المقالات

لقد كانت انتفاضة 5 أكتوبر نتيجة طبيعية لأزمة عميقة تسبب فيها النظام السياسي الذي فرض نفسه بعد الاستقلال، وهو تاريخ مفصلي بين مرحلتين من مراحل التاريخ السياسي الجزائري. لقد ثار الجزائريون ضد الفساد ومن أجل تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ومن أجل التغيير السياسي ورفض الحزب الواحد فأدت تلك الأحداث إلى تغيير كبير غير مسبوق في العالم العربي. تغير على إثر ذلك الدستور وسمح بالتعددية الحزبية والحرية الإعلامية وفسح المجال أمام المجتمع المدني وأصبحت الجزائر نموذجا ملهما ومشوقا ومصدر عز وافتخار للجزائريين، وأضحت أشرطة النقاشات السياسية التي كانت تنظم في التلفزيون الجزائري تسرب سرا في دول الجوار وكثير من الدول العربية. غير أن الحصيلة مع مرور السنوات لم تكن في مستوى ذلك الطموح وتلك الأحلام. لقد تحول الانتقال الديمقراطي إلى كارثة وطنية وتسبب في مأساة كبيرة راح ضحيتها أكثر من 200000 قتيل وأعداد كبيرة غير معروفة من المفقودين ومئات الآلاف من الأيتام والأرامل وخسائر مادية جسيمة، والأكثر من ذلك كله ضياع هذه الخسائر هباء دون أن يتحقق التغيير الذي كان منشودا إلى حد الآن. بكل تأكيد الوقت ليس مناسبا اليوم للحديث عمن كان سببا في هذه المأساة، وما هي مسؤولية كل طرف، وما قسط كل واحد من المسؤولية، وهو ملف لا بد أن يفتح يوما ما حينما يكون فتحه غير مؤثر سلبيا على مسيرة الإصلاح والتغيير.
لم تتوفر الشروط التي تجعل الانتقال الديمقراطي ناجحا، لا على مستوى النضج والخبرة والتجربة ولا حتى على مستوى الأخلاق والبحث على المصلحة العامة، والتنازل من أجل استمرار التجربة. لقد تحول الانتقال الديمقراطي إلى معادلة صفرية كل طرف يريد ان يلغي الآخر، وتحولت العملية السياسية إلى مجرد صراع على الحكم والنفوذ ضمن مظهرية مزيفة اختلطت فيها الشعارات الوطنية والعلمانية والدينية وضاع فيها الوطن والمبادئ والقيم. لم تستطع الأصوات العاقلة أن تجد لها مسلكا في ضجيج الصراع والمزايدات بكل الألوان والأشكال. وحين تغلب الحاكم المدجج بالسلاح الكافر بالديمقراطية والتغيير أصلا أخفى أخطاءه الجسيمة واستغل أخطاء الجميع ليستمر في الحكم. وباسم مكافحة التطرف والإرهاب سيطر على إرادة الجزائريين، وسمحت له الظروف أن يزور كل الانتخابات، ومع توالي تزوير الانتخابات سُقط في أيدي الأحزاب فلم تصبح تعرف كيف تزاوج بين الثبات على مطالب التغيير والمحافظة على الاستقرار، وحين انتهى أمل التغيير بالانتخابات هجر المواطنون مكاتب الاقتراع، وحين انغلق الأفق السياسي ولم يصبح متاحا منه سوى ما يسمح به الحاكم انتشرت الانتهازية والزبونية ففتكت بالأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والأعمال وتحولت العملية السياسية كلها إلى لعبة سمجة لا يؤمن بضرورة الثبات فيها إلآ نزر قليل. وفي آخر المطاف لم يبق من مكتسبات 5 أكتوبر إلا هامشا محدودا من الحرية يتيح التعبير عن الرأي ويتيح تأسيس الأحزاب بين الحين والحين ولكنه لا يسمح بالتغيير أبدا ولا يسمح بتأسيس مجتمع مدني حر وطليق وفاعل ولا يسمح بإعلام مستقل وجريء ولا يمكن من الفصل بين السلطات ولا يتيح مكافحة الفساد. إن هذا الهامش إذا استمر على هذا النحو لا يصلح إلا للتلهي السياسي، و لا يرضي إلا الإنتهازيين السياسيين في الأحزاب الذين يفضلون التنافس على رؤوس القوائم الانتخابية بدل الكفاح من أجل انتخابات حرة ونزيهة ومن أجل حرية حقيقية، وهذا الهامش يتوافق كذلك مع إرادة الحكام الذين تقويهم الواجهة الديمقراطية أكثر من منعها مطلقا.

إن الهامش المتبقي من الحريات بعد 5 أكتوبر شيء يُحتفى به ولكنه غير كاف للتغيير، ولا بد من الانطلاق من هذا الهامش لاستكمال التجربة بعمل متواصل أكثر خبرة وأكثر جدية، وما مبادرة الحريات والانتقال الديمقراطي إلا امتداد لهذا التغيير. لقد صار واضحا بأنه بعد كل هذه السنوات منذ 5 أكتوبر كل الأحزاب والتيارات تطورت واستفادت من الأحداث واقتربت من بعضها البعض من أجل الهدف الذي ضيعوه في التسعينيات ولكن ثمة قوة سياسية واحدة لم تتغير ولا تزال جامدة على ذهنية التسعينيات تحافظ على المكاسب الشخصية والسلطة ومتعها على حساب الوطن وعلى حساب مستقبل الأجيال وهذه القوة هي النظام السياسي دون غيره. إن الجهد سياسي الذي يجب أن نبذله جميعا، وقد أصبح الجميع أكثر خبرة وتجربة، يجب أن يتوجه إلى هذه السلطة الجامدة التي لا تبدع إلا في ابتكار أسباب البقاء ولا يهمها ما يضيع من الأوقات والموارد المادية وما يضيع من موارد بشرية، إنها وحدها من يمنع التغيير.


عبد الرزاق مقري

الحوثيون والثورة المضادة/ كنت أود أن أتحدث عن ظاهرة الحوثيين وما يصنعونه في اليمن كنتيجة لتحليل الوضع في المنطقة كلها ولكن خشيت أن يطول الأمر فتتجاوز الأحداث الموضوع وتغيب فرصة لتوعية الرأي العام بهذه القضية المهمة التي تساعد كثيرا في فهم التطورات الدولية والإقليمية.

تحدثنا سابقا عن المشاريع المتصارعة في المنطقة وسنتحدث لاحقا عن أبعاد وخلفيات كل مشروع وحدود الالتقاء والصراع بينها، وأكتفي بالقول في هذا المقال بأن ما يحدث في اليمن هو التقاء مصالح ثلاثة مشاريع وهو المشروع السعودي الخليجي والمشروع الغربي الصهيوني والمشروع الإيراني. فقد اتفق هؤلاء جميعا على استئصال واجتثاث التجمع اليمني للإصلاح بشكل كلي وإلى الأبد. ويندرج ذلك ضمن مخطط القضاء على جماعة الإخوان والمسلمين في المنطقة، وذلك رغم تصريح قيادات التجمع اليمني للإصلاح منذ سنوات طويلة قبل الثورات العربية والانقلاب العسكري في مصر بأنهم لا علاقة لهم تنظيمية بحركة الإخوان في مصر، وكانوا دائما من التنظيمات الإسلامية الأقل تواصلا بينها وبين التنظيمات الإسلامية الأخرى. وسأتحدث لاحقا عن الأسباب العامة لتكالب السعودية وتآمر إيران ضد هذا النوع من التنظيمات الإسلامية.

يعتبر التجمع اليمني للإصلاح حزبا له مميزات يختلف بها عن باقي الحركات الإسلامية، فهو حزب مرتبط كثرا بالبعد القبلي وهو متأصل في قبيلة كبيرة ومركزية هي قبيلة حاشد، وهو حزب مسلح كما هو حال كل القوى اليمنية الأخرى، وهو كذلك حزب يرتبط تاريخه بالتاريخ الوطني لليمن وله بالخصوص مآثر كبيرة في توحيد هذا البلد حيث خاض المعارك العسكرية الكبرى التي أدت لقيام الجمهورية اليمنية الموحدة وأصبح بعدها طرفا مهما في تركيبة السلطة سواء على مستوى المجلس الرئاسي مع علي عبد الله صالح ممثلا بالشيخ الزنداني أو على مستوى الحكومة ومختلف مؤسسات الدولة، ثم خرج للمعارضة حينما أدرك استحالة إصلاح الحكم من الداخل وأصبح يعمل ضمن تنسيقية كبيرة للمعارضة تسمى “اللقاء المشترك”، فهو بالتالي جزء أساسي في العملية السياسية اليمنية وله مكانة مركزية فيها، ولا يمكن حصول أي تطور سياسي دون حضوره فيه. وبالرغم من منهجه الوسطي واهتمامه بمختلف صنوف الأنشطة المدنية تسببت مكانته تلك في إحراج مختلف المشاريع الأخرى المتصارعة في المنطقة لأسباب لا تتعلق بالتجمع وحده ولكن لأسباب تتصل بطبيعة هذا النوع من المنظمات الإسلامية السنية سنعود لشرحها لاحقا.

من أكبر المشاريع والقوى التي أحرجها مركزية التجمع اليمني للإصلاح القوى الثلاثة التي ذكرتها أعلاه فقررت التحالف ضمنيا أو بشكل مباشر لسحقه على أن تسيّر خلافاتها وصراعاتها بعد ذلك بطرق أخرى. فُسح المجال للحوثيين ليؤدوا هذا الدور، والحوثيون كما هو معلوم يمنيون ينتمون للمذهب الشيعي الزيدي المعتدل القريب من المذهب السني عاشوا في وئام تام مع اليمنيين الشوافعة السنة الذين يمثلون الأغلبية لقرون من الزمن ( الشوافع 70 %، الزيدية 30 %) ثم اقتربوا في الزمن الأخير من المذهب الإثني عشر الإيراني وصاروا أداة لسياسات إيران واستراتيجياتها في المنطقة وأصبح حزب الله هو قدوتهم في التنظيم والتكتيكات السياسية. وكان علي عبد الله صالح يستعملهم كثيرا في لعبة التوازنات التي كان يديرها للبقاء في الحكم، يحاربهم تارة ويقترب منهم تارة، ويُعتبر طرفا أساسيا في بروزهم كقوة فاعلة في اليمن واقترابهم من إيران، وهو الآن متحالف معهم لسحق التجمع اليمني للإصلاح ضمن مسار الثورة المضادة التي تديرها السعودية والإمارات وتشارك فيها بأشكال متعددة إيران وجناح المحافظين الجدد في الولايات الأمريكية المتحدة وإسرائيل.

سُلّح الحوثيون وأعطي لهم الضوء الأخضر للزحف على صنعاء مرورا بالعديد من المدن وأعطيت التعليمات للأجهزة الأمنية والعسكرية الجمهورية لكي لا تتعرض لهم، وسمح لهم بأخذ الأسلحة الثقيلة من الثكنات التي أخليت أمامهم تماما مثل ما وقع مع داعش في قصة أخرى سنتحدث عنها لاحقا كذلك. كان المتوقع من قبل السعوديين والإماراتيين والإيرانيين والأمريكان وإسرائيل أن يتصدى التجمع اليمني للإصلاح للزخف الحوثي باعتبار المخاطر التي يتعرض لها رجاله وقادته ومؤسساته حينما يحكم الحوثيون قبضتهم على المدن وخصوصا صنعاء. كان ذلك مؤامرة خطيرة تحالفت فيها هذه الدول لجر التيار الإسلامي السني المعتدل للمعركة ثم يُدعم الحوثيون بكل الوسائل فيقومون بدحض وسحق الإصلاحيين بل وقبرهم إلى الأبد ثم اتهامهم بالإرهاب لمنعهم كلية من معاودة النهوض. لا شك أن هذه المعركة سيخسر فيها الحوثيون كذلك وينالهم كثير من الضعف وهو عدف تابع ضمن المخطط السعودي الخليجي، ولكن الحوثيين مهما خسروا سيُقبلون من الجميع ليكونوا طرفا في الحكم والمشهد السياسي، وهو أمر لا يقلق إيران كثيرا ما دام يؤدي لإنهاء خصم أيديولوجي مذهبي عنيد وتبقى إمكانية تقوية الحوثيين قائمة وميسورة لتحقيق مصالح إيران في اليمن وفي المنطقة كلها. والحوثيون في كل الأحوال لا يستطيعون حكم اليمن وحدهم بل يراد لهم من قبل الإيرانيين أن يكونوا مثل حزب الله في لبنان يتحكمون في القرار بفعل قوتهم وعلى أساس التوازنات التي يفرضها الواقع.

كاد التجمع اليمني للإصلاح أن يقع في هذا الفخ، ولكنه استدرك بعد ذلك وتفطن للمؤامرة فسحب رجاله من المعركة بعدما اعتقد الجميع بأنه داخلها بفعل التصعيد الإعلامي الذي انتهجه بغرض التمويه عبر وسائله الإعلامية ووسائط الاتصال الاجتماعي. خلافا لتوقعات قادة الثورة المضادة في داخل اليمن وخارجه وجد الحوثويون أنفسهم وحدهم في صنعاء وأعلن الإصلاحيون بأن الجهة المنوط بها الدفاع عن مؤسسات الدولة هي المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وليس التجمع اليمني للإصلاح، وأن دوره مساعد فقط وأن الحزب هو مؤسسة مدنية لا علاقة لها بالمواجهة المسلحة. أُسقِط في أيدي قادة المؤامرة وبهت الرئيس عبد ربه منصور هادي المتواطئ معهم، ورغم محاولات الحوثيين الاستفزاز بالاعتداء على مقرات التجمع واقتحام بيوت قادته بل والاعتداء على أيقونة الثورة الشعبية اليمنية توكل كرمان لم يحرك الإصلاحيون ساكنا. أدت هذه الحكمة وهذا التعقل وهذا الدهاء الذي انتجه التجمع إلى فضح الحوثيين أمام الشعب اليمني وأربك الرئيس المتواطئ ، ووقع الغرب في حرج شديد حيث افتضحت الخطة وفضحه سكوته عن الحوثيين المعروفين والمعروفة علاقاتهم واعتداءاتهم في مقابل موقفه الصارم مع منظمة داعش غير المعروفة والمشبوهة في تأسيسها وظهورها وصعودها المفاجئ.

أدى هذا الموقف الحكيم من التجمع اليمني للإصلاح إلى تراجع طموح الحوثيين فقبلوا إمضاء الملحق الأمني للاتفاق المبرم مع الرئيس والطبقة السياسية كلها بعد أن رفضوه في غمرة الانتفاش بالنصر الموهوم، وكان التجمع اليمني للإصلاح قد أعلن منذ البداية قبوله وإمضاءه للاتفاق وضمن بهذا التدبير استمرار وجوده وعمله وتأثيره رغم بعض الخسائر التي وقع فيها. وستبقى المعركة مستمرة في اليمن وغيرها من البلدان العربية والإسلامية تتطلب كثيرا من التبصر والحكمة واليقظة والجهد المضني …والله الموفق.

 

د.عبد الرزاق مقري

 

وصف رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري اغتيال الرعية الفرنسية بالجزائر مؤخرا بالعمل الوحشي والحادثة التي يراد منها جر الجزائر إلى تحالفات دولية تتحكم فيها أجندات خارجية استعمارية، وحذر من الانسياق وراء تلك المخططات وهذه الحروب التي من شأنها أن تلتهم ثروات البلد وتستنزف كل ما اكتنزته الجزائر في وقت قياسي، وأكد في تجمع شعبي له بقاعة قصر الثقافة بتبسة بأن الجزائر في خطر وأن النظام السياسي الجزائري مجبر على الاستماع لأراء المعارضة للم الصف ومواجهة مثل هذه التحديات المختلفة التي تعيشها المنطقة والعالمين العربي والإسلامي وبشكل غير مسبوق، مشيرا في هذا الصدد إلى أن رؤية حركته تقوم على أساس تجميع المعارضة وكذا الاحزاب التي تتقاسم معها هذا التوجه لتوجيه رسالة إلى النظام السياسي من أجل فتح نافذة للحوار والتشاور على أن تكون تلك المشاورات جادة وذات مصداقية من أجل مستقبل أفضل للوطن الذي تتهدده مخاطر داخلية و أخرى خارجية والمرحلة تتطلب تكاثف جهود الجميع، مشددا على الذهاب إلى الحوار و الديمقراطية  التشاركية والتمييز بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة، ووجه زعيم حمس سيلا من الانتقادات للنظام السياسي محملا إياه تبعات ما تعانيه البلاد من مشاكل وأزمات، وانتقد الراهن الجزائري الذي حسب توصيفه لا زال بعيدا عن طموحات الجزائريين في التنمية المستدامة، وعرج على الأسباب التي دفعت بحركته إلى معارضة النظام وما سيجنيه حزبه من مكاسب في ظل التحول الجديد للحزب، أين أكد أن حمس تعارض السلطة ولا تشعر بأي عقدة أو نقص أو اضطراب مستشهدا بمواقف الحركة منذ انشائها على يد زعيمها الروحي محفوظ نحناح وإلى غاية اليوم وهي المواقف التي وإن تباينت أحيانا إلا أنها بحسب مقري قد ساهمت في استمرار الدولة الجزائرية وكانت كما قال تصب في مصلحة الوطن، وبلغة الأرقام حاول مقري وضع المتعاطفين ومناضلي الحركة في صورة التحديات الكبرى للجزائر في الوقت الحالي وخاصة ما تعلق منها بالجانب الاقتصادي، متسائلا عن دور الحكومات المتعاقبة في التقليل من حجم التبعية للمحروقات، وفي هذه النقطة أشار المتدخل إلى أن ما حققته دول أخرى لا تختلف عن الجزائر في العشر سنوات الأخيرة قد مكن العديد من الدول من فك الارتباط مع تلك التبعية ودفع باقتصاد تلك الدول إلى تحريك الآلة الإنتاجية خارج قطاع المحروقات في إشارة إلى تركيا وماليزيا وأندونيسيا، ودعا بالمناسبة إلى العمل على تقليص الواردات ورفع الصادرات لإنعاش الاقتصاد المنتج وتحقيق الاقلاع الاقتصادي الصناعي المدعم للتنمية الدائمة ،منتقدا الزيادة في أجور العمال على أساس أن تلك الزيادات غير مدروسة وقد اعتمدت كما قال لشراء السلم الاجتماعي ولم تدرس على أساس اقتصادي، وفي ندوة صحفية أقر رئيس حركة مجتمع السلم بأن المعارضة ليست على لسان وقلب رجل وفكر واحد لكنها تلتقي في نقطة واحدة وهي الحرية والديمقراطية وذلك للضغط على النظام على أن يحتكم فرقاء المعارضة فيما بعد لمنطق الديمقراطية ولخيار الصندوق، وعن سؤال يتعلق بإصرار نواب التكتل الأخضر على طلب تجديد هياكل المجلس الشعبي الوطني أوضح مقري أن خروج حركته لمدة عامين قد أقنع الجزائريين بخروج حمس إلى المعارضة وأن تجديد الهياكل أمر لا يخدم السلطة .

الجموعي ساكر لجريدة النصر

1/ مخطط تقسيم دول العالم العربي: كيف يتم ذلك؟

نشهد هذه الأيام تحولات سريعة وعميقة في العراق، فجأة ينهار الجيش العراقي في محافظات عديدة وتسيطر البشمرغة على المناطق التي ظل الأكراد يعتبرونها كردية، وتسيطر الجماعات المسلحة وقوى العشائر السنية على المحافظات السنية. الكثير من الحاقدين على المالكي والنفوذ الإيراني في المنطقة وأصحاب العواطف الجياشة والباحثين عن انتصارات ولو ظاهرية فرحوا فرحا كبيرا بهذه التحولات ولكن قليلا من تحمل عناء التأمل وسأل عن ماذا تعني هذه المفاجآت؟

وهل صحيح أن القوى الإقليمية والدولية لم تكن تتوقع هذا؟ إن الفهم والتحليل الذي ينبني عن معرفة طبائع القوى الاستعمارية ومصالحها ومصالح القوى الإقليمية المتورطة في مواجهة ثورات الشعوب من أجل الحرية وعن العمالة الكبرى التي تتصف بها النخبة الحاكمة في البلاد العربية يدل على أن المقصود في تسارع الأحداث هو تقسيم العراق.وكان يمكن إدراك ذلك قبل هذه التحولات من مجرد ملاحظة التصرفات المتطرفة لحاكم العراق أنور المالكي العامل المزدوج لخدمة المصالح الأمريكية والإيرانية.

إن الطريقة الناجحة التي لا تزال القوى الغربية تستعملها لضمان مصالحها في البلاد العربية هو فرض أنظمة فاشلة متعنتة متكبرة وقاسية تجمع كل أسباب الضعف والصراع والاحتقان إلى حد وضع نفسها في عزلة تامة أمام شعبها وفي مواجهة حادة مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية الوطنية، وعندئذ تلجأ تلك الأنظمة لإرضاء الخارج حتى تستمر في حكمها، فيصبح ذلك ” الأجنبي” متحكما في اللعبة كلها ويختار هو بنفسه المصير الذي يعطيه للبلد الذي يحكمه أولئك الفاسدون الفاشلون، إما استمرار الأمر الواقع والعمل على إجهاض ثورات الشعوب ما دام الأمر يسمح باستنزاف الخيرات والسيطرة على القرار في ظل الحكام الفاسدين، أو استغلال الثورات لتقسيم البلد وفق خارطة المصالح والأسواق ومصادر الطاقة وممرات نقلها وتجزئة الوطن الواحد إلى بلدان صغيرة متحاربة في أغلب الأحيان تكون كلها في حاجة لحماية الأجنبي.للوصول لهذه الحالة في بلد ما لا بد من فرض نظام سياسي تطلق فيه أيادي الفساد والظلم والمحسوبية والجهوية والطائفية ومنع الحريات وتُستنزف الخيرات ويكثر الصراع داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع، وبين الدولة والمجتمع، وتنتقل الدولة من الترهل إلى الفشل إلى اللاحكم وعدم القدرة على ضمان احتياجات الناس وفي لحظة من اللحظات تنفجر الأوضاع بشكل تلقائي أو بطريقة مدبرة وتعم الفوضى وُيسخّر الشعب الذي في المؤسسات العسكرية والأمنية لقمع الشعب الذي في المجتمع وتطول المعاناة حتى يصبح الناس مستعدين لقبول أي حل ولو كان التقسيم.

في تونس لو لا حاكم كابن علي وأصهاره، وفي مصر حاكم كمبارك وأبنائه، وفي سوريا كبشار وأسرته، وفي ليبيا كالقذافي وعشيرته، وفي اليمن كعلي عبد صالح وقبيلته وفي العراق كالمالكي وطائفته لما وقعت الثورات في هذه البلدان. وإننا نخشى على بلدنا الجزائر أن تصير إلى هذا الوضع، فعناصر الانفلات متشابهة في نظامنا السياسي، لا تظهر للغافلين والبسطاء والمستفيدين والانتهازيين ولكنها ظاهرة لأولي النهى، والواجب على كل وطني نزيه في المجتمع و في مؤسسات الدولة أن يفعل ما يجب عليه أن يفعل من أجل أن يحفظ البلد ويحفظ استقراره ووحدته ومستقبله. هذه هي الوطنية الحقة، وغير ذلك ادعاءات مخادعة.

2/ نحناح المظلوم

لقد كانت الانتخابات الرئاسية سنة 1995 هي فرصة الشيخ محفوظ نحناح وفرصة هذا النهج المتميز الذي اختاره والتي تحدثنا عنه في المقال السابق، تماما مثل ما كانت الانتخابات التشريعية لسنة 2002 هي فرصة أردوغان وفرصة نهجه المتميز الذي يشبه في أشياء كثيرة نهج الشيخ محفوظ نحناح في بداية التسعينيات. غير أن الشيخ محفوظ نحناح ظلم وزورت عليه الانتخابات، لقد كانت تلك الانتخابات هي بداية توجيه المؤامرة إليه بعد ما كان يُعتبر شريكا في مكافحة الإرهاب والتطرف، لقد قاموا بتعديل الدستور سنة 1996 خصيصا من أجله ليكون ترشحه سنة 1995 هو آخر ترشح، ثم قضوا على الخطة كلها بتأسيس التجمع الوطني الديقراطي والتزوير الشامل لصالحه سنة 1997.

كان الشيخ محفوظ يعتقد بأنه بجمعه أبعاد الإسلام والوطنية والديموقراطية في فكره وخطابه، والاعتدال والرفق والتسامح في سلوكه، سيقدر على أن يكون بديلا لجبهة التحرير والجبهة الإسلامية في نفس الوقت، بديلا لجبهة التحرير الوطني، واجهة العسكر للحكم، التي انهارت تحت وطأة الفساد والفشل وتحولت إلى حزب معارض في زمن عبد الحميد مهري رحمه الله، وبديلا للجبهة الإسلامية للإنقاذ المُمَكنة شعبيا والمرفوضة عسكريا، تماما مثل ما فعل أردوغان حينما استطاع أن يكون بديلا للحزب الإسلامي التركي الممكن شعبيا المرفوض عسكريا وللأحزاب العلمانية التي حكم بها العسكر ردحا من الزمن إلى أن انهارت تحت ثقل الفساد والفشل ووجدت نفسها بعد ذلك أحزابا معارضة.

 

لقد كان المشهد في مقدامته هو نفسه تماما، وكأن واحدا من الرجلين نقل عن الآخر، ولو لا حكم الزمن الأصم لقلنا بأن الشيخ محفوظ هو الذي نقل عن أردوغان، لأن الناس ينقلون عن الناجح والمنتصر عادة. إن كرونولوجيا الأحداث تؤكد بأن الطيب رجب أردوغان التركي هو الذي نقل عن الشيخ محفوظ نحناح الجزائري. ولا يمكن تصور الصدفة في كل تلك التفاصيل، والشاهد على ذلك أن أردوغان والمفكرين الذين معه كانوا مهتمين بالاستفادة من تجربة الحركة السياسية الإسلامية في المغرب العربي أكثر من اهتمامهم بتجربة المشرق العربي، ولعل أغلب الناس لا يعلمون بأن إسم الحزب “حزب العدالة والتنمية ” التركي هو تقليد لإسم ” حزب العدالة والتنمية” المغربي. فإخواننا في المغرب الشقيق هم أول من سموا حزبهم بهذا الإسم بل حتى شعار الحزب “المصباح” نقله الأتراك عن المغاربة الذين اختاروا قبلهم شعار المصباح التقليدي كرمز للإبداع بين الأصالة والتجديد.

لقد كانت المقدمات كلها متطابقة ولكن المخرجات اختلفت للأسف الشديد، انتصر أردوغان ونجح في الانتخابات ونجح في الحكم وأصبح حقا بديلا لتيارين سياسين متصارعين، ولكن الشيخ لم ينجح في الوصول إلى الحكم ولم يستطع في حياته أن يكون بديلا وبقي الصراع متواصلا في الجزائر إلى اليوم ومعهما الفشل والفساد، ومعهما مخاطر التفكك التي تهدد الوطن كل يوم. فيا ترى ما هو السبب؟

إن السبب هو أن الشيخ محفوظ نحناح كان في الجزائر وأردوغان في تركيا، أن الشيخ محفوظ نحناح أحسن الظن بمن كان بيدهم الحكم واعتقد أن تنازلاته ولينه ورفقه وإظهار تميزه عن التطرف والتضحية بأفضل رجاله الذين قتلهم الإرهاب وكاد أن يفتك به هو ذاته عدة مرات سيجعله مقبولا عندهم وأنهم سيفسحون له المجال لخدمة وطنه فيطفئ نار الفتنة ويجمع حوله رجال الجزائر الأكفاء ولو كان أغلبهم من غير حزبه فيبني وطنا قويا متطورا مزدهرا. ولكن القوم كانوا أقل بكثير من هذا المستوى. أذكر أن أحسن ما أعجب الشيخ في ما قلته في الحصة التلفزيونية ” ملتقى الاتجاهات” التي ذهبت إليها أدافع عنه، وأرفع هامته، وأصون كرامته حينما مُنع من الترشح سنة 1999 تلك العبارة التي وصفت بها الذين منعوه من الترشح قائلا: “إنكم قوم متخلفون”، كان رحمه يتقلب ضحكا وهو يكرر للإخوة هذه العبارة التي وصفتُ بها ظالميه. نعم والله إنه التخلف الذي جعلهم يقترفون تلك الجريمة التي لولاها لكانت الجزائر اليوم مثل ماليزيا أو تركيا.

لو مُنع أردوغان مثل ما مُنع الشيخ محفوظ ففشل في تحقيق رؤيته لذهبت تنازلاته هدرا ولما اعترف أحد بجدواها ولقيل إنه دعّم العسكر وتحالف مع العلمانيين ولربما لُعن على رؤوس الأشهاد اليوم، خلافا للشيخ محفوظ الذي لم يُسأ به الظن إلى هذه الدرجة بل بدأ الناس يفهمون منهجه وبعضهم يقول في الخطاب السياسي ما كان ينكره عليه. إن التنازلات التي قدمها أردوغان لم يصل إليها الشيخ محفوظ نحناح، خصوصا في العلاقة مع الغرب والكيان الإسرائيلي والالتزام الصارم بالعلمانية ضمن ظروف لم يكن له خيار سوى هذا، ولو نجح الشيخ محفوظ في تحقيق رؤيته لكان اليوم قديسا. فالعبرة إذن ليست في التنازلات ولكن العبرة بالقصد والنية وبقاء هذه التنازلات في إطار السياسة الشرعية، ومهما كان الأمر فإن النجاح الذي يحققه المبادر هو الذي يثمن خياراته حتى لو اعترض عليها الناس في البداية، أما إذا لم يتحقق التوفيق فيهبط  قدرها في أعين البشر مهما كانت التضحيات التي قٌدمت على طريقها، وقد يستدرك التمكين على الآجل فيتذكر الناس أصل النهج ويقدرونه.

إن العلماء والمجربين يفهمون قيمة المنهج ولو لم يحقق ثماره على العاجل، أذكر يوما كان الشيخ أحمد بوساق يستمع لأحد الدعاة والساسة الجزائريين ممن يكثرون نقد الشيخ محفوظ نحناح حيا وميتا. وفي تلك الجلسة بالغ الرجل في الحديدث عن تنازلات بل انحرافات الشيخ محفوظ فأوقفه الشيخ بوساق وقال له: ” أنت تظلم الرجل وتضيق عليه ما وسعه الشرع وهو لم يصل إلى حد التنازل الذي وصل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره يينود صلح الحديبية وركز له عن رد رسول الله من أسلم لقريش فيفتنوه عن دينه. وقال له:  “ماذا تقول لو فعل محفوظ نحناح مثل هذا”. ثم بين له بأن السياسة الشرعية تتسع لما فعل محفوظ بل ولأكثر مما فعل، وإنما العبرة بالمقصد والنية وعدم التعارض مع نصوص ثابتة غير مختلف عليها في ثبوتها ودلالتها، هل التنازل هو لوجه الله ومصلحة عامة أم هو لمصلحة شخصية فحسب؟ وهل التنازل يخدم رؤية أوسع أم هو مجرد اضطرار ومعالجات آنية؟ وهل التنازل مناسب للظرف ويتجاوب مع البيئة الداخلية والخارجية أم لا؟ إن المؤمن يعلم بأن سداد النية والاختيار الأنسب للوقت هو مسؤولية الإنسان ولكن النجاح هو بتوفيق من الله وحده، فهو سبحانه من يختار بقدر لكل إنسان في كل زمن ما يصلح من له من الأدوار والإنجازات، فقد يكون الدور هو دفع مضرة وإبعاد مفسدة، وهذا هو الدور الذي نعتقد بأنه سُخر له الشيخ محفوظ نحناح، وقد يكون الدور هو رفع مستوى إنجازات الأمة وأدائها من طور إلى طور ونحسب أن ذلك هو دور أردوغان، وقد يكون الدور هو نتيجة حاسمة لصالح الأمة، وهو الدور الذي أسند لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله. والثابت الذي يأخذه هؤلاء جميعا إن صدقوا هو الأجر والثواب، ولا يدري أحد ما هو الأجر الأوفر لهؤلاء أوهؤلاء.

لقد ظلم الشيخ محفوظ نحناح مرات ومرات ، لقد ظلم حقا من البعيدين عنه والقريبين:

ـ لقد ظلم من أصحاب القرار ( المؤسسة العسكرية والرئاسة) الذين أعاقوا طريقه وكسروا تجربته، بل أذلتوه وأهانوه. وهم بظلمهم له ظلموا الجزائر كلها، فالشيخ محفوظ نحناح لم يكن خطرا على أحد، ولم يكن صاحب رؤية حزبية ضيقة، ولم يكن انتهازيا ولا طماعا، ولم يكن جبانا ولا خوارا، ولم تكن له مصلحة شخصية سوى طموحه الذي يناطح السحاب في إخراج البلاد من الأزمة وصناعة وطن شامخ مزدهر مع كل الجزائريين، ولو يعلم الناس كم هو عدد الأكفاء الذين كان يشتغل معهم لتهيئة مستقبل الجزائر لاندهشوا، وأنا أذكر جيدا، ونحن في بداية التجربة البرلمانية سنة 1997، كم كان حلمه كبيرا في تهيئة حكومة قبل الوصول للحكم ( حكمة ظل) تتشكل من مختلف الكفاءات  تكون جاهزة لتسيير البلد بعد الأزمة مع غيرنا من الجزائريين. غير أن هؤلاء الذين يحكموننا لا يريدون أن يكون في الجزائر حلم سوى حلمهم، وها هي أحلامهم تتحول إلى كوابيس تزعج هدوء الجزائر.

ـ لقد ظلمه رحمه الله الذين أساؤوا به الظن ممن يستمرون في إيذائه ميتا، بسبب مواقفه في ظل الأزمة، وأنا لست أدري لماذا يستمر هؤلاء في نقده و في نفس الوقت يعظمون تجربة أردوغان ( وهي حقا كبيرة) بالرغم من أن هذا الأخير سلك نفس النهج الذي سلكه الشيخ محفوظ. أليس من الواجب أن يصارحوا أنفسهم فيقولوا أن معايير حكمهم على التجارب هي النتائج فحسب، فلا حديث عن المبادئ ولا اكتراث بالتنازلات.

ـ لقد ظُلم عليه رحمة الله من بعض أصحابه وأتباعه الذين أخطؤوا فهم منهجه وبعضهم تعمد الخطأ، فأفرغوه من المقاصد وتمسكوا ببعض الظواهر. تماما مثل أؤلئك الذين يتعاملون مع ظاهر النصوص الشرعية ويغفلون عن مقاصدها فيجتنبوا الصواب، وبعضهم يخطئ الطريق، وبعضهم يتنكبه  وينحرف عنه. وأسوء هؤلاء جميعا أولئك الذين يرفعون إسمه ويتحدثون عن منهجه انتهازية، لا يريدون سوى مصالحهم الشخصية، وأسوء هؤلاء أولئك الذين ينخرطون باسم منهج الشيخ في مناهج وسياسات ومجموعات نهض رحمه الله لمحاربتها أصلا..

ولكن هل انتهى كل شيئ وهل توقف فعلا منهج الشيخ محفوظ نحناح في الحياة؟ والجواب: لا وألف لا ! أحسب أنه لو لم يقعده المرض ولو لم تأخذه الوفاة لجدد منهجه بنفسه ولنقل الحركة لواقع جديد، ولي في ما كان يقوله لبعض خلصه بعد ظلم 1999 برهان ودليل لو يشهدون معي، وأحسن من الكلام العمل، سأعمل مع الثابتين على العهد، الصابرين على ما يكرهون، ومن لحق بهم من الشباب والأنصار الجدد لتجسيد ذلك التجديد الذي لم تسعف الأيام الشيخ محفوظ ليقوم به، لقد اخترنا لذلك شعارا رفعناه في مؤتمرنا الخامس: ” حركة تتجدد.. وطن ينهض” وسأبين في المقال الثالث والأخير كيف سنستفيد من منهج الشيخ ومنهج أردوغان وما هي إبداعاتنا الخاصة لتحقيق النجاح الذي لا نطلبه إلا من الله ونحن في كل الأحوال راضون بقضائه طامعون في توفيقه.

 

د. عبد الرزاق مقري

مداخلة السيد رئيس الحركة في ندوة الحريات والانتقال الديمقراطي / الثلاثاء 10 جوان 2014

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السيد رئيس الجلسة السادة الحضور، كل بمقامه ومكانته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

إن هذا اليوم يوم تاريخي وبالغ الأهمية من عدة وجوه:

 

فهو مهم من حيث نوعية ورمزية الحضور في هذا الاجتماع الذي يشمل شخصيات سياسية مرموقة وقادة أحزاب ومنظمات فاعلة رافضة للوضع الراهن وتواقة للإصلاح والتغيير.

وهو مهم من حيث قدرة المعارضة على الاجتماع بهذا الحجم و هذا التنوع وهذا المستوى لكسر مسلمة تفرق الطبقة السياسية التي عاش في ظلها الفساد وسوء التدبير طويلا.

وهو مهم من حيث تقارب وجهات النظر بين هؤلاء الحضور في تقييم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد وتقاربهم في الحلول الضرورية لإخراجه من ازماته.

وهو مهم من حيث توقيته حيث يجتمع هؤلاء السادة والسيدات ضمن ظروف دولية وإقليمية خطيرة تقابلها أوضاع هشة في بلدنا تتسبب فيها حوكمة مترهلة  لنظامنا السياسي تنذر بمخاطر جسيمة لا يقدر على معالجتها سوى أمثال هؤلاء السادة والسيدات.

وهو مهم من حيث موضوعه، إذ أننا نجتمع من أجل التشاور بيننا في كيفية نقل بلدنا من نظام سياسي مغلق أدى إلى غلق المجتمع وتضييع كل فرص الرقي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي إلى نظام سياسي ديمقراطي تصان فيه الحريات وتفتح فيه الآفاق لبناء جزائر أصيلة وعصرية، قوية وآمنة ومستقرة في الحاضر والمستقبل يعمها العدل والحرية والرفاه.

أيها السادة والسيدات،

لقد احتفظنا ببرامجنا لأنفسنا وسكتنا عليها بيننا في هذا العمل المشترك لأنه لا توجد فرصة للتنافس على البرامج في بلادنا، ولم نتطرق إلى الحديث عن أيديولوجياتنا لأن أيديولوجية الفساد والمال الوسخ وغلق مجال الحريات غلبت كل الأيديولوجيات. إن المساحة المشتركة التي تجمعنا، والرؤية العامة التي سهلت لنا الالتقاء، والأرضية الموحدة التي نقف عليها جميعا هي النضال من أجل الحريات في بلدنا، إننا جميعا نتفق بأنه لا مجال للنهوض واللحاق بالركب الحضاري ومصاف الدول المتقدمة إلا بإطلاق الحريات وصيانة حقوق الناس والمساواة في الفرص وأمام القانون في جميع الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفنية والثقافية وغيرها، حيث أنه لا مجال لبروز الإبداع الذي تنهض به الأمم إلا بتوفر الحريات وضمانها وعدم القدرة على الاعتداء عليها. وإننا حينما نتحدث عن الانتقال الديمقراطي بالمقاصد والأهداف والمبادئ والمعايير التي تطرقت إليها أرضية الندوة والتي نتبناها في حركة مجتمع السلم كما هي إنما نريد بذلك التأسيس لعهد الحريات الحقيقية التي لا تدليس فيها ولا تغليط ولا تزوير و لا قلب للمسلمات والحقائق، إنما نريد إعلاء شأن قيمة الحرية لتكون قناعة عامة في المجتمع ولدى النخب الحاكمة والمجتمعية تحميها مؤسسات حكومية كما تحمي حدود الوطن ومقدساته.

أيها السادة والسيدات،

لقد علمتنا أحداث العالم العربي التي تحول بعضها إلى مأساة دموية أن المشكلة في عالمنا العربي مشكلات أخلاقية وقيمية وفكرية قبل أن تكون مشكلات سياسية واقتصادية، وأن المجتمعات التي تنتقل إلى آفاق أرحب وأفضل بسلاسة وفاعلية ونجاح هي تلك المجتمعات التي يسبق تحولها السياسي نهضة فكرية ويقظة أخلاقية تكسر المألوف المفروض الذي تجاوزه الزمن، يقظة تسكن العقول والنفوس قبل ساحات النزال السياسي، وهي تلك المجتمعات التي تتوفر لديها قيادة سياسية ومجتمعية ذات مصداقية تحمل رؤية صارمة وصادقة وصامدة للتغيير. وإنني أحسب أن هذا الاجتماع الذي أعطى أهمية كبيرة للنقاش الفكري والسياسي الذي تتضمنه الأرضية ومداخلة السادة والسيدات الحضور، والذي أعطى صورة ناصعة جديدة عن النخب والأحزاب السياسية ستساهم مساهمة كبيرة  في تغيير الصورة النمطية السلبية التي نسجتها أجهزة ومنظومات نظامية وعمقتها أخطاؤنا وثبتها تفرقنا.

أيها السادة والسيدات،

إن الأولوية اليوم هي في تنمية هذه اليقظة الفكرية التي نعيشها في هذه اللحظة والتي شيدها وعينا الجماعي بخطورة المرحلة وجسدها اجتماعنا وضمنها تنازلنا لبعضنا البعض، إن الأولوية اليوم هي تنمية هذه اليقظة لكي تعم المجتمع كله وتصبح قناعة عامة لا يقدر على طمسها حاكم متسلط ولا سلطة متجبرة.

إن اجتماعنا هذا يكون مجديا ونافعا وتاريخيا بحق إذا أسس لميلاد عهد جديد عنوانه رص الصفوف والعمل المشترك بما يجعل السلطة الحاكمة تعي بأنها لن تقدر على تجاوز إرادة الطبقة السياسية في الإصلاح والتغيير، وبما يجعل الشعب الجزائري يثق في نزاهة وصدق الطبقة السياسية أمام الأهداف التي تعلنها، وفي قدرتها على الفعل والتأثير. إن هذه الحصيلة لو تحققت ستكون أفضل هدية نقدمها الطبقة السياسية للجزائر حيث تكون مؤهلة لتغيير موازين القوة وقادرة على احتواء أية أزمة قد يتسبب فيها نظام الحكم لتحويلها إلى فرصة  حقيقية للتحول الديمقراطي الآمن والسلس.

إن هذه الندوة هي بداية طريق قد يطول أو يقصر، والعبرة في ما بعدها إنما هي بمدى قدرتنا على المواصلة في التنسيق والعمل الميداني المنسق والاحتكاك بالمواطنين وتعبئتهم وتجنيدهم من أجل أن يقوموا بواجبهم في التغيير السلمي  لنبني معا الجزائر التي حلم بها الشهداء ونأملها لأنفسنا وأولادنا وأمتنا.

 

تقبلوا أسمى التحيات والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الرزاق مقري / رئيس حركة مجتمع السّلم

 

 

1. الانتقال الممنوح : وهو الانتقال الذي تمنحه السلطة الحاكمة، وقد يكون هذا الانتقال مفيدا حينما يكون قادة هذه السلطة وطنيين مدركين لمخاطر استمرار الوضع الراهن. وبالرغم من أن هذا الانتقال جرب في بعض الدول ونجح ولكنه نادر، وأغلب هذه التجارب كانت فاشلة ومنها تجربة نظام الحكم الجزائري الذي يدعو له دائما بعد أن يحقق ما يريد في منع إرادة الجماهير والسيطرة على السلطة إذ يدعو إلى مرحلة انتقالية تيدم فيها إصلاحات تزيينية ويحاول أن يستوعب من خلالها ما يمكن استيعابه من المعارضه بغرض تشتيتها وضمان استمرار الوضع القائم وهي حالات جربتها السلطة الحاكمة ثلاث مرات على الأقل منذ انفجار الأزمة في بداية التسعينيات، ورغم التضحيات الكبيرة لا تزال الأزمة مستمرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وقد كان ثمة مبرران لقبول هذا النوع من الانتقال في الجزائر في المرحلة السابقة:

المبرر الأول: وهو أن الأزمة الجزائرية كانت في بدايتها دموية تهدد كيان الدولة ووحدة البلد ولا يستطيع أي وطني صادق يخاف الله تعالى أن يتخلف عن المساهمة في إطفاء الحريق ولو على حساب حزبه وشخصه وجماعته ومهما كانت الجهة التي تحكم البلد، ويدخل هذا في فقه الأولويات وقاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

المبرر الثاني: أنها كانت تجربة أولى ولم يكن الساسة والمفكرون والعلماء وقادة الأحزاب ومختلف النخب يعلمون بأن نظام الحكم سيستغل وطنيتهم وسيحتال عليهم ليفرض وجوده كمشروع أشخاص منتفعين وليس مشروع وطن، وانه سيسخر مؤسسات الدولة بعد معافاتها للتغلب على الجميع بالتزوير واستعمال الفساد بل والاستعانة بالأجنبي كذلك بطرق ملتوية.

لقد تفاوتت فترة الانتباه والاستفاقة بين الأشخاص والأحزاب من مختلف التيارات بأن النظام السياسي الجزائري مخادع وأن الأزمات الجديدة ليست الإرهاب ولا التطرف الديني، غير أن اليوم مجمل الطبقة سياسية انتبهت وعلمت بأن المخاطر الكبرى الجديدة التي تهدد البلد هي من داخل نظام الحكم وليس من خارجه وان هذا النظام لا يمكن أن يفلح في إقناع الأحزاب من جديد بفكرة الانتقال الممنوح بعد التجربة ونهاية الصراع الدموي مهما كانت المظاهر التي تُصنع لتخويف الناس وترهيبهم وتخوينهم.

2. الانتقال المفروض: وهو الانتقال الذي يُفرض على السلطة القائمة، وتكون هذه الحالة وفق طريقتين :

أ – طريقة الانقلاب العسكري: وهي الطريقة التي ابتليت بها كثير من البلدان العربية وبلدان أمريكا الجنوبية وبلدان أفريقيا وفي العديد من الدول الأخرى، وعادة ما تستعمل الديموقراطية زورا من طرف القوى الانقلابية فتجد البلدان التي وقع فيها الانقلاب في وضع أسوء مما كانت عليه، ولا نجد إلا حالات نادرة يسلم فيها العسكريون السلطة للمدنيين ويقع تحول ديمقراطي حقيقي.

ب ـ طريقة الثورات والانتفاضات الشعبية: وهي حالات عديدة في التاريخ أبرزها الثورة الفرنسية، ووقعت في العصر الحديث في كثير من الدول خصوصا في أوروبا الشرقية ثم في البلدان العربية ضمن ما سمي بالربيع العربي. ويمكن تقسيم هذه الثورات إلى حالتين:

ـ ثورات شعبية يواجهها العسكر ومختلف المؤسسات الأمنية فيصلون إلى قمعها وإخمادها وينجر عنها مزيد من التسلط والفساد والقمع الذي قد يستمر سنوات طويلة ويستغرق جيلا بكامله على الأقل. وقد تعجز القوة الأمنية في إخماد الثورة ولا تنجح الثورة في تحقيق مبتغاها فتنزلق الأمور إلى حرب أهلية تتسبب في دمار كبير يطال الجميع، وتتاح الفرصة عندئذ لتدخلات أجنبية عديدة، وأبرز حالة لهذا المثل في العصر الحديث الحالة السورية.

ـ ثورات شعبية تسندها القِوى العسكرية، أو على الأقل لا تعارضها،  فتحقق نجاحا سريعا وأحسن مثل لهذه الحالة النموذج التونسي، وقد تتصرف القوى العسكرية بدهاء فتقلب المعادلة ضد الثوار بعد إيهامهم بالمساندة مثلما حدث بعد ثورة 25 يناير في مصر التي ساندها العسكر ثم استعملوها لإعادة ترتيب شؤونهم مستغلين أخطاء كثيرة وقع فيها الثوار من مختلف التيارات، وهي حالة تشبه إلى حد كبير الثورة الفرنسية التي ساندها جزء كبير من العسكر ثم  سرقوا الثورة بقيادة الجنرال نابليون.

وفي حالة الثورات الشعبية هناك عامل أساسي يجب استحضاره وهو  مدى توفر القيادة المجتمعية التي تؤطر الثورة، حيث يكون نجاح الثورة الشعبية صعبا جدا في حالة عدم توفر قيادة قوية وحاضرة في الميدان. ويتضح هذا جليا في الثورة السورية والثورة الليبية حيث يتشابه البلدان بوجود نظامين قمعين سابقين للثورة دمرا كل فرصة لتشكيل نخب وقيادات مجتمعية وسياسية وفكرية على الأرض مما جعل الوضع في هاذين البلدين يكون أصعب من الدول العربية الأخرى، وذلك خلافا لمصر التي استطاعت القيادات المجتمعية والسياسية والفكرية الموجودة  فيها على الأرض في كل المحافظات أن تحفظ مصر من مخاطر الانزلاق بعد الانقلاب العسكري، ولو لم يكن ثمة هذا التأطير القيادي الذي منع استعمال العنف رغم مخططات الجهات الأمنية لدفعهم واتهامهم بذلك لاشتعل الوضع في مصر كلها ولكانت الكلمة لأكثر الجهات تطرفا من الجانبين.

وحينما ننظر إلى خطورة هذا النمط من التحول الديمقراطي على الاستقرار وصعوبة توفر شروط نجاحه، وارتفاع احتمال حدوث عكس مقاصد التغيير والإصلاح والانجراف إلى الفتنة العامة( هذه هي مبررات مدرسة الصبر في الفقه الإسلامي)، وبالنظر للتجربة الجزائرية التي أدت إلى جرائم كبيرة ومقتل أكثر من 200.000 جزائري وأرقام هائلة من الخسائر المادية ثم ما انجر عن ذلك من استغلال الأزمة لمزيد من التسلط وإخفاء الفساد والفشل  والضعف الشديد أمام ابتزاز القوى الاستعمارية الأجنبية واستنزافها لمقدراتنا خصوصا في مجال الطاقة، فإن خيار الشارع غير مقبول والتحلي بالمسؤولية أثناء العمل السياسي إزاء هذه المخاطر أمر مفروض على الجميع مع ضرورة النضال المستمر لكي يُسمح بالتعبير السلمي القانوني عبر المسيرات السلمية التي تقوم الأجهزة الأمنية ذاتها بتأطيرها كما هو الحال في الدول الديمقراطية، بدل قمعها كما يحدث عندنا وفي كثير من الدول المتخلفة.

3. الانتقال المتفاوض عليه

قبل الحديث عن هذا النوع الثالث نذكر بأن الحديث عن الانتقال الديمقراطي يتعلق بالدول التي لا تتوفر فيها ديمقراطية بسبب غياب المؤسسات الديمقراطية أصلا أو بوجودها وجودا شكليا عن طريق التعيين أو التزوير الانتخابي، وعادة ما يكون الحديث عن الانتقال الديمقراطي حينما تتسلط الأنظمة الحاكمة وتفرض وجودها بالقوة والتحايل ولكنها لاتستطيع تحقيق الرضا الشعبي العام فتصبح فاقدة للثقة بنفسها وتكون في حالة هلع مستمر من أي توتر سي اسي أو اجتماعي مهما كان سبببه ويكون البلد كله في هشاشة تنذر بانهيارات فجائية أو على مدى زمني محتوم. وقد تجرب المجتمعات التي تبتلى بهذا النوع من الأنظمة عدة أشكال وأنماط من أنماط الانتقال الديمقراطي، ويحدث أن تنتقل التجربة من نمط الانتقال المفروض ثم الانتقال الممنوح كما هو حال الجزائر، وبعد خيبة الأمل في هاذين التجربتين يُطرح للنقاش نمط الانتقال المتفاوض عليه. وشروط نجاح الانتقال المتفاوض عليه مرتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وقوة المعارضة ومستوى وعي النخبة الحاكمة وشعورها بضرورية التغيير ومدى توفر أدوات الضغط الفعالة عليها.

الانتقال المتفاوض عليه هو الانتقال الذي يتم بالاتفاق المشترك بين المعارضة والسلطة، يتم في إطاره التوافق على مشروع سياسي انتقالي وإدارة انتقالية يتم الوصول إليهما بالتفاوض يكون أساسها الإرادة الشعبية. ويحمل هذا الانتقال ثلاثة أشكال.

الشكل الأول: تمر السلطة الحاكمة بمرحلة صعبة غالبا ما تكون أسبابها اقتصادية اجتماعية وفي بعض الأحيان أمنية، وتكون في مواجهة هذه السلطة معارضة قوية وواعية تحسن التعامل مع المرحلة، فتدرك السلطة بأنها لن تقدر على مواجهة الوضع وحدها فتعرض على المعارضة مرحلة انتقالية حقيقية تتنازل فيها السلطة عن السيطرة على مقاليد الحكم وحدها وعن تمسكها برؤيتها السياسية الأحادية، وتتنازل المعارضة بأن تقبل التعامل مع السلطة الحاكمة على أساس مشروع انتقالي متفاوض عليه وإدارة انتقالية متفق عليها. وهذه الحالة تخص الدول والمجتمعات المتقدمة، وتتطلب شخصيات سياسية في السلطة وفي المعارضة وطنية وواعية ومتحضرة. وفرص نجاح هذا النوع من الانتقال كبيرة جدا وتكون مخرجاته مفيدة للجميع.

الشكل الثاني: تمر السلطة الحاكمة بمرحلة صعبة من حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي على المدى الآني أو القريب والمتوسط، ومن حيث الشرعية، ومن حيث الانسجام بين مكوناتها، ومن حيث التطورات الأمنية والجيوسياسية، ويكون في مواجهتها مجتمع متذمر وذو مطالب اجتماعية متصاعدة لم تصبح السلطات قادرة على تلبيتها ومعارضة قوية غير قابلة للانخراط في مشاريع النظام الحاكم بكل مكوناته وعازمة على التغيير ومتجاوزة لطموحاتها الجزبية والشخصية. ويعرض كل من السلطة والمعارضة مشاريع للتغيير والإصلاح مختلفة بينها وفي بعض الأحيان متطابقة ولكن يفرقها فقدان الثقة بين أصحابها، وتبقى هذه المشاريع متصارعة بينها عبر فترة من الزمن، يعمل نظام الحكم من جهته على تفتيت المعارضة وكسر مشاريعها وتبني بعضها بغرض تمييعها، وتعمل المعارضة على التكتل بينها والتوجه للرأي العام لفرض مشاريعها، وتبقى تطورات الوضع في مختلف جوانبه ومدى تأثيرها على السكان هو الحاكم بينهما، ويكون لصمود الأطراف وقدرتها على تفعيل مبادراتها وتسويقها للرأي العام وشرحها للمواطنين أثر كبير على مصير كل منها. وبعد مرحلة من الشد والجذب والضغط المتبادل وظهور بعض مظاهر تفاقم الأزمات المتوقعة في البلاد تتوصل السلطة والمعارضة إلى الاتفاق بينها على ضرورة الحوار الجاد والانتقال الديموقراطي المتفاوض عليه وإنقاذ البلد من الانهيار المتوقع. وبقدر ما يكون الاتفاق بعيدا عن لحظة هذا الانهيار المتوقع يكون الاتفاق ذا جدوى من حيث فرص نجاحه ويكون نافعا ومفيدا للجميع.

الشكل الثالث: تتحكم السلطة الحاكمة في الأوضاع السياسية والأمنية وتفرض نفسها كسلطة أمر واقع بالغلبة والقهر أو بواسطة انتخابات مزورة ومؤسسات شكلية وبشراء الذمم وكسر الأحزاب والنخب ومؤسسات المجتمع المدني والسيطرة على الثروة والإعلام والإدارة. غير أن سوء الحوكمة وغياب الرقابة على الشأن العام وانتشار الفساد وهدر الثروات الطبيعية يعيق التنمية الاقتصادية ويشل الخدمة العمومية فينتشر الفقر
وأزمات البطالة والسكن والتربية والصحة فتتجه الدولة نحو التحلل وتصاعد النعرات الشعُوبية داخلها ويغيب معنى المواطنة ويصبح الفرد لا يشعر بالأمان في ظل الدولة فيتجه لجهته وعشيرته وقبيلتة وعائلته ليحمي نفسه ولكي يشعر بالأمان ويحقق ذاته، ومع مرور الزمن يصبح مركز الدولة غير قادر على التحكم الكلي في الأطراف ومهما تضخمك مؤسسات وأدوات الردع لا تستطيع مواجهة الغضب الشعبي المتصاعد. وغالبا ما تكون المعارضة في هذه الحالة ضعيفة ومشتتة وغير قادرة على التأثير في الأحداث فتصبح المواجهة عندئذ بين الشعب ومؤسسات الدولة مباشرة إلى أن يقع الانفلات الكلي الذي قد يؤدي إلى فتنة عظيمة تسيل فيها الدماء غزيرة تتمثل في حرب أهلية عامة أو تفكك الوحدة الوطنية. غير أن انفجار الأزمة قد يؤدي إلى صحوة ضمير على مستوى النخب الحاكمة الفاسدة والنخب الحزبية الضعيفة، أو تظهر نخب جديدة في الطرفين تفرزها الأزمة، تستطيع أن تتفق على خارطة طريق مباشرة عند بدايات الانفلات لاستدراك الوضع بأقل التكاليف الممكنة، وبناء مؤسسات جديدة تعبر حقيقة عن الإرادة الشعبية وتتحلى بقدر كبير من الحكمة والعمل المشترك والتنازل بغرض إنقاذ الوطن وبعث عجلة التنمية من جديد، وعادة ما تكون المهمة صعبة عند الوصول إلى هذا الحد ولكن الإرادة الوطنية الصادقة وكفاءة من تفرزهم الأحداث في تلك المرحلة تذلل الصعوبات كلها.

 

د. عبد الرزاق مقري

كتبت هذا المقال بمناسبة التجمع الذي نظمته الحركة يوم 06 جوان بالبليدة ضمن فعاليات ذكرى وفاة الشيخ محفوظ رحمه الله وحينما رأيت الحشد الكبير أدركت بأن المناسبة لا تتناسب مع موضوع فكري فغيرت الخطاب إلى أسلوب تعبوي يليق بالتجمع.

حينما ينتقل المؤسسون والقادة الكبار إلى الرفيق الأعلى يكثر الحديث باسمهم والاستشهاد بأقوالهم واستصحاب آرائهم. وهو أمر طبيعي وعادي لأن المتميزين يتركون إرثا كبيرا يغرف منه الناس لاحتياجهم له، وكثيرا ما تكون أفكار هؤلاء المؤسسين أطول عمرا، بل ثمة من تصبح أفكارهم أشهر منهم. غير أن ثمة أتباعا يسيئون للمؤسسين ويعملون على قطع استمرار الأجر الجاري الذي يلحقهم في الدار الأخرى من حيث يدرون أم لا يدرون، ومن هؤلاء المفرطون في التقليد، المتمسكون بظواهر الأفكار ومنطوقها دون الالتفات إلى مقاصدها وأسباب بروزها، ومن هؤلاء المنتقون للأفكار التي تخدم وضعهم المريح دون الاهتمام بما من أجله كان المؤسسون يعيشون ويكافحون، ومن هؤلاء المتأولون الذين يقتنعون بفكرة تخصهم ثم يذهبون لتبريرها بتأويل أقوال المؤسسين، ومن هؤلاء المدلسون في الأسانيد ليوهموا استماع ما لم يسمعوه من المؤسسين، ومن هؤلاء المبالغون في النقل عن المؤسسين للإيهام برفقة لم ينالوها من المؤسسين، من هؤلاء الوضاعون الذين يختلقون أحاديث وهمية ينشئها خيالهم الهائم في متاهات النفعية والذاتية.

ولو قدر لمؤسس أن يختار من يتحدث عنه بعد وفاته لاختار مثل أبي يوسف لأبي حنيفة النعمان الذي نقد علم أستاذه وفرعه وأصله، أو عبد الرحمن بن القاسم لمالك الذي عضد وقوم وسدد علم شيخه، أو أبو بكر الخلال بن محمد بن هارون لأحمد بن حنبل الذي قال عنه الخطيب البغدادي: ” جمع الخلال علم أحمد وتطلبها وصنفها كما لم يفعل أحد من قبل”، أو إسماعيل أبو إبراهيم المزني للشافعي الذي قال عنه هذا الأخير ” المزني ناصر مذهبي”. ولو سألنا كيف انتشرت مذاهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي ولم تنتشر مذاهب عظيمة كمذهب الأوزاعي أو سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة أو الأعمش أو الليث بن سعد، علاوة على مذاهب صحابة كبار كمذهب عائشة ومذهب عبد الله بن مسعود ومذهب عبد الله بن عمر اندثرت كلها، رغم أن جل مؤسسيها هم أعلم من الأربعة وبعضهم شيوخهم  لعلمنا بأن مرد ذلك توفر تلاميذ أفذاذ لمؤسسي المذاهب الأربعة لم  يقفوا عند حد التقليد بل ذهبوا بعيدا في الاجتهاد حتى صارت أقوالهم في كثير من المسائل أشهر من أقوال شيوخهم، جعلوا مذاهب شيوخهم تنتشر وتتلقاها الأمة بالقبول فصارت مذاهب رسمية في بعض الدول الإسلامية الكبرى.

لا يجادل أحد بأن الشيخ محفوظ مؤسس لحركة وفكر واتجاه، وأن المجال الأكبر الذي برع فيه هو المجال السياسي، وأن سياسته طبعها سمت الاعتدال والبحث عن المساحات المشتركة بين الفاعلين والمؤثرين في الشأن السياسي سواء وهو يعارض النظام السياسي أم أثناء مشاركته. كما أنه لا يختلف إثنان بأن اتجاهه أثار كثيرا من النقاش والجدال بين مؤيد ومعارض، بين معجب إلى حد التقديس ومعارض إلى حد التخوين، ومعتدل ينتقي الأحسن ويبني عليه، وهذا هو شأن الكبار، يأتون بأشياء استثنائية تحرك الماء الراكد وتغير المألوف فيكون البون شاسعا بين الناس في الحكم عليهم. غير أنه لا بد من اعتبار الظروف والبيئة والمحيط في الحكم على فكر الشيخ، حينما كان مجال العمل السياسي مغلقا إغلاقا تاما عارض رحمه النظام السياسي بشدة وصلت إلى حد المواجهة المادية ودخل بسبب ذلك السجن. وحينما انفتح المجال السياسي توجس منه في البداية وشكك فيه فتأخر في أخذ المبادرة ثم أصبحت كل الاستراتيجيات استدراكات من أجل المحافظة على استقرار بلد ووجود حركة واستمرار مشروع. لقد كانت إدانة الحركة لإلغاء الانتخابات التشريعية سنة 1992 صارمة ثم أصبحت الأولوية بعد ذلك متجهة حصريا للمصالحة والبحث عن فرص الحوار. أطلقت الحركة مشاريع حوارية عديدة مع مختلف الأحزاب السياسية الإسلامية والعلمانية والوطنية وشاركت في مشاريع عديدة ( مجموعة 7، مجموعة 7+1، التحالف الوطني الإسلامي، التحالف الإسلامي الجمهوري، الإئتلاف الوطني، التحالف الرئاسي….)، غير أن كل تلك المحاولات لم تكن مجدية في إخراج البلد من كل أزماته بالرغم من أنها ساهمت في بعض المعالجات وكرست تجربة ومسارا، كما أن المشاريع الحوارية التي أطلقها طرفا الصراع ( السلطة والجبهات الثلاث ومن معها) لم تكن نافعة سواء تلك التي عرضتها المعارضة في مشروع ” العقد الوطني” في سانت إيجيديو أو التي فرضتها السلطة في ” ندوة الحوار الوطني” في قصر الأمم. حضر الشيخ محفوظ نحناح في بداية جلسات ” العقد الوطني” ثم انسحب وحضر في ندوة “الوفاق الوطني ” وانسحب قبل انطلاق الأشغال. وتجدر الإشارة هنا بأنه حينما رفض الشيخ محفوظ المشاركة في هاذين المشروعين لم يكن ذلك تراجعا عن التزامه بقيمة الحوار، لقد رأى بأن هاذين المشروعين تنقصهما الإرادة السياسية لتجسيد تلك القيمة وأن نتيجتهما لن تكونا كافيتين لحل الأزمة. وفي ظل هذه الصعوبة في تحقيق معنى المصالحة الوطنية وبظهور أمارات التفكك في الدولة والمجتمع أصبحت الأولوية، بعد ثلاث سنوات من إلغاء الانتخابات،  لبناء المؤسسات والعودة للمسار الانتخابي فشارك الشيخ محفوظ في الانتخابات الرئاسية سنة 1995 ثم في كل المسار الانتخابي وأتيح هامش كبير للحريات كان من أفضل ما هو موجود في العالم العربي آنذاك. حاول الشيخ أن يشجع السلطات على هذا المسعى وأن يساهم في إنجاح هذه المحاولة للانتقال الديمقراطي فاختار القرب من الحكم بمشاركته في الحكومة وتحققت كثير من الإيجابيات ليس المجال للحديث عنها. ولكن هذه المشاركة لم تكن دينا منزلا من السماء إذ لم يمنعه ذلك من مخاطبة السلطات بشدة كبيرة في كثير من الأحوال، وكانت أول خيبة الأمل في مسار المشاركة  الولادة القيصرية للتجمع الوطني الديمقراطي والتزوير الشامل لصالحة في الانتخابات التشريعية والمحلية سنة 1997 إذ فهمها الشيخ بأنها رسالة له ولجبهة التحرير  الوطني (بعد رجوعها من تجربة المعارضة) بأن السلطة لن تقبل أية مشاركة حقيقية وأن بديلها تصنعه بيدها وأن الجميع عليه أن يكون تابعا لا شريكا، وأن هوامش الحرية التي تمنحها مما بقي من مكاسب أحداث 5 أكتوبر هو لصالحها وحدها بقصد تزيين المشهد وكسب تأييد الخارج والاستمرار في الحكم إلى الأبد. ولهذا الاعتبار صمم الشيخ أن يطير بجناحيه فرفض الضغوطات التي مورست عليه لكي لا يترشح في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 وأراد أن يكون الفيصل بينه وبين هؤلاء المتسلطين الإرادة الشعبية الحرة لكي يعلموا مدى حضوره الجماهيري… وليزوروا بعد ذلك تلك الانتخابات إن شاؤوا. غير أن المفاجأة التي لم تكن في حسبان الشيخ محفوظ نحناح هو حجم الوقاحة وقلة الحياء ومستوى التجبر الذي ظهرت به السلطات بمنعه من الترشح والطعن في تاريخه وتشويه سمعته. بعد هذا العمل الشنيع تصور الشيخ بأن هوامشه على المستوى القريب صارت ضيقة وأن عليه أن يرضخ ” باكيا” ليرى بعد ذلك ما عليه أن يفعل. لم يصبح الشيخ بعد هذه الحادثة هو نفس الشيخ قبلها. أصبح خطابه الداخلي يتسم بسخط لا حد له على من ظلمه، وأصبح يتهمهم بمستوى من الإجرام يصعب اليوم التعبير عنه، وأصبح خطابه الخارجي تحذيرا صارما من عواقب السياسات الفاسدة للسلطة. وقد ترك لنا في هذا الشأن محاضرة مصورة سنة 2000 يتحدث فيها عن الترهل الذي وصل إليه نظام الحكم رسم لنا فيها رؤية استشرافية كيف ستكون الجزائر بعد عشر سنوات إن لم يستدرك الأمر وطالبنا جميعا أن نتحمل مسؤولياتنا، ولكنه لم يستطع في السنوات الثلاثة التي بقيت له من عمره منذئذ أن يفعل شيئا في هذا الصدد، ولعل المرض العضال الذي أصابه والأزمة الكبيرة التي كانت تزحف داخل الحركة على مستوى المكتب ومحيط الشيخ محفوظ في ظل غيابه عن تسيير الحركة منعت من القيام بإصلاحات جادة، وبعدما توفي الشيخ رحمه الله فشلنا جميعا في التجديد وبقينا نتنافس في التقليد واستنساخ عمل السابقين، والتباهي بالوفاء لميراث الشيخ، ولم يظهر في هذا السبيل من نتائج جنتها الحركة سوى كسر المؤسسات العريقة التي بنيناها والتشتت المقيت لصفنا والصراع الدائم المهلك على القوائم الانتخابية والهوامش الحكومية والإدارية الضيقة التي كانت مواطن الانشقاق في أغلبها، والعجز والكسل والقبول بمسار التزوير والأمر الواقع ولو بقي دهرا، ولم نسأل أنفسنا أبدا هل كان الشيخ محفوظ سيبقى على مذهبه الذي انتهجه للمأساة الوطنية أم كان سيجدد لتستمر حركته ولتنمو وتكبر وتقوى حتى تساهم في نهضة الوطن وسأدده وتطوره. لا مناص من القول بأن لا صدق في الاتباع دون همة التجديد، من أحب الأولين حرص على استمرار ما بنوه، ولا استمرار لبناء دون تعهده وتجديده. فإذا كان الدين ذاته  يجدد كل مائة سنة على قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” فكيف باجتهادات تتعلق بأزمة محددة.

قد يبتلى المؤسسون بأتباع يدرسون جهد سادتهم بالإمعان في التقليد أو بتحويل المكتسبات التي حققها السابقون إلى مصالح مبهمة ومكتسبات موهومة لا يجب أن يتغير فيها شيء فيقتلون مقاصد الاجتهاد في فترة التأسيس بغلق باب الاجتهاد بعدها وجعل تلك الفترة لحظة أبدية يتوقف عندها الزمن، لا شك أن هذه حالة لا يتمناها أي مؤسس توفاه الله، لأن الذي يتوفاه الله يكون في أمس الحاجة لأجر جار يلحقه باستمرار عمله عبر الأجيال.

إن التجديد الذي تقوم به الحركة في المجال السياسي وضعها في موقع الريادة و الفعل والتأثير في مدى قريب لم يتجاوز السنة لا قبل لأحد أن ينكره، وما نبذله من عمل على الخط الاستراتيجي نتوقع منه قوة ومكنة للحركة ومشروعها على المدى المتوسط والبعيد هو هدية نزفها للشيخ محفوظ نحناح في ذكراه الحادية عشر نسأل الله أن يتقبلها منا كاملة وأن يجعلها ثوابا واصلا له ولرفيقه الشيخ بوسليماني ولكل من كان له فيها دور وتأثير من شيوخنا وأساتذتنا ومعلمينا ورفقائنا، ولكل مناضل ومناضلة، ومحبة ومحبة، بذلوا لتحقيق النجاح ودعوا الله له بصدق لله تعالى لمصلحة الأمة والدين والوطن.

 

د. عبد الرزاق مقري

حينما قام أطفال صغار بكتابة عبارات عبثية ضد النظام في درعا قام هذا الأخير بسجنهم وتعذيبهم، وحينما حاول أعيان درعا التوسط لإطلاق سراح هؤلاء الفتية أهانهم المحافظ وأزلامه، فأدى ذلك إلى احتجاجات سلمية تطورت إلى مطالبات بالإصلاح السياسي عبر مسيرات امتدت إلى العديد من المحافظات. بدل الاستماع إلى مطالب السكان قام النظام باضطهاد المتظاهرين بوحشية كبيرة من قتل واعتقالات وانتهاك للحرمات والأعراض. تسببت وحشية بشار وعائلته وأعوانه في اندلاع مقاومة مسلحة من أجل الدفاع عن النفس تبعتها انشقاقات في الجيش السوري فتوسعت المواجهة وتطورت إلى حرب حقيقية. كان من الممكن أن تحل المشكلة بسرعة لو رجع النظام السوري لرشده واستمع لنداءات الشخصيات والقوى التي كانت تحترمه في معسكر المقاومة والممانعة، ولكنه لم يفعل لأن الممانعة كانت بالنسبة له وسيلة للتموقع في الخارطة الإقليمية فحسب، إلى جنب حليفته إيران ضمن مشروع سياسي يتجاوز قدسية القضية الفلسطينية. حينما توسعت المواجهات كان من الممكن أن تحسم بسرعة لصالح الثوار بسبب الأرضية الديموغرافية الواسعة التي يتحركون فيها ولكن تدخل القوى الإقليمية والدولية على الخط عقد الأمور. منعت القوى الغربية الثوار من التسلح وتكفل الأمريكان أنفسهم برسم سد منيع على الحدود التركية لمنع تسرب السلاح سوى الكميات والأنواع التي تحافظ على وجود الثورة ولكن لا تمكنها من حسم الصراع لصالحها، وفي ذات الوقت أُطلقت أيادي التدخل الأجنبي الروسي والإيراني من حيث التسليح والخبراء ، والعراقي واللبناني ( حزب الله) وكذلك الإيراني من حيث المشاركة المباشرة في القتال، مع الرقابة الدولية والضغط المستمر على هؤلاء بما يمنعهم من إنهاء المواجهات لصالحهم كذلك. انطلقت مؤامرة تدمير سوريا وتفكيك جيشها لصالح إسرائيل بإمعان وإحكام بواسطة استراتيجية إطالة الأزمة وتعقيد الأوضاع على الأرض إلى أن يأتي أوان الحسم لوضع اليد الغربية على سوريا. كان لا بد أولا من تصفية ملف آخر لا يقل أهمية وهو الملف المصري فتم التآمر على الشرعية وتوريط الجيش المصري في سفك الدماء ومواجهة قطاعات واسعة من الشعب وكسر مصداقيته مصريا وعربيا ودوليا، ثم كانت حادثة الفصل المتمثلة في القصف الكيمياوي للمدنيين في مشهد مروع للجريمة يظهر فيه اختناق الأطفال والنساء ومفارقتهم الحياة بمشقة لا توصف وسط لوعة أهلهم وأقربائهم وعجز الأطباء على إنقاذهم. مع ما تحمله هذه الجريمة من بعد متوحش تجاوز كل الحدود الآدمية والبهيمية معا، تنبعث منها صور متناقضة توحي تارة بالغباء والتجبر واللامبالاة إذ كيف يعقل أن يتورط الجيش النظامي في هذه الجريمة بحضور المبعوثين الأمميين المكلفين بالتحقيق في استعمال السلاح الكيمياوي، وتوحي تارة أخرى بأن هذا الجيش المجرم وقع في تغليط استخباراتي أوهمه بأن صيدا ثمينا يتوفر في المواقع التي ضربت لو تم الظفر به وإبادته سيساعد على حسم القضية سريعا، أو أن الجيش النظامي السوري مخترق كلفت جهة فيه بشحن الصواريخ كيميائيا لتبرير التدخل العسكري الغربي. وفي كل الأحوال هذه الجريمة الفظيعة هي نكبة تاريخية في حق السوريين قُتل فيها خلق كثير بأقبح ألوان القتل، ثم هي التعلة التي ستوضع بها سوريا تحت الوصاية الغربية، والغريب في الأمر هو تردد الموقف الروسي وإعلانه عدم الدخول في أي حرب يمكن أن تقع مما فاجأ النظام السوري وجعله، على لسان وزير خارجيته، يستجدي روسيا دون نتيجة لكي تستمرفي رعايته وهو يتهاوى دوليا، مما يجعلنا نتساءل عن طبيعة الموقف الروسي ودوره في تعفين الأوضاع في سوريا وإطالة أمد الأزمة ولصالح من كان يشتغل، لصالح الشعب السوري أم لصالح أعدائه وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي؟
ومهما يكن من أمر فإن طبول الحرب على سوريا تقرع من قبل نفس المعسكر الذي ضرب العراق ومزقه مع فارق مهم وهو أن تركيا، من جهة، التي تحدت أمريكا والحلف الأطلسي برفضها تقديم يد المساعدة للعدوان على بلاد الرافدين هي اليوم حاضرة وعليها مسؤولية كبيرة وفق النتائج التي ستترتب على هذه الحملة العسكرية. ومن جهة أخرى سوريا التي شاركت في ضرب العراق بإيعاز من إيران التي تحالفت مع أمريكا في ذلك العدوان لوضع يدها على مستقبل العراق كما هو الحال الآن، فالنظام السوري يذوق اليوم من نفس الكأس المسموم الذي أذاقه للعراقيين في خطة قديمة أخرى قضت بتدمير جيش كبير آخر من الجيوش العربية لصالح أعداء الأمة وعلى رأسهم الكيان الصهيوني.
إن الحملة العسكرية التي تحضر لضرب سوريا ليست لصالح الشعب السوري، فهي إما أن لا تكون حاسمة إذ ستكتفي بضربات جوية وصاروخية للقدرات العسكرية السورية التي هي ملك للشعب السوري في آخر المطاف ويتم بعد ذلك تعفين الوضع أكثر وملاحقة كل الجبهات القتالية الثورية المعادية للكيان الإسرائيلي والتمكين المتدرج لقوى عسكرية علمانية تمسك بلدا ضعيفا ضمن استراتيجية غربية عربية تابعة للسياسة الخارجية الأمريكية كما هو حال النظام السعودي القائم والنظام المصري الذي يراد فرضة عن طريق السيسي وأعوانه. وإما أن تكون حرب تدميرية شاملة تؤدي إلى مواجهات إقليمية على أرض عربية تدفع فيها البلدان والشعوب العربية الثمن غاليا لتنتهي المواجهات بتفوق وهيمنة إسرائيلية تامة على المنطقة، وقد ينقلب هذا السحر على الساحر بأن يصنع الانفلات الأمني العام وضعايسمحبضرب الكيان الصهيوني من كل ناحية من قبل أي مقاوم على أرض عربية لا يقودها أحد في هذه الحالة، وهو احتمال تحسب له القوى الغربية الحساب ولا شك.

قد يقول قائل إذا كان الموقف هو معارضة ضرب النظام السوري من قبل الدول الغربية، هل يُترك الشعب السوري لهذا النظام المجرم المتوحش يبيده كيف ما يشاء؟ والجواب على هذه الحيرة المشروعة في كتاب الله تعالى وفق قوله سبحانه في سورة الحجرات : ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )) سورة الحجرات: 9

لا بد أن تتدخل دول أخرى لحل المشكل وإيقاف التقاتل، وهذه الدول يجب أن تكون دولا إسلامية في إطار منظمة التعاون الإسلامي. تقترح هذه الدول على الطرفين حلا سياسيا يعبر عن إرادة غالبية الشعب السوري مع الحفظ الكامل لكل حقوق الطوائف الموجودة في سوريا فإن بغت طائفة على غيرها تتدخل الدول الإسلامية ضدها بالقوة وتفرض الحل بالعدل والقسطاس. ومن المتوقع أن الطرف الذي لا يتجاوب مع مشروع الصلح هذا هو النظام السوري لأنه يريد أن يفرض طائفته على كل الطوائف الأخرى فهو الذي سيتوجه إليه الحل العسكري بلا شك.

غير أن هذا الحل خيالي طوباوي لا يمكن أن يتحقق، وإنما ذكرته ليتضح بأن المشكلة ليست في الأفكار ولكن في واقع العالم العربي والإسلامي.فالدول العربية إما عميلة، أو هي نفسها متآمرة على الشعوب، أو ضعيفة، أو غير مبالية، ومن الدول الإسلامية الأخرى من هي متورطة في سفك الدم السوري مباشرة. وعليه سنجد أنفسنا نعود لضرورة التدخل الأجنبي ولكن في هذه الحالة لا يجب أن يتجاوز التدخل قرار الحظر الجوي على الجيش السوري النظامي وحماية المدنيين ضمن مناطق آمنة وتوفير الظروف اللائقة للاجئين، وطلب المجرمين بشار ومعاونيه في المحاكم الجنائية والدولية، والسماح للمعارضة الوطنية السورية بالتسلح ودعمها من قبل الدول والشعوب العربية والإسلامية المقتنعة بقضيتها، مع مرافقتها السياسية للتحضيرلنظام بديل عادل وديموقراطي تحفظ فيه حقوق الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية من خلال الحوار بين الجميع وتحقيق العدالة الانتقالية وتجسيد معنى الحقيقة والمصالحة والعقد الاجتماعي الذي ينبثق عليه دستور توافقي جديد يبنى عليه مسار انتخابي يؤسس جمهورية سورية حديثة وأصيلة تكون لصالح السوريين ولصالح الأمة العربية والإسلامية التي تنتمي إليها سوريا. هذا هو الحد الأدنى الذي يحفظ سيادة سوريا ومصلحة شعبها، وغير ذلك هو سقوط في مخالب التآمر الأجنبي.

د. عبد الرزاق مقري

يعرف المتابعون السياسيون بأن المنطقة العربية هي ساحة صراع بين مشاريع عدة: بعض هذه المشاريع يمثل دولا أو مجموعة دول منها المشروع الغربي الأمريكي- الأوربي، المشروع الصهيوني، المشروع الإيراني الشيعي، المشروع التركي، المشروع الصيني، المشروع الروسي، مشروع الأنظمة العربية، وهناك مشروع واحد لا تمثله دولة ولا مجموعة دول لا يزال يكافح على المستوى المجتمعي وهو المشروع الإسلامي العربي السني. كل هذه المشاريع يحمل أبعادا حضارية ورؤى اقتصادية وجيوستراتيجية سوى مشروع الأنظمة العربية فهو مشروع سلطوي نفعي لخدمة شلل حاكمة فاسدة وفاشلة ولكن لها قدرة كبيرة على البقاء بخبرة تآمرية تتجاوز حدود ما تدركه العقول.

إن أسباب صراع المشاريع والدول والحضارات في المنطقة العربية تعود لمصالح اقتصادية وأبعاد جيوستراتيجية مغلفة بلبوس دينية وثقافية حضارية، أما المصالح الإقتصادية فهي مرتبطة بالطاقة وهي آيلة للزوال في حدود عقدين من الزمن على الأكثر، وأما الأبعاد الجيوستراتيجية فهي باقية ولكنها تحتاج إلى تغيير للخرائط الجغرافية والسياسية لكي تبقى المنطقة وديعة غير قابلة للتطور والنهوض لا تمثل عمقها الديني والثقافي والحضاري.

لقد سبق لي أن قلت في جويلية 2010 في الجامعة الصيفية بتلمسان خمسة أشهر قبل اندلاع الثورات العربية انطلاقا من تونس في ديسمبر 2010 بأن المنطقة العربية مقبلة على تحولات جذرية، وأن أمانها مرتبط بنهوض عربي يؤدي لتحالف سني عربي تركي يجعل الطموح الإيراني يأخذ حيزه الواقعي كأقلية شيعية لا تتجاوز 10 إلى 13 بالمائة من عدد المسلمين البالغ عددهم مليار وستمائة مليون ساكن ضمن أغلبية سنية تتجاوز 87 يالمائة. فيحدث عند ذلك تعاون برغماتي شيعي سني يؤدي إلى نهضة شاملة للأمة الإسلامية يقود لتحرير فلسطين بيسر. وقلت بأنه إذا فشل هذا المشروع ستعرف المنطقة حربا مذهبية مدمرة تتسبب في تخلف المنطقة وتشرذمها لعقود من الزمن. وكنت قلت بأن التحالف السني العربي التركي ينجح حينما يكون ظلعه العربي جزائري مصري، واستبعدت العراق باعتبار انكساره بعد احتلاله المزدوج الأمريكي الإيراني، كما استبعدت العربية السعودية ضمن دول الخليج بسبب انخرام سيادتها وتبعيتها لأمريكا. كما ذكرك بأن تقدم المشروع الإيراني في المنطقة لن يغيض الدول الغربية بسبب توقع تراجع أهمية إسرائيل في المنطقة بعد تراجع المصادر النفطية وبسبب استعداد إيران لضمان مصالح الغرب وأداء دور الوكيل لمختلف القوى الدولية الأخرى في المنطقة.

حينما وقعت الثورات العربية وخصوصا بعد سقوط مبارك أصبح الاحتمال الأول أكثر ورودا وكان التفاؤل بنهوض العالم العربي وتحالفه الاستراتيجي مع تركيا قاب قوسين أو أدنى، ولكن حينما انطلقت الثورة المضادة في مصر بدعم سعودي إماراتي، وفي سوريا بدعم إيراني، وفي اليمن الآن بدعم مشترك سعودي إيراني وفي كل الحالات بغطاء دولي أمريكي مباشر وغير مياشر أصبح الاحتمال الثاني أكثر ورودا وإن لم تستدرك الثورات الشعبية العربية نفسها بحكمةِ وشجاعةِ قادتها الوطنيين الصادقين الذين أفرزتهم الساحة ستضيع المنطقة وسيدفع الثمن الظالم والمظلوم….. يتبع…

 

د. عبد الرزاق مقري

قال الله تعالى: (( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)).

طريق الهجرة هو الانتقال من حال الاستضعاف والقهر وتجبر الظالمين إلى فسحة البناء والتأسيس وصناعة المجد والقوة، وعلى هذا الطريق تكون الملاحقات والإيذاء والصد والتخويف حتى يخيل للمهاجر ان القوم قد ادركوه ولكن أصحاب البصيرة يذكرون الخائف: (( لا تحزن إن الله معنا))

كل الذي ترى في طريق الهجرة من أذى إنما هو عربون النصر والدليل على السير الحسن على الطريق الجيد… وبعد الصبر والثبات يكون الوصول إلى دار الأمان حيث يتواصل العمل والكد في سبيل الله إلى أن يقوى العود وتينع الثمار فينتقل الخير إلى الدنيا بأسرها.

ذلك هو حال الأمة هذه السنوات إنها تنتقل من زمن القهر والظلم والاستبداد والجاهلية الجهلاء إلى مستقر العمل الدؤوب من أجل مجد الأمة ونهضتها، وعلى الطريق نرى المصاعب والخذلان ومحاولات إرجاعنا حتى نتنكب الطريق ونعود إلى زمن التبعية والذل والخنوع، ولكن هيهات هيهات هي هجرة كهجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، لن تتوقف ولو وصل القوم إلى رحالنا، ستقول (( إن الله معنا )) ونواصل الطريق حتى نجد الأمان في داخل نفوسنا وفي بلادنا فننتقل لبناء الحضارة الذي نصنعها معا لأوطاننا ولتكون رحمة للعالمين .

 

د. عبد الرزاق مقري

نشهد هذه الأيام تحولات سريعة وعميقة في العراق، فجأة ينهار الجيش العراقي في محافظات عديدة وتسيطر البشمرغة على المناطق التي ظل الأكراد يعتبرونها كردية، وتسيطر الجماعات المسلحة وقوى العشائر السنية

 على المحافظات السنية. الكثير من الحاقدين على المالكي والنفوذ الإيراني في المنطقة وأصحاب العواطف الجياشة والباحثين عن انتصارات ولو ظاهرية فرحوا فرحا كبيرا بهذه التحولات ولكن قليلا من تحمل عناء التأمل وسأل عن ماذا تعني هذه المفاجآت؟

وهل صحيح أن القوى الإقليمية والدولية لم تكن تتوقع هذا؟ إن الفهم والتحليل الذي ينبني عن معرفة طبائع القوى الاستعمارية ومصالحها ومصالح القوى الإقليمية المتورطة في مواجهة ثورات الشعوب من أجل الحرية وعن العمالة الكبرى التي تتصف بها النخبة الحاكمة في البلاد العربية يدل على أن المقصود في تسارع الأحداث هو تقسيم العراق.وكان يمكن إدراك ذلك قبل هذه التحولات من مجرد ملاحظة التصرفات المتطرفة لحاكم العراق أنور المالكي العامل المزدوج لخدمة المصالح الأمريكية والإيرانية.

إن الطريقة الناجحة التي لا تزال القوى الغربية تستعملها لضمان مصالحها في البلاد العربية هو فرض أنظمة فاشلة متعنتة متكبرة وقاسية تجمع كل أسباب الضعف والصراع والاحتقان إلى حد وضع نفسها في عزلة تامة أمام شعبها وفي مواجهة حادة مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية الوطنية، وعندئذ تلجأ تلك الأنظمة لإرضاء الخارج حتى تستمر في حكمها، فيصبح ذلك ” الأجنبي” متحكما في اللعبة كلها ويختار هو بنفسه المصير الذي يعطيه للبلد الذي يحكمه أولئك الفاسدون الفاشلون، إما استمرار الأمر الواقع والعمل على إجهاض ثورات الشعوب ما دام الأمر يسمح باستنزاف الخيرات والسيطرة على القرار في ظل الحكام الفاسدين، أو استغلال الثورات لتقسيم البلد وفق خارطة المصالح والأسواق ومصادر الطاقة وممرات نقلها وتجزئة الوطن الواحد إلى بلدان صغيرة متحاربة في أغلب الأحيان تكون كلها في حاجة لحماية الأجنبي.للوصول لهذه الحالة في بلد ما لا بد من فرض نظام سياسي تطلق فيه أيادي الفساد والظلم والمحسوبية والجهوية والطائفية ومنع الحريات وتُستنزف الخيرات ويكثر الصراع داخل مؤسسات الدولة وفي المجتمع، وبين الدولة والمجتمع، وتنتقل الدولة من الترهل إلى الفشل إلى اللاحكم وعدم القدرة على ضمان احتياجات الناس وفي لحظة من اللحظات تنفجر الأوضاع بشكل تلقائي أو بطريقة مدبرة وتعم الفوضى وُيسخّر الشعب الذي في المؤسسات العسكرية والأمنية لقمع الشعب الذي في المجتمع وتطول المعاناة حتى يصبح الناس مستعدين لقبول أي حل ولو كان التقسيم.

في تونس لو لا حاكم كابن علي وأصهاره، وفي مصر حاكم كمبارك وأبنائه، وفي سوريا كبشار وأسرته، وفي ليبيا كالقذافي وعشيرته، وفي اليمن كعلي عبد صالح وقبيلته وفي العراق كالمالكي وطائفته لما وقعت الثورات في هذه البلدان. وإننا نخشى على بلدنا الجزائر أن تصير إلى هذا الوضع، فعناصر الانفلات متشابهة في نظامنا السياسي، لا تظهر للغافلين والبسطاء والمستفيدين والانتهازيين ولكنها ظاهرة لأولي النهى، والواجب على كل وطني نزيه في المجتمع و في مؤسسات الدولة أن يفعل ما يجب عليه أن يفعل من أجل أن يحفظ البلد ويحفظ استقراره ووحدته ومستقبله. هذه هي الوطنية الحقة، وغير ذلك ادعاءات مخادعة.

د. عبد الرزاق مقري

اللهم إنه عاش مع نبيك في الدنيا فاجعله معه في الآخرة ..

تعرفنا في حركة مجتمع السلم على علماء ودعاة كثر ولكن الشيخ منير الغضبان لم يكن عالما نعرفه ويزورنا ونزوره ويحبنا ونحبه فحسب. لقد كان الشيخ الفاضل والأستاذ الكبير منير الغضبان واحدا منا، نسر له بأحزاننا، ونشركه في أفراحنا، نستنصحه في ما يطرأ لنا من مسائل صعبة ونوازل معقدة، نأخذ منه المنهج مشافهة، ونتعلم منه العلم بالحدث. أظهر ميله للحركة أثناء محنتها بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح مبكرا، فانحاز للحق الذي رآه فينا، لم يؤثر فيه القيل والقال، ولم تكبر في عينه الأخطاء التي كانت من جانبنا، نظر للأحداث نظرة العالم المتبصر الذي يحكم على أصل القضية ولا ينظر لسفاسفها وتفريعاتها المختلقة، نظرة العالم المتجرد الذي ليس له مصلحة سوى إرجاع الأمور لنصابها، فنافح عنا ودافع عن مؤسساتنا وصدع بالحق في داخل الجزائر وخارجها.

فتحنا له المجال واسعا في حركتنا فكان نعم العالم المعلم للرجال والنساء وللساسة والدعاة، كانت دروسه صنفا آخر من العلم. يجعلك تسمع حدث السيرة النبوية، وقد علمت به من قبل، فكأنك لأول مرة تسمع به. يدقق في التواريخ والأسماء والأماكن والأحداث، يحفظها حفظا، فيعبرها لكل واحد وفق حاجته. إذا تحدث مع الشباب وكأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي منهج خاص لتأهيل الشباب.  إذا خاطب المرأة وكأنه يروي قصة أكبر ملحمة نسوية تحررية لتكريم المرأة في التاريخ.  إذا تناول شأن السياسة أخرج لك من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  ما يعينك على فهم ما أشكل في أمرها في زمننا الراهن. إذا تحدث عن رحمة الحبيب في دعوة الخلق للحق وحرصه على نجاة الناس أشعرك بالعجز والتقصير وفتح لك آفاقا جديدة للعمل في سبيل الله لم تكن في الحسبان. إذا تناول جهاد العدنان وكفاحه ضد الكفار والمنافقين والمشركين أثار في نفسك حماسة متوثبة تجدد فيك العزيمة بعمق وهدوء.

كان رحمه الله عالما ليس مثله أحد من علماء السيرة النبوية، سخر حياته كلها للعيش مع خير خلق الله كلهم أجمعين، فترك موسوعة كبيرة لا يمكن إحصاؤها في هذا المقال، أنعم علي رحمه الله بأن أهداني مجلدات كثيرة منها أثناء زيارتي له في بيته في مكة المكرمة، وجاءني ببعض منها  حين زارني في بيتي في الجزائر. وكان رحمة يشكو من عدم تمكنه من المرور في الفضائيات للتضييق الحاصل له والمتابعات التي لم تتوقف ضده باعتباره، إلى جانب اهتمامه بالعلم، كان مكافحا ومجاهدا ومناضلا ضد الدكتاتوريات، خصوصا في بلده سوريا منذ عقود من الزمن.  وقد قمت بالاتصال بالدكتور طارق السويدان ليساهم في رفع الحصار عنه فبذل ما يستطيع ودعاه للمشاركة في حصص في قناة الرسالة حين كان مديرا لها، كما أنني أشرفت مع مؤسسة إنتاج جزائرية على تسجيل عشرين حلقة في ” المنهج السياسي للسيرة النبوية” لا يزال تحت الإعداد ولم يبث في أي قناة حتى الآن، وقد تكون هذه الحلقات هي هديتنا للجمهور بمناسبة وفاته في شهر رمضان المقبل إذا يسر الله ذلك.

لقد كانت لي علاقة شخصية متميزة مع العالم الجليل رحمه الله، تعرفت عليه أول مرة في أمريكا سنة 1998 في زيارة لها مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله للمشاركة في مؤتمر للجاليات المسلمة. ثم جمعنا الله في عضوية بعض المؤسسات الإسلامية العالمية، ثم صار ضيفا اعتياديا للحركة في جامعاتها الصيفية والملتقيات السنوية للشيخ محفوظ نحناح وبعض الدورات الخاصة في السيرة النوبية. وكان أكبر مشروع تعلق به من مشاريعنا مشروع أكاديمية جيل الترجيح الشبابية، فتحول لشدة ارتباطه بها مستشارا خاصا لها فأثر في منهجها، منح تأصيلا شرعيا لاسمها ” جيل الترجيح” بذكره حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” عن ابن عمر قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: “رأيت آنفا كأني أعطيت المقاليد والموازين فأما المقاليد فهي المفاتيح فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت لهم ثم جيء بأبي بكر فرجع بهم ثم جيء بعمر فرجح بهم ثم جيء بعثمان فرجح ثم رفعت فقال له رجل فأين نحن قال أنتم حيث جعلتم أنفسكم” فأصبح شعار الشباب منذ يومئذ أن عليهم أن يتنافسوا ليجعلوا أنفسهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان فيصبحوا مرجحين في الأمة.

ثم زاد الأكاديمية فضلا فاقترح كتابه المختصر في السيرة النبوية: ” كتاب الأربعين في سيرة سيد المرسلين” ليكون ضمن مقرر العلوم والمعارف في الأكاديمية فكان ذلك وقد تم تناوله كاملا في ثلاث دفعات متتاليات من شباب الأكاديمية بفضل الله، وبقي رحمه الله متعاطفا ومتفاعلا مع هذا المشروع يسأل عنه ويمده بالدعاء والنصائح، وكان يتمنى أن تكون ابنته ضمن هؤلاء الشباب وطلب مني ذات مرة أن أقترح لكل الحركات الإسلامية في الأقطار الإسلامية أن يعتمدوا هذا المشروع الشبابي لما رأى فيه من فائدة وحسن تخطيط وتنظيم وتنوع وفاعلية وواقعية، فقلت له كلاما لم يعجبه بأننا لا يمكن أن نقترح هذا العمل ما لم يحقق نجاحا بينا واضحا في بلادنا، لأن النجاح هو الذي يأخذه الناس ويتأسوا به وليست المشاريع النظرية، ونحن نأمل أن تنال الحركة كلها من بركات هذا الرجل الرباني العالم المجاهد، ولا نزكي على الله أحدا، لحبنا له واستفادتنا منه.

اللهم إنه عاش مع نبيك في الدنيا فاجعله معه في الآخرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

 

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية