الحضارة عند عبد الرحمن بن خلدون (1332–1406م)

تاريخ النشر :

2026-01-08

التصنيف :

الفكر الحضاري

يُعدّ عبد الرحمن بن خلدون  من أعظم مفكري الحضارة الإسلامية، ومؤسّس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع من خلال نظريته في العمران البشري. جمع بين التجربة السياسية والنظر العقلي، ففسّر نشوء الدول والحضارات وسقوطها وفق سننٍ اجتماعيةٍ ثابتة. اشتهر بنظريته في الأطوار الخمسة للدولة والأجيال الثلاثة التي تنتقل من القوة إلى الضعف، وبمقولته الخالدة “الظلم مؤذن بخراب العمران” التي تُعبّر عن فهمه العميق للعلاقة بين العدل ودوام الملك. ورأى أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب في لباسه وعاداته وفكره، لأنّ الغالب يملك سطوة النموذج والمثال. وفي الاقتصاد، حذّر من فساد الأسواق حين ينافس الحكامُ التجار، واعتبر أن الجباية والترف من علامات انهيار الدول. لقد أقام ابن خلدون فكرًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وصاغ رؤيةً خالدة في دورة العمران الإنساني لا تزال صالحة لتفسير سنن الحضارة عبر العصور.

لقد اهتم كثير من العلماء بمسألة الدائرة الحضارية للأمم، وبقضية نهوض وسقوط الحضارات، من خلال علم التاريخ القديم والحديث، ولكن يعدّ عبد الرحمن بن خلدون المرجع المؤسس  لهذا العلم في البشرية جمعاء. 

لقد كان ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، إذ لم يكتف بسرد الوقائع التاريخية كما فعل من قبلَه، بل استخرج منها قواعد السنن الاجتماعية ليفهم الناس أسباب الرقي والتدهور البشري، وقيام وسقوط الدول. فهو يقول في تعريف التاريخ: “في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيَّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتؤدِّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمَّروا في الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق”(1).

حينما تحدث ابن خلدون عن الحضارة، لم يكن المصطلح دقيقًا كما هو اليوم. فقد تناول مفاهيم الدولة، والعمران، والحضارة بشكل متداخل، إلى درجة يُخيّل معها لغير المتخصص أنه يتحدث عن موضوع واحد.
وهذا أمر شائع عند المفكرين الذين يكتبون بزخم فكري، حيث يكون التركيز على المعنى العميق أكثر من تدقيق الألفاظ، خاصةً حين لا تتاح لهم فرصة مراجعة مصطلحاتهم أو عرضها في حلقات علمية. لكن بالتدقيق في استعمالاته، نفهم بوضوح الترابط بين المفاهيم الثلاثة. فابن خلدون يرى أن “مقصد العصبية هو الدولة، وغاية الدولة هو العمران، ونهاية العمران هو الحضارة”(2). فالدولة عنده لا تقوم إلا بعصبية قوية تطلب المُلك، وتغلب العصبيات الأخرى، وخاصةً إذا كانت العصبية الحاكمة قد ضعفت. وحين يستقر المُلك للعصبية الغالبة، يتجه أصحابها إلى تأسيس العمران وتنميته في شؤون الحياة كافة، وهو ما نسمّيه اليوم “النهضة”. يتطور العمران إلى أن يبلغ مستوىً عال من التقدّم الثقافي والاجتماعي والفني، فتنشأ الحضارة التي يراها ابن خلدون في بعدها الاجتماعي والسياسي بأنها قمة العمران والتحكم في الصنائع وأعلى درجات التطور الاجتماعي، وفي بعدها الشخصي بأنها: “تفنّن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش وسائر عوائد المنزل”(3). فإذا “أخذت الدولة في الترف وبلوغ غايته، فسرعان ما ينهار ما شُيّد، ويبدأ الهرم يدبّ في أوصالها، فإن الترف يفسد الأخلاق ويُميت الهمم، ويجلب العجز عن الكسب والمعاش. فإذا رسخ ذلك في النفوس وصار خُلقًا وغريزة، ضعفت الدولة عن الدفاع وسقطت الهيبة، وبدأت في طريق الانقراض” (4)

إن التأمل في أسباب سقوط ونهوض الدول والحضارات، ودراسة ما ذهب إليه العديد من العلماء والمفكرين في تناولهم للموضوع يؤكد أن ما ذهب إليه ابن خلدون يسهم أكثر في فهم أحوال الدول والحضارات. وقد حاولت إسقاط ما توصلت إليه في هذا الشأن في برنامجي “تحدي العبور” (5)، حيث شرحت أن نهوض وسقوط المنظمات والدول والأمم والحضارات يكون على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة يحملها شخص يُقنع بها مجموعة من الأشخاص حوله فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته، ثم يتوصل هؤلاء الأشخاص ومن تبعهم إلى نشر الفكرة في المجتمع بالدعوة إليها وتأسيس تنظيمات ومؤسسات مختلفة ومراكز تأثير  تديم نشاطهم وتعمق أثرهم حتى ترسخ الفكرة في المجتمع وتستحكم في مختلف مستوياته وشرائحه، بل يصبح لها أنصار وربما أتباع داخل مؤسسات الحكم، إلى أن تتجاوز في انتشارها وتأثيرها الأشخاص والتنظيمات التي أنشأتها أو دعت إليها، فتنتقل الفكرة ورجالها إلى الدولة، فإن كانت الفكرة صحيحة وأصحابها ذوو قوة وكفاءة تستقر في الدولة ويطول أمدها فتحقق نهضة شاملة في مختلف المجالات الضرورية والحاجية والتحسينية، إلى أن تبلغ منتجات النهضة مستوى عاليا من الرقي والوفرة فتطلبها الأمم الأخرى وتحرص على اقتنائها والتوصل إلى إنتاجها بالمحاكاة والتعلم خارج الإطار الإقليمي لتلك الدولة الناهضة فتتحول نهضة تلك الأمة إلى مستوى الحضارة العالمية”.

يشير ابن خلدون عبر فقرات متناثرة في المقدمة إلى ما يدعم هذا المسار، بأسلوب ومفردات واقعه وزمانه، وبما أن السنن الاجتماعية هي قوانين لا تتغير ولا تتبدل مثلها مثل القوانين الكونية فإن التعمق في شأن السياسة والتحولات الاجتماعية، نظريا وعمليا، يؤدي إلى نفس النتيجة في كل عصر وإنما الذي يتغير هو قواعد العمل السياسي وأدواته ونظمه، وكذا المؤثرات الجديدة وطرائق التدافع الاجتماعي.

يعتبر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الكتاب الأول من الباب الأول  أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان مدني بطبعه، فهو في حاجة إلى غيره من البشر لاكتمال حاجته من الغذاء والمدافعة وما تقوم به حياته على العموم، وهذه الحياة المدنية تنشأ عنها  واقعات العمران البشري أو أحوال الاجتماع الإنساني التي تتطلب التنظيم الضروري لاستقامة واستمرار الحياة البشرية، فاهتدى إلى ضرورة قيام الملك ( بمعنى الحكم) قبل صنّاع نظرية العقد الاجتماعي بقرون من الزمن عند المفكرين الغربيين، أمثال توماس هوبس وجان جاك روسو وجون لوك، على ما بينهم من اختلاف في الموضوع.

 لقد أكد ابن خلدون  في الفصل السابع عشر “أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض”، ويؤكد أن الهدف من الملك هو تحقيق مصالح العمران، ويؤكد على موضوع البيعة السياسية ويقاربها في شكلها المتعلق بالمصافحة، ومضمونها المتعلق بالقبول والرضا، بحالة بيع السلع والبضائع، ويعتبر أن التسليم لمُكنة الحاكم يقابلها تكفّله بشؤون الناس، أي أن السلطة تقابلها المسؤولية، فيؤكد أن “من حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة  لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك”(6)، ويفصل طويلا في موانع الملك كالظلم والترف في الداخل والعجز عن المقاومة والمطالبة والذلة والانقياد إلى الغير وغير ذلك، ويشرح بكثير من التفاصيل الخلال الحميدة المؤهلة للحكم وعلى رأسها العدل. 

ولئن كان ابن خلدون قد اتجه في طريقة الوصول إلى الحكم الوجهة الشائعة في زمانه في كل الأمصار والملل، عبر الغلبة والمدافعة بالقوة على أساس العصبية، فإنه قد أدان تهييج الناس لحمل السلاح على الحاكم المتمكن، خصوصا حين تكون تلك الفتنة باسم الدين ولو كان دعاتها من أصلح الناس، وأكد بأن النجاح في المطالبة بالحكم من عصبية خارج الحكم لا تكون إلا في فترة تكون العصبة الحاكمة في ضعف وتلاش، وقد بينت التجربة صدقية هذه الوجهة الخلدونية.

 فلا يتصور الوصول الفعلي للحكم من خلال الانتخابات فحسب مثلا بل إنما يحسم في ذلك موازين القوة القائمة التي تدخل فيها أشكال كثيرة من القوة الصلبة والناعمة، وحتى الدول العريقة في الديموقراطية تخضع لهذه القاعدة، فالأحزاب المتداولة فيها على السلطة تمثل قوة أشمل مما تكسبه من الأصوات في يوم الانتخابات في كل الأمم. ولئن كان مفهوم العصبية المؤهلة للحكم قد تغير إلى حد كبير فإن مؤداه لا يزال قائما، بأشكال حديثة، وقد شرحت ذلك وذكرت نماذج من العصب المستحدثة في مبحث “العصب المتجددة” في كتابي “الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور”(7).

 

ورغم الآراء غير المنصفة ومحاولات المؤسسات التعليمية والعلمية الغربية التقليل من المكانة العلمية لإسهاماته في هذا المجال، يبقى هو سيد هذا العلم بلا منازع، وعلى فكره وعلمه تتلمذ كثير من الفلاسفة الغربيين. 

وثمة علماء وفلاسفة كبار أقروا بتميّز ابن خلدون وبفضله على البشرية في علم العمران البشري وفلسفة التاريخ وأسس نهوض وسقوط الحضارات البشرية. ومن أشهر هؤلاء أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) الذي يُعتبر من أكبر المؤرخين الذين تعمقوا في دراسة الحضارات في موسوعته “دراسة التاريخ”، وأكثر فلاسفة التاريخ إنصافا لابن خلدون حيث  ذكر ابنَ خلدون في مواقع عدة في كتابه ومما قاله عنه: “لقد وضع ابن خلدون فلسفة للتاريخ هي بدون مجاملة أعظم عمل من نوعه ابتدعه العقل في أي زمان أو مكان”(8).

 وممن أشاد بمكانة ابن خلدون كذلك المستشرق الانجليزي ر.أ. نيكولسون (Reynold A. Nicholson)،  الذي قال عنه: “لم يسبقه أحد إلى اكتشاف الأسباب الخفية للوقائع، أو إلى عرض الأسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الأحداث، أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والانحدار”(9). 

ويقول بخصوصه المؤرخ والكيميائي الأمريكي البلجيكي جورج سارتون (George Sarton)، الذي له فضل كبير في تأسيس علم تاريخ العلوم كعلم مستقل: ” أنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجبا مثيلاً له في فلسفة التاريخ، …أما كباحث نظري في التاريخ فليس له مثيل في أي عصر أو قطر… لم يكن أفلاطون أو أرسطو أو سان أوغسطين أنداداً له ولا يستحق غيرهم أن يذكر الى جانبه… لقد كان فريداً ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التاريخ… لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ولكنه وحده الذي أستخدمها”(10)، ويقول وِل ديورانت عن مقدمة ابن خلدون: ” أنها تشكل واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي الفلسفة، فهي إنتاج حديث إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في القرون الوسطى”، ويتعجب ديورانت، في كتابه “قصة الحضارة”(11)،  من المستوى العلمي الراقي الذي كان عليه المسلمون، في الوقت الذي كانت أوربا في عمومها تعيش في ظلمات الجهل. ويمكن الرجوع إلى كتاب “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” للكاتب “ساطع الحصري” للاطلاع على زخم كبير من الشهادات عالية القيمة لعلماء ومفكرين كبار  وفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد الغربيين منذ تم اكتشاف المقدمة في عشرينيات القرن التاسع عشر،  أكدوا  كلهم سبق ابن خلدون في تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد (12).

لم يجد ابن خلدون اهتماما بفكره، رغم الحاجة الملحة إليه. فقد كانت حالة التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المغرب العربي سببا في غياب العقليات والأوعية العلمية والفكرية القادرة على استيعاب عبقريته، فلم يجد لمقدمته موطئ قدم سوى في آسيا الوسطى، في بلاط تيمورلنك في القرن الرابع عشر. وهناك تعرّف عليه الأتراك في البلاط، فقاموا بترجمة المقدمة وكتاب التاريخ إلى اللغة التركية، ثم تشكل في تركيا تيار خلدوني انبثقت عنه عدة مدارس، من أبرز رموزها حاجي خليفة الذي عاش بين عامي 1774 و1856. وقد تبنت الدولة العثمانية توجهات هذا التيار، فترسخت عندها رؤية خلدونية واضحة.

ثم تعرف العالم الغربي على ابن خلدون بعد أن اهتم به الفلاسفة الألمان عبر اللغة الألمانية. وكان أول من كتب عن المقدمة بالألمانية ثم الفرنسية المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر الذي عاش بين عامي 1774 و1856، وذلك عام 1822 أثناء بحوثه في التاريخ العثماني، إذ تعجب من احتفاء المثقفين والسياسيين الأتراك بفكر ابن خلدون. وبعد ذلك تعرف عليه باقي المستشرقين، وسمي حينئذ بمنتسكيو العرب. وفي منتصف القرن التاسع عشر تُرجمت المقدمة إلى مختلف اللغات الأوروبية، واتسع حضورها في الدوائر الفكرية الغربية.

أما في العالم العربي فلم يُلتفت إلى المقدمة إلا بعد اكتشاف قيمتها من قبل الفلاسفة والمستشرقين الأوروبيين. ومع ذلك لم يستفد العرب منها في الشأن العام إلى اليوم، خلافا للأوروبيين الذين ما تزال دولهم تهتم بها وتستند إلى قوانينها العمرانية. وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون عام 2019 إلى أنه يستلهم من ابن خلدون في الجانب الاقتصادي، في دلالة على عمق تأثير هذا التراث في الفكر السياسي والاقتصادي الغربي.

 

د. عبد الرزاق مقري

___________

(1) انظر ابن خلدون، المقدمة، الفصل الأول من الباب الأول.
(2) تحليل من سياقات متعددة في المقدمة.
(3) انظر ابن خلدون، المقدمة، فصل: في أن الدولة إذا استحكم فيها الترف فهو مؤذن بانقراضها، طبعة دار الفكر، 1979، ص. ٣٨٢–٣٨٣
(4) المرجع نفسه.
(5) عرضت البرنامج على اليوتيوب في شهر رمضان عام 2020، ثم توسعت فيه وحولته إلى كتاب باقتراح من د. علي الصلابي، فنشر عن دار الخلدونية بالجزائر عام 2023 ، ثم عن دار الأصالة بتركيا في نفس السنة باسم الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وقدم له الشيوخ الأفاضل راشد الغنوشي، وعلي الصلابي، والقرة داغي.
(6) انظر المقدمة، الفصل الثاني، الباب العشرون، ج1، ص 178، كتاب تاريخ ابن خلدون، المكتب الشاملة، الموقع الالكتروني.
(7) عبد الرزاق مقري، الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور، مرجع سابق.
(8) انظر Arnold J. Toynbee, A Study of History, Oxford University Press, 1934
(9) انظر . Reynold A. Nicholson, A Literary History of the Arabs, Cambridge University Press, 1907
(10) انظر George Sarton, Introduction to the History of Science, Carnegie Institution of Washington, 1927.
(11) انظر Will Durant, The Story of Civilization, ed Simon and Schuster, 1935
(12) تم نشر كتابة “دراسات عن مقدمة ابن خلدون” عام 1961 وصدرت طبعة جديدة عن مؤسسة هنداوي عام 2021 وهي نسخة معروضة الكترونيا للتحميل مجانا في موقع مؤسسة هنداوي: https://www.hindawi.org/books/92914940/

5 تعليقات

اترك رداً على حسين عبدالاله الشريف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية