إنما قيمة المعارك، في تاريخ حركات التحرر، في قدرتها على تغيير قواعد الصراع وفتح مرحلة جديدة فيه، وليست أبدا في حجم النتائج العسكرية والخسائر المادية والبشرية . فقد تأتي عملية عسكرية في لحظة تبدو فيها حركة التحرر محاصرة ومحدودة الإمكانات، فتتحول إلى حدث تاريخي يكسر الحصار الإعلامي والسياسي ويوسع قاعدة المشاركة الشعبية، ويفرض القضية على الساحة الدولية، ويكشف حقيقة المحتل، ويوصل الصراع إلى نقطة اللارجوع في مسار التحرير .
ومن هذه الزاوية، تكتسب هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 أهمية استثنائية في تاريخ الثورة الجزائرية، وتاريخ الثورات البشرية ضد الاحتلال. ويمكن، من منظور تاريخي مقارن، أن نرى بعض أصدائها في هجوم “تيت” الفيتنامي سنة 1968، وفي التحول الكبير الذي أحدثه هجوم 7 أكتوبر 2023 في مسار القضية الفلسطينية.
ولا يعني ذلك أن “تيت” أو 7 أكتوبر كانا نسخا حرفية للتجربة الجزائرية، أو أن قادتهما أعلنوا أنهم اقتبسوا حرفيا خطة زيغود يوسف. فلكل تجربة سياقها وقياداتها وحساباتها الخاصة. لكن الثورة الجزائرية قدمت نموذجا مبكرا ومؤثرا في تاريخ حركات التحرر يمكن صياغته في جملة واحدة: حين يعتقد الاحتلال أنه تمكن أبديا في البلاد التي سيطر عليها، وتصبح مقاومته محاصرة، ومحدودة جغرافيا، ومعزولة شعبيا ودوليا، فإنها تحتاج إلى حدث كبير ينقل الصراع من حالة الجمود إلى حالة التحول والانطلاق الجديد، مع تحمل التضحيات مهما عظُمت.
عندما اندلعت الثورة الجزائرية في أول نوفمبر 1954، كانت لا تزال محدودة الانتشار، وكان الأوراس مركزها الأساسي. وقد سعت فرنسا إلى تطويق المنطقة وخنق الثورة فيها قبل أن تتوسع. وكانت المشكلة لا تقتصر على الحصار العسكري فحسب، فالثورة كانت لا تزال بحاجة إلى الاندماج الكامل مع الشعب، كما كانت بحاجة إلى كسر عزلتها السياسية والدولية.
وكانت فرنسا، في الوقت نفسه، تملك قدرة كبيرة على التحكم في الرواية التي تصل إلى العالم. كانت تقدم نفسها باعتبارها دولة الحرية وحقوق الإنسان، وتصور ما يجري في الجزائر باعتباره شأنا داخليا أو اضطرابات محدودة، بينما كان الاستعمار نفسه يقوم على نظام من السيطرة والقمع والتمييز.
لقد كانت الثورة النوفمبرية بحاجة إلى زخم جديد، وإلى حدث كبير يحرك المياه الراكدة، ويضع الشعب أمام حقيقة الصراع، ويجعل التراجع إلى زمن الاستكانة والمهانة أمرا مستحيلا. وكانت هناك قطاعات من النخب الجزائرية لا تزال تربط مستقبلها بفرنسا أو تراهن على الاندماج فيها وفي ثقافتها وكيانها السياسي والاجتماعي، وكان الشعب يعيش تحت وطأة الخوف من بطش الاستعمار. وكان لا بد، في لحظة ما، من كسر هذا الخوف، وإدخال المجتمع كله في معادلة الصراع.
في 20 أوت 1955 شنت وحدات جيش التحرير، بقيادة زيغوت يوسف وقادة ومناضلي المنطقة الثانية، هجمات متزامنة على مواقع استعمارية في مناطق عديدة من الشمال القسنطيني، بهدف ضرب القوات الفرنسية في مواقع عديدة لم يكن يتوقعها، وتخفيف الضغط عن الأوراس، وتوسيع نطاق الثورة. وكانت العملية أكبر من أن تُقرأ باعتبارها هجوما عسكريا محدودا، فقد كانت رسالة سياسية واستراتيجية أكدت أن الثورة قادرة على فتح جبهات جديدة، وأن الشعب الجزائري سيلتحم مع الثورة في مواجهة الاستعمار.
حققت الهجومات أهدافها الجوهرية على الفور فكسرت الحصار الجغرافي عن الثورة، ومكنت قطاعات واسعة من السكان للمشاركة بطرق مختلفة في الهجومات، كما أدى رد الفعل الدموي الهمجي الواسع لجيش الاحتلال ضد الشعب الجزائري، بما أودى بحياة الآلاف من الجزائريين في الأحداث وما أعقبها، إلى توسيع القاعدة الشعبية للثورة وأصبح الصراع، بصورة أوضح، صراع شعب ضد نظام استعماري، لا مجرد مواجهة بين وحدات مسلحة وقوات فرنسية. والمفارقة التاريخية المهمة هنا أن فرنسا أرادت أن تجعل من القمع وسيلة لإخماد الثورة، وكسر إرادة الجزائريين لكي لا يعودوا لمثل تلك الهجومات، فإذا به يصبح عاملاً في توسيعها سياسياً وشعبياً ودولياً.
كما بدأت قطاعات جديدة من المجتمع والنخب في إعادة النظر في مواقفها، وأصبح الارتباط بالمشروع الاستعماري، بأي شكل من الأشكال، معرة ومسبّة بعد هجومات 20 أوت. وهكذا ساهمت هذه الهجومات في صناعة ما يمكن تسميته نقطة اللاعودة، إذ لم تعد الجزائر بعد هذه الأحداث هي الجزائر التي كانت قبلها، ولم تعد الثورة مجرد انتفاضة محدودة يمكن احتواؤها بالقوة، ولم يعد يُتصوّر الوصول إلى حل مع الاحتلال سوى إنهائه.
لقد انكشفت أمام العالم، بعد كثافة الهجومات والرد الإجرامي للاستعمار عليها، حقيقة الاستعمار بصورة أكبر، ولم تعد فرنسا قادرة بالسهولة نفسها على تقديم القضية باعتبارها مجرد اضطراب داخلي. وفي سبتمبر 1955 أُدرجت القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في تطور دبلوماسي بالغ الأهمية جاء بعد أقل من عام على اندلاع الثورة، وشهرا واحدا بعد هجومات 20 أوت، والدرس هنا: أن العالم لن يلتفت إليك وأنت تحت الظلم ما لم تقاومه، ولم تضح في مواجـهتك له.
أن 20 أوت لم يحرر الجزائر في يومه، ولم يكن نصرا عسكريا نهائيا، ولكنه كان جزءاً من مسار طويل استمر سنوات، وكانت نتائجه حاسمة على عدة أصعدة، إذ غيّر طبيعة الحرب نفسها فوسّع مجالها الجغرافي، وعمّق بعدها الشعبي، ورفع مستواها السياسي، وفتح لها أفقا دوليا، وأعاد تشكيل موازين القوى داخل المجتمع والثورة.
ومن هذه الزاوية تظهر عبقرية التجربة الجزائرية: من حيث صناعة الفرصة وقلب الطاولة ضد الاحتلال في وقت غروره، وتحويل التضحيات الهائلة إلى مكاسب سياسية واستراتيجية متراكمة.
إن هذا المنطق المقاوم نفسه، وهذه العبقرية الثورية ذاتها ما يمكنّنا من فهم ما جرى في فيتنام عام 1968 وفي فلسطين بغزة عام 2023.
في يناير 1968 شنّت القوات الفيتنامية الشمالية وقوات جبهة التحرير الوطني هجوما واسعا ومفاجئا ومتزامنا على عشرات المدن والبلدات في جنوب فيتنام، بما فيها سايغون، فيما عُرف بهجوم “تيت”.
عسكرياً، لم يكن الهجوم نصراً بالمعنى التقليدي، فقد تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة، ولم تتحقق كل أهدافها الميدانية، ولم تحدث الانتفاضة الشعبية العامة التي كانت القيادة الفيتنامية تأملها.
لكن قيمة “تيت” ظهرت في مكان آخر، فقد أحدث الهجوم صدمة استراتيجية ونفسية وسياسية هائلة داخل الولايات المتحدة. فالرأي العام الأمريكي كان يتلقى صورة عن حـ.رب تتقدم فيها القوات الأمريكية، وتحقق الانتصارات وتسيطر على الأرض، فإذا بها تجد نفسها أمام هجوم واسع يصل إلى قلب المدن والمواقع التي كان يفترض أنها تحت السيطرة.
وعلى إثر هجومات “تيت” أصبح يطرح على الأمريكيين السؤال، ما فائدة تفوقهم العسكري، وقوة النار لديكم، وهل تستطيعون أن تنتصروا سياسياً في حرب لا تستطيعون إنهاءها عسكرياً؟
وهذه هي إحدى النقاط التي تجعل تجربة “تيت” قابلة للمقارنة مع 20 أوت. لقد أثبتت التجربة الجزائرية قبل ذلك، ما أثبتته هجومات “تيت” من أن العملية الكبرى قد تكون أهم من نتائجها العسكرية المباشرة إذا نجحت في تغيير طبيعة الصراع، وإعادة تشكيل وعي الشعب، وإجبار العدو على رد فعل يكشفه، ونقل القضية إلى المجال الدولي.
لقد أدت هجومات “تيت” في فيتنام إلى تغيرات مهمة في الموقف الأمريكي، وساهم في فتح الطريق أمام مفاوضات باريس التي بدأت في العام نفسه، ثم جاءت مراحل لاحقة انتهت بانسحاب القوات الأمريكية وسقوط سايغون سنة 1975 وتوحيد فيتنام.
مرّة أخرى: لم يكن ذلك الهجوم وحده هو الذي صنع التحرير، فقد كان جزءاً من حرب طويلة وتراكم سياسي وعسكري ودبلوماسي. لكن “تيت” كان نقطة تحول كبرى في مسارها.
ومن هذا الحدث التاريخي الكبير في مسار الثورات التحررية، نطرح السؤال: هل درس الثوار الفيتناميون هجومات الشمال القسنطيني بالجزائر التي وقعت عام 1955 ليبني على تجربتها هجومات توت التي وقعت عام 1968؟ ثم ما علاقة تيت وعشرين أوت بهجومات أكتوبر، في فلسطين، من حيث الفكرة والمنهج؟
قبل أكتوبر 2023، كانت القضية الفلسطينية تعيش حالة من الجمود الاستراتيجي. الاحتلال مستمر، والاستيطان يتوسع، والحصار على غزة قائم، والتطبيع يتمدد، والانقسام الفلسطيني مستمر، وكانت هناك محاولات إقليمية ودولية لإدارة القضية أو تجاوزها، بينما بدا في بعض الأوساط العربية والدولية أن القضية يمكن أن تتراجع تدريجياً في سلم الاهتمام الإقليمي والدولي، وعندئذ يمكن تصفيتها.
ثم جاءت عملية 7 أكتوبر لتقلب هذه الصورة بصورة مفاجئة وشديدة.
لقد شكلت العملية صدمة استراتيجية كبيرة للكيان الصهـ.يوني، واخترقت منظومة أمنية وعسكرية كانت تُقدَّم باعتبارها من الأكثر تطورا في العالم، وأعادت القضية الفلسـ.طينية إلى مركز الاهتمام العالمي، واحدثت تعاطفا شعبيا عالميا غير مسبوق، في داخل المجتمع والمؤسسات والجامعات الأمريكية والغربية ذاتها، ثم جاءت الحرب المدمرة التي أعقبتها، وما صاحبها من كارثة إنسانية هائلة، لتضع القضية مرة أخرى في قلب النقاش السياسي والقانوني والأخلاقي الدولي.
لقد كسر 7أكتوبر صورة الاستقرار الأمني القائم، وأعاد الصراع إلى واجهة السياسة الدولية، وأثبت أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها بمجرد ترتيبات أمنية أو اقتصادية، وأن إدارة الاحتلال ليست بديلاً عن معالجة أصل المشكلة.
وكما أخرجت هجومات 20 أوت الثورة الجزائرية من نطاق جغرافي محدود، وأخرجت تيت الحرب الفيتنامية من الصورة التي كانت الإدارة الأمريكية تحاول ترسيخها، فإن 7 أكتوبر أعاد فلسطين إلى مركز المشهد العالمي بعد أن بدا لكثيرين أن القضية يمكن احتواؤها وإبقاؤها في حالة انتظار مفتوح.
وهنا يمكن أن نلخص الدرس المشترك بين التجارب الثلاث في مجموعة قليلة من الأفكار، نركز عليها مجددا وهي:
أولا – كسر الحصار إذ استطاعت الهجومات الثلاثة أن تفرض منطق الحق والمقاومة وأن تفرض على العدو مكان المعركة وشكلها، لدى شعوب العالم بأسره.
ثانيا – كسر الخوف، حيث أثبتت العمليات الثلاث أن الأحداث الكبرى تدفع الجماهير إلى مواجهة الواقع بدل البقاء في منطقة التردد والانتظار.
ثالثا – سقوط صورة القوة المطلقة، من ناحية أن الزخم المقاوم الذي أحدثه هذا العمل الثوري في الثورات الثلاث أكد أن القوة العسكرية الهائلة لا تعني القدرة على التحكم الكامل في مسار التاريخ.
رابعاً – تحويل الحدث العسكري إلى مكسب سياسي، إذ أكدت الهجومات الثلاثة أن العملية الثورية لا تصبح تاريخية لمجرد وقوعها، وإنما عندما تستطيع حركتها أن تحول نتائجها إلى تراكم سياسي ودبلوماسي وشعبي .
خامساً: كسر احتكار الرواية. وذلك عندما استطاعت تلك العمليات البطولية منع المحتل من احتكار صورة الصراع، و أن تجعل العالم يرى الواقع كما هو.
سادساً: صناعة نقطة اللاعودة. من حيث ان تلك الهجومات جعلت الرجوع إلى الوضع السابق غير ممكن.
ولكن رغم أهمية هذه الهجومات في تاريخ الثورات الثلاث لا بد من التوضيح بأن التحرير لا يكون بعملية واحدة مهما كانت أبعادها وآثارها، وتاريخيتها، فعشرون أوت لم يحرر الجزائر وحده، وتيت لم يحرر فيتنام لحاله، والسابع أكتوبر لا يحمّل من تلقائه تحقيق هدف التحرير. فالتحرير مشروع تاريخي طويل يحتاج إلى قيادة، وتنظيم، ووحدة شعبية، وصمود، ووعي، وتراكم دبلوماسي، وقدرة على إدارة الصراع وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية.
لقد استغرقت الثورة الجزائرية بضع سنوات بعد 20 أوت حتى وصلت إلى الاستقلال، واحتاجت فيتنام إلى مزيد من التضحيات سنين أخرى لتتحرر وتحقق وحدتها، وفلسـ.طين بدورها قد تحتاج إلى مسارات إضافية وشاقة، ولكن سيسجل التاريخ بأن تلك الأحداث الثلاثة هي الوقائع الثورية المسرعة للمسار نحو التحرير، وفي كل الأحوال فإن التاريخ يقدم حقيقة لا ينبغي لأحد إنكارها: الاحتلال ليس قدرا أبديا.
لقد بدت فرنسا في الجزائر كقوة لا يمكن إخراجها، ثم خرجت. وبدا الوجود الأمريكي في فيتنام شديد الرسوخ، ثم انتهى. ولذلك فإن القول إن الاحتلال الإسرائيلي مستمر هو، قبل أن يكون موقفا سياسيا غبيا وساذجا، هو حكمٌ يناقض منطق التاريخ.
وعليه فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هو: كيف يتحول صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته في السابع من أكتوبر وبعده إلى مشروع تحرري قادر على تغيير موازين القوى وصناعة الاستقلال؟ أما سؤال : هل ستتحرر فلسطين فهو غير مطروح أصلا
عبد الرزاق مقري