ما يعيشه الإسلاميون في الجزائر من تراجع في مكانتهم وتأثيرهم هو ما يعيشه الإسلاميون في كل العالم العربي والإسلامي، وقد شرحت هذه الإشكالية بمقاربة فكرية عامة في كتاب الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، ثم عدت إلى نفس الموضوع، بشكل مفصل، في الكتاب الذي سيصدر قريبا “الحركات الإسلامية والمأزق السياسي” أشرت فيه إلى وضع قرابة عشر حركات إسلامية في عشر دول.
وتدور الفكرة المركزية في الكتابين أن الحركات الإسلامية نجحت نجاحا كبيرا في القرن الماضي، في زمن الدعوة والصحوة الإسلامية.
قد لا يشعر الشباب بهذا النجاح في تحقيق الأهداف لأنهم لم يعيشوا مرحلة الانتقال التي عاشها أسلافهم المخضرمون، والتحول الكبير من مرحلة سيطرت فيها الأفكار العلمانية والابتعاد عن الالتزام الديني، وخواء المساجد، في المجتمع وانتشار الخرافات والشركيات، بتدبير استعماري وتنفيذ حكومات وضعها الاستعمار بعد فترة الاستقلال، أو نخب حاكمة كافحت الاحتلال ولكن سارت على نهجه والتزمت بثقافته بعد خروجه العسكري والإداري، إلى مرحلة انتشرت فيها التصورات الفكرية الإسلامية، والالتزام الديني، وعمارة بيوت الله، والتمسك بالخيارات الإسلامية، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وحتى اقتصاديا حيث أمكن تطوير البدائل المالية الإسلامية، ولو جزئيا، حتى صارت هذه الصحوة الإسلامية مع مرور الزمن، خصوصا في الثمانينات والتسعينيات، حالة شعبية عامة تجاوزت المنظمات والدعاة الذين أسّسوها ،بل أثرت تأثيرا عميقا في الأحزاب غير الإسلامية، خصوصا المحافظة، وداخل الدول والحكومات، ثم باتت هذه الصحوة العامة ظاهرة عالمية تؤرق قادة الاستكبار العالمي وتبشر بإقلاع حضاري إسلامي وشيك بمقياس عمر الأمم.
كان لا بد لهذه التحولات الكبرى أن تدفع بالإسلاميين إلى التطلع إلى المنافسة على الحكم، ذلك أن القواعد الحاكمة للحياة السياسية والاجتماعية، تقضي أن كل فكرة تتشكل لها حاضنة اجتماعية عريضة وعميقة لا بد أن تتحول إلى حالة سياسية، وشيء طبيعي أن تتطلع الشعوب التي أقتنعت بالحل الإسلامي أن ترى ما وُعدت به من نهوض حضاري شامل يتجسد، وأن يُقضى على الظلم والفساد في بلدانهم، وأن يتحقق العدل والرفاه، وفق ما كان شائعا في الخطاب الإسلامي في بدايات التحول نحو المنافسة السياسية.
لقد كانت فكرة ” الحل الإسلامي” التي أودعناها في القانون الأساسي التأسيسي ل”حركة المجتمع الإسلامي” في الجزائر عام 1990 فكرة رومانسية جميلة واعدة، مثلنا مثل كل الحركات الإسلامية في العالم، غير أنها سرعان ما اصطدمت بواقع مرير اصطبغ بالدماء في العديد من التجارب، إذ المسألة مسألة حكم، والحكم كما كان يقول الشيخ محفوظ رحمه الله: “دونه خرق القتاد”.
لم تكن الحركات الإسلامية، في التجارب الكبرى التي يعتد بها، هي المسؤولة عن الصدام التاريخي بين الإسلاميين وأنظمة الحكم، وإنما الصد العظيم كان مزدوجا من القوى الاستعمارية الظالمة والأنظمة الاستبدادية الحاكمة، ولا يزال هذا التحالف قائما لمواجهة مسار عبور الفكرة الإسلامية من المجتمع إلى الدولة.
فالقوى الدولية الظالمة تعلم تمام العلم بأنه لو مُكّن للإسلام في الدولة ستتحرر الأمة من قبضة الاستعمار الجديد وقبضة وكلائه، وأنها ستسترجع سيادتها على قرارها ومقدّراتها، بل إن العالم سيتغيّر.
ويكفي لفهم هذه الحقيقة أن نلحظ كيف تتحسس القوى الدولية من تجارب ناجحة في العالم الإسلامي، بالرغم منها تعلن علمانيتها. وإنما تلاحق لأن جذورها إسلامية كما هو حال أردوغان الذي صنع من بلده قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، أو متمسكة بشدة بهويتها الإسلامية وتُظهر عداوة صريحة للهيمنة الصهيونية في العالم كما هو حال دكتور مهاتير محمد الذي كاد أن يجمع جزء مهما من دول وازنة في العالم الإسلامي على رؤية حضارية في قمة منتدى كوالالمبور عام 2019، والحمد لله أن كنا جزء مهما في هذه المحاولة ضمن تسيير برامج المنتدى.
تنظر الدول الغربية ووكلاؤها إلى هاتين التجربتين كنموذجين لما يصنعه الاعتزاز بالإسلام من قوة ونهوض حضاري، فتمت المحاولة على الانقلاب على التجربتين، ولا تزال المحاولات مستمرة.
وكذلك تتحسس القوى الاستبدادية في العالم العربي من أي تجربة إسلامية وتتآمر ضدها مع الخارج، ليس لأسباب الصراع الحضاري في الغالب، أو في الظاهر، كما هو حال القوى الدولية، ولكن لأسباب صغيرة صغر أحلام المستبدين في بلداننا: السلطة والجاه ونزوات الحكم!
إن هذا الذي أذكّر به هو ما صرحت به أنجيلا ميركل بأنهم لن يخدعوا بعد أردوغان بأي أحد من الإسلاميين، ولو أعلن علمانيته! وقد سمعت بنفسي كذلك من مسؤولة في الاتحاد الأوربي، منها إلي، بأنهم لا يصدقون “علمانية” أردوغان!
وعلى هذا الأساس أظهرت دراساتهم المعلنة بأنه لا يُسمح للإسلاميين أن يتجاوزوا في بلدانهم 30% من نتائج الانتخابات في أحسن فتراتهم حين يحملهم الزخم الشعبي، والغريب أنهم قرروا كذلك إبقاء الحركات الإسلامية في المشهد إذا ضعفوا، بالتزوير لصالحهم في حالة الانهيار ليبقوا بين 8 إلى 10 % بحكم الاحتياج إليهم في الواجهة الديمقراطية وتحميلهم الإخفاقات دون أن يحكموا.
وقد صرحت كاترين أشتون النائب الأول لرئيس المفوضية الأوربية سابقا بصراحة بذلك أثناء صعود الاخوان المسلمون في مصر بأنهم لن يسمحوا لهم بتجاوز عتبة 30% في الانتخابات.
ومن غرائب خصوم التيار الإسلامي أنهم يحاولون تصوير أصحابه بعدم الأهلية للحكم وهم لم يحكموا أبدا. وإنه لكاذب من يقول أن الحركات الإسلامية حكمت في العالم العربي وفشلت. لم تسلم أي تجربة من التزوير الانتخابي، أو الانقلابات العسكرية، ففي الجزائر تم الانقلاب على الانتخابات في 1991 التي تم الإعلان عن نتائجها من قبل وزارة الداخلية بأنها كانت حرة ونزيهة، وحين تقدمت النسخة المعتدلة جدا من الإسلاميين عام 1995 في الانتخابات الرئاسية مع الشيخ محفوظ نحناح، وفي 1997 في الانتخابات التشريعية والمحلية، تم قطع الطريق عليها بالتزوير الخشن، وبقي التزوير ماضيا إلى اليوم، يتطور أكثر فأكثر .
كما لم تسلم كل التجارب في الدول العربية الأخرى وعلى رأسها التجربتين الأكثر اعتدالا وعقلانية وكفاءة في مصر وتونس. وحتى التجربة التي نُسلّم بأخطائها في الممارسة الديمقراطية بالسودان لم تُترك وشأنها طيلة ثلاثين سنة، إذ تم محاصرة البلد والتآمر عليه، وعلى حكامه، بما لا يمكنه أن يتطور سياسيا وتنمويا مهما فعل، دون أن ننسى تجربة حركة “ح” الفلسطينية التي انقلب عليها النظام العربي والنظام الدولي كله خدمة للكيان.
أما عن رومانسية فكرة ” الإسلام هو الحل” فالأفكار الرومانسية السياسية تُعرف في المقاربات الفلسفية بأنها أفكار نبيلة تسعى إلى استلهام المبادئ والمثل العليا، وإنما عيبها في تجاهل موازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي.
ومهما يكن من أمر ستكون هذه الفكرة الرومانسية هي الحل حتما لمعضلات التخلف في البلاد العربية والإسلامية، وستكون هي النموذج الأكثر جاذبية في العالم بأسره، وستدرك البشرية كم خسرت بانحطاط المسلمين.
فلا يوجد زمن تأكدت فيه حاجة العالم إلى الإسلام كما هو هذا الزمن الراهن، الذي سقطت فيه النظريات الوضعية كلها، وتأكد لمن كان مغترا بالحلول المستوردة ما يمكن أن يصنعه قادة الحضارة المادية المهيمنة، المنفصلة عن الوحي، وعن القيم والأخلاق، من مآسي في حق الإنسان والطبيعة.
لا نهتم بالزمن الذي سيتحقق فيه هذا الوعد، فهو مقدر من الله تعالى، وهو سبحانه شاهد على ذلك، قال عز وجل: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ))، وتلك الأيام يداولها الله بين الناس، وقد قضى الله أن تبقى أمة الإسلام تنهض بعد كل سقوط إلى يوم القيامة بإقامة الخلافة الإسلامية التي تعم الدنيا قبل قيام الساعة.
وإنما التحدي الذي يواجه أصحاب المشروع الاسلامي، في كل وقت هو كيف يمكّنون لفكرتهم، وكيف ينقلونها، أو ينتقلون بها، من المجتمع إلى الدولة، عبر مجهودات بشرية ذات كفاءة واقتدار تبذل في إطار فهم صحيح للسنن، وصدق وإخلاص للفكرة، وتوكل حقيقي على الله تعالى.
إن مشكلة الإسلاميين ليست في الصد العظيم الذي يعانون منه، فتلك سنة الحياة في شأن السياسة والحكم، ولن يتغير ذلك مهما ظن الساذجون منهم. وليست المشكلة في فكرتهم الإسلامية فبها صنعوا أشواق المسلمين في وجه التخلف والفساد وتهديد الهوية والاستبداد، وبها غيّروا شكل الأمة وعمقها، في قرن الصحوة والدعوة، وبها صنعوا حواضن اجتماعية عظيمة.
غير أنهم حين دخلوا المنافسة على الحكم فشلوا في مواجهة الصد العظيم، الخارجي والداخلي، إذ لم يجددوا أنفسهم ونظمهم ومقارباتهم. وحين طالت بهم الطريق، وكثر عليهم القمع والظلم، استعجلوا فتطرّف بعضهم وساروا في دروب المناهج العنفية فانتحروا وأضروا ثم تحولوا إلى أوعية تستعملها الاستخبارات المحلية والعالمية بخبث عظيم.
وأما الذين حافظوا على النهج السلمي الحضاري، وهم الأغلبية الساحقة في الجسم الإسلامي الكبير، فقد استعجل أكثرهم الطريق في الاتجاه المعاكس بأن وضعوا أنفسهم، تحت سقوف الأنظمة الاستبدادية، بعضهم أصالة وبعضهم في زمن الفرص والتحولات، من أجل فتات من السلطة أضعفهم، محطة بعد محطة، وجعل الاستبداد يتقوى فرصة بعد فرصة، إذ انتقلوا من الرومانسية الدافعة للتضحية إلى العجز و الخضوع ل “موازين القوة الفعلية والحسابات الصارمة في الشأن السياسي” دون أي قدرة على ابتكار نهج جديد مقاوم وسطي، أو الثبات عليه، بين الصدام المهلك والاندماج المفند.
ثم تحولت المسيرة كلها إلى عقد مركبة يعسر الخروج منها، أخطر ما فيها عدم الثقة في النفس والشعور بالنقص أمام كبّار السياسة، وتهديدات الحكام، وما أرى إلا أن ظن مالك بن نبي قد تحقق فيهم، مجددا، حين وصف رجال الإصلاح – في زمن الاستعمار قبل الثورة – وهم يتبعون الوعود الكاذبة ووسوسة النخب السياسية الجزائرية المندمجة مع “الحكومة” الاستعمارية، متسائلا، رحمه الله، هل يستطيع رجال الإصلاح الاستمرار في رسالتهم؟ حين لجؤوا للاستجداء بعد أن حققوا نجاحا باهرا في النهضة الثقافية والاجتماعية الجزائرية من قبلُ فقال: ” لقد كان ذلك ممكنا، لو لم يشعر العلماء المصلحون – بكل أسف – بمركب النقص إزاء قادة السياسة في ذلك العهد، فمالؤوهم وسايروهم، ظنا منهم، أنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة، ولقد كان ذلك ممكنا لو لم يكونوا على استعداد للعودة إلى فكرة الزوايا ذات الطابع السياسي، والأصنام المزوقة بأسماء جديدة”
—-
في المقال المقبل ” الإسلاميون في الجزائر والدلالات الانتخابية” نتحدث عن تشكل العقدة، عبر النموذج الجزائري في الانتخابات، وظروف كل واحدة منها، والمشترك فيها، بالأرقام، منذ بداية التعددية إلى الانتخابات الأخيرة، وعن الفرص الضائعة والحلول الممكنة، ثم نسقط ذلك عن مجمل الحركات الإسلامية في الوطن العربي.