جاءت مظاهرات 11 ديسمبر ضمن سياق نستخلص منه درسا كبيرا في كفاحنا السياسي.
جاء المستوطنون وجنرالاتهم في الجزائر المحتلة بالجنرال ديغول سنة 1958 ليحكم فرنسا من جديد ويخلصهم من ثورة المجاهدين الجزائريين التي شملت كل الجزائر بعد عمليات فك الخناق على الأوراس في 20 أوت 1956 . يعتبر الجنرال ديغول صاحب الكتاب الاستراتيجي “حد السيف” بطلا قوميا عند الفرنسيين أعاد لهم شرفهم بعد سقوط باريس في يد هتلر واستسلامهم للألمان في الحرب العالمية الثانية بتنظيمه المقاومة الفرنسية وانضمامه للحلفاء واسترجاع بلده من الاحتلال النازي. خلافا لهذه الخلفية الثورية والكفاح من أجل الحرية لبلده عمل ديغول على كسر الثورة التحريرية وترسيخ إلحاق الجزائر بفرنسا نهائيا، فعمل باستراتجيتين متكاملتين: استراتيجية الإغراء من خلال ” مشروع قسنطينة” لتحسين وضعية الجزائريين المادية، واستراتيجية الحرب والتدمير للثورة ومعاقلها ومناصريها فأنزل للجزائر ترسانة عسكرية من الطائرات والآليات والجنود والخطط والعمليات المكثفة بشكل غير مسبوق وبمساندة ضخمة من الحلف الأطلسي.
أكد لي المجاهدون مشافهة بأن ديغول استطاع أن يلحق ضررا كبيرا بالثورة إلى حد توقفت فيه العمليات الجهادية تقريبا. لقد كاد ديغول أن يحقق هدفه، فلو توقفت الثورة لانكسرت إرادة الجزائريين ولاستمر الاحتلال إلى سنوات طويلة أخرى. غير أن الذي أنقذ الموقف هو الشعب الجزائري بانتفاضة 11 ديسمبر. انتبه قادة الثورة بأن الرسالة يجب أن يأخذها ديغول كاملة، فحواها أن الشعب الجزائري مصمم على الاستقلال مهما كان الثمن، فلا الإغراء يثنيه عن مطلب الاستقلال ولا التدمير العسكري يخيفه من استمراره في طريق الحرية، وأن الذي يجب أن يجيب ديغول هذه المرة هو شعب بكامله وليس المجاهدون الذي في الجبال فكان تنظيم المظاهرات التاريخية في مثل هذا اليوم من سنة 1960.
لقد كانت هذه المظاهرات حاسمة في تصحيح فهم ديغول للقضية الجزائرية، لقد علم بأن القضية ليست قضية متمردين على السلطة الفرنسية، بل هي إرادة شعب بكامله، وأن هذا الشعب ستهزم إرادته إرادة فرنسا، لأن هذا الشعب يدافع عن أرضه الجزائر، وأن الفرنسيين مغتصبون يقاتلون من أجل قضية ظالمة ستخسر لا محال، وأن الشعب الذي خرج للشوارع عن بكرة أبيه هو قوة المجاهدين والفدائيين والمسبلين الذين يحملون السلاح في الجبال وفي المدن، وأن قوة الحديد والنار مهما عظمت لا تهزم طالب حق أبدا. لم يهب ديغول شيئا للجزائر كما يقول أبناؤه من أذيال الاستعمار، بل اندحر وانهزم، وما انخرط في مسار المفاوضات التي انتهت بالاستقلال إلا حينما رأى إرادة الشعب الكاسحة في 11 ديسمبر. الفرق بينه وبين المستعمرين الذين حاولوا الانقلاب عليه حين أعلن ضرورة خروج فرنسا من الجزائر أنه كان أذكى منهم في قراءة إرادة الشعب الجزائري حيث علم أن نتيجة البقاء في الجزائر ليس الهزيمة على الأرض المحتلة فقط، بل كذلك تقهقر فرنسا ذاتها في أرضها، وأن التفاوض على الخروج هو كذلك لمصلحة فرنسا من هذه الزاوية، و للمحافظة كذلك على بعض الامتيازات وهو للأسف الشديد ما تحقق له ولبلده.
لا شك أن مظاهرات 11 ديسمبر هي من أكبر الأسباب التي أدت إلى الاستقلال، ولكن هي قبل ذلك المظاهرات التي حمت الثورة وأنقذت النخب حين تعثرت.
إن الدرس العظيم الذي نستخلصه في كفاحنا السياسي أن مساندة الشعب لأي قضية هو الذي ينجحها، وأن الذي يغلب الأنظمة سواء كانت استعمارية أم استبدادية إنما هو الشعب، وأما النخب عبر مختلف منظماتها وأحزابها فإن الذي عليها القيام به هو أن تبذل جهدا كبيرا لتوعية هذا الشعب وتحميله المسؤولية ونيل ثقته بالثبات والتضحية والصبر حتى إذا فهم الشعب القضية ووثق بمن يحملها يكون هو الطاقة العظمى التي تتحرك بها النخب. يكون الدعم للنخب من عموم الشعب عندئذ منظما ودائما وفاعلا في مختلف المجالات، فإذا تعقدت أوضاع النخبة في هذه المرحلة، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتوقف عملهم لعظمة القمع وشدة الاستبداد وساءت أوضاع هؤلاء الناس الذين أصبحوا واعين مدركين، خرج الشعب للشارع سلميا يأخذ أمره بيده مع التقدير التام للنخب ولما بذلوه من قبل، وحينما يتحقق النصر يكون الانتقال إلى وضع جديد لمصلحة الشعب ونخبه وللبلد كله في سلاسة ورشاد وتوفيق وسداد.
د.عبد الرزاق مقري.
– لا فرق بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب بالنسبة للعرب والمسلمين ، ولكن هناك شيء مؤكد معلوم وشيئ متوقع مجهول، الشيئ المعلوم الذي لا ريب فيه أن كلينتون تمثل صوت المؤسسة الأمريكية (أو الاستباشمنت أو الدولة العميقة في أمريكا) التي كانت دائما مع إسرائيل ضد العرب والمسلمين وهي سبب في كثير من مآسينا، وعليه لو أصبحت هيلاري رئيسة لكان وضع المسلمين على السوء الذي نحن عليه والأرجح يكون الحال أسوء، أما ترامب يتوقع أن يكون وضع العرب والمسلمين معه أسوء ولكن لا يوجد شيء يؤكد هذا ما لم يقع. ما يتلفظ به مرشح للرئاسة يمكن آن يتغير وتغيب حدته بعد أن يصبح رئيسا ولكن يصعب على سياسة المؤسسة أن تتغير.
– ترامب رئيس لم تتمناه الاستبليشمت، ولكن ستعمل على احتوائه، وأثناء ذلك سيقع التوازن بينه كشخصية متفلتة حتى على حزبه وبين المؤسسة، ستكون له بصمته الخاصة ولكن الاتجاه العام سيكون على ما تريده الدولة العميقة التي تؤثر فيها قوى كثيرة منها المؤسسات العسكرية والأمنية، ولوبيات السلاح، ولوبيات الطاقة، واللوبي الصهيوني وبعض اللوليات العرقية ومجموعات المصالح المختلفة.
– في الهامش الذي يخصه ويترك فيه بصمته فيه هو ما يتعلق بالمال، كل سياسات ترامب ستقودها رؤى قريبة المدى للتوسع الاقتصادي الأمريكي، ستهمه الفرص القريبة للربح أكثر من أي شيء آخر كما هي ذهنية رجل الأعمال مثله، لن يهتم كثيرا بالاستراتيجيات بعيدة المدى ولن يكون متحمسا على الإنفاق على مشاريع لا تكون عوائدها قريبة، وسيؤثر هذا على تحالفاته وفق تطورات الوضع الاقتصادي، وكل حليف سابق لم تصبح فيه مصلحة اقتصادية أو يمثل عبئا على أمريكا سيتخلى عنه، وباعتبار أن ترامب لا يرى وجود سبب لتحمل عبء الصعوبات الاقتصادية الأوربية أو مشاكلها الجيوستراتيجية، سيعرف الحلف الأمريكي-الأوربي تراجعا ملحوظا وسيتعامل مع الدول الأوربية دولة دولة وفق استعداد كل واحدة منها للاستسلام التام للإرادة الأمريكية أكثر مما هو حاصل الآن.
ـ ليس بالضرورة أن يكون ترامب وحده في هذه الاستراتيجيات الجديدة، فقد تكون ثمة قوى خفية داخل المؤسسات التقليدية التي تحدثنا عنها قد اختارت هذه الوجهة قبله وكانت هي ذاتها وراء صعوده لاستكمال المهمة وقيادتها ومما يدل على هذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، التقارب الجديد بين أمريكا وروسيا في بعض الملفات ومنها الملف السوري، المواقف السلبية الجديدة من المملكة العربية السعودية وقانون ((جاستا)) الذي صوت عليه الكونغرس الذي يؤدي إلى تغريمها بأموال طائلة تعويضا لضحايا 11 سبتمبر… ألخ..
ـ بالنسبة للمسلمين سيكون موقف ترامب منهم بقدر قدرتهم على نفع أمريكا أو إلحاق الضرر بها، وهناك في هذا المجال وجهان: وجه سلبي ووجه إيجابي. أما الوجه السلبي فهو أن شراسته ستكون أفتك بالمسلمين من سابقيه في أخذ ما يريد منهم إذا رأى ذلك ممكنا وليس له ثمن يدفعه، والوجه الإيجابي أنه سيكون أكثر واقعية وقبولا للحوار وتبادل المنافع إذا رآى نفسه في مواجهة دول إسلامية متماسكة قابلة للتعاون بينها والحديث بصوت واحد ولها قدرة على إيلامه وتضييع فرص الربح المتوقعة في بلادهم. وسيخضع الملف الفلسطيني لنفس القاعدة: سيكون مع إسرائيل إذا كان ذلك ينفعه ماديا أكثر، وسيحاول التوازن إذا رأى بأن وقوفه مع إسرائيل يضيع له فرصا اقتصادية أوفر.
ـ والخلاصة أن ترامب خلافا لسابقيه: يمثل بالنسبة للمسلمين فرصة جديدة وتهديدا أخطر مما مضى بحسب التحولات التي تقع في العالم وبحسب التطور نحو السلب أو الإيجاب في منظومات الحكم والمجتمعات العربية الإسلامية.
د. عبد الرزاق مقري
حينما كتب فرانسيس فوكوياما كتابه ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير” سنة 1992 خطّأه كثير من الكتاب والمفكرين من مختلف الحضارات والثقافات واعتقدوا بأن عكس ادعائه يحصل في العالم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن الزمن زمن بروز الثقافات المتنوعة في العالم وظهور قوى دولية جديدة والتخلص نهائيا من الأحادية القطبية الأمريكية. كثير من هذا حصل حيث ظهرت قوة الصين وباقي دول البريكس في المجال الاقتصادي وأصبحت هناك قوى اقليمية تلعب دورا أساسيا في العلاقات الدولية وأصبحنا نرى العالم بألوان الطيف من حيث التنوع الثقافي. غير أني لا أعتقد بأن هذا الذي كان يهم فوكوياما حين تحدث عن نهاية التاريخ، الذي كان يهمه هو المجال الفكري ومرجعية القيم في الكون، اعتقد فوكوياما بأن نهاية الاتحاد السوفياتي هي الانتصار الأبدي للرأسمالية الغربية المادية الربوية ومذهبها الليبيرالي وبذلك يتنهي صراع المشاريع بالتسليم التام بأن نموذج إدارة الاقتصاد والأسواق هو النظام الرأسمالي دون غيره وأن الليبيرالية ستنتصر أبديا على مستوى المبادئ والأفكار وتصبح معولمة بل تكون منهج حياة البشرية كلها. وعليه، كما نراه الآن في كل مكان، يصبح الذي يتحكم في الحكومات رجال المال والأعمال والمؤسسات الاقتصادية العابرة للقارات ويصبح الحكام خاضعين لإرادة واحدة هي إرادة السوق ومن يتحكم فيه، هي التي توصلهم للحكم وهي التي تسقطهم. وحين يكون الأمر كذلك يتأكد فعليا إمكانية وجود “حكومة عالمية خفية” تسخّر المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية لإرادتها من حيث درت تلك المؤسسات والحكومات أم لم تدر بالرضا أو كرها، وحين يكون الأمر كذلك تفعل أصابع المنظمات الخفية المرتبطة بالصهيونية فعلها كالماسونية واللوبيات المالية والإعلامية وغيرها من المنظمات السرية الشبيهة ومنها منظمة فتح الله غولن المتهمة بالارتباط بالماسونية والمتصلة اتصالا وثيقا بالأجهزة الأمنية الأمريكية، ويصبح عندئذ التمرد على هذه المنظومة العالمية عسيرا جدا يشبه المستحيل أحيانا. قد يُسمح لمن يريد أن يتميز عن هذه المنظومة أن يكون هامشيا يُستفاد منه في تزيين المشهد العالمي، فإذا أراد أن يكون مشروعا عالميا بديلا تتم محاولة استيعابه ليكون مكملا للمشروع الرأسمالي العالمي بقيمه الغربية المهيمنة، فإن أصر على التميز بمرجعية أخرى يُضرب بيد من حديد، بكل الوسائل الممكنة، بالفوضى أو الأزمات أو الحصار أو الانقلابات أو الاغتيال أو شيء من هذا.
إننا حين نتابع اقتصاديات العالم كله في كل الدول بمختلف ثقافاتها وحضاراتها ونظم حكمها سنجدها كلها تمثل نمطا واحدا هو الاقتصاد الرأسمالي الربوي، ذلك هو اقتصاد الصين ضمن نظام الحزب الواحد، وذلك هو اقتصاد الروس ضمن النظام المافيوي المسيطر، وذلك هو اقتصاد دول البريكس، وذلك هو اقتصاد الدول الإسلامية الصاعدة كماليزيا واندنوسيا وتركيا، كلها اقتصاديات تشبه الإقتصاد الرأسمالي الغربي الأمريكي الأوربي، إنها نهاية التاريخ حقا إذا استمر الأمر هكذا، كل هذه الأنظمة تخضع لمذهب واحد هو المذهب الرأسمالي المادي الربوي وهي كلها أنظمة مخترقة بدرجات متفاوتة من الصهيونية العالمية.
إلى جانب كتاب فرنسيس فوكوياما ظهر كتاب آخر ذائع الصيت هو كتاب ” صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” لصاحبه صمويل هنتنتن، والكتاب في أصله مقالة كتبها المؤلف في مجلة “فورين آفيرز” الأمريكية سنة 1993 يرد فيها على تلميذه فرنسيس فوكوياما مؤكدا بأن الحضارة الغربية لم تنتصر بعد وأنها ستواجه صراعات جديدة ليس مع الدول ولكن مع الحضارات الأخرى، ويمثل الكتاب،في حقيقة الأمر، خطة متكاملة لأصحاب القرار الغربيين لمواصلة سيطرة الحضارة الغربية على باقي الحضارات الأخرى، أي لتتحقق “نبوة” تلميذه ذاتها ! وكأنه يقول له “لا تجعلنا نسترخي بنشوة الانتصار فنُغلب، إن علينا مهمات جديدة ليس ضد الدول بحد ذاتها ولكن ضد حضاراتها وقيمها وهويتها”. يحصي صمويل هنتنتن في هذا الكتاب الحضارات الموجودة في العالم ويخلُص إلى أن ثمة حضارتين منافستين للحضارة الغربية هما الحضارة الكنفوشيوسية الممثلة في الصين والحضارة الإسلامية الممثلة بدول الشرق الأوسط وما يتصل به وهي أخطر الحضارات كلها على الغرب حسب هنتنتن، وأن المواجهة الأساسية هي بين ” العالم المسيحي” بقيمه العلمانية من جهة و”العالم الإسلامي” من جهة أخرى. لا أريد أن أفصل في فحوى هذا الكتاب فليس هذا موضوعنا، وقد نشرت بشأنه كتابا منذ سنوات عنوانه: ” صدام الحضارات: محاولة للفهم”، ولكن الذي أريد أن أنبه إليه أن الخطة المعروضة في الكتاب قد أتت ثمارها بالنسبة للصين إلى حد كبير، حيث أصبحت الصين تمثل اقتصادا متكاملا مع الاقتصاد الأمريكي وفي أسوء الحالات قد تهدد المصالح الأمريكية والأوربية ولكنها لا تهدد الحضارة والثقافية الغربية على الإطلاق، بل قد أصبحت مندمجة فيها اندماجا كبيرا أصبح يقلق أصلاء الكونفوشيوسية ولا يجيدون لحيرتهم حلا، وفي أسوء حالٍ من هذا قد تتضرر أمريكا ضررا كبيرا من صعود الصين ولكن الصهيونية لن تتأثر وجوديا بذلك، ذلك أنها وجهت اهتمامها للصين منذ سنوات طويلة وقد اخترقت الاقتصاد الصيني اختراقا كبيرا من خلال هيمنة الفكرة الرأسمالية الربوية ونفوذ رجال الأعمال الصهاينة أو المتصهينين، وهي في راحة تامة من أمرها في هذا الشأن.
إن المشكل الذي تجده “حكومة العالم الخفية” هو مع العدو الأول حسب تصنيف كتاب صدام الحضارات، مشكلتهم الكبيرة هي مع الإسلام المستعصي عن الاستيعاب والإدماج، بل المقاوم الأوحد في الكون لظلم الفكرة الرأسمالية المادية الربوية كما يقر بذلك عدد من القامات الفكرية في الغرب ذاته، بل الإسلام هو القوة الوحيدة التي تعرض بديلا حضاريا معارضا معارضة كلية للهيمنة الاستعمارية الرأسمالية. وخطر الإسلام بالنسبة للنظام العالمي المهيمن ليس في تطبيق الشريعة الإسلامية المظهرية، لا تمثل هذه المسألة شيئا بالنسبة لهم إذا كانت الحكومات والمنظمات التي ترفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية قابلة للاندماج والتبعية الأبدية للسيادة الغربية الرأسمالية الربوية المادية، ثمة دول ومنظمات لا أوضح منها في تطبيق الحدود مثلا، دعوة أوفعلا، ولكنها متحالفة وصديقة لأمريكا وأوربا بل بعضها قريب جدا من دولة إسرائيل ذاتها. كما لا يهم أمريكا وحلفاؤها أن تتمسك بعض المنظمات والدول بالإسلام خارج السيادة والقيم الغربية إذا كانت هذه الدول والمنظمات ضعيفة وهزيلة، بل قد تكون هذه الدول والمنظمات مفيدة لاستمرار الهيمنة الغربية من خلال استعمالها والتخويف بها.
إن الذي يخيف أمريكا هو المشروع الإسلامي البديل التحرري الذي يقاوم الظلم العالمي ويرفض الهيمنة الغربية ويكافح الصهيونية ويكون في نفس الوقت قويا متطورا متحضرا قادرا على الاستقلال عن الإرادة الغربية باقتصاد قوي ومؤسسات حكومية صلبة وشعب فاعل ومتحضر، ولا يهم أن يكون هذا المشروع في صورته النهائية الكاملة أو يكون في طور التحرر من الواقع العالمي المهيمن. لهذا السبب يُضرب اليوم د. محمد مهاتير من خلال دعم أمريكا وإسرائيل لخصومه في المؤسسات الحكومية لكي لا يبقى له أي نفوذ في الدولة الماليزية بالرغم من أنه هو صانع نهضتها وقوتها، يضرب مهاتير اليوم بلا هوادة لأنه يجوب ماليزيا والعالم بأسره يحذر من مخاطر الربا والهيمنة الغربية ومن مخاطر الكيان الصهيوني وسطوته. ولهذا السبب يحارب أردوغان ولهذا السبب كان الانقلاب الفاشل، إنه انقلاب ضد فكرة يحملها طيب رجب أردوغان وإخوانه تعلّموها في شبابهم في الكتاتيب ومعاهد الأئمة والدعاة ومع أستاذهم المفكر الكبير نجم الدين أربكان رحمه الله، أجلوا التعبير عنها ضمن خطة محكمة ومشروع متكامل، وتعاملوا مع الواقع كما هو بنيّة تغييره بالتدرج على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام والمجددين في كل زمان، ولكن وهم في أعلى مستويات نجاحاتهمفي مجال التنمية والاقتصاد وصناعة القوة والتحضر اضطرتهم الأحداث أن يعلنوا عن وقوفهم مع الحق بلا تردد ولا هوادة، قولا وعملا، في قضية فلسطين أساسا وفي قضايا الأقليات والشعوب المسلمة المضطهدة والتي تمر بمراحل صعبة كمنيمار والصومال وغيرهما، ثم في قضية تحرر الشعوب على إثر ثورات العرب ضد الظلم والتخلف والاستبداد فأصبحوا مصدر الإلهام واتجهت إليهم مشاعر الحب والتقدير لدى الشعوب العربية والإسلامية التي عبرت عن ذلك أحسن تعبير على إثر الانقلاب الفاشل. لقدبدأ هؤلاء الأتراك المتميزون يتحولون فعلا إلى نموذج ماثل ناجح تقيص عليه شعوب العالم العربي والإسلامي لتنتشر العدوى فيتحول المشروع التركي إلى مشروع عالمي بديل، ولربما تتالحف معه حضارات أخرى مستضعفة غير إسلامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فيتحول العالم كله إلى واقع غير الواقع الذي تحبه الرأسمالية المادية الربوية. ولعمري هذا أمر لا يمكن أن تقبله حكومة العالم الخفية وروحها المتصهينة. هذا الذي كتبه هنتنن وهو يتحدث عن الإسلام، وهذا الذي يُطبّق أمام أعيننا، كتب بشكل واضح بأن السمة الأبرز في ضعف الأمة التي تنتمي للحضارة الإسلامية حاليا هو غياب الدولة النموذج التي تمثل أو تتجه إلى تمثيل الفكرة الإسلامية الحضارية التحررية، وهذا هو الضعف الذي يجب أن يستمر..
د. عبد الرزاق مقري
المراكز الغربية تحرص دائما أن يكون مع الضيوف العرب ممثلا أو أكثر عن حزب العدالة والتنمية التركي. وكانوا في كل مرة يعملون على إحراجنا بالسؤال عما إذا كانت تجربة العدالة والتنمية التركية نموذجا نقتدي به في بلداننا العربية. كان حزب أردوغان في عهدته الأولى بين سنة 2002 ـ 2008 وكان في وئام تام مع الغرب الأمريكي-الأوربي، كان يمثل فرصة العمر لهم لتدجين الحركات الإسلامية العربية على منوال التجربة الإسلامية التركية العلمانية المتصالحة مع إسرائيل. كان بعض الغربيين لا يثق بالواجهة المطمئنة التي كان يقدمها حزب العدالة والتنمية التركي، منها مسؤولة كبيرة في الاتحاد الأوربي مستشارة لدى رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزي مانويل باروزو سنة 2004 حيث قالت لي في حديث ثنائي كرد فعل على إصرار ممثل الحزب التركي على تأكيد علمانيته في اجتماع نظمه مركز كارنيجي في ألمانيا قالت: ” هل يظن أننا نصدقه !”. ربما كان كل الغربيين يعلمون بأن هذا الانتماء للعلمانية إنما هو انتماء اضطراري ولكن كانوا يتوقعون بأنه انتماء أبدي وأنه يجب وضع كل الإسلاميين في الظروف التي تجعلهم علمانيين متصالحين مع إسرائيل وأنه يحسن كثيرا أن يُقدّم لهم نموذج ناجح لذلك.
كان جوابي في كل هذه اللقاءات جوابا بيّنا واضحا على شاكلة ما حدث في ذلك النقاش الثلاثي الحيوي الصريح في واشنطن في ندوة نظمتها منظمة “سنتيري فونديشن” في شهر ماي سنة 2008 شارك فيها الأستاذ محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية المغربي وممثل عن حزب العدالة والتنمية التركي، وكنت أمثل في الندوة حركة مجتمع السلم حيث قلت لمنظم الندوة الذي سأل مرة أخرى عن رأينا في النموذج التركي، قلت له: ” لا شك أن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي تجربة رائدة في مجال الحوكمة والتنمية الاقتصادية يمكن الاستفادة منها لا سيما أنه وصل في تلك السنة في آخر عهدته الأولى إلى تحويل دخل الفردي التركي من 3500 دولار سنة 2002 إلى 10500 دولار سنة 2008 ونقل صادرات تركيا من 36 مليار دولار إلى 132 مليار دولار، غير أن ثمة فروقا أساسية في البيئة السياسية لا تتحمل التشبيه أولا تسمح بالمحاكاة منها أن تركيا أصبحت بلدا ديموقراطيا لا تُزوّر فيه الانتخابات، وما كان أردوغان ليحقق ما حققه لو لا توفر الحريات والديموقراطية في تركيا، وأن حزب العدالة والتنمية وجد وضعا علمانيا مستقرا لمدة سبعين سنة لا يمكنه تغييره، في حين أن دساتير بلادنا العربية كلها تُقر بأن الشريعة هي مصدر التشريع أو على الأقل أن الإسلام هو دين الدولة، وأن هذا الوضع الدستوري مستقر منذ عشرات السنين تحت حكم أنظمة قومية، فلا تتوقعوا أبدا أن الأحزاب الإسلامية ستخفض هذا السقف فتتبنّى العلمانية على شاكلة حزب العدالة والتنمية التركي وهي كلها أحزاب بنت وجودها على مواجهة العلمانية”.
لقد كنت أظن أنا كذلك بأن حزب العدالة والتنمية حزب لا علاقة له بالفكرة الإسلامية وأن مؤسسيه قد بعُدت عليهم الشقّة في كفاحهم الطويل مع شيخهم نجم الدين أربكان فغيروا وبدلوا طمعا في الاكتفاء بخدمة بلدهم في مجال التنمية ضمن المشروع الغربي الرأسمالي الربوي وأنهم، مهما كان احترامنا لهم بسبب إنجازاتهم في السنوات الخمس الأولى من حكمهم، لا يجب أن نعتبرهم نموذجا ومثالا يقتدى به، ذلك أن فكرتنا بقيت عالمية رغم الصعوبات التي نجدها في بلادنا العربية تهدف إلى تحرير فلسطين وتحرير العالم بأسره من السيطرة الرأسمالية الربوية الظالمة، وأن نظيرنا في تركيا هو حزب السعادة، حزب نجم الدين أربكان رحمه الله رغم انحصاره السياسي لدى الناخبين الأتراك.
بقيتُ هكذا لسنوات عديدة، يزداد إعجابي بإنجازات أردوغان وإخوانه في خدمة بلدهم، ولكنني لم أقبل مشروعهم على المستوى الفكري الحضاري أبدا وحسبته جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية المهيمنة التي لا بد أن تنهار ذات يوم، واعتبرت بأن هذا المشروع التركي قد يكون مجرد مرحلة في الطريق لا يعتد به كنموذج نهائي للإسلام والمسلمين، نكتفي بالثقة بصلاح أصحابه وابتعادهم عن الفساد وبالاعتراف بنجاحاتهم الكبيرة التي وصلت في نهاية عهدتهم الثالثة إلى ما يشبه الخيال بالنسبة لما كانت عليه تركيا قبل توليهم الحكم، وقد دونت هذا الحكم عليهم في بحثي الذي قدمته في المؤتمر الأول لمنتدى كوالالمبور بماليزيا سنة 2013 والذي نشرته تحت عنوان: ” الدولة المدنية: رؤية إسلامية”.
غير أن صاعقا فكريا هزّني ذات يوم غيّر تصوري وحُكمي على الإنتماء الفكري لأردوغان وأصحابه تماما، حيث أدركت بأن هذا الفريق المسلم التركي الحاكم صاحب رؤية إسلامية عالمية أصيلة، وأنه يعرف ماذا يفعل، وأن مشروعه مشروع إسلامي تجديدي تجاوز كل التجارب العربية الإسلامية السابقة والحاضرة، وأنه يتعامل مع الواقع كما هو ويعمل على تغييره بالتدرج للوصول إلى صورة نهائية مرسومة لديه باستعمال الشرعية الشعبية التي لم يحصل عليها إلا بخدمة مصالح الناس والعدل بينهم وتوفير الحريات التي تحلّ كل القضايا الأيديولوجية الخلافية في إطار من السلم والاستقرار والوعي العام والتّحضُّر.
كان ذلك في المؤتمر السنوي الاقتصادي لجمعية رجال الأعمال والصناعة المستقلين ” موصياد” سنة 2014. بدأ المؤتمر بتلاوة آيات تحريم الربا في سورة البقرة جعلتني أشعر بشيء من السعادة، وقلت في نفسي ربما ثمة في محيط هذه الحكومة أو المنظمة المشرفة على المؤتمر من يحمل فكرنا واتجاهنا فاختار هذه الآيات من باب التذكير فحسب، غير أنّي سمعت بأذني ما لم أكن أتوقعه في المحاضرات المتسلسلة لوزراء الاقتصاد والمالية والتجارة ثم رئيس منظمة الموصياد ثم الرئيس التركي طيب رجب أردوغان سحلوا فيها كلهم الفكرة الرأسمالية الربوية الغربية، وكانت المحاضرة الأقوى هي محاضرة الرئيس التي حاكم فيها النظام الرأسمالي الغربي الربوي وحمّله مسؤولية الحروب والفقر والاستعمار والظلم والإرهاب وغير ذلك من الآفات التي تعرفها البشرية اليوم.
عندئذ قلت في نفسي لقد كشف أردوغان اتجاهه، وهو نفس الاتجاه الذي بقي يعلنه شيخه نجم الدين أربكان حتى وافته المنية والذي نؤمن به جميعا، ربما يكون أردوغان قد كشف حقيقة منهجه في الوقت المناسب، ولكن ذلك لن يمر بلا ثمن باهض سيدفعه عاجلا أم آجلا….. يتبع..
د. عبد الرزاق مقري
من منطلق اختصاصنا في العمل السياسي نحن ضد السياسات الإيرانية في المنطقة العربية، من حيث موقفها السلبي في القضية المصرية، وإجرامها في سوريا والعراق ودعمها واستعمالها للمليشيات الشيعية المجرمة، ومن استغلالها للمذهب والطائفة ومحاولتها ضرب استقرار المنطقة العربية بحملات التشييع المنظمة وبجواسيسها وأتباعها وبتحالفاتها المشبوهة مع الغرب والكيان الصهيوني وندعو الحكومات إلى ضرورة الحزم والصرامة في مواجهة سياساتها التمددية ومحاولات الاختراق التي تنتهجها مع تفضيل تفضيل الطرق الدبلوماسية وضرورة محاورتها وإقناعها ما أمكن بأن مصالحها في التعاون وليس في التآمر، ونحن في نفس الوقت نقاوم فساد الأنظمة العربية السنية بكل مسؤولية، ليس من منطلق المنافسة على السلطة والكرسي ولا من باب المناكفة السياسية والأيديولوجية ولكن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر لتفريط هذه الأنظمة في خدمة بلدانها وتطويرها وتحقيق وحدتها وبسبب موالاتها للأجنبي وبسبب التفريط في فلسطين وخذلان المقاومة، كما نواجه كل أنواع التطرف السني بكل مصداقية. ونحن إذ نؤكد على ضرورة فضح جرائم الميليشيات الشيعية في سوريا والعراق ودعم ومناصرة ونجدة ضحاياها وإذ نقر حق البلدان العربية في مقاومة التمدد الإيراني فإننا في نفس الوقت ضد الخروج من الدائرة السياسية في الصراع إلى الدائرة الطائفيية المدمرة لكيان الأمة على النحو الذي يريده الغرب والصهاينة، وحتى إذا انحرف الصراع إلى المواجهة العسكرية لا قدر الله لا يجب أن تكون حربا بين الشيعة والسنة بل بين دول تدافع عن ترابها وكيانها وسيادتها وقد يكون ذلك في سبيل الله وفق مقاصد ونوايا كل طرف وإذا كانت المواجهة على أسس شرعية. غير أننا نفضل صناعة القوة الاقتصادية والدفاعية والفكرية ووحدة عالم السنة على المجابهة والاقتتال مع الشيعة، ونحن ضد تكفيرهم على العموم، وضد رسم جدر القطيعة مع عالم الشيعة أو الدخول معهم في عداوة طائفية، بل لا بد من البحث عن المساحات المشتركة ما أمكن وذلك هو منهج صلاح الدين الأيوبي رحمه الله معهم قبل أن يحرر المسجد الأقصى كما سنرى في المقال المقبل.
غير أننا ونحن نمارس السياسة، في حركة مجتمع السلم، نحن مسلمون وأهل ثقافة وعلم، ولا نُقدم على شيء حتى يكون لنا فيه تأصيل شرعي، نتبع فيه ما يذهب إليه جمهور علمائنا الموثوقين لا نعتدي في ذلك ولا نزيد، وحينما يكون في الأمر وسع نبحث ونجتهد جماعيا حتى يتضح لنا الحق، مستعينين بالله، ندعوه بدعاء نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))
وأريد أن أعتمد في هذا المقال التأصيلي لموقفنا من عموم الشيعة على ما ذهب إليه علماء كبار من أكثرهم تشددا في حق الشيعة لا يستطيع من يخالفنا رد أقوالهم، نبدأ بابن تيمية وننتهي بالعثيمين رحمهما الله تعالى، في قضايا حساسة تتعلق بتكفير عامة الشيعة، وقتالهم على أساس المذهب، وقضية تفضيل اليهود والنصارى عليهم، وأرجو بعد هذا المقال المؤصل أن يسكت الذين ليس لهم علم، كما أرجو من الذين يريدون تحويل المواجهة المشروعة مع إيران وحزب الله إلى حرب دينية خدمة لبعض الدول والأنظمة التي يوالونها أن يتقوا الله في الإسلام والمسلمين، وأن ينتبهوا إلى مخاطر الحروب الطائفية على الأمة جمعاء وأن يراجعوا منهج صلاح الدين في معالجة قضية الشيعة قبل تحريره المسجد الأقصى.
أولا: الموقف الحقيقي للإمام ابن تيميه من الحكم على الشيعة:
حينما نتحلى بالموضوعية العلمية ونتحرى الحقيقة في ما ذهب إليه ابن تيمية في قضية تكفير الشيعة سنجد بأنه لم يتجه إلى ما اتجه إليه بعد المتشددين المعاصرين وفق مذهب إجمالي يطلق حكما واحدا على جميعهم دون تمييز بين فرقهم، وبين معتقداتهم وأفكارهم والأشخاص المنتمين للمذهب، بل نجده تبنى مذهبا تفصيليا لا يقر فيه بخروج الشيعة كلية عن الإسلام. فهو رغم “وصفهم بالضلال وقلة العلم والعقل، والتناقض والاضطراب، والعداء للمسلمين، والتعاون مع الأعداء” لا يخرجهم من دائرة الإسلام بالكلية، ومما يدل على ذلك ما يلي:
1 ـ أنه يعتبر أن دخول الكافر للإسلام على مذهب الرافضة خير له من بقائه على الكفر ويقول في هذا: “( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا ) (مجموع الفتاوى : 13/96).
2 ـ يعتبر أن في الرافضة خلق مسلم فيقول بخصوص عصمة الأئمة: ( فهذه خاصة الرافضة الأمامية، التي لم يشركهم فيها أحد، لا الزيدية الشيعة , ولا سائر طوائف المسلمين , إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية الذين يقولون بعصمة بني عبيد , المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر , القائلين : بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر , وأولئك ملاحدة منافقون . والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير , فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطنا وظاهرا , ليسوا زنادقة منافقين , لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم ..) (منهاج السنة : 2/452 ).
3 ـ يُعذِر جاهلهم ولا يقول بتكفير عوامهم فقد بين أن عوام الشيعة الذين لم يعرفوا أمرهم قد يكونوا مسلمين حيث يقول (.. وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا أمرهم فقد يكونون مسلمين , (منهاج السنة : 2/452.
4 ـ فرق بين تعميم التكفير على القول الكفري المعين وبين تكفير الشخص المعين حيث يقول فى مجموع الفتاوى ( وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرْت دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ . فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ . وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي ” قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ)
5 ـ ينكر القول بتفضيل اليهود النصارى على الشيعة : حيث يقول فى الرد على من يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ( كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم) (مجموع الفتاوى :35/201 ).
6 ـ يقول بصحة الصلاة خلف الإمام الرافضي: حيث يقول( والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة , فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فانه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره آثر ذلك حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك إذا كان الأمام قد رتبه ولاة الأمور، ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة والجهمية(مجموع الفتاوى : 23/354)
7 ـ وقرر ضرورة التمييز بين الفرق الشيعية ونفى إجماع العلماء في تكفيرهم جملة، ونتيجة لذلك لم يضع حكم واحد على هذه الفرق، بل وضع أحكام متعددة ،وهذا الموقف يتفق معه فيه كثير من علماء أهل ألسنه الذين قرروا : إن الشيعة على ثلاثة أقسام: قسم كافر بالإجماع كغلاة الشيعة، وقسم غير كافر بالإجماع كالشيعة المفضلة، وقسم وقع فيه خلاف بين العلماء كالرافضة .حيث ذكر الإمام ابن تيمية الشيعة المفضلة عند ذكر الفرق التي أجمع الأئمة على عدم كفرهم (مجموع الفتاوى : 3/351 ). كما ذكر ان غلاة الشيعة بفرقهم المتعددة كفار بالإجماع) منهاج السنة : 3/452 و 5/337) , وذكر أن العلماء لهم في الرافضة قولان , هما روايتان عن الإمام أحمد) مجموع الفتاوى :3/56 والصارم المسلول :567ـ571.
8 ـ وبخصوص القضية الخطيرة المتعلقة بقتالهم فقد جعله مقيدا بمن تنطبق عليه شروط القتال ممن خرج على الحاكم الشرعي، أو أعان الأعداء على المسلمين فهو من باب قتال الفئة الباغية وليس من باب جهاد الكفار المحاربين، أي أن سبب قتالهم سياسي وليس على أساس البعد الديني أو الطائفي.
ثانيا: موقف الشيخ ابن عثيمين في تكفير الرافضة:
يقول ابن عثمين: الرافضة كغيرهم من أهل البدع ، إذا أتوا بما يوجب الكفر صاروا كفارا وإذا أتوا بما يوجب الفسق صاروا فساقا ، وإذا كان لشيء من أقوالهم القريبة من أقوال أهل السنة شيء من النظر، وصار محل اجتهاد فهم فيه كغيرهم ، فلا يمكن أن يجاء بجواب عام ويقال:كل الرافضة كفار، أو كل الرافضة فساق ، لا بد من التفصيل والنظر في بدعتهم، ويجب علينا أن ندعوهم إلى الحق، وأن نبيّنه لهم، وإذا كنا نعلم من أي فرقة هم، فعلينا أن نبيّن عيب هذه الفرقة، ولا نيأس، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، ربما يهديهم الله على أيدينا، فيحصل لنا خير كثير ، والانسان الذي يهتدي بعد أن كان غير مهتد قد تكون فائدته للمجتمع أكثر وأكبر من الذي كان مهتديا من الأول ، لأنه عرف الباطل ورجع عنه ، وبيّنه للناس فيكون بيانه للناس عن علم. المرجع: لقاءات الباب المفتوح رقم السؤال 1557رقم اللقاء 703 / 520 طبعة دار البصيرة.
صليت الجمعة هذا اليوم في مسجد يؤمه إمام شاب ذو نزعة سلفية معتدلة، أغلب خطبه التي سمعتها من قبل مفيدة ونافعة، ومحفزة على الخير والمحبة والإصلاح، له أفضال على حيه في تعليم القرآن والسنة، ولكن في الجمعة الأخيرة سمعته يدعو دعاء مفزعا، لقد دعا على الشيعة جملة وتفصيلا، دعا عمليا على قرابة ثلاثة مائة مليون من أهل القبلة.
أنا أعلم بأن جرائم كثيرة تقترف باسم الشيعة وآل البيت في سوريا والعراق وبلدان أخرى، أنا أعلم بأن كثيرا من أهل السنة في هذه البلدان أصبحوا يبغضون الشيعة لما لحقهم منهم من أذى، أنا أعلم بأن الظلم الذي تقترفه إيران وحزب الله قد بلغ عنان السماء. أنا ممن يدعو إلى إنكار هذه المناكر والعمل على توقيفها، تماما مثل ما أدعو إلى إنكار جرائم دواعش السنة وأخواتها في حق أهل السنة والشيعة. ولو دعا هذا الإمام الفاضل على إيران وحزب الله لما أصابني ربما الفزع الذي أصابني اليوم ولقلت بأن له موقفا سياسيا، ولو دعا على الميليشيات الشيعية المجرمة لكان الموقف عاديا مفهوما. فإيران أفسدت بسياستها الطائفية، وحزب الله جزء من استراتيجيتها وهو تبع لها في كل شيء، والدواعش الشيعية التي تعيث في سوريا والعراق فسادا تتبعها وتعمل تحت حمايتها.
منذ زمن وأنا أقول بأن لإيران مشروعا قوميا فارسيا، وهي تُسخر الطائفة الشيعية لهذا المشروع وليس العكس، وحرصها على التمدد في عالم السنة مشروع سياسي لا ديني، وإنما الدين أداة تستغله بذكاء لهذا الغرض. ولو علم ذلك الإمام الشاب هذا الأمر لما جمع الشيعة كلهم في سلة واحدة ولما دعا بذلك الدعاء المفزع. ما الذي جعله يدعو على الشيعة، لماذا لم يكن يدعو عليهم في الشهور الماضية، وفي السنة السابقة، ألم يكن الشيعة شيعة، عقيدتهم وفقههم وتفسيرهم للتاريخ هو ذاته منذ قرون طويلة. وقد تعايش المسلمون مع ذلك التنوع والاختلاف كل تلك المدد، ورغم الحروب الكبيرة التي وقعت، والخيانات العظمى التي حدثت بقي الشيعة شيعة والسنة سنة، وهم كذلك سيبقون ولن يتغير من الأمر شيء.
إن الذي يجب أن ينتبه إليه ذلك الإمام الشاب الصالح الطيب أن الخطة الجديدة لضرب الأمة العربية الإسلامية وتشتيتها وإضعافها هي الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة. لقد علم الغرب بزعامة أمريكا بأن حليفيه التقليديين في المنطقة المتمثلين في المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني المسمى دولة إسرائيل، لم يصبحا مهمين كما من قبل، وسيكونان أقل أهمية بدرجات متفاوتة بينهما في مراحل مقبلة، وذلك لأسباب كثيرة ليس المجال للحديث عنها، يتداخل فيها تطور أوضاع المصالح والثروات مع التطورات الاستراتيجية المتعددة. غير أنه مهما تراجعت أهمية المنطقة لتلك الأسباب ستبقى مهمة من حيث الجيوستراتيجية، أي من حيث الأبعاد الجغرافية، وكل استقرار سياسي وتطور اقتصادي وكل تحول نحو الديموقراطية وتجسيد إرادة الشعوب سيؤدي إلى وحدة سياسية بشكل ما يراها الغرب خطرا مباشرا عليه. وباعتبار أن أمريكا وحلفاءها يعيشون أزمات اقتصادية فهم لا يستطيعون ضمان حضور جيوشهم للسيطرة على المنطقة لمدة طويلة، ولذلك أحسن بديل للسطرة على المنطقة هو إشعال نيران الحرب الطائفية. وإن الحيلة التي اختاروها لهذا الغرض، هو دعم الأقلية الشيعية الإيرانية وتقويتها وتجرئتها على التمدد داخل أغلبية كبيرة ضعيفة ومترهلة. فلا الأقلية الشيعية القوية تستطيع أن تهيمن على الأغلبية، ولا الأغلبية السنية المهينة الممزقة تقدر على هزيمة الأقلية، والنتيجة عندئذ حرب طائفية تدوم مائة سنة كما تنبأ بذلك الاستراتيجي اليهودي الأمريكي الماكر هنري كيسنجر.
إننا بدون شك لا نلوم إيران على أن يكون لها مشوع قومي فارسي، فهذا حقها وهذا هو شأن الدول، ولكن ما نلومه عليها هو رفع شعار الإسلام والعمل بما يخالفه، ورفع شعار المقاومة وإنشاء ظروف الفرقة والتمزق بين المسلمين المخالفة لأهداف ومشروع المقاومة، وأكثر ما نند به بخصوصها هو تورطها وحلفائها في الجرائم، والقتل والتشريد والتجويع على أساس المذهب، ومن ذلك مأساة مضايا في سوريا والمقدادية في العراق التي ستبقى عارا على جبينها وجبين حزب الله.
غير أن ذلك كله لا يبيح أن نجعل الشيعة كلهم في كفة واحدة، وأن ندعو عليهم، وأن نحاربهم على أساس مذهبهم وطائفتهم، لم يفعل ذلك العلماء والتابعون من قبل رغم إنكارهم على بعض عقائدهم وسلوكهم مع الصحابة، وكل الحروب التي كانت بين السنة والشيعة، سواء بين البوهيين والسلاجقة، أو العثمانيين والصفويين، أو ما وقع في فترات متعددة بين الفاطميين والمعز بن باديس في المغرب الأوسط، ومن قبله عبد الرحمن الناصر في الأندلس إلى أن قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي في مصر، وغير ذلك من الحروب، كانت كلها حروبا سياسية هزمت فيها الدول الشيعية في كل تلك السجالات في آخر المطاف، ولكن لم تودّ تلك الحروب أبدا إلى حروب طائفية نبذ فيها الشعبان الشيعي والسني بعضهما بعضا.
إن الحكمة في معالجة الصراع السياسي الإيراني العربي ليس في تأجيج النزعة الطائفية، إن فعلنا ذلك سنجعل كل الشيعة يحتمون بإيران ولو كانت ظالمة، وليست كذلك في تفضيل المواجهة الشاملة والقطيعة التامة مع إيران، ولا من خلال الحرب بالوكالة بواسطة الجماعات الإرهابية، سواء الميليشيات والدواعش السنية أم الميليشيات والدواعش الشيعية. وإنما الحكمة في أن تنافس البلدان السنية إيران الفارسية الشيعية المسلمة في القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والعسكرية والفنية، وأن تحقق الوحدة والنهضة الشاملة في العالم السني، ذلك الذي سيجعل إيران تُنسِّب طموحها، تماما مثل ما هو التاريخ، كلما ضعف السنة وُجد في الشيعة من يقودهم للتمدد داخل السنة، وكلما قوي السنة كان الشيعة ضمن الأمة، يكون منهم العلماء والأدباء والسياسيون الذين يخدمون الإسلام وأهله.
إنه حينما يلجأ إمام ذو سمعة طيبة مثل هذا الذي صليت عنده هذه الجمعة إلى الدعاء على الشيعة الروافض[1] كلهم على المنبر بحضور أعداد كبيرة من المسلمين، كرد فعل على جرائم بشعة اقترفها بعض الشيعة، نشعر كم هو سهل التورط في فتنة طائفية تأكل الأخضر واليابس نسأل الله العافية.
د. عبد الرزاق مقري
ــــــــــــــــــ
[1] ـ الرافضة أو الروافض: المفرد: رافضي) والرفض : بمعنى الترك. ويطلق المصطلح من قبل بعض أهل السنة على الشيعة الاثنا عشرية. قال ابن تيمية في أصل تسمية الرافضة: «من زمن خروج زيد – يقصد زيد بن علي – افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني. فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه، وسُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه.
contact@abderrazakmakri.com