إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
كنا نعلم بأنه ارتقى رحمه الله ، ولكن الاستماع لنعيه ممن خلفه جعلنا نشعر وكأنه ارتقى للتو، وذلك لمكانته في قلوبنا.
سيبقى أيقونة كبن مهيدي وشي غيفارا، حاول الاستعمار الفرنسي إنهاء بن مهيدي بقتله غدرا وتشويهه فخلدوه، وحاولت أمريكا إهانة شي غيفارا ميتا بعد غدره فخلدوه، وكذلك سيكون حذيفة، سيقى نموذجا وعنوانا ورمزا عالميا مهما حاول الكيان والأمريكان والمنافقون طمس نوره.
أما هو، وكل الأبطال الذين نعاهم قبله ونُعوا من قبل من خلفه، فقد فاز، وقد فازوا، فهم شهداء أحياء عند الله يرزقون، وإنما الأمر الجلل يتعلق بنا نحن، ما الذي فعلنا وما الذي نحن فاعلوه في هذه المعركة المفصلية التاريخية.
إن ما ذكره خليفته الذي سُمِّي هو الآخر بلقبه يرفع هممنا ويشد عزائمنا ويطمئننا بأنهم لن يسلموا سبب عزهم وشرفهم وما يحرسون به شرفهم ومقدساتهم، وأن الجيل من القادة فيهم يخلف الجيل وأنهم ماضون حتى النصر.
لقد شكر خليفته أهل غزة على ثباتهم الأسطوري الذي قهر والنخب كل مخططات المحتلين والمنافقين والمخذلين، وشكر الشعوب والنخب التي تحركت وبذلت، وشكر الذين تحركوا في مختلف المحافل، وشكر إخوان الصفاء، وشكر الذين ركبوا البحر في أساطيل الحرية، ثم حمّل الجميع المسؤولية، المسؤولية تجاه الشعب الصامد الذي يعاني البرد والجوع والتشريد، تجاه الصامدين في مواقعهم.
إن ثمة أقواما من قومنا المسلمين ينتمون للملثم رحمه الله، بذلوا أقصى ما يستطيعون في مختلف دروب الدعم والنصرة في مختلف القارات، من حقهم أن يبكوا عنه وأن يعتزوا به، وثمة من يجب أن يخجلوا عند ما يذكر هؤلاء الأبطال، لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأنهم قصّروا وبعضهم تخاذل وخذّل، العديد منهم لم تصبح القضية قضيتهم المركزية، بل باتت عبئا عليهم، يتمنون أن تتوقف المعركة ولو بالهزيمة لكي يتوقف الحرج الذي هم فيه.
نسأل الله تعالى أن يُثبّت الصامدين وأن يتقبل منهم، وأن يفيق المقصرون، وأن يدرك الجميع بأن هلاك تلك الطائفة المرابطة حول ثغر عسقلان هو هلاك كل البلاد العربية الإسلامية، بل دمار العالم، وكل موقع يغلب فيه التخاذل سيصله دمار العدوان الهمجي.
د. عبد الرزاق مقري.
طرحت على نفسي السؤال التالي: ما الذي يخسره خائن البلاد مهني بنزع الجنسية الجزائرية عنه؟ فوجدت أنه عكس ذلك مستفيدٌ، كيف ذلك؟
هذا الخائن هو أصلا اصبح لا يعتبر نفسه جزائريا، بل يريد أن يأخذ جزء من الجزائر سمّاها جمهورية القبائل. ونزع الجنسية الجزائرية عنه يضمن له “الإفلات من العقاب” إذ عدم كونه جزائريا لا يعطي الحق للجزائر بأن تطالب بجلبه للعدالة ومحاكمته على خيانته، وكونه يحمل الجنسية الفرنسية فقط عندئذ، يعطي كامل الحق لفرنسا لحمايته، وفي ذلك مصلحة كبيرة له. وهو هانئ محمي في مكانه في فرنسا سيبقى يتربص بنا، فإذا مر بلدنا – لا قدّر الله – بأوضاع صعبة جدا طمع في أن يستغل الفرصة لتحقيق مطمعه البائس.
والأخطر من كل ذلك، أن أي معتوه أو خائن غيره يريد نيل الحظوة في فرنسا ينتقل إليها ويدعو إلى تشكيل جمهورية وهمية في جزء من بلدنا آلعزيز ليأخذ الجنسية الفرنسية ويترك بإرادته الجنسية الجزائرية قبل أن تسحب منه ويسير على نهج خونة الماك، فيكثر المتربصون ببلادنا.
إنه حقا لا يحتفي بجنسيته الجزائرية إلا الوطنيون الخلص الذين يحلمون بوطن قوي موحد مزدهر ظاهر بين الأمم، وقد يعارضون أي سلطة حاكمة من أجل هدفهم النبيل ذاك .. وقد يجدون جنسيتهم الجزائرية العزيزة عليهم مهددة بسبب معارضتهم السياسية النبيلة تلك.
هذا هو الوعي الذي يجب أن يفشو بين الناس، لله وللوطن وهذا هو الوعي الذي أخشى أن ندفع الثمن من أجله.
د. عبد الرزاق مقري
إن نزع الجنسية ليس أمرا عاديا، ولا حالة بسيطة يتم التعامل معها بالطريقة التي وردت في مشروع القانون. والتصويت بالإجماع في المجلس الشعبي الوطني رغم إسقاط تعديلات أساسية ومهمة عرضها بعض النواب يؤكد موت السياسة في بلادنا. وما سمعته من بعض النواب في تبرير التصويت خوفا من أن يتهموا بالتعاطف مع “الماك” و “رشاد” يبين بأن الساحة السياسية تراجعت فيها الحكمة السياسية، ولم يصبح الحوار ومقابلة الرأي بالرأي الآخر حتى داخل المجموعة الوطنية ممكنا، ولم تعد المسؤولية الوطنية والشجاعة النضالية أمرا شائعا بما يحفظ من خطر أحادية الرأي على البلاد .
إن قانون نزع الجنسية، بإجراءات إدارية، وعبارات فضفاضة يمكن استعمالها بتعسف كبير أجل شأنا بكثير من أن يكون سببه شطحات سياسية لأفراد لا ينالون تأييد حتى عائلاتهم، ولا يرتقون لهذا المستوى العالي من التشريع العام الذي يحكم بلدا بكامله.
إن الإجراءات التي كان يجب المسارعة إليها ضد خيانة الماك هي الملاحقة القضائية الدولية، ومعالجة المظاهر المتفشية في البيئة الداخلية التي صنعت هذه الانحرافات، والحرص على رص الجبهة الداخلية بالعدل وترقية المواطنة وتوفير التنمية وضمان الحقوق، وفي كل الأحوال كان يمكن أن يكون القانون موجها حصريا للحالة التي يقال بأنه بسببها شرّع هذا القانون.
إن الجنسية انتماء راسخ وجذور عميقة وحق أصيل لا يُمنح بمزية ولا ينزع بقرار، ولا يصح أن يتحول إلى حق هش تتدافعه الأهوال السياسية، و قانون نزعها الذي تم المصادقة عليه يتضمن موادا قد تستعمل لاحقا ضد معارضين سياسيين وطنيين، والقانون لا يتعلق بمرحلة ما قد يقدم الحاكم فيها الضمانات اللفظية، ولكنه يتعلق بتشريع يستغرق في الزمن، وإسقاط التعديلات التي توفر الضمانات القانونية يؤكد المخاوف المستقبلية.
د. عبد الرزاق مقري
الابتهاج الكبير الذي عبر عنه تيار واسع من الجزائريين على إثر إطلاق سراح د. بلغيث يدل أننا نعيش حالة احتقان وأننا في حاجة إلى مبادرات مماثلة تساهم في الانفراج السياسي، خصوصا في ظل الظروف الاجتماعية الصعبة وبالنظر للأوضاع الخارجية التي تهدد البلد.
إن الحديث بين الجزائريين كثير بخصوص المحبوسين ظلما أو تعسفا، وعن الذين عوقبوا بمحكوميات قاسية لا تتناسب مع مستوى وطبيعة مخالفاتهم، وعن الحالات الإنسانية في السجون.
ومن هؤلاء سجناء الرأي الذين لم يتسع صدر المسؤولين لتحمل آرائهم الصريحة التي عبروا عنها بكل شجاعة داخل بلدهم، وسجناء الحراك الشعبي المبارك الذين واصلوا كفاحهم من أجل تحقيق باقي أهداف الحراك فبات يُنظر إليهم كتهديد دائم على النظام العام، وسجناء منشورات الوسائط الاجتماعية، خصوصا الشباب الذين أرادوا الاهتمام بالشأن العام كوسيلة عملية لبناء حياة سياسية حقيقية تصحح فيها الأخطاء بالنصيحة والتكوين وليس بالعقوبة القاسية، وحتى سجناء تهم المضاربة الذين حكم على كثير منهم بأحكام قاسية وطويلة جدا لا تتناسب البتة مع الخطأ الذي اقترفوه، ومنهم من وقع ضحية صدفة غير مناسبة أو سوء فهم، ومنهم شرفاء دمرت حياتهم بسبب سلع قيمتها زهيدة جدا، ومنهم كذلك سجناء التسعينيات الذين هرموا في السجون وفنيت أجسادهم وهم أحياء ولا يضر أن يكملوا حياتهم بين أهليهم، لا سيما أن أحكام بعضهم تطلبت مراجعات لم تحدث وفق ما أخبرني به بعض المحامين.
إننا في حاجة إلى خطوات أساسية تنزل الرحمة في بلادنا ونعالج بها أوضاعنا منها:
أولا : إطلاق سراح السجناء من الأصناف المذكورة أعلاه [الذين لم نذكر أسماءهم حتى لا ننسى بعضهم] والتوجه نحو مصالحة وطنية شاملة وتدشين حوار وطني جاد لوضع قواعد العمل السياسي الشريف والنزيه الذي يكون في خدمة البلد والصالح العام.
ثانيا – إقامة العدل وبناء الثقة بين الشعب والمؤسسة القضائية، وإعمال قواعد المصداقية في القضاء والرحمة في المقاضاة ومنها قاعدة “استقلالية القضاء”، وقاعدة “قرينة البراءة”، وقاعدة “الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة”، وقاعدة “ادفعوا الحدود بالشبهات”، وقاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”، وقاعدة “عدم القسوة”، وقاعدة “المساواة أمام القانون”، وقاعدة “الحياد والنزاهة”، وقاعدة “الظروف المخففة”، وقاعدة ” السرعة في التقاضي”، وقاعدة “العلنية والوجاهة”، وقاعدة “السيرة الجليلة للمتهم” وغير ذلك .. وكذا عدم التعسف في حبس الناس احتياطيا .
ثالثا – توفير الحريات واعتبار أن التدافع السياسي سبب رئيسي لمنع الظلم والفساد، وأن عدم الضيق بالنقد – ولو كان خاطئا- والعفو عند المقدرة من دلائل قوة النظام السياسي.
رابعا – الانتباه بأن معاقبة السياسين وأصحاب الآراء وجعلهم في نفس مكانة المجرمين والفاسدين وتجار المخدرات – وربما أقل شأنا من ذلك – طريق مؤكد لتدمير المجتمع وكسر سلم القيم لدى المواطنين.
خامسا – تشجيع الكسب الحلال والمساواة في الفرص وتحسين بيئة الأعمال ونشر الثقة في السوق والطمأنينة لدى المتعاملين الاقتصاديين وضمان ظروف التطور الفعلي واللامحدود للقطاع الخاص كطرف أساسي لنهضة البلد ولتحسين ظروف معيشة المواطنين.
سادسا – تحرير المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية من التبعية للسلطة الحاكمة وللأحزاب السياسية ومن سطوة المال السياسي، واعتماد نظام الأوقاف المستقلة التي لا تخضع إلا للقانون والمحمية به، وتحرير المبادرة لمساهمة القوى المجتمعية التطوعية في التنمية الثقافية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي.
سابعا – تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد المخاطر الحقيقية التي تهدد البلد ومنها: الفساد واستغلال السلطة في مختلف المستويات/ تجارة المخدرات والزحف الرهيب لأخطر أصنافها الى بلادنا/ الجهوية والمحسوبية وخطاب الكراهية/ دعاة تفتيت الوحدة الوطنية/ التحرشات الخارجية والتآمر الغربي الصهيوني وحلفاؤه من عالمنا العربي والإسلامي.
د. عبد الرزاق مقري.
لم يكن لذلك الخائن الذي باع وطنه وتنكر لقومه أن يرفع صوته لو لا الرعاية الفرنسية والاحتضان الصهيوني، وما كان له أن ينحرف كل هذا الانحراف لو لا خلفيته الثقافية المعادية لمكونات الهوية الوطنية، تلك المكونات التي وحدت الشعب الجزائري قرونا من الزمن ومكنته من الصمود ضد الاحتلال الفرنسي وكل مخططات التمزيق.
إن التنديد بخيانة الشخص الخائن ومن معه لا تكفي لحفظ البلد منه، فما هو إلا أداة من أدوات الاستعمار ومكائد الصهيونية، وهو يعلن عن خيانته ولا يهمه التنديد به وبفعله،
لهذا لا بد من الاحتياط لمكائد أكبر يحيكها من يحركه، فما الخطوة المفلسة التي أعلن عنها إلا الجزء العلني من المخطط. إن الذين يستعملونه
سيدفعون إلى إضعاف متدرج للجزائر، دولة ومجتمعا، ليصبح ما لا يُتصور إنجازه ممكنا.
والخطة المعاكسة ينبغي أن تكون على المحاور التالية:
– الصرامة في ملاحقة رأس الفتنة ومن معه والضغط الشديد على فرنسا لتسليمه من خلال الاتصالات الثنائية أو عبر الإنتربول، والاستعانة بوساطة دول أخرى .
– الصرامة في الموقف من الدولة التي تأويه وتحميه وتموله، ومعاقبتها اقتصاديا وثقافيا والوقوف في وجه من يخدم مصالحها في بلادنا.
– الحذر من الاختراق الصهيوني عبر أمثال هؤلاء من المتخفين واتخاذ الخطوات الاستباقية في مواجهة التمدد الصهيوني.
– تثمين المواقف الوطنية التي صرّح بها أبناء الجزائر في منطقة القبائل من الشخصيات والأحزاب والمنظمات ضد الخيانة المعلن عنها من باريس
– العمل على تقوية البلد اقتصاديا وعلميا وعسكريا لتيئيس أصحاب المخططات التي تهدد الوحدة الوطنية.
– ترقية مكونات الهوية الوطنية وإعلاء معاني الأخوة الإسلامية الجامعة لكل المذاهب والأعراق في البلاد.
– ترسيخ معاني المواطنة الحافظة للوطنية، وتمسك الجزائريين ببلدهم مهما كانت الصعوبات، وذلك بنشر العدل وصيانة الكرامة وتوفير الحريات والمساواة في الفرص ومنع الظلم والامتيازات المحصلة بالفساد واستغلال السلطة في كل المستويات.
د.عبد الرزاق مقري
لقد انتصرت الجزائر بعد ثبات دام 130 سنة من الاحتلال الفرنسي الغاشم خاضت فيه مقاومة شعبية مسلحة بطولية لمدة سبعة عقود تقريبا، ومقاومة ثقافية وسياسية واجتماعية لأكثر من خمسة عقود، وحربا تحريرية نهائية مظفرة لأكثر من سبع سنين. وكان انتصارها حاسما بتحرير الأرض والسيادة والهوية. وبعد خروج الاحتلال من أراضينا بقي هذا الأخير يواصل حربه ضدنا في موضوع السيادة والهوية.
والغريب في الأمر أن الذين يباشرون استمرار معركة السيادة والهوية بعد خروج الاستعمار من الأرض ليست دولة الاحتلال فحسب، بل معها طابور من بني جلدتنا، وكأن أولئك الذين صوتوا في الاستفتاء ضد استقلال بلادهم عام 1962 قد فرّخوا، وبعد أن كانوا لا يظهرون وجوههم تراهم اليوم يجاهرون بأنفسهم وبمواقفهم.
ومن مظاهر استمرار معركة الهوية النقاش الغريب الذي ظهر هذه السنة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960 حول شعارات ” الجزائر الفرنسية”، “الجزائر الجزائرية”، “الجزائر المسلمة”.
من المفروض أن هذا النقاش قد انتهى مع خروج الاستعمار، وأننا معتزون باستقلال أرضنا، وبسيادتنا في بلدنا على قرارنا وثرواتنا، وبهويتنا وكينونتنا، وأننا منشغلون بالبناء والتشييد والتطوير. ولكن للأسف الشديد لم يقبل الخاسرون في معركة التحرير هزيمتهم، ولا يريدوننا أن ننشغل بنهضة وطننا فيرجعوننا إلى الصراع حول ملفات حسمت بصمود الشعب وفرقعة البارود.
لا أدري هل يعتمدون على نسيان الأجيال وانشغال الحزائريين بحياتهم اليومية وضغوطات الواقع ليخلقوا سردية جديدة منافية لوقائع التاريخ، ام أنهم استأنسوا في أنفسهم قوة [وهمية] جعلتهم يتجرأون على ذلك. من من الجزائريين لا يعرف بأن عبارة “الجزائر الجزائرية” هي عبارة أطلقها ديغول في مواجهة عبارة ” الجزائر المسلمة” التي كان يتمسك بها الجزائريون في وجه مخططاته وفي كفاحهم من أجل الاستقلال من جهة، وفي مواجهة “الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمرون وضباط الجيش الفرنسي في الجزائر لعدم الاعتراف بالهزيمة وضد توجه ديغول للمفاوضات مع جبهة التحرير من جهة أخرى.
لقد اختلق ديغول شعار “الجزائر الجزائرية” لسببين رئيسين، أما السبب الأول هو أنه لم يكن يريد أن تكون للجزائر هوية، حتى يسهل إلحاقها لاحقا ضمن الدائرة الاستعمارية بعد الاستقلال، لأنه حين يُسأل الجزائريون عن هويتهم سيقولون مباشرة: “نحن مسلمون”. وديغول مثله مثل القيادات الاستعمارية منذ بداية الاحتلال يعتقد بأن الإسلام هو وحده الذي منع من إدماج الجزائريين أو مسخ هويتهم، كما حدث لكثير من الشعوب المستعمرة في الأمريكيتين وفي أفريقيا. والسبب الثاني أنه كان يريد أن يبقى الأوربيون، الذين كان يبلغ تعدادهم قرابة المليون، في الجزائر بعد الاستقلال ليضمنوا استمرار المصالح والهوية الفرنسية، ولكي لا يلتحقوا بفرنسا بحقدهم الشديد عليه بسبب هزيمته ورضوخه لإرادة الجزائريين في الاستقلال . وبما أن الأوربيين في الجزائر كانوا يسمون الجزائريين “مسلمو الجزائر” (les musulmans d’Algérie)، فإن الجامع بين الأوربيين المسيحيين والجزائريين المسلمين الذي يشجع الأوربيين على البقاء في الجزائر هو أن تكون “الجزائر الجزائرية”. غير أن الشعب الجزائري لم يقبل شعار ديغول ومخططه فرفع في مظاهرات 11 ديسمبر شعار ” الجزائر المسلمة”.
علاوة على أنه لا يوجد في العالم بلد يعرّف نفسه بتكرار اسمه، وإنما يضاف إلى الاسم صفة ترمز إلى الهوية أو الجغرافيا فلم نسمع مثلا تعريفا على شاكلة “امريكا الأمريكية” أو “فرنسا الفرنسية”، أو “ألمانيا الألمانية” أو “الصين الصينية” أو ” روسيا الروسية” وإنما يضاف تعريف للاسم فيقال مثلا ” فرنسا الأوربية” ، أو يقال “الصين الكونفوشيوسية” أو “روسيا السلافية” أو ” الارثذكسية” أو “الدول الغربية المسيحية-اليهودية”، وهو التوجه الذي يريد الكيان فرضه من خلال شعار ” إسرائيل الي@ودية”، وهذه التصنيفات مشهورة في الكتب المتخصصة في الجيوبوليتيك أو الدراسات الحضارية.
وحين نتحدث عن الجزائر ، فلو قلنا “الجزائر الجزائرية” لا نكون قد عرفناها، بل نكون قد عزلناها جغرافيا وحضاريا ومصلحيا. ولكن حين نقول “الجزائر المسلمة” فقد أفهمنا من يسمعنا من هي الجزائر، فهي بلد ينتمي للعالم الإسلامي والحضارة الإسلامية، والأغلبية الساحقة لشعبها مسلمون.
وعليه يجب أن ننتبه، بأنه حينما لا يستطيع أذناب الاستعمار أن يقولوا ” الجزائر الفرنسية” أو “الجزائر الأوربية” بسبب أنهم سيفضحون أنفسهم عندئذ، ولأن الفرنسيين والأوربيين يحتقرونهم ولا يقبلونهم ضمن هويتهم، فهم يحاولون أن يجعلوا الجزائر بلا هوية ليسهل بعدها بيعها بثمن بخس إلى أسيادهم.
د. عبد الرزاق مقري
فاعليةُ وصلاحُ المجتمعِ المدني مسارٌ استراتيجي يتوافق وعمق الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهو توجه العالم اليوم. يجعل هذا المسارُ المجتمعَ بمُجملِ أفرادِه صالحا مشاركا في نهضة الأمة، ويُصيّره ظَهيرا داعما للدولة أثناء عبورِها الحضاري؟ فما هي دلائل ذلك؟ وما هي آلياتُه وآفاقُه لتحقيق الأهلية الحضارية؟
من ضرورات الواقع.. تأسيس كياناتٍ مؤسسيةٍ وظيفية نافعة.. تَنشأ في رَحمِ المشروع الحضاريّ.. ثم تُطلَق لتؤدي وظائفها في المجتمع.. فتحفَظُ عهدَه .. وتخدُمه بعطاء لامنقطع.. ضمن تكامل رسالي بينها، وضمن استقلاليةٍ ومسؤولية على مصيرها؟
يُنظِّم ذلك مقاربةٌ عنوانها: ” قطع الحبل السري” فما معنى ذلك؟ وكيف تعمل هذه المقاربة؟
لم يصبح ممكنا جمع الوظائف الإصلاحية كلّها في الهيكل الواحد؟ الاستمرار في ذلك ضياعٌ لِكلِّها في المجتمع، وتعطيلٌ للكفاءة التنافسية لعبور المشروع السياسي من أجل قيادة الأمة نحو النهضة والاستئناف الحضاري؟
ألم يئن الوقت لترسيخ مقاربة التخصص الوظيفي؟ فما التخصص الوظيفي؟ وما فائدته وآلياته؟
إلى الله فضاءُ واسع لا حد له، منها ما يتعيّن على المسلم، ومنها ما يَكفي به غيرَه، منها ما يكون وظيفةً تخصصية تحمِلها أمة، ومنها ما يكون رسالة عامة في الأمة.
فما الفرق بين وجوبها العيني ووجوبها الكفائي؟ وما الفرق بين بعدها الرسالي؟ وبعدها الوظيفي؟
قد يَفسُد الحُكم ويتأخر زوالُه، وقد تُتاح الفرصة للمحكومين فيغيروا حكامهم، أو ربما لا يكونون في المكان المناسب لتحقيق ذاك، كما قد يتحقّق التغيير من داخل الحكم ذاته، وقد تفلت الفرص كلُّها من هؤلاء وهؤلاء فيهلكوا جميعا.
يحكم ذلك دائرة سننية اجتماعية لا تتغير ولا تتبدل، فما هي تلك السنن؟ وما هو المكانُ المناسب لاهتبالها؟
حين يتّسم الوضع السياسي بالهيمنة والدكتاتورية، أو يُمنعُ فيه التداولُ وتجسيدُ الإرادة الشعبية، يتطلع الناس إلى الانتقال من هذا الوضع إلى رحاب الحريات وافتكاك أحقيتهم في اختيار الحاكم وتغييره. جرّبت البشرية طرائقَ عدّة في ذلك؟ فما هي تلك الطرائقْ؟ وكيف يُستفادُ منها ليكون العبور سلميا سلسا يحقق الهدف؟
contact@abderrazakmakri.com