اعتدت أن أنتقل مع الأولاد والأحفاد بين المساجد كل جمعة لصلاة الجمعة للاستفادة من التنوع، وكفسحة عائلية، وللتمتع بالنظر إلى عمارة بيوت الله في مساجد الجزائر بالعدد الهائل من المصلين في كل مكان.

وساقتني الأقدار هذه المرة أن أصلي في مسجد خطيبه رجل فاضل، عف اللسان عن التجريح في غيره، وصاحب علم، وله منابع طيبة. وكانت خطبته عامرة بالمعلومات العلمية النافعة، حيث تحدث عن الربا والاحتكار وتلقي الركبان والغش ورفع الأسعار وغير ذلك … 

غير أنه لم يوفق في المنهج الذي سار عليه في شرح أسباب غلاء المعيشة وسبل العلاج، إذ اقتصر على ذكر كل الأسباب المجتمعية، التي لا شك أنها صحيحة، والأسباب الدولية التي لا يجادل فيها أحد، ولم يجد طريقة لكي يتحدث عن دور ولي الأمر في توفير السلع وتحقيق الرفاه وتجسيد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوا الناس يرزق بعضهم بعضا»، وربما – من دون أن يقصد – وجد نفسه في دائرة التبرير للسياسات الاقتصادية الخاطئة والممارسات الإدارية غير المجدية.

بدأ إمامنا حديثه بتأكيد أن غلاء المعيشة ظاهرة دولية ولا تتعلق ببلدنا فقط، وأن التاريخ الإسلامي عرف حالات غلاء الأسعار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد سيدنا عمر، وفي مختلف محطات التاريخ. ولم ينتبه إلى أنه شتان بين غلاء المعيشة في دول متطورة اقتصادياً ينزعج سكانها من نقصان سبل الرفاه في حياتهم، وغلاء المعيشة في بلدان ريعية تعرف مشاكل اقتصادية هيكلية تؤثر مباشرة في أساسيات العيش 

وبالرغم من أن المعطيات التاريخية التي ذكرها عن غلاء المعيشة والمجاعات صحيحة، فإنه يمنعنا الخوف من طول المقال  الوقوف عند ظروفها وكيف تمت معالجتها.

ثم تعمق في ذكر أسباب غلاء المعيشة المتعلقة بالذنوب والمعاصي، والجشع والطمع، والتلهف في كسب المال بمختلف الطرق، والاحتكار والمضاربة ورفع التجار للأسعار دون سبب وغير ذلك من الانحرافات الشائعة بين الناس، ودعا إلى القناعة والرضا بقضاء الله، والتحكم في الاستهلاك وعدم التبذير.

إنه لا شك أن في مجتمعاتنا آفات كثيرة أرهقت المصلحين لكثرة دواعيها وداعميها وقلة زاد الدعاة ومحاصرة مجهوداتهم الإصلاحية. ولكن المؤسف أنه لم يتطرق أبداً إلى مسؤولية الحكام العميقة والأساسية في غلاء المعيشة، وحتى حينما ذكرهم في آخر خطبته، دعاهم إلى مواجهة الآفات المجتمعية وتصرفات التجار المتسببة في غلاء المعيشة دون ذكر ماهو واجب عليهم قبل ذلك 

لا يستطيع أحد أن يلوم الإمام، كما لم يصبح مجدياً لوم الصحفي عن سكوته عن الرأي الآخر، بل ربما لم يصبح مفيداً لوم الأحزاب ذاتها عن بقائها في العموميات وخروجها من الخطاب الجاد الناقد للسلطات، ذلك أن الرأي المخالف في هذا الزمن صار مكلفاً جداً، ولكن من لم يستطع من هؤلاء جميعا أن يقول الحق، فعلى الأقل ألا يبرر للخطأ، وذلك أضعف الإيمان.

لا أحد يريد إقحام المسجد في التدافعات السياسية، ولكن في الحديث العام لصالح الدين والوطن مجال فسيح ، أو على الأقل عدم التغطية على الأخطاء وأصحابها.

لا شك أن إمامنا الفاضل لا يجهل أن من أنواع معاقبة المجتمعات على ذنوبهم تولية الظالمين عليهم، وفق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ». 

وما دام يقر بوجود غلاء المعيشة في بلدنا وأن سببه ذنوبنا، والجشع والطمع والظلم داخل الأسواق ، فلا شك أن يؤدي ذلك كذلك إلى تسلط من يشبهنا من الحكام، فالنصوص لا تميل لأحد، ومعانيها راسخة لا تغيرها الأهواء ولا الحسابات!

إنه لو كان ثمة هامش في السياسة لتقديم تحليلات مخالِفة لِما هو شائع في الإعلام والمساجد والجامعات ومختلف المؤسسات لقلنا لا بأس بتبادل الأدوار بين الإمام والإعلامي والسياسي وغيرهم، ولو كان الحديث المخالف متاحاً لقلنا ما يلي:

    *  على الأقل لا يعد الحكام بما لا يستطيعون تحقيقه، فلا يصرحون بأشياء غريبة تتعلق بتوفير اللحوم والحليب والفواكه على طاولة العائلات الجزائرية، وغير ذلك من الوعود التي لم تتحقق.

    *  لو حصرنا الحديث عن سبب غلاء المعيشة في الذنوب والمعاصي، وأنها ظاهرة دولية لأعفينا الساسة من تقديم البرامج الاقتصادية، ولما كان من حق أحد أن يحاسبهم عن الفشل في تحقيق التنمية. وهذا ينسف أصل الفقه السياسي الإسلامي الذي جعل تأمين قوت الناس مسؤولية أصيلة للسلطة وهذا منهج علماء السلف ومنهم ابن تيمية الذي يؤكد في «السياسة الشرعية» (فصل: الأصلح للولاية) على أن غاية الولايات تتضمن وجوباً: «إصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ»، ثم يربط ذلك في (فصل: أداء الأمانات في الأموال) بوجوب أداء حقوق الرعية وصرف بيت المال في «سَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، معتبراً كفاية المعاش حقاً شرعياً لا منّة فيه ولا إعفاء.

    *  لو كان الأمر كذلك لكان الساسة كلهم سيان ولما كان لأحدهم ميزة على الآخر، سوى من كان يملك القوة للاستئثار بالحكم. والحقيقة أن القوة الاقتصادية هي الركيزة المادية لكل أنواع القوة والمكنة والاستمرار  المقبول في الحكم.

ولو أردنا أن نعدد أسباب غلاء المعيشة المتعلقة بالأخطاء السياسية وقلة الكفاءة وسوء التسيير والفساد لأمكننا أن نكتب في ذلك كتاباً. ولكن نكتفي بذكر سبب واحد وهو قلة توفر السلع والبضائع في الأسواق ، ليس بسبب الاحتكار والمضاربة فقط، كما يقولون …

وإنما خصوصاً بسبب قلة الإنتاج المتعلق بعدم وجود كفاية من المؤسسات الاقتصادية كما ونوعا ، وكنتيجة للسياسة الحدّية في منع الاستيراد التي لم تتسبب في قلة الوفرة السلعية فقط، وانتشار السلوكيات الاقتصادية المتلازمة حتمياً للندرة، بل تسببت أكثر في تعطيل المؤسسات الاقتصادية القائمة وتعقيد تأسيس مؤسسات جديدة (بما يؤكد بأن السياسة الصارمة لمنع الاستيراد أسبابها نقدية بالأساس وليس لدعم الإنتاج الوطني، علماً بأن وقف الاستيراد لحماية المنتوج الوطني تكون محدودة في قطاعات إنتاجية محدودة ذات خصائص معلومة).

 وما أقوله هنا ليس مجرد تخمين أو تحليل، بل معاينة مباشرة لأرباب أعمال اضطرّوا لتقليص نشاطهم أو غلق مؤسساتهم، والاستماع لمبادرات فشلت أو تكاد تفشل في تأسيس مؤسسات جديدة، بسبب متاعب استيراد الآليات، ثم في استيراد المواد الأولية، إذ ثمة من أخذ منه استيراد الآليات سنة ونصف، ثم بعد ذلك رفضت ملفاتهم لاستيراد المواد الأولية سنة أخرى وبقوا يدفعون كراء المحلات ودفع الأجور لأكثر من سنتين دون إنتاج.

 

عبد الرزاق مقري