نلاحظ من خلال دراسة مساهمات رواد الفكر الإسلامي أن ثمة أربعة اتجاهات في تناول موضوع الحضارة، وهي كالتالي:
– الاتجاه الإسلامي المادي:
وهو الاتجاه الذي يجعل الحضارة إفرازات مادية يستفيد منها الإنسان في مختلف مجالات العمران وتسخير الطبيعة والأدوات الخادمة للإنسان في حياته، والتي تتأتى بالتحكم في ناصية العلم وبالعمل الإنساني الدؤوب المتراكم لتحقيق مصالحه ورفاهه. ولا يعتبر الدين شرطا أساسيا لبناء الحضارة، لكنه يكون داعما للاستقرار والازدهار. ويمثل هذا الاتجاه عبد الرحمن بن خلدون الذي يعرّف الحضارة بأنها: “تفنّن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله“.
ويسير في الاتجاه نفسه المفكر علي عزّت بيغوفيتش الذي يعد الحضارة: “استمرارا للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، للتبادل المادي بين الإنسان والطبيعة، وهذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم”.
ويُفهم مما كتبه أصحاب هذا الاتجاه أن الحضارة سيرورة إنسانية تاريخية حيادية لا يبعثها بالضرورة الدين، لكنها تنشأ من احتياجات الإنسان. غير أنهم يؤكدون أن ما يحدد صبغتها، وخيرها أو شرها، وطول عمرها أو قصره، هو القيم والالتزام الديني. فيرى ابن خلدون مثلا أن دولا عظيمة قامت دون استناد إلى الدين، ويضرب أمثلة من الدول المجوسية، لكنه يؤكد أن الدولة يعظم شأنها حين يجتمع أصحابها على الدين الحق، فيقول:
“إن القلوب إذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها، فذهب التنافس وقلّ الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة”(1).
ومن جهته يرى علي عزّت بيغوفيتش أن أزمة الحضارة الغربية سببها عدم قدرتها على الجمع بين المكوّن المادي الذي هو جوهر الحضارة، والمكون الروحي الإنساني الذي هو جوهر الثقافة، ويؤكد أن الإسلام وحده هو الذي جمع بينهما وأنشأ حضارة بلغت ذروة الإنتاج العلمي وقمة البعد الروحي. ويمكن أن ننسب هذا الاتجاه كذلك إلى حسين مؤنس الذي يعد الحضارة كل جهد بشري لتحسين ظروف الحياة من خلال الاكتشافات والابتكارات التي لا تكتمل إلا بالتجارب المتكررة عبر الأجيال، دون اعتبار الدين شرطا ضروريا لذلك.
– الاتجاه الإسلامي العقائدي:
وهو الاتجاه الذي يحصر الحضارة في الإسلام دون غيره، فلا يميز بين الإسلام والحضارة، ويكون المسلم حسب هذا الاتجاه متحضرا بالضرورة. ويمثل هذا الاتجاه سيد قطب الذي يرى، حسب راشد الغنوشي، أن “سبب تخلف المسلمين هو تركهم للإسلام، وينبغي دعوتهم إليه من جديد، وتعليمهم معنى لا إله إلا الله باعتبارها منهج حياة. أما غيرهم فلم يتقدموا، بل هم في جاهلية جهلاء، لأن الإسلام هو الحضارة“(2). وتشكل هذا التوجه لدى سيد قطب في المرحلة الثانية من حياته الفكرية، بعد عودته من أمريكا ثم اضطهاده وسجنه في عهد جمال عبد الناصر، وبتأثر من كتابات أبي الأعلى المودودي حول الحاكمية. وقد نسج على آرائهما كثير من كتّاب الصحوة الإسلامية، وصار توجّههم غالبا لمدة طويلة. ويركز أصحاب هذا الاتجاه على إبراز المآسي التي تتسبب فيها الحضارة الغربية بسبب انفصالها عن الدين.
– الاتجاه الإسلامي العقلاني:
وهو الاتجاه الذي لا يحصر الحضارة في الإسلام وحده، ولا يحصرها في المسلمين، بل يعتبرها حاجة إنسانية مشتركة لتحقيق احتياجات الإنسان على أحسن وجه. ويرى أنها لا تخص شعبا واحدا ولا تتمركز في إقليم معين، بل تنتقل من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان وفق سنة التداول، ووفق استعداد البشر وتحقيقهم للشروط الحضارية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، امتثالا لقوله تعالى: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.
ورائد هذا الاتجاه هو مالك بن نبي الذي يقول: “الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر”. وهو يتوافق هنا مع الاتجاه الأول، لكنه يتميز عنه باشتراط الدافع الديني لتشكل الحضارة. ويضرب لذلك أمثلة على نشوء الحضارات الكبرى، ومنها الحضارة الغربية التي انطلقت من القاعدة الدينية الكاثوليكية ثم البروتستانتية. ولكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الإسلام هو وحده الذي يصنع الحضارة الإنسانية العادلة القادرة على التجدد، وأنها لا تموت رغم أفولها إذا انبعثت أنوار الإيمان من جديد بفهم صحيح للإسلام.
ويمكن أن ننسب هذا الاتجاه كذلك لكثير من المفكرين مثل عبد المجيد النجار، محمد عمارة، عبد الوهاب المسيري، علي شريعاتي، طه جابر العلواني، وغيرهم. ويمكن ذكر محمد عابد الجابري الذي حاول أن يجد لنفسه مكانا بين النهج الحداثي القطيعي والنهج الإسلامي المعاصر.
– الاتجاه الحداثي:
وهو الاتجاه الذي يدعو إلى الاندماج الكامل في الحضارة الغربية باعتبارها حضارة إنسانية استفادت أصلا من الحضارة الإسلامية، ويرى أن المسلمين لا يمكنهم اللحاق بالحضارة إلا بمراجعة تراثهم كله ضمن معايير الحداثة. ومن هؤلاء محمد أركون الذي يرى أن الخروج من التخلف يكون عبر نقد العقل المسلم، وتبنّي العلمانية المنفتحة، واستخدام الأدوات الغربية الحديثة في التاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية للتحليل. وكذلك عبد الله العروي الذي ينفي إمكانية أي نهضة في العالم الإسلامي دون القطيعة التامة مع التراث العربي الإسلامي، بما في ذلك السنة النبوية، والالتحاق بالحداثة الغربية العلمانية كقيمة إنسانية.
– تقييم الاتجاهات الأربعة:
إننا إذا أردنا أن نحلل تحليلا موضوعيا ما ذهبت إليه هذه الاتجاهات الأربعة الكبرى فإننا سنخلص إلى أن الاتجاه الأول والثاني والثالث تنتمي كلها للفكر الإسلامي، وتعمل لصالح الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية، وهي الاتجاهات التي انطلقت من مرجعية الكتاب والسنة، وتطورت داخل الإسلام، ونظرت إلى التراث نظرة عقلانية فرّقت بين الثابت والمتغير، وبين الباقي والمنتهي، وقيّمت النصوص والتاريخ على أسس علمية شرعية وإنسانية.
أما الاتجاه الرابع، فقد نظر إلى التراث الإسلامي ككمّ تاريخي لا قيمة له في الانبعاث الحضاري، وأصحاب هذا الاتجاه هم الحداثيون الذين تريد مراكز الدراسات الغربية ـ ومنها مركز راند ـ الاعتماد عليهم في اختراق المنظومة الفكرية الإسلامية من الداخل، كبديل للتيارات العلمانية الواضحة التي فشلت في تثبيت نفسها كمرجعية متّبعة. وهؤلاء الحداثيون يختلفون عن المستشرقين في أنهم ينتمون للعالم الإسلامي ويعلنون تمسكهم بالإسلام، لكنهم يستخدمون مناهج المستشرقين في التشكيك في النصوص وتشويهها، رغم أن بعضهم يوجّه النقد لعدد من المستشرقين الكبار. وقد تم ابتكار اسم جديد في السبعينيات لهؤلاء الحداثيين، بديلا لاسم “المستشرقين” الذين اتُّهم أكثرهم بتقديم صور نمطية سلبية عن الحضارة والنصوص الإسلامية، وهو اسم “الإسلامولوجي” الذي يُصوَّر بأنه يعتمد على الدراسات العلمية ويستعمل أدوات العلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا والتاريخ لفهم النصوص الشرعية والتراث. ولا يشترط في المشتغل بهذا الحقل أن يكون مسلما.
لكن المفارقة أن كثيرا من هؤلاء الحداثيين ـ رغم انتمائهم إلى الإسلام ـ صاروا أكثر تحيزا ضد النصوص الإسلامية من بعض المستشرقين أنفسهم، بعيدا عن المنهجية العلمية التي يدعونها. ولا يعني ذلك أنه لا يُستفاد منهم، ولكن من المؤكد أنهم لا يُعتدّ بهم في فهم تاريخ الحضارة الإسلامية وسبل نهوضها من جديد.
إن الاتجاهات الثلاثة: المادي والعقائدي والعقلاني ليست متناقضة كما يظن بعض المهتمين، بل هي متكاملة، ولا يوجد سبب للدخول في الجدال المنقص لقيمة أي منها، فثلاثتهم يعتبرون الدين سببا رئيسيا لتحقيق الاستقرار، وأنه بيئة التحضر وصناعة الحضارة، وهو الذي يضمن قوة الدولة وطول عمر الحضارة، غير أن كلا منهم ينظر إلى ذلك من زاوية مختلفة. كما أن هذه الاتجاهات جميعا يؤمنون بالأطوار العمرية للحضارة، وأن نهاية كل حضارة إنما سببها الترف والفساد وغلبة الغريزة.
لا شك أن نقد مفكري هذه الاتجاهات كلها وارد، فهم بشر لا يحيطون ببحار العلوم كلها، ولكن يجب الانتباه بأن أفكارهم صاغتها ظروف الأزمنة والبيئة التي عاشوا فيها وتطورت عبرها رؤاهم. ولئن كانت بعض أفكارهم دائمة البقاء، لأنها تعبر عن فهم صحيح للسنن التي لا تتغير ولا تتبدل، فإن بعضها الآخر كان مفيدا في سياقه التاريخي ويمكن تجاوزه والبناء عليه لابتكار أفكار ومناهج جديدة.
فلو تحدثنا عن ابن خلدون مثلا لوجدنا أن علمه كان محكوما بأنماط الحكم الراسخة في عصره ومنها الحكم العائلي والعصبيات العشائرية التي كانت حاضرة في عالم ذلك الزمن كله. لقد كان بإمكانه أن يعود إلى منابع الفكر السياسي الإسلامي الراشدي القائم على الشورى، ولكن لو تحدث عن نمط حكم آخر في ذلك الوقت غير العصبية العشائرية، ما وجد علمُه ربما مجالا لانتقاله إلى الأتراك ثم الألمان والأوربيين ثم العالم بأسره. فقد نظرت الأمم التي استفادت من علمه إلى ما يحفظ الحكم وما يهدده أكثر من نظرها إلى شكله أو نمطه، كما هو حال كتب “مرايا الأمراء“(3) في نصيحة الحكام عبر مختلف الحضارات. غير أن منطق “العصب الحاكمة” التي لا يستقر الحكم بغيرها بقي موجودا بأشكال أخرى غير العصبية العشائرية، كعصب العسكر، واللوبيات المالية، والقوى الإعلامية، ومجموعات المصالح وغيرها. ولذلك لم ينقص من قيمة مضمون العصبية التي ذكرها ابن خلدون شيء كبير وإنما تغيرت أشكالها فقط.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن انتقاد بعض المفكرين لفكرة حتمية زوال الحضارات عند ابن خلدون لا ينقص من قيمة مقاربته المتعلقة بالأطوار الخمسة (الظهور، القوة، الرفاه، الضعف، السقوط)، والأجيال الثلاثة (البناؤون، المقلدون، الهدامون). فقد تكون تلك الانتقادات معتبرة في تفاصيلها ولكن التداول بين الأمم والدول والحضارات سنة جارية، يؤكدها القرآن الكريم وفق قوله تعالى: (( وتلك الأيام نداولها بين الناس))، وتثبتها الدراسات التاريخية. واليوم قد اندثرت كل الحضارات، ولم تبق سوى حضارة واحدة مهيمنة هي الحضارة الغربية، وهي نفسها تتلبس بمظاهر عدة تشير إلى أنها تتوجه نحو الأفول رغم عظمة إنجازاتها وقوة دولها، كما تؤكده دراسات غربية كثيرة من مراكز بحث معتبرة نبهت إلى احتمال أفول الحضارة الغربية.
إن ابن خلدون يركّز، في حقيقة الأمر، على تداول الدول أكثر من تداول الحضارات، إذ إن التداول بين الدول داخل الحضارة الواحدة يطيل أمد تلك الحضارة. وهذا ما نراه بوضوح في التداول الذي حدث بين الإمبراطوريات الأوروبية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، ثم الإمبراطورية الأمريكية القائمة اليوم داخل الحضارة الغربية نفسها. ومثله ما وقع سابقا في التداول بين الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وما جاورها من الدول الكبرى الأخرى ضمن الحضارة الإسلامية الواحدة.
ومما يجب الانتباه إليه أن ثمة حضارات لها القدرة على الانبعاث بعد زوالها، وحضارات أخرى تندثر نهائيا. وعلى رأس الصنف الأول الحضارة الإسلامية التي تبقى فكرتها خالدة في النفوس والمجتمعات بخلود القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فحتى إن سقطت الدول القائمة على الإسلام، فإن الفكرة الدينية القرآنية تبقى كامنة في وجدان الأمة. وكلما تجددت الفكرة المرتبطة بالوحي، وبلغ تسجيلها في النفوس مبلغها الحضاري مجددا، انبعثت الحضارة الإسلامية من جديد.
ثم تأتي بعد الحضارة الإسلامية الحضارة الغربية، أو الحضارة الرومية، وهي امتداد للحضارة الإغريقية ثم الرومانية. وهي الحضارة التي بدأت المواجهة بينها وبين الإسلام مبكرا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يرسل عليه الصلاة والسلام جيشا لمواجهة أمة غير العرب سوى الروم، كما في مؤتة وتبوك وبعث أسامة. وستكون المواجهة الأخيرة قبل قيام الساعة مع الروم أيضا، وفق الأحاديث الصحيحة التي تحدّثت عن الملحمة الكبرى (4). وبين هاتين الفترتين الزمنيتين تبقى المواجهات والتداول على الظهور في التاريخ بين هاتين الأمتين، وإلى جانبهما أمم أخرى أقل حضورا في الاشتباك والتداول الحضاري، كالصين والهند وما حولهما، وربما من بينها أممٌ أشارت إليها أحاديث الملحمة الكبرى دون التصريح بأسمائها.
ومما يُنقَد به ابن خلدون في كتابه التاريخ والمقدمة تعميمه للأخبار وعدم دقته أحيانا في النقل، وغياب المستوى المؤسسي في توصيفه للدولة. غير أن هذا النقد متكلّف، لأن العالِم إنما يتحدث بمستوى العلم الذي يكون عليه مجتمعه، والعبقرية إنما تظهر حين تكون إضافات صاحبها سابقة لزمانه وأكثر تميّزا من أقرانه. وقد بلغ ابن خلدون في هذا الباب مستويات عالية من توصيف التنظيم المؤسسي قياسا بما كانت عليه الدول في زمانه، بل عدّه العلماء الأوروبيون الذين ترجموا كتبه في القرن الثامن عشر سابقا لزمانه بقرون. ولا يزال الساسة والباحثون يستفيدون من أفكاره وتوجهاته إلى اليوم.
وربما يكون ابن خلدون قد عمّم في مقاربته بين البدو والحضر، وقد لا تصلح هذه المقاربة لكل الأمم وكل الأزمنة، ولكنها بكل تأكيد لا تتعلق بسكان العرب والبربر فقط كما يزعم بعض منتقديه. فالحضارة الغربية نفسها انطلقت من دخول القبائل الجرمانية البدوية في المسيحية، كما يبين مالك بن نبي. ومع ذلك، لا يمكن اعتماد البداوة شرطا للفتوة والشهامة والقوة والنبل المؤهِّلة لأخذ الملك المفضي إلى الحضارة. فقد يوجد بين أهل الحضر من برئوا من ترف المدن وغلبة الغرائز، وبقوا على الفطرة السليمة، وتوفرت لهم طاقة جبارة للتغيير ودوافع معنوية عميقة، بتأثير من الدين أو الغيرة الوطنية أو طموحٍ قوي عاقلٍ ومتوازنٍ يسعى لبلوغ المعالي. والعبرة عند ابن خلدون ليست بالبداوة بذاتها، وإنما بالخلال التي تكون شائعة بين أهلها أكثر من غيرهم بسبب بُعدهم عن فتن المدن ومغرياتها.
إن المشكلة الحقيقية التي لا يزال ابن خلدون يعاني منها هي تخلّف أبناء دينه وجِلدته عن الاهتمام بكنوز علمه. فترى علماء من الغرب والشرق لا يزالون يُشيدون بكتاب “فن الحرب” لسون تزو الذي كُتب قبل آلاف السنين، ويترجمونه إلى مختلف اللغات، ويعودون دوما إلى كتب ماكيافيللي وجون لوك وهوبس وغيرهم. بينما نسمع في المقابل عددا من المفكرين المسلمين يقولون إن المقدمة كُتبت لزمانها ولا فائدة كبيرة منها، مثل طه ياسين والعلوي وأركون.
أمّا عن سيد قطب، فقد تعرّض لنقدٍ كبير تجاوز في أحيان كثيرة الحدود المعقولة. ولو كان النقد من أقرانه من العلماء والمفكرين لكان ذلك طبيعيًا ومحمودًا، إذ التدافع الفكري هو ما يصنع الحضارة. غير أنّ الاستهداف الذي وقع عليه جاء من حكوماتٍ ظالمة مستبدّة حاربته كما حاربت غيره من الدعاة والمصلحين والمفكرين، سواء انتهجوا نهج اللين أو الشدّة، وسواء اتّسم خطابهم بالحدة أو بالمرونة. ثمّ لحقت بهذه الحكومات بعض التيارات الدينية والعلمانية، كثير منها وظيفيّ في خدمة الاستبداد أو الصهيونية أو القوى الاستعمارية.
أمّا العلماء والمفكرون الذين وجّهوا النقد لسيد قطب، أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي ومحمد عمارة ومحمد سليم العوّا ومالك بن نبي، فقد كانوا يعدّونه من كبار الدعاة والمصلحين والمفكرين والأدباء في الأمة الإسلامية، ممن كان لهم أثر كبير في نشر الصحوة الإسلامية وزرع روح العزة والإباء في نفوس الشباب، وحمايتهم من الهجمات الفكرية المركّزة للتيارات الهدّامة، وتثبيتهم في مواجهة قهر الاستبداد. وقد سلّم سيد قطب روحه عزيزة في مشهدٍ استشهادي خالد في التاريخ.
ويرى هؤلاء العلماء، مع إقرارهم بفضله الكبير، أنّه توسّع في مفهوم الجاهلية بما يؤدي إلى قطيعة مع المجتمع ليست مطلوبة شرعًا، وأطلق أحكامًا كلية على العصر تُنافي ضرورات التفصيل التي يحتاجها المفكر والفقيه المسلم في زمن شديد التعقيد وكثير المدخلات، وأنّه بالغ في مفهوم الحاكمية بما يجعل بعض المتأثرين به ـ ممّن لا ينتبهون إلى خلفيته الأدبية في التعبير ـ يتشدّدون في أفكارهم السياسية، فيضيّقون مساحات العمل وإبرام التحالفات لخدمة الإسلام ونهضته الحضارية، وفق ما هو مثبت في السيرة النبوية.
كما أن نقد هؤلاء العلماء لبعض أساليب سيد قطب في تفسيره “في ظلال القرآن” من حيث عدم الضبط الفقهي لبعض التعميمات الاجتماعية والسياسية—لم يمنعهم من اعتباره من أجلّ التفاسير، ومن كونه تحفة أدبية عالية القيمة بأبعاده الروحية العميقة، وأسلوبه البديع، وأفكاره المنيرة، وما يحْدِثه في النفوس من أثر بالغ نحو الالتزام والعزة الإيمانية. وهذا هو النقاء الذي يُرجع الإنسان إلى الفطرة والصفاء البدوي الذي يشترطه ابن خلدون في العصبية التي تتغلب في طلبها الملك، وهو كذلك ما يشبه حالة “تسجيل الفكرة في الأنفس” التي يؤكّد عليها مالك بن نبي في حديثه عن دور الفكرة الدينية في انبعاث الحضارة.
ولا يمكن، في كل الأحوال، الحكم على سيد قطب من خلال تصرفات جماعات عنيفة نسبت نفسها إليه أو استندت إلى بعض كتاباته، إذ ليس لازم المذهب مذهبًا إذا نفاه صاحبه، ولا يُعتدّ بقولٍ أُلصق بالرجل إن نفاه هو، أو نفاه عنه من عرفه وصاحبه. وقد تشدّ بعض عباراته قارئ الظلال ومعالم في الطريق، لكن من يقرأ مجمل أعماله بإنصاف ودون تحيّز لا يمكن أن يصل إلى ما ادّعاه المغرضون المحاربون للعلماء العاملين الذين لا يخضعون لغير الله.
إن ظروف السجن والمواجهة الوجودية بينه وبين الاستبداد، والصدمات الكبرى التي كانت تتعرض لها الأمة من الاستعمار والاستبداد، والانهيارات الفكرية في مواجهة الشيوعية والرأسمالية، تجعلنا ننظر إلى ألفاظه القوية وأساليبه المزلزلة كصرخة إصلاحية تهدف إلى إحياء الإيمان وإيقاظ الوعي، ودفع الضرر عن الأمة، وبناء مشروعها الحضاري المستقل، الذي لا تكون الدولة الحديثة مقياسه ولا نموذجه الحاكم. ومن دلائل سبقه في بناء النموذج المستقل أن ثمة تيارًا واسعًا يتشكّل اليوم—من مفكرين مسلمين وغير مسلمين، ومن خارج التيار الإسلامي—يدعو إلى القطيعة مع الدولة الحديثة بمفاهيمها السياسية المهيمنة على الإنسان، ومفاهيمها الاقتصادية المدمّرة له، ومفاهيمها الثقافية المفسدة لجوهره.
أما عن مالك بن نبي فلم يسلم هو الآخر من النقد، فرغم الإشادة الكبيرة بأفكاره من قبل كبار المفكرين، رأى بعض الدارسين أن تحليله لمعادلة الحضارة يقوم على قدر من التجريد، وأنه يتعامل مع التاريخ من عل، وأن نماذجه التحليلية لا تقدم شرحا كافيا للآليات العملية. كما اعتبروا أن أطروحاته تميل إلى المثالية والتركيز على الأبعاد الأخلاقية والنفسية، وأنه يقلل من شأن السياسة والبعد السياسي في التغيير، مع أن الفعل السياسي كان دائما حاسما في التاريخ و مسار النهضة الحضارية. وأشار آخرون إلى أنه يستغرق في الهندسة الحضارية على حساب التنظير للفعل الميداني، وأن رؤيته لمركب الحضارة شديدة الاختزال وأنها تحتاج إلى تطوير معرفي، فيما يلومه بعض العاملين في الحركة الإصلاحية بأنه – رغم حديثه عن الفكرة الدينية – لم يجتهد بما يكفي في تقديم تصور شامل للبديل الإسلامي. واتهمه بعض الخصوم السياسيين بأنه نظّر لمناهضة الاستعمار كشرط من شروط النهضة الاستعمارية ولكنه لم يمارس الفعل الثوري عمليا.
إن نقد المفكرين المنصفين الذين يقدرون مالك بن نبي ويضعونه في موقعه المشرف في تاريخ الفكر يزيد في مكانته، لكن حينما يشتغل بأفكاره بعض “الحداثيين” الذين اعتبروا أن مقاربته للفكرة الدينية غير قابلة للتحقيق التاريخي المعاصر، أو أنها ذات بعد ميتافيزيقي لا شأن له بالبعد التاريخي، فإن مقصدهم غالبا هو هدم المقاربة الحضارية الإسلامية جملة وتفصيلا، وذلك غير مستغرب منهم، فقد أصاب مالكَ بن نبي منهم ما أصاب كلَّ مصلح يروم نهضة الأمة في إطار انتمائها، وتحريرها من الارتهان للاستعمار ، وتخليصها من التغريب والالتحاق بثقافة المستعمر وخدمة أغراضه. وفي المقابل لم يسلم من فئات العجز والقعود والسلبية والانغلاق في الأمة، إذ لم يكن فكره مريحا للتيارات التي اعتادت إلقاء اللوم على الآخر وتحميل الاستعمار وحده السيطرة على الأرض والأنفس. ولم تكن توجهاته الحضارية المنفتحة على العلوم الإنسانية واستعمال الأدوات العصرية لترضي الاتجاهات التقليدية المنغلقة.
لقد كانت تعميمات مالك بن نبي هي سبب انتشار أفكاره، فقد كان يبني منهجا ولم يكن بصدد وضع خطة للعاملين لصناعة النهضة الحضارية، ولو فصّل في مقارباته لمَنع الاختلافُ حولها الأمةَ من تلقّيها. وما كان ناقصا في رؤاه على تلاميذه ومن استفادوا منه أن يكملوا المشروع، وهذا هو شأن الحياة الفكرية والعلمية، جيل يبني على جيل، فالذي أكمل بناء المذهب الحنفي هو أبو يوسف وأصحابه، والذي أكمل بناء المذهب المالكي هو أبو القاسم وأصحابه. وقد كان موقفه السلبي من السياسة والسياسيين نابعا من أسباب واقعية، لِما رآه في العمل السياسي تحت الإدارة الاستعمارية من انتهازية وسعي للمصالح الشخصية ونكوص على المبادئ ورداءة في الخطاب وتهريج في الحملات الانتخابية، مزقت الحركة الوطنية قبل الثورة التحريرية. وكان صارما في الشأن السياسي حتى مع أقرب الناس إليه، وهو الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي كان يعّده روح الحركة الإصلاحية في الجزائر، إذ عاتبه لمجرد التقائه مع النخبة الإندماجية من أجل المطالبة بالحقوق.
لا شك أن موقف مالك بن نبي من السياسة والسياسيين أثر على عدد من تلاميذته والمقتنعين بفكره فصار بعضهم سلبيين ومعطلّين، أو متحفظين في علاقتهم بالعمل السياسي. و هنا نجد تراث ابن نبي في ذات الحالة التي أنشأها تراث سيد قطب تقريبا، “ليس لازم المذهب مذهبا”، فهو أدان انتهازية السياسيين وحذر أشد التحذير من خطورتهم، ولكنه لم يدن السياسة، فلو كانت السياسة على المعايير التي ذكرها وعلى المستوى الذي صاغه في قوله: ” أن تخوضَ في السياسة معناه أن تسعى إلى تغيير الإطار الثقافي في اتجاه يُساعد على التنمية المنسجمة لعبقرية أمة وشعب. فالخوض في السياسة معناه، في نهاية التحليل، أن تخوض في الثقافة“(5) فهي سياسة مطلوبة وممدوحة والسياسيون شرفاء نهضويون.
لم يكن مالك بن نبي يبحث عن انتصار حزبي أو غلبة أيديولوجية، بل كان يسعى إلى بناء الإنسان نفسه، إنسان يعرف لماذا وجد، وإلى أين يتجه، وكيف يتحول من كائن منهزم يراكم منتجات حضارة غيره إلى إنسان فاعل ينتج حضارته. ومن يتأمل مجمل أفكاره يدرك أن الرجل، سبق عصره، وأن كثيرا من الرؤى التي طرحها حول أثر الثقافة في الفاعلية، ودور الفكرة في بناء الحضارة، وعلاقة الأخلاق بالنهوض الاجتماعي، قد أصبحت أساسا لمدارس فكرية معاصرة تبحث في جوهر الحضارة لا في مظاهرها، وفي أسسها لا في قشورها. فهو، وإن لم يكن زعيما لجماعة أو تنظيم، فإن أفكاره تلهم العديد من المنظمات والمؤسسات التي تسعى للنهضة الحضارية للأمة.
لم يكن لمالك بن نبي دولة أو جماعة أو تنظيم يسانده في كفاحه الفكري، فقد خاض معاركه وحده، دون دعم من أي جهة، ويمكن اعتباره نموذجا كاملا للعصامية، لا سيما أنه اشتهر في الفكر والفلسفة والدراسات الاجتماعية وليس في اختصاصه التقني الأصلي. وقد كان نضاله الفكري – منفردا – أشد على الاستعمار من النضال السياسي، وكانت كلماته أوقع على المحتل من ضربات البارود، حتى أن المستشرق الكاثوليكي ماسينيون اعتبره خطرا داهما على فرنسا، فقاد حملة شرسة ضده، ولاحقه في لقمة عيشه في باريس. وقد قدّر قادة الثورة الأثر البليغ لعمله الفكري ضمن النضال الوطني فلم يسمحوا له بمرافقتهم إلى الجبال لكتابة تاريخ الثورة، حرصا على سلامته(6).
لم يتعرض مالك بن نبي للهجومات المنهجية المنسقة التي تعرض لها غيره من كبار المصلحين الذين اشتبكوا ميدانيا مع الاستبداد، بسبب عدم انخراطه في المنافسة السياسية، ولكن تم تهميشه وعزل أفكاره من مناهج التعليم والسياسات الحكومية في بلاده والبلاد الإسلامية التي اعتقد أنه سيجد فيها مجالا لتجسيد طموحاته في الاستنهاض الحضاري للأمة(7). ولكن، في الأخير، عادت رؤاه إلى الساحة اليوم بقوة، يهتدي بها العاملون للاستنهاض الحضاري، في ظل ظروف عالمية جديدة تختلف عن زمن الصحوة الإسلامية، وكأن مالك بن نبي يكتشف لأول مرة.
حين التأمل في هذه الاتجاهات الأربعة سنجد أن الاتجاهات الثلاثة الأولى أصيلة تنبع من داخل المجتمعات الإسلامية ويمكن ربط الصلة بعضها ببعض، وتحقيق التكامل بينها إذا أُمعِن النظر في الظروف والبيئات التي نشأت وتطورت فيها، مع التفضيل بينها، ليقع الاختيار على التوجه الذي يفتح آفاقا أرحب لرؤى جديدة عملية لفهم الحضارة وتحقيق الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية، أما الاتجاه الرابع فهو من خارج الأمة الإسلامية ومتعاليا عليها وخادما للحضارة الغربية، وهو اتجاه يعتبر الحضارة الإسلامية حالة تاريخية ويغلق الباب أمام أي نهضة تكون إسلامية حقا.
حين نتحدث عن رؤية ابن خلدون للحضارة (الاتجاه الأول)، وننظر في المقدمة نظرا وافيا، ندرك أن من ينتقده بدعوى عدم حديثه عن القيم والأثر الديني في صناعة الحضارة إنما يخطئ في فهم السياق. فابن خلدون لم يكن في حاجة إلى التأكيد على الأساس الديني لقيام الدول والحضارات، لأن البيئة التي كان يعيش فيها، وكل الدول التي درسها، كانت قائمة على الأساس الشرعي والديني منذ دولة المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن ثمة من يعترض على هذا المنشأ الحضاري أو يناقشه، لأن أصل الحضارة الإسلامية راسخ ومُسَلّم به، بغضّ النظر عن مدى التزام الحكام بذلك الأصل.
إن ابن خلدون لم يكن بصدد بيان اشتراط الدين لقيام الدول الإسلامية، فقد كانت قائمة، أو تأسيس مفهوم “الحضارة الإسلامية” فقد كانت موجودة، وإنما تناول تاريخ “أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول” من زاوية السنن الاجتماعية التي تنطبق على الدول كافة، سواء كانت داخل إطار الإسلام أو خارجه. ولذلك حين يتحدث عن دور الفساد والترف في انهيار الدول، فهو يتبع قاعدة سننية ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، كما في قوله سبحانه في سورة الإسراء:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
كما أن القرآن الكريم ذكر هلاك أممٍ كانت قوية وهي كافرة، مثل عاد وثمود، بسبب فسادها وظلمها. وهذا ما يجعل ابن خلدون يعتبر الترف والفساد عاملين كونيين في سقوط الدول، لا يرتبطان بهوية الأمة دينيا، بل بطبيعة الاجتماع البشري وطبائع الحكم حين تنحرف عن ميزان العدل وينخرها الفساد والترف.
وأما علي عزت بيغوفيتش، من رموز الاتجاه الأول، فكان يعيش في قلب الحضارة الغربية، وتعلّم في مدارسها، ورأى حجم التطور الكبير الذي حققته، والمنافع المادية المذهلة التي أنتجتها، وفي الوقت نفسه المظالمَ الكبرى التي صنعتها، والفسادَ الواسعَ والعميقَ الذي رسّخته. وقد أدرك كيف لم يكن للناس ملجأٌ يأوون إليه يحميهم من غلوائها بروح المحبة والتضامن سوى ثقافاتهم المحلية. ولذلك فرّق بين الحضارة والثقافة، وجعل لكل منهما مسارا مختلفا. وبالعودة إلى ثقافته الواسعة في الإسلام، واطلاعه على خصوصية الحضارة الإسلامية، أكّد أن الإسلام وحده القادر على الجمع بين الثقافة التي مصدرها الفطرة الداخلية للإنسان، والحضارة التي مصدرها الفعل الخارجي للبشر.
وحينما نوجّه النظر صوب الاتجاه الإسلامي العقائدي في تفسير الحضارة ندرك أن بروزه كان طبيعيا، وأن تراجعه في الفكر الإسلامي الحديث المتأخر كان طبيعيا كذلك. فقد كان فكر سيد قطب في مرحلته الأولى غير بعيد عن فكر مالك بن نبي، إذ لم تكن شحنة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي في الداخل المصري عنيفة، وكان فكره منشغلا بكليات الصراع مع سطوة القوى الإمبريالية الرأسمالية، وانحرافات الشيوعية، والأزمات الاجتماعية التي كان يعانيها العالم الإسلامي. ولذلك جاءت رؤيته منفتحة في كتبه الأولى مثل العدالة الاجتماعية ـ رغم ما فيه من أخطاء في حديثه عن الصحابة اعتذر عنها لاحقا ـ وكتابه صراع الإسلام مع الرأسمالية. وقد عُدّ في تلك المرحلة من منظري ثورة 1952.
لكن بعد خيبة الأمل في مسار تلك الثورة، التي كان الإخوان والضباط الأحرار في بدايتها في صف واحد، وبعد ما أصابه من ظلم شديد في تجربته الشخصية وسجنه وتعذيبه، تحوّل فكره إلى الصراع العقائدي والسياسي.
واللافت أن المودودي عاش تحولات سياسية مشابهة؛ إذ أصيب بخيبة أمل كبيرة في حكام دولة باكستان التي انفصلت عن الهند على أساس الدين، بعدما تخلّوا عن بناء الدولة على أساس الشريعة الإسلامية كما وعدوا الجماهير، وانشغلوا بالامتيازات الشخصية والصراع على المصالح في الحكومة والبرلمان. وبعد جهد فكري طويل أسّس المودودي الجماعة الإسلامية التي دعت إلى الرجوع إلى الإسلام في الشأن العام.
وبسبب توسع الصراع بين الحركات الإسلامية والأنظمة العربية، توسّع فكر المحنة المتترس بالمرجعية الدينية دون النظر إلى معطيات الصراع الأخرى محليا ودوليا. وقد كان هذا الفكر فكرَ مرحلة، وساهم كثيرا في ثبات رجال الدعوة والإصلاح وانتشار الصحوة الإسلامية. لكن حينما تحولت الفكرة الإسلامية إلى حالة اجتماعية عامة ووقع الانفتاح السياسي في أغلب الدول الإسلامية، تراجع الفكر الإسلامي المتشدد لصالح فكر أكثر انفتاحا وتشاركا مع مكونات الساحة السياسية والاجتماعية، وإعادة النظر في مفاهيم الحضارة وشروطها. غير أن الاهتمام المتأخر بفكر الانفتاح أخر التجديد فيه بما يتناسب مع احتياجات المجتمع الجديدة، والتحديات السياسية المحلية والدولية، وطبائع الصراع، وكيفية مواجهة الاستبداد والصلف الغربي والصهيوني، والتحالفات اللازمة، والخطاب المناسب فكان العبور معقدا وصعبا جعل التيارات الإسلامية في حالة مراوحة مزمنة.
أما الاتجاه الرابع فهو الاتجاه الذي أراد له الله أن ينشأ ويتطور بعيدا عن الصراع الديني والسياسي الحاد في العالم العربي والإسلامي، ويتمركز في الفضاءات الفلسفية والفكرية. وقد ساهم هذا في توازنه ومرونته وثباته عبر عقود من الزمن، ليطفو إلى السطح في الفترات الأخيرة كأنسب منهج لتحديات العبور الحضاري نحو دوائر القيادة والتأثير، وكأن العالم العربي والإسلامي يكتشف مالك بن نبي من جديد.
لقد بين مالك بن نبي بأن الحضارة منتج إنساني يتأتى بالجد والاجتهاد والعلم والتخطيط والعمل الجاد، وفق سنن غلابة لا تحابي أحدا، سواء كان مسلما أو غير مسلم. ويؤكد أن الحضارة الحق، التي تمتد في الزمن وتتمدد في المكان، هي التي يكون الدين فيها هو المعامل الجامع للمقدرات البشرية والزمنية والترابية في لحظة الانبعاث. غير أنها لا تدوم ولا تبلغ الألق إلا بسيادة العقل. فإذا انفصل العقل كلية عن هداية الوحي، تغلب الغريزة فتهوي بالحضارة.
يجمع ابن نبي بهذا الفكر بين مادية بن خلدون، التي لا تعتبر الدين سوى عاملا مساعدا على الاستقرار وزيادة القوة، وروحانية سيد قطب التي أسهمت، من خلال ربطه الحضارة بالإسلام، في ترسيخ الاعتزاز بالفكرة في مواجهة الاستبداد مما ساعد على ثبات حركة الإصلاح في فترة المحنة.
غير أن النهج الأقرب إلى مالك بن نبي هو النهج الخلدوني، فهو الوريث الأكثر مصداقية لعبد الرحمن بن خلدون، لارتباطه بالدراسات التي تتعلق بمقتضيات الحكم والشأن العام في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلاقات الدولية. كما يظهر القرب بينهما في محاولتهما التقرب من الحكام للتمكين لأفكارهما؛ بالنسبة لعبد الرحمن بن خلدون في الأندلس ودول المغرب العربي ومصر والشام وآسيا الوسطى، وبالنسبة لمالك بن نبي في الجزائر ومصر والسعودية والشام. ومن غرائب الأقدار أن كليهما تعرّض للتجاهل في بلده في المغرب العربي، وأخفق في تجارب الاقتراب السياسي، ثم اكتُشف في فضاءات أخرى بعيدة عن دياره بعد فترات طويلة من الزمن. فقد استفادت آسيا الوسطى وتركيا وأوروبا من أفكار ابن خلدون، بينما استفادت تركيا وماليزيا وإيران من أفكار مالك بن نبي.
وفي الفترة الأخيرة وجدت أفكار بن نبي طريقها لمعالجة كثيرا من السلبيات في صفوف الحركات الإصلاحية، بعد أن خرجت من نفسية الاستعلاء بالإيمان قبل الابتلاء بتحديات الحياة السياسية وتعقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدولية، وحين جدت نفسها وجها لوجه أمام مقتضيات تربوية ونفسية وإدارية وتنظيمية وقيادية وعلائقية جديدة لم تتدرب عليها.
لم تنتبه الحركات الإسلامية، في عمومها، إلى أن مالك نبي درس هذه المقتضيات منذ عقود من الزمن في كتبه العديدة، منها “شروط النهضة”، “ميلاد مجتمع”، “المسلم في عالم الاقتصاد”، “مشكلة الثقافة”، “من أجل التغيير”، “الإسلام والديمقراطية”، “فكرة كومنولث إسلامي”، “الفكرة الآفروآسوية”، “إنتاج المستشرقين”، “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” وغيرها.
إنّه لا يمكن اعتبار الإنجازات العلمية والفكرية لابن خلدون ومالك بن نبي، أو لأيٍّ من المفكرين، أجوبةً جاهزة تصلح ترياقًا كاملاً لمشكلات المسلمين، غير أنّهما يقدّمان منهجين يهديان إلى المسارات العامة لمعرفة الوجهة الصحيحة، وتحديد الشروط الأساسية لتحقيق الاستنهاض الحضاري، والتنبه للمعيقات الجوهرية المانعة للنهضة.
ومن النواقص التي ينبغي استدراكها عند كلٍّ من ابن خلدون ومالك بن نبي غياب المشروع الاجتماعي العملي الذي يوعي المجتمع ويُجنّد طاقاته، إضافةً إلى غياب النهج السياسي الفاعل الذي يجسّد الفكرة في الدولة. ويمكن أن نجد عند بعض المفكرين المعتدلين ملاحظات وجيهة في نقد أفكار الرجلين، مثل المفكر محمد عابد الجابري ـ رغم ميولاته الحداثية ـ وخاصةً في حديثه عن أهمية الشأن السياسي ومعضلة الاستبداد.
كما يمكن القول إنّ الحركات الإسلامية ساعدها فكرها الاقتحامي على بلورة منظومات واقعية اجتماعية متطورة، لم تكن موجودة عند مالك بن نبي، الأمر الذي مكّنها من التحول إلى قوة تأثير كبيرة داخل المجتمع. غير أنّ عدم اهتمامها بتطوير الأفكار الحضارية والمعارف الضرورية لتسيير الشأن العام ـ وهي المجالات التي فتح بابها مالك بن نبي ـ وعدم قدرتها على وضع منهج سياسي لإدارة الصراع يحفظها من الصدام القاتل مع الاستبداد أو الاندماج المفرِط في منظومته، جعلها تراوح مكانها مدةً طويلة، وقد يُنسيها ذلك فكرة التغيير والإصلاح والاستنهاض الحضاري، سواء بسبب اليأس أو بسبب الانغماس في المتاح السياسي المسموم.
إن الواجب اليوم هو الاستفادة من أفكار ومساهمات العلماء والمفكرين المسلمين وأخذ ما يفيد في أفكار غير المسلمين في فهم قضايا الحضارة، وتقييمها تقييما موضوعا ضمن دائرة الإسلام وعلى ضوء القراءة الصحيحة للواقع بالأدوات العصرية اللازمة وبلورة المحصلات وتجديد المفاهيم بما ينتج المفاهيم المتجددة للحضارة من الناحية النظرية، والطرائق العملية لتحقيق الاستنهاض الحضاري.
وأمّا ـ أخيرًا ـ عن الاتجاه الحداثي في مفهوم الحضارة، فقد مثّل التيار الأكثر تشدّدًا في الساحة الفكرية تجاه الاتجاه الإسلامي الثاني بزعامة سيّد قطب ومن سار على نهجه. بل امتدّ نقد التيار الحداثي إلى أطروحات ابن خلدون، رائد الاتجاه الأوّل وأيقونة فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع عند الغربيين أنفسهم، وذلك بسبب تمسّكه بالمرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع.
ويصفه أركون ـ رغم إقراره بعبقريّته ـ بأنه لم يتحرر من اللغة اللاهوتية ومن التصورات القدريّة التي تفسّر التاريخ بسننٍ شبه غيبية. كما وجّه نقدًا شديدًا لأطروحات مالك بن نبي، معتبرًا مقاربته حول “الفكرة الدينية” استعادةً لخطاب لاهوتي مغلق، وأن أيّ ادعاء بأفضلية حضارية ذات أساس ديني هو طرحٌ لا تاريخي. ويرى أركون أنه ينبغي تحليل الإسلام بما هو تراث تاريخي لا بما هو مركز حضاري مُقدَّس.
إنّ أصحاب هذا الاتجاه قد انخرطوا كليًا في المنظومة الفكرية الغربية، وتبنّوا مناهج المستشرقين المشوِّهة للإسلام، واشتغلوا ضمن مشاريع مرتبطة بمراكز مسيحية وعلمانية معادية للمنظومة الإسلامية. وحجتهم بضرورة “مراجعة التراث” حجة ساقطة، لأن هذه المهمة قد تصدّى لها علماء كبار من داخل الإسلام ذاته، مثل الشيخ محمد الغزالي، والشيخ القرضاوي، ومحمد عمارة، وطه جابر العلواني، وغيرهم؛ ممن دعوا إلى تجديد المعارف الإسلامية بالأدوات الإسلامية، وبالاستعانة بالمناهج العصرية دون المساس بالنصوص قطعية الثبوت والدلالة، ولا بالمقاصد الشرعية الكبرى.
ورغم الدعم اللامحدود الذي يستفيد منه هذا التيار من المؤسسات الغربية وبعض الدول العربية ـ خصوصًا في دولة الإمارات ـ إلّا أنه لم يستطع أن يجد له مصداقية حقيقية داخل العالم الإسلامي
خلاصة عامة عن الفصل الأول:
بعد متابعة أهم الأفكار التي يشتمل عليها الفكر الإسلامي في موضوع الحضارة سنقوم بتطوير أول للتعريف الأول الذي وضعناه في مقدمة الفصل، وسنتابع تطوير النص مرة ثانية بعد نهاية الفصل الثاني المتعلق بالحضارة في الفكر الغربي، ثم نعرض المساهمة للنقاش والحوار، والنص الجديد هو كالآتي:
“يتحقق الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة تتشكل في عقل رجل مؤسس، قد يكون مفكرا أو مربيا أو قائدا أو صاحب رؤية نافذة يستشرف بها أحوال مجتمعه وما يمكن أن يصير إليه. وتكون فكرته نابعة من هدي القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. يحمل المؤسس الفكرة في قلبه قبل لسانه، ثم يعرضها على من حوله من أصحاب الثقة والقرابة والاهتمام، فيقتنع بها نفر قليل، فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته. ومع مرور الوقت يتكوّن بينهم نوع من التجانس الفكري والروحي، إذ يجتمعون على مقصد واحد ويشاركون صاحب الفكرة همَّه ومشروعه، فتتشكل النواة الأولى التي تحمل بذرة التغيير.
ومع اتساع الدائرة يبدأ هؤلاء الأشخاص في نشر الفكرة في المجتمع، كلٌّ بحسب طاقته ومجال تأثيره. فيدعون إليها في المساجد والنوادي والبيوت والمنتديات، ويشرحون معانيها ويُظهرون حاجة الأمة إليها. ومع زيادة التفاعل تظهر الحاجة إلى أشكال تنظيمية تحفظ الجهد وتضبط المسار، فتتأسس الجمعيات والروابط والهيئات والمراكز المعرفية والثقافية، وتظهر معها أدوات للعمل العام تساعد على تعميق أثر الفكرة في المجتمع وترسيخ بنيتها الأولى. وتتحول الفكرة من مجرد رأي إلى “شبكة تأثير” تمتد في مختلف الاتجاهات عبر مؤسسات متعددة المستويات، تتوفر لها موارد مادية وبشرية وزمنية مناسبة.
ومع مرور الزمن تتغلغل الفكرة في الشرائح الاجتماعية المختلفة، فتصل إلى النخب العلمية والثقافية، ثم إلى شرائح الشباب والطلاب، ثم إلى العمال والحرفيين وأصحاب الحرف، حتى تصبح حديث الناس في بعض البيئات. وحين تترسخ الفكرة في الوعي العام تبدأ في إنتاج خطابها ولغتها وطرقها الخاصة في التأثير، وتتكون حولها ثقافة مصغرة تعكس رؤيتها للعالم. وفي هذه المرحلة يصبح للفكرة مناصرون، بل قد تظهر لها شريحة من الأتباع داخل مؤسسات الدولة نفسها، في مواقع متفرقة وإن كانت غير مؤثرة في البداية، لكنها مؤشر على أن الفكرة بدأت تنتقل من هامش المجتمع إلى مراكزه.
حين تبلغ الفكرة هذا المستوى تبدأ في تجاوز حدود الأشخاص الذين نشروها، والتنظيمات التي حملتها، لأن الأفكار الكبرى بطبيعتها تتجاوز حدود منشئيها، فتصبح هي التي تقودهم لا هم الذين يقودونها. وفي هذه اللحظة التاريخية ينتقل المشروع من “مرحلة الدعوة” إلى “مرحلة التأطير الاجتماعي”، ثم إلى “مرحلة التأثير السياسي”. ويتهيأ رجال الفكرة للانتقال من المجتمع إلى الدولة، سواء عبر التحالفات أو عبر القوة الاجتماعية أو عبر لحظات التحول التاريخي الكبرى التي تفتح أبوابا للتغيير.
فإن كانت الفكرة صحيحة، منسجمة مع سنن الاجتماع البشري، وكان رجالها ذوي كفاءة وقوة وعلم وبصيرة، تستقر في مؤسسات الدولة وتبدأ مرحلة ترشيد البناء السياسي والإداري. ويطول أمد الفكرة في الحكم بقدر قوة رجالها ومتانة مؤسساتها وصفاء مقصدها. ولا خوف على الفكرة في الدولة عندئذ إذ تمركزها في المجتمع ينشئ حواضن اجتماعية واسعة ومستقرة مرتبطة بها، فيتحقق التداول على السلطة في إطارها، وضمن الرضا الشعبي وحرية الاختيار. ومع استقرار الفكرة في الدولة يبدأ التغيير العميق في بنية المجتمع، فتتحول الفكرة إلى مشروع نهضوي شامل يشمل الاقتصاد والتعليم والصناعة والإدارة والفنون والقيم والآداب والشوكة والقوة العسكرية والتأثير والمكانة الدولية.
وفي هذه المرحلة تتحول الدولة من مجرد سلطة إلى “آلة حضارية” تنتج المعنى والمهارة والقوة. فتنهض الصناعات، وتنتظم السياسات، ويستقر القانون، وتنشأ أساليب جديدة في التفكير والعمل، وتظهر منظومات قيم تسند حركة الإنتاج، ويبدأ المجتمع في إعادة تعريف ذاته وهويته ودوره في التاريخ. ومع الزمن تتراكم منتجات النهضة، وتبلغ مستوى عاليا من الجودة والوفرة والدقة والرقي، فيبدأ العالم في الالتفات إليها.
وتطلب الأمم الأخرى هذه المنتجات، ثم تحرص على اقتنائها، ثم تتجاوز ذلك إلى محاكاة طرق إنتاجها وفلسفتها. وقد يمتد التأثير إلى اللغة والأزياء والفنون والعلوم والمؤسسات التعليمية. ومع هذا الامتداد تتجاوز الفكرة حدودها الإقليمية وتتحول إلى “نموذج حضاري” قادر على الإلهام والتوجيه. وهكذا تنتقل النهضة من حدود مجتمعٍ ما إلى رحابة الإنسانية، فتصل إلى مستوى الحضارة العالمية، وتصبح إحدى القوى الثقافية التي تعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم.
وفي هذه اللحظة تبلغ الفكرة ذروة مسارها التاريخي، فتتحول من فكرة في عقل رجل واحد إلى حضارة تؤثر في ملايين البشر، وتتجاوز حدود الجغرافيا واللغة والعرق. وتصبح جزءا من التراث الإنساني المشترك.”
د. عبد الرزاق مقري
________
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 142
(2) راشد الغنوشي، “بين سيد قطب ومالك بن نبي”، مقال في موقع الجزيرة، يوم 1\02\2010
(3) مرايا الأمراء هي نصائح وتوجيهات كتبها حكماء لأمراء وملوك زمانهم في كيفية المحافظة على حكمهم وتسيير شؤون رعيتهم، وعن الأخلاق الجديرة بالقيادة والسلوك اللائق بالسادة وحيل الغلبة في مواجهة ملوك وأمراء الدول الأخرى، وتسمى في التراث الإسلامي “آدام الملوك” أو “الأحكام السلطانية”، ومنها كتاب “سير الملوك” لنظام الملك مؤسس المدارس النظامية ووزير السلاجقة، وكتاب “الأدب الصغير والأدب الكبير” لابن المقفع، وكتاب “بداية السلك في طبائع الملك” لابن الأزرق وغيرها، ويوجد في الحضارات الأخرى ما يقابلها، وتسمى في القواميس الغربية (Specula principum)
(4) انظر صحيح مسلم الحديث رقم 2897
(5) مقال كتبه في مجلة “الثورة الفرنسية” التي كانت تصدر في الجزائر باللغة الفرنسية، بتاريخ 16 نوفمبر 1965، ص 40
(6) انظر شهادة رابح مشهود في الموضوع: https://www.youtube.com/watch?v=KQii4rzRuVg
(7) زار جمال عبد الناصر، واقترب من بن بلة، وتحدث مع بومدين، فلم يجد في هؤلاء جميعا ما يفسح له المجال للمساهمة الجادة والفاعلة، والتي توازي مكانته، لتحقيق النهضة التي كان ينشدها.
الحضارة عند مفكرين آخرين من العالم الإسلامي (علي عزت بيغوفتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، عبد المجيد النار، محمد عابد الجابري، محمد أركون)
علي عزت بيغوفيتش (1925–2003)
يرى علي عزت بيغوفيتش أن الحضارة هي ثمرة التفاعل بين الروح والمادة، وأنها لا يمكن أن تزدهر إلا حين يتحقق الانسجام بين الإيمان والعقل، وبين العلم والأخلاق. ففي كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب”، يفرّق بين الثقافة والحضارة: فالثقافة عنده تعبّر عن الحياة الداخلية للإنسان — أي عن القيم، والمعتقدات، والإبداع الفني — بينما تعبّر الحضارة عن الجانب الخارجي، أي العلم والتنظيم والتقنية، يقول: “الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي”. الثقافة معناها “الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا”، أما الحضارة فتعني “فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة”، الثقافة هي “الخلق المستمر للذات”، أما الحضارة، فهي “التغيير المستمر للعالم“(1).
لكن الإسلام، في رأيه، يوحّد بين هذين البعدين، فلا يفصل بين الدين والدنيا، ولا بين الإنسان والعالم، بل يجمع بين التقدم المادي والسمو الأخلاقي في منظومة واحدة. ولذلك يرى بيغوفيتش أن الحضارة المادية الخالية من الروح تتحول إلى عبودية جديدة للآلة، وأن الإسلام هو الطريق إلى حضارة إنسانية متوازنة تُعيد للإنسان مكانته وكرامته.
أبو الأعلى المودودي (1903 – 1979)
يرى المودودي أن الحضارة الإسلامية هي الإسلام ذاته فيقول أن ” هذه الحضارة جامعة بين الدنيا والدين، ولا يجوز أن يعبر عنها بكلمة الدين، حسب مفهومه الضيق. وإنما هي نظام متكامل يشمل كل ما للإنسـان من أفـكار وآراء وأعمـال وأخلاق، في حياته الفردية أو العائلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. وإنما هي مجموعة المناهج والقوانين التي قررها الله سبحانه وتعالى لكل هذه الشؤون والشعب والمناهج المختلفة لحيـاة الإنسـان، هي المعبر عنها بكلمة دين الإسـلام أو الحضارة الإسلامية”(2).
سيد قطب (1906–1966).
يرى سيد قطب أن الحضارة الحقيقية ليست في العمران المادي ولا في التقدّم التقني، بل في تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وإخضاع حياته كلها لله وحده. فالحضارة، في نظره، هي ثمرة عقيدة التوحيد حين تتحوّل إلى منهج حياة، يوجّه الفكر والعلم والسياسة والاقتصاد وفق ميزان القيم الإلهية.
في كتابه معالم في الطريق (1964)، ينتقد سيد قطب ما يسمّيه “الجاهلية الحديثة” التي تقوم على العلم بلا إيمان، والمادية بلا أخلاق، ويرى أنها حضارة منحرفة عن الفطرة لأنها تفصل بين العلم والإيمان، وبين الوسيلة والغاية. ويؤكد أن الإسلام وحده قادر على بناء حضارة متوازنة، تُوحّد بين الروح والمادة، وتمنح الإنسان معنى لوجوده وسلوكه.
فالحضارة عنده هي تسخير العلم لخدمة القيم، وإقامة العدالة على أساس التوحيد. وهي تبدأ من تحرير الضمير الإنساني قبل بناء المعامل والمصانع. لذلك يؤكد أن الإسلام لم يأتِ ليؤسس “حضارة الآلة”، بل “حضارة الإنسان”، حيث تكون المادة في خدمة الروح، لا العكس.
فيذكر أن “الحضارة هي عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها، إنسانيا وخلقيا وعمليا وأدبيا وفنيا واجتماعيا وفق التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة. وبناء عـلى هذا فإن المجتمع الإسلامي – وهو المجتمع الذي يطبق شريعة الله في كل جوانب الحياة – هو وحده المتحضر. أما المجتمعات الأخرى التي تنكر وجود الله أصلا أو تجعل له ملكوت السموات وتعزله عن ملكوت الأرض أو لا تطبق شريعة الله في نظام الحياة ولا تحكم منهجه في حيـاة البشر، فهذه كلها مجتمعات جاهلية أو متخلفة”(3).
علي شريعاتي (1933–1977)
يرى علي شريعتي أنّ الحضارة ليست مجرد بنية مادية أو تقدّمٍ تقني، بل هي ثمرة الوعي بالذات والرسالة التاريخية للإنسان. فالحضارة عنده نتاج ما يسميه “الإنسان الملتزم”، أي الإنسان الذي يدرك مسؤوليته أمام الله والناس، ويسعى إلى تحويل الإيمان إلى فعلٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ محرِّر.
يربط شريعتي بين مفهوم الحضارة ومصطلحاته الفكرية المركزية مثل:
– النباهة (اليقظة) : وعي الإنسان بحقيقة ذاته وتاريخه.
– الاستحمار: حالة الخضوع الفكري للهيمنة الثقافية الغربية أو الدينية الجامدة.
– العودة إلى الذات: استعادة الهوية الروحية والثقافية الأصيلة بعد قرونٍ من التبعية.
– الاغتراب الحضاري: فقدان الإنسان لعلاقته بمعنى وجوده في ظل المادية الحديثة.
يقول شريعتي: «الحضارة هي الفوران الداخلي للروح التي تتحرر من التقليد، وتعيد صياغة العالم على ضوءالتوحيد».
ويعتبر أن الغرب قد أبدع في الكمّ وفشل في النوع، لأن علمه بلا قيم، وتقنيته بلا إنسان. أما الإسلام، فيحمل نموذج الحضارة التوحيدية التي توحّد بين العلم والإيمان، وبين العمل والعبادة، وبين الحرية والمسؤولية.
إنّ الحضارة في فكر شريعتي ليست “ماضٍ مجيد” ولا “استنساخًا للغرب”، بل حركة ثورية مستمرة تنبع من داخل الأمة لتجدد معناها ودورها في التاريخ.
عبد الوهاب المسيري (1838 – 2008)
يُعد عبد الوهاب المسيري من أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين، اشتهر بمشروعه الفكري حول نقد الحداثة الغربية، وبموسوعته الكبرى “اليهود واليهودية والصهيونية“، إضافةً إلى تحليله العميق لمفهوم العلمانية الشاملة ورؤيته المتوازنة للحضارة الإنسانية.
يرى عبد الوهاب المسيري أن الحضارة، في جوهرها، هي رؤية الإنسان للعالم (Worldview)، أي المنظومة الكلية التي تفسّر العلاقة بين الإله، والإنسان، والطبيعة، والمجتمع. ومن هنا تنقسم الحضارات — في نظره — إلى نوعين:
– حضارة توحيدية إنسانية تُبقي الله في مركز الكون، وترى الإنسان خليفة ومسؤولًا.
– حضارة مادية علمانية تنزع القداسة عن الوجود، وتحوّل الإنسان إلى أداة في منظومة إنتاج واستهلاك.
يبيّن المسيري في مشروعه الفكري، خصوصًا في كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، أن الحضارة الغربية الحديثة قامت على العلمانية الشاملة، أي فصل القيمة عن الفعل، والروح عن المادة. ولذلك فهي حضارة “كمّية” تُخضع كل شيء للمنفعة والتقنية، حتى الإنسان نفسه.
بينما الحضارة الإسلامية عنده حضارة “إنسانية توحيدية” تسعى إلى تحقيق التوازن بين المطلق والنسبي، والعقل والوحي، والمادة والروح. فالحضارة الحقيقية — كما يراها — ليست في التقدّم التقني، بل في قدرة الإنسان على التزام القيم في استخدام هذا التقدّم.
محمود محمد شاكر (1909–1997)
يعدّ محمود شاكر أحد كبار الأدباء والمفكرين العرب الذين قدّموا رؤية لغوية وروحية للحضارة تخالف التصورات المادية السائدة، فهو يرى أن الحضارة ليست ما يُرى بالعين من عمرانٍ وفنونٍ وصناعات، بل هي الروح الباطنة التي تبعث في الإنسان القدرة على البناء والإبداع. فليست الحضارة – في نظره – المظاهر الخارجية للقوة، بل السرّ الذي يعمل في إيجاد تلك المظاهر واستنباتها، فيؤكد أن: “الحضارة ليست هي العرض الظاهر من قوتها وبنيانها وفنونها وكل ما يقوم به نعت الحضارة، بل الحضارة هي السر الذي يعمل في إيجاد ذلك واستنباته، وإخراجه على الأرض واستثماره: هي سر الحبة التي تنبت الدوحة، والذرَّة التي تقوم بها المادة.”(4)، وهو ما يسميه شاكر العقيدة والعقل الإنساني حين يتفاعلان في وجدان الأمة، فينتج عنهما الفكر، واللغة، والأخلاق، والإبداع. فإذا انفصلت هذه المظاهر عن أصلها الروحي، أصبحت جثثًا بلا حياة. ينقد شاكر النظرة الغربية للحضارة التي اختزلتها في التقدم المادي، ويرى أن الأمة لا تُقيم حضارة إلا حين تستعيد روحها الأولى التي كوّنتها في لحظة الإيمان والوحي واللغة.
لذلك، فالحضارة عنده، ليست نقلًا عن الآخرين، بل ولادة من الذات، تبدأ من الفكرة التي تحيي القلب قبل أن تُشيّد البناء،
وتنتهي بإنسانٍ يحمل رسالةً لا آلةً تنتج سلعًا
حسين مؤنس ((1911–1996)
يُعدّ الدكتور حسين مؤنس من أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، برع في الكتابة التاريخية والفكر الحضاري، فكان عالما متبحرا في التاريخ ومفكرا رصينا في الحضارة. من أبرز مؤلفاته التاريخ والحضارة (1983) وله مؤلفات أخرى كثيرة منها: الحضارة الإسلامية والنهضة الأوروبية، المغرب والأندلس في عصر المرابطين والموحدين، التاريخ والمؤرخون في الحضارة العربي الإسلامية. وهو يرى أن الحضارة هي، بشكل بشكل عام، ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء كان هذا المجهود المبذول مقصودا أو غير مقصود، وسواء كانت ثمرة هذا الجهد مادية أو معنوية. وتتكون الحضارة الإنسانية عنده بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان، لأن الاكتشافات والابتكارات لا تكمل دفعة واحدة بل تحتاج إلى تجارب متكررة حتى يتوصل الإنسان إلى ثمارها ومنافعها ويتأكد منها، وهذه المعرفة التي تتجلى لكل شيء يصنعها الإنسان مع مرور الزمن وتسمى القيمة التراكمية (Cumulative value). يرى مؤنس أن دراسة الحضارات لا تتم إلا بدراسات التاريخ الذي هو ظرف هذه الحضارة”(5) وينقد النظريات البيئية والجنسية في نشوء الحضارات، ويعدّها نظريات عنصرية، فالحضارة عنده ظاهرة إنسانية عامة (6) لكل البشر .. وإنما تختلف الأقوام والأجناس في مستواهم الحضاري.
محمد عابد الجابري (1935 – 2010)
يرى محمد عابد الجابري أن الحضارة ليست استيرادًا لمظاهر القوة ولا تقليدًا للآخرين، بل هي فعل إبداعٍ داخليٍّ ينبع من وعي الأمة بذاتها وقدرتها على تحويل تراثها إلى طاقةٍ فكريةٍ خلاقة. فالحضارة، في نظره، لا تُقاس بالمباني والآلات، بل بالبنية العقلية والثقافية التي تُنتجها الأمم حين تتفاعل قيمها مع واقعها التاريخي والاجتماعي (7). ومن هذا المنطلق، يرفض الجابري مقولة “صراع الحضارات”، إذ يرى أن ما يشهده العالم المعاصر ليس صراعًا بين حضاراتٍ متقابلة، بل أزمة تعيشها الحضارة الغربية مع نفسها، نتيجة فقدانها التوازن بين العقل والأخلاق، وبين التقدّم المادي والإنساني(8). ويرى أن علاج التأخر التاريخي العربي لا يكون بإهمال التراث، بل بقراءته قراءة نقدية تستخلص عناصر الفاعلية من داخله (9)، لأن كل مشروعٍ حضاريٍّ حقيقيٍّ يبدأ من مساءلة الذات واستعادة الوعي بالجذور. فالأمة التي تفكر بتراثها تمتلك روحها، أما التي تنكره فتعرض نفسها للفراغ والانمحاء. لذلك يدعو الجابري إلى بناء عقلٍ عربيٍّ جديدٍ متحرّرٍ من قيود التقليد، يعتمد على العلم، دون أن يفقد هويته. كما يؤكد أن الإصلاح السياسي والديمقراطية والعقلانية هي الشروط الأساسية لأي نهضة حضارية (10)، إذ لا يمكن لعقلٍ مكبّلٍ بالاستبداد أن يبدع، ولا لمجتمعٍ محرومٍ من الحرية أن يصنع مستقبلًا. فالحضارة عند الجابري هي توازنٌ بين الأصالة والمعاصرة، بين الإيمان بالعقل والانفتاح على القيم، وهي مشروعٌ دائم لبناء الإنسان القادر على تجاوز ذاته والتاريخ معًا.
عبد المجيد النجار (1945 ـ )
يُعدّ عبد المجيد النجار من أبرز الكتاب والمفكرين الذي تناولوا موضوع الحضارة بجدية كبيرة بما يجعل مطالعة مساهماته تغني عن قراءة كثير من الكتب في الموضوع، وأهم مؤلف كتبه هو كتاب “الشهود الحضاري للأمة الإسلامية” من ثلاث أجزاء: فقه التحضر الإسلامي، عوامل التحضر الإسلامي، مشاريع التحضر الإسلامي. وقد تميز الدكتور النجار بسبقة للعثور على مصلح للحضارة من ترثنا الإسلامي هو مصطلح “الشهود” الذي جاء في قوله تعالي: (( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) (11)، وهو سبق جيد ومطلوب لو يُكتب له الرواج، حيث أن مصطلح الحضارة غير موجود في النصوص الإسلامية، ولكن كلمة حضارة مشتقة من “حضور” والشهود يقتضي الحضور. ويقول عن المصطلح: “تفيد مادة (شهد) لغويا معاني الحضور، والعلم، والبيان والتبليغ، ومن حيث النّظم تفيد معنى المناعة والعزة والنفاسة، وذلك لأنها علة الوسطية، والوسطية تتضمن هذه المعاني كما بينه المفسرون”(12). يعتبر النجار أن التحضر لا ينشأ ولا ينمو إلا بعوامل فاعلة تؤدي، إذا اجتمعت في مجتمع ما، إلى ظهور حياة حضارية فيه، ويرجع بعض هذه العوامل إلى الإنسان نفسه، وبعضها إلى البيئة الطبيعية التي يعيش فيها. ويؤكد أن التحضر لا يحمل في الأصل معنى قيميا، بل هو وصف موضوعي، فقد يكون محققا للسعادة فيكون خيرا وصلاحا، وقد لا يكون محققا لها فلا يكون كذلك. لقد قدم النجار دراسة وافيه في الحضارة في كتابه “الشهود الحضاري”، تحدث في الجزء الأول منه عن “فقه التحضر” فتناول فيه الإطار العقائدي (الخلافية لله)، والعلاقة بالبيئة الكونية (ارتفاق الكون)، وفي الجزء الثاني عن “عوامل التحضر” فقام بتقييم الواقع الإسلامي، وركز على أهمية ترشيد الاعتقاد، وتسديد الفكر، وفي الدفع نحو النفير الحضاري فرديا وجماعيا نحو البناء، وإقامة سلطان الإنجاز للتنفيذ الفعلي للرؤى الإصلاحية الدافعة للتحضر، وفي الجزء الثالث تناول “مشاريع التحضر ” التي قامت في الأمة وتحديد مواقع قوتها وضعفها على ضوء فقه التحضر وعوامله.
_______
(1) علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة إسماعيل علي المقدّم (القاهرة: دار الشروق، 1994)، صـ 87–91.
(2) أبو الأعلى المودودي، الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها، ترجمة محمد عاصم الحداد، الدار العربية، بيروت، 1970، ص 228
(3) سيد قطب، معالم في الطريق، ط10، دار الشروق، بيروت، 1983، ص 116ـ117.
(4) مجلة الرسالة، العدد 366، بتاريخ 8/7/1940م.
(5) حسين مؤنس، الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة، الكويت، 1970، ص 13
المرجع نفسه، ص (6) 44
(7) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص. 14–18
(8) محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995، ص. 43–45
(9) محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991، ص. 26–31
(10) محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص. 22–25
(11) سورة البقرة ـ الآية 143
(12) عبد المجيد النجار، الشهود الحضاري الإسلامي (ج1: فقه التحضر الإسلامي)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1999، ص 10
حين يطلب من المؤسسات والمدارس الكشف عن تعاطي الأفراد للمخدرات فهذا اعتراف بأن الآفة منتشرة انتشارا مذهلا، وهذا الذي تم التنبيه إليه كثيرا.
إن هذا الإجراء جيد ولكن الأهم منه هو محاربة مصدر البلاء، أي القضاء على الصناعة الإجرامية لهذه المهلوسات، ومحاربة تهريبها وتجارتها بلا هوادة.
ويجب الانتباه إلى التقارير الإعلامية والمعلومات الشائعة عن المصانع القائمة خارج حدودنا الشرقية التي تتخصص في إرسال السموم إلى بلادنا. لم يصبح الحشيش الذي يأتينا من حدودنا الغربية وحده هو الخطر، هناك خطر أعظم يأتي من الشرق.
لقد أصبحت المخدرات استراتيجية حربية ضد الجزائر، يحركها الاستهداف السياسي، ولكن يروجها الربح السريع، لقد أصبحت تجارة المخدرات مصدرا للثراء العظيم لدى البارونات، ومصدرا للاسترزاق لدى العديد من الأفراد والعائلات لكثرة رواجها.
إن معالجة هذه الآفة يجب أن تكون شاملة: أمنيا بالمحاربة الصارمة للمصدر والبارونات والمروجين، وتنمويا لرفع مستوى المعيشة وتوفير الشغل المجزئ للشباب، ودينيا بتذكير الناس في المساجد بحرمة المخدرات والاسترزاق منها وعبر برامج التوجيه والتنبيه الدينية المختلفة، وببناء الإنسان الذي يراقبه ضميره وخوفه من الله، وعائليا بتحسيس الأولياء بمخاطر المخدرات على كل أفراد العائلة وليقوم الوالدين بمسؤولياتهم تجاه أولادهم، وتربويّا بالتوعية وعدم التساهل مع المروجين والمستهلكين داخل المدارس وفي محيطها، ومجتمعيا بنشاط مؤسسات المجتمع المدني والبرامج المجتمعية التوعوية ومرافقة المدمنين، و إعلاميا بالبرامج الاستطلاعية والتوعوية والتوجيهية بإشراك مختلف التخصصات، وصحيا بحملات الوقاية، وإنشاء مراكز العلاج بالعدد الكافي والجودة اللازمة والخدمات المتقنة، والأسعار المعقولة.
عبد الرزاق مقري.
يُعدّ مالك بن نبي من أبرز المفكرين الذين اهتموا بموضوع الحضارة ورؤية الاستنهاض الحضاري في العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين. وقد أعددت وقدمت برنامجا من خمس وعشرين حلقة عن رؤى مالك بن نبي في مسألة الحضارة تحت عنوان ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور: مع بن نبي”(1)، وأودعت نصوص البرنامج كاملة في الفصل الثاني من هذا الكتاب، ونقدم هاهنا مختصرا عن رؤيته في مسائل الحضارة.
لم يكتف بن نبي بتقييم وتحليل ونقد حالة التخلف التي يعرفها المسلمون، منذ مرحلة ما بعد الموحدين، وفق التوقيت الذي وضعه واشتهر به، بل قدّم مشروعًا فكريًا متكاملاً لفهم وتتبع نشوء الحضارات وأفولها. وقد مثّل مشروعه الفكري استجابة جادة للتحديات التي واجهتها المجتمعات الإسلامية بعد فترة الاستعمار. لم تخل أفكار بن نبي من تأثره بتجربته الشخصية في الجزائر، ومعارفه الواسعة عن الفلسفة وعلم الكلام في التاريخ الإسلامي، كما كان لاطلاعه الواسع والعميق على الفكر الغربي أثر كبير في إسهاماته الفكرية.
يؤكد مالك بن نبي في مقاربته الحضارية على البون الشاسع بين المجتمعات التي تصنع المنتجات الحضارية من منطلق أهليتها الحضارية واعتمادها في نشأة حضارتها على قيمها التي أودعتها في كل منتجاتها، والمجتمعات التي تكدس المنتجات الحضارية، وتستهلكها بنهم، هي والقيم التي بداخلها، إذ لم يكن لها أي دور في إنتاج تلك المنتجات الحضارية.
وقد ابتكر في هذا السياق تعريفًا علميا للحضارة يعتمد على المقاربة التركيبية، فهو يعدّ المنتجات المادية والتقدم التقني منتج تلقائي للصيرورة الحضارية، ولا علاقة لذلك بالنشأة الحضارية التي لا تكون إلا من خلال التفاعل المحكم والفعّال بين ثلاثة عناصر “الإنسان، التراب، والوقت” حين يدخل عليها المعامل الديني، أو ما يسميه بالفكرة الدينية. وقد عبّر عن ذلك في معادلته الشهيرة: االحضارة = الإنسان + التراب + الوقت + الفكرة الدينية(2).
تعكس هذه المعادلة رؤيته الشاملة في أنه لا يُكتفى بالنظر في دراسة الحضارات إلى زاوية قوتها المادية وما تتيحه منتجاتها من رفاه للإنسان، ولكن يُنظر أولا إلى القيم الروحية والأفكار الإنسانية المرتبطة بالوحي التي صاحبتها أثناء النشأة، وأخيرا إلى حال المنظومة القيمية التي هي عليها أثناء قوتها وألقها. فالفكرة الدينية في معادلة بن نبي تمثل القوة الدافعة للارتقاء الإنساني والدليل الموجِّه لكل إنسان في كيفية تثمين الموارد المادية المتوفرة في كل مكان، والموارد الزمنية السائرة في حياة البشر كلهم، والتي لا تنفذ إلا بنفاذ الحياة، فلا تقدم حقيقي ما لم تكن الفكرة الدينية هي روحه، من حيث أنها تمثل المحرك الداخلي الذي يفعّل الإنسان ويمنحه المعنى الحقيقي للوجود، ويقوده نحو العمل والتأثير والتغيير.
لا تبزغ الحضارة، عند مالك بن نبي، إلا من فكرة مركزية تغير الإنسان من داخله، وهو كثيرا مع يكرر الاستشهاد بقوله تعالى: (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))(3)، فالفكرة التي تغير الإنسان تغيرا جذريا هي الفكرة الدينية إذ هي التي تعيد تشكيل وعي الإنسان، وتعطيه طاقة روحية عظيمة تهوّن عليه المتاعب والمخاطر، وتمنحه تصورًا للكون والحياة والمصير، وتؤسس لتعاقد أخلاقي بين الفرد والمجتمع، وتوجّه الطاقات نحو مشروع نهضوي مشترك.
وقد مثّل لذلك ببعثة النبي محمد ﷺ، التي اعتبرها نقطة تحوّل حضاري كبرى، إذ لم تكن فقط حدثًا دينيًا، بل لحظة تأسيسية لحضارة جديدة بُنيت على قاعدة من الإيمان والوعي والعمل. فالتغيير بدأ من إعادة بناء الإنسان، ثم امتدّ ليشمل النظام الاجتماعي والسياسي والعلمي. وحتى حينما يتحدث عن تاريخ الحضارة الغربية فإنه يعود بأصلها إلى النهضة الكاثوليكية الكارولنجية الجرمانية في القرن التاسع الميلادي، وما الانفصال القائم اليوم بين القيم المسيحية والحضارة الغربية في رأيه إلا تعبير عن مرحلة متأخرة في حياة هذه الحضارة.
يشدّد بن نبي على أن الإنسان هو جوهر العملية الحضارية، ويقدم أوصافا دقيقة للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ونقيضه. فبقدر ما يشِيد بظاهرة البطولة في تاريخ الرجال الذين ينهضون للدفاع عن حريتهم وثقافتهم وقيمهم، وبدورهم في المحافظة على مصير قضاياهم، فهو يعدّ كثيرا من تلك البطولات في التاريخ ملاحم كملاحم الأوديسا والإلياذة لا توجّه الشعوب نحو مشروع حضاري جماعي بأهداف طموحة وواقعية محددة لا تزول بذهاب الأبطال، وينفي الأهلية الحضارية من جهة أخرى على الإنسان العاجز والكسول، والذي يسميه “رجل القلة” من حيث أنه لا يثق في نفسه، وحيثما توجه – في أي عمل يريده – يبقى في منتصف الطريق، فهو مشلول الإرادة، عبء على الحضارة لا منشئ لها. إنما الإنسان المؤهل لصناعة الحضارة، عند مالك بن نبي، هو ذلك الإنسان الواعي المبادر الواثق في نفسه، المتشبع بقيم دينه وثقافته، فشتّان عنده بين “الإنسان الفاعل” الذي يثور على واقعه البئيس ليحوله وفق رؤية حضارية تتوافق مع قيمه، و”الإنسان السلبي” الذي يستهلك منتجات الغير ويعيش في حالة من الكسل الذهني والتقليد.
قسّم مالك بن نبي مسار الحضارة إلى ثلاث مراحل متعاقبة (4):
– مرحلة الروح: وفيها تُولد الفكرة المركزية، ويكون الإنسان مفعمًا بالحافز الروحي الذي يدفعه إلى الفعل والعمل والتضحية.
– مرحلة العقل: وهي مرحلة التنظيم والبناء، حيث تبدأ المؤسسات بالتشكّل، وتنمو المعارف، وتتبلور النظم السياسية والعلمية.
– مرحلة الغريزة: وهي مرحلة الانحدار، حين تضعف الفكرة المركزية، وتسود النزعات المادية، ويصبح الإنسان خاضعًا للغرائز والاستهلاك.
يشبِه هذا النموذج في بعض أوجهه فكرة الأطوار الخمسة والأجيال الثلاثة التي يقدمها ابن خلدون في شرح “دورة الحضارة” وقيام وسقوط الدول، ويمكن أن نجعل ما ذكره ابن خلدون عن العدل والخلال الحميدة وأثر الدين في ضمان قوة الدول واستمرارها وتوسعها قريب مما تحدث عنه بن نبي في أثر الروح في نشأة الحضارة، غير أن بن نبي يقدم أطروحة أكثر وضوحا في هذا الشأن.
يرى بن نبي أن أزمة المجتمعات الإسلامية ليست في الموارد أو الإمكانيات، فهو يؤكد بأن الخليقة كلها تعيش على نفس الأرض، وتتعامل مع نفس التراب، والزمن متوفر بوفرة كبيرة لكل الناس، بل المشكلة في الإنسان وفي طريقة تفكيره ومقارباته الثقافية. ويفرّق بين “الثقافة الحية” التي تبني الإنسان والمجتمع، و”الثقافة التكديسية” التي تملأ الأذهان بالمعلومات والمظاهر دون رابط عضوي بينها(4).
إن بناء الحضارة – وفقًا له – يفرض على الإنسان أن يغير ما بنفسه، بأن يَحدث له تغييرٌ جوهري في بنيته الذهنية والنفسية، ف”يمشي في التاريخ” بنظرة مستقبلية ثاقبة تنطلق من قيمه وأبعاده القيمية والدينية، وذلك ـ كما يقول ـ حين تسجل الفكر في الأنفس ـ فتتغير علاقته بالموارد المادية والزمنية، بما يجعله منشئا لحضارة هي حضارته، وتصبح علاقاته بالحضارة الغربية الغالبة حضارة إيجابية ذات نفع متبادل، بفهم عميق لفلستها وخصوصياتها، دون تقليد أجوف أو تبعية مارقة، بل يتطلع ليرتفع بسمويه الإيماني والأخلاقي وبقيمه الإنسانية الإسلامية فوق سطح تلك الحضارة المادية ليرويها ويحييها بعد أن جعلتها المادية والفردانية بلا معني، في حالة جدب أخلاقي يكاد ينهيها، فتكون انطلاقة دورة حضارية جديدة، روحها الوحي القرآني.
طرح مالك بن نبي مفهومًا بالغ الأهمية لفهم أسباب التخلف في العالم الإسلامي، هو “القابلية للاستعمار”، والذي يعني استعدادًا نفسيًا وفكريًا في المجتمعات المتخلفة لتقبّل التبعية والهيمنة(5). لا يرجع بن نبي هذه القابلية إلى عوامل خارجية فقط، بل يرى أنها ناتجة عن تراكم تاريخي من الانحطاط الفكري، والانفصال عن الفكرة الدافعة، وفقدان المشروع الجماعي. يُعدّ مفهوم “القابلية للاستعمار” من أكثر المفاهيم التي نبه إليها حتى صارت أيقونة أخرى يعرّف بها، وهو مفهوم يتضمن من العبقرية والتجديد ما يساعد على فهم أسباب تخلف المسلمين ومعاناتهم، فهو لا يُحمِّل المحتلَ مسؤولية الاستعمار والتخلف الذي يعاني منه المسلمون وحده، بل يكشف أسبابه الداخلية ويوجه المسلمين إلى النظر إلى عيوب كبيرة فيهم، كالنفسية الانهزامية، وعدم الثقة في النفس، والانفصال عن الثقافة الدافعة للعمل، وغياب المشروع الحضاري، وفساد الأذواق، وانطفاء الإرادة (6). فالتحرر – في رأيه – “لا يبدأ من الجغرافيا بل من الإنسان نفسه، من وعيه بذاته، واسترجاع حريته الداخلية”.
وقد ساهم هذا المفهوم في نشوء حركة فكرية في العالم العربي والإسلامي، تغوص في أسباب التخلف، تمقت خطاب التبرير وتشجع على النقد الذاتي، تحرر الإنسان من التواكل و”الانتظارية” والاعتماد على المخلص الخارجي، لمواجهة الاستعمار ومخلفاته بإصلاح الذات. فقد بين رحمه الله أن الاستعمار لم يكن فقط غزوًا عسكريًا، بل منظومة فكرية وثقافية هدفت إلى إعادة تشكيل الإنسان المستعمَر، ومسخ هويته، وإدخاله في دائرة التبعية الدائمة، حتى ظل هو ذاته يقبل الاستعمار ويخضع له، وبات واضحا عندئذ أن مقاومة هذا الاستعمار لا تكون فقط بالسلاح، بل بإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. وقد كان تأثر مالك بن نبي بالشيخ عبد الحميد بن باديس كبيرا في السنوات العشر الأولى من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لأنه رأى بأن دوره الأساسي في الجزائر كان إصلاح النفوس وإعداد الأجيال التي تنهي الاستعمار. ويؤكد في سياق ذلك أنه رغم الإقرار بتفوّق الغرب المستعمِر علميا وتقنيا، فإن حضارته الغربية التي يريد فرضها بقيمها على المستعمَر قد بلغت مرحلة الغريزة، ولهذا يحذّر من أن استنساخ هذا النموذج، دون وعي ببنيته وأزماته، قد يؤدي إلى اغتراب داخلي وتعمق في التخلف من جديد(7).
في كتابه الشهير “شروط النهضة”، يضع بن نبي معالم أساسية لصياغة مشروع حضاري إسلامي جديد، من أهمها (8) : تحرير الفكر من الخرافة والجمود والتقليد، استعادة مركزية الفكرة الدينية بوصفها دافعًا للعمل والبناء، نشر ثقافة الانضباط والعلم والعمل واستغلال الموارد، تجويد الأذواق والحس الجمالي، إعادة النظر في الوظيفة السياسية وسلوكيات الساسة، التأسيس لعلاقة عقلانية بين الإنسان والعلم والسلطة، إعادة الاعتبار للزمن كعنصر أساسي في المعادلة الحضارية. فمن شأن هذه المعالم، حسب بن نبي، أن تجعل المسلم قادرا على إعادة بناء نموجه الحضاري الخاص، واستلهام القيم العالمية المشتركة ضمن رؤية إسلامية أصيلة، بالاعتماد على عناصر قوته الذاتية، فلا ينبهر بالحضارة الغربية العطشاء، بل يستطيع أن ينفعها بإعادتها إلى الرواء من نهر القيم الذي يملك المسلمون منابعه لو ارتفعوا بقيمهم فوق سطح الحضارة الغربية.
إن فكر مالك بن نبي لا يزال حيًّا وملهمًا، لأنه لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يفتح أفق التفكير، ويدفع القارئ إلى مراجعة ذاته وتاريخ أمّته، والسعي لصياغة مشروع حضاري يعيد للإنسان المسلم دوره الفاعل في التاريخ. فقد جمع بين عمق التحليل ووضوح الفكرة، ودمج بين الروحي والمادي في صياغة رؤية متكاملة للنهضة، تجعل من الإنسان نقطة الانطلاق، ومن الفكرة الدينية مصدر الدفع، ومن الثقافة ميدان البناء.
للأسف الشديد عرف مالك بن نبي نفس مصير عبد الرحمن ابن خلدون وربما أكثر، حيث تعرض للتضييق الشديد في فرنسا أثناء دراسته بسبب نشاطه الفكري بين الطلبة، ومنع من العمل حتى اضطر إلى الشغل في مهن بسيطة من أجل لقمة العيش في بلدية درو، ودرّس للمهاجرين في مارسيليا. ولما اكتشف المستشرق ماسينيون عبقريته وقدراته الفذة حاول أن يدمجه في دوائره الاستشارقية مع عدد من المثقفين العرب الآخرين، ولما قاومه تعرض هو وزوجته لإيذاء شديد على يده.
وبعد أن كان ابن نبي من أكبر المعجبين بعبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين تشكلت جفوة كبيرة بينه وبين قادة الجمعية حين انتقدهم بسبب مشاركتهم في وفد المطالبة بالحقوق ومحاورة الحكومة الفرنسية جنبا إلى جنب مع السياسيين الجزائريين دعاة الإدماج في فترة الاحتلال الفرنسي، وأصبح يشعر بأنه يهمش من قبل شركاء العمل الإصلاحي في بلاده. كما تعامل معه جزء معتبر من الحركات الإسلامية الجزائرية بعد الاستقلال بجفاء فحرمت من أفكاره لعقود طويلة حيث كانت تكتفي بالبعد العقائدي في الصراع، وتركز على البعد الشرعي في تكوينها دون مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وتكتلات المصالح وتنوع الأفكار. ولكن نرى اليوم أن فكر بن نبي يعود إلى الساحة ضمن التحولات والتحديات الجدية، فاستفادت منه دول، كتركيا وماليزيا، وصار أعماله الفكرية محل اهتمام ودراسة في الجامعات والمؤتمرات ومراكز الدراسات.
د. عبد الرزاق مقري
_____
(1) نشر على اليوتيوب في مارس 2024 بشهر رمضان.
(2) مالك بن نبي، مشكلات الحضارة: شروط النهضة، دار الفكر، ط4، 2002، ص59
(3) سورة الرعد الآية 11
(4) مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر، ط5، 2005، ص 117
(5) شروط النهضة، ص92.
(6) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، دار الفكر، ط3، 2002، ص75.
(7) مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة، دار الفكر، ط3، 200، ص42-45
(8) عبد الرزاق مقري، برنامج الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور: مع بن نبي: البرنامج على اليوتيوب. وانظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، ص105–120.
لا شك أن كل إنسان سوي له تعلق بقطره، وبلدته وقريته وعائلته أكثر من الأماكن الأخرى في الدنيا، فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعلق خاص بمكة باعتبارها مسقط رأسه، وقد خاطبها صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن ابن عباس، فقال: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ.) . كما أحب المدينة، باعتبارها البلدة التي نصرته وأقام فيها، وبنى فيها دولته، فجعلها ثاني الحرمين كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن عبّاد بن تميم عن عمه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: “إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا “، ووالى أهلها الذين نصروه فقال: لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار واديا أوشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار)). ونحن نتعلق ببلدنا ونحبه لأنه مسقط رأسنا وفيه نشأنا وأفضاله علينا لا حد لها، والتضحيات من أجل استقلاله عظيمة، إذ حدوده في شرقه وغربه وشماله وجنوبه رسمته دماء الشهداء، لم تخط خريطته أقلام المحتلين، فلا مزية لأحد، بعد الله، على استقلاله وتمام حدوده سوى دماء الشهداء وفداء المجاهدين، والجزائريون في التعلق بوطنهم متساوون.
غير أن القطرية أذا تحولت إلى شوفينية تصبح أداة تدمير للوطن وأهله، والشوفينية (le chauvinisme ) بالتعريف القاموسي: هي “تحول الولاء المحمود للوطن والقوم والعائلة إلى انحراف عنصري وعدم الاهتمام بالغير وكسر وشائج الإنسانية المختلفة، والشعور بالغرور والاستعلاء والعمل على ازدراء الآخرين والتعالي عليهم “. وهذا الذي أصبحنا نسمعه من بعض بني وطننا، وكأن العقل والرزانة والحكمة غابت كلية، وكأن حب الوطن شرطه الانفصال عن كل الوشائج التي تربطنا بالآخرين، ولو كانوا من قومنا وذوي ديننا وعقيدتنا.
والمشكلة أن هذا الشعور تمدد إلى القضية الفلسطينية ذاتها فأصبحنا نسمع بعض الناس في بلادنا يقولون: “لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”، “مشاكلنا تكفينا”، “لا نغامر بمصالح بلدنا من أجل فلسطين”، “نحن بعيدون على فلسطين جغرافيا”، “نخشى من الحصار أو أن تصيبنا المصائب من أجل فلسطين”.
يأتينا في كل سنة، بمناسبة الإسراء والمعراج، ما يفنّد هذا الاتجاه المنحرف فيذكرنا بطبيعة علاقتنا بفلسطين، لينتبه الناس في هذه الذكرى بأن ما يجمعنا بفلسطين يتجاوز الحدود الجغرافية لبلداننا ويرفعنا إلى آفاق علوية مشدودة بحبال العقيدة والدين، التي حين نكون في قبورنا لا يسألنا الله إلا عنها، إذ في هذا اليوم أسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، لتُربط العلاقة الأبدية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى بنص قرآني خالد، يضفي فيه الله تعالى على هذه البقعة الطاهرة وعلى ما ومن حولها بركة أبدية، فيقول سبحانه في سورة الإسراء : (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) [سورة الإسراء.1].
إنه لا يمكن لمسلم يزعم أنه يؤمن بالقرآن الكريم والسنة النبوية أن يتجاهل سورة الإسراء وأن لا يقف عند حادثة الإسراء والمعراج متدبرا متأملا، متشوقا أن يزور المسجد الأقصى ذات يوم ليصلي فيه محررا، مستعدا للتضحية الدائمة من أجله، وأن يكون ذلك جزء من وطنيته.
غير أن طبيعة القضية الفلسطينية وتشعباتها لا تدعنا نكتفي بالذكرى الدينية، بمناسبة الإسراء والمعراج، على أهميتها المركزية، فلو أردنا أن نركز هذه السنة على تحديات القطرية الشوفينية في مناصرة القضية، سنتذكر بالمناسبة كيف أن الدولة الصهيونية لا تهم الإسرائيليين المحتلين لفلسطين فقط بل هي قضية الدول الغربية كلها، وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة. فلنتأمل في هذا البعد الدولي لدولة الاحتلال، هل يصح أن يقابل ببعد قطري ضيق؟ ثم لنتدبر في أسباب هذا التحالف العالمي المناصر لهذا الاحتلال الغاشم، أليس السبب هو أن يكون الصهيانة حراسا للمصالح الغربية التي لا تضمن إلا باستمرار تخلفنا وضعفنا وتشتتنا؟ هل يطمع قطرٌ من الأقطار حول فلسطين وفي أطراف الأمة أن يهنأ ويستقر ويزدهر بوجود هذا الكيان؟ ألا يفهم أحدنا بأن أولئك الأبطال الذين يقاومون، لا يفعلون ذلك من أجل بلدهم فقط بل من أمتنا كلها وأقطارنا كلها؟ وأن أولئك المشردين الذين يموتون بالقصف وبالجوع والبرد يضحون من أجلنا جميعا؟
ثم لننظر إلى الذين استسلموا وطبّعوا، هل هنئوا؟ هل احترمهم الصهاينة؟ هل توقف ابتزاز الأمريكيين لهم؟ ألا ننظر إلى حالهم كيف يسوء، من زاوية أو أخرى، يوما بعد يوم؟
ثم لننظر إلى البعد العقائدي الجامع الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، كيف يحتمون جميعا على أساس عقائدي كوني، باتوا يصرّحون به جهارا نهارا، ونريد نحن أن نغلق على أنفسنا في أقطارنا؟ ألا نفهم قوله تعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) [سورة البقرة:120].
وإن كان ثمة من يعتقد بأن الخلاص في خفظ الرأس أمام اليهود والنصارى فإنه واهم، فهم لن يرضوا إلا باتباع ملتهم، و بالاستسلام التام، الذي معناه خدمة مصالحهم على حساب مصالح الوطن. وإن رضي بعضنا بهذا، من أجل مصالح شخصية أو أيديولوجية، فهل يطمع أن يتحقق له بهذا الاستقرار؟ كيف يتحقق ذلك وفي بلداننا شعوب أبية ونخب مضحية؟ كل ما يفعله هؤلاء المستسلمون أنه بدل التحصن بعد الله ببعضنا البعض في مواجهة هؤلاء الظلمة ينقلون المعركة إلى صفنا الداخلي ليفتن بعضنا بعضا حتى نضعف جميعا.
ولنتأمل في البعد التاريخي كذلك، ما الذي جعل أبي مدين الغوث ينتقل برجاله من الجزائر إلى فلسطين فيخلّدوا وجودنا في حارة المغاربة بالوقف الذي منحهم إياه صلاح الدين الأيوبي نظير جهادهم وبطولاتهم وتميزهم في التضحية والفداء؟ أليست هذه هي طبيعة المغاربة وطبيعة الجزائريين ومن تبعهم بإحسان في جمعية العلماء والحركة الوطنية وفي دولة الاستقلال إلى يومنا هذا؟ فكيف يطمع بعض الضعفاء أن يغيّروا فكر وعقيدة شعوبنا ومؤسساتنا؟
وفي الأخير، لنذكّر الذين يقولون نخشى من الحصار وأن يصبنا السوء لو بقينا ندعم فلسطين بقوله تعالى: (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ)) [ المائدة: 52]، وسياق الآية، كما يقول المفسرون، أن الله تعالى يخبر عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: “فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح “مكة”- وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم.
ألا نرى التشابه ؟
وقد رأينا في مرات عديدة موجات تطبيعية عالية، كما حدث في بداية سنة 2000، رفع فيها أصحاب القلوب المريضة رؤوسهم واستغلوا فرصة استضعاف شديدة للفلسطينيين والعالم الإسلامي، ثم تغيرت الأمور وارتفع شأن القضية الفلسطينية وافتضح أمر المطبعين وأخذوا يبررون مواقفهم، ويحاولون الظهور بخدمة القضية، وهو أمر سيتحقق لا محالة في آخر طوفان الأقصى، وقد بدأته شعوب من غير المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وما هذا الهيجان الذي يخشاه بعض الناس في سلوك نتنياهو وترمب إلا إرهاصات النهاية، نهاية الظلم والعدوان بحول الله .. ((وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ..)).
د. عبد الرزاق مقري
يُعدّ عبد الرحمن بن خلدون من أعظم مفكري الحضارة الإسلامية، ومؤسّس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع من خلال نظريته في العمران البشري. جمع بين التجربة السياسية والنظر العقلي، ففسّر نشوء الدول والحضارات وسقوطها وفق سننٍ اجتماعيةٍ ثابتة. اشتهر بنظريته في الأطوار الخمسة للدولة والأجيال الثلاثة التي تنتقل من القوة إلى الضعف، وبمقولته الخالدة “الظلم مؤذن بخراب العمران” التي تُعبّر عن فهمه العميق للعلاقة بين العدل ودوام الملك. ورأى أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب في لباسه وعاداته وفكره، لأنّ الغالب يملك سطوة النموذج والمثال. وفي الاقتصاد، حذّر من فساد الأسواق حين ينافس الحكامُ التجار، واعتبر أن الجباية والترف من علامات انهيار الدول. لقد أقام ابن خلدون فكرًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وصاغ رؤيةً خالدة في دورة العمران الإنساني لا تزال صالحة لتفسير سنن الحضارة عبر العصور.
لقد اهتم كثير من العلماء بمسألة الدائرة الحضارية للأمم، وبقضية نهوض وسقوط الحضارات، من خلال علم التاريخ القديم والحديث، ولكن يعدّ عبد الرحمن بن خلدون المرجع المؤسس لهذا العلم في البشرية جمعاء.
لقد كان ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، إذ لم يكتف بسرد الوقائع التاريخية كما فعل من قبلَه، بل استخرج منها قواعد السنن الاجتماعية ليفهم الناس أسباب الرقي والتدهور البشري، وقيام وسقوط الدول. فهو يقول في تعريف التاريخ: “في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيَّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتؤدِّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمَّروا في الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق”(1).
حينما تحدث ابن خلدون عن الحضارة، لم يكن المصطلح دقيقًا كما هو اليوم. فقد تناول مفاهيم الدولة، والعمران، والحضارة بشكل متداخل، إلى درجة يُخيّل معها لغير المتخصص أنه يتحدث عن موضوع واحد.
وهذا أمر شائع عند المفكرين الذين يكتبون بزخم فكري، حيث يكون التركيز على المعنى العميق أكثر من تدقيق الألفاظ، خاصةً حين لا تتاح لهم فرصة مراجعة مصطلحاتهم أو عرضها في حلقات علمية. لكن بالتدقيق في استعمالاته، نفهم بوضوح الترابط بين المفاهيم الثلاثة. فابن خلدون يرى أن “مقصد العصبية هو الدولة، وغاية الدولة هو العمران، ونهاية العمران هو الحضارة”(2). فالدولة عنده لا تقوم إلا بعصبية قوية تطلب المُلك، وتغلب العصبيات الأخرى، وخاصةً إذا كانت العصبية الحاكمة قد ضعفت. وحين يستقر المُلك للعصبية الغالبة، يتجه أصحابها إلى تأسيس العمران وتنميته في شؤون الحياة كافة، وهو ما نسمّيه اليوم “النهضة”. يتطور العمران إلى أن يبلغ مستوىً عال من التقدّم الثقافي والاجتماعي والفني، فتنشأ الحضارة التي يراها ابن خلدون في بعدها الاجتماعي والسياسي بأنها قمة العمران والتحكم في الصنائع وأعلى درجات التطور الاجتماعي، وفي بعدها الشخصي بأنها: “تفنّن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش وسائر عوائد المنزل”(3). فإذا “أخذت الدولة في الترف وبلوغ غايته، فسرعان ما ينهار ما شُيّد، ويبدأ الهرم يدبّ في أوصالها، فإن الترف يفسد الأخلاق ويُميت الهمم، ويجلب العجز عن الكسب والمعاش. فإذا رسخ ذلك في النفوس وصار خُلقًا وغريزة، ضعفت الدولة عن الدفاع وسقطت الهيبة، وبدأت في طريق الانقراض” (4)
إن التأمل في أسباب سقوط ونهوض الدول والحضارات، ودراسة ما ذهب إليه العديد من العلماء والمفكرين في تناولهم للموضوع يؤكد أن ما ذهب إليه ابن خلدون يسهم أكثر في فهم أحوال الدول والحضارات. وقد حاولت إسقاط ما توصلت إليه في هذا الشأن في برنامجي “تحدي العبور” (5)، حيث شرحت أن نهوض وسقوط المنظمات والدول والأمم والحضارات يكون على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة يحملها شخص يُقنع بها مجموعة من الأشخاص حوله فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته، ثم يتوصل هؤلاء الأشخاص ومن تبعهم إلى نشر الفكرة في المجتمع بالدعوة إليها وتأسيس تنظيمات ومؤسسات مختلفة ومراكز تأثير تديم نشاطهم وتعمق أثرهم حتى ترسخ الفكرة في المجتمع وتستحكم في مختلف مستوياته وشرائحه، بل يصبح لها أنصار وربما أتباع داخل مؤسسات الحكم، إلى أن تتجاوز في انتشارها وتأثيرها الأشخاص والتنظيمات التي أنشأتها أو دعت إليها، فتنتقل الفكرة ورجالها إلى الدولة، فإن كانت الفكرة صحيحة وأصحابها ذوو قوة وكفاءة تستقر في الدولة ويطول أمدها فتحقق نهضة شاملة في مختلف المجالات الضرورية والحاجية والتحسينية، إلى أن تبلغ منتجات النهضة مستوى عاليا من الرقي والوفرة فتطلبها الأمم الأخرى وتحرص على اقتنائها والتوصل إلى إنتاجها بالمحاكاة والتعلم خارج الإطار الإقليمي لتلك الدولة الناهضة فتتحول نهضة تلك الأمة إلى مستوى الحضارة العالمية”.
يشير ابن خلدون عبر فقرات متناثرة في المقدمة إلى ما يدعم هذا المسار، بأسلوب ومفردات واقعه وزمانه، وبما أن السنن الاجتماعية هي قوانين لا تتغير ولا تتبدل مثلها مثل القوانين الكونية فإن التعمق في شأن السياسة والتحولات الاجتماعية، نظريا وعمليا، يؤدي إلى نفس النتيجة في كل عصر وإنما الذي يتغير هو قواعد العمل السياسي وأدواته ونظمه، وكذا المؤثرات الجديدة وطرائق التدافع الاجتماعي.
يعتبر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الكتاب الأول من الباب الأول أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان مدني بطبعه، فهو في حاجة إلى غيره من البشر لاكتمال حاجته من الغذاء والمدافعة وما تقوم به حياته على العموم، وهذه الحياة المدنية تنشأ عنها واقعات العمران البشري أو أحوال الاجتماع الإنساني التي تتطلب التنظيم الضروري لاستقامة واستمرار الحياة البشرية، فاهتدى إلى ضرورة قيام الملك ( بمعنى الحكم) قبل صنّاع نظرية العقد الاجتماعي بقرون من الزمن عند المفكرين الغربيين، أمثال توماس هوبس وجان جاك روسو وجون لوك، على ما بينهم من اختلاف في الموضوع.
لقد أكد ابن خلدون في الفصل السابع عشر “أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض”، ويؤكد أن الهدف من الملك هو تحقيق مصالح العمران، ويؤكد على موضوع البيعة السياسية ويقاربها في شكلها المتعلق بالمصافحة، ومضمونها المتعلق بالقبول والرضا، بحالة بيع السلع والبضائع، ويعتبر أن التسليم لمُكنة الحاكم يقابلها تكفّله بشؤون الناس، أي أن السلطة تقابلها المسؤولية، فيؤكد أن “من حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك”(6)، ويفصل طويلا في موانع الملك كالظلم والترف في الداخل والعجز عن المقاومة والمطالبة والذلة والانقياد إلى الغير وغير ذلك، ويشرح بكثير من التفاصيل الخلال الحميدة المؤهلة للحكم وعلى رأسها العدل.
ولئن كان ابن خلدون قد اتجه في طريقة الوصول إلى الحكم الوجهة الشائعة في زمانه في كل الأمصار والملل، عبر الغلبة والمدافعة بالقوة على أساس العصبية، فإنه قد أدان تهييج الناس لحمل السلاح على الحاكم المتمكن، خصوصا حين تكون تلك الفتنة باسم الدين ولو كان دعاتها من أصلح الناس، وأكد بأن النجاح في المطالبة بالحكم من عصبية خارج الحكم لا تكون إلا في فترة تكون العصبة الحاكمة في ضعف وتلاش، وقد بينت التجربة صدقية هذه الوجهة الخلدونية.
فلا يتصور الوصول الفعلي للحكم من خلال الانتخابات فحسب مثلا بل إنما يحسم في ذلك موازين القوة القائمة التي تدخل فيها أشكال كثيرة من القوة الصلبة والناعمة، وحتى الدول العريقة في الديموقراطية تخضع لهذه القاعدة، فالأحزاب المتداولة فيها على السلطة تمثل قوة أشمل مما تكسبه من الأصوات في يوم الانتخابات في كل الأمم. ولئن كان مفهوم العصبية المؤهلة للحكم قد تغير إلى حد كبير فإن مؤداه لا يزال قائما، بأشكال حديثة، وقد شرحت ذلك وذكرت نماذج من العصب المستحدثة في مبحث “العصب المتجددة” في كتابي “الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”(7).
ورغم الآراء غير المنصفة ومحاولات المؤسسات التعليمية والعلمية الغربية التقليل من المكانة العلمية لإسهاماته في هذا المجال، يبقى هو سيد هذا العلم بلا منازع، وعلى فكره وعلمه تتلمذ كثير من الفلاسفة الغربيين.
وثمة علماء وفلاسفة كبار أقروا بتميّز ابن خلدون وبفضله على البشرية في علم العمران البشري وفلسفة التاريخ وأسس نهوض وسقوط الحضارات البشرية. ومن أشهر هؤلاء أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) الذي يُعتبر من أكبر المؤرخين الذين تعمقوا في دراسة الحضارات في موسوعته “دراسة التاريخ”، وأكثر فلاسفة التاريخ إنصافا لابن خلدون حيث ذكر ابنَ خلدون في مواقع عدة في كتابه ومما قاله عنه: “لقد وضع ابن خلدون فلسفة للتاريخ هي بدون مجاملة أعظم عمل من نوعه ابتدعه العقل في أي زمان أو مكان”(8).
وممن أشاد بمكانة ابن خلدون كذلك المستشرق الانجليزي ر.أ. نيكولسون (Reynold A. Nicholson)، الذي قال عنه: “لم يسبقه أحد إلى اكتشاف الأسباب الخفية للوقائع، أو إلى عرض الأسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الأحداث، أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والانحدار”(9).
ويقول بخصوصه المؤرخ والكيميائي الأمريكي البلجيكي جورج سارتون (George Sarton)، الذي له فضل كبير في تأسيس علم تاريخ العلوم كعلم مستقل: ” أنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجبا مثيلاً له في فلسفة التاريخ، …أما كباحث نظري في التاريخ فليس له مثيل في أي عصر أو قطر… لم يكن أفلاطون أو أرسطو أو سان أوغسطين أنداداً له ولا يستحق غيرهم أن يذكر الى جانبه… لقد كان فريداً ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التاريخ… لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ولكنه وحده الذي أستخدمها”(10)، ويقول وِل ديورانت عن مقدمة ابن خلدون: ” أنها تشكل واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي الفلسفة، فهي إنتاج حديث إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في القرون الوسطى”، ويتعجب ديورانت، في كتابه “قصة الحضارة”(11)، من المستوى العلمي الراقي الذي كان عليه المسلمون، في الوقت الذي كانت أوربا في عمومها تعيش في ظلمات الجهل. ويمكن الرجوع إلى كتاب “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” للكاتب “ساطع الحصري” للاطلاع على زخم كبير من الشهادات عالية القيمة لعلماء ومفكرين كبار وفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد الغربيين منذ تم اكتشاف المقدمة في عشرينيات القرن التاسع عشر، أكدوا كلهم سبق ابن خلدون في تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد (12).
لم يجد ابن خلدون اهتماما بفكره، رغم الحاجة الملحة إليه. فقد كانت حالة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المغرب العربي سببا في غياب العقليات والأوعية العلمية والفكرية القادرة على استيعاب عبقريته، فلم يجد لمقدمته موطئ قدم سوى في آسيا الوسطى، في بلاط تيمورلنك في القرن الرابع عشر. وهناك تعرّف عليه الأتراك في البلاط، فقاموا بترجمة المقدمة وكتاب التاريخ إلى اللغة التركية، ثم تشكل في تركيا تيار خلدوني انبثقت عنه عدة مدارس، من أبرز رموزها حاجي خليفة الذي عاش بين عامي 1774 و1856. وقد تبنت الدولة العثمانية توجهات هذا التيار، فترسخت عندها رؤية خلدونية واضحة.
ثم تعرف العالم الغربي على ابن خلدون بعد أن اهتم به الفلاسفة الألمان عبر اللغة الألمانية. وكان أول من كتب عن المقدمة بالألمانية ثم الفرنسية المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر الذي عاش بين عامي 1774 و1856، وذلك عام 1822 أثناء بحوثه في التاريخ العثماني، إذ تعجب من احتفاء المثقفين والسياسيين الأتراك بفكر ابن خلدون. وبعد ذلك تعرف عليه باقي المستشرقين، وسمي حينئذ بمنتسكيو العرب. وفي منتصف القرن التاسع عشر تُرجمت المقدمة إلى مختلف اللغات الأوروبية، واتسع حضورها في الدوائر الفكرية الغربية.
أما في العالم العربي فلم يُلتفت إلى المقدمة إلا بعد اكتشاف قيمتها من قبل الفلاسفة والمستشرقين الأوروبيين. ومع ذلك لم يستفد العرب منها في الشأن العام إلى اليوم، خلافا للأوروبيين الذين ما تزال دولهم تهتم بها وتستند إلى قوانينها العمرانية. وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون عام 2019 إلى أنه يستلهم من ابن خلدون في الجانب الاقتصادي، في دلالة على عمق تأثير هذا التراث في الفكر السياسي والاقتصادي الغربي.
د. عبد الرزاق مقري
___________
(1) انظر ابن خلدون، المقدمة، الفصل الأول من الباب الأول.
(2) تحليل من سياقات متعددة في المقدمة.
(3) انظر ابن خلدون، المقدمة، فصل: في أن الدولة إذا استحكم فيها الترف فهو مؤذن بانقراضها، طبعة دار الفكر، 1979، ص. ٣٨٢–٣٨٣
(4) المرجع نفسه.
(5) عرضت البرنامج على اليوتيوب في شهر رمضان عام 2020، ثم توسعت فيه وحولته إلى كتاب باقتراح من د. علي الصلابي، فنشر عن دار الخلدونية بالجزائر عام 2023 ، ثم عن دار الأصالة بتركيا في نفس السنة باسم الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وقدم له الشيوخ الأفاضل راشد الغنوشي، وعلي الصلابي، والقرة داغي.
(6) انظر المقدمة، الفصل الثاني، الباب العشرون، ج1، ص 178، كتاب تاريخ ابن خلدون، المكتب الشاملة، الموقع الالكتروني.
(7) عبد الرزاق مقري، الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، مرجع سابق.
(8) انظر Arnold J. Toynbee, A Study of History, Oxford University Press, 1934
(9) انظر . Reynold A. Nicholson, A Literary History of the Arabs, Cambridge University Press, 1907
(10) انظر George Sarton, Introduction to the History of Science, Carnegie Institution of Washington, 1927.
(11) انظر Will Durant, The Story of Civilization, ed Simon and Schuster, 1935
(12) تم نشر كتابة “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” عام 1961 وصدرت طبعة جديدة عن مؤسسة هنداوي عام 2021 وهي نسخة معروضة الكترونيا للتحميل مجانا في موقع مؤسسة هنداوي: https://www.hindawi.org/books/92914940/
القوة من مسافة صفر بناءٌ صامت، واستعدادٌ عميق، وحضورٌ في لحظة الفعل.
في الحلقة الثانية من “المسافة صفر” نعيد طرح سؤال: ما معنى القوة؟ هل هي امتلاك الوسائل، أم امتلاك الإرادة التي تُحسن استخدامها؟
نتناول في هذه الحلقة:
المفهوم القرآني والبعد الحضاري للقوة
القوة ومواجهة الذات
شاهد من الواقع
القوة بين الوهم والحقيقة
ليست العِزّة ارتفاعَ صوت، ولا استعراضَ قوة.
العِزّة أن ترفض أن يُدار وعيك من خارج قِيَمك، وأن تقرّر ألا تعيش تابعًا يتحرك بإذن غيره.
في الحلقة الأولى من “المسافة صفر” نقف عند قيمةٍ مركزية : العِزّة… بوصفها موقعًا وجوديًا، وموقفًا عمليًا يظهر عند الامتحان.
نتناول في هذه الحلقة:
مفهوم العزة القرآني
كيف تواجه العِزّة الواقع؟
شاهد من الواقع المعيش
العزة بين الوهم والحقيقة
المسافة صفر…. بين الدعوة الفكرية والضرورة الواقعية
برنامج فكري يقدم رؤية تحليلية ترتكز على فلسفة المواجهة المباشرة مع التحديات، من إعداد وتقديم الدكتور عبد الرزاق مقري.
احتباسٌ سياسيٌّ معطل للنهضة في البلاد العربية، لا التياراتُ الإسلاميةُ ذاتُ الأغلبيةِ نجحت في العبور بالفكرة إلى المستقر الآمن في الدولة، ولا النخبُ الحاكمة والتيارات العلمانية الممكّنة نجحت في إقناع الشعوب وخدمته، فما هي تطورات هذا الاحتباس؟ وكيف يكون الرّأي العام الثابت فيصلا في الأمر؟
الانهياراتُ القيميّة تعكس خطرا عظيما يَتهدّد جوهر الفعل الحضاري.. التحدي اليومَ لا يقتصرُ على الانتصار في معاركِ الهوية فحسب، خوضُ معاركَ القيمِ ضروريٌ لحفظ الهوية ذاتِها و بغرض تسهيل العبور ، ولتثبيت الفكرة عند مستقرها في الدولة!
فما مفهوم القيم؟ وما العلاقة بين القيم والهوية؟
فاعليةُ وصلاحُ المجتمعِ المدني مسارٌ استراتيجي يتوافق وعمق الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهو توجه العالم اليوم. يجعل هذا المسارُ المجتمعَ بمُجملِ أفرادِه صالحا مشاركا في نهضة الأمة، ويُصيّره ظَهيرا داعما للدولة أثناء عبورِها الحضاري؟ فما هي دلائل ذلك؟ وما هي آلياتُه وآفاقُه لتحقيق الأهلية الحضارية؟
contact@abderrazakmakri.com