حينما أنظر إلى ما مضى من عمري بعد الخامسة والستين أجد أن حياتي بحمد الله لم تكن سدى وأن ما أنجزته في مختلف الأمر يتمناه كل إنسان سوي، يمكن البناء عليه لتثمينه أكثر ولو في وقت وجيز، ولكن أقترفت من الأخطاء وأضعت من الفرص ما لا يمكن استدراك كثير منه، وما يمكن أن تساعد التجربة في تصحيح بعضه واللحاق به بإذن الله تعالى وقوته.
1 – أين نجحت؟
أما ما نجحت فيه بحمد الله وتوفيقه ومنّه وكرمه، فمنه:
– على المستوى الشخصي:
التزمت دينيا منذ فترة الطفولة، وحفظت كتاب الله كاملا، وتحصلت على تعليم جيد، في الطب والعلوم الشرعية وعلوم الإدارة والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ونلت ما احتجته من اللغات، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ولم أكتف بالوظيف فعملت في التجارة منذ العشرينيات من عمري فأغناني الله عن غيري، ونجحت إلى الحد الآن في التوازن بين الاحتياجات الروحية والصحية والعقلية والاجتماعية، وتدربت على مهارات عديدة حتى أتقنتها كالكتابة والخطابة والقيادة وتسيير الشأن العام.
– على المستوى العائلي:
اخترت زوجتي على أساس الدين لا غير، فكانت نعمة في الدنيا والدين، نعم الزوجة ونعم مربية الأولاد، صالحة، داعية، عالمة، حافظة لكتاب الله، رزقني الله تعالى منها ثمانية أولاد، تربوا كلهم على القرآن والصلاح والعلم، تفوقوا كلهم في الدراسة وتخرجوا جميعهم من الجامعات الجزائرية، ولم يتخلف أحد منهم عن الانخراط في العمل في سبيل الله من أجل بلدهم وأمتهم والقضية الفلسطينية، اتجهوا للعمل من أجل قوت أولادهم بعرق جبينهم دون أن ينالوا أي امتياز من الدولة أو أي جهة أخرى ذات شأن، في وظيف أو سكن أو أي شيء آخر. لم أفرط في توفير ما يلزمهم من كرامة العيش، من بيت واسع أو فرص عائلية تضامنية وبيئة صالحة لهم ولأولادهم، في دينهم ودنياهم، وصنت أرحامي وحفظت ود أقاربي وجيراني. ولله الحمد والمنة
– على مستوى الشأن العام في بلدي:
انخرطت في الدعوة الإسلامية مبكرا منذ الطور المتوسط في منتصف السبعينيات على يد الشيخين الفاضلين محمد مخلوفي وأحمد بوساق، فلم أخيب بحمد الله ظنهما، وبقيت وفيا لهما وحسنة جارية لحسابهما بإذن الله، إذ ثبت على ما أخذت عنهما من القيم ورسالة الدعوة إلى الله، فكنت من مؤسسي الصحوة في المسيلة وعدد من الولايات انطلاقا من جامعة سطيف التي كانت بحق قلعة من قلاع الدعوة في الثمانينيات، تجسّدت فيها معاني التأهيل القيادي ووحدة العمل الإسلامي.
ثم تعرفت على الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ففُتحت لي على يديه أبواب الجهاد السياسي والأداء الاستراتيجي في البلد وعلى المستوى العالمي، فتميزت عن غيري بالمساهمة الفاعلة معه في تأصيل العمل الجمعوي، وتأسيس العمل النيابي، وفتح خط عميق ثابت للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد والتزوير الانتخابي، وساهمت بعد وفاة الشيخ محفوظ في حفظ الحركة من أن يُذهب التنازعُ ريحها، واشتغلت أثناء النزاع في تعليم الناس مهارات التخطيط والتدريب والرؤى المستقبلية.
وأثناء قيادة الحركة طورت مفهوم المقاومة السياسية وساهمت من موقع الريادة في ترسيخ النضال المشترك بين التيارات من أجل الانتقال الديمقراطي، وخضت تجربة كادت تثمر من أجل التوافق الوطني لو لا صراعات الأجنحة حول الرئيس المريض، وأنانية القوى السياسية.
ورسمت مسارا صلبا في الحركة لإدارة الوظائف المجتمعية عبر ما سميته الخط الاستراتيجي ونظرية التخصص الوظيفي مما بقيت آثاره قائمة. وأعطيت فرصة للوحدة فأنجزنا منها جزء مهما، وحققنا نتيجة انتخابية مشرفة كادت تنقلنا إلى مستوى الشراكة السياسية بدل أوهام المشاركة لو لا عتو النظام السياسي الذي أكّد مرة أخرى بأنه لا يمكن التعاون معه دون تغير موازين القوة.
وتركت بعدي حركة موحدة مؤهلة لاستكمال المهمة لو أراد من أهلتهم لقيادتها ذلك، صنعت فيها، وممن ليس فيها أجيالا من القادة، وتركت حولها مؤسسات كبيرة مؤثرة في اختصاصات عديدة.
ثم تركت العمل الحزبي وتحولت كلية لأعمّق ما كنت ابتدأته في النضال الفكري والسياسي عبرالمقالات والكتب والإنتاج السمعي البصري وعبر مختلف منصات الوسائط الاجتماعية، وفي التأهيل القيادي الشبابي، والكفاح ضد الفساد والاستبداد ومن أجل نهضة البلد ومساهمته في نهضة الأمة وتحرير فلسطين.
– على مستوى قضايا الأمة خارج البلد:
بدأ اهتمامي بشؤون الأمة في الجامعة وأنا إمام خطيب أدعو لنهضة المسلمين واستعادة مجدهم، وبدروسي في المدرسة الشرعية بمسجد جامعة سطيف ومساجد أسامة والأنصار وغيرهما بمدينة المسيلة عبر دروس الفقه الجنائي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، في الثمانينيات. ثم عبر عضويتي في مجاميع دولية أثناء رئاستي للكتلة البرلمانية وللأمانة الوطنية لحقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني في زمن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.
وتدرجت في العمل للقضية الفلسطينية من الدروس والمحاضرات والمقالات إلى تأسيس التنسيقية الوطنية لمناهضة التطبيع عام 2000 على إثر المصافحة المشؤومة ومحاولة دعوة ماسياس وزيارة الوفد الصحفي لدولة الكيان، ثم بعضوية مؤسسة القدس الدولية وقيادة الأمانة العامة لفرعها بالجزائر وما نتج عن ذلك من إنجازات لا تزال شاهدة، منها الوقفية الشامخة وفرع شباب من أجل القدس المستمرة بعنوان جديد، ثم أسطول الحرية عام 2010، وتدشين حملات كسر الحصار والإغاثة منذ شريان الحياة 5 وما نتج عن ذلك من مسارات نُقل عبرها المئات من الجزائريين إلى غزة، وشُيدت مشاريع عدة فيها، وتأهل على دربها العاملون لفلسطين وبني مسار دائم فاعل للعمل للقضية، إلى رئاسة هيئة المستشارين في الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين إلى أسطول الصمود عام 2025 وما فتح من آفاق مستقبلية بحول الله.
وأثناء ذلك كله اشتغلت في العمل الفكري فأسست مركز البصيرة للدراسات وما أنتجه من مجلات علمية معتمدة عديدة ترقىّ بالكتابة فيها مئات الأساتذة ولا تزال مستمرة إلى الآن، وألفت 18 كتابا في الفكر السياسي والشأن الدعوي والقضايا الدولية، وسافرت لمختلف أنحاء العالم محاضرا ومحاورا ومناظرا في المؤتمرات والندوات، ثم صرت عضوا في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، والأمين العام لمنتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حيث وفقنا لتنظيم سبعة مؤتمرات دولية مشهودة وفعاليات فكرية عديدة، وشرعت مع غيري في تطوير نظريات جديدة لتجاوز حالة الاحتباس التي تعرفها الأمة ومن ذلك مقاربات “تحدي العبور” ومشاريع “تيار الأمة” ومعاني متجددة لمفهوم ” مركزية القضية الفلسطينية” ومشاريع “التحالفات العالمية ضد الصهيونية والهيمنة الاستعمارية”.
2 – أين فشلت؟
..يتبع
د. عبد الرزاق مقري
في هذا اليوم من أيام الله بلغت الخامسة والستين، وحين يبلغ المرء هذا السن يدرك حتما بأن الأجل قد اقتربت نهايته مهما طال العمر، وسيكون ذلك سريعا!
ولإدراك سرعة ما تبقى من العمر ولو طال الأجل بأن يصل المرء إلى عقد الثمانين مثلا، فيكون من المعمرين، فليتأمل في عدد السنوات المتبقية التي لا تتجاوز عادة معدل العشرة أو العشرين سنة. وحين ننظر إلى العشرين سنة التي خلت – أي عام 2005 أو 2015 – ندرك كم كانت سريعة تلك السنوات، وكم أن الذكريات بخصوصها كأنها البارحة، وعلى نفس الشاكلة ستكون السنوات العشرة أو العشرين المقبلة سريعة كلمح البصر لمن أطال الله عمره ممن في سني قد بلغ الخامسة والستين.
لا شك أن الأجل ليس للإنسان فيه خيار، بالزيادة أو النقصان، وفق قوله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤ نوح﴾)) ولكن إدراك سرعة مرور العشرين سنة الماضية تجعل الإنسان يشعر بالرهبة حقا، والسعيد السديد هو ذلك الإنسان الذي فهم هذا المعنى وشمّر على سواعد الجد يسابق الزمن القليل الذي بقي له من عمره ولو طال أجله.
غير أن الذي يواسي المؤمن، ويفسح له مساحات الفرص الواسعة ولو كان الوقت ضيقا، هو أن قيمة العمر ليست بعدد السنوات ولكن ببركة الزمن المتاح وما يتم فيه من إنجاز وأثر، وما يقبله الله من ذلك.
ومن دلائل الخير التي تسكّن خوف العبد من ضيق ما بقي من عمره مدى ما وفّقه الله إليه من عمل صالح في ما فات، ورجاؤه أن يكون ما بقي من حياته على نهج ما مضى، وأن يتجاوز في ما هو آت ما أسف على اقترافه أو تركه سابقا، راجيا من الله رحمته في الشأن كله.
د. عبد الرزاق مقري.
ابني صلاح الدين مناضل صادق، ومثقف شجاع، وصاحب حجة وقلم، كان متفوقا طيلة فترة دراسته إلى أن تخرج من المعهد العالي للهندسة المعمارية بالحراش، تدرج في المسؤوليات النضالية منذ صغره، من خريجي مدارس جمعية الإرشاد وكتاتيب القرآن الكريم في المسيلة، ومن قادة العمل الطلابي في الحي الجامعي بباب الزوار كعضو في مكتب المؤسسة الطلابية، ومن مؤسسي أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي، وهو الآن الأمين البلدي لأمانة التنظيم في حركة مجتمع السلم بادرارية. سكنت فلسطين قلبه كما هو حال كل العائلة، كان من رفقائي في حملة من حملات كسر الحصار البرية لإغاثة أهلنا في غزة، من أكثر المناضلين فاعلية في بلديته في تجميع المساهمات لصالح فلسطين، ومن الرافضين لقتل القضية في وجدان الناس ب”سكوت القبور” أمام الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة، ورفض المسيرات والوقفات أمام السفارة الأمريكية، قبض عليه عدة مرات بسبب محاولاته الخروج، لم يسكت قلمه الفصيح في جبهات النضال الفكري والسياسي لصالح القضية الفلسطينية أبدا.
حينما قررنا المشاركة في أسطول الصمود عزم أن يكون عضوا فيه، لم أكن أريد أن يشارك من الأسرة اثنان، والحاجة إليه كبيرة في عدة مجالات، ولكنه أصر، وقال لي: ” لا أستطيع أن أفعل شيئا يُهدئ من غضبي تجاه الظلم الواقع على أهلنا في غزة، من الأعداء ومن القريبين، سوى المشاركة في الأسطول، وإن لم أذهب لا أتحكم في نفسي في ما يمكن أن أقوم به”. لم تساعدني أمه في إقناعه، إذ فصلت في الموضوع بخصوصي وخصوصه، بأنه “لا يُنهى أحدٌ عن القيام بالواجب، ولا يحدث إلا ما يريده الله، ولا يقتل سوى الأجل”.
وكانت زوجته رغم خوفها عليه تشجعه على الذهاب، تارة تدمع عينيها ولكن في كل الأحوال تصر على تشجيعه. ولكن حينما التقيت به في تونس ضمن الوفد الجزائري الكبير بقيادة الأستاذ مروان بن قطاية دعوته أن يقيم معي في نفس الحجرة فاستنأست به، وفرحت بانخراطه الكامل مع الفريق المشرف مع المايسترو المؤدب القدير زكريا شريفي .
ولكن حينما تغير شعوري وصرت أحرص أن يكون معي في هذه المهة سمعت قبيل ركوبي السفينة الجزائرية التي عُيّنت لركوبها نحو غزة، بأنه حُرم من الركوب في السفينة الجزائرية الأخرى التي كان من المفروض أن يكون فيها مع مروان وزكريا فحزنت وتأسفت كثيرا. ورغم الأسف حدث في سياق حرمان صلاح الدين من الذهاب ما يفرح له قلب المؤمن، وهو التنافس الشديد بين أعضاء الوفد السبعين الذي جاؤوا من الجزائر لركوب سفن أسطول الصمود حين تأكد بأن عدد البواخر المتاح وسعة المراكب المسموح لها بالإبحار لا يسمح بمشاركة الجميع في المهمة.لم يتنازل أغلب الأفراد فكان لا بد من إجراء القرعة، وحينما فصلت القرعة عمّ الحزن المقصيين ودمعت أعينهم، فارتفعت مقاماتهم جميعا في نفوس الجميع وتذاكرنا معا بشأنهم قوله تعالى في سورة التوبة: ((وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ – 92))، فكان ذلك شهادة لهم على مكانتهم وإن لم يتحقق لهم مرادهم، بل ثمة من ذكّر بقوله سبحانه في نفس السورة: (( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) فهم بنص القرآن الكريم وكأنهم معنا، يأخذون نفس الأجر لمن صدُقت نيته بإذن الله تعالى.
غير أن سبب إقصاء صلاح الدين ابني لم تكن القرعة العادلة، ولم يكن من المشاركين الذي قُبلوا بالصفة (الشخصيات الاعتبارية، الأطباء، الصحفيون)، ولكن الاجتهاد القيادي للقائد الفذ زكريا شريفي هو الذي فصل في أمره بكل مسؤولية وحب، إذ رأى بأنه على الشباب المسؤول في التنظيم أن يُعطي القدوة بالتنازل لغيرهم للمحافظة على الأجواء الطيبة، علاوة على أن صلاح الدين غاب أثناء القيام بالقرعة لمهمة كُلف بها، وحينما عاد ووجد بأن القرعة قد تمّت احتج على إقصائه، ولكن حين رأى الإرباك في وجوه من أنصفتهم القرعة تجنب إحداث إرباك مضاعف واضطر إلى الانسحاب وهو في غاية الحزن.لا أُخفي على الإطلاق بأنني تعاطفت كثيرا مع ابني صلاح الدين، وكرهت كثيرا أن أفتقده فلا أراه بجانبي في هذه المهمة التاريخية النبيلة، ولكن عساه يأخذ أجر الذين ذكرهم الله تعالى في الآيتين السابقتين، وأجر الصبر على عدم استفادته من القرعة، وأجر الإيثار في عدم إحزان إخوانه والله نسأله القبول من الجميع.
د. عبد الرزاق مقري
التعسق في استعمال صلح الحديبية:
يستعمل القادة بعض القادة كثيرا أحداث صلح الحديبية في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.
لقد اضطرّ رسول الله صلى عليه وسلم أن يقدم في صلح الحديبية تنازلات كبيرة للحفاظ على الدعوة واستمرار المسيرة، ومن ذلك القبول بحرية من يرتد عن الإسلام والتحاقه بالكفار في مكة فلا يردوه، وتسليم من يسلم ويهاجر صوب المدينة إلى قريش.
أسلم أبو بصير ( عتبة بن أسيد) في مكة ولكن حين هاجر إلى المدينة أرسلت قريش رجلين لطلبه فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم معهما وفق الاتفاق، وأثناء الطريق قتل أبو بصير أحدهما وعاد إلى المدينة يتوسل رسول الله ألا يرده إلى الكفار يفتنوه عن دينه، فقال له: (يا أبا بصير، انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا)، و حين سمع أبو بصير المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول عنه: “ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد”. ففهم الرسالة بأن لا مُقام له في المدينة وأنه عليه أن يبحث له عن دور خارجها يكون لصالح المسلمين.
انطلق هذا البطل خارج المدينة فورا، وتمركز على ساحل البحر الأحمر في منطقة تسمى سيف البحر، وبات كل من سمع إيحاء رسول الله لا يأتي إليه حين يُسلم بل يلتحق بأبي بصير، حتى صار جمعهم جيشا قوامه ثلاثمائة رجل يغيرون على قوافل قريش يقتلون من فيها ويأخذون أحمالها. وممن التحق به الصحابي الجليل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ومعه سبعون فارسا ممن أسلم بعد الحديبية، وسهيل بن عمرو أبوه هو مفاوض قريش في الصلح، أخذ ابنه بنفسه من بين يدي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي جندل حين استغاثه: (( اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا))،
لقد كانت هذه المبادرة الاستراتيجية، من أبي بصير وأبي جندل، التي لا تتحمل جماعة المسلمين في المدينة عبأها هي المخرج والفرج، ليس لأصحابها فقط بل للجماعة كلها ولمستقبل الإسلام.
فبعد أن تضررت قريش من فاعلية هؤلاء الشباب الأبطال الذين صنعوا مصيرهم بأيديهم، دون أخذ الإذن من الجماعة ومن الرسول القائد، جاءت تتوسل إلى رسول الله أن يُسقط ذلك البند الظالم وأن يُبقي عنده من يأتي إليه مسلما، فأرجع المصطفى عليه الصلاة والسلام أبطال جيش أبي بصير وأبي جندل إلى الجماعة في المدينة معززين مكرمين، ولم يصبح الناس، بما فعله هؤلاء، يخافون من بطش قريش فكثر الوافدون على الإسلام جهارا وما هي إلا سنتان حتى نقضت قريش الصلح فأدى ذلك إلى فتح مكة ونهاية حكم الشرك فيها.
إن العبرة الأساسية التي نستشفها من هذا الحدث في السيرة النبوية في الرد على من يريد كتم أنفاس الأتباع، خصوصا الشباب، ليكون الناس جميعا على عقليتهم ونمطهم القيادي، بدعوى المحافظة على المكتسبات، لا يملكون الفهم الصحيح للأداء الاستراتيجي، بأن يكون على يمينهم من يمكن أن يرفعوا سقف النضال والمقاومة، دون أن يُتهموا بالمزايدة على القادة، حتى وإن لم يستشيروا في الأمر، خصوصا في زمن الإكراهات وما دامت أعمالهم تتجه إلى نصرة الإسلام وقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
إن القائد الاستراتيجي هو الذي يكون على يمينه، من الرجال والمؤسسات، من يجب أن يرفع السقف أكثر مما تطيقه القيادة في ظرف من الظروف، كما قد يكون على يساره من يخفّض السقف أدنى مما يصح أن تنزل إليه القيادة، ويخوض القائد الاستراتيجي معركة الكر والفر بين هاذين السقفين بما يخدم استراتيجية الجماعة والرؤى المتوسطة والبعيدة، لا استراتيجيات الأفراد وطموحاتهم. وبذلك فقط يتم المحافظة على المكتسبات. أما الجمود على نمط واحد من الأداء والمكوث في مساحة ضيقة من الفعل هو ذلك ما يضّيع المكتسبات، هذا الذي تعلمناه من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد شرحنا هذه الأفكار في بعض كتبنا ومقالاتنا ودرّبنا عليها أجيالا قيادية وحققت نتائج محمودة بإذن الله وتوفيقه.
٢- إن مما يرد شبهة التخلي عن الواجب والتضييق على من يقوم بالواجب خوفا من ضياع المكتسبات، أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يرتبط بالتنازل على القيام بالواجب الكامل تجاهها، وإنما يرتبط كليا بالمآل الأخير لطوفان الأقصى، فلو – لا قدر الله- تم كسر المقاومة والسيطرة على غزة نهائيا سيعمّم التطبيع على كل البلاد العربية والإسلامية، ومخرجات المبادرة السعودية الفرنسية في الأمم المتحدة تدل عل ذلك، وإذا وقع هذا سينتقل الدور إلى الفكرة التي أسست المقاومة في كل أنحاء العالم، وسيكون الثمن الذي تدفعه الحركة الإسلامية عندئذ فادحا يجعلها تندم على التنازلات التي قدمتها وعلى تجنب الاشتباك السلمي دفاعا عن المقاومة وأهلنا في غزة.
إن المحافظة الحقيقية على المكتسبات تتحقق حينما يعرف الحكام بأن لا سقف يحكمنا بخصوص القضية الفلسطينية، وأن التخلي عنها من قبل الأنظمة سيحوّلها الى مشكلة داخلية في كل بلد.
علاوة على أن سياسة الخوف من ضياع المكتسبات أدت إلى نتائج عكسية في العديد من تجارب الإسلاميين بشكل عام. فالحركات الإسلامية التي سايرت الأنظمة المحلية والإقليمية والقوى الدولية للحفاظ على المكتسبات تراجعت وضعفت وتم السيطرة عليها وعلى مؤسساتها من قبل الاستبداد ولم تصبح آمنة على مستقبلها وتقهقر تأثيرها، وبعضها تعرضت لانشطارات وانسحابات وفتور واسع لدى مناضليها، حدث ذلك في المغرب والجزائر وتونس واليمن والأردن، بأشكال مختلفة وبعضها مشترك، وزاد في نفس الوقت في هذه البلدان وغيرها سيطرة الاستبداد، وتضييق هوامش الحرية، وانتشار الفساد، وتعمّق في بعضها التطبيع وفقدان السيادة لصالح الصهاينة والقوى الاستعمارية، وتواطأت كلها على خذلان غزة واكتفت بالتصريحات والبيانات والمساعدات التي بات لا يصل أكثرها، وما وصل لا يسمن ولا تغني من جوع.
د. عبد الرزاق مقري
يتخلى بعض نشطاء القضية الفلسطينية، خصوصا على مستوى الحركات الإسلامية في العالم العربي، عن واجبات أساسية في نصرة القضية الفلسطينية، بما يتناسب مع حجم المخاطر والمأساة، بقولهم أنهم يحافظون بذلك على مكتسبات ثابتة في بلدانهم.
فيقولون في المغرب مثلا بأنهم لا يرفعون سقف الاحتجاج ضد التطبيع ولا يستعملون الوسائل السلمية الصارمة ضد وجود السفارة الصهيونية في بلادهم للمحافظة على البعد الديني للملكية وإمارة المؤمنين، والسماح لهم بالمسيرات الضخمة في المدن المغربية لصالح فلسطين.
ويقولون في الجزائر بأنهم يتخلون عن المسيرات والوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الأمريكية ولا ينخرطون علانية وعمليا في أسطول الحرية، ويتساهلون مع التقصير الرسمي في نصرة القضية، وغير ذلك، للمحافظة على الموقف الرسمي الرافض للتطبيع وتساهل السلطات مع العمل الخيري والإنساني الشعبي لصالح القضية.
وقد كانوا يقولون في الأردن، قبل حظرهم ومنعهم من التعبير، بأنهم لا يتعاملون بصرامة مع السفارة الصهيونية، ولا يرفعون سقف احتجاجاتهم بما يتناسب مع حجم مأساة قومهم وأهلهم، ولا يزحفون سلميا نحو الحدود، ولا يعملون على دعم تصعيد المقاومة، خصوصا في الضفة، ويتبرؤون من المتطوعين الذين يُلقى عليهم القبض بسبب المحافظة على رصيدهم التاريخي في البلاد وعلى نشاطهم في مختلف المجالات، وعلى الهوامش الشعبية المتاحة لدعم القضية الفلسطينية، ولو لا الخوف من الإطالة لتوسعت في ضرب الأمثلة في العديد من دول العالم العربي والإسلامي ( وقد يتطلب الأمر التوسع في دراسة هذا الموضوع في إطار أشمل من القضية الفلسطينية بإعداد بحث تفصيلي خاص يرصد الحقائق ويتعمق في دراسة الأسباب ويحلل النتائج ويستشرف المستقبل ويقدم الحلول والبدائل العامة والقطرية).
غير أن الرد على الحجج التي يقدمها المقصرون في القيام بالواجب سهل جدا، هم ذاتهم يعرفونه في قرارة أنفسهم، ورفض توجهاتهم موجود في النقاش الداخلي على مستوى مناضليهم، ولكن الذي يفرض التخاذل إنما هم القادة لأسباب خاصة بهم نذكرها لاحقا.
وبسبب الطبيعة التنظيمية “العسكراتية” وغلق فضاءات التعبير بالقدر الكافي لقادة الرأي الآخر في مؤسساتهم، وبسبب ضعف البنية الفكرية القاعدية، ومخاوف الأتباع من الاستهداف ضد التنظيم وقيادته ووحدة الصف، الوهمية والحقيقية، تتجسد “نظرية القطيع” التي يصفها المتخصصون في علوم الإدارة والمنظمات وحركات الحشود وعلم النفس وعلوم الاجتماع، فيُترك بسبب ذلك كثير من الواجبات ويتم تجاوز الحق، والتواطؤ الجماعي على الخطأ.
لو سلمنا فرضا بأن كل المكتسبات المعبر عنها مكتسبات حقيقية وثابتة وقابلة للصمود، فإن ما يدفع إلى خفض سقوف النصرة للقضية الفلسطينية بسببها يدل على ضيق الأفق، وضعف الأهلية القيادية، وقلة الكفاءة في بناء الرؤى والاستراتيجيات الشاملة، وعدم توفر المهارة في بناء فرق العمل وتوزيع الأدوار والتكامل في الأدوار، للمحافظة حقا على المكتسبات. وأخطر ما في ذلك، عند بعض القادة، ما تنطوي عليه نفسياتهم من ضعف تربوي ينم عن رفض الحق إن لم يكن تحت قيادتهم، والخوف على مواقعهم من الفعل الذي لا يُوضع فورا وبشكل مباشر في كفتهم، وبُغض من يشتغل خارج إرادتهم، والنزوع لاحتكار المشهد ونجومية الفعل، وحسد المُجدين واتهام نواياهم ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالقضية ذاتها، بل الإضرار بحركاتهم وجماعاتهم ومنظماتهم وأحزابهم وبلدانهم نفسها.
إنه من العجب فعلا أن يعتقد بعضنا، ونحن في حالة الضعف التي نحن فيها، أننا نحن مركز العالم وكل ما يحدث مما يخالف توجهاتنا وقراراتنا هو باطل يجب التحرز منه، وتعميم التوجيهات للابتعاد عنه وعدم المشاركة فيه، وإن كان في ما يحذرون منه خدمة للإسلام والأوطان والمقدسات، ولعمري إن في ذلك ما ينافي سلامة القلب، التي تجعل الإنسان يفرح بالخير وإن لم يكن له فيه مصلحة محققة، كما بينه ابن قيم في تبيان أمارات صاحب القلب السليم على لسان صاحبه حين يقول” وأسمع بالقطر ينزل في أرض ليست لي فيها سائمة فأفرح”
ولو اتبع هؤلاء هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرائقه لإدارة الصراع لأدركوا حجم أخطائهم في فرض نمطيتهم الواحدة، ففي سيرته عليه الصلاة والسلام نماذج كثيرة في استيعابه لمختلف الفواعل المتناقضة واحتوائه المشاهد المعقدة في زمن الإكراهات وإدخالها ضمن استراتيجياته واستعمالها لتحقيق أهدافه.
ومن ذلك حوادث صلح الحديبية، التي يستعملها القادة المتخاذلون كثيرا في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
6 – شبهة: المطلوب جمع المال فقط
يتذرع بعض النشطاء في القضية الفلسطينية بأهمية بذل المال لها لتسفيه المناشط الأخرى والإقلال من شأنها، وهو تصرف خاطئ ومضر ضررا جسيما بالقضية الفلسطينية، والمبالغة في هذا الحديث والإصرار عليه يدخل ضمن سلوكيات التثبيط والخذلان، بقصد أو بغير قصد، وسنعود لاحقا لشرح مختلف الأسباب التي تؤدي إلى هذا السلوك.
لا شك أن الإنفاق في سبيل الله من أعظم الطاعات والقربات، فالزكاة ركن من أركان الدين، و”الصدقة تمحو الخطايا والسئيات كما يطفئ الماء النار” كما جاء في الحديث الصحيح، وهي بركة في الصحة والرزق وتدفع عن صاحبها أنواعا كثيرة من البلاء في الدنيا وفق ما جاء في العديد من النصوص، والحضارة الإسلامية إنما بنيت أساسا بأموال أوقاف المحسنين في كل المجالات، ومن أعظم أنواع الصدقات “ج” في سبيل الله بالمال، فهو قرين “ج” بالنفس في القرآن الكريم بل مقدم عليه في أغلب الآيات، ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة الآية 41: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُم تعلمون). وفي الآية 20: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون). وقد فسر العلماء سبب ذلك في الكثير من التفاسير ومن ذلك ما بينه الألوسي رحمه الله في تفسيره لما قال: (لعل تقديم الأموال على الأنفس لِـمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً، وأتم دفعاً للحاجة، فلا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال).
ولا فرق في “ج” بالمال بين من غزا ومن جهز غازيا ومن دعم أهله، وقد بيّن رسول الله ذلك في هذا الحديث الصحيح العظيم: (من جهَّزَ غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا). وعلى هذا كان قادة الثورة التحريرية يعّون الإنفاق على الحاضنة الاجتماعية المساندة لهم التي تلحق بها الأضرار الكبيرة في الأرياف أهم من الإنفاق على من هم في الجبال (وكلاهما كان مطلوبا)، وعليه نؤكد بلا مواربة بأن الإنفاق على أهل غزة من أقدس الأعمال الصالحة في هذه المرحلة.
غير أن الشريعة الإسلامية لا تخضع لفهومنا الخاطئة مهما كانت نوايانا جيدة، كما لا تحكمها مرامينا السطحية أو أهواؤنا أو إكراهاتنا الشخصية وحبنا للعمل السهل الذي لا مخاطر فيه، فلا تُحدد الأولويات إلا بفهم مقاصدها، ولا ينتفع بها إلا من يفهم مرونتها.
إن الضرر الأعظم الذي يلحق أهلنا في غزة ويتسبب في قتلهم بالجوع والأمراض إنما هو الحصار، والذي يضعف أداء الم”قا&وم’ة هو عزلهم عمّن يسندهم بالعتاد والمال والغذاء. وحتى وإن تدبرت “م” أمرها فإن الهلاك الذي يلحقه الاحتلال بحاضنتهم الشعبية يؤثر كثيرا في أدائها وسلامتها، وعليه فإن واجب الوقت بعد اشتداد الحصار هو كسره بالضغط على الكيان وعلى حلفائه الأمريكان والأوربيين والعرب بقوافل كسر الحصار البحرية والجوية والبرية، وبالوقفات والمظاهرات ومختلف الفعاليات الاحتجاجية أما السفارات الصهيونية والأمريكية والمصرية في العالم، وبتحريك الرأي العام بالعمل الإعلامي والسياسي وتعظيم أعداد المحتجين في الشوارع بالحد الذي تشغل فيه غزة العالم والناس جميعا أكثر من أي قضية أخرى.
لقد بين الإمام الكبير يوسف القرضاوي بأن فقه الأولويات مرتبط ب “فقه مقاصد الشريعة” فمن المتفق عليه، أن أحكام الشريعة في مجموعها معللة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هدَف الشرع إلى تحقيقها. فلا يصح في العقل ولا في الشرع ولا في أي عرف أن يكون للتحسيني الأولوية على الحاجي، ولا للحاجي على الضروري. بل للضروريات بكلياتها الأولوية المطلقة على الحاجيات والتحسينيات”
إن نجدة الغزيين في أكلهم وشربهم ودوائهم ومسكنهم وتعليمهم واجبة ولكن هذا الواجب لا يتحقق إلا بكسر الحصار. فكسر الحصار هو المقصد وهو مقدم في سلم الأولويات على غيره، ضمن ما تبينه قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، التي يقول بشأنها الإمام القرافي: (وعندنا وعند الجمهور، ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب لتوقف الواجب عليه)
فالمواد الإغاثية من مختلف جهات العالم مكدسة في معبر رفح، ولكن أكثرها ممنوع من الدخول إلى غزة بسبب الحصار، وما يدخل منها لا يسمن ولا يغني من جوع، فالأولى اذن هو العمل على كسر الحصار. وحينما نقول الأولى لا يعني هذا التوقف عن جمع المال والمساعدات، بل وجوبها يظل قائما في كل وقت، وإنما ما يجب بذل المال والوقت والجهد فيه أكثر هو كسر الحصار وتوعية الناس بالمآسي التي يتسبب فيها، وتوجيه الجماهير للاحتجاج في الشوارع لرفع معنويات المظلومين والضغط على الظالمين من الأمريكان وعملائهم وعبيدهم من بلادنا العربية والإسلامية.
د. عبد الرزاق مقري
عبورُ الفكرة إلى الدولة يتطلب امتلاكَ عصبةٍ قوية.. كافيةٍ.. وحاسمة في الأوقات الفاصلة، تحمي المشروعَ الحضاري وتُؤيّده في وجه قوى الصد المختلفة.. فما هي العصبة؟ وكيف تطورت مفاهيمها عبر الزمن! وكيف يكون كسبُها تماشيا مع دولاب السنن الاجتماعية الغالبة؟
اقتضت إرادة الله أن يظل الحق والباطلُ في صراع دائم في الدنيا.
حقا أهل الهداية – ولو على قلة – هم روح هذه الدنيا، ولكن! هل تكون لهم الدنيا لأنهم كذلك فحسب؟ .. أم أن للدهاء وحسنِ إدارة الصراع كلمةُ الفصل في صناعة التاريخ وقيادة الدنيا؟
“قد تطولُ الطريق.. تتضارب المصالح.. أو تتعارضُ الرؤى.. فتجد المشاريعُ نفسَها أمام خلافاتٍ طبيعيةٍ في الأصل، ولكنها إن طالت تعمّقت وتفاقمت فعطّلت!..ثم تحولت إلى نزاع يُذهب الريح.
فكيف نفهم #الخلاف؟ وكيف نُؤطره أثناء محاولات العبور … حتى يكون الخلاف تنافسا أخلاقيا لصالح المشروع؟”
“رغم الأفول الحضاري المرتبط بتراجع الإبداع والحركة العلمية والجمود والتقليد بين القرنين 13م و15م، حافظت الأمة الإسلامية على وجودها وظهورها السياسي بين الأمم من خلال هبّت وصحوات قادها القادة الكبار ودول عظيمة وعسكرية مع قليل من التطور الحضاري”
في الحلقة السادسة من برنامج شروط النهضة الخمسة يستعرض الدكتور عبد الرزاق مقري النموذج الحضاري ولكن من المنظور التاريخي السياسي إنطلاقا من المنظور الإسلامي منه.
“إذا شاع في الحضارة الدعة والسكون وشاع الترف والميوعة، وافترق العقل وهداية الفكرة، يتراجع الانتاج العلمي والإبداع ويتحول التفوق فيه إلى أمم أخرى ناهضة ومع مرور الزمن تخرج الفكرة من الدولة ثم يأتي الدور على المجتمع فيتوقف تأثير الفكرة فيه فإذا خرجت يصبح ذلك المجتمع غير مؤهل للاستئناف الحضاري”
الحلقة السابعة من برنامج شروط النهضة الخمسة “النموذج وتطورات اللحركة الإسلامية
ضيف الأخبار، السيد عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم، على قناة الجزائرية وان
contact@abderrazakmakri.com