تمهيد:
هذه إحاطة فكرية ومعرفية عن العلمانية والعلمانيين، حفّزني عليها صديق علماني، وأتمنى أن يقرأها العلمانيون، لعلهم يهتدون، وأن يصبروا على طولها، فهي غنية بالمفاهيم والمعلومات التي ربما لم يطلعوا عليها بسبب أحاديتهم الثقافية، وأن يعذروا بعض ألفاظها الشديدة التي لا سبب له سوى الخض الذي يجلب الانتباه، ولكن في الأخير الهداية من الله، وصدق الله تعالى إذ يقول: إنك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56]. فالله نسأله أن يهدينا جميعا، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
تتضمن هذه الإحاطة المحاور التالية:
مقدمة:
أولا – في الأسباب السياسية المباشرة لتمكن العلمانية في أوربا (مع المقارنة)
1 – مؤتمر واستفاليا
2- الثورة الفرنسية.
ثانيا – بخصوص اضطهاد العلماء باسم الدين كسبب للعلمانية (مع المقارنة).
1 – الحالة الأوربية: الوقائع والأمثلة.
2- الحالة الإسلامية: نظريا وواقعيا، وفحص الأمثلة ( أحمد بن حنبل، ابن سينا، الرازي، ابن رشد)
ثالثا – عن الصراعات والحروب السياسية
1 – الحالة الغربية الأوربية : الوقائع والأمثلة
2- الحالة الإسلامية : الوقائع والأمثلة
رابعا – الحِقبة العلمانية وتخلف المسلمين.
خامسا – النتيجة
—
مقدمة:
ارسل لي صديق علماني عوّدني التضامن معي والسؤال عني حينما تحدث لي مضايقات سياسية، كمنعي من السفرمثلا، مقالا لأحد العلمانيين يتحامل على مقالي ” عن العلمانية والعلمانيين” بتدليس معرفي كبير. ولست ادري لماذا أرسل لي صديقي هذا المقال، هل هو متعاطف مع مقالي باعتباره علماني معتدل، أم أن مقال صاحبه أعجبه فأرادني الاطلاع عليه.
وفي ردي عن المقال الذي وصلني من صديقي العلماني أقول:
لقد عرفت علمانيين غير مسلمين يشيدون بالحضارة الإسلامية ودورها الريادي في خدمة العلم بكل اختصاصاته وعن فضلها في النهضة العلمية الأوربية. غير أنه من سوء حظ العالم العربي أن العلمانية ارتبطت في كثير من الأحوال بحركة الاستعمار، فلم تكن هذه العلمانية سوى خادم موضوعي أو واع للاستعمار، والأسوء حظا هي الجزائر إذ ارتبطت العلمانية فيها بأسوء نسخة منها وأكثرها تطرفا، وهي اللائكية الفرنسية.
لا شك أنه يوجد في الجزائر علمانيون عقلاء وعقلانيون يعتزون بالحضارة العربية الإسلامية، ووطنيون يُعتدّ بنزاهتهم في شأن النضال السياسي وقضايا الشأن العام، وأنا شخصيا استفدت من بعضهم وسعدت بمعرفتهم.
ولكن الحالة العلمانية الظاهرة في بلادنا، ذات هوى معادٍ للحضارة الإسلامية، وخنقٍ شديد على اللغة العربية، فتدفعهم أحقادهم وعقدهم إلى إنكار الصبغة العلمية، في كل الاختصاصات، لحضارة المسلمين ولغتها التي كانت تسود عبر قرون ساحات العلم في الدنيا كلها. يجهد هؤلاء أنفسهم للبحث في هوامش التاريخ عن أحداث تسند كذبهم بأن الإسلام اضطهد العلم وأن الحكم الإسلامي كان حكما مقدسا ثيوقراطيا .. لينشئوا في مخيالهم الشروط التاريخية التي بررت نشأت العلمانية في أوربا. وهذا والله الذي لا يقوله حتى كبار فلاسفة الغرب.
إن هؤلاء يعلمون بأن “تهافتهم” الكاذب لا يقنع الجمهور ولا يثبت في الساحات العلمية والمعرفية، ولو سمعهم مؤرخون من أوربا ذاتها لضحكوا عليهم، ولكن يحتاجون إلى “تدليساتهم” تلك لكي يحافظوا على وجودهم ولو على هامش التاريخ، وللمحافظة على مصالحهم – بالنسبة لبعضهم- عند أسيادهم.
حاول هؤلاء العلمنجيون المتطرفون تجاوز موضوع المقال بالدخول في تفاصيل تاريخية، تغرقهم أكثر مما تنقذهم.
لقد كان هدف المقال التبيان أن نشأة العلمانية في أوربا لها أسباب مباشرة لم تحضر في التاريخ الإسلامي أبدا، وسنعود بهؤلاء “العلمنجية” إلى أصل الموضوع لكي لا يفلتوا، ثم نكشف تحايلهم على التاريخ حادثة حادثة. نبدأ بالحديث المجمل لمن لا يصبر على طول المقال، ونفصل بعد ذلك من يهمه الاطلاع الأوسع.
أولا – في الأسباب السياسية المباشرة لتمكن العلمانية في أوربا ( مع المقارنة)
بكل تأكيد لا يعلم “عوام العلمانية” في بلدنا – لقلة زادهم المعرفي- أن ثمة تاريخيَن مهمين رسّما وعمّما حالة العلمانية في أوربا لم يحدث مثلهما في التاريخ الإسلامي أبدا: مؤتمر واستفاليا (1648) والثورة الفرنسية (1789 )
1 – مؤتمر واستفاليا: قدّم مؤتمر واستفاليا خدمة جليلة للأوربيين من حيث أنه أنهى حربا دينية ضروسا كان عنوانها ” حرب الثلاثين سنة” بين البروتستانت والكاثوليك في المملكة الرومانية المقدسة، ثم كل أوربا، وحرب الثمانين عاما بين إسبانيا ( كاثوليك) وهولندا (بروتستانت فارون من محاكم التفتيش)
ولكي يتأكد العلمانيون من حجم معاناة الأوربيين بسبب الحروب الدينية، وحرب الإبادة المتبادلة بين الكاثوليك والبروتستانت، أنه في حرب الثلاثين سنة وحدها قُتل أكثر من ثمانية إلى عشرة ملايين، وهو عدد كبير بالنسبة لعدد السكان آنذاك، إذ نقص سكان ألمانيا بأكثر من ثلاثين بالمائة، ومناطق أخرى خسرت نصف وثلثي سكانها، علاوة على التدمير الكامل للقرى والمدن وتفشي الفقر والبطالة لسنوات طويلة.
لقد كان من نتائج معاهدة واستفاليا تثبيت التعددية الدينية، والاعتراف بوجود المذهب البروتستانتيّ، ووجود دول بروتستانتية ( هولندا، الكنوفدراليا السويسرية) لا تخضع للبابوية والملوك الكاثوليك، وتثبيت مبدأ ” الناس على دين ملوكهم!” وترسيم فصل الدين عن السياسة والحكم.
فبالله عليكم أيها، العلمانيون!، أي مكان يبقى للدين في الشأن العام إذا كان سببا في هذه المآسي، ثم كيف تجهلون – أيها المنبتون – أن هذا لم يحدث في التاريخ الإسلامي. لم يحدث في التاريخ الإسلامي حروب بين الدول على أساس هذا المذهب وذاك أدى إلى هذا الدمار ، فتأكد نظريا الاعتراف بالمذاهب المسيحية كلها، وتبرأ الناس رسميا وعبر مؤتمر حضرت فيه الدول من وجود الدين في الدولة، وبقيت الشريعة هي الحاكمة إلى أن دخل الاستعمار الخارجي بلداننا.
ألا يعلم علمانيونا أن القرآن ذاته يأمر بعدم الإكراه في الدين كما ورد في سورة البقرة : (( لا إكراه في الدين))، وأن نصوص الكتاب والسنة توصي بالعدل مع أهل الكتاب والإحسان إليهم ما لم يكونوا محاربين ومتآمرين. ((لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ))، وكيف يجهلون أن المذاهب والطوائف الدينية الإسلامية نشأت لقرون طويلة جنبا إلى جنب، تعقد حلقاتها أحيانا في المسجد الواحد، لا يوجد من خلاف بينها سوى في النقاش العلمي والفكري. ولم يحدث اقتتال عام مدمر بينها أوجب الاتفاق بين الدول أن يركنوا الدين في زوايا الشأن الخاص كما حدث في مؤتمر واستفاليا.
2 – الثورة الفرنسية: لقد كانت الثورة الفرنسية نتاج ما سمي ب “عصر الأنوار” الذي هزم فيه العلمُ والفلسفة الكنيسةَ، بعد صراع نكد طويل جعل العلماء والفلاسفة يتجهون إما إلى الربوبية ( le Déisme ) أو الأغنوستية (l’Agnosticisme) أي الإيمان بوجود قوة عليا هندست الكون دون الإيمان بالأديان، أو إلى الإلحاد ( l’Athéisme ) أي عدم الإيمان بالله وبأي شيء غيبي. وقد كان هذا المسار تاريخاً أوربياً صرفا لا علاقة له بالتاريخ الإسلامي، إذ لم نسمع بأن عالما من علماء المسلمين، مهما اختلفت آراؤهم، أعلن كفره وخطّ طريقا للبراءة من الدين أو دعا إلى تهميش الدين عن الحياة العامة.
وبما أن الكنيسة بقيت قوية في العالم اللاتيني بجنوب أوربا فقد كان الصراع معها عنيفا، تجلًى في العبارة المشهورة لدى رموز الثورة الفرنسية “خنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”، والغريب في الأمر أن أصل هذه العبارة لقسيس كاثوليكي فرنسي ” جان ميسيلية” ترك هذه المقولة كوصية بعد أن ألحد وكفر بالديانات بسبب الظلم الذي رآه في مؤسسته الدينية.
ولعل هذا الفرق في طبيعة الصراع الديني هو الذي رسم الفرق بين العلمانية في شمال أوربا والعالم الالنجلوسكسوني حيث الأغلبية البروتستانتية، وفي جنوب أوربا وخصوصا فرنسا حيث الأغلبية الكاثوليكية.
لقد ساهمت البروتستانتية التي انصفها مؤتمر واستفاليا في التمكين للعلمانية من خلال إصلاحاتها الدينية وثورتها ضد الكنيسة ( بروتستانت معناه احتجاج) للتخلص من الهيمنة السياسية للكنيسة، ولذلك بقي للمسيحية دور كبير في الشأن العام في هذه الدول، وتبين الإحصاءات أن المؤسسات المسيحية في مختلف مجالات المجتمع المدني هي الأكثر قوة وانتشارا في هذه الدول.
أما الكنيسة الكاثوليكية فإنها انهزمت في البلد الأم للكاثوليك في فرنسا، هزيمة قاسية بحجم القسوة التي كانت تمارسها ضد العلماء والفلاسفة وأصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، ولذلك جاءت اللائكية الفرنسية متطرفة إلى الحد الذي نعرفه.
والغريب في الأمر أن اللائكية الفرنسية التي لا تقبلها حتى البيئة الأوربية والغربية في عمومها هي التي يتبناها “العلمنجيون” اللائكيون في بلدنا، وهم يدرون أو ربما يتجاهلون أن هذا التاريخ المؤلم الطويل لم يحدث مثله في البلاد الإسلامية.
ثانيا – بخصوص اضطهاد العلماء باسم الدين كسبب للعلمانية ( مع المقارنة)
1- الحالة الأوربية: إن اضطهاد العلماء في أوربا في القرون الوسطى كان اضطهادا منهجيا مؤسسيا شمل أوربا كلها، فكيف لا يعرف العلمانيون ” محاكم التفتيش” التي تخصصت في إحصاء العلماء وإحصاء كتبهم وملاحقتهم وإعدامهم وحرق بعضهم، فلا يجهل متوسط المعرفة في هذا الشأن فهرس الكتب المحرمة (Index Librorum Prohibitorum) التي دخلت فيها الكتب العلمية، وليس الدينية واللاهوتية فقط، ومن العلماء الذين وضعت في هذا الفهرس كتبهم الأسماء الكبيرة المؤسسة للثورة العلمية الأوربية أمثال كوبرنيكوس، وغاليليو ، وديكارت ، وكيبلر ، وسيرفيت علاوة على الكتب الفلسفية المؤسسة لعصر الأنوار ككتب فولتير وروسو، وكانت، وسبينوزا وغيرهم. ويا ليت الأمر بقي على مستوى المنع، بل تم محاكمة العديد من العلماء مثل غاليليو، أو قتل أو حرق آخرين، أمثال: جوردانو برونو الإيطالي الذي احرقه الكاثوليك، وميغيل سيرفيت الإسباني الذي أحرقه البروتاستنت وهما أحياء.
فكيف بعد هذا التطرف الديني الشديد يبقى للمسيحية مكانة في ساحات العلم والسياسة والحكم في البلاد الاوربية والغربية، وفي البلاد المتأثرة بالحضارة الغربية.
2– الحالة الإسلامية :
أتحدى العلمانيين أن يأتوننا بقصص مثل هذه في التاريخ الإسلامي، أتحدى العلمانيين أن يحكوا لنا عن اضطهاد منهجي مؤسسي وعن محاكم تفتيش في الدول الإسلامية ضد العلم والكتب العلمية، توجب العلمانية. وقد استغربت كثيرا حين أدركت أن العلمانيين لا يعلمون أن بعض العلماء الذين اضطهدوا من بعض الحكام، والذين سنعود لقصصهم واحدا واحدا، لم تُمنع كتبهم العلمية الكونية من التداول ودراستها في المدارس والجامعات أبدا.
ألا يستحي هؤلاء حين يتهمون الإسلام والدول الإسلامية باضطهاد العلم والعلماء، كيف لم ينتبه هؤلاء أن حضارتنا اسمها “الحضارة الإسلامية” نسبة إلى الإسلام، نسبة إلى ديننا، ومن يسمي حضارتنا “الحضارة الإسلامية” (la civilisation musulmane) هم الغربيون أنفسهم.
أين يضع هؤلاء العلمانيون، في الجانب النظري والتوجيهي: كل نصوص القرآن والسنة التي تحث على العلم والنظر والتجريب، كيف ينظرون إلى قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقوله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقوله: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة”، وقوله: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ ، حتى الحيتانِ في البحرِ”
ثم في الجانب العملي: هل يمكن لحضارة تضطهد العلماء، كما يزعم العلمانيون في بلادنا، أن تنتج، الخوارزمي مؤسس الجبر والخوارزميات، والبتّاني مطوّر المثلثات والفلك، وابن الهيثم رائد البصريات والمنهج التجريبي، والرازي رائد الطب السريري، وابن سينا رائد الطب الموسوعي، والزهراوي رائد الجراحة، وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وجابر بن حيان رائد الكيمياء التجريبية، والبيروني رائد الجغرافيا والقياس وعلم المعادن، والإدريسي رائد رسم الخرائط، والجزري رائد الهندسة الميكانيكية، وابن البيطار رائد علم النبات والصيدلة، وثابت بن قرة من رواد الرياضيات والهندسة، وابن خلدون مؤسس علم العمران والاجتماع.
كيف لحضارة إسلامية تحارب العلم والعلماء، كما يزعم العلمنجيون، أن تهتم بترجمة علوم الحضارات السابقة، خاصة اليونانية والفارسية والهندية، ثم نقدتها وتطويرها والزيادة عليها والتفوق عليها. ثم نقلت هذه العلوم بسخاء إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية وحركة الترجمة إلى اللاتينية، فأسهمت في إحياء العلوم ومهدت للنهضة الأوروبية
ب – أما حالات اضطهاد بعض العلماء، فأولا مجرد إحصائهم ضمن عدد كبير من العلماء الآخرين الذين اشتغلوا في بيئة مشجعة على العلم، يدل على أنها حوادث معزولة لا علاقة لها بالعمل المنهجي والمؤسسي الذي عُرف في أوربا والذي كان سببا في انتصار العلمانية. وثانيا لم تُمنع الكتب العلمية لهؤلاء العلماء كما وقع في أوربا، رغم الخلاف معهم في مسائل أخرى، وثالثا لم يكن الاضطهاد أو التكفير شأنا رسميا في الغالب، بل نقاش مجتمعي بين العلماء والفلاسفة، ورابعا لم يكن سبب الاضطهاد سببا واحدا، ولم يكن في كل الأحوال ضد العلم الكوني. ولنقم الآن بفحص هذه الحالات المشهورة حالة حالة:
- أحمد بن حنبل (780 م- 855 م): الحالة التي يدحض تناولها حجة العلمانيين فلا يبقى لهم رأس يرفعونه في الساحة السياسية والفكرية، هي ما ذكروه في حجتهم عن اضطهاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه، في مسألة “خلق القرآن”، من حيث أنّ أحمد بن حنبل هو ممثل الحالة الدينية، فهو إمام عظيم مؤسس مذهب جليل من مذاهب الإسلام الأربعة العظيمة، وأن الذي اضطهده هو “المأمون” الحاكم السياسي الذي كان يسند مذهبا يمجد العقل وهو المذهب المعتزلي، أي عكس ما حدث في أوربا: المدارس والمذاهب الدينية المسيحية هي التي اضطهدت الاتجاهات العقلية. وفي هذا الاتجاه ليس أحمد بن حنبل فقط، كعالم شريعة ( عالم دين وفق المصطلح العلماني) الذي أوذي من قبل السياسيين، أوذي كذلك أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وابن تيمية، وغيرهم، بسبب معارضتهم الحكام في قضايا محددة، أو بسبب رفض توليهم القضاء أو الفتوى كما يريد الحكام. فلم يكن الإسلام هو الذي يضطهد كما كان الكاثوليك والبروتستانت ضد المخالفين، بل كان رموز الإسلام هم الذين يضطهدون.
- ابن سينا (ت1037م): طبيب وفيلسوف وعالم في الرياضيات والفلك والمنطق، وصاحب كتاب “القانون” في الطب. عاش في بيئة سياسية مضطربة، وتنقّل بين عدد من الإمارات، وتولى الوزارة في همذان، ثم اختلف مع الأمير شمس الدولة، فسُجن مدة، وبعد خروجه هرب إلى أصفهان حيث وجد حماية لدى علاء الدولة، وعمل في بلاطه طبيبًا ومستشارًا. لذلك ارتبطت محنه بمواقفه وعلاقاته السياسية وصراعات السلطة، وليس بالخلاف الفكري، وقد كان الخلاف مع أبي حامد الغزالي، الذي توفي قبله ابن سينا، مثلا، في كتابه تهافت الفلاسفة، خلافا فكريا لا علاقة له بالاضطهاد السياسي، وإنما كان متعلقا ببعض آرائه الفلسفية والعقدية، لا بممارسته للطب والعلوم، وذلك ضمن حرية الفكر والتعبير التي كانت منتشرة ومزدهرة في العالم الإسلامي. مع أن الغزالي شخص لا يمثل سلطة رسمية دينية أو سياسية، وفي كل الأحوال لم يحرم أحد كتب ابن سينا ومنجزاته في الطب والرياضيات والمنطق.
– أبو بكر الرازي (ت نحو925م) وهو من أعظم أطباء الحضارة الإسلامية، وله مؤلفات ضخمة في الطب، وأشهرها “الحاوي”، كما ارتبط اسمه بأبحاث في الكيمياء والمواد والعمليات المختبرية، وله في العلوم الإسلامية تفسير مشهور عند المسلمين، لا تثبت أي أخبار عن اضطهاده، ومنها أن حاكما ضربه بكتبه على رأسه، بسبب خلافات فلسفية وليس لأسباب علمية، وبقيت كتبه من المراجع العظيمة للحضارة الإسلامية، والبشرية عموما.
- وأما عن ابن رشد ( 1136- 1198) الذي يركز العلمانيون على محنته، فأولا يقع هؤلاء في جهالة تاريخية كبيرة بادعائهم أن الغزالي كفّر ابن رشد، في حين أن الغزالي توفي 15 سنة قبل ميلاد ابن رشد، ثم ثانيا أتعجب كيف لم ينتبه العلمانيون، أن هذه الأحداث حجج مضادة لتوجهاتهم. فابن رشد عالم موسوعي وإمام في العلوم الشرعية، يعد كتابه في الفقه المقارن “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” من أعظم المصنفات التي تعلمت عليه أجيال وشعوب في بلاد الإسلام، وكان من مراجعنا الأساسية التي تعلمنا منها في شبابنا وبرامج حلقاتنا العلمية، وهو في نفس الوقت عالم في الطب والفلسفة، اشتهر بترجمته لأرسطو. فهو – مرة أخرى – عالم دين اضطهد بسبب ببعض آرائه الفلسفية وليس بسبب منجزاته الطبية والفقهية واغلب دراساته الفلسفية، وكان ذلك في فترة وجيزة من عمره، والذي اضطهده هو ذاته الذي أعاد له الاعتبار. فالذي اضطهده وأحرق بعض كتبه ونفاه هو حاكم الدولة الموحدية أبو يوسف المنصور إرضاء لبعض الاتجاهات الدينية في بلاطه، ثم أعاده من جديد إلى مراكش وقرّبه إليه إلى أن توفي هناك، وبقيت إنجازاته العلمية مرجعا في الأمة وللبشرية كلها. فكيف يُعدّ هذا دليلا على اضطهاد الإسلام للدين؟
نعم، أين هذا من السياسة الممنهجة المؤسسية التي اضطهد بها العلماء من قبل الكاثوليك والبروتستانت في أوربا إلى أن هزمتهم العلمانية؟
وأمام كل الحجج التي ذكرناها ألا يستحي العلمنجية عندنا حين يحاولون تنزيل نفس الظروف التي نشأت فيها العلمانية في أوربا على بلادنا الإسلامية.
ثالثا – عن الصراعات والحروب السياسية
1 – الحالة الأوربية:
لا يجهل قارئ للتاريخ أن الشعوب الأوربية ودولها وحكوماتها هي الأكثر احترابا ودموية ضمن شعوب العالم، ودون العودة إلى التاريخ القديم اليوناني والروماني، والروماني البزنطي، فإنه يكفي أن نتذكر قصص القتل الجماعي المتبادل بين الدول والإبادة الجماعية التي اقترفها الحكام الغربيون ضد شعوبهم، وضد الشعوب الأخرى، لنتأكد من ذلك، والذي يهمنا أولا هو القتل الجماعي باسم الدين في الحالات التالية:
- حروب المائة سنة، والثمانين سنة، والثلاثين السنة التي أشرنا إليها أعلاه.
- الإبادة الجماعية للسكان الأصليين في الأمريكتين من قبل الإسبانيين والبرتغاليين والفرنسيين والإنجليز ، التي تجاوزت نسبة الوفيات بسبب القتل الجماعي والأوبئة والفقر 80 إلى 90 % من العدد الأصلي للسكان، وتحويل هذه البلدان إلى المسيحية واللغات الأوربية قصرا. وقد تم ذلك كله باسم الديانة المسيحية.
- القتل الجماعي ضمن حركة الاستعمار التي تمت باستعمال الدين كذلك، خصوصا الاستعمار الفرنسي في الجزائر ( 10 مليون ساكن من الاحتلال إلى الاستقلال)، والاستعمار البلجيكي في الكونغو (10 مليون ساكن) وغير ذلك ..
وحتى حينما أصبح الحكم قائما على العلمانية لم تتوقف جرائم الأوربيين ضد بعضهم البعض في الحروب النابليونبة ( حوالي 6 ملايين قتيل)، الحرب العالمية الأولى ( 20 مليون قتيل)، والحرب العالمية الثانية ( الأكثر دموية في التاريخ الحديث: في حدود 80 مليون قتيل)، وضد الشعوب الأخرى، باسم الحضارة الغربية (القنبلة النووية في اليابان، حروب العراق وأفغانستان، وفلسطين، وايران ..). وقد نجحت العلمانية الأوربية في تحويل أغلب الشعوب الأفريقية التي احتلتها إلى المسيحية بغرض التبعية الحضارية، وفشلت في ذلك في شمال أفريقيا بسبب قوة الإسلام وحصانته .
2– الحالة الإسلامية:
مهما تشدّق العلمانيون بخصوص الحروب والفتن في التاريخ الإسلامي فإنها لا تصل إلى شمول وعنف وآثار حروب الحضارة الغربية، سواء باسم الدين المسيحي مبكرا أو باسم الحضارة الغربية لاحقا، وفي كل الأحوال لم تكن الحروب في التاريخ الإسلامي في عمومها اقتتال ديني بالمعنى الذي عرفته بشاعة الحروب الدينية الغربية، بما يبرر فصل الدين عن الدولة، والانحرافات التي وقعت في التاريخ الإسلامي انحرافات سياسية، تصدى له علماء الشريعة ( علماء الدين) وعلى أساس ذلك اضطُهد بعضهم، والخطأ الذي وقع في الأمة أنها لم تكن صارمة تجاه تلك الأخطاء، التي تعايشت معها خوفا من استمرار الفتنة، ولم تؤسّس فكرا سياسيا باسم الإسلام يرفض شرعية الانتقال من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض.
وإذا أردنا أن نقف عند التحولات السياسية الكبرى لإنكار وجود مبررات لدخول العلمانية لبلادنا من هذه الزاوية نقول:
- لم تكن الفتنة الكبرى في بداية الإسلام حربا دينية تقوم على التكفير المتبادل كما كان بين الكاثوليك والبروتستانت، وإنما المعلوم من التاريخ بالضرورة أنها كانت بسبب التأويل، فالذين قتلوا عثمان رضي الله عنه رعاع من الناس أثر فيهم وقادهم اليهودي عبد الله بن سبأ، وعليّ كرّم الله وجهه قبِل التحكيم مع معاوية، والذين خرجوا عليه بسبب التحكيم ( الخوارج)، قال عنهم “إخواننا بغوا علينا”، ومعاوية كان يقر بفضل علي بن طالب وإنما كان يطالب بدم عثمان كوليّ لدمه. وحين أخطأ معاوية بتوريث ابنه خطّأه جمهور علماء السنة مع عدم إنكار صحبته، واعتبروا أن الحق مع علي، ولكن خضعوا للأمر الواقع بسبب الخوف من استمرار الفتنة، وهذا هو في ظني خطأ علماء الشريعة، فقد كان عليهم أن لا يعطوا الشرعية للتحول منذ البداية مع تقديم الاجتهاد النظري اللازم ولو في إطار التعامل مع الأمر الواقع.
- اما تداول الدول الإسلامية في الحضارة الإسلامية بين الأمويين والعباسيين ثم مختلف الدول التي ظهرت في أواخر الطور العباسي فقد خضع لسنن صعود وأفول الدول على نحو ما بينه عبد الرحمن بن خلدون. وفي كل تلك الفترات لم يكن ثمة اضطهاد ديني ممنهج ومؤسسي كما وقع في أوربا بما يبرر إبعاد الدين عن الشأن العام، بل إنّ الديانات الأخرى كانت تنعم بالأمن والازدهار، وهو ما يتحدث عنه المؤرخون الغربيون المسيحيون واليهود أنفسهم، خصوصا في حديثهم عن التعايش الديني في الفترات الإسلامية المتعاقبة وفي الأندلس والدولة العثمانية ودول المغرب العربي، كما شارك علماء الأديان الأخرى في الحضارة الإسلامية كحنين بن إسحاق المسيحي وابنه في العهد العباسي، وموسى بن ميمون اليهودي في الأندلس والمغرب ومصر، وغيرهم. ولم يتوقف العطاء الحضاري العلمي الذي دشنه الأميون وبلغ ألقه في عهد العباسيين كما ذكرناه أعلاه، ثم استمرّت القوة الإسلامية في عهد الدولة العثمانية التي تعايشت فيها كل المذاهب والطوائف الإسلامية والديانات والفرق المسيحية واليهودية وغيرها .
- لقد كانت الحروب بين الدول الإسلامية ضمن المنطق التاريخي السياسي، في كل الاتجاهات المذهبية، ولم تكن منهجيا على أساس مذهبي سوى الحروب العثمانية الصفوية بين القرنين السادس عشر والسابع عشر.
- وبخصوص هذه الحروب لم تكن حدثا يوميا مدمرا ذهب بالملايين كما حدث في حروب الكاثوليك والبروتستانت، ولكن صراعا متواصلا عبر حروب كر وفر متقطعة، ثانيا لم يتجاوز عدد القتلى الإجمالي عبر قرن من الصراع مئات الآلاف، خلافا لحرب ثلاثين سنة فقط أودت بحياة قرابة عشرة ملايين نفس ( في المراجع الأوربية ذاتها)، ثالثا – كانت خلفية تلك الحروب صراعا سياسيا في الأصل بين الدولة العثمانية، والسلاسة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل الأذري من قبائل الأوغوز التركية الذي أسس الدولة الصفوية في إيران الحالية وفرض المذهب الشيعي قسرا على شعوب المنطقة الذين كان أغلبهم من السنة. فصار الاستقطاب مذهبيا طائفيا، تداخلت فيه أبعاد جيوسياسية واقتصادية ودولية. وبقيت هذه الحادثة، كحالة استثنائية، من الناحية السياسية والمذهبية، إذ لم تكن تتعلق بشأن مكانة الدين في الشأن العام لدى الطرفين، ولم يتوقف العطاء العلمي الحضاري في الدولتين ضمن الحد الذي كان عليه المستوى الحضاري عموما في العالم الإسلامي. مع التأكيد في هذا المجال أن الدولة العثمانية تحاربت كذلك مع الدولة المملوكية في فترة ضعفها وعلى اثر هزيمتها في معركة مرج دابق عام 1516 انتقلت الخلافة الإسلامية من الخلافة العباسية المتداعية التي كانت تحت الحماية المملوكية إلى الخلافة العثمانية بفتوى من جمهور العلماء المسلمين.
رابعا – الحقبة العلمانية وتخلف المسلمين
لا يستطيع العلمانيون أن ينكروا بأن عالمنا العربي والإسلامي كان متقدما ومتطورا، وكانت اللغة العربية هي لغة العلم ابتداء من القرن التاسع الميلادي حين كانت الشريعة الإسلامية هي التي تحكم، بغض النظر عن صلاح هؤلاء الحكام أو فساد أولئك، وأن الذي أسقط الشريعة من الحكم بعد 14 قرنا هو ترهل الدولة العثمانية وانتشار اللهو والضعف والخلافات العرقية ( القومية العربية، القومية التركية “الطورانية” ، القومية الكردية)، و الطوائف المسيحية واليهودية و العملاء بدعم من بريطانيا وفرنسا ضد السلطان عبد الحميد ثم إسقاط الخلافة ضد إرادة الأغلبية الساحقة من المسلمين من الهند إلى الجزائر، ولم ينشأ في هذه المرحلة دولة إسلامية أخرى تحكم بالشريعة تخلف الدولة العلمانية.
وحين حكم العلمانيون بعد فترات الاستعمار، سواء بعلمانية متشددة كما حدث في تركيا وتونس وسوريا أو بعلمانية تكتفي بمرجعية الشريعة في الأحوال الشخصية والهوية الدستورية في باقي الدول العربية والإسلامية مع حساسية مفرطة لكل ما له علاقة بالدين في الشأن السياسي كانت النتيجة في الغالب: التخلف، الفقر، التبعية، فقدان السيادة، الصراعات البينية، ضياع فلسطين.
خامسا – النتيجة:
لقد كان لقيام العلمانية في الدول الأوربية أسباب تاريخيّة موضوعية، ثم ساهم الاستعمار و قوة الحضارة الغربية ومنجزاتها العظيمة في نقل الفكرة العلمانية إلى مختلف دول العالم. أما في العالم الإسلامي فإن الأسباب الجوهرية التي مكنت للعلمانية في أوربا لم تحدث فيه، وعلى العكس من ذلك كانت الحضارة الإسلامية هي حضارة العلم، وكان التعايش بين الديانات والمذاهب هي الحالة السائدة والمنهجية، وما حدث من انحرافات سياسية واضطهاد لبعض العلماء فلم تكن دوافعه العداء للعلم ورفضا للتنوع الديني وإنما هي حالات معزولة يمكن شرحها حالة حالة، كما فعلنا أعلاه، بما يفند استعمالها من قبل العلمانيين لتبرير العلمانية في العالم الإسلامي على نحو ما وقع في العالم الغربي.
واليوم أمام انكشاف حقيقة الحضارة الغربية وما تتصف به في مخيال الشعوب في البلاد الغربية نفسها ولدى شعوب الحضارات الأخرى، من إجرام ممنهج وإفساد معمم، وانهيارات أخلاقية، وفقر في العالم، وأوبئة، واستغلال، وفتن وحروب، فإن واجب المسلمين أن يثقوا في أنفسهم وحضارتهم لينهضوا من جديد، باسم دينهم وشريعتهم، ليعرضوا أنفسهم كبديل للبشرية أكثر عدلا ورحمة، بالتعاون مع غيرهم من الحضارات الأخرى التي تصبو إلى عالم جديد لا تحكمه العنجهية الأمريكية والأوربية الغربية. وضمن هذا الطموح تكون المعركة الداخلية ضد حلفاء الغرب في بلداننا، من العلمانيين وغيرهم، من المعارك الأساسية التي يجب الانتصار فيها، بالحجة أولا، ثم – خصوصا – بالعمل الجاد من أجل الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية ووحدتها وسؤددها، ضمن الخطوط السياسية والاستراتيجية كلها.