يعد توينبي أهم مؤرخ في العصر الحديث درس الحضارات التي صنعها الإنسان على مر الأزمنة، وقدم للبشرية  منجزا علميا كبيرا في كتابه “دراسة للتاريخ” من اثني عشر مجلدا  أنفق في تأليفه أربعين سنة من عمره، وقد جعل تركيزه على  دراسة الحضارات وسماتها ومظاهرها وعوامل نهوضها وسقوطها  كمجال لدراسة تاريخ الإنسان بدل الاكتفاء بالسرد الزمني وتسجيل الوقائع  في تاريخ الدول والأمم، ينتقل من اختصاصه التاريخي الأصلي إلى آفاق الفكر والفلسفة وتداخل العلوم، وهو بذلك يسير على درب عبد الرحمن بن خلدون الذي لم يخف توينبي الإشادة في سبقه في وضع أسس علم التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة انطلاقا من دراسة التاريخ وسِير صانعيه، وقد ترقنا إلى شهادته سابقا.

كما ساعده تجواله الطويل لمختلف عواصم وحواضر الحضارات القديمة، وعمله في وزارة الخارجية البريطانية وما تتضمنه من أرشيف واسع وعلاقات متشابكة، وكذا مناقشاته العلمية الأكاديمية في الأوساط الجامعية بأوكسفورد ولندن وغيرهما على الخروج من الطابع النظري المكتبي إلى التحاليل الميدانية القائمة على معرفة ثقافات الناس وتفاعلات الأحداث والتحرر من تأثير اللوبيات.

ومن ذلك أنه استطاع تشكيل وجهة نظر عادلة بخصوص القضية الفلسطينية[1] وأن ينتبه إلى خطورة اللوبيات الصهيونية إلى الحد الذي جعل أقطاب هذه اللوبيات والمتعاونين معهم والتابعين لهم يتهمونه بمعاداة السامية ويشنون عليه حملات ممنهجة[2]. وصفه المفكر “روجيه غارودي بأنه: “من القلائل في الغرب الذين رفضوا الأسطورة الصهيونية المؤسّسة، وناصروا الحق الفلسطينيكما أثنى عليه مالك بن نبي في أكثر من موضع، واعتبره مفكرًا منفتحًا على الثقافات الشرقية ومتضامنًا مع قضايا المظلومين.

يفسر توينبي نشوء الحضارات من خلال نظريته المشهورة “التحدي والاستجابة”[3]، وهي نظرية استلهمها من دراسات علم النفس السلوكي[4]، وخصوصا دراسات الشخصية الانكفائية والشخصية الانبساطية، حيث اعتبر أن الإنسان والأمم والشعوب تتجاوب مع التحديات الخارجية إما بالانكفاء على الذات والتسلح بالماضي وتقاليد السابقين فتضعف وتنضوي، أو تعترف بحقيقة التحدي وتواجهه للتغلب عليه بالإبداع، إلى أن تصبح أقوى منه.  فتنشأ الحضارات في أي شعب حين يَقبل أفراده التحدي، وتسقط حين تتوقف الاستجابة التلقائية للتحديات المستجدة.

ويَرجع نشوء الحضارات الأولى في كل من وادي الرافدين ووادي النيل، حسب توينبي، إلى استجابة الشعوب التي تعرضت لتحولات مناخية قاسية، وتحديات اجتماعية وثقافية كبيرة، بالتحرك في الأرض للبحث عن مصادر المياه وتطوير أدوات الاستفادة من البيئة والانتقال إلى المرحلة الزراعية وبناء علاقات جديدة وتشييد المدن حول الأنهار التي استقروا على ضفافها، خلافا للشعوب التي ظلت تتحمل قساوة التحولات المناخية في مكانها أو الاكتفاء بالانتقال القريب من مكان إلى مكان للبحث عن الكلأ فبقيت مجتمعات رعوية بدائية[5].

غير أن توينبي يؤكد بأن الاستجابة للتحدي تكون عبر فئة قليلة إبداعية من داخل المجتمع الذي يواجه التحدي يسميها “الأقلية الخلاّقة” (creativeminority)، وهي طبقة قيادية ملهمة تتوصل إلى تقديم الإجابات المناسبة للمشاكل والأزمات التي تعترضهم ثم تتبعهم الأغلبية عن طريق المحاكاة (Faculty of mimesis)[6] التي تمثل الطريقة الغالبة في عملية الانقياد الاجتماعي، وهو ما يمكن أن نسمية “أثر القدوة في صناعة التيارات الاجتماعية” ، ويؤكد توينبي بأن التأثير الذي تصنعه “الأقلية الخلّاقة” ليس تأثيرا ماديا، ولكن له طبيعة روحية وفكرية عميقة تصنع قوة داخلية خفية جبارة تدفع للإبداع والتفاعل النشط مع المحيط الخارجي[7].

ويرى توينبي أن الحضارة تبقى تنمو وتتوسع ما دام ثمة تواتر لبروز “أقلية خلاقة” من قيادة روحية أو نخب ملهمة في كل مرحلة من مراحل الدورة الحضارية تستجيب للتحديات المتتالية، بغرض إعادة بناء الداخل وفق استجابات حضارية جديدة لا تعتمد على الإكراه والتكرار والتقليد، ولكن على المحاكاة المجتمعية الإيجابية التي تضمن توسع المشاركة في البناء الحضاري، ويستمر نمو الحضارة  كذلك بقدر انفتاحها على الحضارات الأخرى والاستفادة منها[8]. ومما يقوله في هذا: ” نادرًا ما تكون الحضارات بمنأى عن التأثير الخارجي، سواءً من الحضارات السابقة أو الحالية”.

فمعظم الحضارات، حسب توينبي، انبثقت من حضارة سابقة، مستندة إلى إرثها من الأفكار والمعتقدات ضمن عملية ما يسمى: “الظهور والانتماء” (Apparentation-and‑Affiliation)، فهو في هذا الإطار يعتبر بأن الحضارة هي ميراث بشري تراكمي”[9]. وتصل الحضارة إلى ألقها حين تدخل في مرحلة “التحدي الذاتي” فتصبح هي بيئة الاختبار لذاتها ومصدر التحدي ومجال عملها، بغض النظر عن التحديات الخارجية إذا كانت مستمرة.

ويبدأ التراجع الحضاري، عند توينبي، حينما تُفقَد النخب المبدعة، وتغيب الطبقات القيادية الملهمة القادرة على الاستجابة للتحولات[10] والتحديات المستجدة ويسيطر على المشهد أقلية مسيطرة، ضمن ما يسمى استبدال “الأقلية الخلاقة” (Creative Minority) التي كانت تتبعها الأغلبية بقناعة، ب ا”لأقلية المسيطرة” (Dominant Minority)[11]، التي تتشبث بالسلطة والانتفاع بالمزايا الحضارية السابقة دون إبداع وتعمل على فرض نفسها بالقوة بدل الإلهام، وفرض اتباع الناس لها دون استحقاق. فينتج عن ذلك انسحاب الأغلبية وتوقف ظاهرة “المحاكاة الحيوية” (Mimesis)، وبداية بروز فئة من المنشقين (Schismatics) تحاول البحث عن حلول للتحديات، ومنها تحدي مواجهة النخب الحاكمة المهيمنة، فإن كانت مبدعة ومجددة تتوصل إلى الاستجابة للتحديات  وتؤول الأمور إليها وينبعث فجر جديد من قلب تلك الحضارة، وإلا يتجه المجتمع نحو الصراعات، التي تعالجها “الأقلية المسيطرة” بالقوة والعسكرة والانضباط القسري، والاعتماد على الدين كطقوس خالية من أي أثر روحي أصيل، وتحويل الطاقة الدينية إلى مؤسسة تابعة لا أثر لها في الفعل الحضاري، و مختلف المؤسسات إلى قشور مؤسسية جوفاء غير منتجة.

يؤكد تويبنبي بأن الحضارات لا تُقتل (من الخارج) ولكنها تنتحر (من الداخل)، ويبدأ التراجع من المركز وليس الأطراف وذلك بتوقف الإبداع لدى النخب، وانطفاء أنوار القيم المؤسِّسة للحضارة، وانتشار الظلم والقمع، والصراعات والانشقاقات وتشكُّل مجموعات داخلية ( (InternalProletariat سلبية ومهمَّشة ومُقلدة، وأحيانا انتهازية، وغير مشاركة في الفعل الحضاري، ومجوعات خارجية (ExternalProletariat) على هامش الحضارة تتسم بالفقر والتخلف والحسد والحقد على الحضارة المهيمنة الظالمة. وفي مرحلة نهاية الدورة الحضارية تحاول الأقلية المتحكمة فرض نموذج سياسي مركزي، سماه توينبي “الدولة العالمية” (Universal state)[12]  التي تستعمل القانون والمؤسسات لضبط المجتمع، والشرعية القسرية بدل الإقناع والتأثير وشرعية الإبداع والإنجاز، والحفاظ على الاستقرار الشكلي بهيبة الدولة والهالة المؤسسية لمنع التمرد والانقسام. مستشهدا بأمثلة من الحضارات القديمة في فترات انحطاطها، كالأمبرالطورية الرومانية، وأسرة الهان الصينية، والخلافة العباسية في بغداد، والامبراطورية المغولية بعد تشكلها. ويؤكد بأنه حين تفشل “الدولة العالمية” عن بعث المعاني الأخلاقية والإبداعية وعن تقديم أي مشروع إنساني، تظهر “الكنيسة العالمية” (Universal Church)، كملاذ روحي للجماهير، تملأ الفراغ المعنوي الذي تتركه النخبة المتكلسة والدولة المسيطرة. ويفهم من عبارة “الدولة العالمية” أي كيان سياسي مركزي تنشئه “الأقلية المهيمنة”، في أي مستوى من مستويات الاجتماع البشري، وهو  بدون  شك يركز على البعد الحضاري العالمي. كما لا يفهم بالضرورة من عبارة “الكنيسة العالمية”، عند توينبي، “كنيسة” بالمفهوم الديني، بل هي حالة بحث الجماهير عن المعنى الروحي والقيمي والأخلاقي الذي يتشبثون به أثناء مرحلة انهيار الحضارة وعجز “دولتها العالمية” على تحقيق المعنى رغم قدرتها على التحكم والسيطرة، ويمكن لهذا الملجأ الروحي الجديد أو المتجدد أن يكون بديلا خلاّقا ل”الدولة العالمية” المسيطرة  إذا اعتُمد الإبداع والتجديد القيمي فتكون حاضنة الانبعاث الحضاري، أو يزيد الحضارة القائمة تكلّسا وجمودا ويساهم أكثر في الأفول ونهاية الروح الحضارية[13]. ويضرب المثل في هذا الشأن بالديانة المسيحية بعد انهيار روما، وبروز الصوفية الإسلامية في أواخر العهد العباسي، ودور البوذية في حضارات شرق آسيا.

يؤكد توينبي على الأطوار والأعمار الحضارية ( النشأة، النمو، الألق، الأفول، الانهيار)، على نحو ما ذهب إليه ابن خلدون وأغلب فلاسفة الحضارة. ويشرح بأن التاريخ أعاد نفسه أكثر من عشرين مرة على نفس شروط وأفول الحضارات. وينبه أن الحضارة الغربية ليست استثناء وأنها تصنع في داخلها أسباب انهيارها وتتجه على نفس المنوال إلى الانتحار. ولكن يختلف عن العديد من المتخصصين في التاريخ والدراسات الحضارية، بأن مصير الأفول ونهاية الحضارات ليس حتميا كأعمار البشر، وأن الانهيار مرتبط فقط بالتوقف عن الاستجابة للتحديات، ويعتقد، على هذا الأساس، أن نهاية الحضارة الغربية ليس قدرا مقدورا، وأنها تملك القدرة على مواجهة التحديات التي تهددها.

يرى توينبي أن الحضارة الغربية نجحت في الاستجابة لتحديات عظيمة في مرحلة القرون الوسطى المتأخرة وعصر النهضة، وباتت حضارة عالمية كبرى، ولكنها دخلت مرحلة الانحدار مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين تحولت النخب من صانعة الإبداع والحداثة والتنوير إلى نخبة مهيمنة تسعى للحفاظ على السلطة. وتحول الغرب إلى التركيز على التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية وأهمل الجوانب الروحية والأخلاقية. وظهرت بوادر التمزق الطبقي والعرقي والديني في داخله، وأصبحت الحضارة الغربية في المجمل موسومة بالنزعة الفردانية والاستهلاكية والخواء الروحي، فباتت تصنع أدوات الموت والتدمير الشامل بأسرع مما تصنعه من أدوات الحياة [14]،  وباتت لا تكترث بوسائل القيم الإنسانية والروحية. ومما قاله: “لقد تجاوز التطور التنكنولوجي التطور الأخلاقي والروحي، تعلمنا كيف نطير كالطيور، وكيف نسبح في البحار كالحيتان ولكن لم نتعلم كيف نعيش معا كبشر .. لقد بات الغرب يعرف كيف يقود الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يقود ذاته”[15]

ولكن رغم كل الانتقادات التي وجهها أرنولد توينبي إلى الحضارة الغربية، وما ذكرها من مظاهر الأزمة الحضارية في الغرب فهو يرى أن الحضارة الغربية بإمكانها التعالي عن حتمية الموت الحضاري بالقدرة على الاستجابة للتحديات، خصوصا الداخلية، من خلال العودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، والتخلي عن منطق القوة، والتواضع والانفتاح على الحضارات الأخرى[16]

يرى توينبي أن البشرية شيّدت عدة حضارات في تاريخها، عدّد منها قرابة 21 حضارة كبرى. ركز منها على 13 حضارة مستقلة وذات هوية واضحة، وصنّفها إلى حضارات حيّة ومستمرة، لا تزال في طور التحدي والاستجابة، وحضارات متعثرة تتعرض للانتحار الداخلي، وحضارات ميتة ومنقرضة[17].

وبخصوص الحضارة الإسلامية فإن توينبي لا ينظر إليها بنظرة استعلائية كما هو حال العديد من المستشرقين الغربيين، بل يعتبر أن الإسلام استطاع أن يحقق استجابة تاريخية لتحديات الجزيرة العربية والعالم المحيط بها فصنع حضارة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية، استطاعت أن تنفتح على الحضارات التي سبقتها بثقة كبيرة وطورت خصوصيتها الحضارية الخاصة بها، ونقلت ذلك كله إلى الغرب ضمن حالة “ظهور وانتماء”. كما أشاد بالعطاء الروحي والأخلاقي الذي جاء به الإسلام حين وحد القبائل العربية وأنهى حالة الفوضى والتشرذم التي كانت بينهم وشكل وحدة حضارية امتدت من اسبانيا إلى الهند، شملت العديد من الأعراق والإثنيات أبكر وأشمل مما فعلته المسيحية[18] .

يرى توينبي أن الحضارة الإسلامية عرفت نفس المسار في النهوض والتراجع الذي عرفته الحضارات الأخرى، فقد استجابت بنجاح للتحديات في بدايتها إذ بعثت رسالة أخلاقية عالمية وحّدت بين العرب والعجم، والدين والسياسة، وحققت تكاملا بديعا بين المسؤولية الفردية والمجتمعية، وأنشأت شرائح شعبية واسعة مرتبطة بالرسالة الإسلامية وفاعلة في محاكاتها للنخب المبدعة، وفي القرن الرابع الهجري بدأت تتشكل علامات الجمود والانتقال من مرحلة النخبة الخلاقة إلى مرحلة النخبة المتسلطة، ففقد الجمهور العريض المحاكاة الحيوية وخرج من الفعل الحضاري، وباتت الخلافة العباسية في أواخرها تمثل نموذج “الدولة العالمية” كشكل سياسي جامد بلا إبداع حضاري حقيقي، حوْلها سلطناتٌ متناحرة وضعيفة، بلا إضافات حضارية حقيقة، رغم الشكل المؤسسي القوي، وتشكل لدى الشعوب الإسلامية ما يماثل مفهوم “الكنيسة العالمية” باللجوء إلى الصوفية والحركات الدينية المتنوعة.

لا يوافق توينبي بأن الحضارة الإسلامية آيلة للاندثار النهائي، كما يعتقد العديد من المستشرقين، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة نائمة قد تنهض من جديد إذا توفرت لها القيادة الخلاقة، وأنها لا تزال في مرحلة التحدي الداخلي، وأن الإسلام لا يزال قادرا على منح القيادة الروحية التي يحتاجها العالم[19]

غير أن توينبي يخطئ في اعتقاده بأن السبب المبكر لتراجع الحضارة الإسلامية هو انتقالها للمرحلة السياسية مع دولة المدينة في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالحضارة الإسلامية لم تحقق حضارتها إلا بحماية هدايتها بقوة الدولة في مواجهة تهديدات المشركين المستمرة، والتي كادت أن تقضي على بيضة الإسلام لو لا انهزامها أمام جيش الدولة الناشئة في غزوة بدر وغزوة الخندق، ولو لا إنهاء التهديد كلية في فتح مكة وغزوة حنين، وأمام تهديدات الخطر الروماني التي تمت مواجهته في غزوة مؤتة وغزوة تبوك ثم إنهاء تهديده في البلاد العربية في الشام، ومنعه من الاستيلاء على إرث الدولة الفارسية المتداعية بعد هزيمتها الكاسحة من الجيش الروماني قبيل بداية الفتوحات في الشام والعراق. كما أن بناء دولة المدينة كان هو المعيار الذي قامت عليه الخلافة الراشدة التي بقيت هي النموذج الذي تندفع إليه حركة التاريخ للاستنهاض الحضاري للأمة، وسيبقى كذلك إلى يوم الدين.


[1] ـ من مقولاته: ” الصهيونية حركة سياسية وليست دينية”، “النازيون هم من أسسوا دولة إسرائيل”،” أنا متعاطف مع وجهة النظر العربية في القضية الفلسطينية” انظر كتاب “محاضرات أرنولد توينبي” وهو كتاب جمع نصوص أربع محاضرات ألقاها أرنولد توينبي عام 1964 بالقاهرة ونشرتها مؤسسة هنداوي، ترجمة وتحرير فؤاد زكريا، عام 2022. وفي محاضرة شهيرة في بيروت عام 1961 وصف مجزرة دير ياسين بأنهاجريمة نازية ارتكبها اليهود ضد العرب، ومما قاله: “ما فعله الصهاينة بالعرب يشبه ما فعله النازيون باليهود، وهذا لا يمكن تبريره أبدًا”، انظر :”محاضرات توينبي في بيروت، الجامعة الأمريكية، 1961، ومما قاله كذلك: “تهجير الفلسطينيين وتأسيس دولة لليهود على حسابهم خطأ تاريخي لا يُصلح خطأ ما حدث لليهود في أوروبا”.

[2]ـ حدثت بينه وبين علماء ودبلوماسيين صهاينة مراسلات ومواجهات شديدة في عدة مناسبات منهم يعقوب هيرتزوج(Yaacov Herzog)، يعقوب تلمون (Jacob Talmon)، أشعياء فريدمان (FriedmanIsaiah)، موثقة في مقال بموقع جستور للمجلات العلمية ( انظر المقال في الرابط:https://www.jstor.org/stable/30245780 )، وكان ذلك بعد حرب 1967. ورد عليه في محاضرة تحت عنوان “هرطقة توينبي” بجامعة يشيفا بنيويورك عام 1955، المفكر والسياسي والدبلوماسي الصهيوني “أبا إيبان” وهو أحد مؤسسي دولة الكيان تقلد مناصب عليا كثيرة منها وزير الخارجية الإسرائيلي (1966 ـ 1974) ، نائب رئيس الوزراء (1963ـ 1966)، عضو الكنيست سبع مرات، سفير الكيان في الأمم المتحدة لعشر سنوات، ونائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952.

[3] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 1, Oxford University Press, 1934, p. 73.

[4] يعترف توينبي أن استفاد في نظريته ” التحدي والاستجابة” من دراسات عالم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ ( 1875ـ  1961Carl Jung )، خصوصا دراساته عن الشخصية الانطوائية والشخصية الانبساطية.

[5]  تطرق مالك بن نبي إلى حالة الرجل البادية في الجزائر الذي قهره التصحر بسبب خوفه وضعفخ فلم يبق له أرض يحرثها ولا ماشية يحلبها، ففر بدابته تائها في الصحراء أو منبوذا في المدينة: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص 132.

[6]Toynbee: An Historian’s View of Art, Vol. 3, No. 4 (fall 1961), pp. 267-280 (14pages)Published By: Wayne State University Pressـ   Milton Gold,

[7] ـ تشبه فكرة “الأقلية الخلاقة” فكرة “الدافع الحيوي” أو “الوثبة الحيوية” (l’Elan vital)، وهو مفهوم صاغه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتابه “التطور الخلاق” عام 1907 (L’évolution créatrice)،يشير فيه إلى وجودقوة داخلية غير مادية، تدفع الكائنات الحية إلىالإبداع، والتطور، والنمو، بشكل يتجاوز الآليات المادية والبيولوجية وهو بمثابة “شرارة الحياة”، و”الروح الخلّاقة” التي تسري في الكائنات، وتمنحها إرادة العيش والتجدد.

[8] ـ من الأمثلة التي يضربها توينبي في مسألة انفتاح الحضارات وأثر ذلك في توسعها الحضارة الإسلامية وكيف استفادت من الترجمة النشطة للعلوم اليونانية والفارسية والهندية وكيف أدى ذلك إلى تحويل بغداد وقرطبة إلى مراكز حضارية رائدة انتفعت من الحضارات التي سبقتها ضمن بنائها الحضاري الخاص. وهو بهذاينفي خصوصية الحضارة الغربية المتعالية على الحضارات الأخرى،ويعارض أفكار المؤرخين الغربيين، خصوصا المتأخرين كأمثال صمويل هنتنتن الذي يؤصل لصراع الحضارات وضرورة مواجهة الحضارة الغربية الحضارات الأخرى لتضمن ديمومتها.

[9] ـ انظرفي موقع E-International Relations مقال: “Ian Hall, Clashing Civilizations: A Toynbeean Response to Huntington, Apr 18 2018, Articles”

[10] ـ Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. 2, Oxford University Press, 1934, p. 112.

[11]ـ  Ibid, Vol. 3, p. 201

[12] Arnold J. Toynbee, A Study of History, Vol. VII, Oxford University Press, 1954, pp70-76

[13] انظر: Arnold J. Toynbee, A Study of History, Volume IX: “Universal Churches and Disintegration, Oxford University  press, 1936-1961.

[14] Arnold Toynbee, Civilization on Trial, ch. 3, 1948, pp. 45–46.

[15]ـ Civilization on trial, pp 41,42  مرجع سابق

[16] ـ If the West is to be saved, it will not be by clinging to power, but by listening to the spiritual voices of other civilizations.” — A Study of History, Vol. XII, 1961.

[17]وعند تتبعنا لما كتبه توينبي عن مصير الحضارات يمكننا أن نلخص مصائرها بتصرف على النحو التالي :  الحضارة السومرية والبابلية والمصرية المنقرضة، رغم تأثيرها المتفاوت في حضارات لاحقة، وحضارة المايا والأزتك التي انقرضت بفعل بُعدها عن العالم القديم، والإبادة البشرية والثقافية التي تعرضت لها من قبل الاستعمار الغربي، والحضارة اليونانية التي اندمجت في الحضارة الرومانية التي تحولت بدورها إلى المسيحية بعد سقوط روما، الحضارة الهندية التي صمدت أمام الغزو ولكنها فقدت وحدتها الدينية بين الهندوسية والإسلام والسيخ وبقيت متأثرة كثيرا بالغزو الثقافي الغربي المسيحي، الحضارة الصينية التي بقيت تتحول بين الركود والانبعاث (وهي رغم نهوضها الاقتصادي تتعرض إلى حالة تغريب كبيرة)، الحضارة الأرثوثوكسية التي رغم خصوصيتها الثقافية الدينية والصراعات الجيوستراتيجية الروسية الغربية يمكن اعتبارها مندمجة في الحضارة الغربية، الحضارة الإسلامية التي رغم تعثرها يرى توينبي بأنها لها القدرة على الانبعاث من جديد.

[18] ـ Islam succeeded in creating a universal society and a universal state sooner and with greater completeness than Christianity.” — A Study of History, Vol. V, 1939.

[19]ـ Islam may yet furnish the spiritual leadership the world needs.” — Civilization on Trial, 1948.