لا تزال آثار أقدامه المضرّجة بدمه، كأنها منقوشة في الأرض، تحكي قصة بطلٍ سيسجل التاريخ ملحمته. تراها كأنها لوحة رسّامٍ أبدع في تصوير بطولة إنسانية ستبقى خالدة في الذاكرة.
كان مراد يجري بين ألسنة اللهب لينقذ الناس، ويتحدى الهلع برصانة تتجاوز المعقول، يساعد المذعورين العالقين، ويقود الفارّين من النار إلى أي مكان قد تكون فيه نجاة. يسوق هؤلاء إلى مسجد بقي شامخًا على قارعة الطريق بعناية الديّان، ويُدخل أولئك إلى بيت على هضبة حفظ الله سقفه من عاصفة النار.
كان يجري بين المسالك، ينادي بصوته الجهوري: خذوا هذا الطريق! ارجعوا، لا نجاة من هناك! ابقوا في بيوتكم، لا تخرجوا، لعل في ذلك نجاتكم!
وكان اللهب ينتقم منه في كل مرة، كأنه ضربات سيف تطعن محاربًا مغوارًا، لكنه كان يمضي، لا يتوقف، كلما أنقذ إنسانًا عاد إلى قلب النار لينقذ آخر.
وفي إحدى تلك المرات، أرسل مع ابنه الأكبر عائلةً إلى مكان آمن قبل أن تشتد النيران، فنجا الابن ونجت العائلة. أما ابنه الآخر، فقد علق مع أخواله وسط الجحيم، فقضى معهم رحمهم الله
تؤكد آثار الأقدام المضرجة رواية اللحظات الأخيرة. أدرك البطل، في لحظة من اللحظات، أنه أصبح محاصرًا وأن الهلاك يقترب منه، فأخذ يجري حول أحد البيوت يبحث عن الماء ليطفئ النار التي كانت تأكل جسده، حتى وجد حوضًا صغيرًا لتخزين الماء، فألقى بنفسه فيه.
بقي بطلنا في ذلك الحوض ساعات، والنيران من حوله تأكل بعضها بعضًا، حتى عُثر عليه وقد فات الأوان. لم تترك له الحروق العميقة الممتدة في جسده فرصة للنجاة.
كان ، رحمه الله، منتخبًا محليًا يعرف العائلات وأماكن سكنها، ويحفظ شعاب بلديته النائية في رأس الجبل. كان صاحب سمعة طيبة وقدر عالٍ بين الناس، مثّل من اختاروه خير تمثيل. وكان قبل ذلك عسكريًا في سلك الدرك الوطني، يتمتع ببنية قوية ولياقة بدنية أهلتاه لتحمل الإجهاد والمشقة، إلى أن خارت قواه في ذلك اليوم الرهيب، فارتقى شهيدًا، بإذن الله.
لقد هلك في تلك المصيبة العظيمة خلق كثير. يقولون لنا: هنا سُحقت عائلة من عشرين فردًا، وهناك أدركت النيران خمسة أفراد من عائلة واحدة وهم يركضون طلبًا للنجاة. وفي هذه الساقية الخالية من الماء احترقت أم وابنتاها، فلم يبق في المكان إلا آثار أحذيتهن.
وهنا سيارة محترقة لم يبق من أصحابها سوى الرماد. وهناك عجوز عجزت عن الفرار، فنجت بين صخرتين كبيرتين، بينما هلكت نساء أهلها اللواتي غادرن المكان بحثًا عن الأمان. ومن هناك تأتي الأخبار بهلاك عشرة، وعشرين، وأكثر من ذلك، وكأننا أمام مشاهد من يوم القيامة.
لا شك أن حرائق غابات جيجل تتميز في هذه المأساة، عن حرائق بلاد أخرى، بكثرة الخسائر البشرية، والمفقودين والمصابين، وتلك مصيبة عظمى. لكن المصاب في فقدان أرواح الناس، لا يجعل الصبر على ضياع غاباتنا البديعة أمرًا هيّنًا. والله، إن الأمر لصعب، والله إن الصبر على ضياع جمال وسحر غاباتنا لصعب.
لا يستطيع المرء أن يدرك حجم الكارثة حقًا حتى يطوف عشرات الكيلومترات بين رؤوس الجبال ومهاوي وديانها، وسط ما كان يومًا غابات كثيفة عامرة بالحياة.
لم يبق من تلك الغابات الخضراء الجميلة، الخلابة، الممتدة مدّ البصر، سوى مشاهد سوداء حزينة كئيبة، على مدى النظر. أشجار محترقة ما تزال واقفة كالأعمدة الحزينة، لا طيور في سمائها، ولا حشرات، ولا دواب، ولا هوام تتحرك في أرضها.
أرشدنا الأهالي إلى غابات احترقت عن آخرها، كانت تضم أشجار زيتون عتيقة تعود إلى عهد الرومان، فصارت أثرًا بعد عين. وأشاروا إلى غابات بين الجبال عجز نابالم الاستعمار الفرنسي الغاشم عن إحراقها كلها، فلم يبق منها في هذه المحنة الجلل شيء.
كانت عائلة مراد رحمه الله ، في مجلس العزاء، صابرة محتسبة. لكن أبناءه لا يزالون تحت وقع الصدمة. كان لسان ابنه محمد الناجي في المهمة التي كلفه بها والده يتلعثم كلما تحدثنا إليه، لعله يقول في نفسه: “يا ليتني بقيت مع أبي، فلربما استطعت أن أخرجه من ذلك الحوض، ولربما وجدت من يساعدني على حمله إلى مكان يُعالج فيه قبل فوات الأوان”.
ولكن الإيمان بالله، وما يرجوه لوالده من نعيم في جنات الخلد، من الله الكريم الرحيم، يهوّن الأحزان، ويمنح القلوب قدرة على احتمال ما لا طاقة له باحتماله.
ثم يهوّن أحزاننا جميعا، نحن الجزائريين، ما رأيناه من هبّة شعبية عظيمة. قوافل تجوب الطرق نحو جيجل وبلدياتها المتضررة، ومركبات تفرغ حمولاتها في المخازن والقرى، قادمة من كل أنحاء الوطن، من أقصى الجنوب، ومن الشمال والغرب والشرق، ومن مختلف أصناف الناس، يحملهم الإشفاق والمحبة والعواطف الجيّاشة.
والله العظيم، إنه لشعب عظيم! شعب إذا أصاب جزءًا منه الألم، هبّ إليه الآخرون. وإذا نزلت المحنة بأهل ناحية، اتجهت قلوب الوطن كله وجهتها.
شعب سيحميه الله من كل مكروه، وسيعوضه عند كل مصاب. وسيجعل للأرامل واليتامى والمفجوعين والمكلومين مخرجًا، وينزل عليهم السكينة، ويجبر كسرهم، ويغمرهم من فضله ورحمته.
ونرجو أن يخلف الله علينا خيرًا في غاباتنا، وفي جمال جبالنا، وفي طيورها ودوابها وكل ما فقدناه فيها، وأن يعوضنا بغابات أجمل وأحسن، تعود إليها الحياة بعد أن مرّ بها الموت.
وما ذلك على الله بعزيز.
عبد الرزاق مقري