المقالات

يُعدّ الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الأمريكي  “آل ديورانت” أشهر مؤلف كتَب عن تاريخ الحضارات، تلقّى تعليما كاثوليكيا في طفولته ثم تحول إلى التعليم المدني فتخصص في الآداب ثم اهتم بالفلسفة فدرس كتب كبار الفلاسفة أمثال “هكسلي” و”داروين” و”هربرت سبنسر” و”هيغل”و”اسبينوزا” وآخرين. تحصل على الدكتوراه في الفلسفة حول “الفلسفة والمشكلة الاجتماعية” عام 1917 في جامعة كولومبيا. اشتغل في الصحافة أثناء دراسته ثم في مهنة التعليم حيث تعلق بإحدى تلميذاته وتزوجها وعمرها 15 سنة و كان اسمها “آدا كوفمان”، وهي التي عُرفت بعد ذلك باسم “آرئيل ديورانت”. وقد كان لها دور كبير في مسيرته العلمية وفي كثير من قناعاته، سافرت معه إلى مختلف أنحاء العالم وشاركته في تأليف العديد من كتبه خصوصا كتاب “قصة الحضارة” .

كان ديورانت قارئا نهما يقرأ مئات الكتب ليكتب كتابا واحدا، وكان رحّالة يجوب مختلف أنحاء العالم ليجمع مع الدراسات النظرية المشاهدات البصرية للآثار الحضارية والأحوال الثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية للناس. من أهم كتبه “قصة الفلسفة”، “التحول”، “مباهج الفلسفة”، “قصة الحضارة”، “أبطال من التاريخ”، “عظات التاريخ”، “تفسير الحياة”، وهي كتب لقيت رواجا كبيرا في العالم.

غير أن الكتاب الأشهر الذي فرض نفسه كمرجع أساسي في موضوعه هو كتاب “قصة الحضارة” الذي يعد موسوعة شاملة في فلسفة التاريخ قضى ديورانت في كتابتها 40 سنة من 1935 إلى 1975. تتكوّن هذه الموسوعة من أحد عشر مجلدا تناولت تاريخ البشرية منذ العصور البدائية حتى نهاية القرن الثامن عشر، تطرق فيها المؤلف إلى مختلف جوانب الحضارة الإنسانية التي تشمل التاريخ والفلسفة والفن والدين والاقتصاد والسياسة.

حاول ديورانت أن يكون محايدا في كتاباته ولكن تأثره بخلفيته الغربية جعله ينظر إلى الدين نظرة علمانية تنفي الغيب والوحي[1]، وبسبب تأثره بزوجته اليهودية فضّل اليهودية على المسيحية التي هي ديانته الأصلية، ومجّد اليهود على سائر البشر ونزع عنهم الصفات الذميمة الملتصقة بهم في الثقافة الأوربية آنذاك، وكان يعتبر أن مسألة دس يهود خيبر السم لرسول الله  صلى الله عليه وسلم مجرد ظنون، وأن اليهود لم يتأثروا بالإسلام في المدينة بسبب نزعته الحربية[2] بزعمه.

وبالرغم من تمجيده الكبير لشخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وللحضارة الإسلامية ودورها الحاسم في التعريف بالحضارة اليونانية وفي نشأة الحضارة الغربية في الجز الثالث عشر من كتاب “قصة الحضارة”  يشكك في الرسالة السماوية للإسلام، ويزعم أن مصادر القرآن ما تلقاه محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود أثناء زيارته المدينة قبل البعثة، ومن النصارى أثناء زيارته الشام مع عمه أبي طالب للتجارة، وما أخذه عن ورقة بن نوفل، بل يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه استعمل القرآن لأغراضه الشخصية وللتمكين لنفسه ولقومه في الجزيرة العربية.

لقد حذّر كثير من العلماء والمفكرين المسلمين من المغالطات الكبيرة الموجودة في كتاب “قصة الحضارة” عن الإسلام  في جزئه الثالث عشر، لا سيما وأن الكتاب عرف انتشارا كبيرا وصار مرجعا أساسيا في تاريخ الحضارات، ومن هؤلاء الدكتور محمد محمد حسين في كتابه “حصوننا مهددة من الداخل”[3]، الذي اعتبر  بأن اعتماد الكتاب رسميا من الجامعة العربية عبر المنظمة العربية للثقافة والعلوم وطباعته[4] كان بضغط من السفارة الأمريكية في القاهرة، ومن منظمة اليونيسكو، ومن سماهم سماسرة الاحتلال الغربي وعملاءهم بغرض تشويه الإسلام وإضعافه في فكر ووجدان أهله.

وقد أكد الدكتور محمد بدران، أحد مترجمي الكتاب، بأن في الكتاب مغالطات كبيرة عن الإسلام ولكن أوعز تثبيتها في الترجمة إلى حتمية الأمانة العلمية، وإلى أهمية اطلاع المسلمين على بعض آراء الكُتّاب غير المسلمين حتى وإن كانوا لا يوافقون عليها[5]. كما أن ثمة من كبار الكُتّاب المسلمين من شجعوا على استفادة الكتاب المختصين والمفكرين العرب والمسلمين منه لما فيه من فوائد جمة، مع ضرورة الردود على ما يحتوي من سموم في ذات الترجمات، ومن هؤلاء شوقي أبو خليل الذي يقول: “إنه ليس من المعقول أن يُحرم القارئ العربي من هذا السفر النفيس الذي يُعد من الكتب العالمية المتميزة التي أُلّفت في القرن العشرين، والذي يُغني عن مئات الكتب التي تعني بتجارب الأمم السابقة، للاستفادة من تجاربهم، ومعرفة سبل مهاوي الهلاك التي انتهجتها دولهم، لتفاديها”[6]

لقي كتاب قصة الحضارة قبولا واسعا لدى الباحثين وعامة الناس لما يتميز به من أسلوب سهل، وقدرة بارزة على الجمع بين الأسلوب العلمي والنسق الشعبي. قصد توينبي بتأليفه هذا الكتاب أن يكتب تاريخا للمدنية يروي فيه “أكثر ما يمكن من النبأ، في أقل ما يمكن من الصفحات”، عبر خمسة أجزاء مستقلة: التراث الشرقي (تاريخ مصر والشرق الأدنى حتى وفاة الاسكندر، والهند والصين واليابان إلى العصر الحديث)، التراث الكلاسيكي (تاريخ اليونان وروما والشرق الأدنى)، التراث الوسيط (تاريخ اوربا الكاثوليكية والاقطاعية، والمدنية البيزنطية، والثقافة الإسلامية، والثقافة اليهودية، في آسيا وافريقيا وإسبانيا، والنهضة الإيطالية)، التراث الأوربي (تاريخ الدول الأوربية من الإصلاح البروتستانتي إلى الثورة الفرنسية )، التراث الحديث (تاريخ الاختراعات والسياسة والعلم والفلسفة والدين والأخلاق والأدب والفن في أوربا منذ تولي نابليون الحكم إلى عصرنا الحاضر).

لقد حرص وِل ديورانت على تجاوز السرد التاريخي للأحداث التاريخية ووقائع التحولات السياسية وسير الملوك والأمراء إلى تناول مآثر البشر من مختلف الزوايا الفلسفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحليل الأحداث لإخراج العبر منها وإبراز القواعد الاجتماعية التي تتحكم فيها. فيقول: “لقد أحسست منذ زمن طويل بأن طريقتنا المعتادة خاطئة في كتابة التاريخ مجزّء أقساماً منفصلة عن بعضها عن بعض، يتناول كل قسم ناحية واحدة من نواحي الحياة – فتاريخ اقتصادي، وتاريخ سياسي، وتاريخ ديني، وتاريخ للفلسفة، وتاريخ للأدب، وتاريخ العلوم، وتاريخ الموسيقى، وتاريخ للفن – أحسست أن هذه الطريقة فيها إجحاف بما في الحياة الإنسانية من وحدة، وأن التاريخ يجب أن يُكتب عن كل هذه الجوانب مجتمعة، كما يكتب عن كل منها منفرداً، وأن يُكتب على نحو تركيبي كما يُكتب على نحو تحليلي، وأن علم تدوين التاريخ في صورته المثلى لابد أن يهدف- في كل فترة من فترات الزمن – إلى تصوير مجموعة عناصر ثقافة الأمة مشتبكة بما فيها من مؤسسات ومغامرات وأساليب عيش ..”، وهو بهذا النهج الموسوعي التحليلي في كتابة التاريخ  لا يبتكر نهجا جديدا وإنما يتبع مؤسس هذا الفن عبر العصور عبد الرحمن بن خلدون. وبالرغم من أن وِل ديورانت لا يتحدث كثيرا عن بن خلدون فهو لم يستطع تجاوز الاعتراف بعبقريته فيقول في الفصل الثلاثين من كتابه حين يتحدث عن عبقرية الإسلام: “إننا لا نستطيع في أي أدب كان قبل القرن الثامن عشر، العثور على فلسفة للتاريخ، أو على منهج لعلم الاجتماع، يمكن أن يباري في قوته ومداه ودقة تحليله منهج ابن خلدون”.

وضع وِل ديورانت تعريفًا للحضارة يُعدّ من أكثر التعريفات شمولًا، إذ قال: ” الحضارة نظام اجتماعي يعزز الإبداع الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: التنظيم الاقتصادي، والتنظيم السياسي، والتقاليد الأخلاقية، والسعي وراء المعرفة والفنون.”[7] فهي ليست حالة بشرية مادية فحسب، بل منظومة قيمية وروحية تُعبّر عن تفاعل الإنسان مع بيئته، ومع الآخرين في إطار من النظام الأخلاقي والسياسي والاقتصادي.

ويرى وِل ديورانت أن  بروز الحضارات يرتبط بوجود الأفراد العظماء في الأمم  ضمن البيئات المناسبة فيشدد على الدور المزدوج للفرد والمجتمع في صياغة مصير الحضارات. فالعظماء – مثل سقراط وأفلاطون والقديس أوغسطين ومحمد ﷺ ونيوتن – هم في نظره “العقول التي تُعطي الاتجاه للتاريخ، لا قوّته الدافعة وحدها.  ويقول في كتاب “دروس التاريخ: “إن الأفراد العِظام يصنعون التاريخَ فقط حين يجسّدون ميولَ عصرهم، فهم صورته لا صانعوه.”[8]

فالأفراد لا يصنعون التاريخ من العدم، بل “يُسرّعون ما كانت الجماعة مهيّأة له[9]. فعبقرية الفرد لا تزدهر إلا حين تتوافر البيئة الاجتماعية والثقافية التي تحتضنها، والعكس صحيح: فالمجتمع نفسه بحاجة إلى القادة والعباقرة كي يبلور وعيه وغاياته. وفي هذا السياق خص سيدنا محمد ﷺ بإعجاب كبير في قصة الحضارة، معتبرا إياه من أعظم من غيروا وجه التاريخ.

ويركّز ديورانت على أن الحضارة لا تزدهر إلا حين يتحقّق التوازن بين المادي والمعنوي، بين العلم والإيمان، وبين الحرية والنظام. فحين يطغى أحد الجانبين على الآخر، تبدأ الحضارة في التآكل من داخلها.[10] ويشير إلى أن التاريخ شاهد على أنّ الحضارات العظيمة لم تسقط بفعل الغزو الخارجي، بل عندما ضعفت أخلاقُها وقيمها، واستسلمت للترف والأنانية، وفقدت الشعور بالغاية والمعنى.[11]

رغم حرصه على الظهور بمظهر الحياد لم يستطع ديورانت إخفاء قناعته بمركزية الحضارة الغربية في التاريخ  من حيث إنجازاتها الكبرى في مجالات العلم والتقنية والفكر السياسي، فهو نفسه يعتذر في مقدمة  فصل “عصر الإيمان” للعلماء الذي درسوا حضارة الإسلام عن عدم إعطاء الحضارة الإسلامية حقها في حديثه عن فترة العصور الوسطى فيقول: “ولقد بذلنا جهدنا على الدوام في أن نكون بعيدين عن الهوى والتحيز وأن ننظر إلى كل دين وكل ثقافة كما ينظر إليهما أهلهما، ولكنا مع هذا لا ندّعي العصمة من الهوى … ذلك أن العقل كالجسم سجين في جلده لايستطيع الفكاك منه”[12]،  لكنه مع ذلك  قدّم نقدا فلسفيا عميقا للحضارة الغربية من داخلها. فهو يرى أنّ الغرب بلغ قمة التقدّم المادي، لكنه فقد توازنه الروحي والأخلاقي[13].

ويشير إلى أنّ الغرب يعيش مرحلة الخطر نفسها التي عرفتها الحضارات السابقة حين طغت المادة على المعنى، والعقل على الضمير. فالحرية التي كانت مصدر قوّته، تحوّلت في بعض جوانبها إلى فوضى فردية تُهدّد التماسك الاجتماعي[14].

ويرى ديورانت أن قوة الغرب لا تقوم على العلم وحده، بل على القيم التي أفرزها تراثه الديني والفلسفي، وأن الحفاظ على هذه القيم هو شرط بقاء الحضارة[15].

وفي نظره، ليست الحضارة الغربية نهاية التاريخ، بل مرحلة ضمن سلسلة إنسانية متواصلة. ويُشدّد على أن الغرب مدين للشرق – وللإسلام خصوصًا – بالعلوم والفكر الذي مهّد لنهضته، وأن الحضارات تتكامل وتتوارث لا تتصارع[16].

يقدّم وِل ديورانت في فلسفته التاريخية رؤيةً إنسانية شمولية تعتبر أن الحضارة ظاهرة متكرّرة عبر العصور، تمرّ بمراحل الولادة والنضج والانحدار. والعامل الحاسم في بقاء أي حضارة هو أخلاقها وإيمانها، لا ثروتها أو جيوشها. فحين يتوازن العقل مع الضمير، والعلم مع الحكمة، تزدهر الحضارة. أما حين تنفصل المعرفة عن القيمة، فإنها تبدأ في الانحلال. ومن ثمّ، يرى ديورانت أنّ التاريخ ليس صراعًا بين الشرق والغرب، بل هو حوار دائم بين الإنسان والمطلق، بين القوة والمعنى، وأنّ روح الحضارة لا تموت ما دامت قادرة على إحياء الإيمان بالإنسان.

وعلى عكس الطروحات الحتمية، يرى ديورانت أن الحضارات لا تموت تماما، بل تمتزج وتُورّث أفكارها للاحقين. فالحضارة الإسلامية، مثلًا، انتقلت بأفكارها إلى أوروبا إبان العصور الوسطى، وساهمت في النهضة الحديثة.

نظَر ديورانت إلى الحضارة الإسلامية بإعجاب واحترام كبيرين، وخصّها في موسوعته “قصة الحضارة” في فصل”عصر الإيمان” (The age of Faith)  بحديث قدّر بأنه مطوّل بالنسبة لعموم القراء ولكنه غير مجزي بالنسبة للمتخصصين. ورغم مغالطاته في مصدر الوحي للقرآن الكريم يرى أنّ الإسلام لم يكن دينا روحيا فحسب، بل قوة تاريخية خلّاقة أطلقت طاقات الشعوب وأسّست واحدة من أرقى حضارات العصور الوسطى[17].

فهو يعتبر أن المسلمين قادوا العالم في مجالات الإدارة والعلم والفن والفكر، وأنهم قدّموا للإنسانية نموذجًا حضاريًا متميّزًا بالتوازن بين الدين والعقل، وبين الروح والمادة.

ورغم اتهامه للإسلام بالروح الحربية وسفكه للدماء يُبرز ديورانت تسامح الإسلام في التعامل مع الديانات الأخرى، ويرى أن هذا التسامح كان سببًا في ازدهار العلوم والفلسفة. ويشير إلى أن الحضارة الإسلامية لم تكتفِ بحفظ التراث اليوناني، بل أضافت إليه ووسّعته، حتى كانت أساس النهضة الأوروبية[18].غير أنّه يلاحظ أن الجمود الفكري والديني الذي ساد في العصور المتأخرة كان سبب انحسارها[19]،

ويؤكّد أن الانحطاط لم يكن بسبب الإسلام نفسه، بل نتيجة الانفصال بين الدين والعقل، واستبداد السلاطين، وتراجع الحرية الفكرية، وسيطرة التقليد على الاجتهاد. ومع ذلك، يظلّ يعتبر الإسلام أحد أعظم مصادر الإشعاع الإنساني في التاريخ[20].

مع أنّ وِل ديورانت أبدى إعجابًا عميقًا بشخصية النبي محمد ﷺ إذ اعتبره من أعظم من غيروا وجه التاريخ وقال عنه:”لو حكمنا على العظمة بالتأثير، لكان محمد أحد أعظم رجال التاريخ، فقد أسّس دينًا ودولةً وإمبراطورية، وكان معتدلًا في طعامه وشرابه، كارهًا للترف، بسيطًا، متواضعًا، تقيًّا، محبًّا للخير[21]،ورغم تقديره الأثر الحضاري الهائل للإسلام، فإنه لم يتناول القرآن الكريم من منظور الإيمان الديني، بل من زاوية المؤرخ الفلسفي الذي يرى الأديان ظواهر إنسانية كبرى تسهم في بناء النظام الأخلاقي والاجتماعي. فهو يعدّ القرآن “إبداعًا أدبيًا مهيبًا وشريعة أخلاقية لشعب عظيم”[22]، أي أنه يعترف بسموّ قيمه وتأثيره، دون أن يصفه بوصفه وحيًا إلهيًا بالمعنى العقدي.


[1] انظر قصة الحضارة، 1\99-102

[2] قصة الحضارة 13\36

[3] يعتبر هذا الكتاب من المراجع الأساسية في مكتبة الصحوة الإسلامية وقد طبع مرات عديدة، وطبع مؤخرا عن دار الرسالة عام 2014

[4]ـ طبعته المنظمة العربية للثقافة والعلوم بواسطة “دار الجيل”، بيروت، 1981، ترجمة عدد من المترجمين على رأسهم محمد بدران.

[5] ـ مقدمة المترجمين لفصل (محمد صلى الله عليه وسلم)، قصة الحضارة، دار الجيل، بيروت، 1981، 13\21.

[6] ـ مقدمة فهارس الكتاب 1\14.

[7] Will Durant, The Story of Civilization: Our Oriental Heritage, Simon & Schuster, 1935, p. 1ـ

[8] Will and Ariel Durant, The Lessons of History (New York: Simon & Schuster, 1968), 36.

[9] Will and Ariel Durant, The Lessons of History, 34.

[10]ـ Will and Ariel Durant, The Lessons of History , 71.

[11]ـ Ibid., 73.

[12] انظر قصة الحضارة، قصة الإيمان، المقدمة، إلى القارئ، موقع المكتبة الشاملة الحديثة،

https://al-maktaba.org/book/31618/14024#p29

[13] يقول في كتاب دروس التاريخ“Every civilization is a synthesis of its moral and spiritual values; it dies when these values decay .

[14] Ibid., 74.

[15]  يقول محذرا :No great civilization is ever destroyed from without until it has destroyed itself within.

Will Durant, The Story of Civilization, Vol. IX: The Age of Voltaire (New York: Simon & Schuster, 1965), 18.

[16] Will Durant, The Story of Philosophy (New York: Simon & Schuster, 1926), 103.

[17]-قال ديورانت عن الإسلام:« For five centuries, Islam led the world in power, order, and extent of government, in refinement of manners, in standards of living, in humaneness of laws, in cultivation of the arts, in literature, scholarship, and science ».انظر :will Durant, The Story of Civilization, Vol. IV: The Age of Faith (New York: Simon & Schuster, 1950), 188.

[18]  Ibid., 195–210.

[19] « When the spirit of inquiry died out in Islam, the civilization decayed » انظرIbid., 235.

[20] Will and Ariel Durant, The Lessons of History (New York: Simon & Schuster, 1968), 75–77.

[21] Will Durant, The Story of Civilization, Vol. IV: The Age of Faith (New York: Simon & Schuster, 1950), 176-177.

[22] Ibid, 180

تمهيد:

هذه إحاطة فكرية ومعرفية عن العلمانية والعلمانيين، حفّزني عليها صديق علماني، وأتمنى أن يقرأها العلمانيون،  لعلهم يهتدون، وأن يصبروا على طولها، فهي غنية بالمفاهيم والمعلومات التي ربما لم يطلعوا عليها بسبب أحاديتهم الثقافية، وأن يعذروا بعض ألفاظها الشديدة التي لا سبب له سوى الخض الذي يجلب الانتباه، ولكن في الأخير الهداية من الله، وصدق الله تعالى إذ يقول: إنك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56]. فالله نسأله أن يهدينا جميعا، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

تتضمن هذه الإحاطة المحاور التالية:

مقدمة:

أولا – في الأسباب السياسية المباشرة لتمكن العلمانية في أوربا (مع المقارنة)

1 – مؤتمر واستفاليا

2- الثورة الفرنسية.

ثانيا – بخصوص اضطهاد العلماء باسم الدين كسبب للعلمانية (مع المقارنة).

1 – الحالة الأوربية: الوقائع والأمثلة.

2- الحالة الإسلامية: نظريا وواقعيا، وفحص الأمثلة ( أحمد بن حنبل، ابن سينا، الرازي، ابن رشد)

ثالثا – عن الصراعات والحروب السياسية

1 – الحالة الغربية الأوربية : الوقائع والأمثلة

2- الحالة الإسلامية : الوقائع والأمثلة

رابعا – الحِقبة العلمانية وتخلف المسلمين.

خامسا – النتيجة

مقدمة:

ارسل لي صديق علماني عوّدني التضامن معي والسؤال عني حينما تحدث لي مضايقات سياسية، كمنعي من السفرمثلا،  مقالا لأحد العلمانيين يتحامل على مقالي ” عن العلمانية والعلمانيين” بتدليس معرفي كبير. ولست ادري لماذا أرسل لي صديقي هذا المقال، هل هو متعاطف مع مقالي باعتباره علماني معتدل، أم أن مقال صاحبه أعجبه فأرادني الاطلاع عليه.

وفي ردي عن المقال الذي وصلني من صديقي العلماني أقول:

لقد عرفت علمانيين غير مسلمين يشيدون بالحضارة الإسلامية ودورها الريادي في خدمة العلم بكل اختصاصاته وعن فضلها في النهضة العلمية الأوربية. غير أنه من سوء حظ العالم العربي أن العلمانية ارتبطت في كثير من الأحوال بحركة الاستعمار، فلم تكن هذه العلمانية  سوى خادم موضوعي أو واع للاستعمار، والأسوء  حظا هي الجزائر إذ ارتبطت العلمانية فيها بأسوء نسخة منها وأكثرها تطرفا، وهي اللائكية الفرنسية.

لا شك أنه يوجد في الجزائر علمانيون عقلاء وعقلانيون يعتزون بالحضارة العربية الإسلامية، ووطنيون يُعتدّ بنزاهتهم في شأن النضال السياسي وقضايا الشأن العام، وأنا شخصيا استفدت من بعضهم وسعدت بمعرفتهم.

ولكن الحالة العلمانية الظاهرة في بلادنا، ذات هوى معادٍ للحضارة  الإسلامية، وخنقٍ شديد على اللغة العربية، فتدفعهم أحقادهم وعقدهم إلى إنكار الصبغة العلمية، في كل الاختصاصات،  لحضارة المسلمين ولغتها التي كانت تسود عبر قرون ساحات العلم في الدنيا كلها. يجهد هؤلاء أنفسهم للبحث في هوامش التاريخ عن أحداث تسند كذبهم بأن الإسلام اضطهد العلم وأن الحكم الإسلامي كان حكما مقدسا ثيوقراطيا .. لينشئوا في مخيالهم الشروط التاريخية التي بررت نشأت العلمانية في أوربا. وهذا والله الذي لا يقوله حتى كبار فلاسفة الغرب.

إن هؤلاء يعلمون بأن “تهافتهم” الكاذب لا يقنع الجمهور ولا يثبت في الساحات العلمية والمعرفية، ولو سمعهم مؤرخون من أوربا ذاتها لضحكوا عليهم، ولكن يحتاجون إلى “تدليساتهم” تلك لكي يحافظوا على وجودهم ولو على هامش التاريخ، وللمحافظة على مصالحهم – بالنسبة لبعضهم- عند أسيادهم.

حاول هؤلاء العلمنجيون المتطرفون تجاوز موضوع المقال بالدخول في تفاصيل تاريخية، تغرقهم أكثر مما تنقذهم.

لقد كان هدف المقال التبيان أن نشأة العلمانية في أوربا لها أسباب مباشرة لم تحضر في التاريخ الإسلامي أبدا، وسنعود بهؤلاء “العلمنجية” إلى أصل الموضوع لكي لا يفلتوا، ثم نكشف تحايلهم على التاريخ حادثة حادثة. نبدأ بالحديث المجمل لمن لا يصبر على طول المقال، ونفصل بعد ذلك من يهمه الاطلاع الأوسع.

 

أولا – في الأسباب السياسية المباشرة لتمكن العلمانية في أوربا ( مع المقارنة)

بكل تأكيد لا يعلم “عوام  العلمانية” في بلدنا – لقلة زادهم المعرفي-  أن ثمة تاريخيَن مهمين رسّما وعمّما حالة العلمانية في أوربا لم يحدث مثلهما في التاريخ الإسلامي أبدا: مؤتمر واستفاليا (1648) والثورة الفرنسية (1789 )

1 – مؤتمر واستفاليا: قدّم مؤتمر واستفاليا خدمة جليلة للأوربيين من حيث أنه أنهى حربا دينية ضروسا كان عنوانها ” حرب الثلاثين سنة” بين البروتستانت والكاثوليك في المملكة الرومانية المقدسة، ثم كل أوربا،  وحرب الثمانين عاما بين إسبانيا ( كاثوليك) وهولندا (بروتستانت فارون من محاكم التفتيش)

ولكي يتأكد العلمانيون من حجم معاناة الأوربيين بسبب الحروب الدينية، وحرب الإبادة المتبادلة بين الكاثوليك والبروتستانت،  أنه في حرب الثلاثين سنة وحدها قُتل أكثر من ثمانية إلى عشرة ملايين، وهو عدد كبير بالنسبة لعدد السكان آنذاك، إذ نقص سكان ألمانيا بأكثر من ثلاثين بالمائة، ومناطق أخرى خسرت نصف وثلثي سكانها، علاوة على التدمير الكامل للقرى والمدن وتفشي الفقر والبطالة لسنوات طويلة.

لقد كان من نتائج معاهدة واستفاليا تثبيت التعددية الدينية، والاعتراف بوجود المذهب البروتستانتيّ،  ووجود دول بروتستانتية ( هولندا، الكنوفدراليا السويسرية) لا تخضع للبابوية والملوك الكاثوليك، وتثبيت مبدأ ” الناس على دين ملوكهم!”  وترسيم فصل الدين عن السياسة والحكم.

فبالله عليكم أيها، العلمانيون!، أي مكان يبقى للدين في الشأن العام إذا كان سببا في هذه المآسي،  ثم كيف تجهلون – أيها المنبتون – أن هذا  لم يحدث في التاريخ الإسلامي. لم يحدث في التاريخ الإسلامي حروب بين الدول على أساس هذا المذهب وذاك أدى إلى هذا الدمار ، فتأكد نظريا الاعتراف بالمذاهب المسيحية كلها، وتبرأ الناس رسميا وعبر مؤتمر حضرت فيه الدول من وجود الدين في الدولة، وبقيت الشريعة هي الحاكمة إلى أن دخل الاستعمار الخارجي بلداننا.

ألا يعلم علمانيونا أن القرآن ذاته يأمر بعدم الإكراه في الدين كما ورد في سورة البقرة : (( لا إكراه في الدين))، وأن نصوص الكتاب والسنة توصي بالعدل مع أهل الكتاب والإحسان إليهم ما لم يكونوا محاربين ومتآمرين. ((لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ))، وكيف يجهلون أن المذاهب والطوائف الدينية الإسلامية  نشأت لقرون طويلة جنبا إلى جنب، تعقد حلقاتها أحيانا في المسجد الواحد، لا يوجد من خلاف بينها سوى في النقاش العلمي والفكري. ولم يحدث اقتتال عام مدمر بينها أوجب الاتفاق بين الدول أن يركنوا الدين في زوايا الشأن الخاص كما حدث في مؤتمر واستفاليا.

 

2 – الثورة الفرنسية: لقد كانت الثورة الفرنسية نتاج ما سمي ب “عصر الأنوار” الذي هزم فيه العلمُ والفلسفة الكنيسةَ، بعد صراع نكد طويل جعل العلماء والفلاسفة يتجهون إما إلى الربوبية ( le Déisme ) أو الأغنوستية (l’Agnosticisme)  أي الإيمان بوجود قوة عليا هندست الكون دون الإيمان بالأديان، أو إلى الإلحاد ( l’Athéisme ) أي عدم الإيمان بالله وبأي شيء غيبي. وقد كان هذا المسار تاريخاً أوربياً صرفا لا علاقة له بالتاريخ الإسلامي، إذ لم نسمع بأن عالما من علماء المسلمين، مهما اختلفت آراؤهم، أعلن كفره وخطّ طريقا للبراءة من الدين أو دعا إلى تهميش الدين عن الحياة العامة.

وبما أن الكنيسة بقيت قوية في العالم اللاتيني بجنوب أوربا فقد كان الصراع معها عنيفا، تجلًى في العبارة المشهورة لدى رموز الثورة الفرنسية “خنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”، والغريب في الأمر أن أصل هذه العبارة  لقسيس كاثوليكي فرنسي ” جان ميسيلية” ترك هذه المقولة كوصية بعد أن ألحد وكفر بالديانات بسبب الظلم الذي رآه في مؤسسته الدينية.

ولعل هذا الفرق في طبيعة الصراع الديني هو الذي رسم الفرق بين العلمانية في شمال أوربا والعالم الالنجلوسكسوني حيث الأغلبية البروتستانتية،  وفي جنوب أوربا وخصوصا فرنسا حيث الأغلبية الكاثوليكية.

لقد ساهمت البروتستانتية التي انصفها مؤتمر واستفاليا  في التمكين للعلمانية من خلال إصلاحاتها الدينية وثورتها ضد الكنيسة ( بروتستانت معناه احتجاج) للتخلص من الهيمنة السياسية للكنيسة،  ولذلك بقي للمسيحية دور كبير في الشأن العام في هذه الدول، وتبين الإحصاءات أن المؤسسات المسيحية في مختلف مجالات المجتمع المدني هي الأكثر قوة وانتشارا  في هذه الدول.

أما الكنيسة الكاثوليكية فإنها انهزمت في البلد الأم للكاثوليك في فرنسا، هزيمة قاسية بحجم القسوة التي كانت تمارسها ضد العلماء والفلاسفة وأصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، ولذلك جاءت اللائكية الفرنسية متطرفة إلى الحد الذي نعرفه.

والغريب في الأمر أن اللائكية الفرنسية التي لا تقبلها حتى البيئة الأوربية والغربية في عمومها هي التي يتبناها “العلمنجيون” اللائكيون في بلدنا، وهم يدرون أو ربما يتجاهلون أن هذا التاريخ المؤلم الطويل لم يحدث مثله في البلاد الإسلامية.

ثانيا – بخصوص اضطهاد العلماء باسم الدين كسبب للعلمانية ( مع المقارنة)

1- الحالة الأوربية:  إن اضطهاد العلماء في أوربا في القرون الوسطى كان اضطهادا منهجيا مؤسسيا شمل أوربا كلها، فكيف لا يعرف العلمانيون ” محاكم التفتيش” التي تخصصت في إحصاء العلماء وإحصاء كتبهم وملاحقتهم وإعدامهم  وحرق بعضهم، فلا يجهل متوسط المعرفة في هذا الشأن فهرس الكتب المحرمة  (Index Librorum Prohibitorum)  التي دخلت فيها الكتب العلمية، وليس الدينية واللاهوتية فقط، ومن العلماء الذين وضعت في هذا الفهرس كتبهم الأسماء الكبيرة المؤسسة  للثورة العلمية الأوربية أمثال كوبرنيكوس، وغاليليو ، وديكارت ، وكيبلر ، وسيرفيت علاوة على الكتب الفلسفية المؤسسة لعصر الأنوار ككتب فولتير وروسو، وكانت، وسبينوزا وغيرهم.   ويا ليت الأمر بقي على مستوى المنع، بل تم محاكمة العديد من العلماء مثل غاليليو،  أو قتل أو حرق آخرين، أمثال: جوردانو برونو الإيطالي الذي احرقه الكاثوليك،  وميغيل سيرفيت الإسباني  الذي أحرقه البروتاستنت وهما أحياء.

فكيف بعد هذا التطرف الديني الشديد يبقى للمسيحية مكانة في ساحات العلم والسياسة والحكم في البلاد الاوربية والغربية، وفي البلاد المتأثرة بالحضارة الغربية.

2– الحالة الإسلامية :

أتحدى  العلمانيين أن يأتوننا بقصص مثل هذه في التاريخ الإسلامي، أتحدى العلمانيين أن يحكوا لنا عن اضطهاد منهجي مؤسسي وعن محاكم تفتيش في الدول الإسلامية ضد العلم والكتب العلمية، توجب العلمانية. وقد استغربت كثيرا حين أدركت  أن العلمانيين لا يعلمون أن بعض العلماء  الذين اضطهدوا من بعض الحكام، والذين سنعود لقصصهم واحدا واحدا، لم تُمنع كتبهم العلمية الكونية  من التداول ودراستها في المدارس والجامعات أبدا.

ألا يستحي هؤلاء حين يتهمون الإسلام والدول الإسلامية باضطهاد العلم والعلماء،  كيف لم ينتبه هؤلاء أن حضارتنا اسمها “الحضارة الإسلامية” نسبة إلى الإسلام، نسبة إلى ديننا، ومن يسمي حضارتنا “الحضارة الإسلامية” (la civilisation musulmane)  هم الغربيون أنفسهم.

أين يضع هؤلاء العلمانيون، في الجانب النظري والتوجيهي:  كل نصوص القرآن والسنة التي تحث على العلم والنظر والتجريب، كيف ينظرون إلى قول الله تعالى:  ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقوله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقوله: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ۝ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة”، وقوله: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ ، حتى الحيتانِ في البحرِ”

ثم في الجانب العملي: هل يمكن لحضارة تضطهد العلماء، كما يزعم العلمانيون في بلادنا،  أن تنتج، الخوارزمي مؤسس الجبر والخوارزميات، والبتّاني مطوّر المثلثات والفلك، وابن الهيثم رائد البصريات والمنهج التجريبي، والرازي رائد الطب السريري، وابن سينا رائد الطب الموسوعي، والزهراوي رائد الجراحة، وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وجابر بن حيان رائد الكيمياء التجريبية، والبيروني رائد الجغرافيا والقياس وعلم المعادن، والإدريسي رائد رسم الخرائط، والجزري رائد الهندسة الميكانيكية، وابن البيطار رائد علم النبات والصيدلة، وثابت بن قرة من رواد الرياضيات والهندسة، وابن خلدون مؤسس علم العمران والاجتماع.

كيف لحضارة إسلامية تحارب العلم والعلماء، كما يزعم العلمنجيون، أن تهتم بترجمة  علوم الحضارات السابقة، خاصة اليونانية والفارسية والهندية، ثم نقدتها وتطويرها والزيادة عليها والتفوق عليها. ثم نقلت  هذه العلوم بسخاء  إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية وحركة الترجمة إلى اللاتينية، فأسهمت في إحياء العلوم ومهدت للنهضة الأوروبية

ب – أما حالات اضطهاد بعض العلماء، فأولا مجرد إحصائهم ضمن عدد كبير من العلماء الآخرين الذين اشتغلوا في بيئة مشجعة على العلم،  يدل على أنها حوادث معزولة لا علاقة لها بالعمل المنهجي والمؤسسي الذي عُرف في أوربا والذي كان سببا في انتصار العلمانية. وثانيا لم تُمنع الكتب العلمية لهؤلاء العلماء كما وقع في أوربا، رغم الخلاف معهم في مسائل أخرى، وثالثا لم يكن الاضطهاد أو التكفير شأنا رسميا في الغالب، بل نقاش مجتمعي بين العلماء والفلاسفة، ورابعا لم يكن سبب الاضطهاد سببا واحدا، ولم يكن في كل الأحوال ضد العلم الكوني. ولنقم الآن بفحص هذه الحالات المشهورة حالة حالة:

  • أحمد بن حنبل (780 م- 855 م): الحالة التي يدحض تناولها حجة العلمانيين فلا يبقى لهم رأس يرفعونه في الساحة السياسية والفكرية، هي ما ذكروه في حجتهم عن اضطهاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه، في مسألة “خلق القرآن”، من حيث أنّ أحمد بن حنبل هو ممثل الحالة الدينية، فهو إمام عظيم مؤسس مذهب جليل من مذاهب الإسلام الأربعة العظيمة، وأن الذي اضطهده هو “المأمون” الحاكم السياسي الذي كان يسند مذهبا يمجد العقل وهو المذهب المعتزلي، أي عكس ما حدث في أوربا: المدارس والمذاهب الدينية المسيحية هي التي اضطهدت الاتجاهات العقلية.  وفي هذا الاتجاه ليس أحمد بن حنبل فقط، كعالم شريعة ( عالم دين وفق المصطلح العلماني) الذي أوذي من قبل السياسيين، أوذي  كذلك أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وابن تيمية، وغيرهم، بسبب معارضتهم الحكام في قضايا محددة، أو بسبب رفض توليهم القضاء أو الفتوى كما يريد الحكام. فلم يكن الإسلام هو الذي يضطهد كما كان الكاثوليك والبروتستانت ضد المخالفين، بل كان رموز الإسلام هم الذين يضطهدون.
  • ابن سينا (ت1037م): طبيب وفيلسوف وعالم في الرياضيات والفلك والمنطق، وصاحب كتاب “القانون” في الطب. عاش في بيئة سياسية مضطربة، وتنقّل بين عدد من الإمارات، وتولى الوزارة في همذان، ثم اختلف مع الأمير شمس الدولة، فسُجن مدة، وبعد خروجه هرب إلى أصفهان حيث وجد حماية لدى علاء الدولة، وعمل في بلاطه طبيبًا ومستشارًا. لذلك ارتبطت محنه بمواقفه وعلاقاته السياسية وصراعات السلطة، وليس بالخلاف الفكري، وقد كان الخلاف مع أبي حامد الغزالي، الذي توفي قبله ابن سينا، مثلا، في كتابه تهافت الفلاسفة، خلافا فكريا لا علاقة له بالاضطهاد السياسي، وإنما كان متعلقا ببعض آرائه الفلسفية والعقدية، لا بممارسته للطب والعلوم، وذلك ضمن حرية الفكر والتعبير التي كانت منتشرة ومزدهرة في العالم الإسلامي. مع أن الغزالي شخص لا يمثل سلطة رسمية دينية أو سياسية، وفي كل الأحوال لم يحرم أحد كتب ابن سينا ومنجزاته في الطب والرياضيات والمنطق.

–       أبو بكر الرازي (ت نحو925م) وهو من أعظم أطباء الحضارة الإسلامية، وله مؤلفات ضخمة في الطب، وأشهرها “الحاوي”، كما ارتبط اسمه بأبحاث في الكيمياء والمواد والعمليات المختبرية، وله في العلوم الإسلامية تفسير مشهور عند المسلمين،  لا تثبت أي أخبار عن اضطهاده، ومنها أن حاكما ضربه بكتبه على رأسه، بسبب خلافات فلسفية وليس لأسباب علمية، وبقيت كتبه من المراجع العظيمة للحضارة الإسلامية،  والبشرية عموما.

  • وأما عن ابن رشد ( 1136- 1198) الذي يركز العلمانيون على محنته، فأولا يقع هؤلاء في جهالة تاريخية كبيرة بادعائهم أن الغزالي كفّر ابن رشد، في حين أن الغزالي توفي 15 سنة قبل ميلاد ابن رشد، ثم ثانيا أتعجب كيف لم ينتبه العلمانيون، أن هذه الأحداث حجج مضادة لتوجهاتهم. فابن رشد عالم موسوعي وإمام في العلوم الشرعية، يعد كتابه في الفقه المقارن “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” من أعظم المصنفات التي تعلمت عليه أجيال وشعوب في بلاد الإسلام، وكان من مراجعنا الأساسية التي تعلمنا منها في شبابنا وبرامج حلقاتنا العلمية، وهو في نفس الوقت عالم في الطب والفلسفة، اشتهر بترجمته لأرسطو. فهو – مرة أخرى – عالم دين اضطهد بسبب ببعض آرائه الفلسفية وليس بسبب منجزاته الطبية والفقهية واغلب دراساته الفلسفية، وكان ذلك في فترة وجيزة من عمره، والذي اضطهده هو ذاته الذي أعاد له الاعتبار. فالذي اضطهده وأحرق بعض كتبه ونفاه هو حاكم الدولة الموحدية أبو يوسف المنصور إرضاء لبعض الاتجاهات الدينية في بلاطه، ثم أعاده من جديد إلى مراكش وقرّبه إليه إلى أن توفي هناك، وبقيت إنجازاته العلمية مرجعا في الأمة وللبشرية كلها. فكيف يُعدّ هذا دليلا على اضطهاد الإسلام للدين؟

نعم، أين هذا من السياسة الممنهجة المؤسسية التي اضطهد بها العلماء من قبل الكاثوليك والبروتستانت في أوربا إلى أن هزمتهم العلمانية؟

وأمام كل الحجج التي ذكرناها ألا يستحي العلمنجية عندنا حين يحاولون تنزيل نفس الظروف التي نشأت فيها العلمانية في أوربا  على بلادنا الإسلامية.

ثالثا – عن الصراعات والحروب السياسية

1 – الحالة الأوربية:

لا يجهل قارئ للتاريخ  أن الشعوب الأوربية ودولها وحكوماتها هي الأكثر احترابا ودموية ضمن شعوب العالم، ودون العودة إلى التاريخ القديم اليوناني والروماني، والروماني البزنطي،  فإنه يكفي أن نتذكر قصص القتل الجماعي المتبادل بين الدول والإبادة الجماعية التي اقترفها الحكام الغربيون ضد شعوبهم، وضد الشعوب الأخرى، لنتأكد من ذلك،  والذي يهمنا أولا هو القتل الجماعي باسم الدين في الحالات التالية:

  • حروب المائة سنة، والثمانين سنة، والثلاثين السنة التي أشرنا إليها أعلاه.
  • الإبادة الجماعية للسكان الأصليين في الأمريكتين من قبل الإسبانيين والبرتغاليين والفرنسيين والإنجليز ، التي تجاوزت نسبة الوفيات بسبب القتل الجماعي والأوبئة والفقر 80 إلى 90 % من العدد الأصلي للسكان، وتحويل هذه البلدان إلى المسيحية واللغات الأوربية قصرا. وقد تم ذلك كله باسم الديانة المسيحية.
  • القتل الجماعي ضمن حركة الاستعمار التي تمت باستعمال الدين كذلك، خصوصا الاستعمار الفرنسي في الجزائر ( 10 مليون ساكن من الاحتلال إلى الاستقلال)، والاستعمار البلجيكي في الكونغو (10 مليون ساكن)  وغير ذلك ..

وحتى حينما أصبح الحكم قائما على العلمانية لم تتوقف جرائم الأوربيين ضد بعضهم البعض في الحروب النابليونبة ( حوالي 6 ملايين قتيل)، الحرب العالمية الأولى ( 20 مليون قتيل)، والحرب العالمية الثانية ( الأكثر دموية في التاريخ الحديث: في حدود 80 مليون قتيل)، وضد الشعوب الأخرى، باسم الحضارة الغربية  (القنبلة النووية في اليابان، حروب العراق وأفغانستان، وفلسطين، وايران ..).  وقد نجحت العلمانية الأوربية  في تحويل أغلب الشعوب الأفريقية التي احتلتها إلى المسيحية بغرض التبعية الحضارية، وفشلت في ذلك في شمال أفريقيا بسبب قوة الإسلام وحصانته .

2– الحالة الإسلامية:

مهما تشدّق العلمانيون بخصوص الحروب والفتن في التاريخ الإسلامي فإنها لا تصل إلى شمول وعنف وآثار حروب الحضارة الغربية، سواء باسم الدين المسيحي مبكرا أو باسم الحضارة الغربية لاحقا، وفي كل الأحوال لم تكن الحروب في التاريخ الإسلامي في عمومها اقتتال ديني بالمعنى الذي عرفته بشاعة الحروب الدينية الغربية،  بما يبرر فصل الدين عن الدولة، والانحرافات التي وقعت في التاريخ الإسلامي انحرافات سياسية، تصدى له علماء الشريعة ( علماء الدين) وعلى أساس ذلك اضطُهد بعضهم، والخطأ الذي وقع في الأمة أنها لم تكن صارمة تجاه تلك الأخطاء، التي تعايشت معها خوفا من استمرار الفتنة، ولم تؤسّس فكرا سياسيا باسم الإسلام يرفض شرعية الانتقال من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض.

وإذا أردنا أن نقف عند التحولات السياسية الكبرى لإنكار وجود مبررات لدخول العلمانية لبلادنا من هذه الزاوية نقول:

  • لم تكن الفتنة الكبرى في بداية الإسلام حربا دينية تقوم على التكفير المتبادل كما كان بين الكاثوليك والبروتستانت، وإنما المعلوم من التاريخ بالضرورة أنها كانت بسبب التأويل، فالذين قتلوا عثمان رضي الله عنه رعاع من الناس أثر فيهم وقادهم اليهودي عبد الله بن سبأ، وعليّ كرّم الله وجهه قبِل التحكيم مع معاوية، والذين خرجوا عليه بسبب التحكيم ( الخوارج)، قال عنهم “إخواننا بغوا علينا”، ومعاوية كان يقر بفضل علي بن طالب وإنما كان يطالب بدم عثمان كوليّ لدمه. وحين أخطأ معاوية بتوريث ابنه خطّأه جمهور علماء السنة مع عدم إنكار صحبته، واعتبروا أن الحق مع علي، ولكن خضعوا للأمر الواقع بسبب الخوف من استمرار الفتنة، وهذا هو في ظني خطأ علماء الشريعة، فقد كان عليهم أن لا يعطوا الشرعية للتحول منذ البداية مع تقديم الاجتهاد النظري اللازم ولو في إطار التعامل مع الأمر الواقع.
  • اما تداول الدول الإسلامية في الحضارة الإسلامية بين الأمويين والعباسيين ثم مختلف الدول التي ظهرت في أواخر الطور العباسي فقد خضع لسنن صعود وأفول الدول على نحو ما بينه عبد الرحمن بن خلدون. وفي كل تلك الفترات لم يكن ثمة اضطهاد ديني ممنهج ومؤسسي كما وقع في أوربا بما يبرر إبعاد الدين عن الشأن العام، بل إنّ الديانات الأخرى كانت تنعم بالأمن والازدهار، وهو ما يتحدث عنه المؤرخون الغربيون المسيحيون واليهود أنفسهم،  خصوصا في حديثهم عن التعايش الديني في الفترات الإسلامية المتعاقبة وفي الأندلس والدولة العثمانية ودول المغرب العربي، كما شارك علماء الأديان الأخرى في الحضارة الإسلامية كحنين بن إسحاق المسيحي وابنه في العهد العباسي، وموسى بن ميمون اليهودي في الأندلس والمغرب ومصر، وغيرهم.    ولم يتوقف العطاء الحضاري العلمي  الذي دشنه الأميون وبلغ ألقه في عهد العباسيين كما ذكرناه أعلاه، ثم استمرّت القوة الإسلامية في  عهد الدولة  العثمانية التي تعايشت فيها كل المذاهب والطوائف الإسلامية والديانات والفرق المسيحية واليهودية وغيرها .
  • لقد كانت الحروب بين الدول الإسلامية ضمن المنطق التاريخي السياسي، في كل الاتجاهات المذهبية، ولم تكن منهجيا على أساس مذهبي سوى الحروب العثمانية الصفوية بين القرنين السادس عشر والسابع عشر.
  • وبخصوص هذه الحروب لم تكن  حدثا يوميا مدمرا ذهب بالملايين كما حدث في حروب الكاثوليك والبروتستانت، ولكن صراعا متواصلا عبر حروب كر وفر متقطعة، ثانيا لم يتجاوز عدد القتلى الإجمالي عبر قرن من الصراع مئات الآلاف، خلافا لحرب ثلاثين سنة فقط أودت بحياة قرابة عشرة ملايين نفس ( في المراجع الأوربية ذاتها)، ثالثا – كانت خلفية تلك الحروب صراعا سياسيا في الأصل بين الدولة العثمانية، والسلاسة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل الأذري من قبائل الأوغوز التركية الذي أسس الدولة الصفوية في إيران الحالية وفرض المذهب الشيعي قسرا على شعوب المنطقة الذين كان أغلبهم من السنة. فصار الاستقطاب مذهبيا طائفيا، تداخلت فيه أبعاد جيوسياسية واقتصادية ودولية. وبقيت هذه الحادثة، كحالة استثنائية، من الناحية السياسية والمذهبية، إذ لم تكن تتعلق بشأن مكانة الدين في الشأن العام لدى الطرفين، ولم يتوقف العطاء العلمي الحضاري في الدولتين ضمن الحد الذي  كان عليه المستوى الحضاري عموما في العالم الإسلامي. مع التأكيد في هذا المجال أن الدولة العثمانية تحاربت كذلك مع الدولة المملوكية في فترة ضعفها وعلى اثر هزيمتها في معركة مرج دابق عام 1516 انتقلت الخلافة الإسلامية من الخلافة العباسية المتداعية التي كانت تحت الحماية المملوكية إلى الخلافة العثمانية بفتوى من جمهور العلماء المسلمين.

رابعا – الحقبة العلمانية وتخلف المسلمين

لا يستطيع العلمانيون أن ينكروا بأن عالمنا العربي والإسلامي كان متقدما ومتطورا، وكانت اللغة العربية هي لغة العلم ابتداء من القرن التاسع الميلادي حين كانت الشريعة الإسلامية هي التي تحكم، بغض النظر عن صلاح هؤلاء  الحكام أو فساد أولئك،  وأن الذي أسقط الشريعة من الحكم بعد 14 قرنا هو ترهل الدولة العثمانية وانتشار اللهو والضعف والخلافات العرقية ( القومية العربية، القومية التركية “الطورانية” ، القومية الكردية)، و الطوائف المسيحية واليهودية و العملاء بدعم من بريطانيا وفرنسا ضد السلطان عبد الحميد ثم إسقاط الخلافة ضد إرادة الأغلبية الساحقة من المسلمين من الهند إلى الجزائر، ولم ينشأ في هذه المرحلة دولة إسلامية أخرى تحكم بالشريعة تخلف الدولة العلمانية.

 

وحين حكم العلمانيون بعد فترات الاستعمار، سواء بعلمانية متشددة كما حدث في تركيا وتونس وسوريا أو بعلمانية تكتفي بمرجعية الشريعة في الأحوال الشخصية والهوية الدستورية في باقي الدول العربية والإسلامية مع حساسية مفرطة لكل ما له علاقة بالدين في الشأن السياسي كانت النتيجة في الغالب: التخلف، الفقر،  التبعية، فقدان السيادة، الصراعات البينية، ضياع فلسطين.

خامسا – النتيجة:

لقد كان لقيام العلمانية في الدول الأوربية أسباب تاريخيّة موضوعية، ثم ساهم الاستعمار و قوة الحضارة الغربية ومنجزاتها العظيمة في نقل الفكرة العلمانية إلى مختلف دول العالم. أما في العالم الإسلامي فإن الأسباب الجوهرية التي مكنت للعلمانية في أوربا لم تحدث فيه،  وعلى العكس من ذلك كانت الحضارة الإسلامية هي حضارة العلم،  وكان التعايش بين الديانات والمذاهب هي الحالة السائدة والمنهجية، وما حدث من انحرافات سياسية واضطهاد لبعض العلماء فلم تكن دوافعه العداء للعلم ورفضا للتنوع الديني وإنما هي حالات معزولة يمكن شرحها حالة حالة، كما فعلنا أعلاه،  بما يفند استعمالها من قبل العلمانيين لتبرير العلمانية في العالم الإسلامي على نحو ما وقع في العالم الغربي.

واليوم أمام انكشاف حقيقة الحضارة الغربية وما تتصف به في مخيال الشعوب في البلاد الغربية نفسها ولدى شعوب الحضارات الأخرى، من إجرام ممنهج  وإفساد معمم، وانهيارات أخلاقية،  وفقر في العالم،  وأوبئة، واستغلال، وفتن وحروب، فإن واجب المسلمين أن يثقوا في أنفسهم وحضارتهم لينهضوا من جديد، باسم دينهم وشريعتهم، ليعرضوا أنفسهم كبديل للبشرية أكثر عدلا ورحمة، بالتعاون مع غيرهم من الحضارات الأخرى التي تصبو إلى عالم جديد لا تحكمه العنجهية الأمريكية والأوربية الغربية.  وضمن هذا الطموح تكون المعركة الداخلية ضد حلفاء الغرب في بلداننا، من العلمانيين وغيرهم، من المعارك الأساسية التي يجب الانتصار فيها، بالحجة أولا، ثم – خصوصا – بالعمل الجاد من أجل الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية ووحدتها وسؤددها، ضمن الخطوط السياسية والاستراتيجية كلها.

Préambule

Le présent texte se veut une mise au point d’ordre intellectuel et documentaire sur la laïcité et ceux qui s’en réclament. C’est un ami laïc qui m’a incité, d’une façon indirecte, à l’entreprendre. J’ose espérer que les laïcs prendront la peine de le lire et qu’ils sauront en supporter la longueur : il renferme nombre de notions et d’informations auxquelles leur univers culturel, parfois trop univoque, ne leur a peut-être pas donné accès.

Je leur demande également de bien vouloir excuser la rudesse de certaines expressions. Elle ne procède d’aucune volonté gratuite d’offenser, mais du désir de provoquer cette secousse intellectuelle qui éveille l’attention. En définitive, toutefois, la guidée n’appartient qu’à Dieu. Comme le dit Allah,  le Très-Haut : « Tu ne guides pas celui que tu aimes ; mais Allah guide qui Il veut, et Il connaît mieux ceux qui sont bien guidés » [Al-Qasas, 56].

Nous implorons donc Dieu de nous guider tous, de nous faire connaitre la vérité telle qu’elle est et de nous  accorder la force de la suivre. Et de nous montrer le faux tel qu’il est et de nous guider pour s’ en éloigner.

Cette étude s’articule autour des axes suivants :

Introduction

  1. Les causes politiques immédiates de l’enracinement de la laïcité en Europe — éléments de comparaison
  1. La paix de Westphalie
  2. La Révolution française
  1. La persécution des savants au nom de la religion comme facteur d’émergence de la laïcité — éléments de comparaison
  1. Le cas européen : faits et exemples
  2. Le cas islamique : principes, réalités historiques et examen des cas de quelques figures — Ahmad ibn Hanbal, Avicenne, Al-Razi et Averroès

III. Conflits et guerres politiques

  1. L’Europe occidentale : faits et exemples
  2. Le monde islamique : faits et exemples
  1. L’ère de la laïcité dans le monde musulman et le déclin des musulmans
  2. Conclusion

Introduction

Un ami laïc, qui a toujours eu la délicatesse de témoigner de sa sympathie à mon égard et de prendre de mes nouvelles lorsque je suis confronté à des tracasseries politiques — comme ce fut le cas lors de mon interdiction de quitter le territoire —, m’a récemment fait parvenir un article dans lequel un auteur laïc s’en prenait à mon texte intitulé De la laïcité et des laïcs, au prix, selon moi, de graves distorsions intellectuelles.

J’ignore ce qui a véritablement poussé mon ami à me transmettre cet article. Était-ce parce que, laïc modéré, il éprouvait quelque sympathie pour ma réflexion ? Ou bien parce que le texte qu’il m’a envoyé  lui avait paru convaincant et qu’il souhaitait simplement m’en faire prendre connaissance ?

Quoi qu’il en soit, voici ce que je réponds à l’article qu’il m’a adressé.

J’ai connu des laïcs non musulmans qui n’hésitent nullement à rendre hommage à la civilisation islamique, au rôle éminent qu’elle joua dans l’essor des sciences sous leurs diverses formes, ainsi qu’à la contribution décisive qu’elle apporta à la renaissance scientifique de l’Europe. Cependant, le malheur du monde arabe tient au fait que la laïcité y fut, dans bien des circonstances, historiquement associée à l’entreprise coloniale, au point d’en devenir parfois — consciemment ou objectivement — l’un des auxiliaires.

L’Algérie fut plus malheureuse encore : la laïcité y fut principalement introduite sous sa forme la plus rigoureuse et la plus radicale, celle de la laïcité française.

Il serait néanmoins injuste de nier qu’il existe en Algérie des laïcs raisonnables, attachés à la rationalité autant qu’à l’héritage de la civilisation arabo-musulmane, ainsi que des patriotes laïc dont l’intégrité dans le combat politique et dans la défense de l’intérêt général force le respect. J’ai moi-même beaucoup appris de certains d’entre eux, et leur fréquentation m’a été précieuse.

Mais la forme de laïcité qui domine ostensiblement dans notre pays se caractérise, par une profonde hostilité à l’égard de la civilisation musulmane et par une volonté persistante de dévaloriser la langue arabe. Certains en viennent ainsi, sous l’effet de leurs ressentiments et de leurs complexes, à nier jusqu’à la dimension scientifique de la civilisation musulmane et de sa langue, alors même que celle-ci fut, durant plusieurs siècles, l’une des grandes langues universelles du savoir.

Ils fouillent les marges de l’histoire à la recherche d’épisodes susceptibles d’étayer l’idée selon laquelle l’islam aurait persécuté la science et que les gouvernements musulmans auraient été, par essence, un pouvoir sacralisé et théocratique. Ils cherchent ainsi à reconstituer artificiellement, dans l’histoire musulmane, les conditions mêmes qui avaient rendu historiquement intelligible l’apparition de la laïcité en Europe.

Or, pareille lecture est si contestable que même les grands penseurs occidentaux ne la formulent pas en ces termes.

Retour au cœur du débat

Ces laïcistes radicaux ont tenté de déplacer le débat en s’aventurant dans des considérations historiques de détail ; mais, loin de les tirer d’embarras, celles-ci ne font, à mes yeux, que les y enfoncer davantage.

L’objet essentiel de mon précédent article était pourtant clair : montrer que l’émergence de la laïcité en Europe répondait à des causes historiques immédiates et déterminantes qui n’ont jamais connu d’équivalent dans l’histoire du monde musulman. Il convient donc de ramener ces « laïcistes » au cœur du sujet, afin qu’ils ne puissent s’y dérober, avant d’examiner, un à un, les épisodes historiques dont ils proposent une lecture fallacieuse.

J’en donnerai d’abord une présentation synthétique à l’intention de ceux que rebuterait la longueur de cette étude ; je développerai ensuite l’analyse pour ceux qui souhaitent approfondir la question.

  1. Les causes politiques immédiates de l’enracinement de la laïcité en Europe — éléments de comparaison

Il ne fait guère de doute que nombre de ceux qui se réclament communément de la laïcité dans notre pays ignorent — faute d’une connaissance historique suffisante — deux événements majeurs qui contribuèrent puissamment à consacrer et à généraliser la sécularisation politique de l’Europe, sans que l’histoire musulmane ait connu, d’événements véritablement comparables : la paix de Westphalie de 1648 et la Révolution française de 1789.

  1. La paix de Westphalie

La paix de Westphalie rendit aux peuples européens un service historique considérable en mettant un terme à  des guerres religieuses les plus meurtrières qu’ait connues le continent : la guerre de Trente Ans, qui opposa catholiques et protestants au sein du Saint-Empire romain germanique avant d’embraser une grande partie de l’Europe. Elle mit également un terme à la guerre de Quatre-Vingts Ans, qui avait opposé l’Espagne catholique aux Provinces-Unies protestantes.

Pour prendre la mesure des souffrances infligées aux Européens par les guerres de religion et par les massacres réciproques entre catholiques et protestants, il suffit de rappeler que la seule guerre de Trente Ans aurait fait entre huit et dix millions de morts — un chiffre colossal au regard de la population européenne de l’époque. L’Allemagne aurait perdu plus de 30 % de ses habitants ; certaines régions auraient vu disparaître la moitié, voire les deux tiers de leur population. À ces pertes humaines s’ajoutèrent la destruction de villes et de villages entiers ainsi que des années de pauvreté, de désolation et de chômage.

Les traités de Westphalie eurent notamment pour conséquence de consacrer la pluralité confessionnelle de l’Europe, de reconnaître officiellement le protestantisme et d’entériner l’existence d’États protestants — notamment les Provinces-Unies et la Confédération suisse — échappant à l’autorité de la papauté et des souverains catholiques. Ils consolidèrent également le principe selon lequel les sujets adoptaient la religion de leur prince et contribuèrent, à consacrer la dissociation progressive entre religion, politique et pouvoir.

Dès lors, quelle place pouvait encore être accordée à la religion dans la conduite des affaires publiques lorsque celle-ci avait été associée à des catastrophes d’une telle ampleur ?

Et comment, peut-on ignorer que l’histoire musulmane n’a jamais connu de phénomène comparable ? Les États musulmans ne se sont pas livrés, à des guerres confessionnelles d’une telle ampleur entre partisans de telle ou telle école religieuse, au point que la dévastation qui en résultât obligeât les États à se réunir pour reléguer officiellement la religion musulmane hors de la politique. La charia demeura au contraire la référence juridique de tout les états musulmans  jusqu’à l’irruption de la domination coloniale étrangère dans les pays musulmans.

Nos laïcs ignorent-ils également, que le Coran lui-même proclame le principe de l’interdiction  de contrainte en matière de religion :

« Nulle contrainte en religion. » Sourate Al-Baqara, verset 256

Et que le Coran et la Sunna commandent de traiter avec justice et bienveillance les Gens du Livre dès lors qu’ils ne combattent pas les musulmans et ne conspirent pas contre eux ?

Allah le tout puissant dit :

« Allah ne vous défend pas d’être bienfaisants et équitables envers ceux qui ne vous ont pas combattus pour la religion et ne vous ont pas chassés de vos demeures. Car Allah aime les équitables. »

Je rappelle encore que les différentes écoles de jurisprudence islamiques et communautés religieuses du monde musulman coexistèrent durant des siècles, allant parfois jusqu’à tenir leurs cercles d’enseignement au sein d’une même mosquée. Leurs divergences se déployaient essentiellement, sur le terrain de la discussion intellectuelle et savante.

Jamais, ces divergences ne dégénérèrent en une conflagration générale d’une ampleur telle qu’elle contraignît les États musulmans à reléguer collectivement la religion dans les limites de la seule sphère privée, comme cela se produisit en Europe à la suite des guerres confessionnelles.

  1. La Révolution française

La Révolution française fut elle-même l’aboutissement de ce que l’on a appelé le siècle des Lumières, époque au cours de laquelle la science et la philosophie finirent, par triompher de l’Église après une longue et douloureuse confrontation.

Ce conflit conduisit une grande partie des savants et des philosophes européens à se tourner soit vers le déisme (l’Agnosticisme), c’est-à-dire la croyance en une puissance supérieure ayant ordonné l’univers sans adhésion aux religions révélées; soit vers l’athéisme, entendu comme le rejet de la croyance en Dieu et, plus généralement, de toute réalité transcendante.

Or ce cheminement, appartient en propre à l’histoire européenne et ne trouve pas d’équivalent dans l’histoire musulmane. On ne vit pas, les grands savants musulmans, quelles qu’aient été leurs divergences intellectuelles, proclamer leur rupture avec la croyance et la religion ni ériger l’exclusion de celle-ci de la vie publique.

Parce que l’Église catholique demeurait particulièrement puissante dans les sociétés latines du sud de l’Europe, la confrontation avec elle y prit une tournure autrement plus violente. Cette hostilité s’exprima jusque dans la célèbre formule : « étrangler le dernier roi avec les entrailles du dernier prêtre ».

Ironiquement, cette formule trouve son origine chez Jean Meslier, prêtre catholique français qui, après avoir perdu la foi et rejeté les religions, aurait laissé derrière lui une dénonciation particulièrement virulente de l’ordre religieux et politique dont il avait été témoin.

C’est peut-être précisément cette différence dans la nature du conflit religieux qui permet de comprendre, la divergence entre la conception de la laïcité qui s’est développée dans l’Europe du Nord et le monde anglo-saxon, majoritairement protestants, et celle qui s’est imposée dans l’Europe latine, particulièrement en France, fille ainée de l’église, profondément marquée, en ces moments, par le catholicisme.

Le protestantisme, dont la paix de Westphalie avait consacré la reconnaissance, contribua lui-même à l’avènement de la laïcité à travers ses réformes religieuses et sa révolte contre l’autorité de l’Église — le terme même de « protestant » renvoyant à l’idée de protestation. Son objectif était notamment de s’affranchir de l’emprise politique de l’institution ecclésiastique catholique.

C’est pourquoi, le christianisme conserva dans ces sociétés une présence considérable dans l’espace collectif, les institutions chrétiennes y demeurent particulièrement nombreuses et influentes dans différents domaines de la société civile.

La situation fut tout autre en France. L’Église catholique y subit une défaite d’une extrême dureté, à la mesure, de la sévérité avec laquelle elle avait elle-même traité les savants, les philosophes ainsi que les adeptes d’autres religions et confessions.

C’est dans cette histoire conflictuelle que s’enracinerait le caractère particulièrement rigoureux de la laïcité française telle que nous la connaissons aujourd’hui.

Le paradoxe, est que cette conception française de la laïcité — dont la rigueur ne serait pas même représentative de l’ensemble du monde européen et occidental — est précisément celle qu’ont choisi d’adopter les courants laïcistes de notre pays.

Or ceux-ci savent, ou feignent d’ignorer, que la longue et douloureuse histoire qui donna naissance à la laïcité en Europe ne connut pas d’équivalent dans les sociétés musulmanes.

  1. La persécution des savants au nom de la religion comme facteur d’émergence de la laïcité
  2. Le cas européen : faits et exemples

La persécution des savants dans l’Europe médiévale ne fut pas, une succession de faits isolés : elle revêtit un caractère systématique et institutionnel, touchant une grande partie de l’Europe.

Comment, peut-on évoquer cette période sans rappeler l’existence des tribunaux de l’Inquisition, qui poursuivaient les auteurs savants et surveillaient leurs écrits ? Comment ignorer davantage le célèbre « Index Librorum Prohibitorum », l’Index des livres interdits, dans lequel furent inscrits non seulement des ouvrages religieux ou théologiques, mais aussi des œuvres relevant des sciences et de la philosophie ?

On y retrouve, des noms parmi les plus illustres de la révolution scientifique européenne : Copernic, Galilée, Descartes et Kepler, ainsi que des penseurs dont les œuvres participèrent à l’avènement des Lumières, tels que Voltaire, Rousseau et Spinoza.

Mais la répression ne se limita pas à l’interdiction des livres. Certains savants furent traduits en justice, à l’image de Galilée ; d’autres furent condamnés à mort ou livrés aux flammes, notamment Giordano Bruno, brûlé par les autorités catholiques, et Michel Servet, exécuté par le feu dans la Genève protestante.

Après une confrontation religieuse d’une telle violence, comment le christianisme aurait-il pu conserver intacte l’autorité qu’il exerçait jusque-là dans les domaines de la science, de la politique et de la gouvernance, tant en Europe que dans les sociétés profondément influencées par la civilisation occidentale ?

  1. Le cas islamique

A – Un défi : je me permet de lancer un défi à nos laïcistes : qu’ils evoquent, dans l’histoire musulmane, des exemples véritablement comparables.

Qu’ils prouvent l’existence d’une persécution, systématique et institutionnalisée, des sciences; qu’ils démontrent l’existence de tribunaux comparables à l’Inquisition, organisés par les États musulmans afin de poursuivre les savants en raison de leurs recherches et d’interdire les ouvrages scientifiques — au point qu’une réaction historique comparable à la laïcisation européenne en devienne nécessaire.

Je souligne à cet égard un élément particulièrement significatif : même lorsque certains savants furent persécutés par tel ou tel souverain — que j’examinerai dans ce texte,—, leurs ouvrages consacrés aux sciences de la nature ne cessèrent pas pour autant de circuler, d’être étudiés et transmis dans les institutions du savoir.

Comment peut-on alors, accuser l’islam et les États musulmans d’avoir persécuté la science et les savants, alors que la civilisation dont ils furent les artisans porte précisément, jusque dans l’historiographie occidentale, le nom de « civilisation islamique » ?

Je questionne ces laïcs de chez nous, d’abord sur le plan des principes, de nous donner le sens qu’ils donnent , à tous les textes du Coran et de la Sunna qui exaltent le savoir, la réflexion et l’observation ? dont je cite quelques-uns :`

« Lis, au nom de ton Seigneur qui a créé »Sourate Al-‘Alaq (96), verset 1

« Et dis : “Ô mon Seigneur, accrois mes connaissances !” »Sourate Tâ-Hâ (20), verset 114

« Allah élèvera en degrés ceux d’entre vous qui auront cru et ceux qui auront reçu le savoir »Sourate Al-Mujâdila (58), verset 11

« Ceux qui savent et ceux qui ne savent pas sont-ils égaux ? »Sourate Az-Zumar (39), verset 9

« Dans la création des cieux et de la terre, et dans l’alternance de la nuit et du jour… »Sourate Âl ‘Imrân (3), verset 190

« Dis : “Regardez ce qui est dans les cieux et sur la terre” »Sourate Yûnus (10), verset 101

« Ne considèrent-ils donc pas les chameaux, comment ils ont été créés… »Sourate Al-Ghâshiya (88), versets 17–20

« Et sur la terre, il y a des signes pour ceux qui croient avec certitude ; ainsi qu’en vous-mêmes. Ne voyez-vous donc pas ? »Sourate Adh-Dhâriyât (51), versets 20–21

Et les Hadith du prophète, « Paix et bénédictions sur lui » , dont je cite :

« Quiconque emprunte un chemin à la recherche du savoir, Allah lui facilite, par cela, un chemin vers le Paradis. »
— Rapporté par Muslim, Sahîh Muslim, n° 2699.

« La recherche du savoir est une obligation pour tout musulman. Et celui qui recherche le savoir voit toute chose demander pardon pour lui, jusqu’aux poissons dans la mer. »
— Rapporté par Ibn Mâjah, Sunan Ibn Mâjah, n° 224 (pour la première phrase ; les formulations et chaînes de

Puis, sur le plan pratique : une civilisation qui persécuterait les savants, comme le prétendent les laïcs dans nos pays, aurait-elle pu produire Al-Khwarizmi, l’un des fondateurs de l’algèbre et dont le nom est à l’origine du terme « algorithme » ; Al-Battani, qui contribua au développement de la trigonométrie et de l’astronomie ; Ibn al-Haytham, pionnier de l’optique et de la méthode expérimentale ; Al-Razi, grande figure de la médecine clinique ; Ibn Sina (Avicenne), figure majeure de la médecine encyclopédique ; Al-Zahrawi (Abulcasis), pionnier de la chirurgie ; Ibn al-Nafis, qui décrivit la circulation pulmonaire ; Jabir ibn Hayyan, figure majeure de la tradition de la chimie expérimentale ; Al-Biruni, éminent savant dans les domaines de la géographie, de la mesure et de la minéralogie ; Al-Idrisi, grande figure de la cartographie ; Al-Jazari, pionnier de l’ingénierie mécanique ; Ibn al-Baytar, éminent botaniste et pharmacologue ; Thabit ibn Qurra, l’un des grands mathématiciens et géomètres de son époque ; et Ibn Khaldun, précurseur majeur de la sociologie et fondateur de la science de l’‘umran (science de la civilisation et de la société) ?

Comment une civilisation  qui aurait combattu la science, au nom de la religion à laquelle elle se réfère et qui lui donne son nom,  aurait-elle pu, en outre, entreprendre cette immense œuvre de traduction des savoirs hérités des civilisations grecque, perse et indienne, puis les soumettre à la critique, les approfondir et les enrichir ?

Et comment aurait-elle ensuite pu transmettre généreusement ce patrimoine scientifique à l’Europe, notamment à travers Al-Andalus, la Sicile et le vaste mouvement de traduction vers le latin, contribuant ainsi au réveil scientifique européen et préparant le terrain de la Renaissance ?

B — Quant aux cas de persécution de certains savants, premièrement, le simple fait qu’ils ne représentent qu’un nombre limité au sein d’un ensemble beaucoup plus vaste de savants ayant exercé leurs activités dans un environnement globalement favorable au savoir indique qu’il s’agissait de cas isolés. Ils ne sauraient être assimilés à une démarche systématique et institutionnelle comparable à celle qu’a connue l’Europe et qui fut l’un des facteurs ayant contribué à l’essor de la laïcité.

Deuxièmement, les ouvrages scientifiques de ces savants ne furent pas interdits en tant que tels, comme cela a pu se produire en Europe, et ce malgré les désaccords qui pouvaient exister avec eux sur d’autres questions.

Troisièmement, la persécution ou les accusations d’hérésie (takfîr) ne relevaient généralement pas d’une politique officielle de l’État, mais s’inscrivaient plutôt dans des controverses intellectuelles et sociales opposant savants, théologiens et philosophes, dans le cadre de la liberté d’expression loin des cercles du pouvoir.

Quatrièmement, les causes de ces persécutions n’étaient ni uniques ni uniformes et, dans tous les cas, elles n’étaient pas nécessairement dirigées contre l’étude des sciences de la nature en tant que telle.

Examinons maintenant ces cas célèbres, un par un:

Ahmad ibn Hanbal (780-855)

Le cas d’Ahmad ibn Hanbal est, particulièrement révélateur, au point de renverser l’argument de ceux qui l’invoquent comme exemple d’une prétendue persécution religieuse de la pensée dans l’histoire islamique.

Ahmad ibn Hanbal représente en effet, par excellence, l’autorité religieuse : immense figure de l’érudition islamique, il est le fondateur de l’une des quatre grandes écoles juridiques du sunnisme. Or celui qui le persécuta fut le calife Al-Ma’mun, détenteur du pouvoir politique et partisan d’un courant théologique accordant une place éminente à la raison : le mu‘tazilisme.

Nous serions donc, dans une configuration presque inverse de celle qu’avait connue l’Europe : là où certaines institutions et autorités chrétiennes avaient combattu des courants intellectuels et scientifiques jugés incompatibles avec leurs doctrines, c’est ici un savant incarnant l’autorité religieuse traditionnelle qui fut persécuté par le pouvoir politique au nom d’une doctrine se réclamant davantage de la raison.

Ahmad ibn Hanbal ne constitue d’ailleurs pas un cas isolé parmi les grands juristes musulmans à avoir subi les rigueurs du pouvoir. Abu Hanifa, Al-Shafi‘i, Malik, Ibn Taymiyya et d’autres encore connurent, à des degrés divers, pressions, persécutions ou emprisonnement, soit parce qu’ils s’opposaient aux gouvernants sur certaines questions, soit parce qu’ils refusaient d’exercer la fonction de juge ou de délivrer des avis juridiques conformément aux desiderata du pouvoir.

Ainsi, ce n’était pas « l’islam » qui persécutait les savants, comme les institutions catholiques ou protestantes avaient persécuté leurs rivaux dans certains contextes européens ; bien souvent, ce furent au contraire les grandes figures de l’islam savant qui eurent à subir les persécutions du pouvoir politique.

 

Avicenne — Ibn Sina (mort en 1037)

Ibn Sina, connu en Occident sous le nom d’Avicenne, fut à la fois médecin, philosophe, mathématicien, astronome et logicien. Son œuvre monumentale comprend notamment le célèbre “Qanûn” « Canon de la médecine ».

Il vécut dans un monde politiquement agité, marqué par les rivalités entre principautés et les luttes de pouvoir. Passant d’une cour à l’autre, il exerça notamment les fonctions de vizir à Hamadan. À la suite d’un différend avec l’émir Shams al-Dawla, il fut emprisonné pendant un certain temps. Après sa libération, il gagna Ispahan, où il trouva protection auprès d‘Ala al-Dawla, dont il devint le médecin et le conseiller.

C’est pourquoi les épreuves et les persécutions qu’il a subies étaient liées à ses prises de position, à ses relations politiques et aux luttes de pouvoir. En revanche, les désaccords intellectuels à son égard — comme celui d’Abû Hâmid al-Ghazâlî, par exemple, dans son ouvrage L’Incohérence des philosophes (Tahâfut al-falâsifa) — n’avaient aucun rapport avec une quelconque persécution politique.

Ces divergences portaient plutôt sur certaines de ses opinions philosophiques et doctrinales, et non sur sa pratique de la médecine ou des sciences. Elles s’inscrivaient dans un contexte de liberté de pensée et d’expression qui était largement répandue et florissante dans le monde musulman.

Quoi qu’il en soit, personne n’a interdit ses ouvrages ni ses réalisations dans les domaines de la médecine, des mathématiques et de la logique.

Abu Bakr Al-Razi (mort vers 925)

Abu Bakr Al-Razi compte parmi les plus éminents médecins de la civilisation islamique. Il laissa une œuvre médicale considérable, dont le célèbre Al-Hawi, et son nom demeure également associé à des travaux portant sur les substances chimiques et les procédés expérimentaux.

Aucun témoignage historique solidement établi ne permet de conclure qu’Al-Razi aurait été persécuté en raison de ses travaux scientifiques, notamment, le récit selon lequel un souverain l’aurait frappé à la tête avec ses propres livres. Cette histoire n’est pas établie ; et même à la supposer authentique, elle relèverait, d’un évènement plutôt banal, lié à  des controverses philosophiques plutôt que d’une hostilité à son activité scientifique.

Quoi qu’il en soit, souligne-t-il, les œuvres d’Al-Razi continuèrent d’être transmises et étudiées et comptèrent durablement parmi les grandes références médicales de la civilisation islamique, puis au-delà de celle-ci.

Averroès — Ibn Rushd (1136-1198)
Le cas d’Ibn Rushd, plus connu en Occident sous le nom d’Averroès, est celui sur lequel les défenseurs de la thèse d’une persécution de la pensée dans le monde musulman insistent peut-être le plus volontiers.
Ces laïcs font d’abord preuve d’une profonde méconnaissance historique en affirmant qu’Al-Ghazali avait déclaré Ibn Rushd hérétique, alors qu’Al-Ghazali est mort quinze ans avant la naissance d’Ibn Rushd.
Et puis je m’étonne que les laïcs n’aient pas remarqué que les événements qu’ils relatent concernant Ibn Rushd constituent en réalité des arguments qui vont à l’encontre de leurs propres orientations.

Ibn Rushd était en effet un savant encyclopédique et une grande autorité dans les sciences religieuses. Son ouvrage de jurisprudence comparé (Fiqh Muqarin), Bidâyat al-Mujtahid wa Nihâyat al-Muqtasid, compte parmi les œuvres majeures sur lesquelles se sont formées des générations entières dans les pays musulmans. Il figurait également parmi nos références fondamentales, auxquelles nous avons puisé notre savoir durant notre jeunesse, dans les programmes de nos cercles d’étude dans les Mosquées.
Mais Ibn Rushd fut également médecin et philosophe, et acquit une immense renommée grâce à ses travaux consacrés à la philosophie d’Aristote.
Nous nous trouvons donc, devant une même personne qui fut à la fois savant religieux, juriste, médecin et philosophe. Et la disgrâce qu’il connut ne fut pas provoquée par ses travaux en médecine, ni par son œuvre juridique, mais par certaines de ses positions philosophiques. Elle ne concerna en outre qu’une période relativement brève de sa vie.
Le souverain almohade Abu Yusuf al-Mansur, sous la pression de certains courants religieux présents à sa cour, éloigna Ibn Rushd, ordonna la destruction de certains de ses ouvrages et l’exila. Mais ce fut ce même souverain qui, par la suite, revint sur sa décision : Ibn Rushd fut rappelé à Marrakech, réhabilité et de nouveau admis auprès de la cour du souverain, et mourra à Marrakech.
Ses œuvres scientifiques et intellectuelles ne disparurent pas pour autant. Elles continuèrent à nourrir le patrimoine savant du monde musulman et, plus largement, celui de l’humanité.
Qu’y a-t-il de comparable entre cela et la politique systématique et institutionnalisée par laquelle des savants furent persécutés par les catholiques et les protestants en Europe, jusqu’à ce que la sécularisation finisse par prendre le dessus sur eux ?
Et face à tous les arguments que nous avons évoqués, les tenants de la laïcité chez nous n’éprouvent-ils pas quelque gêne à vouloir transposer aux pays musulmans les mêmes circonstances historiques que celles dans lesquelles la laïcité est née en Europe ?

III. Des conflits et des guerres politiques

  1. Le cas européen

Quiconque possède une connaissance élémentaire de l’histoire, sait combien les peuples, les États et les gouvernements européens furent engagés dans des guerres d’une extrême violence.

Sans même remonter à l’Antiquité grecque et romaine, ni à l’histoire de l’Empire byzantin, il suffit, de considérer les massacres commis par les puissances européennes contre leurs propres populations et contre d’autres peuples pour prendre la mesure de cette violence historique.

Ce qui nous intéresse en premier lieu, ce sont les massacres collectifs commis au nom de la religion dans les cas suivants :

  • les guerres de Cent Ans, de Quatre-Vingts Ans et de Trente Ans, déjà évoquées ;
  • Le génocide des populations autochtones des Amériques perpétré par les Espagnols, les Portugais, les Français et les Anglais, au cours duquel la mortalité due aux massacres, aux épidémies et à la pauvreté aurait dépassé 80 à 90 % de la population d’origine, ainsi que la christianisation de ces territoires et l’imposition forcée des langues européennes. Tout cela avaient été accompli au nom de la religion chrétienne, catholique et protestante.
  • Les massacres perpétrés dans le cadre du mouvement colonial, qui s’est également appuyé sur la religion, notamment lors de la colonisation française de l’Algérie (10 millions d’habitants, de l’occupation jusqu’à l’indépendance) et de la colonisation belge du Congo (10 millions d’habitants), entre autres…

Et lorsque les régimes européens devinrent progressivement laïcs, les violences ne cessèrent pas pour autant.

Et même lorsque le pouvoir politique en Europe est devenu fondé sur la laïcité, les crimes commis par les Européens les uns contre les autres n’ont pas cessé : les guerres napoléoniennes (environ 6 millions de morts), la Première Guerre mondiale (20 millions de morts) et la Seconde Guerre mondiale — la plus meurtrière de l’histoire moderne — avec près de 80 millions de morts. Il en est allé de même à l’égard d’autres peuples, au nom de la civilisation occidentale : les bombardements atomiques au Japon, les guerres en Irak et en Afghanistan, ainsi que les guerres injustes contre les Palestiniens    et  l’ Iran, entre autres.

La laïcité européenne a également réussi à convertir au christianisme (!) une grande partie des populations africaines soumises à la colonisation, dans une logique de dépendance civilisationnelle, tandis qu’elle a échoué à obtenir le même résultat en Afrique du Nord, en raison de l’enracinement profond et de la force intrinsèque de l’islam.

  1. Le cas islamique

Quels que soient, les conflits, les guerres civiles et les troubles que l’on puisse relever dans l’histoire islamique, ils n’auraient atteint ni l’ampleur, ni le degré de violence, ni les conséquences des guerres qui marquèrent l’histoire occidentale, qu’elles aient été menées autrefois au nom du christianisme ou, plus tard, au nom d’autres ambitions liées à la puissance occidentale.

Surtout, les guerres de l’histoire musulmane n’etaient pas, dans leur ensemble, des guerres de religion au sens où le furent les terribles affrontements confessionnels européens.

Elles ne constitueraient donc pas, une expérience historique susceptible de justifier, comme en Europe, l’exclusion de la religion de l’État.

Les dérives qui se produisirent dans l’histoire islamique furent avant tout,, de nature politique. Et ce furent précisément les savants de la charia – qualifiés d’homme de religion dans la terminologie laïc – qui s’opposèrent fréquemment à ces dérives, au prix parfois de leur propre persécution.

L’erreur historique de la Oumma musulmane aurait plutôt consisté, à ne pas avoir opposé une résistance suffisamment ferme,  à certaines de ces déviations politiques. Par crainte de prolonger la discorde et les guerres civiles, les musulmans finirent à se soumettre au fait accompli, sans élaborer avec suffisamment de vigueur une pensée politique islamique contestant la légitimité du passage du califat des Rachidines à la royauté dynastique.

Et si nous voulons nous arrêter sur les grandes évolutions politiques afin de montrer, encore, sous cet angle, l’absence de raisons justifiant l’introduction de la laïcité dans nos pays, nous pouvons dire :

La Grande Discorde et les premières transformations du pouvoir politique

La Grande Discorde qui éclata aux premiers temps de l’islam ne fut pas, une guerre de religion fondée sur l’excommunication réciproque des protagonistes, à l’image des affrontements qui opposèrent catholiques et protestants en Europe. Elle procéda essentiellement de divergences politiques et de différences d’interprétation des textes et des évènements.

Ainsi, ceux qui assassinèrent le calife ‘Uthman ibn ‘Affan étaient des gens du commun influencés et conduits par le contestataire juif ‘Abd Allah ibn Saba’. Quant à ‘Ali ibn Abi Talib, il accepta le principe de l’arbitrage avec Mu‘awiya. Lorsque les kharijites se retournèrent contre lui précisément en raison de cet arbitrage, ‘Ali aurait dit à leur sujet : « Ce sont nos frères qui se sont rebellés contre nous. »

Mu‘awiya lui-même, reconnaissait les mérites de ‘Ali ; son différend avec lui tenait à sa revendication du châtiment des meurtriers de ‘Uthman, dont il était parent et dont il réclamait al-qiṣāṣ

Lorsque Mu‘awiya décida ensuite de transmettre le pouvoir à son fils, la majorité des savants sunnites considérèrent, cette décision comme une erreur, sans pour autant remettre en cause son statut de Compagnon du Prophète. Ils estimèrent également que, dans le conflit antérieur, ‘Ali était davantage dans son droit.

Ils finirent néanmoins par se soumettre avec le fait accompli, essentiellement par crainte de voir la discorde se prolonger comme ça été dit.

Des Omeyyades aux Ottomans

Quant à la succession des États et des dynasties qui jalonnèrent l’histoire de la civilisation musulmane — des Omeyyades aux Abbassides, puis aux nombreux États apparus à mesure que s’affaiblissait le pouvoir abbasside —, elle obéit, aux lois historiques qui président à l’essor et au déclin des États, telles que les exposa ‘Abd al-Rahman Ibn Khaldoun.

À travers ces différentes périodes, il n’exista pas de persécution religieuse systématique et institutionnalisée comparable à celle attribuée à l’Europe et qui aurait pu justifier l’éviction de la religion hors de la sphère publique.

Bien au contraire, les autres religions jouissaient de la sécurité et de la prospérité, comme en témoignent les historiens occidentaux, chrétiens et juifs eux-mêmes, notamment lorsqu’ils évoquent la coexistence religieuse au cours des différentes périodes de l’histoire islamique, en particulier en al-Andalus, dans l’Empire ottoman et dans les États du Maghreb.

Des savants appartenant à d’autres religions participèrent d’ailleurs pleinement à la vie intellectuelle de la civilisation islamique, tels que “Hunayn ibn Ishaq”, savant chrétien et grande figure du mouvement de traduction à l’époque abbasside, ainsi que son fils, Ishaq ibn Hunayn, et “Moïse Ibn Maimoun”, philosophe, théologien et médecin juif dont le parcours fut lié à al-Andalus, au Maghreb et à l’Égypte.

La grandeur civilisationnelle amorcé  à Médine, puis sous les Omeyyades, et qui atteignit son apogée sous les Abbassides, ne s’interrompit pas avec la fragmentation politique du monde musulman. La puissance musulmane se prolongea notamment sous l’Empire ottoman, au sein duquel coexistèrent de multiples écoles et communautés musulmanes ainsi que diverses communautés chrétiennes et juives.

Les guerres entre États musulmans

Les guerres qui opposèrent les États musulmans relevaient, dans l’ensemble, de la logique ordinaire des rivalités politiques et dynastiques.  Elles ne furent pas systématiquement fondées sur des considérations confessionnelles, à l’exception notamment des guerres ottomano-safavides des XVIᵉ et XVIIᵉ siècles.

Même dans ce cas, il ne s’agissait pas d’une guerre permanente et continuellement dévastatrice comparable, par son intensité, aux grandes guerres entre catholiques et protestants en Europe. Le conflit se déploya plutôt sous la forme d’une succession discontinue de campagnes, d’avancées, de retraites et de périodes d’accalmie.

Le nombre total de morts sur un siècle de conflits ne dépassa pas quelques centaines de milliers, contrairement à la seule guerre de Trente Ans, qui coûta la vie à près de dix millions de personnes (selon les sources européennes elles-mêmes).

Mais surtout,  ces guerres avaient à l’origine pour toile de fond une rivalité politique et géopolitique entre deux grandes puissances : d’un côté l’Empire ottoman et, de l’autre, la dynastie safavide fondée par Shah Ismaïl, issu, comme les  Ottomans, des populations turcomanes oghouzes.

Avec l’établissement de l’État safavide en Iran et l’imposition du chiisme à des populations dont une grande partie était auparavant sunnite, cette rivalité politique prit progressivement une dimension confessionnelle. Aux enjeux religieux vinrent alors se superposer des considérations géopolitiques, économiques et internationales.

Et, cet épisode demeura un cas exceptionnel, tant sur le plan politique que confessionnel, puisqu’il ne portait pas sur la question de la place de la religion dans la vie politique, chez les deux parties. Par ailleurs, la production scientifique et civilisationnelle se poursuivit dans les deux États, dans les limites du niveau général de l’état civilisationnel   que connaissait alors le monde musulman.

ll convient également de souligner, à cet égard, que l’Empire ottoman entra aussi en guerre contre le sultanat mamelouk, alors en période d’affaiblissement. À la suite de la défaite des Mamelouks à la bataille de Marj Dabiq, en 1516, le califat islamique passa de l’autorité abbasside déclinante, qui se trouvait sous la protection des Mamelouks, à l’autorité ottomane, avec l’aval juridique de la majorité des savants musulmans.

IV. L’ère de la laïcité et le déclin du monde musulman

Les laïcs ne peuvent nier que notre monde arabe et musulman connut autrefois un haut degré de développement et que, dès le IXᵉ siècle de l’ère chrétienne, la langue arabe s’imposa comme la plus grande langue du savoir, à une époque où la charia régissait l’ordre politique et juridique, indépendamment de la vertu ou de la corruption des gouvernants, dans une période ou une autre.

Ce qui mit fin, après quatorze siècles, à la prééminence de la charia dans l’exercice du pouvoir fut l’affaiblissement de l’Empire ottoman, la propagation des divertissements et du relâchement éthique, ainsi que l’aggravation des divisions ethniques et nationales — nationalisme arabe, nationalisme turc, notamment le touranisme, et nationalisme kurde. À cela s’ajoutère   les manœuvres conspiratrices de certaines minorités chrétiennes et juives ainsi que les menées subversives de collaborateurs locaux, tous guidés et soutenus par la Grande-Bretagne et la France, et autres forces européenne,  notamment contre le sultan Abdülhamid II, puis en faveur de l’abolition du califat, contre la volonté de l’écrasante majorité des musulmans dans le monde, de l’Inde jusqu’à l’Algérie.

Et durant cette période, aucun autre État islamique gouverné par la charia n’émergea pour succéder aux Ottomans.

Lorsque les laïcs accédèrent au pouvoir à l’issue de la période coloniale, que ce soit sous la forme d’une laïcité particulièrement rigoureuse, comme en Turquie, en Tunisie et en Syrie, ou sous une forme moins explicite dans les autres pays arabes et musulmans — où la charia conserva essentiellement sa place dans le code de la famille et comme référence générale de l’identité constitutionnelle, avec une réticence évidente des autorités à l’égard de toute présence de la religion dans le champ politique —, le résultat fut, dans l’ensemble : le retard, la pauvreté, la dépendance, la perte de souveraineté, les conflits internes et interétatiques, ainsi que la perte de la Palestine.

V. Conclusion

L’avènement de la laïcité dans les pays européens répondit à des causes historiques objectives. Par la suite, la colonisation, ainsi que la puissance de la civilisation occidentale et l’ampleur de ses réalisations, contribuèrent à diffuser l’idée laïque dans différentes régions du monde.

Dans le monde islamique, en revanche, les causes fondamentales qui avaient permis à la laïcité de s’imposer en Europe ne se manifestèrent pas. Bien au contraire, la civilisation islamique fut une civilisation du savoir, tandis que la coexistence entre religions, confessions et écoles doctrinales constitua la situation dominante et structurelle. Quant aux dérives politiques et aux persécutions dont furent victimes certains savants, elles ne furent motivées ni par une hostilité envers la science ni par un rejet de la diversité religieuse. Il s’agissait plutôt de situations particulières qui peuvent être examinées et expliquées au cas par cas, comme nous l’avons fait précédemment. Leur invocation par les laïcs pour justifier la laïcité dans le monde musulman, par analogie avec ce qui s’est produit en Occident, se trouve ainsi dépourvue de fondement.

Et aujourd’hui, face au dévoilement de la véritable nature de la civilisation occidentale et à l’image qu’elle renvoie désormais, aussi bien dans l’imaginaire des populations des pays occidentaux eux-mêmes que dans celui des peuples appartenant à d’autres civilisations — marquée par une criminalité systémique, une corruption généralisée, de profonds effondrements moraux, la pauvreté dans le monde, les épidémies, l’exploitation, les troubles et les guerres —, il incombe aux musulmans de retrouver confiance en eux-mêmes et en leur civilisation afin de se relever et de renouer avec une dynamique de renaissance au nom de leur religion et de leur charia et de proposer à l’humanité un modèle alternatif plus juste et plus miséricordieux.

Cette ambition ne suppose pas l’isolement, mais la coopération avec les autres civilisations qui aspirent elles aussi à l’émergence d’un monde nouveau, affranchi de l’arrogance hégémonique américaine et ouest-européenne. Dans cette perspective de renouveau, la confrontation intérieure avec les alliés de l’Occident dans nos pays — qu’ils appartiennent aux courants laïcs ou à d’autres courants — constitue l’une des batailles fondamentales qu’il nous faut remporter : d’abord par la force de l’argument, mais surtout par un travail sérieux en faveur de la renaissance civilisationnelle de la communauté musulmane, de son unité et de son rayonnement, dans toutes leurs dimensions politiques et stratégiques.

يعد توينبي أهم مؤرخ في العصر الحديث درس الحضارات التي صنعها الإنسان على مر الأزمنة، وقدم للبشرية  منجزا علميا كبيرا في كتابه “دراسة للتاريخ” من اثني عشر مجلدا  أنفق في تأليفه أربعين سنة من عمره، وقد جعل تركيزه على  دراسة الحضارات وسماتها ومظاهرها وعوامل نهوضها وسقوطها  كمجال لدراسة تاريخ الإنسان بدل الاكتفاء بالسرد الزمني وتسجيل الوقائع  في تاريخ الدول والأمم، ينتقل من اختصاصه التاريخي الأصلي إلى آفاق الفكر والفلسفة وتداخل العلوم، وهو بذلك يسير على درب عبد الرحمن بن خلدون الذي لم يخف توينبي الإشادة في سبقه في وضع أسس علم التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة انطلاقا من دراسة التاريخ وسِير صانعيه، وقد ترقنا إلى شهادته سابقا.

كما ساعده تجواله الطويل لمختلف عواصم وحواضر الحضارات القديمة، وعمله في وزارة الخارجية البريطانية وما تتضمنه من أرشيف واسع وعلاقات متشابكة، وكذا مناقشاته العلمية الأكاديمية في الأوساط الجامعية بأوكسفورد ولندن وغيرهما على الخروج من الطابع النظري المكتبي إلى التحاليل الميدانية القائمة على معرفة ثقافات الناس وتفاعلات الأحداث والتحرر من تأثير اللوبيات.

ومن ذلك أنه استطاع تشكيل وجهة نظر عادلة بخصوص القضية الفلسطينية[1] وأن ينتبه إلى خطورة اللوبيات الصهيونية إلى الحد الذي جعل أقطاب هذه اللوبيات والمتعاونين معهم والتابعين لهم يتهمونه بمعاداة السامية ويشنون عليه حملات ممنهجة[2]. وصفه المفكر “روجيه غارودي بأنه: “من القلائل في الغرب الذين رفضوا الأسطورة الصهيونية المؤسّسة، وناصروا الحق الفلسطينيكما أثنى عليه مالك بن نبي في أكثر من موضع، واعتبره مفكرًا منفتحًا على الثقافات الشرقية ومتضامنًا مع قضايا المظلومين.

يفسر توينبي نشوء الحضارات من خلال نظريته المشهورة “التحدي والاستجابة”[3]، وهي نظرية استلهمها من دراسات علم النفس السلوكي[4]، وخصوصا دراسات الشخصية الانكفائية والشخصية الانبساطية، حيث اعتبر أن الإنسان والأمم والشعوب تتجاوب مع التحديات الخارجية إما بالانكفاء على الذات والتسلح بالماضي وتقاليد السابقين فتضعف وتنضوي، أو تعترف بحقيقة التحدي وتواجهه للتغلب عليه بالإبداع، إلى أن تصبح أقوى منه.  فتنشأ الحضارات في أي شعب حين يَقبل أفراده التحدي، وتسقط حين تتوقف الاستجابة التلقائية للتحديات المستجدة.

ويَرجع نشوء الحضارات الأولى في كل من وادي الرافدين ووادي النيل، حسب توينبي، إلى استجابة الشعوب التي تعرضت لتحولات مناخية قاسية، وتحديات اجتماعية وثقافية كبيرة، بالتحرك في الأرض للبحث عن مصادر المياه وتطوير أدوات الاستفادة من البيئة والانتقال إلى المرحلة الزراعية وبناء علاقات جديدة وتشييد المدن حول الأنهار التي استقروا على ضفافها، خلافا للشعوب التي ظلت تتحمل قساوة التحولات المناخية في مكانها أو الاكتفاء بالانتقال القريب من مكان إلى مكان للبحث عن الكلأ فبقيت مجتمعات رعوية بدائية[5].

غير أن توينبي يؤكد بأن الاستجابة للتحدي تكون عبر فئة قليلة إبداعية من داخل المجتمع الذي يواجه التحدي يسميها “الأقلية الخلاّقة” (creativeminority)، وهي طبقة قيادية ملهمة تتوصل إلى تقديم الإجابات المناسبة للمشاكل والأزمات التي تعترضهم ثم تتبعهم الأغلبية عن طريق المحاكاة (Faculty of mimesis)[6] التي تمثل الطريقة الغالبة في عملية الانقياد الاجتماعي، وهو ما يمكن أن نسمية “أثر القدوة في صناعة التيارات الاجتماعية” ، ويؤكد توينبي بأن التأثير الذي تصنعه “الأقلية الخلّاقة” ليس تأثيرا ماديا، ولكن له طبيعة روحية وفكرية عميقة تصنع قوة داخلية خفية جبارة تدفع للإبداع والتفاعل النشط مع المحيط الخارجي[7].

ويرى توينبي أن الحضارة تبقى تنمو وتتوسع ما دام ثمة تواتر لبروز “أقلية خلاقة” من قيادة روحية أو نخب ملهمة في كل مرحلة من مراحل الدورة الحضارية تستجيب للتحديات المتتالية، بغرض إعادة بناء الداخل وفق استجابات حضارية جديدة لا تعتمد على الإكراه والتكرار والتقليد، ولكن على المحاكاة المجتمعية الإيجابية التي تضمن توسع المشاركة في البناء الحضاري، ويستمر نمو الحضارة  كذلك بقدر انفتاحها على الحضارات الأخرى والاستفادة منها[8]. ومما يقوله في هذا: ” نادرًا ما تكون الحضارات بمنأى عن التأثير الخارجي، سواءً من الحضارات السابقة أو الحالية”.

فمعظم الحضارات، حسب توينبي، انبثقت من حضارة سابقة، مستندة إلى إرثها من الأفكار والمعتقدات ضمن عملية ما يسمى: “الظهور والانتماء” (Apparentation-and‑Affiliation)، فهو في هذا الإطار يعتبر بأن الحضارة هي ميراث بشري تراكمي”[9]. وتصل الحضارة إلى ألقها حين تدخل في مرحلة “التحدي الذاتي” فتصبح هي بيئة الاختبار لذاتها ومصدر التحدي ومجال عملها، بغض النظر عن التحديات الخارجية إذا كانت مستمرة.

ويبدأ التراجع الحضاري، عند توينبي، حينما تُفقَد النخب المبدعة، وتغيب الطبقات القيادية الملهمة القادرة على الاستجابة للتحولات[10] والتحديات المستجدة ويسيطر على المشهد أقلية مسيطرة، ضمن ما يسمى استبدال “الأقلية الخلاقة” (Creative Minority) التي كانت تتبعها الأغلبية بقناعة، ب ا”لأقلية المسيطرة” (Dominant Minority)[11]، التي تتشبث بالسلطة والانتفاع بالمزايا الحضارية السابقة دون إبداع وتعمل على فرض نفسها بالقوة بدل الإلهام، وفرض اتباع الناس لها دون استحقاق. فينتج عن ذلك انسحاب الأغلبية وتوقف ظاهرة “المحاكاة الحيوية” (Mimesis)، وبداية بروز فئة من المنشقين (Schismatics) تحاول البحث عن حلول للتحديات، ومنها تحدي مواجهة النخب الحاكمة المهيمنة، فإن كانت مبدعة ومجددة تتوصل إلى الاستجابة للتحديات  وتؤول الأمور إليها وينبعث فجر جديد من قلب تلك الحضارة، وإلا يتجه المجتمع نحو الصراعات، التي تعالجها “الأقلية المسيطرة” بالقوة والعسكرة والانضباط القسري، والاعتماد على الدين كطقوس خالية من أي أثر روحي أصيل، وتحويل الطاقة الدينية إلى مؤسسة تابعة لا أثر لها في الفعل الحضاري، و مختلف المؤسسات إلى قشور مؤسسية جوفاء غير منتجة.

يؤكد تويبنبي بأن الحضارات لا تُقتل (من الخارج) ولكنها تنتحر (من الداخل)، ويبدأ التراجع من المركز وليس الأطراف وذلك بتوقف الإبداع لدى النخب، وانطفاء أنوار القيم المؤسِّسة للحضارة، وانتشار الظلم والقمع، والصراعات والانشقاقات وتشكُّل مجموعات داخلية ( (InternalProletariat سلبية ومهمَّشة ومُقلدة، وأحيانا انتهازية، وغير مشاركة في الفعل الحضاري، ومجوعات خارجية (ExternalProletariat) على هامش الحضارة تتسم بالفقر والتخلف والحسد والحقد على الحضارة المهيمنة الظالمة. وفي مرحلة نهاية الدورة الحضارية تحاول الأقلية المتحكمة فرض نموذج سياسي مركزي، سماه توينبي “الدولة العالمية” (Universal state)[12]  التي تستعمل القانون والمؤسسات لضبط المجتمع، والشرعية القسرية بدل الإقناع والتأثير وشرعية الإبداع والإنجاز، والحفاظ على الاستقرار الشكلي بهيبة الدولة والهالة المؤسسية لمنع التمرد والانقسام. مستشهدا بأمثلة من الحضارات القديمة في فترات انحطاطها، كالأمبرالطورية الرومانية، وأسرة الهان الصينية، والخلافة العباسية في بغداد، والامبراطورية المغولية بعد تشكلها. ويؤكد بأنه حين تفشل “الدولة العالمية” عن بعث المعاني الأخلاقية والإبداعية وعن تقديم أي مشروع إنساني، تظهر “الكنيسة العالمية” (Universal Church)، كملاذ روحي للجماهير، تملأ الفراغ المعنوي الذي تتركه النخبة المتكلسة والدولة المسيطرة. ويفهم من عبارة “الدولة العالمية” أي كيان سياسي مركزي تنشئه “الأقلية المهيمنة”، في أي مستوى من مستويات الاجتماع البشري، وهو  بدون  شك يركز على البعد الحضاري العالمي. كما لا يفهم بالضرورة من عبارة “الكنيسة العالمية”، عند توينبي، “كنيسة” بالمفهوم الديني، بل هي حالة بحث الجماهير عن المعنى الروحي والقيمي والأخلاقي الذي يتشبثون به أثناء مرحلة انهيار الحضارة وعجز “دولتها العالمية” على تحقيق المعنى رغم قدرتها على التحكم والسيطرة، ويمكن لهذا الملجأ الروحي الجديد أو المتجدد أن يكون بديلا خلاّقا ل”الدولة العالمية” المسيطرة  إذا اعتُمد الإبداع والتجديد القيمي فتكون حاضنة الانبعاث الحضاري، أو يزيد الحضارة القائمة تكلّسا وجمودا ويساهم أكثر في الأفول ونهاية الروح الحضارية[13]. ويضرب المثل في هذا الشأن بالديانة المسيحية بعد انهيار روما، وبروز الصوفية الإسلامية في أواخر العهد العباسي، ودور البوذية في حضارات شرق آسيا.

يؤكد توينبي على الأطوار والأعمار الحضارية ( النشأة، النمو، الألق، الأفول، الانهيار)، على نحو ما ذهب إليه ابن خلدون وأغلب فلاسفة الحضارة. ويشرح بأن التاريخ أعاد نفسه أكثر من عشرين مرة على نفس شروط وأفول الحضارات. وينبه أن الحضارة الغربية ليست استثناء وأنها تصنع في داخلها أسباب انهيارها وتتجه على نفس المنوال إلى الانتحار. ولكن يختلف عن العديد من المتخصصين في التاريخ والدراسات الحضارية، بأن مصير الأفول ونهاية الحضارات ليس حتميا كأعمار البشر، وأن الانهيار مرتبط فقط بالتوقف عن الاستجابة للتحديات، ويعتقد، على هذا الأساس، أن نهاية الحضارة الغربية ليس قدرا مقدورا، وأنها تملك القدرة على مواجهة التحديات التي تهددها.

يرى توينبي أن الحضارة الغربية نجحت في الاستجابة لتحديات عظيمة في مرحلة القرون الوسطى المتأخرة وعصر النهضة، وباتت حضارة عالمية كبرى، ولكنها دخلت مرحلة الانحدار مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين تحولت النخب من صانعة الإبداع والحداثة والتنوير إلى نخبة مهيمنة تسعى للحفاظ على السلطة. وتحول الغرب إلى التركيز على التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية وأهمل الجوانب الروحية والأخلاقية. وظهرت بوادر التمزق الطبقي والعرقي والديني في داخله، وأصبحت الحضارة الغربية في المجمل موسومة بالنزعة الفردانية والاستهلاكية والخواء الروحي، فباتت تصنع أدوات الموت والتدمير الشامل بأسرع مما تصنعه من أدوات الحياة [14]،  وباتت لا تكترث بوسائل القيم الإنسانية والروحية. ومما قاله: “لقد تجاوز التطور التنكنولوجي التطور الأخلاقي والروحي، تعلمنا كيف نطير كالطيور، وكيف نسبح في البحار كالحيتان ولكن لم نتعلم كيف نعيش معا كبشر .. لقد بات الغرب يعرف كيف يقود الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يقود ذاته”[15]

ولكن رغم كل الانتقادات التي وجهها أرنولد توينبي إلى الحضارة الغربية، وما ذكرها من مظاهر الأزمة الحضارية في الغرب فهو يرى أن الحضارة الغربية بإمكانها التعالي عن حتمية الموت الحضاري بالقدرة على الاستجابة للتحديات، خصوصا الداخلية، من خلال العودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، والتخلي عن منطق القوة، والتواضع والانفتاح على الحضارات الأخرى[16]

يرى توينبي أن البشرية شيّدت عدة حضارات في تاريخها، عدّد منها قرابة 21 حضارة كبرى. ركز منها على 13 حضارة مستقلة وذات هوية واضحة، وصنّفها إلى حضارات حيّة ومستمرة، لا تزال في طور التحدي والاستجابة، وحضارات متعثرة تتعرض للانتحار الداخلي، وحضارات ميتة ومنقرضة[17].

وبخصوص الحضارة الإسلامية فإن توينبي لا ينظر إليها بنظرة استعلائية كما هو حال العديد من المستشرقين الغربيين، بل يعتبر أن الإسلام استطاع أن يحقق استجابة تاريخية لتحديات الجزيرة العربية والعالم المحيط بها فصنع حضارة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية، استطاعت أن تنفتح على الحضارات التي سبقتها بثقة كبيرة وطورت خصوصيتها الحضارية الخاصة بها، ونقلت ذلك كله إلى الغرب ضمن حالة “ظهور وانتماء”. كما أشاد بالعطاء الروحي والأخلاقي الذي جاء به الإسلام حين وحد القبائل العربية وأنهى حالة الفوضى والتشرذم التي كانت بينهم وشكل وحدة حضارية امتدت من اسبانيا إلى الهند، شملت العديد من الأعراق والإثنيات أبكر وأشمل مما فعلته المسيحية[18] .

يرى توينبي أن الحضارة الإسلامية عرفت نفس المسار في النهوض والتراجع الذي عرفته الحضارات الأخرى، فقد استجابت بنجاح للتحديات في بدايتها إذ بعثت رسالة أخلاقية عالمية وحّدت بين العرب والعجم، والدين والسياسة، وحققت تكاملا بديعا بين المسؤولية الفردية والمجتمعية، وأنشأت شرائح شعبية واسعة مرتبطة بالرسالة الإسلامية وفاعلة في محاكاتها للنخب المبدعة، وفي القرن الرابع الهجري بدأت تتشكل علامات الجمود والانتقال من مرحلة النخبة الخلاقة إلى مرحلة النخبة المتسلطة، ففقد الجمهور العريض المحاكاة الحيوية وخرج من الفعل الحضاري، وباتت الخلافة العباسية في أواخرها تمثل نموذج “الدولة العالمية” كشكل سياسي جامد بلا إبداع حضاري حقيقي، حوْلها سلطناتٌ متناحرة وضعيفة، بلا إضافات حضارية حقيقة، رغم الشكل المؤسسي القوي، وتشكل لدى الشعوب الإسلامية ما يماثل مفهوم “الكنيسة العالمية” باللجوء إلى الصوفية والحركات الدينية المتنوعة.

لا يوافق توينبي بأن الحضارة الإسلامية آيلة للاندثار النهائي، كما يعتقد العديد من المستشرقين، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة نائمة قد تنهض من جديد إذا توفرت لها القيادة الخلاقة، وأنها لا تزال في مرحلة التحدي الداخلي، وأن الإسلام لا يزال قادرا على منح القيادة الروحية التي يحتاجها العالم[19]

غير أن توينبي يخطئ في اعتقاده بأن السبب المبكر لتراجع الحضارة الإسلامية هو انتقالها للمرحلة السياسية مع دولة المدينة في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالحضارة الإسلامية لم تحقق حضارتها إلا بحماية هدايتها بقوة الدولة في مواجهة تهديدات المشركين المستمرة، والتي كادت أن تقضي على بيضة الإسلام لو لا انهزامها أمام جيش الدولة الناشئة في غزوة بدر وغزوة الخندق، ولو لا إنهاء التهديد كلية في فتح مكة وغزوة حنين، وأمام تهديدات الخطر الروماني التي تمت مواجهته في غزوة مؤتة وغزوة تبوك ثم إنهاء تهديده في البلاد العربية في الشام، ومنعه من الاستيلاء على إرث الدولة الفارسية المتداعية بعد هزيمتها الكاسحة من الجيش الروماني قبيل بداية الفتوحات في الشام والعراق. كما أن بناء دولة المدينة كان هو المعيار الذي قامت عليه الخلافة الراشدة التي بقيت هي النموذج الذي تندفع إليه حركة التاريخ للاستنهاض الحضاري للأمة، وسيبقى كذلك إلى يوم الدين.


[1] ـ من مقولاته: ” الصهيونية حركة سياسية وليست دينية”، “النازيون هم من أسسوا دولة إسرائيل”،” أنا متعاطف مع وجهة النظر العربية في القضية الفلسطينية” انظر كتاب “محاضرات أرنولد توينبي” وهو كتاب جمع نصوص أربع محاضرات ألقاها أرنولد توينبي عام 1964 بالقاهرة ونشرتها مؤسسة هنداوي، ترجمة وتحرير فؤاد زكريا، عام 2022. وفي محاضرة شهيرة في بيروت عام 1961 وصف مجزرة دير ياسين بأنهاجريمة نازية ارتكبها اليهود ضد العرب، ومما قاله: “ما فعله الصهاينة بالعرب يشبه ما فعله النازيون باليهود، وهذا لا يمكن تبريره أبدًا”، انظر :”محاضرات توينبي في بيروت، الجامعة الأمريكية، 1961، ومما قاله كذلك: “تهجير الفلسطينيين وتأسيس دولة لليهود على حسابهم خطأ تاريخي لا يُصلح خطأ ما حدث لليهود في أوروبا”.

[2]ـ حدثت بينه وبين علماء ودبلوماسيين صهاينة مراسلات ومواجهات شديدة في عدة مناسبات منهم يعقوب هيرتزوج(Yaacov Herzog)، يعقوب تلمون (Jacob Talmon)، أشعياء فريدمان (FriedmanIsaiah)، موثقة في مقال بموقع جستور للمجلات العلمية ( انظر المقال في الرابط:https://www.jstor.org/stable/30245780 )، وكان ذلك بعد حرب 1967. ورد عليه في محاضرة تحت عنوان “هرطقة توينبي” بجامعة يشيفا بنيويورك عام 1955، المفكر والسياسي والدبلوماسي الصهيوني “أبا إيبان” وهو أحد مؤسسي دولة الكيان تقلد مناصب عليا كثيرة منها وزير الخارجية الإسرائيلي (1966 ـ 1974) ، نائب رئيس الوزراء (1963ـ 1966)، عضو الكنيست سبع مرات، سفير الكيان في الأمم المتحدة لعشر سنوات، ونائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952.

[3] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 1, Oxford University Press, 1934, p. 73.

[4] يعترف توينبي أن استفاد في نظريته ” التحدي والاستجابة” من دراسات عالم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ ( 1875ـ  1961Carl Jung )، خصوصا دراساته عن الشخصية الانطوائية والشخصية الانبساطية.

[5]  تطرق مالك بن نبي إلى حالة الرجل البادية في الجزائر الذي قهره التصحر بسبب خوفه وضعفخ فلم يبق له أرض يحرثها ولا ماشية يحلبها، ففر بدابته تائها في الصحراء أو منبوذا في المدينة: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص 132.

[6]Toynbee: An Historian’s View of Art, Vol. 3, No. 4 (fall 1961), pp. 267-280 (14pages)Published By: Wayne State University Pressـ   Milton Gold,

[7] ـ تشبه فكرة “الأقلية الخلاقة” فكرة “الدافع الحيوي” أو “الوثبة الحيوية” (l’Elan vital)، وهو مفهوم صاغه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتابه “التطور الخلاق” عام 1907 (L’évolution créatrice)،يشير فيه إلى وجودقوة داخلية غير مادية، تدفع الكائنات الحية إلىالإبداع، والتطور، والنمو، بشكل يتجاوز الآليات المادية والبيولوجية وهو بمثابة “شرارة الحياة”، و”الروح الخلّاقة” التي تسري في الكائنات، وتمنحها إرادة العيش والتجدد.

[8] ـ من الأمثلة التي يضربها توينبي في مسألة انفتاح الحضارات وأثر ذلك في توسعها الحضارة الإسلامية وكيف استفادت من الترجمة النشطة للعلوم اليونانية والفارسية والهندية وكيف أدى ذلك إلى تحويل بغداد وقرطبة إلى مراكز حضارية رائدة انتفعت من الحضارات التي سبقتها ضمن بنائها الحضاري الخاص. وهو بهذاينفي خصوصية الحضارة الغربية المتعالية على الحضارات الأخرى،ويعارض أفكار المؤرخين الغربيين، خصوصا المتأخرين كأمثال صمويل هنتنتن الذي يؤصل لصراع الحضارات وضرورة مواجهة الحضارة الغربية الحضارات الأخرى لتضمن ديمومتها.

[9] ـ انظرفي موقع E-International Relations مقال: “Ian Hall, Clashing Civilizations: A Toynbeean Response to Huntington, Apr 18 2018, Articles”

[10] ـ Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 2, Oxford University Press, 1934, p. 112.

[11]ـ  Ibid, Vol. 3, p. 201

[12] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. VII, Oxford University Press, 1954, pp70-76

[13] انظر: Arnold J. Toynbee, A Study of History, Volume IX: “Universal Churches and Disintegration, Oxford University  press, 1936-1961.

[14] Arnold Toynbee, Civilization on Trial, ch. 3, 1948, pp. 45–46.

[15]ـ Civilization on trial, pp 41,42  مرجع سابق

[16] ـ If the West is to be saved, it will not be by clinging to power, but by listening to the spiritual voices of other civilizations.” — A Study of History, Vol. XII, 1961.

[17]وعند تتبعنا لما كتبه توينبي عن مصير الحضارات يمكننا أن نلخص مصائرها بتصرف على النحو التالي :  الحضارة السومرية والبابلية والمصرية المنقرضة، رغم تأثيرها المتفاوت في حضارات لاحقة، وحضارة المايا والأزتك التي انقرضت بفعل بُعدها عن العالم القديم، والإبادة البشرية والثقافية التي تعرضت لها من قبل الاستعمار الغربي، والحضارة اليونانية التي اندمجت في الحضارة الرومانية التي تحولت بدورها إلى المسيحية بعد سقوط روما، الحضارة الهندية التي صمدت أمام الغزو ولكنها فقدت وحدتها الدينية بين الهندوسية والإسلام والسيخ وبقيت متأثرة كثيرا بالغزو الثقافي الغربي المسيحي، الحضارة الصينية التي بقيت تتحول بين الركود والانبعاث (وهي رغم نهوضها الاقتصادي تتعرض إلى حالة تغريب كبيرة)، الحضارة الأرثوثوكسية التي رغم خصوصيتها الثقافية الدينية والصراعات الجيوستراتيجية الروسية الغربية يمكن اعتبارها مندمجة في الحضارة الغربية، الحضارة الإسلامية التي رغم تعثرها يرى توينبي بأنها لها القدرة على الانبعاث من جديد.

[18] ـ Islam succeeded in creating a universal society and a universal state sooner and with greater completeness than Christianity.” — A Study of History, Vol. V, 1939.

[19]ـ Islam may yet furnish the spiritual leadership the world needs.” — Civilization on Trial, 1948.

مقدمة:

سلسلة “عن الحضارة وتحدّي العبور”

هذا الكتاب جزء من سلسلة تضمّ عدداً من الكتب، عنوانها: “عن الحضارة وتحدّي العبور”. وقصة هذا الكتاب أنه كان من المفترض في البداية أن يكون نصاً مختصراً، لا يعدو أن يكون مقدمة لكتاب آخر ضمن السلسلة، هو كتاب “شروط النهضة الخمسة”، تُعنى بتعريف مختصر للحضارة وعرض أبرز ما قيل فيها عند كبار العلماء والمفكرين.

غير أنني وجدت نفسي أتوسّع شيئا فشيئا في موضوع المقدمة، مستفيدا مما سبق أن درسته من موضوعات وكتب، وما رجعت إليه من مقالات كنت قد نشرتها، فضلا عن أفكار ومشاريع بحثية شرعت فيها سابقا ولم أتمّ بعضها، أو أتممتها ولم أنشرها. ومع امتداد البحث وتشعّب موضوعاته، أخذت المقدمة تطول حتى بلغت من الحجم ما لم يعد يصلح معه أن تكون مجرد مقدمة لكتاب آخر، فعزمت على تحويلها هي ذاتها إلى كتاب مستقل.

وبعد أن تقدّمت في تأليف هذا الكتاب الجديد، وبالنظر إلى وجود ثلاثة كتب أخرى لديّ تدور في المجال نفسه، وتتعلق جميعها بقضايا الحضارة، تهيّأ لي أن أجمع هذه الكتب كلها ضمن سلسلة واحدة. ولما كان أصل هذا المسار الفكري يعود إلى كتابي المنشور “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور”، رأيت أن يكون عنوان السلسلة منبثقاً من المجال الفكري نفسه، فاخترت لها عنوان: سلسلة “عن الحضارة وتحدّي العبور”.

وقد بدا لي، من خلال ما حظي به كتاب “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور” من اهتمام، سواء في الندوات والمحاضرات التي قدّمتها حضوريا أو عن بُعد في عدد من الدول، أو من خلال النقاشات التي دارت حول الكتاب، أن القدر الأكبر من الاهتمام قد اتجه إلى فصله الأول: “تحدّي العبور” لارتباطه بمسائل شائكة يدور حولها في الفكر الإسلامي. ومن هنا رأيت أن أعيد نشر هذا الفصل في كتاب مستقل، بغرض تيسير انتشاره على نطاق أوسع، وتسهيل النقاش والتفاعل بيني وبين القراء.

ثم بدا لي أنه لا ضير في أن أعيد نشر الفصل الثاني، “مسارات العبور”، والفصل الثالث، “مواضيع العبور”، في كتابين مستقلين كذلك، يظهران أهميتهما أكثر لمن يهمه النقاش حول الحلول المقترحة للمعضلات التي تناولها الفصل الأول.

وبذلك يكون الكتاب الأول في السلسلة هو “تحدّي العبور”، والكتاب الثاني “مسارات العبور”، والكتاب الثالث “مواضيع العبور”، أما الكتاب الرابع فهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ: “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”.

أما الكتاب الخامس، وهو تحت الطبع كذلك، فعنوانه “مع بن نبي وشروط النهضة”. ويعود أصل هذا الكتاب إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، بعنوان “شروط النهضة وتحدّي العبور”، تناولت فيه بالتحليل الأفكار الأساسية للمفكر الكبير مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”، ثم قمت بتحويل مادة البرنامج إلى كتاب.

أما الكتاب السادس فهو “شروط النهضة الخمسة”، ويعود أصله، هو الآخر، إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، تناولت فيه الشروط الأساسية للنهوض الحضاري، وتطبيقاتها العملية على عدد من النماذج التاريخية.

 

يتشكّل هذا الكتاب : “الحضارة في الفكر الغربي والفكر الإسلامي” من ثلاثة فصول. يتناول الفصل الأول “الحضارة في الفكر الإسلامي”، وقد رصدت فيه الأفكار الأساسية في موضوع الحضارة لمفكرين مسلمين من توجهات ومدارس مختلفة، فتوسعت إلى حد ما في تناول أفكار اثنين منهم وهما: عبد الرحمن بن خلدون، بسبب مرجعيته المتفق عليها في الموضوع، كمؤسس فعلي لعلم الاجتماع والتاريخ، والمكانة السامية عالميا التي نالتها “المقدمة”، ومالك بن نبي، بسبب دقة وشهرة أفكاره، خصوصا معادلة: “الفكرة الدينية، الوقت، التراب، الزمن”، ومعادلة: “الروح، العقل، الغريزة”، و كذا جوابه على أسئلة لا تزال تطرح إلى اليوم. ثم تطرقت بشيء من الاختصار لأفكار قامات فكرية أخرى، لم يمنعني من التعمق في الاستفادة من كنوزهم الفكرية سوى الخوف من الإطالة على القارئ، وهم: علي عزة بيغوفيتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، محمد عابد الجابري، عبد المجيد النجار، وكان يمكن كذلك الرجوع إلى أفكار مفكرين آخرين غير هؤلاء لا تقل الاستفادة منهم أهمية، لو لا ضرورة تجنب التوسع لتسهيل الاستفادة.

لا شك أن توفر الفضاءات المعرفية تتيح للمهتمين الاطلاع على أفكار هؤلاء العلماء والمفكرين من مصادر أخرى أكثر توسعا، ومن كتبهم مباشرة. ولذلك ما أدعو القارئ إلى الاهتمام به أكثر هو التحليلات التي أقدمها والتصنيفات الجديدة التي أعرضها للنقاش، ومحاولات شرح الاختلافات وتنوع المقاربات، وما يمكن أن يُستفاد من كل ذلك في مشروع الاستنهاض الحضاري، وفي تحديات العبور من حالة الخمول الحضاري إلى النهوض الحضاري للأمة الإسلامية.

وفي الفصل الثاني أتناول مساهمات كبار المفكرين الغربيين في دراسة الحضارة، فأبدأ بعالمين كبيرين مشهورين، هما أرنولد توينبي ووِل ديورانت، الأول بسبب مكانته العلمية الكبيرة وموضوعيته المشهودة، خصوصا في تناول الحضارة الإسلامية والموقف من القضية الفلسطينية، ودقة فكرة “التحدي والاستجابة” في كتابه المشهور “دراسة للتاريخ”، التي بقيت فكرة مركزية في الدراسات الحضارية. والثاني بسبب الغزارة المعرفية في مؤلفه الشهير “قصة الحضارة” الذي ظل المرجع الأساسي للدراسات الحضارية منذ تأليفه، والذي أوصى بدراسته علماء مسلمون مرموقون، رغم أغاليطه حين يتناول مصدر الرسالة المحمدية، وعند إبداء موقفه من القضية الفلسطينية، وخرافة التفوق اليهودي، الذي جرّه إليه شريكته في مؤلفاته الأساسية، زوجته اليهودية أرئيل ديورانت. وبعد هاذين المرجعين الأساسيين اخترت زمرة من الفلاسفة الغربيين الكبار الذين تناولوا بالدراسة موضوع الحضارة من زوايا مختلفة وبآراء متنوعة، وهم: أوزوالد شبنجلر، فرناند بروديل، جاك إيلول، أرنولد جيلي، مارسيل موس، لوسيان فافر، كلود ليفي-شتراوس، صموئيل هنتنغتون.

 وقبل أن أتمنى أن يستفيد القارئ من هذه المقتنيات الفكرية أقرّ أن استفادتي ومتعتي كانت حقا عظيمة عند مطالعة ودراسة واختصار أفكار هذه القمم الفلسفية الغربية. لا شك أن استفادتي من دراسة درر المفكرين المسلمين في الفصل الأول كانت لا تقل فائدة، ولكنها أفكار معهودة لدي في أغلبها، ودراستها كانت تذّكرًا ومراجعة، وتنظيما معرفيا. أما دراسة أفكار هؤلاء الفلاسفة الغربيين، في الفصل الثاني، من مصادرها الأصلية في الغالب، فهي جديدة عليّ. لذلك اعتبرتها عمرا معرفيا جديدا بالنسبة إلي، وقد ساعدني في التمهل والتركيز في الدراسة، والترجمة والاختصار، فسحة قعود في مكتبي بالبيت لم تتح لي منذ سنوات طويلة.   ولو لم تكن لدي اهتمامات بحثية أخرى أنا بصددها، لخصصت جزء مما بقي في عمري، بإذن الله، في دراسة الفلسفة والتعمق فيها.

قد يكون ما نقلته من أفكار مختصرة لفلاسفة غربيين مرموقين مفيدا للقارئ العربي، ممن لم يكن لهم اطلاع سابق، خصوصا في المحيط الذي أنشط فيه فكريا وسياسيا ودعويا، والذي لا يهتم أصحابه عادة بالفلسفة الغربية ويأخذون منها موقف الحذر ابتداء.

 لا شك أن الزخم الفلسفي والفكري المناقض للدين عموما، والمرجعيات الإسلامية خصوصا، كبير في الفكر والفلسفة الغربية، غير أن ثمة من الفلاسفة الغربيين من لهم قدرة مدهشة على تفكيك الفلسفة المادية الغربية، والديانة العقلانية والغريزية الجديدة التي فرضتها الفلسفات الوجودية والوضعية في العصر الحديث، وأن ثمة أسئلة فلسفية كبيرة يطرحها فلاسفة غربيون كبار يستطيع أن يجيب عنها المسلمون، لو توفرت لهم المؤهلات المنهجية والمقدرات المعرفية والمهارات الحوارية.

وعلى نحو ما ذكرته بخصوص الفصل الأول فإني أوجه الاهتمام أكثر في الفصل الثاني، كذلك، بما قدمته من تحليل للتوجهات الكبرى في تعريف الحضارة عند المفكرين الغربيين، وتطورات المفاهيم الحضارية في الحضارة الغربية، والتصنيفات التي اقترحتها، ودلائل ذلك ونتائجه في العلاقة بين الشعوب، وفي الساحة الدولية، وفي فهم المعضلات الكبرى التي تواجه البشرية جراء الخلفيات الفكرية في فهوم الحضارة ومقارباتها في العالم الغربي.

أما الفصل الثالث فهو يتناول ثلاث مواضيع مهمة تتعلق بالمفاهيم التي لها اتصال من حيث الدراسات المعرفية بالحضارة وهي: “الدين والحضارة”، “”الثقافة والحضارة، “المدنية والحضارة”. فأتناول بالدراسة، في موضوع “الدين والحضارة”، حقيقة اتفق عليها جل المفكرين الذين درسوا الحضارة، قديما وحاضرا، في العامل الإسلامي أو في العالم الغربي،  مفادها أن أصل قيام الحضارات الكبرى المبعث الديني، ولكي أحسم الموضوع أتطرق إلى مباعث الحضارة الغربية، فأثبت بالوقائع التاريخية وشهادات المفكرين الغربيين أن أصل الحضارة الغربية النهضة العلمية الدينية في المدارس الكاتدرائية، في القرون الوسطى، وعبر النهضة المسيحية الكارولينجية الجرمانية، وأن رواد الثورة العلمية الأوربية، في منتصف القرن السادس عشر، كانوا متدينين أو رجال الدين، وإنما وقع التحول بسبب تطورات لها علاقة بالصراع على النفوذ والصراع السياسي وتفوق الحقائق العلمية المسلماتِ الكنسيةَ المنحرفة، ضمن تاريخ أوربي حصري.

وفي موضوع “الحضارة والثقافة” حاولت أن أتناول مفهوم الثقافة، أولا، بمعزل عن علاقتها بالحضارة، بالرجوع إلى معناها في تراثنا، ثم ما ذهب إليه بعض الفلاسفة في العصر الحديث، ثم ما فهمته مما درسته في الكتب وما عاينته في سلوك الناس وأحوال المجتمعات. وبعد ذلك رجعت إلى تناول علاقة الثقافة بالحضارة، انطلاقا مما ذهب إليه مفكرَين مهمَين يتميّزان بازدواجية “الثقافة” الإسلامية والغربية هما: مالك بن نبي وعلي عزت بيغوفيتش، وعدد من المفكرين الغربيين، ثم اقترحت نماذج مفاهيمية ومصطلحات جديدة تتعلق بالثقافة، مثل “المكونات الباطنية والظاهرية” للثقافة، و”المكونات العليا والدنيا”، والأبعاد “الفردية والجماعية” و”المحلية والعالمية” للثقافة، وعلاقة كل ذلك بالحضارة، كوسائل معرفية لفهم تفاعل الأبعاد الثقافية والحضارية في المجتمعات.

وفي تناول موضوع “الحضارة والمدنية”، شعرت في البداية بشيء من الملل، وعدم الجدوى من تناول الموضوع، لاستحالة النجاح في عملية التفكيك والتحليل بين مفهومي “الحضارة” و”المدنية”، خصوصا عند استحضار مفهوم “الثقافة” ومحاولة تحديد علاقته بهما كلاهما. وأنا في نفسية عدم الجدوى تلك، عثرت على مقولة تؤكد هذا الشعور عند الفيلسوف الأمريكي “توماس إليوت” حين يقول في كتابه  “ملاحظات نحو تعريف الثقافة”   ما يلي: ” أن أي محاولة لوضع الحدود بين معنَيَي هاتين الكلمتين لا يمكن أن تنتج إلا تمييزا صناعيا خاصا بهذا الكتاب، يجد القارئ صعوبة في تذكره، ويشعر بالراحة في التخلي عنه عندما يطوي الكتاب[1]. وقد عمّق هذا الشعور الترابط اللغوي الشديد بين كلمة “حضارة” وكلمة “مدنية” في اللغات الأوربية (الفرنسية والانجليزية على الأقل)، وتداخل المعاني بين معنى الحضارة والثقافة في الفكر الغربي، ثم الابتعاد المجالي لمفهوم “المدنية” حين يتصل بالفكر السياسي. ولكن في الأخير توصلت إلى نتيجة مهمة أرجعت الجدوى لتناول الموضوع، أرجو الله تعالى أن يُكتب لها القبول في الساحة الفكرية وهو أن “المدنية” ما هي إلا “العمران” الذي تحدث عنه ابن خلدون، والذي هو الدليل المرئي للنهوض لأمة ما، والذي هو المظهر الخارجي للحضارة، وعليه يمكن الاستنتاج أن الثقافة هي روح الحضارة، والمدنية جسدها، وتأثير الروح “الثقافة” في الحضارة هو الذي يشكل أوصاف الجسد “المدنية” الظاهرة.

 

 

 

 

[1] توماس إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة شكري عياد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 16

 

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية