﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [ القصص: 5]
إن الخامس من جويلية ذكرى وطنية عزيزة نستحضر فيها نعمة الاستقلال الوطني، واسترجاع السيادة على الأرض ودحر المحتلين الغاصبين، ولا شك أن رفع الأعلام وترديد الأناشيد وإلقاء الخطب وترديد الشعارات وسائل مفيدة للتعبير عن السرور بلقاء هذه الذكرى، غير أن هذا اليوم هو يوم للشكر والوفاء والتأمل كذلك. أما الشكر فهو شكر الله تعالى على نعمة دحر الاحتلال، تعبدا، ولكي يبارك لنا في عطائه، وفق قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ سورة إبراهيم، الآية 7، وقوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ سورة آل عمران، الآية 144، وكما أنه (( من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) وفق ما جاء في الحديث الصحيح، فإن الشكر موصول إلى الشهداء والمجاهدين الذي حملوا على عاتقهم عبء الجهاد والتضحية بأنفسهم في سبيل الله من أجل إخراج المحتل.
وأما الوفاء فهو الوفاء لعهد الشهداء، للعهد الذي من أجله نهضوا وجاهدوا لتكون الجزائر “دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، لا نحيد ولا نميد عن هذه الرؤية حتى تتحقق كاملة غير منقوصة، في حياتنا، أو نبقى نكافح على ذلك حتى نلقى الله وهو راض عنا، ونكون قد مهدنا الطريق لمن يأتي بعدنا لتنعم الجزائر بكل أهداف الثورة التي يعدّ الاستقلال عن قوى الاحتلال الجزء المهم منه، ولكن ليس وحده.
وأما التأمل في معاني ومغزى هذا اليوم فهي كثيرة، وقد اخترت هذا العام أن أقف عند سنة انتصار المستضعفين، فالخامس من شهر جويلية هو فعلا محطة للتأمل في إحدى أعظم سنن الله في التاريخ؛ سنة “انتصار المستضعفين“. فالله سبحانه لم يعد عباده بالنصر لأنهم ينتمون إلى عرق أو أرض، وإنما وعد به الذين يُستضعفون في سبيل الحق، فيصبرون ويثبتون ويواصلون طريقهم حتى يأتي وعد الله، ولو بعد حين.
لقد ظن فرعون أن ملكه باقٍ، وأن بني إسرائيل لن يخرجوا من دائرة الاستضعاف أبدًا، فجاء الوعد الإلهي: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ سورة القصص، الآية 5ـ6.
. ومنذ ذلك الحين، تتكرر القصة نفسها في التاريخ بأسماء مختلفة، ويبقى القانون واحدًا: قد يطول ليل الظلم، لكن الفجر لا بد أن يطلع، وقد يتأخر النصر عن الوقت المظنون، لكنه لا يتخلف قد الزمن المقدور، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ سورة الأحزاب، الآية 38
وهذا هو الدرس الأكبر الذي تقدمه مقاومة الجزائريين للاستعمار. فمن الخطأ أن يُختزل تاريخ التحرير في الفاتح من نوفمبر 1954 أو في الخامس من جويلية 1962، لأن الاستقلال لم يكن ثمرة سبع سنوات ونصف من الكفاح فقط، وإنما كان ثمرة أكثر من قرن وثلاثة عقود من المقاومة المتواصلة منذ أن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي أرض الجزائر سنة 1830.
لقد قاوم الأمير عبد القادر، وصمد أحمد باي، وانتفض المقراني والحداد، وجاهد الشيخ بوعمامة، وثارت لالة فاطمة نسومر، ونهض أولاد سيدي الشيخ، وتعاقبت الثورات في كل ربوع الوطن، حتى لا تكاد تخلو أرض من بلادنا الطاهرة إلا وثار أهلها على مر السنين، ولا يخول جيل من الأجيال إلا وحملوا السلاح أو الكلمة أو الموقف دفاعا عن الجزائر. وقد هُزمت تلك المقاومات عسكريا، واستشهد قادتها، ونُفي بعضهم، وسُجن آخرون، لكن الحقيقة أن أحدا منهم لم يُهزم تاريخيا، لأنهم جميعا كانوا يراكمون الوعي، ويحفظون للأمة شخصيتها، ويمنعون الاحتلال من أن ينتصر على إرادة الجزائريين، وإن تمكن من أرضهم.
لقد امتلكت فرنسا الأرض، أو ظنت ذلك، لكنها لم تمتلك الإنسان. سيطرت على المدن والقرى، وعلى الثروات والمؤسسات، وحاولت السيطرة على التعليم والإدارة والإعلام، وسعت بكل الوسائل إلى اقتلاع الشخصية الجزائرية، ونشر الجهل والفقر، وإحياء العصبيات، وتطبيق سياسة “فرّق تسد”. لكنها عجزت عن أن تبسط يدها على قلوب الجزائريين وعقولهم وإرادتهم، فكأنما ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة المائدة، الآية 11. فقد بسط الاحتلال يده على الأرض، ولكنه لم يستطع أن يبسطها على الضمير الوطني، ولا على عقيدة الشعب، ولا على إرادة التحرر التي بقيت حية في النفوس.
وحين أعلن الاحتلال بعد أكثر من قرن أن الجزائر أصبحت جزءا من فرنسا، كان يظن أنه حسم المعركة نهائيا، غير أن معركة أخرى من معارك الشرف قد بدأت لتمهد ليوم الحسم. فقد نشأت الحركة الوطنية، تحمِلُ مشروع التحرير بالكلمة قبل البندقية، فأنشأت المدارس الحرة، وأحيت الهوية، وأصدرت الصحف، وأسست الجمعيات، وخالطت الناس في المدن والقرى، وخاضت المعارك السياسية والقانونية، بل وشاركت في الانتخابات رغم يقينها بأن الإدارة الاستعمارية ستزور نتائجها، لا إيمانا بإمكان الإصلاح من داخل المنظومة الاستعمارية، وإنما لاستثمار كل وسيلة متاحة في الدفاع عن حقوق الشعب، وفضح زيف شعارات الاحتلال أمام العالم.
و أثناء ذلك كان رجال الحركة الوطنية يدركون أن الاستعمار الذي قام على القوة لن يرحل إلا بالقوة، وأن الطريق إلى الحرية سيمر حتما عبر التضحية. فجاءت مجازر الثامن من ماي 1945 لتغلق آخر أبواب الوهم، ولتعلن أن الاستعمار لا يمنح الحرية، وأن الحقوق لا تُستجدى من المحتل، وإنما تُنتزع منه انتزاعا. ومن بين رماد تلك المجازر وُلد اليقين الذي قاد إلى ثورة نوفمبر.
غير أن الاحتلال، كما يفعل كل مستبد، لم يعتمد على قوته العسكرية وحدها، بل سعى إلى صناعة نخبة تابعة له، تستظل بسلطانه، وتعيش على فتات امتيازاته، وتبشر بسياساته، وتشكك في جدوى المقاومة. فاستسلم بعض الناس خوفا، وطمع آخرون، وخان آخرون، حتى صار بعض أبناء الوطن يقفون في صف المحتل ضد أبناء وطنهم. وهذه سنة قديمة تتكرر مع كل استعمار وكل استبداد، إذ لا يكتفي الظالم بجنده، بل يبحث دائما عن أعوان من بني جلدتك، وداخل صفك، يزينون ظلمه، ويثبطون العزائم، ويصفون المقاومة بالعبث، والاستسلام بالحكمة، والذل بالواقعية.
لكن سنة الله كانت تمضي في الاتجاه الآخر. فكلما ازداد القمع، واتسعت المعتقلات، واشتد التعذيب، واشتعلت القرى بالنابالم، وسقط الشهداء بلا عد ولا حصر، كان موعد النصر يقترب. فالسنن الإلهية لا تقاس بلحظة واحدة، وإنما بمآلاتها، والذين لم يتحقق النصر على أيديهم من طلائع الكفاح المتتالية لم تفشل وإنما مهدت الطريق، وكان نوفمبر هو الطريق، وكان الخامس من جويلية هو اليوم الذي ظهرت فيه ثمرة قرن وثلاثة عقود من الصبر والجهاد والتضحية.
إن الذين كتب التاريخ أسماءهم هم أولئك الذين استُضعفوا، وصبروا، وضحوا، واستشهدوا، لا الذين ركنوا إلى المحتل، أو تحالفوا معه، أو باعوا أوطانهم بمناصب زائلة أو مصالح عابرة. أولئك مضوا مكرمين في ذاكرة الأمة، أما هؤلاء فقد بقيت أسماؤهم عنوانا للخزي في الدنيا، وحسابهم عند الله على قدر ما اقترفوا من خيانة وإعانة للظالم على ظلمه.
إن ذكرى الاستقلال تتجاوز حدود الجزائر لتصبح درسا للأمة كلها، وفي مقدمتها فلسطين. فما يجري اليوم على أرض فلسطين ليس إلا فصلا جديدا من القصة نفسها: مستضعفون يواجهون احتلالا يملك السلاح والدعم الدولي وأدوات البطش، كما واجه الجزائريون بالأمس إمبراطورية استعمارية ظنت أن الزمن كله لا يكون إلا لها. وقد يتأخر النصر في فلسطين، كما تأخر في الجزائر، وقد تشتد المحنة، وقد يكثر المتخاذلون والمتواطئون، لكن سنة الله لا تتبدل، ووعده لا يتخلف. فالمقاومة التي تستند إلى الحق والعدل والصبر مشروع عظيم، منتصر لا محالة مهما بدا ضعف المقاومين، بل ـ أكثر من ذلك ـ هو طريق ينتهي – بإذن الله – إلى التمكين. وما يسكن قلوب الظالمين بأن الدائرة ستدور عليهم، كما كانت مخاوف فرعون وآله، سيرونه بأنفسهم رأي العين، وأن حذرهم من تصاعد وعي المستضعفين حقيق بيقين، لن ينفع معه الحذر ولا تجدي معه مخططات القهر والتحكم والإضعاف، إذ نصر المستضعفين سنة ماضية لا تتغير ولا تتبدل، لقوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ سورة القصص، الآية 5ـ6.
إن الخامس من جويلية هو ذكرى انتصار شعب استُضعف طويلا على يد مستعمر جبار مستكبر، وهو مع ذلك شهادة تاريخية للعالمين، على أن الظلم، مهما طال أمده، لا يستطيع أن يهزم أمة تحفظ هويتها، وتتمسك بحقها، وتورث أبناءها معنى المقاومة جيلا بعد جيل. وإذا كان المستبدون يملكون القوة زمنا، فإن المستضعفين يملكون المستقبل. ولذلك ختم الله قصة الظلم والانتصار بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ سورة الشعراء، الأية 227 ، فالظلم منهزم مهما اختلت موازين القوة، ويكفي أن ينتفض المظلوم، وان يصبر على الطريق، وأن يستعين بالله ليتحقق له النصر، فالزمن معه، والأرض معه، والسماء معه، ولو بعد حين، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلومِ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمامِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : وعزَّتي وجَلالِي لَأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حِينٍ)).
وما بين الخامس من جويلية بالأمس، وفجر التحرير القادم في فلسطين غدا، والانتصار على كل ظالم مستبد تمتد سنة الله التي لا تتبدل: أن العاقبة للحق، وأن الوارثين للأرض هم المستضعفون الصابرون، لا المستكبرون المتجبرون، ولا أعوانهم من المستسلمين الخاضعين. ذلك الذي يقرأه أولو النهى في أحداث التاريخ العميقة ووقائع الزمن الممتد، وذلك الذي لا يراه المتلهّون بزخارف الاستدراج وأبهة القوة والنفوذ.
د. عبد الرزاق مقري