقط رأس رئيس مجموعة الستة ومنسق الثورة عند اندلاعها سي محمد بوضياف، تلك الجلسات التي كنا نسمع فيها قصص بطولات المجاهدين وأخبار الظلم ومداهمات البيوت التي كان يقوم بها عسكر الاحتلال، والتعذيب البربري في مقر “لاصاص” الذي أقاموه في مفترق طرق شارعين أساسيين من الحي.

وقد أدينا في الحركة الإسلامية دورا مهما بعد ذلك في نهاية السبعينات وسنوات الثمانينات في نقل قيم الثورة للأجيال التي لحقتنا أثناء شبابنا من خلال جعل قيم نوفمبر وبيانه ركيزة أساسية في بنائنا الفكري، في خطابنا ومختلف أنشطتنا، وأذكر في هذا الإطار معرض الكتاب الإسلامي السنوي نسخة عام 1987 في جامعة سطيف الذي خصصناه لتاريخ المقاومة الجزائرية من الاحتلال إلى الاستقلال، مع التركيز على تشكل الحركة الوطنية والثورة التحريرية، وقد كان لذلك المعرض ومحاضراته التي شارك فيها مجاهدون ومثقفون إقبالا كبيرا بسبب جرأته في عرض جوانب تاريخية عن الثوار والثورة كانت مغيبة في المناهج المدرسية في عهد الحزب الواحد.

كان وعي الشباب يتشكل بعد الاستقلال على نهج قويم بخصوص القضية الفلسطينية حيث كان الموقف الرسمي متقدما جدا في مناصرة الفلسطينيين، ليس بالشعارات والتحركات السياسية فقط، بل بالدعم العسكري المباشر والمواقف الدبلوماسية القوية، وجميعنا يذكر الأصوات المنبعثة من الأثير في البرنامج الإذاعي في الإذاعة الجزائرية “صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية” والعبارة الشهيرة “حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين”، وأخبار نقل الأسلحة لحركة فتح في مراحل كفاحها الثوري، وعن مساهمة الجيش الجزائري في حرب 1967، والمشاركة والموقف البطولي لهواري بومدين بإمضاء شيك على بياض لشراء الأسلحة من الاتحاد السوفييتي، ثم إعلان الدولة الجزائرية في الجزائر في 15 نوفمبر عام 1988، وغير ذلك. فلم يكن أحد من الشباب يشكك أو يجادل في عدالة القضية وواجب مشاركة الجزائريين في تحرير كل فلسطين، بل كانت عبارة القادة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، “أن استقلال الجزائر غير مكتمل ما لم تستقل فلسطين”.

ولكن، للأسف الشديد، بدأت السموم تتسرب إلى بعض العقول، حين تراجع حضور الجزائر في الملف الفلسطيني أثناء فتنة التسعينيات، وخصوصا حين تحركت رياح التطبيع مع مجيء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، عبر ثلاث عمليات متتالية في عام واحد بين 1999 و 2000، من المصافحة المشؤومة في الرباط، إلى دعوة المغني الصهيوني انريكو ماسياس، إلى المهمة الدنيئة بإرسال وفد من الصحفيين الجزائريين لزيارة الكيان الصهيوني. وقد مثل ذلك التراجع البيّن، المخطط له، صدمة كبيرة لدى الأوفياء لقيم الثورة التحريرية والقضية الفلسطينية، من داخل النظام السياسي وفي المجتمع.

وقد كنا بحمد الله من هؤلاء، حيث سارعنا إلى تأسيس “التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع” للتصدي لذلك التوجه الرسمي، وقد انخرط في التنسيقية التي أسسناها مع عدد من الأحزاب والمنظمات، العديد من الشخصيات الوطنية والثورية، منهم الشيخ شيبان والأستاذ عبد العزيز بلخادم وغيرهما، وكنا نعقد اجتماعاتنا في مقر “الحركة الديمقراطية الجزائرية” التي أسسها الرئيس السابق أحمد بن بله، وكان منسق الحزب آنذاك الأستاذ خالد بن إسماعيل. استطاعت هذه التنسيقية التي امتدت لعدد من الولايات الكبرى أن تحقق أهدافها وقد ساعدها في ذلك انفجار انتفاضة الأقصى في آخر عام 2000 التي كسرت موجة التطبيع التي تسارعت قبلها.

لقد كانت تنسيقية مناهضة التطبيع بداية موجة كبيرة من الأعمال التي قمنا بها لصالح فلسطين، ومنها فتح فرع مؤسسة القدس بالجزائر الذي كنت بحمد الله أمينه العام وكان رئيس الفرع الشيخ شيبان ونائبه الأستاذ عبد الحميد مهري رحمهما الله، ونائب آخر السيد بوزغوب أحد الطيارين الذين شاركوا في الحرب ضد الكيان، وكان الأستاذ محمد دويبي المدير التنفيذي. وقد كان فرعنا الجزائري أنشط فروع مؤسسة القدس دوليا ومن إنجازاته مشروع “وقف القدس” الذي أشرف عليه الأستاذ جعفر شلي ولايزال هذا المَعلم شامخا إلى الآن يدر بمداخيل معتبرة لصالح فلسطين، بالإضافة إلى الحركية الشعبية الفئوية التي بعثها الفرع ومنها منظمة “شباب من أجل القدس”، و ما رسخه من بعد تنسيقي للعمل الجزائري الفلسطيني الذي كان من إنجازاته الكبرى المساهمة الجزائرية التاريخية في “اسطول الحرية” وما تبعها من حملات كسر الحصار ونقل أعداد هائلة من المتضامنين الجزائريين والجزائريات ضد الحصار إلى غزة، التي بذل فيها الشيخ أحمد الإبراهيمي، رئيس جمعية البركة،  بلاء حسنا حولته مع مرور الزمن إلى رمز عالمي للعمل الفلسطين، وكان من ثمرة ذلك التنسيق كذلك اللجنة الشعبية لدعم المقاومة ونصرة فلسطين التي احتضنتنا فيها جريدة الشروق مشكورة، ثم لاحقا تأسيس منظمة البركة من قبل عدد من نشطاء القضية على رأسهم الشيخ أحمد براهيمي وهي اليوم المنظمة الشعبية الأكثر حضورا في دعم أهلنا في غزة ومختلف الملفات الفلسطينية الأخرى.

وبالنظر لأهمية نشر الوعي الشعبي خصوصا في أوساط الشباب أصدرت كتاب “الجزائر والقضية الفلسطينية”، رصدت فيها المساهمات الجزائرية في القضية الفلسطينية منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، وذكّرت بما بذله الجزائريون وهم تحت الاحتلال، سواء على مستوى الشخصيات، كعمر راسم، والشيخ السعيد الزاهري، والشيخ إبراهيم أبو اليقظان، والشيخ الفضيل الورتلاني، ومساهمات الجزائريين في مختلف الثورات الفلسطينية إلى إعلان دولة الاحتلال،  أو كمنظمات وعلى رأسها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبر العديد من المبادرات، ومنها “الهئية العليا لإعانة فلسطين”  التي حدثني عن دورها صاحب الفكرة ذاته الشيخ عبد الرحمن شيبان والتي شارك فيها المنظمات والشخصيات من مختلف التيارات الوطنية، وقد ترأس الهيئة الشيخ البشير الإبراهيمي، وكان فرحات عباس كاتبا عاما لها، والشيخ الطيب العقبي أمينا للمال وينوبه الشيخ بيوض، وتكفلت الهيئة بتجهيز وإرسال المجاهدين للقتال في فلسطين وجمع المال وتنظيم حملات التعبئة لصالح القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى المساهمات الأخرى لكل منظمات الحركة الوطنية الأساسية، حزب الشعب الجزائري وأحباب البيان والحرية. ثم تطرقت في الكتاب إلى مساهمات الجزائريين بعد الاستقلال، سواء الشخصيات المعارضة كمحمد خيضر الذي دعم حركة فتح ماليا وفق ما هو مدون في أرشيف الأستاذ منير شفيق، أو المجاهد محمد بودة الذي انخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفلسطينية وكان منسق العلميات الخاصة للجبهة الشعبية في أوربا ومنها حادثة ميونخ الشهيرة، وقد ارتقيى شهيدا رحمه الله على يد الموصاد في فرنسا بأمر من غولدا مايير نفسها. أو السلطات الرسمية منذ عهد بن بلة وقد أشرنا إلى بعض المساهمات الحكومية أعلاه، وختمت الكتاب بمساهمات حركة مجتمع السلم منذ عهد الشيخ محفوظ نحناح والعمليات الكبيرة التي أشرفت عليها بنفسي وأشرت إليها أعلاه.

ولشعوري بحاجة ربط العلاقة بين الثورة التحريرية النوفمبرية الجزائرية والمقاومة الفلسطينية شرعت في تأليف كتاب آخر تحت عنوان ” دروب المقاومة: نضال الشعب الجزائري من الاحتلال إلى الاستقلال” وحرصت أن أسجل المقارنات مع كفاح الشعب الفلسطيني، وتشابه الاحتلالين الاستيطانيين الإحلاليين الفرنسي والإسرائيلي، وتشابه جرائم الإبادة وتدبير البنية الإنسانية للشعبين، والتشابه والفروق في أدوات النضال المسلح. وهو كتاب بدأته قبل سنوات، تتمة لبحث قدمته عن التجربة الثورية الجزائرية في مؤتمر نظمه مركز الإعلام العربي بالقاهرة في سبتمبر 2006 عن التجارب الثورية في تاريخ الدول وكيفية استفادة المقاومة الفلسطينية، ثم شُغلت عنه باهتمامات وكتابات أخرى ضاغطة فتركته بعد أن أنهيت أكثر من نصفه تقريبا. غير أن نقاشي الطويل والمتكرر مع قيادة المقاومة الفلسطينية في ظل الأزمات التي تعرفها الأمة والصعوبات التي تمر بالملف الفلسطيني جعلني أقرر العودة لإنهاء الكتاب مع التركيز أكثر على استخلاص الدروس من تجربة الثورة التحريرية بما ينفع الكفاح الفلسطيني، وقد شجعني على ذلك بعض القادة الفلسطينيين الذين شعروا بأنهم رغم دراستهم الثورة التحريرية الجزائرية لم يكونوا على علم بكثير من تفاصيل الكفاح الجزائري ضد المستعمر الفرنسي التي ذكرتها لهم، ورأوا في تدوينها وإسقاطها على الحالة الفلسطينية فائدة كبيرة، وأسأل الله تعالى أن يعينني على إنجاز ذلك.

وفي حقيقة الأمر حينما نرى ما يحدث من تضحيات جسيمة وبطولات مدهشة في طوفان الأقصى أننا لم نقدم أي شيء ذي بال، وإنما أملنا أن يعذرنا الله ويسامحنا إذ لم نستطع القيام بما يجب القيام به لضعفنا وقلة حيلتنا وأن يتقبل الله منا جهد المقل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية،
عبد المجيد تبون.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

فإن عدم تطبيع الجزائر مع الكيان الصهيوني هو تحصيل حاصل بالنسبة للدولة الجزائرية، إذ دولتنا هي صنيعة حرب تحريرية من جنس الحرب التحريرية التي تقودها اليوم كتائب عز الدين القسام، الذراع السياسي لحركة المقاومة الإسلامية – حماس – مع مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية. فلو كانت الجزائر غير ذلك لكانت خائنة للعهود والانتماء والتاريخ وللسياسة الخارجية لبلادنا منذ الاستقلال وللإجماع الشعبي تجاه القضية الفلسطينية.
ورغم الموقف السياسي المشرف الذي تحافظ عليه الجزائر في الشأن الفلسطيني لا نقوم، إلى الآن، بما يجب القيام به لصالح المقاومة ولنجدة أشقائنا في غزة بما يتناسب مع عظمة الإنجاز في طوفان الأقصى، وحجم العدوان على المدنيين من قبل الصهاينة، وأهمية الموقف ومآلاته المستقبلية.
إن الجزائر تستطيع أن ترفع سقف دعمها للقضية الفلسطينية، وتملك الوسائل لذلك، لتجعل نفسها في ريادة الدول العربية. وستكبر بهذه القضية لو فعلت ويرتفع شأنها. فالعالم سيتغير، وسيتغير لصالح فلسطين، ولصالح المعسكر الذي سيكون مع المقاومة الفلسطينية.
وعليه فإني أتوجه إليك السيد الرئيس، كمواطن جزائري، ومناضل مطلع وراسخ القدم في القضية الفلسطينية بحمد الله، بهذه المطالب:
1 – خروج الجزائر من المبادرة العربية لحل الدولتين: إذ المبادرة ظالمة تشبه طلب ديغول للثوار النوفمبريين بالتخلي عن الصحراء الجزائرية، وهي مبادرة لا مستقبل لها، لا يؤمن الصهاينة أنفسهم بها.
2 – وقف تعطيل قانون تجريم التطبيع في البرلمان الجزائري: لقطع الطريق، في الحاضر والمستقبل، عن المطبعين الكامنين داخل مؤسسات الدولة، ولكم في الموقف المشين لعميد مسجد باريس المسنود والممول من الدولة الجزائرية أكبر دليل، وغيره مثله كثير.
3 – كشف الأطراف التي أفشلت مبادرتكم للمصالحة الفلسطينية للرأي العام الجزائري، وأخذ العبرة من ذلك – إن كان الهدف من المبادرة هو نصرة القضية الفلسطينية – وتوجيه الدعم المالي لحركة حماس والمقاومة، التي شرفتكم ودعمت مشروعكم ولم تخدعكم، والتي تكافح فعليا من أجل تحرير فلسطين وتضحي على الأرض كل يوم.
4 – الحراك الدبلوماسي بفاعلية أكبر، ليس لرفع العتب وتسجيل المواقف فحسب، بل بذل أقصى الجهد مع الدول الشقيقة والصديقة لوقف العدوان وإدخال المساعدات وإغاثة أهلنا في غزة.
5 – مراجعة مواقفنا الخارجية وخطابنا الرسمي وتصرفاتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية، في ظروف العدوان خصوصا، بما يظهر انزعاجنا الحقيقي من كونهم مشاركين في الجريمة، وتجنب الاستقبالات الدبلوماسية غير المناسبة في هذه المرحلة كما حدث عدة مرات في بلادنا.
6 – السماح بل تشجيع التحرك الشعبي الدائم، وعلى رأسها المسيرات الشعبية، للتعاطف مع إخواننا في غزة ولدعم المقاومة، كما يحدث في كل أنحاء العالم، لما في ذلك من آثار إيجابية لصالح فلسطين كما بات مسلما به لا يجادل في ذلك عاقل، وكذا السماح بالوقفات الاحتحاجية السلمية أمام سفارات الدول المشاركة في العدوان.
7 – تحويل المناسبات الثقافية والرياضية إلى فضاءات للتعبير عن دعم المقاومة بدل القرار الخاطئ الذي اتخذته الحكومة الجزائرية بوقفها، خصوصا المناسبات الرياضية التي تحولت إلى تظاهرات في العديد من الدول لنصرة القضية الفلسطينية.
8 – تشكيل جسر جوي للإغاثة والضغط على الحكومة المصرية لإدخال المساعدات للقطاع ولنقل المصابين إلى الجزائر من أجل العلاج، وتخصيص ميزانيات معتبرة لإعادة الإعمار بعد الحرب وبناء منشآت جزائرية في مختلف الاحتياجات في غزة كما تفعل بعض الدول الأخرى في غزة.
9 – تجنب سياسة دفع الجزائريين ليتعايشوا مع العدوان وتقبله، والعمل على بقاء ثباتهم في دعم القضية حتى النصر بحول الله، من خلال المحافظة على الأداء الجيد، على العموم، للمساجد والمؤسسات الإعلامية، وبجعل المدرسة مكانا أساسيا للوعي بطبيعة المعركة القائمة، وعن طريق تشجيع الشخصيات والمنظمات والمؤسسات المتطوعة للعمل الفلسطيني في مختلف المجالات، والسماح بجمع المال والمساعدات الشعبية وتسهيل نقلها.
10 – التخطيط والإنجاز من أجل المشاركة في تحرير المسجد الأقصى وفلسطين بمختلف الوسائل، ومنها المساهمة العسكرية على نحو ما قامت به الدول الصديقة والشقيقة لصالح الثورة الجزائرية بالأمس، وعلى نحو ما تقوم به إيران مشكورة لصالح المقاومة اليوم، وتشجيع الدول العربية والإسلامية السنية على ذلك، ليكون التحرير القادم القريب بحول الله إنجازا للأمة الإسلامية كلها.

تقبلوا مني أسمى التحيات.

عبد الرزاق مقري

تمر القضية الفلسطينية بتحول تاريخي كبير أحدثته المقاومة الفلسطينية بإنجازها البطولي غير المسبوق، بالانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم من أجل التحرير. ولإخفاء حالة الإذلال والهزيمة التي تعرض لها يقوم جيش الاحتلال بتدمير هائل للمباني على رؤوس المدنيين، ويحشد حشودا غير مسبوقة للهجوم البري على غزة، ويجد أثناء ذلك دعما كاملا من الدول الأوربية وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة، وكل المؤشرات تدل على أن جيوشا أخرى أمريكية وأوربية ستشارك في المعركة، وكأنها معركة الأحزاب من جديد.
لقد أدى أبطال المقاومة الذي عليهم، ولا يزالون، وهم وكل سكان غزة يواجهون أياما عصيبة تتطلب من الأمة أن تشاركهم المعركة وأن تكون في حلفهم وبجانبهم، كل من موقعه، وذلك على النحو التالي:
أولا – الحكومات
– دعم المقاومة وصمودها بكل الوسائل، ومنها الوسائل العسكرية، لكي يكون طوفان الأقصى خطوة أساسية نحو تحرير فلسطين، واقتطاع ميزانيات خاصة لدعم الشعب الفلسطيني في القطاع في مواجهته البطولية للاحتلال ولتمكين مؤسساته الخدمية من مواصلة عملها، وإمداده بما يحتاجه من الطاقة والكهرباء.
– الإغاثة الفورية لقطاع غزة واعتبارها منطقة سكانية منكوبة جراء الحرب الظالمة الموجهة ضد المدنيين، وذلك بمختلف الوسائل الطبية والإغاثية ودعم عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا من تحت الركام، وبناء مستشفيات ميدانية وتسهيل نقل الجرحى إلى مختلف المستشفيات العربية والإسلامية.
– التحرك الدبلوماسي على مستوى المنظمات الدولية والإقليمية، والعلاقات الثنائية، لتأكيد حق الشعب الفلسطيني، وفق ما ينص عليه القوانين والأعراف الدولية، في تحرير أرضه بكل الوسائل ومنها العمليات المسلحة وإظهار وفضح جرائم جيش الاحتلال الذي يتعمد استهداف المدنيين بأفتك الأسلحة وهدم البيوت على أصحابها والقتل الجماعي للسكان في الأسواق والمساجد والمستشفيات والمؤسسات الإدارية.
– التأكيد في الخطاب الرسمي على أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية عربية تتعلق بالعدوان المستمر على المسجد الأقصى ومقدسات المسلمين، وإظهار مخاطر الصلف الصهيوني على مصير البلدان العربية كلها وعلى وحدة الأمة وفرص نهضتها.
– تسخير كل وسائل الإعلام الحكومية وأدوات الاتصال الرسمية لإظهار مظاهر النصرة والتأييد للشعب الفلسطيني الشقيق في مواجهته البطولية للاحتلال وحماية المقدسات، وكشف صور جرائم الاحتلال الهمجية المناقضة لتعاليم كل الديانات والقوانين والأعراف الإنسانية.
– تخصيص فترة زمنية في كل المدارس والمؤسسات التعليمية للحديث عن القضية الفلسطينية وبطولات الشعب الفلسطيني والعدوان الذي يتعرض إليه.
– تسهيل الفعاليات الشعبية التي تقيمها المنظمات والأحزاب والمؤسسات المدنية للتعبير عن دعمها ومناصرتها للأشقاء الفلسطينيين، والامتناع عن عرقلة أي مجهود شعبي لصالح فلسطين في هذه الظروف التاريخية.
– الدعوة إلى انعقاد اجتماع الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي واتخاذ قرار جماعي بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني من قبل كل الدول المطبعة أو التي تتجه لذلك، واعتبار التطبيع خيانة للدين والأمة وفي حق الشعب الفلسطيني.
– إنهاء الدور الوظيفي لحماية إسرائيل الذي تقوم به بعض الدول العربية، وفتح المجال للمقاومة الفلسطينية والمتطوعين المسلمين والأجانب للمشاركة في التحرير، على نحو ما كانت عليه كثير من الثورات ضد الاحتلال، منها الثورة الجزائرية.
ثانيا – النواب والبرلمانيون
– إصدار البيانات الفردية، والجماعية بين الكتل البرلمانية، لتثمين الإنجاز التاريخي للمقاومة، وفضح الجرائم الصهيونية، وإدانة التطبيع.
– اغتنام هذه الفرصة التاريخية لإصدار القوانين والتشريعات التي تجرم التطبيع بكل أنواعه وأشكاله.
– اتخاذ المواقف الصارمة وإصدار البيانات الواضحة ضد الانحياز الغربي والكيل بمكيالين لصالح الاحتلال الصهيوني وجرائمه الفضيعة، خلافا لموقفه لصالح أوكرانيا بحجة دعمها ضد الاحتلال.
– عقد الجلسات البرلمانية لمناقشة الأوضاع الجارية في غزة.
– تحريك آلية الدبلوماسية البرلمانية والقيام بزيارات وفود برلمانية للسفارات وفروع المنظمات الدولية المعتمدة، خصوصا الولايات الامريكية المتحدة والدول الغربية الأخرى، لتحميلها مسؤولية المجازر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، بسبب توفيرها غطاء ذلك للجيش الإسرائيلي.
– إرسال الرسائل الجماعية بين الكتل البرلمانية للأمين العلم للأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية والإقليمية المرفقة بصور وبيانات المجازر التي يقترفها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في قطاع غزة، والتذكير بالقوانين الدولية التي تضمن للشعوب حقها في الكفاح من أجل تحرير بلدانها، و التي تجرم استهداف المدنيين وتجويعهم، واستهداف دور العبادة.
– تنظيم الندوات القانونية المحلية والدولية للتذكير بتلك القوانين، لا سيما المادة (51) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (يتمتع الأشخاص والسكان المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية ولا يجوز أن يكونوا محلا للهجوم.. )، والمادة (52 ) التي تحظر الهجوم على الأعيان المدنية وردعها والتنكيل بها (لا تكون الأعيان المدنية محلا للهجوم أو لهجمات الردع وتقتصر الهجمات على الأهداف العسكرية فقط)، والمادة (53) التي تنص على أنه (يحظر ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة).
– تشكيل شبكة برلمانيين وقانونيين دوليين للتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية والضغط عليها بالاستناد إلى المواد القانونية الدولية ذات الصلة.
– مراسلة الزملاء النواب في مختلف الدول وتقديم المستندات الدالة على الجرائم والهمجية الإسرائيلية والمخالفات الجسيمة للقانون الدولي، وتبيين الشرعية الدولية للمقاومة، ولاشرعية الاحتلال، وما صدر من قرارات دولية ضد الاستيطان الإسرائيلي.
استعمال وسائل الإعلام والاتصال البرلمانية والشخصية لدعم المقاومة ومناصرة الشعب الفلسطيني وإدانة جرائم الاحتلال.
المساهمة في التعبئة الحكومية والشعبية ودعم التحركات والمواقف والفعاليات التي تتناسب مع الأحداث التاريخية الجارية في غزة وفلسطين.
ثالثا – العلماء والمؤسسات الشرعية والشعبية
– جمع وحدة كلمة العلماء بخصوص القضية الفلسطينية عموماً، والأحداث البطولية والصعبة الجارية، وتحمل المسؤولية أمام الله وأمام التاريخ، لما للعلماء من تأثير في المجتمعات المسلمة.
– إصدار الفتاوى الفردية والجماعية بوجوب دعم المقاومة بكل الوسائل وحماية المقدسات، والوقوف إلى جنب أهل غزة في محنتهم، ووجوب كفايتهم في ما يحتاجونه ماديا ومعنويا من الجهات الرسمية والشعبية.
– إصدار الفتاوى الفردية والجماعية بتحريم التطبيع وتجريم كل أنواع التعاون مع الكيان الصهيوني.
– المساهمة في التعبئة الشعبية والمشاركة في مختلف الفعاليات لمناصرة الفلسطينيين في الظروف الاستثنائية الجارية.
– إصدار البيانات الفردية والجماعية والمساهمة في الفعاليات الإعلامية والتسجيلات الخاصة بالأحداث الجارية.
– دعم الرواية الفلسطينية وتثبيت الحق الفلسطيني في أرضه ومقدساته ودحض مزاعم التطبيع، بالأدلة والدراسات الشرعية.
– إحياء روح الجهاد في سبيل الله في الأمة ضد الاحتلال وفق المحددات الشرعية التي ينص عليها الكتاب والسنة، ووجوب مساهمة جميع المسلمين في تحرير فلسطين.
رابعاً – الأحزاب والمنظمات والاتحادات الطلابية والنقابات ومختلف المؤسسات المدنية من مختلف التيارات والتوجهات الفكرية والسياسية:
– جعل نصرة الهبة البطولية الفلسطينية على رأس الأولويات، والتحرك العاجل والمحكم والمنهجي عبر خطط مدروسة ومستمرة وفاعلة.
– تنظيم المسيرات الشعبية في الشوارع لإظهار التحام الأمة الإسلامية مع قضيتها الفلسطينية، وربط مصيرها بها، ومنع مخططات عزل المقاومين عن التيار العام للشعوب العربية والإسلامية لدى الحكام والدول الغربية الاستعمارية والمنظمات الدولية.
– الضغط على الأنظمة في الدول المطبعة مع الكيان الغاصب واغتنام فرصة الإنجاز الفلسطيني التاريخي والجرائم التي قابلته من قبل الإسرائيليين المهزومين لكسر القبول الشعبي للتطبيع وتجميد المصريين كافة شعبية عالية وتلخيص مسعاها.
– المسارعة إلى جمع التبرعات والمساعدات الشعبية المادية المختلفة وتشكيل شبكات دعم متينة وفاعلة ومد الفلسطينيين بما يحتاجونه في هذه الظروف التاريخية المشرقة والصعبة. تشكيل التنسيقيات وتنظيم المبادرات الجماعية، العابرة للاتجاهات الحزبية والفكرية داخل البلد الواحد، والعابرة للبلدان، بما يتناسب مع الأحداث التاريخية والجرائم الكبرى الجارية في غزة وما حولها.
– إنتاج البرامج الإعلامية وتنظيم الحملات الإعلامية المنسقة والفاعلة والواسعة والمستمرة عبر مختلف الوسائط الإعلامية حول أبرز محاور أساسية:
– دعم المقاومة وإظهار منجزها كحدث تاريخي بيّن وقطعي في إمكانية هزيمة الاحتلال الإسرائيلي حين يتوفر الإيمان والإعداد والعزيمة والشجاعة على ما نحو أظهرته المقاومة في معركة “طوفان الأقصى”.
– التأكيد على الشرعية الدينية والأخلاقية والقانونية الدولية في كفاح الشعوب من أجل تحرير أوطانها، ولا شرعية الاحتلال، ومخالفته للقوانين والقرارات الدولية التي تتعلق بفلسطين.
– فشل مسارات التسوية والمفاوضات مع دولة الاحتلال وآثارها المدمرة على ثوابت القضية الفلسطينية (الأرض، أمن وسلامة السكان، حق العودة، المقدسات، الوحدة الفلسطينية).
– إظهار الجرائم الإسرائيلية في حق المدنيين الفلسطينيين من تدمير للبيوت على سكانها، والمساجد على المصلين، واستهداف الأسواق العامرة بالسكان.
– القيام بحملات علاقات عامة في المؤسسات الغربية والمنظمات غير الحكومية الدولية وإحراجهم بالأدلة الساطعة الدالة على الحق الفلسطيني والتي تفضح الممارسات والادعاءات والجرائم الصهيونية، وتسليط الضوء على معاناة أهل غزة.
خامساً – الصحفيون ووسائل الإعلام
– جعل الأحداث الجارية في غزة وفلسطين جزء أساسي من البرامج اليومية والإخبارية لصالح المقاومة ودعم الشعب الفلسطيني.
– تكثيف نقل صور الإنجاز التاريخي الذي حققته المقاومة.
– الفضح المكثف والمنهجي للجرائم الإسرائيلية، وتكثيف عرض الصور الدالة على ذلك.
– تغطية الأنشطة التي تنظمها مختلف الأطراف لصالح المقاومة ومناصرة الشعب الفلسطيني.
– اغتنام فرصة الأحداث الجارية لبث البرامج التي تؤكد الحق الفلسطيني ودحض الرواية المزيفة التي ينتجها الكيان الصهيوني ومؤسسوه وأعوانه وتنشرها مختلف وسائل الإعلام الغربية.
– تنظيم الندوات الحوارية لفهم الأحداث الجارية وأبعادها وآثارها على القضية الفلسطينية وعلى الأمة والعالم بأسره.
– فك الحصار الإعلامي على القيادات الفلسطينية والمساهمة في إعطائهم الكلمة وتوصيل خطاباتهم ونداءاتهم للأمة جمعاء وللبشرية كلها.
– اعتماد اللغات الأجنبية في جزء مهم من البرامج والتغطيات الإعلامية، والتركيز على البعد الإنساني والعاطفي والأبعاد القانونية والحقوقية في مخاطبة غير المسلمين.
سادساً – الأفراد ومختلف الفواعل الاجتماعية والمهنية والتيارات الشعبية
– تجديد النية الفردية في العلاقة بالقضية الفلسطينية من حيث أنها قضية دينية يجانب المسلم عن موقفه منها ودوره تجاهها من الله سبحانه عز وجل.
– استحضار خطورة الكيان الصهيوني على وحدة العالم العربي والإسلامي وعلى فرص نهوضه وتطوره.
– الإدراك بأن الكيان الصهيوني خطر على الأمن والسلام في المنطقة وفي العالم، وبأنه طرف أساسي في النظام المالي العالمي الحالي القائم على استنزاف فئات قليلة لخيرات الكرة الأرضية، والمتسبب في انتشار الظلم والفقر والأمراض والوبئة والحروب. 04 الاعتزاز الشخصي بالإنجاز التاريخي الذي حققته المقاومة الفلسطينية وعد ذلك خطوة غير مسبوقة في طريق التحرير والانتباه إلى التحولات الموضوعية الكبرى التي تؤشر على اقتراب ذلك. 05 الاهتمام بما يحدث في غزة وفلسطين ومتابعة الأحداث والتفاعل الإيجابي معها من خلال برامج شخصية منها:
– الدعاء في كل صلاة وفي أوقات الاستجابة.
– المساهمة بمقدار مالي شخصي وعلى كل فرد في الأسرة.
– الحديث عن الأحداث الجارية في العائلة وشرح أبعادها والواجبات الملقاة على كل فرد بخصوصها، خصوصاً للأطفال والشباب، والتذكير بأن – الأمة إنما تحيي بالجهاد في سبيل الله وفق ما ينص عليه الكتاب والسنة.
– المساهمة في حملات التبرع التي تنظمها الجهات الموثوقة المعنية.
– المساهمة في المسيرات والمناشط والوقفات والفعاليات المختلفة التي تنظمها مختلف الأطراف.
– المساهمة في الحملات الإعلامية وتوسيع مداها بمشاركتها في مختلف الوسائل الاجتماعية.
– الاستعداد للمساهمة في التحرير والسخاء بالنفس عند الاقتضاء وتوفر الفرصة والظروف والثبات على هذه النية.
مساهمة كل واحد – بشكل فردي وتلقائي – في دعم القضية الفلسطينية في محيطه المهني وحسب تخصصه ومجاله واستطاعته والفرص المتاحة والاستعداد لذلك (في المواقع الحكومية، والمجتمعية، والعلمية، والفنية، والتقنية، والاقتصادية والمالية …).

 

 

كل شيء كان يدل على أنه هو المختار ليكون هو النبي الخاتم، ولكن هو لم يكن يعلم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولم يكن يتطلّع للأمر، ولم يهيء نفسه أبدا ليتحمل ذلك الحمل العظيم الذي ألقِي عليه في الأربعين من عمره.

كل ما له و ما فيه وما حوله كان يؤشّر على أن لهذا المحمود المبرور شأنا عظيما في ما يستقبل من عمره، ولكن ذلك لم يكن همّه، كان همه أن يتجه إلى نفسه فينقّي دواخله، ويقيّم محيطه قبل أن يوحى إليه فيتجنب مفاسده.

كل البركات تجلّت فيه وفي حياته فلم يزده ذلك إلا تواضعا وبصيرة.

اختاره الله من أشرف الأنساب، وحملته أمه حملا ميسورا مباركا، وكان مولده نورا أضاء مشارق الأرض والمغارب.

توفي والده عبد الله بن عبد المطلب قبل ولادته وتوفيت أمه آمنه بنت وهب في السادسة من عمره وتوفي كفيله جده عبد المطلب وهو في الثامنة فتكفل الله بتربيته، فأحاطه بالبركة حيثما حل، أحبته مرضعته حليمة السعدية حبا جما، جرى الحليب في صدرها من أجله، وزاد الكلأ لأغنامها والبركة في موضع عيشها ما بقي النبي عندها، وكانت حاضنته أم أيمن بعد وفاة أمه أسعد الناس به وأكثر النساء يمنا و هناء في عيشها ما كان معها.

وسخر الله له جده عبد المطلب فكان أقرب أحفاده إلى قلبه ينافس أعمامه في المكانة في مجلسه.ومع البركة التي أحاطه الله بها سبحانه في أي موقع يكون فيه حفظه من لهو الأطفال وعبثهم، ولم يتأثر في شبابه بأي شيء من بيئة الجاهلية، بل كان ينكر أقذارها وأرجاسها، كالشرك وعبادة الأصنام وأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، والأزلام والأنصاب، واللهو والفحش والزنا والتفاخر بالأنساب وحمية الجاهلية والربا وأكل أموال الناس بالباطل.

فكانت عصمته عليه الصلاة والسلام تامة قبل بعثته.

عهد به جده قبل وفاته إلى عمه شقيق والده أبي طالب ليعتني به، وكان كثير العيال فقير الحال فناله ما نال العم وأهله من الفقر والعوز، فتعلم عليه الصلاة والسلام الاتكال على نفسه صغيرا إذ عمل في رعي الأغنام ثم في التجارة شابا، فكان نعم الراعي ونعم التاجر خلقا وأمانة ومهارة.

وفي تجارته عرفته نعمة الله عليه الغالية خديجة بن خويلد فاختارته لنفسها، توفيقا من الله لها إذ كانت أعظم امرأة تليق به، وإكراما له بها منه سبحانه إذ هي المختارة من الله للمختار.

ولما اقترب الأمد اشتد على رسول الله ضيق صدره بالجاهلية، لصفاء النفس التي جعله الله عليها فلجأ إلى غار حراء ينقطع فيه للتبتل، وهو لا يدري أنه سيكون النبي المختار، لم يرشح نفسه لشيء عظيم كالذي جاءه، لم يكن يحدّث نفسه بأنه سينقذ العالم، كان يريد أن ينقذ نفسه فقط من ضيق الجاهلية وأخلاقها وأرجاسها، فتجلت من رياضته لنفسه أخلاقه التي عرف بها قبل بعثته، التي بنت سمعته ومكانته، حتى قيل إنه “الصادق الأمين”، يقولها العبد والسيد، والغني والفقير، والقريب والبعيد، والضعيف والطاغية المتجبر، لِما عُرف عنه من ابتعادٍ عما يفسد الخلق والمروءة، وما شاع عنه مما قالته له خديجة لتهدئة روعه حين أوحي له: ((كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)).

نعم لقد خاف حين نزل عليه الوحي وذعر وارتعدت فرائصه إذ لم يكن يتوقعه، وذهب إلى تلك السيدة الكريمة زوجته مسرعا يرتعش لا يدري ما الذي أصابه “دثروني، دثروني!” “زملوني، زملوني!”، فلما أيقن عليه الصلاة والسلام، بعد الروع، بالرسالة وعلم أنها وجبت عليه، إذ قال الله له سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين)) [المائدة 67] لم يتخلف عن حملها وأدى الذي عليه حتى أنقذ العالم وكان (( رحمة للعالمين)) إذ ترك أسس إنقاذه كلما فسد بعده بالرجوع إلى كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأشهد الناس على نفسه في حجة الوداع: (( ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟)) وفي كل مرة أجابوه: (( ألا نعم، ألا نعم، ألا نعم)).

بل قبل وفاته بقليل شهد الله له بذلك بقوله سبحانه: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دينا)) [ المائدة 3]، فلا نبي بعده، بل دعاة على نهجه يعملون بعمله وفق قوله سبحانه: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:107]. والأصلح في هؤلاء الأتباع والأقرب إلى سبيله هم من هيأهم الله ليحملوا رسالة نبيهم، من أشراف القوم، من أهل المصداقية والقدوة، من أهل الصلاح الذي يعرفه الله سبحانه في داخل أنفسهم، من أبعد الناس عن الرذائل والمهالك والشبهات المفسدة للسمعة، ممن اعتمدوا على أنفسهم فعملوا ولم يتأففوا من مشاق الحياة، ممن جاؤوا للدين ليصلحوا به أنفسهم ابتداء، لا لينقذوا به العالم أولا، جاؤوا إلى الإسلام ملتجئين إليه من فساد أحوال العالم ذاته.

وحين التزموا بالإسلام وامتثلوا هديه ودرسوا ما فيه أدركوا أن الله هو الذي أمرهم بإنقاذ العالم، بتثمين ما فيه من صلاح وخير، ومحاربة وتغيير ما يشمله من الشر والأذى، بل والانتظام من أجل ذلك وفق قوله سبحانه: ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [ آل عمران 104].

من كان على هذا النهج كان نهجه نهج المصطفى عليه الصلاة والسلام، يعمل – بقدر استطاعه – من أجل الخير، كل أنواع الخير، ويأمر بالمعروف، كل أنواع المعروف، وينهى عن المنكر، كل أنواع المنكر على بصيرة وهداية.

فإن فعل هذا المتّبع ذلك فقد أدى الذي عليه، ولا يهمه هل أنقذ العالم أم لا.

وإنما يكون قد أهل نفسه لإنقاذ العالم وسعى لذلك وهو لا يريد في حقيقة الأمر سوى إنقاذ نفسه. فإن أنقذ العالم بما فعله وأمثاله، في العاجل أو الآجل، فما ذلك إلا تسخير من الله و فضل منه عز في علاه، وإن لم ينقذ العالم فلا حساب عليه في ذلك إذا أدى الذي عليه.

ولا شك أن العالم سيُنقَذ يوما ما وسيكون له في ذلك، إن عمل، أجر والثواب، وإن لم يباشر الأمر في حينه.

وإنما الشقي من جاء للدين لينقذ العالم، وهو لم ينقذ نفسه، وما جيئته للدين إلا ليرفع به شأنه، تماما كذلك الذي جاء للوطن يدعي إنقاذه، وهو لم ينقذ نفسه من الرذائل والمفاسد ظاهرها وباطنها، ذلك الذي إن لم يتحقق مقصده الخفي ويئس من ذلك يأسا مبينا كفر بالوطن، أو ربما كفر بالدين أصلا.

وهي قصة تتكرر، معاكسة لقصة النبي عليه الصلاة والسلام، قصة تتكرر كقصة أمية بن أبي الصلت، الذي كان مثل رسول الله عليه الصلاة والسلام يعتزل أعمال الجاهلية ويؤمن بالله الواحد الأحد، ولكنه كان ينتظِر أن يكون هو النبي المنتظَر، فلما يئس من ذلك باختيار الله محمدا كفر ومات كافرا.

اللهم إنا نسألك العافية.

 

د. عبد الرزاق مقري

ضمن حديثنا عن الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية والجيوستراتتيجية التي حكمت اختيار الأعضاء الجدد في البريكس، سنركز في هذا المقال عن التطورات الجيوستراتيجية المتعلقة بالمملكة العربية السعودية وحالة التوتر التي طالت بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة، ولكن قبل ذلك نقف عند أهمية المملكة جيوسياسيا واقتصاديا بما جعلها عضوا مفضلا حرص قادة البريكس على ضمها إلى منتظمهم الدولي.

لا شك أن الأهمية الجيوسياسية والدينية والاقتصادية للملكة العربية السعودية تؤهلها لتسعى مختلف الأمم إلى كسبها في أحلافها، فهي تحتل موقعا استراتيجيا مهما بمساحة تتجاوز مليوني كم² بين البحر الأحمر والخليج العربي اللذين تزدحم فيهما ناقلات البضائع العالمية، على نحو ما ذكرناه في المقال السابق، وهي بلد الحرمين الشريفين ومهد الرسالة النبوية المحمدية، زارها في آخر إحصاء سنوي 10 مليون مسلم من مختلف أنحاء العالم للعمرة وفي موسم الحج، وبلد مقر منظمة التعاون الإسلامي.

وهي عضو في مجموعة العشرين الأقوى اقتصاديا، حيث احتلت فيه المرتبة 16 عام 2022 إذ تخطى إنتاجها المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية رقم الترليون دولار، وقد سجل نموها الاقتصادي النسبة الأعلى في المجموعة بمعدل 8.7 % ، وهو أكبر الاقتصاديات العربية وبلدان الشرق الأوسط، مع معدلات بطالة عام 2022 في حدود %4.8، و نسبة تضخم في حدود 3%، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 23.7 ألف دولار.

تعود القوة الاقتصادية للسعودية أساسا إلى مكانتها في قطاع الطاقة، إذ بها 19 % من الاحتياطي العالمي للنفط، و 12 % من الإنتاج العالمي له، تنتج في حدود 10 مليون برميل يوميا، تستهلك منه داخليا 30 % وتصدر الباقي، وتمثل صادراتها النفطية أكثر من 20 % من مبيعات النفط في الأسواق العالمية، وتحوز على احتياطي ثابت يقدر ب 267 مليار برميل، ولها طاقة تكرير للبترول تصل إلى 5 مليون برميل يوميا، حيث تنتج المنتجات الضرورية للاستهلاك الداخلي مثل الديزل والبنزين وزيت الوقود، وتبلغ صادراتها من هذه المنتجات 26.2 مليار دولار.

وصلت مداخيل صادرات المملكة عام 2021 ما مقداره 326 مليار دولار، ويشمل حجم احتياطي الصرف 693 مليار دولار وفق البنك المركزي السعودي، وهي حالة مالية مهمة جدا لأسواق المال والاستثمارات العالمية التي تسعى إليها دول منظمة البريكس، وحسب تقارير منظمة التجارة العالمية بلغت تجارة المملكة الخارجية خلال العام الماضي نحو 2.24 ترليون ريال، بنمو 40 % مقارنة بعام 2021 وتوجهت أولا إلى الصين بحجم تجارة بلغ 139.7 مليار ريال ما يشكل 19.1% من التجارة السعودية الخارجية مع فائض تجاري بلغ نحو 31 مليار ريال ، فيما احتلت الهند المرتبة الثانية بحجم تجارة بلغ 55.3 مليار ريال ما يشكل نسبة 7.6% مع فائض تجاري بلغ نحو 26.4 مليار ريال سعودي. أما أمريكا فإنها تأتي في المرتبة الخامسة ضمن قائمة أكبر عشرة شركاء تجاريين للملكة وذلك بقيمة 151.4 مليار ريال سعودي.وبالرغم من أن هذه القوة الاقتصادية تعتمد على ثروة طبيعية نفطية غير دائمة فإن لها هامش من مداخيل الصادرات خارج المحروقات يصل إلى 70 مليار دولار، منه ما يتعلق بالمواد البلاستكية (19.6 مليار دولار)، الكيمياويات العضوية (14 مليار دولار)، الأسمدة (4 مليار دولار)، الألومينويم (2.3 مليار دولار)، مواد كيمياوية غير عضوية (1.75 مليار دولار)، أحجار كريمة ومواد نفيسة (1.4 مليار دولار)، الملح والكبريت والحجر والإسمنت (1.1 مليار دولار)، النحاس (977.2 مليون دولار).

وفي المجال الفلاحي تستورط السعودية أكثر من 80 % من إمداداتها الغذائية الضرورية من مداخيلها النفطية، وهي بلد في عمومه صحراوي نسبة الأراضي المزروعة فيها قليلة بالنسبة لشساعة الأرض ولذلك تسعى جاهدة لتنمية قطاعها الزراعي من خلال استصلاح الأراضي والاعتماد على التكنولوجية للتنمية الفلاحية وترقية المناطق الريفية لتخفيف كلفة السلة الغذائية، وهي تحقق نجاحات معتبرة حيث بلغ القطاع الفلاحي 3% من مجمل الناتج المحلي الإجمالي، خصوصا في بعض المنتجات كالحبوب والفواكه والخضروات، والصيد البحري والثروة الحيوانية ومختلف منتجات الحليب، وتأتي التمور في المقدمة إذ تحتل فيها السعودية المرتبة الثانية بعد مصر من حيث الإنتاج، والثانية بعد تونس من حيث التصدير.

ومن أهم إيجابيات الاقتصاد السعودي ما يتميز به القطاع المالي المصرفي والبنكي من كفاءة ومروة وفاعلية ساهمت كثيرا في النتائج المحققة، ويعوّل على “رؤية “2030 التي أطلقها ولي العهد السعودي لتحرير الاقتصاد السعودي من التبعية للمحروقات بالاعتماد على التكنولوجية والإبداع وتنويع الإنتاج وإطلاق المشارع الكبرى والشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وهي حقا رؤية جديرة بالاهتمام والدراسة من الناحية النظرية لو توفرت لها البيئة المناسبة.

وتدفع هذه الرؤية الشركاء الدوليين للاهتمام أكثر بهذا البلد الذي حباه الله تعالى بإمكانيات جبارة تؤهله ليكون بلدا صاعدا لو توفر له الحكم الراشد الضروري للنجاح، ومنه التدافع المؤسسي والقدرة على الرقابة على الشأن العام، والسيادة على قراره ضمن الضغوطات الدولية التي تحيط به.

مهما كانت القوة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية، ومهما كانت أهميتها الجيوسياسية فإن المعايير التي حسمت في اهتمام قادة البريكس بعضويتها في منظمتهم تعود أساسا للتحولات الجيواستراتيجية التي تتعلق بها، خصوصا ما يتصل بتدهور علاقاتها مع الولايات الأمريكية المتحدة.

حينما نتابع تطورات السياسة الخارجية السعودية، بل بالأحرى مواقف الحاكم السعودي محمد بن سلمان تجاه القوى الدولية المهتمة ببلده، سنلاحظ الاقتراب المتدرج لهذا البلد المهم نحو الصين والقوى الشرقية الأخرى، ونشعر بحالة التوتر الواضح الذي طال أمده في العلاقة بينه وبين الولايات الأمريكية المتحدة.

لقد تعوّد الغرب بزعامة أمريكا وبالخبرة التخطيطية والدبلوماسية الإنجليزية أن يُسيِّر شؤون الأسر الحاكمة الخليجية ويحميها ويرتب عمليات الاستخلاف التي تكون في الغالب هادئة وفي بعض الأحيان دموية كما هو الحال مع الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله.

غير أن طموح الأمير محمد بن سلمان المسنود من الوالد الملك قلّب المعادلة، في مرحلة حاسمة من تاريخ المملكة وهو انتقال العرش من الأشقاء أبناء عبد العزيز إلى الأبناء، فأراد الأمير أن يحسم في الأمر قبل أن تحسم الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها المملكة المتحدة اللذان كانا يفضلان الأمير بن نايف الأقرب إليهم والذي تم الترتيب أن يكون التالي في تولية العرش بعد عمه سلمان قبل أن ينقلب عليه ابن عمه محمد بن الملك سلمان.

لا يحب الأمريكان أن تُقضى الأمور بدونهم مع حلفائهم الذين يحمونهم، فكان هذا سبب رئيسي في توتر العلاقة مع أمريكا، وحين وقعت جريمة خاشقجي استغلتها الدولة العميقة الأمريكية أحسن استغلال عن طريق مؤسستها الأمنية القوية وكالة الاستخبارات الأمريكية، ولكنها لم تستطع أن تفعل شيئا كثيرا تحت رئاسة دونالد ترمب القادم من خارج المؤسسية الأمريكية.

لقد جاء دونالد ترامب إلى الحكم في ظل تحولات سياسية وثقافية واقتصادية كبيرة في الولايات الأمريكية المتحدة، ليس المجال للتفصيل فيها، صنعت تيارا شعبيا عريضا ضد المؤسسات الأمريكية التقليدية. أحسن ترمب قيادة هذا التيار بخطابه الشعبوي تحت شعار “أمريكا أولا” وبإمكانياته المادية العظيمة.

وقد ساعده كذلك عودة “الروح الانعزالية الأمريكية” المتحصنة بالجغرافية القديمة في الفكر السياسي الأمريكي منذ عهد الرئيس جيمس مونرو (1817 ـ 1825) والتي باتت تشكل قناعات واسعة بين النخب البيروقراطية الأمريكية بالنظر للكلفة الكبيرة التي تتحملها الولايات الأمريكية بسبب انتشار جيوشها في كل أنحاء العالم.

وقد أضاف ترامب إلى هذه النزعة الانعزالية لمسة رجل الأعمال التي مفادها أن الذي يريد حماية الولايات الأمريكية المتحدة عليه أن يدفع.

وعلى هذا الأساس تعامل الرئيس الأمريكي “الآوتسايدر” مع محمد بن سلمان، دون اكتراث بقضايا حقوق الإنسان و لم يكن يهمه من يحكم هذا البلد الحليف منذ سبعين سنة.

رغم التعامل الاستعلائي الذي انتهجه ترامب مع بن سلمان وجد هذا الأخير فيه ضالته ما دام الرجل لا يريد إلا المال، وكان لليهودي كوشنر صهر الرئيس دور كبير في دعم الأمير الشاب الطموح بغرض ربطه بالدوائر الصهيونية بين أصحاب القرار الأمريكيين، وربما جرِّه للتطبيع في الوقت الذي تتاح فيه الفرصة.

غير أن رجوع الديمقراطيين للحكم وأخذهم زمام المبادرة من جديد عاد بالعلاقات بين البلدين إلى حالة من التوتر الخفي، ورغم استمرار التحالف التقليدي بينهما لا يبدو أن بن سلمان بات لا يأمن حلفاءه هؤلاء على عرشه، وفي نفس الوقت وجد الأمريكان أنفسهم مضطرين للتعامل مع ملك مستقبلي لا يحبونه ويمثل لهم حالة إحراج شديد بسبب ملف مقتل خاشقجي الثقيل.

شغلت أمريكا نفسها كثيرا بحروبها الظالمة الخاسرة في العالم الإسلامي في أفغانستان والعراق ودعم الدكتاتوريات، وشغلتها التطورات الداخلية على أرضها قبل وأثناء عهدة الرئيس ترامب، فلم تستفق إلا وقد شبت الصين عن الطوق وأصبحت قوة عالمية تتفوق على الولايات الأمريكية في معدلات النمو في العديد من المجالات بما يجعلها قادرة في مستقبل غير بعيد لتكون القوة الاقتصادية والتكنولوجية الأولى، وربما في مدى أبعد القوة العسكرية الأكبر في العالم.

عندئذ صارت أولوية الولايات الأمريكية هي هذا البلد الصاعد لاحتوائه وتحجيمه، وبدأت تسحب قواتها بالتدرج من مناطق العالم الإسلامي، وأحيانا دون تنسيق مع حلفائها الأقرب إليها كما فعلت في أفغانستان.

شعر حكام المملكة العربية السعودية بأن هذا التغيير في السياسة الأمريكية سيغير طبيعة العلاقة بين الطرفين المبنية على “النفط وضمان المصالح الأمريكية مقابل الحماية”، ولم تر في الاستراتيجية البديلة التي تقوم على حلف شامل مع الإسرائيلين التي اقترحها الأمريكيون وأعلن عنها بايدن بنفسه قبل زيارته للسعودية كافية لتعويض الحلف السعودي الأمريكي الذي لم يتغير قرابة ثمانين سنة خلت منذ لقاء الرئيس الأمريكي روزفلت مع الملك عبد العزيز في فبراير 1945.

وفي جو اللاثقة المتصاعد بين الطرفين بدأت القيادة السعودية ذاتها تتجه أكثر فأكثر نحو القوة الصاعدة الجديدة، لا لضمان الحماية العسكرية، إذ لا تزال الولايات الأمريكية المتحدة هي الأقدر على ذلك، ولكن بغرض التوزان والبحث عن شريك اقتصادي جديد، وللخروج من مقاربة الحليف الدولي الأوحد، وللضغط على البيت الأبيض والنخب الأمريكية النافذة.

في ذات الوقت كانت الولايات الأمريكية المتحدة قد استطاعت أن تحل مشكل حاجتها للطاقة بتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال استغلال غازها الصخري الذي تملك تكنولوجية استخراجه بالكلفة الأقل، وأن تصبح المنتج الأول عالميا للنفط، بما جعل مكانة المملكة العربية السعودية من هذه الزاوية تتراجع عندها، سوى ما يتعلق بالاحتياجات العالمية للطاقة، خصوصا لحلفائها، ومسألة الأسعار، وكيف يمكن تحييد هذا السلاح لكي لا يكون لصالح القوى الدولية المنافسة.

وقد تسبب هذا الوضع الجديد في مزيد من التوتر بين البلدين بسبب شعور المملكة العربية السعودية بتغير المعادلة الطاقوية مع الأمريكان التي هي موضوع التحالف الذي أبرم في السبعينيات والذي وافقت السعودية بموجبه أن يكون بيع البترول بالدولار مقابل الحماية الأمريكية للحقول، ثم تبعتها كل الدول المنتجة للنفط، بما وضع العالم كله في فخ نظام البيترو_الدولار إلى اليوم.

لقد كانت المملكة العربية السعودية وكل دول الخليج النفطية في يد الولايات الأمريكية المتحدة للتحكم في توجهات منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، حتى لا تتكرر الصدمة البترولية عام 1973 التي تسببت في توتر عابر بين البلدين، وقد تكون تلك الأزمة سببا من أسباب اغتيال الملك فيصل رحمه الله عام 1975.

غير أن التغيرات المشار إليها أعلاه أفشلت هذه المرة مساعي بايدن لدى السعوديين في السنة الماضية لتعطيل قرار خفض الإنتاج الذي اتخذته “أوبك بلس” الموسعة لدول منتجة أخرى خارج منظمة “أوبك” على رأسها روسيا.

مما أثار غضبا شديدا في أوساط النخب الحاكمة الأمريكية، الذين رأوا في ذلك دعما لروسيا في حربها في أوكرانيا التي ستجني مداخيل إضافية جراء ارتفاع أسعار الطاقة، كما أن الديمقراطيين رأوا في الأمر طعنة في الظهر للتأثير في الانتخابات النصفية الأمريكية التي ستجري في نوفمبر من السنة الجارية من خلال إظهار بايدن في مظهر الرئيس الضعيف أمام الأمريكيين، ومن خلال ما يسببه ارتفاع أسعار البترول من غلاء للمعيشة وارتفاع أسعار الوقود، عكس ما وُعد به الشعب الأمريكي من أن طفرة الغاز الصخري هي لصالحه كذلك كما هي لصالح الشركات البترولية المنتجة التي لم تكترث بالمخاطر البيئية ونداءات المطالبة بحقوق الأجيال المستقبلية.

أظهر اشتدادَ التوتر هذا التصريحاتُ الشديدة المتتالية التي عبر عنها آنذاك السياسيون الأمريكيون، الذين لا يزالون يرون إلى الآن أن قرارات “أوبك بلس” خطر على الاقتصاد الأمريكي والأوربي الذي يعاني من انخفاض احتياطاته الاستراتيجية وارتفاع الأسعار عند المستهلكين في بلدانهم، ومن ذلك ما قاله الرئيس بايدن حينها: “إن الوقت قد حان للولايات المتحدة لإعادة التفكير في علاقتها مع السعودية”، وما صرح به “انتوني بلينكن” وزير الخارجية الأمريكي من: “أن المملكة العربية السعودية لم تتصرف كحليف للولايات الأمريكية المتحدة في قرار “مجموعة أوبك بليس” بخفض إنتاج النفط”، وما هددت به السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض “كاترين جان بيير” حين صرحت بإمكانية صدور قرار بشأن العلاقة ببين واشنطن والرياض، وهو الاتجاه الذي صار موضوع نقاش متواصل بين المشرّعين الأمريكيين، سواء ما يتعلق بالتهديد بوقف بيع الأسلحة للسعودية، أو تحريك قانون “نوبك” الذي يدعمه الديمقراطيون والجمهوريون لفرض عقوبات على منتجي النفط الذين يساهمون في زعزعة السوق البترولية والتسعير الطاقوي، أو تحريك ملفات حقوق الإنسان والديموقراطية.

لم يظهر السعوديون اهتماما كبيرا بالتهديدات الأمريكية لعلمهم باحتياج حليفهم لهم، ولوجود خيارات أخرى باتت متاحة لهم في الساحة الدولية، ولإمكانية وقوع تحول داخل أمريكا ذاتها من خلال الانتخابات المقبلة، فقال وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير في مقابلة مع CNN، بأسلوب فيه نوع من الاستهزاء، ردا على عاصفة تصريحات المسؤولين الأمريكيين “إنه عندما تكون في موسم الانتخابات، ما يسميه البعض (الموسم الهزلي)، يُقال الكثير من الأشياء ويتم القيام بالكثير من الأشياء التي قد يكون لا معنى لها في وقت آخر”، مضيفا: “آمل أن يكون هذا ما نتعامل معه هنا” موضحا في نفس الوقت أن المعطيات الاقتصادية هي التي تحكم قرارات مجموعة “أوبك بلس” وليس المعطيات السياسية، وأن قرار الخفض بُني على إجماع الدول الثلاث والعشرين الأعضاء في وكالة الدول المصدرة للنفط.

وحسب “استقلالية عالية” وفق ما تعمد مجلس التعاون الخليجي الإشارة إليه في بيانه حينذاك.

وفي سياق هذا التوتر المتصاعد إلى الآن ظهرت خلافات أخرى عمقت التباعد منها الملف اليمني، الذي غيّر فيه الديموقراطيون سياسة الدعم الكلي الذي كان يقدمه ترامب للسعوديين، حيث أخرجت إدارة بايدن الحوثيين من قائمة الإرهاب، ورفضت إمضاء صفقات تتعلق بالسلاح، وأرسلت مبعوثا لها لصنعاء، ولم تصبح تسند الرواية السعودية على المستوى العالمي وتضغط على المملكة بملف قتل المدنيين والأطفال في الحرب.

ومن مظاهر وأسباب الخلاف كذلك سياسة البيت الأبيض بخصوص الملف النووي الإيراني الذي رأت فيه السعودية تساهلا مع إيران، خصوصا حين ساند الأمريكيون رفض الإيرانيين طلب السعودية بأن تكون طرفا في المفاوضات بشأن هذا الملف، وربما هذه التحولات هي التي جعلت محمد بن سلمان يتجه نحو مقاربة جديدة نحو سعي السعودية ذاتها لامتلاك التكنولوجية النووية بدل معارضة غيرها لذلك، سواء يتم الأمر برعاية أمريكية ضمن صفقة التطبيع وفق ما سربته وسائل إعلامية أمريكية وصهيونية، أو بمساهمة الشركاء الجدد الصينيين أو الروس.

إنه من السابق لأوانه الاعتقاد بأن العلاقات الأمريكية السعودية تتجه نحو القطيعة الكلية، فالطرفان يحتاجان إلى بعضها البعض، من حيث أن الحلف عميق وقديم ومتشعب، والحماية العسكرية والأمنية الأمريكية لدول الخليج يصعب تعويضها في المرحلة الراهنة، كما أن الولايات الأمريكية لا تزال تحتاج الدولارات السعودية في صفقات السلاح حيث أن مشتريات السعودية تصل أحيانا إلى ربع مبيعات شركات السلاح الأمريكية، وأمريكا هي أكبر مستثمر أجنبي في السعودية بمبلغ 800 مليار دولار مقابل 100 مليار دولار للصين، كما أن للسعودية وزن كبير في التوازنات الاستراتيجية التي لا تزال تتحكم فيها أمريكا في المنطقة، كما يخشى الأمريكيون أن القطيعة ستدالسعودية كلية إلى المعسكر المعادي لأمريكا، خصوصا الصين وروسيا.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل المملكة لا تُظهر الاستعجال بقبول الدعوة إلى دخول نادي البريكس، وفق ما قاله وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في تصريحات صحفية نقلتها وكالة “رويترز”، في نفس اليوم الذي أعلن فيه قادة البريكس القائمة إذ قال: “إن المملكة تثمن دعوة مجموعة دول “بريكس” للانضمام إليها وستدرس التفاصيل قبل موعد الانضمام المقترح في الأول من يناير وستتخذ القرار المناسب”.

ولا شك أن قادة البريكس وعلى رأسهم الصين يحيطون بهذه الخصوصية السعودية أكمل الإحاطة، فهم لا يطلبون من السعودية تحولا كاملا، ولكن يريدونها في هذه المرحلة أن لا تكون خالصة للولايات الأمريكية المتحدة، وأنها لو قبلت فقط التعامل بالعملات المحلية في مبيعاتها للبترول لبلدانهم سيكون تقويضا حقيقيا لمكانة الدولار عالميا، وهي المشاورات التي بدأت بين الصين والسعودية وفق ما أخبرت به جريدة “وول ستريت جورنال” ولو تحقق هذا ستكون السعودية قد ساهمت في تحرير العالم من سجن الدولار الذي وضعته فيه سنة 1974، وحتى وإن لم يتحقق هذا في هذه المرحلة فإن تنويع السعودية لحلفائها سيلغي مع الزمن حلفها مع الولايات الأمريكية المتحدة، للعلاقات الاقتصادية المتصاعدة مع الصين وروسيا والهند وباقي دول البريكس.

وتلك هي العملية التاريخية التي تقوم بها الصين من خلال مرافقتها للسعودية بتعميق الشراكة الاقتصادية وبعملية الإصلاح بينها وبين إيران، ثم بضمها لمنظمة الشتغهاي كعضو شريك في الحوار، ثم بإدخالها في منظمة البريكس.

 

د. عبد الرزاق مقري

قد يستغرب المتتبع للتطورات الدولية كيف يتم الإجماع بين خمس دول بعضها لها تقاليد ديموقراطية عريقة وتاريخ مشرف في الكفاح من أجل الدميقراطية وحقوق الإنسان، مثل البرازيل وجنوب افريقيا، على اختيار الإمارات العربية المتحدة في عضوية البريكس، كبلد تحكمه إرادة شخص واحد هو حاكم أبو ظبي الذي استطاع أن يسيطر بموارد إمارته النفطية على كل الإمارات الأخرى المشكلة للدولة والذي تسبب في فتن عظيمة في العديد من الدول العربية سالت فيها الدماء وانتهكت الأعراض وسقطت فيها المؤسسات الشرعية لصالح مليشيات يتحكم فيها بالمال واللعب على التناقضات، كما شارك في دسائس ضد دول شقيقة كتركيا والجزائر.

ولكن الاستغراب يزول حينما نعلم بأن الضحية الأساسية في التطورات الدولية القائمة هي الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ الأطراف المتصارعة كلها لا تعبأ بإرادة الشعوب، ولا تهمها مصائرهم، خصوصا حينما يتعلق الأمر بالمصالح، سواء كانت الدول المشكلة للبريكس التي لا تحظى الأساسية فيها بسجلات مشرقة في الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو الدول الغربية وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة التي تتعامل مع الديمقراطية وحقوق الإنسان بمعايير مزدوجة يحكمها النفاق وابتزاز الدول الحليفة والبعيدة وفق ما يخدم مصالحها.

لم يحضر في معايير اختيار الأعضاء الجدد في منظمة البريكس سوى تلك المعايير التي استخلصناها في مقال سابق من تصريحات مسؤولي الدول الخمس (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب اقريقيا) التي أجمعت على قائمة الدول الست المضافة (إيران، السعودية، الإمارات، مصر، الأرجنتين، أثيوبيا)، وهي المعايير التي تتعلق ب”عالَم الاقتصاد وما يرتبط به من نشاطات الإنتاج، والتوزيع، والتمويل، وما يترتب عليها من علاقات ومنافسة بين الدول” وهو ما يعني في التعريفات القاموسية “الجيواقتصاد”، و ما يتعلق ب”الحيز الجغرافي من حيث الموقع والمنافذ والمساحة والموارد والمعطيات السكانية وتأثيراتها على العلاقات السياسية في الإقليم وعلى المستوى الدولي”، وهو ما يعني “الجيوسياسة”، كما تتعلق ب”مستوى وكيفية استعمال المعطيات الجيوسياسية والجيواقتصادية في حالة الصراع أو الحرب بين الكيانات السياسية والدول وما يترتب عن ذلك من مواقف وسياسات وتحالفات وما يتحقق من وزن وتأثير في الساحة الدولية”، وهو ما يعني “الجيوستراتيجية”.

لا يخفى على أحد الأهمية الجيوسياسية التي تتمتع بها الإمارات العربية المتحدة بفعل موقعها الجغرافي على سواحل الخليج العربي قرب مضيق هرمز الاستراتيجي، وتوسطها بين الممرات العالمية البرية والبحرية وخطوط الطيران بما يجعلها منطقة عبور مثالية للبضائع والسواح وأصحاب المصالح من مختلف أنحاء الدنيا.

غير أن هذه الدولة دولة صغيرة، مساحتها في حدود 71.023 كلم مربع وتركيبتها السكانية معقدة لا يتجاوز عدد سكانها المواطنين المليون (بين 10 – 12 %من مجمل سكان البلاد) وسط جنسيات متعددة عددهم في حدود 9 مليون مقيم لأغراض العمل في أغلبهم من جنوب شرق آسيا وخصوصا من الهنود، لا يمكن الاعتماد عليهم في حالة العدوان على البلد إذ البلد ليس بلدهم، وسيبقى هؤلاء الأجانب يشكلون خطرا على استقرار الإمارات لكثرتهم، خصوصا إذا قررت قوى دولية متربصة دفعهم للاحتجاج من أجل توطينهم، لن تكون الإمارات عندئذ عربية ولا ربما حتى مسلمة.

ومما زاد في هذه المخاطر الجيوسياسية ضياع هذا البلد لكثير من هويته القومية وتشويه صورته الدينية وخلافاته مع العديد من جيرانه وأشقائه في العالم العربي والإسلامي.

ولهشاشة وضعها تبحث الإمارات دائما على شكل من أشكال الحماية الدولية، ويعتقد حكامها بأن كل شيء يحل بوفرة المال الذي يضمنه بيع البترول والغاز.

ولعدم الشعور بالأمان تعمل الإمارات دوما على أن تستمر حالة الحماية التي تأسست في إطارها تحت رعاية البريطانيين، وفق ما ذكرناه في المقال السابق، ثم ضمن تحالفها التقليدي مع الولايات الأمريكية المتحدة بعد التراجع الدولي لبريطانيا، وأخيرا توجهها مؤخرا شرقا نحو الصين وروسيا.

قبل أن نتحدث عن التطور الأخير الذي اتجهت إليه الإمارات في علاقاتها الدولية على إثر توجسها من تراجع اهتمام الولايات الأمريكية المتحدة بالمنطقة، نتحدث عن النجاح الذي حققه هذا البلد في الجانب الجيوقتصادي الذي عظم اهتمام الدول به في أحلافها.

لا شك أن القوة الاقتصادية لدولة الإمارات لا تزال مرتبطة بالثروة النفطية، وأن كل مساعيها لتنويع اقتصادها تعود في القاعدة الخلفية لقوتها المالية المرتبطة بالكنوز الأحفورية، وأن قوتها المالية خارج المداخيل البترولية لا تزال تُحسب ضمن الفقاعات المالية الرأسمالية التي قد تنهار في أي أزمة مالية عالمية عاصفة، وقد حدث شيء من هذا في الأزمة المالية التي تعرضت لها إمارة دبي عام 2009 ، سنة واحدة بعد الأزمة العالمية، وأن مكانتها التجارية المرتبطة بإعادة التصدير قد تتعرض للكساد في حالة حدوث ركود عالمي كبير.

غير أنه يجب الاعتراف بأن دولة الإمارات حققت نجاحات كبيرة لم يحققها الكثير في المنطقة تؤهلها لبناء اقتصاد مستدام لو غيرت أمورا أساسية من سياستها الخارجية التي تعرضها لعداوات عميقة خطيرة على مصيرها، وسياساتها السكانية والثقافية بما يحفظ هويتها وصلابة مجتمعها العربي الإسلامي، وسياساتها العلمية والابتكارية و الاقتصادية في داخل الإمارات وبالشراكات الخارجية الخليجية والعربية الإسلامية على المدى البعيد بما ينمي إنتاجها الوطني وصادراتها في إطار حضاري آمن.

لا ينكر أحد أن الاقتصاد الإماراتي يمثل، في إطار الفكرة الرأسمالية بما لها وما عليها، طفرة جديرة بالدراسة، فهي تحتل المرتبة الاقتصادية الثانية في العالم العربي، والأربعين عالميا، بناتج محلي خام بالحساب الجاري في حدود 507.53 وفق مؤشرات البنك الدولي لعام 2022، ونصيب الفرد: 53757.9 دولار، وبلغ النمو الاقتصادي في نفس العام 7.4 %، وفي عام 2021 بلغت نسبة البطالة البطالة 2.8% ، ونسبة التضخم 2.5 % (المصدر: البنك الدولي).

وهذه الأرقام منطقية بالنظر للثروات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها الإمارات والعدد القليل جدا من المواطنين، إذ بلغت احتياطياتها المؤكدة من النفط 107 مليارات برميل بنهاية 2021 (تقارير أويل أند غاز جورنال)، يتركز أغلبها في أبوظبي (96 % تقريبا)، وتتوزع الباقية بين دبي (2 % ) وباقي الإمارات.

وتمثّل هذه الاحتياطات النفطية ما يقرب من 7% من إجمالي احتياطيات النفط المؤكدة في جميع أنحاء العالم.

وتبلغ حصة الإمارات من الإنتاج وفق اتفاق “أوبك+” الأخير 3.18 مليون برميل يوميًا في أكتبور 2022 (بيانات أوبك). وبلغت احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في الإمارات 7,726 تريليون متر مكعب بنهاية 2021، في المرتبة السابعة ضمن أكبر احتياطات الغاز الطبيعي المؤكد في العالم (النشرة السنوية ـ أوبك).

تدرك الأمارات خطورة اعتماد اقتصادها على النفط كونه ثروة غير متجددة والآفاق المستقبلية لهذه الثروة غير متحكم فيها، خصوصا في بلد صغير، جغرافيا وسكانيا، ليست له مقومات الأمان غير الثروة المالية المبنية على مبيعات الطاقة الأحفورية، لذلك يبذل حكام هذا البلد جهدا كبيرا لتنويع الاقتصاد، وقد اعتمدوا في ذلك على الانفتاح الاقتصادي التام، سواء من حيث المرونة المالية، أو محاولات التصنيع وتحقيق الأمن الغذائي، أو استغلال الموقع الجغرافي لتحويل الإمارات إلى مركز تجاري ومالي عالمي بين افريقيا وآسيا وأوربا، وتوفير البنى التحتية من موانئ وطرق وخدمات لوجستية ذات نوعية، ومنها سهولة وسرعة الشحن والتتبع والتعقيب وغيرها، وقد أوجدت في هذا الإطار العديد من المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية المتخصصة موزعة في مختلف الإمارات، تطرح حوافز ومزايا اقتصادية عدة مثل الإعفاءات على الرسوم الجمركية، الإعفاء الضريبي التام للشركات، التملك الكامل للأجانب دون كفيل، الأمان القانوني، البنية التحتية العصرية، رسوم الاستيراد والتصدير المناسبة، سهولة إجراءات التأسيس، وقد أوجدوا في هذا الإطار حوالي 45 منطقة حرة بمختلف التخصصات ، ومنها مؤخرا منطقة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأنشطة المستقبلية (المصدر: موقع وزارة الاقتصاد الإماراتية).

وقد حققت هذه السياسة نتائج جيدة إذ باتت صادراتها تتكون من ثلاث قطاعات كبرى، الصادرات النفطية وتمثل 30 %، الصادرات غير النفطية المحلية (وهي صادرات السلع التي تم إنتاجها أو تصنيعها محليا بالكامل، أو التي أُجرِيت عليها عمليات صناعية غيرت من شكل وقيمة السلعة) وتمثل في حدود 20 % من إجمالي الصادرات، والصادرات غير النفطية التي تم إعادة تصديرها ( وهي صادرات السلع التي تم استيرادها سابقا من دون أي تعديالت جوهرية عليها) وتمثل في حدود 50%. ووفق المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء تتوزع مساهمة القطاعات الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2021 على النحو التالي: قطاع النفط والغاز 27.3 %، وتجارة الجملة والتجزئة 14.2 %، والصناعات التحويلية 9.2 %، والتأمين 8.2 %، والأنشطة العقارية 6 %، والنقل والتخزين 4.4 %. وقد بلغت الصادرات غير النفطية في النصف الأول من سنة 2023 من حيث القيمة 288 مليار دولار، وتشير بعض التقارير أن صادرات الصناعات الوطنية (صنع في الإمارات) وصلت قيمتها في حدود 50 مليار دولار.

علاوة على محاولاتها تنويع مزجها الطاقوي، فحسب تقرير الطاقة المتجددة الذي أصدره المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء عام 2021 بلغت القدرة المركبة لمحطات الطاقة المتجددة في الإمارات 2,997.7 ميجاوات، شمل ذلك طاقة الألواح الشمسية، والطاقة الشمسية المركزة، وغاز مكبات النفايات.

بالإضافة إلى الطاقة النووية في محطة براكة للطاقة النووية التي تنتج كل وحدة من وحداتها الأربع، ما يصل إلى 1400 ميجاوات من الكهرباء.

وبناء على قوتها الإنتاجية للنفط، وقدرتها على تنويع اقتصادها، تمكنت الإمارات من تبوء المرتبة الرابعة ضمن أكبر الصناديق السيادية في العالم بمبلغ قدره 790 مليار دولار وفق تصنيفات مؤسسة الصناديق السيادية الدولية.

كما باتت هذه الدولة من أكبر الدول الجاذبة للاستثمارالأجنبي إذ وفق تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي للعام 2022 بلغت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى دولة الإمارات 20.667 مليار دولار.

وقد تسبب نجاحها إلى ارتفاع طموحاتها بما لا يتناسب مع حجمها الجغرافي والسكاني، وربما يحدوها في ذلك حلم إعادة بناء الإمبراطورية العمانية، نيابة عن أصل الإمبراطورية في دولة عمان الحالية، والتي كانت قد انفصلت عنها بتدبير بريطاني في بداية القرن التاسع عشر، وقد بين ذلك د. غويدو شتاينبيرغ من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ” Stiftung Wissenschaft und Politik” ” حين قال: ” إن الإمارات “مهتمة بشكل كبير بالسيطرة على الطرق البحرية من خليج عدن إلى البحر الأحمر، وقد سيطرت على عدة موانئ وجزر يمنية منذ عام 2015، وأنشأت قواعد في إريتريا وأرض الصومال.

ومن ثم فقد أسست لنفسها إمبراطورية بحرية صغيرة بين خليج عمان والبحر الأحمر، وعززت موقعها كقوة إقليمية في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي”.

و بعض جيرانها ينظر لهذا الطموح بعين الريبة، ففي إشارة إلى مساعي الإمارات لتوسيع نفوذها داخل اليمن قال وزير الخارجية العماني السابق يوسف بن علوي في تصريحات في مقابلة مع قناة روسيا اليوم: ” .. وأن الإمارات لها تطلعات، لكن ينبغي أن تكون تلك التطلعات محكومة ومنضبطة”.

ليست المعايير الاقتصادية هي وحدها التي فصلت في قرار قادة البريكس ضمها إليهم في منظمتهم، لو كان ذلك هو المعيار الحاكم الحاسم لتم اختيار “إندونيسيا” التي هي أقوى اقتصاديا من كل الدول التي تم دعوتها للعضوية.

إن ثمة معيارا آخر يتعلق بالجيوستراتيجية يكون قد حسم في قبول الإمارات ضمن منظمة البريكس، وهو توتر علاقتها مع البيت الأبيض الأمريكي في زمن الديمقراطيين.

إنه من المفيد إذن الوقوف عند هذا التطور لفهم مقاصد توسيع البريكس ضمن تشكيلته الجديدة.

وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول أن جذور توتر علاقة حاكم الإمارات مع الديمقراطيين تعود إلى قصة غريبة، نقلها بعض الإعلاميين مفادها أن محمد بن زايد، وهو ولي للعهد، عرض على وزيرة الخارجية هيلاري كلنتن أثناء رئاسة باراك أوباما، طموحه بأن يكون عراب الدول العربية لجرها إلى التطبيع وخدمة مصالح أمريكا في المنطقة فاستخفت به ولم تتعامل معه باحترام لعدم اقتناعها بعدم مركزية الإمارات في المنطقة، وحينما وصل “ترامب” إلى الرئاسة وجد عنده آذانا صاغية للعرض وجيوبا مفتوحة للمال الإماراتي، وكان محمد بن زايد يعتقد، وهو يتجه لترامب، بأن ارتباطه بالحركة الصهيوينة واللوبيات اليهودية سيسهل له المأمورية ويجعله لاعبا مهما حتى داخل البيت الأبيض الأمريكي.

غير أنه بعد أن حقق اختراقات مهمة في هذا الاتجاه تغيرت قواعد اللعبة عند رجوع الديمقراطيين للحكم ومجيئ “بايدن” للبيت الأبيض، إذ اتُّهمِت الإمارات بأنها حولت البيت الأبيض في زمن ترامب وفريقه إلى مسرح لمخططاتها السياسية إلى حد اتهمت فيه من قبل الديمقراطيين بأنها حاولت التأثير في السياسة الأمريكية “فقد أفادت وسائل إعلام أمريكية، وفق موقع بي بي بي بالعربية، ب”أن توماس باراك (رجل أعمال ومستشار لدى ترامب) ومتهمين آخرين، أحدهما إماراتي، يواجهون تهما ثقيلة من قبيل دفع مصالح الإمارات في واشنطن والتأثير على مواقف السياسة الخارجية لحملة مرشح في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 والقيام بحملة في آذار/مارس 2017 من أجل تعيين مرشح زكته الإمارات سفيرا للولايات المتّحدة في أبوظبي”.

كما أن “مركز السياسة الدولية” الأمريكي أصدر دراسة بعنوان “اللوبي الإماراتي: كيف تفوز الإمارات في واشنطن” تناولت نفوذ الإمارات في الولايات الأمريكية المتحدة، ورصدت مؤسسات أخرى متخصصة “ملايين الدولارات التي ينفقها الإماراتيون على مؤسسات الرأي والفكر والجامعات الأمريكية”.

تَعتبر أبو ظبي، من جهتها، أن الولايات الأمريكية أخلت بالتزاماتها في حماية المنطقة، سواء ما يتعلق بانسحابها من أفغانستان المفاجئ، أو تساهلها مع إيران في الملف النووي، وقد عقّد العلاقات تجميد إدارة بايدن صفقة بيع مقاتلات ” إف 35″ التي كانت ضمن صفقة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي التي شارك فيها ترمب، وفي الملف اليمني استاءت الإمارات كثيرا من سياسة الديمقراطيين في الموضوع وعدم إطلاق أيديها في المسرح كما كان الحال في زمن ترمب، وتحريك ملف حقوق الإنسان وقتل الأطفال، وعند بدء الحوثيين هجوماتهم للإمارات بواسطة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في جانفي 2022 استاءت الإمارات كثيرا من عدم فاعلية الدفاعات الأمريكية ثم مطالبتها بشكل مباشر بدفع المقابل المالي عن ذلك.

في ظل هذه التحولات المهمة في العلاقة مع واشنطن عمّقت الإمارات علاقاتها مع الصين والهند وروسيا، وقد عدّت الصين هذا التحول فرصة لكسب هذا الشريك المالي الكبير الذي يريد أن يحقق شيئا من “الاستقلالية” وقد ألمح إلى ذلك وزير الخارجية الصيني وانغ يي في شهر أوت\اغسطس 2023 حين قال: “أن الصين ستواصل دعم الإمارات في اتباع مسار تنموي مستقل، وستعمل معها ليدعم البلدان بعضهما البعض بقوة في القضايا المتعلقة بالمصالح الأساسية لكل منهما، ومعارضة التدخل الخارجي بشكل مشترك، وحماية السيادة والأمن والمصالح التنموية المشتركة”، كما ذكر تشانغ بيمينغ سفير جمهورية الصين الشعبية لدى الإمارات في حسابه الشخصي على موقع تويتر مؤخرا (موقع ×) أن التبادل التجاري بين الدولتين قد سجل رقما قياسيا عند 99.2 مليار دولار، وزاد عدد الصينيين المقيمين في الإمارات بالضعف منذ 2019 حيث وصل 400.000 صيني (أي 40 % من عدد المواطنين الإماراتيين).

وبسبب العلاقة التاريخية مع الهند والتقارب الثقافي المشترك للنخب الهندية والإماراتية، خصوصا مع بريطانيا، تقيم الدولتان شركات متنوعة قديمة تطورت إلى “اتفاقية الشراكة الكاملة في مايو 2022” في زمن حكم ناريندرا مودي رئيس الحزب الهندوسي بهاراتيا جاناتا المتطرف، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والإمارات 84.5 مليار دولار بين أبريل 2022 ومارس 2023 بحسب وكالة رويتز.

وحسب صحيفة “ذا ناشيونال نيوز” الإماراتية يسكن في الإمارات 3.5 مليون من الهند، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المواطنين الإماراتيين.

وفي ظل الحرب الأوكرانية زادت المبادلات التجارية بين روسيا والإمارات، في تحد واضح لدعوات المقاطعة حيث صرح نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف، حزب موقع روسيا اليوم، بأن حجم التبادل التجاري بين روسيا والإمارات في العام 2022 وصل إلى مستوى قياسي، حيث نما بنسبة 68% إلى 9 مليارات دولار. وأوضح مانتوروف أن حجم الصادرات من روسيا إلى الإمارات ارتفع بنسبة 71% إلى 8.5 مليار دولار، والاستيراد بنسبة 6% إلى 500 مليون دولار.

ولا شك أن سبب هذا الاختلال الكبير في الميزان التجاري لصالح روسيا سببه التحايل على المقاطعة لإعادة تصدير السلع الروسية.

وقد تسبب هذا التحول التجاري الكبير نحو الصين وروسيا استياء الولايات الأمريكية المتحدة، وقد نقل ذلك العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، ومن ذلك ما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال” في 17 مايو 2023 عن مسئول أمريكي رفيع قوله أن الولايات المتحدة حذرت رئيس الإمارات “محمد بن زايد آل نهيان” من التعاون الوثيق للغاية مع روسيا والصين، وأكدت أنه يحاول الاستحواذ على روسيا والصين ويختبر في ذلك العلاقات الأمريكية، خصوصا بعد الحرب في أوكرانيا”، ورصدت الولايات الأمريكية عدة تصرفات دعمت بها الإمارات روسيا منها: التعاون العسكري والاستخباراتي وبيع المعدات العسكرية كالطائرات بدون طيار، تخفيض الإنتاج النفطي بالتنسيق مع روسيا ضد إرادة الولايات الأمريكية المتحدة، ووضع الصناديق الاستثمارية الإماراتية مليارات الدولارات في روسيا، وتدفق السلع الروسية للأسواق الإماراتية بغرض إعادة تصديرها، ونقل بعض السلع المهمة من الإمارات إلى روسيا كالأجزاء الالكترونية والرقائق الدقيقة (زادت صادراتها 15 مرة بين 2021 و 2022)، إخفاء أموال الأثرياء الروس وشراء العقارات.

أما بخصوص العلاقات الإماراتية الصينية فإن الاعتراضات الأمريكية بدت أكثر خطورة حيث اضطرت الإمارات غلق مشروع بناء قاعدة عسكرية صينية عام 2021 تحت الضغط الأمريكي حين تم رصد ذلك من قبل الاستخبارات المركزية الأمريكية، كما وقعت أزمة كبيرة بسبب استعانة الإمارات بشركة “هواوي” الصينية لبناء شبكة اتصالات بما جعل المشرعين الأمريكيين يؤكدون على عرقلة إمضاء عقد بيع مقتلات “F35”.

وربما نلاحظ من خلال هذه المعطيات بأن أمريكا ليست قلقة بشأن العلاقات الإماراتية الهندية، من حيث أن الهند من الدول التي يمكن استعمالها ضد الصين وروسيا رغم وجود ثلاثتهم في منظمة البريكس، وربما سيعول على الهند والدول الخليجية لإفساد مقاصد الصين من البريكس، وقد يكون مشروع “الممر الاقتصادي” من الهند إلى أوربا عبر السعودية والأردن وإسرائيل الذي تم الاتفاق بشأنه بين الهند والسعودية والذي هلل له الأمريكيون والإسرائليون كثيرا بعد اجتماع مجموعة العشرين من ضمن هذا المسعى وهذا ما سنشرحه أكثر في مقالات لاحقة بحول الله.

رغم كل هذه التحولات الكبيرة في العلاقات الأمريكية الإماراتية، والأحداث الفعلية الدالة على الأزمة، لا يجب الاعتماد على ذلك للذهاب إلى استنتاج متسرع بأن الأمر يتعلق بقطيعة نهائية، فالعلاقات الإماراتية الغربية تاريخية وعميقة، ومهما وقع من التصدع فسيكون الخبراء البريطانيون حاضرين دائما لترميمه، لمعرفة بريطانيا الشاملة بالبلاد والعباد وأفضالها على حكامها كما أن حجم المصالح المتبادلة كبير، سواء من الناحية التجارية أو من حيث القوة السياسية، فالإمارات هي رابع أكبر وجهة لعمليات نقل الأسلحة الأمريكية بعد المملكة العربية السعودية وأستراليا وكوريا الجنوبية.

ومنذ عام 2009، كانت الإمارات سوق التصدير الأولى للسلع الأمريكية في الشرق الأوسط، والفائض التجاري للولايات المتحدة مع الإمارات هو سادس أكبر فائض تجاري لأمريكا على مستوى العالم.

وفي عام 2020 بلغ رأس المال الإماراتي حوالي 45 مليار دولار من التدفقات الاستثمارية إلى الولايات المتحدة، وتصل المحفظة التي تملكها الإمارات في واشنطن إلى 500 مليار دولار، وفق ما ذكرته بي بي سي نيوز في 22 جويلية 2021. وكل هذا بالإضافة إلى المصالح السياسية التي تحققها الإمارات للولايات الأمريكية المتحدة بتطوع منها وبأموالها، ومن ذلك مسار موجة التطبيع الجديدة الذي تقوده في العالم العربي والإسلامي، وما يسمى بمحاربة الإرهاب، وما يتعلق بكسر موجات مطالب الحريات والديمقراطية في الشارع العربي، وقطع الطريق على التيار الإسلامي، وما نتج عن ذلك من دماء وانتهاكات عظيمة لا تتحملها القوى الغربية ظاهريا ولكنها تدعم نتائجها.غير أنه مهما كان مستقبل العلاقة الأمريكية الإماراتية فإن قناعة حكام دولة الإمارت (وحكام دول الخليج عموما) صارت كبيرة بأن الولايات الأمريكية المتحدة لن تقوم بدور حمايتهم على الشكل الذي يريدونه ووفق القواعد القديمة، لذلك صاروا يسعون لتحسين علاقاتهم بمحيطهم من خلال تكثيف التبادل الاقتصادي، ومن ذلك اقتناعهم بإنهاء الأزمة الخليجية التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، وتجاوز الخلافات مع تركيا وتبادل الزيارات للبلدين بين محمد بن زايد وأردوغان، وتأسيس صندوق قيمته 10 مليار دولار لدعم الاستثمار في تركيا، ضمن اتفاقيات اقتصادية أوسع.

كما بدأ الإماراتيون يعملون على رفع مستوى العلاقات مع إيران وذلك رغم الخلافات الحدودية والسياسية والأمنية الكبيرة، علما أن البلدين يجمعها الجوار والتبادل الاقتصادي الكبير والتواصل السكاني حيث يعيش في الإمارات نصف مليون إيراني (أي نصف عدد السكان المواطنين الإماراتيين) وهم يمثلون خامس أكبر جنسية من مشتري الأراضي في دبي.

وقد يكون قد ساهم في رسم هذا التوجه اعتقاد حاكم أبو ظبي بأن “الخطر” الذي كان يمثله الإسلاميون قد انتهى وأن “داعميهم” قد تخلوا عنهم.يتضح من خلال ما ذكرناه أعلاه بأن قادة البريكس الخمسة قد نظروا إلى معايير عديدة في اختيار منح العضوية لدولة الإمارات وهي المعايير المتعلقة بأثر الجغرافيا على الاقتصاد والسياسة دوليا، وبحجم الاقتصاد الإماراتي ودوره الكبير في إمدادات الطاقة وإعادة تصدير البضائع من الدول المنتجة الكبرى وكل ما يتعلق بالتبادل التجاري الدولي، ولكن كانت حالة توتر العلاقات مع الولايات الأمريكية المتحدة، خصوصا مع الديمقراطيين، حاسمة في الأمر.

ولكن مما يجدر الانتباه إليه أن مقاصد دعم عضوية الإمارات تختلف بين الدول الأعضاء، خصوصا بين الصين التي تعمل على قيادة التجارة العالمية عبر طريق الحرير المتجدد وريادة التكنولوجيات الجديدة وربما الريادة العسكرية المستقبلية، وروسيا التي تجد في الإمارات أحسن بلد تعتمد عليه لكسر الحصار المضروب عليها من قبل الغرب بزعامة أمريكا من خلال إعادة تصدير منتجاتها وشراء مستلزماتها، والهند التي اتضح بأنها تريد تشكيل نواة داعمة داخل البريكس قريبة في الأصل مثلها للولايات الأمريكية المتحدة، تسعى لإنهاء عهد الأحادية الأمريكية ولكن بما لا يجعل ذلك يكون لصالح الصين، وقد يكون مشروع ” الممر الاقتصادي” أوضح ما يعبر عن ذلك.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

أثناء البحث في خلفيات اختيار الإمارات العربية المتحدة لعضوية البريكس وجدت نفسي أغوص في تاريخ الإمارات فكتبت في هذا الشأن فقرة قدرت أنها لا تتعلق بموضوع البريكس، ومن باب توسيع الفائدة رأيت أن أنشرها في هذا المقال المستقل قبل نشر المقال عن الإمارات ضمن سلسلة “البريكس: الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية”.

 يرتبط تاريخ الإمارات بتاريخ إقليم عمان في الجزيرة العربية، لا يوجد تاريخ قديم خاص لدولة الإمارات، فلقد كانت دوما مشيخات وإمارات تابعة للتاريخ السياسي لعمان التي عرفت امبراطورية من أعرق الامبراطوريات الإسلامية بين أواسط القرن السابع عشر إلى أواسط القرن العشرين.  بلغت هذه الإمبراطورية ذروتها في النصف الأول من القرن التاسع عشر في عهد مجد البوسعيديين فشملت سواحل الخليج العربي إلى البصرة وأجزاء كبيرة من الأراضي السعودية وسواحل افريقيا الشرقية حتى ماجنكا بجزيرة مدغشقر، إلى بلاد الهند بمنطقة كوادر شرقا (تقع جنوب باكستان اليوم).

 وكان لهم أسطول بحري فرض وجوده في المحيط الهندي، ولم تتشكل حدود الإمارات الحالية إلا حديثا بعد نهاية الانتداب البريطاني سنة 1971 من مجموع المشيخات التي كانت قد انفصلت عن عمان التاريخية وأخذت تتشكل في إطار الصراع على حدود بينها بتدبير ورعاية بريطانية.

دخل الإسلام عمان التاريخية في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام شملتها حركة الردة التي قضت عليها جيوش أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في هذه المنطقة، في معركة حاسمة قرب مدينة “دبا” التابعة حاليا لإمارة الفجيرة. ازدهرت التجارة في هذه المنطقة كثيرا في العهد الأموي والعباسي بسبب موقعها البحري المهم، وقد كان لحركة التجارة المنطلقة من اقليم عمان دور كبير في نشر الإسلام في شرق افريقا وجنوب شرق آسيا تأثرا بسلوك التجار المسلمين.

 كان إقليم عمان إقليما مهما من أقاليم الدولة الإسلامية في عهودها الأولى إلى أن تفككت الدولة العباسية فتشكلت حول المشيخيات القبلية إمارات مستقلة من أشهرها إمارة بني نبهان. وعند ظهور القوى الأوربية وتوسع طموحها سيطر البرتغاليون على المنطقة لمد قرنين من الزمن، إلى أن توحدت القبائل في إقليم عمان لمحاربتهم فتشكلت دولة قوية هي دولة اليعاربة بين 1624 ـ 1741  (تشمل حاليا عمان والإمارات وقطر وأجزاء واسعة من شرق افريقيا وجزء من بلاد فارس) التي  حاربت البرتغاليين واخرجتهم من المنطقة كلها، وكانت لها علاقة وطيدة مع العثمانيين وتعاون معهم في محاربة البرتغاليين والصفوييين (إيران حاليا). استفاد الهولنديون وخصوصا البريطانيون من هزائم البرتغاليين على يد قادة عمان التاريخية فتوسع الحضور العسكري للبريطانيين واشتد نفوذهم التجاري في المنطقة وباتت تربطهم علاقات جيدة مع اليعاربة الذين أتاحوا الفرصة لحلول شركة الهند الشرقية في المنطقة، أداة الاستعمار البريطاني في شرق الكرة الأرضية. بعد ضعف اليعاربة ظهرت دولة البوسعيديين سنة 1744 التي استطاعت أن تفرض وجودها وسط قوى دولية كبيرة متصارعة (العثمانيون، الصفيون، البريطانيون، الفرنسيون)، غير أن التحالف مع البريطانيين الذي دشنه مؤسس الدولة الإمام أحمد بن سعيد للقضاء على التقدم العسكري والديني الوهابي للدولة السعودية الأولى وسع نفوذ البريطانيين، فكان لهم دور كبير لاحقا في تفتيت المنطقة ثم احتلالها بعد ذلك.

بعد وفاة أحد الحكام الأقوياء للدولة، سعيد بن سلطان بن أحمد البوسعيدي، عام 1856 اختلف ولداه (نائبه في زنجبار ونائبه في مسقط) فاحتكما إلى البريطانيين فقسموا بينهما الدولة: دولة زنجبار ودولة عمان. ولما اشتد النفوذ البحري للبريطانيين بعد انتصاراتهم في الهند واتفاقياتهم مع الصفويين في بلاد فارس ضغطوا على العمانيين لإلغاء كل علاقاتهم التجارية مع الفرنسيين والهولنديين. كما تحججوا بمحاربة القرصنة فتوغلوا في مياه الخليج للوصول إلى ما سموه “ساحل القراصنة” لفصله عن الدولة العمانية البوسعيدية، وقد شرح ذلك بالخرائط وحسب أقوال الخبراء البرنامج الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة الوثائقية في 10 أوت\اغسطس 2020 ، حيث قضوا عام 1820 على الأسطول البحري الذي أنشأه القواسمة (سلالة حكام إمارتي الشارقة ورأس الخيمة حاليا) بغرض التجارة والدفاع عن بلادهم  و فرضوا بعد ذلك على مشايخ “الساحل العماني” اتفاقيات خضوع لانتداب بريطاني غير معلن فغيروا اسم “ساحل القراصنة” إلى إمارات الساحل المتصالح، أو المهادن، أو ساحل عمان، وهذه الإمارات التي كانت تتشكل تحت الرعاية البريطانية بعيدا عن الدولة الأم “عمان العريقة”  هي نواة دولة الإمارات الحالية.

أثناء تقسيم المنطقة العربية من قبل البريطانيين والفرنسيين وفق اتفاقيات سايكس- بيكو بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الخلافة العثمانية دخلت “الإمارات المتصالحة”، تحت الانتداب البريطاني الفعلي، وبفعل الجشع الاستعماري وسيطرته على هذا الممر التجاري المهم في طريق الهند، وبسبب تراجع تجارة اللؤلؤ التي كانت مصدر رزق أساسي لسكان المنطقة عبر الزمن بالإضافة لصيد السمك، وذلك عند بروز اللؤلؤ الصناعي، دخلت المنطقة في مرحلة فقر مدقع وتخلف كبير.

رغم تراجعها في الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وخروجها من الهند (1947)، حرصت بريطانيا على البقاء في المنطقة من أجل الاستفادة من الاكتشافات الجديدة للبترول في الإمارات المتصالحة، وبدأت تعمل لهذا الغرض على بناء المؤسسات الإدارية والأمنية التي تحمي شركات التنقيب وتضمن استمرار الوجود والتأثير بعد الجلاء إن اضطرت إليه، ومن أهم ما قامت به في هذا الإطار تطوير وجودها الإداري المباشر في هذه “الإمارات المتصالحة” من خلال الحضور المباشر لمعتمدياتها التابعة لوزارة الخارجية في لندن، بعد أن كانت تتبع إدارتها في الهند، ومن خلال توحيد الجهات التي تتعامل معها بتأسيس “مجلس الإمارات المتصالحة” سنة 1952 برئاسة المعتمد السياسي البريطاني إلى أن منحت رئاسته لشيوخ الإمارات عام 1965 في إطار الانتداب الأجنبي، وقد أفلحت بريطانيا في تكوين جيل من شباب “الإمارات المتصالحة” أشرفت عليهم في بناء المؤسسات الإدارية والأمنية للدولة التي تحكم الإمارات إلى الآن، ويمكن الرجوع لمزيد من المتابعة لهذا الشأن إلى كتاب الباحثة منى محمد الحمادي تحت عنوان “بريطانيا والأوضاع الإدارية في الإمارات المتصالحة: 1947 – 1965 “.

حين غادرت بريطانيا هذه “المشيخات المهادنة” عام 1971 تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة في شكلها الحالي بمبادرة من شيخ أبو ظبي زايد بن سلطان آل نهيان ضمن دولة فدرالية ضمت ست إمارات هي أبو ظبي ودبي والشارقة والفجيرة وعجمان وأم القوين وانضمت إليها رأس الخيمة في العام التالي، وبقي الاتحاد يحافظ على علاقات متميزة مع البريطانيين، تلامس التبعية، خصوصا في المجال الاقتصادي والمالي والأمني، ورغم تسليم بريطانيا قيادة المنطقة للولايات الأمريكية المتحدة بعد أن خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية بقيت هي العقل المدبر في السياسة الغربية للمنطقة.

 كان الاتفاق أن تكون رئاسة الدولة بعد تشكيل الاتحاد بالتداول بين شيوخ الإمارات السبع غير أن شح الموارد في الإمارات الأخرى سوى أبو ظبي وحاجتها الدائمة للدعم المالي من هذه الإمارة الغنية بالنفط والتي تحتل 80%  من المساحة الإجمالية للاتحاد، أبقى الحكم عند آل نهيان إلى الآن، ولم تكن إمارة أخرى تتعامل بالندية مع أبو ظبي غير إمارة دبي التي يتولى حاكمها نيابة رئاسة الاتحاد ورئاسة الحكومة وفق ما ينص عليه الدستور التأسيسي المتوافق عليه، ولكن خصوصا بسعي حاكمها محمد بن راشد آل مكتوم للاستقلالية الاقتصادية من خلال تحويلها إلى مركز مالي كبير وعبر تطورها العمراني ونشاطها العقاري والسياحي، غير أن حالة الإفلاس الذي تعرضت لها دبي عام 2009 جعلها تسلم أمرها إلى أبو ظبي التي أقرضتها 10 مليار دولار وابتاع منها البنك المركزي الإماراتي (مقره في أبو ظبي) 10 مليار دولار أخرى.

كان اكتشاف النفط في الإمارات يمثل تحولا كبيرا في حياة الشعب الإماراتي، وكان لحكمة زايد بن سلطان آل نهيان دور كبير في ضمان التوزان بين إمارات الاتحاد، والتوازن في التعامل مع الأشقاء العرب، كما استطاع أن يتجنب الصراع مع الجوار الإيراني، رغم بؤرة التوتر مع هذه الدولة القوية التي تركتها بريطانيا بعدم تحمل مسؤوليتها كبلد انتداب تجاه إلحاق إيران الجزر  الاستراتيجية الثلاث إليها (أبو موسى، طمب الكبرى، طمب الصغرى)، بالإضافة إلى مواقفه القومية ووقوفه مع القضية الفلسطينية إلى أن توفاه الله تعالى.

ولعل تتبعنا لتاريخ تأسيس الإمارات من خلال عمليات التفكيك والتركيب التي قامت بها بريطانيا، وفق ما بيناه أعلاه، وترك سكان المنطقة في الفقر والتخلف تحت الانتداب يعيشون على الصيد وتجارة اللؤلؤ، ثم التكفل ببناء الاتحاد عبر نواة “مجلس الإمارات المتصالحة” وبناء المؤسسات الإدارية والأمنية وتأهيل كوادرها وفق ثقافتها وفي معاهدها بالنسبة لأبناء الشيوخ بعد اكتشاف البترول يشرح لنا العقلية الغربية المجافية للقضايا الدينية والقومية لدى الجيل الثاني الذي حكم البلاد بعد جيل المؤسسين المشبعين بانتماءاتهم القومية والدينية التقليدية بما لم يجرأ عليه غير هؤلاء المصنوعين على عين البريطانيين في تحالفهم مع أعداء الأمة لخلق دين جديد مع اليهود والنصارى سموه “الديانة الإبراهيمي” والتآمر  مع الصهاينة على فلسطين وضد كل القوى الوطنية والإسلامية في العالم العربي التي تسعى لتطوير بلدانها مما أدى إلى فتن عظيمة وسفك الدماء وقتل النساء والأطفال وسجن الأحرار واستباحة المحارم بكل أنواعها.

 د. عبد الرزاق مقري

نتطرق في هذا المقال الجديد إلى إيران، ضمن  مساهمتنا في فحص الشروط الجيواقتصادية والجيوسياسية والجيواستراتيجية في اختيار الأعضاء الجدد في البريكس التي استخلصناها من تصريحات قادة هذه المنظمة التي لا تزال موضوع بحث ودراسة لفهم تأثيراتها المستقبلية على النظام العالمي. 

 ربما تكون إيران هي الدولة التي سهل التوافق بشأن عضويتها أكثر من غيرها بين قادة البريكس، فهي عضو في منظمة شنغهاي للتعاون (الصين، روسيا، كازاخستان، قرغيزستان، أوزبكستان، طاجيكستان، الهند، باكستان،إيران) التي اعتبرتها الولايات الأمريكية المتحدة منظمة أسست لمواجهة الحلف الأطلسي، وشروط العضوية فيها من الناحية الجيوسياسية والجيوستراتجية تسهل العضوية في البريكس كذلك.

وإيران ذات موقع استراتيجي مهم للأهداف التجارية للبريكس حيث أنها الدولة الأقوى المطلة على الخليج العربي، الذي تسميه الخليج الفارسي، والذي يعد من الأكثر المواقع البحرية ازدحاما في العالم بسبب عبور عدد كبير من ناقلات النفط من خلاله، ويقع مضيق هرمز بينها وبين سلطة عمان وهو المضيق الأكثر ازدحاما بالسفن التجارية والعسكرية. كما أصبح لها تأثير كبير على تطورات الوضع في العديد من دول الشرق الأوسط بواسطة تحالفاتها المذهبية، ومنها وجودها في العراق القوي بالنفط، وسوريا بموقعها وممراتها البرية الاستراتيجية الطاقوية نحو البحر الأبيض المتوسط، واليمن المطلة على البحر الأحمر الأحمر.  

وعلاوة على مواقفها الدولية الواضحة في مواجهة الولايات الأمريكية المتحدة بما يساهم في تحقيق رؤية العالم متعدد الأقطاب التي جعلتها تكسب الإجماع في تشكيل قائمة الأعضاء الجدد في البريكس، فإنها تملك مقدرات اقتصادية كبيرة تساعد على التبادل التجاري خارج العملة الأمريكية وفق ما تهدف إليه منظمة البريكس.  فبرغم حالة الحصار استطاعت إيران أن تحافظ على المرتبة الاقتصادية الثالثة في الشرق الأوسط والمرتبة 22 من 193 دولة عالميا حسب صندوق النقد الدولي، بناتج داخلي خام في حدود 388,54 مليار دولار.

 ويعتمد الاقتصاد الإيراني أولا، على قوتها الإنتاجية للطاقة، فقد وصل إنتاجها للنفط ومشتقاته عام 2021 إلى 3.6 مليون برميل يوميا،  تستهلك منه نحو 47 في المائة، وتصدر الفائض، وهي صاحبة ثالث أعلى احتياطي للنفط في العالم بعد فنزويلا والمملكة العربية السعودية، بواقع 158 مليار برميل، أو نحو 9.1% من إجمالي الاحتياطي العالمي، وبقيت أكبر منتج للغاز بعد الولايات الأمريكية المتحدة وروسيا بإجمالي 257 مليار متر مكعب سنويا، وثاني احتياطي عالمي بإجمالي 32 ترليون متر مكعب.

وقد استطاعت إيران أن تبني اقتصادا مقاوما في مواجهة الحصار الذي تقوده الولايات الأمريكية المتحدة، فأعطت أهمية كبيرة للفلاحة، إذ تساهم الزراعة بنسبة ربع الناتج الوطني الإجمالي، وتستوعب 28% من العمالة، ويركز الإيرانيون على إنتاج الحبوب بنسبة 75% من المنتجات الزراعية المتنوعة، خصوصا القمح، وقد سبق لإيران أن حققت أمنها الغذائي قبل أن تتراجع محاصيلها بسبب الجفاف.

وقد أدى بها التضييق على صادراتها النفطية إلى بناء صناعات متعددة من مشتقات البترول، ورغم تبيعة صادراتها للطاقة (80 بالمائة) يعد الاقتصاد الإيراني من الأكثر تنوعا وتحكما في الإنتاج الصناعي والتكنولوجيا في الشرق الأوسط (السيارات، الصناعات الكربونية، الصناعات التحويلية، والكيمياوية، التعدين، الفولاذ، الاسمنت، الصناعات الفضائية، الصناعات النووية، صناعة السلاح، النسيج والملابس الجاهزة والسجاد، الأجهزة الكهربائية والاكترونية ….).

ويقوم الاقتصاد الإيراني أساسا على القطاع العام الذي يعتبره القادة السياسيون بأنه هو قاطرة المقاومة الاقتصادية، ولكن ثمة شبكة كبيرة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الخاصة في مجال الفلاحة وبعض الصناعات، علاوة على ما يسمى بالقطاع التضامني الذي يشكل جزء من خصوصيتها الإسلامية، بالإضافة إلى ما هو غير معلوم في شبكات القطاع الموازي الواسعة، وبلغ حجم الاستثمار الأجنبي مقدار 1.5 مليار دولار حسب تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الذي يتابع تطورات الاستثمار الأجنبي في الدول، وهو رقم مرشح للزيادة المطردة من خلال اتفاقيات التبادل التي أبرمتها إيران مع شركائها الكبار، خصوصا الصين وروسيا والهند، وربما في المستقبل السعودية، وفق ما صرح به مسؤولون سعوديون مع اتفاق المصالحة.

 ويعتقد القادة الإيرانيون بأنهم يستطيعون بناء اقتصاد ناهض لو لا الحصار وأن معدلات البطالة المرتفعة نسبيا  (10 بالمائة)، ومعدلات التضخم الكبيرة (47.7 بالمائة) في العام الجاري، وما يسببه ذلك من احتقان سياسي  كبير إنما هو بسبب الحصار وأن الانخراط الكلي في الحركة التجارية بين دول البريكس القوية سيبطل مخططات التحكم والإضعاف الأمريكية. غير أن انضمامها إلى منظمة البريكس بوجود دول عربية قوية، والمصالحة مع السعودية، سيفرض عليها التزامات جديدة هي من صميم قواعد بناء منظمة البريكس وشنغهاي وهي عدم التدخل في شؤون الدول، وتخيف الصراعات الدولية، وتجنب الحروب من أجل تأمين الطرق التجارية. وعليه فإن عدم التوجه نحو المصالحات الكبرى مع جيرانها، لن يسمح لإيران أن تكون عنصرا إيجابيا في تحقيق أهداف التهدئة التي تريدها الصين من خلال منظمة البركيس.

 

د. عبد الرزاق مقري

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية