يُعدّ الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الأمريكي “آل ديورانت” أشهر مؤلف كتَب عن تاريخ الحضارات، تلقّى تعليما كاثوليكيا في طفولته ثم تحول إلى التعليم المدني فتخصص في الآداب ثم اهتم بالفلسفة فدرس كتب كبار الفلاسفة أمثال “هكسلي” و”داروين” و”هربرت سبنسر” و”هيغل”و”اسبينوزا” وآخرين. تحصل على الدكتوراه في الفلسفة حول “الفلسفة والمشكلة الاجتماعية” عام 1917 في جامعة كولومبيا. اشتغل في الصحافة أثناء دراسته ثم في مهنة التعليم حيث تعلق بإحدى تلميذاته وتزوجها وعمرها 15 سنة و كان اسمها “آدا كوفمان”، وهي التي عُرفت بعد ذلك باسم “آرئيل ديورانت”. وقد كان لها دور كبير في مسيرته العلمية وفي كثير من قناعاته، سافرت معه إلى مختلف أنحاء العالم وشاركته في تأليف العديد من كتبه خصوصا كتاب “قصة الحضارة” .
كان ديورانت قارئا نهما يقرأ مئات الكتب ليكتب كتابا واحدا، وكان رحّالة يجوب مختلف أنحاء العالم ليجمع مع الدراسات النظرية المشاهدات البصرية للآثار الحضارية والأحوال الثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية للناس. من أهم كتبه “قصة الفلسفة”، “التحول”، “مباهج الفلسفة”، “قصة الحضارة”، “أبطال من التاريخ”، “عظات التاريخ”، “تفسير الحياة”، وهي كتب لقيت رواجا كبيرا في العالم.
غير أن الكتاب الأشهر الذي فرض نفسه كمرجع أساسي في موضوعه هو كتاب “قصة الحضارة” الذي يعد موسوعة شاملة في فلسفة التاريخ قضى ديورانت في كتابتها 40 سنة من 1935 إلى 1975. تتكوّن هذه الموسوعة من أحد عشر مجلدا تناولت تاريخ البشرية منذ العصور البدائية حتى نهاية القرن الثامن عشر، تطرق فيها المؤلف إلى مختلف جوانب الحضارة الإنسانية التي تشمل التاريخ والفلسفة والفن والدين والاقتصاد والسياسة.
حاول ديورانت أن يكون محايدا في كتاباته ولكن تأثره بخلفيته الغربية جعله ينظر إلى الدين نظرة علمانية تنفي الغيب والوحي[1]، وبسبب تأثره بزوجته اليهودية فضّل اليهودية على المسيحية التي هي ديانته الأصلية، ومجّد اليهود على سائر البشر ونزع عنهم الصفات الذميمة الملتصقة بهم في الثقافة الأوربية آنذاك، وكان يعتبر أن مسألة دس يهود خيبر السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد ظنون، وأن اليهود لم يتأثروا بالإسلام في المدينة بسبب نزعته الحربية[2] بزعمه.
وبالرغم من تمجيده الكبير لشخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وللحضارة الإسلامية ودورها الحاسم في التعريف بالحضارة اليونانية وفي نشأة الحضارة الغربية في الجز الثالث عشر من كتاب “قصة الحضارة” يشكك في الرسالة السماوية للإسلام، ويزعم أن مصادر القرآن ما تلقاه محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود أثناء زيارته المدينة قبل البعثة، ومن النصارى أثناء زيارته الشام مع عمه أبي طالب للتجارة، وما أخذه عن ورقة بن نوفل، بل يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه استعمل القرآن لأغراضه الشخصية وللتمكين لنفسه ولقومه في الجزيرة العربية.
لقد حذّر كثير من العلماء والمفكرين المسلمين من المغالطات الكبيرة الموجودة في كتاب “قصة الحضارة” عن الإسلام في جزئه الثالث عشر، لا سيما وأن الكتاب عرف انتشارا كبيرا وصار مرجعا أساسيا في تاريخ الحضارات، ومن هؤلاء الدكتور محمد محمد حسين في كتابه “حصوننا مهددة من الداخل”[3]، الذي اعتبر بأن اعتماد الكتاب رسميا من الجامعة العربية عبر المنظمة العربية للثقافة والعلوم وطباعته[4] كان بضغط من السفارة الأمريكية في القاهرة، ومن منظمة اليونيسكو، ومن سماهم سماسرة الاحتلال الغربي وعملاءهم بغرض تشويه الإسلام وإضعافه في فكر ووجدان أهله.
وقد أكد الدكتور محمد بدران، أحد مترجمي الكتاب، بأن في الكتاب مغالطات كبيرة عن الإسلام ولكن أوعز تثبيتها في الترجمة إلى حتمية الأمانة العلمية، وإلى أهمية اطلاع المسلمين على بعض آراء الكُتّاب غير المسلمين حتى وإن كانوا لا يوافقون عليها[5]. كما أن ثمة من كبار الكُتّاب المسلمين من شجعوا على استفادة الكتاب المختصين والمفكرين العرب والمسلمين منه لما فيه من فوائد جمة، مع ضرورة الردود على ما يحتوي من سموم في ذات الترجمات، ومن هؤلاء شوقي أبو خليل الذي يقول: “إنه ليس من المعقول أن يُحرم القارئ العربي من هذا السفر النفيس الذي يُعد من الكتب العالمية المتميزة التي أُلّفت في القرن العشرين، والذي يُغني عن مئات الكتب التي تعني بتجارب الأمم السابقة، للاستفادة من تجاربهم، ومعرفة سبل مهاوي الهلاك التي انتهجتها دولهم، لتفاديها”[6]
لقي كتاب قصة الحضارة قبولا واسعا لدى الباحثين وعامة الناس لما يتميز به من أسلوب سهل، وقدرة بارزة على الجمع بين الأسلوب العلمي والنسق الشعبي. قصد توينبي بتأليفه هذا الكتاب أن يكتب تاريخا للمدنية يروي فيه “أكثر ما يمكن من النبأ، في أقل ما يمكن من الصفحات”، عبر خمسة أجزاء مستقلة: التراث الشرقي (تاريخ مصر والشرق الأدنى حتى وفاة الاسكندر، والهند والصين واليابان إلى العصر الحديث)، التراث الكلاسيكي (تاريخ اليونان وروما والشرق الأدنى)، التراث الوسيط (تاريخ اوربا الكاثوليكية والاقطاعية، والمدنية البيزنطية، والثقافة الإسلامية، والثقافة اليهودية، في آسيا وافريقيا وإسبانيا، والنهضة الإيطالية)، التراث الأوربي (تاريخ الدول الأوربية من الإصلاح البروتستانتي إلى الثورة الفرنسية )، التراث الحديث (تاريخ الاختراعات والسياسة والعلم والفلسفة والدين والأخلاق والأدب والفن في أوربا منذ تولي نابليون الحكم إلى عصرنا الحاضر).
لقد حرص وِل ديورانت على تجاوز السرد التاريخي للأحداث التاريخية ووقائع التحولات السياسية وسير الملوك والأمراء إلى تناول مآثر البشر من مختلف الزوايا الفلسفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحليل الأحداث لإخراج العبر منها وإبراز القواعد الاجتماعية التي تتحكم فيها. فيقول: “لقد أحسست منذ زمن طويل بأن طريقتنا المعتادة خاطئة في كتابة التاريخ مجزّء أقساماً منفصلة عن بعضها عن بعض، يتناول كل قسم ناحية واحدة من نواحي الحياة – فتاريخ اقتصادي، وتاريخ سياسي، وتاريخ ديني، وتاريخ للفلسفة، وتاريخ للأدب، وتاريخ العلوم، وتاريخ الموسيقى، وتاريخ للفن – أحسست أن هذه الطريقة فيها إجحاف بما في الحياة الإنسانية من وحدة، وأن التاريخ يجب أن يُكتب عن كل هذه الجوانب مجتمعة، كما يكتب عن كل منها منفرداً، وأن يُكتب على نحو تركيبي كما يُكتب على نحو تحليلي، وأن علم تدوين التاريخ في صورته المثلى لابد أن يهدف- في كل فترة من فترات الزمن – إلى تصوير مجموعة عناصر ثقافة الأمة مشتبكة بما فيها من مؤسسات ومغامرات وأساليب عيش ..”، وهو بهذا النهج الموسوعي التحليلي في كتابة التاريخ لا يبتكر نهجا جديدا وإنما يتبع مؤسس هذا الفن عبر العصور عبد الرحمن بن خلدون. وبالرغم من أن وِل ديورانت لا يتحدث كثيرا عن بن خلدون فهو لم يستطع تجاوز الاعتراف بعبقريته فيقول في الفصل الثلاثين من كتابه حين يتحدث عن عبقرية الإسلام: “إننا لا نستطيع في أي أدب كان قبل القرن الثامن عشر، العثور على فلسفة للتاريخ، أو على منهج لعلم الاجتماع، يمكن أن يباري في قوته ومداه ودقة تحليله منهج ابن خلدون”.
وضع وِل ديورانت تعريفًا للحضارة يُعدّ من أكثر التعريفات شمولًا، إذ قال: ” الحضارة نظام اجتماعي يعزز الإبداع الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: التنظيم الاقتصادي، والتنظيم السياسي، والتقاليد الأخلاقية، والسعي وراء المعرفة والفنون.”[7] فهي ليست حالة بشرية مادية فحسب، بل منظومة قيمية وروحية تُعبّر عن تفاعل الإنسان مع بيئته، ومع الآخرين في إطار من النظام الأخلاقي والسياسي والاقتصادي.
ويرى وِل ديورانت أن بروز الحضارات يرتبط بوجود الأفراد العظماء في الأمم ضمن البيئات المناسبة فيشدد على الدور المزدوج للفرد والمجتمع في صياغة مصير الحضارات. فالعظماء – مثل سقراط وأفلاطون والقديس أوغسطين ومحمد ﷺ ونيوتن – هم في نظره “العقول التي تُعطي الاتجاه للتاريخ، لا قوّته الدافعة وحدها“. ويقول في كتاب “دروس التاريخ“: “إن الأفراد العِظام يصنعون التاريخَ فقط حين يجسّدون ميولَ عصرهم، فهم صورته لا صانعوه.”[8]
فالأفراد لا يصنعون التاريخ من العدم، بل “يُسرّعون ما كانت الجماعة مهيّأة له[9]“. فعبقرية الفرد لا تزدهر إلا حين تتوافر البيئة الاجتماعية والثقافية التي تحتضنها، والعكس صحيح: فالمجتمع نفسه بحاجة إلى القادة والعباقرة كي يبلور وعيه وغاياته. وفي هذا السياق خص سيدنا محمد ﷺ بإعجاب كبير في قصة الحضارة، معتبرا إياه من أعظم من غيروا وجه التاريخ.
ويركّز ديورانت على أن الحضارة لا تزدهر إلا حين يتحقّق التوازن بين المادي والمعنوي، بين العلم والإيمان، وبين الحرية والنظام. فحين يطغى أحد الجانبين على الآخر، تبدأ الحضارة في التآكل من داخلها.[10] ويشير إلى أن التاريخ شاهد على أنّ الحضارات العظيمة لم تسقط بفعل الغزو الخارجي، بل عندما ضعفت أخلاقُها وقيمها، واستسلمت للترف والأنانية، وفقدت الشعور بالغاية والمعنى.[11]
رغم حرصه على الظهور بمظهر الحياد لم يستطع ديورانت إخفاء قناعته بمركزية الحضارة الغربية في التاريخ من حيث إنجازاتها الكبرى في مجالات العلم والتقنية والفكر السياسي، فهو نفسه يعتذر في مقدمة فصل “عصر الإيمان” للعلماء الذي درسوا حضارة الإسلام عن عدم إعطاء الحضارة الإسلامية حقها في حديثه عن فترة العصور الوسطى فيقول: “ولقد بذلنا جهدنا على الدوام في أن نكون بعيدين عن الهوى والتحيز وأن ننظر إلى كل دين وكل ثقافة كما ينظر إليهما أهلهما، ولكنا مع هذا لا ندّعي العصمة من الهوى … ذلك أن العقل كالجسم سجين في جلده لايستطيع الفكاك منه”[12]، لكنه مع ذلك قدّم نقدا فلسفيا عميقا للحضارة الغربية من داخلها. فهو يرى أنّ الغرب بلغ قمة التقدّم المادي، لكنه فقد توازنه الروحي والأخلاقي[13].
ويشير إلى أنّ الغرب يعيش مرحلة الخطر نفسها التي عرفتها الحضارات السابقة حين طغت المادة على المعنى، والعقل على الضمير. فالحرية التي كانت مصدر قوّته، تحوّلت في بعض جوانبها إلى فوضى فردية تُهدّد التماسك الاجتماعي[14].
ويرى ديورانت أن قوة الغرب لا تقوم على العلم وحده، بل على القيم التي أفرزها تراثه الديني والفلسفي، وأن الحفاظ على هذه القيم هو شرط بقاء الحضارة[15].
وفي نظره، ليست الحضارة الغربية نهاية التاريخ، بل مرحلة ضمن سلسلة إنسانية متواصلة. ويُشدّد على أن الغرب مدين للشرق – وللإسلام خصوصًا – بالعلوم والفكر الذي مهّد لنهضته، وأن الحضارات تتكامل وتتوارث لا تتصارع[16].
يقدّم وِل ديورانت في فلسفته التاريخية رؤيةً إنسانية شمولية تعتبر أن الحضارة ظاهرة متكرّرة عبر العصور، تمرّ بمراحل الولادة والنضج والانحدار. والعامل الحاسم في بقاء أي حضارة هو أخلاقها وإيمانها، لا ثروتها أو جيوشها. فحين يتوازن العقل مع الضمير، والعلم مع الحكمة، تزدهر الحضارة. أما حين تنفصل المعرفة عن القيمة، فإنها تبدأ في الانحلال. ومن ثمّ، يرى ديورانت أنّ التاريخ ليس صراعًا بين الشرق والغرب، بل هو حوار دائم بين الإنسان والمطلق، بين القوة والمعنى، وأنّ روح الحضارة لا تموت ما دامت قادرة على إحياء الإيمان بالإنسان.
وعلى عكس الطروحات الحتمية، يرى ديورانت أن الحضارات لا تموت تماما، بل تمتزج وتُورّث أفكارها للاحقين. فالحضارة الإسلامية، مثلًا، انتقلت بأفكارها إلى أوروبا إبان العصور الوسطى، وساهمت في النهضة الحديثة.
نظَر ديورانت إلى الحضارة الإسلامية بإعجاب واحترام كبيرين، وخصّها في موسوعته “قصة الحضارة” في فصل”عصر الإيمان” (The age of Faith) بحديث قدّر بأنه مطوّل بالنسبة لعموم القراء ولكنه غير مجزي بالنسبة للمتخصصين. ورغم مغالطاته في مصدر الوحي للقرآن الكريم يرى أنّ الإسلام لم يكن دينا روحيا فحسب، بل قوة تاريخية خلّاقة أطلقت طاقات الشعوب وأسّست واحدة من أرقى حضارات العصور الوسطى[17].
فهو يعتبر أن المسلمين قادوا العالم في مجالات الإدارة والعلم والفن والفكر، وأنهم قدّموا للإنسانية نموذجًا حضاريًا متميّزًا بالتوازن بين الدين والعقل، وبين الروح والمادة.
ورغم اتهامه للإسلام بالروح الحربية وسفكه للدماء يُبرز ديورانت تسامح الإسلام في التعامل مع الديانات الأخرى، ويرى أن هذا التسامح كان سببًا في ازدهار العلوم والفلسفة. ويشير إلى أن الحضارة الإسلامية لم تكتفِ بحفظ التراث اليوناني، بل أضافت إليه ووسّعته، حتى كانت أساس النهضة الأوروبية[18].غير أنّه يلاحظ أن الجمود الفكري والديني الذي ساد في العصور المتأخرة كان سبب انحسارها[19]،
ويؤكّد أن الانحطاط لم يكن بسبب الإسلام نفسه، بل نتيجة الانفصال بين الدين والعقل، واستبداد السلاطين، وتراجع الحرية الفكرية، وسيطرة التقليد على الاجتهاد. ومع ذلك، يظلّ يعتبر الإسلام أحد أعظم مصادر الإشعاع الإنساني في التاريخ[20].
مع أنّ وِل ديورانت أبدى إعجابًا عميقًا بشخصية النبي محمد ﷺ إذ اعتبره من أعظم من غيروا وجه التاريخ وقال عنه:”لو حكمنا على العظمة بالتأثير، لكان محمد أحد أعظم رجال التاريخ، فقد أسّس دينًا ودولةً وإمبراطورية، و“كان معتدلًا في طعامه وشرابه، كارهًا للترف، بسيطًا، متواضعًا، تقيًّا، محبًّا للخير“[21]،ورغم تقديره الأثر الحضاري الهائل للإسلام، فإنه لم يتناول القرآن الكريم من منظور الإيمان الديني، بل من زاوية المؤرخ الفلسفي الذي يرى الأديان ظواهر إنسانية كبرى تسهم في بناء النظام الأخلاقي والاجتماعي. فهو يعدّ القرآن “إبداعًا أدبيًا مهيبًا وشريعة أخلاقية لشعب عظيم”[22]، أي أنه يعترف بسموّ قيمه وتأثيره، دون أن يصفه بوصفه وحيًا إلهيًا بالمعنى العقدي.
[1] انظر قصة الحضارة، 1\99-102
[2] قصة الحضارة 13\36
[3] يعتبر هذا الكتاب من المراجع الأساسية في مكتبة الصحوة الإسلامية وقد طبع مرات عديدة، وطبع مؤخرا عن دار الرسالة عام 2014
[4]ـ طبعته المنظمة العربية للثقافة والعلوم بواسطة “دار الجيل”، بيروت، 1981، ترجمة عدد من المترجمين على رأسهم محمد بدران.
[5] ـ مقدمة المترجمين لفصل (محمد صلى الله عليه وسلم)، قصة الحضارة، دار الجيل، بيروت، 1981، 13\21.
[6] ـ مقدمة فهارس الكتاب 1\14.
[7] Will Durant, The Story of Civilization: Our Oriental Heritage, Simon & Schuster, 1935, p. 1ـ
[8] Will and Ariel Durant, The Lessons of History (New York: Simon & Schuster, 1968), 36.
[9] Will and Ariel Durant, The Lessons of History, 34.
[10]ـ Will and Ariel Durant, The Lessons of History , 71.
[11]ـ Ibid., 73.
[12] انظر قصة الحضارة، قصة الإيمان، المقدمة، إلى القارئ، موقع المكتبة الشاملة الحديثة،
https://al-maktaba.org/book/31618/14024#p29
[13] يقول في كتاب دروس التاريخ“Every civilization is a synthesis of its moral and spiritual values; it dies when these values decay .
[14] Ibid., 74.
[15] يقول محذرا :No great civilization is ever destroyed from without until it has destroyed itself within.
Will Durant, The Story of Civilization, Vol. IX: The Age of Voltaire (New York: Simon & Schuster, 1965), 18.
[16] Will Durant, The Story of Philosophy (New York: Simon & Schuster, 1926), 103.
[17]-قال ديورانت عن الإسلام:« For five centuries, Islam led the world in power, order, and extent of government, in refinement of manners, in standards of living, in humaneness of laws, in cultivation of the arts, in literature, scholarship, and science ».انظر :will Durant, The Story of Civilization, Vol. IV: The Age of Faith (New York: Simon & Schuster, 1950), 188.
[18] Ibid., 195–210.
[19] « When the spirit of inquiry died out in Islam, the civilization decayed » انظرIbid., 235.
[20] Will and Ariel Durant, The Lessons of History (New York: Simon & Schuster, 1968), 75–77.
[21] Will Durant, The Story of Civilization, Vol. IV: The Age of Faith (New York: Simon & Schuster, 1950), 176-177.
[22] Ibid, 180
يعد توينبي أهم مؤرخ في العصر الحديث درس الحضارات التي صنعها الإنسان على مر الأزمنة، وقدم للبشرية منجزا علميا كبيرا في كتابه “دراسة للتاريخ” من اثني عشر مجلدا أنفق في تأليفه أربعين سنة من عمره، وقد جعل تركيزه على دراسة الحضارات وسماتها ومظاهرها وعوامل نهوضها وسقوطها كمجال لدراسة تاريخ الإنسان بدل الاكتفاء بالسرد الزمني وتسجيل الوقائع في تاريخ الدول والأمم، ينتقل من اختصاصه التاريخي الأصلي إلى آفاق الفكر والفلسفة وتداخل العلوم، وهو بذلك يسير على درب عبد الرحمن بن خلدون الذي لم يخف توينبي الإشادة في سبقه في وضع أسس علم التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة انطلاقا من دراسة التاريخ وسِير صانعيه، وقد ترقنا إلى شهادته سابقا.
كما ساعده تجواله الطويل لمختلف عواصم وحواضر الحضارات القديمة، وعمله في وزارة الخارجية البريطانية وما تتضمنه من أرشيف واسع وعلاقات متشابكة، وكذا مناقشاته العلمية الأكاديمية في الأوساط الجامعية بأوكسفورد ولندن وغيرهما على الخروج من الطابع النظري المكتبي إلى التحاليل الميدانية القائمة على معرفة ثقافات الناس وتفاعلات الأحداث والتحرر من تأثير اللوبيات.
ومن ذلك أنه استطاع تشكيل وجهة نظر عادلة بخصوص القضية الفلسطينية[1] وأن ينتبه إلى خطورة اللوبيات الصهيونية إلى الحد الذي جعل أقطاب هذه اللوبيات والمتعاونين معهم والتابعين لهم يتهمونه بمعاداة السامية ويشنون عليه حملات ممنهجة[2]. وصفه المفكر “روجيه غارودي“ بأنه: “من القلائل في الغرب الذين رفضوا الأسطورة الصهيونية المؤسّسة، وناصروا الحق الفلسطيني” كما أثنى عليه مالك بن نبي في أكثر من موضع، واعتبره مفكرًا منفتحًا على الثقافات الشرقية ومتضامنًا مع قضايا المظلومين.
يفسر توينبي نشوء الحضارات من خلال نظريته المشهورة “التحدي والاستجابة”[3]، وهي نظرية استلهمها من دراسات علم النفس السلوكي[4]، وخصوصا دراسات الشخصية الانكفائية والشخصية الانبساطية، حيث اعتبر أن الإنسان والأمم والشعوب تتجاوب مع التحديات الخارجية إما بالانكفاء على الذات والتسلح بالماضي وتقاليد السابقين فتضعف وتنضوي، أو تعترف بحقيقة التحدي وتواجهه للتغلب عليه بالإبداع، إلى أن تصبح أقوى منه. فتنشأ الحضارات في أي شعب حين يَقبل أفراده التحدي، وتسقط حين تتوقف الاستجابة التلقائية للتحديات المستجدة.
ويَرجع نشوء الحضارات الأولى في كل من وادي الرافدين ووادي النيل، حسب توينبي، إلى استجابة الشعوب التي تعرضت لتحولات مناخية قاسية، وتحديات اجتماعية وثقافية كبيرة، بالتحرك في الأرض للبحث عن مصادر المياه وتطوير أدوات الاستفادة من البيئة والانتقال إلى المرحلة الزراعية وبناء علاقات جديدة وتشييد المدن حول الأنهار التي استقروا على ضفافها، خلافا للشعوب التي ظلت تتحمل قساوة التحولات المناخية في مكانها أو الاكتفاء بالانتقال القريب من مكان إلى مكان للبحث عن الكلأ فبقيت مجتمعات رعوية بدائية[5].
غير أن توينبي يؤكد بأن الاستجابة للتحدي تكون عبر فئة قليلة إبداعية من داخل المجتمع الذي يواجه التحدي يسميها “الأقلية الخلاّقة” (creativeminority)، وهي طبقة قيادية ملهمة تتوصل إلى تقديم الإجابات المناسبة للمشاكل والأزمات التي تعترضهم ثم تتبعهم الأغلبية عن طريق المحاكاة (Faculty of mimesis)[6] التي تمثل الطريقة الغالبة في عملية الانقياد الاجتماعي، وهو ما يمكن أن نسمية “أثر القدوة في صناعة التيارات الاجتماعية” ، ويؤكد توينبي بأن التأثير الذي تصنعه “الأقلية الخلّاقة” ليس تأثيرا ماديا، ولكن له طبيعة روحية وفكرية عميقة تصنع قوة داخلية خفية جبارة تدفع للإبداع والتفاعل النشط مع المحيط الخارجي[7].
ويرى توينبي أن الحضارة تبقى تنمو وتتوسع ما دام ثمة تواتر لبروز “أقلية خلاقة” من قيادة روحية أو نخب ملهمة في كل مرحلة من مراحل الدورة الحضارية تستجيب للتحديات المتتالية، بغرض إعادة بناء الداخل وفق استجابات حضارية جديدة لا تعتمد على الإكراه والتكرار والتقليد، ولكن على المحاكاة المجتمعية الإيجابية التي تضمن توسع المشاركة في البناء الحضاري، ويستمر نمو الحضارة كذلك بقدر انفتاحها على الحضارات الأخرى والاستفادة منها[8]. ومما يقوله في هذا: ” نادرًا ما تكون الحضارات بمنأى عن التأثير الخارجي، سواءً من الحضارات السابقة أو الحالية”.
فمعظم الحضارات، حسب توينبي، انبثقت من حضارة سابقة، مستندة إلى إرثها من الأفكار والمعتقدات ضمن عملية ما يسمى: “الظهور والانتماء” (Apparentation-and‑Affiliation)، فهو في هذا الإطار يعتبر بأن الحضارة هي ميراث بشري تراكمي”[9]. وتصل الحضارة إلى ألقها حين تدخل في مرحلة “التحدي الذاتي” فتصبح هي بيئة الاختبار لذاتها ومصدر التحدي ومجال عملها، بغض النظر عن التحديات الخارجية إذا كانت مستمرة.
ويبدأ التراجع الحضاري، عند توينبي، حينما تُفقَد النخب المبدعة، وتغيب الطبقات القيادية الملهمة القادرة على الاستجابة للتحولات[10] والتحديات المستجدة ويسيطر على المشهد أقلية مسيطرة، ضمن ما يسمى استبدال “الأقلية الخلاقة” (Creative Minority) التي كانت تتبعها الأغلبية بقناعة، ب ا”لأقلية المسيطرة” (Dominant Minority)[11]، التي تتشبث بالسلطة والانتفاع بالمزايا الحضارية السابقة دون إبداع وتعمل على فرض نفسها بالقوة بدل الإلهام، وفرض اتباع الناس لها دون استحقاق. فينتج عن ذلك انسحاب الأغلبية وتوقف ظاهرة “المحاكاة الحيوية” (Mimesis)، وبداية بروز فئة من المنشقين (Schismatics) تحاول البحث عن حلول للتحديات، ومنها تحدي مواجهة النخب الحاكمة المهيمنة، فإن كانت مبدعة ومجددة تتوصل إلى الاستجابة للتحديات وتؤول الأمور إليها وينبعث فجر جديد من قلب تلك الحضارة، وإلا يتجه المجتمع نحو الصراعات، التي تعالجها “الأقلية المسيطرة” بالقوة والعسكرة والانضباط القسري، والاعتماد على الدين كطقوس خالية من أي أثر روحي أصيل، وتحويل الطاقة الدينية إلى مؤسسة تابعة لا أثر لها في الفعل الحضاري، و مختلف المؤسسات إلى قشور مؤسسية جوفاء غير منتجة.
يؤكد تويبنبي بأن الحضارات لا تُقتل (من الخارج) ولكنها تنتحر (من الداخل)، ويبدأ التراجع من المركز وليس الأطراف وذلك بتوقف الإبداع لدى النخب، وانطفاء أنوار القيم المؤسِّسة للحضارة، وانتشار الظلم والقمع، والصراعات والانشقاقات وتشكُّل مجموعات داخلية ( (InternalProletariat سلبية ومهمَّشة ومُقلدة، وأحيانا انتهازية، وغير مشاركة في الفعل الحضاري، ومجوعات خارجية (ExternalProletariat) على هامش الحضارة تتسم بالفقر والتخلف والحسد والحقد على الحضارة المهيمنة الظالمة. وفي مرحلة نهاية الدورة الحضارية تحاول الأقلية المتحكمة فرض نموذج سياسي مركزي، سماه توينبي “الدولة العالمية” (Universal state)[12] التي تستعمل القانون والمؤسسات لضبط المجتمع، والشرعية القسرية بدل الإقناع والتأثير وشرعية الإبداع والإنجاز، والحفاظ على الاستقرار الشكلي بهيبة الدولة والهالة المؤسسية لمنع التمرد والانقسام. مستشهدا بأمثلة من الحضارات القديمة في فترات انحطاطها، كالأمبرالطورية الرومانية، وأسرة الهان الصينية، والخلافة العباسية في بغداد، والامبراطورية المغولية بعد تشكلها. ويؤكد بأنه حين تفشل “الدولة العالمية” عن بعث المعاني الأخلاقية والإبداعية وعن تقديم أي مشروع إنساني، تظهر “الكنيسة العالمية” (Universal Church)، كملاذ روحي للجماهير، تملأ الفراغ المعنوي الذي تتركه النخبة المتكلسة والدولة المسيطرة. ويفهم من عبارة “الدولة العالمية” أي كيان سياسي مركزي تنشئه “الأقلية المهيمنة”، في أي مستوى من مستويات الاجتماع البشري، وهو بدون شك يركز على البعد الحضاري العالمي. كما لا يفهم بالضرورة من عبارة “الكنيسة العالمية”، عند توينبي، “كنيسة” بالمفهوم الديني، بل هي حالة بحث الجماهير عن المعنى الروحي والقيمي والأخلاقي الذي يتشبثون به أثناء مرحلة انهيار الحضارة وعجز “دولتها العالمية” على تحقيق المعنى رغم قدرتها على التحكم والسيطرة، ويمكن لهذا الملجأ الروحي الجديد أو المتجدد أن يكون بديلا خلاّقا ل”الدولة العالمية” المسيطرة إذا اعتُمد الإبداع والتجديد القيمي فتكون حاضنة الانبعاث الحضاري، أو يزيد الحضارة القائمة تكلّسا وجمودا ويساهم أكثر في الأفول ونهاية الروح الحضارية[13]. ويضرب المثل في هذا الشأن بالديانة المسيحية بعد انهيار روما، وبروز الصوفية الإسلامية في أواخر العهد العباسي، ودور البوذية في حضارات شرق آسيا.
يؤكد توينبي على الأطوار والأعمار الحضارية ( النشأة، النمو، الألق، الأفول، الانهيار)، على نحو ما ذهب إليه ابن خلدون وأغلب فلاسفة الحضارة. ويشرح بأن التاريخ أعاد نفسه أكثر من عشرين مرة على نفس شروط وأفول الحضارات. وينبه أن الحضارة الغربية ليست استثناء وأنها تصنع في داخلها أسباب انهيارها وتتجه على نفس المنوال إلى الانتحار. ولكن يختلف عن العديد من المتخصصين في التاريخ والدراسات الحضارية، بأن مصير الأفول ونهاية الحضارات ليس حتميا كأعمار البشر، وأن الانهيار مرتبط فقط بالتوقف عن الاستجابة للتحديات، ويعتقد، على هذا الأساس، أن نهاية الحضارة الغربية ليس قدرا مقدورا، وأنها تملك القدرة على مواجهة التحديات التي تهددها.
يرى توينبي أن الحضارة الغربية نجحت في الاستجابة لتحديات عظيمة في مرحلة القرون الوسطى المتأخرة وعصر النهضة، وباتت حضارة عالمية كبرى، ولكنها دخلت مرحلة الانحدار مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين تحولت النخب من صانعة الإبداع والحداثة والتنوير إلى نخبة مهيمنة تسعى للحفاظ على السلطة. وتحول الغرب إلى التركيز على التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية وأهمل الجوانب الروحية والأخلاقية. وظهرت بوادر التمزق الطبقي والعرقي والديني في داخله، وأصبحت الحضارة الغربية في المجمل موسومة بالنزعة الفردانية والاستهلاكية والخواء الروحي، فباتت تصنع أدوات الموت والتدمير الشامل بأسرع مما تصنعه من أدوات الحياة [14]، وباتت لا تكترث بوسائل القيم الإنسانية والروحية. ومما قاله: “لقد تجاوز التطور التنكنولوجي التطور الأخلاقي والروحي، تعلمنا كيف نطير كالطيور، وكيف نسبح في البحار كالحيتان ولكن لم نتعلم كيف نعيش معا كبشر .. لقد بات الغرب يعرف كيف يقود الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يقود ذاته”[15]
ولكن رغم كل الانتقادات التي وجهها أرنولد توينبي إلى الحضارة الغربية، وما ذكرها من مظاهر الأزمة الحضارية في الغرب فهو يرى أن الحضارة الغربية بإمكانها التعالي عن حتمية الموت الحضاري بالقدرة على الاستجابة للتحديات، خصوصا الداخلية، من خلال العودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، والتخلي عن منطق القوة، والتواضع والانفتاح على الحضارات الأخرى[16]
يرى توينبي أن البشرية شيّدت عدة حضارات في تاريخها، عدّد منها قرابة 21 حضارة كبرى. ركز منها على 13 حضارة مستقلة وذات هوية واضحة، وصنّفها إلى حضارات حيّة ومستمرة، لا تزال في طور التحدي والاستجابة، وحضارات متعثرة تتعرض للانتحار الداخلي، وحضارات ميتة ومنقرضة[17].
وبخصوص الحضارة الإسلامية فإن توينبي لا ينظر إليها بنظرة استعلائية كما هو حال العديد من المستشرقين الغربيين، بل يعتبر أن الإسلام استطاع أن يحقق استجابة تاريخية لتحديات الجزيرة العربية والعالم المحيط بها فصنع حضارة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية، استطاعت أن تنفتح على الحضارات التي سبقتها بثقة كبيرة وطورت خصوصيتها الحضارية الخاصة بها، ونقلت ذلك كله إلى الغرب ضمن حالة “ظهور وانتماء”. كما أشاد بالعطاء الروحي والأخلاقي الذي جاء به الإسلام حين وحد القبائل العربية وأنهى حالة الفوضى والتشرذم التي كانت بينهم وشكل وحدة حضارية امتدت من اسبانيا إلى الهند، شملت العديد من الأعراق والإثنيات أبكر وأشمل مما فعلته المسيحية[18] .
يرى توينبي أن الحضارة الإسلامية عرفت نفس المسار في النهوض والتراجع الذي عرفته الحضارات الأخرى، فقد استجابت بنجاح للتحديات في بدايتها إذ بعثت رسالة أخلاقية عالمية وحّدت بين العرب والعجم، والدين والسياسة، وحققت تكاملا بديعا بين المسؤولية الفردية والمجتمعية، وأنشأت شرائح شعبية واسعة مرتبطة بالرسالة الإسلامية وفاعلة في محاكاتها للنخب المبدعة، وفي القرن الرابع الهجري بدأت تتشكل علامات الجمود والانتقال من مرحلة النخبة الخلاقة إلى مرحلة النخبة المتسلطة، ففقد الجمهور العريض المحاكاة الحيوية وخرج من الفعل الحضاري، وباتت الخلافة العباسية في أواخرها تمثل نموذج “الدولة العالمية” كشكل سياسي جامد بلا إبداع حضاري حقيقي، حوْلها سلطناتٌ متناحرة وضعيفة، بلا إضافات حضارية حقيقة، رغم الشكل المؤسسي القوي، وتشكل لدى الشعوب الإسلامية ما يماثل مفهوم “الكنيسة العالمية” باللجوء إلى الصوفية والحركات الدينية المتنوعة.
لا يوافق توينبي بأن الحضارة الإسلامية آيلة للاندثار النهائي، كما يعتقد العديد من المستشرقين، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة نائمة قد تنهض من جديد إذا توفرت لها القيادة الخلاقة، وأنها لا تزال في مرحلة التحدي الداخلي، وأن الإسلام لا يزال قادرا على منح القيادة الروحية التي يحتاجها العالم[19]
غير أن توينبي يخطئ في اعتقاده بأن السبب المبكر لتراجع الحضارة الإسلامية هو انتقالها للمرحلة السياسية مع دولة المدينة في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالحضارة الإسلامية لم تحقق حضارتها إلا بحماية هدايتها بقوة الدولة في مواجهة تهديدات المشركين المستمرة، والتي كادت أن تقضي على بيضة الإسلام لو لا انهزامها أمام جيش الدولة الناشئة في غزوة بدر وغزوة الخندق، ولو لا إنهاء التهديد كلية في فتح مكة وغزوة حنين، وأمام تهديدات الخطر الروماني التي تمت مواجهته في غزوة مؤتة وغزوة تبوك ثم إنهاء تهديده في البلاد العربية في الشام، ومنعه من الاستيلاء على إرث الدولة الفارسية المتداعية بعد هزيمتها الكاسحة من الجيش الروماني قبيل بداية الفتوحات في الشام والعراق. كما أن بناء دولة المدينة كان هو المعيار الذي قامت عليه الخلافة الراشدة التي بقيت هي النموذج الذي تندفع إليه حركة التاريخ للاستنهاض الحضاري للأمة، وسيبقى كذلك إلى يوم الدين.
[1] ـ من مقولاته: ” الصهيونية حركة سياسية وليست دينية”، “النازيون هم من أسسوا دولة إسرائيل”،” أنا متعاطف مع وجهة النظر العربية في القضية الفلسطينية” انظر كتاب “محاضرات أرنولد توينبي” وهو كتاب جمع نصوص أربع محاضرات ألقاها أرنولد توينبي عام 1964 بالقاهرة ونشرتها مؤسسة هنداوي، ترجمة وتحرير فؤاد زكريا، عام 2022. وفي محاضرة شهيرة في بيروت عام 1961 وصف مجزرة دير ياسين بأنهاجريمة نازية ارتكبها اليهود ضد العرب، ومما قاله: “ما فعله الصهاينة بالعرب يشبه ما فعله النازيون باليهود، وهذا لا يمكن تبريره أبدًا”، انظر :”محاضرات توينبي في بيروت“، الجامعة الأمريكية، 1961، ومما قاله كذلك: “تهجير الفلسطينيين وتأسيس دولة لليهود على حسابهم خطأ تاريخي لا يُصلح خطأ ما حدث لليهود في أوروبا”.
[2]ـ حدثت بينه وبين علماء ودبلوماسيين صهاينة مراسلات ومواجهات شديدة في عدة مناسبات منهم يعقوب هيرتزوج(Yaacov Herzog)، يعقوب تلمون (Jacob Talmon)، أشعياء فريدمان (FriedmanIsaiah)، موثقة في مقال بموقع جستور للمجلات العلمية ( انظر المقال في الرابط:https://www.jstor.org/stable/30245780 )، وكان ذلك بعد حرب 1967. ورد عليه في محاضرة تحت عنوان “هرطقة توينبي” بجامعة يشيفا بنيويورك عام 1955، المفكر والسياسي والدبلوماسي الصهيوني “أبا إيبان” وهو أحد مؤسسي دولة الكيان تقلد مناصب عليا كثيرة منها وزير الخارجية الإسرائيلي (1966 ـ 1974) ، نائب رئيس الوزراء (1963ـ 1966)، عضو الكنيست سبع مرات، سفير الكيان في الأمم المتحدة لعشر سنوات، ونائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952.
[3] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 1, Oxford University Press, 1934, p. 73.
[4] يعترف توينبي أن استفاد في نظريته ” التحدي والاستجابة” من دراسات عالم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ ( 1875ـ 1961Carl Jung )، خصوصا دراساته عن الشخصية الانطوائية والشخصية الانبساطية.
[5] تطرق مالك بن نبي إلى حالة الرجل البادية في الجزائر الذي قهره التصحر بسبب خوفه وضعفخ فلم يبق له أرض يحرثها ولا ماشية يحلبها، ففر بدابته تائها في الصحراء أو منبوذا في المدينة: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص 132.
[6]Toynbee: An Historian’s View of Art, Vol. 3, No. 4 (fall 1961), pp. 267-280 (14pages)Published By: Wayne State University Pressـ Milton Gold,
[7] ـ تشبه فكرة “الأقلية الخلاقة” فكرة “الدافع الحيوي” أو “الوثبة الحيوية” (l’Elan vital)، وهو مفهوم صاغه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتابه “التطور الخلاق” عام 1907 (L’évolution créatrice)،يشير فيه إلى وجودقوة داخلية غير مادية، تدفع الكائنات الحية إلىالإبداع، والتطور، والنمو، بشكل يتجاوز الآليات المادية والبيولوجية وهو بمثابة “شرارة الحياة”، و”الروح الخلّاقة” التي تسري في الكائنات، وتمنحها إرادة العيش والتجدد.
[8] ـ من الأمثلة التي يضربها توينبي في مسألة انفتاح الحضارات وأثر ذلك في توسعها الحضارة الإسلامية وكيف استفادت من الترجمة النشطة للعلوم اليونانية والفارسية والهندية وكيف أدى ذلك إلى تحويل بغداد وقرطبة إلى مراكز حضارية رائدة انتفعت من الحضارات التي سبقتها ضمن بنائها الحضاري الخاص. وهو بهذاينفي خصوصية الحضارة الغربية المتعالية على الحضارات الأخرى،ويعارض أفكار المؤرخين الغربيين، خصوصا المتأخرين كأمثال صمويل هنتنتن الذي يؤصل لصراع الحضارات وضرورة مواجهة الحضارة الغربية الحضارات الأخرى لتضمن ديمومتها.
[9] ـ انظرفي موقع E-International Relations مقال: “Ian Hall, Clashing Civilizations: A Toynbeean Response to Huntington, Apr 18 2018, Articles”
[10] ـ Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 2, Oxford University Press, 1934, p. 112.
[11]ـ Ibid, Vol. 3, p. 201
[12] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. VII, Oxford University Press, 1954, pp70-76
[13] انظر: Arnold J. Toynbee, A Study of History, Volume IX: “Universal Churches and Disintegration, Oxford University press, 1936-1961.
[14] Arnold Toynbee, Civilization on Trial, ch. 3, 1948, pp. 45–46.
[15]ـ Civilization on trial, pp 41,42 مرجع سابق
[16] ـ If the West is to be saved, it will not be by clinging to power, but by listening to the spiritual voices of other civilizations.” — A Study of History, Vol. XII, 1961.
[17]وعند تتبعنا لما كتبه توينبي عن مصير الحضارات يمكننا أن نلخص مصائرها بتصرف على النحو التالي : الحضارة السومرية والبابلية والمصرية المنقرضة، رغم تأثيرها المتفاوت في حضارات لاحقة، وحضارة المايا والأزتك التي انقرضت بفعل بُعدها عن العالم القديم، والإبادة البشرية والثقافية التي تعرضت لها من قبل الاستعمار الغربي، والحضارة اليونانية التي اندمجت في الحضارة الرومانية التي تحولت بدورها إلى المسيحية بعد سقوط روما، الحضارة الهندية التي صمدت أمام الغزو ولكنها فقدت وحدتها الدينية بين الهندوسية والإسلام والسيخ وبقيت متأثرة كثيرا بالغزو الثقافي الغربي المسيحي، الحضارة الصينية التي بقيت تتحول بين الركود والانبعاث (وهي رغم نهوضها الاقتصادي تتعرض إلى حالة تغريب كبيرة)، الحضارة الأرثوثوكسية التي رغم خصوصيتها الثقافية الدينية والصراعات الجيوستراتيجية الروسية الغربية يمكن اعتبارها مندمجة في الحضارة الغربية، الحضارة الإسلامية التي رغم تعثرها يرى توينبي بأنها لها القدرة على الانبعاث من جديد.
[18] ـ Islam succeeded in creating a universal society and a universal state sooner and with greater completeness than Christianity.” — A Study of History, Vol. V, 1939.
[19]ـ Islam may yet furnish the spiritual leadership the world needs.” — Civilization on Trial, 1948.
هذا الكتاب جزء من سلسلة تضمّ عدداً من الكتب، عنوانها: “عن الحضارة وتحدّي العبور”. وقصة هذا الكتاب أنه كان من المفترض في البداية أن يكون نصاً مختصراً، لا يعدو أن يكون مقدمة لكتاب آخر ضمن السلسلة، هو كتاب “شروط النهضة الخمسة”، تُعنى بتعريف مختصر للحضارة وعرض أبرز ما قيل فيها عند كبار العلماء والمفكرين.
غير أنني وجدت نفسي أتوسّع شيئا فشيئا في موضوع المقدمة، مستفيدا مما سبق أن درسته من موضوعات وكتب، وما رجعت إليه من مقالات كنت قد نشرتها، فضلا عن أفكار ومشاريع بحثية شرعت فيها سابقا ولم أتمّ بعضها، أو أتممتها ولم أنشرها. ومع امتداد البحث وتشعّب موضوعاته، أخذت المقدمة تطول حتى بلغت من الحجم ما لم يعد يصلح معه أن تكون مجرد مقدمة لكتاب آخر، فعزمت على تحويلها هي ذاتها إلى كتاب مستقل.
وبعد أن تقدّمت في تأليف هذا الكتاب الجديد، وبالنظر إلى وجود ثلاثة كتب أخرى لديّ تدور في المجال نفسه، وتتعلق جميعها بقضايا الحضارة، تهيّأ لي أن أجمع هذه الكتب كلها ضمن سلسلة واحدة. ولما كان أصل هذا المسار الفكري يعود إلى كتابي المنشور “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور”، رأيت أن يكون عنوان السلسلة منبثقاً من المجال الفكري نفسه، فاخترت لها عنوان: سلسلة “عن الحضارة وتحدّي العبور”.
وقد بدا لي، من خلال ما حظي به كتاب “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور” من اهتمام، سواء في الندوات والمحاضرات التي قدّمتها حضوريا أو عن بُعد في عدد من الدول، أو من خلال النقاشات التي دارت حول الكتاب، أن القدر الأكبر من الاهتمام قد اتجه إلى فصله الأول: “تحدّي العبور” لارتباطه بمسائل شائكة يدور حولها في الفكر الإسلامي. ومن هنا رأيت أن أعيد نشر هذا الفصل في كتاب مستقل، بغرض تيسير انتشاره على نطاق أوسع، وتسهيل النقاش والتفاعل بيني وبين القراء.
ثم بدا لي أنه لا ضير في أن أعيد نشر الفصل الثاني، “مسارات العبور”، والفصل الثالث، “مواضيع العبور”، في كتابين مستقلين كذلك، يظهران أهميتهما أكثر لمن يهمه النقاش حول الحلول المقترحة للمعضلات التي تناولها الفصل الأول.
وبذلك يكون الكتاب الأول في السلسلة هو “تحدّي العبور”، والكتاب الثاني “مسارات العبور”، والكتاب الثالث “مواضيع العبور”، أما الكتاب الرابع فهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ: “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”.
أما الكتاب الخامس، وهو تحت الطبع كذلك، فعنوانه “مع بن نبي وشروط النهضة”. ويعود أصل هذا الكتاب إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، بعنوان “شروط النهضة وتحدّي العبور”، تناولت فيه بالتحليل الأفكار الأساسية للمفكر الكبير مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”، ثم قمت بتحويل مادة البرنامج إلى كتاب.
أما الكتاب السادس فهو “شروط النهضة الخمسة”، ويعود أصله، هو الآخر، إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، تناولت فيه الشروط الأساسية للنهوض الحضاري، وتطبيقاتها العملية على عدد من النماذج التاريخية.
يتشكّل هذا الكتاب : “الحضارة في الفكر الغربي والفكر الإسلامي” من ثلاثة فصول. يتناول الفصل الأول “الحضارة في الفكر الإسلامي”، وقد رصدت فيه الأفكار الأساسية في موضوع الحضارة لمفكرين مسلمين من توجهات ومدارس مختلفة، فتوسعت إلى حد ما في تناول أفكار اثنين منهم وهما: عبد الرحمن بن خلدون، بسبب مرجعيته المتفق عليها في الموضوع، كمؤسس فعلي لعلم الاجتماع والتاريخ، والمكانة السامية عالميا التي نالتها “المقدمة”، ومالك بن نبي، بسبب دقة وشهرة أفكاره، خصوصا معادلة: “الفكرة الدينية، الوقت، التراب، الزمن”، ومعادلة: “الروح، العقل، الغريزة”، و كذا جوابه على أسئلة لا تزال تطرح إلى اليوم. ثم تطرقت بشيء من الاختصار لأفكار قامات فكرية أخرى، لم يمنعني من التعمق في الاستفادة من كنوزهم الفكرية سوى الخوف من الإطالة على القارئ، وهم: علي عزة بيغوفيتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، محمد عابد الجابري، عبد المجيد النجار، وكان يمكن كذلك الرجوع إلى أفكار مفكرين آخرين غير هؤلاء لا تقل الاستفادة منهم أهمية، لو لا ضرورة تجنب التوسع لتسهيل الاستفادة.
لا شك أن توفر الفضاءات المعرفية تتيح للمهتمين الاطلاع على أفكار هؤلاء العلماء والمفكرين من مصادر أخرى أكثر توسعا، ومن كتبهم مباشرة. ولذلك ما أدعو القارئ إلى الاهتمام به أكثر هو التحليلات التي أقدمها والتصنيفات الجديدة التي أعرضها للنقاش، ومحاولات شرح الاختلافات وتنوع المقاربات، وما يمكن أن يُستفاد من كل ذلك في مشروع الاستنهاض الحضاري، وفي تحديات العبور من حالة الخمول الحضاري إلى النهوض الحضاري للأمة الإسلامية.
وفي الفصل الثاني أتناول مساهمات كبار المفكرين الغربيين في دراسة الحضارة، فأبدأ بعالمين كبيرين مشهورين، هما أرنولد توينبي ووِل ديورانت، الأول بسبب مكانته العلمية الكبيرة وموضوعيته المشهودة، خصوصا في تناول الحضارة الإسلامية والموقف من القضية الفلسطينية، ودقة فكرة “التحدي والاستجابة” في كتابه المشهور “دراسة للتاريخ”، التي بقيت فكرة مركزية في الدراسات الحضارية. والثاني بسبب الغزارة المعرفية في مؤلفه الشهير “قصة الحضارة” الذي ظل المرجع الأساسي للدراسات الحضارية منذ تأليفه، والذي أوصى بدراسته علماء مسلمون مرموقون، رغم أغاليطه حين يتناول مصدر الرسالة المحمدية، وعند إبداء موقفه من القضية الفلسطينية، وخرافة التفوق اليهودي، الذي جرّه إليه شريكته في مؤلفاته الأساسية، زوجته اليهودية أرئيل ديورانت. وبعد هاذين المرجعين الأساسيين اخترت زمرة من الفلاسفة الغربيين الكبار الذين تناولوا بالدراسة موضوع الحضارة من زوايا مختلفة وبآراء متنوعة، وهم: أوزوالد شبنجلر، فرناند بروديل، جاك إيلول، أرنولد جيلي، مارسيل موس، لوسيان فافر، كلود ليفي-شتراوس، صموئيل هنتنغتون.
وقبل أن أتمنى أن يستفيد القارئ من هذه المقتنيات الفكرية أقرّ أن استفادتي ومتعتي كانت حقا عظيمة عند مطالعة ودراسة واختصار أفكار هذه القمم الفلسفية الغربية. لا شك أن استفادتي من دراسة درر المفكرين المسلمين في الفصل الأول كانت لا تقل فائدة، ولكنها أفكار معهودة لدي في أغلبها، ودراستها كانت تذّكرًا ومراجعة، وتنظيما معرفيا. أما دراسة أفكار هؤلاء الفلاسفة الغربيين، في الفصل الثاني، من مصادرها الأصلية في الغالب، فهي جديدة عليّ. لذلك اعتبرتها عمرا معرفيا جديدا بالنسبة إلي، وقد ساعدني في التمهل والتركيز في الدراسة، والترجمة والاختصار، فسحة قعود في مكتبي بالبيت لم تتح لي منذ سنوات طويلة. ولو لم تكن لدي اهتمامات بحثية أخرى أنا بصددها، لخصصت جزء مما بقي في عمري، بإذن الله، في دراسة الفلسفة والتعمق فيها.
قد يكون ما نقلته من أفكار مختصرة لفلاسفة غربيين مرموقين مفيدا للقارئ العربي، ممن لم يكن لهم اطلاع سابق، خصوصا في المحيط الذي أنشط فيه فكريا وسياسيا ودعويا، والذي لا يهتم أصحابه عادة بالفلسفة الغربية ويأخذون منها موقف الحذر ابتداء.
لا شك أن الزخم الفلسفي والفكري المناقض للدين عموما، والمرجعيات الإسلامية خصوصا، كبير في الفكر والفلسفة الغربية، غير أن ثمة من الفلاسفة الغربيين من لهم قدرة مدهشة على تفكيك الفلسفة المادية الغربية، والديانة العقلانية والغريزية الجديدة التي فرضتها الفلسفات الوجودية والوضعية في العصر الحديث، وأن ثمة أسئلة فلسفية كبيرة يطرحها فلاسفة غربيون كبار يستطيع أن يجيب عنها المسلمون، لو توفرت لهم المؤهلات المنهجية والمقدرات المعرفية والمهارات الحوارية.
وعلى نحو ما ذكرته بخصوص الفصل الأول فإني أوجه الاهتمام أكثر في الفصل الثاني، كذلك، بما قدمته من تحليل للتوجهات الكبرى في تعريف الحضارة عند المفكرين الغربيين، وتطورات المفاهيم الحضارية في الحضارة الغربية، والتصنيفات التي اقترحتها، ودلائل ذلك ونتائجه في العلاقة بين الشعوب، وفي الساحة الدولية، وفي فهم المعضلات الكبرى التي تواجه البشرية جراء الخلفيات الفكرية في فهوم الحضارة ومقارباتها في العالم الغربي.
أما الفصل الثالث فهو يتناول ثلاث مواضيع مهمة تتعلق بالمفاهيم التي لها اتصال من حيث الدراسات المعرفية بالحضارة وهي: “الدين والحضارة”، “”الثقافة والحضارة، “المدنية والحضارة”. فأتناول بالدراسة، في موضوع “الدين والحضارة”، حقيقة اتفق عليها جل المفكرين الذين درسوا الحضارة، قديما وحاضرا، في العامل الإسلامي أو في العالم الغربي، مفادها أن أصل قيام الحضارات الكبرى المبعث الديني، ولكي أحسم الموضوع أتطرق إلى مباعث الحضارة الغربية، فأثبت بالوقائع التاريخية وشهادات المفكرين الغربيين أن أصل الحضارة الغربية النهضة العلمية الدينية في المدارس الكاتدرائية، في القرون الوسطى، وعبر النهضة المسيحية الكارولينجية الجرمانية، وأن رواد الثورة العلمية الأوربية، في منتصف القرن السادس عشر، كانوا متدينين أو رجال الدين، وإنما وقع التحول بسبب تطورات لها علاقة بالصراع على النفوذ والصراع السياسي وتفوق الحقائق العلمية المسلماتِ الكنسيةَ المنحرفة، ضمن تاريخ أوربي حصري.
وفي موضوع “الحضارة والثقافة” حاولت أن أتناول مفهوم الثقافة، أولا، بمعزل عن علاقتها بالحضارة، بالرجوع إلى معناها في تراثنا، ثم ما ذهب إليه بعض الفلاسفة في العصر الحديث، ثم ما فهمته مما درسته في الكتب وما عاينته في سلوك الناس وأحوال المجتمعات. وبعد ذلك رجعت إلى تناول علاقة الثقافة بالحضارة، انطلاقا مما ذهب إليه مفكرَين مهمَين يتميّزان بازدواجية “الثقافة” الإسلامية والغربية هما: مالك بن نبي وعلي عزت بيغوفيتش، وعدد من المفكرين الغربيين، ثم اقترحت نماذج مفاهيمية ومصطلحات جديدة تتعلق بالثقافة، مثل “المكونات الباطنية والظاهرية” للثقافة، و”المكونات العليا والدنيا”، والأبعاد “الفردية والجماعية” و”المحلية والعالمية” للثقافة، وعلاقة كل ذلك بالحضارة، كوسائل معرفية لفهم تفاعل الأبعاد الثقافية والحضارية في المجتمعات.
وفي تناول موضوع “الحضارة والمدنية”، شعرت في البداية بشيء من الملل، وعدم الجدوى من تناول الموضوع، لاستحالة النجاح في عملية التفكيك والتحليل بين مفهومي “الحضارة” و”المدنية”، خصوصا عند استحضار مفهوم “الثقافة” ومحاولة تحديد علاقته بهما كلاهما. وأنا في نفسية عدم الجدوى تلك، عثرت على مقولة تؤكد هذا الشعور عند الفيلسوف الأمريكي “توماس إليوت” حين يقول في كتابه “ملاحظات نحو تعريف الثقافة” ما يلي: ” أن أي محاولة لوضع الحدود بين معنَيَي هاتين الكلمتين لا يمكن أن تنتج إلا تمييزا صناعيا خاصا بهذا الكتاب، يجد القارئ صعوبة في تذكره، ويشعر بالراحة في التخلي عنه عندما يطوي الكتاب “[1]. وقد عمّق هذا الشعور الترابط اللغوي الشديد بين كلمة “حضارة” وكلمة “مدنية” في اللغات الأوربية (الفرنسية والانجليزية على الأقل)، وتداخل المعاني بين معنى الحضارة والثقافة في الفكر الغربي، ثم الابتعاد المجالي لمفهوم “المدنية” حين يتصل بالفكر السياسي. ولكن في الأخير توصلت إلى نتيجة مهمة أرجعت الجدوى لتناول الموضوع، أرجو الله تعالى أن يُكتب لها القبول في الساحة الفكرية وهو أن “المدنية” ما هي إلا “العمران” الذي تحدث عنه ابن خلدون، والذي هو الدليل المرئي للنهوض لأمة ما، والذي هو المظهر الخارجي للحضارة، وعليه يمكن الاستنتاج أن الثقافة هي روح الحضارة، والمدنية جسدها، وتأثير الروح “الثقافة” في الحضارة هو الذي يشكل أوصاف الجسد “المدنية” الظاهرة.
[1] توماس إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة شكري عياد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 16
contact@abderrazakmakri.com