مرة أخرى أسمع إماما آخر في خطبة الجمعة يلصق غلاء المعيشة في سوء أخلاق  الشعب وفساد التجار ، ولا يحمّل السلطات أي قدر من المسؤولية على ذلك، كما أن بعض الأصدقاء حدّثوني عن أئمة في مساجد أخرى تحدثوا  بنفس التبرير للصعوبات المعيشية التي يعرفها الجزائريون. ويدل تكرار ذات  الخطاب في المساجد على أن الأمر يتعلق بتعليمة سياسية ما ُألزِم بها خطباء الجمعة.

إن أسوء أنواع التعامل مع الدين في المجتمعات الإسلامية هو استعمال الخطاب الديني في تبرير الفشل والتغطية على فساد الأحوال، وأسوء من يفعل هذا هم المتدينون وأصحاب المعارف الإسلامية، ولا توجد خيانة للدين كهذه الخيانة.

إنه والله لمحزن جدا جدا أن يتحول الإسلام الذي جعله الله سبيلا لحياة المسلمين ونهضتهم وسيلة لتنويم الناس وحرفهم عن الفهم الصحيح للأزمات بما يجعلهم أمة واعية متحضرة قادرة على فهم مشاكلها وبذل الجهد والاجتهاد لإيجاد الحلول المناسبة لها. وإنه لا تعبير أشد على الانحطاط أن يتحول الدين الذي جعله الله هداية للعالمين “أفيونا للشعوب” على نحو ما صارت إليه أوربا الوسطى حين سيطرت خرافات الكنيسة على عقول الناس فاستقر العلم والدراسات العقلانية بعيدا عن الدين المسيحي في دوائر الكفر والإلحاد، أو الفكر الربوبي الناكر للأديان،  لدى نخب المجتمع.

لم يكن الإسلام هكذا في زمن ازدهاره، بل حتى في بدايات التراجع الحضاري للأمة كان ثمة من العلماء من يدرسون الأزمات الاقتصادية دراسات عقلانية دون أن يهمهم هل يعجب المستبدين ذلك أم لا. ولنا في ما كتبه ابن خلدون (1332-1406) في مقدمته بيّنات نافعات عن سبب فساد الأحوال الاقتصادية والاجتماعية ومسؤولية الحكام في ذلك، وهناك من العلماء  والمؤخرين والاقتصاديين المسلمين الذين فصلوا في أسباب الجوائح الاقتصادية، ومن هؤلاء “تقي الدين المقريزي” (1364-1442) الذي درس  في كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة”، وفي كتابه “شذور العقود في ذكر النقود” أسباب غلاء المعيشة وحلول المجاعات، ومما تميز به أنه  سبق توماس كريشام البريطاني (1519-1579) بأكثر من قرن ونصف من الزمن بخصوص النظرية المسماة باسمه ” قانون كريشام” عن خطورة التوسع النقدي المعروفة بأن ” النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق”.

لقد سمّى خطيب الجمعة، الشديد على عموم الناس والتجار، غلاء المعيشية بأنه “جائحة” ألمت بالجزائريين وشبهها بالجوائح الطبيعية كالزلازل والأوبئة والفيضانات، وهو لعمري اعتراف متكرر من الأئمة بأننا نعيش أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة. غير أنه في ذكر أسبابها اكتفى بالقول  بأن هذا بلاء من الله تعالى ويجب الصبر عليه، وأن أسبابه ذنوبنا ومعاصينا، والاحتكار والمضاربة التي يمارسها التجار ، الذين سمّاهم “صنّاع الأزمات”،  ولم يشر في خطبته، ولو بالتلميح، إلى مسؤولية الحكام في ذلك. وفي الحلول التي قدمها، لم يزد على دعوة الناس للتكافل بينهم، ودعوتنا جميعا إلى التوبة  والاستغفار، والله نسأله أن يجعلنا من التوّابين المستغفرين، وإلى التضامن والتكافل.

لا شك أن هذا  القول كله صحيح، و لا اعتراض عليه البتة، فالله تعالى يبتلينا بذنوبنا، ليدفع بشظف العيش الصالحين للعودة إليه، وليعذب بضنك الحياة الكافرين الفاسدين، وقد يستدرج ببسط الرزق من يشاء من عباده، ولله في خلقه شؤون، ولا تعقيب على حكمه سبحانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما أن التوبة والاستغفار يجلبان الرحمة ويبسطان الرزق وصدق الله تعالى إذ يقول: (﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾)- سورة نوح، الآية 10-12. والتضامن أمر مطلوب محمود.

ولكن النصيحة لا توجّه فقط لعامة المسلمين،  في ما يرضي الحكام، فالحكام كذلك مقصودون بها، إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في الحديث الصحيح  “الدين النصيحة” سئل ” لمن يا رسول الله؟”  فقال:(( لله ولرسوله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)). ولو كانت ثمة حياة سياسية ويُسمح للرأي السياسي المخالف أن يبرز في المنابر الإعلامية من غير المسجد، لتحقق ربما التوازن، أما أن تلتحق المساجد للتبرير للفشل، فهذا استغلال الدين بغير حق لأغراض سياسية في أبشع صوره وأخطره على البلد.

ليعد صاحبنا الإمام الخطيب إلى ما يقوله علماء الأمة في أسباب غلاء المعيشة، سوى ما يتعلق بالمسؤليات الأخلاقية لعموم الناس والتجار، ليلتفت مثلا إلى ما يقوله المقريزي : ” ليس بالناس غلاء، إنما نَزَلَ بهم سوء التدبير من الحكام”، وذكر من أسباب ذلك انتشار الرشوة وقلة البضائع في الأسواق والمبالغة في صك الفلوس.

وكأن المقريزي يعيش بيننا، فالسبب الرئيسي لغلاء المعيشة في بلادنا هو أولا- تعطل الإنتاج الوطني بسبب الفساد وسوء التدبير والتضييق على المنتجين،  وفي المقابل -ثانيا –  منع جلب البضائع بالمنع الحدّي للاستيراد ليس لسبب اقتصادي يهدف إلى دعم الإنتاج الوطني إذ لا يوجد انتاج وطني مجز، ولكن لسبب سياسي يتعلق باحتياطي الصرف، وهذا المنع هو الذي أشار إليه المقريزي  حين تكلم عن “احتكار الدولة الأقوات ومنع الناس من الوصول إليها إلا بما أحبوا من الأثمان” والغريب أن إمامنا استشهد في هذه الجمعة بحديث ( على ما فيه من ضعف) يؤكد هذا المعنى ولكن ركّز على شطره الثاني فقط وهو حديث ” الجالب مرزوق والمحتكر ملعون”. ثم ثالثا – التمويل بالعجز عن طريق طباعة النقود.

لم يكن المقريزي غافلا عن أنواع الغلاء المتعلقة  بالآفات السماوية  التي يسببها الجفاف والجراد والبرد ومختلف الجوائح الطبيعية  التي عدّها “عادة الله في الخلق، إذا خالفوا أمره وأتوا محارمه” ولكنه حرص على عدم التستر وراء هذه الأسباب لإخفاء الأسباب الاقتصادية التي تعود، حسب قوله، إلى ” الفساد وسوء ولاية الخطط السلطانية”، بل إنني أقول بأن الفساد وسوء ولاية الخطط السلطانية، هي كذلك من أنواع البلاء الذي يسلطه الله على عباده الغافلين.

ومن مفاتيح الخطاب التي يرددها الذين ركنوا إلى الخطاب الرسمي أن الصعوبات الاقتصادية توجد كذلك في الدول المتقدمة، غافلين أن سكان هذه البلدان يحتجون على نقص رفاه العيش وليس على أساسيات الحياة، ثم إن الشعوب في هذه الدول تملك وسائل التغيير حين لا يرضون عن حكامهم الذين يتسببون في سوء أحوالهم المعيشية إما بصناديق الاقتراع كما حدث في الولايات الأمريكية المتحدة هذا الأسبوع، أو بالاحتجاجات القانونية في الشوارع كما حدث في فرنسا ودول أوربية أخرى، أما عندنا فإنه يجتمع علينا: غلاء الأسعار، والظلم، والمنع من التغيير، والمنع من الصراخ من الألم!

د. عبد الرزاق مقري