لا يخفى على الواعين أن ثمة حربا تشنها القوى الاستعمارية ضد العالم الإسلامي لضرب أساساته التي حفظته ضد الاحتلال والتغريب والإلحاق الثقافي والحضاري .
لقد أدركت القوى الاستعمارية بأن الذي حفظ الأمة الإسلامية في مختلف أقطارها هو تمسكها بقيمها وهويتها، وأن المشكلة التي يواجهونها لتطويع العالم الإسلامي ليست الحركات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية، ولا حتى الدول، وإنما هو الإنسان المسلم ذاته بسبب تمسكه بعقيدته وانتمائه، وأن هذا الإنسان المسلم هو الذي يحكم على الحكام والأحزاب والمنظمات بمقدار انتمائهم لهويته وقيمه ودينه وليس العكس، وقد تأكد لديهم بإن إضعاف الحركات والمنظمات الإسلامية، والحكومات المحافظة، لا يعني شيئا ما دام الإنسان المسلم متمسكا بهويته، وأن هذا الإنسان المسلم سيترك الأحزاب ويقاطع المؤسسات الرسمية التي تخون قيمه وينشئ لنفسه أطرا سياسية واجتماعية أخرى تواجه التوجهات الغربية ومن يحملها بعزيمة أكبر وضراوة أشد.
لقد علمت القوى العلمانية الرأسمالية الاستعمارية، من خلال تجربتها الطويلة في أوربا بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين، بأن تغيير الإنسان والتحكم في إرادته وتشييئه يكون من خلال كسر كل المرجعيات التي تشكل ثقافته وشخصيته سوى المرجعية الحضارية الغربية المادية الرأسمالية العالمية التي صنعوها للإنسان ضمن سياق تاريخي خاص بهم، وكانت طريقهم إلى ذلك في بلدانهم تفكيك الأسرة واحتكار صياغة المنظومات التربوية والتحكم في الإعلام وتحييد الدين وإنهاء تأثيره.
وبعد خسارتهم في السيطرة الثقافية والحضارية على العالم الإسلامي رغم الاستعمار الطويل المدمر، وعجزهم عن الحسم في المواجهة السياسية الديمقراطية أمام القوى المتمسكة بالثوابت رغم طول مرحلة التزوير الانتخابي والانقلابات الدموية التي دعموها والاستئصال والتدجين الذي حققوه، وكذا بعد فشلهم في المواجهة المجتمعية رغم الدعم العظيم الذي قدموه للاستبداد وللنخب والقوى العلمانية المعادية للانتماء الحضاري للأمة، علموا بأن برامجهم يجب أن تتجه لتغيير الإنسان ذاته، وأنه بدل الاستعمار المباشر والاستنزاف الطويل في المواجهة السياسية والفكرية يجب أن يضغطوا على حكام الدول العربية والإسلامية لتغيير قوانين الأسرة، والمنظومات التربوية والدينية ومنعها من أي مساهمة لتشكيل الشخصية الإسلامية الواعية الملتزمة بقيمها، المقاومة للاستعمار والظلم والفساد وتكثيف بدل ذلك برامج التفاهة والإفساد عبر مختلف وسائل الإعلام ونشر المخدرات والحفلات الصاخبة والقدوات السيئة.
تعتبر “اتفاقية سيداو للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة”، من أخطر الاتفاقيات التي تهدف إلى تفكيك الأسرة وبناء مجتمعات تتبع مرجعية واحدة هي المرجعية العلمانية الرأسمالية الاستعمارية، وكأنها دين عالمي مقدس جديد من صنع البشر. وصدق الله تعالى إذ يقول في سورة النساء: : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).
لقد واجهت هذه الاتفاقية مقاومة شديدة من العديد من الدول تحفظت على عدد من بنودها، ومنها كثير من دول العالم الإسلامي، ولكن تحت الابتزاز والضغط، وبالنظر لضعف بعض هذه الأنظمة واهتزاز شرعيتها، وعدم قدرتها على التحصن بشعوبها، وبسبب الصراعات البينية بينها، بدأت تتراجع عن تحفظاتها.
والذي يهمنا في هذه الاتفاقية بعدها الفلسفي المناقض للتصور الإسلامي للأسرة ومكوناتها وللمرأة وعلاقتها بالرجل.
إن المظالم المسلطة على المرأة في العالم سببها الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاقتصادية والدولية التي خلقتها الفلسفة الليبيرالية الفردانية والنظام الرأسمالي التسلطي والحروب والأزمات التي أنشأها جشع الدول الاستعمارية، ولن تستطيع اتفاقية سيداو حماية المرأة بل ستزيدها بؤسا بسبب اتجاهاتها المخالفة للفطرة الإنسانية.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران: (( وليس الذكر كالأنثى))، وقد تنوعت تفاسير المفسرين في هذه العبارة منهم من عدّها من كلام امرأة عمران ومنهم من عدّها من كلام الله كالصابوني في صفوة التفاسير والشوكاني في الفتح القدير، وهي في كل الأحوال من كلام الله، ولكنهم كلهم يتفقون أنها تعني أن الذكر والأنثى مختلفان في الخلق والدور في الحياة، ولا يصح التفضيل بينهما إلا بذكر المجال التي تفضل فيه المرأة الرجل أو الرجل المرأة.
إن المرأة في الإسلام ليست أدنى قيمة من الرجل وليست أعلى منه، وليست مساوية له ولكنها تختلف عنه، وبسبب هذا الاختلاف يقع التكامل وتنشأ الحياة البشرية وتزدهر وتستمر، وما الدمار البنيوي الذي تعيشه البشرية تحت قيادة القوى المناهضة للفطرة وديانة السوق والاستعباد الاستهلاكي وعبادة المتعة إلا بسبب الاعتداء على هذا الاختلاف في النوع والأدوار.
لقد فسّر كثير من فلاسفة الغرب المعادين للتوجهات الفردانية الليبيرالية الرأسمالية أن تفتيت الأسرة الذي وقع في الغرب هدفه السيطرة على الإنسان فكريا بكسر مرجعية العائلة بعد كسر مرجعية الأديان، وزيادة اليد العاملة وخفض أجور العمال بإخراج كل النساء للعمل ورفع معدلات الضرائب والاستهلاك لصالح أقليات تتحكم في ثروة العالم.
أما إذا أردنا أن نركز على المادة التي رفعت الجزائر تحفظها عنها، فإن أبعادها هو الحماية التشريعية للمرأة لتسهيل خروجها من بيتها والسفر حيث شاءت والسكن كما أرادت بغير إذن والدها وزوجها. وهي الفقرة الرابعة من المادة 15 التي “تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم”، وهذا التوجه بهذا الإطلاق غير جائز في الإسلام. فالأسرة في الإسلام مؤسسة اجتماعية تخضع للقوانين المؤسسية لكل كيان بشري منظم، أي يكون لها رئيس أو مدير أو ولي ( بغض النظر عن التسميات) يتم مشاورته في القضايا الأساسية ومنها الغياب والحضور ، ولقدسية الأسرة وأهميتها في استقرار المجتمع جعل الله لها رئيسا أبديا مبدئيا وهو الرجل وفق قوله تعالى في سورة النساء: (( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) فالرجل هو القائم على شؤون الأسرة، وسبب القوامة إنما هو التفاضل بينهم في أشياء مختلفة منها ما يكون الرجل فيها هو الأفضل فيه، كالقدرة على الحماية والكسب والنسب والإنابة ومواجهة الأزمات الخارجية، ومنها ما تكون المرأة أفضل كالقدرة على احتضان الأبناء وقوة العاطفة والتحكم في تفاصيل البيت الداخلية وغير ذلك، بالإضافة إلى الإنفاق المتعين وجوبا على الرجل دون المرأة. ولا تكون القوامة في الإسلام حكما مطلقا تسلطيا للرجل على المرأة، وإنما التشاور بين الزوجين هو من الصفات المطلقة في حياة المسلمين كقوله تعالى في سورة الشورى : (( وأمرهم شورى بينهم)) والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة لبناء الأسرة على المودة والرحمة والاحترام والتعاون والتضامن، ليس المجال للتفصيل فيها.
ومع هذا الضبط في بناء الأسرة لم يغلق الإسلام أي مجال لارتقاء المرأة كالتعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وإنما يكون ذلك بالتشاور داخل العائلة كمؤسسة ترتقي بالنظام لا بالفوضى، وفرض قوانين عامة وشاملة في تسيير شؤون الأسرة عابرة للثقافات هو ما ينشر الفوضى وينشئ الصراع داخل الأسرة.
لا يختلف علماء الأمة بأنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها إلا ما كان في إطار الضرورة أو ما هو متفق عليه ابتداء ، عبر ما يسمى بالإذن العام الذي يمنحه الرجل للمرأة فلا يحاسبها بعده على دخولها وخروجها، أو ما يُبرم في عقد الزواج كاشتراط المرأة على زوجها أن يسمح لها بالعمل أو مواصلة الدراسة أو نشاطها الاجتماعي، أو ما هو معمول به ومتوافق عليه عرفا فلا يحتاج إلى إذن.
إنه لا يوجد في بلادنا وفي أغلب البلاد الإسلامية أي مشكلة في خروج المرأة من بيتها في إطار تفاهم عام بين الزوجين، ولا يوجد في المجتمع حالات شكوى عامة عن منع الرجل لخروج المرأة من البيت في إطار المعقول، ولا يصح التشريع للحالات الشاذة.
إن الخوف من رفع تحفظ الجزائر على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية سيداو أن يطبق رفع التحفظ لسن تشريعات تحمي الحالات الشاذة من تمرد المرأة على الرجل وتوسيع حالات “النشوز”. ولنا مثل من الأمثلة في ما يمكن أن يحدث الجدال الواسع الذي وقع حول ارتكاز الحكومة المغربية على رفع تحفظ المغرب على هذه الفقرة من اتفاقية سيداو لعدم اشتراط الدفتر العائلي للزوجين عند الحجز للإقامة في الفنادق، إذ كثير من الأصلاء رفض ذلك بسبب ما يتبعه من انتشار وحماية للفسق والمجون وإحراج العائلات والشخصيات المحترمة في الفنادق.
إن هذا التحول الذي وقع لدى صاحب القرار في بلادنا يدفعنا إلى الحيطة والحذر من آثار ضغوطات الدول الاستعمارية على سلامة عائلاتنا ومجتمعنا، ولا بد للقوى الفاعلة في المجتمع المرتبطة بثوابتها أن تسترجع حيويتها الحضارية وأن تخرج من الحسابات السياسية الضيقة، فإن استمرار مطاوعة النظام السياسي وهو يزداد ضعفا وخضوعا أمام القوى الاستعمارية الدولية سيقضي عليها قبل غيرها، إذ لا وجود لها في هذا البلد إلا بالمحافظة على قيم هذا البلد واستقلاليته وسيادته، إن الفتوى بحرمة اتباع اتفاقية سيداو معلومة وإن عدم المقاومة سيؤدي إلى تشريعات وطنية أخطر من شأنها أن تهدد انسجام العائلة وتفكك المجتمع وتخلق إشكالات كبرى لم تكن موجودة.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com