لقد كانت انتفاضة 5 أكتوبر نتيجة طبيعية لأزمة عميقة تسبب فيها النظام السياسي الذي فرض نفسه بعد الاستقلال، وهو تاريخ مفصلي بين مرحلتين من مراحل التاريخ السياسي الجزائري. لقد ثار الجزائريون ضد الفساد ومن أجل تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ومن أجل التغيير السياسي ورفض الحزب الواحد فأدت تلك الأحداث إلى تغيير كبير غير مسبوق في العالم العربي. تغير على إثر ذلك الدستور وسمح بالتعددية الحزبية والحرية الإعلامية وفسح المجال أمام المجتمع المدني وأصبحت الجزائر نموذجا ملهما ومشوقا ومصدر عز وافتخار للجزائريين، وأضحت أشرطة النقاشات السياسية التي كانت تنظم في التلفزيون الجزائري تسرب سرا في دول الجوار وكثير من الدول العربية. غير أن الحصيلة مع مرور السنوات لم تكن في مستوى ذلك الطموح وتلك الأحلام. لقد تحول الانتقال الديمقراطي إلى كارثة وطنية وتسبب في مأساة كبيرة راح ضحيتها أكثر من 200000 قتيل وأعداد كبيرة غير معروفة من المفقودين ومئات الآلاف من الأيتام والأرامل وخسائر مادية جسيمة، والأكثر من ذلك كله ضياع هذه الخسائر هباء دون أن يتحقق التغيير الذي كان منشودا إلى حد الآن. بكل تأكيد الوقت ليس مناسبا اليوم للحديث عمن كان سببا في هذه المأساة، وما هي مسؤولية كل طرف، وما قسط كل واحد من المسؤولية، وهو ملف لا بد أن يفتح يوما ما حينما يكون فتحه غير مؤثر سلبيا على مسيرة الإصلاح والتغيير.
لم تتوفر الشروط التي تجعل الانتقال الديمقراطي ناجحا، لا على مستوى النضج والخبرة والتجربة ولا حتى على مستوى الأخلاق والبحث على المصلحة العامة، والتنازل من أجل استمرار التجربة. لقد تحول الانتقال الديمقراطي إلى معادلة صفرية كل طرف يريد ان يلغي الآخر، وتحولت العملية السياسية إلى مجرد صراع على الحكم والنفوذ ضمن مظهرية مزيفة اختلطت فيها الشعارات الوطنية والعلمانية والدينية وضاع فيها الوطن والمبادئ والقيم. لم تستطع الأصوات العاقلة أن تجد لها مسلكا في ضجيج الصراع والمزايدات بكل الألوان والأشكال. وحين تغلب الحاكم المدجج بالسلاح الكافر بالديمقراطية والتغيير أصلا أخفى أخطاءه الجسيمة واستغل أخطاء الجميع ليستمر في الحكم. وباسم مكافحة التطرف والإرهاب سيطر على إرادة الجزائريين، وسمحت له الظروف أن يزور كل الانتخابات، ومع توالي تزوير الانتخابات سُقط في أيدي الأحزاب فلم تصبح تعرف كيف تزاوج بين الثبات على مطالب التغيير والمحافظة على الاستقرار، وحين انتهى أمل التغيير بالانتخابات هجر المواطنون مكاتب الاقتراع، وحين انغلق الأفق السياسي ولم يصبح متاحا منه سوى ما يسمح به الحاكم انتشرت الانتهازية والزبونية ففتكت بالأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والأعمال وتحولت العملية السياسية كلها إلى لعبة سمجة لا يؤمن بضرورة الثبات فيها إلآ نزر قليل. وفي آخر المطاف لم يبق من مكتسبات 5 أكتوبر إلا هامشا محدودا من الحرية يتيح التعبير عن الرأي ويتيح تأسيس الأحزاب بين الحين والحين ولكنه لا يسمح بالتغيير أبدا ولا يسمح بتأسيس مجتمع مدني حر وطليق وفاعل ولا يسمح بإعلام مستقل وجريء ولا يمكن من الفصل بين السلطات ولا يتيح مكافحة الفساد. إن هذا الهامش إذا استمر على هذا النحو لا يصلح إلا للتلهي السياسي، و لا يرضي إلا الإنتهازيين السياسيين في الأحزاب الذين يفضلون التنافس على رؤوس القوائم الانتخابية بدل الكفاح من أجل انتخابات حرة ونزيهة ومن أجل حرية حقيقية، وهذا الهامش يتوافق كذلك مع إرادة الحكام الذين تقويهم الواجهة الديمقراطية أكثر من منعها مطلقا.
إن الهامش المتبقي من الحريات بعد 5 أكتوبر شيء يُحتفى به ولكنه غير كاف للتغيير، ولا بد من الانطلاق من هذا الهامش لاستكمال التجربة بعمل متواصل أكثر خبرة وأكثر جدية، وما مبادرة الحريات والانتقال الديمقراطي إلا امتداد لهذا التغيير. لقد صار واضحا بأنه بعد كل هذه السنوات منذ 5 أكتوبر كل الأحزاب والتيارات تطورت واستفادت من الأحداث واقتربت من بعضها البعض من أجل الهدف الذي ضيعوه في التسعينيات ولكن ثمة قوة سياسية واحدة لم تتغير ولا تزال جامدة على ذهنية التسعينيات تحافظ على المكاسب الشخصية والسلطة ومتعها على حساب الوطن وعلى حساب مستقبل الأجيال وهذه القوة هي النظام السياسي دون غيره. إن الجهد سياسي الذي يجب أن نبذله جميعا، وقد أصبح الجميع أكثر خبرة وتجربة، يجب أن يتوجه إلى هذه السلطة الجامدة التي لا تبدع إلا في ابتكار أسباب البقاء ولا يهمها ما يضيع من الأوقات والموارد المادية وما يضيع من موارد بشرية، إنها وحدها من يمنع التغيير.
عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com