لم يكن لذلك الخائن الذي باع وطنه وتنكر لقومه أن يرفع صوته لو لا الرعاية الفرنسية والاحتضان الصهيوني، وما كان له أن ينحرف كل هذا الانحراف لو لا خلفيته الثقافية المعادية لمكونات الهوية الوطنية، تلك المكونات التي وحدت الشعب الجزائري قرونا من الزمن ومكنته من الصمود ضد الاحتلال الفرنسي وكل مخططات التمزيق.
إن التنديد بخيانة الشخص الخائن ومن معه لا تكفي لحفظ البلد منه، فما هو إلا أداة من أدوات الاستعمار ومكائد الصهيونية، وهو يعلن عن خيانته ولا يهمه التنديد به وبفعله،
لهذا لا بد من الاحتياط لمكائد أكبر يحيكها من يحركه، فما الخطوة المفلسة التي أعلن عنها إلا الجزء العلني من المخطط. إن الذين يستعملونه
سيدفعون إلى إضعاف متدرج للجزائر، دولة ومجتمعا، ليصبح ما لا يُتصور إنجازه ممكنا.
والخطة المعاكسة ينبغي أن تكون على المحاور التالية:
– الصرامة في ملاحقة رأس الفتنة ومن معه والضغط الشديد على فرنسا لتسليمه من خلال الاتصالات الثنائية أو عبر الإنتربول، والاستعانة بوساطة دول أخرى .
– الصرامة في الموقف من الدولة التي تأويه وتحميه وتموله، ومعاقبتها اقتصاديا وثقافيا والوقوف في وجه من يخدم مصالحها في بلادنا.
– الحذر من الاختراق الصهيوني عبر أمثال هؤلاء من المتخفين واتخاذ الخطوات الاستباقية في مواجهة التمدد الصهيوني.
– تثمين المواقف الوطنية التي صرّح بها أبناء الجزائر في منطقة القبائل من الشخصيات والأحزاب والمنظمات ضد الخيانة المعلن عنها من باريس
– العمل على تقوية البلد اقتصاديا وعلميا وعسكريا لتيئيس أصحاب المخططات التي تهدد الوحدة الوطنية.
– ترقية مكونات الهوية الوطنية وإعلاء معاني الأخوة الإسلامية الجامعة لكل المذاهب والأعراق في البلاد.
– ترسيخ معاني المواطنة الحافظة للوطنية، وتمسك الجزائريين ببلدهم مهما كانت الصعوبات، وذلك بنشر العدل وصيانة الكرامة وتوفير الحريات والمساواة في الفرص ومنع الظلم والامتيازات المحصلة بالفساد واستغلال السلطة في كل المستويات.
د.عبد الرزاق مقري
لقد انتصرت الجزائر بعد ثبات دام 130 سنة من الاحتلال الفرنسي الغاشم خاضت فيه مقاومة شعبية مسلحة بطولية لمدة سبعة عقود تقريبا، ومقاومة ثقافية وسياسية واجتماعية لأكثر من خمسة عقود، وحربا تحريرية نهائية مظفرة لأكثر من سبع سنين. وكان انتصارها حاسما بتحرير الأرض والسيادة والهوية. وبعد خروج الاحتلال من أراضينا بقي هذا الأخير يواصل حربه ضدنا في موضوع السيادة والهوية.
والغريب في الأمر أن الذين يباشرون استمرار معركة السيادة والهوية بعد خروج الاستعمار من الأرض ليست دولة الاحتلال فحسب، بل معها طابور من بني جلدتنا، وكأن أولئك الذين صوتوا في الاستفتاء ضد استقلال بلادهم عام 1962 قد فرّخوا، وبعد أن كانوا لا يظهرون وجوههم تراهم اليوم يجاهرون بأنفسهم وبمواقفهم.
ومن مظاهر استمرار معركة الهوية النقاش الغريب الذي ظهر هذه السنة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960 حول شعارات ” الجزائر الفرنسية”، “الجزائر الجزائرية”، “الجزائر المسلمة”.
من المفروض أن هذا النقاش قد انتهى مع خروج الاستعمار، وأننا معتزون باستقلال أرضنا، وبسيادتنا في بلدنا على قرارنا وثرواتنا، وبهويتنا وكينونتنا، وأننا منشغلون بالبناء والتشييد والتطوير. ولكن للأسف الشديد لم يقبل الخاسرون في معركة التحرير هزيمتهم، ولا يريدوننا أن ننشغل بنهضة وطننا فيرجعوننا إلى الصراع حول ملفات حسمت بصمود الشعب وفرقعة البارود.
لا أدري هل يعتمدون على نسيان الأجيال وانشغال الحزائريين بحياتهم اليومية وضغوطات الواقع ليخلقوا سردية جديدة منافية لوقائع التاريخ، ام أنهم استأنسوا في أنفسهم قوة [وهمية] جعلتهم يتجرأون على ذلك. من من الجزائريين لا يعرف بأن عبارة “الجزائر الجزائرية” هي عبارة أطلقها ديغول في مواجهة عبارة ” الجزائر المسلمة” التي كان يتمسك بها الجزائريون في وجه مخططاته وفي كفاحهم من أجل الاستقلال من جهة، وفي مواجهة “الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمرون وضباط الجيش الفرنسي في الجزائر لعدم الاعتراف بالهزيمة وضد توجه ديغول للمفاوضات مع جبهة التحرير من جهة أخرى.
لقد اختلق ديغول شعار “الجزائر الجزائرية” لسببين رئيسين، أما السبب الأول هو أنه لم يكن يريد أن تكون للجزائر هوية، حتى يسهل إلحاقها لاحقا ضمن الدائرة الاستعمارية بعد الاستقلال، لأنه حين يُسأل الجزائريون عن هويتهم سيقولون مباشرة: “نحن مسلمون”. وديغول مثله مثل القيادات الاستعمارية منذ بداية الاحتلال يعتقد بأن الإسلام هو وحده الذي منع من إدماج الجزائريين أو مسخ هويتهم، كما حدث لكثير من الشعوب المستعمرة في الأمريكيتين وفي أفريقيا. والسبب الثاني أنه كان يريد أن يبقى الأوربيون، الذين كان يبلغ تعدادهم قرابة المليون، في الجزائر بعد الاستقلال ليضمنوا استمرار المصالح والهوية الفرنسية، ولكي لا يلتحقوا بفرنسا بحقدهم الشديد عليه بسبب هزيمته ورضوخه لإرادة الجزائريين في الاستقلال . وبما أن الأوربيين في الجزائر كانوا يسمون الجزائريين “مسلمو الجزائر” (les musulmans d’Algérie)، فإن الجامع بين الأوربيين المسيحيين والجزائريين المسلمين الذي يشجع الأوربيين على البقاء في الجزائر هو أن تكون “الجزائر الجزائرية”. غير أن الشعب الجزائري لم يقبل شعار ديغول ومخططه فرفع في مظاهرات 11 ديسمبر شعار ” الجزائر المسلمة”.
علاوة على أنه لا يوجد في العالم بلد يعرّف نفسه بتكرار اسمه، وإنما يضاف إلى الاسم صفة ترمز إلى الهوية أو الجغرافيا فلم نسمع مثلا تعريفا على شاكلة “امريكا الأمريكية” أو “فرنسا الفرنسية”، أو “ألمانيا الألمانية” أو “الصين الصينية” أو ” روسيا الروسية” وإنما يضاف تعريف للاسم فيقال مثلا ” فرنسا الأوربية” ، أو يقال “الصين الكونفوشيوسية” أو “روسيا السلافية” أو ” الارثذكسية” أو “الدول الغربية المسيحية-اليهودية”، وهو التوجه الذي يريد الكيان فرضه من خلال شعار ” إسرائيل الي@ودية”، وهذه التصنيفات مشهورة في الكتب المتخصصة في الجيوبوليتيك أو الدراسات الحضارية.
وحين نتحدث عن الجزائر ، فلو قلنا “الجزائر الجزائرية” لا نكون قد عرفناها، بل نكون قد عزلناها جغرافيا وحضاريا ومصلحيا. ولكن حين نقول “الجزائر المسلمة” فقد أفهمنا من يسمعنا من هي الجزائر، فهي بلد ينتمي للعالم الإسلامي والحضارة الإسلامية، والأغلبية الساحقة لشعبها مسلمون.
وعليه يجب أن ننتبه، بأنه حينما لا يستطيع أذناب الاستعمار أن يقولوا ” الجزائر الفرنسية” أو “الجزائر الأوربية” بسبب أنهم سيفضحون أنفسهم عندئذ، ولأن الفرنسيين والأوربيين يحتقرونهم ولا يقبلونهم ضمن هويتهم، فهم يحاولون أن يجعلوا الجزائر بلا هوية ليسهل بعدها بيعها بثمن بخس إلى أسيادهم.
د. عبد الرزاق مقري
اعبر عن رأيي السياسي حين يدعوني ضميري لذلك، لا غير، ولا يهمني إلا رضوان المولى سبحانه، ومصلحة بلدي وسلامة دولتي وخدمة أمتي، أسعى أن يكون تناولي لأي حدث بالمهنية اللازمة، واللغة المدروسة المناسبة، لا أمتهن لغة الخشب ولا أقول لكي لا أعبّر، ولا ترتعش يدي وأنا أكتب، ولا يتلعثم لساني وأنا أتكلم، ولله الحمد والمنة وحده.
لا أبحث في الحياة الشخصية للمشتغلين في الشأن العام بل أنقد السياسات والقرارات والتصرفات التي أراها تضر بلدي. حين أعارض لا أغادر بلدي، وإن خرجت منه في إطار نشاطي الدولي أو لضرورات شخصية أعود إليه مهما كانت المخاطر.
أنا راض بما منحني الله من سمعة طيبة عند الناس، وما أحاطني الله به من تقدير لخطي السياسي وتوجهي الفكري ومواقفي، ألمس ذلك بحمد الله حيثما ذهبت.
وفي المقابل ثمة من يتهجم علي ممن ليسو معروفين البتة، أو من شبكات الانتهازية والزبونية المصنوعين والمأمورين، أو الذين يودون التقرب من الحكام بضرب الشرفاء من المعارضين.
وأنا بشر أخطئ وأصيب وأقبل النصيحة والحوار، ولكن في كل الأحوال لا أبدد رصيدي لغايات صغيرة أبدا، وأنا لست “حيوانا سياسيا” لا تهمني إلا المنافسة السياسة وامتهان المعارضة من أجل المعارضة، فكثير من وقتي في التأليف ضمن مشاريع بحثية عديدة ستنشر عند نهايتها في وقتها، أو في قيادة مشاريع حضارية استراتيجية في بلدي أو خارج الوطن، وأنا في هذه الفترة ضمن برنامج في ثلاث دول ألقي المحاضرات والدروس والندوات لنشر أفكاري ومناصرة القضية وقيادة مؤسسات معتبرة بحمد الله، وسأعود إلى البلد بإذنه تعالى ضمن ذات الرسالة والرؤية.
ليتأكد الجميع، مع هذا، بأنه لا يستطيع أحد أن يمنعني من التدافع السياسي في بلدي أو أن تكون لي رؤية سياسية وطموح سياسي، أو أن يخرجني من الساحة السياسية ما لم اختر ذلك بنفسي، أو أن أؤيد هذا أو أعارض ذاك بما يمليه علي فهمي للمصلحة الشرعية وخير البلد.
أنا أناضل في بلدي من أجل مبادئي والتمكين لرؤيتي التي سميتها “الحلم الجزائري” رغم علمي بأنه لا توجد فرصة، وأن من بيدهم الأمر لهم كامل القدرة على كسر أي طموح وتحريك فواعل كثيرة لإلغاء المنافسة، وجعلها مأمونة لهم وحدهم باستعمال وسائل الدولة وبتسخير البعيدين والقريبين، فمن عبر عن رأيه المخالف من أجل المناصب والطموحات الانتخابية في الجزائر كمن يحرث في الماء، ولكن من فعل ذلك من أجل الإصلاح والتغيير فسيصلح الأمر ويتغير الوضع بأي شكل من الأشكال، بحول الله. وستتاح الفرص لأجيال بعدنا تكون من حسناتنا الجارية.
أنا لم أتغير، هكذا كنت من قبل وهكذا أنا، بل زادت قناعتي بخطي بعد تجربة عملية طويلة أكّدت بما صار قطعيا وثابتا بأن إقناع الناس بالتغيير من داخل مؤسسات الدولة لم يصبح مجديا مطلقا وحصر العملية السياسية في الانتخابات والبرلمانات لا يثمر أبدا.
لقد ساهمت بجد وإخلاص عبر مسيرتي الطويلة في الحوار والبحث عن المساحات المشتركة منذ مجموعة السبعة في وقت الشيخ محفوظ إلى مشروع الانتقال الديمقراطي ومبادرة التوافق الوطني، وبنيت شبكة علاقات مع المسؤولين في الدولة لا يعلم مداها إلا الله، فنصحت المسؤولين سرا في مختلف مؤسسات الدولة، وعبرت لهم عن آرائي بحضرتهم دون مواربة، وتحدثت علانية باللين والشدة، وصدحت بالحق، في مختلف العهد الرئاسية منذ دخلت البرلمان عام 1997 وبعد أن غادرته عام 2007 ، وتسجيلات اليوتيوب ومقالات ومنشورات الوسائط الأخرى شاهدة فلا يقولن أحد بأنه لدي حسابات مع زيد أو عمرو، فلا يعز علي أحد أمام ما أراه حقا كائنا من كان، في إطار المصداقية والمسؤولية.
لقد كنت على نهجي الذي أنا عليه منذ عهد الشيخ محفوظ رحمه الله، وقدمت له مذكرة في ذلك وقتها هي نواة مخططات البيت الحمسي وتحدي العبور، وحينما قلت في التلفزيون الجزائري وأنا أدافع عنه – أنزل الله عليه شآبيب رحمته – بأننا لن ندخل تحت البرنوس التزمت بذلك ولم أدخله أبدا، وهكذا كنت في وقت الشيخ بوجرة فلم أندمج في الرؤية الغالبة آنذاك مطلقا، وحين اقتنعت بأن بقاءنا في الحكومة مضر بالحركة وبالبلد ناضلت مع إخوة آخرين داخل المؤسسات حتى خرجنا من الحكومة، وحين قُدتُ الحركة – وقد ساهمت الظروف الخارجية في تغيير الذهنيات آنذاك – قدتها بذات الرؤية فحققنا إنجازات لا ينكرها، أو يتراجع عن الإشادة بها، إلا عليل القلب، سواء في الجانب السياسي أو الاستراتيجي أو على مستوى استقرار الحركة وتحقيق الوحدة ورجوع أعداد كبيرة من القادة والمناضلين منذ حركة الانشقاق الأولى والثانية في وقت الشيخ محفوظ إلى موجات الفتن التي جاءت بعده. وبعد خروجي من قيادة الحركة بقيت وفيا لما عشت من أجله باسمي الشخصي لا أمثل حزبا ولا هيئة ولا شخصا ولا جهة معلومة أو خفية، سوى التيار الشعبي العام الذي يجد نفسه في أفكاري ومواقفي وأجد نفسي في تطلعاته حيثما كان. فكيف أتغيّر أو أغيّر وأنا في السن الذي أنا فيه.
إن المنهج الذي سرت عليه طيلة حياتي أنتج إنجازات كبيرة في مختلف المجالات والاختصاصات، وعبر فترات عديدة، ولا يُغيَّرُ المنهج الناجح المفيد للصالح العام، إلا من غيره من أجل المصالح الشخصية .. وانا بحمد الله لا تعلق لي بأي مصلحة شخصية، فأنا حر طليق مستمر في كفاحي ونضالي على ما أنا عليه، مهما كانت الصعوبات .. سواء تحققت النتائج المنشودة أم لم تتحقق.
والله أسأله الثبات والقبول والتوفيق والحفظ والصون، لي ولكل مناضل صادق من أجل الحق.
آمين
د. عبد الرزاق مقري
– لو تم إطلاق سراح بوعلام صنصال دون تدخل أجنبي بعد الاتهامات الخطيرة التي اتهم بها (ومع وجود سجناء سياسيين لا يلتفت إليهم) لكانت مصيبة، أما إطلاق سراحه بعد التدخل الأجنبي فالمصيبة أعظم.
– التدخل الألماني هو مجرد مناولة للفرنسيين في هذه القضية، فرئيس المخابرات الخارجية الفرنسية أكد يوم 11 نوفمبر، وفق جريدة “لوموند”، بأنهم جاءتهم إشارات من الطرف الجزائري تفيد أنهم يريدون استئناف الحوار وأن شروط فرنسا معروفة ومنها إطلاق سراح السجينين بوعلام صنصال والصحفي الفرنسي كريستوف”، كما أن هذا التدخل الألماني يساهم في رفع الحرج عن الجزائريين لكي لا يظهروا بأنهم خضعوا للشروط الفرنسية.
– إطلاق سراح صنصال بتدخل أجنبي يعني أن اتهامات الخيانة المصرح بها رسميا لها حماية أجنبية وأن استعمال الحق الدستوري في المعارضة السياسية أو في التعبير الفكري والعلمي المخالف للتوجه الرسمي جريمة لا يوجد من يشفع لأصحابها، على غرار ما وقع للصحفي عبد الوكيل بلام والدكتور محمد بلغيث وغيرهما من السجناء السياسيين.
– حين يُطلق صنصال كناشط عمل لفائدة مصالح أجنبية ضد الجزائر ، وصاحب تصريحات خطيرة في ملفات خارجية، ويبقى في السجون أصحاب الاتجاه الوطني والإسلامي المعروفين بصدق ولائهم لبلدهم وأمتهم معنى ذلك أن الأقليات المشبوهة ذات نفوذ حاسم في البلد وأن الأغلبية في بلادنا لا وزن لها. وللتذكير : “اتهم صنصال في تصريح رسمي بأنه “خائن لا يعرف أباه قال أن نصف الجزائر ملك لدولة أخرى”. وذلك ردا على قوله بأن ثمة مدنا مغربية أعطتها فرنسا للجزائر، كما صرّح سابقا بعظمة لسانه تصريحا تابعه الملايين على اليوتيوب بأنه كان وسيطا لضبط موعد بين الإسرائلين والرئيس زروال ووزيره للصناعة في منتدى ديفوس عام 1997. ثم لما لم ينجح في ذلك التقى – وهو إطار في وزارة الصناعة – مع الإسرائيليين دون علم وزير الصناعة.
– حين يُطلق سراح صنصال الذي اتهم بالخيانة، وحين يُصرح السيد وزير الداخلية بأنه تغاضى عن فساد متكرر لرئيس بلدية بسبب سنه “سبعين سنة”، ويبقى في السجن محمد بلغيث الذي هو كذلك في سن سبعين سنة، وعبد الوكيل بلام بسبب شدة تصريحاته السياسية المعارضة، وحين يتعرض المعارضون السياسيون الشرفاء إلى مختلف أنواع التضييق والتشويه والحصار الإعلامي معنى ذلك أن الجريمة والخيانة في بلادنا هي المعارضة الفكرية والسياسية (المشروعة دستوريا وفي الأعراف الدولية)، ومؤدى ذلك أننا نعيش انقلابا في سلم القيم وأن المعروف صار منكرا والمنكر صار معروفا. وهذا لا يبشر بالخير من ناحية السنن الاجتماعية
د. عبد الرزاق مقري
شاب عمره 34 سنة، فاز :
– ضد ترامب وجبروته
– ضد الحزب الجمهوري وقوته
– ضد تيار الغدر المرتبط باللوبيات في حزبه.
– ضد الأقطاب المالية الكبرى وتشعباتها.
– ضد وسائل الإعلام التقليدية الكبرى وتأثيرها
– ضد الكيان ولوبياته.
شاب عمره 34 عاما يفوز في نيويورك العاصمة الاقتصادية للولايات الأمريكية المتحدة وأكبر مركز مالي في العالم.
شاب عمره 34 سنة ينشئ تيارا شعبيا عابرا للأحزاب والمعتقدات يجند فيه قرابة مائة ألف شاب متطوع في حملته الانتخابية.
لم يكن لهذا الشاب أن ينجح لو لا وجود هوامش ديمقراطية كافية لذلك، لو لا رجحان كفة من يريد التغيير في بلاده.
إنها رسالة لكم أيها الشباب في بلداننا: تستطيعون فعل ذلك بشرطين أساسيين، بغيرهما لا معنى لأي شرط آخر:
– أن تحاربوا الاستبداد بلا هوادة، وأن تعملوا ضد التحكم في إرادة الناس، والتزوير والغش والفساد وشراء الذمم وأن تضحوا من أجل ذلك. إنها معركة شاقة وخطرة ولكن لديكم القوة والوقت لذلك، ولو انكسر منكم ألف وألفان على هذا الطريق، سينجح الواحد منكم بعد الألف والألفين ويكون ثمرة من ثماركم.
– أن تكسروا شبكات الانتهازية والزبونية، وطوابير المصالح الشخصية والطموحات الصغيرة وأصحاب الأيادي المرتعشة. وهؤلاء أمرهم أسهل، بيوتهم كلها من ورق، وإنما يُكسرون بالحجة البالغة، والصدق الذي لا تلون معه، هم يميلون حيث تميل الريح، يكفي أن ترتفع أصواتكم، وتثبتوا على طريقهم ليختفي أكثرهم.
انظروا إلى هذا الفيديو المرفق كيف يتجه بالنقد مباشرة إلى المنافس الأقوى: إلى ترامب الذي يحكم العالم!
لا تصدقوا بأنه يواجه ترامب لأنه يشعر بالأمان، هو يعلم بأنه معرض للاغتيال، وأنه سيواجه قوة جبارة لتشويه ولإفشاله ولإتاحته.
لم ينجح لأنه مسلم ولكن لأنه شجاع واجه الأقوياء، لأنه مع المظلومين، في بلاده وفي فلسطين، لأن له أفكار، لأنه يغامر، لأنه لا يتردد، لأنه صاحب كفاءة، لأنه صادق، لأنه جذاب، لأنه يجمع، لأنه شاب.
إنه التيار القادم، أسأل الله أن نكون من صانعيه، وأن نكون الجسر الذي تعبرون عليه أيها الشباب، الأمل كله فيكم.
د. عبد الرزاق مقري
ربما السؤال الأنسب هو لماذا تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو في قضية الصحراء الغربية لمنع التقدم الذي حصلت عليه المغرب في مجلس الأمن؟
قضية الصحراء الغربية ليست ذات وزن في المصالح الصينية والروسية، وليست قضية مبدئية من حيث أنه لدى الصين وروسيا قضايا يمكن اعتبارها شبيهة بقضية الصحراء الغربية، فيوجد لدى الصين قضية الإيغور مثلا وربما قضية تايوان، وعند روسيا قضية جزيرة القرم والدونباس وسابقا الشيشان وداغستنان وغيرها.
فهل يمكن استعمال حق الفيتو فقط لمواجهة الولايات الأمريكية المتحدة؟ ليس هذا واردا في الظروف الحالية، فروسيا في اتصال مع الإدارة الأمريكية وهي تحقق نجاحات مع ترامب، وقد اعترف لها على الأقل بأحقيتها في جزيرة القرم ومناطق مهمة شرق أوكرانيا، والصين ليس في استراتيجيتها التصعيد مع الولايات الأمريكية وفي مصلحتها، تجاريا وتكنولوجيا، تخفيض التصعيد.
وهل الصين وروسيا حقا حليفان استراتيجيان للجزائر، ولو على حساب المغرب، فتسندان ررؤيتها في ملف الصحراء الغربية في مجلس الأمن؟ ليس الأمر على هذا النحو.
لا أحد يجهل البرودة في العلاقة بين روسيا والجزائر التي ظهرت في عدم دعم روسيا عضوية الجزائر لمنظمة البريكس، وكيف تنظر روسيا للجزائر من الناحية الاستراتيجية الدولية، والتي عبر عنها لافروف بتصريح فهم بأنه مسيء للجزائر عقب الاجتماع إذ قال بأن “المعايير التي أخذت بعين الاعتبار لدى مناقشة توسع مجموعة البريكس هي وزن وهيبة الدولة ومواقفها في الساحة الدولة ومساهمتها في التحول نحو عالم متعدد الأقطاب”. وقد بيّنت في مقال عن ذلك حينها بأن روسيا تعتبر أن الجزائر لم تحسم أمرها في مسألة التحالفات الدولية وأنها أقرب إلى الولايات الأمريكية المتحدة. وزاد في توتر العلاقات بين البلدين التحولات الكبرى التي وقعت في مالي ودول الساحل والتي جعلت الجزائر أقرب إلى المعسكر الغربي في هذا الملف، وقد شهدنا جميعا الرد المهين للافروف على الصحفية الجزائرية التي سألته عن تورط الفيلق الإفريقي الروسي في جرائم ضد المدنيين.
وبالرجوع إلى هذه الحادثة يمكن أن نتساءل هل كان هذا الحدث بريئا أسابيع قليلة قبل انعقاد مجلس الأمن عن قضية الصحراء الغربية.
ومن أغرب ما حدث في هذا الملف أنه في الوقت التي باتت علاقات الجزائر سيئة جدا مع جيرانها في بعض دول الساحل وخاصة مالي – وهي الآن منطقة نفوذ مع روسيا – هو التقارب الكبير الذي حصل بين حكومات هذه الدول والمغرب، ولا شك أن هذا الوضع الجديد ليس في صالح الجزائر في علاقتها مع روسيا.
وكون السلاح الجزائري سلاحا روسيا لا يكفي ليكون التحالف الاستراتيجي نهائيا بين الدولتين، فالقاعدة أن الدولة المسلحة بغير سلاحها والتابعة في تسليحها لدولة أخرى قد تكون تابعة وليس بالضرورة حليفا. ولا تكون روسيا منزعجة كثيرا على المدى القريب من ضياع هامشها في سوق السلاح بالجزائر، فهي تعلم بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تمنح أسلحتها المتطورة للجزائر في المدى المنظور، كما أن تغيير الدولة تبعيتها في السلاح من دولة إلى دولة أخرى يتطلب على الأقل عشر سنوات، ويتسبب عادة في حالة إضعاف للقدرات العسكرية للدولة المعنية، إذ يتطلب ذلك تغيير ثقافة عسكرية عميقة ومهارات ومعارف راسخة يصعب تغييرها، وهو قرار معقد لا يعدّ اتخاذه بالأمر السهل، إلا إذا كان الانتقال إلى سلاح وطني تصنعه الدولة بنفسها في بلادها.
أما بالنسبة للصين فإن المسألة أبسط من هذا بكثير، فرهاناتها الأساسية حاليا رهانات جيواقتصادية وليس جيوسياسية أو جيوستراتيجية، والجزائر أقل جذبا في الجانب الاقتصادي من المغرب، حيث أن المغرب يتفوق علينا في حجم الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية والصناعات المتقدمة والاستثمارات الكبيرة مع الصين في حين تتجه علاقاتنا الاقتصادية بالصين أكثر نحو البنية التحتية التقليدية والتوريد وفي مجال الطاقة رغم الفرص الكبيرة للاستدراك. وقد تفاجأتُ فعلا بحديث لمسؤول صيني في حفل أقامته السفارة الصينية بالجزائر عام 2023 حاولت أن أحدثه عن فرص الاستثمار في بلادنا فأخذ يكلمنا بصراحة عن البيئة الطاردة للأعمال في الجزائر.
فبالنظر لهذه المعطيات ( التي لا تناقش في الرأي العام في بلادنا) ما الذي يجعل الصين وروسيا تستعملان حق الفيتو لإرضاء الجزائر وتتسبب في ازعاج المغرب الذي يعتبر هو كذلك بلدا صديقا لهما؟
د. عبد الرزاق مقري
حين يتّسم الوضع السياسي بالهيمنة والدكتاتورية، أو يُمنعُ فيه التداولُ وتجسيدُ الإرادة الشعبية، يتطلع الناس إلى الانتقال من هذا الوضع إلى رحاب الحريات وافتكاك أحقيتهم في اختيار الحاكم وتغييره. جرّبت البشرية طرائقَ عدّة في ذلك؟ فما هي تلك الطرائقْ؟ وكيف يُستفادُ منها ليكون العبور سلميا سلسا يحقق الهدف؟
إن من الفقهِ السياسي فهمَ المرحلة، و من الكياسة فحصَ الفرص وإدراكَ المتاح فيها، ذلك الذي يمنح الأهلية القيادية لتحديد الخطاب والمشاريع والرؤى المؤهلة لاغتام الفرص وتوسيع المتاح؟ فما هي زوايا النظر المختلفة لتحديد المتاح وتتبع حركية المراحل وتوصيف الدور والهدف عبر الأزمنة والأماكن؟
كان حديثُنا في الحلَقة الماضية عن تهديدات القوى الخارجية وخلفياتها؟ فما هي مناهج هذه القوى وطرائقها في منع الفكرة الإسلامية من صناعة نهضتها بالدولة، ثم ما هي طبيعة التحديات الداخلية؟ وهل وجودها أمر طبيعي؟ وما هي المقاربات الصحيحة في فهمها والتعامل معها؟
لاشك أنّ عبور الفكرة من المجتمع إلى الدولة له ضريبتُه واستحقاقاته، ولاشك أنّ هذا الانتقال بالفكرة سيواجه بالكثير من التحدي والصدود، ممن يعاديه أصالة، ولكن يأتي التهديد من داخله أيضا.
لماذا يهدده من يهدده؟ وما هي أصنافهم وأسبابهم؟ . وما هي التحديات الداخلية؟ وما أسبابها؟ وطرائق علاجها؟
ذهب الناس في تقييم دور الشعوب في التغيير مذاهب، بين مهول ومهون. بين مهول جعلها وحدها صاحبَة الفخامة في التحولات السياسية فلا مكانة في الأمر للنخب، وبين مهون يراها كمّا مُهملا تتلاعب بها النخب لا غير. ما حقيقة الأمر؟ وما النهج القويم في فهم دور النخب والجماهير؟
هل يعتقد من ينافس على #الحكم أنه سيجد الطريق سالكا؟ كلا لا يمكن ذلك. كل مشروع يريد العبور إلى الدولة سيجد أصحابُه تحدياتٍ في التعامل مع الحكام والنخب والشعوب، بين محارب ومعاند ومخادع، أو مؤيد وداعم ومناصر.
فما طبيعة التحديات تلك؟ وكيف النظر إليها؟
contact@abderrazakmakri.com