في الأزمات الكبرى تُختبر قوة الدول بمؤسساتها وقدرتها على حماية مواطنيها ومواجهة الأخطار، وتُختبر معها قوة المجتمع وتماسكه، وما يختزنه من قيم التضامن والتكافل والتعاضد حين تشتد المحن.
وفي خضم المحنة، تحول كثير من المواطنين إلى شركاء حقيقيين في مواجهتها، وتلاقت المبادرات الفردية الصغيرة لتصنع جهدا جماعياًكبيرا. واكتسب التضامن معناه الأجمل حين خرج من دائرة الشعور إلى ميدان الفعل؛ في يد تمتد بالعون، وشاب يقطع مئات الكيلومترات لإغاثة أسرة لا يعرفها، وعائلة تفتح بيتها للمتضررين، ومواطن يقدم ما يملك لأن أخاً له في ;أصابته المحنة. وفي هذه الصور البسيطة والعميقة معا ظهر معدن الجزائريين، وقدرتهم على تجاوز اختلافاتهم والوقوف صفا واحدا عندما يناديهم الواجب.
هذه الروح ضاربة بجذورها في تاريخ الشعب الجزائري، رافقته في الشدائد، وكانت من مصادر قوته وصموده في أحلك الظروف. فالدولة تستمد قوتها من مؤسسات قادرة على القيام بواجباتها، ويمنحها المجتمع المتماسك قوة أخرى حين يشعر أبناؤه بوحدة المصير، ويصبح ألم الواحد منهم هما للجميع، وتتحول الأخوة من قيمة نتحدث عنها إلى سلوك نراه في الميدان.
ولعلّ من أجمل ما كشفت عنه هذه المحنة أنّ الجزائر تملك رصيدا اجتماعيا وأخلاقيا كبيرا، وأن في شبابها طاقة هائلة من الخير والعطاء، تظهر كلما احتاج الوطن إليها. وسط صور النار والخوف والخسارة، ظهرت صور أخرى تبعث على الأمل، إنها الشجاعة، والنخوة، والرحمة، والتطوع، والتنافس في فعل الخير. وهي قيم تستحق أن نحافظ عليها بعد انطفاء الحرائق، وأن نحولها من اِستجابة للمحنة إلى ثقافة راسخة في حياتنا العامة.
فالجزائر تحتاج في أيام الرخاء إلى الروح نفسها التي تظهر في أيام الشدة، روح المسؤولية والتعاون والثقة وخدمة الصالح العام. وإذا استطعنا أن نحافظ على هذا الرصيد وننقله من لحظات الأزمات إلى حياتنا اليومية، فسيكون التضامن الذي شهدناه أكبر من استجابة عابرة لكارثة، وسيصبح قوة تساهم في بناء الوطن وحماية تماسكه.
حين تصيب الجزائر محنة، يستعيد أبناؤها ذلك المعنى النبوي البليغ للجسد الواحد: “إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
نسأل الله أن يحفظ الجزائر وأهلها من كلّ سوء، وأن يرحم من فقدناهم، ويشفي المصابين، ويعوّض المتضررين خيراً، ويجزي رجال الحماية المدنية، والمؤسسات الرسمية، والمنظمات والجمعية الخيرية، وكل من ساهم في إطفاء الحرائق وإنقاذ الأرواح وإغاثة المنكوبين خير الجزاء، خصوصا جنود الخفاء، الذين لم يضطروا لإظهار مساهماتهم، وأن تبقى هذه الروح جسراً يجمع الجزائريين، في الشدّة والرخاء، على المحبة والتعاون وخدمة الوطن.
عبد الرزاق مقري