لقد كان متوقعا أن يلجأ النظام السياسي، بعد فرض إرادته في الانتخابات الرئاسية، إلى القيام بإصلاحات تجميلية يفك بها عزلته ويعطي لأنصاره موضوعا للحديث، ولخصومه غير المبدئيين حبلا للنجاة، ولخصومه المبدئيين صفعة تشتتهم وتلهيهم عن التركيز في ما هو أهم، وليعطي للخارج المتواطئ معه واجهة ديمقراطية ترفع عنهم العتب والحرج. وكان ما توقعناه، ها هو ذلك يحدث بشكل أسرع مما سبق، وسبب السرعة بالنسبة لهذه الأساليب المكررة البالية أن المعارضة الجادة المبدئية هي هذه المرة أكثر جدية وعزما. والذي يهمنا في الموضوع ليس أنصار النظام السياسي، ولا الخارج المتواطئ معه وإنما هي المعارضة السياسية الممثلة في الأحزاب والشخصيات والمجتمع المدني، في ما بينها وداخل كل منها. من كان منها يعيش حالة أزمة داخلية ونفسية وفقدان الرؤية، وكان عمق معارضتها هو البحث عن التموقع الحزبي و\ أو الشخصي فقط سيتعامل مع مبادرات السلطة لاحتواء الساحة السياسية بقدر ما تتيحه له هذه المبادرات من فرص التموقع والانتفاع. وقد يكون هذا الطموح الحزبي و\أو الشخصي عاليا، كالبحث عن الالتحاق بمن ساند الحاكم المتغلب من قبل فكسب، وقد يكون الطموح بسيطا تافها وهو البحث عن طوق نجاة يخرج الحزب و\أو الشخص من حالة المواجهة السياسية مع الحاكم المتغلب بغرض الركون إلى الراحة والابتعاد عن حلبة الصراع السياسي السلمي. سيهتبل هذا النوع من المعارضة الفرصة للتعامل مع الإصلاحات التجميلية للحاكم المتغلب، فهي فرصة وطوق نجاة بالنسبة له ( كحزب أو كشخص)، فإن حقق الأكثر طموحا مبتغاه فسيدخل في الصف وإلا فسيعود للمعارضة من جديد، بنفس المقصد وبنفس النهج: البحث عن الفرصة للتموقع الحزبي و\أو الشخصي. وأما الأقل طموحا فإنه يتمنى أن تحفظ له هذه الإصلاحات الترقيعية ماء الوجه فتتيح له الخروج من تحمل أعباء التغيير، ولو تطلب الأمر منه التنازل عن ثلثي مطالبه وتعريض مشروع التغيير للتشتت، وربما إعدام فرص كل إصلاح في أي مجال من المجالات. إن هذا الصنف من المعارضة هو الأخطر على المعارضة، وهو الأقدر على تشتيتها من السلطة ذاتها، بل هو أحسن حليف لهذه السلطة ولو بطريقة موضوعية غير مباشرة.
أما الأحزاب و\أو الشخصيات المبدئية، فإن الأزمة بالنسبة لهم ليست في نفسياتهم وأحزابهم، وإنما هي في الجزائر بلدهم، وبلد آبائهم، وبلد أبنائهم، وبلد أبناء أبنائهم إلى الأبد. وحكمهم على كل مشاريع الإصلاح والتغيير هو بمقدار قدرة هذه المشاريع على إخراج البلد من الأزمة، لتكون الجزائر آمنة ومستقرة اليوم وغدا، في زمن هذا النظام وبعده، لتكون متطورة، متحضرة، يعمها العدل والحرية، تحكمها الإرادة الشعبية المستقلة، لا نفوذ فيها للفاسدين والفاشلين، ولاخنوع للأجنبي في قرارها وسيادتها وثرواتها ، تستعمل مواردها الطبيعية من أجل بناء اقتصاد قوي مستقل عن المحروقات يؤمن غذاءها ودواءها واحتياجاتها التي تصون استقلالها، تُدفع فيها أجور العمال من الثروة التي جعلها الله ضمان كل شعب وكل أمة وهي عقول وسواعد البشر وليس من الريع النافذ حتما. إن الأزمة التي يجب أن تحل، بالنسبة لهذا النوع من الأحزاب والشخصيات، ليست أزمة الأحزاب و\أو الشخصيات، ولا أزمة نظام الحكم وأنصاره وليست أزمة الخارج المتواطئ، إنما هي أزمة الجزائر.
عبد الرزاق مقري
كثير ممن فرحوا بالخط السياسي الحالي للحركة في حيرة من أمرهم يخافون من أن نستجيب لدعوات النظام السياسي لإدماجنا في سياساته بعد الانتخابات بالإغراء أو التخويف. لن يكون هذا بحول الله، إن القيادة الحالية التي تعمل ضمن أغلبية مريحة جدا ناضلت سنوات طويلة داخل الحركة لكي تجسد هذا الخط، ولن يغريها شيء ولن يخيفها شيء، نعاهدكم بأنها سنستمر في سياستنا بكل تجرد لا يحدونا إلا مصلحة الدين والوطن، ولن يغرينا منصب (وقد عرض علينا مجددا) ولن يخيفنا ترهيب (وقد تعرضنا إليه مجددا) وأن خوفنا منه سبحانه وحده وطمعنا فيه عز وجل وحده. إننا نعلم بأن النظام السياسي سيحاول أن يستوعب الحركة بمختلف الإغراءات في القلب وعلى الأطراف، غير أن مشروعنا غير مشروعه وبرنامجنا غير برنامجه، مشروعنا اليوم هو العمل مع كل أطياف المعارضة ضمن ندوة الانتقال الديمقراطي وحينما نتفق مع المعارضة سنذهب للحوار مجتمعين مع السلطة فإن قبلت التغيير والإصلاح الحقيقي الذي يرسمه كل الجزائريين فذلك الذي نريد وإلا فسنستمر في النضال بكل صبر وثبات ولن نكون “أحد المستعجلَيْن”: “لا ذلك الذي يطول عليه الزمن فيتطرف ولا ذلك الذين يطول عليه الزمن فينبطح”. همنا وطننا، همنا وطننا، همنا وطننا. وإن عجزت المعارضة على العمل المشترك سنواصل ولو وحدنا والعبرة بصوابنا ومصداقيتنا وجدنا وعملنا.
وحتى إن سمعتم تصريحا من هنا او تصريحا من هناك أو تلميحا أو إشارة من هذا أو ذاك من داخل الحركة وفي محيطها ولم نرد ولم نعقب فاعلموا بأن ذلك من هوامش الحرية التي نقرها داخل الحركة، ومن حكمة التسيير حتى لا نعود لانشغال الأحزاب بقضاياها الداخلية بدل الإنشغال بالمجتمع، وحينما يجب ان تتدخل المؤسسات بكل صرامة فستفعل، واعلموا أن للحركة ناطقا رسميا واحدا يعبر عن موقف الحركة وسياستها هو رئيس الحركة.
إننا مسنودون بقوة غير مسبوقة من المؤسسات وهذه السياسة التي نتبعها هي بإرادة الأغلبية الساحقة من المناضلين، ونحن مؤتمنون على إمضاء هذه السياسة.
لا يوجد أي خطر بأن المؤسسات ستقبل العودة للوراء، تلك ظروف انتهت، وأوضاع انتهت، وأفكار انتهت، بحول الله تعالى.
واعلموا جميعا بأنه لو حدث ما ليس في الحسبان على الإطلاق وتغيرت الأغلبية داخل مجلس الشورى فسأحرك حقي الديمقراطي المؤسسي في دعوة مؤتمر استثنائي وأخوض حملة كبيرة مع قواعد الحركة لتثبيت الخط وضمان حسن قيادته، فإن لم يسعفني المؤتمر الاستثنائي فسأرضى بقضاء الله ولكن لن تجيدوني في واجهة الحركة على الإطلاق لأنني رجل حر وصاحب كلمة وقضيت حياتي كلها من أجل أن تكون الحركة الإسلامية قوة وطنية فكرية واجتماعية وسياسية قوية وذات مصداقية وذات سيادة ورائدة في المجتمع مع كل المخلصين في الوطن وقد بدأ يتحقق ذلك منذ المؤتمر الخامس. ولو كان عمر هذا الخط السياسي الذي أقوده اليوم قصيرا إلى هذا الحد معنى ذلك أنه لا فائدة ولا بد من رؤية الأمور وكيفيات القيام بواجب الإصلاح والتغيير من زاوية أخرى تماما. ولكن كونوا أيها الأحباب على ثقة بأن ثمة فائدة عظيمة في ما نفعل وأن رؤيتنا الحالية هي الرؤية الصحيحة وأنها مسنودة ومنصورة ولن نكون في حاجة لأي إجرائي تنظيمي غير ما يتعلق بالعمل ثم العمل ثم العمل.
إن رجاءنا الأعظم في الله، وإنما نريد دعاوتكم ومزيدا من العمل والتجرد والتضحية والمساندة ونحن في حاجة إليكم لأن الوطن في حاجة إليكم. الجزائر ستمر بتحولات كبيرة في الفترة المقبلة فكونوا جميعا على قدر المسؤولية.
عبد الرزاق مقري
لقد أثار ردي الشديد على من اعتدى علينا وظلمنا ردودا كبيرة، الغالبة العظمى منها مؤيدة، وبعضها معترض. ولا أريد في حقيقة الحال تبرير موقف وتأكيد توجه، كما أنني لا أقصد الإشادة بمن ساندني والتقليل من شأن من اعترض علي، وحديثي في هذا المقال لا يتوجه لمن كانت لهم مواقف عدائية سياسية أو فكرية أو أيديولوجية أو نابعة من حقد وحسد وحسابات صغيرة. إن حديثي متجه لمن استعمل النصوص الشرعية في الإنكار علي ونبرة تعليقه (أومعرفتي ببعضهم) تدل على صدق مقصده وطيب خاطره. فهل رد العدوان الذي انتهجته والشدة التي اخترتها مخالفة للدين ولسمت الإسلام؟ وهل هي ما يجب أن يكون في كل الأحوال؟ أم أنها مجانبة الإطلاق للصواب في كل الظروف؟
إن من مظاهر قلة الفهم، وتواضع الإدراك، وسوء المقصد في بعض الأحيان، استعمال النصوص الشرعية بغير هدى فترى الواحد يستعمل آية قرآنية أو حديثا نبويا أو قولا مأثورا لتبرير عمل قام به أو يريد اقترافه، ثم يأتي آخر فيدلل على نقيض عمل الأول بآيات وأحاديث ونصوصا أخرى متعارضة حتى يخيّل للمتابع المحايد بأن ثمة تناقضا ما، وربما ثمة من يفتتن بهذا ويزل، والأخطر من ذلك قد يتأس الأتباع بالموقف الخاطئ، أو بموقف ضمن سياق معين فيكون في ذلك تأثير سيء في تربية الأجيال وتوجيه عوام الناس وخواصهم، وسبب هذه الفوضى في استعمال الدين في التبرير والاعتراض هو ظاهرة انتقاء النصوص وفق الحال والحاجة بغير علم ولا عدل، فحاشى الشريعة الإسلامية أن يكون فيها التناقض والتصادم. إنه حينما تستعمل النصوص الشرعية على هدى من علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة في الترجيح بين النصوص تزول هذه الفوضى وتنجلي الصورة وتتحقق الهداية وتقع المصلحة وتعم الرحمة ويشيع العدل.
إن النصوص من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء التي تدعو إلى الرفق والإحسان والصفح في مخالطة الناس وفي دعوة الغير والرد على الخصوم كثيرة غزيرة لا مراء في ذلك ولا شك، بل إن قوتها وكثرة ورودها وظهور حقيقتها في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وفي سلوك الصحابة والتابعين والصالحين في كل عصر بينت بأن ذلك هو المنهج الإسلامي الأصيل الذي يجب أن يكون عليه المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله في حياته اليومية وفي كل شأنه. غير أن هذا لا يعني أنه بمقتضى هذا المنهج على المسلم أن يكون مهينا ذليلا ضعيفا مهيض الجناح مستسلما لمكر الظالمين والمفسدين، لا يستطيع أن يرفع يده لينش الذباب عن وجهه، أو لا يستطيع أن يدخل بقوة في سنة التدافع ليصنع الحياة ويوقدها ويسوسها. قد أتفهم أن يكون هذا السلوك مطلقا في حياة الدعاة الذين يشرفهم الله بوظيفة المنبر وتوجيه الناس بالمواعظ والتعليم، ولكنه لا يمكن أن يكون مطلقا في حياة الدعاة الذين يتخصصون في السياسة وحماية الثغور، فهؤلاء حياتهم تكون في مجملها وفي أغلب يومياتها على منهج الرفق واللين ولكن يجب أن يتحلوا بالشدة والغلظة أحيانا في مواجهة الخصوم وإلا هزموا واندثروا وانهزمت قضيتهم واندثرت، وإنما الضابط في التعامل مع هاتين الحالتين، الأصلية والاستثنائية، أمران هما: صحة المقصد بأن يكون ذلك لله تعالى ثم لغايات نبيلة لا يحيط بها الريب والشك، وأن يكون الاختيار في موقعه ومكانه، وفي كلتا الحالتين توفيق الله هو العاصم. وقبل أن أسوق النصوص الشرعية التي تسند هذا الفهم لا بد من التأكيد بأن العقل السليم، الذي يتطابق كلية مع النص الصحيح، والنفس السوية المتطابقة مع الفطرة، يتجهان نحو هذا بالبديهة والتلقائية، ولو اطلعنا على مصنفات أدب الشعوب من كل الحضارات سيظهر لنا فيها بأن اللين والشدة سلوكيات متجذرة في الإنسان وإنما المفلح من عرف كيف يوازن بينهما.
لن أسوق في هذا المقال النصوص التي تدعو للرفق واللين لأنني قد أكدت ما تثبته هذه النصوص من أن ذلك هو الأصل، وأكتفي بذكر النصوص التي أستدل بها على إمكانية التوجه لاستعمال الشدة من الكتاب والسنة وسيرة المصطفى وسلوك الصحابة والتابعين ومنها:
أولا ـ إن الانتصار من الظالم ورد عدوانه أمر جائز ثابت بكتاب الله وسنة رسوله ولا يدل على نقص في الدين أو الخلق أو المروءة، حتى وإن كان الصبر وعدم الرد أفضل فقد قال الله تعالى:
(( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ( 41 ) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ( 42 ) ) [ ص: 549 ]
((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ)) سورة النحل 126
((لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً)) عليماسورة النساء آية 148
وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث حسنه ابن حجر العسقلاني وورد في فتح الباري لعائشة أن ترد بالشتم على زينب بنت جحش لما سمعها تشتم عائشة ونهاها فلم تنته فسبتها عائشة وغلبتها.
وحديثنا الذي وصف بالشديد جاء بعد شتيمتين، الأولى اتهمنا فيها كحركة وكتيار بما ليس فينا بالنظر لقرار المقاطعة التي اتخذته مؤسساتنا، والثانية لتهمتنا فيه شخصيا بالخيانة والعمالة للخارج وبنوعت خطيرة أخرى، ولو الدفاع عن مصلحة أعم من شخصنا قصدناها لصبرنا كما صبرنا على كثير ممن اعتدى علينا من السياسيين والإعلاميين، إذ لا يذكر أنه كان لنا تصرف مماثل من قبل.
ثانيا: نقرأ في كتاب الله تعالى توجيها منه سبحانه لموسى عليه السلام بأن يقول لفرعون قولا لينا لعله يتعظ قال تعالى: (({فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه : 44], فامتثل سيدنا موسى وقال لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات : 18], فلما أصرّ فرعون على غيه ، قال له موسى : “{وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } [الإسراء : 102] مثبورا: قال ابن عباس: ملعونا, وقال مجاهد: هالكا.
والخاص والعام يعلم أن أسوء ما انتشر في العمل السياسي في هذه المرحلة هو تخوين المعارضة من قبل النظام السياسي ومن هو متحالف معه، وأكثر من ينتهج نهج التخوين هي تلك السيدة المعتدية، وقد وُجِّهت لها ولمن معها نصائح كثيرة بطرق مباشرة، وسبق لها أن وقعت في مشادات كثيرة مع غيرها من السياسيين والإعلاميين ولم تتوقف، فكان لزاما أن يوقفها أحد من الجزائريين، ولا يوجد من يقدر على إيقافها مثل من يرد عليها بدائها ممن يعرف علاقتها بقوى خارجية وعلاقتها بفكر الخارج ومذاهب الخارج. لو لم أكن رئيس حركة تحترم نفسها لا يمكن أن تهان بإهانة رئيسها، ولو وجد من يقدر على ردعها من داخل الحركة لما فعلت أنا بنفسي.
ثالثا: ثبت أن رسول الله، الذي هو نموذج الرفق في القول والعمل، أن شدد في القول على أصحابه فعيرهم بأوصاف سيئة مؤذية كثيرا، مثل قوله لأبي ذر حين عير رجلا بأمه في : (( يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية)) رواه البخاري، ومثل قوله في حق خالد: (( اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)) في قضية سرية بني جذيمة، ومثل قوله لمعاذ ثلاث مرات : (( أفتان أنت يا معاذ)) حين أطال بالناس الصلاة رواه البخاري، وقوله لحمل عن مالك بن نابغة: (( إنما هذا من إخوان الكهان)) في حديث المرأة التي أسقطت جنينها في صحيح مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام في غير أصحابه أقوالا أشد من هذه فقال في رجل ممن يتقى شره: (( بئس أخو العشيرة)) رواه البخاري، وقال لآخر (( بئس الخطيب أنت)). وهذه كلها أدلة من السنة بأن الإنسان لا يكون على حالة واحدة وقد يتطلب منه الواجب الغضب إلى حد التغليظ في القول. كما أن رسول الله كان يأمر شعراءه وفصحاءه بالرد على المخاصمين مقل قوله لحسان بن ثابت (( اهجهم ورح القدس معك)).
رابعا: سمح رسول الله لأصحابه وأمرهم في بعض الأحيان أن يبالغوا في تشديد القول والرد بألفاظ غير مستساغة عادة تجاوزا للمألوف ـ بشكل مباشر وبلا كناية ـ ضد من يصل تصرفهم حدا خطيرا كالدعوى بالجاهلية وإنكار أمة الإسلام مثلا، مثل ما ورد في الحديث الذي رواه أحمد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضَّهُ وَلَمْ يُكَنِّهِ ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ : إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ ؛ إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا : ( إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا )). ولا أمضي في شرح الحديث رفعا للحرج. وهي حالة استثنائية قد يجد المؤمن فيها نفسه يتلفظ بهذه الألفاظ حتى يشعر المعني بخطر الموقف وهوله، ولكنها تبقى حالات استثنائية لا يُتأسى بها إذ تغلبها كثرة النصوص التي تدعو للرفق والقول الحسن.
خامسا: وقد عُلم مثل هذه الردود في حالات خاصة عن كبار الصحابة في القضايا الحساسة والخطيرة كاتهامهم بالخيانة مثلا، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه- لما قال عروة ابن مسعود للنبي صلى الله وسلم يوم الحديبية: (إني والله لأرى وجوها وإني لأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك).ردَّ عليه أبو بكر – بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم- بغضب: ( امصص ببظر اللات, أنحن نفر عنه وندعه؟!)رواه البخاري. وهو كلام لعمري شاق كتابته وقراءته وسماعه لولا حاجة الاستدلال.
ونحن لم نصل إلى هذا مستوى من الشدة والتجريح في قولنا وحتى كلمة (( قبيحة)) التي لامنا بعض أحبابنا بخصوصها يعلم الله أننا لم نقصد بها قبح الشكل، لأن الشكل هو خلق الله لا يجوز لنا أن نعير الناس به، وإنما قصدنا قبح الفعل كقولنا بالدارجة (( قْبيحة)) بسكون القاف، والعبرة بما يعرفه الله في نيتي ومقصدي وإن فهم أغلب الناس ذلك على قبح الشكل. ولو تطلب الأمر أن نقول قولا غليظا آخر يكون فيه مقصدنا وجه الله وتحقيق المصلحة العامة والانتصار للحق والعدل لفعلنا.
وقد ورد في الأمثال والأشعار كثير مما يؤكد هذا التوجه المتأثر بالنصوص الشرعية وبيئة النبل والشرف والمروءة العربية كقولهم:
وَوَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضعِ النَّدى
وقولهم:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ مشفقاً فليقسُ أحيانا على من يرحمُ
وقولهم:
لعلَّ عتبك محمود عواقبه وربما صحَّت الأجسام بالعِلل
د. عبد الرزاق مقري
فتح العهدات سنة 2008 خطيئة سياسية كبيرة على كل من ساهم فيها أن يندم على ذلك. والحمد لله أنني وأغلب أفراد الحركة البسطاء لم نكن من هؤﻻء وليس الوقت لذكر تفاصيل ما وقع في هذا الأمر. وأذكر الرأي العام أن الحركة في ذلك الوقت كانت مشلولة بسبب مؤامرة الانشقاقات والاختراقات التي تعرضت لها والتي تعافت منها بفضل الله وخرجت منها أكثر قوة وتجربة وحكمة.
يقول البعض أننا ساهمنا في فتح العهدات سنة 2008، كلام مفهوم، غير أن الذين كانوا وراء ذلك هم اﻵن خارج الحركة وبعضهم لا يزال مع بوتفليقة وبعضهم لا يزال يؤمن باستمرار اللعبة القديمة. والمناضلون البسطاء الذين كانوا وﻻ يزالون من الشعب الجزائري البسيط وكانوا يرفضون هذه الخيارات هم أصحاب القرار اليوم في حركة مجتمع السلم من خﻻل مؤسساتهم الصلبة المستقلة ذات السيادة، ونتحدى الجميع أن يعطينا حزبا آخر أفسد خطة دمجه أو إضعافه عبر مؤامرات كبيرة استمرت سنوات طويلة وخرج بعد ذلك قويا. انظروا لغيرنا، من غيرنا أفسد هذه الخطط وظل شامخا يكافح من أجل الجزائر ﻻ يخشى في الله لومة ﻻئم، لا تزال اﻷساليب السابقة تستعمل معنا إلى الآن لتثنينا عن توجهنا الجديد ولم تفلح بفضل الله تعالى. من كان صادقا في البحث عن المصلحة العامة وخدمة الوطن عليه أن ينظر إلى هذه الحركة أنها أداة كبيرة لهذا البر وهذا الخير ويتعاون معها لتحقيق ذلك، وﻻ يفهم هذا الكﻻم إﻻ الصادقون العاقلون. إن التعاطف المتعاظم الذي نشعر به كل يوم من مختلف شرائح المجتمع ومن الوطنيين الصادقين في مختلف مؤسسات الدولة لهو من عاجل بشرانا. فلله الحمد والمنة.
عبد الرزاق مقري
إن مصادقة المجلس التأسيسي في بلد الغنوشي على الوثيقة الدستورية التي صاغها التونسيون بالتوافق بينهم هي الصورة النموذجية لنجاح الانتقال الديمقراطي الذي جاءت به ثورات الربيع العربي. لقد بينت حالة الابتهاج العام داخل المجلس التأسيسي، والتصافح بل والتعانق بين المتشاحنين سياسيا وأيديولوجيا بأن قلب وروح وعقل الثورات العربية هو في تونس الخضراء. إنه النموذج الذي سيوقف، مع مرور الزمن، تغول وإجرام الثورة المضادة في مصر، ويصحح الانحرافات الثورية في ليبيا، ويكسر التآمر الطائفي والإقليمي والدولي في سوريا، ويمنع السرقة المنظمة للثورة في اليمن، ويثبت ويسدد الإصلاحات في المغرب. كما أن هذا النموذج هو الذي سيساعد على نقل رياح الإصلاح والتغيير الذي يريده الجزائريون في بلدهم، وهو الذي سيبتلع حبال السحر في الخليج، و يفضح المكر الخفي والدسيسة الحاقدة التي تُصنع هناك.
لقد كتبت في جريدة الشروق في مقال تحت عنوان : تونس بوصلة النهضة العربية القادمة” ضمن سلسلة: ” مقال المقام” في جريدة الشروق بعد الانتخابات البرلمانية التونسية في 23 أكتوبر 2011 ما يلي ” ليس مستغربا أن تبرز التوجهات السياسية الإسلامية كقوة أولى في أي انتخابات تكون حرة ونزيهة في الوطن العربي مثل ما حدث في تونس مع حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي. ولكن ليس هذا الذي يجعل تونس هي بوصلة النهضة العربية القادمة وقبلة الثوار الجديدة، إنما الذي يجعلها كذلك أنها نجحت في تحدي الانتخابات مهما كان الفائز فيها. ولا يظهر شيء يوحي بحدوث نكسة بعدها، كما حدث في الجزائر. فالحزب الفائز حزب كامل النضج مستقيم المنهج وسطي التوجه، وفي نفس الوقت غير مسلوب الإرادة وقادر على الدفاع عن مكتسباته، يُحسِن أن يكون في المعارضة كما يحسن أن يكون في السلطة. والأحزاب المنافسة مهما كان توجهها ليست استئصالية ولا تدعو لإلغاء الديمقراطية باسم الديمقراطية، وهي ليست وليدة السلطة ومخابر صنع القرار الخفية. والجيش ليس له أحزاب وكيانات سياسية يفضلها ويراهن عليها ويتمظهر بها”.
ولا زلت أقول أن التجربة التونسية ستكون هي النموذج لنجاح مسار التغيير في العالم العربي، وكنت شبهت تونس في مقال آخر بأن هذا البلد هو مخبر النهضة العربية. تماما مثلما هو حال المخابر التي يُجرَّب فيها الإبداع ويُجسد فيها الابتكارُ ويصممُ فيها النموذجُ التقريبيُ، فإذا ما نجحت التجربة في المخبر تُدفع للمصانع لكي تصبح منتجا صناعيا مطلوبا تتنافس عليه الأسواق.
اجتمع لتونس كثير من الأسباب تؤهلها لنجاح التحول الديموقراطي وبناء منظومة سياسية في العالم العربي عصرية ووفية لهويتها، فهي علاوة على أهلية الأحزاب والمجتمع المدني المتنافسة في داخلها لا تمثل دولة بأهمية مصر والجزائر، مثلا، لكي تخشى منها الدول الغربية فتعمل على التحكم في مستقبلها ومصيرها، وهي مجتمع قليل السكان ويحوز أهله على قدر جيد من الوعي والثقافة، وهي دولة لا وجود فيها لنظام عسكري قوي في دواليب الحكم لا يسمح بقيام تحولات لا يتحكم فيها.
إن عدم تدخل العسكر والأجهزة الأمنية هو الذي سمح للأحزاب أن تتحاور وتتوصل إلى ما وصلت إليه. غير أنه مهما تعددت أسباب هذا التحول الناجح لا يمكن أن نقر له بسبب أرقى مما قدمته حركة النهضة من حسن تدبير، وعلو تفكير، ودقة تقييم، وكفاءة اتصال، وبراعة تفاوض، ومن قوة في الحجة والتعبئة والتمسك بالحدود الدنيا التي لو وصل تنازلها إلى أدنى منها لما بقي للتوافق الذي حصل من معنى، ولما حمل معه حظوظا وفيرة للتماسك والنجاح في المستقبل. لقد فهمت حركة النهضة في تونس ما لم يفهمه غيرها من الإسلاميين في بلدان الربيع العربي. لقد فهمت حركة النهضة بأن المكسب الأعظم من الربيع العربي هو رياح الحرية التي جاء بها وليس ما كسبته من نجاحات انتخابية بعد سقوط الدكتاتورية. ومهما تكن نتيجة الانتخابات التشريعية التي ستقام في ظل هذا الدستور الجديد فستكون حركة النهضة هي الناجحة. لو فازت في الانتخابات، وهذا هو المرجح، ستكون أقدر على إدارة الشأن العام وعلى بناء تحالفات أوسع في ظل بيئة محلية ودولية مرحبة، ولو تراجعت ستكون القوة الأولى في المعارضة وسيمكنها ذلك من بناء نفسها بتركيزها على الخطوط الاستراتيجية الهادئة بعيدة المدى، ومعالجة الخطوط السياسية الساخنة العاجلة بأريحية تامة، مما يؤهلها للتمكين الحقيقي في انتخابات لاحقة ما بقيت الحرية قائمة.
لا تزال التجربة محفوفة بالمخاطر غير أن اجتياز عقبات بالحجم الذي عرفته تونس في السنتين الماضيتين يبشر بأن الطريق سالك، وأن قاصد الحقل مدركه، وأن القوم سيسعدون بالثمار، وأن للجيران نصيبا وافرا من الغلة.
د. عبد الرزاق مقري.
((وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) البقرة 143
نسمي شق التطرف الموالي للنظام بلا فكر ولا رؤية : شق التطرف أ
ونسمي شق التطرف المعارض للنظام بلا فكر ولا رؤية: شق التطرف ب
ثانيا: حديثنا هذه المرة لشق التطرف أ: من عيوب هذا النوع من الموالين أنهم لا يعرفون الفرق بين الدولة والنظام فبالنسبة إليهم كل من يعارض نظام الحكم هو ضد الدولة الجزائرية وضد مؤسسة الجيش الوطني الشعبي وبالتالي هو خائن وغير وطني وربما عميل لقوى أجنبية، وهي حيلة يستعملها المستبدون منذ زمن طويل للهيمنة على الحكم والتفرد بالسلطة وقمع المخالفين إلى الأبد، ويستعملون في ذلك أجهزتهم الأمنية وإعلامهم التابع و”المستقل !” ويستخدمون المنتفعين والمتزلفين والسذج والجبناء والأغبياء من السكان. استعملت هذه الحيلة في بداية التسعينيات حينما اهتزت أركان الوطن ودخل في فتنة عظيمة وأصبحت الدماء تسيل في الطرقات والرؤوس تعلق على الأعمدة فوقف كثير من الوطنيين الصادقين مع الوطن ومع مؤسسات الدولة ولم ينتبهوا (أو ربما لم يكن لهم خيار) بأن النظام الذي يسكن الدولة كان يستغل الأحداث ويستغلهم ويستغل الوطن. وفعلا حينما انجلت الفتنة انجلت على وضع سياسي متعفن تحكّم فيه النافذون في السلطة على مقدرات الوطن وجعلوا الفساد وبناء شبكاته المالية هو قاعدة الحكم.
هذه المرة لن تنطلي الحيلة، الخطر اليوم هو الفساد ولوبيات المال الوسخ وليس الإرهاب. لقد صار الإرهاب أداة تستعمله كل أجهزة الاستخبارات العالمية، ولا يخفى على من يملك الحد الأدنى من الثقافة السياسية بأنه حيث يوجد البترول والغاز توجد القاعدة وغيرها من المجموعات المسلحة وحيث توجد القاعدة وغيرها من المجموعات المسلحة يوجد البترول والغاز، وكل تلك الصور للملتحين ولأشكالهم ولباسهم ولخطابهم الديني مما يصور لنا في قنوات التلفزيون لا تقنعنا في شيء حتى وإن كان بعض أصحابها حقيقيين. وبغض النظر عن خلفيات وأبعاد الحرب على مالي والعدوان على محطة الغاز في عين أم الناس التي سنكتب فيها مقالا يوضح الأمر، نحن نقف مع جنودنا في المؤسسة العسكرية الجزائرية ونفتخر بقوة الجيش الجزائري الذي نعرف أهميته وقوته أكثر مما يعرفه المتزلفون، ولكن نحن نعترض على من يضعف مصداقيته باستعماله في المنافسة السياسية في زمن الانتخابات ومن يريد اليوم توريطه في حرب تزتنزفه وتزتنزف مقدرات الوطن بلا فائدة ولصالح الأطماع الأجنبية ولمصلحة مجموعات مصالح جزائرية. والحديث السياسي الذي يجب التركيز عليه ليس فقط الإنجاز الذي حققه الجيش الوطني الشعبي بتحرير الرهائن مع الإلحاح الشديد على الشفافية في تناول الموضوع وإظهار الحقائق كما وقعت والسماح للإعلاميين للوصول للمعلومة وفق المعايير الديمقراطية الحقة، ولكن كذلك وخصوصا كيف تم الاختراق؟ وكيف مرت هذه المجموعات الإرهابية؟ وكيف مررت السلاح؟ وكيف استطاعت أخذ كل هؤلاء الرهائن؟ ولماذا لم يحاسب أحد على هذا؟ هذا هو معنى حبنا للوطن الذي نريده أن يكون آمنا شامخا مزدهرا متطورا متآخيا متراحما لا ألعوبة في يد الفاسدين والمتعطشين للسلطة.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com