في ذكرى الإسراء والمعراج: فلسطين والأبعاد القطرية

تاريخ النشر :

2026-01-16

التصنيف :

فلسطين

لا شك أن كل إنسان سوي له تعلق بقطره، وبلدته وقريته وعائلته أكثر من الأماكن الأخرى في الدنيا، فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعلق خاص بمكة باعتبارها مسقط رأسه،  وقد خاطبها صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن ابن عباس، فقال: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ.) . كما أحب المدينة، باعتبارها البلدة التي نصرته وأقام فيها،  وبنى فيها دولته،  فجعلها ثاني الحرمين كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن عبّاد بن تميم عن عمه أن رسول الله  عليه الصلاة والسلام قال: “إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا “، ووالى أهلها الذين نصروه فقال: لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار واديا أوشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار)). ونحن  نتعلق ببلدنا ونحبه لأنه مسقط رأسنا وفيه نشأنا وأفضاله علينا لا حد لها، والتضحيات من أجل استقلاله عظيمة، إذ حدوده في شرقه وغربه وشماله وجنوبه رسمته دماء الشهداء، لم تخط خريطته أقلام المحتلين، فلا مزية لأحد، بعد الله، على استقلاله وتمام حدوده سوى دماء الشهداء وفداء المجاهدين، والجزائريون في التعلق بوطنهم متساوون. 

غير أن القطرية أذا تحولت إلى شوفينية تصبح أداة تدمير للوطن وأهله، والشوفينية (le chauvinisme ) بالتعريف القاموسي: هي “تحول الولاء المحمود للوطن والقوم والعائلة إلى انحراف عنصري  وعدم الاهتمام بالغير وكسر وشائج الإنسانية المختلفة،  والشعور بالغرور والاستعلاء والعمل على ازدراء الآخرين والتعالي عليهم “. وهذا الذي أصبحنا نسمعه من بعض بني وطننا، وكأن العقل والرزانة والحكمة غابت كلية، وكأن حب الوطن شرطه الانفصال عن كل الوشائج التي تربطنا بالآخرين، ولو كانوا من قومنا وذوي ديننا وعقيدتنا. 

والمشكلة أن هذا الشعور تمدد إلى القضية الفلسطينية ذاتها فأصبحنا نسمع بعض الناس في بلادنا يقولون: “لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”، “مشاكلنا تكفينا”، “لا نغامر بمصالح بلدنا من أجل فلسطين”، “نحن بعيدون على فلسطين جغرافيا”، “نخشى من الحصار أو أن تصيبنا المصائب من أجل فلسطين”. 

يأتينا في كل سنة، بمناسبة الإسراء والمعراج،  ما يفنّد هذا الاتجاه المنحرف فيذكرنا بطبيعة علاقتنا بفلسطين، لينتبه الناس في هذه الذكرى بأن ما يجمعنا بفلسطين يتجاوز الحدود الجغرافية لبلداننا ويرفعنا إلى آفاق علوية مشدودة بحبال العقيدة والدين، التي حين نكون في قبورنا لا يسألنا الله إلا عنها،  إذ في هذا اليوم أسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة  إلى بيت المقدس، لتُربط العلاقة الأبدية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى بنص قرآني خالد، يضفي فيه الله تعالى  على هذه البقعة الطاهرة وعلى ما ومن حولها بركة أبدية،   فيقول سبحانه في سورة الإسراء : (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) [سورة الإسراء.1]. 

إنه لا يمكن لمسلم  يزعم أنه يؤمن بالقرآن الكريم والسنة النبوية أن يتجاهل سورة الإسراء وأن لا يقف عند حادثة الإسراء والمعراج متدبرا متأملا، متشوقا أن يزور المسجد الأقصى ذات يوم ليصلي فيه محررا، مستعدا للتضحية الدائمة من أجله، وأن يكون ذلك جزء من وطنيته. 

غير أن طبيعة القضية الفلسطينية وتشعباتها لا تدعنا نكتفي بالذكرى الدينية، بمناسبة الإسراء والمعراج، على أهميتها المركزية، فلو أردنا أن نركز هذه السنة على تحديات القطرية الشوفينية في مناصرة القضية، سنتذكر بالمناسبة كيف أن الدولة الصهيونية لا تهم الإسرائيليين المحتلين لفلسطين فقط بل هي قضية الدول الغربية كلها،  وعلى رأسها الولايات الأمريكية المتحدة.   فلنتأمل  في هذا البعد الدولي لدولة الاحتلال، هل يصح أن يقابل ببعد قطري ضيق؟ ثم لنتدبر في أسباب هذا التحالف العالمي المناصر لهذا الاحتلال الغاشم، أليس السبب هو أن يكون الصهيانة حراسا للمصالح الغربية التي لا تضمن إلا باستمرار تخلفنا وضعفنا وتشتتنا؟ هل يطمع قطرٌ من الأقطار حول فلسطين وفي أطراف الأمة أن يهنأ ويستقر ويزدهر بوجود هذا الكيان؟ ألا يفهم أحدنا بأن أولئك الأبطال الذين يقاومون، لا يفعلون ذلك من أجل بلدهم فقط بل من أمتنا كلها وأقطارنا كلها؟ وأن أولئك المشردين الذين يموتون بالقصف وبالجوع والبرد يضحون من أجلنا جميعا؟ 

ثم لننظر إلى الذين استسلموا وطبّعوا، هل هنئوا؟ هل احترمهم الصهاينة؟ هل توقف ابتزاز الأمريكيين لهم؟ ألا ننظر إلى حالهم كيف يسوء، من زاوية أو أخرى، يوما بعد يوم؟

ثم لننظر إلى البعد العقائدي الجامع الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، كيف يحتمون جميعا على أساس عقائدي كوني، باتوا يصرّحون به جهارا نهارا، ونريد نحن أن نغلق على أنفسنا في أقطارنا؟ ألا نفهم قوله تعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) [سورة البقرة:120]. 

وإن كان ثمة من يعتقد بأن الخلاص في خفظ الرأس أمام اليهود   والنصارى فإنه واهم، فهم لن يرضوا إلا باتباع ملتهم، و بالاستسلام التام، الذي معناه خدمة مصالحهم على حساب مصالح الوطن. وإن رضي بعضنا بهذا، من أجل مصالح شخصية أو أيديولوجية،  فهل يطمع أن يتحقق له بهذا الاستقرار؟  كيف يتحقق ذلك وفي بلداننا شعوب أبية ونخب مضحية؟ كل ما يفعله هؤلاء المستسلمون أنه بدل التحصن بعد الله ببعضنا البعض في مواجهة هؤلاء الظلمة ينقلون المعركة إلى صفنا الداخلي  ليفتن بعضنا بعضا حتى نضعف جميعا. 

ولنتأمل في البعد التاريخي كذلك، ما الذي جعل أبي مدين الغوث ينتقل برجاله من الجزائر إلى فلسطين فيخلّدوا وجودنا في حارة المغاربة بالوقف الذي منحهم إياه صلاح الدين الأيوبي نظير جهادهم وبطولاتهم وتميزهم في التضحية والفداء؟ أليست هذه هي طبيعة المغاربة وطبيعة الجزائريين ومن تبعهم بإحسان في جمعية العلماء والحركة الوطنية وفي دولة الاستقلال إلى يومنا هذا؟  فكيف يطمع بعض الضعفاء أن يغيّروا فكر  وعقيدة شعوبنا ومؤسساتنا؟ 

وفي الأخير، لنذكّر الذين يقولون نخشى من الحصار وأن يصبنا السوء لو بقينا ندعم فلسطين بقوله تعالى: (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ)) [ المائدة: 52]، وسياق الآية، كما يقول المفسرون، أن الله تعالى يخبر عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: “فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح “مكة”- وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم. 

ألا نرى التشابه ؟ 

وقد رأينا في مرات عديدة موجات تطبيعية عالية، كما حدث في بداية سنة 2000،  رفع فيها أصحاب القلوب المريضة رؤوسهم واستغلوا فرصة استضعاف شديدة للفلسطينيين والعالم الإسلامي، ثم تغيرت الأمور وارتفع شأن القضية الفلسطينية  وافتضح أمر المطبعين وأخذوا يبررون مواقفهم، ويحاولون الظهور بخدمة القضية، وهو أمر سيتحقق لا محالة في آخر طوفان الأقصى، وقد بدأته شعوب من غير المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وما هذا الهيجان الذي يخشاه بعض  الناس في سلوك نتنياهو وترمب إلا إرهاصات النهاية، نهاية الظلم والعدوان بحول الله .. ((وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ..)).

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية