مقدمة:
سلسلة “عن الحضارة وتحدّي العبور”
هذا الكتاب جزء من سلسلة تضمّ عدداً من الكتب، عنوانها: “عن الحضارة وتحدّي العبور”. وقصة هذا الكتاب أنه كان من المفترض في البداية أن يكون نصاً مختصراً، لا يعدو أن يكون مقدمة لكتاب آخر ضمن السلسلة، هو كتاب “شروط النهضة الخمسة”، تُعنى بتعريف مختصر للحضارة وعرض أبرز ما قيل فيها عند كبار العلماء والمفكرين.
غير أنني وجدت نفسي أتوسّع شيئا فشيئا في موضوع المقدمة، مستفيدا مما سبق أن درسته من موضوعات وكتب، وما رجعت إليه من مقالات كنت قد نشرتها، فضلا عن أفكار ومشاريع بحثية شرعت فيها سابقا ولم أتمّ بعضها، أو أتممتها ولم أنشرها. ومع امتداد البحث وتشعّب موضوعاته، أخذت المقدمة تطول حتى بلغت من الحجم ما لم يعد يصلح معه أن تكون مجرد مقدمة لكتاب آخر، فعزمت على تحويلها هي ذاتها إلى كتاب مستقل.
وبعد أن تقدّمت في تأليف هذا الكتاب الجديد، وبالنظر إلى وجود ثلاثة كتب أخرى لديّ تدور في المجال نفسه، وتتعلق جميعها بقضايا الحضارة، تهيّأ لي أن أجمع هذه الكتب كلها ضمن سلسلة واحدة. ولما كان أصل هذا المسار الفكري يعود إلى كتابي المنشور “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور”، رأيت أن يكون عنوان السلسلة منبثقاً من المجال الفكري نفسه، فاخترت لها عنوان: سلسلة “عن الحضارة وتحدّي العبور”.
وقد بدا لي، من خلال ما حظي به كتاب “الاستنهاض الحضاري وتحدّي العبور” من اهتمام، سواء في الندوات والمحاضرات التي قدّمتها حضوريا أو عن بُعد في عدد من الدول، أو من خلال النقاشات التي دارت حول الكتاب، أن القدر الأكبر من الاهتمام قد اتجه إلى فصله الأول: “تحدّي العبور” لارتباطه بمسائل شائكة يدور حولها في الفكر الإسلامي. ومن هنا رأيت أن أعيد نشر هذا الفصل في كتاب مستقل، بغرض تيسير انتشاره على نطاق أوسع، وتسهيل النقاش والتفاعل بيني وبين القراء.
ثم بدا لي أنه لا ضير في أن أعيد نشر الفصل الثاني، “مسارات العبور”، والفصل الثالث، “مواضيع العبور”، في كتابين مستقلين كذلك، يظهران أهميتهما أكثر لمن يهمه النقاش حول الحلول المقترحة للمعضلات التي تناولها الفصل الأول.
وبذلك يكون الكتاب الأول في السلسلة هو “تحدّي العبور”، والكتاب الثاني “مسارات العبور”، والكتاب الثالث “مواضيع العبور”، أما الكتاب الرابع فهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ: “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”.
أما الكتاب الخامس، وهو تحت الطبع كذلك، فعنوانه “مع بن نبي وشروط النهضة”. ويعود أصل هذا الكتاب إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، بعنوان “شروط النهضة وتحدّي العبور”، تناولت فيه بالتحليل الأفكار الأساسية للمفكر الكبير مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”، ثم قمت بتحويل مادة البرنامج إلى كتاب.
أما الكتاب السادس فهو “شروط النهضة الخمسة”، ويعود أصله، هو الآخر، إلى برنامج مرئي من خمس وعشرين حلقة، تناولت فيه الشروط الأساسية للنهوض الحضاري، وتطبيقاتها العملية على عدد من النماذج التاريخية.
يتشكّل هذا الكتاب : “الحضارة في الفكر الغربي والفكر الإسلامي” من ثلاثة فصول. يتناول الفصل الأول “الحضارة في الفكر الإسلامي”، وقد رصدت فيه الأفكار الأساسية في موضوع الحضارة لمفكرين مسلمين من توجهات ومدارس مختلفة، فتوسعت إلى حد ما في تناول أفكار اثنين منهم وهما: عبد الرحمن بن خلدون، بسبب مرجعيته المتفق عليها في الموضوع، كمؤسس فعلي لعلم الاجتماع والتاريخ، والمكانة السامية عالميا التي نالتها “المقدمة”، ومالك بن نبي، بسبب دقة وشهرة أفكاره، خصوصا معادلة: “الفكرة الدينية، الوقت، التراب، الزمن”، ومعادلة: “الروح، العقل، الغريزة”، و كذا جوابه على أسئلة لا تزال تطرح إلى اليوم. ثم تطرقت بشيء من الاختصار لأفكار قامات فكرية أخرى، لم يمنعني من التعمق في الاستفادة من كنوزهم الفكرية سوى الخوف من الإطالة على القارئ، وهم: علي عزة بيغوفيتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، محمد عابد الجابري، عبد المجيد النجار، وكان يمكن كذلك الرجوع إلى أفكار مفكرين آخرين غير هؤلاء لا تقل الاستفادة منهم أهمية، لو لا ضرورة تجنب التوسع لتسهيل الاستفادة.
لا شك أن توفر الفضاءات المعرفية تتيح للمهتمين الاطلاع على أفكار هؤلاء العلماء والمفكرين من مصادر أخرى أكثر توسعا، ومن كتبهم مباشرة. ولذلك ما أدعو القارئ إلى الاهتمام به أكثر هو التحليلات التي أقدمها والتصنيفات الجديدة التي أعرضها للنقاش، ومحاولات شرح الاختلافات وتنوع المقاربات، وما يمكن أن يُستفاد من كل ذلك في مشروع الاستنهاض الحضاري، وفي تحديات العبور من حالة الخمول الحضاري إلى النهوض الحضاري للأمة الإسلامية.
وفي الفصل الثاني أتناول مساهمات كبار المفكرين الغربيين في دراسة الحضارة، فأبدأ بعالمين كبيرين مشهورين، هما أرنولد توينبي ووِل ديورانت، الأول بسبب مكانته العلمية الكبيرة وموضوعيته المشهودة، خصوصا في تناول الحضارة الإسلامية والموقف من القضية الفلسطينية، ودقة فكرة “التحدي والاستجابة” في كتابه المشهور “دراسة للتاريخ”، التي بقيت فكرة مركزية في الدراسات الحضارية. والثاني بسبب الغزارة المعرفية في مؤلفه الشهير “قصة الحضارة” الذي ظل المرجع الأساسي للدراسات الحضارية منذ تأليفه، والذي أوصى بدراسته علماء مسلمون مرموقون، رغم أغاليطه حين يتناول مصدر الرسالة المحمدية، وعند إبداء موقفه من القضية الفلسطينية، وخرافة التفوق اليهودي، الذي جرّه إليه شريكته في مؤلفاته الأساسية، زوجته اليهودية أرئيل ديورانت. وبعد هاذين المرجعين الأساسيين اخترت زمرة من الفلاسفة الغربيين الكبار الذين تناولوا بالدراسة موضوع الحضارة من زوايا مختلفة وبآراء متنوعة، وهم: أوزوالد شبنجلر، فرناند بروديل، جاك إيلول، أرنولد جيلي، مارسيل موس، لوسيان فافر، كلود ليفي-شتراوس، صموئيل هنتنغتون.
وقبل أن أتمنى أن يستفيد القارئ من هذه المقتنيات الفكرية أقرّ أن استفادتي ومتعتي كانت حقا عظيمة عند مطالعة ودراسة واختصار أفكار هذه القمم الفلسفية الغربية. لا شك أن استفادتي من دراسة درر المفكرين المسلمين في الفصل الأول كانت لا تقل فائدة، ولكنها أفكار معهودة لدي في أغلبها، ودراستها كانت تذّكرًا ومراجعة، وتنظيما معرفيا. أما دراسة أفكار هؤلاء الفلاسفة الغربيين، في الفصل الثاني، من مصادرها الأصلية في الغالب، فهي جديدة عليّ. لذلك اعتبرتها عمرا معرفيا جديدا بالنسبة إلي، وقد ساعدني في التمهل والتركيز في الدراسة، والترجمة والاختصار، فسحة قعود في مكتبي بالبيت لم تتح لي منذ سنوات طويلة. ولو لم تكن لدي اهتمامات بحثية أخرى أنا بصددها، لخصصت جزء مما بقي في عمري، بإذن الله، في دراسة الفلسفة والتعمق فيها.
قد يكون ما نقلته من أفكار مختصرة لفلاسفة غربيين مرموقين مفيدا للقارئ العربي، ممن لم يكن لهم اطلاع سابق، خصوصا في المحيط الذي أنشط فيه فكريا وسياسيا ودعويا، والذي لا يهتم أصحابه عادة بالفلسفة الغربية ويأخذون منها موقف الحذر ابتداء.
لا شك أن الزخم الفلسفي والفكري المناقض للدين عموما، والمرجعيات الإسلامية خصوصا، كبير في الفكر والفلسفة الغربية، غير أن ثمة من الفلاسفة الغربيين من لهم قدرة مدهشة على تفكيك الفلسفة المادية الغربية، والديانة العقلانية والغريزية الجديدة التي فرضتها الفلسفات الوجودية والوضعية في العصر الحديث، وأن ثمة أسئلة فلسفية كبيرة يطرحها فلاسفة غربيون كبار يستطيع أن يجيب عنها المسلمون، لو توفرت لهم المؤهلات المنهجية والمقدرات المعرفية والمهارات الحوارية.
وعلى نحو ما ذكرته بخصوص الفصل الأول فإني أوجه الاهتمام أكثر في الفصل الثاني، كذلك، بما قدمته من تحليل للتوجهات الكبرى في تعريف الحضارة عند المفكرين الغربيين، وتطورات المفاهيم الحضارية في الحضارة الغربية، والتصنيفات التي اقترحتها، ودلائل ذلك ونتائجه في العلاقة بين الشعوب، وفي الساحة الدولية، وفي فهم المعضلات الكبرى التي تواجه البشرية جراء الخلفيات الفكرية في فهوم الحضارة ومقارباتها في العالم الغربي.
أما الفصل الثالث فهو يتناول ثلاث مواضيع مهمة تتعلق بالمفاهيم التي لها اتصال من حيث الدراسات المعرفية بالحضارة وهي: “الدين والحضارة”، “”الثقافة والحضارة، “المدنية والحضارة”. فأتناول بالدراسة، في موضوع “الدين والحضارة”، حقيقة اتفق عليها جل المفكرين الذين درسوا الحضارة، قديما وحاضرا، في العامل الإسلامي أو في العالم الغربي، مفادها أن أصل قيام الحضارات الكبرى المبعث الديني، ولكي أحسم الموضوع أتطرق إلى مباعث الحضارة الغربية، فأثبت بالوقائع التاريخية وشهادات المفكرين الغربيين أن أصل الحضارة الغربية النهضة العلمية الدينية في المدارس الكاتدرائية، في القرون الوسطى، وعبر النهضة المسيحية الكارولينجية الجرمانية، وأن رواد الثورة العلمية الأوربية، في منتصف القرن السادس عشر، كانوا متدينين أو رجال الدين، وإنما وقع التحول بسبب تطورات لها علاقة بالصراع على النفوذ والصراع السياسي وتفوق الحقائق العلمية المسلماتِ الكنسيةَ المنحرفة، ضمن تاريخ أوربي حصري.
وفي موضوع “الحضارة والثقافة” حاولت أن أتناول مفهوم الثقافة، أولا، بمعزل عن علاقتها بالحضارة، بالرجوع إلى معناها في تراثنا، ثم ما ذهب إليه بعض الفلاسفة في العصر الحديث، ثم ما فهمته مما درسته في الكتب وما عاينته في سلوك الناس وأحوال المجتمعات. وبعد ذلك رجعت إلى تناول علاقة الثقافة بالحضارة، انطلاقا مما ذهب إليه مفكرَين مهمَين يتميّزان بازدواجية “الثقافة” الإسلامية والغربية هما: مالك بن نبي وعلي عزت بيغوفيتش، وعدد من المفكرين الغربيين، ثم اقترحت نماذج مفاهيمية ومصطلحات جديدة تتعلق بالثقافة، مثل “المكونات الباطنية والظاهرية” للثقافة، و”المكونات العليا والدنيا”، والأبعاد “الفردية والجماعية” و”المحلية والعالمية” للثقافة، وعلاقة كل ذلك بالحضارة، كوسائل معرفية لفهم تفاعل الأبعاد الثقافية والحضارية في المجتمعات.
وفي تناول موضوع “الحضارة والمدنية”، شعرت في البداية بشيء من الملل، وعدم الجدوى من تناول الموضوع، لاستحالة النجاح في عملية التفكيك والتحليل بين مفهومي “الحضارة” و”المدنية”، خصوصا عند استحضار مفهوم “الثقافة” ومحاولة تحديد علاقته بهما كلاهما. وأنا في نفسية عدم الجدوى تلك، عثرت على مقولة تؤكد هذا الشعور عند الفيلسوف الأمريكي “توماس إليوت” حين يقول في كتابه “ملاحظات نحو تعريف الثقافة” ما يلي: ” أن أي محاولة لوضع الحدود بين معنَيَي هاتين الكلمتين لا يمكن أن تنتج إلا تمييزا صناعيا خاصا بهذا الكتاب، يجد القارئ صعوبة في تذكره، ويشعر بالراحة في التخلي عنه عندما يطوي الكتاب “[1]. وقد عمّق هذا الشعور الترابط اللغوي الشديد بين كلمة “حضارة” وكلمة “مدنية” في اللغات الأوربية (الفرنسية والانجليزية على الأقل)، وتداخل المعاني بين معنى الحضارة والثقافة في الفكر الغربي، ثم الابتعاد المجالي لمفهوم “المدنية” حين يتصل بالفكر السياسي. ولكن في الأخير توصلت إلى نتيجة مهمة أرجعت الجدوى لتناول الموضوع، أرجو الله تعالى أن يُكتب لها القبول في الساحة الفكرية وهو أن “المدنية” ما هي إلا “العمران” الذي تحدث عنه ابن خلدون، والذي هو الدليل المرئي للنهوض لأمة ما، والذي هو المظهر الخارجي للحضارة، وعليه يمكن الاستنتاج أن الثقافة هي روح الحضارة، والمدنية جسدها، وتأثير الروح “الثقافة” في الحضارة هو الذي يشكل أوصاف الجسد “المدنية” الظاهرة.
[1] توماس إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة شكري عياد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 16