ثالثا ـ المؤشرات الرقمية.
مقدمة:
إن الذي دفعني إلى البحث في المؤشرات الرقمية للانتخابات التشريعية لحركة مجتمع السلم، من 1992 إلى 2026، هو الجدل الذي وقع في الساحة الإسلامية في داخل صف الحركة وخارجها، على إثر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة 2026، بين متحامل على القيادة الحالية ضمن نفسية تصفية حسابات ما، وكأنه لأول مرة يقع التراجع الانتخابي في الحركة متناسين انهيار 1991 والتراجع الكبير في 2002، ونتائج الحركة المخيبة ضمن تكتل الجزائر الخضراء عام 2012، خصوصا في الانتشار الجغرافي النيابي، ومهونين من حصيلة جيدة حققتها الحركة في هذه الانتخابات (43 مقعدا) رغم التزوير يسمح لها بالاستمرار والتطور في المستقبل إن أرادت، وبين رافض للنقد لما وقع من تراجع، محاولا تحميل القواعد وحدها المسؤولية، والتهوين من النتائج الجيدة السابقة، خصوصا نتائج 2021، بالحديث عن مؤشرات رقمية غير مكتملة وغير عادلة، وإلصاق التراجع في التزوير الذي هو سمة ثابتة في كل الانتخابات. ولا هؤلاء ولا هؤلاء تحدث عن الأزمة السياسية التي يتحملها النظام السياسي، خصوصا العزوف الانتخابي الذي بات يعدّ مقاطعة انتخابية شاملة، وما هي مسؤوليتنا في الحركة في هذه المقاطعة المتصاعدة التي بلغت في 2021 و2026 ، بعد سلسلة خيبات الأمل في التغيير عن طريق الانتخابات، حدا يكاد يلغي معنى هذه الاستحقاقات الانتخابية ويجعلنا جميعا ، السلطة أولا ثم نحن ـ كلنا ـ بعيدين عن توجهات المواطنين العامة واحتياجاته.
يقول الله تعالى في سورة النساء: ((نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ـ58 ))
ويقول عز وجل في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.
يُشكر السيد رئيس الحركة، الأستاذ عبد العالي حساني شريف، على اعترافه بالتراجع في الندوة الصحفية، وإن كان ثمة من يتحمل المسؤولية، فليس هو وحده، وربما لو كان غيره يقود الحركة ممن ينقده، في السر أو العلن، لوقع انهيار كامل، بل يتحمل المسؤولية معه المكتب التنفيذي الوطني، ورئيس الحملة الانتخابية وفريقه، وكل قيادات الحركة على المستوى المحلي، فهم من ساندوا الخط السياسي المتبع حاليا، والخطط الانتخابية، وتشكيل القوائم الانتخابية، علما بأن عملية الترشيح تتم ولائيا كالعادة دون أي تدخل من الهيئات المركزية في الحركة.
إن المنهجية التي اعتمدتها في هذه الدراسة لا تتعلق بانتخابات 2026 وحدها، أو أي انتخابات أخرى معزولة عن البيئة السياسية العامة. منهجية أنتقل من خلالها بالمتابعين إلى ملاحظة عمق الأزمة السياسية التي يتخبط فيها البلد، ويتخبط فيها بها التيار الإسلامي كله، منذ بداية التعددية، في مواجهة نظام سياسي قرر صد الطريق عليه، بكل تفاصيله، مهما بدا تقدم هنا أو تأخر هناك، وبخطط وآليات متعددة، تتطور من انتخابات إلى أخرى.
حاولت أن أثبت في هذه الدراسة الفرضية التي عرضتها في المقال الثاني بأن الحركة تتراجع في الانتخابات حين تقترب كثيرا من السلطة الحاكمة وحين يكون خطابها غامضا، لا هو خطاب موالاة واضح على شاكلة أحزاب الموالاة، ولا هو خطاب معارضة سياسية تضع نفسها عند الجمهور كبديل يريد الوصول إلى الحكم ديمقراطيا (ولو بعد حين)، خطاب لا يجعل لنفسه رقابة ذاتية تتعلق بالمواضيع والأشخاص والنبرة، ضمن المنهج السياسي السلمي، وما هو متضمن في الدستور المكتوب، وليس الدستور المفروض بالتحكم السياسي.
فالإشكالية التي أعالجها في هذه الدراسة لا تتعلق بالأشخاص، ولا هي دفاع عن نتائج ما أو تهوين لأخرى، إنما هي أرقام صمّاء لا يمكن تجاوزها، أريد من خلالها أن أنشغل بالسياسة وليس بالانتخابات وحدها، لأجزم بأن الاكتفاء بالعملية الانتخابية في عملية التغيير والإصلاح غير مجدية، بل تكون عقيمة ومديمة للأزمات، إن لم يكن معها أداء وخطاب يهدف إلى تغيير موازين القوة لصالح المجتمع في مواجهة تغول التحكم الرسمي، خدمة للبلد وخدمة لعموم الناس، بعيدا عن المصلحة الحزبية الضيقة ومصالح الأشخاص، الطامعين في عطاءات السلطة أو الخائفين من تحمل أعباء النضال، أو الذين يخضعون لابتزاز ما.
وأؤكد في هذه الدراسة بأن التزوير الانتخابي حالة مستدامة في كل الانتخابات، وأن مقاومته لها طريق واحد هو الاستعانة بعد الله بالشعب، والمقاومة السياسية، إذ كلما كانت رمزية الحركة قوية وجذابة تتقدم في النتائج رغم التزوير، وكلما كانت رمزيتها ضعيفة وخطابها غير واضح في مواجهة الاستبداد تتراجع أرقامها الانتخابية، وهذا الذي تبينه الدراسة بشكل واضح.
قد تكون هذه الخصوصية، خصوصية جزائرية، لا يزال النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكلي للحركة الإسلامية، ولكن هذه هي الحقيقة، يعمل على تحجيم التيار الإسلامي بالتزوير والتضييق، وتشتيته، وضرب بعضه ببعض، ولكن لا يزال لم يستطع إخفاء الدور الطلائعي الشجاع والمسؤول لحركة مجتمع السلم في مواجهة الإرهاب، في الوقت الذي كانت كثير من الوجوه المتشدقة بالحديث غير الصادق عن “الوطنية” غير معروفة أو لا دور لها، كما أن النظام السياسي لا يزال يحتاج وجود التيار الإسلامي في الواجهة، لبعض التوازنات، وخصوصا في الظل الأزمات متعددة الجوانب التي يعيشها والتي يتوقعها، وقد شرحت هذه الحقيقة في المقال الثاني لمن يريد الرجوع إليه.
وسأقدم في هذه المقاربة الرقمية عدة جداول:
1ـ جدول تطور النتائج الانتخابية للحركة في الانتخابات التشريعية من 1991 إلى 2026
2 ـ جدول تطور التنافسية.
3 ـ جدول تطور التقدم والتأخر في النتائج الانتخابية التشريعية عبر العهد التنظيمية الأربعة
ثم أقوم بتحليل الأرقام واستخلاص النتائج وفق الميزانين اللذين شرحتهما في المقال الثاني:
– ميزان: “الانتخابات يصنعها الناخبون ويتحكم فيها النظام السياسي”
– ميزان: “نتائج الأحزاب تصنعها أربعة عوامل: رمزية الحزب، حالة الحزب في الدائرة الانتخابية، عملية الترشيح والمرشحين، الحملة الانتخابية”
1ـ جدول تطور نتائج الانتخابات من 1991 إلى 2026
يرسم الجدول وفق المؤشرات التالية:
عدد المقاعد: كل تقدم يقابله سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼) ، ويضاف أو ينقص سهم عند التقدم أو التأخر ب 10 مقاعد، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر)
الرتبة:: سهم أخضر صاعد (▲) لكل رتبة متقدمة وسهم أحمر نازل (▼) لكل رتبة متأخرة الحد الأدنى سهم واحد، والحد الأعلى ثلاثة أسهم (عند التقدم أو التأخر).
تغطية الولايات: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم بخمس ولايات، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).
نسبة التمثيل في المجلس الشعبي الوطني: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).
نسبة التمثيل بالنسبة لعدد الأصوات المعبر عنها: كل تقدم سهم أخضر صاعد (▲) وكل تأخر سهم أحمر نازل (▼)، يضاف أو ينقص سهم عند التأخر أو التقدم 5%، الحد الأدنى سهم واحد والحد الأعلى ثلاثة أسهم ( عند التقدم او التأخر).
ملاحظة: حين تكون النتائج متقاربة: سهم أخضر صاعد، سهم أحمر نازل (▲▼).
| 2026 | 2021 | 2017 | 2012 | 2007 | 2002 | 1997 | 1991 | |
| ▼ ▼
من 65 مقعدا إلى 43 مقعدا |
▲ ▲▲
من 34 مقعدا إلى 65 مقعدا |
▲▼
نتائج متقاربة من 31 مقعدا إلى 34 مقعدا. بالنسبة لحمس
▼ من 47 مقعدا إلى 34 مقعدا (بالنسبة للتكتل)
|
حمس:
▼ ▼ تراجع من 51 مقعدا إلى 31 مقعدا
التكتل: ▼ تراجع من 51 مقعدا إلى 47 مقعدا |
▲ ▲
تقدم من 38 مقعدا إلى 51 مقعدا |
▼▼▼
تراجع من 69 إلى 38 مقعدا |
▲▲ ▲
زيادة من ـ إلى 69 (+ 3) مقعدا |
ـ | عدد المقاعد |
| ▼▼
تراجع من الرتبة 2 إلى الرتبة 4 |
▲
من الرتبة 3 إلى الرتبة 2 |
▲▼
متعادلة من 3 إلى 3 |
▲▼
متعادلة من 3 إلى 3 |
▲
من المرتبة 4 إلى المرتبة 3 |
▼ ▼
من المرتبة 2 إلى المرتبة 4 |
▲ ▲ ▲
من ـ إلى المرتبة 2 |
الرتبة | |
| ▲▼
نتيجة متعادلة (التقسيم الجديد: 35
التقسيم السابق: 32) |
▲
تقدم من 28 ولاية إلى 32 ولاية |
▲
تقدم من 19 ولاية بالنسبة للتكتل و18 ولاية بالنسبة ل”حمس” إلى 28 ولاية ( يعتمد الميزان المحدد على نتيجة الحركة |
▼
تراجع من 38 ولاية إلى 19 ولاية (التكتل) و18 ولاية حمس (بالميزان المحدد سهمان نازلان ولكن لأن الفرق بسيط يترك سهم واحد) |
▲
تقدم من 29 ولاية إلى 38 ولاية |
▼ ▼
تراجع من 40 ولاية إلى 29 ولاية |
▲▲▲
تقدم من ـ إلى 40 ولاية |
تغطية الولايات | |
| ▼ ▼
تراجع من 15,75 % إلى 10,5% |
▲
تقدم من %6.93 إلى 15,75 % |
▲▼
متعادلة بين 6،22 %6.93بالنسبة ل”حمس”
▼ تراجع من 10،17 إلى 6،93 % بالنسبة للتكتل |
▼
تراجع من 13،11 إلى
% 10,17(بالنسبة للتكتل) و % 6,22 (بالنسبة لحمس) |
▲
تقدم من 9،77 إلى 13,11% |
▼ ▼
تراجع من 18،16 إلى 9,77% |
▲▲▲
من ـ إلى 18.16. % |
النسبة في المجلس الشعبي الوطني | |
| ▲
تقدم من 4،52 إلى %8،51 |
▼
تراجع من 6،12 إلى % 4,52 |
▲ (حمس)
من 4،10 إلى 6،12 %
▲▼ من 6،22 إلى (التكتل) %6.12 |
▼
تراجع من 9،71 إلى 6.22٪ (التكتل: ) 4,10 ٪ (حمس) |
▲
صعود من 7،05 إلى 9,71% |
▼
تراجع من 14،80 إلى 7,05% |
▲▲
14.80 % |
النسبة بالنسبة للأصوات المعبر عنها |
ـ ملاحظات:
ـ وقع الانهيار الانتخابي في 1991 ووقع التراجع في عدد المقاعد في 2002 (38 مقعدا) و 2012 (31\ 47 مقعدا) و 2026 (43 مقعدا).
ـ تقدمت الحركة في النتائج في 1997 (69 مقعدا) و 2021 (65 مقعدا) وتأتي بعد ذلك 2007 (51 مقعدا).
ـ حصلت حمس على المرتبة الثانية مرتين في 1997 و 2021. والمرتبة الثالثة في 2007 و 2012 و 2021، والمرتبة الرابعة في 2002 و 2026.
ـ أحسن تغطية للولايات في 1997 (40 ولاية)، ثم تأتي 2007 (38 ولاية)، ثم تأتي 2021 و 2026 متقاربتان (32 ولاية) وفق تقسيم الولايات السابق (الذي يضم الولايات الجديدة: 3 ولايات إضافية)، ثم 2017 (28 ولاية)، وأضعف انتشار في 2012 (18 ولاية).
ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي نسبة 19% من التمثيل في المجلس الشعبي الوطني. أحسن تمثيل في المجلس الشعبي الوطني في 1997 (18،16%)، ثم في 2021 (%15,75 )، ثم 2007 (13,11%)، ثم 2026 (10,5%)، ثم في 2002 (9,77%)، وثم نتيجة متقاربة عام 2017 (6،93 %) وعام 2012 (بالنسبة لمقاعد الحركة: 6،22)
ـ لم تصل الحركة في كل مسارها الانتخابي 15% من عدد أصوات الناخبين المعبر عنها، أحسن نسبة عام 1997 (14.80 %7،05)، ثم تأتي بعدها انتخابات 2007 (9,71%)، وبعدها عام 2026 (%8،51)، ثم عام 2002 (7،05 %% 4,52)، ثم عام 2017 (6،12 %)، ثم عام 2021 (% 4,52)، ثم في الأخير عام 2012 ( 4,10 ٪ بالنسبة لحمس)
2 ـ جدول التنافسية:
يقصد بالتنافسية مقدار المسافات التي تفصل حركة حمس عن منافسيها في مختلف الانتخابات والتي يمكن ملاحظتها في الجدول من خلال تتبع أصواتها وأصوات الأحزاب التي كانت في دائرة المنافسة معها، وهم بشكل أساسي أحزاب التيار الوطني وأحزاب التيار الإسلامي، أما الأحزاب العلمانية فلم يُهتم بأصواتها لأنها لم تكن في أي انتخابات ضمن دائرة المنافسة مع حركة مجتمع السلم.
| 1991 | 1997 | 2002 | 2007 | 2012 | 2017 | 2021 | 2026 | |
| حركة مجتمع السلم | 1553154 | 523.464 | 556401 | التكتل: 475.049
حمس: 313.330 |
394833
(تحالف حمس) |
208471 | 431743 | |
| جبهة التحرير الوطني | 1497285 | 2.618.003 | 1314494 | 1.324.36 | 1655040 | 287828 | 736395 | |
| التجمع الوطني الديمقراطي | 3533434 | 610.461 | 597712 | 524.057 | 964729 | 198758 | 641623 | |
| جبهة المستقبل | 174.708 | 265667 | 153987 | 523915 | ||||
| حركة البناء | 239457
(اتحاد البناء والعدالة والنهضة) |
106203 | 376283 | |||||
| حركة النهضة | 915446 | |||||||
| حركة الإصلاح | 705.319 | |||||||
| حركة النهضة | ||||||||
| جبهة العدالة والتنمية | 198.544 | |||||||
| تاج | 270560 |
ملاحظات:
ـ يلاحظ أن التجمع الوطني الديمقراطي أخذ أكثر من 3،5 مليون صوت في 1997 بفعل التزوير الانتخابي العلني فأخذت الحركة نصف أصواته (1,5 صوت تقريبا) بفعل قوتها في هذه الانتخابات.
ـ في انتخابات 2002 اكتسحت جبهة التحرير الأغلبية بمناسبة عودتها لريادة أحزاب الموالاة فأخذت 2,6 مليون صوت من خلال التزوير الذي تحول في هذه الانتخابات إلى تزوير ذكي، وبسبب ضعف الحركة في هذه الانتخابات لم تستطع المنافسة وأخذت خُمس أصوات جبهة التحرير تقريبا (523.464).
ـ في انتخابات 2007 كانت الحركة في حالة تعافي نافست جبهة التحرير (المرتبة الأول: 1،3 مليون) فأخذت نصف أصواتها تقريبا (556401)
ـ في انتخابات 2012 تراجعت الحركة فنافست جبهة التحرير (1،3 مليون تقريبا) بربع أصواتها فقط (313.330 بالنسبة لحمس ، وعلى أكثر من ذلك بقليل بالنسبة للتكتل).
ـ في انتخابات 2017 كانت حركة حمس في طور الخروج من التراجع الكبير الذي وقع لها ضمن تكتل الجزائر الخضراء ولكن وجدت صعوبات جمّة سنشرحها لاحقا فأخذت (قرابة 400 ألف صوت) أي ربع أصوات جبهة التحرير تقريبا (1،6 مليون)، مع التنبيه بأن هذه الانتخابات هي التي وصل فيها العزوف الانتخابي إلى أدنى نسبه ليتعمق أكثر في الانتخابات الموالية، وأكثر العازفين هم الذين يئسوا من العملية الانتخابية، علاوة على بروز حالة جديدة من التزوير الانتخابي القبلي وهو ما يتعلق ب”الزبر الانتخابي” الذي يقصي من قوائم الترشيح المرشحين الأكثر تنافسية من مرشحي الحركة.
ـ الانتخابات التي كانت أصوات الحركة فيها قريبة جدا من أصوات الحزب الأول (جبهة التحرير الوطني: 287828 صوتا) هي انتخابات 2021 حين نالت المرتبة الثانية ب (208471) أي بفارق : 79353 فقط، وهي أهم صورة تنافسية لحركة حمس في كل الانتخابات التي شاركت فيها. ويلاحظ بأن كل الأحزاب في هذه الانتخابات تراجعت تراجعا كبيرا في عدد الأصوات ويعود ذلك إلى الخطة التي اعتمدتها السلطات في تعويم الساحة الانتخابية بعدد هائل من قوائم المستقلين بمعدل 20 قائمة في كل ولاية، وقد وصلت في بعض الولايات التي للحركة فيها حضور قوي إلى 40 قائمة، وكانت النتيجة ضياع قرابة 4،5 مليون صوت لم تتحول إلى مقاعد، فتنافست الأحزاب الأساسية كلها على قرابة مليون صوت فقط. مع التأكيد بأن أصوات الأسلاك المشتركة لها تأثير كبير لصالح الأحزاب التي تستفيد منها، خصوصا في فترات العزوف الانتخابي.
غير أنه لا بد من الإقرار بأن العزوف الانتخابي، وقدرة المستقلة على أخذ هذا الكم الهائل من الأصوات تحد عجزت الأحزاب على مواجهته، موالاة أو معارضة، مهما كانت مسؤولية السلطة في ذلك. وتتحمل الحركة قدرها من المسؤولية في ذلك، فهي قبلت اللعبة والتنافس على حيز محدود من أصوات الناخبين، ولم تكن لها القدرة على إقناع الناخبين بجدوى المقاومة السياسية داخل العملية الانتخابية المتحكم فيها. ولم نستطع في هذه الانتخابات (2021) إقناع الناخبين بأن المشاركة في الانتخابات هي مقاومة سياسية، وليست هي وحدها التي نعتمدها من أجل الإصلاح والتغيير، على شاكلة مشاركة الحركة الوطنية في الانتخابات التي كانت تزورها الإدارة الاستعمارية إلى غاية منعها عام 1955، أي سنة بعد اندلاع الثورة. مع تسجيل الفرق، بطبيعة الحال، في تغيّر أنواع الكفاح في زمن الاستقلال من أجل الحريات والديمقراطية، في ظل دولة وطنية جزائرية تعتبر الأحزاب جزء منها.
ـ في انتخابات 2026 تضافعت أصوات حركة مجتمع السلم (431743 صوت) ولكن أصبحت بعيدة عن جبهة التحرير (736395) بفارق (304652 صوت)، أي 4 مرات أكثر من انتخابات 2021، وقد تخلفت إلى المرتبة الرابعة بعد التجمع الوطني الديمقراطي وحزب المستقبل، واقتربت منها حركة البناء كثيرا لأول المرة بفرق 3 مقاعد و55460 صوت فقط. مع التنبيه بأن في هذه الانتخابات اختفت قوائم المستقلين فانفجرت فقاعة كبيرة من الأصوات انتفعت منها كل الأحزاب المتنافسة بحسب الترتيب الحزبي الذي أظهرته نتائج الانتخابات والموضّح في الجدول أعلاه.
ويلاحظ في الجدول بأن الحركة تجاوزها في 2026 لأول مرة وصيف جديد من أحزاب تيار الموالاة غير جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب المستقبل، الذي قدمت له السلطات خدمة كبيرة قبيل الانتخابات بتصعيد رئيسه لمنصب رئيس برلمان الاتحاد الأفريقي.
كما أنه اتضح بأن الأحزاب الإسلامية من غير مدرسة الشيخ محفوظ انهارت منذ انتخابات 2021، وبقيت الأحزاب المنشقة عن الحركة تأكل من رصيد الحركة وليس من رصيد الأحزاب الأخرى، فنافس حزب تاج وحزب البناء الحركة في انتخابات 2017 منافسة جادة دون أن يستطيعا الاقتراب منها، وبعد أن انهار حزب تاج واصل البناء التقدم في 2021 إلى أن التصق بالحركة في 2026. فهو يوشك أن يحقق هدف تجاوز حركة حمس ضمن توازنات ستخدم النظام السياسي أكثر من أن تخدمه هو، إذ دوره الأساسي سيبقى إضافة حزب موالاة آخر للسلطة، ينافس حركة مجتمع السلم، لا غير. وهو الآخر معرض للانهيار في أي لحظة إذا تغيرت المعطيات السياسية تغيرا عميقا، لغير صالح النظام السياسي، كما حدث لحزب تاج سابقا. وستبقى الحركة حاضرة مهما حدث لها من تراجع بسبب عمق جذورها في المجتمع، ووجود تيار مقاوم أصيل داخلها، اللهم إذا تغيّرت هويتها هي الأخرى تغيرا شاملا.
وما يقال بأن الحركة الإسلامية حققت في مجملها نتيجة طيبة إذا جمعنا عدد المقاعد التي حصلت عليها كلها تصورٌ غير دقيق لأنه في هذه الحالة يتعين كذلك جمع المقاعد التي تحصلت عليها أحزاب التيار الوطني التي انشقت كلها من جبهة التحرير الوطني فيكون الفرق بين التيارين شاسعا، وفق النتائج المقدّمة.
يتأكد كثيرا في جدول التنافسية بأن حزب الدولة الحقيقي هو حزب جبهة التحرير الوطني، الذي لا يمكن تركه يسقط أبدا مهما كان الثمن، وهي حالة نادرة في التعددية الحزبية في العالم إذ بقي يتصدر المشهد من الاستقلال إلى الآن ولم يتأخر إلا حين أسست السلطة الحاكمة حزبا جديدا لها (التجمع الوطني الديموقراطي) بعد أن أخذ الأستاذ عبد الحميد مهري جبهة التحرير الوطني إلى المعارضة تعبيرا عن رفضه عن الانقلاب الذي وقع بإلغاء نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية عام 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
يلاحظ كذلك بأن الأحزاب العلمانية غير موجودة في الساحة التنفاسية بالنسبة للحركة، فلم تمثل في أي انتخاب تحديا لها.
ويعود في هذه الانتخابات 2026 عن العزوف الانتخابي التي تعمّق أكثر، وعدم قدرة الحركة إقناع الناخبين للمجيئ للصناديق لدعمها في توجه المقاومة الانتخابية.
3 ـ جدول تطور نتائج العهد التنظيمية الأربعة وفق المؤشرات الانتخابية مرتبة حسب الأهمية.
| عدد المقاعد | الرتبة الحزبية | تغطية الولايات | التنافسية | النسبة في المجلس الشعبي الوطني | النسبة حسب الأصوات المعبر عنها | |
| العهدة الأولى
1991ـ2003 |
انهيار ، تقدم ثم تراجع |
تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع |
| العهدة الثانية:
2003ـ2013 |
تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع | تقدم ثم تراجع |
| العهدة الثالثة:
2013ـ2023 |
تقدم (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم | ثبات ثم تقدم | تقدم ثم تقدم | ثبات ثم تقدم | ثبات (بالنسبة لنتائج حمس في التكتل) ثم تقدم | ثبات ثم تراجع |
| العهدة الجارية:
2023 ـ |
تراجع | تراجع | ثبات | تراجع | تراجع | تقدم |
ملاحظات:
يلاحظ بأن التقدم ثم التراجع سمة مشتركة في العهدة الأولى والثانية، أما العهدة ثالثة كانت في تصاعد مستقر (سوى عدد الأصوات وقد تم تفسيره أعلاه ضمن جدول التنافسية)، أما العهدة الجارية فقد وقع لها انحناء نحو الأسفل في كل المؤشرات سوى النمو في عدد الأصوات الذي كان حالة مشتركة لكل الأحزاب للأسباب التي شرحناها أعلاه ضمن جدول التنافسية، وفي كل الأحوال نتيجة العهدة الجارية غير مكتملة، وحصيلة 43 مقعدا حصيلة مقبولة رغم التراجع، كما أن عدد الأصوات مشجع بالرغم من أنه يخص كل الأحزاب.
سنبين في التحليل العام، وفق تطور المؤشرات الرقمية، بأن الرمزية أولا وقوة الدائرة الانتخابية وعملية الترشيح والمرشح عوامل حاسمة في النتائج، قد تؤهل العهدة الحالية مستقبلا إلى التقدم إذا قرئت الأرقام قراءة صحيحة ضمن سياقاتها السياسية والانتخابية، أما الحملة الانتخابية، فقد كانت متقاربة في مستواها وحيويتها في كل الانتخابات سوى انتخابات 1991.
رابعا ـ التحليل العام للنتائج
لقد وضعنا في بداية هذه الدراسة ميزانين لتقييم النتائج:
الميزان الأول: ( الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي)، بالمعنى بأن التزوير الانتخابي وتدخل السلطات في نتائج الانتخابات أمر ثابت ولكن قوة الحركة (في العوامل الأربعة) تستطيع أن تقاوم التزوير لمنع الانهيار ، أو الصمود والثبات، أو التقدم. وكلما كانت الحركة في حالة الضعف أضر بها التزوير بقدر ضعفها.
الميزان الثاني: “يحكم نتائج الانتخابات أربعة عوامل: الرمزية، الدائرة النتخابية، عملية الترشيح والمرشح، الحملة الانتخابية”.
سنفحص في هذا المحور المؤشرات الرقمية التي سجلتها في مسارها الانتخابي وفق هاذين الميزانين،
وأثناء فحص المؤشرات نضع بين أعوننا قوله تعالى في سورة المطففين: ((وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ (1) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ (4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ (5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (6)) صدق الله العظم.
1 – تحليل النتائج وفق ميزان “الانتخابات يصنعها الشعب ويتحكم فيها النظام السياسي”
لقد خصصنا المقال الأول في هذه الدراسة لهذا الموضوع ولذلك لا نتوقف عنده كثيرا ونكتفي بالنظر إلى الحالة الشعبية وجهوزية الحركة لمواجهة التحكم الرسمي في كل انتخابات، على أننا سنعود إلى فحص أعمق للواقع الانتخابي للحركة وفق العوامل الأربعة في المحور الموالي.
– في انتخابات 1991 لم يكن ثمة تزوير وفق التصريح الرسمي لوزير الداخلية آنذاك الذي اعترف بنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول مصرحا بأن الانتخابات كانت حرة ونزيهة، وحركة ( حماس ـ الجزائر) لم تحصل على نتائج لأن الشعب الجزائري كان يريد التغيير بإلحاح وكان ملتفا حول الخطاب الإسلامي في فترة كانت قريبة من قوة الصحوة الإسلامية، فلم يلتقط في خطابنا ما يرمز إلى ذلك، وتنبيهات واستشرافات الشيخ محفوظ ذات المستوى الفكري العالي لم يفهمها أغلبية الشعب آنذاك قبل وقوع الأزمة.
– في انتخابات 1997 كان التزوير شاملا ومفضوحا ولكن الحركة استطاعت أن تقاومه وأن تحقق نتيجة جيدة بفعل نجاحها في طرح رؤية جذبت لها أصوات الناخبين، كانت تعبر عن الاحتياج الشعب للأمن والسلام أكثر من أي شيء آخر، وكان الخطاب واضحا جدا، يتميز بجلاء عن خط الجبهة الإسلامية للإنقاذ وناقدا قويا للنظام السياسي، ولو لا التزوير لكانت الحركة هي المرشحة لقيادة الحكومة.
– في انتخابات 2002 كان التزوير حاضرا مع عودة جبهة التحرير لريادة أحزاب الموالاة، وكان التزوير قد تطور إلى تزوير ذكي غير واضح في الغالب، يركز على التلاعب بالكتلة الناخبة وزيادة أعداد كبيرة وهمية من الأصوات لأحزابه ولرسم المشهد الانتخابي كما يريد، فأعطى نتائج ساحقة لجبهة التحرير غير منطقية في العديد من الولايات ( باتنة، الجزائر، الشلف، بجاية، تيزي، تلمسان، الجلفة، سكيكدة، مسيلة، وهران، ..) ونظرا للتراجع الشعبي الذي عرفته الحركة، بسبب عدم وضوح الخطاب الذي عبّر عنه الشيخ محفوظ بقوله “نحن في الحكومة ولسنا في الحكم” واستراتيجية “رجل في السلطة” بسبب الوجود في الحكومة و”ورجل في المعارضة” بسبب الخطاب الناقد، ثم حرص الشيخ محفوظ على الترشح للانتخابات الرئاسية ضد بوتفليقة عام 1999 ثم رجوعه لمساندته – علاوة على ترهل البيئة الداخلية – لم تتمكن الحركة من مقاومة التزوير فوقع تراجع كبير في المؤشرات الانتخابية الرقمية.
– في انتخابات 2007: تعمق التزوير الذكي ولكن الإقبال النسبي الذي كانت عليه الحركة على المستوى الشعبي وفي البيئة الداخلية ساهم في تحقيق تقدم نسبي في الانتخابات في أغلب المؤشرات، وقد اعتقد كثير من الناخبين بأن وجود رئيس جديد مفوه وجريء ( مبادرة فساد قف عام 2006) سينقل الحركة إلى موقع مقاوم جديد، ولكن استمرار ضبابية الموقف جعل التقدم نسبيا.
– في انتخابات 2012 : كان التزوير حاضرا بقوة دفع إليه الخوف من تداعيات الربيع العربي، بشكل خفي وعلني، خصوصا في عدد من الولايات ( الشلف، أم البواقي، باتنة، بجاية، البليدة، البويرة، تلمسان، تيارات، الجلفة، سيدي بلعباس، وهران ..) وبسبب التراجع الشعبي الكبير، الناتج عن عدم وضوح الخط السياسي، الذي أصبح يميل أكثر فأكثر نحو الموالاة، وكذا آثار دعم فتح العهدات عام 2008، إلى أن جاء الربيع العربي ففُهم موقف تكتل الإسلاميين وقطع الصلة مع التحالف الرئاسي عند السلطة وعند شرائح كثيرة من النخب بأنه موقف انتهازي، فلم ينجح تكتل الجزائر الخضراء في تحقيق ما كان يتوقع منه في الانتخابات، إذ سمح بالصمود فقط، وكانت آثاره السلبية على الحركة كبيرة جدا في أغلب المؤشرات الانتخابية، كما تسبب في تململ داخلي كبير، خصوصا في الشرق الجزائري بسبب توزيع رؤوس قوائم الترشح، وبقيت الحركة تجر هذه الحالة السلبية في الانتخابات الموالية.
– في انتخابات 2017: كان التزوير حاضرا كالمعتاد، خصوصا في الولايات المعتادة ( سطيف، باتنة، البليدة، تلمسان، تيارت، الجزائر، سطيف، سيدي بلعباس، المدية، مستغانم، المسيلة، وهران، الوادي، ميلة، غليزان)، كما عرفت هذه الانتخابات بروز العزوف الشديد للناخبين، ورغم هذه الأوضاع السياسية والانتخابية الصعبة، وإرث التكتل استطاعت الحركة الصمود والتقدم النسبي في بعض المؤشرات المهمة بسبب وضوح خطها السياسي المعارض عند الناخبين فحققت نتيجة عبرت عن الثبات والصمود والتقدم النسبي بالنسبة لنتائج الحركة السابقة.
– في انتخابات 2021 تعمّق العزوف الانتخابي، وتم اعتماد خطة خطيرة لكسر تنافسية المرشحين المحليين، أولها زبر عدد معتبر من المرشخين الأقوياء ومواجهت الآخرين فردا فردا في حواضنهم الاجتماعية الخاصة بالقوائم المستقلة، إذ تم إغراق الساحة الانتخابية بالقوائم المستقلة لتشتيت الأصوات حتى لا تستفيد منها الحركة في فترة تراجع جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي (الحزبين اللذين لم يحصل مجموع مقاعدهما على الأغلبية لأول مرة). ورغم خطورة الخطة، ورغم الأوضاع الداخلية الصعبة بسبب آثار الانشقاق الأول والثاني، فإن الحركة استطاعت أن تقاوم هذا الوضع الجديد (المضاف الى التزوير الاعتيادي) بسبب تحسن رمزيتها، ووضوح خطها، وبسبب تغيير قانون الانتخابات ( القائمة المفتوحة) الذي أصبح يدفع إلى فعالية أفضل للمرشحين.
– في انتخابات 2026 انفجرت فقاعة أصوات القوائم المستقلة فساعد ذلك على ارتفاع نسبة أصوات الأحزاب كلها، ولكن التزوير بقي سيد الموقف، وحادثة قطع شبكة النت التي تغير بعدها مسار النتائج مؤشر كبير لذلك. وبالرغم من التراجع البيّن لنتائج الحركة في مختلف المؤشرات بسبب تراجع الخط السياسي المعارض، والدخول في مساحة الغموض في الخطاب، فقد استطاعت أن تصمد بفعل استمرارها في المعارضة رسميا وبفعل فاعلية المرشحين على إثر القائمة المفتوحة.
2– تحليل النتائج والمؤشرات الرقمية وفق ميزان العوامل الانتخابية الأربعة.
على مستوى الرمزية:
بشكل مجمل وقع للحركة انهيار وثلاث هبات وصمود وثلاث تراجعات، وقد كان وراء كل تراجع حدث تاريخي معروف أنتجته بيئة داخلية وخارجية تتحرك فيها الحركة. فانهيار 1991 سببه الخط السياسي على نحو ما ذكرناه أعلاه رغم قوة التنظيم وتماسكه آنذاك. وتراجع 2002 سببه المباشر سوء تسيير الانتخابات الرئاسية 1999 بمواجهة بوتفليقة ثم العودة المفاجئة لمساندته، مما تسبب في فتور كبير عند المناضلين والرأي العام تجاه الحركة. وتراجع 2012 سببه دعم فتح العهدات عام 2008 ، الذي عبّر عن اندماج كبير للحركة في منظومة الحكم دون وجود فعلي في السلطة، وحين اتخذ القرار في بداية نفس السنة بفك الارتباط مع التحالف الرئاسي والبقاء في الحكومة فُهم من قبل الناخبين بأنه تصرف انتهازي غير مفهوم وغير واضح ومتردد و يخرج الحركة من دائرة التيار الشعبي الصاعد في البلاد العربية.
وأما التقدم في 1997 فسببه رؤية سياسية تقبلها الشعب الجزائري تتوافق مع احتياج الأمن والسلم لدى الشعب الجزائري في ذلك الوقت، تم التعبير عنها في الخطاب دون تردد، خصوصا ما تعلق بخطاب المصالحة الوطنية، قبل أن يصبح خطابا رسميا، وكذلك مختلف المبادرات لوقف الأزمة ( مدونة كلها بالتفاصيل في كتابي “مبادرات لحل الأزمات”)، مع تحميل أطراف الأزمة كلهم المسؤولية دون مواربة.
وبخصوص تقدم 2007 فإن سببه التغيير الذي وقع بعد وفاة الشيخ والاعتقاد بأن ذلك سيؤدي الى تغيير الخط السياسي على شاكلة مبادرة “فساد قف” التي أطلقت في 2006 وتم التعامل معها بقسوة من قبل الرئيس بوتفليقة. أما الثبات ـ رغم البيئة الصعبة في 2017 ـ فسببه الدخول في مرحلة سياسية جديدة واضحة على مستوى الخطاب الرسمي، ولكن عليها ضبابية بسبب رواسب الماضي وعدم دخول الحركة بكليّتها وبكل قادتها في المرحلة الجديدة، ثم حدث التقدم في 2021 بسبب الخط السياسي الجديد الواضح، الذي تناسب مع مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، وما قابله من تجاوب داخلي وخارجي كمؤشر على جدية التوجه المعارض الواضح.
وحين لم تتم المواصلة على ذات الخط المعارض معارضة واضحة بعد ذلك، رغم الوجود الرسمي في المعارضة، وقع اضطراب في فهم الخط السياسي الجديد للحركة، فوقع التراجع في 2026. وما يقال عن تقصير المناضلين في الانتخابات وفق ما جاء في تقارير الحركة، رغم فوائد القائمة المفتوحة، فإن سببه كذلك ضبابية الرؤية السياسية عند المناضلين.
على مستوى الدائرة الانتخابية:
– في 1991كانت الحركة تمر بتململ داخلي كبير منذ المؤتمر التمهيدي عام 1989 ثم بعد تأسيس الحزب، وقد أدى هذا التململ إلى انشقاقين عانت منهما الحركة لسنوات، كما أدى بروز الظاهرة الشعبية الكبيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى تأثر العديد من إطارات الحركة الذين رفضوا خطاب الشيخ محفوظ نحناح ضد جبهة الإنقاذ، وقد كثيرا رحمه الله في التعامل معهم. كما أثرت البيئة العامة على الأداء الإعلامي والسياسي وفي مجال العلاقات للحركة. وكانت الحركة بشكل عام في حالة إنقاذ الذات والبحث عن التميز والاستعداد للمستقبل.
– في 1997 استرجعت الحركة بريقها بفعل الرؤية السياسية الواضحة المعبر عن احتياج ملح للشعب الجزائري كما ذكرنا أعلاه، وقد أدى هذا إلى ارتفاع معنويات المناضلين والقادة لشعورهم بالدور الأخلاقي الكبير الذي يقومون به من أجل بلدهم ومشروعهم، وبسبب قبول خطابهم والاحتفاء به من طبقات واسعة من النخب والجماهير، وحتى داخل النظام الرسمي. كما استطاع الشيخ محفوظ اعادة بناء الطبقة القيادية بجيل شاب وثق فيهم وأهلهم، وكانوا هم في مستوى الوفاء والمسؤولية، فقويت البنية التنظيمية وانتشرت الهياكل على المستوى الوطني، وتعمّق توجه بناء المؤسسات المتخصصة ( المؤسسة الاجتماعية والمؤسسة الطلابية والشبيبة)، وهيمن الأداء الإعلامي للحركة وامتدت علاقاتها داخليا وخارجيا.
– في 2002 دفعت الحركة ضريبة تغير موقف الشيخ محفوظ المتشدد تجاه بوتفليقة ( كان يوزع بنفسه قصاصات جرائد عن ملفات فساد لبوتفليقة سابقا لاعتمادها في الخطاب ضده) ومساندته بعد ذلك. وقد كانت حالة الفتور العام للمناضلين متوقعة رصدناها في اللقاءات التشاورية المكثفة الموسعة التي أجريناها بعد اتخاذ قرار المساندة لدراسة آثار ذلك على الصف الداخلي. كثير من المناضلين انسحبوا بصمت، وصارت الانتقادات في وجه الشيخ محفوظ تتصاعد ( أبرزها حادثة لقاء بومرداس)، بل هناك من قيادات الحركة من طالبوا بعدم اعتماد صورة الشيخ محفوظ في ورقة التصويت ( وفق ما اعتمد رسميا آنذاك). وتبع هذا الفتور فتور عام في كل المجالات، وصادف ذلك صعود عبد الله جاب الله كشخصيّة معارضة إسلامية بديلة حقق نجاحات في ولايات لا يوجد له فيها أي تنظيم وتجاوز الحركة في النتائج وفي المرتبة الحزبية.
– في 2007 – جاءت هذه الانتخابات ضمن وضع داخلي يتميز بتدافع شديد على اثر أحداث مؤتمر 2003 بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، فكانت الحركة تشتغل بتسارعين داخل التنظيم الواحد، الجناح المقتنع بشرعية المؤتمر يركز على الصف الداخلي والتطوير الإداري والمهاري، ورمزية رئيس حركة جديد له رصيد دعوي تاريخي وقدرات خطابية معتبرة، والمعترضين عليه يركزون على البعد السياسي حول “المجلس السياسي” وعلى كفاءة وخبرة طبقة قيادية معتبرة. ورغم الآثار السلبية لهذا التدافع، الذي لم يكن مرصودا خارجيا كثيرا، فإنه خلق حيوية داخلية كبيرة، تأكدت في التنافس الكبير لإنجاح مرشحي الطرفين ضمن الحزب الواحد، انتج كتلة برلمانية معتبرة ( مقارنة ب2002) تعدادها 51 نائبا سرعان ما انقسمت شطرين حينما تعمق الخلاف وتحول إلى انشقاق ثم تأسيس الحزب الجديد. ورغم هذا التنافس الداخلي تطور الأداء على مستوى المؤسسات وعلى المستوى الإعلامي والانتشار. غير أن الحركة دخلت بعد هذه المرحلة في أزمات كبيرة على مختلف الأصعدة.
– انتخابات 2012: جرت هذه الانتخابات في أجواء الربيع العربي، وكانت الحركة قد قررت فك الارتباط مع التحالف الرئاسي بعد جدال كبير داخل مجلس الشورى الوطني، هدد فيه بعض الوزراء وبعض الإطارات بالاستقالة من الحركة إذا قررت الحركة الخروج من الحكومة رغم التوجه العام في المناقشات الداعي إلى ذلك. عندئذ أصبح ثمة فرز واضح داخل الحركة، يتحول أحيانا إلى تدافع قوي على أساس الخط السياسي. ومن جهة أخرى كانت المصاعب الداخلية مستمرة بسبب الصراعات الناتجة عن الانشقاق الذي أصاب الحركة في 2008 والتي زادها التدخل غير الموفق والمنحاز لعدد من العلماء والدعاة من خارج الجزائر تعقدا واضطرابا. وكانت المؤسسات الثلاثة من أكبر ضحايا ذلك الصراع إذ امتد إليهااليها الخلافات ومنها من خرج من دائرة الحركة تماما لاحقا.
– انتخابات 2017: كانت الحركة تشكو داخليا من ثلاث مشاكل كبرى: آثار “تكتل الجزائر الخضراء” في الانتخابات التشريعية عام 2012 والتي ترسخت أكثر في الانتخابات المحلية، خصوصا حالة الفراغ الانتخابي والاضطراب التنظيمي في جغرافية واسعة، خصوصا في الشرق الجزائري، وآثار الانشقاق الذي وقع في 2008، الذي تحول إلى منافسة حزبية جادة في 2017، وأثر الانشقاق الذي حدث في نهاية عام 2012 على المستوى الداخلي وفي الصورة الخارجية للحركة، والذي تحول إلى حزب سياسي آخر ( حزب تاج) نافس الحركة بجدية في انتخابات 2017. وقد أدى كل هذا إلى حالة فتور عام للحركة. غير أن اعتماد الحركة رؤية جديدة نأت من خلالها بنفسها عن الصراع مع الإسلاميين وركّزت المواجهة السياسية مع النظام السياسي دون غيره عبر خط سياسي معارض واضح، و التوجه نحن التنسيق الجاد مع أحزاب المعارضة على نحو جديد في الحركة أعطى للمناضلين رسالة متجددة شغلتهم بأشواق واعدة حسنت صورتهم في محيطهم. كما ساهمت مشاريع الوحدة مع الحركات الإسلامية، خصوصا مدرسة الشيخ محفوظ، والتي توجت بالوحدة مع جبهة التغيير، في تحسين صورة الحركة التي لزمتها سابقا بصفتها حركة تنازع وانشقاقات. بالإضافة إلى رؤية التركيز على الخط الاستراتيجي بتأسيس عدد من المؤسسات الجمعوية التي سمحت بتشغيل أعداد كبيرة من الإطارات والمناضلين كانوا غير فاعلين داخل التنظيم وأدت إلى شيء من الانفتاح داخل المجتمع. ويجدر الإشارة إلى أن الخط السياسي والاستراتيجي الجديد عرف مقاومة شرسة من الأطراف التي كانت تفضل البقاء في الحكومة، وحتى داخل المكتب التنفيذي الوطني لم يدخل جل أعضائه في الخطاب المعارض إلا بصعوبة كبيرة. ولكل ما سبق ذكره استطاعت الحركة أن تثبت في وقت كان يقال على مستوى بعض الإطارات بأنها لن تتجاوز 10 مقاعد.
– انتخابات 2021: في انتخابات 2021 كان خط المعارضة قد تمكن واستقر في المحيط الداخلي للحركة، وكانت نجاة الحركة من مقصلة الحراك الشعبي تمثل حالة اعتزاز لدى العديد من المناضلين لما رأوه من استهداف شامل من قبل الجماهير في المسيرات لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. وكان الوضع التنظيمي قويا بمغادرته حالة الصراعات والانشقاقات التي عرفتها الحركة منذ تأسيسها، على ما بيناه سابقا، كما أصبح الاهتماهم بالتنافس مع الإسلاميين الآخرين منعدما في التفكير والسلوك والخطاب. وتم استرجاع مؤسسة الطلبة من الجهة التي اخذتها سابقا، واصبحت المؤسسة الاجتماعية مستقرة وفاعلة، وظهرت ثمار المؤسسات الجديدة، إذ بات شباب الأكاديمية هم طواقم التأطير الإداري والإعلامي والفني مركزيا ( إلى حد الان من الطابق السفلي إلى الطابق العلوي في المقر)، وحققت المؤسسات العاملة لفلسطين إنجازات كبيرة شرفت الجزائر والحركة، وبات تحفيظ القرآن بعشرات الآلاف يضفي بركة مستحقة على الحركة وقادتها، وظلت دورات مخيمات العناية التربوية والدعوية بالنساء والشباب والأطفال لا تتوقف عبر المؤسسة المتخصصة. كما تحسن الأداء الإعلامي والرقمي وتنظيم المهرجانات ببروز طبقات شبابية واسعة من الإعلاميين والفنيين الذين تم تدريبهم وتأهيلهم في أكاديمية جيل الترجيح والذين لا زالوا يواصلون مهامهم مع القيادة الجديدة. وعلى اساس كل هذا استطاعت الحركة أن ترتقي على مستوى التنافسية بشكل كبير كما تؤكده الأرقام المذكورة أعلاه، مع أحزاب المولاة من جهة، ومع الأحزاب الإسلامية من جهة أخرى.
– انتخابات 2026: كانت البيئة الداخلية للحركة جيدة جدا ومؤهلة لتنافسية كبيرة، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي، و المكتسبات الموروثة من العهدة السابقة، من حيث المؤسسات والأداء الإعلامي والتقاليد الإعلامية والإدارية، والموارد البشرية المدربة، في الولايات وعند الشباب، وعلى مستوى العلاقات. غير أن تغيير الخط السياسي خلق واقعا جديدا أرجع الحركة إلى ما قبل 2013 من حيث الخطاب رغم وجودها رسميا في المعارضة. وقد ادى هذا الخطاب إلى صعود نخب الحركة المقتنعة بالاقتراب الأبدي من السلطة وتأخر المقتنعين بالمقاومة السياسية، محليا ومركزيا. إلقد كانت هذه الحالة متوقعة إذ إن الطبيعة المسالمة والمهادنة لعدد واسع من إطارات الحركة كامنة في التشكيلة الجينية لنفسياتهم، تشكلت في جو الفتنة الدموية في سنوات المأساة الوطنية ساهم الشيخ محفوظ في ترسيخها ولم يطل به العمر للتصحيح حين تغيرت الظروف بعد أن غدر به النظام السياسي في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية عام 2002. كما لم تكن السنوات العشر بين 2013- 2023 كافية لتغيير التشكيلة الجينية والعودة بها إلى اصولها في الثمانينيات، علاوة على أن المقاومة الداخلية للعودة بالحركة إلى سنوات المهادنة أو الخط المتردد كانت قوية. وما إن توقف المد المتصاعد لخط المعارض الواضح باعتماد الأسلوب المتردد بين السلطة والمعارضة حتى لقي قبولا عند من بقوا في الهياكل. غير أن هذا الخط عطّل النضالية نحو الفضاء الخارجي وحول الحركة إلى سلسلة أنشطة داخلية لا تتوقف دون تأثير مهم في الخارج، وأعاد في الإطارات نفسية الانتظارية وعقلية التموقع والتعلل بالأوضاع الخارجية الصعبة، التي اعتمدت كثيرا في زمن الإرهاب وبعد 11 ديسمبر ، وفي زمن تغول النظام البوتفليقي وادّت في كل مرة إلى التراجع.
على مستوى عملية الترشيح والمرشح:
– في انتخابات 1991 لم يكن الترشح ميسورا ولا ممكنا، ورغم ذلك قدمت الحركة إطارات ذات كفاءة ونزاهة في الدوائر الانتخابية، ففضل الناخبون عليهم مرشحين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ لا يملكون، في الغالب، تاريخهم النضالي ولا مستواهم العلمي، سوى المنافسة في دائرتين انتخابيتين كانتا تمثلان معقلين من معاقل الحركة.
– في انتخابات 1997، كان الترشح يمثل بطولة وتضحية ومسؤولة، ضمن أجواء الفتنة وتهديدات الجماعات المسلحة ” من الصندوق إلى الصندوق” فقدمت الحركة من أحسن إطاراتها ورموزها، وتم ذلك في إطار الانسجام التام والتضامن، والاعتزاز بالرؤية التي اشتهرت بها الحركة على نحو ما ذكرناه أعلاه
– في انتخابات 2002 إلى غاية تغيير قانون الانتخابات واعتماد القائمة المفتوحة عام 2021 أصبحت عملية الترشيخ سبب رئيسي للتوترات الداخلية بسبب الصراع على رؤوس القوائم، وقد صارت ساحة الصراع هي الهياكل التنظيمية التي يتم التنافس عليها في عدد من الولايات من أجل رؤوس القوائم. مما جعل الحركة لا تدخل بكل قوتها التنظيمية في الانتخابات بعد أن يحسم أمر الترشح لجهة من الجهات المتنافسة. وفي كل هذه الترشيحات كانت الحركة تقدم اطارات أصحاب كفاءة ونزاهة في الغالب ولكن قليل منهم من تظهر فاعليته في المجالس.
– أما في انتخابات 2021 وانتخابات 2026 فقد ساهم نمط القائمة المفتوحة في تحقيق الاستقرار في الترشح والخروج من حالة تأثر التنظيم بالصراع على القوائم، وأحدث فاعلية أفضل للمرشحين جميعا في القائمة، ولكن هذا النمط الانتخابي طرَح مشاكل جديدة منها تزامنه مع استراتيجية الزبر الانتخابي التي اعتمدتها السلطة الحاكمة ، والذي طال عددا كبيرا من القيادات التنظيمية المرشحة وكثيرا من الشخصيات القادرة على المنافسة، ومنها عدم نجاح من استطاع من هذه القيادات التنظيمية أن يترشح، بالإضافة إلى إتاحة فرصة للإدارة الرسمية لاختيار من يفوز في قائمة الحركة إن أرادت. وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع كبير للاهتمام بالانتخابات عند كثير من كوادر الحركة صادف حالة عزوف عند الشعب الجزائري للمشاركة في الانتخابات.
على مستوى الحملة الانتخابية :
لقد تحولت الحركة مع مرور الزمن إلى آلة انتخابية ذات فاعلية وكفاءة عالية لا يضاهيها في ذلك أي حزب سياسي في الجزائر، غير أنه اتضح مع توالي الانتخابات بأن الحملة الانتخابية مهما كانت قوية لا تأثير لها في النتائج، إلا إذا كانت تجري ضمن رمزية جيدة للحركة، وقوة معتبرة في الدائرة الانتخابية، ونجاح عملية الترشيح وبروز مرشحين أقوياء يستطيعون اضافة رمزيتهم وحواضنهم الانتخابية لما لدى الحركة من عوامل القوة. غير أنه اتضح بأن الحملة الانتخابية تنفع في أمر وتضر في أمر آخر. تنفع من خلال إظهار قوة الحركة التنافسية بما يجعل النظام السياسي يتهيّب من التغييب الكامل لها في النتائج، ويضر من حيث أن النظام السياسي يتجه إلى الصرامة في قرار التزوير إذا ظهرت قوة الحركة في الحملة الانتخابية. وقد حدث هذا في 1997 حيث نزلت تعليمات التزوير في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية، بعد ظهور الحشود الكبيرة في التجمعات والعمل الجواري، وحدثت في كل الانتخابات بعد ذلك، حيث أخذ النظام السياسي كل المقاعد في بعض الولايات بالتزوير بسبب الهلع على نحو ما ذكرناه أعلاه، إلى آخر انتخابات في 2026 وفق ما قدمته هياكل الحركة من تقارير.
خامسا – الخلاصة:
ما يمكن استنتاجه من كل ما سبق:
1– في الشأن الانتخابي.
– أسوء صورة يكون فيها الحزب حين يكون في منزلة بين منزلتين لا هو معارض جاد ولا هو في الموالاة، فلا تصوت عليه القوى الناخبة المعارضة ولا القوى الموالية، ويكتفي بالحاضنة الشعبية الضيقة حول الهياكل التنظيمية والمرشحين.
– تتقدم الحركة حين يكون خطاب الحركة واضحا جليا يعبر عن احتياج شعبي مرحلي، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة، على نحو ما وقع في 1997 و 2021.
– الخطاب الذي قد ينفع في مرحلة ما، قد لا ينفع في مرحلة أخرى، وإنما الخطاب الذي ينفع هو الذي يستجيب لاحتياجات المرحلة، فالخطاب الهادئ التصالحي مع النظام السياسي نفع في مراحل المأساة الوطنية ومع جيل المأساة الوطنية، ووسائل الاتصال التقليدية، ولا ينفع في زمن الوضع الاجتماعي المزري، والتضييق الشامل للحريات، وانسيابية المعلومات في زمن الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي.
– اتضح جليا من خلال دراسة المؤشرات الرقمية الانتخابية بأن التراجع الانتخابي توافق مع مواقف غير شعبية لصالح النظام السياسي، في انتخابات 2002 بعد دعم بوتفليقة في 1999، وفي 2012 بعد دعم فتح العهدات في 2008. وما صاحب ذلك من تردد في الموقف والخطاب، ويمكن اعتبار السقف المنخفض في 2026 في بعض القضايا الشعبية، مثل القضية الفلسطينية، وحالات الفساد المستشري والفشل التنموي، والظلم وتضييق الحريات سبب في التراجع الانتخابي والفتور لدى عدد كبير من مناضلي الحركة الذين لم ينخرطوا في العملية الانتخابية.
– وعلى العكس من ذلك لم يتحقق تقدم متواصل، وفق ما تبينه الأرقام الانتخابية المتعلقة بالعهدات الثلاث، إلا في عهدة 2013-2023 في ظل موقف معارض واضح مستقر غير صدامي تناسب.
– وقد أكدت دراسة المؤشرات بأن الرمزية عامل أساسي في الانتخابات يحسم بالجملة أو يؤدي إلى الهزيمة أو التراجع بالجملة. وأن رمزية الحركة لا تؤثر في البيئة الخارجية فقط، بل في البيئة الداخلية أولا. فتؤدي إلى وحدة الصف وحيوية المناضلين وارتفاع معنوياتهم حين تكون عالية وتنافسية، أو تؤدي إلى الإحباط والخلافات والإنشقاقات والفتور إذا كانت سلبية وضعيفة وغير تنافسية.
– تؤكد المؤشرات أن التنافسية هي أساس النجاح الانتخابي، وهي التي تمكن الحزب من الصمود والمقاومة والتفوق على كل أنواع المؤامرات.
– قوة الحزب داخليا و في الدائرة الانتخابية عامل مهم جدا في الصمود إذا لم تكن الرمزية بالقوة التنافسية الكبيرة، ولكنها لا تمنع من الانهيار إذا غابت الرمزية أو كانت مخالفة لانتظارات المنتخبين والرأي العام، وهي من جهة أخرى دعامة قوية في النتائج إذا كانت الرمزية جيدة.
– اتضح بأن ما أضر بالحركة في دوائرها الانتخابية عدة أمور منها: الصراع على القوائم الانتخابية على المستوى المحلي والصراع على الهياكل من أجل ذلك، الصراع بين الإطارات المركزية على المناصب الحكومية والتمثيل عند الدولة والصراع من أجل ذلك على قيادة الحركة.
– نجاح عملية الترشح مهمة جدا في التنافسية ومخرجاتها معتبرة في تحقيق النتائج، غير أن ضعف التنظيم ورمزيته ضمن نمط القائمة المفتوحة قد يغير هوية الحزب وسيادته.
– كفاءة الحركة المتواصلة في الحملة الانتخابية مهمة يجب المحافظة عليها وتطويرها، ولكن لا يكون لها معنى إلا بقوة الرمزية ونجاح عملية الترشيح وقوة الحركة في الدوائر الانتخابية.
– تؤكد كل المؤشرات الانتخابية الرقمية وما صاحبها من تحليل صحة فرضية هذه الدراسة التي حددناها في البداية.
2– في الشأن السياسي العام.
– يعتبر العزوف الانتخابي نتيجة حتمية لإفساد العملية الانتخابية والسياسية من قبل النظام السياسي، وهذا العزوف هو في حقيقة الأمر مقاطعة انتخابية، من حيث أن الشعب الجزائري أصبح لا يرى أي فائدة من الانتخابات سوى توفير الارتقاء الاجتماعي والمصالح الشخصية للمنتَخبين، وذلك بسبب التزوير المتواصل وبسبب عدم حدوث أي تغيير وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانهيار الثقة في المسؤولين.
– لا توجد في الجزائر حياة ديمقراطية، وإنما هي “ديمقراطية الواجهة” ولا تؤدي الانتخابات إلى التغيير والإصلاح في الجزائر بأي وجه من الأوجه، سواء كانت الحركة في الحكومة أو في المعارضة.
– رهان الحركة على الانتخابات وحدها للتغيير والإصلاح رهان خاطئ ولو يستمر الحال على ما هو عليه، ستكون نفس النتائج ولو بعد عشرات السنين، إذ في كل تجربتها الانتخابية لم تتجاوز الحركة نسبة 19 % من التمثيل في البرلمان، ولم تصل إلى نسبة 15% من عدد الأصوات المعبر عنها.
– لا يختلف الأمر أن تأخذ الحركة 100 مقعد أو 20 مقعدا، إذ ستكون الأغلبية في كل الأحوال لأحزاب الموالاة، ولن تستطيع الحركة أن تشكل الحكومة حتى وإن كانت في المرتبة الأولى.
– الخلل الأساسي الذي يلغي معنى الانتخابات هو الانحراف الدستوري الذي يعتمد أغلبية رئاسية في تشكيل الحكومة من أحزاب لا يتبناها ولا يعتبرها أحزابه. والأغلبية البرلمانية التي ينص عليها الدستور لن تتشكل أبدا في ظل موازين القوة القائمة، وفي ظل عدم محاولة ذلك بالأساس من قبل أحزاب الموالاة التي تعدّ مجرد أجهزة للنظام السياسي.
– في الأغلبية الرئاسية تطبق أحزاب هذه الأغلبية الرئاسية برنامج رئيس الجمهورية، وفكرة الحكومة السياسية التي تطبق برنامج تحالف سياسي غير واردة في ظل موازين القوة القائمة، وعليه فإن فكرة الحزب الذي يقدم برنامج ويناضل من أجل تطبيق برنامجه دون نضال سياسي من أجل التغيير مجرد وهم وتدليس.
– جربت الحركة لمدة 17 محاولة الإصلاح من الداخل فلم تفلح، والنظام الذي تحالفت معه في 1996 هو ذاته الذي غدر الشيخ محفوظ نحناح في كل المسار الانتخابي وخاصة في الانتخابات الرئاسية عام 1999 والانتخابات التشريعية 2002. والنظام البوتفليقي الذي كان بعض قادة الحركة يمجدونه والذي اندمجت معه الحركة اندماجا كاملا منذ دعم فتح العهدات هو ذاته الذي ثار عليه الشعب وانقلبت عليه الحركة، حتى من الذين كانوا يمجدونه فيها.
– لا يعني أن الحركة لا تهتم بأن تكون في الحكومة، فقد عزمت على ذلك وهي تعد للانتخابات التشريعية عام ،2021 وبعد أن حققت نتائج جيدة فاوضت رئيس الجمهورية على دخول الحكومة وفق رؤية جديدة وهي الشركة في البرنامج والوجود في الحكم وليس في الحكومة فقط بقدر نسب نجاحها في الانتخابات فرفض رئيس الجمهورية ذلك وأراد إبقاءها في الواجهة فقط لإضعافها من جديد.
– ونظرا لكل ما سبق فإن المشاركة في الحكومة مفيدة إذا كانت تندرج ضمن رؤية تغيير موازين القوة ولو بعد حين، ضمن استراتيجية المقاومة السياسي وإرهاق النظام السياسي دون الدخول في الصدام والمواجهة المباشرة معه، وبالعمل جاد، بالتوازي، على مستوى المجتمع في مختلف المجالات والتخصصات التي تصنع القوة الحضارية الناعمة، بما يصلح المجتمع ويؤطر قواه ويوسع الحاضنة الاجتماعية.-
– في هذه الحالة يصبح النجاح في الانتخابات ولو بمقعد إضافي واحد مفيد لأنه سيكون ركيزة من ركائز التغيير، وليس مجرد محرك للساحة البرلمانية ضمن الرؤية المؤسسية للنظام السياسي.